Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — الأعراف 7:161 – الأنفال 8:75

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. الأعراف 7:161
  2. الأعراف 7:162
  3. الأعراف 7:163
  4. الأعراف 7:164
  5. الأعراف 7:165
  6. الأعراف 7:166
  7. الأعراف 7:167
  8. الأعراف 7:168
  9. الأعراف 7:169
  10. الأعراف 7:170
  11. الأعراف 7:171
  12. الأعراف 7:172
  13. الأعراف 7:173
  14. الأعراف 7:174
  15. الأعراف 7:175
  16. الأعراف 7:176
  17. الأعراف 7:177
  18. الأعراف 7:178
  19. الأعراف 7:179
  20. الأعراف 7:180
  21. الأعراف 7:181
  22. الأعراف 7:182
  23. الأعراف 7:183
  24. الأعراف 7:184
  25. الأعراف 7:185
  26. الأعراف 7:186
  27. الأعراف 7:187
  28. الأعراف 7:188
  29. الأعراف 7:189
  30. الأعراف 7:190
  31. الأعراف 7:191
  32. الأعراف 7:192
  33. الأعراف 7:193
  34. الأعراف 7:194
  35. الأعراف 7:195
  36. الأعراف 7:196
  37. الأعراف 7:197
  38. الأعراف 7:198
  39. الأعراف 7:199
  40. الأعراف 7:200
  41. الأعراف 7:201
  42. الأعراف 7:202
  43. الأعراف 7:203
  44. الأعراف 7:204
  45. الأعراف 7:205
  46. الأعراف 7:206
  47. الأنفال 8:1
  48. الأنفال 8:2
  49. الأنفال 8:3
  50. الأنفال 8:4
  51. الأنفال 8:5
  52. الأنفال 8:6
  53. الأنفال 8:7
  54. الأنفال 8:8
  55. الأنفال 8:9
  56. الأنفال 8:10
  57. الأنفال 8:11
  58. الأنفال 8:12
  59. الأنفال 8:13
  60. الأنفال 8:14
  61. الأنفال 8:15
  62. الأنفال 8:16
  63. الأنفال 8:17
  64. الأنفال 8:18
  65. الأنفال 8:19
  66. الأنفال 8:20
  67. الأنفال 8:21
  68. الأنفال 8:22
  69. الأنفال 8:23
  70. الأنفال 8:24
  71. الأنفال 8:25
  72. الأنفال 8:26
  73. الأنفال 8:27
  74. الأنفال 8:28
  75. الأنفال 8:29
  76. الأنفال 8:30
  77. الأنفال 8:31
  78. الأنفال 8:32
  79. الأنفال 8:33
  80. الأنفال 8:34
  81. الأنفال 8:35
  82. الأنفال 8:36
  83. الأنفال 8:37
  84. الأنفال 8:38
  85. الأنفال 8:39
  86. الأنفال 8:40
  87. الأنفال 8:41
  88. الأنفال 8:42
  89. الأنفال 8:43
  90. الأنفال 8:44
  91. الأنفال 8:45
  92. الأنفال 8:46
  93. الأنفال 8:47
  94. الأنفال 8:48
  95. الأنفال 8:49
  96. الأنفال 8:50
  97. الأنفال 8:51
  98. الأنفال 8:52
  99. الأنفال 8:53
  100. الأنفال 8:54
  101. الأنفال 8:55
  102. الأنفال 8:56
  103. الأنفال 8:57
  104. الأنفال 8:58
  105. الأنفال 8:59
  106. الأنفال 8:60
  107. الأنفال 8:61
  108. الأنفال 8:62
  109. الأنفال 8:63
  110. الأنفال 8:64
  111. الأنفال 8:65
  112. الأنفال 8:66
  113. الأنفال 8:67
  114. الأنفال 8:68
  115. الأنفال 8:69
  116. الأنفال 8:70
  117. الأنفال 8:71
  118. الأنفال 8:72
  119. الأنفال 8:73
  120. الأنفال 8:74
  121. الأنفال 8:75

الأعراف 7:161

﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وإيرادُ الفِعْلِ عَلى البِناءِ مَعَ اسْتِنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَإذْ قُلْنا" لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، والإيذانِ بِالغِنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ بِالأمْرِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ؛ أيِ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ تَعالى لِأسْلافِهِمُ. ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، يُقالُ: سَكَنْتُ الدّارَ، وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ اتِّساعًا، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: أرِيحا، وهي قَرْيَةُ الجَبّارِينَ، وكانَ فِيها قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ عادٍ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ، رَأسَهم عُوجُ بْنُ عُنْقٍ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: " اسْكُنُوا " إيذانٌ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ هو الدُّخُولُ عَلى وجْهِ السُّكْنى والإقامَةِ. وَلِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ رَغَدًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا مِنها﴾؛ أيْ: مِن مَطاعِمِها وثِمارِها، عَلى أنَّ " مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ " مِنها " عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ. ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن نَواحِيها مِن غَيْرِ أنْ يُزاحِمَكم فِيها أحَدٌ، فَإنَّ الأكْلَ المُسْتَمِرَّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا رَغَدًا واسِعًا، وعَطْفُ كُلُوا عَلى اسْكُنُوا بِالواوِ لِمُقارَنَتِهِما زَمانًا، بِخِلافِ الدُّخُولِ فَإنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأكْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ هُناكَ: " فَكُلُوا " . ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ أيْ: مَسْئَلَتُنا، أوْ أمْرُكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ كالجِلْسَةِ. ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾؛ أيْ: بابَ القَرْيَةِ. ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: مُتَطامِنِينَ مُخْبِتِينَ، أوْ ساجِدِينَ شُكْرًا عَلى إخْراجِهِمْ مِنَ التِّيهِ، وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِالدُّخُولِ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ المَذْكُورِ في سُورَةِ البَقَرَةِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهَذا التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالقَرْيَةِ: أرِيحاءَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوها، حَيْثُ سارَ إلَيْها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ بِذَرارِيهِمْ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، فَفَتَحَها كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ، وأمّا إنْ كانَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوهُ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالبابِ: بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها. ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ وقُرِئَ: ( خَطاياكم ) كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتُغْفَرْ لَكم خَطِيئاتُكم، وخَطاياكم، وخَطِيئَتُكم، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ عِدَةٌ بِشَيْئَيْنِ بِالمَغْفِرَةِ وبِالزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ هَهُنا لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالغُفْرانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ الغُفْرانِ ؟ فَقِيلَ: سَنَزِيدُ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ مِنهم زِيادَةُ بَيانٍ.

الأعراف 7:162

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ. ﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوهُ زاحِفِينَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وقالُوا مَكانَ حِطَّةٌ: حِنْطَةٌ، وقِيلَ: قالُوا بِالنَّبَطِيَّةِ: حَطًا شَمْقاثًا، يَعْنُونَ: حِنْطَةً حَمْراءَ، اسْتِخْفافًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى واسْتِهْزاءً بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-284)والسَّلامُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ نَعْتٌ لِقَوْلًا صُرِّحَ بِالمُغايَرَةِ مَعَ دَلالَةِ التَّبْدِيلِ عَلَيْها قَطْعًا، تَحْقِيقًا لِلْمُبالَغَةِ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ إثْرَ ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، والمَعْنى واحِدٌ، والإرْسالُ مِن فَوْقُ، فَيَكُونُ كالإنْزالِ. ﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ عَذابًا كائِنًا مِنها، والمُرادُ: الطّاعُونُ، رُوِيَ أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المُسْتَمِرِّ السّابِقِ واللّاحِقِ، حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لا بِسَبَبِ التَّبْدِيلِ فَقَطْ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُ الإرْسالِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، والتَّصْرِيحُ بِهَذا التَّعْلِيلِ لِما أنَّ الحُكْمَ هَهُنا مُتَرَتِّبٌ عَلى المُضْمَرِ دُونَ المَوْصُولِ بِالظُّلْمِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِالفِسْقِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ، فَقَدْ مَرَّ وجْهُهُ هُناكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الأعراف 7:163

﴿واسْألْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ في " إذْ "، قِيلَ:؛ أيْ: واسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ، وتَجاوُزِهِمْ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِن عُلُومِهِمُ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلَيْها إلّا مَن مارَسَ كُتُبَهم، قَدْ أحاطَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرًا، وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِالتَّلَقِّي مِن كُتُبِهِمْ؛ لِأنَّهُ ﷺ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، تَعَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الجِهَةِ الوَحْيُ الصَّرِيحُ. ﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾؛ أيْ: عَنْ حالِها وخَبَرِها، وما جَرى عَلى أهْلِها مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، وهي أيْلَةُ قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ، وقِيلَ: هي مَدْيَنُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَدِينَةَ: قَرْيَةً. ﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾؛ أيْ: قَرِيبَةً مِنهُ مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِهِ. ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾؛ أيْ: يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، و" إذْ " ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِكانَتْ، أوْ حاضِرَةَ، ولَيْسَ بِذاكَ؛ إذْ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ الكَوْنِ، أوِ الحُضُورِ بِوَقْتِ العُدْوانِ. وَقُرِئَ: ( يَعَدُّونَ )، وأصْلُهُ: يَعْتَدُونَ، ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ، حَيْثُ كانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، مَنهِيُّونَ عَنْ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ. ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ، أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ عَداوَتِهِمْ أدْخَلُ في التَّقْرِيعِ. والحِيتانُ جَمْعُ حُوتٍ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، كَنُونٍ ونِينانٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِهِ، لِاسْتِقْلالِها بِما لا يَكادُ يُوجَدُ في سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِنَ الخَواصِّ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها: الحِيتانُ الكائِنَةُ في تِلْكَ النّاحِيَةِ، وإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ وعَدَمِهِ لِاعْتِيادِها أحْوالَهم في عَدَمِ التَّعَرُّضِ يَوْمَ السَّبْتِ. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ؛ أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ لِأمْرِ السَّبْتِ، وهو مَصْدَرُ، سَبَتَتِ اليَهُودُ: إذا عَظَّمَتِ السَّبْتَ بِالتَّجَرُّدِ لِلْعِبادَةِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْيَوْمِ، والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( يَوْمَ أسْباتِهِمْ ) . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شُرَّعًا﴾ جَمْعُ شارِعٍ، مِن شَرَعَ عَلَيْهِ: إذا دَنا وأشْرَفَ، وهو حالٌ مِن حِيتانِهِمْ؛ أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ. ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾؛ أيْ: لا يُراعُونَ أمْرَ السَّبْتِ، لَكِنْ لا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ المُراعاةِ مَعَ تَحَقُّقِ يَوْمِ السَّبْتِ كَما هو المُتَبادِرُ، بَلْ مَعَ انْتِفائِهِما مَعًا؛ أيْ: لا سَبْتَ ولا مُراعاةَ، كَما في قَوْلِهِ: وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وَقُرِئَ: (p-285)( لا يُسْبِتُونَ ) مِن أسْبَتَ، ولا يُسْبَتُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ، ولا يُدارُ عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْتِ، ولا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِما أُمِرُوا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ. ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ؛ حِذارًا مِن صَيْدِهِمْ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ، لِما أنَّ الإخْبارَ بِإتْيانِها يَوْمَ سَبْتِهِمْ، مَظِنَّةُ أنْ يُقالَ: فَماذا حالُها يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ؟ فَقِيلَ: يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ. ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَجِيبِ الفَظِيعِ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم، لِيَظْهَرَ عَدَواتُهم ونُؤاخِذَهم بِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها والتَّعْجِيبِ مِنها. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ لا في تِلْكَ المادَّةِ، فَإنَّ فِسْقَهم فِيها لا يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَلْوى، بَلْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ. وَقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ أيْ: لا تَأْتِيهِمْ مِثْلَ ما تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلافِ حالِ الحِيتانِ بِالإتْيانِ تارَةً وعَدَمِهِ أُخْرى.

الأعراف 7:164

﴿وَإذْ قالَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى " إذْ يَعْدُونَ "، مَسُوقٌ لِتَمادِيهِمْ في العُدْوانِ وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ. ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا في عِظَتِهِمْ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، حَتّى يَئِسُوا مِنِ احْتِمالِ القَبُولِ لِآخَرِينَ لا يُقْلِعُونَ عَنِ التَّذْكِيرِ رَجاءً لِلنَّفْعِ والتَّأْثِيرِ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ وطَمَعًا في فائِدَةِ الإنْذارِ. ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أيْ: مُخْتَرِمُهم بِالكُلِّيَّةِ ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهم. ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ دُونَ الِاسْتِئْصالِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: مُهْلِكُهم مُخْزِيهِمْ في الدُّنْيا، أوْ مُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ لِعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ والطُّغْيانِ، والتَّرْدِيدِ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ مَنعِ الجَمْعِ، فَإنَّهم مُهْلَكُونَ في الدُّنْيا ومُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ مُتَرَقَّبٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما وتَقَرُّرِهِما البَتَّةَ، كَأنَّهُما واقِعانِ، وإنَّما قالُوهُ مُبالَغَةً في أنَّ الوَعْظَ لا يُنْجِعُ فِيهِمْ، أوْ تَرْهِيبًا لِلْقَوْمِ، أوْ سُؤالًا عَنْ حِكْمَةِ الوَعْظِ ونَفْعِهِ، ولَعَلَّهم إنَّما قالُوهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ القَوْمِ حَثًّا لَهم عَلى الِاتِّعاظِ، فَإنَّ بَتَّ القَوْلِ بِهَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ بِما يُلْقِي في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ والخَشْيَةَ. وَقِيلَ: المُرادُ: طائِفَةٌ مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ، أجابُوا بِهِ وُعّاظَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَهَكُّمًا بِهِمْ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. ﴿قالُوا﴾؛ أيِ: الوُعّاظُ. ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِمْ: لِمَ تَعِظُونَ، أوْ نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ إلَيْهِ تَعالى، حَتّى لا نُنْسَبَ إلى نَوْعِ تَفْرِيطٍ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِالسّائِلِينَ. ﴿وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْذِرَةً؛ أيْ: ورَجاءً لِأنْ يَتَّقُوا بَعْضَ التُّقاةِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ... إلَخْ، لَيْسُوا مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ، وإلّا لَوَجَبَ الخِطابُ.(p-286)

الأعراف 7:165

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهم تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ، وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَواعِظِ أصْلًا. ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ، وإخْراجُ إنْجائِهِمْ مُخْرَجَ الجَوابِ الَّذِي حَقُّهُ التَّرَتُّبُ عَلى الشَّرْطِ، وهو نِسْيانُ المُعْتَدِينَ المُسْتَتْبِعُ لِإهْلاكِهِمْ، لِما أنَّ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ شَيْآنِ: النِّسْيانِ والتَّذْكِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا ذَكَّرَ المُذَكِّرُونَ ولَمْ يَتَذَكَّرِ المُعْتَدُونَ، أنْجَيْنا الأوَّلِينَ وأخَذْنا الآخَرِينَ، وأمّا تَصْدِيرُ الجَوابِ بِإنْجائِهِمْ فَلِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُسارَعَةِ إلى بَيانِ نَجاتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ ما في المُؤَخَّرِ مِن نَوْعِ طُولٍ. ﴿وَأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالِاعْتِداءِ ومُخالَفَةِ الأمْرِ. ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ، وزْنًا ومَعْنًى، مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأسًا: إذا اشْتَدَّ، وقُرِئَ: ( بَيْئِسٍ ) عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها، وبِئِسٍ كَحَذِرٍ عَلى تَخْفِيفِ العَيْنِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الفاءِ كَكِبِدٍ في كَبِدٍ، وبَيِيسٍ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً كَذِيبٍ في ذِئْبٍ، وبَيِّسٍ كَرَيِّسٍ بِقَلْبِ هَمْزَةِ بَئِيسٍ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها، وبَيْسٍ عَلى تَخْفِيفِ بَيِّسٍ كَهَيْنٍ في هَيِّنٍ، وتَنْكِيرُ العَذابِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا كالباءِ الأُولى، ولا ضَيْرَ فِيهِ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى؛ أيْ: أخَذْناهم بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الفِسْقِ، الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ، وهو الظُّلْمُ والعُدْوانُ أيْضًا، وإجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وإنْ أشْعَرَ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ إيذانًا بِأنَّ العِلَّةَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ، مَعَ اعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا نَفْسَ الظُّلْمِ والعُدْوانِ، وإلّا لَما أُخِّرُوا عَنِ ابْتِداءِ المُباشَرَةِ ساعَةً.

الأعراف 7:166

وَلَعَلَّهُ تَعالى قَدْ عَذَّبَهم بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ الِاسْتِئْصالِ، فَلَمْ يُقْلِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، بَلِ ازْدادُوا في الغَيِّ فَمَسَخَهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أيْ: تَمَرَّدُوا وتَكَبَّرُوا، وأبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ صاغِرِينَ أذِلّاءَ بُعَداءَ عَنِ النّاسِ، والمُرادُ بِالأمْرِ هو الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ لا القَوْلِيُّ، وتَرْتِيبُ المَسْخِ عَلى العُتُوِّ عَنْ الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِخُصُوصِيّاتِ الحُوتِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ هو مُخالَفَةُ الأمْرِ، والِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ تَعالى. وَقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ البَئِيسِ: هو المَسْخُ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرٌ لِلْأُولى. رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ أُمِرُوا بِاليَوْمِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَتَرَكُوهُ واخْتارُوا السَّبْتَ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ فابْتُلُوا بِهِ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدُ فِيهِ وأُمِرُوا بِتَعْظِيمِهِ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ كَأنَّها المَخاضُ، لا يُرى وجْهُ الماءِ لِكَثْرَتِها، ولا تَأْتِيهِمْ في سائِرِ الأيّامِ، فَكانُوا عَلى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ جاءَهم إبْلِيسُ فَقالَ لَهم: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ، فاتَّخِذُوا حِياضًا سَهْلَةَ الوُرُودِ صَعْبَةَ الصُّدُورِ؛ فَفَعَلُوا، فَجَعَلُوا يَسُوقُونَ الحِيتانَ إلَيْها يَوْمَ السَّبْتِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ مِنها ويَأْخُذُونَها يَوْمَ الأحَدِ. وَأخَذَ رَجُلٌ مِنهم حُوتًا ورَبَطَ في ذَنَبِهِ خَيْطًا إلى (p-287)خَشَبَةٍ في السّاحِلِ، ثُمَّ شَواهُ يَوْمَ الأحَدِ، فَوَجَدَ جارُهُ رِيحَ السَّمَكِ فَتَطالَعَ في تَنُّورِهِ، فَقالَ لَهُ: إنِّي أرى اللَّهَ سَيُعَذِّبُكَ؛ فَلَمّا لَمْ يَرَهُ عُذِّبَ، أخَذَ في يَوْمِ السَّبْتِ القابِلِ حُوتَيْنِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ العَذابَ لا يُعاجِلُهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَصادُوا وأكَلُوا، ومَلَّحُوا وباعُوا، وكانُوا نَحْوًا مِن سَبْعِينَ ألْفًا، فَصارَ أهْلُ القَرْيَةِ أثْلاثًا، ثُلُثٌ اسْتَمَرُّوا عَلى النَّهْيِ، وثُلُثٌ مَلُّوا التَّذْكِيرَ وسَئِمُوهُ، وقالُوا لِلْواعِظِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ... إلَخْ، وثُلُثٌ باشَرُوا الخَطِيئَةَ؛ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا قالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ لا نُساكِنُكم، فَقَسَمُوا القَرْيَةَ بِجِدارٍ، لِلْمُسْلِمِينَ بابٌ ولِلْمُعْتَدِينَ بابٌ. وَلَعَنَهم داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأصْبَحَ النّاهُونَ ذاتَ يَوْمٍ في مَجالِسِهِمْ، ولَمْ يَخْرُجْ مِنَ المُعْتَدِينَ أحَدٌ، فَقالُوا: إنَّ لَهم لَشَأْنًا فَعَلَوُا الجِدارَ، فَنَظَرُوا فَإذا هم قِرَدَةٌ، فَفَتَحُوا البابَ ودَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَعَرَفَتِ القِرَدَةُ أنْسِباءَهم مِنَ الإنْسِ وهم لا يَعْرِفُونَها، فَجُعِلَ القِرْدُ يَأْتِي نَسِيبَهُ فَيَشُمُّ ثِيابَهُ فَيَبْكِي، فَيَقُولُ لَهُ نَسِيبُهُ: ألَمْ نَنْهَكم، فَيَقُولُ القِرْدُ بِرَأْسِهِ: بَلى، ثُمَّ ماتُوا عَنْ ثَلاثٍ. وَقِيلَ: صارَ الشُّبّانُ قِرَدَةً، والشُّيُوخُ خَنازِيرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أكَلُوا واللَّهِ أوْخَمَ أكْلَةٍ أكَلَها أهْلُها أثْقَلُها خِزْيًا في الدُّنْيا وأطْوَلُها عَذابًا في الآخِرَةِ، هاهَ وايْمُ اللَّهِ ما حُوتٌ أخَذَهُ قَوْمٌ، فَأكَلُوهُ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَوْعِدًا والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ.

الأعراف 7:167

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْألْهُمْ﴾ "، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ، كَما أنَّ تَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ، أوْ بِمَعْنى عَزَمَ، فَإنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، وأُجْرِيَ مُجْرى فِعْلِ القَسَمِ، كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِجَوابِهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ إيجابِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ أنْ يُسَلِّطَ عَلى اليَهُودِ البَتَّةَ. ﴿مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ كالإذْلالِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُخْتَ نَصَّرَ، فَخَرَّبَ دِيارَهم، وقَتَلَ مُقاتِلَتَهم، وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَهم، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ، حَتّى بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاقِبُهم في الدُّنْيا. ﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ مِنهم.

الأعراف 7:168

﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾؛ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿فِي الأرْضِ﴾ وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ لا تَخْلُو ناحِيَةٌ مِنها مِنهم تَكْمِلَةً لِأدْبارِهِمْ، حَتّى لا تَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَمًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لَقَطَّعْنا، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صِفَةٌ لِأُمَمًا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالمَدِينَةِ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ. ﴿وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: ناسٌ دُونَ ذَلِكَ الوَصْفِ؛ أيْ: مُنْحَطُّونَ عَنِ الصَّلاحِ، وهم كَفَرَتُهم وفَسَقَتُهم. (p-288) ﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

الأعراف 7:169

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ. خَلْفٌ؛ أيْ: بَدَلُ سُوءٍ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ: جَمْعٌ، وهو شائِعٌ في الشَّرِّ، والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ في الخَيْرِ، والمُرادُ بِهِ: الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾؛ أيِ: التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ، يَقْرَءُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَصْنَعُونَ بِالكِتابِ بَعْدَ وِراثَتِهِمْ إيّاهُ؛ أيْ: يَأْخُذُونَ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى؛ أيِ: الدُّنْيا، وهو مِنَ الدُّنُوِّ أوِ الدَّناءَةِ، والمُرادُ بِهِ: ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الحُكُوماتِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ، وقِيلَ: حالٌ مِن واوِ ورِثُوا. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يُؤاخِذُنا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالِيَّةَ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ مَصْدَرُ يَأْخُذُونَ. ﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا؛ أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ، والحالُ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ عائِدُونَ إلى مِثْلِهِ غَيْرُ تائِبِينَ عَنْهُ. ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾؛ أيِ: المِيثاقُ الوارِدُ في الكِتابِ. ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: بِأنْ لا يَقُولُوا ... إلَخْ، والمُرادُ بِهِ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخُ عَلى بَتِّهِمُ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ بِلا تَوْبَةٍ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّها افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ. ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " ألَمْ يُؤْخَذْ " مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ، أوْ عَلى " ورِثُوا " وهو اعْتِراضٌ. ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَلا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّي إلى العِقابِ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ.

الأعراف 7:170

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾؛ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ في أُمُورِ دِينِهِمْ، يُقالُ: مَسَكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوهُ، ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً. وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقُرِئَ: ( يُمْسِكُونَ ) مِنَ الإمْساكِ. وَقُرِئَ: ( تَمَسَّكُوا، واسْتَمْسَكُوا ) مُوافِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، بِخِلافِ إقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِأوْقاتِها، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ لِإنافَتِها عَلَيْها، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ نَسَقًا عَلى " الَّذِينَ يَتَّقُونَ "، وقَوْلُهُ: " ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ " اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وَإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: أجْرُ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، فَإنَّهُ في حُكْمِ مُصْلِحِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ (p-289)أيْ: مَأْواهم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾؛ أيْ: أبْوابُها، وإمّا العُمُومُ في مُصْلِحِينَ فَإنَّهُ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، عَلى أحَدِ الوُجُوهِ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ ... " إلَخْ. اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الأعراف 7:171

﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾؛ أيْ: قَلَعْناهُ مِن مَكانِهِ ورَفَعْناهُ عَلَيْهِمْ. ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾؛ أيْ: سَقِيفَةٌ، وهي كُلُّ ما أظَلَّكَ. ﴿وَظَنُّوا﴾؛ أيْ: تَيَقَّنُوا. ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ، وإطْلاقُ الظَّنِّ في الحِكايَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِ مُتَعَلَّقِهِ، وذَلِكَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَّوْراةِ لِثِقَلِها، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الطُّورَ، وقِيلَ لَهم: إنْ قَبِلْتُمْ ما فِيها فَبِها وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم. ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾؛ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الكِتابِ. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ. ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ بِالعَمَلِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ، أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ

الأعراف 7:172

﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى ما انْتَصَبَ بِهِ؛ إذْ نَتَقْنا مَسُوقٌ لِلِاحْتِجاجِ عَلى اليَهُودِ بِتَذْكِيرِ المِيثاقِ العامِّ المُنْتَظِمِ لِلنّاسِ قاطِبَةً، وتَوْبِيخِهِمْ بِنَقْضِهِ إثْرَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِتَذْكِيرِ مِيثاقِ الطُّورِ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، قَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم أخْذَ رَبِّكَ. ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ المُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ وُلِدَ لَهم كائِنًا مَن كانَ، نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، سِوى مَن لَمْ يُولَدْ لَهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كالعُقْمِ، وعَدَمِ التَّزَوُّجِ، والمَوْتِ صَغِيرًا، وإيثارُ الأخْذِ عَلى الإخْراجِ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْخُوذِ، لِما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ عَنْ الِاجْتِباءِ والِاصْطِفاءِ، وهو السَّبَبُ في إسْنادِهِ إلى اسْمِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِلِاسْتِفْهامِ الآتِي، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن " بَنِي آدَمَ " بَدَلَ البَعْضِ بِتَكْرِيرِ الجارِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ . وَ" مِن " في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِابْتِنائِهِ عَلى البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلِ غِبَّ الإجْمالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المِيثاقَ قَدْ أُخِذَ مِنهم وهم في أصْلابِ الآباءِ، ولَمْ يُسْتَوْدَعُوا في أرْحامِ الأُمَّهاتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَفْعُولُ أخَذَ أُخِّرَ عَنِ المَفْعُولِ بِواسِطَةِ الجارِّ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرٍ راجِعٍ إلَيْهِ، ولِمُراعاةِ أصالَتِهِ ومَنشَئِيَّتِهِ، ولِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقُرِئَ: ( ذُرِّيّاتِهِمْ )، والمُرادُ بِهِمْ: أوْلادُهم عَلى العُمُومِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ اليَهُودُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، كَما انْدَرَجَ أسْلافُهم في بَنِي آدَمَ كَذَلِكَ، وتَخْصِيصُهُما بِاليَهُودِ سَلَفًا وخَلَفًا، مَعَ أنَّ ما أُرِيدَ بَيانُهُ مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ شامِلٌ لِلْكُلِّ كافَّةً، مُخِلٌّ بِفَخامَةِ التَّنْزِيلِ وجَزالَةِ التَّمْثِيلِ. ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: أشْهَدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن أُولَئِكَ الذُّرِّيّاتِ المَأْخُوذِينَ مِن (p-290)ظُهُورِ آبائِهِمْ عَلى نَفْسِها لا عَلى غَيْرِها، تَقْرِيرًا لَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ التّامَّةِ وما تَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم ومالِكِ أمْرِكم، ومُرَبِّيكم عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مُدْخَلٌ في شَأْنٍ مِن شُئُونِكم، فَيَنْتَظِمُ اسْتِحْقاقُ المَعْبُودِيَّةِ ويَسْتَلْزِمُ اخْتِصاصَهُ بِهِ تَعالى. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالُوا. ﴿بَلى شَهِدْنا﴾؛ أيْ: عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِخَلْقِهِ تَعالى إيّاهم جَمِيعًا في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ، مُسْتَعِدِّينَ لِلِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ، والأنْفُسِ المُؤَدِّيَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " الحَدِيثَ. مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن تَعْرِيضِهِ تَعالى إيّاهم لِمَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ تَمْكِينِهِمْ مِنها، بِما رُكِزَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ والبَصائِرِ، ونُصِبَ لَهم في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الدَّلائِلِ تَمْكِينًا تامًّا، ومِن تَمَكُّنِهِمْ مِنها تَمَكُّنًا كامِلًا، وتَعَرُّضِهِمْ لَها تَعَرُّضًا قَوِيًّا، بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن حَمْلِهِ تَعالى إيّاهم عَلى الِاعْتِرافِ بِها بِطَرِيقِ الأمْرِ، ومِن مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ أصْلًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أخْذٌ وإشْهادٌ، وسُؤالٌ وجَوابٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ بِالتّاءِ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ، وصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاصِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ، تَشْدِيدًا في الإلْزامِ، أوْ إلَيْهِمْ وإلى مُتَقَدِّمِيهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ "؛ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ. وَقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلذُّرِّيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ والإشْهادِ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ، أوْ يَقُولُوا هم. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ. ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ عَنْ وحْدانِيَّةِ الربوبية وأحْكامِها. ﴿غافِلِينَ﴾ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، فَإنَّهم حَيْثُ جُبِلُوا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّهَيُّؤِ التّامِّ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، والقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ، صارُوا مَحْجُوجِينَ عاجِزِينَ عَنْ الِاعْتِذارِ بِذَلِكَ؛ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى إنْكارِ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.

الأعراف 7:173

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا﴾ عَطْفٌ عَلى تَقُولُوا، و " أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ؛ أيْ: هُمُ اخْتَرَعُوا الإشْراكَ وهم سَنُّوهُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ زَمانِنا. ﴿وَكُنّا﴾ نَحْنُ. ﴿ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا نَهْتَدِي إلى السَّبِيلِ، ولا نَقْدِرُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلِيلِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ مِن آبائِنا المُضِلِّينَ بَعْدَ ظُهُورِ أنَّهُمُ المُجْرِمُونَ، ونَحْنُ عاجِزُونَ عَنِ التَّدْبِيرِ والِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ، أوْ أتُؤاخِذُنا فَتُهْلِكُنا ... إلَخْ؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ يَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ الِاعْتِذارِ بِهَذا أيْضًا، فَإنَّ التَّقْلِيدَ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا. هَذا وقَدْ حُمِلَتْ هَذِهِ المُقاوَلَةُ عَلى الحَقِيقَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّهُ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ مِنهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾؛ فَنُودِيَ يَوْمَئِذٍ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها، فَقالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ (p-291)وَبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ» " . وَلَيْسَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الكُلَّ مِن ظَهْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالذّاتِ، بَلْ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْناءَهُ الصُّلْبِيَّةَ، ومِن ظَهْرِهِمْ أبْناءَهُمُ الصُّلْبِيَّةَ، وهَكَذا إلى آخِرِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ المَظْهَرُ الأصْلِيُّ ظَهْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مَساقُ الحَدِيثَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بَيانَ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الوَسايِطِ غَرَضٌ عِلْمِيٌّ، نُسِبَ إخْراجُ الكُلِّ إلَيْهِ. وَأمّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَسُوقَةً لِلِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيانِ عَدَمِ إفادَةِ الِاعْتِذارِ بِإسْنادِ الإشْراكِ إلى آبائِهِمُ، اقْتَضى الحالُ نِسْبَةَ إخْراجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ظَهْرِ أبِيهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإخْراجِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظَهْرِهِ قَطْعًا. وَعَدَمُ بَيانِ المِيثاقِ في حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بَيانًا لِعَدَمِهِ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ، وأمّا ما قالُوا مِن أنَّ أخْذَ المِيثاقِ لِإسْقاطِ عُذْرِ الغَفْلَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ دافِعٍ لِغَفْلَتِهِمْ في دارِ التَّكْلِيفِ؛ إذْ لا فَرْدَ مِن أفْرادِ البَشَرِ يَذْكُرُ ذَلِكَ فَمَرْدُودٌ، لَكِنْ لا بِما قِيلَ مِن أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أوْضَحَ الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ، فَمَن أنْكَرَهُ كانَ مُعانِدًا ناقِضًا لِلْعَهْدِ ولَزِمَتْهُ الحُجَّةُ، ونِسْيانُهم وعَدَمُ حِفْظِهِمْ لا يُسْقِطُ الِاحْتِجاجَ بَعْدَ إخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، بَلْ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ... " إلَخْ، لَيْسَ مَفْعُولًا لَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَأشْهَدَهُمْ﴾ "، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ "، حَتّى يَجِبَ كَوْنُ ذَلِكَ الإشْهادِ، والشَّهادَةِ مَحْفُوظًا لَهم في إلْزامِهِمْ، بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ. والمَعْنى: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ المِيثاقِ وبَيانِهِ؛ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المِيثاقِ، لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ في دارِ التَّكْلِيفِ، وإلّا لَعَمِلْنا بِمُوجَبِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ بِالياءِ فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِنَفْسِ الأمْرِ المُضْمَرِ العامِلِ في إذْ أخَذَ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهُمُ المِيثاقَ المَأْخُوذَ مِنهم فِيما مَضى؛ لِئَلّا يَعْتَذِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْهُ، أوْ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: شَهِدْنا مِن كَلامِ الذُّرِّيَّةِ، وهو الظّاهِرُ. فَأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن كَلامِهِ تَعالى، فَهو العامِلُ في أنْ تَقُولُوا، ولا مَحْذُورَ أصْلًا؛ إذِ المَعْنى: شَهِدْنا قَوْلَكم هَذا؛ لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ ... إلَخْ؛ لِأنّا نَرُدُّكم ونُكَذِّبُكم حِينَئِذٍ.

الأعراف 7:174

﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، والتَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّفْصِيلَ البَلِيغَ المُسْتَتْبِعَ لِلْمَنافِعِ الجَلِيلَةِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ المَذْكُورَةَ لا غَيْرَ ذَلِكَ. ﴿وَلَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ولِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الباطِلِ وتَقْلِيدِ الآباءِ، نَفْعَلُ التَّفْصِيلَ المَذْكُورَ، فالواوانِ ابْتِدائِيَّتانِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى التَّفْصِيلِ؛ أيْ: وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِيَقِفُوا عَلى ما فِيها مِنَ المُرَغِّباتِ والزَّواجِرِ، ولِيَرْجِعُوا ... إلَخْ.

الأعراف 7:175

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ (p-292)عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في إذْ أخَذَ، وارِدٌ عَلى نَمَطِهِ في الإنْباءِ عَنِ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، والضَّلالَةِ بَعْدَ الهُدى؛ أيْ: واتْلُ عَلى اليَهُودِ. ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾؛ أيْ: خَبَرُهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وهو أحَدُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، أوْ بَلْعامُ بْنُ باعِرٍ، مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أُوتِيَ عِلْمَ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى. وَقِيلَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولًا، ورَجا أنْ يَكُونَ هو الرَّسُولَ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ ﷺ حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ تَوْبِيخِ اليَهُودِ بِهَناتِهِمْ. ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾؛ أيْ: مِن تِلْكَ الآياتِ انْسِلاخَ الجِلْدِ مِنَ الشّاةِ، ولَمْ يُخْطِرْها بِبالِهِ أصْلًا، أوْ خَرَجَ مِنها بِالكُلِّيَّةِ بِأنْ كَفَرَ بِها، ونَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالِانْسِلاخِ المُنْبِئِ عَنِ اتِّصالِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ خِلْقَةً، وعَنْ عَدَمِ المُلاقاةِ بَيْنَهُما أبَدًا؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ مُبايَنَتِهِ لِلْآياتِ بَعْدَ أنْ كانَ بَيْنَهُما كَمالُ الِاتِّصالِ. ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: تَبِعَهُ حَتّى لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، فَصارَ قَرِينًا لَهُ، وهو المَعْنى عَلى قِراءَةِ ( فاتَّبَعَهُ ) مِنَ الِافْتِعالِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ أشَدُّ مِنَ الشَّيْطانِ غَوايَةً، أوْ أتْبَعَهُ خُطُواتِهِ. ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَصارَ مِن زُمْرَةِ الضّالِّينَ الرّاسِخِينَ في الغَوايَةِ، بَعْدَ أنْ كانَ مِنَ المُهْتَدِينَ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَدْعُوا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: كَيْفَ أدْعُو عَلى مَن مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى فَعَلَ؛ فَبَقُوا في التِّيهِ، ويَرُدُّهُ أنَّ التِّيهَ كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْحًا وراحَةً، وإنَّما عُذِّبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ.

الأعراف 7:176

﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَناطِ ما ذُكِرَ مِنِ انْسِلاخِهِ مِنَ الآياتِ، ووُقُوعِهِ في مَهاوِي الغَوايَةِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِوُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ؛ أيْ: ولَوْ شِئْنا رَفْعَهُ. ﴿لَرَفَعْناهُ﴾؛ أيْ: إلى المَنازِلِ العالِيَةِ لِلْأبْرارِ، العالِمِينَ بِتِلْكَ الآياتِ والعامِلِينَ بِمُوجَبِها، لَكِنْ لا بِمَحْضِ مَشِيئَتِنا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ أصْلًا، فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى تَعْلِيقِ الأجْزِيَةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْعِبادِ، بَلْ مَعَ مُباشَرَتِهِ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلى الرَّفْعِ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى تَحْصِيلِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِها﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ بِأنْ عَمِلَ بِمُوجَبِها، فَإنَّ اخْتِيارَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا في حُصُولِهِ، ولا في تَرَتُّبِ الرَّفْعِ عَلَيْهِ، بَلْ كِلاهُما بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ خَلْقَهُ تَعالى مَنُوطٌ بِذَلِكَ البَتَّةَ حَسَبَ جَرَيانِ العادَةِ الإلَهِيَّةِ. وَقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ في الِاسْتِدْراكِ بِأنْ أُسْنِدَ ما يُؤَدِّي إلى نَقِيضِ التّالِي إلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مَعَ أنَّ الإخْلادَ إلَيْها أيْضًا مِمّا لا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ إلّا بِخَلْقِهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِمُباشَرَتِهِ لِسَبَبِهِ، لَرَفَعْناهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي أقْوى أسْبابِ الرَّفْعِ، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْهُ لِمُباشَرَتِهِ لِسَبَبِ نَقِيضِهِ، فَتُرِكَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ؛ تَعْوِيلًا عَلى إشْعارِ المَذْكُورِ بِالمَطْوِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ (p-293)لِفَضْلِهِ﴾ . وَتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورَيْنِ بِمَقامِهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ الرَّفْعَ مُرادٌ لَهُ تَعالى بِالذّاتِ، وتَفَضُّلٌ مَحْضٌ عَلَيْهِ لا دَخْلَ فِيهِ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، كَيْفَ لا وجَمِيعُ أفْعالِهِ ومَبادِيها مِن نِعَمِهِ تَعالى وتَفَضُّلاتِهِ، وإنَّ نَقِيضَهُ إنَّما أصابَهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ عَلى مُوجَبِ الوَعِيدِ، لا بِالإرادَةِ الذّاتِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ، كَما قِيلَ في وجْهِ ذِكْرِ الإرادَةِ مَعَ الخَيْرِ والمَسِّ مَعَ الضُّرِّ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وهو السِّرُّ في جَرَيانِ السُّنَّةِ القرآنيَّةِ عَلى إسْنادِ الخَيْرِ إلَيْهِ تَعالى، وإضافَةِ الشَّرِّ إلى الغَيْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ. والإخْلادُ إلى الشَّيْءِ: المَيْلُ إلَيْهِ مَعَ الِاطْمِئْنانِ بِهِ، والمُرادُ بِالأرْضِ: الدُّنْيا، وقِيلَ: السُّفالَةُ، والمَعْنى: ولَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيا الدَّنِيَّةَ عَلى المَنازِلِ السَّنِيَّةِ، أوِ الضَّعَةَ والسَّفالَةَ عَلى الرِّفْعَةِ والجَلالَةِ. ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ مُعْرِضًا عَنْ تِلْكَ الآياتِ الجَلِيلَةِ، فانْحَطَّ أبْلَغَ انْحِطاطٍ، وارْتَدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ. وَإلى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ لِما أنَّهُ أخَسُّ الحَيَواناتِ وأسْفَلُها. وَقَدْ مُثِّلَ حالُهُ بِأخَسِّ أحْوالِهِ وأذَلِّها، حَيْثُ قِيلَ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾؛ أيْ: فَحالُهُ الَّتِي هي مَثَلٌ في السُّوءِ، كَصِفَتِهِ في أرْذَلِ أحْوالِهِ، وهي حالَةُ دَوامِ اللَّهَثِ بِهِ في حالَتَيِ التَّعَبِ والرّاحَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَتَرَدّى إلى ما لا غايَةَ وراءَهُ في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: فَصارَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ... إلَخْ؛ لِلْإيذانِ بِدَوامِ اتِّصافِهِ لِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ، وكَمالِ اسْتِقْرارِهِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها، والخِطابُ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِ. واللَّهَثُ: إدْلاعُ اللِّسانِ بِالتَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ؛ أيْ: هو ضَيِّقُ الحالِ مَكْرُوبٌ، دائِمُ اللَّهَثِ سَواءً هَيَّجْتَهُ وأزْعَجْتَهُ بِالطَّرْدِ العَنِيفِ، أوْ تَرَكْتَهُ عَلى حالِهِ، فَإنَّهُ في الكِلابِ طَبْعٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْضِ الهَواءِ المُتَسَخِّنِ، وجَلْبِ الهَواءِ البارِدِ بِسُهُولَةٍ، لِضَعْفِ قَلْبِها وانْقِطاعِ فُؤادِها، بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ فَإنَّها لا تَحْتاجُ إلى التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ، ولا يَلْحَقُها الكَرْبُ والمُضايَقَةُ إلّا عِنْدَ التَّعَبِ والإعْياءِ. والشَّرْطِيَّةُ مَعَ أُخْتِها تَفْسِيرٌ لِما أُبْهِمُ في المَثَلِ، وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ فِيهِ، وتَوْضِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ بِبَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ . وَقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكَلْبِ، بِناءً عَلى خُرُوجِهِما مِن حَقِيقَةِ الشَّرْطِ، وتَحَوُّلِهِما إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ حَسَبَ تَحَوُّلِ الِاسْتِفْهامَيْنِ المُتَناقِضَيْنِ إلَيْهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا اعْتَراهُ بَعْدَ الِانْسِلاخِ مِن سُوءِ الحالِ، واضْطِرامِ القَلْبِ، ودَوامِ القَلَقِ والِاضْطِرابِ، وعَدَمِ الِاسْتِراحَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا ذُكِرَ مِن حالِ الكَلْبِ. وَقِيلَ: لَمّا دَعا بُلْعُمُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، خَرَجَ لِسانُهُ فَتَدَلّى عَلى صَدْرِهِ، وجَعَلَ يَلْهَثُ كالكَلْبِ إلى أنْ هَلَكَ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ مَنسُوبَةً إلى الكَلْبِ، أوْ إلى المُنْسَلِخِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ؛ أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ السَّيِّءُ. ﴿مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ، حَيْثُ أُوتُوا في التَّوْراةِ ما أُوتُوا مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ، وذِكْرِ القرآن المُعْجِزِ وما فِيهِ، فَصَدَّقُوهُ وبَشَّرُوا النّاسَ بِاقْتِرابِ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، وانْسَلَخُوا مِن حُكْمِ التَّوْراةِ. ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالسَّلْبِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: إذا تَحَقَّقَ أنَّ المَثَلَ المَذْكُورَ مَثَلُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، فاقْصُصْهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْكَ. ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَقِفُونَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ ويَنْزَجِرُونَ (p-294)عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، ويَعْلَمُونَ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَيَزْدادُونَ إيقانًا بِكَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فاقْصُصِ القِصَصَ راجِيًا لِتَفَكُّرِهِمْ؛ أيْ:، أوْ رَجاءً لِتَفَكُّرِهِمْ.

الأعراف 7:177

﴿ساءَ مَثَلا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ حالِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ كَحالِ الكَلْبِ، أوِ المُنْسَلِخِ، وساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وفاعِلُها مُضْمَرٌ فِيها، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وحَيْثُ وجَبَ التَّصادُقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ والتَّمْيِيزِ، وجَبَ المَصِيرُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إمّا إلَيْهِ وهو الظّاهِرُ؛ أيْ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ ... إلَخْ، أوْ إلى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: ساءَ أصْحابُ مَثَلِ القَوْمِ ... إلَخْ. وَقُرِئَ: ( ساءَ مَثَلُ القَوْمِ ) وإعادَةُ القَوْمِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُهم؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ السُّوءِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِرَبْطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِهِ، فَإنَّهُ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، بِمَعْنى: جَمَعُوا بَيْنَ تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْها وعِلْمِهِمْ بِها، وبَيْنَ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً، أوْ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم، فَإنَّ وبالَهُ لا يَتَخَطّاها، وأيًّا ما كانَ، فَفي " يَظْلِمُونَ " لَمْحٌ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ، وأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مُعْتَبَرٌ في القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ.

الأعراف 7:178

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ لَمّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَقُصَّ قَصَصَ المُنْسَلِخِ عَلى هَؤُلاءِ الضّالِّينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِهِ لِيَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلادِ إلى الضَّلالَةِ، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ، عُقِّبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ، سِوى كَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ العَبْدِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، كَسائِرِ أفْعالِ العِبادِ. فالمُرادُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ ما يُوجِبُ الِاهْتِداءَ قَطْعًا، لَكِنْ لا لِأنَّ حَقِيقَتَها الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ البَتَّةَ، بَلْ لِأنَّها الفَرْدُ الكامِلُ مِن حَقِيقَةِ الهِدايَةِ الَّتِي هي الدَّلالَةُ إلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ؛ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ إلَيْها، كَما سَبَقَ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِاهْتِداءِ مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإفادَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِظُهُورِ اسْتِلْزامِ هِدايَتِهِ تَعالى لِلِاهْتِداءِ، ويُحْمَلُ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ الِاهْتِداءِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ، لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ لَكَفاهُ، بَلْ هو قَصْرُ الِاهْتِداءِ عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، حَسْبَما يَقْضِي بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ؛ فالمَعْنى: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ؛ أيْ: يَخْلُقْ فِيهِ الِاهْتِداءَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَهو المُهْتَدِي لا غَيْرُ كائِنًا مَن كانَ. ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ بِأنْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ الِاهْتِداءَ، بَلْ خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَةَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ نَحْوَها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالضَّلالَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ. ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾؛ أيِ: الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لا غَيْرُ، وإفْرادُ " المُهْتَدِي " نَظَرًا إلى لَفْظِ " مَن "، وجَمْعُ " الخاسِرِينَ " نَظَرًا إلى مَعْناها؛ لِلْإيذانِ بِاتِّحادِ مِنهاجِ الهُدى وتَفَرُّقِ (p-295)طُرُقِ الضَّلالِ.

الأعراف 7:179

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ؛ أيْ: خَلَقْنا. ﴿لِجَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها، وَتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَثِيرًا﴾؛ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا بِهِ، لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْها إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِكَثِيرًا؛ أيْ: كائِنًا مِنهُما، وتَقْدِيمُ الجِنِّ؛ لِأنَّهم أعْرَقُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعلمه تعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ. فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ، مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِكَمالِهِ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ لا بِحَسَبِ الفِطْرَةِ حَقِيقَةً، بَلْ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ عَنْ صَرْفِها إلى تَحْصِيلِهِ، وهَذا وصْفٌ لَها بِكَمالِ الإغْراقِ في القَساوَةِ، فَإنَّها حَيْثُ لَمْ يَتَأتَّ مِنها الفِقْهُ بِحالٍ، فَكَأنَّها خُلِقَتْ غَيْرَ قابِلَةٍ لَهُ رَأْسًا، وكَذا الحالُ في أعْيُنِهِمْ وآذانِهِمْ. وَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ؛ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْقَهُوا بِها شَيْئًا مِمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْقَهَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ مُخِلٌّ بِالإفْصاحِ عَنْ كَوْنِهِ حالَهم. ﴿وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فِيما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ والسَّمْعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ، لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ، كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ؛ أيْ: لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا. ﴿وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، وإعادَةُ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، لِتَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وفي إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم. ثُمَّ وصْفِها بِعَدَمِ الشُّعُورِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها، ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ ما لا يَخْفى. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ. ﴿كالأنْعامِ﴾؛ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، فَتَجْتَهِدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ جُهْدِها، مَعَ كَوْنِها بِمَعْزِلٍ مِنَ الخُلُودِ، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا (p-296)كَذَلِكَ، حَيْثُ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ، فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ المُقِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الخالِدِ. وَقِيلَ: لِأنَّها تَعْرِفُ صاحِبَها وتَذْكُرُهُ وتُطِيعُهُ، وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، ولا يَذْكُرُونَهُ، ولا يُطِيعُونَهُ، وفي الخَبَرِ كُلُّ شَيْءٍ أطْوَعُ لِلَّهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما مَرَّ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها. ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، المُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُخَصَّ بِهِمْ الِاسْمُ ولا يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِمْ، كَيْفَ لا وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِن شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا مِن شُئُونِ ما سِواهُ شَيْئًا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، أصْنامَهُمُ الَّتِي هي مِن أخَسِّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى.

الأعراف 7:180

﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعالى، وكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بِذَلِكَ، الغافِلِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، إثْرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمُ التّامَّةِ وضَلالَتِهِمُ الطّامَّةِ. والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ؛ أيِ: الأسْماءُ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ، وأجَلُّها لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها. ﴿فادْعُوهُ بِها﴾؛ أيْ: فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الإلْحادُ واللَّحْدُ: المَيْلُ والِانْحِرافُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ: إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، وقُرِئَ: ( يَلْحِدُونَ ) مِنَ الثُّلاثِيِّ؛ أيْ: يَمِيلُونَ في شَأْنِها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، إمّا بِأنْ يُسَمُّوهُ تَعالى بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، أوْ بِما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا، كَما في قَوْلِ أهْلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِمِ، يا أبْيَضَ الوَجْهِ، يا بَخِي، ونَحْوِ ذَلِكَ. فالمُرادُ بِالتَّرْكِ المَأْمُورِ بِهِ: الِاجْتِنابُ عَنْ ذَلِكَ، وبِأسْمائِهِ ما أطْلَقُوهُ عَلَيْهِ تَعالى، وسَمَّوْهُ بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ لا أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَرْكُ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: يُلْحِدُونَ فِيها، وإمّا بِأنْ يَعْدِلُوا عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِبَعْضِ أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ، كَما قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ سِوى رَحْمانِ اليَمامَةِ. فالمُرادُ بِالتَّرْكِ: الِاجْتِنابُ أيْضًا، وبِالأسْماءِ: أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً؛ فالمَعْنى: سَمُّوهُ تَعالى بِجَمِيعِ أسْمائِهِ الحُسْنى، واجْتَنِبُوا إخْراجَ بَعْضِها مِنَ البَيْنِ، وإمّا بِأنْ يُطْلِقُوها عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما سَمَّوْا أصْنامَهم آلِهَةً، وإمّا بِأنْ يَشْتَقُّوا مِن بَعْضِها أسْماءَ أصْنامِهِمْ، كَما اشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ. فالمُرادُ بِالأسْماءِ: أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، كَما في الوَجْهِ الثّانِي، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ مَعَ التَّجْرِيدِ عَنِ الوَصْفِ في الكُلِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْحادَهم في نَفْسِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الوَصْفِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّرْكِ حِينَئِذٍ: الِاجْتِنابَ عَنْ ذَلِكَ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا الإلْحادِ عَنِ المُؤْمِنِينَ ليُؤْمَرُوا بِتَرْكِهِ، بَلْ هو الإعْراضُ عَنْهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِما فَعَلُوا، تَرَقُّبًا لِنُزُولِ العُقُوبَةِ بِهِمْ عَنْ قَرِيبٍ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِعَدَمِ المُبالاةِ والإعْراضِ عَنِ المُجازاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمْ لا نُبالِي بِإلْحادِهِمْ ولا نَتَصَدّى لِمُجازاتِهِمْ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ يُنْزَلُ بِهِمْ عُقُوبَتُهُ، وتَتَشَفَّوْنَ بِذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فالمَعْنى: اجْتَنِبُوا إلْحادَهم كَيْلا يُصِيبَكم ما أصابَهم، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةُ إلْحادِهِمْ.

الأعراف 7:181

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ (p-297)مَن عَدا المَذْكُورِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ والإلْحادِ عَنِ الحَقِّ، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ ...﴾ إلَخْ؛ أيْ: وبَعْضُ مَن خَلَقْنا، أوْ وبَعْضٌ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ؛ أيْ: طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ يَهْدُونَ النّاسَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ، وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ في الحُكُوماتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم ولا يَجُورُونَ فِيها. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: " هَذِهِ لَكم، وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ ...﴾ " الآيَةَ. وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى» "، ورُوِيَ: " «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي طائِفَةٌ عَلى الحَقِّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» "، ورُوِيَ: " «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم ولا مَن خالَفَهم، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم ظاهِرُونَ» " . وَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ ما لا يَخْفى، والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِمْ بِهِدايَةِ النّاسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اهْتِداءَهم في أنْفُسِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ.

الأعراف 7:182

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي بِهِ يَهْدِي الهادُونَ، وبِهِ يَعْدِلُ العادِلُونَ، وحَمْلُ النّاسِ عَلى الِاهْتِداءِ بِهِ عَلى وجْهِ التَّرْهِيبِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَشْرِيفِها، واسْتِعْظامِ الإقْدامِ عَلى تَكْذِيبِها؛ أيْ: والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي هي مِعْيارُ الحَقِّ، ومِصْداقُ الصِّدْقِ والعَدْلِ. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أيْ: نَسْتَدْنِيهِمُ البَتَّةَ إلى الهَلاكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، والِاسْتِدْراجُ: اسْتِفْعالٌ مِن دَرَجَ؛ إمّا بِمَعْنى: صَعِدَ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ، سَواءً كانَ بِطَرِيقِ الصُّعُودِ، أوِ الهُبُوطِ، أوْ الِاسْتِقامَةِ، وإمّا بِمَعْنى: مَشى مَشْيًا ضَعِيفًا، وإمّا بِمَعْنى: طَوى. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَعْنى المُرادِ، الَّذِي هو النَّقْلُ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَهالِكِ لِيَبْلُغَ أقْصى مَراتِبِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِطَلَبِ كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ المُلائِمَةِ لِلْمُنْتَقِلِ المُوافِقَةِ لِهَواهُ، بِحَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ ذَلِكَ تَرَقٍّ في مَراقِي مَنافِعِهِ، مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ تَرَدٍّ في مَهاوِي مَصارِعِهِ، فاسْتِدْراجُهُ سُبْحانَهُ إيّاهم: أنْ يُواتِرَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَيَحْسَبُوا أنَّها لُطْفٌ لَهم مِنهُ تَعالى، فَيَزْدادُوا بَطَرًا وطُغْيانًا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المَطْلُوبَ تَدَرُّجُهم في مَراتِبِ النِّعَمِ، بَلْ هو تَدَرُّجُهم في مَدارِجِ المَعاصِي إلى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى أفْظَعِ حالٍ وأشْنَعِها، والأوَّلُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: سَنَسْتَدْرِجُهُمُ اسْتِدْراجًا كائِنًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَقْرِيبٌ مِنهُ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ.

الأعراف 7:183

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ السِّينِ، لِما أنَّ الإمْلاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإمْهالِ والإطالَةِ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ التَّدْرِيجِيَّةِ، كالِاسْتِدْراجِ الحاصِلِ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هو فِعْلٌ يَحْصُلُ دُفْعَةً، وإنَّما الحاصِلُ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ آثارُهُ (p-298)وَأحْكامُهُ لا نَفْسُهُ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن الِافْتِنانِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، لِابْتِنائِهِ عَلى تَجْدِيدِ القَصْدِ والعَزِيمَةِ. وَأمّا إنَّ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ بِمَحْضِ التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ، والِاسْتِدْراجِ بِتَوَسُّطِ المُدَبَّراتِ، فَمَبْناهُ دَلالَةُ نُونِ العَظَمَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، وأنّى ذَلِكَ وإلّا لاحْتُرِزَ عَنْ إيرادِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم ...﴾ الآيَةَ، بَلْ إنَّما إيرادُها في أمْثالِ هَذِهِ المَوارِدِ بِطَرِيقِ الجَرَيانِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ. ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ أيْ: قَوِيٌّ لا يُدافَعُ بِقُوَّةٍ ولا بِحِيلَةٍ، والمُرادُ بِهِ: إمّا الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ مَعَ نَتِيجَتِهِما الَّتِي هي الأخْذُ الشَّدِيدُ عَلى غِرَّةٍ، فَتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا لِما أنَّ ظاهِرَهُ لُطْفٌ وباطِنَهُ قَهْرٌ، وإمّا نَفْسُ ذَلِكَ الأخْذِ فَقَطْ؛ فالتَّسْمِيَةُ لِكَوْنِ مُقَدِّماتِهِ كَذَلِكَ. وَأمّا أنَّ حَقِيقَةَ الكَيْدِ هو الأخْذُ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ إظْهارُ خِلافِ ما أبْطَنَهُ، فَمِمّا لا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ، ضَرُورَةَ اسْتِدْعائِهِ لِاعْتِبارِ القَيْدِ المَذْكُورِ حَتْمًا.

الأعراف 7:184

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ ﷺ، وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ حالِهِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ، وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ. وَ" ما " إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وإمّا نافِيَةٌ اسْمُها جِنَّةٌ وخَبَرُها بِصاحِبِهِمْ، والجِنَّةُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يُرادُ بِها الهَيْئَةُ، كالرُّكْبَةِ والجِلْسَةِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ. والجُمْلَةُ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ التَّفَكُّرِ لِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ومَحَلُّها عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الجارِّ؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ. وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا "؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما ؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحَبَتِهِمْ لَهُ ﷺ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ ﷺ عَنْ شائِبَةِ ما ذُكِرَ؛ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ وتَشْدِيدٌ لَهُ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ ﷺ، لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ والعاداتِ، لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ كَيْفَما اتَّفَقَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ومَعْنًى، أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ ﷺ شائِبَةُ الأوَّلِ، تَعَيَّنَ أنَّهُ ﷺ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وَقِيلَ: إنَّهُ ﷺ عَلا الصَّفا لَيْلًا، فَجَعَلَ يَدْعُو قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُهَوِّتُ إلى الصَّباحِ؛ فَنَزَلَتْ، فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ حِينَئِذٍ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى شاكِلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِهِ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾؛ أيْ: ما هو إلّا مُبالِغٌ في الإنْذارِ، مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ، إبْرازٌ لِكَمالِ الرَّأْفَةِ، (p-299)وَمُبالَغَةٌ في الإعْذارِ.

الأعراف 7:185

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ، والأنْفُسِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ مَضْمُونِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، إثْرَ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ إخْلالُهم بِالتَّفَكُّرِ في شَأْنِهِ ﷺ، والهَمْزَةُ لِما ذُكِرَ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَذْكُورِ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ. والمَلَكُوتُ: المُلْكُ العَظِيمُ؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها، أوْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ، ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّماواتُ والأرْضُ مِن عِظَمِ المُلْكِ وكَمالِ القُدْرَةِ. ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وفِيما خَلَقَ فِيهِما عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَلَكُوتِ، وتَخْصِيصُهُ بِهِما لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، أوْ وفي مَلَكُوتِ ما خَلَقَ، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما خَلَقَ، مُفِيدٌ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ الدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ بِجَلائِلِ المَصْنُوعاتِ دُونَ دَقائِقِها، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما خَلَقَ فِيهِما مِن جَلِيلٍ ودَقِيقٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ؛ لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى العِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وبِسائِرِ شُئُونِهِ الَّتِي يَنْطِقُ بِها تِلْكَ الآياتُ، فَيُؤْمِنُوا بِها لِاتِّحادِهِما في المَدْلُولِ، فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الأكْوانِ مِمّا عَزَّ وهانَ، دَلِيلٌ لائِحٌ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ، وسَبِيلٌ واضِحٌ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَلَكُوتِ، و" أنْ " مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها " عَسى " مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو " ﴿أنْ يَكُونَ﴾ "، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ " قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم "، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ، عَسى أنْ يَكُونَ الشَّأْنُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم. وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ " يَكُونُ " أجَلُهم، وخَبَرُها " ﴿قَدِ اقْتَرَبَ﴾ " عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ، هو ضَمِيرُ " ﴿أجَلُهُمْ﴾ " لِتَقَدُّمِهِ حُكْمًا، وأيًّا ما كانَ فَمَناطُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ تَأْخِيرُهم لِلنَّظَرِ والتَّأمُّلِ؛ أيْ: لَعَلَّهم يَمُوتُونَ عَمّا قَرِيبٍ، فَما لَهم لا يُسارِعُونَ إلى التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِما كَذَّبُوهُ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأجَلُ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ " هم " لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ لَها وبَحْثِهِمْ عَنْها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، مُتَرَتِّبٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، وإخْلالِهِمْ بِالتَّفَكُّرِ والنَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ بَعْدَهُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ. وَإجْراءُ الضَّمِيرِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَتَفَكَّرُوا، فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ ﷺ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ؛ فَبِأيِّ حَدِيثٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ تَكْذِيبِهِ ومَعَهُ مِثْلُ هَذِهِ الشَّواهِدِ القَوِيَّةِ، كَلّا وهَيْهاتَ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو النِّهايَةُ في البَيانِ. وَقِيلَ: هو إنْكارٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، مُتَرَتِّبٌ عَلى إخْلالِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى التَّأمُّلِ فِيما ذُكِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، (p-300)فَما لَهم لا يُبادِرُونَ إلى الإيمان بالقرآن قَبْلَ الفَوْتِ، وماذا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأجَلِهِمْ، والمَعْنى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ يُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ.

الأعراف 7:186

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُنْبِئٌ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالياءِ والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ أيْ: وهو يَذَرُهم، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهم، وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " فَلا هادِيَ لَهُ "، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرْهم، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ بِالنُّونِ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهم، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ نَظَرًا إلى لَفْظِ مَن، وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ نَظَرًا إلى مَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ.

الأعراف 7:187

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْكامِ ضَلالِهِمْ وطُغْيانِهِمْ؛ أيْ: عَنِ القِيامَةِ، وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلَيْها إمّا لِوُقُوعِها بَغْتَةً، أوْ لِسُرْعَةِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ، أوْ لِأنَّها ساعَةٌ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ طُولِها في نَفْسِها. قِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هي، وكانَ ذَلِكَ امْتِحانًا مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها. وقِيلَ: السّائِلُونَ قُرَيْشٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِكَسْرِها، وهو ظَرْفُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ المُبْتَدَأُ أوِ الفِعْلُ المُضارِعُ دُونَ الماضِي، بِخِلافِ " مَتى " حَيْثُ يَلِيها كِلاهُما، قِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن أيٍّ فَعْلانُ مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أيُّ: وقْتٍ، وهو مِن أوَيْتُ إلى الشَّيْءِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ. وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ومُرْساها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ أيْ: مَتى إرْساؤُها؛ أيْ: إثْباتُها وتَقْرِيرُها، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أرْساهُ: إذا أثْبَتَهُ وأقَرَّهُ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾، ومِنهُ: مِرْساةُ السُّفُنِ. وَمَحَلُّ الجُمْلَةِ؛ قِيلَ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ السّاعَةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لا مِنَ المَجْرُورِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾، وفي تَعْلِيقِ السُّؤالِ بِنَفْسِ السّاعَةِ أوَّلًا، وبِوَقْتِ وُقُوعِها ثانِيًا، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ السُّؤالِ نَفْسُها، بِاعْتِبارِ حُلُولِها في وقْتِها المُعَيَّنِ، لا وقْتُها بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَحِلًّا لَها، وقَدْ سُلِكَ هَذا المَسْلَكُ في الجَوابِ المُلَقَّنِ أيْضًا، حَيْثُ أُضِيفَ العِلْمُ بِالمَطْلُوبِ بِالسُّؤالِ إلى ضَمِيرِها، فَأُخْبِرَ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ. وَحَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها﴾؛ أيْ: عِلْمُها بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ. ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّما عِلْمُ وقْتِ إرْسائِها، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَمَلَ (p-301)النَّظْمَ الكَرِيمَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ ﷺ لِلْجَوابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عِنْدَهُ تَعالى خاصَّةً: أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أحَدًا مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ تِلْكَ الحالَةِ إلى حِينِ قِيامِها، وإقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنْ إظْهارِ أمْرِها بِطَرِيقِ الإخْبارِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ إيّاهُ، فَإنَّهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما أنَّ إخْفاءَ الأجَلِ الخاصِّ لِلْإنْسانِ كَذَلِكَ. والمَعْنى: لا يَكْشِفُ عَنْها ولا يُظْهِرُ لِلنّاسِ أمْرَها الَّذِي تَسْألُونَنِي عَنْهُ، إلّا هو بِالذّاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ، فَيَتَوَسَّطُ في إظْهارِهِ لَهم، لَكِنْ لا بِأنْ لا يُخْبِرَهم بِوَقْتِها قَبْلَ مَجِيئِهِ كَما هو المَسْؤُولُ، بَلْ بِأنْ يُقِيمَها فَيُشاهِدُوها عِيانًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ التَّجْلِيَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ الكَشْفِ التّامِّ المُزِيلِ لِلْإبْهامِ بِالكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِوَقْتِها﴾؛ أيْ: في وقْتِها، قَيْدٌ لِلتَّجْلِيَةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْها لا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُجَلِّيها إلّا هو في وقْتِها، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ تَجْلِيَتَها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِوَقْتِها، بَلْ بِإظْهارِ عَيْنِها في وقْتِها الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: كَبُرَتْ وشَقَّتْ عَلى أهْلِهِما مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، كُلٌّ مِنهم أهَمَّهُ خَفاؤُها وخُرُوجُها عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ. وَقِيلَ: عَظُمَتْ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ يُشْفِقُونَ مِنها، ويَخافُونَ شَدائِدَها وأهْوالَها. وقِيلَ: ثَقُلَتْ فِيهِما؛ إذْ لا يُطِيقُها مِنهُما ومِمّا فِيهِما شَيْءٌ أصْلًا. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ الثِّقَلِ مِن حَيْثُ الخَفاءُ؛ أيْ: لا تَأْتِيكم إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، كَما قالَ ﷺ: " «إنَّ السّاعَةَ تَهِيجُ بِالنّاسِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ في سُوقِهِ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ» . ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهُ ﷺ عالِمٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ، أوْ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ، إثْرَ بَيانِ خَطَئِهِمْ في أصْلِ السُّؤالِ بِإعْلامِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الكافِ، جِيءَ بِها بَيانًا لِما يَدْعُوهم إلى السُّؤالِ عَلى زَعْمِهِمْ، وإشْعارًا بِخَطَئِهِمْ في ذَلِكَ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ عِنْدَهم بِحالِ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها؛ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِها، فَعِيلٌ مِن حَفِيَ وحَقِيقَتُهُ، كَأنَّكَ مُبالِغٌ في السُّؤالِ عَنْها، فَإنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ المُبالَغَةِ في العِلْمِ بِها، لِما أنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْهُ، اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ بِهِ. وَمَبْنى التَّرْكِيبِ عَلى المُبالَغَةِ والِاسْتِقْصاءِ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ واحْتِفاءُ البَقْلِ؛ أيِ: اسْتِئْصالُهُ، والإحْفاءُ في المَسْألَةِ؛ أيِ: الإلْحافُ فِيها. وَقِيلَ: " عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْألُونَكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ﴾ " مُعْتَرِضٌ، وصِلَةُ حَفِيٌّ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: حَفِيٌّ بِها، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ. وَقِيلَ: هو مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى: البِرِّ والشَّفَقَةِ، فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ ﷺ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً، فَقُلْ لَنا: مَتى السّاعَةُ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ تَتَحَفّى بِهِمْ، فَتَخُصُّهم بِتَعْلِيمِ وقْتِها لِأجْلِ القَرابَةِ، وتَزْوِي أمْرَها عَنْ غَيْرِهِمْ؛ فَفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم مِن جِهَتَيْنِ. وقِيلَ: هو مِن حَفِيَ بِالشَّيْءِ بِمَعْنى: فَرِحَ بِهِ، والمَعْنى: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ مَعَ أنَّكَ كارِهٌ لَهُ، لِما أنَّهُ تَعَرُّضٌ لِحَرَمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعِلْمِهِ. ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِإعادَةِ الجَوابِ الأوَّلِ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ، وتَقْرِيرًا لَهُ، وإشْعارًا بِعِلَّتِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بِإيرادِ اسْمِ الذّاتِ المُنْبِئِ عَنِ (p-302)اسْتِتْباعِها لِصِفاتِ الكَمالِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ. وَتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِجَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ عِلْمِها بِهِ تَعالى، فَبَعْضُهم يُنْكِرُونَها رَأْسًا فَلا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا، وبَعْضُهم يَعْلَمُونَ أنَّها واقِعَةٌ البَتَّةَ، ويَزْعُمُونَ أنَّكَ واقِفٌ عَلى وقْتِ وُقُوعِها فَيَسْألُونَكَ عَنْهُ جَهْلًا، وبَعْضُهم يَدَّعُونَ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ، فَيَتَّخِذُونَ السُّؤالَ عَنْهُ ذَرِيعَةً إلى القَدْحِ في رِسالَتِكَ، والمُسْتَثْنى مِن هَؤُلاءِ هُمُ الواقِفُونَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا السّائِلُونَ عَنْها مِنَ اليَهُودِ بِطَرِيقِ الِامْتِحانِ فَهم مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِ الجاهِلِينَ، حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ.

الأعراف 7:188

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ شُرُوعٌ في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ بِبَيانِ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِها، إثْرَ بَيانِ عَجْزِ الكُلِّ عَنْهُ، وإبْطالِ زَعْمِهِمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ سُؤالَهم مِن كَوْنِهِ ﷺ مِمَّنْ يَعْلَمُها، وإعادَةُ الأمْرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الجَوابِ، والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ومُغايَرَتِهِ لِلْأوَّلِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ عَجْزِهِ عَمّا ذُكِرَ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ لِإثْباتِ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. واللّامُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِأمْلِكُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَفْعًا؛ أيْ: لا أقْدِرُ لِأجْلِ نَفْسِي عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ما ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ ما. ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أمْلِكَهُ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُلْهِمَنِيهِ فَيُمَكِّنَنِي مِنهُ ويُقْدِرَنِي عَلَيْهِ، أوْ لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهَذا أبْلَغُ في إظْهارِ العَجْزِ. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الغَيْبِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما بَيْنَ الأشْياءِ مِنَ المُناسَباتِ المُصَحِّحَةِ عادَةً لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، ومِنَ المُبايَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْمُمانَعَةِ والمُدافَعَةِ. ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾؛ أيْ: لَحَصَّلْتُ كَثِيرًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نِيطَ تَحْصِيلُهُ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْبَشَرِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ ودَفْعِ مَوانِعِهِ. ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أيِ: السُّوءُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّفَصِّي عَنْهُ بِالتَّوَقِّي عَنْ مُوجِباتِهِ، والمُدافَعَةِ بِمَوانِعِهِ لا سُوءٌ ما، فَإنَّ مِنهُ ما لا مَدْفَعَ لَهُ. ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾؛ أيْ: ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ، شَأْنِي حِيازَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، لا الوُقُوفُ عَلى الغُيُوبِ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ، وقَدْ كَشَفْتُ مِن أمْرِ السّاعَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإنْذارُ مِن مَجِيئِها لا مَحالَةَ واقْتِرابِها، وأمّا تَعْيِينُ وقْتِها فَلَيْسَ ما يَسْتَدْعِيهِ الإنْذارُ، بَلْ هو مِمّا يَقْدَحُ فِيهِ، لِما مَرَّ مِن أنَّ إيهامَهُ أدْعى إلى الِانْزِجارِ عَنِ المَعاصِي، وتَقْدِيمُ النَّذِيرِ عَلى البَشِيرِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ الإنْذارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ كَما يَنْتَفِعُونَ بِالبِشارَةِ، وإمّا بِالبَشِيرِ فَقَطْ، وما يَتَعَلَّقُ بِالنَّذِيرِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ؛ أيِ: الباقِينَ عَلى الكُفْرِ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ؛ أيْ: في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ فَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلْكَفَرَةِ في إحْداثِ الإيمانِ، وتَحْذِيرٌ عَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

الأعراف 7:189

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ جِنايَةِ الكَفَرَةِ في جَراءَتِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِتَذْكِيرِ مَبادِئِ (p-303)أحْوالِهِمُ المُنافِيَةِ لَهُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ. ﴿وَجَعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَلَقَكم داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا، لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ. ﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، أوْ مِن جَسَدِها، لِما يُرْوى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ إذِ الجِنْسِيَّةُ هي المُؤَدِّيَةُ إلى الغايَةِ الآتِيَةِ لا الجُزْئِيَّةُ. والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَوْجَها﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى الإنْشاءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والأوَّلُ هو الأوْلى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ الثّانِي؛ أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها اطْمِئْنانًا مُصَحِّحًا لِلِازْدِواجِ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ. وَيُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾؛ أيْ: جامَعَها. ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ في مَبادِئِ الأمْرِ، فَإنَّهُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً، أوْ عَلَقَةً، أوْ مُضْغَةً، أخَفُّ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ خِفَّتِهِ لِلْإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، في إنْشائِهِ تَعالى إيّاهم مُتَدَرِّجِينَ في أطْوارِ الخَلْقِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾؛ أيْ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ كَما كانَتْ قَبْلُ، حَيْثُ قامَتْ وقَعَدَتْ، وأخَذَتْ وتَرَكَتْ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقُرِئَ: ( فَمَرَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ، و( فَمارَتْ ) مِنَ المَوْرِ: وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، أوْ مِنَ المِرْيَةِ: فَظَنَّتِ الحَمْلَ وارْتابَتْ بِهِ. وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفَّ عَلَيْها، ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما يَلْقى بَعْضُ الحَبالى مِن حَمْلِهِنَّ مِنَ الكَرْبِ والأذِيَّةِ، ولَمْ تَسْتَثْقِلْهُ كَما يَسْتَثْقِلْنَهُ، فَمَرَّتْ بِهِ؛ أيْ: فَمَضَتْ بِهِ إلى مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْداجٍ ولا إزْلاقٍ؛ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ إذْ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، ولا رَيْبَ في أنَّ الثِّقَلَ بِهَذا المَعْنى لَيْسَ مُقابِلًا لِلْخِفَّةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، إنَّما يُقابِلُها الكَرْبُ الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَهُنَّ مِن أوَّلِ الحَمْلِ إلى آخِرِهِ دُونَ بَعْضٍ أصْلًا، وقُرِئَ: ( أُثْقِلَتْ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أثْقَلَها حَمْلُها. ﴿دَعَوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمّا دَهِمَهُما أمْرٌ لَمْ يَعْهَداهُ ولَمْ يَعْرِفا مَآلَهُ، فاهْتَمّا بِهِ وتَضَرَّعا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّهُما﴾؛ أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ الدُّعاءُ إشارَةٌ إلى أنَّهُما قَدْ صَدَّرا بِهِ دُعاءَهُما، كَما في قَوْلِهِما: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ...﴾ الآيَةَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ بِهِ؛ أيْ: دَعَواهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا ووَعَدا، بِمُقابَلَتِهِ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ. وَقالا، أوْ قائِلِينَ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾؛ أيْ: ولَدًا مِن جِنْسِنا سَوِيًّا. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ نَحْنُ ومَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِنا. ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ، وتَرْتِيبُ هَذا الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، لِما أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما عَلَّقا بِهِ دُعاءَهُما أُنْمُوذَجٌ لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ، ومِعْيارٌ لَها ذاتًا، وصِفَةُ وُجُودِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِوُجُودِها، وصَلاحُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلاحِها؛ فالدُّعاءُ في حَقِّهِ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ في حَقِّ الكُلِّ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ، كَأنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا وذُرِّيَّتَنا أوْلادًا صالِحَةً. وَقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ " ﴿آتَيْتَنا﴾ " أيْضًا لَهُما ولِكُلِّ مَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فالوَجْهُ ظاهِرٌ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ نَظْمَ الكُلِّ (p-304)فِي سِلْكِ الدُّعاءِ أصالَةً يَأْباهُ مَقامُ المُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما هُما بِصَدَدِهِ، وأمّا جَعْلُ ضَمِيرِ " ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ " لِلْكُلِّ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ؛ لِأنَّ تَوْسِيعَ دائِرَةِ الشُّكْرِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالِاعْتِناءِ المَذْكُورِ، بَلْ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

الأعراف 7:190

وَأيًّا ما كانَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ لَمّا آتاهُما ما طَلَباهُ أصالَةً، واسْتِتْباعًا مِنَ الوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ ما تَناسَلُوا؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلا﴾؛ أيْ: جَعَلَ أوْلادُهُما، ﴿لَهُ﴾ تَعالى. ﴿شُرَكاءَ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ، ثِقَةً بِوُضُوحِ الأمْرِ وتَعْوِيلًا عَلى ما يَعْقُبُهُ مِنَ البَيانِ. وَكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما آتاهُما﴾؛ أيْ: فِيما آتى أوْلادَهُما مِنَ الأوْلادِ، حَيْثُ سَمَّوْهم بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَخْصِيصُ إشْراكِهِمْ هَذا بِالذِّكْرِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ، مَعَ أنَّ إشْراكَهم بِالعِبادَةِ أغْلَظُ مِنهُ جِنايَةً وأقْدَمُ وُقُوعًا، لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ إخْلالِهِمْ بِالشُّكْرِ في مُقابَلَةِ نِعْمَةِ الوَلَدِ الصّالِحِ، وأوَّلُ كُفْرِهِمْ في حَقِّهِ إنَّما هو تَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِما ذُكِرَ. وَقُرِئَ: ( شِرْكًا )؛ أيْ: شَرِكَةً، أوْ ذَوِي شَرِكَةٍ؛ أيْ: شُرَكاءَ، إنْ قِيلَ ما ذُكِرَ مِن حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ، إنَّما يُصادَرُ إلَيْهِ فِيما يَكُونُ لِلْفِعْلِ مُلابَسَةٌ ما بِالمُضافِ إلَيْهِ أيْضًا بِسِرايَتِهِ إلَيْهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وتَتَضَمَّنُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ صُورَةَ مَزِيَّةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ...﴾ الآيَةَ؛ فَإنَّ الإنْجاءَ مِنهم مَعَ أنَّ تَعَلُّقَهُ حَقِيقَةً، لَيْسَ إلّا بِأسْلافِ اليَهُودِ قَدْ نُسِبَ إلى أخِلافِهِمْ بِحُكْمِ سِرايَتِهِ إلَيْهِمْ؛ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ...﴾ الآيَةَ؛ فَإنَّ القَتْلَ حَقِيقَةً مَعَ كَوْنِهِ مِن جِنايَةِ آبائِهِمْ قَدْ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِحُكْمِ رِضاهم بِهِ أداءً لِحَقِّ مَقامِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ. وَلا رَيْبَ في أنَّهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرِيئانِ مِن سِرايَةِ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَما وجْهُ إسْنادِهِ إلَيْهِما صُورَةً ؟ قُلْنا: وجْهُهُ الإيذانُ بِتَرْكِهِما الأوْلى، حَيْثُ أقْدَما عَلى نَظْمِ أوْلادِهِما في سِلْكِ أنْفُسِهِما، والتَزَما شُكْرَهم في ضِمْنِ شُكْرِهِما، وأقْسَما عَلى ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ، بِبَيانِ أنَّ إخْلالَهم بِالشُّكْرِ الَّذِي وعَداهُ وعْدًا مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ، بِمَنزِلَةِ إخْلالِهِما بِالذّاتِ في اسْتِيجابِ الحِنْثِ والخُلْفِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَضاعُفِ جِنايَتِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم بِجَعْلِهِمُ المَذْكُورَ أوْقَعُوهُما في ورْطَةِ الحِنْثِ والخُلْفِ، وجَعَلُوهُما كَأنَّهُما باشَراهُ بِالذّاتِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الجِنايَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والجِنايَةِ عَلَيْهِما عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ عَلى ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ قدرته تعالى، وآثارِ نِعْمَتِهِ الزّاجِرَةِ عَنِ الشِّرْكِ، الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مَن تَعَيُّنِ الفاعِلِ، وتَنْزِيهِ آدَمَ وحَوّاءَ عَنْ ذَلِكَ. وَ" ما " في " ﴿عَمّا﴾ " إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ أيْ: عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِإشْراكِهِمْ: إمّا تَسْمِيَتُهُمُ المَذْكُورَةُ، أوْ مُطْلَقُ إشْراكِهِمُ المُنْتَظِمُ لَها انْتِظامًا أوَّلِيًّا. وَقُرِئَ: ( تُشْرِكُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِآلِ قُصَيٍّ مِن قُرَيْشٍ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ: نَفْسُ قُصَيٍّ، فَإنَّهم خُلِقُوا مِنهُ، وكانَ لَهُ زَوْجٌ مِن جِنْسِهِ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ، وطَلَبا مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا صالِحًا، فَأعْطاهُما أرْبَعَةَ بَنِينَ، فَسَمَّياهم عَبْدَ مَنافٍ، وعَبْدَ شَمْسٍ، وعَبْدَ قُصَيٍّ، وعَبْدَ الدّارِ. وَضَمِيرُ يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما المُقْتَدِينَ بِهِما، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ حَوّاءُ أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ بَهِيمَةٌ، أوْ كَلْبٌ، أوْ خِنْزِيرٌ، وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، فَخافَتْ مِن (p-305)ذَلِكَ، فَذَكَرَتْهُ لَآدَمَ، فَأهَمَّهُما ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلَيْها وقالَ: إنِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةٍ، فَإنْ دَعَوْتُهُ أنْ يَجْعَلَهُ خَلْقًا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ عَلَيْكَ خُرُوجَهُ، تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحَرْثِ، وكانَ اسْمُهُ حارِثًا في المَلائِكَةِ؛ فَقَبِلَتْ، فَلَمّا ولَدَتْهُ سَمَّتْهُ عَبْدَ الحَرْثِ؛ فَمِمّا لا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، كَيْفَ لا وأنَّهُ ﷺ كانَ عَلَمًا في عِلْمِ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ، فَعَدَمُ عِلْمِهِ بِإبْلِيسِ واسْمِهِ واتِّباعُهُ إيّاهُ في مِثْلِ هَذا الشَّأْنِ الخَطِيرِ أمْرٌ قَرِيبٌ مِنَ المُحالِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

الأعراف 7:191

﴿أيُشْرِكُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ، واسْتِقْباحِ إشْراكِهِمْ عَلى الإطْلاقِ وإبْطالِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بِبَيانِ شَأْنِ ما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وتَفْصِيلِ أحْوالِهِ القاضِيَةِ بِبُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّهِ؛ أيْ: أيُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى. ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِعابِدِهِ لا مَحالَةَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يَخْلُقُ، وإيرادُ الضَّمِيرَيْنِ بِجَمْعِ العُقَلاءِ مَعَ رُجُوعِهِما إلى " ما " المُعَبَّرِ بِها عَنِ الأصْنامِ، إنَّما هو بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ فِيها، وإجْرائِهِمْ لَها مَجْرى العُقَلاءِ، وتَسْمِيَتِهِمْ لَها آلِهَةً، وكَذا حالُ سائِرِ الضَّمائِرِ الآتِيَةِ، ووَصْفُها بِالمَخْلُوقِيَّةِ بَعْدَ وصْفِها بِنَفْيِ الخالِقِيَّةِ؛ لِإبانَةِ كَمالِ مُنافاةِ حالِها لِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّها، وإظْهارِ غايَةِ جَهْلِهِمْ، فَإنَّ إشْراكَ ما لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ ما بِخالِقِهِ، وخالِقِ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يُسَوِّغَهُ مَن لَهُ عَقْلٌ في الجُمْلَةِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِخالِقِها لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ والِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ.

الأعراف 7:192

﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِعَبَدَتِهِمْ إذا حَزَبَهم أمْرٌ مُهِمٌّ وخَطْبٌ مُلِمٌّ. ﴿نَصْرًا﴾؛ أيْ: نَصْرًا ما بِجَلْبِ مَنفَعَةٍ، أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ. ﴿وَلا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا اعْتَراهم حادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ؛ أيْ: لا يَدْفَعُونَها عَنْ أنْفُسِهِمْ، وإيرادُ النَّصْرِ لِلْمُشاكَلَةِ، وهَذا بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إيصالِ مَنفَعَةٍ ما مِنَ المَنافِعِ الوُجُودِيَّةِ والعَدَمِيَّةِ إلى عَبَدَتِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إيصالِ مَنفَعَةِ الوُجُودِ إلَيْهِمْ وإلى أنْفُسِهِمْ، خَلا أنَّهم وُصِفُوا هُناكَ بِالمَخْلُوقِيَّةِ لِكَوْنِهِمْ أهْلًا لَها، وهَهُنا لَمْ يُوصَفُوا بِالمَنصُورِيَّةِ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لَها.

الأعراف 7:193

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَمّا هو أدْنى مِنَ النَّصْرِ المَنفِيِّ عَنْهم وأيْسَرُ، وهو مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ، والإرْشادِ إلى طَرِيقِ حُصُولِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحَصِّلَهُ الطّالِبُ، والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ؛ أيْ: إنْ تَدْعُوهم أيُّها المُشْرِكُونَ إلى أنْ يَهْدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ المَطالِبَ، أوْ تَنْجُونَ بِهِ عَنِ المَكارِهِ. ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مُرادِكم وطِلْبَتِكم، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ الِاتِّباعِ؛ أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْكم في عَدَمِ الإفادَةِ دُعاؤُكم لَهم وسُكُوتُكُمُ البَحْتُ، فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُكم في الحالَيْنِ كَما لا يَتَغَيَّرُ حالُهم بِحُكْمِ الجَمادِيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في قُوَّةِ أمْ صَمَتُّمْ، عُدِلَ عَنْها لِلْمُبالَغَةِ في عَدَمِ إفادَةِ الدُّعاءِ، (p-306)بِبَيانِ مُساواتِهِ لِلسُّكُوتِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ. وَما قِيلَ مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا المُشْرِكِينَ إلى الهُدى؛ أيِ: الإسْلامِ، لا يَتَّبِعُوكم ... إلَخْ، مِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وسِياقُهُ أصْلًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: " عَلَيْهِمْ " مَكانَ " عَلَيْكم "، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ فَإنَّ اسْتِواءَ الدُّعاءِ وعَدَمَهُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُشْرِكِينَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاعِينَ، فَإنَّهم فائِزُونَ بِفَضْلِ الدَّعْوَةِ.

الأعراف 7:194

﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن عَدَمِ اتِّباعِهِمْ لَهم؛ أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ وتُسَمُّونَهم آلِهَةً. ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ أيْ: مُماثِلَةٌ لَكم، لَكِنْ لا مِن كُلِّ وجْهٍ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِهِ، عاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، وتَشْبِيهُها بِهِمْ في ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ عَجْزِها عَنْهُما أظْهَرَ وأقْوى مِن عَجْزِهِمْ، إنَّما هو لِاعْتِرافِهِمْ بِعَجْزِ أنْفُسِهِمْ وادِّعائِهِمْ لِقدرتها عَلَيْهِمْ؛ إذْ هو الَّذِي يَدْعُوهم إلى عِبادَتِها والِاسْتِعانَةِ بِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِتَعْجِيزِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ؛ أيْ: فادْعُوهم في جَلْبِ نَفْعٍ أوْ كَشْفِ ضُرٍّ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زَعْمِكم أنَّهم قادِرُونَ عَلى ما أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْهُ.

الأعراف 7:195

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ...﴾ إلَخْ، تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ، مُؤَكِّدٌ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِبَيانِ فُقْدانِ آلاتِها بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ الهَياكِلِ الجُسْمانِيَّةِ إنَّما تُتَصَوَّرُ، إذا كانَ لَها حَياةٌ وقُوًى مُحَرِّكَةٌ ومُدْرِكَةٌ، وما لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ الأفاعِيلِ بِالمَرَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَهم هَذِهِ الآلاتُ الَّتِي بِها تَتَحَقَّقُ الِاسْتِجابَةُ حَتّى يُمْكِنَ اسْتِجابَتُهم لَكم. وَقَدْ وُجِّهَ الإنْكارُ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ؛ تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ، وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ، إشْعارًا بِأنَّ انْتِفاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ. وَوَصْفُ الأرْجُلِ بِالمَشْيِ بِها؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو الوَصْفُ، وإنَّما وُجِّهَ إلى الأرْجُلِ لا إلى الوَصْفِ بِأنْ يُقالَ: أيَمْشُونَ بِأرْجُلِهِمْ لِتَحْقِيقِ أنَّها حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنها ما يَظْهَرُ مِن سائِرِ الأرْجُلِ، فَهي لَيْسَتْ بِأرْجُلٍ في الحَقِيقَةِ، وكَذا الكَلامُ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الجَوارِحِ الثَّلاثِ الباقِيَةِ. وَكَلِمَةُ " أمْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِنَ الهَمْزَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ المُفِيدِ لِلِانْتِقالِ مِن فَنٍّ مِنَ التَّبْكِيتِ بَعْدَ تَمامِهِ إلى فَنٍّ آخَرَ مِنهُ، لِما ذُكِرَ مِنَ المَزايا والبَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ. وَقُرِئَ: ( يَبْطُشُونَ ) بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم أيْدٍ يَأْخُذُونَ بِها ما يُرِيدُونَ أخْذَهُ، وتَأْخِيرُ هَذا عَمّا قَبْلَهُ، لِما أنَّ المَشْيَ حالُهم في أنْفُسِهِمْ، والبَطْشَ حالُهم بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ. وَأمّا تَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ (p-307)مَعَ أنَّ الكُلَّ سَواءٌ في أنَّها مِن أحْوالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ؛ فَلِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، ولِأنَّ انْتِفاءَ المَشْيِ والبَطْشِ أظْهَرُ، والتَّبْكِيتَ بِذَلِكَ أقْوى، وأمّا تَقْدِيمُ الأعْيُنِ فَلِما أنَّها أشْهَرُ مِنَ الآذانِ، وأظْهَرُ عَيْنًا وأثَرًا. هَذا وقَدْ قُرِئَ: ( إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالُكم ) عَلى إعْمالِ " إنِ " النّافِيَةِ عَمَلَ " ما " الحِجازِيَّةِ؛ أيْ: ما الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ تَعالى عِبادًا أمْثالُكم، بَلْ أدْنى مِنكم؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: " ألَهم ... " إلَخْ، تَقْرِيرًا لِنَفْيِ المُماثَلَةِ بِإثْباتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ بَعْدَ ما بُيِّنَ أنَّ شُرَكاءَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُناصِبَهم لِلْمُحاجَّةِ، ويُكَرِّرَ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ وإلْقامَ الحَجَرِ؛ أيِ: ادْعُوا شُرَكاءَكم واسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَيَّ. ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ جَمِيعًا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم، وبالِغُوا في تَرْتِيبِ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن مَبادِئِ الكَيْدِ والمَكْرِ. ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾؛ أيْ: فَلا تُمْهِلُونِي ساعَةً بَعْدَ تَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الكَيْدِ، فَإنِّي لا أُبالِي بِكم أصْلًا.

الأعراف 7:196

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُنْفَهِمِ مِنَ السَّوْقِ انْفِهامًا جَلِيًّا، ووَصْفُهُ تَعالى بِتَنْزِيلِ الكِتابِ لِلْإشْعارِ بِدَلِيلِ الوِلايَةِ، والإشارَةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى لِعَدَمِ المُبالاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أُبالِي بِكم وبِشُرَكائِكم؛ لِأنَّ ولِيِّيَ هو اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ النّاطِقَ بِأنَّهُ ولِيِّي وناصِرِي، وبِأنَّ شُرَكاءَكم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ نَصْرِكم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: ومِن عادَتِهِ أنْ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ ويَنْصُرَهم ولا يَخْذُلَهم.

الأعراف 7:197

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: تَعْبُدُونَهم. ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى، أوْ تَدْعُونَهم لِلِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلَيَّ حَسْبَما أمَرْتُكم بِهِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾؛ أيْ: في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، أوْ في خُصُوصِ الأمْرِ المَذْكُورِ. ﴿وَلا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا نابَتْهم نائِبَةٌ.

الأعراف 7:198

﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ إلى أنْ يَهْدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَكم عَلى الإطْلاقِ، أوْ في خُصُوصِ الكَيْدِ المَعْهُودِ. ﴿لا يَسْمَعُوا﴾؛ أيْ: دُعاءَكم؛ فَضْلًا عَنِ المُساعَدَةِ والإمْدادِ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَفْيِ الِاتِّباعِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإبْصارِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ السَّمْعِ، وبِهِ يَتِمُّ التَّعْلِيلُ، فَلا تَكْرارَ أصْلًا، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ مِن فاعِلِ " يَنْظُرُونَ "؛ أيْ: وتَرى الأصْنامَ رَأْيَ العَيْنِ، يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ إلَيْكَ ويُخَيَّلُ إلَيْكَ أنَّهم يُبْصِرُونَكَ، لِما أنَّهُ صَنَعُوا لَها أعْيُنًا مُرَكَّبَةً بِالجَواهِرِ المُضِيئَةِ المُتَلَأْلِأةِ، وصَوَّرُوها بِصُورَةِ مَن قَلَبَ حَدَقَتَهُ إلى الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ، والحالُ أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى الإبْصارِ. وَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في " تَراهم " مَعَ رُجُوعِهِ إلى المُشْرِكِينَ، لِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم، لا إلى الكُلِّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ كالخِطاباتِ السّابِقَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رُؤْيَةَ الأصْنامِ عَلى الهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ لا تَتَسَنّى لِلْكُلِّ مَعًا، بَلْ (p-308)لِكُلِّ مَن يُواجِهُها. وَقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ في " تَراهم " لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى حالِهِ. وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ "؛ أيْ: وتَرى المُشْرِكِينَ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، والحالُ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ كَما أنْتَ عَلَيْهِ. وَعَنِ الحَسَنِ: أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: " وإنْ تَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ " عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " يُنْصَرُونَ "؛ أيْ: وإنْ تَدْعُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ لا يَلْتَفِتُوا إلَيْكم، ثُمَّ خُوطِبَ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ بِأنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، والحالُ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ حَقَّ الإبْصارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما فِيهِ ﷺ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ ودَلائِلِ الرِّسالَةِ مِنَ الجَلاءِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى النّاظِرَيْنِ.

الأعراف 7:199

﴿خُذِ العَفْوَ﴾ بَعْدَ ما عُدَّ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وقَبائِحِهِمْ ما لا يُطاقُ تَحَمُّلُهُ، أُمِرَ ﷺ بِمَجامِعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإغْضاءُ عَنْهم؛ أيْ: خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أفْعالِ النّاسِ وتَسَهَّلْ، ولا تُكَلِّفْهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مِنَ العَفْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَهْدِ، أوْ خُذِ العَفْوَ مِنَ المُذْنِبِينَ، أوِ الفَضْلَ مِن صَدَقاتِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ. ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ بِالجَمِيلِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ، فَإنَّها قَرِيبَةٌ مِن قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ. ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ مِن غَيْرِ مُماراةٍ ولا مُكافَأةٍ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ سَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: " لا أدْرِي حَتّى أسْألَ "، ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ؛ إنَّ رَبَّكَ أمَرَكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أمْرُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.

الأعراف 7:200

وَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قالَ ﷺ: " «كَيْفَ يا رَبِّ والغَضَبُ مُتَحَقِّقٌ» "؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ، والنَّسْعُ، والنَّخْسُ: الغَرْزُ، شُبِّهَتْ وسْوَسَتُهُ لِلنّاسِ وإغْراؤُهُ لَهم عَلى المَعاصِي بِغَرْزِ السّائِقِ لِما يَسُوقُهُ، وإسْنادُهُ إلى النَّزْغِ مِن قَبِيلِ جَدَّ جِدُّهُ؛ أيْ: وإمّا يَحْمِلَنَّكَ مِن جِهَتِهِ وسْوَسَةٌ ما، عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنِ اعْتِراءِ غَضَبٍ أوْ نَحْوِهِ. ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فالتَجِئْ إلَيْهِ تَعالى مِن شَرِّهِ. ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ بِهِ قَوْلًا. ﴿عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ تَضَرُّعَكَ إلَيْهِ قَلْبًا في ضِمْنِ القَوْلِ، أوْ بِدُونِهِ فَيَعْصِمُكَ مِن شَرِّهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِنَزْغِ الشَّيْطانِ: اعْتِراءُ الغَضَبِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ، كَما في قَوْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِي شَيْطانًا يَعْتَرِينِي؛ فَفِيهِ زِيادَةُ تَنْفِيرٍ عَنْهُ، وفَرْطُ تَحْذِيرٍ عَنِ العَمَلِ بِمُوجَبِهِ. وَفِي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يُتَخَلَّصُ مِن مَضَرَّتِها، إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ، فَيُجازِيهِ عَلَيْها.

الأعراف 7:201

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، بِبَيانِ أنَّ ما أُمِرَ بِهِ ﷺ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، والإخْلالُ بِها دَيْدَنُ الغاوِينَ؛ أيْ: إنَّ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِوِقايَةِ أنْفُسِهِمْ عَمّا يَضُرُّها. ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أدْنى لَمَّةٍ مِنهُ، عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ لِلتَّحْقِيرِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ يَطُوفُ، (p-309)كَأنَّها تَطُوفُ بِهِمْ وتَدُورُ حَوْلَهم لِتُوقِعَ بِهِمْ، أوْ مِن طافَ بِهِ الخَيالُ يُطِيفُ طَيْفًا؛ أيْ: ألَمَّ. وَقُرِئَ: ( طَيْفٌ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ تَخْفِيفٌ مِن طَيِّفٍ، مِنَ الواوِيِّ أوْ اليائِيِّ، كَهَيِّنٍ ولَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جُمِعَ ضَمِيرُهُ فِيما سَيَأْتِي. ﴿تَذَكَّرُوا﴾؛ أيْ: الِاسْتِعاذَةَ بِهِ تَعالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ. ﴿فَإذا هُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ. ﴿مُبْصِرُونَ﴾ مَواقِعَ الخَطَأِ ومَكايِدَ الشَّيْطانِ، فَيَحْتَرِزُونَ عَنْها ولا يَتَّبِعُونَهُ.

الأعراف 7:202

﴿وَإخْوانُهُمْ﴾؛ أيْ: إخْوانُ الشَّيْطانِ، وهُمُ المُنْهَمِكُونَ في الغَيِّ، المُعْرِضُونَ عَنْ وِقايَةِ أنْفُسِهِمْ عَنِ المَضارِّ. ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾؛ أيْ: يَكُونُ الشَّياطِينُ مَدَدًا لَهم فِيهِ، ويُعَضِّدُونَهم بِالتَّزْيِينِ والحَمْلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: ( يُمِدُّونَهم ) مِنَ الإمْدادِ ويُمادُّونَهم، كَأنَّهم يُعِينُونَهم بِالتَّسْهِيلِ والإغْراءِ، وهَؤُلاءِ بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾؛ أيْ: لا يُمْسِكُونَ عَنِ الإغْواءِ حَتّى يَرُدُّوهم بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ؛ أيْ: لا يَرْعَوُونَ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإخْوانِ: الشَّياطِينُ، ويَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الجاهِلِينَ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.

الأعراف 7:203

﴿وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ مِنَ القرآن عِنْدَ تَراخِي الوَحْيِ، أوْ بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوهُ. ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى: جَباهُ لِنَفْسِهِ؛ أيْ: هَلّا جَمَعْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ تَقَوُّلًا، يَرَوْنَ بِذَلِكَ أنَّ سائِرَ الآياتِ أيْضًا كَذَلِكَ، أوْ هَلّا تَلَقَّيْتَها مِن رَبِّكَ اسْتِدْعاءً. ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ إلَيَّ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا، عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، بِتَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ " إنَّما " إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي كَلَّفُوهُ إيّاهُ ﷺ، لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ ﷺ بِما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ. وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِنهُ تَعالى، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ ﷺ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَأْيِيدِهِ ما لا يَخْفى. ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى القرآن الكَرِيمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما يُوحى إلَيَّ. ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ بِها تُبْصِرُ الحَقَّ وتُدْرِكُ الصَّوابَ، وقِيلَ: حُجَجٌ بَيِّنَةٌ وبَراهِينُ نَيِّرَةٌ. وَ" مِن " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَصائِرُ، مُفِيدَةٌ لِفَخامَتِها؛ أيْ: بَصائِرُ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى بَصائِرُ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِما وتَعْقِيبُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَ القرآن بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى ورَحْمَةً فَمُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ بِهِ؛ إذْ هُمُ المُقْتَسِمُونَ مِن أنْوارِهِ والمُغْتَنِمُونَ بِآثارِهِ، والجُمْلَةُ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.(p-310)

الأعراف 7:204

﴿وَإذا قُرِئَ القرآن فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ إرْشادٌ إلى طَرِيقِ الفَوْزِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القرآن؛ أيْ: وإذا قُرِئَ القرآن الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ العَظِيمَةُ، فاسْتَمِعُوا لَهُ اسْتِماعَ تَحْقِيقٍ وقَبُولٍ. ﴿وَأنْصِتُوا﴾؛ أيْ: واسْكُتُوا في خِلالِ القِراءَةِ، وراعُوها إلى انْقِضائِها تَعْظِيمًا لَهُ وتَكْمِيلًا لِلِاسْتِماعِ. ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾؛ أيْ: تَفُوزُونَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هي أقْصى ثَمَراتِهِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ عِنْدَ قِراءَةِ القرآن في الصَّلاةِ وغَيْرِها. وَقِيلَ: مَعْناهُ: إذا تَلا عَلَيْكُمُ الرَّسُولُ القرآن عِنْدَ نُزُولِهِ فاسْتَمِعُوا لَهُ، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ في اسْتِماعِ المُؤْتَمِّ. وَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ، فَأُمِرُوا بِاسْتِماعِ قِراءَةِ الإمامِ والإنْصاتِ لَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، «أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَرَأ في المَكْتُوبَةِ، وقَرَأ أصْحابُهُ خَلْفَهُ؛ فَنَزَلَتْ» . وَأمّا خارِجَ الصَّلاةِ فَعامَّةُ العُلَماءِ عَلى اسْتِحْبابِهِما، والآيَةُ إمّا مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى.

الأعراف 7:205

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى قُلْ، وعَلى الثّانِي فِيهِ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو عامٌّ في الأذْكارِ كافَّةً، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأقْرَبُ مِنَ الإجابَةِ. ﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾؛ أيْ: مُتَضَرِّعًا وخائِفًا. ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: ومُتَكَلِّمًا كَلامًا دُونَ الجَهْرِ، فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى حُسْنِ التَّفَكُّرِ. ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ؛ أيِ: اذْكُرْهُ في وقْتِ الغَدَواتِ والعَشَياتِ، وقُرِئَ: ( والإيصالُ ) وهو مَصْدَرُ آصَلَ؛ أيْ: دَخَلَ في الأصِيلِ مُوافِقٌ لِلْغُدُوِّ. ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.

الأعراف 7:206

﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: قُرْبُهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ تَعالى. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ بَلْ يُؤَدُّونَها حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾؛ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾؛ أيْ: يَخُصُّونَهُ بِغايَةِ العُبُودِيَّةِ والتَّذَلُّلِ، لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، وهو تَعْرِيضٌ بِسائِرِ المُكَلَّفِينَ؛ ولِذَلِكَ شُرِعَ السُّجُودُ عِنْدَ قِراءَتِهِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «إذا قَرَأ ابْنُ آدَمَ آيَةَ السَّجْدَةِ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي، فَيَقُولُ، يا ويْلَهُ: أُمِرَ هَذا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النّارُ» " . وَعَنْهُ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ سِتْرًا، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» " .

الأنفال 8:1

(p-2)(سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ، وهي خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ النَّفْلُ: الغَنِيمَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى زائِدَةٌ عَلى ما هو أصْلُ الأجْرِ في الجِهادِ مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى ما يُعْطى بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ زِيادَةً عَلى السَّهْمِ مِنَ المَغْنَمِ، وقُرِئَ (عَلَنْفالِ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ نُونِ عَنْ في اللّامِ. رُوِيَ «أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في غَنائِمِ بَدْرٍ وفي قِسْمَتِها فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُقَسَّمُ؟ ولِمَنِ الحُكْمُ فِيها ألِلْمُهاجِرِينَ أمْ لِلْأنْصارِ أمْ لَهم جَمِيعًا؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّبابَ قَدْ أبْلَوْا يَوْمَئِذٍ بَلاءً حَسَنًا، فَقَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، فَقالُوا: نَحْنُ المُقاتِلُونَ ولَنا الغَنائِمُ، وقالَ الشُّيُوخُ والوُجُوهُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ الرّاياتِ: كُنّا رِدْءًا لَكم وفِئَةً تَنْحازُونَ إلَيْها، حَتّى قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "واللَّهِ ما مَنَعَنا أنْ نَطْلُبَ ما طَلَبَ هَؤُلاءِ زَهادَةٌ في الأجْرِ ولا جُبْنٌ مِنَ العَدُوِّ، ولَكِنْ كَرِهْنا أنْ نُعَرِّيَ مَصافَّكَ فَيَعْطِفَ عَلَيْكَ خَيْلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ".» وَقِيلَ: " «كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ شَرَطَ لِمَن كانَ لَهُ بَلاءٌ أنْ يُنَفِّلَهُ، ولِذَلِكَ فَعَلَ الشُّبّانُ ما فَعَلُوا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ فَسَألُوهُ ﷺ ما شَرَطَهُ لَهُمْ؟ فَقالَ الشُّيُوخُ: المَغْنَمُ قَلِيلٌ والنّاسُ كَثِيرٌ وإنْ تُعْطِ هَؤُلاءِ ما شَرَطْتَ لَهم حَرَمْتَ أصْحابَكَ، فَنَزَلَتْ".» والأوَّلُ هو الظّاهِرُ لِما أنَّ السُّؤالَ اسْتِعْلامٌ لِحُكْمِ الأنْفالِ بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ "عَنْ" لا اسْتِعْطاءٌ لِنَفْسِها، كَما نَطَقَ بِهِ الوَجْهُ الأخِيرُ، وادِّعاءُ زِيادَةِ "عَنْ" تَعَسُّفٌ ظاهِرٍ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وزَيْدٍ، ومُحَمَّدٍ الباقِرِ، وجَعْفَرٍ الصّادِقِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ: (يَسْألُونَكَ الأنْفالَ) غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، فَإنَّ مَبْناها - كَما قالُوا - عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمُها مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى يُقَسِّمُها الرَّسُولُ ﷺ كَيْفَما أُمِرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ رَأْيُ أحَدٍ، ولَوْ كانَ السُّؤالُ اسْتِعْطاءً لَما كانَ هَذا جَوابًا لَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ حُكْمِ ما شُرِطَ لَهم مِنَ الأنْفال بِاللَّهِ والرَّسُولِ لا يُنافِي إعْطاءَها إيّاهُمْ، بَلْ يُحَقِّقُهُ؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَها بِمُوجِبِ شَرْطِ الرَّسُولِ ﷺ الصّادِرِ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِحُكْمِ سَبْقِ أيْدِيهِمْ إلَيْها، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالِاخْتِصاصِ المَذْكُورِ، وحَمْلُ الجَوابِ عَلى مَعْنى أنَّ الأنْفالَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مُخْتَصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا حَقَّ فِيها لِلْمُنَفَّلِ كائِنًا مَن كانَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقاقِ بِالتَّنْفِيلِ، وادِّعاءُ أنَّ ثُبُوتَهُ بِدَلِيلٍ مُتَأخِّرٍ التِزامٌ لِتَكَرُّرِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالنّاسِخِ (p-3)الأخِيرِ، ولا مُساغَ لِلْمَصِيرِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ؛ مِن أنَّ الأنْفالَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ لِما أنَّ المُرادَ بِالأنْفالِ فِيما قالُوا هو المَعْنى الأوَّلُ حَتْمًا، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ. عَلى أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا نَسْخَ حِينَئِذٍ أيْضًا حَسْبَما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، بَلْ بَيَّنَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالًا أنَّ أمْرَها مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَصارِفَها وكَيْفِيَّةَ قِسْمَتِها عَلى التَّفْصِيلِ، وادِّعاءُ اقْتِصارِ هَذا الحُكْمِ - أعْنِي الِاخْتِصاصَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ عَلى الأنْفالِ المَشْرُوطَةِ يَوْمَ بَدْرٍ يَجْعَلُ اللّامَ لِلْعَهْدِ - مَعَ بَقاءِ اسْتِحْقاقِ المُنَفَّلِ في سائِرِ الأنْفالِ المَشْرُوطَةِ - يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ الأحْكامِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إظْهارُ الأنْفالِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ، عَلى أنَّ الجَوابَ عَنْ سُؤالِ المَوْعُودِ بِبَيانِ كَوْنِهِ لَهُ ﷺ خاصَّةً مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الكَرِيمِ أصْلًا، وقَدْ رُوِيَ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ قالَ: "قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأعْجَبَنِي فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شَفى صَدْرِي مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ لِي ﷺ: لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ اطْرَحْهُ في القَبْضِ، فَطَرَحْتُهُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا سَعْدُ، إنَّكَ سَألْتَنِي السَّيْفَ ولَيْسَ لِي وقَدْ صارَ لِي، فاذْهَبْ فَخُذْهُ".» وَهَذا كَما تَرى يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ التَّنْفِيلِ يَوْمَئِذٍ، وإلّا لَكانَ سُؤالُ السَّيْفِ مِن سَعْدٍ بِمُوجِبِ شَرْطِهِ ووَعْدِهِ ﷺ لا بِطْرِيقَ الهِبَةِ المُبْتَدَأةِ، وحَمْلُ ذَلِكَ مِن سَعْدٍ عَلى مُراعاةِ الأدَبِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِهِ بِمُوجِبِ الشَّرْطِ يَرُدُّهُ رَدُّهُ ﷺ قَبْلَ النُّزُولِ، وتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: "لَيْسَ هَذا لِي" لِاسْتِحالَةِ أنْ يَعِدَ ﷺ بِما لا يَقْدِرُ عَلى إنْجازِهِ، وإعْطاؤُهُ ﷺ بَعْدَ النُّزُولِ وتَرْتِيبُهُ عَلى قَوْلِهِ: "وَقَدْ صارَ لِي" ضَرُورَةَ أنَّ مَناطَ صَيْرُورَتِهِ لَهُ ﷺ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ والفَرْضُ أنَّهُ المانِعُ مِن إعْطاءِ المَسْؤُولِ، ومِمّا هو نَصٌّ في البابِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: إذا كانَ أمْرُ الغَنائِمِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ فاتَّقُوهُ تَعالى، واجْتَنِبُوا ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُشاجَرَةِ فِيها والِاخْتِلافِ المُوجِبِ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ فاتَّقُوهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما هم فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وَلَوْ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلْمَشْرُوطِ لَما كانَ فِيهِ مَحْذُورٌ يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ. ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ جُعِلَ ما بَيْنَهم مِنَ الحالِ لِمُلابَسَتِها التّامَّةِ لِبَيْنِهِمْ صاحِبَةً لَهُ، كَما جُعِلَتِ الأُمُورُ المُضْمَرَةُ في الصُّدُورِ ذاتَ الصُّدُورِ، أيْ: أصْلِحُوا ما بَيْنَكم مِنَ الأحْوالِ بِالمُواساةِ والمُساعَدَةِ فِيما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى، وتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: نَزَلَتْ فِينا مَعْشَرَ أصْحابِ بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْلِ وساءَتْ فِيهِ أخْلافُنا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيْدِينا فَجَعَلَهُ لِرَسُولِهِ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلى السَّواءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوى اللَّهِ وطاعَةُ رَسُولِهِ وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ. وَعَنْ عَطاءٍ: كانَ الإصْلاحُ بَيْنَهم أنْ دَعاهم وقالَ: اقْسِمُوا غَنائِمَكم بِالعَدْلِ، فَقالُوا: قَدْ أكَلْنا وأنْفَقْنا، فَقالَ: لِيَرُدَّ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِتَسْلِيمِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وتَوْسِيطُ الأمْرِ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ بَيْنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والأمْرِ بِالطّاعَةِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإصْلاحِ بِحَسَبِ المَقامِ، ولِيَنْدَرِجَ الأمْرُ بِهِ بِعَيْنِهِ تَحْتَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أوْ هو الجَوابُ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ تَحْقِيقُ المُعَلَّقِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ، وفِيهِ تَنْشِيطٌ لِلْمُخاطَبِينَ، (p-4)وَحَثٌّ لَهم عَلى المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، والمُرادُ بِالإيمانِ: كَمالُهُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ، فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ يَدُورُ عَلى هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ؛ طاعَةُ الأوامِرِ، واتِّقاءُ المَعاصِي، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ.

الأنفال 8:2

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مَن أُرِيدَ بِالمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أوْصافِهِمُ الجَلِيلَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الخِصالِ الثَّلاثِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لَهم في الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ المَذْكُورَةِ، أيْ: إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ المُخْلِصُونَ فِيهِ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتْ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُذْكَرَ هُناكَ ما يُوجِبُ الفَزَعَ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ اسْتِعْظامًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ وتَهَيُّبًا مِنهُ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يُهِمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ، وقُرِئَ (وَجَلَتْ) بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (فَرِقَتْ) أيْ: خافَتْ. ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيَّ آيَةٍ كانْتْ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: يَقِينًا وطُمَأْنِينَةَ نَفْسٍ، فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَعاضُدَ الحُجَجِ والبَراهِينِ مُوجِبٌ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ وقُوَّةِ اليَقِينِ، وقِيلَ: إنَّ نَفْسَ الإيمانِ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وإنَّما زِيادَتُهُ بِاعْتِبارِ زِيادَةِ المُؤْمَنِ بِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ صَدَّقَ بِها المُؤْمِنُ فَزادَ إيمانُهُ عَدَدًا، وأمّا نَفْسُ الإيمانِ فَهو بِحالِهِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّ الأعْمالَ تُجْعَلُ مِنَ الإيمانِ فَيَزِيدُ بِزِيادَتِها، والأصْوَبُ أنَّ نَفْسَ التَّصْدِيقِ يَقْبَلُ القُوَّةَ، وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالزِّيادَةِ لِلْفَرْقِ النَّيِّرِ بَيْنَ يَقِينِ الأنْبِياءِ وأرْبابِ المُكاشَفاتِ ويَقِينِ آحادِ الأُمَّةِ، وعَلَيْهِ مَبْنى ما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا، وكَذا بَيْنَ ما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واحِدٌ وما قامَتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِهِمْ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِمْ خاصَّةً ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم لا إلى أحَدٍ سِواهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:3

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ المُنْبِئِ عَنِ المَدْحِ، ذَكَرَ أوَّلًا مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أعْمالَ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ثُمَّ عَقَّبَ بِأعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ.

الأنفال 8:4

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الحَمِيدَةُ، مِن حَيْثُ إنَّهم مُتَّصِفُونَ بِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمَيُّزٍ، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ ما فُصِّلَ مَن أفاضِلِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ. وَ"حَقًّا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقًّا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا، كَقَوْلِكَ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا. ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ مِنَ الكَرامَةِ والزُّلْفى، وقِيلَ: دَرَجاتٌ عالِيَةٌ في الجَنَّةِ، وهو إمّا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَعْدادِ مَناقِبِهِمْ، (p-5)كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم بِمُقابَلَةِ هَذِهِ الخِصالِ، فَقِيلَ: لَهم كَيْتَ كَيْتَ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٌ) مُؤَكِّدَةً، لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٌ عِنْدَهُ تَعالى، أوْ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَبَرُ أعْنِي لَهم مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وفي إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ ولُطْفٍ لَهُمْ، وإيذانٌ بِأنَّ ما وعَدَ لَهم مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ والحُصُولِ، مَأْمُونُ الفَواتِ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا يَنْقَضِي أمَدُهُ ولا يَنْتَهِي عَدَدُهُ، وهو ما أُعِدَّ لَهم مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ.

الأنفال 8:5

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الكافُ في مَحْلِ الرَّفْعِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي: أنَّ حالَهم في كَراهَتِهِمْ لِما رَأيْتَ - مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا - كَحالِهِمْ في كَراهَتِهِمْ لِخُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ وهو حَقٌّ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ في المَدِينَةِ، أوْ مِنَ المَدِينَةِ إخْراجًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنْ فَرِيقًا مِنهم كارِهُونَ لِلْخُرُوجِ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنِ القِتالِ، أوْ لِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ، وذَلِكَ أنَّ عِيرَقُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا خَرَجُوا بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ بِأهْلِ مَكَّةَ: النَّجاةَ النَّجاةَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ عِيرُكم أمْوالُكُمْ، إنْ أصابَها مُحَمَّدٌ لَمْ تُفْلِحُوا بَعْدَها أبَدًا. وَقَدْ رَأتْ أُخْتُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -رُؤْيا فَقالَتْ لِأخِيها: إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ حَلَّقَ بِها فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ مَكَّةَ إلّا أصابَهُ حَجَرٌ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ، فَحَدَّثَ بِها العَبّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ما يَرْضى رِجالُهم أنْ يَتَنَبَّئُوا حَتّى تَتَنَبَّأ نِساؤُهُمْ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ النَّفِيرُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ العِيرَ أخَذَتْ طَرِيقَ السّاحِلِ ونَجَتْ، فارْجِعْ بِالنّاسِ إلى مَكَّةَ، فَقالَ: لا، واللّاتِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا حَتّى نَنْحَرَ الجَزُورَ، ونَشْرَبَ الخُمُورَ، ونُقِيمَ القَيْناتِ والمَعازِفَ بِبَدْرٍ، فَيَتَسامَعُ جَمِيعُ العَرَبِ بِمَخْرَجِنا وأنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُصِبِ العِيرَ، وأنّا قَدْ أعْضَضْناهُ فَمَضى بِهِمْ إلى بَدْرٍ، وبَدْرٌ: ماءٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ فِيهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السِّنَةِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ وعَدَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إمّا العِيرَ وإمّا قُرَيْشًا، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ، فَقالَ: "ما تَقُولُونَ إنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا مَن مَكَّةَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، فالعِيرُ أحَبُّ إلَيْكم أمِ النَّفِيرُ؟" فَقالُوا: بَلِ العِيرُ أحَبُّ إلَيْنا مِن لِقاءِ العَدُوِّ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: "إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ"، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَقامَ - عِنْدَما غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ - أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: انْظُرْ أمْرَكَ فامْضِ، فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنِ أبْيَنَ ما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ فَإنّا مَعَكَ حَيْثُما أحْبَبْتَ، لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنِ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، (p-6)ما دامَتْ عَيْنٌ مِنّا تَطْرِفُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: "أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ"، وهو يُرِيدُ الأنْصارَ؛ لِأنَّهم قالُوا لَهُ حِينَ بايَعُوهُ عَلى العَقَبَةِ: إنّا بُرَآءُ مِن ذِمامِكَ حَتّى تَصِلَ إلى دِيارِنا، فَإذا وصَلْتَ إلَيْنا فَأنْتَ في ذِمامِنا نَمْنَعُكَ ما نَمْنَعُ مِنهُ أبْناءَنا ونِساءَنا، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّفُ أنْ تَكُونَ الأنْصارُ لا تَرى عَلَيْهِمْ نُصْرَتَهُ إلّا عَلى عَدُوٍّ دَهِمَهُ بِالمَدِينَةِ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ لِلَّهِ، قالَ: "أجَلْ"، قالَ: قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ، وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا، وإنّا لَصَبْرٌ عِنْدَ الحَرْبِ صَدْقٌ عِنْدَ اللِّقاءِ، ولَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَسَطَهُ قَوْلُ سَعْدٍ، ثُمَّ قالَ: "سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ وأبْشِرُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ واللَّهِ لَكَأنِّي الآنَ أنْظُرُ إلى مُصارِعِ القَوْمِ". رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِن بَدْرٍ: عَلَيْكَ بِالعِيرِ لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ، فَناداهُ العَبّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو في وِثاقِهِ، لا يَصْلُحُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ.

الأنفال 8:6

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ الَّذِي هو تَلَقِّي النَّفِيرِ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّيَ العِيرِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: أخْرَجَكَ في حالِ مُجادَلَتِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في لَكارِهُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ مَنصُوبٌ بِيُجادِلُونَكَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ لَهم بِإعْلامِكَ أنَّهم يُنْصَرُونَ أيْنَما تَوَجَّهُوا، ويَقُولُونَ: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ، وهَلّا قُلْتَ لَنا لِنَسْتَعِدَّ ونَتَأهَّبَ، وكانَ ذَلِكَ لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ. ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكارِهُونَ، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِالَّذِينَ يُساقُونَ بِالعُنْفِ والصَّغارِ إلى القَتْلِ ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أسْبابِ المَوْتِ ويُشاهِدُونَها عِيانًا، وما كانَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ الخَوْفِ والجَزَعِ إلّا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ وكَوْنِهِمْ رَجّالَةً، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ.

الأنفال 8:7

﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِن قِلَّةِ الحَزْمِ، ودَناءَةِ الهِمَّةِ، وقُصُورِ الرَّأْيِ، والخَوْفِ والجَزَعِ، و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ، و"إحْدى الطّائِفَتَيْنِ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَعِدُكُمْ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ وعْدِ اللَّهِ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وتَذْكِيرُ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ بِتَفاصِيلِها، فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَ ما وقَعَ فِيهِ حاضِرًا مُفَصَّلًا كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عِيانًا، وقُرِئَ (يَعِدْكُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ (p-7)الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الوَعْدِ، أيْ: يَعِدُكم أنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كائِنَةٌ لَكُمْ، مُخْتَصَّةٌ بِكُمْ، مُسَخَّرَةٌ لَكُمْ، تَتَسَلَّطُونَ عَلَيْها تَسَلُّطَ المُلّاكِ، وتَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ كَيْفَ شِئْتُمْ. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَعِدُكم داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ بِالذِّكْرِ، أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ لا ذاتَ الشَّوْكَةِ وهي النَّفِيرُ، ورَئِيسُهم أبُو جَهْلٍ وهم ألْفُ مُقاتِلٍ، وغَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ هي العِيرُ، إذْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ورَأْسُهم أبُو سُفْيانَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ وِدادَتِهِمْ لِمُلاقاتِهِمْ ومُوجَبِ كَراهَتِهِمْ ونَفْرَتِهِمْ عَنْ مُوافاةِ النَّفِيرِ، والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ، مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، وشَوْكُ القَنا شَباها. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى تَوَدُّونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ التَّذْكِيرِ، لِيُظْهِرَ لَهم عَظِيمَ لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ مَعَ دَناءَةِ هِمَمِهِمْ وقُصُورِ آرائِهِمْ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ وعْدِهِ تَعالى إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، ووِدادَتَكم لِأدْناهُما، وإرادَتَهُ تَعالى لِأعْلاهُما، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهُ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في هَذا الشَّأْنِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وقُرِئَ بِكَلِمَتِهِ. ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: آخِرَهم ويَسْتَأْصِلَهم بِالمَرَّةِ، والمَعْنى: أنْتُمْ تُرِيدُونَ سَفْسافَ الأُمُورِ، واللَّهُ - عَزَّ وعَلا - يُرِيدُ مَعالِيَها، وما يَرْجِعُ إلى عُلُوِّ كَلِمَةِ الحَقِّ وسُمُوِّ رُتْبَةِ الدِّينِ، وشَتّانَ بَيْنَ المُرادَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:8

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ونَصْرِهِمْ عَلَيْها مَعَ إرادَتِهِمْ لِغَيْرِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ عَنْها، أيْ: لِهَذِهِ الغايَةِ الجَلِيلَةِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَيْسَ فِيهِ تَكْرارٌ؛ إذِ الأوَّلُ لِبَيانِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذا لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما ذُكِرَ، ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ: إظْهارُ حِقِّيَتِهِ، لا جَعْلُهُ حَقًّا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وكَذا حالُ إبْطالِ الباطِلِ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ذَلِكَ، أيْ: إحْقاقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ.

الأنفال 8:9

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمْ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، فالمُرادُ: تَذْكِيرُ اسْتِمْدادِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ والتِجائِهِمْ إلَيْهِ تَعالى حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وإمْدادِهِ تَعالى حِينَئِذٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيُحِقَّ الحَقَّ" عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لِيُحِقَّ" مُسْتَقْبَلٌ - لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنْ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذْ لِأنَّهُ ظَرْفٌ لِما مَضى - لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مُسْتَقْبَلًا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ حَتّى لا يَعْمَلَ فِيهِ، بَلْ هُما في وقْتٍ واحِدٍ إنَّما عُبِّرَ عَنْ زَمانِها بِإذْ نَظَرًا إلى زَمانِ النُّزُولِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في (تَسْتَغِيثُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ، أيِ: اذْكَرُوا وقْتَ اسْتِغاثَتِكُمْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ جَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى قائِلِينَ: أيْ رَبِّ، انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ أغِثْنا. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ، وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشْرَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: (p-8)"اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ" فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأخَذَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَألْقاهُ عَلى مَنكِبِهِ والتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ» . ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (تَسْتَغِيثُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ لِما عَرَفْتَ أنَّهُ ماضٍ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: بِأنِّي فَحُذِفَ الجارُّ وسُلِّطَ عَلَيْهِ الفِعْلُ، فَنُصِبَ مَحَلُّهُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ (اسْتَجابَ) مَجْرى قالَ؛ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِن مَقُولَةِ القَوْلِ ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أيْ: جاعِلِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ رَدِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، فالمُرادُ بِهِمْ: رُؤَساؤُهُمُ المُسْتَتْبِعُونَ لِغَيْرِهِمْ، وقَدِ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا البَيانِ الإجْمالِيِّ وبَيَّنَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مِقْدارَ عَدَدِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخِرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ المُؤْمِنِينَ، أوْ بَعْضَهم بَعْضًا، مِن أرْدَفْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدِفَهُ. وَقُرِئَ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِّ، أيْ: مُتْبَعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ بِمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتَهُمْ، وقُرِئَ (مُرِدِّفِينَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وتَشْدِيدِ الدّالِّ، وأصْلُهُما مُرْتَدِفِينَ، بِمَعْنى: مُتَرادِفِينَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى السّاكِنانِ، فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ، أوِ بِالضَّمِّ عَلى الإتْباعِ، وقُرِئَ (بِآلافٍ) لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألْفِ: الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ، أوِ السّاقَةُ،أوْ وُجُوهُهم وأعْيانُهُمْ، أوْ مَن قاتَلَ مِنهُمْ، واخْتُلِفَ في مُقاتَلَتِهِمْ، وقَدْ رُوِيَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِها.

الأنفال 8:10

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مُخْتَصٌّ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًا مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأُمِدُّكم بِهِمْ، وما جَعَلَ إمْدادَكم بِهِمْ ﴿إلا بُشْرى﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عِيانًا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نُفُوسُكم كَما كانَتِ السَّكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، فَكِلاهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِلْجَعْلِ، وقَدْ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، وبَقِيَ الثّانِي عَلى حالِهِ لِفِقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ، وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي قَصْرِ الإمْدادِ عَلَيْهِما إشْعارٌ بِعَدَمِ مُباشَرَةِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ، وإنَّما كانَ إمْدادُهم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُباشِرِينَ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ ونَحْوِهِ، كَما هو رَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ، وقِيلَ الجَعْلُ مُتَّعَدٍ إلى اثْنَيْنِ، ثانِيهِما: إلّا بُشْرى عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكُمْ، فاللّامُ في (وَلِتَطْمَئِنَّ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، تَقْدِيرُهُ ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم فَعَلَ ذَلِكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وَما النَّصْرُ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَرِكَةٌ (p-9)مِن جِهَةِ الأسْبابِ والعَدَدِ، وإنَّما هي مَظاهِرُ لَهُ بِطَرِيقِ جَرَيانِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ ولا يُنازَعُ في أقْضِيَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مُتَضَمِّنٌ لِلْإشْعارِ بِأنَّ النَّصْرَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

الأنفال 8:11

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ غاشِيًا لَكم ومُحِيطًا بِكُمْ، وهو بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم " لِإظْهارِ نِعْمَةٍ أُخْرى، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما في (تَسْتَغِيثُونَ)، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في (مِن عِنْدِ اللَّهِ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِالجَعْلِ ولَيْسَ بِواضِحٍ، وقُرِئَ (يُغْشِيكُمْ) مِنَ الإغْشاءِ، بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ، والفاعِلُ في الوَجْهَيْنِ هو البارِي تَعالى، وقُرِئَ (يَغْشاكُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ فَتَنْعَسُونَ أمَنًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا كَلالًا وإعْياءً، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ آخَرَ كَذَلِكَ، أيْ: فَتَأْمَنُونَ آمَنًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والأمَنَةُ بِمَعْنى الإيمانِ، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِيَغْشاكم بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ في حُكْمِ تَنْعَسُونَ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ كَما مَرَّ، وقُرِئَ (أمْنَةً) كَرَحْمَةٍ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَعِنْدَ وُرُودِهِ يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وتَقْدِيمُ (عَلَيْكُمْ) لِما أنَّ بَيانَ كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِمْ أهَمُّ مِن بَيانِ كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ الكَلامُ في تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ كَما مَرَّ آنِفًا، والمُرادُ "بِرِجْزِ الشَّيْطانِ": وسْوَسَتُهُ وتَخْوِيفُهُ إيّاهم مِنَ العَطَشِ. رُوِيَ أنَّهم نَزَلُوا في كَثِيبٍ أعْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ عَلى غَيْرِ ماءٍ، ونامُوا فاحْتَلَمَ أكْثَرُهُمْ، وقَدْ غَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ فَتَمَثَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ فَوَسْوَسَ إلَيْهِمْ وقالَ: أنْتُمْ يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَزْعُمُونَ أنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّكم تُصَلُّونَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ وعَلى الجَنابَةِ، وقَدْ عَطِشْتُمْ، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما غَلَبَكم هَؤُلاءِ عَلى الماءِ، وما يَنْتَظِرُونَ بِكم إلّا أنْ يَجْهَدَكُمُ العَطَشُ فَإذا قَطَعَ أعْناقَكم مَشَوْا إلَيْكم فَقَتَلُوا مَن أحَبُّوا، وساقُوا بَقِيَّتَكم إلى مَكَّةَ، فَحَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا وأشْفَقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - المَطَرَ فَمُطِرُوا لَيْلًا حَتّى جَرى الوادِي، فاغْتَسَلُوا وتَوَضَّئُوا وسَقَوُا الرِّكابَ، وتَلَبَّدَ الرَّمْلُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ، حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ، وزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ، وطابَتِ النُّفُوسُ، وقَوِيَتِ القُلُوبُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُقَوِّيَها بِالثِّقَةِ بِلُطْفِ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدَ مُشاهَدَةِ طَلائِعِهِ ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ فَلا تَسُوخُ في الرَّمْلِ، فالضَّمِيرُ لِلْماءِ كالأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرَّبْطِ فَإنَّ القَلْبَ إذا قَوِيَ (p-10)وَتَمَكَّنَ فِيهِ الصَّبْرُ والجَراءَةُ لا تَكادُ تَزِلُّ القَدَمُ في مَعارِكِ الحُرُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:12

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ، خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ الكافُ، لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا لا يَسْتَطِيعُهُ غَيْرُهُ ﷺ فَإنَّ الوَحْيَ المَذْكُورَ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِالوَحْيِ المَتْلُوِّ عَلى لِسانِهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْها عامَّةُ الأُمَّةِ كَسائِرِ النِّعَمِ السّابِقَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها بِطَرِيقِ الشُّكْرِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في بِهِ إلى الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ لِيَكُونَ المَعْنى: ويُثَبِّتَ أقْدامَكم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِكم وقْتَ إيحائِهِ إلى المَلائِكَةِ وأمْرِهِ بِتَثْبِيتِهِمْ إيّاكُمْ، وهو وقْتُ القِتالِ، ولا يَخْفى أنَّ تَقْيِيدَ التَّثْبِيتِ المَذْكُورِ بِوَقْتٍ مُبْهَمٍ عِنْدَهم لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، وأمّا انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ ثالِثٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمْ) كَما قِيلَ فَيَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِهِ ﷺ مَعَ ما عَرَفْتَ مِن أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لِلْكُلِّ كَسائِرِ أخَواتِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّنْوِيهِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى، والمَعْنى: اذْكُرْ وقْتَ إيحائِهِ تَعالى إلى المَلائِكَةِ ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ والتَّوْفِيقِ في أمْرِ التَّثْبِيتِ، فَهو مَفْعُولُ يُوحِي، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الوَحْيِ مَجْراهُ، وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المَلائِكَةِ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّثْبِيتِ صُورَةً، فَلَهُمُ الأصالَةُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ كَما في أمْثالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ)﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إمْدادَهُ تَعالى إيّاهم مِن أقْوى مُوجِباتِ التَّثْبِيتِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ التَّثْبِيتِ، فَقالَتْ جَماعَةٌ: إنَّما أُمِرُوا بِتَثْبِيتِهِمْ بِالبِشارَةِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقْوى بِهِ قُلُوبُهُمْ، وتَصِحُّ عَزائِمُهم ونِيّاتُهُمْ، ويَتَأكَّدُ جِدُّهم في القِتالِ، وهو الأنْسَبُ بِمَعْنى التَّثْبِيتِ وحَقِيقَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ في مَوْطِنِ الحِرابِ، والجِدِّ في مُقاساةِ شَدائِدِ القِتال. وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ المَلَكُ يَتَشَبَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِوَجْهِهِ، فَيَأْتِي ويَقُولُ: إنّى سَمِعْتُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: واللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنا لَنَنْكَشِفَنَّ، ويَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَيَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أُمِرُوا بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِمْ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ ... إلَخْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ مُبَيِّنًا لِكَيْفِيَّةِ التَّثْبِيتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي داوُدَ المازِنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أنَّهُ قالَ: اتَّبَعْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأضْرِبَهُ، فَوَقَعَتْ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيَّ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى المُشْرِكِ فَتَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ قَتْلَهم لِلْكَفَرَةِ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِمَعْنى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإمْدادِ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ فَلا يَتَّجِهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِهِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وقَدِ اعْتَذَرَ الأوَّلُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (سَأُلْقِي)... إلَخْ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذُكِرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَلْقِينًا لِلْمَلائِكَةِ ما يُثَبِّتُونَهم بِهِ (p-11)كَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهُمْ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا﴾ ... إلَخْ. فالضّارِبُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالذّاتِ عَلى طَرِيقِ التَّلْوِينِ فَمَبْناهُ تَوَهُّمُ وُرُودِهِ قَبْلَ القِتالِ وأنّى ذَلِكَ؟! والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ تَمامِ الوَقْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ: أعالِيَها الَّتِي هي المَذابِحُ أوِ الهاماتُ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قِيلَ: البَنانُ أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، وقِيلَ: هي الأصابِعُ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: البَنانُ المَفاصِلُ وكُلُّ مَفْصِلٍ بَنانَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأطْرافَ، أيِ: اضْرِبُوهم في جَمِيعِ الأعْضاءِ مِن أعالِيها إلى أسافِلِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ الأدانِي وبِفَوْقِ الأعْناقِ الأعالِي، والمَعْنى: فاضْرِبُوا الصَّنادِيدَ والسَّفَلَةَ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالضَّرْبِ لِمَزِيدِ التَّشْدِيدِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، ومِنهم مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ.

الأنفال 8:13

"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أصابَهم مِنَ العِقابِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالخِطابِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العِقابُ الفَظِيعُ واقِعٌ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ ومُغالَبَتِهِمْ مَن لا سَبِيلَ إلى مُغالَبَتِهِ أصْلًا، واشْتِقاقُ المُشاقَّةِ مِنَ الشِّقِّ لِما أنَّ كُلًّا مِنَ المُشاقَّيْنِ في شِقٍّ خِلافِ شِقِّ الآخَرِ، كَما أنَّ اشْتِقاقَ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ العَدْوَةِ والخَصْمِ، أيِ: الجانِبِ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ والمُتَخاصِمَيْنِ في عَدْوَةٍ وخَصْمٍ غَيْرِ عَدْوَةِ الآخَرِ وخَصْمِهِ. ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى (مَن) عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ، أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ، أيْ: يُعاقِبْهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ العِقابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وكُلُّ مَن يُشاقِقُ اللَّهَ ورَسُولَهُ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ، فَإذَنْ لَهم بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما عِقابٌ شَدِيدٌ، وأمّا أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا -كَما قِيلَ - فَيَرُدُّهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

الأنفال 8:14

﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ هو المَسُوقَ لِلْوَعِيدِ بِما ذُكِرَ ناطِقٌ بِكَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ المَذْكُورِ ما أصابَهم عاجِلًا، سَواءٌ جُعِلَ (ذَلِكُمْ) إشارَةً إلى نَفْسِ العِقابِ، أوْ إلى ما تُفِيدُهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن ثُبُوتِ العِقابِ لَهُمْ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ مَحَلَّهُ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... إلَخْ بِمَعْنى (مَعَ) فالمَعْنى: باشِرُوا ذَلِكُمُ العِقابَ الَّذِي أصابَكم فَذُوقُوهُ عاجِلًا، مَعَ أنَّ لَكم عَذابَ النّارِ آجِلًا، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَوْبِيخِهِمْ بِالكُفْرِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... إلَخْ، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى: حُكْمُ اللَّهِ ذَلِكُمْ، أيْ: ثُبُوتُ هَذا (p-12)العُقابِ لَكم عاجِلًا، وثُبُوتُ عَذابِ النّارِ آجِلًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ لِنَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ، وعَلى الثّانِي لِما في ضِمْنِهِ، وقَدْ ذُكِرَ في إعْرابِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوهٌ أُخَرُ مَدارُ الكُلِّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقابِ ما أصابَهم عاجِلًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأنفال 8:15

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ جارٍ فِيما سَيَقَعُ مِنَ الوَقائِعِ والحُرُوبِ، جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ومُبالَغَةً في حَضِّهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ الدَّبِيبُ، يُقالُ: زَحَفَ الصَّبِيُّ زَحْفًا إذا دَبَّ عَلى إسْتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ الجَيْشُ الدّاهِمُ المُتَوَجِّهُ إلى العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ يُرى كَأنَّهُ يَزْحَفُ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ يُرى كَجِسْمٍ واحِدٍ مُتَّصِلٍ، فَيُحَسُّ حَرَكَتُهُ بِالقِياسِ إلَيْهِ في غايَةِ البُطْءِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى غايَةِ السُّرْعَةِ قالَ قائِلُهُمْ: ؎ وأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ وَنَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ (لَقِيتُمْ)، أيْ: زاحِفِينَ نَحْوَكُمْ، وإمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ مِنهُ، أيْ: يَزْحَفُونَ زَحْفًا، وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُ ومِن مَفْعُولِهِ مَعًا - كَما قِيلَ - فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ الإدْبارِ بِتَوَجُّهِهِمُ السّابِقِ إلى العَدُوِّ أوْ بِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ تَوَجُّهُ العَدُوِّ إلَيْهِمْ وكَثْرَتُهم هو الدّاعِي إلى الإدْبارِ عادَةً، والمُحْوِجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وحَمْلُهُ عَلى الإشْعارِ بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ - حَيْثُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وهم زَحْفٌ مِنَ الزَّحُوفِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا - بَعِيدٌ، والمَعْنى: إذا لَقِيتُمُوهم لِلْقِتالِ وهم كَثِيرٌ جَمٌّ وأنْتُمْ قَلِيلٌ فَلا تُوَلُّوهم أدْبارَكم فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، بَلْ قابِلُوهم وقاتِلُوهم مَعَ قِلَّتِكم فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ، أوْ تُساوُوهم.

الأنفال 8:16

﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿دُبُرَهُ﴾ فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ إمّا بِالتَّوَجُّهِ إلى قِتالِ طائِفَةٍ أُخْرى أهَمَّ مِن هَؤُلاءِ، وإمّا بِالفَرِّ لِلْكَرِّ، بِأنْ يُخَيَّلَ عَدُوُّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيُغِرَّهُ ويُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أعْوانِهِ، ثُمَّ يَعْطِفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، أوْ مَعَ مَن في الكَمِينِ مِن أصْحابِهِ، وهو بابٌ مِن خِدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: مُنْحازًا إلى جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَنْضَمَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ يُقاتِلَ مَعَهُمُ العَدُوَّ. «عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنْ سَرِيَّةً فَرُّوا وأنا مَعَهُمْ، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ اسْتَحْيَوْا ودَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ ﷺ: "بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ"» أيِ: الكَرّارُونَ مِن عَكَرَ، أيْ: رَجَعَ وأنا فِئَتُكم. وانْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ فَفَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا؛ لِأنَّهُ مِن حازَ يَجُوزُ، وانْتِصابُهُما إمّا عَلى الحالِيَّةِ و(إلّا) لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، وإمّا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِن في قَوْلِهِ (p-13)تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِغَضَبٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ والهَوْلِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَدَلَ ما أرادَ بِفِرارِهِ أنْ يَأْوِيَ إلَيْهِ مِن مَأْوًى يُنْجِيهِ مِنَ القَتْلِ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في إيقاعِ البَوْءِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي هو التَّوْلِيَةُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ المَأْوى والمَصِيرِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنِ العَدُوُّ أكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.

الأنفال 8:17

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ أحْكامِ الواقِعَةِ وأحْوالِها، وتَقْرِيرُ ما سَبَقَ مِنها، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ إمْدادِهِ تَعالى وأمْرِهِ بِالتَّثْبِيتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ بِقُوَّتِكم وقُدْرَتِكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، أيْ: فاعْلَمُوا أوْ فَأُخْبِرُكم أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، لِما رُوِيَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا مِنَ المَعْرَكَةِ غالِبِينَ غانِمِينَ أقْبَلُوا يَتَفاخَرُونَ، يَقُولُونَ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ وفَعَلْتُ وتَرَكْتُ، فَنَزَلَتْ. وَقَدْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ: "هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي"» فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "أعْطِنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءِ الوادِي"، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا، وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ تَحْقِيقًا لِكَوْنِ الرَّمْيِ الظّاهِرِ عَلى يَدِهِ ﷺ حِينَئِذٍ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ بَيانُ حالِ الرَّمْيِ نَفْيًا وإثْباتًا، إذْ هو الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ ما ظَهَرَ، وهو المَنشَأُ لِتَغَيُّرِ المَرْمِيِّ بِهِ في نَفْسِهِ وتَكَثُّرِهِ إلى حَيْثُ أصابَ عَيْنَيْ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الأُمَّةِ الجَمَّةِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أيْ: وما فَعَلْتَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ تِلْكَ الرَّمْيَةَ المُسْتَتْبِعَةَ لِهَذِهِ الآثارِ العَظِيمَةِ حَقِيقَةً حِينَ فَعَلْتَها صُورَةً وإلّا لَكانَ أثَرُها مِن جِنْسِ آثارِ الأفاعِيلِ البَشَرِيَّةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَها، أيْ: خَلَقَها حِينَ باشَرْتَها، لَكِنْ لا عَلى نَهْجِ عادَتِهِ تَعالى في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، بَلْ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، ولِذَلِكَ أثَّرَتْ هَذا التَّأْثِيرَ الخارِجَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ودائِرَةِ القُوى والقَدَرِ، فَمَدارُ إثْباتِها لِلَّهِ تَعالى ونَفْيِها عَنْهُ ﷺ كَوْنُ أثَرِها مِن أفْعالِهِ ﷺ وقُرِئَ (وَلَكِنِ اللَّهُ) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ في المَحَلَّيْنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ﴾ - أيْ: لِيُعْطِيَهم مِن عِنْدِهِ تَعالى: ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: عَطاءً جَمِيلًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ - إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ مُتَأخِّرٍ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ: ولِلْإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإمّا بِـ(رَمى) فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ ... إلَخْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ (p-14)اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِدُعائِهِمْ واسْتِغاثَتِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ إلى الإجابَةِ، تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ.

الأنفال 8:18

"ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ بِالإضافَةِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أيِ: المَقْصِدُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ، وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وإبْطالُ حِيَلِهِمْ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ، والمُبْتَدَأُ الأمْرُ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكُمْ، أيِ: القَتْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، مِن قَبِيلِ عَطْفِ البَيانِ، وقُرِئَ (مُوَهِّنٌ) بِالتَّنْوِينِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا ونَصْبِ كَيْدِ الكافِرِينَ.

الأنفال 8:19

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ، وأهْدى الفِئَتَيْنِ، وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ أيْ: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأعْلى الجَنَدَيْنِ ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ حَيْثُ نَصَرَ أعْلاهُما، وقَدْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمُ الأعْلى فالتَّهَكُّمُ في المَجِيءِ، أوْ فَقَدْ جاءَكُمُ الهَزِيمَةُ والقَهْرُ فالتَّهَكُّمُ في نَفْسِ الفَتْحِ، حَيْثُ وُضِعَ مَوْضِعَ ما يُقابِلُهُ ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحِرابِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ: الِانْتِهاءُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الحِرابِ الَّذِي ذُقْتُمْ غائِلَتَهُ لِما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ومَبْنى اعْتِبارِ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ هو التَّهَكُّمُ ﴿وَإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: إلى حِرابِهِ ﷺ ﴿نَعُدْ﴾ لِما شاهَدْتُمُوهُ مِنَ الفَتْحِ ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفِئَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِلْفَصْلِ، أيْ: لَنْ تَدْفَعَ أبَدًا ﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَجْمَعُونَهم وتَسْتَعِينُونَ بِهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ، أوْ مِنَ المَضارِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَدْ مَرَّ التَّحْقِيقُ ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ مُعِينُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ، أوْ: والأمْرُ أنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ويَقْرُبُ مِنهُ بِحَسَبِ المَعْنى قِراءَةُ الكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وَقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ والرَّغْبَةِ عَمّا يُرَغِّبُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ فَهو خَيْرٌ لَكم مِن كُلِّ شَيْءٍ، لِما أنَّهُ مَناطٌ لِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وإنْ تَعُودُوا إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ وتَهْيِيجِ العَدُوِّ، ولَنْ تُغْنِيَ حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ، والأمْرُ أنَّ اللَّهَ مَعَ الكامِلِينَ في الإيمانِ.

الأنفال 8:20

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا﴾ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِإدْغامِها ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: لا تَتَوَلَّوْا عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المُرادَ: هو الأمْرُ بِطاعَتِهِ والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، وذِكْرُ طاعَتِهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طاعَتَهُ تَعالى في طاعَةِ رَسُولِهِ - ﷺ – (مَنِ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ التَّوَلِّي مُطْلَقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ (p-15)عَنْهُ بِحالِ السَّماعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ أيْ: لا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ والحالُ أنَّكم تَسْمَعُونَ القرآن النّاطِقَ بِوُجُوبِ طاعَتِهِ والمَواعِظَ الزّاجِرَةَ عَنْ مُخالَفَتِهِ سَماعَ فَهْمٍ وإذْعانٍ.

الأنفال 8:21

﴿وَلا تَكُونُوا﴾ تَقْرِيرٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وتَحْذِيرٌ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُؤَدِّيَةٌ إلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ بِكَوْنِ سَماعِهِمْ كَلا سَماعٍ، أيْ: لا تَكُونُوا بِمُخالَفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ بِمُجَرَّدِ الِادِّعاءِ مِن غَيْرِ فَهْمٍ وإذْعانٍ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ السَّماعَ ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ، حَيْثُ لا يُصَدِّقُونَ ما سَمِعُوهُ، ولا يَفْهَمُونَهُ حَقَّ فَهْمِهِ، فَكَأنَّهم لا يَسْمَعُونَهُ رَأْسًا.

الأنفال 8:22

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ المُشَبَّهِ بِهِمْ؛ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، وتَقْرِيرًا لِلنَّهْيِ إثْرَ تَقْرِيرٍ، أيْ: إنَّ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ أوْ شَرَّ البَهائِمِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الصُّمُّ﴾ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِي لا يَنْطِقُونَ بِهِ، وُصِفُوا بِالصَّمَمِ والبَكَمِ؛ لِأنَّ ما خُلِقَ لَهُ الأُذُنُ واللِّسانُ سَماعَ الحَقِّ والنُّطْقَ بِهِ، وحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم فاقِدُونَ لِلْجارِحَتَيْنِ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ الصُّمِّ عَلى البُكْمِ لِما أنَّ صَمَمَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى بَكَمِهِمْ، فَإنَّ السُّكُوتَ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ مِن فُرُوعِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لَهُ، كَما أنَّ النُّطْقَ بِهِ مِن فُرُوعِ سَماعِهِ، ثُمَّ وُصِفُوا بِعَدَمِ التَّعَقُّلِ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، فَإنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ إذا كانَ لَهُ عَقْلٌ رُبَّما يَفْهَمُ بَعْضَ الأُمُورِ ويُفْهِمُهُ غَيْرُهُ بِالإشارَةِ، ويَهْتَدِي بِذَلِكَ إلى بَعْضِ مَطالِبِهِ، وأمّا إذا كانَ فاقِدًا لِلْعَقْلِ أيْضًا فَهو الغايَةُ في الشَّرِّيَّةِ وسُوءِ الحالِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَوْنُهم شَرًّا مِنَ البَهائِمِ، حَيْثُ أبْطَلُوا ما بِهِ يَمْتازُونَ عَنْها، وبِهِ يُفَضَّلُونَ عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَصارُوا أخَسَّ مِن كُلِّ خَسِيسٍ.

الأنفال 8:23

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ شَيْئًا مِن جِنْسِ الخَيْرِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُ قُواهم إلى تَحَرِّي الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، ولَوَقَفُوا عَلى حَقِّيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأطاعُوهُ وآمَنُوا بِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِخُلُوِّهِمْ عَنْهُ بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يُسْمِعْهم كَذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ وخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: لَوْ أسْمَعُهم سَماعَ تَفَهُّمٍ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ العارِيَةِ عَنِ الخَيْرِ بِالكُلِّيَّةِ لَتَوَلَّوْا عَمّا سَمِعُوهُ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ قَطُّ، أوِ ارْتَدَوْا بَعْدَما صَدَّقُوهُ وصارُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ أصْلًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ تَوَلَّوْا، أيْ: لَتَوَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَمّا سَمِعُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، وإمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، أيْ: وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أحْيِ قُصَيًّا، فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ... إلَخْ. وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ، لَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ (p-16)عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ.

الأنفال 8:24

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ مَعَ وصْفِهِمْ بِنَعْتِ الإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلى الِامْتِثالِ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ، وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِحُسْنِ الطّاعَةِ ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ أيِ: الرَّسُولُ إذْ هو المُباشِرُ لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي هي مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الجَهْلَ مَدارُ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ، أوْ هي ماءُ حَياةِ القَلْبِ، كَما أنَّ الجَهْلَ مُوجِبٌ مَوْتَهُ، وقِيلَ: لِمُجاهِدَةِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ رَفَضُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ ﷺ مَرَّ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو يُصَلِّي، فَدَعاهُ فَعَجَّلَ في صِلاتِهِ، ثُمَّ جاءَ فَقالَ ﷺ: "ما مَنَعَكَ مِن إجابَتِي؟" قالَ: كُنْتُ في الصَّلاةِ، قالَ: "ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم... إلَخْ؟" واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هَذا مِن خَصائِصِ دُعائِهِ ﷺ وقِيلَ: لِأنَّ إجابَتَهُ ﷺ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الدُّعاءُ لِأمْرٍ مُهِمٍّ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِغايَةِ قُرْبِهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ مِن مَكْنُوناتِ القُلُوبِ عَلى ما عَسى يَغْفُلُ عَنْهُ صاحِبُها، أوْ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها قَبْلَ إدْراكِ المَنِيَّةِ، فَإنَّها حائِلَةٌ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، أوْ تَصْوِيرٌ وتَخْيِيلٌ لِتَمَلُّكِهِ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ بِحَيْثُ يَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ نِيّاتِهِ ومَقاصِدَهُ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إنْ أرادَ سَعادَتَهُ، ويُبَدِّلُهُ بِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُعْتَرِضَةِ المُفَوِّتَةِ لِلْفُرْصَةِ. وَقُرِئَ (بَيْنَ المَرِّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الرّاءِ، وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، ﴿وَأنَّهُ﴾ أيِ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أوِ الشَّأْنُ ﴿إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِكم، فَسارِعُوا إلى طاعَتِهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِهِ، وبالِغُوا في الِاسْتِجابَةِ لَهُما.

الأنفال 8:25

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيْ: لا تَخْتَصُّ إصابَتُها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم بَلْ يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، كَإقْرارِ المُنْكَرِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ والمُداهَنَةِ في الأمْرِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وافْتِراقِ الكَلِمَةِ، وظُهُورِ البِدَعِ، والتَّكاسُلِ في الجِهادِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ ... إلَخْ، إمّا جَوابُ الأمْرِ عَلى مَعْنى: إنْ أصابَتْكم لا تُصِيبُنَّ... إلَخْ، وفِيهِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ، فَلا يَلِيقُ بِهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ، لَكِنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ مَعْنى النَّهْيِ ساغَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وإمّا صِفَةٌ لِـ(فِتْنَةً) ولا لِلنَّفْيِ وفِيهِ شُذُوذٌ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ المَنفِيَّ في غَيْرِ القَسَمِ، أوْ لِلنَّهْيِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ وَإمّا جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (لَتُصِيبَنَّ) وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى فِيهِما، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ بَعْدَ الأمْرِ بِاتِّقاءِ الذَّنْبِ، فَإنَّ (p-17)وَبالَهُ يُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً، ويَعُودُ عَلَيْهِ، ومِن في "مِنكُمْ" عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْيِينِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِنهُ مِن غَيْرِكم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ولِذَلِكَ يُصِيبُ بِالعَذابِ مَن لَمْ يُباشِرْ سَبَبُهُ.

الأنفال 8:26

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أيْ: وقْتَ كَوْنِكم قَلِيلًا في العَدَدِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الضَّعْفِ والخَوْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(قَلِيلٌ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ، تَحْتَ أيْدِي قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، أوْ تَحْتَ أيْدِي فارِسَ والرُّومِ والخِطابُ لِلْعَرَبِ كافَّةً، فَإنَّهم كانُوا أذِلّاءَ تَحْتَ أيْدِي الطّائِفَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ(قَلِيلٌ) وُصِفَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَما وُصِفَ بِالمُفْرِدِ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في مُسْتَضْعَفُونَ، والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى الأوَّلِ - وهو الأظْهَرُ - إمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ، وإمّا كُفّارُ العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَدَواتِهِمْ لَهُمْ، وعَلى الثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم وذِلَّتِكم وهَوانِكم عَلى النّاسِ، وخَوْفِكم مِنِ اخْتِطافِهِمْ. ﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المَدِينَةِ، أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِن أعْدائِكم ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ عَلى الكُفّارِ، أوْ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ.

الأنفال 8:27

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ، أيْ: لا تَخُونُوهُما بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ في الغُلُولِ في الغَنائِمِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوا الصُّلْحَ، كَما صالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرِيحاءَ مِنَ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأبَوْا، وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ، وكانَ مُناصِحًا لَهُمْ؛ لِما أنَّ مالَهُ وعِيالَهُ كانا في أيْدِيهِمْ فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لَبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ، فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ، فَحُلَّ نَفْسَكَ، قالَ: لا واللَّهِ، لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ - ﷺ – فَحَلَّهُ، فَقالَ: إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي، فَقالَ ﷺ: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ"» . ﴿وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكُمْ، وهو مَجْزُومٌ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (p-18)أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ أنْتُمْ عُلَماءُ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.

الأنفال 8:28

﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّها سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ والعِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَبْلُوَكم في ذَلِكَ، فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهُما عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ رِضاهُ تَعالى عَلَيْهِما، وراعى حُدُودَهُ فِيهِما، فَنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.

الأنفال 8:29

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ الخِطابِ والوَصْفِ بِالإيمانِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِما بَعْدَهُ، والإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَقْتَضِي الإيمانُ مُراعاتَهُ والمُحافَظَةَ عَلَيْهِ كَما في الخِطابَيْنِ السّابِقَيْنِ. ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿فُرْقانًا﴾ هِدايَةً في قُلُوبِكُمْ، تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهاتِ، أوْ نَجاةً عَمّا تَحْذَرُونَ في الدّارَيْنِ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَنْشُرُ صِيتَكم مِن قَوْلِهِمْ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيِ: الصُّبْحُ ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: يَسْتُرْها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكم بِالعَفْوِ والتَّجاوُزِ عَنْها، وقِيلَ: السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ، والذُّنُوبُ الكَبائِرُ، وقِيلَ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّها في أهْلِ بَدْرٍ، وقَدْ غَفَرَهُما اللَّهُ تَعالى لَهم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ وإحْسانٌ، لا أنَّهُ مِمّا يُوجِبُهُ التَّقْوى، كَما إذا وعَدَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ إنْعامًا عَلى عَمَلٍ.

الأنفال 8:30

﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ" ... إلَخْ، مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِ ﷺ بَعْدَ تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ العامَّةِ لِلْكُلِّ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ مَكْرِهِمْ بِكَ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بِالوَثاقِ - ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (لِيُقَيِّدُوكَ) - أوِ الإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وقُرِئَ (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ ولِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: بِسُيُوفِهِمْ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَهُمُّ لَمّا سَمِعُوا بِإسْلامِ الأنْصارِ ومُبايَعَتِهِمْ لَهُ ﷺ فَرِقُوا واجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ يَتَشاوَرُونَ في أمْرِهِ ﷺ فَدَخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِمْ في صُورَةِ شَيْخٍ، وقالَ: أنا مِن نَجْدٍ، سَمِعْتُ بِاجْتِماعِكم فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكُمْ، ولَنْ تَعْدِمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا، فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ وتَسُدُّوا مَنافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ، تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها حَتّى يَمُوتَ، فَقالَ الشَّيْخُ: بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ، ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكُمْ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ وتُخْرِجُوهُ مِن أرْضِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، فَقالَ: وبِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا (p-19)مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا، وتُعْطُوهُ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ، فَقالَ: صَدَقَ هَذا الفَتى، فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِهِ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْبَرَهُ بِالخَبَرِ، وأمَرَهُ بِالهِجْرَةِ، فَبَيَّتَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى مَضْجَعِهِ، وخَرَجَ هو مَعَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -إلى الغارِ. ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَرُدُّ مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الماكِرِينَ، وذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَلَقَوْا مِنهم ما لَقَوْا. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لا يَعْبَأُ بِمَكْرِهِمْ عِنْدَ مَكْرِهِ، وإسْنادُ أمْثالِ هَذا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُحْسِنُ لِلْمُشاكَلَةِ، ولا مَساغَ لَهُ ابْتِداءً لِما فِيهِ مِن إيهامِ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ.

الأنفال 8:31

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ الَّتِي حَقُّها أنْ يَخِرَّ لَها صُمُّ الجِبالِ ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قالَهُ اللَّعِينُ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ لِما أنَّهُ كانَ رَئِيسَهم وقاضِيَهُمُ الَّذِي يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ ويَأْخُذُونَ بِرَأْيِهِ، وقِيلَ: قالَهُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ، وهَذا كَما تَرى غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ، كَيْفَ لا؟ ولَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَما الَّذِي كانَ يَمْنَعُهم مِنَ المَشِيئَةِ؟ وقَدْ تَحَدَّوْا عَشْرَ سِنِينَ، وقُرِعُوا عَلى العَجْزِ، وذاقُوا مِن ذَلِكَ الأمَرَّيْنِ، ثُمَّ قُورِعُوا بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يُعارِضُوا بِما سِواهُ مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا لاسِيَّما في بابِ البَيانِ ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما يَسْطُرُونَهُ مِنَ القَصَصِ.

الأنفال 8:32

﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن أباطِيلِ ذَلِكَ اللَّعِينِ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قالَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى"،» فَقالَ ذَلِكَ، والمَعْنى: إنَّ القرآن إنْ كانَ حَقًّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا الحِجارَةَ عُقُوبَةً عَلى إنْكارِنا، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وحاشاهُ، وقُرِئَ (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ لا فَضْلٌ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ ﷺ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كالأساطِيرِ.

الأنفال 8:33

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ جَوابٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، وبَيانٌ لِلْمُوجِبِ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفِ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابَ اسْتِئْصالٍ - والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ - خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ تَعالى، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ مِنهم مَنِ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ: اللَّهُمَّ (p-20)اغْفِرْ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾

الأنفال 8:34

﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ بَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بَعْدَ بَيانِ أنَّ المانِعَ لَيْسَ مِن قِبَلِهِمْ، أيْ: وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ، وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ؟ ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: وحالُهم ذَلِكَ، ومِن صَدِّهِمْ عِنْدَ إلْجاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارِهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَصُدُّونَ، مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ ما صَنَعُوا مِنَ الصَّدِّ، فَإنَّ مُباشَرَتَهم لِلصَّدِّ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَةِ أمْرِهِ في غايَةِ القُبْحِ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ، فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُعانِدُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِأكْثَرِهِمْ كُلُّهُمْ، كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.

الأنفال 8:35

﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ: دُعاؤُهُمْ، أوْ ما يُسَمُّونَهُ صَلاةً، أوْ ما يَضَعُونَ مَوْضِعَها ﴿إلا مُكاءً﴾ أيْ: صَفِيرًا، فُعالٌ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ، وقُرِئَ بِالقَصْرِ كالبُكى ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ أيْ: تَصْفِيقًا تَفْعِلَةً مِنَ الصَّدى، أوْ مِنَ الصَّدِّ عَلى إبْدالِ أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ بِالياءِ، وقُرِئَ (صَلاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ لِـ(كانَ) ومَساقُ الكَلامِ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، أوْ عَدَمِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ، فَإنَّها لا تَلِيقُ بِمَن هَذِهِ صَلاتُهُ. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ، وقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ، يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ، ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابَ الآخِرَةِ، واللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، والمَعْهُودُ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعْتِقادًا وعَمَلًا.

الأنفال 8:36

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ، أوْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألْفَيْنِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وأنْفَقَ فِيهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، أوْ في أصْحابِ العِيرِ، فَإنَّهُ لَمّا أُصِيبَ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ لَهُمْ: أعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنا نُدْرِكُ ثَأْرَنا مِنهُ فَفَعَلُوا، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ: دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ بِتَمامِها، ولَعَلَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ في تِلْكَ الحالِ وهو إنْفاقُ يَوْمِ بَدْرٍ، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وهو إنْفاقُ يَوْمِ أُحُدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ عَلى أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِبَيانِ الغَرَضِ مِنَ الإنْفاقِ، ومَساقَ الثّانِي لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ﴿ثُمَّ (p-21)تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ نَدَمًا وغَمًّا لِفَواتِها مِن غَيْرِ حُصُولِ المَقْصُودِ، جَعَلَ ذاتَها حَسْرَةً - وهي عاقِبَةُ إنْفاقِها – مُبالَغَةً ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخِرَ الأمْرِ، وإنْ كانَ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: تُمُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيْ: يُساقُونَ، لا إلى غَيْرِها.

الأنفال 8:37

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أيِ: الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحْشَرُونَ، أوْ بِيُغْلَبُونَ، أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَتِهِ ﷺ مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ "ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً"، وقُرِئَ (لِيُمَيِّزَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: يَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ فَيَجْمَعُهُ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابَهُ كَما لِلْكافِرِينَ ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ كُلَّهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ؛ إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَرِيقِ، أوْ إلى المُنْفِقِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الخُبْثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ؛ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم.

الأنفال 8:38

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، أيْ: قُلْ لِأجَلِّهِمْ ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمّا هم فِيهِ مِن مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ (إنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ) و(يَغْفِرْ لَكُمْ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِمْ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّدْبِيرِ، كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.

الأنفال 8:39

﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قُلْ، وقَدْ عُمِّمَ الخِطابُ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ) مِنَ الوَعِيدِ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: لا يُوجَدَ مِنهم شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلَّ الأدْيانُ الباطِلَةُ إمّا بِإهْلاكِ أهْلِها جَمِيعًا، أوْ بِرُجُوعِهِمْ عَنْها خَشْيَةَ القَتْلِ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ بِقِتالِكم ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ، وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ المُخْرِجِ لَهم إلى الإسْلامِ، وتَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُثابُونَ بِالسَّبَبِيَّةِ، كَما يُثابُ المُباشِرُونَ بِالمُباشِرَةِ.

الأنفال 8:40

﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكُمْ، فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يُضَيِّعُ مَن تَوَلّاهُ ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

الأنفال 8:41

(p-22)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِبَدْرٍ، وقالَ الواقِدِيُّ: كانَ الخُمُسُ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وما مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ أيِ: الَّذِي أصَبْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ عَنْوَةً، وأصْلُ الغَنِيمَةِ إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ وأُطْلِقَ عَلى ما أُصِيبَ مِنهم كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن عائِدِ المَوْصُولِ، قُصِدَ بِهِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الغَنِيمَةِ، وأنْ لا يَشِذَّ عَنْها شَيْءٌ، أيْ: ما غَنِمْتُمُوهُ كائِنًا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطُ والمَخِيطُ خَلا أنَّ سَلَبَ المَقْتُولِ لِلْقاتِلِ إذا نَفَّلَهُ الإمامُ، وأنَّ الأُسارى يُخَيَّرُ فِيها الإمامُ، وكَذا الأراضِي المَغْنُومَةُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَحَقٌّ أوْ واجِبٌ أنَّ لَهُ تَعالى خُمُسَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ "لِأنَّما"... إلَخْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ، والأوَّلُ آكَدُ وأقْوى في الإيجابِ لِما فِيهِ مِن تَكَرُّرِ الإسْنادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن ثَباتِ الخُمُسِ ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، وقُرِئَ (فَلِلَّهِ خُمُسُهُ)، وقُرِئَ (خُمْسَهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ وأنَّ المُرادَ قِسْمَةُ الخُمُسِ عَلى المَعْطُوفِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وإعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى - دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ - لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَزِيدِ اتِّصالِهِمْ بِهِ ﷺ وهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ، لِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُما قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ، لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهُمْ، أرَأيْتَ إخْوانَنا بَنِي المُطَّلِبِ؟ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، إنَّما بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ»» وكَيْفِيَّةُ قِسْمَتِها عِنْدَنا، أنَّها كانَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ ﷺ وسَهْمٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِن ذَوِي قُرْباهُ، وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وأمّا بَعْدَهُ ﷺ فَسَهْمُهُ ساقِطٌ، وكَذا سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، فَهم أُسْوَةٌ لِسائِرِ الفُقَراءِ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهُمْ، فَيُقَسَّمُ عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ مَنَعَ بَنِي هاشِمٍ الخُمُسَ، وقالَ: إنَّما لَكم أنْ يُعْطى فَقِيرُكُمْ، وتُزَوَّجَ أيِّمُكُمْ، ويُخْدَمَ مَن لا خادِمَ لَهُ مِنكُمْ، ومَن عَداهم فَهو بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ الغَنِيِّ، لا يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، قالَ: لَيْسَ لَنا أنْ نَبْنِيَ مِنهُ قُصُورًا، ولا نَرْكَبَ مِنهُ البَراذِينَ، وقِيلَ: سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ. وَأمّا عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يَصْرِفُهُ ﷺ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، كَعُدَّةِ الغُزاةِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى مِن أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ، يُقَسَّمُ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، والباقِي لِلْفِرَقِ الثَّلاثِ. (p-23)وَعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، إنْ رَأى قَسَّمَهُ بَيْنَ هَؤُلاءِ، وإنْ رَأى أعْطاهُ بَعْضًا مِنهم دُونَ بَعْضٍ، وإنْ رَأى غَيْرَهم أوْلى وأهَمَّ فَغَيْرُهم. وَتَعَلَّقَ أبُو العالِيَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: يُقَسَّمُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ تَعالى إلى رِتاجِ الكَعْبَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ، كانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِمَصالِحِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، وقِيلَ: سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ، وقِيلَ: هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ هَذا شَأْنُ الخُمُسِ، وأمّا الأخْماسُ الأرْبَعَةُ فَتُقَسَّمُ بَيْنَ الغانِمِينَ، لِلرّاجِلِ سَهْمٌ ولِلْفارِسِ سَهْمانِ - عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وثَلاثَةُ أسْهُمٍ عِنْدَهُما رَحِمَهُما اللَّهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الخُمُسِ وسَكَتَ عَنِ الباقِي دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَذْكُورُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِهِ تَعالى فاعْلَمُوا أنَّ الخُمُسَ مِنَ الغَنِيمَةِ يَجِبُ التَّقَرُّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فاقْطَعُوا أطْماعَكم مِنهُ، واقْتَنَعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُجَرَّدَ العِلْمِ بِذَلِكَ، بَلِ العِلْمَ المَشْفُوعَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِهِ تَعالى ﴿وَما أنْزَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلْناهُ ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ وقُرِئَ (عُبُدِنا) وهو اسْمُ جَمْعٍ، أُرِيدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، فَإنَّ بَعْضَ ما نَزَلَ نازِلٌ عَلَيْهِمْ بِالذّاتِ كَما سَتَعْرِفُهُ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَنصُوبٌ بِأنْزَلْنا أوْ بِآمَنتُمْ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيِ: الفَرِيقانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو بَدَلٌ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ) أوْ مَنصُوبٌ بِالفُرْقانِ، والمُرادُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مِنَ الوَحْيِ والمَلائِكَةِ والفَتْحِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْزالِ مُجَرَّدُ الإيصالِ والتَّيْسِيرِ، فَيَنْتَظِمُ الكُلُّ انْتِظامًا حَقِيقِيًّا، وجُعِلَ الإيمانُ بِإنْزالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن مُوجِباتِ العِلْمِ بِكَوْنِ الخُمُسِ لِلَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الوَحْيَ ناطِقٌ بِذَلِكَ، وإنَّ المَلائِكَةَ والفَتْحَ لَمّا كانا مِن جِهَتِهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِسَبَبِهِما مِنَ الغَنِيمَةِ مَصْرُوفَةً إلى الجِهاتِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ، والذَّلِيلِ عَلى العَزِيزِ، كَما فَعَلَ بِكم ذَلِكَ اليَوْمَ.

الأنفال 8:42

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ)، والعُدْوَةُ – بِالضَّمِّ - شَطُّ الوادِي، وكَذا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما أيْضًا ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ أيِ: البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأقْصى، وكانَ القِياسُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا مَعَ كَوْنِهِما مِن بَناتِ الواوِ، لَكِنَّها جاءَتْ عَلى الأصْلِ كالقَوَدِ واسْتُصْوِبَ، وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ: العِيرُ أوْ قُوّادُها ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكُمْ، يَعْنِي السّاحِلَ، وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ، وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها، وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخْلُوا مَراكِزَهُمْ، ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ، واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذِكْرُ مَراكِزِ الفَرِيقَيْنِ، فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ (p-24)رِخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، ولا يُمْشى فِيها إلّا بِتَعَبٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيها ماءٌ بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ: لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ، ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهُمْ، لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - خارِقًا لِلْعاداتِ، فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا، وتَطْمَئِنَّ نُفُوسُهم بِفَرْضِ الخُمُسِ ﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، أوْ مُقَدَّرًا في الأزَلِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولًا، أيْ: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها، ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ بَيِّنَةٍ شاهَدَها، لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ، أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ، عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، والمُرادُ بِـ"مَن هَلَكَ" و"مَن حَيَّ" المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الهَلاكُ والحَياةُ، وقُرِئَ (لَيَهْلَكُ) بِالفَتْحِ (وَحَيِيَ) بِفَكِّ الإدْغامِ حَمْلًا عَلى المُسْتَقْبَلِ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.

الأنفال 8:43

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ"، أوْ بَدَلٌ آخَرُ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(عَلِيمٌ)، أيْ: يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ، وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونَ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ. ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وهِبْتُمُ الإقْدامَ ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ القِتالِ، وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم في الثَّباتِ والفِرارِ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ: أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ، والجُبْنِ، والصَّبْرِ، والجَزَعِ، ولِذَلِكَ دَبَّرَ ما دَبَّرَ.

الأنفال 8:44

﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ الكُلُّ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والتَّعْمِيمِ، مَعْطُوفٍ عَلى المُضْمَرِ السّابِقِ، والضَّمِيرانِ مَفْعُولا (يُرِي) و(قَلِيلًا) حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَن إلى جَنْبِهِ: أتَراهم سَبْعِينَ؟ فَقالَ: أراهم مِائَةً؛ تَثْبِيتًا لَهُمْ، وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ. ﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما أصْحابُ مُحَمَّدٍ أكَلَةُ جَزُورٍ، قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ؛ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهُمْ، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى رَأوْهم مِثْلَيْهِمْ؛ لِتُفاجِئَهُمُ الكَثْرَةُ، فَيُبْهَتُوا ويَهابُوا، وهَذِهِ مِن عَظائِمِ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ، فَإنَّ البَصَرَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا، لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ تَعالى الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي (p-25)فِي الشَّرائِطِ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِالتِقاءُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وهَهُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، وإذْلالُ الكُفْرِ وحِزْبِهِ ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها، يُصَرِّفُها كَيْفَما يُرِيدُ لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وهو الحَكِيمُ المَجِيدُ.

الأنفال 8:45

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صُدِّرَ الخِطابُ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أيْ: حارَبْتُمْ جَماعَةً مِنَ الكَفَرَةِ، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ لِظُهُورِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يُحارِبُونَ إلّا الكَفَرَةَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ ﴿فاثْبُتُوا﴾ أيْ: لِلِقائِهِمْ في مَواطِنِ الحَرْبِ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ القِتالِ، مُسْتَمِدِّينَ مِنهُ، مُسْتَعِينِينَ بِهِ، مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ، مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: تَفُوزُونَ بِمَرامِكُمْ، وتَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويُقْبِلَ إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ فارِغَ البالِ، واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

الأنفال 8:46

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما أُمِرُوا بِهِ هَهُنا انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ، كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ "فَتَفْشَلُوا" عَلى النَّهْيِ، أيْ: تَذْهَبَ دَوْلَتُكم وشَوْكَتُكُمْ، فَإنَّها مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشَبَّهَةٌ بِها في هُبُوبِها وجَرَيانِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ، فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ تَعالى، وفي الحَدِيثِ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ».» ﴿واصْبِرُوا﴾ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والكَلاءَةِ، وما يُفْهَمُ مِن كَلِمَةِ (مَعَ) مِن أصالِتِهِمْ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ، فَهم مُتَّبِعُونَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ومَعِيَّتُهُ تَعالى إنَّما هي مِن حَيْثُ الإمْدادُ والإعانَةُ.

الأنفال 8:47

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ بَعْدَما أُمِرُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِن أحاسِنِ الأعْمالِ، ونُهُوا عَمّا يُقابِلُها مِن قَبائِحِها، والمُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا لِحِمايَةِ العِيرِ ﴿بَطَرًا﴾ أيْ: فَخْرًا وأشَرًا ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَلَغُوا جُحْفَةَ أتاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ، وقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكُمْ، فَأبَوْا إلّا إظْهارَ آثارِ الجِلادَةِ، فَلَقَوْا ما لَقَوْا حَسْبَما ذُكِرَ في أوائِلِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَكُونُوا أمْثالَهم مُرائِينَ بَطِرِينَ، وأُمِرُوا بِالتَّقْوى والإخْلاصِ مِن حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى (p-26)بَطَرًا، إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَهُ، لَكِنْ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

الأنفال 8:48

﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَهم في مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ أيْ: ألْقى في رُوعِهِمْ، وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ، ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ - فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتٌ - مُجِيرٌ لَهُمْ، حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ إحْدى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، و(لَكُمْ) خَبَرُ (لا غالِبَ) أوْ صِفَتُهُ، ولَيْسَ صِلَتَهُ وإلّا لانْتَصَبَ، كَقَوْلِكَ لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: تَلاقى الفَرِيقانِ ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى، أيْ: بَطَلَ كَيْدُهُ، وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ: تَبَرَّأ مِنهُمْ، وخافَ عَلَيْهِمْ، ويَئِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ، فَكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ الكِنانِيِّ، وقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي مُجِيرُكم مِن كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ، وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذِلُنا في هَذِهِ الحالَةِ؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحَرْثِ وانْطَلَقَ، فانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ، قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ "إنِّي أخافُ اللَّهَ" أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ يُهْلِكَنِي، ويَكُونَ الوَقْتُ هو الوَقْتَ المَوْعُودَ، إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَهُ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ، واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ، أوْ مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الأنفال 8:49

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ مَنصُوبٌ بِـ(زَيَّنَ)، أوْ بِـ"نَكَصَ" أوْ بِشَدِيدِ العِقابِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَمْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِالإيمانِ بَعْدُ، وبَقِيَ فِيها نَوْعُ شُبْهَةٍ، وقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ في المَدِينَةِ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ كَما في قَوْلِهِ: ؎ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الـ صابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ جَوابٌ لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مِن تَوَكَّلَ (p-27)عَلَيْهِ واسْتَجارَ بِهِ، وإنْ قَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما تَسْتَبْعِدُهُ العُقُولُ، وتَحارُ في فَهْمِهِ ألْبابُ الفُحُولِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

الأنفال 8:50

﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيْ: ولَوْ رَأيْتَ، فَإنَّ لَوِ الِامْتِناعِيَّةَ تَرُدُّ المُضارِعَ ماضِيًا، كَما أنَّ (إنْ) تَرُدُّ الماضِيَ مُضارِعًا، والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ وكَلِمَةُ "إذْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَتَوَفي الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ ظَرْفٌ لِـ(تَرى) والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ، أوْ حالَ الكَفَرَةِ، حِينَ يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ بِبَدْرٍ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، قَدِ اسْتُغْنِيَ فِيها بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ، وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما. ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ أيْ: وأسْتاهَهُمْ، أوْ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ مِنَ الأعْضاءِ ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى (يَضْرِبُونَ)، أوْ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: ذُوقُوا؛ بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ البَيانِ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يَكادُ يُوصَفُ.

الأنفال 8:51

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِهِما في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الضَّرْبُ والعَذابُ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومَحَلُّ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مَن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا - عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بالِغًا - قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ - إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ - فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِما أنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ - بَلْ وُقُوعُهُ - لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يُحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى كَوْنَ جَمِيعِ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ لاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ.

الأنفال 8:52

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لا بِشَيْءٍ آخَرَ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ (p-28)المَعْرُوفِينَ بِالإهْلاكِ بِسَبَبِ جَرائِمِهِمْ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِمّا فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأخْذِ "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ" المَشْهُورِينَ بِقَباحَةِ الأعْمالِ وفَظاعَةِ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي ما فَعَلُوا ولَقَوْا مِنَ العِقابِ ما لَقَوْا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ مِن أهْلِ الكُفْرِ والعِنادِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ، لا لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ونَحْوِهِمْ - كَما قِيلَ - فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنهُ بِقَضِيَّةِ التَّشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ، والفاءُ لِبَيانِ كَوْنِهِ مِن لَوازِمِ جِناياتِهِمْ وتَبِعاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ الفاءُ مِنَ السَّبَبِيَّةِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ ذُنُوبًا أُخَرَ لَها دَخْلٌ في اسْتِتْباعِ العِقابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ "بِذُنُوبِهِمْ" مَعاصِيَهُمُ المُتَفَرِّعَةَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: فَأخَذَهم مُلْتَبِسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، فَدَأْبُهم مَجْمُوعُ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ لا ما فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما قِيلَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنْ آلَ فِرْعَوْنَ أيْقَنُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيُّ اللَّهِ، فَكَذَّبُوهُ كَذَلِكَ هَؤُلاءِ، جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالصِّدْقِ فَكَذَّبُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ عُقُوبَتَهُ، كَما أنْزَلَ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وجَعْلُ العَذابِ مِن جُمْلَةِ دَأْبِهِمْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُتَصَوَّرُ مُداوَمَتُهم عَلَيْهِ واعْتِيادُهم إيّاهُ - كَما هو المُعْتَبَرُ في مَدْلُولِ الدَّأْبِ - إمّا لِتَغْلِيبِ ما فَعَلُوهُ عَلى ما فُعِلَ بِهِمْ، أوْ لِتَنْزِيلِ مُداوَمَتِهِمْ عَلى ما يُوجِبُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَنزِلَةَ مُداوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ التّامَّةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:53

﴿ذَلِكَ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُ النَّظْمَ الكَرِيمَ مِن كَوْنِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مَنُوطًا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، غَيْرَ واقِعٍ بِلا سابِقَةِ ما يَقْتَضِيهِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ لا نَفْسُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والِانْتِقامِ - كَما قِيلَ - فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَلَّلًا - بِما ذُكِرَ مِن كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ - لا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيلُهُ بِجَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِ عَلى قَوْمٍ قَبْلَ تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وتَوَهُّمُ أنَّ السَّبَبَ لَيْسَ ما ذُكِرَ - كَما هو مَنطُوقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ ما يُسْتَفادُ مِن مَفْهُومِ الغايَةِ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِمْ عِنْدَ تَغْيِيرِ حالِهِمْ، بِناءً عَلى تَخَيُّلِ أنَّ المُعَلَّلَ تُرَتُّبُ عِقابِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ عَنْهُ - رُكُوبُ شَطَطٍ هائِلٍ، وإبْعادٌ عَنِ الحَقِّ بِمُراحِلَ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ، وإسْقاطٌ لَهُ عَنْ رُتْبَةِ إيجابِ العِقابِ في مَقامِ تَهْوِيلِهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، فالمَعْنى ذَلِكَ، أيْ: تَرَتَّبَ العِقابُ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ دُونَ أنْ يَقَعَ ابْتِداءً مَعَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى ﴿لَمْ يَكُ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها﴾ أيْ: لَمْ يَنْبَغِ لَهُ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَصِحَّ في حِكْمَتِهِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ مِنَ الأقْوامِ، أيَّ نِعْمَةٍ كانَتْ جَلَّتْ أوْ هانَتْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وقْتَ مُلابَسَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، ويَتَّصِفُوا بِما يُنافِيها، سَواءٌ كانَتْ أحْوالُهُمُ السّابِقَةُ مَرَضِيَّةً صالِحَةً، أوْ قَرِيبَةً مِنَ (p-29)الصَّلاحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحادِثَةِ، كَدَأْبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، حَيْثُ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ كَفَرَةً، عَبَدَةَ أصْنامٍ، مُسْتَمِرِّينَ عَلى حالَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِإفاضَةِ نِعْمَةِ الإمْهالِ وسائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيِّناتِ غَيَّرُوها إلى أسْوَأ مِنها وأسْخَطَ، حَيْثُ كَذَّبُوهُ ﷺ وعادُوهُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ يَبْغُونَهُمُ الغَوائِلَ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ، وعاجَلَهم بِالعَذابِ والنَّكالِ، وأصْلُ "يَكُ" يَكُنْ فَحُذِفَتِ النُّونُ تَخْفِيفًا؛ لِشَبَهِها بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (أنَّ اللَّهَ)... إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، أيْ: وبِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ ويَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَلِيقُ بِها مِن إبْقاءِ النِّعْمَةِ وتَغْيِيرِها، وقُرِئَ (وَإنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:54

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ تَغْيِيرًا كائِنًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: كَتَغْيِيرِهِمْ عَلى أنَّ دَأْبَهم عِبارَةٌ عَمّا فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما هو الأنْسَبُ بِمَفْهُومِ الدَّأْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ بِتَمامِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ إخْبارٌ بِتَرَتُّبِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ، لا أنَّهُ مِن تَمامِ تَفْسِيرِهِ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" بَيْنَهُما كَما مَرَّ نَظِيرُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، حَيْثُ جَوَّزُوا انْتِصابَ مَحَلِّ الكافِ بِـ(لْنَ تُغْنِيَ) مَعَ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اعْتِراضًا فَلا غُبارَ في تَوَسُّطِها قَطْعًا، وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما قَبْلَهُ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سِيقَ لَهُ الِاسْتِئْنافُ الأوَّلُ بِتَشْبِيهِ دَأْبِهِمْ بِدَأْبِ المَذْكُورِينَ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ المَحْضِ بَلْ بِتَغْيِيرِ العُنْوانِ، وجَعْلِ الدَّأْبِ في الجانِبَيْنِ عِبارَةً عَمّا يُلازِمُ مَعْناهُ الأوَّلَ مِن تَغْيِيرِ الحالِ وتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ أخْذًا مِمّا نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآيَةَ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ وشَأْنُهُمُ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّغْيِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - كَدَأْبِ أُولَئِكَ حَيْثُ غَيَّرُوا حالَهم فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأهْلَكْناهُمْ) تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ مِن تَغْيِيرِهِ تَعالى ما بِهِمْ مِن نِعْمَتِهِ، وأمّا دَأْبُ قُرَيْشٍ فَمُسْتَفادٌ مِنهُ بِحُكْمِ التَّشْبِيهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، حَيْثُ اكْتَفى في كُلٍّ مِنَ التَّشْبِيهَيْنِ بِتَفْسِيرِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ (هُمْ) لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّكْذِيبِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في (أهْلَكْنا) جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، والكَلامُ في الفاءِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كالَّذِي مَرَّ، وعَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ عَلى (أهْلَكْنا) مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ هَوْلِ الإغْراقِ وفَظاعَتِهِ، كَعِطْفِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلائِكَةِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ، أوْ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، أوْ كُلٌّ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي، حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْهَلاكِ، (p-30)أوْ واضِعِينَ لِلْكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَكانَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، ولِذَلِكَ أصابَهم ما أصابَهم.

الأنفال 8:55

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ بَعْدَما شَرَحَ أحْوالَ المُهْلَكِينَ مِن شِرارِ الكَفَرَةِ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ الباقِينَ مِنهُمْ، وتَفْصِيلِ أحْكامِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَجُّوا فِيهِ، جُعِلُوا شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ؛ إيماءً إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن مُجانَسَتِهِمْ، وإنَّما هم مِن جِنْسِ الدَّوابِّ، ومَعَ ذَلِكَ شَرٌّ مِن جَمِيعِ أفْرادِها حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْلِ الطَّبْعِ، لا يَلْوِيهِمْ صارِفٌ، ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ أصْلًا، جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، لا أنَّهُ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الَّتِي لا حُكْمَ فِيها بِالفِعْلِ وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:56

﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أيْ: عاهَدْتَهُمْ، ومِن لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعاهَدَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ العَهْدِ وأخْذِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ هَهُنا مِن حَيْثُ أخْذُهُ ﷺ عَهْدَهُمْ، إذْ هو المَناطُ لِقَباحَةِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّقْضِ لا إعْطاؤُهُ ﷺ إيّاهم عَهْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ أخَذَتْ مِنهم عَهْدَهُمْ، وقِيلَ: هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُباشِرَ بِالذّاتِ لِلْعَهْدِ بَعْضُهم لا كُلُّهم. ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (عاهَدْتَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ النَّقْضِ وتَعَدُّدِهِ، وكَوْنِهِمْ عَلى نِيَّتِهِ في كُلِّ حالٍ، أيْ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمُ الَّذِي أخَذْتَهُ مِنهم ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ أيْ: مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، إذْ هي الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، ويُسْتَقْبَحُ وُجُودُهُ، لا مِن مَرّاتِ المُحارِبَةِ - كَما قِيلَ - إذْ لا يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا حَتّى يُسْتَقْبَحَ فِيها وجُودُهُ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِعَدَمِهِ، فَلا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ النَّقْضِ بِالوُقُوعِ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِها، بَلْ لا صِحَّةَ لَهُ قَطْعًا؛ لِأنَّ النَّقْضَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المَرَّةِ الوارِدَةِ عَلى المُعاهَدَةِ، لا في المَرّاتِ الواقِعَةِ بَعْدَها بِلا مُعاهَدَةٍ، ولَئِنْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ هي المَرّاتُ الواقِعَةُ إثْرَ المُعاهَدَةِ يَبْقى النَّقْضُ الواقِعُ بِلا مُحارَبَةٍ - كَبَيْعِ السِّلاحِ ونَحْوِهِ - خارِجًا مِنَ البَيانِ، ولَئِنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المُحارَبَةِ فَلا مَحِيصَ مِن لُزُومِ خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ بِالمَرَّةِ؛ لِأنَّ المُحارَبَةَ بِهَذا المَعْنى عَيْنُ النَّقْضِ، فَيَؤُولُ الأمْرُ إلى أنْ يُقالَ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ النَّقْضِ، وحَمْلُ المُحارِبَةِ عَلى مُحارَبَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ المَعْنى: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ مُحارَبَةِ الأعْداءِ - مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ والرَّكاكَةِ - يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ بَدْئِهِمْ بِالنَّقْضِ مِنَ البَيانِ. ﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْقُضُونَ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّقْضِ، والحالُ أنَّهم لا يَتَّقُونَ سُبَّةَ الغَدْرِ، ولا يُبالُونَ بِما فِيهِ مِنَ العارِ والنّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:57

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِهِمْ بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فَإذا كانَ حالُهم كَما ذُكِرَ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ (p-31)بِهِمْ ﴿فِي الحَرْبِ﴾ أيْ: في تَضاعِيفِها. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيْ: فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ تَفْرِيقًا عَنِيفًا مُوجِبًا لِلِاضْطِرارِ والِاضْطِرابِ، ونَكِّلْ عَنْها بِأنْ تَفْعَلَ بِهِمْ مِنَ النِّكايَةِ والتَّعْذِيبِ ما يُوجِبُ أنْ تُنَكِّلَ. ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم بِصَدَدِ الحَرْبِ قَرِيبٌ مِن هَؤُلاءِ، وقُرِئَ (شَرِّذْ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَعَلَّهُ مَقْلُوبُ (شَذِّرْ) بِمَعْنى فَرِّقْ، وقُرِئَ (مِن خَلْفِهِمْ) أيِ: افْعَلِ التَّشْرِيدَ مِن ورائِهِمْ، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ إيقاعَ التَّشْرِيدِ في الوَراءِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَشْرِيدِ مَن وراءَهم. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِما شاهَدُوا مِمّا نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ، فَيَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ، أوْ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الأنفال 8:58

﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ، إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مِنَ المُعاهَدِينَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي - بِما لاحَ لَكَ مِنهم مِن دَلائِلِ الغَدْرِ، ومَخايِلِ الشَّرِّ - ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ، وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ، ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ؛ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا. فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ النّابِذِ، أيْ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وقِيلَ: عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهُمْ، أوْ تَسْتَوِي فِيهِ أنْتَ وهُمْ، فَهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي مِنَ الجانِبَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنها، وإمّا بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَيَكُونُ حَثًّا لَهُ ﷺ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا، وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ مِن حالِهِمْ.

الأنفال 8:59

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقُوا﴾ - أيْ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ - مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَحْسَبَنَّ)، والمُرادُ: إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ، وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ والِاقْتِصارِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ، مَعَ أنَّ مُقاوَمَةَ المُؤْمِنِينَ - بَلِ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ أيْضًا - مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ وهْمُهم وحُسْبانُهُمْ، وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى أحَدٍ، أوْ إلى (مَن خَلْفَهُمْ) والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولُ المُتَناوِلُ لَهم أيْضًا، وقِيلَ: هو الفاعِلُ، وأنْ مَحْذُوفَةٌ مِن (سَبَقُوا) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنَّهم سَبَقُوا) ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمن آياته يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ الآيَةَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وَقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ، وقُرِئَ (وَلا تَحْسَبِ الَّذِينَ) بِكَسْرِ الباءِ وبِفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ؛ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى (p-32)حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و"لا" زائِدَةٌ، وسَبَقُوا حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ، أيْ: مُفْلِتِينَ هارِبِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى يُحْذَرُ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ، لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقدرتهمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، وقُرِئَ (لا يُعْجِزُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، و(لا يُعَجِّزُونِ) بِالتَّشْدِيدِ.

الأنفال 8:60

﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن وظائِفِ الكُلِّ، كَما أنَّ تَوْجِيهَهُ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِ ما في حَيِّزِهِ مِن وظائِفِهِ ﷺ أيْ: أعِدُّوا لِقِتالِ الَّذِينَ نُبِذَ إلَيْهِمُ العَهْدُ وهَيِّئُوا لِحِرابِهِمْ، أوْ لِقِتالِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ كائِنًا ما كانَ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: ««ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»» قالَها ثَلاثًا، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ إيّاهُ بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِ عَلى نَظائِرِهِ مِنَ القُوى. ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ الرِّباطُ: اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَتْ هي بِهِ، يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابِطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ، أوْ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَعْبٍ وكَعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ، وقُرِئَ (رُبُطِ الخَيْلِ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها، جَمْعُ رِباطٍ، وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ - مَعَ كَوْنِها مِن جُمْلَتِها - لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِها، كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ، وقُرِئَ (تُرَهِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ (تُخْزُونَ بِهِ) والضَّمِيرُ لِما اسْتَطَعْتُمْ، أوْ لِلْإعْدادِ، وهو الأنْسَبُ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أعِدُّوا) أيْ: أعِدُّوا مُرَهِّبِينَ بِهِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: أعِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمُوهُ مُرَهِّبًا بِهِ. ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُفّارِ - مَعَ كَوْنِ الكُلِّ كَذَلِكَ - لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحَدَّ في العَداوَةِ ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وقِيلَ: الفُرْسُ ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ أيْ: لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ، أوْ لا تَعْلَمُونَهم كَما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ، فَإنَّ أعْيانَهم مَعْلُومَةٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أيْضًا. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ لِإعْدادِ العَتادِ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي أوْضَحُهُ الجِهادُ ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ كامِلًا ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَرْكِ الإثابَةِ، أوْ بِنَقْضِ الثَّوابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِها بِالظُّلْمِ - مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَكُونَ تَرْكُ تَرْتِيبِهِ عَلَيْها ظُلْمًا - لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾

الأنفال 8:61

﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ الجُنُوحُ المَيْلُ، ومِنهُ الجَناحُ ويُعَدّى بِاللّامِ وبِإلى، أيْ: إنْ مالُوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أيْ: لِلصُّلْحِ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ وإعْتادِ العَتادِ ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ (p-33)أيْ: لِلسِّلْمِ، والتَّأْنِيثُ لِحَمْلِهِ عَلى نَقِيضِهِ قالَ: ؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ وَقُرِئَ (فاجْنُحْ) بِضَمِّ النُّونِ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخَفْ أنْ يُظْهِرُوا لَكَ السِّلْمَ وجَوانِحُهم مَطْوِيَّةٌ عَلى المَكْرِ والكَيْدِ ﴿إنَّهُ﴾ تَعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ فَيَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في خَلَواتِهِمْ مِن مَقالاتِ الخِداعَ ﴿العَلِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ نِيّاتِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ، والآيَةُ خاصَّةٌ بِاليَهُودِ، وقِيلَ: عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

الأنفال 8:62

﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِإظْهارِ السِّلْمِ وإبْطالِ الحِرابِ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فاعْلَمْ بِأنَّ مُحْسِبَكَ اللَّهُ مِن شُرُورِهِمْ وناصِرُكَ عَلَيْهِمْ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَإنَّ تَأْيِيدَهُ تَعالى إيّاهُ ﷺ فِيما سَلَفَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَعِيدِ مِنَ الوُقُوعِ مِن دَلائِلِ تَأْيِيدِهِ تَعالى فِيما سَيَأْتِي، أيْ: هو الَّذِي أيَّدَكَ بِإمْدادٍ مِن عِنْدِهِ بِلا واسِطَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أوْ بِالمَلائِكَةِ مَعَ خَرْقِهِ لِلْعاداتِ ﴿وَبِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

الأنفال 8:63

﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ والتَّهالُكِ عَلى الِانْتِقامِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا مِن أبْهَرِ مُعْجِزاتِهِ ﷺ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِتَأْلِيفِ ما بَيْنَهم ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ومُبَيِّنٌ لِعِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ المَأْخَذِ، أيْ: تَناهى التَّعادِي فِيما بَيْنَهم إلى حَدٍّ لَوْ أنَفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّأْلِيفِ والإصْلاحِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ التَّأْلِيفَ بَيْنَها لا يَتَسَنّى، وإنْ أمْكَنَ التَّأْلِيفُ ظاهِرًا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قَلْبًا وقالَبًا بِقدرته الباهِرَةِ ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِ ما يُرِيدُهُ. وَقِيلَ: الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم إحَنٌ لا أمَدَ لَها، ووَقائِعُ أفْنَتْ ساداتِهِمْ وأعاظِمَهُمْ، ودَقَّتْ أعْناقَهم وجَماجِمَهم فَأنْسى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَمِيعَ ذَلِكَ، وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وأصْبَحُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وصارُوا أنْصارًا.

الأنفال 8:64

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وأُمُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في الأُمُورِ الواقِعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في مادَّةٍ خاصَّةٍ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ اللَّهُ ناصِرًا كَما في (p-34)قَوْلِ مَن قالَ: ؎ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ وَقِيلَ: في مَوْضِعِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: كافِيكَ وكافِيهِمْ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وقِيلَ: أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَنَزَلَتْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الأنفال 8:65

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ كِفايَتَهُ إيّاهم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ أُمِرَ ﷺ بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ نَصْرِهِ وإمْدادِهِ، وتَكْرِيرُ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ. ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ: بالِغْ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ وتَرْغِيبِهِمْ فِيهِ بِكُلِّ ما أمْكَنَ مِنَ الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ الَّتِي أعْظَمُها تَذْكِيرُ وعْدِهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، وحُكْمُهُ بِكِفايَتِهِ تَعالى، أوْ بِكِفايَتِهِمْ. وَأصْلُ التَّحْرِيضِ الحَرَضُ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ، وقالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ، قُلْتُ: فالأوْجَهُ حِينَئِذٍ أنْ يُجْعَلَ الحَرَضُ عِبارَةً عَنْ ضَعْفِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن بابِ نَهْكِ المَرَضِ، وقِيلَ: مَعْنى تَحْرِيضِهِمْ تَسْمِيَتُهم حَرَضًا، بِأنْ يُقالَ: إنِّي أراكَ في هَذا الأمْرِ حَرَضًا، أيْ: مُحَرِّضًا فِيهِ لِتَهَيُّجِهِ إلى الإقْدامِ، وقُرِئَ (حَرِّصْ) بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ، وهو واضِحٌ. ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ مِنهُ تَعالى بِتَغْلِيبِ كُلِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الأمْرِ بِتَحْرِيضِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ مَعَ انْفِهامِ مَضْمُونِهِ مِمّا قَبْلَهُ - لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما عِدَّةً بِتَأْيِيدِ الواحِدِ عَلى العَشَرَةِ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ المُفِيدَةِ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ ما لا يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ الكَثِيرَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّفاوُتَ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ والكَثِيرَيْنِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ، فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ في الصُّورَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَيانٌ لِلْألْفِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ في المِائَتَيْنِ أيْضًا، وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هَهُنا، كَما تُرِكَ قَيْدُ الصَّبْرِ هَهُنا مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا حَتْمًا ثِقَةً بِذِكْرِهِ هُناكَ. ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْلِبُوا) أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ. وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُؤْمِنُ بِالمِيعادِ، فالسَّعادَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَيَشِحُّ بِها ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ بِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، فَيَمِيلُ إلى ما فِيهِ السَّلامَةُ فَيَفِرُّ فَيُغْلَبُ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنْ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ، وإنَّما السَّعادَةُ هي الحَياةُ الباقِيَةُ فَلا يُبالِ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَيَقْدَمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ، فَيَقُومُ الواحِدُ مِن مِثْلِهِ مَقامَ الكَثِيرِ - فَكَلامٌ حَقٌّ، لَكِنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ.

الأنفال 8:66

(p-35)﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ لَمّا كانَ الوَعْدُ السّابِقُ مُتَضَمِّنًا لِإيجابِ مُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، وثَباتِهِ لَهم - كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا، ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وقَدْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا، فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، فَهَزَمَهُمْ، ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وضَجُّوا مِنهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَنُسِخَ، وخُفِّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا نَزَلَ التَّخْفِيفُ،» والمُرادُ بِالضَّعْفِ: ضَعْفُ البَدَنِ، وقِيلَ: ضَعْفُ البَصِيرَةِ - وكانُوا مُتَفاوِتِينَ في الِاهْتِداءِ إلى القِتالِ - لا الضَّعْفُ في الدِّينِ، كَما قِيلَ: وقُرِئَ (ضُعْفًا) بِضَمِّ الضّادِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والمَكْثِ والمُكْثِ، وقِيلَ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ ما في الرَّأْيِ والعَقْلِ، وبِالضَّمِّ ما في البَدَنِ، وقُرِئَ (ضُعَفاءَ) جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ بِعلمه تعالى بِضَعْفِهِمْ علمه تعالى بِهِ مِن حَيْثُ هو مُتَحَقِّقٌ بِالفِعْلِ، لا علمه تعالى بِهِ مُطْلَقًا، كَيْفَ لا وهو ثابِتٌ في الأزَلِ؟! وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلتَّخْفِيفِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، وقُرِئَ (تَكُنْ) هَهُنا وفِيما سَبَقَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ. ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيما سَبَقَ مِن غَلَبَةِ المِائَةِ المِائَتَيْنِ والألِفِ وغَلَبَةِ العِشْرِينَ المِائَتَيْنِ، كَما أنَّ قَيْدَ الصَّبْرِ مُعْتَبَرٌ هَهُنا، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِما مَرَّ، وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِحالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخِذْلانِ - كَما لَمْ يَتَعَرَّضْ هُناكَ لِحالِ المُؤْمِنِينَ - مَعَ أنَّ مَدارَ الغَلَبَةِ في الصُّورَتَيْنِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ - أعْنِي نَصْرَ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانَ الكَفَرَةِ - اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَقامٍ عَمّا تُرِكَ في المَقامِ الآخَرِ، وما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ مَدْخُولِها لِأصالَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ كَما مَرَّ مِرارًا.

الأنفال 8:67

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ وقُرِئَ (لِلنَّبِيِّ) عَلى العَهْدِ، والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ ما يُذْكَرُ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ، وأُسارى أيْضًا ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يُكْثِرَ القَتْلَ ويُبالِغَ فِيهِ؛ حَتّى يَذِلَّ الكُفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ، ويَعِزَّ الإسْلامُ، ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، مِن أثْخَنَهُ المَرَضُ والجُرْحُ إذا أثْقَلَهُ، وجَعَلَهُ بِحَيْثُ لا حَراكَ بِهِ ولا بِراحَ، وأصْلُهُ الثَّخانَةُ الَّتِي هي الغِلَظُ والكَثافَةُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْعِتابِ، أيْ: تُرِيدُونَ حُطامَها بِأخْذِكُمُ الفِداءَ، وقُرِئَ (يُرِيدُونَ) بِالياءِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ، الَّذِي لا مِقْدارَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها، أوْ يُرِيدُ سَبَبَ نَيْلِ الآخِرَةِ مِن إعْزازِ دِينِهِ وقِمْعِ أعْدائِهِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ المُضافِ كَما في (p-36)قَوْلِهِ: ؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغَلِّبُ أوْلِيائَهُ عَلى أعْدائِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ، ويَخُصُّهُ بِها، كَما أمَرَ بِالإثْخانِ، ونَهى عَنْ أخْذِ الفِداءِ حِينَ كانَتِ الشَّوْكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً) لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ وصارَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ، فاسْتَشارَ فِيهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي أصْحابَكَ، وقالَ عُمَرُ: اضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، واللَّهُ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ، ومَكِّنِي مِن فُلانٍ نَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ، قالَ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومَثَلَكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ، قالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا»» فَخَيَّرَ أصْحابَهُ، فَأخَذُوا الفِداءَ، فَنَزَلَتْ، فَدَخَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ وإلّا تَباكَيْتُ، فَقالَ: «أبْكِي عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ». وَرُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««لَوْ نَزَلَ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ لَما نَجا غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ»» وكانَ هو أيْضًا مِمَّنْ أشارَ بِالإثْخانِ.

الأنفال 8:68

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أيْ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ أوْ قَوْمًا لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ، وأمّا أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم فَلا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ، فَإنَّ الحِلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةَ، كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ - كَما في الخَمْرِ مَثَلًا - لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

الأنفال 8:69

﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ. قالُوا: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ، فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، والأظْهَرُ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: دَعُوهُ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، وقِيلَ: "ما" عِبارَةٌ عَنِ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ، ويَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ التَّرْغِيبُ في أكْلِها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ صِفَةٌ لِـ(حَلالًا) مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ وُرُودِ الإذْنِ فِيهِ، ويَرْحَمُكم ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.

الأنفال 8:70

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: في مِلْكَتِكم كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الأسْرى﴾ (p-37)وَقُرِئَ (مِنَ الأُسارى) ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ خُلُوصَ إيمانٍ وصِحَّةَ نِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ، وقُرِئَ (أخَذَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ، كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ عَقِيلَ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلَ بْنِ الحَرْثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ ﷺ: ««فَأيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ ؟ وقُلْتَ لَها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكَ، ولِعَبْدِ اللَّهِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، والفَضْلِ؟ فَقالَ العَبّاسُ: ما يُدْرِيكَ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ»» قالَ العَبّاسُ بَعْدَ حِينٍ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيُضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي يَتَأوَّلُ بِهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ مُؤَكَّدٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

الأنفال 8:71

﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ أيْ: نَكْثَ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، وهَذا كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ لَهُ والوَعِيدِ لَهم ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ بِكَفْرِهِمْ ونَقْضِ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ مِن مِيثاقِهِ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أقْدَرَكَ عَلَيْهِمْ حَسْبَما رَأيْتَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فاعْلَمْ أنَّهُ سَيُمَكِّنُكَ مِنهم أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِيانَةِ: مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ وهو بَعِيدٌ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما في نِيّاتِهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ.

الأنفال 8:72

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ، هاجَرُوا أوْطانَهم حُبًّا لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ بِأنْ صَرَفُوها إلى الكُراعِ والسِّلاحِ، وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ ﴿وَأنْفُسِهِمْ﴾ بِمُباشَرَةِ القِتالِ، واقْتِحامِ المَعارِكِ، والخَوْضِ في المَهالِكِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاهَدُوا، قَيْدٌ لِنَوْعَيِ الجِهادِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ لِما أنَّ المُجاهَدَةَ بِالأمْوالِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأتَمُّ دَفْعًا لِلْحاجَةِ، حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ بِلا مُجاهَدَةٍ بِالمالِ. ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ، آوَوُا المُهاجِرِينَ، وأنْزَلُوهم مَنازِلَهُمْ، وبَذَلُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَتْ بِهِمْ خَصاصَةٌ، ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضِيلَةِ، وهو مُبْتَدَأُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ خَبَرُهُ، (p-38)وَإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(أوْلِياءُ بَعْضٍ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ. وَقَدْ كانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ دُونَ الأقارِبِ، حَتّى نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ ... الآيَةَ، وقِيلَ: في النُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ بَعْدَ نَفْيِ مُوالاتِهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ وإنْ كانُوا مِن أقْرَبِ أقارِبِكم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ؛ تَشْبِيهًا بِالعَمَلِ والصِّناعَةِ، كالكِتابَةِ والإمارَةِ. ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿إلا عَلى قَوْمٍ﴾ مِنهم ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ مُعاهَدَةٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرَهُ كَيْلا يَحِلَّ بِكم عِقابُهُ.

الأنفال 8:73

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم في المِيراثِ، أوْ في المُوازَرَةِ، وهَذا بِمَفْهُومِهِ مُفِيدٌ لِنَفْيِ المُوارَثَةِ والمُوازَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وإيجابِ المُباعَدَةِ والمُصارَمَةِ وإنْ كانُوا أقارِبَ. ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّواصُلِ بَيْنَكم وتَوَلِّي بَعْضِكم بَعْضًا حَتّى التَّوارُثِ، ومِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَحْصُلُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها، وهي ضَعْفُ الإيمانِ، وظُهُورُ الكُفْرِ ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدّارَيْنِ، وقُرِئَ (كَثِيرٌ).

الأنفال 8:74

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةِ لَهم بِفَوْزِهِمْ بِالقِدْحِ المُعَلّى مِنَ الإيمانِ مَعَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، فَلا تَكْرارَ لِما أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِإيجابِ التَّواصُلِ بَيْنَهم.

الأنفال 8:75

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ بَعْدَ هِجْرَتِكم ﴿وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ في بَعْضِ مُغازِيكم ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ) ألْحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسّابِقِينَ، وجَعَلَهم مِنهُمْ؛ تَفَضُّلًا مِنهُ وتَرْغِيبًا في الإيمانِ والهِجْرَةِ، وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ورَفْعِ مَحَلِّهِمْ ما لا يَخْفى. ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم في التَّوارُثِ مِنَ الأجانِبِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ، أوْ في اللَّوْحِ، أوْ في القرآن، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما في تَعْلِيقِ التَّوارُثِ بِالقَرابَةِ الدِّينِيَّةِ أوَّلًا وبِالقَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ آخِرًا مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ. عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ-: ««مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، فَأنا شَفِيعٌ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وشاهِدٌ أنَّهُ بَرِئَ مِنَ (p-39)النِّفاقِ، وأُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، وكانَ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ»» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.