Tafsir Abi Al-Suaood — إبراهيم 14:1 – الحجر 15:99
المحتويات
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
إبراهيم 14:1
(p-30)(سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَتَيِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وتِسْعَةٌ وعِشْرُونَ فَمَدَنِيَّتانِ، وآيَتُها اثْنانِ وخَمْسُونَ.)
﴿الر﴾ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، وفي مَحَلِّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرٌ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مُبْتَدَأً أوْ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِهَذا المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْناهُ، أيْ: لِتُخْرِجَهم كافَّةً بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ البَيِّناتِ الواضِحَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الكاشِفَةِ عَنِ العَقائِدِ الحَقَّةِ، وقُرِئَ: (لِيُخْرِجَ النّاسَ) ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: لِيُخْرِجَ بِهِ النّاسَ مِن عَقائِدِ الكُفْرِ، والضَّلالِ الَّتِي كُلُّها ظُلُماتٌ مَحْضَةٌ، وجَهالاتٌ صِرْفَةٌ.
﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو نُورٌ بَحْتٌ لَكِنْ لا كَيْفَما كانَ فَإنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ، بَلْ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، ولِلْإنْباءِ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ مَنُوطًا بِإقْبالِهِمْ إلى الحَقِّ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ، اسْتُعِيرَ لَهُ الإذْنُ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَسْهِيلِ الحِجابِ لِمَن يَقْصِدُ الوُرُودَ، وأُضِيفَ إلى ضَمِيرِهِمُ اسْمُ الرَّبِّ المُفْصِحِ عَنِ التَّرْبِيَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ، وشُمُولُ الإذْنِ بِهَذا المَعْنى لِلْكُلِّ واضِحٌ، وعَلَيْهِ يَدُورُ كَوْنُ الإنْزالِ لِإخْراجِهِمْ جَمِيعًا، وعَدَمُ تَحَقُّقِ الإذْنِ بِالفِعْلِ في بَعْضِهِمْ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ المُسْتَنِدِ إلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ غَيْرُ مُخِلٍّ بِذَلِكَ. والياءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُخْرِجَ، أوْ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: مُلْتَبَسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، وجَعْلُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ يَأْباهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ، وحَيْثُ كانَ الحَقُّ مَعَ وُضُوحِهِ في نَفْسِهِ، وإيضاحِهِ لِغَيْرِهِ مُوصِلًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتُعِيرَ لَهُ النُّورُ تارَةً، والصِّراطُ أُخْرى، فَقِيلَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ عَلى وجْهِ الإبْدالِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ وإخْلالُ البَدَلِ، والبَيانُ بِالِاسْتِعارَةِ، إنَّما هو في الحَقِيقَةِ، لا في المَجازِ. كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ. كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ؟ فَقِيلَ: إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ. وإضافَةُ الصِّراطِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ، أوِ المُبَيِّنُ لَهُ. وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلتَّرْغِيبِ في سُلُوكِهِ، بِبَيانِ ما فِيهِ مِنَ الأمْنِ، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
إبراهيم 14:2
﴿اللَّهِ﴾ بِالجَرِّ عَطْفُ بَيانٍ لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ لِجَرَيانِهِ مَجْرى الأعْلامِ الغالِبَةِ بِالِاخْتِصاصِ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ (p-31)كالنَّجْمِ في الثُّرَيّا. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى هو اللَّهُ، أيِ: العَزِيزُ الحَمِيدُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الصِّراطُ اللَّهُ ﴿الَّذِي لَهُ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا فِيهِما، أوْ خارِجًا عَنْهُما، مُتَمَكِّنًا فِيهِما كَما مَرَّ في آيَةِ الكُرْسِيِّ فَفِيهِ عَلى القِراءَتَيْنِ بَيانٌ لِكَمالِ فَخامَةِ شَأْنِ الصِّراطِ، وإظْهارٌ لِتَحَتُّمِ سُلُوكِهِ عَلى النّاسِ قاطِبَةً، وتَجْوِيزُ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ يَجْعَلُ المَوْصُولَ خَبَرًا مَبْناهُ الغُفُولُ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ، ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِالوَيْلِ. وهو نَقِيضُ الوالِ، وهو النَّجاةُ. وأصْلُهُ النَّصْبُ، كَسائِرِ المَصادِرِ، ثُمَّ رُفِعَ رَفْعَها لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَسَلامٌ عَلَيْكَ.
﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِوَيْلٍ عَلى مَعْنى: يُوَلْوِلُونَ، ويَضِجُّونَ مِنهُ. قائِلِينَ: يا ويْلاهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ .
إبراهيم 14:3
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها اسْتِفْعالٌ مِنَ المَحَبَّةِ، فَإنَّ المُؤَثِّرَ لِلشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها، وأفْضَلَ عِنْدَها مَن غَيْرِهِ.
﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ أيِ: الحَياةِ الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ.
﴿وَيَصُدُّونَ﴾ النّاسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّتِي بُيِّنَ شَأْنُها، والِاقْتِصارُ عَلى الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُنْطَوِي عَلى كُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ لُزُومَ الِاخْتِصارِ، وهو مِن صَدَّهُ صَدًّا. وقُرِئَ: (يُصِدُّونَ) مِن أصَدَّ المَنقُولِ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا نَكَبَ، وهو غَيْرُ فَصِيحٍ كَأوْقَفَ. فَإنَّ في صَدِّهِ، ووَقْفِهِ لَمَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ النَّقْلِ.
﴿وَيَبْغُونَها﴾ أيْ: يَبْغُونَ لَها فَحُذِفَ الجارُّ، وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، أيْ: يَطْلُبُونَ لَها ﴿عِوَجًا﴾ أيْ: زَيْغًا، واعْوِجاجًا. وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. أيْ: يَقُولُونَ لِمَن يُرِيدُونَ صَدَّهُ، وإضْلالَهُ إنَّها سَبِيلٌ ناكِبَةٌ، وزائِغَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ، ومَحَلُ مَوْصُولِ هَذِهِ الصِّلاتِ الجَرُّ، عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِرِينَ، أوْ صِفَةٌ لَهُ. فَيُعْتَبَرُ كُلُّ وصْفٍ مِن أوْصافِهِمْ بِإزارِ ما يُناسِبُهُ مِنَ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الصِّراطِ، فالكُفْرُ المُنْبِئُ عَنِ السَّتْرِ بِإزاءِ كَوْنِهِ نُورًا، واسْتِحْبابُ الحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ، بِمُقابَلَةِ كَوْنِ سُلُوكِهِ مَحْمُودَ العاقِبَةِ، والصَّدُّ عَنْهُ بِإزاءِ كَوْنِهِ مَأْمُونًا، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ في الغَيِّ ما لا يَخْفى، أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ وعَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، وقَعَتْ مُعَلِّلَةً لِما سَبَقَ مِن لُحُوقِ الوَيْلِ بِهِمْ تَأْكِيدًا لِما شَعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالقَبائِحِ المَذْكُورَةِ مِنِ اسْتِحْبابِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وصَدِّ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَقِيمَةِ، ووَصْفِها بِالِاعْوِجاجِ. وهي مِنهُ بِنَزْهٍ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعِيدٍ بالِغٍ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ، والبَعْدُ وإنْ كانَ مِن أحْوالِ الضّالِّ، إلّا أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِهِ وصْفُهُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ، كَجَدَّ جَدُّهُ. وداهِيَةٌ دَهْياءُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في ضَلالِ ذِي بُعْدٍ، أوْ فِيهِ بُعْدٌ، فَإنَّ الضّالَّ قَدْ يَضِلُّ عَنِ الطَّرِيقِ مَكانًا قَرِيبًا، وقَدْ يَضِلُّ بَعِيدًا. وفي جَعْلِ الضَّلالِ مُحِيطًا بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِما فِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.
إبراهيم 14:4
(p-32)﴿وَما أرْسَلْنا﴾ أيْ: في الأُمَمِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِكَ كَما سَيُذْكَرُ إجْمالًا.
﴿مِن رَسُولٍ إلا﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ مُتَكَلِّمًا بِلُغَةِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُتَّفِقَةِ عَلى لُغَةٍ سَواءٍ بُعِثَ فِيهِمْ أوَّلًا. وقُرِئَ: (بِلِسْنِ) وهو لُغَةٌ فِيهِ كَرِيشٍ، ورِياشٍ، وبِلُسُنِ. بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ، كَعُمُدٍ وعُمْدٍ.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أُمِرُوا بِهِ، فَيَلْتَقُوا مِنهُ بِيُسْرٍ، وسُرْعَةٍ. ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّرْجَمَةِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرُ بِهِ، وحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ مُراعاةُ هَذِهِ القاعِدَةِ في شَأْنِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. لِعُمُومِ بِعْثَتِهِ لِلثَّقَلَيْنِ كافَّةً عَلى اخْتِلافِ لُغاتِهِمْ، وكانَ تَعَدُّدُ نُظُمِ الكِتابِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ، حَسْبَ تَعَدُّدِ ألْسِنَةِ الأُمَمِ، أدْعى إلى التَّنازُعِ، واخْتِلافِ الكَلِمَةِ، وتَطَرُّقِ أيْدِي التَّحْرِيفِ، مَعَ أنَّ اسْتِقْلالَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ بِالإعْجازِ دُونَ غَيْرِهِ مَثِنَةٌ لِقَدْحِ القادِحِينَ، واتِّفاقُ الجَمِيعِ فِيهِ أمْرٌ قَرِيبٌ مِنَ الإلْجاءِ، وحَصْرِ البَيانِ بِالتَّرْجَمَةِ، والتَّفْسِيرِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ اتِّحادَ النَّظْمِ المُنْبِئِ عَنِ العِزَّةِ، وجَلالَةِ الشَّأْنِ المُسْتَتْبِعِ لَفَوائِدَ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ عَلى أنَّ الحاجَةَ إلى التَّرْجَمَةِ تَتَضاعَفُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ، إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن مَعْرِفَةٍ تُوافِقُ الكُلَّ، وتُحاذِيهِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ مِن غَيْرِ مُخالِفَةٍ، ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ، وإنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بِمَن يُتَرْجِمُ عَنِ الكُلِّ واحِدًا، أوْ مُتَعَدِّدًا، وفِيهِ مِنَ التَّعَذُّرِ ما يُتاخِمُ الِامْتِناعَ، ثُمَّ لَمّا كانَ أشْرَفُ الأقْوامِ، وأوْلاهم بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْمَهُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ، ولُغَتُهم أفْضَلَ اللُّغاتِ نَزَلَ الكِتابُ المَتِينُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وانْتَشَرَتْ أحْكامُهُ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ أجْمَعِينَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "قَوْمِهِ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَإنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكُتُبَ كُلَّها عَرَبِيَّةً ثُمَّ تَرْجَمَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كُلُّ مَن نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِلُغَةِ مَن نَزَلَ عَلَيْهِمْ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" فَإنَّهُ ضَمِيرُ القَوْمِ، وظاهِرٌ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ لَمْ يَنْزِلْ لِتَبْيِينِ العَرَبِ، وفي رَجْعِهِ إلى قَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ. كَأنَّهُ قِيلَ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيُبَيِّنَ الرَّسُولُ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ التَّكَلُّفِ.
﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِمُباشَرَةِ أسْبابِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، أوْ يَخْذُلُهُ، ولا يَلْطُفُ بِهِ لِما يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنْجَعُ فِيهِ الإلْطافُ.
﴿وَيَهْدِي﴾ بِالتَّوْفِيقِ، ومَنحِ الألْطافِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ لِما فِيهِ مِنَ الإنابَةِ، والإقْبالِ إلى الحَقِّ، والِالتِفاتُ بِإسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُنْطَوِي عَلى الصِّفاتِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، وتَرْشِيحِ مَناطِ كُلٍّ مِنهُما. والفاءُ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: " فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيَّنُوهُ لَهم فَأضَلَّ اللَّهُ مِنهم مَن شاءَ إضْلالَهُ لِما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وهَدى مَن شاءَ هِدايَتَهُ لِاسْتِحْقاقِهِ لَها، والحَذْفُ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَةَ كُلِّ رَسُولٍ إلى ما أُمِرَ بِهِ، وجَرَيانَ كُلٍّ مِن أهْلِ الخِذْلانِ والهِدايَةِ عَلى سُنَّتِهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الذِّكْرِ، والبَيانِ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. حَسْبَ تَجَدُّدِ البَيانِ مِنَ الرُّسُلِ المُتَعاقِبَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَقْدِيمُ الإضْلالِ عَلى الهِدايَةِ، إمّا لِأنَّهُ إبْقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ، والهِدايَةُ إنْشاءُ ما لَمْ يَكُنْ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلتَّبْيِينِ، والتَّذْكِيرِ مِن قَبْلِ الرُّسُلِ، وأنَّ مَدارَ الأمْرِ إنَّما هو مَشِيئَتُهُ تَعالى بِإيهامِ أنْ تَرَتُّبَ الضَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ أسْرَعُ مِن (p-33)تَرَتُّبِ الِاهْتِداءِ، وهَذا مُحَقِّقٌ لِما سَلَفَ مِن تَقْيِيدِ الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ فُلا يُغالَبُ في مَشِيئَتِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الإضْلالِ، والهِدايَةِ إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ. وفِيهِ أنَّ ما فُوِّضَ إلى الرُّسُلِ إنَّما هو تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ، وتَبْيِينُ طَرِيقِ الحَقِّ، وأمّا الهِدايَةُ، والإرْشادُ إلَيْهِ فَذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
إبراهيم 14:5
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ.
﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِها. وهي مُعْجِزاتُهُ الَّتِي أظْهَرَها لِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بِمَعْنى: أيْ أخْرِجْ لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِأنْ أخْرِجْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ فَإنَّ صِيَغَ الأفْعالِ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ سَواءٌ، وهو المَدارُ في صِحَّةِ الوَصْلِ. والمُرادُ بِذَلِكَ: إخْراجُ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ مِنَ الكُفْرِ، والجَهالاتِ الَّتِي أدَّتْهم إلى أنْ يَقُولُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا، كَما لَهم آلِهَةً.
﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الإيمان باللَّهِ، وتَوْحِيدِهِ، وسائِرِ ما أُمِرُوا بِهِ.
﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنَعْمائِهِ، وبَلائِهِ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: " ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ " لَكِنْ لا بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَقَطْ، بَلْ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ في الأيّامِ الخالِيَةِ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآياتِ، أوْ بِأيّامِهِ المُنْطَوِيَةِ عَلى ذَلِكَ. كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ بِإضافَةِ الأيّامِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِها، والإشْعارِ بِعَدَمِ اخْتِصاصِ ما فِيها مِنَ المُعامَلَةِ بِالمُخاطَبِ وقَوْمِهِ كَما تُوهِمُهُ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: عِظْهم بِالتَّرْغِيبِ، والتَّرْهِيبِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ. وقِيلَ: أيّامُ اللَّهِ: وقائِعُهُ الَّتِي وقَعَتْ عَلى الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وأيّامُ العَرَبِ: وقائِعُها، وحُرُوبُها، ومَلاحِمُها. أيْ: أنْذِرْهم وقائِعَهُ الَّتِي دَهَمَتِ الأُمَمَ الدّارِجَةَ، ويَرُدُّهُ ما تَصَدّى لَهُ ﷺ بِصَدَدِ الِامْتِثالِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِكُلٍّ مِنَ السَّرّاءِ، والضَّرّاءِ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ حَسْبَما يُتْلى عَلَيْكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في التَّذْكِيرِ بِها، أوْ في مَجْمُوعِ تِلْكَ النَّعْماءِ، والبَلاءِ، أوْ في أيّامِها.
﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً، أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وقدرته، وعِلْمِهِ، وحِكْمَتِهِ. فَهي عَلى الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنِ الأيّامِ سَواءٌ أُرِيدَ بِها أنْفُسُها، أوْ ما فِيها مِنَ النَّعْماءِ، والبَلاءِ. ومَعْنى ظَرْفِيَّةِ التَّذْكِيرِ لَها كَوْنُهُ مَناطًا لِظُهُورِها. وعَلى الثّالِثِ: عَنْ تِلْكَ النَّعْماءِ، والبَلاءِ. ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ ظاهِرٌ. وأمّا عَلى الثّانِي: وهو كَوْنُهُ إشارَةً إلى مَجْمُوعِ النَّعْماءِ، فَعَنْ كُلِّ واحِدَةٍ: مِن تِلْكَ النَّعْماءِ، والبَلاءِ، والمُشارُ إلَيْهِ المَجْمُوعُ المُشْتَمِلُ عَلَيْها مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، أوْ كَلِمَةُ في تَجْرِيدِيَّةٌ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ عُنْوانُ المُؤْمِنِ، أيْ: لِكُلِّ مَن يَلِيقُ بِكَمالِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، أوِ الإيمانِ، ويَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْها، لا لِمَنِ اتَّصَفَ بِها بِالفِعْلِ لِأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ المَذْكُورِ السّابِقِ، عَلى التَّذْكِيرِ المُؤَدِّي إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ، فَإنَّ مَن تَذَكَّرَ ما فاضَ، أوْ نَزَلَ عَلَيْهِ، أوْ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ النَّعْماءِ، والبَلاءِ، وتَنَبَّهَ لِعاقِبَةِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، أوِ الإيمانِ لا يَكادُ يُفارِقُها، وتَخْصِيصُ الآياتِ بِهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها لا لِأنَّها خافِيَةٌ (p-34)عَنْ غَيْرِهِمْ، فَإنَّ التَّبْيِينَ حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وتَقْدِيمُ الصَّبّارِ عَلى الشَّكُورِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِ الصَّبْرِ -أعْنِي البَلاءَ- عَلى مُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ -أعْنِي النَّعْماءَ- وكَوْنُ الشُّكْرِ عاقِبَةَ الصَّبْرِ.
إبراهيم 14:6
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَصَدِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ لِلْإخْراجِ المَذْكُورِ، وإذْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيِ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بَدَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّرْغِيبِ لِأنَّهُ عِنْدَ النَّفْسِ أقْبَلُ، وهي إلَيْهِ أمْيَلُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها. إنْ جُعِلَتِ اسْمًا، أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكُمْ، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ كَلِمَةُ إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِهِ إيّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِهِ إيّاكم مِنهُمْ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ مُرادًا بِها الإنْعامُ، أوِ العَطِيَّةُ.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يَبْغُونَكم مِن سامَهُ خَسْفًا إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، وأصْلُ السَّوْمِ الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ.
﴿سُوءَ العَذابِ﴾ السُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ. والمُرادُ بِهِ: جِنْسُ العَذابِ السَّيِّئِ، أوِ اسْتِبْعادُهُمْ، واسْتِعْمالُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصَرُ. ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ "لِيَسُومُونَكُمْ".
﴿وَيُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ المَوْلُودِينَ. وإنَّما عَطْفُهُ عَلى يَسُومُونَكم إخْراجًا لَهُ عَنْ مَرْتَبَةِ العَذابِ المُعْتادِ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ، أوْ قالَ لَهُ الكَهَنَةُ: أنَّهُ سَيُولَدُ مِنهم مَن يَذْهَبُ بِمُلْكِهِ، فاجْتَهَدُوا في ذَلِكَ، فَلَنْ يُغْنِ عَنْهم مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يُبْقُونَهُنَّ في الحَياةِ مَعَ الذُّلِّ، والصَّغارِ. ولِذَلِكَ عُدَّ مِن جُمْلَةِ البَلاءِ. والجُمَلُ أحْوالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أوْ مِنهُما جَمِيعًا. لِأنَّ فِيها ضَمِيرَ كُلٍّ مِنهُما.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن أفْعالِهِمُ الفَظِيعَةِ ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ مِنهُ لا أنَّ البَلاءَ عَيْنُ تِلْكَ الأفْعالِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ في تَجْرِيدِيَّةً فَنِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، إمّا مِن حَيْثُ الخَلْقُ، أوِ الإقْدارُ والتَّمْكِينُ.
﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُطاقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الإنْجاءَ مِن ذَلِكَ، والبَلاءُ الِابْتِلاءَ بِالنِّعْمَةِ، وهو الأنْسَبُ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَآلِ الَّذِي هو الإنْجاءُ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ بَلاءَ المُؤْمِنِ تَرْبِيَةٌ لَهُ.
إبراهيم 14:7
﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْمِهِ. مَعْطُوفٌ عَلى "نِعْمَةَ اللَّهِ"، أيِ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ، أيْ: آذَنَ إيذانًا بَلِيغًا لا تَبْقى مَعَهُ شائِبَةٌ لِما في صِيغَةِ التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ المَحْمُولِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ عَلى غايَتِهِ، الَّتِي هي الكَمالُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ أنْجاكُمْ" أيِ: اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ فَإنَّ هَذا التَّأذُّنَ أيْضًا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ يَنالُونَ بِها خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وإذْ قالَ رَبُّكم، ولَقَدْ ذَكَّرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا بِنَعْمائِهِ تَعالى (p-35)عَلَيْهِمْ صَرِيحًا، وضَمَّنَهُ تَذْكِيرَ ما أصابَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الضَّرّاءِ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِذِكْرِ ما جَرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ عَلى تَقْدِيرِ الشُّكْرِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ، عَلى تَقْدِيرِ الكُفْرِ. والمُرادُ بِتَذْكِيرِ الأوْقاتِ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ مُفَصَّلَةً، إذْ هي مُحِيطَةٌ بِذَلِكَ، فَإذا ذُكِرَتْ ذُكِرَ ما فِيها كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مُعايَنٌ.
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما خَوَّلْتُكم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ، وإهْلاكِ العَدُوِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ والآلاءِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، وقابَلْتُمُوهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ذَلِكَ وغَمَصْتُمُوهُ ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَعَسى يُصِيبُكم مِنهُ ما يُصِيبُكم. ومِن عادَةِ الكِرامِ التَّصْرِيحُ بِالوَعْدِ، والتَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ. فَما ظَنُّكَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ، أيْ: لَأُعَذِّبَنَّكم. واللّامُ في المَوْضِعَيْنِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وكُلٌّ مِنَ الجَوابَيْنِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ الشَّرْطِ، والقَسَمِ. والجُمْلَةُ إمّا مَفْعُولٌ لِتَأذَّنَ؛ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ. أوْ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: "وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ" فَقالَ:... إلَخْ.
إبراهيم 14:8
﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا﴾ نِعَمَهُ تَعالى ولَمْ تَشْكُرُوها ﴿أنْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وَمَن في الأرْضِ﴾ مِنَ الخَلائِقِ ﴿جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم وشُكْرِ غَيْرِكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَوْجِبٌ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ، لِكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِن أيادِيهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ يَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالِمِ ناطِقَةٌ بِحَمْدِهِ. والحَمْدُ حَيْثُ كانَ بِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ، وغَيْرِها مِنَ الفَضائِلِ، كانَ أدَلَّ عَلى كَمالِهِ سُبْحانَهُ، وهو تَعْلِيلٌ لِما حُذِفَ مِن جَوابِ إنْ. أيْ: إنْ تَكْفُرُوا لَمْ يَرْجِعْ وبالُهُ إلّا عَلَيْكم، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَغَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَهُ عِنْدَ ما عايَنَ مِنهم دَلائِلَ العِنادِ، ومَخايِلَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والفَسادِ. وتَيَقَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ التَّرْغِيبُ، ولا التَّعْرِيضُ بِالتَّرْهِيبِ. أوْ قالَهُ غِبَّ تَذْكِيرِهِمْ مِن قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الكُفْرانِ، ثُمَّ شَرَعَ في التَّرْهِيبِ بِتَذْكِيرِ ما جَرى عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ:
إبراهيم 14:9
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لِيَتَدَبَّرُوا ما أصابَ كُلَّ واحِدٍ مِن حِزْبَيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَيُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، ويُنِيبُوا إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلْكَفَرَةِ، في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. فَيَخْتَصُّ تَذْكِيرُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما اخْتَصَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والأيّامِ بِالأيّامِ الجارِيَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ. وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ البُعْدِ، وأيْضًا لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وجْهُ تَخْصِيصِ تَذْكِيرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِما أصابَ أُولَئِكَ المَعْدُودِينَ، مَعَ أنَّ غَيْرَهم أُسْوَةٌ لَهم في الخُلُوِّ قَبْلَ هَؤُلاءِ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ ﴿وَعادٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ﴿وَثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ عَطْفٌ عامٌّ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وما عَطَفَ (p-36)عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ، أوِ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، ولا يَعْلَمُهم إلى آخِرِهِ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، والمَعْنى: أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي: أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى عِلْمَها عَنِ العِبادِ.
﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، والبَيِّناتِ الباهِرَةِ. فَبَيَّنَ كُلُّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الحَقِّ، وهَداهم إلَيْهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إلى ألْسِنَتِهِمْ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ المَقالَةِ اعْتِناءً مِنهم بِشَأْنِها، وتَنْبِيهًا لِلرُّسُلِ عَلى تَلَقِّيها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها، وإقْناطًا لَهم عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِإعْلامِ أنْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ.
﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكُمْ، وهي البَيِّناتُ الَّتِي أظْهَرُوها حُجَّةً عَلى صِحَّةِ رِسالاتِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ ومُرادُهم "بِالكُفْرِ بِها" الكُفْرُ بِدَلالَتِها عَلى صِحَّةِ رِسالاتِهِمْ، أوْ فَعَضُّوها غَيْظًا، وضَجَرًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ، أوْ وضَعُوها عَلَيْها تَعَجُبًا مِنهُ، واسْتِهْزاءً بِهِ، كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ، أوْ إسْكانًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأمْرًا لَهم بِإطْباقِ الأفْواهِ، أوْ رَدُّوها في أفْواهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. يَمْنَعُونَهم مِنَ التَّكَلُّمِ تَحْقِيقًا، أوْ تَمْثِيلًا، أوْ جَعَلُوا أيْدِيَ الأنْبِياءِ في أفْواهِهِمْ تَعَجُّبًا مِن عُتُوِّهِمْ، وعِنادِهِمْ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعَجُّبُهم بِقَوْلِهِمْ: أفِي اللَّهِ شَكٌّ ... إلَخْ. وقِيلَ: الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي. عَبَّرَ بِها عَنْ مَواعِظِهِمْ، ونَصائِحِهِمْ، وشَرائِعِهِمُ الَّتِي مَدارُ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْياوِيَّةِ، لِأنَّهم لَمّا كَذَّبُوها فَلَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ.
﴿وَإنّا لَفي شَكٍّ﴾ عَظِيمٍ.
﴿مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمان باللَّهِ، والتَّوْحِيدِ، فَلا يُنافِي شَكُّهم في ذَلِكَ كُفْرَهُمُ القَطْعِيَّ بِما أُرْسِلَ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَيِّناتِ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِها قَطْعًا، حَيْثُ لَمْ يَعْتَدُّوا بِها، ولَمْ يَجْعَلُوها مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، ولِذَلِكَ قالُوا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. وقُرِئَ: (تَدَّعُونَ) بِالإدْغامِ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ مِن أرابَهُ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَ الرَّجُلُ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ، وعَدَمُ اطْمِئْنانِها بِالشَّيْءِ.
إبراهيم 14:10
﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم قالُوا: مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ، ومُتَعَجِّبِينَ مِن مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ.
﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بِإدْخالِ الهَمْزَةِ عَلى الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ لَيْسَ نَفْسَ الشَّكِّ، بَلْ وُقُوعُهُ فِيما لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الشَّكُّ أصْلًا مُنْقادِينَ عَنْ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى كَلامِ الكَفَرَةِ، بِأنْ يَقُولُوا أأنْتُمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟ مُبالَغَةً في تَنْزِيهِ ساحَةِ السُّبْحانِ عَنْ شائِبَةِ الشَّكِّ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ، أيْ: أفِي شَأْنِهِ سُبْحانَهُ مِن وُجُودِهِ، ووَحْدَتِهِ، ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ وحْدَهُ شَكٌّ ما، وهو أظْهَرُ مَن كُلِّ ظاهِرٍ، وأجْلى مِن كُلِّ جَلِيٍّ، حَتّى تَكُونُوا مِن قِبَلِهِ في شَكٍّ مُرِيبٍ، وحَيْثُ كانَ مَقْصِدُهُمُ الأقْصى الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ، والتَّوْحِيدِ. (p-37)وَكانَ إظْهارُ البَيِّناتِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ، لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِ الكَفَرَةِ: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ، واقْتَصَرُوا عَلى بَيانِ ما هو الغايَةُ القُصْوى، ثُمَّ عَقَّبُوا ذَلِكَ الإنْكارَ بِما يُوجِبُهُ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى انْتِفاءِ المُنْكَرِ. فَقالُوا: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْدِعُهُما، وما فِيهِما مِنَ المَصْنُوعاتِ عَلى نِظامٍ أنِيقٍ، شاهِدٍ بِتَحَقُّقِ ما أنْتُمْ مِنهُ في شَكٍّ. وهو صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وشَكٌّ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ الظَّرْفَ خَبَرُهُ، يُفْضِي إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِالأجْنَبِيِّ، أعْنِي المُبْتَدَأ، والفاعِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن رافِعِهِ، وقَدْ جُوِّزَ ذَلِكَ أيْضًا.
﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ بِإرْسالِهِ إيّانا لا أنّا نَدْعُوكم إلَيْهِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا، كَما يُوهِمُهُ قَوْلُكُمْ: مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِهِ، أوْ يَدْعُوَكم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ. كَقَوْلِكَ: دَعَوْتُهُ لِيَأْكُلَ مَعِي.
﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضِها. وهو ما عَدا المَظالِمِ مِمّا بَيْنَهم وبَيْنَهُ تَعالى. فَإنَّ الإسْلامَ يَحُبُّهُ قِيلَ: هَكَذا وقَعَ في جَمِيعِ القرآن في وعْدِ الكَفَرَةِ دُونَ وعْدِ المُؤْمِنِينَ، تَفْرِقَةً بَيْنَ الوَعْدِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ لِما أنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكَفَرَةِ مُرَتَّبَةً عَلى مَحْضِ الإيمانِ، وفي شَأْنِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةً بِالطّاعَةِ، والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ مِنَ المَظالِمِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَغْفِرَ لَكم بَدَلًا مِن ذُنُوبِكم.
﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَهُ مُنْتَهى أعْمارِكم عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن غَيْرِ فَضْلٍ يُؤَهِّلُكم لِما تَدَّعُونَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿تُرِيدُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِبَشَرٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾، أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ، أيْ: تُرِيدُونَ بِما تَتَصَدَّوْنَ لَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ.
﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ ما اسْتَمَرَّ آباؤُنا عَلى عِبادَتِهِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ يُوجِبُهُ، وإلّا ﴿فَأْتُونا﴾ أيْ: وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما قُلْنا، بَلْ كُنْتُمْ رُسُلًا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما تَدَّعُونَهُ فَأْتُونا ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِكُمْ، واسْتِحْقاقِكم لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ، أوْ عَلى صِحَّةِ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، حَتّى نَتْرُكَ ما لَمْ نَزَلْ نَعْبُدُهُ أبًا عَنْ جَدٍّ، ولَقَدْ كانُوا آتَوْهم مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ، والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ما تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ، ولَكِنَّهم إنَّما يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِنَ العَظائِمِ مُكابَرَةً، وعِنادًا، وإراءَةً لِمَن وراءَهم أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ السُّلْطانُ المُبِينُ.
إبراهيم 14:11
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُجاراةً مَعَهم في أوَّلِ مَقالَتِهِمْ، وإنَّما قِيلَ لَهم لِاخْتِصاصِ الكَلامِ بِهِمْ حَيْثُ أُرِيدَ إلْزامُهم بِخِلافِ ما سَلَفَ مِن إنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ عامٌّ، وإنِ اخْتُصَّ بِهِمْ ما يَعْقُبُهُ.
﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كَما تَقُولُونَ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنُونَ أنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بِمَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ داعِيَةٍ تُوجِبُهُ قالُوهُ تَواضُعًا، وهَضْمًا لِلنَّفْسِ، أوْ ما نَحْنُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ نَحْنُ بَشَرٌ مِثْلُكم في الصُّورَةِ، أوْ في الدُّخُولِ تَحْتَ الجِنْسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ بِالفَضائِلِ، والكَمالاتِ، والِاسْتِعْداداتِ عَلى مَن يَشاءُ المَنَّ، وما يَشاءُ ذَلِكَ إلّا لِعِلْمِهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لَها، وتِلْكَ الفَضائِلُ، والكِمالاتُ، والِاسْتِعْداداتُ، هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الِاصْطِفاءِ لِلنُّبُوَّةِ.
﴿وَما كانَ﴾ وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ ﴿لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ (p-38)أيْ: بِحُجَّةٍ مِنَ الحِجَجِ، فَضْلًا عَنِ السُّلْطانِ المُبِينِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، إنْ شاءَ كانَ وإلّا فَلا ﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، ومَقْصُودُهم حَمْلُ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ، ألا يَرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:
إبراهيم 14:12
﴿وَما لَنا﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا ﴿ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، والإظْهارُ لِإظْهارِ النَّشاطِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى، وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ.
﴿وَقَدْ هَدانا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُهُ، ويَسْتَدْعِيهِ حَيْثُ هَدانا.
﴿سُبُلَنا﴾ أيْ: أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ، ومِنهاجَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهَ في الدِّينِ، وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ الكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ القَلَقَ، والِاضْطِرابَ القادِحَ في التَّوَكُّلِ. قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّوَكُّدِ القَسَمِيِّ مُظْهِرِينَ لِكَمالِ العَزِيمَةِ ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ بِالعِنادِ، واقْتِراحِ الآياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوَكُّلِ، والمُرادُ هو المُرادُ مِمّا سَبَقَ، مِن إيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِالمُتَوَكِّلِينَ المُؤْمِنُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِسَبْقِ ذِكْرِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ مَن تَوَكَّلَ دُونَ غَيْرِهِ.
إبراهيم 14:13
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ العاتِينَ الغالِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وأضْرابِهِمْ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ. وقالُوا: ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لَمْ يَقْنَعُوا بِعِصْيانِهِمُ الرُّسُلَ، ومُعانَدَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ما رَأوُا البَيِّناتِ الفائِتَةَ لِلْحَصْرِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى مِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَكادُ يُحِيطُ بِها دائِرَةُ الإمْكانِ، فَحَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ المُحالَيْنِ، والعَوْدُ إمّا بِمَعْنى مُطْلَقِ الصَّيْرُورَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ تَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى الرُّسُلِ، وقَدْ مَرَّ في الأعْرافِ، وسَيَأْتِي في الكَهْفِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى الرُّسُلِ ﴿رَبُّهُمْ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ عِنْدَ تَناهِي كُفْرِ الكَفَرَةِ، وبُلُوغِهِمْ مِنَ العُتُوِّ إلى غايَةٍ لا مَطْمَعَ بَعْدَها في إيمانِهِمْ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ الإيحاءِ مُجْراهُ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ.
إبراهيم 14:14
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَهم ودِيارَهم عُقُوبَةً لَهم بِقَوْلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ وقُرِئَ: (لَيُهْلِكَنَّ) و (لَيُسْكِنَنَّكُمْ) بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى. كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ غَدًا﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ، وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ، وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم. أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ مُحَقَّقٌ ثابِتٌ.
﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ (p-39)مَوْقِفِي. وهو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ، وحِفْظِي لِأعْمالِهِ، وقِيلَ: لَفْظُ المَقامِ مُقْحَمٌ.
﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ وعِيدِي بِالعَذابِ، أوْ عَذابِيَ المَوْعُودَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ: " والعاقِبة لِلْمُتَّقِينَ " .
إبراهيم 14:15
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيِ: اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ أوِ اسْتَحْكَمُوا، وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم مِنَ الفَتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ فالضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، وقِيلَ: لِلْكَفَرَةِ. وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ، ويُهْلَكَ المُبْطِلُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى أوْحى إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ. أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ وقالَ لَهُمُ: اسْتَفْتِحُوا، ﴿وَخابَ﴾ أيْ: خَسِرَ وهَلَكَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مُتَّصِفٍ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُتَّقُونَ، أيْ: فَنُصِرُوا عِنْدَ اسْتِفْتاحِهِمْ، وظَفَرُوا بِما سَألُوا وأفْلَحُوا، وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُهُمُ المُعانِدُونَ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الحِرْمانِ دُونَ الحِرْمانِ عَنِ المَطْلُوبِ، أوْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، أوِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ عَلى الرُّسُلِ، وخابُوا، ولَمْ يُفْلِحُوا، وإنَّما قِيلَ: وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ذَمًّا لَهُمْ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ، والعِنادِ لا أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمُ الخَيْبَةُ، أوِ اسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ الرُّسُلُ، وأُنْجِزَ لَهُمُ الوَعْدُ، وخابَ كُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى: الحِرْمانِ غِبَّ الطَّلَبِ، وفي إسْنادِ الخَيْبَةِ إلى كُلٍّ مِنهم ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.
إبراهيم 14:16
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَيْنَ يَدَيْهِ. فَإنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا، مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ: مِن وراءِ حَياتِهِ، وحَقِيقَتِهِ ما تَوارى عَنْكَ.
﴿وَيُسْقى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ؟ فَقِيلَ: يُلْقى فِيها، ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ﴾ مَخْصُوصٍ، لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ.
﴿صَدِيدٍ﴾ وهو قَيْحٌ، أوْ دَمٌ مُخْتَلِطٌ بِمِدَّةٍ يَسِيلُ مِنَ الجُرْحِ. قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ، وهو عَطْفُ بَيانٍ لِما أُبْهِمَ أوَّلًا، ثُمَّ بُيِّنَ بِالصَّدِيدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ.
إبراهيم 14:17
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قِيلَ: هو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِ فَقِيلَ: يَتَجَرَّعُهُ، أيْ: يُتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِغَلَبَةِ العَطَشِ، واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ.
﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ: لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنِ الإساغَةِ، بَلْ يُغَصُّ بِهِ فَيَشْرَبُهُ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي جُرْعَةً غِبَّ جُرْعَةٍ، فَيَطُولُ عَذابُهُ تارَةً بِالحَرارَةِ والعَطَشِ، وأُخْرى بِشُرْبِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ. فَإنَّ السِّواغَ انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ، وقَبُولِ نَفْسٍ، ونَفْيُهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما ذُكِرَ جَمِيعًا. وقِيلَ: لا يَكادُ يُدْخِلُهُ في جَوْفِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالإساغَةِ لِما أنَّها المَعْهُودَةُ في الأشْرِبَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يَتَجَرَّعُهُ، أوْ مِن (p-40)مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ ويُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، أوْ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أصُولِ شَعَرِهِ، وإبْهامِ رِجْلِهِ ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ مِن مَجِيءِ أسْبابِهِ، لا سِيَّما مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَتَألَّمَ بِما غَشِيَهُ مِن أصْنافِ المُوبِقاتِ، ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ، وأشَقَّ مِمّا كانَ قَبْلَهُ. فَفِيهِ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسْبِ الِاعْتِيادِ كَما في عَذابِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ: هو حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِفْتاحِ، والخَيْبَةِ: اسْتِسْقاءُ أهْلِ مَكَّةَ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَيْبَتِهِمْ في ذَلِكَ، وقَدْ وعَدَ لَهم بَدَلَ ذَلِكَ صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.
إبراهيم 14:18
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: صِفَتُهُمْ، وحالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي كالمَثَلِ في الغَرابَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَهْتُوكٌ، ومالُهُ مَنهُوبٌ. وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ: ما بالُ أعْمالِهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في وُجُوهِ البِرِّ مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإعْتاقِ الرِّقابِ، وفِداءِ الأُسارى، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، وقِرى الأضْيافِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ، حَتّى آلَ أمْرُهم إلى هَذا المَآلِ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ كَرَمادٍ، ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ . العَصْفُ: اشْتِدادُ الرِّيحِ، وُصِفَ بِهِ زَمانُها مُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها شُبِّهَتْ صَنائِعُهُمُ المَعْدُودَةُ لِابْتِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والإيمانِ بِهِ، والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ تَعالى بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفَةُ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أعْمالِهِمُ لِلْأصْنامِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ مَثَلُهم. وقَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ" جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَيْتَ وكَيْتَ، سَواءٌ أُرِيدَ بِها صَنائِعَهُمْ، أوْ أعْمالَهم لِأصْنامِهِمْ. وقِيلَ: أعْمالُهم بَدَلٌ مِن مَثَلُ الَّذِينَ. وقَوْلُهُ: "كَرَمادٍ" خَبَرُهُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن تِلْكَ الأعْمالِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ما، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابِ، أوْ تَخْفِيفِ عَذابٍ كَدَأْبِ الرَّمادِ المَذْكُورِ. وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ، والِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ هائِلَةً، لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ، وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ دَلالَةً واضِحَةً مِن ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أوْ عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ.
إبراهيم 14:19
﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ: لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الكَفَرَةِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُذْهِبْكُمْ" والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ، والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ) ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكم بِالمَرَّةِ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: يَخْلُقُ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنِفًا لا عَلاقَةَ (p-41)بَيْنَكم وبَيْنَهم رَتَّبَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ عَلى قدرته تعالى عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ، إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، كانَ عَلى تَبْدِيلِ خَلْقٍ آخَرَ بِهِمْ أقْدَرَ. ولِذَلِكَ قالَ:
إبراهيم 14:20
﴿وَما ذَلِكَ﴾ أيْ: إذْهابُكُمْ، والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مَكانَكم.
﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ، أوْ مُتَعَسِّرٍ. فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن هَذا شَأْنُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ويُخْشى عِقابُهُ.
إبراهيم 14:21
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ، ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ: بُرُوزُهم مِن قُبُورِهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ: ضَعْفُ الرَّأْيِ. وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ، وعَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهُمْ، واسْتَغْوُوهم ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغَيْبٍ في جَمْعٍ غائِبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ عَلى إضْمارٍ، أيْ: ذَوِي تَبَعٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ دافِعُونَ ﴿عَنّا﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ، والمُرادُ التَّوْبِيخُ، والعِتابُ، والتَّقْرِيعُ، والتَّبْكِيتُ.
﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى: لِلْبَيانِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ. والثّانِيَةُ: لِلتَّبْعِيضِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، أيْ: بَعْضُ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ كَوْنُهُما لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضُ شَيْءٍ، هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ. والإعْرابُ كَما سَبَقَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى: مَفْعُولًا. والثّانِيَةُ: مَصْدَرًا، أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ؟ ويَعْضُدُ الأوَّلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ نَصِيبًا مِنَ النّارِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المُسْتَكْبِرُونَ جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ، واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ، ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْإيماءِ ووَفَّقَنا لَهُ ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم. أيِ: اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكُمْ، وأغْنَيْنا عَنْكُمْ، كَما عَرَضْنا لَهُ، ولَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا﴾ مِمّا لَقِينا ﴿أمْ صَبَرْنا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ في عَدَمِ الإنْجاءِ، والهَمْزَةُ وأمْ لِتَأْكِيدِ التَّسْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإنَّما أسْنَدُوهُما، ونَسَبُوا اسْتِواءَهُما إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنْتَظِمِ لِلْمُخاطَبِينَ أيْضًا، مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ (p-42)التَّوْبِيخِ، بِإعْلامِ أنَّهم شُرَكاءُ لَهم فِيما ابْتُلُوا بِهِ، وتَسْلِيَةً لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سَواءٌ عَلَيْنا..." إلَخْ. مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعْ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، فَلا يَنْفَعُهم. فَيَقُولُونَ: تَعالَوْا نَصْبِرْ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَعُهم. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ عِتابُ الأتْباعِ مِن بابِ الجَزَعِ ذَيَّلُوا جَوابَهم بِبَيانِ أنْ لا جَدْوى في ذَلِكَ. فَقالُوا: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مِن مَنجًى، ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِن حاصَ الحِمارُ إذا عَدَلَ بِالفِرارِ. وهو إمّا اسْمُ مَكانٍ: كالمَبِيتِ، والمَصِيفِ. أوْ مَصْدَرٌ كالمَغِيبِ، والمَشِيبِ. وهي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ، لِإجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ. فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
إبراهيم 14:22
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي أضَلَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ، واسْتَتْبَعَهُما عِنْدَ ما عَتَباهُ، بِما قالَهُ الأتْباعُ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ، ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُحْكِمَ، وفُرِغَ مِنهُ، وهو الحِسابُ، ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، خَطِيبًا في مَحْفِلِ الأشْقِياءِ مِنَ الثِّقَلَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ فَأنْجَزَهُ، أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ، وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ، والجَزاءِ.
﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ أيْ: وعْدَ الباطِلِ، وهو أنْ لا بَعْثَ، ولا جَزاءَ. ولَئِنْ كانَ فالأصْنامُ شُفَعاؤُكُمْ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِبُطْلانِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ أيْ: مَوْعِدِي عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: نَقَضْتُهُ جَعَلَ وعْدَهُ كالإخْلافِ مِنهُ، كَأنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى إنْجازِهِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسَلُّطٍ أوْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْهِ، وتَسْوِيلُهُ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ السُّلْطانِ لَكِنَّهُ أبْرَزَهُ في مَبْرُوزِهِ عَلى طَرِيقَةِ [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] مُبالَغَةً في نَفْيِ السُّلْطانِ عَنْ نَفْسِهِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما يَكُونُ لِي عَلَيْكم سُلْطانٌ إذا كانَ مُجَرَّدُ الدُّعاءِ مِن بابِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا.
﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَأسْرَعْتُمْ إجابَتِي ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بِوَعْدِي إيّاكم حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ القَصْرِ، والإلْجاءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى وجْهِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ اسْتَجَبْتُمْ لِي بِاخْتِيارِكم حِينَ دَعَوْتُكم بِلا حُجَّةٍ، ولا دَلِيلَ بِمُجَرَّدِ تَزْيِينٍ، وتَسْوِيلٍ. ولَمْ تَسْتَجِيبُوا رَبَّكم إذْ دَعاكم دَعْوَةَ الحَقِّ المَقْرُونَةَ بِالبَيِّناتِ، والحُجَجِ، ولَيْسَ مُرادُهُ التَّنَصُّلَ عَنْ تَوَجُّهِ اللّائِمَةِ إلَيْهِ بِالمَرَّةِ، بَلْ بَيانُ أنَّهم أحَقُّ بِها مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ في أفْعالِهِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لِقدرته الكاسِبَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ مُدْخَلٌ فِيهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ أفْعالَهُ حَسْبَما يَخْتارُهُ، وعَلَيْهِ تَتَرَتَّبُ السَّعادَةُ، والشَّقاوَةُ. وما قِيلَ: مِن أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُقالَ: فَلا تَلُومُونِي، ولا أنْفُسَكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ، وأجْبَرَكم عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، وبَيْنَ مَسْلَكِ الجَبْرِيَّةِ.
﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ: بِمُغِيثِكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، ﴿وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ مِمّا أنا فِيهِ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ إصْراخِهِ إيّاهُمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ (p-43)أيْضًا مُبْتَلًى بِمِثْلِ ما ابْتُلُوا بِهِ، ومُحْتاجٌ إلى الإصْراخِ. فَكَيْفَ مِن إصْراخِ الغَيْرِ؟ ولِذَلِكَ آثَرَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ فَكَأنَّ ما مَضى كانَ جَوابًا مِنهُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ، وتَقْرِيعِهِمْ، وهَذا جَوابٌ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ، واسْتِعانَتِهِمْ بِهِ في اسْتِدْفاعِ ما دَهِمَهم مِنَ العَذابِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الياءِ ﴿إنِّي كَفَرْتُ﴾ اليَوْمَ ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بِإشْراكِكم إيّايَ. بِمَعْنى: تَبَرَّأْتُ مِنهُ، واسْتَنْكَرْتُهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يَعْنِي: أنْ إشْراكَكم لِي بِاللَّهِ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُطْمِعُكم في نُصْرَتِي لَكم بِأنْ كانَ لَكم عَلَيَّ حَقٌّ حَيْثُ جَعَلْتُمُونِي مَعْبُودًا، وكُنْتُ أوَدُّ ذَلِكَ، وأرْغَبُ فِيهِ. فاليَوْمَ كَفَرْتُ بِذَلِكَ، ولَمْ أحْمَدْهُ، ولَمْ أقْبَلْهُ مِنكُمْ، بَلْ تَبَرَّأْتُ مِنهُ، ومِنكُمْ، فَلَمْ يَبْقى بَيْنِي وبَيْنَكم عَلاقَةٌ، أوْ كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينِ أبَيْتُ السُّجُودَ لَآدَمَ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. كَما في قَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا؛ فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ إصْراخِهِ، فَإنَّ الكافِرَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الإغاثَةِ والإعانَةِ سَواءٌ كانَ بِالمُدافَعَةِ، أوِ الشَّفاعَةِ. وأمّا جَعْلُهُ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ إصْراخِهِمْ إيّاهُ، فَلا وجْهَ لَهُ إذْ لا احْتِمالَ لَهُ حَتّى يُحْتاجَ إلى التَّعْلِيلِ، ولِأنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ إصْراخِهِمْ بِكُفْرِهِ يُوهِمُ أنَّهم بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ، لَوْلا المانِعُ مِن جِهَتِهِ ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتِمَّةُ كَلامِهِ، أوِ ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي حِكايَةِ أمْثالِهِ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ، وإيقاظٌ لَهم حَتّى يُحاسِبُوا أنْفُسَهُمْ، ويَتَدَبَّرُوا عَواقِبَهم.
إبراهيم 14:23
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارُ مَزِيدٍ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُدْخِلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ: يُحَيِّهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.
إبراهيم 14:24
﴿ألَمْ تَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عُلِّقَ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: كَيْفَ اعْتَمَدَهُ، ووَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ.
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، أوْ كُلَّ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ كالتَّسْبِيحَةِ، والتَّحْمِيدَةِ، والِاسْتِغْفارِ، والتَّوْبَةِ، والدَّعْوَةِ.
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: حَكَمَ بِأنَّها مِثْلَها لا أنَّهُ تَعالى صَيَّرَها مِثْلَها في الخارِجِ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا" كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةً بَدَلًا مِن مَثَلًا، وكَشَجَرَةٍ صِفَتُها. أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هي كَشَجَرَةٍ، وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مُجْرى جَعَلَ قَدْ أُخِّرَ عَنْ ثانِيهِما. أعْنِي: مَثَلًا لِئَلّا يَبْعُدَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هي كَشَجَرَةٍ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ في الأرْضِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ثابِتٌ أصْلُها، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أقْوى سَبْكًا، وأنْسَبُ بِقَرِينَتِهِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَفَرْعُها﴾ أيْ: أعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ في جِهَةِ العُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ "وَفُرُوعُها" عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ.
إبراهيم 14:25
(p-44)﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها، والمُرادُ: "بِالشَّجَرَةِ" المَنعُوتَةِ إمّا النَّخْلَةُ كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ، وتَذْكِيرٍ. فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ.
إبراهيم 14:26
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ، والدُّعاءِ إلَيْهِ، أوْ تَكْذِيبُ الحَقِّ، أوْ ما يَعُمُّ الكُلَّ، أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ.
﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ أيْ: كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ. قِيلَ: هي كُلُّ شَجَرَةٍ لا يَطِيبُ ثَمَرُها كالحَنْظَلِ، والكَشُوثِ، ونَحْوِهِما. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودِ الضَّرْبِ والبَيانِ، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ، وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ، ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً مِنهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ اسْتِقْرارٍ عَلَيْها.
إبراهيم 14:27
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهُمْ، وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ، وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ، ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَزالُونَ عَنْهُ إذا افْتُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى وجَرْجِيسَ وشَمْسُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ القِيامَةِ، أوْ عِنْدَ سُؤالِ القَبْرِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: "ثُمَّ يُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ، فَيَقُولُونَ مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، ودِينِيَ الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ صَدَقَ عَبْدِي" فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾» وهَذا مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ المَذْكُورَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ. قالَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنِي أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ في سَنَةِ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَلَثِمِائَةٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الخَيّاطَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَمّارٍ العَمَلِيَّ يَقُولُ: رَأيْتُ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ في مَنامِي بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقُلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قالَ: أتانِي في قَبْرِي مَلَكانِ فَظّانِ فَقالا: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَأخَذْتُ بِلِحْيَتِي البَيْضاءِ فَقُلْتُ لَهُما: ألِمِثْلِي يُقالُ هَذا، وقَدْ عَلَّمْتُ النّاسَ جَوابَكُما ثَمانِينَ سَنَةً؟ فَذَهَبا.
﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِما الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسْبَ إرادَتِهِمْ، واخْتِيارِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ: الكَفَرَةُ، بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ. ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ، أوْ كُلُّ مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ، والإعْراضِ عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ، فَلا يَثْبُتُ في مَوْقِفِ الفِتَنِ، ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ، فالمُرادُ: "بِالَّذِينَ آمَنُوا" حِينَئِذٍ المُخْلِصُونَ في الإيمانِ، الرّاسِخُونَ في الإيقانِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّثْبِيتُ، لَكِنَّهُ يُوهِمُ كَوْنَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إذا كانَتْ لا عَنْ إيقانٍ داخِلَةً تَحْتَ ما لا قَرارَ لَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا (p-45)﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ، وإضْلالِ آخَرِينَ حَسْبَما تُوجِبُهُ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكَمِ البالِغَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِالتَّفاوُتِ في مَبْدَأِ التَّثْبِيتِ، والإضْلالِ، فَإنَّ مَبْدَأ صُدُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِهِ العُلا غَيْرُ ما هو مَبْدَأُ صُدُورِ الآخَرِ.
إبراهيم 14:28
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّا صَنَعَ الكَفَرَةُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي لا تَكادُ تَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ أدْنى إدْراكٍ، أيْ: ألُمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: شُكْرَ نِعْمَتِهِ تَعالى، بِأنْ وضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿كُفْرًا﴾ عَظِيمًا، وغَمْطًا لَها، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبُوها، فَصارُوا مُسْتَبْدِلِينَ بِها كُفْرًا كَأهْلِ مَكَّةَ، حَيْثُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ الآمِنَ الَّذِي يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ، فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلُوا، وأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَصارُوا أذِلّاءَ مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ، باقِينَ بِالكُفْرِ بَدَلَها. وعَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ. أمّا بَنُو المُغِيرَةِ: فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ: فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. كَأنَّهُما يَتَأوَّلانِ ما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ الآيَةَ.
﴿وَأحَلُّوا﴾ أيْ: أنْزَلُوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بِإرْشادِهِمْ إيّاهم إلى طَرِيقَةِ الشِّرْكِ، والضَّلالِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحُلُولِهِمْ لِدَلالَةِ الإحْلالِ عَلَيْهِ، إذْ هو فَرْعُ الحُلُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ .
﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكَ، الَّذِي لا هَلاكَ وراءَهُ.
إبراهيم 14:29
﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها، وفي الإبْهامِ، ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ.
﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها، أوْ مِن قَوْمِهِمْ، أيْ: داخِلِينَ فِيها، مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ يُقَدَّرُ ناصِبًا لِجَهَنَّمَ. فالمُرادُ بِالإحْلالِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ: تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أنْسَبُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها. وفِيهِ أنَّ حُلُولَهُمْ، وصَلْبَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.
إبراهيم 14:30
﴿وَجَعَلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أحَلُّوا، وما عَطَفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحُكْمِ التَّعْجِيبِ، أيْ: جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهو الواحِدُ القَهّارُ.
﴿أنْدادًا﴾ أشْباهًا في العِبادَةِ ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهُمُ الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، ويُوقِعُوهم في ورْطَةِ الكُفْرِ، والضَّلالِ. ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يُذْكَرَ كُفْرانُهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرُهم بِذاتِهِ تَعالى؛ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، ثُمَّ إضْلالُهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ، وتَكْرِيرِهِ، والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن وضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإحْلالِ القَوْمِ دارَ البَوارِ، واتِّخاذِ الأنْدادِ لِلْإضْلالِ أمْرٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمَ التَّعْجِيبُ مِن مَجْمُوعِ الهَناتِ الثَّلاثِ، كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ. وقُرِئَ: (لِيَضِلُّوا) بِالفَتْحِ (p-46)وَأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ غَرَضًا حَقِيقِيًّا لَهم مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ نَتِيجَةً لَهُ شُبِّهَ بِالغَرَضِ، وأُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ.
﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِأُولَئِكَ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، ونَعْيًا عَلَيْهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهم لِشِدَّةِ إبائِهِمْ قَبُولَ الحَقِّ، وفَرْطِ انْهِماكِهِمْ في الباطِلِ، وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِحالٍ أحِقّاءُ بِأنْ يُضْرَبَ عَنْهم صَفْحًا، ويُعْطَفَ عَنْهم عِنانُ العِظَةِ، ويُخَلُّوا وشَأْنَهُمْ، ولا يُنْهَوْا عَنْهُ، بَلْ يُؤْمَرُوا بِمُباشَرَتِهِ مُبالَغَةً في التَّخْلِيَةِ، والخِذْلانِ، ومُسارَعَةً إلى بَيانِ عاقِبَتِهِ الوَخِيمَةِ. ويُقالُ لَهُمْ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كُفْرانُ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتِتْباعُ النّاسِ في عِبادَةِ الأصْنامِ.
﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ لَيْسَ إلّا. فَلا بُدَّ لَكم مِن تَعاطِي ما يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَقْتَضِيهِ مِن أحْوالِكُمْ، بَلْ هي في الحَقِيقَةِ صُورَةٌ لِدُخُولِها، ومِثالٌ لَهُ حَسْبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ... إلَخْ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المَأْمُورِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، والوَعِيدِ الأكِيدِ. ما لا يُوصَفُ، أوْ قُلْ لَهم تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ، وتَعْبِيرًا عَمّا يُلْجِئُهم إلى ذَلِكَ تَمَتَّعُوا إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ انْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِما هم فِيهِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مِن قِبَلِ آمِرِ الشَّهْوَةِ. مُذْعِنُونَ لِحُكْمِهِ، مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ كَدَأْبِ مَأْمُورٍ ساعٍ في خِدْمَةِ آمِرٍ مُطاعٍ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى:"فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ" حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ، بَلْ هو جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ حالُكُمْ، فَإنْ دُمْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، وفِيهِ التَّهْدِيدُ، والوَعِيدُ لا في الأمْرِ.
إبراهيم 14:31
﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَنْوِيهًا لَهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها. وتَرْكُ العاطِفِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما بِاعْتِبارِ المَقُولِ تَهْدِيدًا، وتَشْرِيفًا. والمَقُولُ هَهُنا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، أيْ: قُلْ لَهم أقِيمُوا، وأنْفِقُوا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: يُداوِمُوا عَلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ، وغايَةُ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ المَقُولُ يُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا بِحَذْفِ لامِ الأمْرِ عَنْهُما. وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ دُونَ الحَذْفِ في قَوْلِهِ:
؎ مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا
. لِدَلالَةِ (قُلْ) عَلَيْهِ. وقِيلَ: هُما جَوابا أقِيمُوا، وأنْفِقُوا قَدْ أُقِيما مَقامَهُما، ولَيْسَ بِذاكَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ الأمْرِ المُقَدَّرِ، لا مِن جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ، أيْ: أنْفِقُوا إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ. والأحَبُّ في الإنْفاقِ إخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ، وإعْلانُ الواجِبِ. والمُرادُ: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى الشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والمالِيَّةِ، وتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِمَتاعِ الدُّنْيا، والرُّكُونِ إلَيْها، كَما هو صَنِيعُ الكُفْرِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَلافى بِهِ تَقْصِيرَهُ، أوْ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ؛ والمَقْصُودُ: نَفِيُ عَقْدِ المُعاوَضَةِ بِالمَرَّةِ، وتَخْصِيصُ البَيْعِ بِالذِّكْرِ، لِلْإيجازِ مَعَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العَقْدِ إذِ انْتِفاءُ البَيْعِ المُسْتَلْزِمِ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وانْتِفاؤُهُ بِما يُتَصَوَّرُ مَعَ تَحَقُّقِ الإيجابِ مِن قِبَلِ البائِعِ، ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةٌ فَيَشْفَعَ لَهُ خَلِيلٌ، أوْ يُسامِحَهُ بِمالٍ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا أثَرَ فِيهِ لِما لَهَجَوا بِتَعاطِيهِ مِنَ البَيْعِ (p-47)والمُخالَّةِ، ولا انْتِفاعَ بِذَلِكَ. وإنَّما الِانْتِفاعُ، والِارْتِفاقُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والظّاهِرُ أنَّ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْفِقُوا"، وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن فُقْدانِ الشَّفاعَةِ، وما يُتَدارَكُ بِهِ التَّقْصِيرُ مُعاوَضَةً، وتَبَرُّعًا، وانْقِطاعُ آثارِ البَيْعِ، والخِلالِ الواقِعَيْنِ في الدُّنْيا، وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِما: مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ، وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ ادِّخارَ المالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ، إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ، والمُهاداةِ، فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وتَخْصِيصُ التَّأْكِيدِ بِذَلِكَ لِمَيْلِ الطِّباعِ إلى المالِ، وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، والضِّنَّةِ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيْضًا مِن حَيْثُ إنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِالِاشْتِغالِ بِالبِياعاتِ، والمُخالّاتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقُرِئَ: بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى إرادَةِ النَّفْيِ العامِّ، ودَلالَةِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ هو وُقُوعُهُ في جَوابِ هَلْ فِيهِ بَيْعٌ، أوْ خِلالٌ؟
إبراهيم 14:32
﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ﴿والأرْضَ﴾ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابَرَةَ عَلى الشُّكْرِ، والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها، وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ بِها الواضِعِينَ مَوْضِعَها الكُفْرَ، والمَعاصِيَ. وفي جَعْلِ المُبْتَدَأِ الِاسْمَ الجَلِيلَ، والخَبَرَ الِاسْمَ المَوْصُولَ بِتِلْكَ الأفاعِيلِ العَظِيمَةِ مِن خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإنْزالِ الأمْطارِ، وإخْراجِ الثَّمَراتِ، وما يَتْلُوها مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ، ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ.
﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: السَّحابِ. فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوْ مِنَ الفَلَكِ، فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَبْتَدِئُ إلى السَّحابِ، ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ النُّصُوصِ، أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى الجَوِّ فَيَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا، وأيًّا ما كانَ فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ.
﴿ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِنُزُولِهِ، أوْ لِتَشْرِيفِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أعْطاهُ السُّلْطانُ مِن خِزانَتِهِ مالًا، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، إمّا لِأنَّ صِيَغَ الجُمُوعِ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُفْرَدِها جَماعَةُ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أُدْرِكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِ فُلانٍ.
﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ لَهُ، وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ شامِلٌ لِلْمَطْعُومِ، والمَلْبُوسِ. مَفْعُولًا لِأخْرَجَ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولًا، ورِزْقًا حالًا مِنهُ. أوْ مَصْدَرًا مِن أخْرَجَ بِمَعْنى: رَزَقَ. أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ، فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ، لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكم. إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثِّمارِ، ولا جَعَلَ كُلَّ الرِّزْقِ ثَمَرًا. وخُرُوجُ الثَّمَراتِ، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقدرته، لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى (p-48)بِإضافَةِ صُوَرِها، وكَيْفِيّاتِها عَلى المَوادِّ المُمْتَزِجَةِ مِنَ الماءِ والتُّرابِ، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً، وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ. وهو قادِرٌ عَلى إيجادِ الأشْياءِ بِلا أسْبابٍ، ومَوادَّ. كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ كَذَلِكَ لِما أنَّ لَهُ تَعالى في إنْشائِها مُدَرِّجًا مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ صَنائِعَ، وحِكَمًا يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا، وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قدرته لَيْسَ ذَلِكَ في إبْداعِها دَفْعَةً، وقَوْلُهُ: "لَكُمْ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "رِزْقًا" إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ. ومَفْعُولٌ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ بِأنْ أقْدَرَكم عَلى صَنْعَتِها، واسْتِعْمالِها بِما ألْهَمَكم كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ جَرْيًا تابِعًا لِإرادَتِكم ﴿بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَةِ الَّتِي نِيطَ بِها كُلُّ شَيْءٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُزاوَلَةِ الأعْمالِ، واسْتِعْمالِ الآلاتِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها المِياهُ العَظِيمَةُ الجارِيَةُ في الأنْهارِ العِظامِ كَما يُومِئُ إلَيْهِ ذِكْرُها عِنْدَ البَحْرِ فَتَسْخِيرُها جَعْلُها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِ النّاسِ، حَيْثُ يَتَّخِذُونَ مِنها جَداوِلَ يَسْقُونَ بِها زُرُوعَهُمْ، وجِنانَهُمْ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِها نَفْسُ الأنْهارِ فَتَسْخِيرُها تَيْسِيرُها لَهم.
إبراهيم 14:33
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما، وإنارَتِهِما أصالَةً، وخِلافَةً، وإصْلاحِهِما لِما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكُمْ، ومَعاشِكُمْ، ولِعَقْدِ الثِّمارِ، وإنْضاجِها، ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْواعَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وأبْرَزَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْوِيهًا لِشَأْنِها، وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِها، وتَنْصِيصًا عَلى كَوْنِ كُلٍّ مِنها نِعْمَةً جَلِيلَةً مُسْتَوْجِبَةً لِلشُّكْرِ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّصْرِيفِ المُتَعَلِّقِ بِما ذُكِرَ مِنَ الفُلْكِ، والأنْهارِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، واللَّيْلِ، والنَّهارِ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ الإشْعارِ بِما فِيها مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ، وعِزَّةِ المَنالِ، والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّلْطانِ، وشِدَّةِ المِحالِ ما لا يَخْفى، وتَأْخِيرُ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنْ تَسْخِيرِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِ السَّمَواتِ مِنَ المُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ، لِاسْتِتْباعِ ذِكْرِها لِذِكْرِ الأرْضِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ إنْزالِ الماءِ مِنها إلَيْها المُوجِبِ لِذِكْرِ إخْراجِ الرِّزْقِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ الفُلْكِ، والأنْهارِ، أوْ لِلتَّفادِي عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الكُلُّ، أعْنِي: خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ نِعْمَةً واحِدَةً، كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ.
إبراهيم 14:34
﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ: أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، والمَصْلَحَةِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ أوْ آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ونِيطَ بِهِ انْتِظامُ أحْوالِكم عَلى الوَجْهِ المُقَدَّرِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ كُلَّ ما طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ، أوْ كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ عَلى أنَّ مِن لِلْبَيانِ، وكَلِمَةُ كُلِّ لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وأتاهُ كُلُّ النّاسِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، وما لَمْ تَسْألُوهُ. فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ. وقُرِئَ: بِتَنْوِينِ كُلِّ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ، ومَحَلُّ ما سَألْتُمُوهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: آتاكم مِن كُلٍّ غَيْرَ سائِلِيهِ، ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ (p-49)الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا بِحَصْرِها، ولَوْ إجْمالًا، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ، وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَ بِها فَفِيهِ إيذانٌ بِعَدَمِ بُلُوغِ مَرْتَبَةٍ مُعْتَدٍّ بِها مِن مَراتِبِها فَضْلًا عَنْ بُلُوغِ غايَتِها كَيْفَ لا؟ وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ النّاسِ، وإنْ كانَ في أقْصى مَراتِبِ الفَقْرِ والإفْلاسِ مَمْنُوًّا بِأصْنافِ العَنايا، مُبْتَلًى بِأنْواعِ الرَّزايا، فَهو بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلْتَهُ ألْفَيْتَهُ مُتَقَلِّبًا في نِعَمٍ لا تُحَدُّ، ومِنَنٍ لا تُحْصى ولا تُعَدُّ. كَأنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ كُلَّ ساعَةٍ وآنٍ مِنَ النَّعْماءِ ما حَواهُ حِيطَةُ الإمْكانِ، وإنْ كُنْتَ في رَيْبٍ مِن ذَلِكَ فَقَدِّرْ أنَّهُ مَلَكَ مَلِكٌ أقْطارَ العالَمِ، ودانَتْ لَهُ كافَّةُ الأُمَمِ، وأذْعَنَتْ لِطاعَتِهِ السَّراةُ، وخَضَعَتْ لِهَيْبَتِهِ رِقابُ العُتاةِ، وفازَ بِكُلِّ مَرامٍ، ونالَ كُلَّ مَنالٍ، وحازَ جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ نِدٍّ يُزاحِمُهُ، ولا شَرِيكٍ يُساهِمُهُ، بَلْ قَدِّرْ أنَّ جَمِيعَ ما فِيها مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ يَواقِيتُ غالِيَةٌ، ونَفائِسُ دُرَرٍ، ثُمَّ قَدِّرْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِن فَقْدِ مَشْرُوبٍ، أوْ مَطْعُومٍ، في حالَةٍ بَلَغَتْ نَفْسُهُ الحُلْقُومَ. فَهَلْ يَشْتَرِي، وهو في تِلْكَ الحالِ بِجَمِيعِ مالِهِ مِنَ المُلْكِ، والمالِ لُقْمَةً تُنْجِيهِ عَنْ رِواهُ، أوْ شَرْبَةً تَرْوِيهِ مِن ظَماهُ، أمْ يَخْتارُ الهَلاكَ فَتَذْهَبَ الأمْوالُ، والأمْلاكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَبْقى عَلَيْهِ، ولا نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ؟ كَلّا بَلْ يَبْذُلُ لِذَلِكَ كُلَّ ما تَحْوِيهِ اليَدانِ كائِنًا ما كانَ، ولَيْسَ في صَفْقَتِهِ شائِبَةُ الخُسْرانِ، فَإذَنْ تِلْكَ اللُّقْمَةُ والشَّرْبَةُ خَيْرٌ مِمّا في الدُّنْيا بِألْفِ رُتْبَةٍ مَعَ أنَّهُما في طَرَفِ الثُّمامِ يَنالُهُما مَتى شاءَ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ. أوْ قَدِّرْ أنَّهُ قَدِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ النَّفَسُ، فَلا دَخَلَ مِنهُ ما خَرَجَ، ولا خَرَجَ مِنهُ ما ولَجَ. والحِينُ قَدْ حانَ، وأتاهُ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ، إمّا يُعْطِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِمُقابَلَةِ نَفَسٍ واحِدٍ، بَلْ يُعْطِيهِ وهو لِرَأْيِهِ حامِدٌ، فَإذَنْ هو خَيْرٌ مِن أمْوالِ الدُّنْيا بِحَمْلَتِها، ومَطالِبِها بِرُمَّتِها، مَعَ أنَّهُ أُبِيحَ لَهُ كُلَّ آنٍ مِن آناتِ اللَّيالِي والأيّامِ، حالَ اليَقَظَةِ والمَنامِ هَذا مِنَ الظُّهُورِ، والجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، وإنْ رُمْتَ العُثُورَ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ، والوُقُوفَ عَلى كُلِّ ما جَلَّ مِنَ السِّرِّ ودَقَّ، فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ المُمْكِنَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ، وما يُتْبِعُهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ، والمَلَكاتِ الرّائِقَةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ، ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ والبَوارِ، ومَهاوِي الهَلاكِ والدَّمارِ، لَكِنْ يَفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي، وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي مِن أنْواعِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ، ووُجُودِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، والنَّفْسانِيَّةِ، والجُسْمانِيَّةِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ، ويَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، وتَوْضِيحُهُ أنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ ابْتِداءً لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً، وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المُبْدِئِ الأوَّلِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ، لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ والدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ وشَرائِطُهُ، وإنْ وجَبَ كَوْنُها مُتَناهِيَةً لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ، لَكِنِ الأُمُورُ العَدَمِيَّةُ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وإنَّما الِاسْتِحالَةُ في دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ، فارْتِفاعُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى، أعْنِي بَقاءَها عَلى العَدَمِ مَعَ إمْكانِ وجُودِها في أنْفُسِها في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ وُجُودِهِ. نِعَمٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ حَقِيقَةً (p-50)لا ادِّعاءً، وكَذا الحال في وجُوداتِ عِلَلِهِ، وشَرائِطِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، ابْتِداءً وبَقاءً، وكَذا في كَمالاتِهِ التّابِعَةِ لِوُجُودِهِ فاتَّضَحَ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ كُلَّ آنٍ نِعَمٌ لا تَتَناهى مِن وُجُوهٍ شَتّى، فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ ما أعْظَمَ سُلْطانَكَ، لا تُلاحِظُكَ العُيُونُ بِأنْظارِها، ولا تُطالِعُكَ العُقُولُ بِأفْكارِها، شَأْنُكَ لا يُضاهى، وإحْسانُكَ لا يَتَناهى، ونَحْنُ في مَعْرِفَتِكَ حائِرُونَ، وفي إقامَةِ مَراسِمِ شُكْرِكَ قاصِرُونَ نَسْألُكَ الهِدايَةَ إلى مَناهِجِ مَعْرِفَتِكَ، والتَّوْفِيقَ لِأداءِ حُقُوقِ نِعْمَتِكَ، لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ بِوَضْعِهِ إيّاها في غَيْرِ مَوْضِعِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلْحِرْمانِ ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو، ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ، يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. واللّامُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، ومِصْداقُ الحُكْمِ بِالظُّلْمِ والكُفْرانِ بَعْضُ مَن وُجِدا فِيهِ مِن أفْرادِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا... إلَخْ. دُخُولًا أوَّلِيًّا.
إبراهيم 14:35
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ: مِن تَذْكِيرِهِ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِن مَقالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ التَّفْصِيلِ، والمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعْجِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أُسْكِنُهم مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى لِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاجْتِنابِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، والشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وسَألَهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، ويَرْزُقَهم مِنَ الثَّمَراتِ، وتَهْوِيَ قُلُوبُ النّاسِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ أوْبٍ سَحِيقٍ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وجَعْلَهُ حَرَمًا آمِنًا يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتَبْدَلُوا بِالبَلَدِ الحَرامِ دارَ البَوارِ، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا، وفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ أوْ آمِنًا أهْلُهُ، بِحَيْثُ لا يُخافُ فِيهِ عَلى ما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ هُناكَ البَلَدِيَّةُ، والأمْنُ مَعًا، وهَهُنا الأمْنُ فَقَطْ حَيْثُ جُعِلَ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْجَعْلِ، وجُعِلَ البَلَدُ صِفَةً لِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ. فَإنْ حُمِلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ أوَّلًا كِلا الأمْرَيْنِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في أحَدِهِما، وتَأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِهِ المُقَدَّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، ثُمَّ كَرَّرَ السُّؤالَ كَما هو المُعْتادُ في الدُّعاءِ، والِابْتِهالِ، أوْ كانَ المَسْؤُولُ أوَّلًا: مُجَرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسَّكَنِ كَما في سائِرِ البِلادِ، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ. وثانِيًا: الأمْنُ المَعْهُودُ. أوْ كُلُّهُ هو المَسْؤُولُ فِيهِما، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ أيْضًا، لَكِنَّ السُّؤالَ الثّانِيَ لِلِاسْتِدامَةِ والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِ الأمْنِ، وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ، وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ كَما هو المُتَبادِرُ، فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ، وقَدْ حُكِيَ أوَّلًا، واقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ لا لِمُجَرَّدِ أنْ نِعْمَةَ الأمْنِ أدْخَلُ في اسْتِيجابِ الشُّكْرِ، فَذِكْرُهُ أنْسَبُ بِمَقامِ تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ عَلى إغْفالِهِ، كَما قِيلَ: بَلْ لِأنَّ سُؤالَ البَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ إذِ المَسْؤُولُ هُوِيَّتُها إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا لِلْحَجِّ فَقَطْ. وهو عَيْنُ سُؤالٍ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ ما قَدِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَّةَ، كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-51)والسَّلامُ لَمّا أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ هُناكَ، وعادَ مُتَوَجِّهًا إلى الشّامِ، تَبِعَتْهُ هاجَرُ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: إلى مَن تَكِلُنا في هَذا البَلْقَعِ. وهو لا يَرُدُّ عَلَيْها جَوابًا، حَتّى قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَتْ: إذًا لا يُضَيِّعُنا فَرَضِيَتْ، ومَضى حَتّى إذا اسْتَوى عَلى ثَنِيَّةِ كَداءَ أقْبَلَ عَلى الوادِي. فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ الآيَةَ، وإنَّما فَصَّلَ ما بَيْنَهُما تَثْنِيَةً لِلِامْتِنانِ، وإيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِنهُما نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَتْبِعَةٌ لِشُكْرٍ كَثِيرٍ كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ.
﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ بَعِيدٍ، أيْ: ثَبِّتْنا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ومِلَّةِ الإسْلامِ، والبُعْدِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. وقُرِئَ: (وَأجْنِبْنِي) مِنَ الإفْعالِ، وهُما لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: جَنِّبْنِي شَرَّهُ، وأجْنِبْنِي شَرَّهُ. وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ: جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبَنِيهِ: أوْلادُهُ الصُّلْبِيَّةُ. فَلا احْتِجاجَ بِهِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلى أنَّ أحَدًا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْبُدِ الصَّنَمَ، وإنَّما كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ حَجَرٌ نَصَبُوهُ، وقالُوا هو حَجَرٌ، والبَيْتُ حَجَرٌ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِهِ، ويُسَمُّونَهُ الدَّوّارَ، فاسْتُحِبَّ أنْ يُقالَ: طافَ بِالبَيْتِ. ولا يُقالَ: دارَ بِالبَيْتِ. ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في القرآن العَظِيمِ مِن قَوارِعَ تَنْعِي عَلى قُرَيْشٍ عِبادَةَ الأصْنامِ، عَلى أنَّ فِيما ذَكَرَهُ كَرًّا عَلى ما فَرَّ مِنهُ.
إبراهيم 14:36
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ أيِ: الأصْنامَ ﴿أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: تَسَبَّبْنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: " وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا " وهو تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ، وإنَّما صَدَّرَهُ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِاعْتِنائِهِ بِهِ، ورَغْبَةً في اسْتِجابَتِهِ.
﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ مِنهم فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ومِلَّةِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: بَعْضِي. قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُبالَغَةً في بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، أوْ مُتَّصِلٌ بِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ.
﴿وَمَن عَصانِي﴾ أيْ: لَمْ يَتْبَعْنِي. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعِصْيانِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الدَّعْوَةِ، وأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إنَّما هو لِعِصْيانِهِ، لا لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ خَلا أنَّ الوَعِيدَ قَضى بِالفَرْقِ بَيْنَهُ، وبَيْنَ غَيْرِهِ.
إبراهيم 14:37
﴿رَبَّنا﴾ آثَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمِيرَ الجَماعَةِ، لا لِما قِيلَ مِن تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وذِكْرِ بَنِيهِ، وإلّا لَراعاهُ في قَوْلِهِ: "رَبِّ إنَّهُنَّ..." إلَخْ. بَلْ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدِّرَ بِهِ، وما أوْرَدَهُ بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ الآيَةَ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ، وإجابَةِ المَسْؤُولِ.
﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضُهُمْ، أوْ ذُرِّيَّةٌ مِن ذُرِّيَّتِي. فَحَذَفَ المَفْعُولَ، وهو إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما سَيُولَدُ لَهُ، فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ، مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ، رُوِيَ أنَّ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ لِسارَّةَ، فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ غارَتْ عَلَيْهِما، فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها. فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ زَمْزَمَ.
﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ لا يَكُونُ فِيهِ زَرْعٌ أصْلًا، وهو وادِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ﴿عِنْدَ (p-52)بَيْتِكَ﴾ ظَرْفٌ لَأسْكَنْتُ، كَقَوْلِكَ: صَلَّيْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ. لا أنَّهُ صِفَةٌ لِوادٍ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، إذِ المَقْصُودُ: إظْهارُ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ فُقْدانِ مَبادِئِهِ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِالتِجاءِ إلى جِوارِهِ الكَرِيمِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الحُرْمَةِ المُؤْذِنِ بِعِزَّةِ المُلْتَجَأِ، وعِصْمَتِهِ عَنِ المَكارِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُحَرَّمِ﴾ حَيْثُ حُرِّمَ التَّعَرُّضُ لَهُ، والتَّهاوُنُ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ في كُلِّ عَصْرٍ، أوْ مُنِعَ مِنهُ الطُّوفانُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا، وتَسْمِيَتُهُ إذْ ذاكَ بَيْتًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ، وإنَّما كانَ نَشْزًا، مِثْلَ: الرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ ذاتَ اليَمِينِ، وذاتَ الشِّمالِ، لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ ما سَيَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن بِنائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ يَنْزِعُ إلى اعْتِبارِ عُنْوانِ الحُرْمَةِ أيْضًا، كَذَلِكَ بَلْ، إنَّما هي بِاعْتِبارِ ما كانَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ تَعَدُّدَ بِناءِ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في كَمِّيَّةِ عَدَدِهِ، وقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبارِكِينَ بِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْكَنْتُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِ الدِّينِ لِفَضْلِها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ، وتَوْسِيطُهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاهْتِمامِ بِعَرْضِ أنَّ الغَرَضَ مِن إسْكانِهِمْ بِذَلِكَ الوادِي البَلْقَعِ، ذَلِكَ المَقْصِدُ الأقْصى، والمَطْلَبُ الأسْنى، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَةِ دُعائِهِ، وإعْطاءِ مَسْؤُولِهِ الَّذِي لا يَتَسَنّى ذَلِكَ المَرامُ إلّا بِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الفاءُ، فَقالَ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أفْئِدَةً مِن أفْئِدَتِهِمْ فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ، والرُّومُ. وأمّا ما زِيدَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، فَغَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ إذِ المَسْؤُولُ تَوْجِيهُ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا تَوْجِيهُها إلى البَيْتِ لِلْحَجِّ، وإلّا لَقِيلَ: تَهْوِي إلَيْهِ، فَإنَّهُ عَيْنُ الدُّعاءِ بِالبَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى، كَما مَرَّ. أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، أيْ: أفْئِدَةَ ناسٍ. وقُرِئَ: (آفَدَةً عَلى القَلْبِ)، كَآدَرَ في أدْؤُرٍ. أوْ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَدَتِ الرِّحْلَةُ، أيْ: عَجِلَتْ. أيْ: جَماعَةً مِنَ النّاسِ، وأفِدَةً بِطَرْحِ الهَمْزَةِ مِنَ الأفْئِدَةِ، أوْ عَلى النَّعْتِ مِن أفِدُ.
﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا. وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْواهُ غَيْرُهُ، وتَهْوِي مِن بابِ عَلِمَ. أيْ: تُحِبُّ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّوْقِ والنُّزُوعِ، وأوَّلُ آثارِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّتْ رُفْقَةٌ مِن جُرْهُمَ تُرِيدُ الشّامُ، فَرَأوُا الطَّيْرَ تَحُومُ عَلى الجَبَلِ، فَقالُوا: إنَّ هَذا الطّائِرَ لَعائِفٌ عَلى الماءِ فَأشْرَفُوا، فَإذا هم بِهاجِرَ، فَقالُوا لَها: إنْ شِئْتِ كُنّا مَعَكِ، وآنَسْناكِ، والماءُ ماؤُكِ. فَأذِنَتْ لَهُمْ، وكانُوا مَعَها إلى أنْ شَبَّ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وماتَتْ هاجَرُ، فَتَزَوَّجَ إسْماعِيلُ مِنهُمْ، كَما هو المَشْهُورُ ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ أُسْكِنُهم هُناكَ، أوْ مَعَ مَن يَنْحازُ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ، وإنَّما لَمْ يَخُصَّ الدُّعاءَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ اكْتِفاءً بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ.
﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مِن أنْواعِها بِأنْ يَجْعَلَ بِقُرْبٍ مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ، أوْ يُجْبى إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ، وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما حَتّى إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ، والصَّيْفِيَّةُ، والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مَن أرْضِ فِلَسْطِينَ، فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، رَفَعَها اللَّهُ تَعالى، ووَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ، لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وأداءٍ سائِرِ مَراسِمَ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: اللّامُ في "لِيُقِيمُوا" لامُ الأمْرِ. والمُرادُ: أمْرُهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-53)بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، ولا يُناسِبُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْعَلْ..." إلَخْ. وفي دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، والمُحافَظَةِ عَلى قَوانِينَ الضَّراعَةِ، وعَرْضِ الحاجَةِ، واسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ، واسْتِجْلابِ الرَّأْفَةِ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ كَوْنِ الوادِي غَيْرَ ذِي زَرْعٍ بَيِّنَ كَمالَ افْتِقارِهِمْ إلى المَسْؤُولِ، وبِذِكْرِ كَوْنِ إسْكانِهِمْ عِنْدَ البَيْتِ المُحَرَّمِ أشارَ إلى أنَّ جِوارَ الكَرِيمِ يَسْتَوْجِبُ إفاضَةَ النَّعِيمِ. وبِعَرْضِ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ كَمالِ إعْوازِ مَرافِقِ المَعاشِ لِمَحْضِ إقامَةِ الصَّلاةِ، وأداءِ حُقُوقِ البَيْتِ، مَهَّدَ جَمِيعَ مَبادِئِ إجابَةِ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قُرِنَتْ دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحُسْنِ القَبُولِ.
إبراهيم 14:38
﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ مِنَ الحاجاتِ وغَيْرِها. والمُرادُ بِما نُخْفِي ما يُقابِلُ ما نُعْلِنُ، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِهِ الإخْفاءُ، أوْ لا. أيْ: تَعْلَمُ ما نُظْهِرُهُ، وما لا نُظْهِرُهُ، فَإنَّ علمه تعالى مُتَعَلِّقٌ بِما يَخْطِرُ بِبالِهِ مِمّا فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَنْ إخْفائِهِ، وتَقْدِيمُ ما نُخْفِي عَلى ما نُعْلِنُ لِتَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكَأنَّ تَعَلُّقَهُ بِما يَخْفى أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلِنُ إلّا وهو قَبْلَ ذَلِكَ خَفِيٌّ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وقَصْدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الحاجاتِ، وما هو مِن مَبادِئِها، وتَتِّماتِها لَيْسَ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَكَ، بَلْ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، والتَّخَشُّعِ لِعَظَمَتِكَ، والتَّذَلُّلِ لِعِزَّتِكَ، وعَرْضِ الِافْتِقارِ إلى ما عِنْدَكَ، والِاسْتِعْجالِ لِنَيْلِ أيادِيكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في الضَّراعَةِ، والِابْتِهالِ، وضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ علمه تعالى بِسِرِّهِ وعَلَنِهِ، بَلْ بِجَمِيعِ خَفايا المُلْكَ والمَلَكُوتِ، وقَدْ حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.
﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِما أنَّهُ العالِمُ بِالذّاتِ، فَما مِن أمْرٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ كائِنًا ما كانَ في زَمانٍ مِنَ الأزْمانِ، إلّا ووُجُودُهُ في ذاتِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما قالَ: "وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ..." إلَخْ. دُونَ أنْ يَقُولَ: "وَيَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ" تَحْقِيقًا لِما عَناهُ بِقَوْلِهِ: "تَعْلَمُ ما نُخْفِي" مِن أنَّ علمه تعالى بِذَلِكَ لَيْسَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ شائِبَةُ خَفاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى علمه تعالى، كَما يَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِ المَخْلُوقاتِ. وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: مِن شَيْءٍ كائِنٍ فِيهِما أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما، أوْ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، أوْ بِيَخْفى. وتَقْدِيمُ "الأرْضِ" عَلى "السَّماءِ" مَعَ تَوْسِيطِ لا بَيْنُهُما بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَدْعِينَ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا، والِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلصِّفاتِ، لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ والإيذانِ بِعُمُومِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِشَأْنٍ يُخْتَصُّ بِهِ، أوْ بِمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، فالمُناسِبُ ذِكْرُهُ تَعالى بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِمَبْدَأِ الكُلِّ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وارِدٌ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ لِتَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ومِن لِلِاسْتِغْراقِ عَلى الوَجْهَيْنِ.
إبراهيم 14:39
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: مَعَ كِبَرِي، ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ. قَيَّدَ الهِبَةَ بِهِ، اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ، وإظْهارًا لِشُكْرِها.
﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو (p-54)ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، أوْ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ﴿إنَّ رَبِّي﴾ ومالِكَ أمْرِي ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَهُ، إذا اعْتَدَّ بِهِ. وهي مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلِهِ بِإسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى مَجازًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ مِن تَتِمَّةِ الحَمْدِ، والشُّكْرِ، إذْ هو وصْفٌ لَهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الجَمِيلَ سُنَّتُهُ المُسْتَمِرَّةُ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّذْيِيلِ لِلْهِبَةِ المَذْكُورَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَضاعِيفِ النِّعْمَةِ فِيها حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ الدُّعاءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فاقْتَرَنَتِ الهِبَةُ بِقَبُولِ الدَّعْوَةِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ هِبَتِهِما لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ خاصَّةً، وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.
إبراهيم 14:40
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُثابِرًا عَلَيْها، مُعَدِّلًا لَها. وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ لِذَرِّيَّتِهِ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضِهِمْ مِنَ المَذْكُورِينَ، ومَن يَسِيرُ سِيرَتَهُما مِن أوْلادِهِما لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ، وذَرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ، وإنْ ذَكَرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، لا كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ إسْكانَهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ بِلا مُلابَسَةٍ لِمَن أسْكَنَهُ، إنَّما هو مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ التَّمْهِيدِ لِلدُّعاءِ، الَّذِي هو مَخْصُوصٌ بِذُرِّيَّتِهِ، وإنَّما خَصَّ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ، لِعِلْمِهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أيْ: دُعائِيَ هَذا، المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي، وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ، ثابِتِينَ عَلى ذَلِكَ، مُجْتَنِبِينَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ.
إبراهيم 14:41
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِنِّي مِن تَرْكِ الأوْلى في بابِ الدِّينِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْلَمُ مِنهُ البَشَرُ.
﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ: بِالتَّوْحِيدِ ولِأبَوِيَّ. وهَذا الِاسْتِغْفارُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ قَبْلَ تَبَيُّنِ الأمْرِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. وقِيلَ: بِشَرْطِ الإسْلامِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ. وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ التَّوْبَةِ نَوْعُ تَحْقِيقٍ لِلْمَقامِ، وسَيَأْتِي تَمامُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ. ولِلْإيذانِ بِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ؛ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: يَثْبُتُ، ويَتَحَقَّقُ مُحاسَبَةُ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ عَلى وجْهِ العَدْلِ. اسْتُعِيرَ لَهُ مِن ثُبُوتِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ بِالِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، والمُرادُ: تَهْوِيلُهُ. وقِيلَ: أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُ أهْلِهِ مَجازًا، أوْ حُذِفَ المُضافُ كَما فِي: واسْألِ القَرْيَةَ. واعْلَمْ أنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأدْعِيَةِ والأذْكارِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ، ولا عَلى وجْهِ المَعِيَّةِ، بَلْ صَدَرَ عَنْهُ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ حُكِيَ مُرَتَّبًا لِلدَّلالَةِ عَلى سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ أمْرِهِ في المِلَّةِ، وإرْشادِ النّاسِ إلَيْها، والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِمَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
إبراهيم 14:42
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمُرادُ: تَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ حُسْبانِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ولا تَكُونَنَّ مِنَ (p-55)المُشْرِكِينَ، ونَظائِرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ، حَتّى نُهِيَ عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ، أوْ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ حُسْبانِهِ تَعالى، تارِكًا لِعِقابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ العَفْوِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، والإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ بِمَنزِلَةِ حُسْبانِهِ تَعالى، غافِلًا عَنْ أعْمالِهِمْ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِعِقابِهِمْ لا مَحالَةَ، فَتَرْكُهُ لَوْ كانَ لِلْغَفْلَةِ عَمّا يُوجِبُهُ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَعْدٌ لَهُ أكِيدٌ، ووَعِيدٌ لِلْكُفْرِ، وسائِرِ الظّالِمِينَ شَدِيدٌ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَسْتَعْجِلُ عَذابَهُمْ، أوْ يَتَوَهَّمُ إهْمالَهم لِلْجَهْلِ بِصِفاتِهِ تَعالى، والِاغْتِرارِ بِإمْهالِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا عَمِلُوا، بَلْ مُعامَلَةَ مَن يُحافِظُ عَلى أعْمالِهِمْ، ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: أهْلُ مَكَّةَ مِمَّنْ عُدَّتْ مَساوِئُهم مِن تَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا، وإحْلالِ قَوْمِهِمْ دارَ البَوارِ، واتِّخاذِ الأنْدادِ. كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِحِكْمَةِ التَّأْخِيرِ المُنْبِئِ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ الآيَةَ. أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْياوِيَّةِ، ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهُمْ، حَسْبَما يُشاهِدُ. وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ، أيْ: دُمْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ، مِن عَدَمِ حُسْبانِهِ تَعالى غافِلًا عَنْ أعْمالِهِمْ، ولا تَحْزَنْ بِتَأْخِيرِ ما تَسْتَوْجِبُهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ إذْ تَأْخِيرُهُ لِلتَّشْدِيدِ، والتَّغْلِيظِ، أوْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى تارِكًا لِعُقُوبَتِهِمْ لِما تَرى مِن تَأْخِيرِها، إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذا، أوْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ، ولا يُؤاخِذُهم بِما عَمِلُوا لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ، إنَّما هو لِهَذِهِ الحِكْمَةِ. وقُرِئَ: بِالنُّونِ. وإيقاعُ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ المُؤَخَّرَ إنَّما هو عَذابُهم لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَفْظِيعِ الحالِ، بِبَيانِ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى العَذابِ، مُرْصَدُونَ لِأمْرٍ ما لا أنَّهم باقُونَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقَّهم مِنَ العَذابِ هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ، وأنْ لا يَبْقى مِنهم في الوُجُودِ عَيْنٌ، ولا أثَرٌ. ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤَخَّرَ لَهُ مِن جُمْلَةِ العَذابِ، وعُنْوانُهُ. ولَوْ قِيلَ: إنَّما يُؤَخِّرُ عَذابَهم ... إلَخْ. لَما فُهِمَ ذَلِكَ ﴿لِيَوْمٍ﴾ هائِلٍ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ تَرْتَفِعُ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمُ الكَفَرَةُ المَعْهُودُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: تَبْقى مَفْتُوحَةً، لا تَتَحَرَّكُ أجْفانُهم مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ، واعْتِبارُ عَدَمِ قَرارِها في أماكِنِها، إمّا بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ الحِسِّيِّ في جِرْمِ العَيْنِ، وإمّا بِجَعْلِ الصِّيغَةِ مَن شَخَصَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وسارَ في الِارْتِفاعِ.
إبراهيم 14:43
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ بِالخَوْفِ والذُّلِّ والخُشُوعِ، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْهِ، لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وحَيْثُ كانَ إدامَةُ النَّظَرِ هَهُنا بِالنَّظَرِ إلى الدّاعِي، قِيلَ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: رافِعِيها مَعَ إدامَةِ النَّظَرِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى شَيْءٍ، قالَهُ العُتْبِيُّ، وابْنُ عَرَفَةَ. أوْ ناكِسِيها. ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ، أيْ: طَأْطَأها، ونَكَسَها. فَهو مِنَ الأضْدادِ، وهُما حالانِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الأبْصارُ مِن أصْحابِها. والثّانِي: حالٌ مُتَداخِلَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأوَّلِ، وإضافَتُهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، فَلا يُنافِي الحالِيَّةَ، ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ تَحْرِيكُ أجْفانِهِمْ، حَسْبَما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كُلَّ لَحْظَةٍ، بَلْ تَبْقى أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أجْفانُهُمُ الَّتِي هي آلَةُ الطَّرْفِ، فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّجُوعِ إلى الطَّرْفِ مَجازِيًّا، أوْ هو نَفْسُ الجَفْنِ. قالَ الفَيْرُوزابادِيُّ: الطَّرَفُ: العَيْنُ لا يُجْمَعُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، أوِ اسْمٌ جامِعٌ لِلْعَيْنِ، أوْ لا يَرْجِعُ نَظَرُهم إلى أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى شَيْءٍ آخَرَ (p-56)فَيَبْقَوْنَ مَبْهُوتِينَ، وهو أيْضًا حالٌ، أوْ بَدَلٌ مِن مُقْنِعِي... إلَخْ. أوِ اسْتِئْنافٌ، والمَعْنى: لا يَزُولُ ما اعْتَراهم مِن شُخُوصِ الأبْصارِ، وتَأْخِيرُهُ عَمَّنْ هو مِن تَتَمَتِّهِ مِنَ الإهْطاعِ، والإقْناعِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الشُّخُوصِ المَذْكُورِ مِنَ المُناسَبَةِ لِتَرْبِيَةِ هَذا المَعْنى.
﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ، لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهَشِ، كَأنَّها نَفْسُ الهَواءِ الخالِي مِن كُلِّ شاغِلٍ، ومِنهُ قِيلٌ لِلْجَبانِ والأحْمَقِ: قَلْبُهُ هَواءٌ، أيْ: لا قُوَّةَ، ولا رَأْيَ فِيهِ، واعْتِبارُ خُلُوِّها عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهو إمّا حالٌ عامِلُها لا يَرْتَدُّ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ شُخُوصِ أبْصارِهِمْ، وعَدَمِ ارْتِدادِ طَرَفِهِمْ بِلا فَهْمٍ، ولا اخْتِيارٍ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
إبراهيم 14:44
﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إعْلامِهِ أنَّ تَأْخِيرَهم لِماذا؟ وأمْرٌ لَهُ بِإنْذارِهِمْ، وتَخْوِيفِهِمْ مِنهُ، والمُرادُ بِالنّاسِ: الكُفّارُ، المُعَبَّرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إتْيانِ العَذابِ، والعُدُولُ إلَيْهِ مِنَ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْذارِ: هو الزَّجْرُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا التَّخْوِيفُ لِلْإزْعاجِ، والإيذاءِ. فالمُناسِبُ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ. أوِ النّاسُ جَمِيعًا، فَإنَّ الإنْذارَ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والإتْيانُ يُعِمُّهُما مِن حَيْثُ كَوْنُهُما في المَوْقِفِ، وإنْ كانَ لُحُوقُهُ بِالكُفّارِ خاصَّةً، أيْ: أنْذِرْهم وخَوِّفْهم.
﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ المَعْهُودُ: وهو اليَوْمُ الَّذِي وُصِفَ بِما لا يُوصَفُ مِنَ الأوْصافِ الهائِلَةِ. أعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالسَّكَراتِ، ولِقاءِ المَلائِكَةِ بِلا بُشْرى، أوْ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، ويَأْباهُ القَصْرُ السّابِقُ، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: فَيَقُولُونَ. والعُدُولُ عَنْهُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ ما لَقُوهُ مِنَ الشِّدَّةِ، إنَّما هو لِظُلْمِهِمْ، وإيثارُهُ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ حَسْبَما ذُكِرَ أوَّلًا لِلْإيذانِ بِأنَّ الظُّلْمَ في الجُمْلَةِ كافٍ في الإفْضاءِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأهْوالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الفاعِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالنّاسِ مَن يَعُمُّ المُسْلِمِينَ أيْضًا، فالمَعْنى: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وهُمُ: الكُفّارُ. أوْ يَقُولُ كُلُّ مَن ظَلَمَ بِالشِّرْكِ، والتَّكْذِيبِ مِنَ المُنْذَرِينَ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ يَعُمُّهم كَما يَشْعُرُ بِذَلِكَ وعْدُهم بِاتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ رُدَّنا إلى الدُّنْيا وأمْهِلْنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٌ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ: الدَّعْوَةُ إلَيْكَ. أيْ: وإلى تَوْحِيدِكَ، أوْ دَعْوَتِكَ لَنا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم صَدَّقُوهم في أنَّهم مُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فِيما جاءُونا بِهِ، أيْ: نَتَدارَكُ ما فَرَّطْنا فِيهِ مِن إجابَةِ الدَّعْوَةِ، واتِّباعِ الرُّسُلِ، والجَمْعُ، إمّا بِاعْتِبارِ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى التَّوْحِيدِ، وكَوْنِ عِصْيانِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عِصْيانًا لَهم جَمِيعًا، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ ظالِمِي الأُمَمِ جَمِيعًا، والمَقْصُودُ: بَيانُ وعْدِ كُلِّ أُمَّةٍ بِاتِّباعِ رَسُولِها.
﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى "فَيَقُولُ" أيْ: فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا، وتَبْكِيتًا. ألَمْ تُؤَخَّرُوا في الدُّنْيا، ولَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ إذْ ذاكَ بِألْسِنَتِكم بَطَرًا، وأشَرًا وجَهْلًا، وسَفَهًا.
﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالحُظُوظِ الدُّنْياوِيَّةِ، أوْ بِألْسِنَةِ الحالِ حَيْثُ بَنَيْتُمْ مَشِيدًا (p-57)وَأمَّلْتُمْ بَعِيدًا، ولَمْ تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالِانْتِقالِ مِنها إلى هَذِهِ الحالَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِامْتِدادِ زَمانِ التَّأْخِيرِ، وبُعْدِ مَداهُ. أوْ ما لَكم مِن زَوالٍ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارٍ أُخْرى لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وصِيغَةُ الخِطابِ في جَوابِ القَسَمِ لِمُراعاةِ حالِ الخِطابِ في أقْسَمْتُمْ، كَما في قَوْلِهِ: حَلَفَ بِاللَّهِ لِيَخْرُجَنَّ، وهو أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ مِن أنْ يُقالَ: ما لَنا مُراعاةً لِحالِ المُقْسِمِ، ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ يُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى في أرْبَعٍ مِنها، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدَها أبَدًا، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ الآيَةَ. ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ﴾ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ، فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى: اخسئوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، فَلا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَها أبَدًا، إنْ هو إلّا زَفِيرٌ وشَهِيقٌ. وعِنْدَ ذَلِكَ انْقَطَعَ رَجاؤُهُمْ، وأقْبَلَ بَعْضُهم يَنْبَحُ في وجْهِ بَعْضٍ، وأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ. اللَّهُمَّ إنّا بِكَ نَعُوذُ، وبِكَنَفِكَ نَلُوذُ، عَزَّ جارُكَ، وجَلَّ ثَناؤُكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ.
إبراهيم 14:45
﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ مِنَ السُّكْنى، بِمَعْنى: التَّبَوُّؤِ والإيطانِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَ بِكَلِمَةِ في حَيْثُ قِيلَ: ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ جَرْيًا عَلى الأصْلِ، لِأنَّهُ مَنقُولٌ عَنْ مُطْلَقِ السُّكُونِ الَّذِي حَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِها، أوْ مِنَ السُّكُونِ واللُّبْثِ، أيْ: قَرَرْتُمْ في مَساكِنِهِمْ، مُطْمَئِنِّينَ، سائِرِينَ سِيرَتَهم في الظُّلْمِ والكُفْرِ والمَعاصِي، غَيْرَ مُحَدِّثِينَ لِأنْفُسِكم بِما لَقُوا، بِسَبَبِ ما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ، وفي إيقاعِ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما سَلَفَ إيذانًا بِأنَّ غائِلَةَ الظُّلْمِ آئِلَةٌ إلى صاحِبِهِ، والمُرادُ بِـ "هُمْ": إمّا جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الِاسْتِمْهالِ، والخِطابِ السّابِقِ بِالمُنْذَرِينَ، وإمّا أوائِلُهم مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ، عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها لِلْكُلِّ، وهَذا الخِطابُ وما يَتْلُوهُ بِاعْتِبارِ حالِ أواخِرِهِمْ.
﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ بِمُشاهَدَةِ الآثارِ، وتَواتُرِ الأخْبارِ ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ مِنَ الإهْلاكِ، والعُقُوبَةِ بِما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والفَسادِ؟ وكَيْفَ مَنصُوبٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلِ، ولَيْسَ الجُمْلَةُ فاعِلًا لِتَبَيَّنَ، كَما قالَهُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ، بَلْ فاعِلُهُ ما دَلَّتْ هي عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، أيْ: فَعَلْنا العَجِيبَ بِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: ما فَعَلْنا بِهِمْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وقُرِئَ: (وَبُيِّنَ).
﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ أيْ: بَيِّنًا لَكم في القرآن العَظِيمِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِالمُنْذَرِينَ، أوْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الظّالِمِينَ، صِفاتِ ما فَعَلُوا، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ، كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِكُلِّ ظالِمٍ لِتَعْتَبِرُوا بِها، وتَقِيسُوا أعْمالَكم عَلى أعْمالِهِمْ، ومَآلَكم عَلى مَآلِهِمْ، وتَنْتَقِلُوا مِن حُلُولِ (p-58)العَذابِ العاجِلِ إلى حُلُولِ العَذابِ الآجِلِ، فَتَرْتَدِعُوا عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ بَيَّنا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ، واسْتِحْقاقِ العَذابِ. والجُمَلُ الثَّلاثُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أقْسَمْتُمْ، أيْ: أقْسَمْتُمْ بِالخُلُودِ. والحالُ أنَّكم سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ بِظُلْمِهِمْ، وتَبَيَّنَ لَكَ فِعْلُنا العَجِيبُ بِهِمْ، ونَبَّهْناكم عَلى جَلِيَّةِ الحالِ بِضَرْبِ الأمْثالِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
إبراهيم 14:46
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ في فَعَلْنا بِهِمْ، أوْ مِنَ الثّانِي، أوْ مِنهُما جَمِيعًا، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في إبْطالِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا في عَمَلِهِ المَجْهُودَ، وجاوَزُوا فِيهِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، فالمُرادُ بَيانُ تَناهِيهِمْ في اسْتِحْقاقِ ما فُعِلَ بِهِمْ، أوْ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَذْكُورَ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ البَقاءِ، ومُدافِعَةِ أسْبابِ الزَّوالِ، فالمَقْصُودُ: إظْهارُ عَجْزِهِمْ، واضْمِحْلالُ قدرتهمْ، وحَقارَتُها عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ مَكْرِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ عَلى أنَّ المَكْرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ أخْذُهُ تَعالى بِهِمْ، عَلى أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَسْمِيَتُهُ مَكْرًا لِكَوْنِهِ بِمُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا وذِكْرًا، أوْ لِكَوْنِهِ في صُورَةِ المَكْرِ في الإتْيانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمُرادُ بِهِ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ لا أنَّهُ وعِيدٌ مُسْتَأْنِفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَكَرُوا، أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وعِنْدَ اللَّهِ جَزاؤُهُ، أوْ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، والمَقْصُودُ بَيانُ فَسادِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ باشَرُوا فِعْلًا مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ تَرْكَهُ.
﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ أيْ: وإنْ كانَ مَكْرُهم في غايَةِ المَتانَةِ والشِّدَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُسَوًّى ومُعَدًّا، لِإزالَةِ الجِبالِ عَنْ مَقارِّها لِكَوْنِهِ مَثَلًا في ذَلِكَ، والجُمْلَةُ المُصَدِّرَةُ بِـ "أنِ" الوَصْلِيَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ، والمَعْنى: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوِ المَكْرُ الَّذِي يَحِيقُ بِهِمْ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، وإنْ كانَ... إلَخْ. وقَدْ حُذِفَ ذَلِكَ حَذْفًا مُطَّرِدًا، لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ وُجُودِ المانِعِ القَوِيِّ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "إنِ" الوَصْلِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ. دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ . وقِيلَ: "إنْ" نافِيَةٌ و"اللّامُ" لِتَأْكِيدِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ . ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "وَما كانَ مَكْرُهُمْ" فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "مَكَرُوا" لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهم. والحالُ أنَّ مَكْرَهم لَمْ يَكُنْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وشَرائِعِهِ، ومُعْجِزاتِهِ الظّاهِرَةِ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الجِبالِ الرّاسِياتِ في الرُّسُوخِ. وأمّا كَوْنُها عِبارَةً عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمْرِ القرآن العَظِيمِ كَما قِيلَ. فَلا مَجالَ لَهُ إذِ الماكِرُونَ هُمُ المُهْلَكُونَ، لا السّاكِنُونَ في مَساكِنِهِمْ مِنَ المُخاطَبِينَ، وإنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُنْذَرِينَ. وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "إنَّ"، والمَعْنى: إنَّهُ كانَ مَكْرُهم لِيَزُولَ مِنهُ ما هو كالجِبالِ في الثَّباتِ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الآياتِ، والشَّرائِعِ، والمُعْجِزاتِ. والجُمْلَةُ كَما هي حالٌ مِن ضَمِيرِ مَكَرُوا، أيْ: مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَعْهُودَ، وإنَّ الشَّأْنَ كانَ مَكْرُهم لِإزالَةِ الآياتِ، والشَّرائِعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ، وكانَ شَأْنُ الآياتِ، والشَّرائِعِ مانِعًا مِن مُباشَرَةِ المَكْرِ (p-59)لِإزالَتِهِ. وقَدْ قَرَأ الكِسائِيُّ "لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها الفارِقَةُ، والمَعْنى: تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ، فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" أيْ: عِنْدَهُ تَعالى جَزاءُ مَكْرِهِمْ، أوِ المَكْرُ بِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكْرَهم بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: في غايَةِ الشِّدَّةِ، وقُرِئَ: بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفَتْحُ لامَ "كَيْ". وقُرِئَ: وإنَّ كادَ مَكْرُهم هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ويَنْساقُ إلَيْهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في "مَكَرُوا" لِلْمُنْذَرِينَ، والمُرادُ بِمَكْرِهِمْ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ. وغَيْرُهُ مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا ..." إلَخْ. حالًا مِنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، أيْ: فَيُقالُ لَهم ما يُقالُ، والحالُ أنَّهم مَعَ ما فَعَلُوا مِنَ الإقْسامِ المَذْكُورِ مَعَ ما يُنافِيهِ مِنَ السُّكُونِ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ، وتَبَيُّنِ أحْوالِهِمْ، وضَرْبِ الأمْثالِ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ العَظِيمَ، أيْ: لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ عَنْهم مُجَرَّدَ الإقْسامِ الَّذِي وُبِّخُوا بِهِ، بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" حالٌ مِن ضَمِيرِ "مَكَرُوا" حَسْبَما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ" مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ تَفاوُتِ الحالِ في تَحْقِيقِ الجَزاءِ بَيْنَ كَوْنِ مَكْرِهِمْ قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا كَما مَرَّ هُناكَ. وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ أنْ نافِيَةً، فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِ مَكَرُوا، والجِبالُ عِبارَةٌ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، أيْ: وقَدْ مَكَرُوا. والحالُ أنَّ مَكْرَهم ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ هاتِيكَ الشَّرائِعُ، والآياتُ الَّتِي هي في القُوَّةِ كالجِبالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مُخَفِّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ مَكْسُورَةٌ يَكُونُ حالًا مِنهُ أيْضًا عَلى مَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَكْرَ العَظِيمَ مِنهُمْ، كانَ لِهَذا الغَرَضِ عَلى مَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهم مَكْرٌ كَذَلِكَ لِما أنَّ شَأْنَ الشَّرائِعِ أعْظَمُ مِن أنْ يَمْكُرَ بِها ماكِرٌ، وعَلى تَقْدِيرِ فَتْحِ اللّامِ فَهُوَ: حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" كَما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.
فَلْيُتَأمَّلْ:
إبراهيم 14:47
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ ما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِالتَّعْذِيبِ لا سِيَّما الأُخْرَوِيُّ، بَلْ ما سَلَفَ آنِفًا مِن وعْدِهِ بِتَعْذِيبِ الظّالِمِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الآيَةَ. كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّهْيِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والتَّيَقُّنِ بِإنْجازِ وعْدِهِ المَذْكُورِ المَقْرُونِ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ يَوْمَ إتْيانِ العَذابِ المُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ تَعْذِيبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ رُسُلَهُمْ، بَعْدَ ما وعَدَهم بِذَلِكَ. كَما فُصِّلَتْ قِصَّةُ كُلٍّ مِنهم في القرآن العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قَدْ وعَدْناكَ بِعَذابِ الظّالِمِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأخْبَرْناكَ بِما يَلْقَوْنَهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وبِما يَسْألُونَهُ مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا، وبِما أجَبْناهم بِهِ وقَرَّعْناهم بِعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ في أحْوالِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم بِظُلْمِهِمْ بَعْدَ ما وعَدْنا رُسُلَهم بِإهْلاكِهِمْ، فَدُمْ عَلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ بِعَدَمِ إخْلافِنا رُسُلَنا وعْدَنا ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ، وقادِرٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، وتَذْيِيلٌ لَهُ، وحَيْثُ كانَ الوَعْدُ عِبارَةً عَمّا ذَكَرْنا مِن تَعْذِيبِهِمْ خاصَّةً لَمْ يُذَيَّلْ، بِأنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، بَلْ تَعَرَّضَ لِوَصْفِ العِزَّةِ والِانْتِقامِ المُشْعِرِينَ بِذَلِكَ. والمُرادُ بِالِانْتِقامِ: ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالفِعْلِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَكْرِ.
إبراهيم 14:48
(p-60)﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنِفٌ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ المَذْكُورُ، أيْ: يُنْجِزُهُ يَوْمَ... إلَخْ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، نَحْوُ: وارْتَقِبْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، أوْ لِانْتِقامٍ. وهو يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لَهُ أحْوالٌ جَمَّةٌ يُذْكَرُ كُلَّ مَرَّةٍ بِعُنْوانٍ مَخْصُوصٍ، والتَّقْيِيدُ بِهِ مَعَ عُمُومِ انْتِقامِهِ لِلْأوْقاتِ كُلِّها، لِلْإفْصاحِ عَمّا هو المَقْصُودُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ المُؤَخَّرِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، أوْ نُصِبَ بِاذْكُرْ أوْ بِإضْمارِ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ يَوْمَ تُبَدَّلُ ... إلَخْ. وفِيهِ أيْضًا ما في الوَجْهِ الثّالِثِ مِنَ الحاجَةِ إلى الِاعْتِذارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقَوْلِهِ: "مُخْلِفَ وعْدِهِ"؛ لِأنَّ ما قَبْلَ "إنَّ" لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مانِعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ" جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، فَلا يُبالى بِها فاصِلًا، واعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها". وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ، كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا غَيَّرْتَ شَكْلَها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُبَدَّلُ الأرْضُ بِأرْضٍ، كالفِضَّةِ بَيْضاءَ نَقِيَّةٍ، لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ، ولَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ، وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها. وأنْشَدَ:
؎ وما النّاسُ بِالنّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتَهم وما الدّارُ بِالدّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْلَمُ
وَتُبَدَّلُ السَّمَواتُ بِانْتِثارِ كَواكِبِها، وكُسُوفِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وانْشِقاقِها، وكَوْنِها أبْوابًا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: " «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ، لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا» ".
﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ: وتُبَدِّلُ السَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، حَسْبَما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ. وتَقْدِيمُ تَبْدِيلِ الأرْضِ لِقُرْبِها مِنّا، ولِكَوْنِ تَبْدِيلِها أعْظَمَ أثَرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا.
﴿وَبَرَزُوا﴾ أيِ: الخَلائِقُ أوِ الظّالِمُونَ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِمَعُونَةِ السِّباقِ. والمُرادُ: بُرُوزُهم مِن أجْداثِهِمُ الَّتِي في بُطُونِ الأرْضِ، أوْ ظُهُورُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها سِرًّا، ويَزْعُمُونَ أنَّها لا تَظْهَرُ، أوْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ، ولَعَلَّ إسْنادَ البُرُوزِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ لِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِتَشَكُّلِهِمْ بِأشْكالٍ تُناسِبُها، وهو مَعْطُوفٌ عَلى تُبَدَّلُ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، والرّابِطُ بَيْنَها وبَيْنَ صاحِبِها "الواوُ" ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ، والتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفَيْنِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإظْهارِ بُطْلانِ الشِّرْكِ، وتَحْقِيقُ الِانْتِقامِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لَهُ، وتَحْقِيقُ إتْيانِ العَذابِ المَوْعُودِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن "يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ"، فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُعارُ، وقادِرٌ لا يُضارُّ، ولا يُغارُّ. كانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ.
إبراهيم 14:49
﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى بَرَزُوا، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا البُرُوزُ فَهو دَفْعِيٌّ (p-61)لا اسْتِمْرارَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حالِيَّةِ بَرَزُوا فَهو مَعْطُوفٌ عَلى تُبَدَّلُ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يُنْجِزُهُ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ بَرَزُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ يَوْمَ إذْ تُبَدَّلُ الأرْضُ، أوْ يَوْمَ إذْ يُنْجِزُ وعْدَهُ.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ حَسْبَ اقْتِرانِهِمْ في الجَرائِمِ، والجَرائِرِ، أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، أوْ قُرِنُوا مَعَ ما اقْتَرَفُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والمَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ غِبَّ تَصَوُّرِ كُلٍّ مِنها، وتُشَكُّلِهِما بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ المُوحِشَةِ، والأشْكالِ الهائِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ، وهو حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ.
﴿فِي الأصْفادِ﴾ في القُيُودِ، أوِ الأغْلالِ، وهو إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مُقَرَّنِينَ"، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: مُصَفَّدِينَ.
إبراهيم 14:50
﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ: قُمْصانُهم ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في مُقَرَّنِينَ، رابِطَتُها الضَّمِيرُ فَقَطْ كَما في كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى فِي، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والقَطِرانُ: ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِما فِيهِ مِنَ الحِدَّةِ الشَّدِيدَةِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى الجَوْفِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ يُسْرِعُ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، يُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ، حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ لَهم كالسَّراوِيلِ. لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الألْوانُ الأرْبَعَةُ مِنَ العَذابِ لَذْعُهُ، وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ المُوحِشُ والنَّتَنُ. عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُشاهِدُهُ، وبَيْنَ النّارَيْنِ لا يَكادُ يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَكَأنَّ ما نُشاهِدُهُ مِنهُما أسْماءُ مُسَمَّياتِها في الآخِرَةِ فَبِكَرَمِهِ العَمِيمِ نَعُوذُ، وبِكَنَفِهِ الواسِعِ نَلُوذُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلِكاتِ الرَّدِّيَةِ، والهَناتِ الوَحْشِيَّةِ فَتَجْلُبُ إلَيْها الآلامَ والغُمُومَ، بَلْ وأنْ يَكُونَ القَطِرانُ المَذْكُورُ عَيْنَ ما لابَسُوهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ، وجَعَلُوهُ شِعارًا لَهم مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُسْتَجْلِبَةِ لِفُنُونِ العَذابِ. قَدْ تَجَسَّدَتْ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِاشْتِدادِ العَذابِ، عَصَمَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ، ولُطْفِهِ. وقُرِئَ: (مِن قَطِرانٍ) أيْ: نُحاسٍ مُذابٍ مُتَناهٍ حَرُّهُ، ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ: تَعْلُوها، وتُحِيطُ بِها النّارُ الَّتِي تَمَسُّ جَسَدَهُمُ المُسَرْبَلَ بِالقَطِرانِ. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مَعَ عُمُومِهِ لِسائِرِ أعْضائِهِمْ لِكَوْنِها أعَزَّ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ، وأشْرَفَها كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ ...﴾ " إلَخْ. ولِكَوْنِها مَجْمَعَ المَشاعِرِ، والحَواسِّ الَّتِي خُلِقَتْ لِإدْراكِ الحَقِّ، وقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَعْمِلُوها في تَدْبِيرِهِ. كَما أنَّ الفُؤادَ أشْرَفُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ، ومَحَلُّ المَعْرِفَةِ، وقَدْ مَلَئُوها بِالجَهالاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أوْ لِخُلُوِّها عَنِ القَطِرانِ المُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَشَيانِ النّارِ لَها، ولَعَلَّ تَخْلِيَتَها عَنْهُ لِيَتَعارَفُوا عِنْدَ انْكِشافِ اللَّهَبِ أحْيانًا، ويَتَضاعَفُ عَذابُهم بِالخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ. وقُرِئَ: (تَغَشّى)، أيْ: تَتَغَشّى بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ لا عَلى أنَّ الواوَ حالِيَّةٌ؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، بَلْ عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ.
إبراهيم 14:51
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ مُجْرِمَةٍ ﴿ما كَسَبَتْ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، والمَعاصِي جَزاءً مُوافِقًا لِعَمَلِها. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ جَزاءَهم مُناسِبٌ لِأعْمالِهِمْ، أوْ بِقَوْلِهِ: "بَرَزُوا" (p-62)عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى تُبَدَّلُ، والضَّمِيرُ لِلْخَلْقِ. وقَوْلُهُ: "وَتَرى المُجْرِمِينَ..." إلَخِ. اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ بِهِ، أيْ: بَرَزُوا لِلْحِسابِ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مُطِيعَةٍ، أوْ عاصِيَةٍ، ما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ عِقابِ العُصاةِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ سَبْقِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُتِمُّهُ في أعْجَلِ ما يَكُونُ مِنَ الزَّمانِ فَيُوَفِّي الجَزاءَ بِحَسْبِهِ، أوْ سَرِيعُ المَجِيءِ يَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ، أوْ سَرِيعُ الِانْتِقامِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .
إبراهيم 14:52
﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .
﴿بَلاغٌ﴾ كِفايَةٌ في العِظَةِ، والتَّذْكِيرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ما انْطَوى عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، أوْ كُلُّ القرآن المَجِيدِ مِن فُنُونِ العِظاتِ، والقَوارِعِ ﴿لِلنّاسِ﴾ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، عَلى تَقْدِيرِ: اخْتِصاصِ الإنْذارِ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ أوْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً عَلى تَقْدِيرِ: شُمُولِهِ لَهم أيْضًا، وإنْ كانَ ما شُرِحَ مُخْتَصًّا بِالظّالِمِينَ.
﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَلاغِ، أيْ: كِفايَةٌ لَهم في أنَّ يَنْصَحُوا، ويُنْذَرُوا بِهِ، أوْ هَذا بَلاغٌ لَهم لِيَفْهَمُوهُ، ولِيُنْذَرُوا بِهِ، عَلى أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى: الإبْلاغُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ولِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ، أوْ تُلِيَ، وقُرِئَ: لِيَنْذَرُوا بِهِ مِن نَذِرَ الشَّيْءَ، إذا عَلِمَهُ وحَذِرَهُ واسْتَعَدَّ لَهُ.
﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بِالتَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي إهْلاكُ الأُمَمِ، وإسْكانُ آخَرِينَ مَساكِنَهم وغَيْرُهُما مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ ﴿أنّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى التَّأمُّلِ المُؤَدِّي إلى ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ العِلْمِ المَذْكُورِ، والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألباب﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وغَيْرِهِ مِن شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومُعامَلَتِهِ مَعَ عِبادِهِ، فَيَرْتَدِعُوا عَمّا يُرْدِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها الكُفّارُ، ويَتَدَرَّعُوا بِما يُحْظِيهِمْ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وفي تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألباب تَلْوِيحٌ بِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالكُفّارِ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِهَذا ما ذَكَرْنا مِنَ القَوارِعِ المَسُوقَةِ لِشَأْنِهِمْ لا كُلُّ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، وعَلى ما سَبَقَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّ فِيهِ ما يُفِيدُهم فائِدَةً جَدِيدَةً، وحَيْثُ كانَ ما يُفِيدُهُ البَلاغُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَفَرَةِ أمْرًا حادِثًا. وبِالنِّسْبَةِ إلى أُولِي الألباب الثَّباتَ عَلى ذَلِكَ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ: بِالعِلْمِ. وعَنِ الثّانِي: بِالتَّذْكِيرِ. ورُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَتْمِ بِالحُسْنى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ، خَتَمَ اللَّهُ لَنا بِالسَّعادَةِ والحُسْنى، ورَزَقَنا الفَوْزَ بِمَرْضاتِهِ في الأُولى والعُقْبى آمِينَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ إبْراهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن عَبَدَ الأصْنامَ، ومَن لَمْ يَعْبُدْهُ» ". والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.
الحجر 15:1
(p-63)(سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةُ 87 فَمَدَنِيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وتِسْعُونَ)
﴿الر﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، وفي مَحَلِّهِ في مَطْلَعِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وأخَواتِها.
﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ، أيْ: تِلْكَ السُّورَةُ العَظِيمَةُ الشَّأْنِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ الكامِلِ المَعْهُودِ الغَنِيِّ عَنِ الوَصْفِ بِهِ، المَشْهُورِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: بَعْضٌ مِنهُ مُتَرْجَمٌ مُسْتَقِلٌّ بِاسْمٍ خاصٍّ، فَهو عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القرآن، أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنْزَلِ إذْ ذاكَ، إذْ هو المُتَسارِعُ إلى الفَهْمِ حِينَئِذٍ عِنْدَ الإطْلاقِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ فائِدَةُ وصْفِ الآياتِ بِنَعْتِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ لا عَلى جَعْلِهِ عِبارَةً عَنِ السُّورَةِ، إذْ هي في الِاتِّصافِ بِذَلِكَ لَيْسَتْ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ حَتّى يُسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالوَصْفِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ آياتِها، فَلا بُدَّ مِن جَعْلِ تِلْكَ إشارَةً إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، وفِيهِ مِنَ التَّكْلِيفِ ما لا يَخْفى كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
﴿وَقُرْآنٍ﴾ أيْ: قُرْآنٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ، ﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِرٍ لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحِكَمِ، والأحْكامِ، أوْ لِسَبِيلِ الرُّشْدِ والغَيِّ، أوْ فارِقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ. ولَقَدْ فُخِّمَ شَأْنُهُ العَظِيمُ مَعَ ما جُمِعَ فِيهِ مِن وصْفَيِ الكِتابِيَّةِ والقرآنيَّةِ عَلى الطَّرِيقَتَيْنِ:
إحْداهُما: اشْتِمالُهُ عَلى صِفاتِ كَمالِ جِنْسِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، فَكَأنَّهُ كُلُّها. والثّانِيَةُ: طَرِيقَةُ كَوْنِهِ مُمْتازًا عَنْ غَيْرِهِ نَسِيجَ وحْدِهِ بَدِيعًا في بابِهِ، خارِجًا عَنْ دائِرَةِ البَيانِ، وأُخِّرَتِ الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ لِما أنَّ الإشارَةَ إلى امْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى انْطِوائِهِ عَلى كِمالاتِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، أدْخَلُ في المَدْحِ كَيْلا يُتَوَهَّمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ امْتِيازَهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْصافٍ خاصَّةٍ بِهِ مِن غَيْرِ اشْتِمالِهِ عَلى نُعُوتِ كَمالِ سائِرِ الكُتُبِ الكَرِيمَةِ، وهَكَذا الكَلامُ في فاتِحَةِ سُورَةِ النَّمْلِ، خَلا أنَّهُ قُدِّمَ فِيها القرآن عَلى الكِتابِ لِما سَيُذْكَرُ هُناكَ.
الحجر 15:2
وَلَمّا بَيَّنَ كَوْنَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَعْضًا مِنَ الكِتابِ، والقرآن لِتَوْجِيهِ المُخاطَبِينَ إلى حُسْنِ تَلَقِّي ما فِيها مِنَ الأحْكامِ، والقَصَصِ، والمَواعِظِ. شَرَعَ في بَيانِ ما تَتَضَمَّنُهُ فَقِيلَ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾
﴿رُبَما﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ. وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ، وبِفَتْحِ الرّاءِ مُخَفَّفًا، وبِزِيادَةِ التّاءِ مُشَدَّدًا، وفِيهِ ثَمانِي لُغاتٍ: فَتْحُ الرّاءِ وضَمُّها مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، وبِزِيادَةِ التّاءِ أيْضًا مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، و "رُبَّ" حَرْفُ جَرٍّ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ، و "ما" كافَّةٌ مُصَحِّحَةٌ لِدُخُولِها عَلى الفِعْلِ، وحَقُّهُ الدُّخُولُ عَلى الماضِي، ودُخُولُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِما أنَّ المُتَرَقَّبَ في أخْبارِهِ تَعالى كالماضِي المَقْطُوعِ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: رُبَّما ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ: كُفْرُهم بِالكِتابِ، والقرآن، وكَوْنِهِ (p-64)مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، ومُذْعِنِينَ لِأمْرِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما كانَ بِالجُحُودِ، بَعْدَ ما عَلِمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتِلْكَ الوَدادَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، أوْ عِنْدَ مُعايَنَةِ حالِهِمْ وحالِ المُسْلِمِينَ، أوْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ خُرُوجَ عُصاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ. ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ واجْتَمَعْ أهْلُ النّارِ في النّارِ، ومَعَهم مَن شاءَ تَعالى مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ لَهُمُ الكُفّارُ: ألَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؟ قالُوا: بَلى. قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكُمْ، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا إلى النّارِ؟ قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها، فَيَغْضَبُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيَأْمُرُ بِكُلِّ مَن كانَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ في النّارِ، فَيَخْرُجُونَ مِنها، فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ» ". ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لا يَزالُ الرَّبُّ يَرْحَمُ، ويُشَفَّعُ إلَيْهِ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَ الإسْلامَ. والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى شِدَّةِ ودادَتِهِمْ، وأمّا نَفْسُ الوَدادَةِ فَلَيْسَتْ بِمُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ، بَلْ هي مُقَرَّرَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ آنٍ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ المُرادَ بَيانُ ذَلِكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكَثْرَةِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّقْلِيلِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ العَرَبَ فِيما يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ، فِيما يَعْكِسُونَ عَنْهُ تَقُولُ لِبَعْضِ قُوّادِ العَساكِرِ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الفُرْسانِ؟ فَيَقُولُ: رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي، أوْ لا تَعْدَمُ عِنْدِي فارِسًا، وعِنْدَهُ مَقانِبُ جَمَّةٌ مِنَ الكَتائِبِ، وقَصْدُهُ في ذَلِكَ: التَّمّارِي في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ إظْهارَ بَراءَتِهِ مِنَ التَّزَيُّدِ، وإبْرازَ أنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ لِعُلُوِّ الهِمَّةِ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ فَضْلًا عَنْ تَكْثِيرِ القَلِيلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ إنَّما تُسْلَكُ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الوُضُوحِ، بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ فَيُصارُ إلَيْهِ هَضْمًا لِلْحَقِّ، فَدَلَّ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى ودادَةِ الكافِرِينَ لِلْإسْلامِ في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ اليَوْمِ الآخِرِ، وأنَّ ذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُشْتَبَهُ عَلى أحَدٍ، ولَوْ جِيءَ بِكَلامٍ يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ، وعَلى أنَّ تِلْكَ الوَدادَةَ مَعَ كَثْرَتِها في نَفْسِها مِمّا يُسْتَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ، وهَذا هو المُوافِقُ لِمَقامِ بَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الكُفّارِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّكْذِيبِ. كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ ... الآيَةَ. أوْ ذَهابًا إلى الإشْعارِ بِأنَّ مِن شَأْنِ العاقِلِ إذا عَنَّ لَهُ أمْرٌ يَكُونُ مَظْنُونَ الحَمْدِ، أوْ قَلِيلًا ما يَكُونُ كَذَلِكَ. أنْ لا يُفارِقَهُ، ولا يُفارِقَ ضِدَّهُ. فَكَيْفَ إذا كانَ مُتَيَقِّنَ الحَمْدِ؟ كَما في قَوْلِهِمْ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ، ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ، فَإنَّ المَقْصُودَ: لَيْسَ بَيانَ كَوْنِ النَّدَمِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ بِلا تَيَقُّنٍ بِهِ، أوْ قَلِيلَ الوُقُوعِ، بَلِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ لا يُباشِرُ ما يُرْجى فِيهِ النَّدَمُ، أوْ يَقِلُّ وُقُوعُهُ فِيهِ. فَكَيْفَ بِقَطْعِيِّ الوُقُوعِ، وأنَّهُ يَكْفِي قَلِيلُ النَّدَمِ في كَوْنِهِ حاجِزًا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ؟ فَكَيْفَ كَثِيرُهُ، والمَقْصُودُ مِن سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إظْهارُ التَّرَفُّعِ، والِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالغَرَضِ بِناءً عَلى ادِّعاءِ ظُهُورِهِ؟ فالمَعْنى: لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُفارِقُوهُ. فَكَيْفَ وهم يَوَدُّونَهُ كُلَّ آنٍ، وهَذا أوْفَقُ بِمَقامِ اسْتِنْزالِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذانِ طَرِيقانِ مُتَمايِزانِ ذاتًا، ومَقامًا، فَمَن ظَنَّهُما واحِدًا فَقَدْ نَأى عَنْ تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ؟
الحجر 15:3
﴿ذَرْهُمْ﴾ دَعْهم عَنِ النَّهْيِ، عَمّا هم عَلَيْهِ بِالتَّذْكِرَةِ، والنَّصِيحَةِ. إذْ لا سَبِيلَ إلى ارْعِوائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وبالِغْ في تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهُمْ، بَلْ مُرْهم بِتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ.
﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ بِدُنْياهم. وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إيذانٌ بِأنَّ تَمَتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمَتُّعِ البَهائِمِ بِالمَآكِلِ (p-65)والمَشارِبِ. والمُرادُ: دَوامُهم عَلى ذَلِكَ لا إحْداثُهُ، فَإنَّهم كانُوا كَذَلِكَ. أوْ تَمَتُّعُهم بِلا اسْتِماعِ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم مِنَ القَوارِعِ، والزَّواجِرِ، فَإنَّ التَّمَتُّعَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ أمْرٌ حادِثٌ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلى تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهُمْ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ ويَشْغَلْهم عَنِ اتِّباعِكَ، أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما هم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ، والطّاعَةِ، فَإنَّ الأكْلَ والتَّمَتُّعَ يُفْضِيانِ إلى ذَلِكَ ﴿الأمَلُ﴾ والتَّوَقُّعُ لِطُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الأوْطارِ، واسْتِقامَةِ الأحْوالِ، وأنْ لا يَلْقَوْا في العاقِبَةِ والمَآلِ إلّا خَيْرًا. فالأفْعالُ الثَّلاثَةُ مَجْزُومَةٌ عَلى الجَوابِيَّةِ لِلْأمْرِ، حَسْبَما عَرَفْتَ مِن تَضَمُّنِ الأمْرِ بِالتَّرْكِ لِلْأمْرِ بِها عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأفْعالِ المَرْقُومَةِ مُباشَرَتَهم لَها غافِلِينَ عَنْ وخامَةِ عاقِبَتِها، غَيْرَ سامِعِينَ لِسُوءِ مَغَبَّتِها أصْلًا، ولا رَيْبَ في تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى الأمْرِ بِالتَّرْكِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ارْتِكابِ القَبائِحِ مِمّا يُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ مُتَعَهُمْ، ويُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ عَيْشَهُمْ، فَأُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَرْكِهِ لِيَتَمَرَّغُوا فِيما هم فِيهِ مِن حُظُوظِهِمْ، فَيَدْهَمُهم ما يَدْهَمُهُمْ، وهم عَنْهُ غافِلُونَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ، أوْ وخامَةَ عاقِبَتِهِ، أوْ حَقِيقَةَ الحالِ الَّتِي ألْجَأتْهم إلى التَّمَنِّي المَذْكُورِ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مِن جِهَتِكَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ وعِيدًا أيَّما وعِيدٍ، وتَهْدِيدًا غِبَّ تَهْدِيدٍ، تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْكِ، فَإنَّ عِلْمَهم ذَلِكَ عِلَّةٌ لِتَرْكَ النَّهْيِ، والنَّصِيحَةِ لَهُمْ، وفِيهِ إلْزامٌ لِلْحُجَّةِ، ومُبالَغَةٌ في الإنْذارِ إذْ لا يَتَحَقَّقُ الأمْرُ بِالضِّدِّ إلّا بَعْدَ تَكَرُّرِ الإنْذارِ، وتَقَرُّرِ الجُحُودِ، والإنْكارِ، وكَذَلِكَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأكْلِ، والتَّمَتُّعِ، والإلْهاءِ.
الحجر 15:4
﴿وَما أهْلَكْنا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَدَمِ نَظْمِهِمْ في سَلْكِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في تَعْجِيلِ العَذابِ، أيْ: ما أهْلَكْنا ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى بِالخَسْفِ بِها، وبِأهْلِها كَما فُعِلَ بِبَعْضِها، أوْ بِإخْلائِها عَنْ أهْلِها غِبَّ إهْلاكِهِمْ كَما فُعِلَ بِآخَرِينَ، ﴿إلا ولَها﴾ في ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ واجِبُ المُراعاةِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ لِوُقُوعِهِ حَسْبَ الحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، ﴿مَعْلُومٌ﴾ لا يُنْسى، ولا يُغْفَلُ عَنْهُ حَتّى يُتَصَوَّرَ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ. فَكِتابٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن قَرْيَةٍ، فَإنَّها لِعُمُومِها لا سِيَّما بَعْدَ تَأكُّدِهِ بِكَلِمَةِ مِن في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. والمَعْنى: ما أهْلَكَنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ أنْ يَكُونَ لَها كِتابٌ، أيْ: أجَلٌ مُوَقَّتٌ لِمَهْلِكِها قَدْ كَتَبْناهُ، لا نُهْلِكُها قَبْلَ بُلُوغِهِ مَعْلُومٌ لا يُغْفَلُ عَنْهُ، حَتّى يُمْكِنَ مُخالَفَتُهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ، والجُمْلَةُ كَما هي حالٌ أيْ: ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا وقَدْ كانَ لَها في حَقِّ هَلاكِها كِتابٌ، أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ مَعْلُومٌ لا يُغْفَلُ عَنْهُ، أوْ صِفَةٌ لَكِنْ لا لِلْقَرْيَةِ المَذْكُورَةِ، بَلْ لِلْمَقْدِرَةِ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ المَذْكُورَةِ عَلى المُخْتارِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ صِفَةً لِلْمَذْكُورَةِ، أيْ: ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا قَرْيَةً لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لا يُسْمِنُ" صِفَةٌ. لَكِنْ لا لِلطَّعامِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ طَعامِهِمُ الَّذِي لا يُسْمِنُ في الضَّرِيعِ، ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، بَلْ لِلطَّعامِ المُقَدَّرِ بَعْدَ إلّا، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ مِن شَيْءِ مِنَ الأشْياءِ إلّا طَعامٌ لا يُسْمِنُ، فَلَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِكَلِمَةِ إلّا كَما تُوُهِّمَ، وأمّا تَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَهُما (p-66)وَإنْ كانَ القِياسُ عَدَمَهُ فَلِلْإيذانِ بِكَمالِ الِالتِصاقِ بَيْنَهُما، مِن حَيْثُ إنَّ الواوَ شَأْنُها الجَمْعُ، والرَّبْطُ. فَإنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الصِّفَةِ أقْوى لُصُوقًا بِالمَوْصُوفِ مِنها بِهِ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ فَإنَّ امْتِناعَ انْفِكاكِ الإهْلاكِ عَنِ الأجَلِ المُقَدَّرِ عَقْلِيٌّ. وعَنِ الإنْذارِ عادِيٌّ جَرى عَلَيْهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الأُمَمَ المُهْلَكَةَ كانَ لِكُلٍّ مِنهم وقْتٌ مُعَيَّنٌ لِهَلاكِهِمْ لَمْ يَكُنْ إلّا حَسْبَما كانَ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، بَيَّنَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِنهُمْ، ومِن غَيْرِهِمْ لَها كِتابٌ لا يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، ولا التَّأخُّرُ عَنْهُ.
الحجر 15:5
فَقِيلَ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿أجَلَها﴾ المَكْتُوبَ في كِتابِها، أيْ: لا يَجِيءُ هَلاكُها قَبْلَ مَجِيءِ كِتابِها، أوْ لا تَمْضِي أُمَّةٌ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِها فَإنَّ السَّبْقَ إذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِيٍّ فَمَعْناهُ: المُجاوَزَةُ، والتَّخْلِيفُ. فَإذا قُلْتَ: سَبَقَ زَيْدٌ عَمْرًا، فَمَعْناهُ: أنَّهُ جاوَزَهُ، وخَلَّفَهُ وراءَهُ، وإذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانٍ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الزَّمانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ، والتَّوَجُّهُ إلى المُتَكَلِّمِ، فَما سَبَقَهُ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وأمّا الزَّمانِيُّ فَإنَّما يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ، والتَّوَجُّهُ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمانِ، فالسّابِقُ ما تَقَدَّمَ إلى المَقْصِدِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأجَلِ، بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السَّبْقِ. كَما أنَّ إيرادَهُ بِعُنْوانِ الكِتابِ المَعْلُومِ، بِاعْتِبارِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الإهْلاكِ.
﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ: وما يَتَأخَّرُونَ. وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ: لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ ما ذُكِرَ نَفْيُ الإهْلاكِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ دَوامِهِما، واسْتِمْرارِهِما فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والباقِيَةِ، وإسْنادُهُما إلى الأُمَّةِ بَعْدَ إسْنادِ الإهْلاكِ إلى القَرْيَةِ لِما أنَّ السَّبْقَ، والِاسْتِئْخارَ حالُ الأُمَّةِ دُونَ القَرْيَةِ. مَعَ ما في الأُمَّةِ مِنَ العُمُومِ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ عَدَمِ تَأخُّرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ سَبْقِهِمْ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامُ المُبالِغَةِ في بَيانِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ: إمّا بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ السَّبْقِ في الوُجُودِ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ، مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ. وإيرادُ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى مَعَ التَّغْلِيبِ، ولِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما سَبَقَ، والمَعْنى: أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِبَيانِ ودادَتِهِمْ لِلْإسْلامِ إذْ ذاكَ. وبِالأمْرِ بِتَرْكِهِمْ وشَأْنَهم إلى أنْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ، إنَّما هو لِتَأخُّرِ أجْلِهِمُ المُقَدِّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، ومِن جُمْلَتِها ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِ بَعْضِ مَن يَخْرُجُ مِنهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الحجر 15:6
﴿وَقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ بَعْدَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالكِتابِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُمْ، والقائِلُونَ مُشْرِكُو مَكَّةَ لِغايَةِ تَمادِيهِمْ في العُتُوِّ، والغَيِّ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ خاطَبُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا تَسْلِيمًا لِذَلِكَ، واعْتِقادًا لَهُ، بَلِ اسْتِهْزاءً بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ حُكْمِهِمُ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنُونُ: يا مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا الأمْرِ البَدِيعِ، الخارِقِ لِلْعاداتِ إنَّكَ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّعْوى، أوْ بِشَهادَةِ ما يَعْتَرِيكَ عِنْدَ ما تَدَّعِي أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْكَ لَمَجْنُونٌ. (p-67)وَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ؛ لِأنَّ إنْكارَهم مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ النّازِلِ ذِكْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ النّازِلِ مِنهُ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ الإنْكارَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى، وإيرادُ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِإيهامِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ، أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ لا إلى اسْتِنادِهِ إلى الفاعِلِ.
الحجر 15:7
﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ كَلِمَةُ لَوْ عِنْدَ تَرَكُّبِها مَعَ ما تُفِيدُ ما تُفِيدُهُ عِنْدَ تَرَكُّبِها مَعَ لا مِن مَعْنى امْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، ومَعْنى التَّحْضِيضِ. خَلا أنَّهُ عِنْدَ إزادَتِهِ لا يَلِيها إلّا فِعْلٌ ظاهِرٌ، أوْ مُضْمَرٌ. وعِنْدَ إرادَةِ المَعْنى الأوَّلِ لا يَلِيها إلّا اسْمٌ ظاهِرٌ، أوْ مُقَدَّرٌ، عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. والمُرادُ: هَهُنا هو الثّانِي، أيْ: هَلّا تَأْتِينا ﴿بِالمَلائِكَةِ﴾ يَشْهَدُونَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ، ويُعَضِّدُونَكَ في الإنْذارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أوْ يُعاقِبُونَنا عَلى التَّكْذِيبِ كَما تَأْتِي الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ، فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وكَذا احْتِياجُكَ إلَيْهِ في تَمْشِيَةِ أمْرِكَ، فَإنّا لا نُصَدِّقُكَ بِدُونِ ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الرُّسُلِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ عُذِّبَتْ أُمَمُهُمُ المُكَذِّبَةُ لَهم.
الحجر 15:8
﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ التَّنْزِيلِ. وقُرِئَ: (مِنَ الإنْزالِ). وقُرِئَ: (تُنَزَّلُ) مُضارِعًا مِنَ التَّنْزِيلِ عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومِنَ التَّنْزِيلِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وماضِيًا مِنهُ ومِنَ التَّنْزِيلِ، ومِنَ الثُّلاثِيِّ. وهو كَلامٌ مَسُوقٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، جَوابًا لَهم عَنْ مَقالَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ، ورَدًّا لِاقْتِراحِهِمُ الباطِلِ، ولِشِدَّةِ اسْتِدْعاءِ ذَلِكَ لِلْجَوابِ قُدِّمَ رَدُّهُ عَلى ما هو جَوابٌ عَنْ أوَّلِها، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ ... الآيَةَ. كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ قُدِّمَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ ... الآيَةَ. مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا عَنْ أوَّلِ كَلامِهِمُ الَّذِي هو قَوْلُهُمْ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ لِما ذُكِرَ مِن شِدَّةِ اقْتِضائِهِ لِلْجَوابِ، ولِيَكُونَ أحَدُ الجَوابَيْنِ مُتَّصِلًا بِالسُّؤالِ، وفي العَكْسِ يَلْزَمُ انْفِصالُ كُلٍّ مِنَ الجَوابَيْنِ عَنْ سُؤالِهِ، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِهِ لِظاهِرِ كَلامِهِمْ بِصَدَدِ الِاقْتِراحِ، وهو أنْ يُقالَ: ما تَأْتِيهِمْ بِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ أخْطَئُوا في التَّعْبِيرِ، حَسْبَما أخْطَئُوا في الِاقْتِراحِ، وأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ أعْلى مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ مُطْلَقُ الإتْيانِ الشّامِلِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِ الأمْكِنَةِ المُتَساوِيَةِ إلى الآخَرِ مِنها، بَلْ مِنَ الأسْفَلِ إلى الأعْلى، وأنْ يَكُونَ مَقْصِدُ حَرَكاتِهِمْ، أُولَئِكَ الكَفَرَةَ. وأنْ يَدْخُلُوا تَحْتَ مَلَكُوتِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، وإنَّما الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِمُ النُّزُولُ مِن مَقامِهِمُ العالِي، وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْزِيلِ مِن جَنابِ الرَّبِّ الجَلِيلِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَجْرِي بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ والَّذِي اقْتَرَحُوهُ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ لَدَيْهِمْ وهم هُمْ، ومَنزِلَتُهم في الحَقارَةِ والهَوانِ، مَنزِلَتُهم مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ والحِكْمَةِ أصْلًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّنْزِيلِ بِالوَحْيِ الَّذِي لا يَكادُ يُفْتَحُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الكِرامِ مِن (p-68)أفْرادِ كُمَّلِ المُؤْمِنِينَ. فَكَيْفَ عَلى أمْثالِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ اللِّئامِ؟ وإنَّما الَّذِي يَدْخُلُ في حَقِّهِمْ تَحْتَ الحِكْمَةِ في الجُمْلَةِ هو التَّنْزِيلُ لِلتَّعْذِيبِ، والِاسْتِئْصالِ كَما فُعِلَ بِأضْرابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لاسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ، ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ جَزاءُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ، وفِيهِ إيذانٌ بِإنْتاجِ مُقَدِّماتِهِمْ لِنَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ صاحِبُ النَّظْمِ لَفْظَةُ إذَنْ مُرَكَّبَةٌ مِن إذْ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى الحِينِ. تَقُولُ: أتَيْتُكَ إذْ جِئْتِنِي، أيْ حِينَ جِئْتَنِي، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْهِ أنْ فَصارَ "إذْ أنْ"، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا الهَمْزَةَ فَحَذَفُوها، فَمَجِيءُ لَفْظَةِ "أنْ" دَلِيلٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها، والتَّقْدِيرُ: وما كانُوا إذْ أنْ كانَ ما طَلَبُوهُ مُنْظَرِينَ. والمَعْنى: لَوْ نَزَّلْناهم ما كانُوا مُؤَخَّرِينَ كَدَأْبِ سائِرِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُسْتَهْزِئَةِ، ومَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ قَدْ جَرى قَلَمُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَسْبَما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ ... إلَخْ وحالَ حائِلُ الحِكْمَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ اسْتِئْصالِهِمْ، لِتَعَلُّقِ العِلْمِ والإرادَةِ بِازْدِيادِهِمْ عَذابًا، وبِإيمانِ بَعْضِ ذَرارِيِّهِمْ، وأمّا نَظْمُ إيمانِ بَعْضِهِمْ في سِمْطِ الحِكْمَةِ فَيَأْباهُ مَقامُ بَيانِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والفَسادِ، ولَجاجِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ. هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ إعْجازُ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وأمّا ما قِيلَ في تَعْلِيلِ عَدَمِ مُوافَقَةِ التَّنْزِيلِ لِلْحِكْمَةِ مِن أنَّهم حِينَئِذٍ يَكُونُونَ مُصَدِّقِينَ عَنِ اضْطِرارٍ، أوْ أنَّهُ لا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم بِصُوَرٍ تُشاهِدُونَها، فَإنَّهُ لا يَزِيدُكم إلّا لُبْسًا، أوْ أنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ، وحُصُولِ الفائِدَةِ بِإنْزالِهِمْ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَصِيرُ إنْزالُهم عَبَثًا باطِلًا، ولا يَكُونُ حَقًّا، فَمَعَ إخْلالِ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِقَطِيعَةِ الباقِي لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اقْتِراحِهِمْ لِإتْيانِ المَلائِكَةِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ لِتَعْذِيبِهِمْ. فالمَعْنى: إنّا ما نُنْزِلُ المَلائِكَةَ لِلتَّعْذِيبِ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ حَتْمًا، بِحَيْثُ لا مَحِيدَ عَنْهُ، ولَوْ نَزَّلْناهم حَسْبَما اقْتَرَحُوا ما كانَ ذَلِكَ التَّنْزِيلُ مُلْتَبِسًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ المُوجِبَةِ لِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رِفْقًا بِهِمْ، بَلْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ كَما مَرَّ مِن قَبْلُ، وحَيْثُ كانَ في نِسْبَةِ تَنْزِيلِهِمْ لِلتَّعْذِيبِ إلى عَدَمِ مُوافَقَتِهِ الحِكْمَةَ نَوْعُ إيهامٍ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ التَّعْذِيبَ عُدِلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَزَّلْناهم ما كانُوا مُنْظَرِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ المُوجِبَةِ لِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ، لِتَشْدِيدِ عِقابِهِمْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ: الوَحْيُ. وقِيلَ: العَذابُ. فَتَدَبَّرْ:
الحجر 15:9
﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لِإنْكارِهِمُ التَّنْزِيلَ، واسْتِهْزائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ، أيْ: نَحْنُ بِعِظَمِ شَأْنِنا، وعُلُوِّ جَنابِنا نَزَّلْنا ذَلِكَ الذِّكْرَ الَّذِي أنْكَرُوهُ وأنْكَرُوا نُزُولَهُ عَلَيْكَ، ونَسَبُوكَ بِذَلِكَ إلى الجُنُونِ، وعَمُوا مُنْزِلَهُ حَيْثُ بَنَوُا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إيماءً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا مَصْدَرَ لَهُ، وفِعْلٌ لا فاعِلَ لَهُ.
﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: تَكْذِيبُهم لَهُ، واسْتِهْزاؤُهم بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. فَيَكُونُ وعِيدًا لِلْمُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا الحِفْظُ عَنْ مُجَرَّدِ التَّحْرِيفِ، والزِّيادَةِ، والنَّقْصِ، وأمْثالِها فَلَيْسَ بِمُقْتَضى المَقامِ، فالوَجْهُ: الحَمْلُ عَلى الحِفْظِ مِن جَمِيعِ ما يَقْدَحُ فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ، والمُجادَلَةِ في حَقِّيَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ حِفْظُهُ بِالإعْجازِ دَلِيلًا عَلى التَّنْزِيلِ مِن عِنْدِهِ تَعالى إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ (p-69)غَيْرِ اللَّهِ لَتَطَرَّقَ عَلَيْهِ الزِّيادَةُ، والنَّقْصُ، والِاخْتِلافُ. وفي سَبْكِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الكِبْرِياءِ، والجَلالَةِ، وعَلى فَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ما لا يَخْفى. وفي إيرادِ الثّانِيَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ الحِفْظِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّسُولِ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وتَأْخِيرُ هَذا الكَلامِ، وإنْ كانَ جَوابًا عَنْ أوَّلِ كَلامِهِمُ الباطِلِ رَدًّا لَهُ لِما ذُكِرَ آنِفًا، ولِارْتِباطِهِ بِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:10
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: رُسُلًا. وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
﴿مِن قَبْلِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هُوَ: نَعْتٌ لِلْمَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أيْ: رُسُلًا كائِنَةً مِن قَبْلِكَ.
﴿فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: فِرَقِهِمْ وأحْزابِهِمْ. جَمْعُ: شِيعَةٍ: وهي الفِرْقَةُ المُتَّفِقَةُ عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ مِن شاعَهُ إذا تَبِعَهُ. وإضافَتُهُ إلى الأوَّلِينَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ، ومِن حَذْفِ المَوْصُوفِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، أيْ: شِيَعِ الأُمَمِ الأوَّلِينَ. ومَعْنى إرْسالِهِمْ فِيهِمْ: جَعْلُ كُلٍّ مِنهم رَسُولًا فِيما بَيْنَ طائِفَةٍ مِنهم لِيُتابِعُوهُ في كُلِّ ما يَأْتِي، ويَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
الحجر 15:11
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ المُرادُ نَفْيُ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِشِيعَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، لا نَفْيُ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الشِّيَعِ جَمِيعًا، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، فَإنَّ ما لا تَدْخُلُ في الأغْلَبِ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو في مَعْنى الحالِ، ولا عَلى ماضٍ إلّا وهو قَرِيبٌ مِنَ الحالِ، أيْ: ما أتى شِيعَةً مِن تِلْكَ الشِّيَعِ رَسُولٌ خاصٌّ بِها ﴿إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في يَأْتِيهِمْ إذا كانَ المُرادُ بِالإتْيانِ: حُدُوثَهُ. أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ رَسُولٍ، فَإنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: إلّا رَسُولٌ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، وأمّا الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ، بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. فَيُفْضِي إلى زِيادَةِ مِنَ الِاسْتِغْراقِيَّةِ في الإثْباتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الوَصْفِيَّةِ، بِأنْ يُقَدَّرَ المَوْصُوفُ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، وإنْ كانَ المُخْتارُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِيَّةِ، وهَذا كَما تَرى تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ الجُهّالِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَيْثُ كانَ الرَّسُولُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى تَضَمَّنَ ذِكْرَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرَّسُولِ اسْتِهْزاءَهم بِالكِتابِ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
الحجر 15:12
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن إلْقاءِ الوَحْيِ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ الَّذِي سَلَكْناهُ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِرُسُلِهِمْ، وبِما جاءُوا بِهِ مِنَ الكُتُبِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أيِ: الذِّكْرَ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: أهْلِ مَكَّةَ، أوْ جِنْسِ المُجْرِمِينَ. فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: نَسْلُكُهُ سَلْكًا مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ، أوْ نَسْلُكُ السَّلْكَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَهُ، أيْ: مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لِما تَقْضِيهِ الحِكْمَةُ، فَإنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلانِ لَيْسَ لَهُمُ اسْتِحْقاقٌ لِقَبُولِ الحَقِّ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِكَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ مُقَدَّرًا في الوُجُودِ، وهو السَّلْكُ الواقِعُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والسَّلْكُ: إدْخالُ الشَّيْءِ في آخَرَ. يُقالُ: سَلَكْتُ الخَيْطَ في الإبْرَةِ (p-70)والرُّمْحَ في المَطْعُونِ.
الحجر 15:13
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ حالٌ مِن ضَمِيرِ نَسْلُكُهُ، أيْ: غَيْرُ مُؤْمَنٍ بِهِ، أوْ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلِاسْتِهْزاءِ فَيَتَعَيَّنُ البَيانِيَّةُ إلّا أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ أيْضًا لَهُ، عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: نَسْلُكُ الِاسْتِهْزاءَ في قُلُوبِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمُلابَسَتِهِ. والحالُ إمّا مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُقارِنَةٌ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُفْرَهم مُقارِنٌ لِلْإلْقاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: قَدْ مَضَتْ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي سَنَّها اللَّهُ تَعالى في إهْلاكِهِمْ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، والِاسْتِهْزاءِ. وهو اسْتِئْنافٌ جِيءَ لَهُ تَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
الحجر 15:14
﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ المُعانِدِينَ ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: بابًا ما لا بابًا مِن أبْوابِها المَعْهُودَةِ، كَما قِيلَ: ويَسَّرْنا لَهُمُ الرُّقِيَّ والصُّعُودَ إلَيْهِ، ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ في ذَلِكَ البابِ ﴿يَعْرُجُونَ﴾ بِآلَةٍ أوْ بِغَيْرِها، ويَرَوْنَ ما فِيها مِنَ العَجائِبِ عِيانًا، كَما يُفِيدُهُ الظُّلُولُ، أوْ فَظَلَّ المَلائِكَةُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إتْيانَهم يَعْرُجُونَ في ذَلِكَ البابِ، وهم يَرَوْنَهُ عِيانًا، مُسْتَوْضِحِينَ طُولَ نَهارِهِمْ.
الحجر 15:15
﴿لَقالُوا﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ، وتَفادِيهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ أيْ: سُدَّتْ مِنَ الإحْساسِ مِنَ السُّكْرِ. كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ. أوْ حُيِّرَتْ كَما يُعَضُّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ سَكِرَتْ أيْ: حارَتْ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ -ﷺ- كَما قالُوهُ عِنْدَ ظُهُورِ سائِرِ الآياتِ الباهِرَةِ، وفي كَلِمَتَيِ الحَصْرِ والإضْرابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَبُتُّونَ القَوْلَ بِذَلِكَ، وأنَّ ما يَرَوْنَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وإنَّما هو أمْرٌ خُيِّلَ إلَيْهِمْ بِالسحر. وفي اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها، وإيرادُها بَعْدَ تَسْكِيرِ الأبْصارِ لِبَيانِ إنْكارِهِمْ لِغَيْرِ ما يَرَوْنَهُ، فَإنَّ عُرُوجَ كُلٍّ مِنهم إلى السَّماءِ، وإنْ كانَ مَرْئِيًّا لِغَيْرِهِ؛ فَهو مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الوِجْدانِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأبْصارِ، فَهم يَدَّعُونَ أنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ السحر غَيْرُ تَسْكِيرِ الأبْصارِ.
الحجر 15:16
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قُصُورًا يَنْزِلُها السَّيّاراتُ: وهي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ المُخْتَلِفَةُ الهَيْئاتِ، والخَواصِّ، حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتَّجْرِبَةُ مَعَ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن بَساطَةِ السَّماءِ. و "الجَعْلُ" إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ، وهو الظّاهِرُ. فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلْنا بُرُوجًا كائِنَةً في السَّماءِ.
﴿وَزَيَّنّاها﴾ أيِ السَّماءَ بِتِلْكَ البُرُوجِ المُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ، والكَواكِبِ سَيّاراتٍ كانَتْ، أوْ ثَوابِتَ.
﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ إلَيْها. فَمَعْنى التَّزْيِينِ ظاهِرٌ، أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةِ مُقَدِّرِها، وحِكْمَةِ مُدَبِّرِها، فَتَزْيِينُها تَرْتِيبُها عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ مُسْتَتْبَعٍ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ.
الحجر 15:17
﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ (p-71)شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ مَرْمِيٍّ بِالنُّجُومِ فَلا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ إلَيْها، ويُوَسْوِسَ في أهْلِها، ويَتَصَرَّفَ فِيها، ويَقِفَ عَلى أحْوالِها.
الحجر 15:18
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إنْ فُسِّرَ الحِفْظُ بِمَنعِ الشَّياطِينِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها عَلى الإطْلاقِ، والوُقُوفِ عَلى ما فِيها في الجُمْلَةِ، أوِ المُنْقَطِعِ إنْ فُسِّرَ ذَلِكَ بِالمَنعِ عَنْ دُخُولِها، والتَّصَرُّفِ فِيها. عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَمَواتٍ، ولَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّمَواتِ كُلِّها. واسْتِراقُ السَّمْعِ: اخْتِلاسُهُ سِرًّا، شُبِّهَ بِهِ خَطْفَتُهُمُ اليَسِيرَةُ مِن قُطّانِ السَّمَواتِ بِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ، أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِنَ الأوْضاعِ.
﴿فَأتْبَعَهُ﴾ أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ ﴿شِهابٌ﴾ لَهَبٌ مُحْرِقٌ، وهو شُعْلَةُ نارٍ ساطِعَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الكَواكِبِ، والسِّنّانِ لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِلْمُبْصِرِينَ. قالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ. وإنَّ النَّجْمَ يَنْقَضُّ، ويُرْمى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَقْتُلُهُ، أوْ يَخْبِلُهُ لِئَلّا يَعُودُ إلى اسْتِراقِ السَّمْعِ، ثُمَّ يَعُودُ إلى مَكانِهِ. قالَ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ ... الآيَةَ. قالَ: غُلِّظَتْ، وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ في شِدَّةِ الحِراسَةِ كَما بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ الشَّياطِينَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا إلى السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَيُرْمَوْنَ بِالكَواكِبِ فَلا يُخْطِئُ أبَدًا فَمِنهم مَن يَقْتُلُهُ، ومِنهم مَن يَحْرِقُ وجْهَهُ وجَنْبَهُ ويَدَهُ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَن يَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا، فَيُضِلُّ النّاسَ في البَوادِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الشِّهابَ هَلْ يَقْتُلُ، أمْ لا؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَجْرَحُ، ويُحْرِقُ، ويَخْبِلُ، ولا يَقْتُلُ. وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ. قالَ: والأوَّلُ أصَحُّ.
الحجر 15:19
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ بَسَطْناها، وهو بِالنَّصْبِ عَلى الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِالرَّفْعِ لِرُجْحانِ النَّصْبِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا...﴾ إلَخْ. ولِيُوافِقَ ما بَعْدَهُ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في أوَّلِ الرَّعْدِ.
﴿وَأنْبَتْنا فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ، أوْ فِيها وفي رَواسِيها، ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ ذاتًا، وصِفَةً، ومِقْدارًا. وقِيلَ: ما يُوزَنُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٍ مُناسِبٍ، أوْ ما يُوزَنُ ويُقَدَّرُ مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ.
الحجر 15:20
﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَلابِسِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ البَقاءُ. وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ. وقُرِئَ: بِالهَمْزَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالشَّمائِلِ.
﴿وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعايِشَ، أوْ عَلى مَحَلِّ لَكُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلْنا لَكم مَعايِشَ، وجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ بِرازِقِيهِ مِنَ العِيالِ والمَمالِيكِ والخَدَمِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها، عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ. وذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ لَرَدِّ حُسْبانِهِمْ أنَّهم يُكْفَوْنَ مُؤْناتِهِمْ، ولِتَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَرْزُقُهم وإيّاهُمْ، أوْ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ، ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.
الحجر 15:21
(p-72)﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ﴾ "إنْ" لِلنَّفْيِ و "مِن" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، و "شَيْءٍ" في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وخَزائِنُهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى أنَّهُ فاعِلُهُ لِاعْتِمادِهِ، أوْ خَبَرٌ لَهُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. والخَزائِنُ: جَمْعُ الخِزانَةِ: وهي ما يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأمْوالِ لا غَيْرُ، غَلَبَ في العُرْفِ عَلى ما لِلْمُلُوكِ والسَّلاطِينِ مِن خَزائِنِ أرْزاقِ النّاسِ، شُبِّهَتْ مَقْدُوراتُهُ تَعالى الفائِتَةُ لِلْحَصْرِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ قدرته الشّامِلَةِ، في كَوْنِها مَسْتُورَةً عَنْ عُلُومِ العالَمِينَ، ومَصُونَةً عَنْ وُصُولِ أيْدِيهِمْ مَعَ كَمالِ افْتِقارِهِمْ إلَيْها، ورَغْبَتِهِمْ فِيها، وكَوْنِها مُهَيَّأةً مُتَأتِّيَةً لِإيجادِهِ، وتَكْوِينِهِ. بِحَيْثُ مَتى تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِوُجُودِها وُجِدَتْ بِلا تَأخُّرٍ بِنَفائِسِ الأمْوالِ المَخْزُونَةِ في الخَزائِنِ السُّلْطانِيَّةِ. فَذِكْرُ الخَزائِنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
﴿وَما نُنَزِّلُهُ﴾ أيْ: ما نُوجِدُ، وما نُكَوِّنُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ: إلّا مُلْتَبِسًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَسْتَدْعِيهِ المَشِيئَةُ التّابِعَةُ لَها لا بِما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهٍ، فَإنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، ووَقْتٍ مَحْدُودٍ دُونَ ما عَدا ذَلِكَ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الإمْكانِ، واسْتِحْقاقِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حِكْمَةٍ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِما اخْتَصَّ بِهِ، وهَذا البَيانُ سِرُّ عَدَمِ تَكْوِينِ الأشْياءِ عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ حَسْبَما هو في خَزائِنِ القُدْرَةِ. وهو إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: نُنْزِلُهُ وما نُنْزِلُهُ... إلَخْ. أوْ حالٌ مِمّا سَبَقَ، أيْ: عِنْدَنا خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ. والحالُ أنّا ما نُنْزِلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، فالأوَّلُ: لِبَيانِ سِعَةِ القُدْرَةِ. والثّانِي: لِبَيانِ بالِغِ الحِكْمَةِ، وحَيْثُ كانَ إنْشاءُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلى العِلْمِ السُّفْلِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنْزِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
الحجر 15:22
﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ، وتَرْشِيحِ ما لَحِقَ، أيْ: أرْسَلْنا الرِّياحَ ﴿لَواقِحَ﴾ أيْ: حَوامِلَ. شُبِّهَتِ الرِّيحُ الَّتِي تَجِيءُ بِالخَيْرِ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ. كَما شُبِّهَ بِالعَقِيمِ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، أوْ مُلَقِّحاتٍ بِالشَّجَرِ، والسَّحابِ، ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى: المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ:
؎ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيِ: المُهْلِكاتُ. وقُرِئَ: وأرْسَلَنا الرِّيحَ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ بَعْدَ ما أنْشَأْنا بِتِلْكَ الرِّياحِ سَحابًا ماطِرًا ﴿ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَكم سُقْيًا، وهو أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ الماءِ مُعَدًّا لَهُمْ، يَنْتَفِعُونَ بِهِ مَتى شاءُوا.
﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِجَنابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْنُ القادِرُونَ عَلى إيجادِهِ، وخَزْنِهِ في السَّحابِ، وإنْزالِهِ، وما أنْتُمْ عَلى ذَلِكَ بِقادِرِينَ. وقِيلَ: ما أنْتُمْ بِخازِنِينَ لَهُ بَعْدَ ما أنْزَلْناهُ في الغُدْرانِ والآبارِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ نُخَزِّنُهُ فِيها، لِنَجْعَلَها سُقْيًا لَكُمْ، مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ.
الحجر 15:23
﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها. (p-73)﴿وَنُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها عَنْها، وقَدْ يُعَمَّمُ الإحْياءُ والإماتَةُ لِما يَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ. وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلْحَصْرِ، وهو إمّا تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الفِعْلُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِ "إنّا"، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ ضَمِيرَ الفَصْلِ، لا لِأنَّ اللّامَ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ كَما قِيلَ، فَإنَّ النَّجاةَ جَوَّزُوا دُخُولَ لامَ التَّأْكِيدِ عَلى ضَمِيرِ الفَصْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾، بَلْ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ اسْمَيْنِ.
﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيِ: الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ قاطِبَةً المالِكُونَ لِلْمُلْكِ عِنْدَ انْقِضاءِ زَمانِ المُلْكِ المَجازِي، الحاكِمُونَ في الكُلِّ أوَّلًا وآخِرًا، ولَيْسَ لَهم إلّا التَّصَرُّفُ الصُّورِيُّ، والمُلْكُ المَجازِيُّ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ بِوارِثٍ لِلْمُتَقَدِّمِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ.
الحجر 15:24
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ مَن تَقَدَّمَ مِنكم وِلادَةً ومَوْتًا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَن تَأخَّرَ وِلادَةً ومَوْتًا، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الآباءِ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ، وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ. ومَن تَأخَّرَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكُمْ، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قدرته، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَقَدْ عَلِمْنا" ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: «إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُ النّاسِ لِئَلّا يَراها، وتَأخَّرَ آخَرُونَ لِيَرَوْها فَنَزَلَتْ.» والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:25
﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو القادِرُ عَلى حَشْرِهِمْ، والمُتَوَلِّي لَهُ لا غَيْرُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ، ويَسْتَنْكِرُونَهُ. ويَقُولُونَ: " مَن يُحي العِظام وهِي رَمِيم " أيْ: هو يَحْشُرُهم لا غَيْرَ. وفي الِالتِفاتِ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ دَلالَةٌ عَلى اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ، فَإنَّها عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والإتْيانِ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ صِفَةِ الحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضائِها لِلْحَشْرِ والجَزاءِ.
الحجر 15:26
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعُ بِأنْ خَلَقْنا أصْلَهُ، وأوَّلُ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مُنْطَوِيًا عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
﴿مِن صَلْصالٍ﴾ مِن طِينٍ يابِسٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ يُصَلْصِلُ، أيْ: يُصَوِّتُ عِنْدَ نَقْرِهِ. قِيلَ: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِهِ مَدًّا، فَهو صَلِيلٌ. وإنْ تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا، فَهو صَلْصَلَةٌ. وقِيلَ: هو تَضْعِيفُ صَلَّ إذا أنْتَنَ.
﴿مِن حَمَإٍ﴾ مِن طِينٍ تَغَيَّرَ، واسْوَدَّ بِطُولِ مُجاوَرَةِ الماءِ. وهو صِفَةٌ لِصَلْصالٍ، أيْ: مِن صَلْصالٍ كائِنٍ مِن حَمَأٍ.
﴿مَسْنُونٍ﴾ أيْ: مُصَوَّرٌ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ. أوْ مَصْبُوبٌ مِن سَنَّ الماءَ صَبَّهُ، أيْ: مُفْرَغٌ عَلى هَيْئَةِ الإنْسانِ، كَما يُفْرَغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذابَةِ في القَوالِبِ. وقِيلَ: مُنْتِنٌ، فَهو صِفَةٌ لِحَمَأٍ، وعَلى الأوَّلَيْنِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَلْصالٍ، وإنَّما أُخِّرَ عَنْ حَمَأٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ابْتِداءَ (p-74)مَسْنُونِيَّتِهِ لَيْسَ في حالِ كَوْنِهِ صَلْصالًا، بَلْ في حالِ كَوْنِهِ حَمَأً. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَغَ الحَمَأ، فَصَوَّرَ مِن ذَلِكَ تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَوَّتَ، ثُمَّ غَيَّرَهُ إلى جَوْهَرٍ آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ.
الحجر 15:27
﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنِّ. وقِيلَ: إبْلِيسُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ؛ لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لَمّا كانَ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مَخْلُوقٍ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها. وقُرِئَ: بِالهَمْزَةِ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿خَلَقْناهُ﴾ وهو أقْوى مِنَ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ. ومِن هَذا يَظْهَرُ جَوازُ كَوْنِ المُرادِ بِالمُسْتَقْدِمِينَ أحَدَ الثِّقَلَيْنِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الآخَرَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: مِنكم لِلْكُلِّ.
﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا امْتِناعَ مِن خَلْقِ الحَياةِ مِنَ الأجْرامِ البَسِيطَةِ، كَما لا امْتِناعَ مِن خَلْقِها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ فَضْلًا عَنِ الأجْسامِ المُؤَلِّفَةِ الَّتِي غالِبُ أجْزائِها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي غالِبُ أجْزائِها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن نارِ" بِاعْتِبارِ الغالِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " خُلُقكم مِن تُراب " ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثِّقَلَيْنِ، فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
الحجر 15:28
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وتَذْكِيرُ الوَقْتِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّهُ أدْخَلُ في تَذْكِيرِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ تَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ﴾ فِيما سَيَأْتِي، وفِيهِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ لَهُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ، ولا عاطِفٍ يَلْوِيهِ.
﴿بَشَرًا﴾ أيْ: إنْسانًا. قِيلَ: لَيْسَ هَذا عَيْنَ العِبارَةِ الجارِيَةِ وقْتَ الخِطابِ، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنِ اقْتَصَرَ عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى الِاسْمِ. وقِيلَ: جِسْمًا كَثِيفًا يُلاقى، ويُباشِرُ. وقِيلَ: خَلْقًا بادِي البَشَرِ بِلا صُوفٍ ولا شَعَرَةٍ.
﴿مِن صَلْصالٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خالِقٌ"، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ، أيْ: بَشَرًا كائِنًا مِن صَلْصالٍ كائِنٍ ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. ولا يُنافِي هَذا ما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص مِن قَوْلِهِ: ﴿بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ فَإنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِوَصْفِ الطِّينِ مِنَ التَّغَيُّرِ والِاسْوِدادِ، ولِما ورَدَ عَلَيْهِ مِن آثارِ التَّكْوِينِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ غايَتَهُ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هُناكَ اكْتِفاءً بِما شُرِحَ هَهُنا.
الحجر 15:29
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ: صَوَّرَتْهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ. أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ إجْراءُ الرِّيحِ إلى تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها، والِامْتِلاءِ بِها، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، أيْ: فَإذا كَمَّلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِي، (p-75)﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ مِن وقَعَ يَقَعُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ. أيِ: اسْقُطُوا لَهُ ﴿ساجِدِينَ﴾ تَحِيَّةً لَهُ وتَعْظِيمًا، أوِ اسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ، حَيْثُ ظَهَرَ فِيهِ تَعاجِيبُ آثارِ قدرته تعالى، وحِكْمَتِهِ، كَقَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى قِبْلَتَكم وأعْلَمَ النّاسِ بِالقرآن والسُّنَنِ
الحجر 15:30
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ، فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ ﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ﴿أجْمَعُونَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى بِالحالِيَّةِ، بَلْ يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ أيْضًا، فَإنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ يُرْشِدُ إلى أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ والمَعِيَّةِ، بِحَسْبِ الوَضْعِ، والأصْلُ في الخِطابِ التَّنْزِيلُ عَلى أكْمَلِ أحْوالِ الشَّيْءِ، ولا رَيْبَ في أنَّ السُّجُودَ مَعًا أكْمَلُ أصْنافِ السُّجُودِ، لَكِنْ شاعَ اسْتِعْمالُهُ تَأْكِيدًا، وأُقِيمَ مَقامَ كُلٍّ في إفادَةِ مَعْنى الإحاطَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الكَمالِ، فَإذا فُهِمَتِ الإحاطَةُ مِن لَفْظٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُراعاةِ الأصْلِ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإلْغاءِ. وقِيلَ: أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ هَذا، وأمّا أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ، كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، والَّتِي في سُورَةِ ص، أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ كَما يَسْتَدْعِيهِ ما في غَيْرِهِما؟ فَقَدْ خَرَجْنا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ عُهْدَةِ تَحْقِيقِهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
الحجر 15:31
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. إمّا لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَعُدَّ مِنهم تَغْلِيبًا، وإمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ وهو مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ مُطْلَقَ عَدَمِ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ، وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ مَعَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ، أوْ مُنْقَطِعٌ فَيَتَّصِلُ بِهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَهُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ رَكاكَةِ رَأْيِه، حَيْثُ أُدْمِجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ ثَلاثُ مَعاصٍ: مُخالِفَةُ الأمْرِ، والِاسْتِكْبارُ مَعَ تَحْقِيرِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومُفارَقَةُ الجَماعَةِ، والإباءُ عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ أُولَئِكَ المُقَرَّبِينَ الكِرامِ.
الحجر 15:32
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ؟ فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ﴾ أيْ: أيُّ سَبَبٍ. لا أيُّ غَرَضٍ لَكَ. كَما قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ما مَنَعَكَ ﴿ألا تَكُونَ﴾ في أنْ لا تَكُونُ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾ لِآدَمَ مَعَ أنَّهم هم ومَنزِلَتُهم في الشَّرَفِ مَنزِلَتُهُمْ؟! وما كانَ التَّوْبِيخُ عِنْدَ وُقُوعِهِ لِمُجَرَّدِ تَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ، بَلْ لِكُلٍّ مِنَ المَعاصِي الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ وفي سُورَةِ ص: ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ولَكِنِ اقْتُصِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ اجْتِزاءً بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَعاصِي الثَّلاثِ كافِيَةٌ في التَّوْبِيخِ، وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ، وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طه.
الحجر 15:33
(p-76)﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ، وهو أيْضًا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: يُنافِي حالِي، ولا يَسْتَقِيمُ مِنِّي؛ لِأنِّي مَخْلُوقٌ مِن أشْرَفِ العَناصِرِ، وأعْلاها أنْ أسْجُدَ ﴿لِبَشَرٍ﴾، أيْ: جِسْمٍ كَثِيفٍ ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى ادِّعاءِ الخَيْرِيَّةِ، وشَرَفِ المادَّةِ اكْتِفاءً بِما صَرَّحَ بِهِ، حِينَ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ اللَّعِينُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أخَسُّ العَناصِرِ وأسْفَلِها، بَلْ تَعَرَّضَ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنهُ في أخَسِّ أحْوالِهِ مِن كَوْنِهِ طِينًا مُتَغَيِّرًا، وقَدِ اكْتَفى في سُورَةِ الأعْرافِ، وسُورَةِ ص بِما حَكى عَنْهُ هَهُنا فاقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَعَرُّضِهِ لِخَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طِينٍ، وكَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ؟! وفي جَوابِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "ما لَكَ"؟! لَيْسَ اسْتِفْسارًا عَنِ الغَرَضِ بَلْ هو اسْتِفْسارٌ عَنِ السَّبَبِ، وفي عُدُولِهِ عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ رَوْمٌ لِلتَّقَصِّي عَنِ المُناقَشَةِ، وأنّى لَهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ أمْتَنِعْ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ، ولا عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ المَلائِكَةِ، بَلْ عَمًّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَفْضُولِ، ولَقَدْ جَرى خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سُنَنِ قِياسٍ عَقِيمٍ، وزَلَّ عَنْهُ أنَّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الفَضْلِ والكَمالِ، هو التَّحَلِّي بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، والتَّخَلِّي عَنِ المَلَكاتِ الرِّدِيَّةِ الَّتِي أقْبَحُها الكِبْرُ والِاسْتِعْصاءُ عَلى أمْرِ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ جَلالُهُ.
الحجر 15:34
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ أيْ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ لا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجَنَّةِ، إنَّما كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، فَإنَّ الخُرُوجَ مِن بَيْنِ المَلَإ الأعْلى هُبُوطٌ وأيُّ هُبُوطٍ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ عَلى أنَّ وسْوَسَتَهُ كانَتْ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِها، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. أوْ بِطَرِيقِ المُشافَهَةِ بَعْدَ أنِ احْتالَ في دُخُولِها، وتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِالحَيَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ولا يُنافِي هَذا طَرْدَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فَإنَّ مَن يُطْرَدْ يُرْجَمْ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ، فَإنَّ مَن عارَضَ النَّصَّ بِالقِياسِ فَهو رَجِيمٌ مَلْعُونٌ.
الحجر 15:35
﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ الإبْعادَ عَنِ الرَّحْمَةِ، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ جارِيًا عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، قِيلَ في سُورَةِ ص: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يَوْمِ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِ وجَزائِهِ إلَيْهِ، وأنَّ "اللَّعْنَةَ" مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِفِعْلِهِ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يُوصَفُ، وجَعْلُ ذَلِكَ أقْصى أمَدِ اللَّعْنَةِ لَيْسَ لِأنَّها تَنْقَطِعُ هُنالِكَ، بَلْ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَذَّبُ بِما يَنْسى بِهِ اللَّعْنَةَ مِن أفانِينِ العَذابِ فَتَصِيرُ هي كالزّائِلِ. وقِيلَ: إنَّما حَدَتْ بِهِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ غايَةٍ يَضْرِبُها النّاسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السماوات والأرْض " .
الحجر 15:36
وَحَيْثُ أمْكَنَ كَوْنُ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ مَعَ المَوْتِ (p-77)كَسائِرِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ طَلَبَ اللَّعِينُ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ، كَما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ: أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي، ولا تُمِتْنِي. والفاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: إذْ جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ، وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِاسْتِحالَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ البَعْثِ.
الحجر 15:37
﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ لِآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهُمْ، أزَلًا لا إنْشاءً. لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، فالفاءُ لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ، بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المَذْكُورِ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلُ
فَإنَّهُ لا إمْكانَ لِجَعْلِ الفاءِ فِيهِ لِرَبْطِ ما فِيهِ تَعالى مِنَ الأهْلِيَّةِ القَدِيمَةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِ الرَّحْمَةِ الحادِثَةِ، بَلْ هي لِرَبْطِ الإخْبارِ بِتِلْكَ الأهْلِيَّةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِها، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، كَما قِيلَ. ونَظَمَهُ في ذَلِكَ في سَلْكِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوبَتُهم إلى الآخِرَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمَّنْ سَبَقَ مِنَ الجِنِّ ولَحِقَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُلائِمُ مَقامَ الِاسْتِنْظارِ مَعَ الحَياةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ مَعَ إضافَتِهِ في السُّؤالِ إلى البَعْثِ كَما عَرَفْتَهُ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ قالَ: ﴿أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ بِتَرْكِ التَّوْقِيتِ، والنِّداءِ. والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ. والإنْظارُ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هَهُنا، وفي سُورَةِ ص فَإنَّ إيرادَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ غَيْرُ عَزِيزٍ في الكِتابِ العَزِيزِ، وأمّا أنَّ كُلَّ أُسْلُوبٍ مِن أسالِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ يَقْتَضِيهِ مُغايِرٌ لِمَقامِ غَيْرِهِ، وأنَّ ما حُكِيَ مِنَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً، وكَذا جَوابُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا دَفْعَةً فَمَقامُ المُحاوِرَةِ إنِ اقْتَضى أحَدَ الأسالِيبِ المَذْكُورَةِ، فَهو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى طَبَقَةِ الإعْجازِ، وما عَداهُ قاصِرٌ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ فَضْلًا عَنِ الِارْتِقاءِ إلى مَعالِمِ الإعْجازِ، فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ.
الحجر 15:38
﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي عَلِمَ أنَّهُ يُصْعَقُ عِنْدَها مَن في السَّمَواتِ، ومِن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأيّامِ واحِدًا، والِاخْتِلافُ في العِباراتِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ، فالتَّعْبِيرُ بِيَوْمِ البَعْثِ لِأنَّ غَرَضَ اللَّعِينِ بِهِ يَتَحَقَّقُ، وبِيَوْمِ الدِّينِ لِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ وبِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ لِما ذُكِرَ، أوْ لِاسْتِئْثارِهِ تَعالى بِعِلْمِهِ، فَلَعَلَّ كُلًّا مِن هَلاكِ الخَلْقِ جَمِيعًا، وبَعْثِهِمْ وجَزائِهِمْ في يَوْمٍ واحِدٍ يَمُوتُ اللَّعِينُ في أوَّلِهِ ويُبْعَثُ في أوْسَطِهِ، ويُعاقَبُ في بَقِيَّتِهِ. يُرْوى أنَّ بَيْنَ مَوْتِهِ وبَعْثِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن سِنِي الدُّنْيا مِقْدارَ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، ونُقِلَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ أُرِيدُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ - عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ- فَإذا أنا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ فِيها يُحَدِّثُ (p-78)النّاسَ وهو يَقُولُ: لَمّا حَضَرَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إبْلِيسُ إذا رَآنِي مَيْتًا، وهو مُنْظَرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فَأُجِيبَ: أنْ يا آدَمُ إنَّكَ سَتَرِدُ إلى الجَنَّةِ، ويُؤَخَّرُ اللَّعِينُ إلى النَّظْرَةِ لِيَذُوقَ ألَمَ المَوْتِ بِعَدَدِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ثُمَّ قالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: صِفْ كَيْفَ تُذِيقُهُ المَوْتَ؟ فَلَمّا وصَفَهُ قالَ: يا رَبِّ حَسْبِي، فَضَجَّ النّاسُ. وقالُوا: يا أبا إسْحاقَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَأبى، فَألَحُّوا. فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ عَقِيبَ النَّفْخَةِ الأُولى: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ أهْلِ السَّمَواتِ السَّبْعِ، وأهْلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وإنِّي ألْبَسْتُكَ اليَوْمَ أثْوابَ السُّخْطِ والغَضَبِ كُلَّها، فانْزِلْ بِغَضَبِي وسَطْوَتِي عَلى رَجِيمِي إبْلِيسَ، فَأذِقْهُ المَوْتَ، واحْمِلْ عَلَيْهِ فِيهِ مَرارَةَ الأوَّلِينَ والأخِرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبانِيَةِ سَبْعُونَ ألْفًا قَدِ امْتَلَأُوا غَيْظًا وغَضَبًا، ولْيَكُنْ مَعَ كُلٍّ مِنهم سِلْسِلَةٌ مِن سَلاسِلِ جَهَنَّمَ، وغُلٌّ مِن أغْلالِها، وانْزِعْ رُوحَهُ المُنْتِنَ بِسَبْعِينَ ألْفَ كُلابٍ مِن كَلالِيبِها، ونادِ مالِكًا لِيَفْتَحَ أبْوابَ النِّيرانِ، فَيَنْزِلُ مَلَكُ المَوْتِ بِصُورَةٍ لَوْ نَظَرَ إلَيْها أهْلُ السَّمَواتِ والأرَضِينَ لَماتُوا بَغْتَةً مِن هَوْلِها، فَيَنْتَهِي إلى إبْلِيسَ فَيَقُولُ: قِفْ لِي يا خَبِيثُ لِأُذِيقَنَّكَ المَوْتَ، كَمْ مِن عُمْرٍ أدْرَكْتَ، وقُرُونٍ أضْلَلْتَ، وهَذا هو الوَقْتُ المَعْلُومُ. قالَ: فَيَهْرُبُ اللَّعِينُ إلى المَشْرِقِ فَإذا هو بِمَلَكِ المَوْتِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَهْرُبُ إلى المَغْرِبِ فَإذا هو بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَغُوصُ البِحارَ فَتَنِزُّ مِنهُ البِحارُ فَلا تَقْبَلُهُ فَلا يَزالُ يَهْرُبُ في الأرْضِ، ولا مَحِيصَ لَهُ، ولا مَلاذَ. ثُمَّ يَقُومُ في وسَطِ الدُّنْيا عِنْدَ قَبْرِ آدَمَ ويَتَمَرَّغُ في التُّرابِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ومِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، حَتّى إذا كانَ في المَوْضِعِ الَّذِي أهْبِطَ فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ نَصَبَتْ لَهُ الزَّبانِيَةُ الكَلالِيبَ، وصارَتِ الأرْضُ كالجَمْرَةِ احْتَوَشَتْهُ الزَّبانِيَةُ، وطَعَنُوهُ بِالكَلالِيبِ، ويَبْقى في النَّزْعِ والعَذابِ إلى حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى. ويُقالُ لِآدَمَ وحَوّاءَ: اطَّلِعا اليَوْمَ إلى عَدُوِّكُما كَيْفَ يَذُوقُ المَوْتَ؟ فَيَطَّلِعانِ فَيَنْظُرانِ إلى ما هو فِيهِ مِن شِدَّةِ العَذابِ، فَيَقُولانِ: رَبَّنا أتْمَمْتَ عَلَيْنا نِعْمَتَكَ.
الحجر 15:39
﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والجَوابُ ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ، ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ وإقْسامُهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ المُفَسَّرَةِ بِسُلْطانِهِ، وقَهْرِهِ لا يُنافِي إقْسامَهُ بِهَذا، فَإنَّهُ فَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأثَرٌ مِن آثارِها. فَلَعَلَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً فَسَمَهُ بِهَذا، وأُخْرى بِذاكَ. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: "لَأُزَيِّنَنَّ" جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: بِسَبَبِ تَسَبُّبِكَ لِإغْوائِي، أقْسَمَ لَأفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلْتَ بِي مِنَ التَّسَبُّبِ لِإغْوائِهِمْ: بِتَزْيِينِ المَعاصِي، وتَسْوِيلِ الأباطِيلِ. والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوا الإغْواءَ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيِّ، أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ بِأمْرِهِ إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واعْتَذَرُوا عَنْ إمْهالِ اللَّهِ تَعالى، وتَسْلِيطِهِ لَهُ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنْ تَبِعَهُ، أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُمْهِلَ، أمْ لَمْ يُمْهَلْ. وأنَّ في إمْهالِهِ تَعْرِيضًا لِمَن خالَفَهُ لِاسْتِحْقاقِ مَزِيدِ الثَّوابِ ﴿وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ لَأحْمِلَنَّهم عَلى الغَوايَةِ.
الحجر 15:40
﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ، وطَهَّرْتَهم مِنَ الشَّوائِبِ (p-79)فَلا يَعْمَلُ فِيهِمْ كَيْدِي. وقُرِئَ: بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ تَعالى.
الحجر 15:41
﴿قالَ هَذا صِراطٌ﴾ أيْ حَقٌّ ﴿عَلَيَّ﴾ أنْ أُراعِيَهُ.
﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، والإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ، وهو تَخَلُّصُ المُخْلَصِينَ مِن إغْوائِهِ، أوِ الإخْلاصُ عَلى مَعْنى: أنَّهُ طَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الوُصُولِ إلَيَّ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ وضَلالٍ، والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لِما وقَعَ في عِبارَةِ إبْلِيسَ حَيْثُ قالَ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ ... الآيَةَ. وقُرِئَ: (عُلَيَّ) مِن عُلُوِّ الشَّرَفِ.
الحجر 15:42
﴿إنَّ عِبادِي﴾ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ تَحْقِيقًا لِما قالَهُ اللَّعِينُ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ المُخْلَصِينَ، وبَيانٌ لِمَنزِلَتِهِمْ، ولِانْقِطاعِ مَخالِبِ الإغْواءِ عَنْهُمْ، وأنَّ إغْواءَهُ لِلْغاوِينَ لَيْسَ بِطَرِيقِ السُّلْطانِ، بَلْ بِطَرِيقِ اتِّباعِهِمْ لَهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
الحجر 15:43
﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ: مَوْعِدُ المُتَّبَعِينَ، أوِ الغاوِينَ. والأوَّلُ أنْسَبُ. وأدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ جَهَنَّمَ مَكانُ الوَعْدِ، وأنَّ المَوْعُودَ مِمّا لا يُوصَفُ في الفَظاعَةِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، أوْ حالٌ. والعامِلُ فِيهِ المَوْعِدُ إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ مَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ اسْمَ مَكانٍ.
الحجر 15:44
﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ يَدْخُلُونَها لِكَثْرَتِهِمْ، أوْ سَبْعُ طَبَقاتٍ يَنْزِلُونَها بِحَسْبِ مَراتِبِهِمْ في الغَوايَةِ، والمُتابَعَةِ. وهي جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحُطْمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرٌ، ثُمَّ الجحيم، ثُمَّ الهاوِيَةُ.
﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ مِنَ الأتْباعِ، أوِ الغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِن غَيْرِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، فَأعْلاها: لِلْمُوَحِّدِينَ. والثّانِيَةُ: لِلْيَهُودِ. والثّالِثَةُ: لِلنَّصارى. والرّابِعَةُ: لِلصّابِئِينَ. والخامِسَةُ: لِلْمَجُوسِ. والسّادِسَةُ: لِلْمُشْرِكِينَ. والسّابِعَةُ: لِلْمُنافِقِينَ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ جَهَنَّمَ لِمَنِ ادَّعى الربوبية، ولَظى لِعَبَدَةِ النّارِ، والحُطَمَةُ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، وسَقَرٌ لِلْيَهُودِ، والسَّعِيرُ لِلنَّصارى، والجحيم لِلصّابِئِينَ، والهاوِيَةُ لِلْمُوَحِّدِينَ، ولَعَلَّ حَصْرَها في السَّبْعِ لِانْحِصارِ المُهْلِكاتِ في المَحْسُوساتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ، ومُقْتَضَياتِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ، والغَضَبِيَّةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الزّايِ، وبِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها مَعَ تَشْدِيدِها في الوَقْفِ، والوَصْلِ. ومِنهم حالٌ مِن جُزْءٍ. أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الظَّرْفِ لا في مَقْسُومٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ لا تَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ مَوْصُوفَها.
الحجر 15:45
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ مِنِ اتِّباعِهِ في الكُفْرِ، والفَواحِشِ. فَإنَّ غَيْرَها مُكَفِّرٌ.
﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها خالِدِينَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ مِنهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ . وقُرِئَ: بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ في القرآن العَظِيمِ.
الحجر 15:46
(p-80)﴿ادْخُلُوها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالدُّخُولِ. وقُرِئَ: (أدْخِلُوها) أمْرًا مِنهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: (أُدْخَلُوها) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ الإدْخالِ ﴿بِسَلامٍ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، أيْ: سالِمِينَ، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم.
﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ الآفاتِ والزَّوالِ.
الحجر 15:47
﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ: حِقْدٍ كانَ في الدُّنْيا. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
﴿إخْوانًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ" أوْ مِن فاعِلِ "ادْخُلُوها"، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "آمِنِينَ"، أوِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾، ويَجُوزُ كَوْنُهُما صِفَتَيْنِ لِإخْوانًا، أوْ حالَيْنِ مِن ضَمِيرِهِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُتَصافِّينَ، وكَوْنُ الثّانِي حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأوَّلِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: تَدُورُ بِهِمُ الأسِرَّةُ حَيْثُما دارُوا، فَهم مُتَقابِلُونَ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ.
الحجر 15:48
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ: تَعَبٌ. بِأنْ لا يَكُونَ لَهم فِيها ما يُوجِبُهُ مِنَ الكَدِّ في تَحْصِيلِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ لِحُصُولِ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ مِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ عَمَلٍ أصْلًا، أوْ بِأنْ لا يَعْتَرِيَهِمْ ذَلِكَ، وإنْ باشَرُوا الحَرَكاتِ العَنِيفَةَ لِكَمالِ قُوَّتِهِمْ. وهو اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَقابِلِينَ.
﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدَ الآبادِ؛ لِأنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ بِالخُلُودِ.
الحجر 15:49
﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها، وفي وصْفِ ذاتِهِ تَعالى بِها، وبِالرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ القَصْرِ دُونَ التَّعْذِيبِ، إيذانٌ بِأنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِما الذّاتُ، وأنَّ العَذابَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِما يُوجِبُهُ مِن خارِجٍ.
الحجر 15:50
﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما سَلَفَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَقْرِيرٌ لَهُ. وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها، وفي وصْفِ ذاتِهِ تَعالى بِها، وبِالرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ القَصْرِ دُونَ التَّعْذِيبِ، إيذانٌ بِأنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِما الذّاتُ، وأنَّ العَذابَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِما يُوجِبُهُ مِن خارِجٍ.
الحجر 15:51
﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "نَبِّئْ" "عِبادِي" والمَقْصُودُ: اعْتِبارُهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِهِ مِنَ البُشْرى في تَضاعِيفِ الخَوْفِ، وبِما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ العَذابِ، ونَجاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِهِ التّابِعِينَ لَهُ في ضِمْنِ الخَوْفِ، وتَنْبِيهُهم بِحُلُولِ انْتِقامِهِ تَعالى مِنَ المُجْرِمِينَ، وعِلْمُهم بِأنَّ عَذابَ اللَّهِ هو العَذابُ الألِيمُ.
﴿عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَلَكانِ مَعَهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وسَبْعَةٌ مَعَهُ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً. وعَنِ السُّدِّيِّ: كانُوا أحَدَ (p-81)عَشَرَ عَلى صُوَرِ الغِلْمانِ، الوَضّاءِ وُجُوهُهم. وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ حَسْبَما يَأْتِي ذِكْرُهُ.
الحجر 15:52
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى نَبِّئْ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ مُضافٌ إلى ضَيْفٍ، أيْ خَبَرُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ بِنَفْسِ ضَيْفٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ﴿فَقالُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿سَلامًا﴾ أيْ نُسَلِّمُ سَلامًا، أوْ سَلَّمْنا، أوْ سَلِمْتَ سَلامًا.
﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ. فَإنَّ الوَجَلَ اضْطِرابُ النَّفْسِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ امْتَنَعُوا مِن أكْلِ ما قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ مِنَ العِجْلِ الحَنِيذِ. لِما أنَّ المُعْتادَ عِنْدَهم أنَّهُ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِخَيْرٍ لا عِنْدَ ابْتِداءِ دُخُولِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ فَلا مَجالَ لِكَوْنِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ دُخُولِهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ، ولا بِغَيْرِ وقْتٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجابُوا حِينَئِذٍ بِما أجابُوا حِينَئِذٍ بِهِ، ولَمْ يَتَصَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَقْرِيبِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا اكْتِفاءً بِما بُيِّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ألا يُرى إلى أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا رَدُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِسَلامِهِمْ.
الحجر 15:53
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ. وقُرِئَ: (لا تاجَلْ) و (لا تُوجِلْ) مَن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافُهُ. ولا تُواجِلْ مِن واجَلَهُ، بِمَعْنى: أوْجَلَهُ.
﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، فَإنَّ المُبَشَّرَ بِهِ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَ ساحَتِهِ خَوْفٌ، ولا حُزْنٌ. كَيْفَ لا، وهو بِشارَةٌ بِبَقائِهِ، وبَقاءِ أهْلِهِ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ زَمانًا طَوِيلًا؟ ﴿بِغُلامٍ﴾ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِبِشارَةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ: " عَلِيمٌ " إذا بَلَغَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ .
الحجر 15:54
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ بِذَلِكَ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ وأثَرٌ في تَعَجُّبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بِشارَتِهِمْ بِالوَلَدِ في حالَةٍ مُبايَنَةٍ لِلْوِلادَةِ، وزادَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أيْ: بِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونَنِي؟ فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ عادَةً بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ، أوْ بِأيِّ طَرِيقَةٍ تُبَشِّرُونَنِي. وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ المَكْسُورَةِ عَلى إدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ.
الحجر 15:55
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِما يَكُونُ لا مَحالَةَ، أوْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ، أوْ بِطَرِيقَةٍ هي حَقٌّ. وهو أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ بَشَرًا بِغَيْرِ أبَوَيْنِ، فَكَيْفَ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ؟ وقُرِئَ: (مِنَ القَنِطِينَ)، وكانَ مَقْصِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِعْظامُ نِعْمَتِهِ تَعالى في ضِمْنِ التَّعَجُّبِ العادِيِّ المَبْنِيِّ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ (p-82)تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ عِبادِهِ لا اسْتِبْعادَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته سُبْحانَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا مِنَ المُمْتَرِينَ، أوْ نَحْوَهُ.
الحجر 15:56
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ﴾ ؟! اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ، والصَّوابِ فَلا يَعْرِفُونَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ، وكَمالَ عِلْمِهِ وقدرته، كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ. ومُرادُهُ نَفْيُ القُنُوطِ عَنْ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، أيْ: لَيْسَ بِي قُنُوطٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما الَّذِي أقُولُ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِي لِفَيَضانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ عَلَيَّ. وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ النُّونِ وبِكَسْرِها مِن قَنَطَ بِالفَتْحِ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُفاوَضَةُ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً، بَلْ مَعَ سارَّةَ أيْضًا حَسْبَما شُرِحَ في سُورَةِ هُودٍ. ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ هُناكَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هَهُنا.
الحجر 15:57
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ قَوْلِهِ السّابِقِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ بَيْنَهُما مَقالَةً مَطْوِيَّةً لَهم أُشِيرَ بِهِ إلى مَكانِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ... الآيَةَ. فَإنَّ قَوْلَهُ الأخِيرَ لَيْسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ الأوَّلِ، بَلْ هو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ " فَإنَّ تَوْسِيطَ. قالَ: بَيْنَ قَوْلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ، وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ، بَلْ غَيْرِهِ، ثُمَّ خِطابُهُ لَهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَعْدَ ما كانَ خِطابُهُ السّابِقُ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقالَتَهُمُ المَطْوِيَّةَ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً لِبَيانِ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُكم مُجَرَّدَ البِشارَةِ، فَماذا هُوَ؟ فَلا حاجَةَ إلى الِالتِجاءِ إلى أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ كُلَّ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةَ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا ذَوِي عَدَدٍ. والبِشارَةُ لا تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، ولِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِالواحِدِ في زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَرْيَمَ، ولا إلى أنَّهم بَشَّرُوهُ في تَضاعِيفِ الحالِ لِإزالَةِ الوَجَلِ، ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَءُوا بِها فَتَأمَّلْ.
الحجر 15:58
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ لَكِنْ وُصِفُوا بِالإجْرامِ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ذَمًّا لَهُمْ، واسْتِهانَةً بِهِمْ.
الحجر 15:59
﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، أيْ: إلى قَوْمٍ أجْرَمُوا جَمِيعًا، إلّا آلَ لُوطٍ. فالقَوْمُ والإرْسالُ شامِلانِ لِلْمُجْرِمِينَ وغَيْرِهِمْ، والمَعْنى: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ أجْرَمَ كُلُّهم إلّا آلَ لُوطٍ لِنُهْلِكَ الأوَّلِينَ، ونُنَجِّيَ الآخَرِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ أيْ: لُوطًا، وآلَهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ أيْ: مِمّا يُصِيبُ القَوْمَ، فَإنَّهُ (p-83)اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ لِعَدَمِ إجْرامِهِمْ، أوْ لِبَيانِ ما فُهِمَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِن مُطْلَقِ عَدَمِ شُمُولِ العَذابِ لَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكَوْنِ حالِهِمْ بَيْنَ بَيْنَ، أوْ لِتَعْلِيلِهِ فَإنَّ مَن تَعَلَّقَ بِهِمُ التَّنْجِيَةُ بِمَنجًى مِن شُمُولِ العَذابِ، أوْ مُنْقَطِعٌ مِن قَوْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا لَمُنَجُّوهُمْ" مُتَّصِلٌ بِآلَ لُوطٍ جارٍ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:60
﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن آلِ لُوطٍ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ. وعَلى الأوَّلِ مِنَ الضَّمِيرِ خاصَّةً لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ اعْتِراضًا. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ.
﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتُهْلَكَ مَعَهم. وقُرِئَ: (قَدَرْنا) بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما عُلِّقَ فِعْلُ التَّقْدِيرِ مَعَ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِأفْعالِ القُلُوبِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى قُلْنا؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ، وإسْنادُهم لَهُ إلى أنْفُسِهِمْ، وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ الزُّلْفى والِاخْتِصاصِ.
الحجر 15:61
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِ المُجْرِمِينَ، وتَنْجِيَةِ آلِ لُوطٍ حَسْبَما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ فُصِّلَ في التَّعْلِيلِ نَوْعَ تَفْصِيلٍ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهم لِتَحْقِيقِ ما أُرْسِلُوا بِهِ مِنَ الإهْلاكِ والتَّنْجِيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ابْتِداءَ مَجِيئِهِمْ، بَلْ مُطْلَقُ كَيْنُونَتِهِمْ عِنْدَ آلِ لُوطٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:62
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إنَّما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ لِما لَمْ يُشاهِدْ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ مَقاساتِهِ الشَّدائِدَ، ومُعاناتِهِ المَكايِدَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِهِمْ ما يُرِيدُونَ ما هو المَعْهُودُ، والمُعْتادُ مِنَ الإعانَةِ، والإمْدادِ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ عِنْدَ تَجَشُّمِهِ في تَخْلِيصِهِمْ إنْكارًا لِخِذْلانِهِمْ لَهُ، وتَرْكِ نُصْرَتِهِ في مِثْلِ تِلْكَ المُضايَقَةِ المُعْتَرِيَةِ لَهُ بِسَبَبِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مُباشِرِينَ مَعَهُ لِأسْبابِ المُدافَعَةِ، والمُمانَعَةِ حَتّى ألْجَأتْهُ إلى أنْ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ، لا أنَّهُ قالَهُ عِنْدَ ابْتِداءِ وُرُودِهِمْ لَهُ خَوْفًا أنْ يَطْرُقُوهُ بِشَرٍّ، كَما قِيلَ: كَيْفَ لا، وهم بِجَوابِهِمُ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الحجر 15:63
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ فَيَمْتَرُونَ فِيهِ، ويُكَذِّبُونَكَ، قَدْ قَشَرُوا العَصا، وبَيَّنُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَلِيَّةَ الأمْرِ؟ فَأنّى يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ المَساءَةُ، وضِيقُ الذَّرْعِ؟ ولَيْسَتْ كَلِمَةُ "بَلْ" إضْرابًا عَنْ مُوجَبِ الخَوْفِ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى ما جِئْناكَ بِما تُنْكِرُنا لِأجْلِهِ بَلْ بِما يَسُرُّكَ وتَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، بَلْ هي إضْرابٌ عَمّا فَهِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَرْكِ النُّصْرَةِ لَهُ. والمَعْنى: ما خَذَلْناكَ، وما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَهم بَلْ جِئْناكَ بِما يُدَمِّرُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَكَ حِينَ كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ. ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ المُجادَلَةِ لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ بِشارَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإهْلاكِ (p-84)قَوْمِهِ، وتَنْجِيَةِ آلِهِ عَقِيبَ ذِكْرِ بِشارَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِما، وحَيْثُ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّجاةِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِها أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما فَعَلَ القَوْمُ، وما فُعِلَ بِهِمْ. ولَمْ يُبالِ بِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ ثِقَةً بِمُراعاتِهِ في مَواقِعَ أُخَرَ، ونِسْبَةُ المَجِيءِ بِالعَذابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ نازِلٌ بِالقَوْمِ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ لا بِطْرِيقِ نُزُولِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهم جاءُوهُ، وفَوَّضُوا أمْرَهُ إلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ.
الحجر 15:64
﴿وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِاليَقِينِ الَّذِي لا مَجالَ فِيهِ لِلِامْتِراءِ والشَّكِّ، وهو عَذابُهم عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الِامْتِراءِ عَنْهُ، أوِ المُرادُ بِالحَقِّ: الإخْبارُ بِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، أيْ: أتَيْناكَ فِيما قُلْنا بِالخَبَرِ الحَقِّ، أيِ: المُطابِقِ لِلْواقِعِ. وإنّا لَصادِقُونَ في ذَلِكَ الخَبَرِ، أوْ في كُلِّ كَلامٍ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْكِيدٌ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:65
﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ شُرُوعٌ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ النَّجاةِ، أيِ اذْهَبْ بِهِمْ في اللَّيْلِ. وقُرِئَ: بِالوَصْلِ. وكِلاهُما مِنَ السُّرى: وهو السَّيْرُ في اللَّيْلِ، وقُرِئَ: فَـ (سِرْ) مِنَ السَّيْرِ.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ، أوْ مِن آخِرِهِ قالَ:
؎ افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ
وَقِيلَ: هو بَعْدَ ما مَضى مِنهُ شَيْءٌ صالِحٌ.
﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ وكُنْ عَلى أثَرِهِمْ تَذُودُهُمْ، وتُسْرِعُ بِهِمْ، وتَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِمْ. ولَعَلَّ إيثارَ الِاتِّباعِ عَلى السَّوْقِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، إذِ السَّوْقُ رُبَّما يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ عَلى بَعْضٍ مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْزَمُهُ عادَةً الغَفْلَةُ عَنْ حالِ المُتَأخِّرِ، والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنكَ ومِنهم ﴿أحَدٌ﴾، فَيَرى ما وراءَهُ مِنَ الهَوْلِ فَلا يُطِيقُهُ، أوْ يُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ، أوْ ولا يَنْصَرِفْ مِنكم أحَدٌ، ولا يَتَخَلَّفْ لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ العَذابُ. وقِيلَ: نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى المُهاجَرَةِ، أوْ هو نَهْيٌ عَنْ رَبْطِ القَلْبِ بِما خَلَّفُوهُ، أوْ هو لِلْإسْراعِ في السَّيْرِ، فَإنَّ المُلْتَفِتَ قَلَّما يَخْلُو عَنْ أدْنى وقْفَةٍ، وعَدَمُ ذِكْرِ اسْتِثْناءِ المَرْأةِ مِنَ الإسْراءِ، والِالتِفاتُ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ وُقُوعِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما عَرَفْتَ مِرارًا لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالمُضِيِّ إلَيْهِ، وهو الشّامُ أوْ مِصْرُ. وحَذْفُ الصِّلَتَيْنِ عَلى الِاتِّساعِ المَشْهُورِ، وإيثارُ المُضِيِّ إلى ما ذُكِرَ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ، واللُّحُوقِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأهَمِّيَّةِ النَّجاةِ، ولِمُراعاةِ المُناسِبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَلَفَ مِنَ الغابِرِينَ.
الحجر 15:66
﴿وَقَضَيْنا﴾ أيْ: أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ﴾ مَقْضِيًّا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ "إلى" ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، وإيثارُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ، الَّتِي هي مَدارُ ثُبُوتِ الحُكْمِ، أيْ: دابِرَ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ، وإيرادُ صِيغَةِ المَفْعُولِ بَدَلَ صِيغَةِ المُضارِعِ لِكَوْنِها أدْخَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الوُقُوعِ، وفي لَفْظِ القَضاءِ، والتَّعْبِيرِ عَنِ العَذابِ بِالأمْرِ، والإشارَةِ (p-85)إلَيْهِ بِذَلِكَ، وتَأْخِيرِهِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وإبْهامِهِ أوَّلًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ ثانِيًا، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ الأمْرِ، وفَظاعَتِهِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى: أنَّهم يُسْتَأْصَلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصُّبْحِ، وهو حالٌ مِن هَؤُلاءِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ، وفي مَقْطُوعٍ، وجَمْعُهُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، فَإنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى: مُدْبِرِي هَؤُلاءِ.
الحجر 15:67
﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنِ القَوْمِ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى مَكانِ الأضْيافِ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا حَسْبَما نَبَّهَ عَلَيْهِ، أيْ: جاءَ أهْلُ سَدُومَ مَنزِلَ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: مُسْتَبْشِرِينَ بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طَمَعًا فِيهِمْ.
الحجر 15:68
﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيْفُ حَيْثُ كانَ مَصْدَرًا في الأصْلِ، أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ، والمُتَعَدِّدِ، والمُذَكِّرِ، والمُؤَنَّثِ، وإطْلاقُهُ عَلى المَلائِكَةِ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِهِمْ في زِيِّ الضَّيْفِ. والتَّأْكِيدُ لَيْسَ لِإنْكارِهِمْ بِذَلِكَ بَلْ لِتَحْقِيقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإظْهارِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِهِمْ، وتَشَمُّرِهِ لِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ، وحِمايَتِهِمْ مِنَ السُّوءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: عِنْدَهم بِأنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِسُوءٍ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِي عِنْدَكم قَدْرٌ، وحُرْمَةٌ أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن أُسِيءُ إلى ضَيْفِهِ فَقَدْ أُسِيءَ إلَيْهِ، يُقالُ: فَضَحَهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً، إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ.
الحجر 15:69
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُباشَرَتِكم لِما يَسُؤُونِي، ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ أيْ: لا تُذِلُّونِي، ولا تُهِينُونِي بِالتَّعَرُّضِ لِمَن أجَرْتُهُمْ، بِمِثْلِ تِلْكَ الفَعْلَةِ الخَبِيثَةِ. وحَيْثُ كانَ التَّعَرُّضُ لَهم بَعْدَ أنْ نَهاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: "فَلا تَفْضَحُونِ" أكْثَرَ تَأْثِيرًا في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأجْلَبَ لِلْعارِ إلَيْهِ، إذِ التَّعَرُّضُ لِلْجارِ قَبْلَ شُعُورِ المُجِيرِ بِذَلِكَ، رُبَّما يُتَسامَحُ فِيهِ. وأمّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُناصَبَةِ لِحِمايَتِهِ، والذَّبِّ عَنْهُ، فَذاكَ أعْظَمُ العارِ، عَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا يَعْتَرِيهِ مِن جِهَتِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ لَجاجِهِمْ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِمُخالَفَتِهِ بِالخِزْيِ، وأمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الفاحِشَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ تَقْوى اللَّهِ تَعالى في رُكُوبِ الفاحِشَةِ، ولا يُساعِدُهُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ عَنْ أمْرَيْنِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
الحجر 15:70
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم بِمَنعِهِمْ عَنّا، وضِيافَتِهِمْ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ، ولَمْ نَنْهَكَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الغُرَباءِ بِالسُّوءِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ، وكانُوا قَدْ نَهَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أنْ يُجِيرَ أحَدًا، فَكَأنَّهم قالُوا: ما ذَكَرْتَ مِنَ الفَضِيحَةِ، والخِزْيِ، إنَّما جاءَكَ مِن قِبَلِكَ لا مِن قِبَلِنا إذْ لَوْلا تَعَرُّضُكَ لِما نَتَصَدّى لَهُ لَما اعْتَراكَ (p-86)تِلْكَ الحالَةُ، ولَمّا رَآهم لا يُقْلِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ.
الحجر 15:71
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ يَعْنِي نِساءَ القَوْمِ، فَإنَّ نَبِيَ كُلِّ أُمَّةٍ بِمَنزِلَةِ أبِيهِمْ، أوْ بَناتِهِ حَقِيقَةً، أيْ: فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ يَطْلُبُونَهُنَّ، ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ، وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ المُناكَحَةِ بَيْنَ المُسْلِماتِ والكُفّارِ. وقَدْ فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: قَضاءَ الوَطَرِ، أوْ ما أقُولُ لَكم.
الحجر 15:72
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِحَياةِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي. وهي لُغَةٌ في العُمُرِ يَخْتَصُّ بِهِ القَسَمُ إيثارًا لِلْخِفَّةِ، لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى الألْسِنَةِ.
﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ غَوايَتِهِمْ، أوْ شَدَّةِ غُلْمَتِهِمُ الَّتِي أزالَتْ عُقُولَهُمْ، وتَمْيِيزَهم بَيْنَ الخَطَأِ والصَّوابِ.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ، ويَتَمادَوْنَ. فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ النُّصْحَ؟ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
الحجر 15:73
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيِ: الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ الهائِلَةُ، وقِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ.
الحجر 15:74
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾ عالِيَ المَدِينَةِ، أوْ عالِيَ قُراهُمْ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سافِلَها﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، وهو أدْخَلُ في الهَوْلِ، والفَظاعَةِ مِنَ العَكْسِ كَما مَرَّ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ، قَبْلَ تَمامِ الِانْقِلابِ ﴿حِجارَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرًا، أوْ طِينٍ عَلَيْهِ كِتابٌ، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ.
الحجر 15:75
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ ﴿لآياتٍ﴾ لَعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ، ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أيِ: المُتَفَكِّرِينَ المُتَفَرِّسِينَ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ في نَظَرِهِمْ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ الشَّيْءِ بِسِمَتِهِ.
الحجر 15:76
﴿وَإنَّها﴾ أيِ: المَدِينَةُ، أوِ القُرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٌ ثابِتٌ يَسْلُكُهُ النّاسُ، ويَرَوْنَ آثارَها.
الحجر 15:77
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِينَةِ، أوِ القُرى، أوْ في كَوْنِها بِمَرٍّ، أيْ: مِنَ النّاسِ يُشاهِدُونَها في ذَهابِهِمْ، وإيابِهِمْ.
﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّ ما حاقَ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي تَرَكَ دِيارَهم بَلاقِعَ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ، أوِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وإفْرادُ الآيَةِ بَعْدَ جَمْعِها فِيما سَبَقَ لِما أنَّ المَشاهَدَ هَهُنا بَقِيَّةُ الآثارِ لا كُلُّ القِصَّةِ كَما فِيما سَلَفَ.
الحجر 15:78
(p-87)﴿وَإنْ كانَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهُمْ: قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأيْكَةُ: الشَّجَرَةُ المُلْتَفَّةُ المُتَكاثِفَةُ، وكانَ عامَّةُ شَجَرِهِمُ المُقْلُ، وكانُوا يَسْكُنُونَها، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ ﴿لَظالِمِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ عَنِ الحَدِّ.
الحجر 15:79
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ بِالعَذابِ. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ بَعَثَ سَحابَةً، فالتَجَئُوا إلَيْها يَلْتَمِسُونَ الرَّوْحَ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنها نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، فَهو عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
﴿وَإنَّهُما﴾ يَعْنِي: سَدُومُ والأيْكَةُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ ومَدْيَنُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَذِكْرُ أحَدِهِما مُنَبِّهٌ عَلى الآخَرِ ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ سُمِّيَ بِهِ الطَّرِيقُ، ومُطْمَرُ البِناءِ، واللَّوْحُ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ؛ لِأنَّها مِمّا يُؤْتَمُّ بِهِ.
الحجر 15:80
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ يَعْنِي ثَمُودَ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: صالِحًا. فَإنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كَذَّبَ الجَمِيعَ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، والأُصُولِ الَّتِي لا تُخَلَّفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ، والأعْصارِ. وقِيلَ المُرادُ: صالِحٌ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. كَما قِيلَ: الخُبَيْبُونَ؛ لِخُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأصْحابِهِ. والحِجْرُ: وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ.
الحجر 15:81
﴿وَآتَيْناهم آياتِنا﴾ وهي الآياتُ المُنَزَّلَةُ عَلى نَبِيِّهِمْ، أوِ المُعْجِزاتُ مِنَ النّاقَةِ، وسَقْيِها وشِرْبِها ودَرِّها، أوِ الأدِلَّةُ المَنصُوبَةُ لَهم.
﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ إعْراضًا كُلِّيًّا، بَلْ كانُوا مُعارِضِينَ لَها حَيْثُ فَعَلُوا بِالنّاقَةِ ما فَعَلُوا.
الحجر 15:82
﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ مِنَ الِانْهِدامِ، ونَقْبِ اللُّصُوصِ، وتَخْرِيبِ الأعْداءِ لِوِثاقَتِها، أوْ مِنَ العَذابِ لِحُسْبانِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَحْمِيهِمْ مِنهُ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ: "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذارًا أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» ".
الحجر 15:83
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ وهَكَذا وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ. قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: أتَتْهم مِنَ السَّماءِ صَيْحَةٌ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ في الأرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ. ولَعَلَّها مِن رَوادِفِ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ تَمَوُّجًا شَدِيدًا يُفْضِي إلَيْها، كَما مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ.
الحجر 15:84
(p-88)﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن بِناءِ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ، والأمْوالِ الوافِرَةِ، والعُدَدِ المُتَكاثِرَةِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ الخاصِّ بِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، حَسْبَما كانُوا يَرْجُونَهُ لا عَدَمُ الإغْناءِ المُطْلَقِ، فَإنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
الحجر 15:85
﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اسْتِمْرارَ الفَسادِ، واسْتِقْرارَ الشُّرُورِ، ولِذَلِكَ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إهْلاكَ أمْثالِ هَؤُلاءِ دَفْعًا لِفَسادِهِمْ وإرْشادًا لِمَن بَقِيَ إلى الصَّلاحِ، أوْ إلّا بِسَبَبِ العَدْلِ، والإنْصافِ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعالى لَكَ فِيها مِمَّنْ كَذَّبَكَ ﴿فاصْفَحِ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم ﴿الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ إعْراضًا جَمِيلًا، وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهُمْ، ولا تَعْجَلْ بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ، وعامِلْهم مُعامَلَةَ الصَّفُوحِ الحَلِيمِ، وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
الحجر 15:86
﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى غايَةِ الكَمالِ ﴿هُوَ الخَلاقُ﴾ لَكَ ولَهم ولِسائِرِ المَوْجُوداتِ عَلى الإطْلاقِ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِكَ، وأحْوالِهِمْ. بِتَفاصِيلِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا جَرى بَيْنَكَ وبَيْنَهم. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ تَكِلَ جَمِيعَ الأُمُورِ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمْ، أوْ هو الَّذِي خَلَقَكُمْ، وعَلِمَ تَفاصِيلَ أحْوالِكُمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلَحَ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّفْحِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ، وأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو الخالِقُ، وهو صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، والخَلّاقُ مُخْتَصٌّ بِالكَثِيرِ.
الحجر 15:87
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا﴾ سَبْعَ آياتٍ، وهي الفاتِحَةُ. وعَلَيْهِ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: سَبْعُ سُوَرٍ، وهي الطِّوالُ الَّتِي سابِعَتُها الأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، فَإنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ واحِدَةٍ، ولِذَلِكَ لَمَّ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وقِيلَ: يُونُسُ، أوِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ. وقِيلَ: الصَّحائِفُ السَّبْعُ، وهي الأسْباعُ.
﴿مِنَ المَثانِي﴾ بَيانٌ لِلسَّبْعِ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وهي التَّكْرِيرُ، فَإنْ كانَ المُرادُ الفاتِحَةَ وهو الظّاهِرُ، فَتَسْمِيَتُها مَثانِيَ لِتَكَرُّرِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ. وأمّا تَكَرُّرُ قِراءَتِها في غَيْرِ الصَّلاةِ كَما قِيلَ. فَلَيْسَ بِحَيْثُ يَكُونُ مَدارٌ لِلتَّسْمِيَةِ، ولِأنَّها تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها في الصَّلاةِ، وأمّا تَكَرُّرُ نُزُولِها فَلا يَكُونُ وجْهًا لِلتَّسْمِيَةِ، لِأنَّها كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ نُزُولِها الثّانِي، إذِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ المُرادُ غَيْرَها مِنَ السُّورِ فَوَجْهُ كَوْنِها مِنَ المَثانِي أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ تَكَرَّرَ قِراءَتُهُ وألْفاظُهُ، أوْ قَصَصُهُ ومَواعِظُهُ، أوْ مِنَ الثَّناءِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ما هو ثَناءٌ عَلى اللَّهِ. واحِدَتُها مَثْناةٌ أوْ مَثْنِيَّةٌ صِفَةٌ لِلْآيَةِ. وأمّا الصَّحائِفُ: وهي الأسْباعُ. فَلِما وقَعَ فِيها مِن تَكْرِيرِ القَصَصِ، (p-89)والمَواعِظِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأفْعالِهِ، وصِفاتِهِ الحُسْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَثانِي: القرآن لِما ذُكِرَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ مُثْنى عَلَيْهِ بِالإعْجازِ، أوْ كُتُبُ اللَّهِ تَعالى كُلُّها فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى الأوَّلِ لِلْبَيانِ.
﴿والقرآن العَظِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ الآياتُ، أوِ السُّوَرُ، فَمِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ، أوِ العامِّ عَلى الخاصِّ. وإنْ أُرِيدَ بِهِ الأسْباعُ، أوْ كُلُّ القرآن فَهو عَطْفُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
أيْ: ولَقَدْ أتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ: السَّبْعُ المَثانِي، والقرآن العَظِيمُ.
الحجر 15:88
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ طُمُوحَ راغِبٍ، ولا تُدِمْ نَظَرَكَ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا، وزِينَتِها، ومَحاسِنِها، وزَهْرَتِها، ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ ما في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الأمْوالِ، والذَّخائِرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُوتِيتَهُ مُسْتَحْقَرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ أصْلًا، وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أُوتِيَ القرآن فَرَأى أنَّ أحَدًا أُوتِيَ أفْضَلَ مِمّا أُوتِيَ، فَقَدْ صَغَّرَ عَظِيمًا، وعَظَّمَ صَغِيرًا. ورُوِيَ أنَّهُ: وافَتْ مِن بُصْرى وأذْرِعاتٍ سَبْعُ قَوافِلَ لِيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فِيها أنْواعُ البَزِّ، والطِّيبِ، والجَواهِرِ، وسائِرِ الأمْتِعَةِ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها، وأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ أُعْطِيتُمْ سَبْعَ آياتٍ، وهي خَيْرٌ مِن هَذِهِ القَوافِلِ السَّبْعِ.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَنْتَظِمُوا أتْباعَكَ في سَلْكٍ لِيَتَقَوّى بِهِمْ ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: أوْ أنَّهُمُ المُتَمَتِّعُونَ بِهِ، ويَأْباهُ كَلِمَةُ عَلى فَإنَّ تَمَتُّعَهم بِهِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ.
﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تَواضَعْ لَهُمْ، وارْفُقْ بِهِمْ، وألِنْ جانِبَكَ لَهُمْ، وطِبْ نَفْسًا مِن إيمانِ الأغْنِياءِ.
الحجر 15:89
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيِ: المُنْذِرُ المُظْهِرُ لِنُزُولِ عَذابِ اللَّهِ، وحُلُولِهِ.
الحجر 15:90
﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ ..." إلَخْ. أيْ: أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ.
الحجر 15:91
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القرآن عِضِينَ﴾ أيْ: قَسَّمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا: عِنادًا وعُدْوانًا بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ. وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما. أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً، حَيْثُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي، وهَكَذا. أوْ قَسَّمُوا ما قَرَءُوا مِن كُتُبِهِمْ، وحَرَّفُوهُ فَأقَرُّوا بِبَعْضِهِ، وكَذَّبُوا بِبَعْضِهِ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ " عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ، وعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جُلَّ المَقامُ عَنِ التَّشْبِيهِ، ولَقَدْ أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وقِيلَ: (p-90)إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ فَإنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ، وهو ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعُ كالواقِعِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما يُشَبَّهُ بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُحَقَّقَ الوُقُوعِ، مَعْلُومَ الحالِ عِنْدَ المُنْذَرِينَ. إذْ بِهِ تَتَحَقَّقُ فائِدَةُ التَّشْبِيهِ، وهي تَأْكِيدُ الإنْذارِ، وتَشْدِيدُهُ. وعَذابُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ إذْ ذاكَ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَهم مِنهُ في غَفْلَةٍ مُحَصَّنَةٍ، وشَكٍّ مُرِيبٍ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ونَظائِرِهِ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ، والمُخالَفَةِ. وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى: التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ، بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وقَدْ جُعِلَ المَوْصُولُ مَفْعُولًا أوَّلَ لِأنْذِرْ، أيْ: أنْذِرِ المُعِضِّينَ الَّذِينَ جَزَّءُوا القرآن إلى سِحْرٍ، وشِعْرٍ، وأساطِيرَ. مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ. وهُمُ الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدَ كُلٌّ مِنهم في مَدْخَلٍ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: شاعِرٌ. والآخَرُ: كَذّابٌ. فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرِ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ. وفِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاشْتِراكِ لِما سَبَقَ في عَدَمِ كَوْنِ العَذابِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ واقِعًا، ولا مَعْلُومًا لِلْمُنْذَرِينَ، ولا مَوْعُودَ الوُقُوعِ أنَّهُ لا داعِيَ إلى تَخْصِيصِ وصْفِ التَّعْضِيَةِ بِهِمْ، وإخْراجِ المُقْتَسِمِينَ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في ذَلِكَ، فَإنَّ وصْفَهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما وصَفُوا مِنَ السحر والشِّعْرِ والكَذِبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى وصْفِهِمْ لِلْقُرْآنِ بِذَلِكَ. وهَلْ هو إلّا نَفْسُ التَّعْضِيَةِ، ولا إلى إخْراجُهم مِن حُكْمِ الإنْذارِ عَلى أنَّ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ العَذابِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ عَذابُ غَيْرِهِمْ، ولا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلْ عامًّا لِكِلا الفَرِيقَيْنِ وغَيْرِهِمْ. مَعَ أنَّ بَعْضَ المُنْذَرِينَ، كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ. قَدْ هَلَكُوا قَبْلَ مَهْلِكِ أكْثَرِ المُقْتَسِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، ولا إلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَفْعُولِ النَّذِيرِ أُقِيمَ مَقامَهُ، والمُقْتَسِمُونَ هُمُ: القاعِدُونَ في مَداخِلِ مَكَّةَ. كَما حُرِّرَ وفِيهِ مَعَ ما مَرَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لا مِن قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ. والِاعْتِذارُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ ما يَقُولُهُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ أُمِرْنا بِكَذا، وإنْ كانَ الأمْرُ هو المَلِكَ حَسْبَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وأنَّ إعْمالَ الوَصْفِ المَوْصُوفِ مِمّا لَمْ يُجَوِّزْهُ البَصْرِيُّونَ، فَلا بُدَّ مِنَ الهَرَبِ إلى مَسْلَكِ الكُوفِيِّينَ، أوِ المَصِيرِ إلى جَعْلِهِ مَفْعُولًا غَيْرَ صَرِيحٍ، أيْ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ بِعَذابٍ مِثْلِ عَذابِ المُقْتَسِمِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ: الرَّهْطُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ عَذابَهم حَيْثُ كانَ مُتَحَقِّقًا، ومَعْلُومًا لِلْمُنْذَرِينَ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ القرآن العَظِيمُ صالِحٌ؛ لِأنْ يَقَعَ مُشَبَّهًا بِهِ العَذابُ المُنْذَرُ، لَكِنَّ المَوْصُولَ المَذْكُورَ عَقِيبَهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمُقْتَسِمِينَ، حِينَئِذٍ فَسَواءٌ جَعَلْناهُ مَفْعُولًا أوَّلَ لِلنَّذِيرِ، أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مَن أُنْذِرَ لا يَكُونُ لِلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولا لِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ بِالمَعْنى المَزْبُورِ في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي فائِدَةٌ، لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ، والصِّفَةِ لِلْحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمَوْصُولِ والمَوْصُوفِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ وجْهُ شَبَهٍ يَدُورُ عَلَيْهِ (p-91)تَشْبِيهُ عَذابِهِمْ بِعَذابِهِمْ، خاصَّةً لِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ في السَّبَبِ، فَإنَّ المُعَضِّينَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقاسُمِ عَلى التَّثْبِيتِ الَّذِي هو السَّبَبُ لِهَلاكِ أُولَئِكَ، كَما أنَّ أُولَئِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّعْضِيَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ لِهَلاكِ هَؤُلاءِ، ولا عَلاقَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ مَفْهُومًا، ولا وُجُودًا تُصَحِّحُ وُقُوعَ أحَدِهِما في جانِبٍ. والآخَرِ في جانِبٍ. واتِّفاقُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مُطْلَقِ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَفْهُومِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَخْصُوصِ الَّذِي هو التَّثْبِيتُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّقاسُمِ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لا دَلالَةَ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِسامُ المَداخِلِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وجَلالَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ إذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأوَّلِ، وأنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: أهْلُ الكِتابَيْنِ. وأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ اقْتِسامِهِمْ. ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وحَدِيثُ جَلالَةِ المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ مِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ، والمَعْنى: لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي، والقرآن العَظِيمَ إيتاءً مُماثِلًا لِإنْزالِ الكِتابَيْنِ عَلى أهْلِهِما، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الإيتاءَيْنِ لا بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما في جانِبِ المُشَبَّهِ. بِأنْ يُقالَ: كَما آتَيْنا المُقْتَسِمِينَ. حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ..." إلَخْ. لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَيْنَ الإيتاءَيْنِ مِنَ التَّنائِي، فَإنَّ الأوَّلَ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ، والِامْتِنانِ. وشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي. ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في وُقُوعِهِ مُشَبَّهًا بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُسَلَّمِيَّتِهِ عِنْدَهُمْ، وتَقْدِيمُ وجُودِهِ عَلى المُشَبَّهِ زَمانًا لا لِمَزِيَّةٍ تَعُودُ إلى ذاتِهِ كَما في الصَّلاةِ الخَلِيلِيَّةِ، فَإنَّ التَّشْبِيهَ فِيها لَيْسَ لِكَوْنِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى الفائِضَةِ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآلِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِمّا فاضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وإنَّما ذَلِكَ لِلتَّقَدُّمِ في الوُجُودِ، والتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ في القرآن العَظِيمِ، فَلَيْسَ في التَّشْبِيهِ شائِبَةُ إشْعارٍ بِأفْضَلِيَّةِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ المُشَبَّهِ. فَضْلًا عَنْ إيهامِ أفْضَلِيَّةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ إنْكارًا لِاتِّصافِهِمْ بِهِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِنَ الإنْزالِ المَذْكُورِ، وإيذانًا بِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّهِ حَسَبَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ، والِاتِّحادِ في الحَقِيقَةِ الَّتِي هي مُطْلَقُ الوَحْيِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: "تَمُدَّنَّ ..." إلَخْ. لِكَمالِ اتِّصالِهِ بِما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ حالِ ما أُوتِيَ النَّبِيُّ ﷺ. ولَقَدْ بُيِّنَ أوَّلًا عُلُوُّ شَأْنِهِ، ورِفْعَةُ مَكانِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُ اغْتِباطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانِهِ، واسْتِغْناءَهُ بِهِ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زَهْرَةِ الدُّنْيا، وعُبِّرَ عَنْ إيتائِها لِأهْلِها بِالتَّمْتِيعِ المُنْبِئِ عَنْ وشَكِ زَوالِها عَنْهُمْ، ثُمَّ عَنِ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِ المُنْهَمِكِينَ فِيها بِمُراعاةِ المُؤْمِنِينَ، والِاكْتِفاءِ بِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وبِإظْهارِ قِيامِهِ بِمَواجِبِ الرِّسالَةِ، ومَراسِمِ النَّذارَةِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيَ مِنَ القرآن العَظِيمِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَيْفِيَّةِ إيتائِهِ عَلى وجْهٍ أُدْمِجَ فِيهِ ما يُزِيحُ شُبَهَ المُنْكِرِينَ، ويَسْتَنْزِلُهم عَنِ العِنادِ مِن بَيانِ مُشارَكَتِهِ لِما لا رَيْبَ لَهم في كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا، فَتَأمَّلْ: "واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ" هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى قُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا. عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ انْتَهى. يُرِيدُ أنَّ "ما" في "كَما" مَوْصُولَةٌ. والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الكافِ المُوافَقَةُ، وهي مَعَ ما في حَيِّزِها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ قُلْ، أيْ: قُلْ هَذا القَوْلَ حالَ كَوْنِهِ كَما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ، أيْ: مُوافِقًا لِذَلِكَ، فالأنْسَبُ حِينَئِذٍ حَمْلُ الِاقْتِسامِ عَلى التَّحْرِيفِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِما فَعَلُوا مِن تَحْرِيفِهِمْ، وكِتْمانِهِمْ لِنَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهِيَ: الفِرْقَةُ. (p-92)أصْلُها: عِضْوَةٌ فِعْلَةٌ، مِن عَضى الشّاةَ تَعْضِيَةً إذا جَعَلَها أعْضاءً، وإنَّما جُمِعَتْ جَمْعَ السَّلامَةِ جَبْرًا لِلْمَحْذُوفِ، كَسِنِينَ وعِزِينَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَجْزِئَةِ القرآن بِالتَّعْضِيَةِ الَّتِي هي تَفْرِيقُ الأعْضاءِ مِن ذِي الرُّوحِ المُسْتَلْزِمُ لِإزالَةِ حَياتِهِ، وإبْطالِ اسْمِهِ دُونَ مُطْلَقِ التَّجْزِئَةِ، والتَّفْرِيقِ اللَّذَيْنِ رُبَّما يُوجَدانِ فِيما لا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ مِنَ المِثْلِيّاتِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوهُ بِالقرآن العَظِيمِ. وقِيلَ: هي فِعْلَةٌ مِن عَضَهْتُهُ إذا بَهَتَّهُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: العَضْهُ السحر بِلِسانِ قُرَيْشٍ، فَنُقْصانُها عَلى الأوَّلِ واوٌ، وعَلى الثّانِي هاءٌ.
الحجر 15:92
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لَنَسْألَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أصْنافَ الكَفَرَةِ مِنَ المُقْتَسِمِينَ وغَيْرِهِمْ، سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ.
الحجر 15:93
﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن قَوْلٍ، وفِعْلٍ، وتَرْكٍ. فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاقْتِسامِ، والتَّعْضِيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَنَجْزِيَنَّهم بِذَلِكَ جَزاءً مَوْفُورًا، وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ، وتَأْكِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مُضافًا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إظْهارُ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الحجر 15:94
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فاجْهَرْ بِهِ مِن صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، أوِ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ: الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ المُودَعَةِ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيتَهُ مِنَ المَثانِي السَّبْعِ، والقرآن العَظِيمِ.
﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: لا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ، ولا تُبالِ بِهِمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهم.
الحجر 15:95
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ بِقَمْعِهِمْ، وتَدْمِيرِهِمْ. قِيلَ: كانُوا خَمْسَةً مِن أشْرافِ قُرَيْشٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الطَّلاطِلَةِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ. يُبالِغُونَ في إيذاءِ النَّبِيِّ ﷺ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: قَدْ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهُمْ، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ، فَلَمْ يَنْعَطِفْ تَعْظِيمًا لِأخْذِهِ، فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ فَقَطَّهُ فَماتَ، وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِ فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ، فَقالَ: لُدِغْتُ لُدِغْتُ، وانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى فَماتَ. وأشارَ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ فَعَمِيَ. وإلى أنْفِ الحارِثِ فامْتَخَطَ قَيْحًا، فَماتَ. وإلى الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وهو قاعِدٌ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَجَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ، ويَضْرِبُ وجْهَهُ بِالشَّوْكِ، حَتّى ماتَ.
الحجر 15:96
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وصَفَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ بِإعْلامِ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي الإشْراكُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ ما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ.
الحجر 15:97
(p-93)﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الشِّرْكِ، والطَّعْنِ في القرآن، والِاسْتِهْزاءِ بِهِ وبِكَ. وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّسْلِيَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ؛ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُتَعَلِّقِهِ، بِاسْتِمْرارِ ما يُوجِبُهُ مِن أقْوالِ الكَفَرَةِ.
الحجر 15:98
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فافْزَعْ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما نابَكَ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ، والحَرَجِ بِالتَّسْبِيحِ، والتَّقْدِيسِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أعْنِي الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ، والحَمْدِ ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أيِ: المُصَلِّينَ يَكْفِيكَ، ويَكْشِفُ الغَمَّ عَنْكَ، أوْ فَنَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ عَلى أنْ هَداكَ لِلْحَقِّ المُبِينِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ.»
الحجر 15:99
﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ تَعالى، وإيثارُ الإظْهارِ بِالعُنْوانِ السّالِفِ آنِفًا، لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ أيِ: المَوْتُ. فَإنَّهُ مُتَيَقَّنُ اللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ. والمَعْنى: دُمْ عَلى العِبادَةِ ما دُمْتَ حَيًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِها لَحْظَةً. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ الحِجْرِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والمُسْتَهْزِئِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ» ".