Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — النحل 16:1 – الإسراء 17:111

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. النحل 16:1
  2. النحل 16:2
  3. النحل 16:3
  4. النحل 16:4
  5. النحل 16:5
  6. النحل 16:6
  7. النحل 16:7
  8. النحل 16:8
  9. النحل 16:9
  10. النحل 16:10
  11. النحل 16:11
  12. النحل 16:12
  13. النحل 16:13
  14. النحل 16:14
  15. النحل 16:15
  16. النحل 16:16
  17. النحل 16:17
  18. النحل 16:18
  19. النحل 16:19
  20. النحل 16:20
  21. النحل 16:21
  22. النحل 16:22
  23. النحل 16:23
  24. النحل 16:24
  25. النحل 16:25
  26. النحل 16:26
  27. النحل 16:27
  28. النحل 16:28
  29. النحل 16:29
  30. النحل 16:30
  31. النحل 16:31
  32. النحل 16:32
  33. النحل 16:33
  34. النحل 16:34
  35. النحل 16:35
  36. النحل 16:36
  37. النحل 16:37
  38. النحل 16:38
  39. النحل 16:39
  40. النحل 16:40
  41. النحل 16:41
  42. النحل 16:42
  43. النحل 16:43
  44. النحل 16:44
  45. النحل 16:45
  46. النحل 16:46
  47. النحل 16:47
  48. النحل 16:48
  49. النحل 16:49
  50. النحل 16:50
  51. النحل 16:51
  52. النحل 16:52
  53. النحل 16:53
  54. النحل 16:54
  55. النحل 16:55
  56. النحل 16:56
  57. النحل 16:57
  58. النحل 16:58
  59. النحل 16:59
  60. النحل 16:60
  61. النحل 16:61
  62. النحل 16:62
  63. النحل 16:63
  64. النحل 16:64
  65. النحل 16:65
  66. النحل 16:66
  67. النحل 16:67
  68. النحل 16:68
  69. النحل 16:69
  70. النحل 16:70
  71. النحل 16:71
  72. النحل 16:72
  73. النحل 16:73
  74. النحل 16:74
  75. النحل 16:75
  76. النحل 16:76
  77. النحل 16:77
  78. النحل 16:78
  79. النحل 16:79
  80. النحل 16:80
  81. النحل 16:81
  82. النحل 16:82
  83. النحل 16:83
  84. النحل 16:84
  85. النحل 16:85
  86. النحل 16:86
  87. النحل 16:87
  88. النحل 16:88
  89. النحل 16:89
  90. النحل 16:90
  91. النحل 16:91
  92. النحل 16:92
  93. النحل 16:93
  94. النحل 16:94
  95. النحل 16:95
  96. النحل 16:96
  97. النحل 16:97
  98. النحل 16:98
  99. النحل 16:99
  100. النحل 16:100
  101. النحل 16:101
  102. النحل 16:102
  103. النحل 16:103
  104. النحل 16:104
  105. النحل 16:105
  106. النحل 16:106
  107. النحل 16:107
  108. النحل 16:108
  109. النحل 16:109
  110. النحل 16:110
  111. النحل 16:111
  112. النحل 16:112
  113. النحل 16:113
  114. النحل 16:114
  115. النحل 16:115
  116. النحل 16:116
  117. النحل 16:117
  118. النحل 16:118
  119. النحل 16:119
  120. النحل 16:120
  121. النحل 16:121
  122. النحل 16:122
  123. النحل 16:123
  124. النحل 16:124
  125. النحل 16:125
  126. النحل 16:126
  127. النحل 16:127
  128. النحل 16:128
  129. الإسراء 17:1
  130. الإسراء 17:2
  131. الإسراء 17:3
  132. الإسراء 17:4
  133. الإسراء 17:5
  134. الإسراء 17:6
  135. الإسراء 17:7
  136. الإسراء 17:8
  137. الإسراء 17:9
  138. الإسراء 17:10
  139. الإسراء 17:11
  140. الإسراء 17:12
  141. الإسراء 17:13
  142. الإسراء 17:14
  143. الإسراء 17:15
  144. الإسراء 17:16
  145. الإسراء 17:17
  146. الإسراء 17:18
  147. الإسراء 17:19
  148. الإسراء 17:20
  149. الإسراء 17:21
  150. الإسراء 17:22
  151. الإسراء 17:23
  152. الإسراء 17:24
  153. الإسراء 17:25
  154. الإسراء 17:26
  155. الإسراء 17:27
  156. الإسراء 17:28
  157. الإسراء 17:29
  158. الإسراء 17:30
  159. الإسراء 17:31
  160. الإسراء 17:32
  161. الإسراء 17:33
  162. الإسراء 17:34
  163. الإسراء 17:35
  164. الإسراء 17:36
  165. الإسراء 17:37
  166. الإسراء 17:38
  167. الإسراء 17:39
  168. الإسراء 17:40
  169. الإسراء 17:41
  170. الإسراء 17:42
  171. الإسراء 17:43
  172. الإسراء 17:44
  173. الإسراء 17:45
  174. الإسراء 17:46
  175. الإسراء 17:47
  176. الإسراء 17:48
  177. الإسراء 17:49
  178. الإسراء 17:50
  179. الإسراء 17:51
  180. الإسراء 17:52
  181. الإسراء 17:53
  182. الإسراء 17:54
  183. الإسراء 17:55
  184. الإسراء 17:56
  185. الإسراء 17:57
  186. الإسراء 17:58
  187. الإسراء 17:59
  188. الإسراء 17:60
  189. الإسراء 17:61
  190. الإسراء 17:62
  191. الإسراء 17:63
  192. الإسراء 17:64
  193. الإسراء 17:65
  194. الإسراء 17:66
  195. الإسراء 17:67
  196. الإسراء 17:68
  197. الإسراء 17:69
  198. الإسراء 17:70
  199. الإسراء 17:71
  200. الإسراء 17:72
  201. الإسراء 17:73
  202. الإسراء 17:74
  203. الإسراء 17:75
  204. الإسراء 17:76
  205. الإسراء 17:77
  206. الإسراء 17:78
  207. الإسراء 17:79
  208. الإسراء 17:80
  209. الإسراء 17:81
  210. الإسراء 17:82
  211. الإسراء 17:83
  212. الإسراء 17:84
  213. الإسراء 17:85
  214. الإسراء 17:86
  215. الإسراء 17:87
  216. الإسراء 17:88
  217. الإسراء 17:89
  218. الإسراء 17:90
  219. الإسراء 17:91
  220. الإسراء 17:92
  221. الإسراء 17:93
  222. الإسراء 17:94
  223. الإسراء 17:95
  224. الإسراء 17:96
  225. الإسراء 17:97
  226. الإسراء 17:98
  227. الإسراء 17:99
  228. الإسراء 17:100
  229. الإسراء 17:101
  230. الإسراء 17:102
  231. الإسراء 17:103
  232. الإسراء 17:104
  233. الإسراء 17:105
  234. الإسراء 17:106
  235. الإسراء 17:107
  236. الإسراء 17:108
  237. الإسراء 17:109
  238. الإسراء 17:110
  239. الإسراء 17:111

النحل 16:1

(p-94)(سُورَةُ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ، إلّا "وَإنْ عاقَبْتُمْ ..." إلى آخِرِها. وهي مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً) ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: السّاعَةُ، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ لِلْكَفَرَةِ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ لِلتَّفْخِيمِ، والتَّهْوِيلِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُ في نَفْسِهِ، وإتْيانَهُ مَنُوطٌ بِحُكْمِهِ النّافِذِ، وقَضائِهِ الغالِبِ. وإتْيانُهُ: عِبارَةٌ عَنْ دُنُوِّهِ، واقْتِرابِهِ عَلى طَرِيقَةِ نَظْمِ المُتَوَقَّعِ في سَلْكِ الواقِعِ، أوْ عَنْ إتْيانِ مَبادِئِهِ القَرِيبَةِ عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ الأسْبابِ إلى المُسَبِّباتِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُرْبِهِ مِنَ الوُقُوعِ، واتِّصالِهِ، وتَكْمِيلٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِعْجالِ الشَّيْءِ، وإنْ صَحَّ تَفْرِيعُهُ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ، أوْ عَلى وُقُوعِ أسْبابِهِ القَرِيبَةِ. لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَثابَةِ تَفْرِيعِهِ عَلى وُقُوعِهِ إذْ بِالوُقُوعِ يَسْتَحِيلُ الِاسْتِعْجالُ رَأْسًا لا بِما ذُكِرَ مِن قُرْبِ وُقُوعِهِ، ووُقُوعِ مَبادِئِهِ، والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ خاصَّةً، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ عَلى صِيغَةِ نَهْيِ الغائِبِ، واسْتِعْجالُهم. وإنْ كانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى الحَقِيقَةِ، ونُهُوا عَنْهُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّهَكُّمِ لا مَعَ المُؤْمِنِينَ سَواءٌ أُرِيدَ بِأمْرِ اللَّهِ ما ذُكِرَ، أوِ العَذابُ المَوْعُودُ لِلْكَفَرَةِ خاصَّةً. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ اسْتِعْجالُ السّاعَةِ، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ العَذابِ، حَتّى يَعُمَّهُمُ النَّهْيُ عَنْهُ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ اسْتِعْجالَهم لَهُ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، واسْتِعْجالَ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ كَما عَرَفْتَهُ. فَلا يَنْتَظِمُها صِيغَةٌ واحِدَةٌ، والِالتِجاءُ إلى إرادَةِ مَعْنًى مَجازِيٍّ يَعُمُّهُما مَعًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ رِعايَةُ نُكْتَةٍ سِرِّيَّةٍ تَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾، قالَ الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ، فَلَمّا تَأخَّرَتْ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا، فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾، فَأشْفَقُوا، وانْتَظَرُوا قُرْبَها فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَفَعَ النّاسُ رُءُوسَهم. فَلَمّا نَزَلَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ اطْمَأنُّوا.» فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى عُمُومِ الخِطابِ كَما قِيلَ لا لِما تُوُهِّمَ مِن أنَّ التَّصْدِيرَ بِالفاءِ يَأْباهُ، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ إبائِهِ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ، بَلْ لِأنَّ مَناطَ اطْمِئْنانِهِمْ إنَّما وُقُوفُهم عَلى أنَّ المُرادَ بِالإتْيانِ هو الإتْيانُ الِادِّعائِيُّ لا الحَقِيقِيُّ المُوجِبُ؛ لِاسْتِحالَةِ الِاسْتِعْجالِ المُسْتَلْزِمِ لِامْتِناعِ النَّهْيِ عَنْهُ، لِما أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي إمْكانَهُ في الجُمْلَةِ، ومَدارُ ذَلِكَ الوُقُوفِ إنَّما هو النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْجالِ المُسْتَلْزِمِ لِإمْكانِهِ المُقْتَضِي لِعَدَمِ وُقُوعِ المُسْتَعْجَلِ بَعْدُ، ولا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ المُسْتَعْجِلِ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ فِيهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى عَدَمِ (p-95)العُمُومِ، لِأنَّ المُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ إنَّما هو السّاعَةُ، وقَدْ عَرَفْتَ اسْتِحالَةَ صُدُورِ اسْتِعْجالِها عَنِ المُؤْمِنِينَ، نَعَمْ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ أمْرِ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ المَوْعُودِ لِلْكَفَرَةِ خاصَّةً، لَكِنَّ الَّذِي يَقْضِي بِهِ الإعْجازُ التَّنْزِيلِيُّ أنَّهُ خاصٌّ بِالكَفَرَةِ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم ذَلِكَ مِن نَتائِجِ إشْراكِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِنِسْبَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ العَجْزِ والِاحْتِياجِ إلى الغَيْرِ، واعْتِقادِ أنَّ واحِدًا يَحْجُزُهُ عَنْ إنْجازِ وعْدِهِ، وإمْضاءِ وعِيدِهِ، وقَدْ قالُوا في تَضاعِيفِهِ إنْ صَحَّ مَجِيءُ العَذابِ فالأصْنامُ تُخَلِّصُنا عَنْهُ بِشَفاعَتِها رُدَّ ذَلِكَ فَقِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ بِذاتِهِ، وجَلَّ عَنْ إشْراكِهِمُ المُؤَدِّي إلى صُدُورِ أمْثالِ هَذِهِ الأباطِيلِ عَنْهُمْ، أوْ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فَيَدْفَعَ ما أرادَ بِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ إشْراكِهِمْ، واسْتِمْرارِهِ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وطَرْحِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، وحِكايَةِ شَنائِعِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ تَفُوتُ هَذِهِ النُّكْتَةُ كَما يَفُوتُ ارْتِباطُ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالمُتَنَزَّهِ عَنْهُ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ الخِطابِ.

النحل 16:2

﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ بَيانٌ لِتَحَتُّمِ التَّوْحِيدِ حَسْبَما نُبِّهَ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا إجْمالِيًّا بِبَيانِ تَقَدُّسِ جَنابِ الكِبْرِياءِ، وتَعالِيهِ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَ شائِبَةٍ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ، وإيذانٌ بِأنَّهُ دِينٌ أجْمَعَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُمِرُوا بِدَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ مَعَ الإشارَةِ إلى سِرِّ البَغْتَةِ، والتَّشْرِيعِ. وكَيْفِيَّةُ إلْقاءِ الوَحْيِ والتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقِ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِإتْيانِ ما أوْعَدَهم بِهِ، وبِاقْتِرابِهِ إزاحَةً لِاسْتِبْعادِهِمُ اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ. وإظْهارًا لِبُطْلانِ رَأْيِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ والتَّكْذِيبِ، وإيثارُ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهُ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ إمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الواحِدِيُّ: يُسَمّى الواحِدُ بِالجَمْعِ إذا كانَ رَئِيسًا، أوْ هو ومَن مَعَهُ مِن حَفَظَةِ الوَحْيِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. وقُرِئَ: (يُنْزِلُ) مِنَ الإنْزالِ و (تُنَزَّلُ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وعَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ ﴿بِالرُّوحِ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ القرآن عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّهُ يُحْيِي القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِالجَهْلِ، أوْ يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ أوْ بِما هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالرُّوحِ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِلرُّوحِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ أمْرٌ بِالخَيْرِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ناشِئًا، ومُبْتَدَأً مِنهُ، أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: بِالرُّوحِ الكائِنِ مِن أمْرِهِ، النّاشِئِ مِنهُ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيُنَزِّلُ، و "مِن" لِلسَّبَبِيَّةِ كَـ "الباءِ" مِثْلِ "ما" في قَوْلِهِ تَعالى "مِمّا خَطِيئاتِهِمْ" أيْ: يُنْزِلُهم بِأمْرِهِ. ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أنْ يُنَزِّلَهم بِهِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِصاصِهِمْ بِصِفاتٍ تُؤَهِّلُهم لِذَلِكَ ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ، أيْ: يُنْزِلُهم مُلْتَبِسِينَ بِأنْ أنْذِرُوا، أيْ: بِهَذا القَوْلِ، والمُخاطَبُونَ بِهِ الأنْبِياءُ الَّذِينَ نَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ، والآمِرُ هو اللَّهُ سُبْحانُهُ، والمَلائِكَةُ نَقَلَةٌ لِلْأمْرِ. كَما يُشْعِرُ بِهِ الباءُ في المُبْدَلِ مِنهُ، و "أنْ" إمّا مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: يُنْزِلُهم مُلْتَبِسِينَ بِأنَّ (p-96)الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا، أوْ مُفَسِّرَةٌ عَلى أنَّ تَنْزِيلَ المَلائِكَةِ بِالوَحْيِ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْذِرُوا، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ لِجَوازِ كَوْنِ صِلَتِها إنْشائِيَّةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ حَسْبَما ذُكِرَ في أوائِلِ سُورَةِ هُودٍ. فَمَحَلُّها الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، والإنْذارُ.: الإعْلامُ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِإعْلامِ المَحْذُورِ مِن نَذَرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ فَحَذِرَهُ، وأنْذَرَهُ بِالأمْرِ إنْذارًا، أيْ: أعْلَمَهُ، وحَذَّرَهُ، وخَوَّفَهُ في إبْلاغِهِ كَذا في القامُوسِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ فالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ لَهُ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ ابْتِداءً إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْهِ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرُوا أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، وإنْباءُ مَضْمُونِهِ عَنِ المَحْذُورِ لَيْسَ لِذاتِهِ، بَلْ مِن حَيْثُ اتِّصافُ المُنْذَرِينَ بِما يُضادُّهُ مِنَ الإشْراكِ، وذَلِكَ كافٍ في كَوْنِ إعْلامِهِ إنْذارًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى بِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأمْرِهِمْ بِأنْ يُنْذِرُوا النّاسِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ فاتَّقُونِ في الإخْلالِ بِمَضْمُونِهِ، ومُباشَرَةِ ما يُنافِيهِ مِنَ الإشْراكِ، وفُرُوعِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ، والِاسْتِهْزاءُ.

النحل 16:3

وَبَعْدَ تَمْهِيدِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِلتَّوْحِيدِ شُرِعَ في تَحْرِيرِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، فَقِيلَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: أوْجَدَهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الوَجْهِ الفائِقِ، والنَّمَطِ اللّائِقِ، ﴿تَعالى﴾ وتَقَدَّسَ بِذاتِهِ، لا سِيَّما بِأفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إبْداعُ هَذَيْنِ المَخْلُوقَيْنِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمُ المَعْهُودِ، أوْ عَنْ شَرِكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ مِنَ الباطِلِ الَّذِي لا يُبْدِئُ، ولا يُعِيدُ.

النحل 16:4

وَبَعْدَ ما نَبَّهَ عَلى صُنْعِهِ الكُلِّيِّ المُنْطَوِي عَلى تَفاصِيلِ مَخْلُوقاتِهِ، شَرَعَ في تَعْدادِ ما فِيهِ مِن خَلائِقِهِ، فَبَدَأ بِفِعْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالأنْفُسِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ غَيْرَ الفَرْدِ الأوَّلِ مِنهُ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ جَمادٍ لا حِسَّ لَهُ، ولا حَراكَ، سَيّالٍ، لا يُحْفَظُ شَكْلًا، ولا وضْعًا. ﴿فَإذا هُوَ﴾ بَعْدَ الخَلْقِ ﴿خَصِيمٌ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ عَنْ نَفْسِهِ، مُكافِحٌ لِلْخُصُومِ ﴿مُبِينٌ﴾ لِحُجَّتِهِ لَقِنٌ بِها، وهَذا أنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ القُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى قدرته تعالى، ووَحْدَتِهِ، أوْ مُخاصِمٌ لِخالِقِهِ، مُنْكِرٌ لَهُ قائِلٌ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ، وهَذا أنْسَبُ بِمَقامِ تَعْدادِ هَناتِ الكَفَرَةِ. رُوِيَ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتَرى اللَّهَ تَعالى يُحْيِي هَذا بَعْدَما قَدْ رَمَّ؟ فَنَزَلَتْ.»

النحل 16:5

﴿والأنْعامَ﴾ وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعْزِ. وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَها﴾ أوْ بِالعَطْفِ عَلى الإنْسانِ، وما بَعْدَهُ بَيانُ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ، والَّذِي بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿دِفْءٌ﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو ما يُدَفَّأُ بِهِ فَيَقِي مِنَ البَرْدِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. أوِ (p-97)الظَّرْفِ الأوَّلِ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ، وفِيها حالٌ مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، ﴿وَمَنافِعُ﴾ هي دَرُّها، ورُكُوبُها، وحَمْلُها، والحِراثَةُ بِها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِها لِيَتَناوَلَ الكُلَّ مَعَ أنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ، وتَقْدِيمُ الدِّفْءِ عَلى المَنافِعِ لِرِعايَةِ أُسْلُوبِ التَّرَقِّي إلى الأعْلى، ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: تَأْكُلُونَ ما يُؤْكَلُ مِنها مِنَ اللُّحُومِ، والشُّحُومِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلْإيماءِ إلى أنَّها لا تَبْقى عِنْدَ الأكْلِ، كَما في السّابِقِ واللّاحِقِ، فَإنَّ الدِّفْءَ، والمَنافِعَ، والجَمالَ، يَحْصُلُ مِنها وهي باقِيَةٌ عَلى حالِها، ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مَحالَّ لَها بِخِلافِ الأكْلِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأكْلَ مِنها هو المُعْتادُ المُعْتَمِدُ في المَعاشِ، لِأنَّ الأكْلَ مِمّا عَداها مِنَ الدَّجاجِ، والبَطِّ، وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ مِن قَبِيلِ التَّفَكُّهِ. مَعَ أنَّ فِيهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الأكْلِ مِنها أكْلَ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِها، فَإنَّ الحُبُوبَ والثِّمارَ المَأْكُولَةَ تُكْتَسَبُ بِإكْراءِ الإبِلِ، وبِإثْمارِ نِتاجِها، وألْبانِها وجُلُودِها.

النحل 16:6

﴿وَلَكم فِيها﴾ مَعَ ما فَصَّلَ مِن أنْواعِ المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ ﴿جَمالٌ﴾ أيْ: زِينَةٌ في أعْيُنِ النّاسِ، ووَجاهَةٌ عِنْدَهم ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مَراحِها بِالعَشِيِّ ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ مِن حَظائِرِها إلى مَسارِحِها، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ مِن كِلا الفِعْلَيْنِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وتَعْيِينُ الوَقْتَيْنِ لِأنَّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمالِ مِن تَزَيُّنِ الأفْنِيَةِ، والأكْنافِ بِها، وبِتَجاوُبِ ثُغائِها ورُغائِها، إنَّما هو عِنْدَ وُرُودِها وصُدُورِها في ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ، وأمّا عِنْدَ كَوْنِها في المَراعِي فَيَنْقَطِعُ إضافَتُها الحِسِّيَّةُ إلى أرْبابِها، وعِنْدَ كَوْنِها في الحَظائِرِ لا يَراها راءٍ، ولا يَنْظُرُ إلَيْها ناظِرٌ. وتَقْدِيمُ الإراحَةِ عَلى السَّرْحِ لِتَقَدُّمِ الوُرُودِ عَلى الصُّدُورِ، ولِكَوْنِها أظْهَرَ مِنهُ في اسْتِتْباعِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَمالِ، وأتَمَّ في اسْتِجْلابِ الأُنْسِ والبَهْجَةِ، إذْ فِيها حُضُورٌ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وإقْبالٌ بَعْدَ إدْبارٍ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مَلْأى البُطُونِ، مُرْتَفِعَةَ الضُّرُوعِ. وقُرِئَ: (حِينًا تُرِيحُونَ) و (حِينًا تَسْرَحُونَ). عَلى أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ وصْفٌ لِحِينًا، بِمَعْنى: تُرِيحُونَ فِيهِ، وتَسْرَحُونَ فِيهِ.

النحل 16:7

﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ جَمْعُ: ثَقَلٍ وهُوَ: مَتاعُ المُسافِرِ. وقِيلَ: أثْقالُكم أجْرامُكم. ﴿إلى بَلَدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أُرِيدَ بِهِ اليَمَنُ، ومِصْرُ، والشّامُ. ولَعَلَّهُ نَظَرَ إلى أنَّها مَتاجِرُ أهْلِ مَكَّةَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أُرِيدَ بِهِ مَكَّةُ. ولَعَلَّهُ نَظَرَ إلى أنَّ أثْقالَهم وأحْمالَهم عِنْدَ القُفُولِ مِن مَتاجِرِهِمْ أكْثَرُ، وحاجَتُهم إلى الحُمُولَةِ أمَسُّ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ. ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ واصِلِينَ إلَيْهِ بِأنْفُسِكُمْ، مُجَرَّدِينَ عَنِ الأثْقالِ لَوْلا الإبِلُ. ﴿إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ فَضْلًا عَنِ اسْتِصْحابِها مَعَكم. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الشِّينِ. وهُما لُغَتانِ. بِمَعْنى: الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ. وقِيلَ: المَفْتُوحُ مَصْدَرٌ مِن شَقَّ الأمْرُ عَلَيْهِ شَقًّا، وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى الشَّقِّ الَّذِي هو الصَّدْعُ، والمَكْسُورُ النِّصْفِ. كَأنَّهُ يُذْهِبُ نِصْفَ القُوَّةِ لِما يَنالُهُ مِنَ الجُهْدِ، فالإضافَةُ إلى الأنْفُسِ مَجازِيَّةٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: وإلّا بِشِقِّ قُوى الأنْفُسِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ الأنْعامِ مَدارًا لِلنِّعَمِ السّابِقَةِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِمُجَرَّدِ الحُدُوثِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ (p-98)هَذِهِ النِّعْمَةَ لَيْسَتْ في العُمُومِ بِحَسَبِ المَنشَأِ، وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ. وفي الشُّمُولِ لِلْأوْقاتِ، والِاطِّرادِ في الأحْيانِ المَعْهُودَةِ بِمَثابَةِ النِّعَمِ السّالِفَةِ، فَإنَّها بِحَسَبِ المَنشَأِ، وخاصَّةٌ بِالإبِلِ. وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ بِالضّارِبِينَ في الأرْضِ، المُتَقَلِّبِينَ فِيها لِلتِّجارَةِ، وغَيْرِها في أحايِينَ غَيْرِ مُطَّرِدَةٍ، وأمّا سائِرُ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فَمَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ أصْنافِ الأنْعامِ، وعامَّةٌ لِكافَّةِ المُخاطَبِينَ دائِمًا، أوْ في عامَّةِ الأوْقاتِ. ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولِذَلِكَ أسْبَغَ عَلَيْكم هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ، ويَسَّرَ لَكُمُ الأُمُورَ الشّاقَّةَ.

النحل 16:8

﴿والخَيْلَ﴾ هو اسْمُ جِنْسٍ لِلْفَرَسِ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، كالإبِلِ. وهو عَطْفٌ عَلى الأنْعامِ، أيْ: خَلَقَ الخَيْلَ ﴿والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ تَعْلِيلٌ بِمُعْظَمِ مَنافِعِها، وإلّا فالِانْتِفاعُ بِها بِالحَمْلِ أيْضًا مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِهِ، ﴿وَزِينَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ لِتَرْكَبُوها. وتَجْرِيدُهُ عَنِ اللّامِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا لِفاعِلِ المُعَلِّلِ دُونَ الأوَّلِ، وتَأْخِيرُهُ لِكَوْنِ الرُّكُوبِ أهَمَّ مِنهُ. أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً. وقُرِئَ: بِغَيْرِ واوٍ، أيْ: خَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ تَرْكَبُوها، أوْ مَفْعُولِهِ، أيْ: مُتَزَيِّنِينَ بِها، أوْ مُتَزَيَّنًا بِها ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَخْلُقُ في الدُّنْيا غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن أصْنافِ النِّعَمِ فِيكم ولَكم ما لا تَعْلَمُونَ كُنْهَهُ، وكَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ، فالعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ يَخْلُقُ لَكم في الجَنَّةِ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ ما لا تَعْلَمُونَ، أيْ: ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَعْلَمُوهُ، وهو ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: " «أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ". ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ. دَلالَةً عَلى قدرته الباهِرَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ، كَنِعْمَتِهِ الباطِنَةِ، والظّاهِرَةِ. عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ نَهَرًا مِن نُورٍ مِثْلَ السَّمَواتِ السَّبْعِ، والأرَضِينَ السَّبْعِ، والبِحارِ السَّبْعَةِ. يَدْخُلُ فِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ سَحَرٍ، فَيَغْتَسِلُ. فَيَزْدادُ نُورًا إلى نُورٍ، وجَمالًا إلى جَمالٍ، وعِظَمًا إلى عِظَمٍ. ثُمَّ يَنْتَفِضُ، فَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ قَطْرَةٍ تَقَعُ مِن رِيشِهِ كَذا وكَذا ألْفَ مَلَكٍ، فَيَدْخُلُ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ البَيْتَ المَعْمُورَ، وسَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ الكَعْبَةَ، لا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

النحل 16:9

﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القَصْدُ مَصْدَرٌ. بِمَعْنى الفاعِلِ. يُقالُ: سَبِيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ، أيْ: مُسْتَقِيمٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ عَلى نَهْجِ إسْنادِ حالِ سالِكِهِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، أيْ: حَقٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ، ووَعْدِهِ المَحْتُومِ بَيانُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ لِمَن يَسْلُكُهُ إلى الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ لِدَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ. أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإقامَةِ، والتَّعْدِيلِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ. أيْ: عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ تَقْوِيمُها، وتَعْدِيلُها، أيْ: جَعْلُها بِحَيْثُ يَصِلُ سالِكُها إلى الحَقِّ، لَكِنْ لا بَعْدَما كانَتْ في نَفْسِها مُنْحَرِفَةً عَنْهُ، بَلْ إبْداعُها ابْتِداءً كَذَلِكَ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ، وكَبَّرَ الفِيلَ. وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أبْدَعَ هَذِهِ البَدائِعَ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها (p-99)لاحِبٌ يُهْتَدى بِمَنارِهِ، وعَلَمٌ يُسْتَضاءُ بِنارِهِ. وأرْسَلَ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبًا مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ النّاطِقُ بِحَقِيقَةِ الحَقِّ الفاحِصِ عَنْ كُلِّ ما جَلَّ مِنَ الأسْرارِ ودَقَّ، الهادِي إلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ الأدِلَّةِ المُفْضِيَةِ إلى مَعالِمِ الهُدى المُنَحِّيَةِ عَنْ فَيافِي الضَّلالَةِ، ومَهاوِي الرَّدى، ألا يُرى كَيْفَ بَيَّنَ أوَّلًا تَنَزُّهَ جَنابِ الكِبْرِياءِ، وتَعالِيَهُ بِحَسَبِ الذّاتِ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَهُ شائِبَةٌ تُوهِمُ الإشْراكَ، ثُمَّ أوْضَحَ سِرَّ إلْقاءِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَيْفِيَّةَ أمْرِهِمْ بِإنْذارِ النّاسِ، ودَعْوَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، ونَهْيِهِمْ عَنِ الإشْراكِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى بَيانِ تَعالِيهِ عَنْ ذَلِكَ، بِحَسَبِ الأفْعالِ مُرْشِدًا إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ. فَبَدَأ بِفِعْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِمُحِيطِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ ومَرْكَزِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ أفْعالَهُ المُتَعَلِّقَةَ بِما بَيْنَهُما، فَبَدَأ بِفِعْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِما لا بُدَّ لَهم مِنهُ في مَعايِشِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ قدرته عَلى خَلْقِ ما لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، بِقَوْلِهِ: " ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ " وكُلُّ ذَلِكَ كَما تَرى بَيانٌ لِسَبِيلِ التَّوْحِيدِ غِبَّ بَيانٍ، وتَعْدِيلٌ لَهُ أيُّما تَعْدِيلٍ. فالمُرادُ بِالسَّبِيلِ عَلى الأوَّلِ: الجِنْسُ بِدَلِيلِ إضافَةِ القَصْدِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنّا دُونُ ذَلِكَ" وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلَخْ. أيْ: بَعْضُ السَّبِيلِ، أوْ بَعْضٌ مِنَ السَّبِيلِ. فَإنَّها تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ. ﴿جائِرٌ﴾ أيْ: مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، مُنْحَرِفٌ عَنْهُ لا يُوصِلُ سالِكَهُ إلَيْهِ، وهو طُرُقُ الضَّلالِ الَّتِي لا يَكادُ يُحْصى عَدَدُها المُنْدَرِجُ كُلُّها تَحْتَ الجائِرِ، وعَلى الثّانِي: نَفْسُ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، والضَّمِيرُ في مِنها راجِعٌ إلَيْها بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: ومِن جِنْسِها لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ تَعْدِيلَ السَّبِيلِ، وتَقْوِيمَهُ إبْداعُهُ ابْتِداءً عَلى وجْهِ الِاسْتِقامَةِ، والعَدالَةِ لا تَقْوِيمُهُ بَعْدَ انْحِرافِهِ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ رِعايَةً لِأمْرٍ مَطْلُوبٍ كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما اقْتَضى الظّاهِرُ سَبْكًا مُعَيَّنًا، ولَكِنْ يُعَدَّلُ عَنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ أهَمَّ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فَإنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: والَّذِي يُسْقِمُنِي ويَشْفِينِ، ولَكِنْ غُيِّرَ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ تَفادِيًا عَنْ إسْنادِ ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ المُرادُ بِبَيانِ قَصْدِ السَّبِيلِ مُجَرَّدَ إعْلامِ أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ حَتّى يَصِحَّ إسْنادُ أنَّهُ جائِرٌ إلَيْهِ تَعالى، فَيُحْتاجَ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ عَدَمِ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذاكَ لَمْ يُوجَدْ لِتَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ نُكْتَةٌ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ غَيْرِ مَعْدُودَةٍ، بَلِ المُرادُ ما مَرَّ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ لِهِدايَةِ النّاسِ إلَيْهِ، ولا إمْكانَ لِإسْنادِ مِثْلِهِ إلَيْهِ تَعالى بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّرِيقِ الجائِرِ، بِأنْ يُقالَ: وجائِرُها، ثُمَّ يُغَيَّرُ سَبْكُ النَّظْمِ عَنْ ذَلِكَ لِداعِيَةٍ أقْوى مِنهُ، بَلِ الجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ اعْتِراضِيَّةٌ، جِيءَ بِها لِبَيانِ الحاجَةِ إلى البَيانِ، والتَّعْدِيلِ، وإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ. والمَعْنى: عَلى اللَّهِ تَعالى بَيانُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ، وتَعْدِيلُهُ بِما ذُكِرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ لِيَسْلُكَهُ النّاسُ، بِاخْتِيارِهِمْ، ويَصِلُوا إلى المَقْصِدِ. وهَذا هو الهِدايَةُ المُفَسَّرَةُ بِالدَّلالَةِ عَلى ما يُوصِلُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِداءِ البَتَّةَ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ بِحَقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا بِحَسَبِ ذاتِهِ، ولا بِحَسَبِ رَحْمَتِهِ، بَلْ هو مُخِلٌّ بِحِكْمَتِهِ حَيْثُ يَسْتَدْعِيهِ تَسْوِيَةُ المُحْسِنِ، والمُسِيءِ، والمُطِيعِ، والعاصِي، بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْحِيدِ هِدايَةً مُوصِلَةً إلَيْهِ البَتَّةَ مُسْتَلْزِمَةً لِاهْتِدائِكم أجْمَعِينَ لَفَعَلَ ذَلِكَ، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْهُ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، ولا (p-100)حِكْمَةَ في تِلْكَ المَشِيئَةِ لِما أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ، وإلَيْهِ يَنْسَحِبُ الثَّوابُ والعِقابُ. إنَّما هو الِاخْتِيارُ الجُزْئِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الأعْمالُ الَّتِي بِها نِيطَ الجَزاءُ هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ، وقَدْ فُسِّرَ كَوْنُ قَصْدِ السَّبِيلِ عَلَيْهِ تَعالى بِانْتِهائِهِ إلَيْهِ، عَلى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ، وإيثارُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى أداةِ الِانْتِهاءِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقامَةِ عَلى وجْهٍ تَمْثِيلِيٍّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعْلاءٌ لِشَيْءٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ " فالقَصْدُ: مَصْدَرٌ. بِمَعْنى: الفاعِلِ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ: الجِنْسُ، كَما مَرَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ومِنها جائِرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، والمَعْنى أنَّ قَصْدَ السَّبِيلِ واصِلٌ إلَيْهِ تَعالى بِالِاسْتِقامَةِ، وبَعْضُها مُنْحَرِفٌ عَنْهُ. ولَوْ شاءَ لَهَداكم جَمِيعًا إلى الأوَّلِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ نُكْتَةٍ مُوجِبَةٍ لِتَوْسِيطِهِ بَيْنَ ما سَبَقَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وبَيْنَ ما لَحِقَ، ولَمّا بُيِّنَ الطَّرِيقُ السَّمْعِيُّ لِلتَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ إجْمِالِيٍّ، وفُصِّلَ بَعْضُ أدِلَّتِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ، وعُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ السِّرِّ الدّاعِي إلَيْهِ بَعْثًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى التَّأمُّلِ فِيما سَبَقَ، وحَثًّا عَلى حُسْنِ التَّلَقِّي لِما لَحِقَ أُتْبِعَ ذَلِكَ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن أحْوالِ النَّباتِ فَقِيلَ:

النحل 16:10

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ﴾ بِقدرته القاهِرَةِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ ﴿ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ، وهو المَطَرُ، وتَأخُّرُهُ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ المَقْصُودَ هو الإخْبارُ، بِأنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ شَيْئًا هو الماءُ، لا أنَّهُ أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ، والسِّرُّ فِيهِ ما سَلَفَ مِن أنَّ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ يَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لَهُ، مُشْتاقًا إلَيْهِ، فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ أيْ: ما تَشْرَبُونَهُ، وهو إمّا مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ الأوَّلِ. أوْ مُبْتَدَأٌ، و"هُوَ" خَبَرُهُ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِماءٍ، والظَّرْفُ الثّانِي نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن شَرابٍ، و "مِن" تَبْعِيضِيةٌ، ولَيْسَ في تَقْدِيمِهِ إيهامُ حَصْرِ المَشْرُوبِ فِيهِ حَتّى يَفْتَقِرَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والآبارِ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ . وقِيلَ: الظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، والثّانِي خَبَرٌ لِشَرابٍ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِماءٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما فِيهِ مِن تَوْسِيطِ المَنصُوبِ بَيْنَ المَجْرُورَيْنِ، وتَوْسِيطِ الثّانِي مِنهُما بَيْنَ الماءِ وصِفَتِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ نَظْمِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ. ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ: أيْ: ومِنهُ يَحْصُلُ شَجَرٌ تَرْعاهُ المَواشِي، والمُرادُ بِهِ: ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أوْ لا، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مَجازًا، لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَقْيُهُ مِنَ الماءِ جُعِلَ كَأنَّهُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، يَعْنِي بِهِ المَطَرَ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ الكَلَأُ الَّذِي تَأْكُلُهُ الإبِلُ، فَتَسْمَنُ أسْنِمَتُها. وفي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَّجَرِ فَإنَّهُ سُحْتٌ، يَعْنِي: الكَلَأ. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ تَرْعَوْنَ مِن سامَتِ الماشِيَةُ، وأسامَها صاحِبُها، وأصْلُها السَّوْمَةُ، وهي العَلامَةُ. لِأنَّها تُؤَثِّرُ بِالرَّعْيِ عَلاماتٍ في الأرْضِ.

النحل 16:11

﴿يُنْبِتُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ: بِالنُّونِ. ﴿لَكم بِهِ﴾ بِما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ. ﴿الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ بَيانٌ لِلنِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الأرْضِ (p-101)بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وأنَّها سُنَّتُهُ الجارِيَةُ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ. أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الإنْباتِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ آنِفًا مَعَ ما في تَقْدِيمِ أوَّلِهِما مِنَ الِاهْتِمامِ بِهِ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ ابْتِداءً، وتَقْدِيمُ الزَّرْعِ عَلى ما عَداهُ لِأنَّهُ أصْلُ الأغْذِيَةِ وعَمُودُ المَعاشِ، وتَقْدِيمُ الزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إدامٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٍ مِن وجْهٍ، وتَقْدِيمُ النَّخِيلِ عَلى الأعْنابِ لِظُهُورِ أصالَتِها وبَقائِها. وجَمَعَ الأعْنابَ لِلْإشارَةِ إلى ما فِيها مِنَ الِاشْتِمالِ عَلى الأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ، وتَخْصِيصُ الأنْواعِ المَعْدُودَةِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لِلْإشْعارِ بِفَضْلِها. وتَقْدِيمُ الشَّجَرِ عَلَيْها مَعَ كَوْنِهِ غِذاءً لِلْأنْعامِ لِحُصُولِهِ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنَ البَشَرِ، أوْ لِلْإرْشادِ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ يَكُونَ اهْتِمامُ الإنْسانِ بِأمْرٍ ما تَحْتَ يَدِهِ، وأكْمَلَ مِنِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أوْ لِأنَّ أكْثَرَ المُخاطَبِينَ مِن أصْحابِ المَواشِي لَيْسَ لَهم زَرْعٌ، ولا ثَمَرٌ. وقِيلَ: المُرادُ: تَقْدِيمُ ما يُسامُ لا تَقْدِيمُ غِذائِهِ، فَإنَّهُ غِذاءٌ حَيَوانِيٌّ لِلْإنْسانِ، وهو أشْرَفُ الأغْذِيَةِ. وقُرِئَ: (يَنْبُتُ) مِنَ الثُّلاثِيِّ مُسْنَدًا إلى الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إنْزالِ الماءِ، وإنْباتِ ما فُصِّلَ ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ الحَبَّةَ أوِ النَّواةَ تَقَعُ في الأرْضِ، وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلُها، فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في أعْماقِ الأرْضِ، ويَنْشَقُّ أعْلاها، وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في الوُقُوعِ، ويَخْرُجُ مِنهُ ساقٌ فَيَنْمُو، ويَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ، وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ الأمْثالِ عَلى النَّمَطِ المُحَرَّرِ لا إلى نِهايَةٍ مَعَ اتِّحادِ المَوادِّ، واسْتِواءِ نِسْبَةِ الطَّبائِعِ السُّفْلِيَّةِ، والتَّأْثِيراتِ العُلْوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ، وآثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ أخَسُّ الأشْياءِ في أخَصِّ صِفاتِهِ الَّتِي هي الأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وحَيْثُ افْتَقَرَ سُلُوكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ الفِكْرِيَّةِ قَطَعَ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِالتَّفَكُّرِ.

النحل 16:12

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكُمْ، ومَعاشِكُمْ، ولِعَقْدِ الثِّمارِ وإنْضاجِها، ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما، وإنارَتِهِما أصالَةً وخِلافَةً، وإصْلاحِهِما لِما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ، وأُجْمِلَ كُلُّ ذَلِكَ لِمَصالِحِكُمْ، ومَنافِعِكم. ولَيْسَ المُرادُ بِتَسْخِيرِها لَها: تَمْكِينُهم مِن تَصَرُّفِها كَيْفَ شاءُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ " ونَظائِرِهِ، بَلْ هو تَصْرِيفُهُ تَعالى لَها حَسْبَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنافِعُهُمْ، ومَصالِحُهم. كَأنَّ ذَلِكَ تَسْخِيرٌ لَهُمْ، وتَصَرُّفٌ مِن قِبَلِهِمْ حَسَبَ إرادَتِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ بِالتَّسْخِيرِ إيماءٌ إلى ما في المُسَخَّراتِ مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واحِدٌ مُسْتَمِرٌّ وإنْ تَجَدَّدَتْ آثارُهُ، ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ: سائِرُ النُّجُومِ في (p-102)حَرَكاتِها وأوْضاعِها مِنَ التَّثْلِيثِ والتَّرْبِيعِ ونَحْوِهِما، مُسَخَّراتٌ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإرادَتِهِ، ومَشِيئَتِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَوْدُ مَنافِعِ النُّجُومِ إلَيْهِمْ في الظُّهُورِ بِمَثابَةِ ما قَبِلَها مِنَ المَلَوَيْنِ، والقَمَرَيْنِ. لَمْ يُنْسَبْ تَسْخِيرُها إلَيْهِمْ بِأداةِ الِاخْتِصاصِ، بَلْ ذُكِرَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ كَوْنَها تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ إلى الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلدَّوامِ، والِاسْتِمْرارِ. وقُرِئَ: بِرَفْعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أيْضًا. وقُرِئَ: بِنَصْبِ (النُّجُومَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، يُنْبِئُ عَنْهُ الفِعْلُ المَذْكُورُ، و (مُسَخَّراتٍ) مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ. أيْ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوباتِ المُتَقَدِّمَةِ. و "مُسَخَّراتٍ" حالٌ مِنَ الكُلِّ، والعامِلُ ما في سَخَّرَ مِن مَعْنى نَفَعَ، أيْ: نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَها ودَبَّرَها كَيْفَ شاءَ، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإيجادِهِ وتَقْدِيرِهِ، أوْ لِحُكْمِهِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ جُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، أيْ: أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ، وما قِيلَ مِن أنْ فِيهِ إيذانًا بِالجَوابِ عَمّا عَسى، يُقالُ: إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ، وأوْضاعُها. بِأنَّ ذَلِكَ إنْ سَلِمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها أيْضًا أُمُورٌ مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ مُخَصَّصٍ مُخْتارٍ واجِبٍ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ، والتَّسَلْسُلِ، فَمَبْناهُ حُسْبانُ ما ذُكِرَ أدِلَّةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى وقدرته واخْتِيارِهِ، وأنْتَ تَدْرِي أنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُنازَعُ فِيهِ الخَصْمُ، ولا يَتَلَعْثَمُ في قَبُولِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ... الآيَةَ. وإنَّما ذَلِكَ أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يُتَوَهَّمُ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ الجَمادُ في الأُلُوهِيَّةِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيرِ المُتَعَلِّقِ بِما ذُكِرَ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لآياتٍ﴾ باهِرَةً مُتَكاثِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآثارُ العُلْوِيَّةُ مُتَعَدِّدَةً، ودَلالَةُ ما فِيها مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ أظْهَرَ جُمِعَ الآياتُ، وعُلِّقَتْ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ذَلِكَ فالمُشارُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ تَعاجِيبُ الدَّقائِقِ المُودَعَةِ في العُلْوِيّاتِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالتَّسْخِيرِ الَّتِي لا يَتَصَدّى لِمَعْرِفَتِها إلّا المَهَرَةُ مِن أساطِينِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ احْتِياجَها إلى التَّفَكُّرِ أكْثَرُ.

النحل 16:13

﴿وَما ذَرَأ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "والنُّجُومُ" رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِجَعَلَ أيْ وما خَلَقَ. ﴿لَكم في الأرْضِ﴾ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: أصْنافُهُ، فَإنَّ اخْتِلافَها غالِبًا يَكُونُ بِاخْتِلافِ اللَّوْنِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِما خُلِقَ لَهُ مِنَ الخَواصِّ والأحْوالِ والكَيْفِيّاتِ، أوْ جُعِلَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَ الألْوانِ، أيِ: الأصْنافِ لِتَتَمَتَّعُوا مِن ذَلِكَ بِأيِّ صِنْفٍ شِئْتُمْ، وقَدْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَنصُوباتِ، وعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَ الخَلْقِ لَهم مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ التَّسْخِيرِ واعْتُذِرَ بِأنَّ الأوَّلَ لا يَسْتَلْزِمُ الثّانِيَ لُزُومًا عَقْلِيًّا لِجَوازِ كَوْنِ ما خُلِقَ لَهم عَزِيزَ المَرامِ، صَعْبَ المَنالِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: خَلَقَ وأنْبَتَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ" حالٌ مِن مَفْعُولِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيراتِ ونَحْوِها ﴿لآيَةً﴾ بَيِّنَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ واحِدٌ لا نِدَّ لَهُ، ولا ضِدَّ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلّا إلى تَذَكُّرِ ما عَسى يُغْفَلُ عَنْهُ مِنَ العُلُومِ (p-103)الضَّرُورِيَّةِ، وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّ اخْتِلافَها في الطِّباعِ والهَيْآتِ والمَناظِرِ لَيْسَ إلّا بِصُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ، فَمَدارُهُ ما لَوَّحْنا بِهِ مِن حُسْبانِ ما ذُكِرَ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ تَعالى، وقَدْ عَرَفْتَ حَقِيقَةَ الحالِ، فَإنَّ إيرادَ ما يَدُلُّ عَلى اتِّصافِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، بَلْ مِنَ المُقَدِّماتِ المُسَلَّمَةِ، جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً مِن وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، واسْتِحالَةِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ في الأُلُوهِيَّةِ.

النحل 16:14

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَحْرِ إثْرَ تَفْصِيلِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَرِّ حَيَوانًا ونَباتًا، أيْ: جَعَلَهُ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِالرُّكُوبِ والغَوْصِ والِاصْطِيادِ. ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هُوَ: السَّمَكُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ، ووَصْفُهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى أكْلِهِ كَيْلا يَتَسارَعَ إلَيْهِ الفَسادُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَعْلُ البَحْرِ مُبْتَدَأ أكْلِهِ، ولِلْإيذانِ بِكَمالِ قدرته تعالى في خَلْقِهِ عَذْبًا طَرِيًّا في ماءٍ زُعاقٍ، ومِن إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ ذَهَبَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ أنَّ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ اللَّحْمَ حَنِثَ بِأكْلِهِ، والجَوابُ أنَّ مَبْنى الأيْمانِ العُرْفُ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنَ اللَّحْمِ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولِذَلِكَ لَوْ أمَرَ خادِمَهُ بِشِراءِ اللَّحْمِ فَجاءَ بِالسَّمَكِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا بِالأمْرِ ألا يَرى إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الكافِرَ دابَّةً حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولا يَحْنَثُ بِرُكُوبِهِ مَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ﴿تَلْبَسُونَها﴾ عَبَّرَ في مَقامِ الِامْتِنانِ عَنْ لُبِسَ نِسائِهِمْ بِلُبُسِهِمْ لِكَوْنِهِنَّ مِنهُمْ، أوْ لِكَوْنِ لُبُسِهِنَّ لِأجْلِهِمْ. ﴿وَتَرى الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ جَوارِيَ فِيهِ مُقْبِلَةً، ومُدْبِرَةً، ومُعْتَرِضَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ تَشُقُّهُ بِحَيْزُومِها مِنَ المَخْرِ، وهو شَقُّ الماءِ. وقِيلَ: هو صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَسْتَخْرِجُوا، وما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ الِابْتِغاءِ، ودَفْعِ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ بِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ. أوْ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، ولِتَبْتَغُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن سَعَةِ رِزْقِهِ بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ، ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: تَعْرِفُونَ حُقُوقَ نِعَمِهِ الجَلِيلَةِ، فَتَقُومُونَ بِأدائِها بِالطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالتَّعْقِيبِ بِالشُّكْرِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها قَطْعًا لِمَسافَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ أحْمالٍ ثَقِيلَةٍ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ مِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ أسْبابِ السَّفَرِ، بَلْ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ أصْلًا، مَعَ أنَّها في تَضاعِيفِ المَهالِكِ، وعَدَمُ تَوْسِيطِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ بَيْنَ الِابْتِغاءِ والشُّكْرِ لِلْإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وبِحُصُولِهِما مَعًا.

النحل 16:15

﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ. ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِكم وتَضْطَرِبَ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ بِكُمْ، فَإنَّ الأرْضَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ فِيها الجِبالُ كانَتْ كُرَةً خَفِيفَةً بَسِيطَةَ الطَّبْعِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تَتَحَرَّكَ بِالِاسْتِدارَةِ كالأفْلاكِ، أوْ تَتَحَرَّكَ بِأدْنى سَبَبٍ مُحَرِّكٍ، فَلَمّا خُلِقَتِ الجِبالُ تَفاوَتَتْ حافاتُها، وتَوَجَّهَتِ الجِبالُ (p-104)بِثِقَلِها نَحْوَ المَرْكَزِ فَصارَتْ كالأوْتادِ. وقِيلَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمُقَرٍّ أحَدٌ عَلى ظَهْرِها؟ فَأصْبَحَتْ، وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ. ﴿وَأنْهارًا﴾ أيْ: وجَعَلَ فِيهِ أنْهارًا، لِأنَّ في ألْقى مَعْنى الجَعْلِ ﴿وَسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِها إلى مَقاصِدِكم.

النحل 16:16

﴿وَعَلاماتٍ﴾ مَعالِمَ يَسْتَدِلُّ بِها السّابِلَةُ بِالنَّهارِ مِن جَبَلٍ، ومَنهَلٍ، ورِيحٍ، وقَدْ نُقِلَ أنَّ جَماعَةً يَشُمُّونَ التُّرابَ، ويَتَعَرَّفُونَ بِهِ الطُّرُقاتِ، ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ بِاللَّيْلِ في البَرارِي والبِحارِ حَيْثُ لا عَلامَةَ غَيْرُهُ، والمُرادُ بِـ "النَّجْمِ" الجِنْسُ، وقِيلَ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ النَّعْشِ، والجَدْيُ. وقُرِئَ: بِضَمَّتَيْنِ، وبِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وهو جَمْعٌ كَرُهْنٍ ورُهُنٍ. وقِيلَ الأوَّلُ بِطْرِيقِ حَذَفَ الواوِ مِنَ النُّجُومِ لِلتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ الضَّمِيرَ لِقُرَيْشٍ فَإنَّهم كانُوا كَثِيرِي التَّرَدُّدِ لِلتِّجارَةِ، مَشْهُورِينَ بِالِاهْتِداءِ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ، وصَرْفُ النَّظْمِ عَنْ سُنَنِ الخِطابِ. وتَقْدِيمُ النَّجْمِ، وإقْحامُ الضَّمِيرِ لِلتَّخْصِيصِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هَؤُلاءِ خُصُوصًا يَهْتَدُونَ، فالِاعْتِبارُ بِذَلِكَ، والشُّكْرُ عَلَيْهِ، أُلْزِمَ لَهُمْ، وأُوجِبَ عَلَيْهِمْ.

النحل 16:17

﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ العَظِيمَةَ، ويَفْعَلُ هاتِيكَ الأفاعِيلَ البَدِيعَةَ، أوْ يَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ شَيْئًا أصْلًا، وهو تَبْكِيتٌ لِلْكَفَرَةِ، وإبْطالٌ لِإشْراكِهِمْ وعِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ بِإنْكارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِنَ المُشابَهَةِ بَيْنَها وبَيْنَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ تَعْدادِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ اقْتِضاءً ظاهِرًا، وتَعْقِيبُ الهَمْزَةِ بِالفاءِ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَوَهُّمِ المُشابِهَةِ المَذْكُورَةِ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الظّاهِرَةِ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى المَعْلُومَةِ كَذَلِكَ فِيما بَيْنَهم حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ ما تَلَوْناهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ ... الآيَتَيْنِ. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الخَلْقِ مِن بَيْنِها لِكَوْنِهِ أعْظَمَها وأظْهَرَها، واسْتِتْباعَهُ إيّاها، أوْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنها خَلْقًا مَخْصُوصًا، أيْ: أبَعْدَ ظُهُورِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِمَبْدَئِيَّةِ هَذِهِ الشُّؤُونِ الواضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، واسْتِبْدادِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ يُتَصَوَّرُ المُشابَهَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ بِالمَرَّةِ كَما هو قَضِيَّةُ إشْراكِكُمْ، ومَدارُها، وإنْ كانَ عَلى تَشْبِيهِ غَيْرِ الخالِقِ بِالخالِقِ لَكِنَّ التَّشْبِيهَ حَيْثُ كانَ نِسْبَةٌ تَقُومُ بِالمُنْتَسِبِينَ اخْتِيرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ مُراعاةً لِحَقِّ سَبْقِ المَلَكَةِ عَلى العَدَمِ، وتَفادِيًا عَنْ تَوْسِيطِ عَدَمِها بَيْنَها وبَيْنَ جُزْئِيّاتِها المُفَصَّلَةِ قَبْلَها، وتَنْبِيهًا عَلى كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوهُ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَفْعِ الأصْنامِ عَنْ مَحَلِّها، بَلْ هو حَطٌّ لِمَنزِلَةِ الربوبية إلى مَرْتَبَةِ الجَماداتِ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ أقْبَحُ مِنَ الأوَّلِ. والمُرادُ بِـ "مَن لا يَخْلُقُ" كُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ كائِنًا ما كانَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما يُخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ العُقَلاءِ خاصَّةً، ويُعْرَفُ مِنهُ حالُ غَيْرِهِمْ لِدَلالَةِ النَّصِّ، فَإنَّ مَن يَخْلُقُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَمَن لا يَخْلُقُ وهو مِن جُمْلَةِ العُقَلاءِ فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ، وأيًّا ما كانَ فَدُخُولُ الأصْنامِ في حُكْمِ عَدَمِ المُماثَلَةِ، والمُشابَهَةِ، إمّا بِطَرِيقِ الِانْدِراجِ تَحْتَ المَوْصُولِ العامِّ، وإمّا بِطَرِيقِ الِانْفِهامِ بِدَلالَةِ النَّصِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ لا بِأنَّها هي المُرادَةُ بِالمَوْصُولِ خاصَّةً، ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِوُضُوحِهِ بِحَيْثُ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ سِوى التَّذَكُّرِ.

النحل 16:18

(p-105)﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ تَذْكِيرٌ إجْمالِيٌّ لِنِعَمِهِ تَعالى بَعْدَ تَعْدادِ طائِفَةٍ مِنها، وكانَ الظّاهِرُ إيرادَهُ عَقِيبَها تَكْمِلَةً لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ولَعَلَّ فَصْلَ ما بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ " لِلْمُبادَرَةِ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ، وإلْقامِ الحَجَرِ إثْرَ تَفْصِيلِ ما فُصِّلَ مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي هي أدِلَّةُ الوَحْدانِيَّةِ مَعَ ما فِيهِ مِن سِرٍّ سَتَقِفُ عَلَيْهِ، ودَلالَتُها عَلَيْها، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُورَةً عَلى حَيْثِيَّةِ الخَلْقِ ضَرُورَةَ ظُهُورِ دَلالَتِها مِن حَيْثِيَّةِ الإنْعامِ أيْضًا، لَكِنَّها حَيْثُ كانَتْ مُسْتَتْبَعاتِ الحَيْثِيَّةِ الأُولى اسْتُغْنِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهائِمَ بُيِّنَ حالُها بِطَرِيقِ الإجْمالِ، أيْ: إنْ تَعُدُّو نِعْمَتَهُ الفائِضَةَ عَلَيْكم مِمّا ذُكِرَ، وما لَمْ يُذْكَرْ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ: لا تُطِيقُوا حَصْرَها، وضَبْطَ عَدَدِها ولَوْ إجْمالًا. فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وقَدْ خَرَجْنا عَنْ عُهْدَةِ تَحْقِيقِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ حَيْثُ يَسْتُرُ ما فَرَطَ مِنكم مِن كُفْرانِها، والإخْلالِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِها، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى ذَلِكَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ يُفِيضُها عَلَيْكم مَعَ اسْتِحْقاقِكم لِلْقَطْعِ، والحِرْمانِ بِما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ مِن أصْنافِ الكُفْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، وكُلٌّ مِن ذَلِكَ نِعْمَةٌ، وأيُّما نِعْمَةٍ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِعَدَمِ الإحْصاءِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ المَغْفِرَةِ عَلى نَعْتِ الرَّحْمَةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.

النحل 16:19

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ تُضْمِرُونَهُ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ. ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: تُظْهِرُونَهُ مِنهُما، وحُذِفَ العائِدُ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أيْ: يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سِرُّكم وعَلَنُكُمْ، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِنُعُوتِ الإلَهِيَّةِ ما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ لِما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ هُودٍ مِن تَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَ عِلْمَيْهِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّ علمه تعالى بِالسِّرِّ أقْدَمُ مِنهُ بِالعَلَنِ. أوْ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُعْلَنُ فَهو قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في القَلْبِ فَتَعَلُّقُ علمه تعالى بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.

النحل 16:20

﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ كَوْنِ الأصْنامِ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وتَوْضِيحُهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ شائِبَةُ رَيْبٍ بِتَعْدِيدِ أوْصافِها، وأحْوالِها المُنافِيَةِ لِذَلِكَ مُنافاةً ظاهِرَةً، وتِلْكَ الأحْوالُ، وإنْ كانَتْ غَنِيَّةً عَنِ البَيانِ لَكِنَّها شُرِحَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ حَماقَةِ عَبَدَتِها، وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِالتَّصْرِيحِ، أيْ: والآلِهَةُ الَّذِينَ يَعْبُدُهُمُ الكُفّارُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سُبْحانَهُ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى الخِطابِ. ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ، وبَيْنَ المَخْلُوقِيَّةِ تَلازُمٌ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإنْ تَلازَما في الصِّدْقِ أُثْبِتَ لَهم ذَلِكَ تَصْرِيحًا فَقِيلَ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم ومُقْتَضى ذاتِهِمُ المَخْلُوقِيَّةُ، لِأنَّها ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مُفْتَقِرَةٌ في ماهِيّاتِها، ووُجُوداتِها إلى المُوجِدِ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِتَحْقِيقِ التَّضادِّ والمُقابَلَةِ بَيْنَ ما أُثْبِتَ لَهُمْ، وبَيْنَ ما نُفِيَ (p-106)عَنْهم مِن وصْفَيِ المَخْلُوقِيَّةِ والخالِقِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِعَدَمِ الِافْتِقارِ إلى بَيانِ الفاعِلِ لِظُهُورِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخَلْقُ الثّانِي عِبارَةً عَنِ النَّحْتِ والتَّصْوِيرِ رِعايَةً لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأوَّلِ، ومُبالَغَةً في كَوْنِهِمْ مَصْنُوعِينَ لَعَبَدَتِهِمْ، وأعْجَزَ عَنْهم. وإيذانًا بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ حَيْثُ أشْرَكُوا بِخالِقِهِمْ مَخْلُوقَهُمْ، وأمّا جَعْلُ الأوَّلِ أيْضًا عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ كَما فُعِلَ فَلا وجْهَ لَهُ إذِ القُدْرَةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الخَلْقِ لَيْسَتْ مِمّا يَدُورُ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ أصْلًا، ولِما أنَّ إثْباتَ المَخْلُوقِيَّةِ لَهم غَيْرُ مُسْتَدْعٍ لِنَفْيِ الحَياةِ عَنْهُمْ، لِما أنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ أحْياءٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقِيلَ:

النحل 16:21

﴿أمْواتٌ﴾ وهو خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ لا لِلضَّمِيرِ كَما قِيلَ. أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وحَيْثُ كانَ بَعْضُ الأمْواتِ مِمّا يَعْتَرِيهِ الحَياةُ سابِقًا، أوْ لاحِقًا كَأجْسادِ الحَيَوانِ والنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ تَعالى حَيَوانًا احْتُرِزَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ أيْ: لا يَعْتَرِيها الحَياةُ أصْلًا فَهي أمْواتٌ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: ما يَشْعُرُ أُولَئِكَ الآلِهَةُ أيّانَ يُبْعَثُ عَبَدَتُهم فَعَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، لِأنَّ شُعُورَ الجَمادِ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ بَدِيهِيُّ الِاسْتِحالَةِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَكَيْفَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ؟ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ البَعْثَ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ، وأنَّ مَعْرِفَةَ وقْتِهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في الأُلُوهِيَّةِ.

النحل 16:22

﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ وهو تَصْرِيحٌ بِالمُدَّعى، وتَمْحِيضٌ لِلنَّتِيجَةِ غِبَّ إقامَةِ الحُجَّةِ، ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وأحْوالِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ، وما يَعْقُبُهُ مِنَ الجَزاءِ المُسْتَلْزِمِ لِعُقُوبَتِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ لِلْوَحْدانِيَّةِ جاحِدَةٌ لَها، أوْ لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها. ﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ الِاعْتِرافِ بِها، أوْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها. و"الفاءُ" لِلْإيذانِ بِأنَّ إصْرارَهم عَلى الإنْكارِ، واسْتِمْرارَهم عَلى الِاسْتِكْبارِ وقَعَ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِلدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ، والبَراهِينِ الباهِرَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِما قُرِّرَ مِنَ الحُجَجِ والبَيِّناتِ اخْتِصاصُ الإلَهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَكانَ مِن نَتِيجَةِ ذَلِكَ إصْرارُهم عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْكارِ والِاسْتِكْبارِ، وبِناءُ الحُكْمِ المَذْكُورِ عَلى المَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالآخَرَةِ، وبِما فِيها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ المُتَنَوِّعِ إلى الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، يُؤَدِّي إلى قِصَرِ النَّظَرِ عَلى العاجِلِ، والإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ المُوجِبِ لِإنْكارِها، وإنْكارِ مُؤَدّاها، والِاسْتِكْبارِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ وتَصْدِيقِهِ. وأمّا الإيمانُ بِها وبِما فِيها فَيَدْعُو لا مَحالَةَ إلى التَّأمُّلِ في الآياتِ، والدَّلائِلِ. رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَيُورِثُ ذَلِكَ يَقِينًا بِالوَحْدانِيَّةِ، وخُضُوعًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:23

﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: حَقًّا. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ هُودٍ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ مِن إنْكارِ قُلُوبِهِمْ ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ لِلْقُرْآنِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن قَبائِحِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الوَعِيدِ، أيْ: لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ، أوْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها، أوْ (p-107)لا يُحِبُّ جِنْسَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَكَيْفَ بِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَمّا ذُكِرَ؟

النحل 16:24

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ المُسْتَكْبِرِينَ، وهو بَيانٌ لِإضْلالِهِمْ غِبَّ بَيانِ ضَلالِهِمْ. ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائِلُ الوافِدُونَ عَلَيْهِمْ، أوِ المُسْلِمُونَ، أوْ بَعْضٌ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ. و"ماذا" مَنصُوبٌ بِما بَعْدَهُ، أوْ مَرْفُوعٌ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ؟، أوْ ما الَّذِي أنْزَلَهُ؟ ﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ. والمُنْزَلُ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمْ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ. قِيلَ: هَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ، يُنَفِّرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سُؤالِ وُفُودِ الحاجِّ عَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ.

النحل 16:25

﴿لِيَحْمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا، أيْ: قالُوا ما قالُوا لِيَحْمِلُوا ﴿أوْزارَهُمْ﴾ الخاصَّةَ بِهِمْ، وهي أوْزارُ ضَلالِهِمْ ﴿كامِلَةً﴾ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِنَكْبَةٍ أصابَتْهم في الدُّنْيا، كَما يُكَفَّرُ بِها أوْزارُ المُؤْمِنِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِيَحْمِلُوا ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ وبَعْضِ أوْزارِ مَن ضَلَّ بِإضْلالِهِمْ. وهو وِزْرُ الإضْلالِ؛ لِأنَّهُما شَرِيكانِ هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. و "اللّامُ" لِلتَّعْلِيلِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإضْلالِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ قَوْلِهِمْ لا حالِ الحَمْلِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: يُضِلُّونَهم غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ طَرِيقٌ الضَّلالِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّهم يَحْمِلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْزارَ الضَّلالِ والإضْلالِ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ قالُوا، وتَأْيِيدُهُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ مَن حَمَلَ ما ذُكِرَ مِن أوْزارِ الضَّلالِ والإضْلالِ مِن قَبِيلِ إتْيانِ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَرُدُّهُ أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ، والعَذابَ المَذْكُورَ إنَّما هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِها الإشْعارُ بِأنَّ مَكْرَهم لا يَرُوجُ عِنْدَ ذِي لُبٍّ، وإنَّما يَتْبَعُهُمُ الأغْبِياءُ والجَهَلَةُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ جَهْلَهم ذَلِكَ لا يَكُونُ عُذْرًا إذْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْحَثُوا، ويُمَيِّزُوا بَيْنَ المُحِقِّ الحَقِيقِ بِالِاتِّباعِ، وبَيْنَ المُبْطِلِ. ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونُهُ ما ذُكِرَ.

النحل 16:26

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعِيدٌ لَهم بِرُجُوعِ غائِلَةِ مَكْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ، كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ العَذابِ العاجِلِ، أيْ: قَدْ سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَأتى اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُهُ وحُكْمُهُ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾ وقُرِئَ: (بَيْتَهُمْ) و (بُيُوتَهُمْ) ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾ وهي الأساطِينُ الَّتِي تُعْمِدُهُ أوْ أساسُهُ فَضُعْضِعَتْ أرْكانُهُ، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: سَقَطَ عَلَيْهِمْ سَقْفُ بُنْيانِهِمْ. إذْ لا يُتَصَوَّرُ لَهُ القِيامُ (p-108)بَعْدَ تَهَدُّمِ القَواعِدِ، شُبِّهَتْ حالُ أُولَئِكَ الماكِرِينَ في تَسْوِيَتِهِمُ المَكايِدَ والمَنصُوباتِ الَّتِي أرادُوا بِها الإيقاعَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إبْطالِهِ تَعالى تِلْكَ الحِيَلَ والمَكايِدَ، وجَعْلِهِ إيّاها أسْبابًا لِهَلاكِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا، وعَمَدُوهُ بِالأساطِينِ فَأُتِيَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ، بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ فَهَلَكُوا. وقُرِئَ: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السُّقُفُ) بِضَمَّتَيْنِ. ﴿وَأتاهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: الهَلاكُ والدَّمارُ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ مِنهُ بَلْ يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَ مُقابِلِهِ مِمّا يُرِيدُونَ ويَشْتَهُونَ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ القائِلِينَ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ سَيَأْتِيهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما أتاهُمْ، وهم لا يَحْتَسِبُونَ. والمُرادُ بِهِ: العَذابُ العاجِلُ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

النحل 16:27

﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ فَإنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: هَذا الَّذِي فُهِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ مِن عَذابِ هَؤُلاءِ، أوْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا ذُكِرَ مِن عَذابِ أُولَئِكَ جَزاؤُهم في الدُّنْيا، ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ، أيْ: يُذِلُّهم بِعَذابِ الخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وأصْلُ الخِزْيِ ذُلٌّ يُسْتَحْيا مِنهُ، و "ثُمَّ" لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَ الجَزاءَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ مَعَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ لَيْسَ لِقَصْرِ الخِزْيِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ لِأنَّ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا مُؤْذِنٌ بِأنَّ لَهم جَزاءً أُخْرَوِيًّا فَتَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ سائِلَةً عَنْهُ بِأنَّهُ ماذا مَعَ تَيَقُّنِها بِأنَّهُ في الآخِرَةِ، فَسِيقَ الكَلامُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ إخْزاؤُهم لا كَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والضَّمِيرُ إمّا لِلْمُفْتَرِينَ في حَقِّ القرآن الكَرِيمِ، أوْ لَهم ولِمَن مُثِّلُوا بِهِمْ مِنَ الماكِرِينَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وتَخْصِيصُهُ بِـ "هُمْ" يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ ﴿وَيَقُولُ﴾ لَهم تَفْضِيحًا وتَوْبِيخًا فَهو ... إلَخْ، بَيانٌ لِلْإخْزاءِ، ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أضافَهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً لِإضافَتِهِمُ الكاذِبَةِ، فَفِيهِ تَوْبِيخٌ إثْرَ تَوْبِيخٍ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُخاصِمُونَ الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ بِأنَّهم شُرَكاءُ حَقًّا، حِينَ بَيَّنُوا لَكم بُطْلانَها. والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِحْضارُها لِلشَّفاعَةِ، أوِ المُدافَعَةُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّبْكِيتِ، والِاسْتِفْسارُ عَنْ مَكانِهِمْ لا يُوجِبُ غَيْبَتَهم حَقِيقَةً حَتّى يُعْتَذَرَ بِأنَّهم يَجُوزُ أنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَبَدَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيَتَفَقَّدُوها في ساعَةٍ عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، أوْ بِأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم. فَكَأنَّهم غُيَّبٌ بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ بِالعُنْوانِ الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتَّصِفُونَ مِن عُنْوانِ الإلَهِيَّةِ، فَلَيْسَ هُناكَ شُرَكاءُ، ولا أماكِنُها، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لِيَتَفَقَّدُوا لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ عِنْدَهُمُ الأمْرُ حِينَئِذٍ، فَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ التَّفَقُّدُ؟ وقُرِئَ: بِكَسْرِ النُّونِ، أيْ: تُشاقُّونَنِي عَلى أنَّ مَشاقَّةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ لا سِيَّما في شَأْنٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ سُبْحانَهُ مَشاقَّةٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن أهْلِ المَوْقِفِ، وهُمُ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمًا بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وكانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا إلى التَّوْحِيدِ، فَيُجادِلُونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، أيْ: تَوْبِيخًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِلشَّماتَةِ بِهِمْ، وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهُمْ، وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ، وتَحَتُّمِ وُقُوعِهِ حَسْبَما هو (p-109)المُعْتادُ في إخْبارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ . ﴿إنَّ الخِزْيَ﴾ الفَضِيحَةَ والذُّلَّ والهَوانَ. ﴿اليَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالخِزْيِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى إعْمالَ المَصْدَرِ المُصَدَّرِ بِاللّامِ، أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمَعْطُوفِ إلّا أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في الظُّرُوفِ، وإيرادُهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ. ﴿والسُّوءَ﴾ العَذابَ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى، وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ.

النحل 16:28

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ. وقُرِئَ: بِتَذْكِيرِهِ، وبِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ تَوَفِّيهِمْ إيّاهم لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ. والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ، وفائِدَتُهُ تَخْصِيصُ الخِزْيِ والسُّوءِ بِمَنِ اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ إلى حِينِ المَوْتِ دُونَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، ولَوْ في آخِرِ عُمْرِهِ، أيْ: عَلى الكافِرِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ إلى أنْ يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ. ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ وأيُّ ظُلْمٍ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وبَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا. ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ أيْ: فَيُلْقُونَ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها تَحْقِيقًا لِما حاقَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، أيْ: فَيُسالِمُونَ، ويَتْرُكُونَ المَشاقَّةَ، ويَنْزِلُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكِبْرِ، وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، قائِلِينَ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ﴾ في الدُّنْيا ﴿مِن سُوءٍ﴾ أيْ: مِن شِرْكٍ. قالُوهُ مُنْكِرِينَ لِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وإنَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِالسُّوءِ اعْتِرافًا بِكَوْنِهِ سَيِّئًا لا إنْكارًا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ مَعَ الِاعْتِرافِ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلسَّلَمِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكَلامَ الدّالَّ عَلَيْهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أيْنَ شُرَكائِي" في سُورَةِ الأنْعامِ. لا عَنْ قَوْلِ أُولِي العِلْمِ ادِّعاءً لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما دَهَمَهم مِنَ الخِزْيِ والسُّوءِ. ﴿بَلى﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِ أُولِي العِلْمِ، وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ، أيْ: بَلى كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما تَعْمَلُونَ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهو يُجازِيكم عَلَيْهِ، وهَذا أوانُهُ.

النحل 16:29

﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: كُلُّ صِنْفِ بابِهِ المُعَدِّ لَهُ، وقِيلَ أبْوابُها: أصْنافُ عَذابِها، فالدُّخُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُلابَسَةِ والمُقاساةِ. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ حُدُوثُهُ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ، وإنْ أُرِيدَ مُطْلَقُ الكَوْنِ فِيها فَهي مُقارِنَةٌ. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ وذِكْرُهم بِعُنْوانِ التَّكَبُّرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: جَهَنَّمُ. وتَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ بِأنّا ما كُنّا عامِلِينَ ذَلِكَ في اعْتِقادِنا رَوْمًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى أنْ لا كَذِبَ، ثَمَّةَ يَرُدُّهُ الرَّدُّ المَذْكُورُ، وما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ .

النحل 16:30

(p-110)﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ. وُصِفُوا بِالتَّقْوى إشْعارًا بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَوابِ ناشِئٌ عَنِ التَّقْوى. ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ سَلَكُوا في الجَوابِ مَسْلَكَ السُّؤالِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، ولا تَغْيِيرٍ في الصُّورَةِ. والمَعْنى: أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، فَإنَّهُ جَوابٌ مُطابِقٌ لِلسُّؤالِ، ولِسَبْكِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ مَضْمُونًا، وأمّا الكَفَرَةُ فَإنَّهم خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَما غَيَّرُوا الجَوابَ عَنْ نَهْجِ الحَقِّ الواقِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن دافِعٍ غَيَّرُوا صُورَتَهُ، وعَدَلُوا بِها عَنْ سَنَنِ السُّؤالِ حَيْثُ رَفَعُوا الأساطِيرَ رَوْمًا لِما مَرَّ مِن إنْكارِ النُّزُولِ، رُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَوْسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا جاءَ الوافِدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ، وأمَرُوهُ بِالِانْصِرافِ. وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ. فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم فَيُخْبِرُونَهُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ: أعْمالَهُمْ، أوْ فَعَلُوا الإحْسانَ ﴿فِي هَذِهِ﴾ الدّارِ ﴿الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ مُكافَأةً فِيها ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: مَثُوبَتُهم فِيها ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا أُوتُوا في الدُّنْيا مِنَ المَثُوبَةِ، أوْ خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ، فَيَجُوزُ إسْنادُ الخَيْرِيَّةِ إلى نَفْسِ دارِ الآخِرَةِ ﴿وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: دارُ الآخِرَةِ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُتَّقِينَ، وعَدَّ جَوابَهُمُ المَحْكِيَّ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِمْ، ووَعَدَهم بِذَلِكَ ثَوابَيِ الدُّنْيا والآخِرَةَ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوْ بَدَلٌ مِن خَيْرًا، أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا هو هَذا الكَلامُ الجامِعُ قالُوهُ تَرْغِيبًا لِلسّائِلِ.

النحل 16:31

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم جَنّاتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ ﴿يَدْخُلُونَها﴾ صِفَةٌ لِـ "جَنّاتُ" عَلى تَقْدِيرِ تَنْكِيرِ "عَدْنٍ" وكَذَلِكَ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أوْ كِلاهُما حالٌ عَلى تَقْدِيرِ عَلَمِيَّتِهِ ﴿لَهم فِيها﴾ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ الظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرٌ لِما، والثّانِي حالٌ مِنهُ. والعامِلُ "ما" في الأوَّلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: حاصِلٌ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ مِن أنْواعِ المُشْتَهِياتِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِهِ بِالمَشِيئَةِ، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ يُوجِبُ تَرَقُّبَ النَّفْسِ إلَيْهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مَثَلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفى ﴿يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ "اللّامُ" لِلْجِنْسِ، أيْ: كُلُّ مَن يَتَّقِي مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَدْخُلُ فِيهِ المُتَّقُونَ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَكُونُ فِيهِ بَعْثٌ لِغَيْرِهِمْ عَلى التَّقْوى، أوْ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْكَفَرَةِ.

النحل 16:32

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾ أيْ: طاهِرِينَ عَنْ دَنَسِ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، (p-111)وَفائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مِلاكَ الأمْرِ في التَّقْوى هو الطَّهارَةُ عَمّا ذُكِرَ إلى وقْتِ تَوَفِّيهِمْ، فَفِيهِ حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ، ولِغَيْرِهِمْ عَلى تَحْصِيلِهِ. وقِيلَ: فَرَحِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالجَنَّةِ، أوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نَفْسِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ إلى جَنابِ القُدُسِ. ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ: قائِلِينَ لَهم ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ . قالَ القُرَظِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا اسْتُدْعِيَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ جاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا ولِيَّ اللَّهِ، اللَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ "اللّامُ" لِلْعَهْدِ، أيْ: جَنّاتُ عَدْنٍ... إلَخْ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ النَّعْتِ، والمُرادُ دُخُولُهم لَها في وقْتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ تَراخى المُبَشَّرُ بِهِ لا دُخُولُ القَبْرِ الَّذِي هو رَوْضَةٌ مِن رِياضِها، إذْ لَيْسَ في البِشارَةِ بِهِ ما في البِشارَةِ بِدُخُولِ نَفْسِ الجَنَّةِ، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ ثَباتِكم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ، أوْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّوَفِّي: التَّوَفِّي لِلْحَشْرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ.

النحل 16:33

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتِظَرُ كُفّارُ مَكَّةَ المارُّ ذِكْرُهم ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ بِالعَذابِ، جُعِلُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ، وشَتّانَ بَيْنَهم وبَيْنَ انْتِظارِهِ لا لِأنَّهُ يَلْحَقُهُمُ البَتَّةَ لُحُوقُ الأمْرِ المُنْتَظَرِ، بَلْ لِمُباشَرَتِهِمْ لِأسْبابِهِ المُوجِبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم يَقْصِدُونَ إتْيانَهُ، ويَتَرَصَّدُونَ لِوُرُودِهِ. وقُرِئَ: بِتَذْكِيرِ الفَصْلِ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ إشْعارٌ بِأنَّ إتْيانَهُ لُطْفٌ بِهِ ﷺ، وإنْ كانَ عَذابًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ لا القِيامَةُ، لَكِنْ لا لِأنَّ انْتِظارَها يُجامِعُ انْتِظارَ إتْيانِ المَلائِكَةِ فَلا يُلائِمُهُ العَطْفُ بَأوْ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ نَصًّا فى العِنادِ إذْ يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مَنعُ الخُلُوِّ، ويُرادَ بِإيرادِها كِفايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ في عَذابِهِمْ؛ بَلْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيما سَيَأْتِي: ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهُمْ﴾ ... الآيَةَ. صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِهِ ما أصابَهم مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الشِّرْكِ والظُّلْمِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾ خَلَوْا ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِما سَيُتْلى مِن عَذابِهِمْ ﴿وَلَكِنْ كانُوا﴾ بِما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ ﴿أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: ﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ كَما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. لَكِنَّهُ أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِإفادَةِ أنَّ غائِلَةَ ظُلْمِهِمْ آيِلَةٌ إلَيْهِمْ، وعاقِبَتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ مَعَ اسْتِلْزامِ اقْتِصارِ ظُلْمِ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ الوُقُوعُ اقْتِصارَهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ الصُّدُورُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ يُونُسَ.

النحل 16:34

﴿فَأصابَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ أنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أجِزْيَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، إيذانًا بِفَظاعَتِهِ لا عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإنَّهُ يُوهِمُ أنْ لَهم أعْمالًا غَيْرَ سَيِّئاتِهِمْ. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ مِنَ الحَيْقِ الَّذِي هو إحاطَةُ الشَّرِّ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإصابَةِ، وأفْظَعُ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.

النحل 16:35

(p-112)﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ. وهو بَيانٌ لِفَنٍ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ، والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى المَوْصُولِ لِتَقْرِيعِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وذَمِّهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ. ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِنا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ، كَما تَقُولُ: لَما عَبَدْنا ذَلِكَ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ الَّذِي نَقْتَدِي بِهِمْ في دِينِنا ﴿وَلا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ ﷺ، وطَعْنًا في الرِّسالَةِ رَأْسًا مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ، وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ. فَلَوْ أنَّهُ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، ولا نُحَرِّمَ مِمّا حَرَّمْنا شَيْئًا، كَما يَقُولُ الرُّسُلُ، ويَنْقُلُونَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكانَ الأمْرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوْحِيدِ، ونَفْيِ الإشْراكِ، وما يَتْبَعُهُما. وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنَّما يَقُولُهُ الرُّسُلُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الشَّنِيعِ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وحَرَّمُوا حِلَّهُ، ورَدُّوا رُسُلَهُ، وجادَلُوهم بِالباطِلِ حِينَ نَبَّهُوهم عَلى الخَطَأِ، وهَدَوْهم إلى الحَقِّ. ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ، وعَزائِمَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لَيْسَتْ وظِيفَتُهم إلّا تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغًا واضِحًا، أوْ مُوَضَّحًا. وإبانَةَ طَرِيقِ الحَقِّ، وإظْهارَ أحْكامِ الوَحْيِ الَّذِي مِن جُمْلَتِها تَحَتُّمُ تَعَلُّقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِاهْتِداءِ مَن صَرَفَ قدرته، واخْتِبارَهُ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وأمّا إلْجاؤُهم إلى ذَلِكَ، وتَنْفِيذُ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ شاءُوا، أوْ أبَوْا، كَما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن وظِيفَتِهِمْ، ولا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ التَّكْلِيفِ في شَيْءٍ، حَتّى يُسْتَدَلَ بِعَدَمِ ظُهُورِ آثارِهِ عَلى عَدَمِ حَقِيقَةِ الرُّسُلِ، أوْ عَلى عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِن أفْعالِ العِبادِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِن أفْعالِ العِبادِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِهِ مِن مُباشَرَتِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ لَهُ، وصَرْفِ اخْتِيارِهِمُ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِهِ، وإلّا لَكانَ الثَّوابُ والعِقابُ اضْطِرارِيِّينَ فَـ "الفاءُ" لِلتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَذَلِكَ فَعَلَ أسْلافُهم. وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ الرُّسُلَ لَيْسَ شَأْنُهم إلّا تَبْلِيغَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ونَواهِيهِ لا تَحْقِيقَ مَضْمُونِهِما، وإجْراءَ مُوجِبِهِما عَلى النّاسِ قَسْرًا وإلْجاءً، وإيرادُ كَلِمَةِ عَلى لِلْإيذانِ بِأنَّهم في ذَلِكَ مَأْمُورُونَ، أوْ بِأنَّ ما يُبَلِّغُونَهُ حَقٌّ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ إيفاؤُهُ، وبِهَذا ظَهَرَ أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ ... إلَخْ. عَلى الِاسْتِهْزاءِ لا يُلائِمُ الجَوابَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

النحل 16:36

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الإلْجاءَ لَيْسَ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ، ولا مِن بابِ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لَهُمْ، أيْ: بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولًا خاصَّةً بِهِمْ. ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لِما في البَعْثِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بَعْثُنا بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ، ﴿واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ (p-113)هُوَ الشَّيْطانُ، وكُلُّ ما يَدْعُو إلى الضَّلالَةِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأُمَمِ، و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: فَبَلَّغُوا ما بُعِثُوا بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، واجْتِنابِ الطّاغُوتِ، فَتَفَرَّقُوا فَمِنهم ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو عِبادَتُهُ، واجْتِنابُ الطّاغُوتِ بَعْدَ صَرْفِ قدرتهمْ، واخْتِيارِهِمُ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِهِ. ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيْ: وجَبَتْ، وثَبَتَتْ إلى حِينِ المَوْتِ لِعِنادِهِ وإصْرارِهِ عَلَيْها، وعَدَمِ صَرْفِ قدرته إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فَلَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِن مَشِيئَةِ الهِدايَةِ وعَدَمِها إلّا حَسْبَما حَصَلَ مِنهم مِنَ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ، وعَدَمِهِ إلّا بِطَرِيقِ القَسْرِ والإلْجاءِ، حَتّى يُسْتَدَلَّ بِعَدَمِهِما عَلى عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِعِبادَتِهِمْ لَهُ تَعالى وحْدَهُ، ﴿فَسِيرُوا﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿فِي الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ في أكْنافِها ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ، ومَن سارَ سِيرَتَهم مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ حِينَ تُشاهِدُونَ في مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ آثارَ الهَلاكِ والعَذابِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالسَّيْرِ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِحُلُولِ العَذابِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وأنْ لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ، وتَرْتِيبُ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ لِما أنَّهُ بَعْدَهُ، وأنَّ مِلاكَ الأمْرِ في تِلْكَ العاقِبَةِ هو التَّكْذِيبُ، والتَّعَلُّلُ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ.

النحل 16:37

﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَيَّةٌ. ﴿عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ هِدايَتَهم بِجُهْدِكَ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ أيْ: فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ جَبْرًا وقَسْرًا فِيمَن يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَةَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ. والمُرادُ بِهِ: قُرَيْشٌ، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهم مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عِلَّةً لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ، أيْ: إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّهُ، وهَؤُلاءِ مِن جُمْلَتِهِمْ. وقُرِئَ: (لا يُهْدى) عَلى بِناءِ المَفْعُولِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى هِدايَةِ مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ: (لا يَهَدِّي) بِفَتْحِ الهاءِ وإدْغامِ تاءِ يَهْتَدِي في الدّالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَهْدِي بِمَعْنى: يَهْتَدِي. وقُرِئَ: (يَضِلُّ) بِفَتْحِ الياءِ. وقُرِئَ: لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَهم في الهِدايَةِ، أوْ يَدْفَعُونَ العَذابَ عَنْهم. وصِيغَةُ الجَمْعِ في النّاصِرِينَ بِاعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ في الضَّمِيرِ، فَإنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ يَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ إلى الآحادِ، لا لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ طائِفَةٍ مِنَ النّاصِرِينَ مِن كُلٍّ مِنهم.

النحل 16:38

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، وهو إنْكارُهُمُ البَعْثَ. ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ. ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ ولَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أبْلَغَ رَدٍّ بِقَوْلِهِ الحَقِّ: ﴿بَلى﴾ أيْ: بَلى يَبْعَثُهم. ﴿وَعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ "بَلى"، فَإنَّ ذَلِكَ مَوْعِدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوِ المَحْذُوفُ، أيْ: وعَدَ بِذَلِكَ وعْدًا. ﴿عَلَيْهِ﴾ صِفَةٌ لِوَعْدٍ، أيْ: وعْدًا ثابِتًا عَلَيْهِ (p-114)إنْجازُهُ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ، أوْ لِأنَّ البَعْثَ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ. ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، أوْ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: حَقَّ حَقًّا. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِشُئُونِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ، وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ، وما لا يَجُوزُ، وعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ التَّكْوِينِ، والغايَةِ القُصْوى مِنهُ، وعَلى أنَّ البَعْثَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ بِمُراعاتِها ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ يَبْعَثُهم فَيَبُتُّونَ القَوْلَ بِعَدَمِهِ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ فَيُكَذِّبُونَهُ قائِلِينَ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

النحل 16:39

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ "بَلى" مِنَ البَعْثِ. والضَّمِيرُ لِمَن يَمُوتُ إذِ التَّبْيِينُ يَعُمُّ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ مُعايَنَةِ حَقِيقَةِ الحالِ يَتَّضِحُ الأمْرُ، فَيَصِلُ عِلْمُهم إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، أيْ: يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم بِذَلِكَ، وبِما يَحْصُلُ لَهم مِن مُشاهَدَةِ الأحْوالِ كَما هِيَ، ومُعايَنَتِها بِصُوَرِها الحَقِيقِيَّةِ الشَّأْنِ. ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مِنَ الحَقِّ المُنْتَظِمِ لِجَمِيعِ ما خالَفُوهُ مِمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ المُبِينُ، ويَدْخُلُ فِيهِ البَعْثُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بِالإشْراكِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وتَكْذِيبِ وعْدِهِ الحَقِّ، ﴿أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ في كُلِّ ما يَقُولُونَ لا سِيَّما في قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ الحَقِّ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَخامَتِهِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلتَّبْيِينِ. وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجَعَلَهُما غايَةً لِلْبَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ وُرُودِهِ في مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلى المُخالِفِينَ، وإبْطالِ مَقالَةِ المُعانِدِينَ المُسْتَدْعِي لِلتَّعَرُّضِ لِما يَرْدَعُهم عَنِ المُخالَفَةِ، ويُلْجِئُهم إلى الإذْعانِ لِلْحَقِّ، فَإنَّ الكَفَرَةَ إذا عَلِمُوا أنَّ تَحْقِيقَ البَعْثِ إذا كانَ لِتَبْيِينِ أنَّهُ حَقٌّ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهم كاذِبُونَ في إنْكارِهِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهم عَنْ إنْكارِهِ، وأدْعى إلى الِاعْتِرافِ بِهِ. ضَرُورَةَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ العَزِيمَةِ عَلى تَحْقِيقِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُنْكِرُ أنَّكَ تُصَلِّي: لَأُصَلِّيَنَّ رَغْمًا لِأنْفِكَ، وإظْهارًا لِكَذِبِكَ. ولِأنَّ تَكَرُّرَ الغاياتِ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ المُغَيّا بِها، وإلّا فالغايَةُ الأصْلِيَّةُ لِلْبَعْثِ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ إنَّما هو الجَزاءُ الَّذِي هو الغايَةُ القُصْوى لِلْخَلْقِ المُغَيّا بِمَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعِبادَتِهِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِتَكْرارِ ذِكْرِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ، وشُهْرَتِهِ، وإنَّما لَمْ يُدْرَجْ عِلْمُ الكُفّارِ بِكَذِبِهِمْ تَحْتَ التَّبْيِينِ بِأنْ يُقالَ: وإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كانُوا كاذِبِينَ بَلْ جِيءَ بِصِيغَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ التَّبْيِينُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ ما كانَ مُبْهَمًا قَبْلَ ذَلِكَ، بِأنْ يُخْبَرَ بِهِ فَيُخْتَلَفَ فِيهِ كالبَعْثِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ القرآن، فاخْتَلَفَ فِيهِ المُخْتَلِفُونَ، وأمّا كَذِبُ الكافِرِينَ فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ فَما يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ حاصِلٌ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وإنَّما خُصَّ الإسْنادُ بِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: " ولِيَعْلَمُوا أنَّ الكافِرِينَ " ... الآيَةَ. لِأنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا.

النحل 16:40

﴿إنَّما قَوْلُنا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ عَلى الإطْلاقِ إبْداءً، وإعادَةً بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى آنِيَةِ البَعْثِ، ومِنهُ يَظْهَرُ كَيْفِيَّتُهُ فَـ "ما" كافَّةٌ، و "قَوْلُنا" مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ ﴿لِشَيْءٍ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ كانَ مِمّا عَزَّ وهانَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ كَهي في قَوْلِكَ: قُلْتُ لَهُ: قُمْ فَقامَ. وجَعَلَها الزَّجّاجُ سَبَبِيَّةً، أيْ: لِأجْلِ شَيْءٍ، ولَيْسَ بِواضِحٍ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ وجُودِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ لا أنَّهُ كانَ شَيْئًا (p-115)قَبْلَ ذَلِكَ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِنا، أيْ: وقْتَ إرادَتِنا لِوُجُودِهِ ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ ﴿فَيَكُونُ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ، ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَنَقُولُ ذَلِكَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: " إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " . وإمّا جَوابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَإذا قُلْنا ذَلِكَ فَهو يَكُونُ، ولَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ، ولا مَقُولٌ لَهُ، ولا أمْرٌ، ولا مَأْمُورٌ، حَتّى يُقالَ: إنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أحَدُ المُحالَيْنِ: إمّا خِطابُ المَعْدُومِ، أوْ تَحْصِيلُ الحاصِلِ. أوْ يُقالُ: إنَّما يَسْتَدْعِيهِ انْحِصارُ قَوْلِهِ تَعالى: "كُنْ" ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنهُ انْحِصارُ أسْبابِ التَّكْوِينِ فِيهِ، كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " فَإنَّ المُرادَ بِالأمْرِ: هو الشَّأْنُ الشّامِلُ لِلْقَوْلِ والفِعْلِ، ومِن ضَرُورَةِ انْحِصارِهِ في كَلِمَةِ "كُنْ" انْحِصارُ أسْبابِهِ عَلى الإطْلاقِ فِيهِ بَلْ إنَّما هو تَمْثِيلٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ حَسَبَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِها، وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها بِما هو عِلْمٌ في ذَلِكَ مِن طاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ لِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ. فالمَعْنى: إنَّما إيجادُنا لِشَيْءٍ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِنا بِهِ أنْ نُوجِدَهُ في أسْرَعِ ما يَكُونُ، ولَمّا عَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ الَّذِي هو قَوْلٌ مَخْصُوصٌ وجَبَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ مُطْلَقِ الإيجادِ بِالقَوْلِ المُطْلَقِ فَتَأمَّلْ. وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الفَخامَةِ والجَزالَةِ ما يَحارُ فِيهِ العُقُولُ والألباب. وقُرِئَ: بِنَصْبِ (يَكُونَ) عَطْفًا عَلى (نَقُولَ) أوْ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَوابِ الأمْرِ.

النحل 16:41

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، ورِضاهُ، وفي حَقِّهِ، ولِوَجْهِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ ولَعَلَّهُمُ الَّذِينَ ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَهاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ بَوَّأهُمُ اللَّهُ تَعالى المَدِينَةَ حَسْبَما وعَدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ: مَباءَةً حَسَنَةً، أوْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً، كَما قالَ قَتادَةُ. وهو الأنْسَبُ بِما هو المَشْهُورُ مِن كَوْنِ السُّورَةِ غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِها مَكِّيَّةً. وأمّا ما نُقِلَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وعَمّارٍ، وخَبّابٍ، وعابِسٍ، وجُبَيْرٍ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ. أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُمْ، لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ. فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهم: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ مَعَكم لَمْ أنْفَعْكُمْ، وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكُمْ، فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ، وهاجَرَ. فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ. وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَإنَّما يُناسِبُ ما حُكِيَ عَنِ الأصَمِّ مِن كَوْنِ كُلِّ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً. وما نُقِلَ عَنْ قَتادَةَ مِن كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ إلى آخِرِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً، فَيُحْمَلُ ما نَقَلْناهُ عَنْهُ مِن نُزُولِ الآيَةِ في أصْحابِ الهِجْرَتَيْنِ عَلى أنْ يَكُونَ نُزُولُها بِالمَدِينَةِ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ، وأمّا جَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جُمْلَتِهِمْ فَلا يُساعِدُهُ نَظْمُ التَّنْزِيلِ، ولا شَأْنُهُ الجَلِيلُ. وقُرِئَ: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ) ومَعْناهُ: إثْواءَةً حَسَنَةً، أوْ لِنُنَزِّلَنَّهم في الدُّنْيا مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهِيَ: الغَلَبَةُ عَلى مَن ظَلَمَهم مِن أهْلِ مَكَّةَ، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وأهْلِ الشَّرْقِ، والغَرْبِ كافَّةً. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: أجْرُ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ في الآخِرَةِ ﴿أكْبَرُ﴾ مِمّا يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ تَعالى لَكَ فِيهِ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا، وما ادَّخَرَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ، لَوافَقُوهم في الدِّينِ. وقِيلَ لِلْمُهاجِرِينَ: (p-116)أيْ: لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في الِاجْتِهادِ، أوْ لَما تَألَّمُوا لِما أصابَهم مِنَ المُهاجَرَةِ، وشَدائِدِها.

النحل 16:42

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الشَّدائِدِ مِن أذِيَّةِ الكُفّارِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والوَطَنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ومَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ خاصَّةً ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ تَعالى، مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ، مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ. والجُمْلَةُ: إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى قَصْرِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ التَّوَكُّلِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ صَبَرُوا.

النحل 16:43

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو رَدٌّ لِقُرَيْشٍ حِينَ قالُوا: اللَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، كَما هو مَبْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا﴾ ... إلَخْ. أيْ: جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، بِأنْ لا يَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا يُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ أوامِرَهُ، ونَواهِيَهُ لِيُبَلِّغُوها النّاسَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنْبِيهَ الكُفّارِ عَلى مَضْمُونِهِ صُرِفَ الخِطابُ إلَيْهِمْ، فَقِيلَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ، أوْ عُلَماءَ الأخْبارِ، أوْ كُلَّ مَن يُذْكَرُ بِعِلْمٍ وتَحْقِيقٍ لِيُعَلِّمُوكم ذَلِكَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ حُذِفَ جَوابُهُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ مَلَكًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ مَعْناهُ: رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ، أوْ إلى الرُّسُلِ. ولا امْرَأةً، ولا صَبِيًّا، ولا يُنافِيهِ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهو في المَهْدِ؛ لِأنَّها أعَمُّ مِنَ الرِّسالَةِ، وإشارَةٌ إلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

النحل 16:44

﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ، والكُتُبِ. و "الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: بِمَ أُرْسِلُوا؟ فَقِيلَ: أُرْسَلُوا بِالبَيِّناتِ، والزُّبُرِ. أوْ بِما أُرْسِلْنا؟ داخِلًا تَحْتَ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، أيْ: ما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، أوْ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا، عِنْدَ مَن يُجَوَّزُ تَأخَّرَ صِلَةِ ما قَبْلَ إلّا إلى ما بَعْدَهُ أوْ بِما وقَعَ صِفَةً لِلْمُسْتَثْنى، أيْ: إلّا رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، أوْ بِنُوحِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ مِنَ القائِمِ مَقامَ فاعِلِ يُوحِي، وهو إلَيْهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فاسْألُوا" اعْتِراضٌ. أوْ بِقَوْلِهِ: "لا تَعْلَمُونَ" عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ، كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ، فَأعْطِنِي حَقِّي. ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أيِ: القرآن. وإنَّما سُمِّيَ بِهِ؛ لِأنَّهُ تَذْكِيرٌ، وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كافَّةً، ويَدْخُلُ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ في ذَلِكَ الذِّكْرِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ القُرُونِ المَهْلَكَةِ بِأفانِينِ العَذابِ، حَسَبَ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ بَيانًا شافِيًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِ الثّانِي أوْ لا عَلى صِيغَةِ الإفْعالِ، ولِما أنَّ التَّبْيِينَ أعَمُّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالمَقْصُودِ، ومِنَ الإرْشادِ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ دَخَلَ تَحْتَهُ القِياسُ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كانَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، أوْ غَيْرِها. ولَعَلَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى (p-117)ذَلِكَ، أيْ: إرادَةَ أنْ يَتَأمَّلُوا، فَيَتَنَبَّهُوا لِلْحَقائِقِ، وما فِيهِ مِنَ العِبَرِ. ويَحْتَرِزُوا عَمّا يُؤَدِّي إلى مِثْلِ ما أصابَ الأوَّلِينَ مِنَ العَذابِ.

النحل 16:45

﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ هم أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورامُوا صَدَّ أصْحابِهِ عَنِ الإيمانِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ، لا الَّذِينَ احْتالُوا لِهَلاكِ الأنْبِياءِ، كَما قِيلَ. ولا مَن يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ لِما أنَّ المُرادَ تَحْذِيرُ هَؤُلاءِ عَنْ إصابَةِ مِثْلِ ما أصابَ أُولَئِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ المَعْدُودَةِ. و "السَّيِّئاتِ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَكَرُوا. المَكَراتُ: السَّيِّئاتُ الَّتِي قُصَّتْ عَنْهم. أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى العَمَلِ، أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ مَفْعُولٌ لِأمِنَ، أوِ السَّيِّئاتِ صِفَةٌ لِما هو المَفْعُولُ، أيْ: أفَأمِنَ الماكِرُونَ العُقُوباتِ السَّيِّئَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ﴾ ... إلَخْ. بَدَلٌ مِن ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَـ "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لَهم مَضْمُونَهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ أنْباءُ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِفُنُونِ العَذابِ، ويَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا فَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ، كَما فُعِلَ بِقارُونَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَفَكَّرُوا، فَأمِنُوا عَلى تَوْجِيهِهِ إلى المَعْطُوفِ عَلى أنَّ الأمْنَ بَعْدَ التَّفَكُّرِ مِمّا لا يَكادُ يَفْعَلُهُ أحَدٌ. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الصِّلَةُ، أيْ: أمُكِرَ فَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا ... إلَخْ. ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، أيْ: في حالَةِ غَفْلَتِهِمْ، أوْ مِن مَأْمَنِهِمْ، أوْ مِن حَيْثُ يَرْجُونَ إتْيانَ ما يَشْتَهُونَ كَما حُكِيَ فِيما سَلَفَ مِمّا نَزَلَ بِالماكِرِينَ.

النحل 16:46

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ: في حالَةِ تَقَلُّبِهِمْ في مَسائِرِهِمْ، ومَتاجِرِهِمْ. ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ بِمُمْتَنِعِينَ، أوْ فائِتِينَ بِالهَرَبِ، والفِرارِ عَلى ما يُوهِمُهُ حالُ التَّقَلُّبِ، والسَّيْرِ. و "الفاءُ" إمّا لِتَعْلِيلِ الأخْذِ، أوْ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإعْجازِ عَلَيْهِ، دَلالَةً عَلى دَوامِ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ.

النحل 16:47

﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أيْ: مَخافَةٍ وحَذَرٍ عَنِ الهَلاكِ والعَذابِ، بِأنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهُمْ، فَيَتَخَوَّفُوا فَيَأْخُذَهُمُ العَذابُ، وهم مُتَخَوِّفُونَ، وحَيْثُ كانَتْ حالَتا التَّقَلُّبِ، والتَّخَوُّفِ مَظِنَّةً لِلْهَرَبِ عُبِّرَ عَنْ إصابَةِ العَذابِ فِيهِما بِالأخْذِ، وعَنْ إصابَتِهِ حالَةَ الغَفْلَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ السُّكُونِ بِالإتْيانِ، وقِيلَ: التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ. قالَ قائِلُهُمْ: ؎ تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ أيْ: يَأْخُذُهم عَلى أنْ يُنْقِصَهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في أنْفُسِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، حَتّى يُهْلَكُوا. . والمُرادُ بِذِكْرِ الأحْوالِ الثَّلاثِ بَيانُ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى إهْلاكِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ لا الحَصْرُ فِيها. ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ، ويَحْلُمُ عَنْكم مَعَ اسْتِحْقاقِكم لَها.

النحل 16:48

(p-118)﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ الخِطابِ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يَرَوْا مُتَوَجِّهِينَ، ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ أيْ: يَرْجِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ إرادَةُ الخالِقِ تَعالى، فَإنَّ التَّفَيُّؤَ مُطاوِعُ الإفاءَةِ، وقُرِئَ: بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ أيْ: ألَمْ يَرَوُا الأشْياءَ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها، وشَمائِلِها، أيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها اسْتُعِيرَ لَهُما ذَلِكَ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشَمالِهِ ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ حالٌ مِنَ الظِّلالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والمُرادُ بِسُجُودِها: تَصَرُّفُها عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَأتِّيها لِإرادَتِهِ تَعالى في الِامْتِدادِ، والتَّقَلُّصِ، وغَيْرِهِما. غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم داخِرُونَ﴾ أيْ: صاغِرُونَ، مُنْقادُونَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وإيرادُ الصِّيغَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، لِما أنَّ الدُّخُورَ مِن خَصائِصِهِمْ. والمَعْنى: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وانْحِدارِها. أوْ بِاخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها، فَإنَّها كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ السَّنَةِ تَتَحَرَّكُ عَلى مَدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ، بِتَقْدِيرِ: العَزِيزِ العَلِيمِ. مُنْقادَةً لِما قُدِّرَ لَها مِنَ التَّفَيُّؤِ، أوْ واقِعَةً عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةً بِها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ، والحالُ أنَّ أصْحابَها مِنَ الأجْرامِ داخِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِحُكْمِهِ تَعالى، ووَصْفُها بِالدُّخُورِ مُغْنٍ عَنْ وصْفِ ظِلالِها بِهِ، أوْ كِلاهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُشارِ إلَيْهِ، والمَعْنى: تَرْجِعُ ظِلالُ تِلْكَ الأجْرامِ حالَ كَوْنِها مُنْقادَةً لِلَّهِ تَعالى، داخِرَةً. فَوَصْفُها بِهِما مُغْنٍ عَنْ وصْفِ ظِلالِها بِهِما، ولَعَلَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الجَماداتُ مِنَ الجِبالِ، والأشْجارِ، والأحْجارِ الَّتِي لا يَظْهَرُ لِظِلالِها أثَرٌ سِوى التَّفَيُّؤِ بِما ذُكِرَ مِنِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أوِ اخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها. وأمّا الحَيَوانُ فَظِلُّهُ يَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ والشَّمائِلِ: يَمِينُ الفَلَكِ، وهو جانِبُهُ الشَّرْقِيُّ؛ لِأنَّ الكَواكِبَ مِنهُ تَظْهَرُ آخِذَةً في الِارْتِفاعِ والسُّطُوعِ. وشَمالُهُ وهو جانِبُهُ الغَرْبِيُّ المُقابِلُ لَهُ، فَإنَّ الظِّلالَ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِنَ الشَّرْقِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، وعِنْدَ الزَّوالِ تَبْتَدِئُ مِنَ الغَرْبِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنها، وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُجُودَ الظِّلالِ وأصْحابِها مِنَ الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ الثّابِتَةِ في أخْبارِها، ودُخُورَها لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَعَ في بَيانِ سُجُودِ المَخْلُوقاتِ المُتَحَرِّكَةِ بِالإرادَةِ سَواءٌ كانَتْ لَها ظِلالٌ أوْ لا، فَقِيلَ:

النحل 16:49

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ يَخْضَعُ ويَنْقادُ، لا لِشَيْءٍ غَيْرَهُ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا. فالقَصْرُ يَنْتَظِمُ القَلْبَ والإفْرادَ إلّا أنَّ الأنْسَبَ بِحالِ المُخاطَبِينَ قَصْرُ الإفْرادِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . ﴿ما في السَّماواتِ﴾ قاطِبَةً ﴿وَما في الأرْضِ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ بَيانٌ لِما في الأرْضِ، وتَقْدِيمُهُ لِقِلَّتِهِ، ولِئَلّا يَقَعَ بَيْنَ المُبِينِ والمُبِينِ فَصْلٌ، والإفْرادُ مَعَ أنَّ المُرادَ الجُمَلُ لِإفادَةِ وُضُوحِ شُمُولِ السُّجُودِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الدَّوابِّ. قالَ الأخْفَشُ: هو كَقَوْلِكَ ما أتانِي مِن رَجُلٍ مِثْلُهُ، وما أتانِي مِنَ الرِّجالِ مِثْلُهُ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ عَطْفٌ (p-119)عَلى ما في السَّمَواتِ، عَطَفَ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا وإجْلالًا، أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِما في السَّمَواتِ الخَلْقُ الَّذِي يُقالُ لَهُ الرُّوحُ، أوْ يُرادُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّمَواتِ. وبِقَوْلِهِ: و "المَلائِكَةُ" مَلائِكَةُ الأرْضِ مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ. ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والسُّجُودِ لَهُ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لَيْسَ لِلْقَصْرِ، والجُمْلَةُ: إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في يَسْجُدُ مُسْنَدٌ إلى المَلائِكَةِ، أوِ اسْتِئْنافٌ أُخْبِرَ عَنْهم بِذَلِكَ.

النحل 16:50

﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: مالِكَ أمْرِهِمْ، وفِيهِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ، وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: يَخافُونَهُ جَلَّ وعَلا خَوْفَ هَيْبَةٍ وإجْلالٍ، وهو فَوْقُهم بِالقَهْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أوْ يَخافُونَ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسْتَكْبِرُونَ أوْ بَيانٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن يَخافُ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والتَّدْبِيراتِ، وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الجَلالَةِ، وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ اسْتِنادِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، وبَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ يَخُصُّونَ الخُضُوعَ، والِانْقِيادَ الطَّبِيعِيَّ، وما يَجْرِي مَجْراهُ مِن عِبادَةِ المَلائِكَةِ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهم عَدَمُ الِانْقِيادِ أصْلًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ نَهْيِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ الإشْراكِ. فَقِيلَ:

النحل 16:51

﴿وَقالَ اللَّهُ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ" وإظْهارُ الفاعِلِ، وتَخْصِيصُ لَفْظَةِ الجَلالَةِ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَعَيِّنُ الأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ هو الإشْراكُ بِهِ لا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ مُطْلَقُ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ الِانْتِهاءُ عَنْهُ بِرَفْضِ أيِّهِما كانَ، أيْ: قالَ تَعالى لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، وإنَّما ذُكِرَ العَدَدُ مَعَ أنَّ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ، دَلالَةً عَلى أنَّ مَساقَ النَّهْيِ هي الِاثْنَيْنِيَّةُ، وأنَّها مُنافِيَةٌ لِلْأُلُوهِيَّةِ كَما أنَّ وصْفَ الإلَهِ بِالوَحْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ، وأنَّها مِن لَوازِمِ الإلَهِيَّةِ، وأمّا الإلَهِيَّةُ فَأمْرٌ مُسَلَّمُ الثُّبُوتِ لَهُ سُبْحانَهُ، وإلَيْهِ أُشِيرَ حَيْثُ أُسْنِدُ إلَيْهِ القَوْلُ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، عَلى رَأْيِ مَنِ اكْتَفى في تَحَقُّقِ الِالتِفاتِ بِكَوْنِ الأُسْلُوبِ المُلْتَفَتِ عَنْهُ حَقَّ الكَلامِ، ولَمْ يَشْتَرِطْ سَبْقَ الذِّكْرِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإلْقاءِ الرَّهْبَةِ في القُلُوبِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ، وكَرَّرَ الفِعْلَ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فَإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُوا لا غَيْرَ، فَإنِّي ذَلِكَ الواحِدُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ.

النحل 16:52

﴿وَلَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا، ومُلْكًا. تَقْرِيرٌ لِعِلَّةِ انْقِيادِ ما فِيها لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةٌ، وتَحْقِيقٌ لِتَخْصِيصِ الرَّهْبَةِ بِهِ تَعالى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ أيِ: الطّاعَةُ والِانْقِيادُ. ﴿واصِبًا﴾ أيْ: واجِبًا ثابِتًا لا زَوالَ لَهُ لِما تَقَرَّرَ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْهَبَ، وقِيلَ: واصِبًا مِنَ الوَصْبِ. أيْ: ولَهُ الدِّينُ ذا كُلْفَةٍ، وقِيلَ: الدِّينُ الجَزاءُ، أيْ: ولَهُ (p-120)الجَزاءُ الدّائِمُ، بِحَيْثُ لا يَنْقَطِعُ ثَوابُهُ لِمَن آمَنَ، وعِقابُهُ لِمَن كَفَرَ. ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ، و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: أعَقِيبَ تَقَرُّرِ الشُّؤُونِ المَذْكُورَةِ مِن تَخْصِيصِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ لِلسُّجُودِ بِهِ تَعالى، وكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ، ونَهْيِهِ عَنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ. وكَوْنِ الدِّينِ لَهُ واصِبًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِتَخْصِيصِ التَّقْوى بِهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ تَتَّقُونَ فَتُطِيعُونَ.

النحل 16:53

﴿وَما بِكُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُلابِسُكُمْ، ويُصاحِبُكم ﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ أيَّةِ نِعْمَةٍ كانَتْ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَهي مِنَ اللَّهِ. فَـ "ما" شَرْطِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ دُونَ الحُصُولِ، فَإنَّ مُلابَسَةَ النِّعْمَةِ بِهِمْ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِأنَّها مِنهُ تَعالى لا لِكَوْنِها مِنهُ تَعالى. ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ مَسامًا يَسِيرًا ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ تَتَضَرَّعُونَ في كَشْفِهِ لا إلى غَيْرِهِ، والجُؤارِ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، قالَ الأعْشى: ؎ يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارا وَقُرِئَ: (تَجَّرُونَ) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها، وفي ذِكْرِ المَساسِ المُنْبِئِ عَنْ أدْنى إصابَةٍ، وإيرادِهِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ الحُدُوثِ مَعَ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِهِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، وتَحْلِيَةِ الضُّرِّ بِلامِ الجِنْسِ المُفِيدَةِ لِمَساسِ أدْنى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجِنْسِ مَعَ إيرادِ النِّعْمَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَتِها لِلْمُخاطَبِينَ بِباءِ المُصاحَبَةِ، وإيرادِ ما المُعْرِبَةِ عَنِ العُمُومِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ، والفَخامَةِ، ولَعَلَّ إيرادَ إذا دُونَ إنْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الجَوابِ.

النحل 16:54

﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ وقُرِئَ: (كاشَفَ الضُّرَّ)، وكَلِمَةُ ثُمَّ لَيْسَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِي زَمانِ مَساسِ الضُّرِّ، ووُقُوعِ الكَشْفِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مَدِيدَةٍ، بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن مُفاجَأةِ الإشْراكِ المَدْلُولِ عَلَيْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ تَرَتُّبَها عَلى ذَلِكَ في أبْعَدِ غايَةٍ مِنَ الضَّلالِ، ثُمَّ إنْ وُجِّهَ الخِطابُ إلى النّاسِ جَمِيعًا، فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والفَرِيقُ فَرِيقُ الكَفَرَةِ، وإنْ وُجِّهَ إلى الكَفَرَةِ فَـ "مِن" لِلْبَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا فَرِيقٌ كافِرٌ، وهم أنْتُمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنِ اعْتَبَرَ، وازْدَجَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ فَـ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ أيْضًا، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الإشْراكِ والكُفْرانِ.

النحل 16:55

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهُمْ، كَأنَّهم جَعَلُوا غَرَضَهم في الشِّرْكِ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، وإنْكارَ كَوْنِها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِتَناهِي السُّخْطِ. وقُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى "لِيَكْفُرُوا" عَلى أنْ يَكُونَ كُفْرانُ النِّعْمَةِ والتَّمَتُّعُ غَرَضًا لَهم مِنَ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ الوارِدِ لِلتَّهْدِيدِ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكُمْ، وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، وفِيهِ وعِيدٌ أكِيدٌ مُنْبِئٌ عَنْ أخْذٍ شَدِيدٍ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ المَفْعُولُ إشْعارًا بِأنَّهُ مِمّا لا يُوصَفُ.

النحل 16:56

(p-121)﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ بِحَسَبِ المَعْنى تِعْدادًا لِجِناياتِهِمْ، أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الجُؤارِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَساسِ الضُّرِّ، ومِنَ الإشْراكِ بِهِ عِنْدَ كَشْفِهِ، ويَجْعَلُونَ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِما لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ، وقَدْرَهُ الخَسِيسَ مِنَ الجَماداتِ الَّتِي يَتَّخِذُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جَهالَةً وسَفاهَةً، ويَزْعُمُونَ أنَّها تَنْفَعُهُمْ، وتَشْفَعُ لَهم. عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ. أوْ لِما لا عِلْمَ لَهُ أصْلًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ أيْضًا، والعائِدُ إلَيْها ما في الفِعْلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ لِكَوْنِ "ما" عِبارَةً عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي وصَفُوها بِصِفاتِ العُقَلاءِ، أوْ مَصْدَرِيَّةً. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ، والمَجْعُولُ لَهُ لِلْعِلْمِ بِمَكانِهِ. ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما تَقَرُّبًا إلَيْها. ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنْيا بِأنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْها، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ، وصَرْفِ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ الغَضَبِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

النحل 16:57

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ هم خُزاعَةُ، وكِنانَةُ. الَّذِينَ يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ، وتَقْدِيسٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، أوْ تَعْجِيبٌ مِنَ جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ. ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ البَنِينَ. و "ما" مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ، والظَّرْفُ مُقَدَّمٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وسُبْحانُهُ اعْتِراضٌ في حَقِّ مَوْقِعِهِ، وجَعْلُها مَنصُوبَةً بِالعَطْفِ عَلى البَناتِ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ البَنِينَ يُؤَدِّي إلى جَعْلِ الجَعْلِ، بِمَعْنى: يَعُمُّ الزَّعْمَ والِاخْتِيارَ.

النحل 16:58

﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ أيْ: أُخْبِرَ بِوِلادَتِها ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾ أيْ: صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ ﴿مُسْوَدًّا﴾ مِنَ الكَآبَةِ، والحَياءِ مِنَ النّاسِ. واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ الِاغْتِمامِ والتَّشْوِيشِ. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مُمْتَلِئٌ حَنَقًا وغَيْظًا.

النحل 16:59

﴿يَتَوارى﴾ أيْ: يَسْتَخْفِي ﴿مِنَ القَوْمِ مِنَ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ مِن أجْلِ سُوئِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما لِإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ أيْ: مُتَرَدِّدًا في أمْرِهِ مُحَدِّثًا نَفْسَهُ في شَأْنِهِ أيُمْسِكُهُ ﴿عَلى هُونٍ﴾ ذُلٍّ. وقُرِئَ: (هَوانٍ). ﴿أمْ يَدُسُّهُ﴾ يُخْفِيهِ ﴿فِي التُّرابِ﴾ بِالوَأْدِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ما. وقُرِئَ: بِالتَّأْنِيثِ. ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حَيْثُ يَجْعَلُونَ ما هَذا شَأْنُهُ عِنْدَهم مِنَ الهُونِ، والحَقارَةِ لِلَّهِ المُتَعالِي عَنِ الصّاحِبَةِ، والوَلَدِ. والحالُ أنَّهم يَتَحاشَوْنَ عَنْهُ، ويَخْتارُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، فَمَدارُ الخَطَأِ جَعْلُهم ذَلِكَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ إبائِهِمْ إيّاهُ لا جَعْلُهُمُ البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ، ولا عَدَمُ جَعْلِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَدارُهُ التَّعْكِيسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ .

النحل 16:60

(p-122)﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِمَّنْ ذُكِرَتْ قَبائِحُهم ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صِفَةُ السَّوْءِ الَّذِي هو كالمَثَلِ في القُبْحِ، وهي الحاجَةُ إلى الوَلَدِ لِيَقُومَ مَقامَهم عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وإيثارُ الذُّكُورِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِمْ، ووَأْدُ البَناتِ لِدَفْعِ العارِ، وخَشْيَةِ الإمْلاقِ المُنادِي كُلَّ ذَلِكَ بِالعَجْزِ والقُصُورِ والشُّحِّ البالِغِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ هو الكُفْرُ بِالآخِرَةِ. ﴿وَلِلَّهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي مَثَلٌ في العُلُوِّ مُطْلَقًا، وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ، والغِنى المُطْلَقُ، والجُودُ الواسِعُ، والنَّزاهَةُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ عُلُوُّهُ تَعالى عَمّا قالُوهُ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ المُتَفَرِّدُ بِكَمالِ القُدْرَةِ لا سِيَّما عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، وهَذا أيْضًا مِن جُمْلَةِ صِفاتِهِ العَجِيبَةِ تَعالى.

النحل 16:61

﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ الكُفّارَ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدِّدَ مِن قَبائِحِهِمْ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإيذانٌ بِأنَّ ما أتَوْهُ مِنَ القَبائِحِ قَدْ تَناهى إلى أمَدٍ لا غايَةَ وراءَهُ ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: ما تَرَكَ عَلَيْها شَيْئًا مِن دابَّةٍ قَطُّ، بَلْ أهْلَكَها بِالمَرَّةِ بِشُؤْمِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ. فَقالَ: بَلى، واللَّهُ حَتّى إنَّ الحُبارى لَتَمُوتُ في وكْرِها بِظُلْمِ الظّالِمِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجُعَلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، أوْ مِن دابَّةٍ ظالِمَةٍ. وقِيلَ لَوْ أهْلَكَ الآباءَ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ في الأرْضِ دابَّةٌ لِما أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعَ البَشَرِ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ . ﴿وَلَكِنْ﴾ لا يُؤاخِذُهم بِذَلِكَ بَلْ ﴿يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِأعْمارِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ كَيْ يَتَوالَدُوا، أوْ يَكْثُرَ عَذابُهم. ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ المُسَمّى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ، أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ. وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ساعَةً﴾ فَذَّةً. وهي مَثَلٌ في قِلَّةِ المُدَّةِ. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذِكْرِهِ مَعَ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِنَظْمِهِ في سَلْكِ ما يَمْتَنِعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا قَدْ نُظِّمَ في سِمْطِ مَن لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُما سِيّانِ في ذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ.

النحل 16:62

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ (p-123)أيْ: يُثْبِتُونَ لَهُ سُبْحانَهُ، ويَنْسُبُونَ إلَيْهِ في زَعْمِهِمْ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا ذُكِرَ، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ، وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ تَعالى ما يَجْعَلُونَ، ومَعَ ذَلِكَ تَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ، وهو ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ وقُرِئَ: (الكُذُبَ) وهو جَمْعُ الكَذُوبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الألْسِنَةِ. ﴿لا جَرَمَ﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ ذَلِكَ، وإثْباتٌ لِنَقِيضِهِ، أيْ: حَقًّا. ﴿أنَّ لَهُمُ﴾ مَكانَ ما أمَّلُوا مِنَ الحُسْنى. ﴿النّارَ﴾ الَّتِي لَيْسَ وراءَ عَذابِها عَذابٌ، وهي عَلَمٌ في السَّوْأى ﴿وَأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُقَدَّمُونَ إلَيْها مِن أفْرَطْتُهُ، أيْ: قَدَّمْتُهُ في طَلَبِ الماءِ. وقِيلَ: مَنسِيُّونَ مَن أفْرَطْتُ فُلانًا خَلْفِي إذا خَلَّفْتَهُ، ونَسِيتَهُ. وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ، وفَتْحِ الرّاءِ مِن فَرَّطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ، وبِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ مِنَ التَّفْرِيطِ في الطّاعاتِ، وبِكَسْرِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الإفْراطِ في المَعاصِي، فَلا يَكُونانِ حِينَئِذٍ مِن أحْوالِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ كَما عُطِفَ عَلَيْهِ.

النحل 16:63

﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَنالُهُ مِن جَهالاتِ الكَفَرَةِ، ووَعِيدٌ لَهم عَلى ذَلِكَ، أيْ: أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا فَدَعَوْهم إلى الحَقِّ فَلَمْ يُجِيبُوا إلى ذَلِكَ. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ، فَعَكَفُوا عَلَيْها مُصِرِّينَ. ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ﴾ أيْ: قَرِينُهُمْ، وبِئْسَ القَرِينُ. ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: يَوْمَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فِيهِ عَلى طَرِيقِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، أوْ في الدُّنْيا، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى طَرِيقِ حِكايَةِ الحالِ الآتِيَةِ، وهي حالُ كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ في النّارِ. والوَلِيُّ بِمَعْنى: النّاصِرُ، أيْ: فَهو ناصِرُهُمُ اليَوْمَ لا ناصِرَ لَهم غَيْرُهُ. مُبالَغَةً في نَفْيِ النّاصِرِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والمَعْنى: زَيَّنَ لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أعْمالَهُمْ، فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهُمْ، وأنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: ولِيُّ أمْثالِهِمْ.﴿وَلَهُمْ﴾ فى الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو عَذابُ النّارِ.

النحل 16:64

﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن. ﴿إلا لِتُبَيِّنَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتُبَيِّنَ ﴿لَهُمُ﴾ أيْ: لِلنّاسِ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ، والقَدَرِ، وأحْكامِ الأفْعالِ، وأحْوالِ المَعادِ. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِتُبَيِّنَ، أيْ: ولِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وإنَّما انْتَصَبا لِكَوْنِهِما أثَرَيْ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِخِلافِ التَّبَيُّنِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَصِبْ لِفُقْدانِ شَرْطِهِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِما لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ، وتَخْصِيصُ كَوْنِهِما هُدًى ورَحْمَةً بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ آثارَهُ.

النحل 16:65

﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ حَسْبَما مَرَّ، وهَذا تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ، وتَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُهُ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ﴿ماءً﴾ نَوْعًا خاصًّا مِنَ الماءِ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِما مَرَّ مِرارًا (p-124)مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بِما أنْبَتَ بِهِ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتاتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: بَعْدَ يُبْسِها وما يُفِيدُهُ الفاءُ مِنَ التَّعْقِيبِ العادِيِّ، لا يُنافِيهِ ما بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ مِنَ المُهْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِهِ ﴿لآيَةً﴾ وأيَّةُ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانِهِ، وعِلْمِهِ، وقدرته، وحِكْمَتِهِ. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ هَذا التَّذْكِيرَ ونَظائِرَهُ سَماعَ تَفَكُّرٍ، وتَدَبُّرٍ فَكَأنَّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ أصَمُّ.

النحل 16:66

﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً، وأيَّ: عِبْرَةٍ تَحارُ في دَرْكِها العُقُولُ، وتَهِيمُ في فَهْمِها ألْبابُ الفُحُولِ. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا مِنَ العِبْرَةِ، ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ أيْ: بُطُونِ الأنْعامِ، والتَّذْكِيرُ هُنا لِمُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ، فَإنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، ولِذَلِكَ عَدَّهُ سِيبَوَيْهِ في المُفْرَداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى أفْعالٍ كَأكْباشٍ وأخْلاقٍ. كَما أنَّ تَأْنِيثَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ لِرِعايَةِ جانِبِ المَعْنى، ومَن جَعَلَهُ جَمْعَ نَعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ، فَإنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ لِجَمِيعِها أوَّلَهُ عَلى المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ النُّونِ هَهُنا، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا﴾ الفَرْثُ فُضالَةُ ما يَبْقى مِنَ العَلَفِ في الكَرِشِ المُنْهَضِمَةِ بَعْضَ الِانْهِضامِ، وكَثِيفُ ما يَبْقى في المِعاءِ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتَلَفَتْ، وانْطَبَخَ العَلَفُ في كَرِشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، وأعْلاهُ دَمًا. ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ، وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَغْذُو البَدَنَ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَكَوُّنِهِما في الكَرِشِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، بَلِ الكَبِدُ تَجْذِبُ صَفاوَةَ الطَّعامِ المُنْهَضِمِ في الكَرِشِ، ويَبْقى ثُفْلُهُ وهو الفَرْثُ، ثُمَّ يُمْسِكُها رَيْثَما يَهْضِمُها فَيُحْدِثُ أخَلاطًا أرْبَعَةً مَعَها مائِيَّةً، فَتُمَيِّزُ القُوَّةُ المُمَيِّزَةُ تِلْكَ المائِيَّةَ بِما زادَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ المِرَّتَيْنِ الصَّفْراءِ والسَّوْداءِ، وتَدْفَعُها إلى الكُلْيَةِ، والمَرارَةِ، والطِّحالِ. ثُمَّ تُوَزِّعُ الباقِيَ عَلى الأعْضاءِ بِحَسَبِها فَتُجْرِي عَلى كُلٍّ حَقَّهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ. ثُمَّ إنْ كانَ الحَيَوانُ أُنْثى زادَ أخْلاطُها عَلى قَدْرِ غِذائِها لِاسْتِيلاءِ البَرْدِ، والرُّطُوبَةِ عَلى مِزاجِها، فَيَنْدَفِعُ الزّائِدُ أوَّلًا لِأجْلِ الجَنِينِ إلى الرَّحِمِ، فَإذا انْفَصَلَ انْصَبَّ ذَلِكَ الزّائِدُ، أوْ بَعْضُهُ إلى الضُّرُوعِ فَيَبْيَضُّ لِمُجاوَرَتِهِ لُحُومَها العَذَوِيَّةَ البِيضَ، ويَلَذُّ طَعْمُهُ فَيَصِيرُ لَبَنًا. ومَن تَدَبَّرَ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فِيما ذُكِرَ مِنَ الأخْلاطِ والألْبانِ، وأعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها، والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها، وتَسْخِيرِ القُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، اضْطُرَّ إلى الِاعْتِرافِ بِكَمالِ عِلْمِهِ، وقدرته، وحِكْمَتِهِ، وتَناهِي رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ. فَـ "مِن" الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِما أنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِهِ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ حَسْبَما فُصِّلَ. والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ: سَقَيْتُ مِنَ الحَوْضِ؛ لِأنَّ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ مَبْدَأ الإسْقاءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيكُمْ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ، يَبْعَثُ لِلنَّفْسِ شَوْقًا إلى المُؤَخَّرِ مُوجِبًا لِفَضْلِ تَمْكِينِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها لا سِيَّما إذا كانَ المُقَدَّمُ مُتَضَمِّنًا لِوَصْفٍ مُنافٍ لِوَصْفِ المُؤَخَّرِ، كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ بَيْنَ وصْفَيِ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ تَنافِيًا، وتَنائِيًا، بِحَيْثُ لا يَتَراءى ناراهُما، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الشَّوْقَ والِاسْتِشْرافَ إلى المُؤَخَّرِ. (p-125)كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ أوْ حالٌ مِن لَبَنًا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ ﴿خالِصًا﴾ عَنْ شائِبَةِ ما في الدَّمِ والفَرْثِ مِنَ الأوْصافِ، بِبَرْزَخٍ مِنَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ الحاجِزَةِ عَنْ بَغْيِ أحَدِهِما عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِما مُكْتَنِفِينَ لَهُ ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ، قِيلَ: لَمْ يَغَصَّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ. وقُرِئَ: (سَيِّغًا) بِالتَّشْدِيدِ، وبِالتَّخْفِيفِ، مِثْلَ: هَيْنٍ وهَيِّنٍ.

النحل 16:67

﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الإسْقاءُ مِن مُطْلَقِ الإطْعامِ المُنْتَظِمِ لِإعْطاءِ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، فَإنَّ اللَّبَنَ مَطْعُومٌ كَما أنَّهُ مَشْرُوبٌ، أيْ: ونُطْعِمُكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ، ومِنَ الأعْنابِ، أيْ: مِن عَصِيرِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كُنْهِ الإطْعامِ وكَشْفِهِ، أوْ بِقَوْلِهِ: "تَتَّخِذُونَ مِنهُ" وتَكْرِيرُ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ تَتَّخِذُونَ، أيْ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ في الكَلامِ كَلِمَةُ "مِن" سائِغٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّهُ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ. أعْنِي العَصِيرَ. أوْ لِأنَّ المُرادَ هو الجِنْسُ، والسَّكَرُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الخَمْرُ، وقِيلَ: هو النَّبِيذُ. وقِيلَ: هو الطَّعْمُ. ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمْرِ والدِّبْسِ والزَّبِيبِ والخَلِّ، والآيَةُ إنْ كانَتْ سابِقَةَ النُّزُولِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهَتِها، وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ باهِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الآياتِ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ.

النحل 16:68

﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ أيْ: ألْهَمَها، وقَذَفَ في قُلُوبِها، وعَلَّمَها بِوَجْهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ. وقُرِئَ: بِفَتْحَتَيْنِ ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾ أيْ: بِأنِ اتَّخِذِي عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في الإيحاءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ النَّحْلَ مُذَكَّرٌ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، أوْ لِأنَّهُ جَمْعُ نَحْلَةٍ، والتَّأْنِيثُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. ﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ أيْ: أوْكارًا مَعَ ما فِيها مِنَ الخَلايا. وقُرِئَ: (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أيْ: يَعْرِشُهُ النّاسُ، أيْ: يَرْفَعُهُ مِن كَرْمٍ أوْ سَقْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: ما يَرْفَعُهُ النّاسُ، ويَبْنُونَهُ لِلنَّحْلِ. والمَعْنى: اتَّخِذِي لِنَفْسِكِ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ. إذا لَمْ يَكُنْ لَكِ أرْبابٌ، وإلّا فاتَّخِذِي ما يَعْرِشُونَهُ لَكِ، وإيرادُ حَرْفِ التَّبْعِيضِ لِما أنَّها لا تُبْنى في كُلِّ جَبَلٍ، وكُلِّ شَجَرٍ، وكُلِّ عَرْشٍ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها.

النحل 16:69

﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها حُلْوَها ومُرَّها. ﴿فاسْلُكِي﴾ ما أكَلْتِ مِنها ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أيْ: مَسالِكَهُ الَّتِي بَرَأها بِحَيْثُ يُحِيلُ فِيها بِقدرته القاهِرَةِ النَّوْرَ المُرَّ عَسَلًا مِن أجْوافِكِ، أوْ فاسْلُكِي الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ سُبُلَ رَبِّكِ لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ ولا (p-126)تَلْتَبِسُ ﴿ذُلُلا﴾ جَمْعُ ذَلُولٍ، وهو حالٌ مِنَ السُّبُلِ، أيْ: مُذَلَّلَةً غَيْرَ مُتَوَعِّرَةٍ ذَلَّلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وسَهَّلَها لَكِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اسْلُكِي، أيِ: اسْلُكِي مُنْقادَةً لِما أُمِرْتِ بِهِ. ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ اسْتِئْنافٌ عُدِلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَوْضِعُ العِبْرَةِ بَعْدَ ما أُمِرَتْ بِما أُمِرَتْ. ﴿شَرابٌ﴾ أيْ: عَسَلٌ لِأنَّهُ مَشْرُوبٌ، واحْتَجَّ بِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: "كُلِي" مَن زَعَمَ أنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ الأزْهارَ والأوْراقَ العَطِرَةَ، فَتَسْتَحِيلُ في بَطْنِها عَسَلًا، ثُمَّ تَقِيءُ ادِّخارًا لِلشِّتاءِ، ومَن زَعَمَ أنَّها تَلْتَقِطُ بِأفْواهِها أجْزاءً قَلِيلَةً حُلْوَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأزْهارِ والأوْراقِ، وتَضَعُها في بُيُوتِها، فَإذا اجْتَمَعَ فِيها شَيْءٌ كَثِيرٌ يَكُونُ عَسَلًا، فَسَّرَ البُطُونَ بِالأفْواهِ. ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أبْيَضُ وأسْوَدُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ حَسَبَ اخْتِلافِ سِنِّ النَّحْلِ، أوِ الفَصْلِ، أوِ الَّذِي أخَذَتْ مِنهُ العَسَلَ. ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ، إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ لا يَكُونُ فِيهِ عَسَلٌ مَعَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ مُشْعِرٌ بِالتَّبَعِيَّةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ لِلتَّفْخِيمِ. وعَنْ قَتادَةَ " «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقالَ ﷺ: اسْقِهِ العَسَلَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفَعَ، فَقالَ: اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، فَسَقاهُ فَبَرِئَ» " كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ النَّحْلِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: العَسَلُ شَفاءٌ لِكُلِّ داءٍ، والقرآن شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، فَعَلَيْكم بِالشِّفاءَيْنِ العَسَلِ والقرآن ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أعاجِيبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مِن تَفَكَّرَ في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ، والأفْعالِ العَجِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى حُسْنِ الصَّنْعَةِ، وصِحَّةِ القِسْمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ إلّا بِآلاتٍ رَقِيقَةٍ، وأدَواتٍ أنِيقَةٍ، وأنْظارٍ دَقِيقَةٍ جَزَمَ قَطْعًا بِأنَّ لَهُ خالِقًا قادِرًا حَكِيمًا يُلْهِمُها ذَلِكَ، ويَهْدِيها إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ.

النحل 16:70

﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، وتَطَوُّراتِهِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ، وقَدْ ضَبَطُوا مَراتِبَ العُمُرِ في أرْبَعٍ: الأُولى: سِنُّ النُّشُورِ والنَّماءِ. والثّانِيَةُ: سِنُّ الوُقُوفِ، وهي سِنُّ الشَّبابِ. والثّالِثَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ القَلِيلِ، وهي سِنُّ الكُهُولَةِ. والرّابِعَةُ: سِنُّ الِانْحِطاطِ الكَبِيرِ، وهي سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ. ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ أطْفالًا وشَبابًا وشُيُوخًا ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ﴾ قَبْلَ تَوَفِّيهِ، أيْ: يُعادُ. ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ: أخَسِّهِ وأحْقَرِهِ، وهو خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وتِسْعُونَ سَنَةً عَلى ما نُقِلَ عَنْ قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: خَمْسٌ وتِسْعُونَ. وإيثارُ الرَّدِّ عَلى الوُصُولِ، والبُلُوغِ ونَحْوِهِما لِلْإيذانِ بِأنَّ بُلُوغَهُ، والوُصُولَ إلَيْهِ رُجُوعٌ في الحَقِيقَةِ إلى الضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ ولا عُمُرَ أسْوَأُ حالًا مِن عُمُرِ الهَرَمِ الَّذِي يُشْبِهُ الطِّفْلَ في نُقْصانِ العَقْلِ والقُوَّةِ. ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ كَثِيرٍ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ العِلْمِ أوْ مِنَ (p-127)المَعْلُوماتِ، أوْ لِكَيْلا يَعْلَمَ شَيْئًا بَعْدَ عِلْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم ﴿قَدِيرٌ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ، ويُبْقِي الهَرَمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ الآجالِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ رَكَّبَ أبْنِيَتَهُمْ، وعَدَّلَ أمْزِجَتَهم عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الطَّبائِعِ لَما بَلَغَ التَّفاوُتُ هَذا المَبْلَغَ.

النحل 16:71

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ أيْ: جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ فَأعْطاكم مِنهُ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَمالِيكَكم. ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ فِيهِ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ الَّذِي رَزَقَهم إيّاهُ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمُ الَّذِينَ هم شُرَكاؤُهم في المَخْلُوقِيَّةِ والمَرْزُوقِيَّةِ ﴿فَهُمْ﴾ أيِ: المُلّاكُ والمَمالِيكُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في الرِّزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ أيْ: لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ يُساوُونَهم في التَّصَرُّفِ، ويُشارِكُونَهم في التَّدْبِيرِ و "الفاءُ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ التَّساوِي عَلى الرَّدِّ، أيْ: لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ رَدًّا مُسْتَتْبِعًا لِلتَّساوِي، وإنَّما يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْئًا يَسِيرًا، فَحَيْثُ لا يَرْضَوْنَ بِمُساواةِ مَمالِيكِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وهم أمْثالُهم في البَشَرِيَّةِ، والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ في شَيْءٍ لا يُخْتَصُّ بِهِمْ، بَلْ يَعُمُّهم وإيّاهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هم أُسْوَةٌ لَهم في اسْتِحْقاقِهِ، فَما بالُهم يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ، والمَعْبُودِيَّةِ الخاصَّةِ بِذاتِهِ تَعالى لِذاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي هو بِمَعْزِلٍ مِن دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وهَذا كَما تَرى مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ تَقْرِيعًا عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ ... الآيَةَ. ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الإشْراكِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُضِيفُوا نِعَمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الفائِضَةَ عَلَيْهِمْ إلى شُرَكائِهِمْ، ويَجْحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحِجَجِ البالِغَةِ بَعْدَما أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، و "الباءُ" لِتَضْمِينِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ، نَحْوَ: وجَحَدُوا بِها. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، وهي داخِلَةٌ في المَعْنى عَلى الفِعْلِ، أيْ: أيُشْرِكُونَ بِهِ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ. وقُرِئَ: (تَجْحَدُونَ) عَلى الخِطابِ، أوْ لَيْسَ المَوالِي بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَمالِيكِهِمْ، بَلْ أنا الَّذِي أُرْزَقُهُمْ، وإيّاهم فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم يُعْطُونَهم شَيْئًا، وإنَّما هو رِزْقِي أُجْرِيهِ عَلى أيْدِيهِمْ فَهم جَمِيعًا في ذَلِكَ سَواءٌ لا مَزِيَّةَ لَهم عَلى مَمالِيكِهِمْ ألا يَفْهَمُونَ ذَلِكَ، فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فَهو رَدٌّ عَلى زَعْمِ المُفَضَّلِينَ، أوْ عَلى فِعْلِهِمُ المُؤْذِنِ بِذَلِكَ، أوْ ما المُفَضَّلُونَ بِرادِّي بَعْضِ فَضْلِهِمْ عَلى مَمالِيكِهِمْ فَيَتَساوَوْا في ذَلِكَ جَمِيعًا، مَعَ أنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ إلّا لِيَبْلُوَهم أيَشْكُرُونَ أمْ يَكْفُرُونَ؟ ألا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الرَّدِّ، يُحْكى عَنْأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إنَّما هم إخْوانُكم فاكْسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ، وأطْعِمُوهم مِمّا تَطْعَمُونَ، فَما رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ورِداؤُهُ رِداؤُهُ، وإزارُهُ إزْرارُهُ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ» ".

النحل 16:72

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ (p-128)أيْ: مِن جِنْسِكم ﴿أزْواجًا﴾ لِتَأْنَسُوا بِها، وتُقِيمُوا بِذَلِكَ جَمِيعَ مَصالِحِكُمْ، ويَكُونُ أوْلادُكم أمْثالَكم. وقِيلَ: هو خَلْقُ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ جَعْلُ لِكُلٍّ مِنكم مِن زَوْجِهِ لا مِن زَوْجِ غَيْرِهِ. ﴿بَنِينَ﴾ وبِأنَّ نَتِيجَةَ الأزْواجِ هُوَ: التَّوالُدُ ﴿وَحَفَدَةً﴾ جَمْعُ حافِدٍ، وهو الَّذِي يُسْرِعُ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ. ومِنهُ قَوْلُ القانِتِ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: جَعَلَ لَكم خَدَمًا يُسْرِعُونَ في خِدْمَتِكُمْ، وطاعَتِكم. فَقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أوْلادُ الأوْلادِ. وقِيلَ: البَناتُ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ إيذانًا بِوَجْهِ المِنَّةِ، فَإنَّهُنَّ يَخْدُمْنَ البُيُوتَ أتَمَّ خِدْمَةٍ. وقِيلَ: أوْلادُ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ. وقِيلَ: البَنُونَ، والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. وقِيلَ: الأُخْتانِ عَلى البَناتِ. وتَأْخِيرُ المَنصُوبِ في المَوْضِعَيْنِ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَجْرُورِ بِـ "مِن" لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَوْدِ مَنفَعَةِ الجَعْلِ إلَيْهِمْ إمْدادًا لِلتَّشْوِيقِ، وتَقْوِيَةً لَهُ، أيْ: جَعَلَ لِمَصْلَحَتِكم مِمّا يُناسِبُكم أزْواجًا، وجَعَلَ لِمَنفَعَتِكم مِن جِهَةٍ مُناسِبَةٍ لَكم بَنِينَ، وحَفَدَةً. ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ، أوْ مِنَ الحَلالاتِ. و "مِن" لِلتَّبْعِيضِ إذِ المَرْزُوقُ في الدُّنْيا أُنْمُوذَجٌ لِما في الآخِرَةِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهُمْ، وأنَّ البَحائِرَ ونَحْوَها حَرامٌ. و "الفاءُ" في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الفِعْلِ، وهي لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ هَذا، فَيُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ، أوْ أبْعَدَ تَحَقُّقِ ما ذُكِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ دُونَ اللَّهِ سُبْحانَهُ؟! ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ تَعالى الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ البَيانِ ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ حَيْثُ يُضِيفُونَها إلى الأصْنامِ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِإيهامِ الِاخْتِصاصِ مُبالَغَةً، أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وصَرْفِ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ تَعْجِيبًا لَهم مِمّا فَعَلُوهُ.

النحل 16:73

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى يَكْفُرُونَ داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، أيْ: أيَكْفُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ. ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ إنْ جُعِلَ الرِّزْقُ مَصْدَرًا، فَشَيْئًا نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِنهُ، أيْ: ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا لا مِنَ السَّمَواتِ مَطَرًا، ولا مِنَ الأرْضِ نَباتًا، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ، فَنُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ بِمَعْنى قَلِيلًا، ومِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ صِفَةٌ لِرِزْقًا، أيْ: كائِنًا مِنهُما، ويَجُوزُ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِلا يَمْلِكُ، أيْ لا يَمْلِكُ رِزْقًا ما شَيْئًا مِنَ المُلْكِ. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يَمْلِكُوهُ إذْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم رَأْسًا لِأنَّها مَواتٌ لا حَراكَ بِها، فالضَّمِيرُ لِلْآلِهَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ في الأُمُورِ لا يَسْتَطِيعُونَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي لا حِسَّ بِهِ.

النحل 16:74

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِالِاهْتِمامِ بِشَأْنِ النَّهْيِ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ مَبْناهُ تَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، وقِصَّةٍ بِقِصَّةٍ، أيْ: لا تُشَبِّهُوا بِشَأْنِهِ تَعالى شَأْنًا مِنَ الشُّؤُونِ. و "اللّامُ" مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ﴾ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ لا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ . (p-129)وَنَظائِرِهِ، و "الفاءُ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ النَّهْيِ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وكَوْنُ ما يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَمْلِكَ لَهم مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ شَيْئًا مِن رِزْقٍ ما فَضْلًا عَمّا فُصِّلَ مِن نِعْمَةِ الخَلْقِ، والتَّفْضِيلِ في الرِّزْقِ، ونِعْمَةِ الأزْواجِ والأوْلادِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، ووَعِيدٌ عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ ما تَأْتُونَ، وما تَذَرُونَ. وأنَّهُ في غايَةِ العِظَمِ والقُبْحِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، وإلّا لَما فَعَلْتُمُوهُ، أوْ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم وقِفُوا مَواقِفِ الِامْتِثالِ لِما ورَدَ عَلَيْكم مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَتَقَعُونَ فِيما تَقَعُونَ فِيهِ مِن مَهاوِي الرَّدى والضَّلالِ، ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفِيَّةَ ضَرْبِ الأمْثالِ في هَذا البابِ فَقالَ:

النحل 16:75

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: ذَكَرَ وأوْرَدَ شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ ما أشْرَكُوا بِهِ وعَلى تَباعُدِهِما بِحَيْثُ يُنادِي بِفَسادِ ما ارْتَكَبُوهُ نِداءً جَلِيًّا ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَثَلًا، وتَفْسِيرٌ لَهُ، والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ حالَتُهُ العارِضَةُ لَهُ مِنَ المَمْلُوكِيَّةِ، والعَجْزِ التّامِّ. وبِحَسَبِها ضَرَبَ نَفْسَهُ مَثَلًا، ووَصَفَ العَبْدَ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ لِاشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما عَبْدانِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ أنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ لَهُ تَعالى، وبِعَدَمِ القُدْرَةِ لِتَمْيِيزِهِ عَنِ المُكاتَبِ والمَأْذُونِ اللَّذَيْنِ لَهُما تَصَرُّفٌ في الجُمْلَةِ، وفي إبْهامِ المَثَلِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ والجَزالَةِ. ﴿وَمَن رَزَقْناهُ﴾ مَن مَوْصُوفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَبْدًا، أيْ: رَزَقْناهُ بِطَرِيقِ المُلْكِ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حالَيْ ضَرْبِ المَثَلِ، والرِّزْقِ. ﴿مِنّا﴾ مِن جَنابِنا الكَبِيرِ المُتَعالِي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حَلالًا طَيِّبًا، أوْ مُسْتَحْسَنًا عِنْدَ النّاسِ مَرْضِيًّا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَأنْفَقَ. وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإنْفاقِ، واسْتِمْرارِهِ التَّجَدُّدَيِّ. ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾ أيْ: حالَ السِّرِّ والجَهْرِ، أوْ إنْفاقَ سِرٍّ، وإنْفاقَ جَهْرٍ. والمُرادُ: بَيانُ عُمُومِ إنْفاقِهِ لِلْأوْقاتِ، وشُمُولِ إنْعامِهِ لِمَن يَجْتَنِبُ عَنْ قَبُولِهِ جَهْرًا، والإشارَةُ إلى أصْنافِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ القَرِينَتَيْنِ بِأنْ يُقالَ: وحُرًّا مالِكًا لِلْأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَسِيمِهِ لِتَوَخِّي تَحْقِيقِ الحَقِّ بِأنَّ الأحْرارَ أيْضًا تَحْتَ رِبْقَةِ عُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ مالِكِيَّتَهم لِما يَمْلِكُونَهُ لَيْسَتْ إلّا بِأنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ مَعَ مُحاوَلَةِ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بِالمَثَلِ مِن تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ المُمَثَّلَيْنِ، فَإنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ العَبْدِ المالِكِ، فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ؟! ومالِكِ المُلْكِ خَلّاقِ العالَمِينَ. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا فَرْدانِ مَعْنِيّانِ مِنهُما، أيْ: هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-130)وَأنَّ ما يُنْفِقُهُ الأحْرارُ لَيْسَ مِمّا لَهم دَخْلٌ في إيجادِهِ، ولا في تَمَلُّكِهِ بَلْ هو مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُمْ، فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ تُشْرِكُونَ بِهِ ما لا ذَلِيلَ أذَلَّ مِنهُ، وهو الأصْنامُ. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: كُلُّهُ لِأنَّهُ مَوْلى جَمِيعِ النِّعَمِ لا يَسْتَحِقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، وإنْ ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي بَعْضِ الوَسائِطِ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى ما هو الحَقُّ مِن أنَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ مَن يُنْفِقُ مِمّا ذُكِرَ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما لَوَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "رَزَقْناهُ" ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما ذُكِرَ فَيُضِيفُونَ نِعَمَهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ، ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وإنَّما لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ عِنادًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ .

النحل 16:76

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ وأظْهَرَ، وبَعْدَ ما أبْهَمَ ذَلِكَ لِتَنْتَظِرَ النَّفْسُ إلى وُرُودِهِ، وتَتَرَقَّبَهُ حَتّى يَتَمَكَّنَ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ بَيَّنَ فَقِيلَ: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ وهو مَن وُلِدَ أخْرَسَ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ، أوْ بِغَيْرِهِ بِحَدْسٍ، أوْ فِراسَةٍ لِقِلَّةِ فَهْمِهِ، وسُوءِ إدْراكِهِ. ﴿وَهُوَ كَلٌّ﴾ ثِقَلٌ وعِيالٌ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾ عَلى مَن يَعُولُهُ، ويَلِي أمْرَهُ. وهَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قدرته عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قدرته عَلى شَيْءٍ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ أيْ: حَيْثُ يُرْسِلُهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ؛ بَيانٌ لِعَدَمِ قدرته عَلى إقامَةِ مَصالِحِ مَوْلاهُ، ولَوْ كانَتْ مَصْلَحَةً يَسِيرَةً. وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّوَجُّهِ. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بِنُجْحٍ، وكِفايَةِ مُهِمٍّ البَتَّةَ. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ ﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: مَن هو مِنطِيقٌ فَهو ذُو رَأْيٍ وكِفايَةٍ ورُشْدٍ يَنْفَعُ النّاسَ بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الجامِعِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ، ﴿وَهُوَ﴾ في نَفْسِهِ مَعَ ما ذُكِرَ مِن نَفْعِهِ العامِّ لِلْخاصِّ والعامِّ. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومُقابَلَةُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُما في حاقَ ما يُقابِلُها، فَإنَّ مُحَصِّلَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ عَدَمُ اسْتِحْقاقِ المَأْمُورِيَّةِ، ومُلَخَّصُ هَذَيْنِ اسْتِحْقاقُ كَمالِ الآمِرِيَّةِ المُسْتَتْبِعِ لِحِيازَةِ المَحاسِنِ بِأجْمَعِها، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والآخَرُ آمِرٌ بِالعَدْلِ الآيَةَ لِمُراعاةِ المُلائِمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ التَّبايُنِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ، واعْلَمْ أنَّ كُلًّا مِنَ الفِعْلَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِهِما حِكايَةَ الضَّرْبِ الماضِي بَلِ المُرادُ إنْشاؤُهُ بِما ذُكِرَ عَقِيبَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلًا بِخَلْقِ الفَرِيقَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ فَكانَ خَلْقُهُما كَذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ تَساوِيهِما عَلى امْتِناعِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ حِكايَةً لِلضَّرْبِ الماضِي.

النحل 16:77

﴿وَلِلَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً لا لِأحَدٍ غَيْرَهُ اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الأُمُورُ الغائِبَةُ عَنْ عُلُومِ المَخْلُوقِينَ (p-131)قاطِبَةً بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْها. لا مُشاهَدَةً ولا اسْتِدْلالًا، ومَعْنى الإضافَةِ إلَيْهِما التَّعَلُّقُ بِهِما: إمّا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ فِيهِما حالًا أوْ مَآلًا، وإمّا بِاعْتِبارِ الغَيْبَةِ عَنْ أهْلِهِما. والمُرادُ: بَيانُ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ المَعْلُومِيَّةُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ الغَيْبَةِ لا مِن حَيْثُ المَخْلُوقِيَّةُ والمَمْلُوكِيَّةُ، وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ حُضُورِيٌّ. فَإنَّ تَحَقُّقَ الغُيُوبِ في نَفْسِها عِلْمٌ بِالنَّسَّةِ إلَيْهِ تَعالى، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّمَواتِ والأرْضِ ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ ما وقَعَ فِيهِ المُماراةُ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما مِن حَيْثُ غَيْبَتُها عَنْ أهْلِهِما، أوْ ظُهُورُ آثارِها فِيهِما عِنْدَ وُقُوعِها، فَإنَّ وقْتَ وُقُوعِها بِعَيْنِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ آنِيَتُها مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي نُصِبَتْ عَلَيْها الأدِلَّةُ، أيْ: ما شَأْنُها في سُرْعَةِ المَجِيءِ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها ﴿أوْ هُوَ﴾ أيْ: بَلْ أمْرُها فِيما ذُكِرَ ﴿أقْرَبُ﴾ مِن ذَلِكَ، وأسْرَعُ زَمانًا بِأنْ يَقَعَ في بَعْضٍ مِن زَمانِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وإنَّ قَصُرَ عَنْ حَرَكَةٍ آنِيَةٍ لَها هُوِيَّةٌ اتِّصالِيَّةٌ مُنْطَبِقَةٌ عَلى زَمانٍ لَهُ هُوِيَّةٌ، كَذَلِكَ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ إلى أبْعاضٍ هي أزْمِنَةٌ أيْضًا بَلْ في آنٍ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ، وهو آنُ ابْتِداءِ تِلْكَ الحَرَكَةِ، أوْ ما أمْرُها إلّا كالشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَقْرَبُ، ويُقالُ هو كَلَمْحِ البَصَرِ، أوْ هو أقْرَبُ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ مَجِيئِها حَسْبَما عَبَّرَ عَنْها في فاتِحَةِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ بِالإتْيانِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنْ يَجِيءَ بِها أسْرَعَ ما يَكُونُ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوْ وما أمْرُ إقامَةِ السّاعَةِ الَّتِي كُنْهُها وكَيْفِيَّتُها مِنَ الغُيُوبِ الخاصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ. وهي إماتَةُ الأحْياءِ، وإحْياءُ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وتَبْدِيلُ صُوَرِ الأكْوانِ أجْمَعِينَ، وقَدْ أنْكَرَها المُنْكِرُونَ، وجَعَلُوها مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الإمْكانِ في سُرْعَةِ الوُقُوعِ، وسُهُولَةِ التَّأتِّي إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ، أوْ هو أقْرَبُ عَلى ما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ. إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شْيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: غَيْبُ السَّمَواتِ والأرْضِ عِبارَةٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ بِعَيْنِهِ لِما أنَّ عِلْمَهُ بِخُصُوصِهِ غائِبٌ عَنْ أهْلِهِما، فَوَضَعَ السّاعَةَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَقْوِيَةِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

النحل 16:78

﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ . و "الأُمَّهاتُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِها أيْضًا جَمْعُ "الأُمِّ" زِيدَتِ الهاءُ فِيهِ، كَما زِيدَتْ في أهَراقَ مَن أراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ قالَ: ؎ أُمَّهَتِي خِنْدِفُ والياسُ أبِي ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا أصْلًا. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى أخْرَجَكُمْ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَأخُّرِ الجَعْلِ المَذْكُورِ عَنِ الإخْراجِ لِما أنَّ مَدْلُولَ الواوِ هو الجَمْعُ مُطْلَقًا لا التَّرْتِيبُ، عَلى أنَّ أثَرَ ذَلِكَ الجَعْلِ لا يَظْهَرُ قَبْلَ الإخْراجِ، أيْ: جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ آلاتٍ تُحَصِّلُونَ بِها العِلْمَ والمَعْرِفَةَ، بِأنْ تُحِسُّوا بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ، وتُدْرِكُوها بِأفْئِدَتِكُمْ، وتَتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَها مِنَ المُشارَكاتِ والمُبايَناتِ بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ فَيَحْصُلُ لَكم عُلُومٌ (p-132)بَدِيهِيَّةٌ تَتَمَكَّنُونَ بِالنَّظَرِ فِيها مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ الكَسْبِيَّةِ. والأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ: وهو وسَطُ القَلْبِ، وهو مِنَ القَلْبِ كالقَلْبِ مِنَ الصُّدُورِ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوباتِ لِما مَرَّ مِنَ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المَجْعُولِ نافِعًا لَهُمْ، وتَشْوِيقِ النَّفْسِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم طَوْرًا غِبَّ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ لِما أنَّهُ طَرِيقُ تَلَقِّي الوَحْيِ، أوْ لِأنَّ إدْراكَهُ أقْدَمُ مِن إدْراكِ البَصَرِ، وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ.

النحل 16:79

﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ وقُرِئَ: بِالتّاءِ. ﴿إلى الطَّيْرِ﴾ جَمْعُ طائِرٍ، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلَيْها ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُساعِدَةِ لَهُ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى التَّسْخِيرِ جَعْلُ الشَّيْءِ مُنْقادًا لِآخَرَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، كَتَسْخِيرِ البَحْرِ والفُلْكِ والدَّوابِّ لِلْإنْسانِ، والواقِعُ هَهُنا تَسْخِيرُ الهَواءِ لِلطَّيْرِ لِتَطِيرَ فِيهِ كَيْفَ تَشاءُ، فَكانَ مُقْتَضى طَبِيعَةِ الطَّيْرِ السُّقُوطَ، فَسَخَّرَها اللَّهُ تَعالى لِلطَّيَرانِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الطَّيَرانَ لَيْسَ مُقْتَضى طَبْعِ الطَّيْرِ بَلْ ذَلِكَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ: في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ والسُّكاكِ واللَّوْحِ أبْعَدَ مِنهُ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ لِما أنَّهُ في جانِبِها مِنَ النّاظِرِ، ولِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ حِينَ قَبْضِ أجْنِحَتِهِنَّ، وبَسْطِها، ووُقُوفِهِنَّ. ﴿إلا اللَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ بِقدرته الواسِعَةِ، فَإنَّ ثِقَلَ جَسَدِها، ورِقَّةَ قَوامِ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها، ولا عِلاقَةَ مِن فَوْقِها، ولا دِعامَةَ مِن تَحْتِها. وهو إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مُسَخَّراتٍ، أوْ مِنَ الطَّيْرِ، وإمّا مُسْتَأْنِفٌ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن تَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ، بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً تَتَمَكَّنُ بِها مِنهُ بِأنَّ جَعْلَ لَها أجْنِحَةً خَفِيفَةً، وأذْنابًا كَذَلِكَ، وجَعَلَ أجْسادَها مِنَ الخِفَّةِ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها، وأذْنابَها لا يُطِيقُ ثِقَلَها يَخْرُقُ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ الرَّقِيقِ القَوامِ، وتَخْرُقُ ما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الهَواءِ؛ لِأنَّها لا تُلاقِيهِ بِحَجْمٍ كَبِيرٍ. ﴿لآياتٍ﴾ ظاهِرَةٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما خَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

النحل 16:80

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما مَرَّ، وتَقْدِيمُ لَكم عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ المَجْرُورِ، والمَنصُوبِ لِما مَرَّ مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ، ومَنفَعَتِهِمْ لِتَشْوِيقِ النَّفْسِ إلى وُرُودِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: مِن بُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ الَّتِي تَبْنُونَها مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ تَبْيِينٌ لِذَلِكَ المَجْعُولِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ، وتَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّشْوِيقِ ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكم. أوْ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ، أيْ: جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِكم بِحَيْثُ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وتُطَمْئِنُونَ بِهِ. ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ (p-133)الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ: بُيُوتًا أُخَرَ مُغايِرَةً لِبُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ هي الخِيامُ والقِبابُ والأخْبِيَةُ والفَساطِيطُ، ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تَجِدُونَها خَفِيفَةً، سَهْلَةَ المَأْخَذِ. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تَرْحالِكم في النَّقْضِ والحَمْلِ والنَّقْلِ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ العَيْنِ ﴿وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ وقْتَ نُزُولِكم في الضَّرْبِ والبِناءِ ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن جُلُودِ﴾ . والضَّمائِرُ لِلْأنْعامِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ، أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ، وأوْبارِ الإبِلِ، وأشْعارِ المَعْزِ، ﴿أثاثًا﴾ أيْ: مَتاعَ البَيْتِ. وأصْلُهُ الكَثْرَةُ، والِاجْتِماعُ. ومِنهُ شَعْرٌ أثِيثٌ. ﴿وَمَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ بِفُنُونِ التَّمَتُّعِ، ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكُمْ، أوْ إلى أنْ يَبْلى ويَفْنى، فَإنَّهُ في مَعْرِضِ البِلا والفَناءِ. وقِيلَ: إلى أنْ تَمُوتُوا. والكَلامُ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ مِثْلُ ما مَرَّ مِن قَبْلُ.

النحل 16:81

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِكم ﴿ظِلالا﴾ أشْياءَ تَسْتَظِلُّونَ بِها مِنَ الحَرِّ كالغَمامِ والشَّجَرِ والجَبَلِ وغَيْرِها، امْتَنَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ لِما أنَّ تِلْكَ الدِّيارَ غالِبَةُ الحَرارَةِ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ مَواضِيعَ تَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الكُهُوفِ، والغِيَرانِ والسُّرُوبِ، والكَلامُ في التَّرْتِيبِ الواقِعِ بَيْنَ المَفاعِيلِ كالَّذِي مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو كُلُّ ما يُلْبَسُ، أيْ: جَعَلَ لَكم ثِيابًا مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ وغَيْرِها، ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، أوْ لِأنَّ وِقايَتَهُ هي الأهَمُّ عِنْدَهم لِما مَرَّ آنِفًا ﴿وَسَرابِيلَ﴾ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ أيِ: البَأْسَ الَّذِي يَصِلُ إلى بَعْضِكم مِن بَعْضٍ في الحَرْبِ مِنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ، ولَقَدْ مَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا حَيْثُ ذَكَرَ جَمِيعَ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلى جَمِيعِ الطَّوائِفِ فَبَدَأ بِما يَخُصُّ المُقِيمِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ ثُمَّ بِما يَخُصُّ المُسافِرِينَ مِمَّنْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى الخِيامِ وأضْرابِها حَيْثُ قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما يَعُمُّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَأْوِيهِ إلّا الظِّلالُ حَيْثُ قالَ ﴿جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما لا بُدَّ مِنهُ لِأحَدٍ حَيْثُ قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ ... إلَخْ. ثُمَّ بِما لا غِنى عَنْهُ في الحُرُوبِ حَيْثُ قالَ: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ البالِغِ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ: إرادَةً أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، والباطِنَةِ، والأنْفُسِيَّةِ، والآفاقِيَّةِ. فَتَعْرِفُوا حَقَّ مَنعِهِما، فَتُؤْمِنُوا بِهِ وحْدَهُ، وتَذْرُوا ما كُنْتُمْ بِهِ تُشْرِكُونَ، وتَنْقادُوا لِأمْرِهِ. وإفْرادُ النِّعْمَةِ: إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ، أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقُرِئَ: (تَسْلَمُونَ) أيْ: تَسْلَمُونَ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الشِّرْكِ. وقِيلَ: مِنَ الجِراحِ بِلَبْسِ الدُّرُوعِ.

النحل 16:82

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فِعْلٌ ماضٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وصَرْفُ الخِطابِ عَنْهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيَةٌ لَهُ، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقْبَلُوا مِنكَ ما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ والعِبْرَةِ والعِظاتِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ: فَلا قُصُورَ مِن جِهَتِكَ؛ لِأنَّ وظِيفَتَكَ هي البَلاغُ المُوَضَّحُ، أوِ الواضِحُ. وقَدْ فَعَلْتَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَهو مِن بابِ وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ.

النحل 16:83

(p-134)﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ تَوَلِّيَهم وإعْراضَهم عَنِ الإسْلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِما عُدِّدَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَإنَّهم يَعْرِفُونَها، ويَعْتَرِفُونَ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِأفْعالِهِمْ حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ مُنْعِمِها، أوْ بِقَوْلِهِمْ إنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، أوْ بِسَبَبِ كَذا. وقِيلَ: نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَرَفُوها بِالمُعْجِزاتِ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، ثُمَّ أنْكَرُوها عِنادًا. ومَعْنى "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإنْكارِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ الِاعْتِرافُ بِها، لا الإنْكارُ. وإسْنادُ المَعْرِفَةِ والإنْكارِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْها إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، فَإنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُنْكِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ بِما ذُكِرَ، والحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِمُطْلَقِ الكُفْرِ المُؤْذِنِ بِالكَمالِ مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ لا يُنافِي كَمالَ الفِرْقَةِ الأُولى مِن حَيْثُ الكَيْفِيَّةُ، هَذا، وقَدْ قِيلَ ذِكْرُ الأكْثَرِ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفُوا لِنُقْصانِ العَقْلِ، أوِ التَّفْرِيطِ في النَّظَرِ، أوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ فَتَدَبَّرْ.

النحل 16:84

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وعَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ وهو نَبِيُّها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الِاعْتِذارِ إذْ لا عُذْرَ لَهُمْ، وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِالمَنعِ عَنِ الِاعْتِذارِ المُنْبِئِ عَنِ الإقْناطِ الكُلِّيِّ، وهو عِنْدَ ما يُقالُ لَهُمُ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وأطَمُّ. ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم إذِ الآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ لا دارُ العَمَلِ، وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، أوْ خَوِّفْهم يَوْمَ نَبْعَثُ ... إلَخْ. أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ يَحِيقُ بِهِمْ ما يَحِيقُ مِمّا لا يُوصَفُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

النحل 16:85

﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ بِظُلْمِهِمْ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُمْهَلُونَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ .

النحل 16:86

﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا، وهُمُ الأوْثانُ أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ شارَكُوهم في الكُفْرِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، وقارَنُوهم في الغَيِّ والضَّلالِ. ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ أيْ: نَعْبُدُهم أوْ نُطِيعُهُمْ، ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ طَمَعًا في تَوْزِيعِ العَذابِ بَيْنَهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَألْقَوْا﴾ أيْ: شُرَكاؤُهم ﴿إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ فَإنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهم فِيما قالُوا لَيْسَ إلّا لِلْمُدافَعَةِ والتَّخَلُّصِ عَنْ غائِلَةِ مَضْمُونِهِ، وإنَّما كَذَّبُوهُمْ، وقَدْ كانُوا يُعَذِّبُونَهُمْ، ويُطِيعُونَهُمْ؛ لِأنَّ الأوْثانَ ما كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم. فَكَأنَّ عِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ عِبادَةً لَهم كَما قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ (p-135)السَّلامُ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ يَعْنُونَ أنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لا نَحْنُ، أوْ كَذَّبُوهم في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ، وآلِهَةً تَنْزِيهًا لِلَّهِ سُبْحانُهُ عَنِ الشَّرِيكِ، والشَّياطِينُ وإنْ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا حامِلِينَ لَهم عَلى وجْهِ القَسْرِ والإلْجاءِ، كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً بَلْ إنَّما عَبَدْتُمْ أهْواءَكم.

النحل 16:87

﴿وَألْقَوْا﴾ أيِ: الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ، والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ العَزِيزِ الغالِبِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ في الدُّنْيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: ضاعَ وبَطَلَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ، وأنَّهم يَنْصُرُونَ، ويَشْفَعُونَ لَهُمْ، وذَلِكَ حِينَ كَذَّبُوهُمْ، وتَبَرَّءُوا مِنهم.

النحل 16:88

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وَصَدُّوا﴾ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالمَنعِ عَنِ الإسْلامِ، والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ. قِيلَ: في زِيادَةِ عَذابِهِمْ حَيّاتٌ أمْثالُ البُخْتِ، وعَقارِبُ أمْثالُ البِغالِ تَلْسَعُ إحْداهُنَّ فَيَجِدُ صاحِبُها حُمَّتَها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وقِيلَ: يُخْرَجُونَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ إلى النّارِ. ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "زِدْناهُمْ" أيْ: زِدْنا عَذابَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإفْسادِ، وهو الصَّدُّ المَذْكُورُ.

النحل 16:89

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّهْدِيدِ، ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: نَبِيًّا. ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: عَلَيْهِمْ إشْعارٌ بِأنَّ شَهادَةَ أنْبِيائِهِمْ عَلى الأُمَمِ تَكُونُ بِمَحْضَرٍ مِنهم ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ إيثارٌ لَفْظِ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ. ﴿شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ الأُمَمِ، وشُهَدائِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وقِيلَ: عَلى أُمَّتِكَ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ، كَما مَرَّ. والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الكامِلَ في الكِتابِيَّةِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِاسْمِ الجِنْسِ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ. ﴿تِبْيانًا﴾ بَيانًا بَلِيغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أحْوالُ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وكَذا مِن جُمْلَتِهِ ما أخْبَرَ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن بَعْثِ الشُّهَداءِ، وبَعْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتِّبْيانُ كالتِّلْقاءِ في كَسْرِ أوَّلِهِ، وكَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى بَعْضِها، وإحالَةً لِبَعْضِها عَلى السُّنَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، وطاعَتِهِ. وقِيلَ فِيهِ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وحَثًّا عَلى الإجْماعِ، وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِاتِّباعِ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»، وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطِئُوا طُرُقَ الِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ مُسْتَنِدَةً إلى تِبْيانِ (p-136)الكِتابِ، ولَمْ يَضُرَّ ما في البَعْضِ مِنَ الخَفاءِ في كَوْنِهِ تِبْيانًا، فَإنَّ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ دُونَ الكَيْفِيَّةِ. كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إنَّهُ مِن قَوْلِكَ فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبِيدِهِ، وظَلامٌ لِعَبِيدِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ . ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ لِلْعالَمِينَ، فَإنَّ حِرْمانَ الكُفْرِ مِن مَغانِمِ آثارِهِ مِن تَفْرِيطِهِمْ لا مِن جِهَةِ الكِتابِ. ﴿وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصَّةً، أوْ يَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ خاصًّا بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.

النحل 16:90

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ: فِيما نَزَّلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ. وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ، وفِيما بَعْدَهُ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. ﴿بِالعَدْلِ﴾ بِمُراعاةِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ، والتَّفْرِيطِ. وهو رَأْسُ الفَضائِلِ كُلِّها يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الحَرْمَزَةِ، والبَلادَةِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ العِفَّةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الخَلاعَةِ، والخُمُودِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةِ مِنَ الشَّجاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ. فَمِنَ الحِكَمِ الِاعْتِقادِيَّةِ التَّوْحِيدُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ، والتَّشْرِيكِ. نُقِلَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ العَدْلَ هو التَّوْحِيدُ. والقَوْلُ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، ومِنَ الحِكَمِ العَمَلِيَّةِ التَّعَبُّدُ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البَطالَةِ والتَّرَهُّبِ. ومِنَ الحِكَمِ الخَلِيقِيَّةِ الجُودُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ، ﴿والإحْسانِ﴾ أيِ: الإتْيانِ بِما أمَرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ، كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ، أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» ". ﴿وَإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ: إعْطاءِ الأقارِبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهو تَخْصِيصٌ إثْرَ تَعْمِيمٍ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ. ﴿وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ الإفْراطِ في مُشايَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا مَثَلًا. ﴿والمُنْكَرِ﴾ ما يُنْكَرُ شَرْعًا، أوْ عَقْلًا مِنَ الإفْراطِ في إظْهارِ آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. ﴿والبَغْيِ﴾ الِاسْتِعْلاءُ، والِاسْتِيلاءُ عَلى النّاسِ، والتَّجَبُّرُ عَلَيْهِمْ، وهو مِن آثارِ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي هي حاصِلَةٌ مِن رَذِيلَتَيِ القُوَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، ولَيْسَ في البَشَرِ شَرٌّ إلّا وهو مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الأقْسامِ صادِرٌ عَنْهُ بِواسِطَةِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي أجْمَعُ آيَةٍ في القرآن لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ في كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهُدًى. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بِما يَأْمُرُ ويَنْهى، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ طَلَبًا؛ لِأنَّ تَتَّعِظُوا بِذَلِكَ.

النحل 16:91

﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ هُوَ: البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّها مُبايَعَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ . ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: حافِظُوا عَلى حُدُودِ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وبايَعْتُمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. (p-137)﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ الَّتِي تَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ المُعاهَدَةِ. ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ حَسْبَما هو المَعْهُودُ في أثْناءِ العُهُودِ لا عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُقَيَّدًا بِالتَّوْكِيدِ مُخْتَصًّا بِهِ ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ شاهِدًا رَقِيبًا، فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ، مُحافِظٌ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن نَقْضِ الأيْمانِ، والعُهُودِ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ.

النحل 16:92

﴿وَلا تَكُونُوا﴾ فِيما تَصْنَعُونَ مِنَ النَّقْضِ. ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ أيْ: ما غَزَلَتْهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى: المَفْعُولِ ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَقَضَتْ، أيْ: كالمَرْأةِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ إبْرامِهِ، وإحْكامِهِ. ﴿أنْكاثًا﴾ طاقاتٍ نَكَثَتْ فَتْلَها. جَمْعُ نِكْثٍ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن "غَزْلَها"، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَنَقَضَتْ، فَإنَّهُ بِمَعْنى صَيَّرَتْ، والمُرادُ: تَقْبِيحُ حالِ النَّقْضِ بِتَشْبِيهِ النّاقِضِ بِمِثْلِ هَذِهِ الخَرْقاءِ المَعْتُوهَةِ. قِيلَ: هي رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وكانَتْ خَرْقاءَ اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصَنّارَةً، مِثْلُ: أُصْبُعٍ وفَلْكَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لا تَكُونُوا" أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ مَوْقِعَ الخَبَرِ، أيْ: مُشابِهِينَ لِامْرَأةٍ شَأْنُها هَذا حالَ كَوْنِكم مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم مَفْسَدَةً، ودَخَلًا بَيْنَكُمْ، وأصْلُ الدَّخَلِ ما يَدْخُلُ الشَّيْءَ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ. ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أيْ: بِأنْ تَكُونَ جَماعَةٌ ﴿هِيَ أرْبى﴾ أيْ: أزْيَدُ عَدَدًا، وأوْفَرُ مالًا. ﴿مِن أُمَّةٍ﴾ مِن جَماعَةٍ أُخْرى، أيْ: لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِكَثْرَتِكُمْ، وقِلَّتِهِمْ، أوْ لِكَثْرَةِ مُنابِذِيهِمْ، وقُوَّتِهِمْ، كَقُرَيْشٍ فَإنَّهم كانُوا إذا رَأوْا شَوْكَةً في أعادِي حُلَفائِهِمْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وحالَفُوا أعْداءَهم. ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: بِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ. أيْ: يُعامِلُكم بِذَلِكَ مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وبَيْعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ، وشَوْكَتِهِمْ، وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ، وضَعْفِهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الحالِ. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ حِينَ جازاكم بِأعْمالِكم ثَوابًا وعِقابًا.

النحل 16:93

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ﴿لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ ﴿وَلَكِنْ﴾ لا يَشاءُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُزاحِمًا لِقَضِيَّةِ الحِكْمَةِ بَلْ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ الجُزْئِيَّ إلَيْهِ، ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِها ﴿وَلَتُسْألُنَّ﴾ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، وهَذا إشارَةٌ إلى ما لُوِّحَ بِهِ مِنَ الكَسْبِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الهِدايَةِ والضَّلالِ.

النحل 16:94

(p-138)﴿وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ التَّضْمِينِ تَأْكِيدًا، ومُبالَغَةً في بَيانِ قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ عَلَيْها، ورُسُوخِها فِيها بِالإيمانِ، وإفْرادُ القَدَمِ، وتَنْكِيرُها لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ، أيَّ: قَدَمٍ كانَتْ عَزَّتْ، أوْ هانَتْ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ. فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ؟! ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ: العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ. ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بِصُدُودِكُمْ، أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكُمْ، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي يَنْتَظِمُ الوَفاءَ بِالعُهُودِ والأيْمانِ، فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ، وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

النحل 16:95

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَأْخُذُوا بِمُقابَلَةِ عَهْدِهِ تَعالى، وبَيْعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ آياتِهِ النّاطِقَةِ بِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى العُهُودِ والأيْمانِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا بِها عَرَضًا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشٌ يَعِدُونَ ضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ، ويَشْتَرِطُونَ لَهم عَلى الِارْتِدادِ مِن حُطامِ الدُّنْيا. ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّصْرِ، والتَّغْنِيمِ، والثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ. ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا يَعِدُونَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والتَّمْيِيزِ. وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:

النحل 16:96

﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: ما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، وإنْ جَلَّ. بَلِ الدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا ﴿يَنْفَدُ﴾، وإنَّ جَمَّ عَدَدُهُ، ويَنْقَضِي. وإنْ طالَ أمَدُهُ ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والأُخْرَوِيَّةِ ﴿باقٍ﴾ لا نَفاذَ لَهُ. أمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَظاهِرَةٌ، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَوْصُولَةً بِالأُخْرَوِيَّةِ، ومُسْتَتْبِعَةً لَها، فَقَدِ انْتَظَمَتْ في سِمْطِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، وفي إيثارِ الِاسْمِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَكْرِيرُ المَوْعِدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ، والِالتِفاتُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن أنْ يُقالَ: ولَنَجْزِيَنَّكم أجْرَكم بِأحْسَنِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لِلتَّوَسُّلِ إلى التَّعَرُّضِ لِأعْمالِهِمْ، والإشْعارِ بِعِلْيَتِها لِلْجَزاءِ، أيْ: واللَّهِ لَنَجْزِيَنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، ومَشاقِّ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الوَفاءُ بِالعُهُودِ، والفَقْرُ. وقُرِئَ: بِالياءِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ ﴿أجْرَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَجْزِيَنَّ، أيْ: لَنُعْطِيَنَّهم أجْرَهُمُ الخاصَّ بِهِمْ بِمُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ عَلى ما مُنُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ. ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَنَجْزِيَنَّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الصَّبْرِ المَذْكُورِ، وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ الأحْسَنُ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ حُسْنِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لا لِإفادَةِ قَصْرِ الجَزاءِ عَلى الأحْسَنِ مِنهُ دُونَ الحَسَنِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطِرُ بِبالِ أحَدٍ لا سِيَّما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "أجْرَهُمْ" أوْ "لَنَجْزِيَنَّهُمْ" بِحَسَبِ أحْسَنِ أفْرادِ أعْمالِهِمُ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى لِنُعْطِيَهم بِمُقابَلَةِ الفَرْدِ الأدْنى مِن أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ ما نُعْطِيهِ بِمُقابِلَةِ الفَرْدِ الأعْلى مِنها مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ، لا أنّا نُعْطِي الأجْرَ بِحَسَبِ (p-139)أفْرادِها المُتَفاوِتَةِ في مَراتِبِ الحُسْنِ، بِأنْ نَجْزِيَ الحَسَنَ مِنها بِالأجْرِ الحَسَنِ، والأحْسَنَ بِالأحْسَنِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ العُدَّةِ الجَمِيلَةِ بِاغْتِفارِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ في تَضاعِيفِ الصَّبْرِ مِن بَعْضِ جَزَعٍ، ونَظْمِهِ في سِلْكِ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، أوْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا التَّفْسِيرُ بِما تَرَجَّحَ فِعْلُهُ مِن أعْمالِهِمْ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ، أوْ بِما تَرَجَّحَ تَرْكُهُ أيْضًا كالمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ. دَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المَدارُ لِلْجَزاءِ دُونَ ما يَسْتَوِي فِعْلُهُ، وتَرْكُهُ كالمُباحاتِ. فَلا يُساعِدُهُ مَقامُ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ المَخْصُوصَةِ، والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ ثَمَراتِها بَلِ التَّعَرُّضُ لِإخْراجِ بَعْضِ أعْمالِهِمْ عَنْ مَدارِيَّةِ الجَزاءِ مِن قَبِيلِ تَحْجِيرِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في مَقامِ تَوْسِيعِ حِماها.

النحل 16:97

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا. أيَّ: عَمَلٍ كانَ، وهَذا شُرُوعٌ في تَحْرِيضِ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ غِبَّ تَرْغِيبِ طائِفَةٍ مِنهم في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ مَخْصُوصٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الأجْرِ المَوْفُورِ بِهِمْ، وبِعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قَيَّدَهُ بِهِ إذْ لا اعْتِدادَ بِأعْمالِ الكَفَرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أوْ تَخْفِيفِ العَذابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وإيثارُ إيرادِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ عَلى نَظْمِهِ في سِلْكِ الصِّلَةِ لِإفادَةِ وُجُوبِ دَوامِهِ، ومُقارَنَتِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنْيا يَعِيشُ عَيْشًا طَيِّبًا، أمّا إنْ كانَ مُوسِرًا فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ مُعْسِرًا فَيَطِيبُ عَيْشُهُ بِالقَناعَةِ والرِّضى بِالقِسْمَةِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ العَظِيمِ كالصّائِمِ يَطِيبُ نَهارُهُ بِمُلاحَظَةِ نَعِيمِ لَيْلِهِ بِخِلافِ الفاجِرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فَلا يَدَعُهُ الحِرْصُ وخَوْفُ الفَواتِ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حَسْبَما نَفْعَلُ بِالصّابِرِينَ، فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ. والجَمْعُ في الضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى المَوْصُولِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ لِما أنَّ وُقُوعَ الجَزاءِ بِطَرِيقِ الِاجْتِماعِ المُناسِبِ لِلْجَمْعِيَّةِ، ووُقُوعَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِافْتِراقِ والتَّعاقُبِ المُلائِمِ لِلْإفْرادِ. وإذْ قَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى أنَّ مَدارَ الجَزاءِ المَذْكُورِ هو صَلاحُ العَمَلِ وحُسْنُهُ، رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الإرْشادُ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ، ويَخْلُصُ عَنْ شَوْبِ الفاسِدِ. فَقِيلَ:

النحل 16:98

﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ عَبَّرَ بِها عَنْ إرادَتِها عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ إيذانًا بِأنَّ المُرادَ: هي الإرادَةُ المُتَّصِلَةُ بِالقِراءَةِ. ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاسْألْهُ عَزَّ جارُهُ أنْ يُعِيذَكَ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ مِن وساوِسِهِ، وخَطَراتِهِ، كَيْلا يُوَسْوِسُكَ عِنْدَ القِراءَةِ، فَإنَّ لَهُ هِمَّةً بِذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... الآيَةَ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَخْصِيصُ قِراءَةِ القرآن مِن بَيْنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ إرادَتِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لِغَيْرِهِ ﷺ، وفي سائِرِ الأعْمالِ (p-140)الصّالِحَةِ أهَمُّ. فَإنَّهُ ﷺ حَيْثُ أُمِرَ بِها عِنْدَ قِراءَةِ القرآن الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِن خَلْفِهِ، فَما ظَنَّكم بِمَن عَداهُ ﷺ؟!. فِيما عَدا القِراءَةِ مِنَ الأعْمال، والأمْرُ لِلنَّدْبِ، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وعِنْدَ عَطاءٍ لِلْوُجُوبِ. وقَدْ أخَذَ بِظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فاسْتَعاذَ عَقِيبَ القِراءَةِ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومالِكٌ، وابْنُ سِيرِينَ، وداوُدُ، وحَمْزَةُ، مِنَ القُرّاءِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أعُوذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَقالَ ﷺ: قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ" هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.»

النحل 16:99

﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ لِلشَّيْطانِ. ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: إلَيْهِ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهُمْ، وبِهِ يَعُوذُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، ودَعْوَتَهُ غَيْرُ مُسْتَجابَةٍ عِنْدَهم. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الثّانِيَةِ، لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعادَةِ المُتَوَكِّلِينَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ، أوْ لِجَوابِهِ المَنوِيِّ، أيْ: يُعِذْكَ أوْ نَحْوَهُ.

النحل 16:100

﴿إنَّما سُلْطانُهُ﴾ أيْ: تَسَلُّطُهُ، ووِلايَتُهُ بِدَعْوَتِهِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ، لا سُلْطانُهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ. فَإنَّهُ مُنْتَفٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا، ويَسْتَجِيبُونَ دَعْوَتَهُ، ويُطِيعُونَهُ فَإنَّهُ المَقْسُورُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿مُشْرِكُونَ﴾، أوْ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ مُشْرِكُونَ إذْ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَصُرَ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ غِبَّ نَفْيِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا واسِطَةَ في الخارِجِ بَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ تَوَلِّي الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ في المَفْهُومِ، وأنَّ مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَعالى يَنْتَظِمُ في سِلْكِ مَن يَتَوَلّى الشَّيْطانَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إذْ بِهِ يَتِمُّ التَّعْلِيلُ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ في الحَمْلِ عَلى التَّوَكُّلِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقابِلِهِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ في الصِّلَةِ الأُولى لِما مَرَّ مِن إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، كَما أنَّ اخْتِيارَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حالِيَّةً مُفِيدَةً لِعَدَمِ دُخُولِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ تَحْتَ سُلْطانِهِ، وتَقْدِيمُ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ الَّتِي هي بِمُقابَلَةِ الصِّلَةِ الأُولى فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ المُقارَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُقابِلُها مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ السّابِقُ لانْفَصَلَ كُلٌّ مِنَ القَرِينَتَيْنِ عَمّا يُقابِلُها.

النحل 16:101

﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً﴾ أيْ: إذا أنْزَلْنا آيَةً مِنَ القرآن مَكانَ آيَةٍ مِنهُ، وجَعَلْناها بَدَلًا مِنها، بِأنْ نَسَخْناها بِها. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ أوَّلًا وآخِرًا، وبِأنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ ما نَزَلَتْ حَيْثُما نَزَلَتْ إلّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، فَإنَّ (p-141)كُلَّ وقْتٍ لَهُ مُقْتَضًى غَيْرُ مُقْتَضى الآخَرِ. فَكَمْ مِن مَصْلَحَةٍ في وقْتٍ تَنْقَلِبُ في وقْتٍ آخَرَ مَفْسَدَةً، وبِالعَكْسِ لِانْقِلابِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، وما الشَّرائِعُ إلّا مَصالِحُ لِلْعِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ تَدُورُ حَسْبَما تَدُورُ المَصالِحُ. والجُمْلَةُ إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ. وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ إسْنادِ الخَبَرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُسْتَجْمِعِ لِلصِّفاتِ ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَحْقِيقِ مَعْنى الِاعْتِراضِ، أوْ حالِيَّةٌ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكَفَرَةُ الجاهِلُونَ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أيْ: مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ. وحِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْهم هَهُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ كَفْرَةٌ ناشِئَةٌ مِن نَزَغاتِ الشَّياطِينِ، وأنَّهُ ولِيُّهم. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْمَلُونَ شَيْئًا أصْلًا، أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ في النَّسْخِ حِكَمًا بالِغَةً، وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى الأكْثَرِ لِما أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ، وإنَّما يُنْكِرُهُ عِنادًا.

النحل 16:102

﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أيِ: القرآن المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ. ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيِ: الرُّوحُ المُطَهَّرُ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ، وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدُسِ، وهو الطُّهْرُ كَإضافَةِ حاتِمٍ إلى الجُودِ، حَيْثُ قِيلَ: حاتِمُ الجُودِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ الوَصْفِ، كَأنَّهُ طَبْعٌ مِنهُ. وفي صِيغَةِ التَّفْعِيلِ في المَوْضِعَيْنِ إشْعارٌ بِأنَّ التَّدْرِيجَ في الإنْزالِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ، ﴿مِن رَبِّكَ﴾ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الربوبية عَلَيْهِ ﷺ ما لَيْسَ في إضافَتِهِ إلى ياءٍ المُتَكَلِّمِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّلْقِينِ المَحْضِ. ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الثّابِتِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها إنْشاءً ونَسْخًا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّسْخَ حَقٌّ. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى الإيمانِ، بِأنَّهُ كَلامُهُ تَعالى فَإنَّهم إذا سَمِعُوا النّاسِخَ، وتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالحالِ، رَسَخَتْ عَقائِدُهُمْ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم. وقُرِئَ: (لِيُثْبِتَ) مِنَ الإفْعالِ. ﴿وَهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ تَعالى، وهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِيُثَبِّتَ، أيْ: تَثْبِيتًا وهِدايَةً وبِشارَةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لِمَن سِواهم مِنَ الكُفّارِ.

النحل 16:103

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ﴾ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ. ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ﴾ أيِ: القرآن ﴿بَشَرٌ﴾ عَلى طَرِيقِ البَتِّ مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعِيدِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ بِحَسَبِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ في مُتَعَلَّقِهِ، فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَفَوُّهِ تِلْكَ العَظِيمَةِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ جَبْرًا الرُّومِيَّ غُلامَ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقِيلَ: جَبْرٌ ويُسَيْرٌ كانا يَصْنَعانِ السَّيْفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَمُرُّ عَلَيْهِما، ويَسْمَعُ ما يَقْرَآنِهِ. قِيلَ: عابِسٌ غُلامَ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى قَدْ أسْلَمَ، وكانَ صاحِبَ كُتُبٍ. وقِيلَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ. وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُهُ مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خِطابِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ (p-142)السَّلامُ مَعْدِنًا لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ الإلْحادُ الإمالَةُ مِن ألْحَدَ القَبْرَ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شَقِّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ، وألْحَدَ في دِينِهِ، أيْ: لُغَةُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ إلَيْهِ القَوْلَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ أعْجَمِيَّةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وبِتَعْرِيفِ اللِّسانِ ﴿وَهَذا﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمُ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ لِإبْطالِ طَعْنِهِمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القرآن مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِمَعْناهُ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ بَشَرًا يُعَلِّمُهُ مَعْناهُ، فَكَيْفَ يُعَلِّمُهُ هَذا النَّظْمَ الَّذِي أعْجَزَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا، والتَّشَبُّثُ في أثْناءِ الطَّعْنِ بِأذْيالِ أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ الرَّكِيكَةِ دَلِيلُ كَمالِ عَجْزِهِمْ.

النحل 16:104

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ فِيها ما يَقُولُونَ يُسَمُّونَها تارَةً افْتِراءً، وأُخْرى أساطِيرَ مُعَلَّمَةً مِنَ البَشَرِ. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ، أوْ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ لِما عَلِمَ أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِسُوءِ حالِهِمْ ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهُمْ، ووَعِيدٌ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، ونِسْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الِافْتِراءِ، والتَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ بَعْدَ إماطَةِ شُبْهَتِهِمْ، ورَدِّ طَعْنِهِمْ.

النحل 16:105

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ، وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ أنَّهم هُمُ المُفْتَرُونَ بَعْدَ رَدِّهِ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِواسِطَةِ رُوحِ القُدُسِ، وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَهُما قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ"... الآيَةَ. لِما لا يَخْفى مِن شَدَّةِ اتِّصالِهِ بِالرَّدِّ الأوَّلِ، والمَعْنى: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ المُفْتَرِي هو الَّذِي يُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ، ويَقُولُ: إنَّهُ افْتِراءٌ، ومُعَلَّمٌ مِنَ البَشَرِ، أيْ: تَكْذِيبُها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ هو الِافْتِراءُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ الكَذِبُ، والحُكْمُ بِأنَّ ما هو كَلامُهُ تَعالى لَيْسَ بِكَلامِهِ تَعالى في كَوْنِهِ كَذِبًا، وافْتِراءً. كالحُكْمِ بِأنَّ ما لَيْسَ بِكَلامِهِ تَعالى كَلامُهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ قُبْحِهِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِرِعايَةِ المُطابَقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو عِبارَةٌ عَنْهُ، أعْنِي قَوْلَهُ: لا يُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: المَعْنى إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ، ويَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَرَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ لِيَرْتَدِعَ عَنْها. وأمّا مَن يُؤْمِنُ بِها، ويَخافُ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ العِقابِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ افْتِراءٌ البَتَّةَ. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، أوِ الكامِلُونَ في الكَذِبِ إذْ لا كَذِبَ أعْظَمُ مِن تَكْذِيبِ آياتِهِ تَعالى، والطَّعْنِ فِيها بِأمْثال هاتِيكَ الأباطِيلِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الكَذِبَ السّاذَجَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإخْبارِ بِعَدَمِ وُقُوعِ ما هو واقِعٌ في نَفْسِ الأمْرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِوُقُوعِ ما لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مُدافَعَةٌ لِلَّهِ تَعالى في فِعْلِهِ فَقَطْ، والتَّكْذِيبُ مُدافَعَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ في فِعْلِهِ وقَوْلِهِ المُنْبِئِ عَنْهُ مَعًا، أوِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الكَذِبُ لا يَزَعُهم عَنْهُ وازِعٌ مِن دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ. وقِيلَ: الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ .

النحل 16:106

﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ بِهِ تَعالى، وهو ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانِ حالِ (p-143)مِن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ ما آمَنَ بِها بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها رَأْسًا، و "مَن" مَوْصُولَةٌ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الخَبَرِ الآتِي عَلَيْهِ، أوْ هو خَبَرٌ لَهُما مَعًا، أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ. ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ عَلى ذَلِكَ بِأمْرٍ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ. وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابِ، أوِ الذَّمِّ؛ لِأنَّ الكُفْرَ لُغَةً يَتِمُّ بِالقَوْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى، والعامِلُ هو الكُفْرُ الواقِعُ بِالإكْراهِ لا نَفْسُ الإكْراهِ؛ لِأنَّ مُقارَنَةَ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ لِلْإكْراهِ لا تُجْدِي نَفْعًا، وإنَّما المُجْدِي مُقارَنَتُهُ لِلْكُفْرِ الواقِعِ بِهِ، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ مِنَ الأمْنِ أُكْرِهَ فَكَفَرَ. والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ إيماءً إلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ. ﴿وَلَكِنْ مَن﴾ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ ﴿شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ: اعْتَقَدَهُ، وطابَ بِهِ نَفْسًا. ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَقْوِيَةِ تَعْظِيمِ العَذابِ، ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا جُرْمَ أعْظَمُ مِن جُرْمِهِمْ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ المَجْرُورَيْنِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى، كَما أنَّ الإفْرادَ في المَسْتَكِنِّ في الصِّلَةِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ. رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ، فَأباهُ أبَواهُ فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ، ووُجِئَتْ بِحَرْبَةٍ في قُبُلِها، وقالُوا: إنَّما أسْلَمَتْ مِن أجْلِ الرِّجالِ، فَقَتَلُوها وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأمّا عَمّارٌ فَأعْطاهم بِلِسانِهِ ما أكْرَهُوا عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وقالَ: ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ.» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ المُلْجِئِ، وإنْ كانَ الأفْضَلُ أنْ يُتَجَنَّبَ عَنْهُ إعْزازًا لِلدِّينِ كَما فَعَلَهُ أبَواهُ. ورُوِيَ «أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا. فَخَلّاهُ. وقالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ: قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةٍ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ.»

النحل 16:107

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ المَذْكُورِ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ آثَرُوها ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الإيمانِ، وإلى ما يُوجِبُ الثَّباتَ عَلَيْهِ هِدايَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ في عِلْمِهِ المُحِيطِ فَلا يَعْصِمُهم عَنِ الزَّيْغِ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ العَظِيمِ، ولَوْلا أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وإمّا عَدَمُ هِدايَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْكافِرِينَ هِدايَةَ قَسْرٍ بِأنْ آثَرُوا الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، أوْ بِأنْ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى هِدايَةَ قَسْرٍ لَما كانَ ذَلِكَ لَكِنَّ الثّانِيَ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ، والأوَّلُ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

النحل 16:108

﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَأبَتْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ، والتَّأمُّلِ فِيهِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ (p-144)الغافِلُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ.

النحل 16:109

﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إذْ ضَيَّعُوا أعْمارَهُمْ، وصَرَفُوها إلى ما لا يُفْضِي إلّا إلى العَذابِ المُخَلَّدِ.

النحل 16:110

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى دارِ الإسْلامِ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أيْ: لَهم بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ لا عَلَيْهِمْ، كَما يُوجِبُهُ ظاهِرُ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ الخَبَرِ الآتِي عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لَها، وتَكُونَ إنَّ الثّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِلْأُولى، و "ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ رُتْبَةِ حالِهِمْ هَذِهِ عَنْ رُتْبَةِ حالِهِمُ الَّتِي يُفِيدُها الِاسْتِثْناءُ مِن مُجَرَّدِ الخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الغَضَبِ، والعَذابِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ لا عَنْ رُتْبَةِ حالِ الكَفَرَةِ. ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ: عُذِّبُوا عَلى الِارْتِدادِ، وتَلَفَّظُوا بِما يُرْضِيهِمْ مَعَ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ. وقُرِئَ: عَلى بِناءِ الفاعِلِ، أيْ: عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهُ مَوْلاهُ جَبْرًا حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وَصَبَرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ المُهاجِرَةِ، والجِهادِ، والصَّبْرِ، فَهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ المَذْكُورَةِ، فَهو لِبَيانِ عَدَمِ إخْلالِ ذَلِكَ بِالحُكْمِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا مِن قَبْلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً عَلى ما صَنَعُوا مِن بَعْدُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإشْعارٌ بِأنَّ إفاضَةَ آثارِ الربوبية عَلَيْهِمْ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِكَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُ.

النحل 16:111

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ مَنصُوبٌ بِرَحِيمٍ، وما رُتِّبَ عَلَيْهِ أوْ بِالذِّكْرِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ . ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ عَنْ ذاتِها، تَسْعى في خَلاصِها بِالِاعْتِذارِ لا يُهِمُّها شَأْنُ غَيْرِها، فَتَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُعْطى وافِيًا كامِلًا ﴿ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ إشْعارًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الأجْزِيَةِ، والأعْمالِ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ وقْتَيِ المُجادِلَةِ، والتَّوْفِيَةِ وإنْ كانَتا في يَوْمٍ واحِدٍ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُونَ أُجُورَهم أوْ لا يُعاقَبُونَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، ولا يُزادُ في عِقابِهِمْ عَلى ذُنُوبِهِمْ.

النحل 16:112

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ قِيلَ: ضَرْبُ المَثَلِ صُنْعُهُ واعْتِمالُهُ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما عُدِّيَ إلى الِاثْنَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ، وتَأْخِيرُ قَرْيَةً مَعَ كَوْنِها (p-145)مَفْعُولًا أوَّلَ لِئَلّا يَحُولَ المَفْعُولُ الثّانِي بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذِ التَّأْخِيرُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ، وتَجاوُبِها. ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ تَرَقُّبًا لِوُرُودِهِ، وتَشَوُّقًا إلَيْهِ لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ، فَإنَّ المَثَلَ مِمّا يَدْعُو إلى المُحافَظَةِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ ما هو مَثَلٌ فَيَتَمَكَّنُ المُؤَخَّرُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَدَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. والقَرْيَةُ إمّا مُحَقَّقَةٌ في الغابِرِينَ، وإمّا مُقَدَّرَةٌ، أيْ: جَعَلَها مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ خاصَّةً، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا، فَبَدَّلَ اللَّهُ تَعالى بِنِعْمَتِهِمْ نِقْمَةً، ودَخَلَ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ ذاتَ أمْنٍ مِن كُلِّ مَخُوفِ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزْعِجُ أهْلَها مُزْعِجٌ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُ أهْلِها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَرْيَةٍ، وتَغْيِيرُ سَبْكِها عَنِ الصِّفَةِ الأُولى لِما أنَّ إتْيانَ رِزْقِها مُتَجَدِّدٌ، وكَوْنَها آمِنَةً مُطَمْئِنَةً ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن نَواحِيها، ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أيْ: كَفَرَ أهْلُها ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنِعَمِهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ، أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ، والمُرادُ بِها: نِعْمَةُ الرِّزْقِ، والأمْنِ المُسْتَمِرِّ. وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُفْرانَ نِعْمَةٍ قَلِيلَةٍ حَيْثُ أوْجَبَ هَذا العَذابَ، فَما ظَنُّكَ بِكُفْرانِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ: أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ شُبِّهَ أثَرُ الجُوعِ، والخَوْفِ، وضَرَرُهُما المُحِيطُ بِهِمْ بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ، وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ لِمُطْلَقِ الإيصالِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ، والذّائِقَةِ عَلى نَهْجِ التَّجْرِيدِ. فَإنَّها لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ، وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ، جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ. كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ: ؎ غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ فَإنَّ الغَمْرَ مَعَ كَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ مِن أحْوالِ الماءِ الكَثِيرِ لَمّا كانَ كَثِيرَ الِاسْتِعْمالِ في المَعْرُوفِ المُشَبَّهِ بِالماءِ الكَثِيرِ، جَرى مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَصارَتْ إضافَتُهُ إلى الرِّداءِ المُسْتَعارِ لِلْمَعْرُوفِ تَجْرِيدًا، أوْ شَبَّهَ أثَرَهُما وضَرَرَهُما مِن حَيْثُ الإحاطَةُ بِهِمْ، والكَراهَةُ لَدَيْهِمْ تارَةً بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ المُناسِبِ لِلْخَوْفِ بِجامِعِ الإحاطَةِ واللُّزُومِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً، وأُخْرى بِطَعْمِ المُرِّ البَشِعِ المُلائِمِ لِلْجُوعِ النّاشِئِ مِن فَقْدِ الرِّزْقِ، بِجامِعِ الكَراهَةِ فَأُومِئَ إلَيْهِ، بِأنَّ أوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ المُسْتَعارَةَ لِإيصالِ المَضارِّ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ والذّائِقَةِ. وتَقْدِيمُ الجُوعِ النّاشِئِ مِمّا ذُكِرَ مِن فُقْدانِ الرِّزْقِ عَلى الخَوْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى زَوالِ الأمْنِ المُقَدَّمِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إتْيانِ الرِّزْقِ، لِكَوْنِهِ أنْسَبَ بِالإذاقَةِ، أوْ لِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ إتْيانِ الرِّزْقِ. وقَدْ قُرِئَ: بِتَقْدِيمِ الخَوْفِ، وبِنَصْبِهِ أيْضًا عَطْفًا عَلى المُضافِ، أوْ إقامَةً لَهُ مُقامَ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُهُ: ولِباسُ الخَوْفِ. ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فِيما قَبْلُ، أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ. وهو الكُفْرانُ المَذْكُورُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ بَعْدَ إسْنادِ الكُفْرانِ إلَيْها، وإيقاعِ الإذاقَةِ عَلَيْها إرادَةً لِلْمُبالَغَةِ. وفي صِيغَةِ الصَّنْعَةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ نِعْمَةٍ صارَ صَنْعَةً راسِخَةً لَهُمْ، وسُنَّةً مَسْلُوكَةً.

النحل 16:113

﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ المَثَلِ جِيءَ بِها لِبَيانِ أنَّ ما فَعَلُوهُ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ لَمْ يَكُنْ مُزاحَمَةً مِنهم لِقَضِيَّةِ العَقْلِ فَقَطْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِحُجَّةِ اللَّهِ عَلى (p-146)الخَلْقِ أيْضًا، أيْ: ولَقَدْ جاءَ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ، ونَسَبِهِ فَأخْبَرَهم بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، وأنْذَرَهم سُوءَ عاقِبَةِ ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رِسالَتِهِ، أوْ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا ذُكِرَ فَـ "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، وعَدَمُ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ. ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المُسْتَأْصِلُ لِشَأْفَتِهِمْ غِبَّ ما ذاقُوا نُبْذَةً مِن ذَلِكَ. ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: حالَ التِباسِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي هو كُفْرانُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وتَكْذِيبُ رَسُولِهِ غَيْرَ مُقْلِعِينَ عَنْهُ بِما ذاقُوا مِن مُقَدِّماتِهِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، والعِنادِ، وتَجاوُزِهِمْ في ذَلِكَ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ. وتَرْتِيبُ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وبِهِ يَتِمُّ التَّمْثِيلُ، فَإنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ سَواءٌ ضُرِبَ المَثَلُ لَهم خاصَّةً، أوْ لِمَن سارَ سِيرَتَهم كافَّةً، مُحاذِيَةٌ لِحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما، ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ كانُوا في حَرَمٍ آمِنٍ، ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وما يَمُرُّ بِبالِهِمْ طَيْفٌ مِنَ الخَوْفِ، وكانَتْ تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ، وأيُّ رَسُولٍ يَحارُ في إدْراكِ سُمُوِّ رُتْبَتِهِ العُقُولُ ﷺ. ما اخْتَلَفَ الدَّبُورُ والقَبُولُ، فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ، وكَذَّبُوا رَسُولَهُ ﷺ، فَأذاقَهُمُ اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ. حَيْثُ أصابَهم بِدُعائِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: " «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ". ما أصابَهم مِن جَدْبٍ شَدِيدٍ، وأزْمَةٍ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى اضْطَرَّتْهم إلى أكْلِ الجِيَفِ، والكِلابِ المَيِّتَةِ، والعِظامِ المُحَرَّقَةِ، والعِلْهِزِ: وهو الوَبَرُ المُعالَجُ بِالدَّمِ، وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَيْثُ كانُوا يُغِيرُونَ عَلى مَواشِيهِمْ وعِيرِهِمْ، وقَوافِلِهِمْ، ثُمَّ أخَذَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أخَذَهم مِنَ العَذابِ. هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ، وأمّا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَقَدْ جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ. قَدْ ذَكَرَ حالَهم صَرِيحًا بَعْدَ ما ذَكَرَ مَثَلَهُمْ، وأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبِالعَذابِ: ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ، ووَقْعَةِ بَدْرٍ. فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

النحل 16:114

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ؟ مُفَرَّعٌ عَلى نَتِيجَةِ التَّمْثِيلِ، وصَدٌّ لَهم عَمّا يُؤَدِّي إلى مِثْلِ عاقِبَتِهِ، والمَعْنى: وإذْ قَدِ اسْتَبانَ لَكم حالُ مَن كَفَرَ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وكَذَّبَ رَسُولَهُ، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ اللُّتَيّا والَّتِي أوَّلًا وآخِرًا فانْتَهُوا عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ كَيْلا يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، واعْرِفُوا حَقَّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأطِيعُوا رَسُولَهُ ﷺ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وكُلُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ حالَ كَوْنِهِ، ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾، وذَرُوا ما تَفْتَرُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ، ونَحْوِها: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾، واعْرِفُوا حَقَّها، ولا تُقابِلُوها بِالكُفْرانِ و "الفاءُ" في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِكَوْنِ الأكْلِ ذَرِيعَةً إلى الشُّكْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ غِبَّ أكْلِها حَلالًا طَيِّبًا، وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ زَعْمِ الحُرْمَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا إنَّما يُتَصَوَّرُ حِينَ كانَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ مُتَوَقَّعًا بَعْدُ، وقَدْ تَمَهَّدَتْ مَبادِئُهُ، وبَعْدَما وقَعَ ما وقَعَ فَمَن ذا الَّذِي يَحْظُرُ، ومَن ذا الَّذِي يُؤْمَرُ بِالأكْلِ والشُّكْرِ، وحَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ يَأْباهُ التَّصَدِّي لِاسْتِصْلاحِهِمْ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، وتَوْجِيهُ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ إلى المُؤْمِنِينَ (p-147)مَعَ أنَّ ما يَتْلُوهُ مِن خِطابِ النَّهْيِ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُفّارِ كَما فَعَلَهُ الواحِدِيُّ، حَيْثُ قالَ: فَكُلُوا أنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُطِيعُونَ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ تَعالى:

النحل 16:115

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِلِّ ما أمَرَهم بِأكْلِهِ مِمّا رَزَقَهُمْ، أيْ: إنَّما حَرَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ دُونَ ما تَزْعُمُونَ حُرْمَتَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، ونَحْوِها. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بِما اعْتَراهُ مِنَ الضَّرُورَةِ فَتَناوَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾، أيْ: عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ. ﴿وَلا عادٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ، ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ. وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما لِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في الأجْناسِ الأرْبَعَةِ إلّا ما ضُمَّ إلَيْهِ كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ، والتَّحْلِيلِ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ:

النحل 16:116

﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ "اللّامُ" صِلَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾، أيْ: لا تَقُولُوا في شَأْنِ ما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكُمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ مِن غَيْرِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَلى مُلاحَظَةٍ وفِكْرٍ فَضْلًا عَنِ اسْتِنادِهِ إلى وحْيٍ، أوْ قِياسٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ ﴿الكَذِبَ﴾ مُنْتَصِبٌ بِلا تَقُولُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِتَصِفُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ. وأنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا مِن ألْسِنَتِهِمْ، أيْ: قائِلَةً هَذا حَلالٌ ... إلَخْ، ويَجُوزُ أنَّ يَنْتَصِبَ الكَذِبُ بِتَصِفُ، ويَتَعَلَّقَ هَذا حَلالٌ ... إلَخْ بِلا تَقُولُوا، و "اللّامُ" لِلتَّعْلِيلِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، أيْ: لا تُحِلُّوا، ولا تُحَرِّمُوا لِمُجَرَّدِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، وتَصْوِيرِها لَهُ بِصُورَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ، وتَزْيِينِها لَهُ في المَسامِعِ، كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَنشَأً لِلْكَذِبِ، ومَنبَعًا لِلزُّورِ شَخْصٌ عالِمٌ بِكُنْهِهِ، ومُحِيطٌ بِحَقِيقَتِهِ يَصِفُهُ لِلنّاسِ، ويُعَرِّفُهُ أوْضَحَ وصْفٍ، وأبَيْنَ تَعْرِيفٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، كَما يُقالُ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُهُ تَصِفُ السحر. وقُرِئَ: بِالجَرِّ صِفَةً لِما مَعَ مَدْخُولِها، كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ. وقُرِئَ: الكُذُبُ جَمْعُ كَذُوبٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ، وبِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكَذّابِ مِن قَوْلِهِمْ: كَذَبَ كَذِبًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ (p-148)فَإنَّ مَدارَ الحِلِّ والحُرْمَةِ لَيْسَ إلّا أمْرُ اللَّهِ تَعالى، فالحُكْمُ بِالحَلِّ والحُرْمَةِ إسْنادٌ لِلتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ، و "اللّامُ" لامُ العاقِبَةِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَفُوزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الَّتِي ارْتَكَبُوا الِافْتِراءَ لِلْفَوْزِ بِها.

النحل 16:117

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَنفَعَتُهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ. ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ.

النحل 16:118

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ ... الآيَةَ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَصَصْنا أوْ بِحَرَّمْنا، وهو تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فُصِّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ، وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومَن بَعْدَهُما، حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا ما عُوقِبُوا بِهِ عَلَيْهِ، حَسْبَما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ... الآيَةَ. ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بُهِتُوا، ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ، كَيْفَ وقَدْ بُيِّنَ فِيها أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لِظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا أوْضَحَ بَيانٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ؟!

النحل 16:119

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ جَهالَةٍ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها لِيَعُمَّ الجَهْلُ بِاللَّهِ، وبِعِقابِهِ، وعَدَمِ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ والسُّوءِ يَعُمُّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرَهُ. ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَمِلُوا ما عَمِلُوا، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ دَلالَةِ "ثُمَّ" عَلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ. ﴿وَأصْلَحُوا﴾، أيْ: أصْلَحُوا أعْمالَهُمْ، أوْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُثِيبُ عَلى طاعَتِهِ تَرْكًا، وفِعْلًا، وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ رَبَّكَ" لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإنْجازِهِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في التّائِبِينَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ إفاضَةَ آثارِ الربوبية مِنَ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِهِ ﷺ، وكَوْنِهِمْ مِن أتْباعِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

النحل 16:120

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ عَلى حِيالِهِ لِحِيازَتِهِ مِنَ الفَضائِلِ البَشَرِيَّةِ ما لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُتَفَرِّقَةً في (p-149)أُمَّةٍ جَمَّةً حَسْبَما قِيلَ: ؎ لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وَهُوَ رَئِيسُ أهْلِ التَّوْحِيدِ، وقُدْوَةُ أصْحابِ التَّحْقِيقِ، جادَلَ أهْلَ الشِّرْكِ وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِبَيِّناتٍ باهِرَةٍ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ، وأبْطَلَ مَذاهِبَهُمُ الزّائِغَةَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الدّامِغَةِ، أوْ لِأنَّهُ ﷺ كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كُفّارٌ. وقِيلَ: هي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والنُّخْبَةِ مِن أمَّهُ إذا قَصَدَهُ، أوِ اقْتَدى بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَقْصِدُونَهُ، ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وإيرادُ ذِكْرِهِ ﷺ عَقِيبَ تَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ، والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِّيَّةَ دِينِ الإسْلامِ، وبُطْلانَ الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ أمْرٌ ثابِتٌ لا رَيْبَ فِيهِ. ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ، قائِمًا بِأمْرِهِ، ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ غَيْرَ زائِلٍ عَنْهُ بِحالٍ. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ، لا رَدًّا عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقَطْ في قَوْلِهِمْ نَحْنُ عَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، بَلْ عَلَيْهِمْ وعَلى اليَهُودِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ في افْتِرائِهِمْ، وادِّعائِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ أمْرُ إيرادِ التَّحْرِيمِ، والسَّبْتِ سابِقًا ولاحِقًا.

النحل 16:121

﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِأُمَّةٍ، وإنَّما أُوثِرَ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يُخِلُّ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ، فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ؟! ولِلتَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى خِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما بُيِّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ. ﴿اجْتَباهُ﴾ لِلنُّبُوَّةِ ﴿وَهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهو مِلَّةُ الإسْلامِ. ولَيْسَتْ نَتِيجَةُ هَذِهِ الهِدايَةِ مُجَرَّدَ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ مَعَ إرْشادِ الخَلْقِ أيْضًا بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الِاجْتِباءِ.

النحل 16:122

﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ حالَةً حَسَنَةً مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ فِيما بَيْنَ النّاسِ قاطِبَةً، حَتّى إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وهم يَتَوَلَّوْنَهُ. وقِيلَ: هي الخُلَّةُ والنُّبُوَّةُ. وقِيلَ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وتَفْخِيمِ مَكانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أصْحابِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، حَسْبَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ .

النحل 16:123

﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِكَ، وسُمُوِّ رُتْبَتِكَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ . المِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ، وهو الدِّينُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ الطّاعَةِ لَهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الوَضْعَ الإلَهِيَّ مَهْما نُسِبَ إلى مَن يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى يُسَمّى مِلَّةً، ومَهْما نُسِبَ إلى مَن يُقِيمُهُ ويَعْمَلُ بِهِ يُسَمّى دِينًا. قالَ الرّاغِبُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المِلَّةَ لا تُضافُ إلّا إلى النَّبِيِّ ﷺ، ولا تَكادُ تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولا إلى آحادِ الأُمَّةِ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرائِعِ دُونَ آحادِها. والمُرادُ بِمِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: الإسْلامُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ آنِفًا بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿حَنِيفًا﴾ (p-150)حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِما أنَّ المُضافَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ جَرى مِنهُ مَجْرى البَعْضِ، فَعُدَّ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً، والمَأْمُورُ بِهِ الِاتِّباعُ في الأُصُولِ دُونَ الشَّرائِعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وما في "ثُمَّ" مِنَ التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ، وتَقْرِيرٍ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

النحل 16:124

﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أيْ: فُرِضَ تَعْظِيمُهُ، والتَّخَلِّي فِيهِ لِلْعِبادَةِ، وتَرْكُ الصَّيْدِ، فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ النَّفْيِ الكُلِّيِّ، وتَوْضِيحٌ لَهُ بِإبْطالِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ قادِحًا في كُلِّيَّتِهِ حَسْبَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحافِظًا عَلَيْهِ، أيْ: لَيْسَ السَّبْتُ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، وشَعائِرِ مِلَّتِهِ الَّتِي أُمِرْتَ بِاتِّباعِها حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ عَلاقَةٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما شُرِعَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ الإسْنادِ إلى الغَيْرِ. وقَدْ قُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجَعْلِ مَوْصُولًا بِكَلِمَةِ عَلى وعَنْهم بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِاخْتِلافِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ لِلْإيذانِ بِتَضَمُّنِهِ لِلتَّشْدِيدِ، والِابْتِلاءِ المُؤَدِّي إلى العَذابِ، وبِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِاخْتِلافِهِمْ في شَأْنِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ إيثارًا لَهُ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، واخْتِيارًا لِلْعَكْسِ. لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ العِلِّيَّةِ لِطَرَفَيِ الِاخْتِلافِ، وعُمُومِ الغائِلَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ بَلْ بِاعْتِبارِ حالِ مَنشَأِ الِاخْتِلافِ مِنَ الطَّرَفِ المُخالِفِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ اليَهُودَ أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا واحِدًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأبَوْا عَلَيْهِ، وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وهو السَّبْتُ. إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ، فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِرَدَةً دُونَ أُولَئِكَ المُطِيعِينَ. ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: يَفْصِلُ ما بَيْنَهُما مِنَ الخُصُومَةِ، والِاخْتِلافِ فَيُجازِي كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما وقَعَ في الدُّنْيا مِن مَسْخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وإنْجاءِ الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ الإعْجازُ التَّنْزِيلِيُّ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ، وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أيْ: أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً، وحَرَّمُوهُ أُخْرى. وكانَ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْرِيمِهِ حَسْبَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ،، وفَسَّرَ الحُكْمَ بَيْنَهم بِالمُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً، والتَّحْرِيمِ أُخْرى. ووَجْهُ إيرادِهِ هَهُنا بِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إنْذارُ المُشْرِكِينَ مِن سَخَطَ اللَّهِ تَعالى عَلى العُصاةِ، والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ كَضَرْبِ المَثَلِ بِالقَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى، ولا رَيْبَ في أنَّ كَلِمَةَ "بَيْنَهُمْ" "تَحْكُمُ" بِأنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ: هو فَصْلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ، وأنَّ تَوْسِيطَ حَدِيثِ المَسْخِ لِلْإنْذارِ المَذْكُورِ بَيْنَ (p-151)حِكايَةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ أمْرِهِ ﷺ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ فَتَأمَّلْ:

النحل 16:125

﴿ادْعُ﴾ أيْ: مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَّةِ قاطِبَةً. فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِلتَّعْمِيمِ. أوِ افْعَلِ الدَّعْوَةَ كَما في قَوْلِهِمْ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ، والمَنعَ، فَحَذْفُهُ لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ إشْعارًا بِأنَّ عُمُومَ الدَّعْوَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المَقْصُودُ الأمْرُ بِإيجادِها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. ﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسْلامِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ تارَةً بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأُخْرى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ، وتَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ في مَقامِ الأمْرَ بِدَعْوَةِ الأُمَّةِ عَلى الوَجْهِ الحَكِيمِ، وتَكْمِيلِهِمْ بِأحْكامِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ ما لا يَخْفى. ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ. وهو الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيحُ لِلشُّبْهَةِ. ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: الخِطابِيّاتِ المُقْنِعَةِ، والعِبَرِ النّافِعَةِ عَلى وجْهٍ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهُمْ، وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم. فالأُولى: لِدَعْوَةِ خَواصِّ الأُمَّةِ الطّالِبِينَ لِلْحَقائِقِ. والثّانِيَةُ: لِدَعْوَةِ عَوامِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِما: القرآن المَجِيدَ، فَإنَّهُ جامِعٌ لِكِلا الوَصْفَيْنِ. ﴿وَجادِلْهُمْ﴾ أيْ: ناظِرْ مُعانَدِيهِمْ. ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ، واخْتِيارِ الوَجْهِ الأيْسَرِ، واسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ المَشْهُورَةِ تَسْكِينًا لِشَغَبِهِمْ، وإطْفاءً لِلَهَبِهِمْ، كَما فَعَلَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ بَعْدَما عايَنَ ما عايَنَ مِنَ الحِكَمِ، والمَواعِظِ، والعِبَرِ. ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ بِذَلِكَ. وهو تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرَيْنِ، والمَعْنى: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ، والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ، فَإنَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ المُكْتَسَبِ، وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مَن خَيْرٍ جِبِلِّيٍّ فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ، وإزالَةِ عُذْرِ الضّالِّينَ. أوْ ما عَلَيْكَ إلّا ما ذُكِرَ مِنَ الدَّعْوَةِ والمُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ، وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ أوِ الضَّلالِ والمُجازاةِ عَلَيْهِما فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إذْ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ، وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ. وتَقْدِيمُ الضّالِّينَ لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لَهم. وإيرادُ الضَّلالِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ لِما أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وإعْراضٌ عَنِ الدَّعْوَةِ، وذَلِكَ أمْرٌ عارِضٌ بِخِلافِ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ عَلى الفِطْرَةِ، والجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ الدَّعْوَةِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الثَّباتِ. وتَكْرِيرُ "هُوَ أعْلَمُ" لِلتَّأْكِيدِ، والإشْعارِ بِتَبايُنِ حالِ المَعْلُومَيْنِ ومَآلِهِما مِنَ العِقابِ والثَّوابِ. وبَعْدَ ما أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِن شَأْنِ الدَّعْوَةِ بِما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الوَجْهِ اللّائِقِ، عَقَّبَهُ بِخِطابٍ شامِلٍ لَهُ، ولِمَن شايَعَهُ فِيما يَعُمُّ الكُلَّ فَقالَ:

النحل 16:126

﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ (p-152)أيْ: إنْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمُحْتَمِي: إنْ أكَلْتَ فَكُلْ قَلِيلًا. ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكُمْ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالعِقابِ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، نَحْوِ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أوْ عَلى نَهْجِ المُشاكَلَةِ. والمَقْصُودُ إيجابُ مُراعاةِ العَدْلِ مَعَ مَن يُناصِبُهم مِن غَيْرِ تَجاوُزٍ حِينَما آلَ الجِدالُ إلى القِتالِ، وأدّى النِّزاعُ إلى القِراعِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ المَأْمُورَ بِها لا تَكادُ تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ كَيْفَ لا، وهي مُوجِبَةٌ لِصَرْفِ الوُجُوهِ عَنِ القُبَلِ المَعْبُودَةِ، وإدْخالِ الأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ قاضِيَةٍ عَلَيْهِمْ بِفَسِادِ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وبُطْلانِ دِينٍ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ، وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ المُحاجَّةِ والمُناظَرَةِ، وأُرْتِجَتْ دُونَهم أبْوابُ المُباحَثَةِ والمُحاوَرَةِ؟ وقِيلَ: «إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَأى حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ قالَ: لَئِنْ أظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ، فَنَزَلَتْ، فَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وكَفَّ عَمّا أرادَهُ.» وقُرِئَ: (وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا) أيْ: وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم غَيْرَ مُتَجاوِزِينَ عَنْهُ، والأمْرُ وإنْ دَلَّ عَلى إباحَةِ المُماثِلَةِ في المُثْلَةِ مِن غَيْرِ تَجاوُزٍ لَكِنْ في تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ: "وَإنْ عاقَبْتُمْ" حَثٌ عَلى العَفْوِ تَعْرِيضًا. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الآكَدِ: فَقِيلَ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ: لَصَبْرُكم ذَلِكَ ﴿خَيْرٌ﴾ لَكم مِنَ الِانْتِصارِ بِالمُعاقَبَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿لِلصّابِرِينَ﴾ مَدْحًا لَهُمْ، وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ، أوْ وصْفًا لَهم بِصِفَةٍ تَحْصُلُ لَهم عِنْدَ تَرْكِ المُعاقَبَةِ. ويَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُطْلَقِ الصَّبْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم كَدُخُولِ أنْفُسِهِمْ في جِنْسِ الصّابِرِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ثُمَّ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَرِيحًا بِما نُدِبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ تَعْرِيضًا مِنَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِعَزائِمِ الأُمُورِ لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِشُئُونِهِ سُبْحانَهُ، ووُفُورِ وُثُوقِهِ بِهِ فَقِيلَ:

النحل 16:127

﴿واصْبِرْ﴾ أيْ: عَلى ما أصابَكَ مِن جِهَتِهِمْ مِن فُنُونِ الآلامِ والأذِيَّةِ، وعايَنْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ. ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مُلابِسًا، ومَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِاللَّهِ، أيْ: بِذِكْرِهِ والِاسْتِغْراقِ في مُراقَبَةِ شُئُونِهِ، والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِمَجامِعِ الهِمَّةِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَهْوِينِ مَشاقِّ الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وتَشْرِيفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أوْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ المُبِينَةِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ مُسْتَتْبِعَةٍ لِعَواقِبَ حَمِيدَةٍ. فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى غاياتٍ جَمِيلَةٍ، وقِيلَ: إلّا بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ فَهي مِن حَيْثُ تَسْهِيلُهُ وتَيْسِيرُهُ فَقَطْ. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الكافِرِينَ بِوُقُوعِ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ بِكَ، ومُتابَعَتِهِمْ لَكَ، نَحْوَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ . وقِيلَ: عَلى المُؤْمِنِينَ، وما فُعِلَ بِهِمْ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. ﴿وَلا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ بِالفَتْحِ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ، وهُما لُغَتانِ كالقَوْلِ والقِيلِ، أيْ: لا تَكُنْ في ضِيقِ صَدْرٍ، وحَرَجٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ تَخْفِيفَ ضَيِّقٍ كَهَيْنٍ مِن هَيِّنٍ، أيْ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ: مِن مَكْرِهِمْ بِكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ. فالأوَّلُ: نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَطْلُوبٍ مِن قِبَلَهِمْ فاتَ. والثّانِي: عَنِ التَّألُّمِ بِمَحْذُورٍ مِن جِهَتِهِمْ آتٍ. والنَّهْيُ عَنْهُما مَعَ أنَّ انْتِفاءَهُما مِن لَوازِمِ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ التَّسْلِيَةِ، وإلّا فَهَلْ يَخْطِرُ بِبالِ مَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِشَراشِرِ نَفْسِهِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ مِنَ الشَّواغِلِ شَيْءٌ مِنَ المَطْلُوبِ فَيُنْهى عَنِ الحُزْنِ (p-153)بِفَواتِهِ أوْ مَحْظُورٍ؟ فَكَيْفَ عَنِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِهِ؟!

النحل 16:128

﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ. والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ: الوِلايَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي لا تَحُومُ حَوْلَ صاحِبِها شائِبَةُ شَيْءٍ مِنَ الجَزَعِ والحُزْنِ وضِيقِ الصَّدْرِ، وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ "مَعَ" مِن مَتْبُوعِيَّةِ المُتَّقِينَ، إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّقْوى، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ " ونَظائِرِهِما كافَّةً، والمُرادُ بِـ "التَّقْوى": المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنهُ الجامِعَةُ لِما تَحْتَها مِن مَرْتَبَةِ التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، ومَرْتَبَةِ التَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ. أعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ كُلِّ ما شَغَلَ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ، والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِشَراشِرِ نَفْسِهِ، وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المُورِثُ لِوِلايَتِهِ تَعالى، المَقْرُونَةُ بِبِشارَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ تَبَتَّلُوا إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وتَنَزَّهُوا عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهم عَنْهُ فَلَمْ يَخْطِرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَطْلُوبٍ، أوْ مَحْذُورٍ فَضْلًا عَنِ الحُزْنِ بِفَواتِهِ، أوِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِهِ، وهو المَعْنِيُّ بِما بِهِ الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِهِ يَحْصُلُ التَّقْرِيبُ، ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ التَّوَقِّي عَنِ المَعاصِي لا يَكُونُ مَدارًا لِشَيْءٍ مِنَ العَزائِمِ المُرَخَّصِ في تَرْكِها، فَكَيْفَ بِالصَّبْرِ المُشارِ إلَيْهِ ورَدِيفَيْهِ، وإنَّما مَدارُهُ المَعْنى المَذْكُورُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وإنَّما أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِن خَصائِصِ أجَّلِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، ورَوادِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ عَلى ما فُصِّلَ ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ . وقَدْ نُبِّهَ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى مِن قَبِيلِ الإحْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وحَقِيقَةُ الإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: " «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» ". وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى، وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةٌ لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً لَهُمْ، وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ: إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ داخِلٌ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَن شايَعَهُ. عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهُمْ، وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَتْبَعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ. كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عِنْدَ التَّعْزِيَةِ: ؎ اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ فَإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّأْسِ عَنْ هَرَمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ. قالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ، وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ النَّحْلِ لَمْ يُحاسِبْهُ اللَّهُ تَعالى بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا، وإنْ ماتَ في يَوْمٍ تَلاها أوْ لَيْلَتِهِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ كالَّذِي ماتَ وأحْسَنَ الوَصِيَّةَ» "، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ أجْمَعِينَ.

الإسراء 17:1

(p-154)(سُورَةُ الإسْراءِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ، والثّانِيَةَ والثَّلاثِينَ، والثّالِثَةَ والثَّلاثِينَ، والسّابِعَةَ والخَمْسِينَ، ومِن آيَةِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ إلى ثَمانِينَ فَمَدَنِيَّةٌ وآياتُها إحْدى عَشَرَةَ ومِائَةٌ) ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ سُبْحانَ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ كَعُثْمانَ لِلرَّجُلِ، وحَيْثُ كانَ المُسَمّى مَعْنًى لا عَيْنًا وجِنْسًا لا شَخْصًا لَمْ تَكُنْ إضافَتُهُ مِن قَبِيلِ ما في زَيْدِ المَعارِكِ، أوْ حاتِمِ طَيْءٍ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكِ الإظْهارِ تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانَ .. إلَخْ. وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ومِنهُ فَرَسٌ سَبُّوحٌ، أيْ: واسِعُ الجَرْيِ. ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً لا سِيَّما، وهو عِلْمٌ يُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ قِيامِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ بِمَعْنى: التَّنَزُّهِ. فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إضافَةُ التَّنَزُّهِ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، ومُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ المَحْذُوفِ، وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى سُبْحانَهُ وتَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ وتَعالى. والإسْراءُ: السَّيْرُ بِاللَّيْلِ خاصَّةً كالسُّرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلا﴾ لِإفادَةِ قِلَّةِ زَمانِ الإسْراءِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ الدّالِّ عَلى البَعْضِيَّةِ مِن حَيْثُ الأجْزاءُ دَلالَتَهُ عَلى البَعْضِيَّةِ مِن حَيْثُ الأفْرادِ، فَإنَّ قَوْلَكَ سِرْتُ لَيْلًا كَما يُفِيدُ بَعْضِيَّةَ زَمانِ سَيْرِكَ مِنَ اللَّيالِي، يُفِيدُ بَعْضِيَّتَهُ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مِنها بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: سِرْتُ اللَّيْلَ، فَإنَّهُ يُفِيدُ اسْتِيعابَ السَّيْرِ لَهُ جَمِيعًا فَيَكُونُ مِعْيارًا لِلسَّيْرِ لا ظَرْفًا لَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ: بَعْضِهِ. وإيثارُ لَفْظِ العَبْدِ لِلْإيذانِ بِتَمَحُّضِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، وبُلُوغِهِ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ، ونِهايَةَ النِّهاياتِ النّائِيَةِ حَسْبَما يَلُوحُ بِهِ مَبْدَأُ الإسْراءِ ومُنْتَهاهُ. وإضافَةُ التَّنْزِيهِ أوِ التَّنَزُّهِ إلى المَوْصُولِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمُضافِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ كَمالِ قدرته، وبالِغِ حَكَمْتِهِ، ونِهايَةِ تَنَزُّهِهِ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ اخْتُلِفَ في مَبْدَأِ الإسْراءِ، فَقِيلَ: هو المَسْجِدُ الحَرامُ بِعَيْنِهِ، وهو الظّاهِرُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «بَيْنَما أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، إذْ أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالبُراقِ، وقِيلَ: هو دارُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ» ". والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ: الحَرَمُ لِإحاطَتِهِ بِالمَسْجِدِ والتِباسِهِ بِهِ، أوْ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ. فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ ﷺ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، فَكانَ ما كانَ فَقَصَّهُ عَلَيْها، فَلَمّا قامَ لِيَخْرُجَ إلى المَسْجِدِ تَشَبَّثَتْ بِثَوْبِهِ ﷺ لِتَمْنَعَهُ خَشْيَةَ أنْ يُكَذِّبَهُ القَوْمُ. قالَ ﷺ: وإنْ كَذَّبُونِي، فَلَمّا خَرَجَ جَلَسَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَأخْبَرَهُ ﷺ بِحَدِيثِ الإسْراءِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ هَلُمَّ، (p-155)فَحَدَّثَهم، فَمِن مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: إنِّي أُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ. فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ. وكانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فاسْتَنْعَتُوهُ المَسْجِدَ فَجُلِّيَ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، ويَنْعَتُهُ لَهُمْ، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَهُ، فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا. فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها، وأحْوالِها، وقالَ: تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنْيَةِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَذِهِ واللَّهِ الشَّمْسُ قَدْ أشْرَقَتْ، فَقالَ آخَرُ: هَذِهِ واللَّهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ» . واخْتُلِفَ في وقْتِهِ أيْضًا، فَقِيلَ: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وعَنْ أنَسٍ والحَسَنِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ في اليَقَظَةِ، أوْ في المَنامِ. فَعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ في المَنامِ، وأكْثَرُ الأقاوِيلِ بِخِلافِهِ، والحَقُّ أنَّهُ كانَ في المَنامِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وفي اليَقَظَةِ بَعْدَها. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ كانَ جُسْمانِيًّا، أوْ رُوحانِيًّا، فَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ. وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّما عُرِجَ بِرُوحِهِ. والحَقُّ أنَّهُ كانَ جُسْمانِيًّا عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّصْدِيرُ بِالتَّنْزِيهِ، وما في ضِمْنِهِ مِنَ التَّعَجُّبِ، فَإنَّ الرُّوحانِيَّ لَيْسَ في الِاسْتِبْعادِ، والِاسْتِنْكارِ، وخَرْقِ العادَةِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَتْ مِنهُ قُرَيْشٌ وأحالُوهُ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ قُطْرَ الشَّمْسِ ضِعْفَ قُطْرِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ إلى مَوْضِعِ طَرَفِها الأعْلى بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَعَ مُعاوَقَةِ حَرَكَةِ فَلَكِها لَها في أقَلَّ مِن ثانِيةٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الحَرَكَةُ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُحِيطُ بِهِ حِيطَةَ الإمْكانِ فَيَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ أسْرَعَ مِنها في جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا لَمْ يَكُنْ مُعْجِزَةً. ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ أيْ: بَيْتِ المَقْدِسِ. سُمِّيَ بِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ، وفي ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ مَعْنى التَّنْزِيهِ، والتَّعَجُّبِ ما لا يَخْفى. ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ، ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿لِنُرِيَهُ﴾ غايَةُ لِلْإسْراءِ ﴿مِن آياتِنا﴾ العَظِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَهابُهُ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُهُ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ، ومُشاهَدَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمُ العَلِيَّةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ، وقُرِئَ: (لِيُرِيَهُ) بِالياءِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا أُذُنٍ. ﴿البَصِيرُ﴾ بِأفْعالِهِ بِلا بَصَرٍ حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ القَصْرُ، فَيُكْرِمُهُ، ويُقَرِّبُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإسْراءَ المَذْكُورَ لَيْسَ إلّا لِتَكْرِمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعِ مَنزِلَتِهِ، وإلّا فالإحاطَةُ بِأقْوالِهِ، وأفْعالِهِ حاصِلَةٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّقْرِيبِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

الإسراء 17:2

﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الطُّورِ، وما وقَعَ فِيهِ مِنَ المُناجاةِ جَمْعًا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُتَّحِدَيْنِ في المَعْنى، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا العُرُوجُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إلى السَّماءِ، وما كانَ فِيهِ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ النَّجْمِ تَقْرِيبًا لِلْإسْراءِ إلى قَبُولِ السّامِعِينَ، أيْ: آتَيْناهُ التَّوْراةَ بَعْدَ ما أسْرَيْنا بِهِ إلى الطُّورِ. ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ (p-156)الكِتابَ ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَهْتَدُونَ بِما في مَطاوِيهِ. ﴿ألا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: لا تَتَّخِذُوا نَحْوَ كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ أفْعَلَ كَذا. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لِهِدايَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، لِئَلّا يَتَّخِذُوا ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾، أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. والإفْرادُ لِما أنَّ فَعِيلًا مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى.

الإسراء 17:3

﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ النِّداءِ عَلى قِراءَةِ النَّهْيِ، والمُرادُ: تَأْكِيدُ الحَمْلِ عَلى التَّوْحِيدِ بِتَذْكِيرِ إنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ "لا يَتَّخِذُوا" عَلى قِراءَةِ النَّفْيِ، ومِن دُونِي حالٌ مِن وكِيلًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ . وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن واوِ "لا تَتَّخِذُوا" بِإبْدالِ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ البَغادِدَةِ. وقُرِئَ: (ذِرِّيَّةَ) بِكَسْرِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كَثِيرَ الشُّكْرِ في مَجامِعِ حالاتِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إنْجاءَ مَن مَعَهُ كانَ بِبِرَكَةِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الكُفْرانِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الإسراء 17:4

﴿وَقَضَيْنا﴾ أيْ: أتْمَمْنا وأحْكَمْنا مُنْزِلِينَ. ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مُوحِينَ إلَيْهِمْ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: في التَّوْراةِ. فَإنَّ الإنْزالَ والوَحْيَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنْزالٌ، ووَحْيٌ إلَيْهِمْ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ إجْراءُ القَضاءِ المَحْتُومِ مَجْرى القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأقْسَمْنا لَتُفْسِدُنَّ. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ. أُولاهُما: مُخالِفَةُ حُكْمِ التَّوْراةِ، وقَتْلُ شَعْياءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَبْسُ أرْمِياءَ حِينَ أنْذَرَهم سُخْطَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِيَةُ: قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ لَتَغْلِبُنَّ النّاسَ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، وتُفَرِّطُنَّ في ذَلِكَ إفْراطًا مُجاوِزًا لِلْحُدُودِ.

الإسراء 17:5

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: أُولى كَرَّتَيِ الإفْسادِ، أيْ: حانَ وقْتُ حُلُولِ العِقابِ المَوْعُودِ. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ لِمُؤاخَذَتِكم بِجِناياتِكم ﴿عِبادًا لَنا﴾ . وقُرِئَ: (عَبِيدًا لَنا) ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحُرُوبِ، هم سَنْجارِيبُ مِن أهْلِ نِينَوى وجُنُودُهُ. وقِيلَ: بُخْتُ نَصَّرَ عامِلُ لَهْراسِبَ. وقِيلَ: جالُوتُ. ﴿فَجاسُوا﴾ أيْ: تَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم بِالفَسادِ. وقُرِئَ: بِالحاءِ، والمَعْنى: واحِدٌ. وقُرِئَ: (وَجُوسُوا). ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ في أوْساطِها لِلْقَتْلِ والغارَةِ. وقُرِئَ: خِلَلَ الدِّيارِ، فَقَتَلُوا عُلَماءَهم وكِبارَهُمْ، وأحْرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا المَسْجِدَ، وسَبَوْا مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا، وذَلِكَ مِن قَبِيلِ تَوْلِيَةِ بَعْضِ الظّالِمِينَ بَعْضًا مِمّا جَرَتْ بِهِ (p-157)السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ. ﴿وَكانَ﴾ ذَلِكَ ﴿وَعْدًا مَفْعُولا﴾ لا مَحالَةَ بِحَيْثُ لا صارِفَ عَنْهُ، ولا مُبَدِّلَ.

الإسراء 17:6

﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ: الدَّوْلَةَ والغَلَبَةَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الَّذِينَ فَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ حِينَ تُبْتُمْ، ورَجَعْتُمْ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ والعُلُوِّ. قِيلَ: هي قَتْلُ بُخْتُ نَصَّرَ واسْتِنْقاذُ بَنِي إسْرائِيلَ أُساراهم وأمْوالَهُمْ، ورُجُوعُ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ بْنُ إسْفِنْدِيارَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسَفَ بْنِ لَهْراسَبَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ أُساراهم إلى الشّامِ، ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتُ نَصَّرَ. وقِيلَ: هي قَتْلُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجالُوتَ. ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ﴾ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ما نُهِبَتْ أمْوالُكُمْ، ﴿وَبَنِينَ﴾ بَعْدَما سُبِيَتْ أوْلادُكُمْ، ﴿وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ مِن قَبْلُ، أوْ مِن عَدُّوِكم. والنَّفِيرُ مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: جَمْعُ نَفَرٍ وهُمُ القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ كالعَبِيدِ والمُعِينِ.

الإسراء 17:7

﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أعْمالَكم سَواءٌ كانَتْ لازِمَةً لِأنْفُسِكُمْ، أوْ مُتَعَدِّيَةً إلى الغَيْرِ، أيْ: عَمِلْتُمُوها لا عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونَ الأعْمالُ حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ إنْ فَعَلْتُمُ الإحْسانَ، ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّ ثَوابَها لَها. ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ﴾ أعْمالَكم بِأنْ عَمِلْتُمُوها لا عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، ويَلْزَمُهُ السُّوءُ الذّاتِيُّ، أوْ فَعَلْتُمُ الإساءَةَ ﴿فَلَها﴾ إذْ عَلَيْها وبالُها، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ، ولا أسَأْتُ إلَيْهِ، وتَلاها ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ حانَ وقْتُ ما وعَدَ مِن عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا، ومَعْنى لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ، لِيَجْعَلُوا آثارَ المَساءَةِ والكَآبَةِ بادِيَةً في وُجُوهِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقُرِئَ: (لِيَسُوءَ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْوَعْدِ، أوْ لِلْبَعْثِ. ولِنَسُوءَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنُسَوِّأنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ "إذا". وقُرِئَ: لِنُسَوِّأنْ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ ولِيُسَوِّأنَّ، واللّامُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَسُوءُوا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ هو بِهِ ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: في أوَّلِ مَرَّةٍ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أيْ: يُهْلِكُوا ﴿ما عَلَوْا﴾ ما غَلَبُوهُ، واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ ﴿تَتْبِيرًا﴾ فَظِيعًا لا يُوصَفُ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ، فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودُرْدُو، قِيلَ: جُرْدُوسُ. وقِيلَ: دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينَهم فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ، فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: لَمْ تَصْدُقُونِي، فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ أُلُوفًا فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ مِنكم رَبُّكُمْ، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ مِنهم أحَدًا فَهَدَأ.

الإسراء 17:8

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ المَرَّةِ الآخِرَةِ إنْ تُبْتُمْ (p-158)تَوْبَةً أُخْرى، وانْزَجَرْتُمْ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي. ﴿وَإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الفَسادِ مَرَّةً أُخْرى ﴿عُدْنا﴾ إلى عُقُوبَتِكُمْ، ولَقَدْ عادُوا، فَأعادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِأنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأكاسِرَةَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا مِن ضَرْبِ الإتاوَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وعَنِ الحَسَنِ: عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أيْ: مَحْبِسًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنها أبَدَ الآبِدِينَ، وقِيلَ: بِساطًا كَما يُبْسَطُ الحَصِيرُ، وإنَّما عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَنا جَهَنَّمَ لَكم تَسْجِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَوْدِ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

الإسراء 17:9

﴿إنَّ هَذا القرآن﴾ الَّذِي آتَيْناكَهُ ﴿يَهْدِي﴾ أيِ: النّاسَ كافَّةً لا فِرْقَةً مَخْصُوصَةً مِنهم كَدَأْبِ الكِتابِ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى. ﴿لِلَّتِي﴾ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أقْوَمُ﴾، أيْ: أقْوَمُ الطَّرائِقِ، وأسَدُّها. أعْنِي مِلَّةَ الإسْلامِ، والتَّوْحِيدِ، وتَرْكُ ذِكْرِها لَيْسَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لَها، ولِلْحالَةِ، ولِلْخَصْلَةِ، ونَحْوِها مِمّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المَقْصِدِ المَذْكُورِ بَلْ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِها لِغايَةِ ظُهُورِها، لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ الهِدايَةِ الَّتِي هي مِن رَوادِفِها، والمُرادُ بِهِدايَتِهِ لَها: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَهْتَدِي إلَيْها مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ لا تَحْصِيلُ الِاهْتِداءِ بِالفِعْلِ، فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ. ﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ، والشَّرائِعِ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ فِيهِ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ﴿أجْرًا كَبِيرًا﴾ بِحَسَبِ الذّاتِ، وبِحَسَبِ التَّضْعِيفِ عَشْرَ مَرّاتٍ فَصاعِدًا.

الإسراء 17:10

﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ، لِكَوْنِها مُعْظَمَ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ، ولِمُراعاةِ التَّناسُبِ بَيْنَ أعْمالِهِمْ وجَزائِها الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: أعْتَدْنا لَهم فِيما كَفَرُوا بِهِ، وأنْكَرُوا وُجُودَهُ مِنَ الآخِرَةِ عَذابًا ألِيمًا، وهو أبْلَغُ في الزَّجْرِ لِما أنَّ إتْيانَ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ أفْظَعُ وأفْجَعُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "يُبَشِّرُ" بِإضْمارِ يُخْبِرُ، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّ لَهُمْ" داخِلَةٌ مَعَهُ تَحْتَ التَّبْشِيرِ المُرادِ بِهِ مَجازًا مُطْلَقُ الإخْبارِ المُنْتَظِمِ لِلْإخْبارِ بِالخَبَرِ السّارِّ، وبِالنَّبَأِ الضّارِّ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِهِدايَةِ القرآن بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّبْشِيرِ بِمَعْناهُ، والمُرادُ: تَبْشِيرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ: ثَوابُهُمْ، وعِقابُ أعْدائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:11

﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي، وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ، أوْ حُكِيَ عَنْهُ حالُهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ. فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّ القرآن يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ، ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ وهو أيْ (p-159)بَعْضٌ مِنهُ، وهو الكافِرُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً، كَدَأْبِ مَن قالَ مِنهُمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . ومَن قالَ: " فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ " إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حُكِيَ عَنْهُمْ، وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ. ﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ أيْ: مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ المَذْكُورِ فَرْضًا لا تَحْقِيقًا، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدُّعاءِ بِهِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اللّائِقُ بِحالِهِ، ﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ أيْ: مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الدُّعاءُ المَذْكُورُ مِن أفْرادِهِ ﴿عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى طَلَبِ ما يَخْطِرُ بِبالِهِ مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ، أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ، وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ، فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ تُحْمَلُ العَجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ، والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ. وعَلى الثّانِي: أنَّ القرآن يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ. وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما عِنْدَ الغَضَبِ يَدَعُهُ، ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ، وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعَ إلى سَوْدَةَ أسِيرًا، فَأرْخَتْ كِتافَهُ رَحْمَةً لِأنِينِهِ بِاللَّيْلِ مِن ألَمِ القَيْدِ، فَهَرَبَ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَيْها، فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَيْها تَتَوَقَّعُ الإجابَةَ، فَقالَ ﷺ: إنِّي سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ دُعائِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ مِن أهْلِي عَذابًا رَحْمَةً.» أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ وهو يَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَ التَّدَبُّرِ لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ، وما هو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ.

الإسراء 17:12

﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ وُجُوهِ ما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِنهاجٌ بَيِّنٌ لا يُضِلُّ مَن لا يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ الجَعْلَ المَذْكُورُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَحْوِ آيَةِ اللَّيْلِ، وجَعْلِ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، وإنْ كانَتْ مِنَ الهِداياتِ التَّكْوِينِيَّةِ لَكِنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ مِنَ الهِداياتِ القرآنيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى تِلْكَ الهِداياتِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ إذْ مِنهُ يَنْسَلِخُ النَّهارُ، وفِيهِ تَظْهَرُ غُرَرُ الشُّهُورِ، ولَوْ أنَّ اللَّيْلَةَ أُضِيفَتْ إلى ما قَبْلَها مِنَ النَّهارِ لَكانَتْ مِن شَهْرٍ، وصاحِبُها مِن شَهْرٍ آخَرَ، ولِتَرْتِيبِ غايَةِ آيَةِ النَّهارِ عَلَيْها بِلا واسِطَةٍ، أيْ: جَعَلْنا المَلَوَيْنِ بِهْيَآتِهِما وتَعاقُبِهِما واخْتِلافِهِما في الطُّولِ والقِصَرِ عَلى وتِيرَةٍ عَجِيبَةٍ يَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ، آيَتَيْنِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ لَهُما صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا عَلِيمًا، وتَهْدِيانِ إلى ما هَدى إلَيْهِ القرآن الكَرِيمُ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الإضافَةُ إمّا بَيانِيَّةٌ كَما في إضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ: مَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وفائِدَتُها تَحْقِيقُ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومَحْوُها جَعْلُها مَمْحُوَّةَ الضَّوْءِ مَطْمُوسَتَهُ لَكِنْ لا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ إبْداعُها عَلى ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ، وكَبَّرَ الفِيلَ، أيْ: أنْشَأهُما كَذَلِكَ. والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَحْوَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِمّا يَحْصُلُ عَقِيبَ جَعْلِ الجَدِيدَيْنِ آيَتَيْنِ بَلْ هُما مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الجَعْلِ ومُتَمِّماتِهِ. ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ أيِ: الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ (p-160)أيْ: مُضِيئَةً يُبْصَرُ فِيها الأشْياءُ وصْفًا لَها بِحالِ أهْلِها، أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَهُ، وإمّا حَقِيقِيَّةً، وآيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ نَيِّراهُما. ومَحْوُ القَمَرِ إمّا خَلْقُهُ مَطْمُوسَ النُّورِ في نَفْسِهِ، فالفاءُ كَما ذُكِرَ. وإمّا نَقْصُ ما اسْتَفادَهُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ عَلى ما هو مَعْنى المَحْوِ، و "الفاءُ" لِلتَّعْقِيبِ، وجَعْلُ الشَّمْسِ مُبْصِرَةً إبْداعُها، مُضِيئَةً بِالذّاتِ ذاتَ أشِعَّةٍ تَظْهَرُ بِها الأشْياءُ المُظْلِمَةُ، ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ: وجَعَلْناها مُضِيئَةً لِتَطْلُبُوا لِأنْفُسِكم في بَياضِ النَّهارِ، ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رِزْقًا إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ في اللَّيْلِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرِّزْقِ بِالفَضْلِ، وعَنِ الكَسْبِ بِالِابْتِغاءِ. والتَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا دَلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ تَأْثِيرٌ سِوى الطَّلَبِ، وإنَّما الإعْطاءُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِطْرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ تَفَضُّلًا بِحُكْمِ الربوبية. ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفِعْلَيْنِ، أعْنِي مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ، وجَعْلَ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً لا بِأحَدِهِما فَقَطْ، إذْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ مَدارًا لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ، أيْ: لِتَعْلَمُوا بِتَفاوُتِ الجَدِيدَيْنِ، أوْ نَيِّرَيْهِما ذاتًا مِن حَيْثُ الإظْلامُ، والإضاءَةُ مَعَ تَعاقُبِهِما، أوْ حَرَكَتِهِما وأوْضاعِهِما، وسائِرِ أحْوالِهِما. ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿والحِسابَ﴾ أيِ: الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِها مِنَ الأوْقاتِ، أيِ: الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، ونَفْسُ السَّنَةِ مِن حَيْثُ تُحَقُّقُها مِمّا يَنْتَظِمُهُ الحِسابُ، وإنَّما الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها، وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَيْسَ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ. أعْنِي حَيْثِيَّةَ تَحَقُّقِها، وتَحَصُّلُها مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ، قَدْ حَصَّلَ كُلٌّ مِنها بِطائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ، مَثَلًا، فَإنَّ ذَلِكَ وظِيفَةُ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المَعْدُودَةِ يُعِدُّها، أيْ: يُفْنِيها مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في ذَلِكَ تَحَصُّلُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وتَحْقِيقُهُ ما مَرَّ في سُورَةِ يُونُسَ مِن أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنهُ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ، وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا. والعَدُّ إحْصاؤُهُ بِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَصَّلَ مِنهُ شَيْءٌ كَذَلِكَ، ولِما أنَّ السِّنِينَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ، وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ، وعَلَّقَ الحِسابَ بِما عاداها مِمّا اعْتُبِرَ فِيهِ تَحَصُّلُ مَراتِبَ مُعَيَّنَةٍ لَها أسامٍ خاصَّةٌ، وأحْكامٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وتَحَصُّلُ مَراتِبِ الأعْدادِ مِنَ العَشَراتِ والمِئاتِ والأُلُوفِ اعْتِبارِيٌّ لا يُجْدِي في تَحَصُّلِ المَعْدُوداتِ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما وُجُودًا وعِلْمًا عَلى العَكْسِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الحِسابِ ما في تَضاعِيفِ السِّنِينَ مِنَ الأوْقاتِ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا، أوْ لِأنَّ العَدَدَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَحَصُّلُ شَيْءٍ آخَرَ مِنهُ حَسْبَما ذُكِرَ نازِلٌ مِنَ الحِسابِ المُعْتَبَرِ فِيهِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ أقْصى المَراتِبِ فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِامْتِنانِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في المَعاشِ والمَعادِ سِوى ما ذُكِرَ مِن جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ أيْ: بَيَّناهُ في القرآن الكَرِيمِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.

الإسراء 17:13

(p-161)﴿وَكُلَّ إنْسانٍ﴾ مُكَلِّفٍ ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ الصّادِرَ عَنْهُ بِاخْتِيارِهِ حَسْبَما قُدِّرَ لَهُ كَأنَّهُ طارَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، أوْ ما وقَعَ لَهُ في القِسْمَةِ الأزَلِيَّةِ الواقِعَةِ حَسَبَ اسْتِحْقاقِهِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ لَهُ سَهْمُ كَذا. ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِشِدَّةِ اللُّزُومِ، وكَمالِ الِارْتِباطِ، أيْ: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا. بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ القِلادَةِ أوِ الغُلِّ لِلْعُنُقِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ النُّونِ. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَدْ قُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِلْمَفْعُولِ، والضَّمِيرُ لِلطّائِرِ كَما في قِراءَةِ يُخْرَجُ مِنَ الخُرُوجِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والبَعْثِ لِلْحِسابِ ﴿كِتابًا﴾ مَسْطُورًا فِيهِ ما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا، وهو مَفْعُولٌ لِنُخْرِجُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ الرّاجِعِ إلى الطّائِرِ، وعَلى الأُخْرَيَيْنِ حالٌ مِنَ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ مِن ضَمِيرِ الطّائِرِ. ﴿يَلْقاهُ﴾ أيْ: يَلْقى الإنْسانَ، أوْ يَلْقاهُ الإنْسانُ. ﴿مَنشُورًا﴾ وهُما صِفَتانِ لِلْكِتابِ، أوِ الأُولى صِفَةٌ. والثّانِي حالٌ مِنها. وقُرِئَ: (يَلْقاهُ) مِن لَقِيتُهُ كَذا، أيْ: يَلْقى الإنْسانُ إيّاهُ. قالَ الحَسَنُ: بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ فَهُما عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ، فَأمّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَناتِكَ، وأمّا الَّذِي عَنْ شِمالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئاتِكَ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وجُعِلَتْ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

الإسراء 17:14

﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ أيْ: قائِلِينَ لَكَ ذَلِكَ. عَنْ قَتادَةَ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقِيلَ المُرادُ بِالكِتابِ: نَفْسُهُ المُنْتَقَشَةُ بِآثارِ أعْمالِهِ، فَإنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ خَيْرًا أوْ شَرًّا يَحْدُثُ مِنهُ في جَوْهَرِ رُوحِهِ أمْرٌ مَخْصُوصٌ إلّا أنَّهُ يَخْفى ما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِالبَدَنِ مُشْتَغِلًا بِوارِداتِ الحَواسِّ، والقُوى، فَإذا انْقَطَعَتْ عَلاقَتُهُ عَنِ البَدَنِ قامَتْ قِيامَتُهُ؛ لِأنَّ النَّفْسَ كانَتْ ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً في الجَسَدِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قامَتْ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ الصُّعُودِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، فَيَزُولُ الغِطاءُ، وتَنْكَشِفُ الأحْوالُ، ويَظْهَرُ عَلى لَوْحِ النَّفْسِ نَقْشُ كُلِّ شَيْءٍ عَمِلَهُ في مُدَّةِ عُمُرِهِ، وهَذا مَعْنى الكِتابَةِ والقِراءَةِ. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ: كَفى نَفْسُكَ و "الباءُ" زائِدَةٌ، و "اليَوْمَ" ظَرْفٌ لِـ "كَفى" و "حَسِيبًا" تَمْيِيزٌ و "عَلى" صِلَتُهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا. أوْ بِمَعْنى الكافِي، ووُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ؛ لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِي ما أهَمَّهُ. وتَذْكِيرُهُ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحِسابِ والكِفايَةِ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ، أوْ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ المُذَكَّرِ كَقَوْلِ جَبَلَةَ بْنِ حُرَيْثٍ: ؎ يا نَفْسُ إنَّكِ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورٌ فاذْكُرْ فَهَلْ يَنْفَعَنَّكَ اليَوْمَ تَذْكِيرُ

الإسراء 17:15

﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ كَوْنِ القرآن هادِيًا لِأقُومِ الطَّرائِقِ، ولُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها، أيْ مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ، وعَلِمَ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ، فَإنَّما تَعُودُ (p-162)مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ إلى نَفْسِهِ لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدِ. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِيهِ إلَيْها، ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: فَإنَّما وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها لا عَلى مَن عَداهُ مِمَّنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَتّى يُمْكِنَ مُفارَقَةُ العَمَلِ صاحِبَهُ. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها، ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعِلْمِهِ مِنَ التَّلازُمِ بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنها وِزْرَها، وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأمّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ، وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ، وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ، وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ، فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ، وإنَّما الَّذِينَ يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ لا جَزاءَ أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ. وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ، وإنَّما خُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ، حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهم. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ، والضَّلالِ بِأصْحابِها، وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ، وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها، أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ مِنّا بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ. أوْ ما كانَ في حُكْمِنا الماضِي، وقَضائِنا السّابِقِ أنْ نُعَذِّبَ أحَدًا مِن أهْلِ الضَّلالِ، والأوْزارِ اكْتِفاءً بِقَضِيَّةِ العَقْلِ. ﴿حَتّى نَبْعَثَ﴾ إلَيْهِمْ ﴿رَسُولا﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويَرْدَعُهم عَنِ الضَّلالِ، ويُقِيمُ الحُجَجَ، ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ حَسْبَما في تَضاعِيفِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالعَذابِ المَنفِيِّ: إمّا عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، كَما قالَهُ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وهو المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ. أوِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وهو مِن أفْرادِهِ، وأيًّا ما كانَ فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوعِهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُطْلَقًا. كَيْفَ لا والأُخْرَوِيُّ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَقِيبَ البَعْثِ، والدُّنْيَوِيُّ أيْضًا لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ؟! ألا يُرى إلى قَوْمِ نُوحٍ كَيْفَ تَأخَّرَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ زُهاءَ ألْفِ سَنَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:16

﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ التَّعْذِيبِ بَعْدَ البَعْثَةِ الَّتِي جُعِلَتْ غايَةً لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإرادَةِ تَحَقُّقَها بِالفِعْلِ إذْ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها المُرادُ، ولا الإرادَةُ الأزَلِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِوُقُوعِ المُرادِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ، إذْ لا يُقارِنُهُ الجَزاءُ الآتِي بَلْ دُنُوُّ وقْتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: وإذا دَنا وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإهْلاكِ قَرْيَةٍ بِأنْ نُعَذِّبَ أهْلَها بِما ذَكَرْنا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ الَّذِي بَيَّنّا أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنّا قَبْلَ البَعْثَةِ، أوْ بِنَوْعٍ مِمّا ذَكَرْنا شَأْنَهُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، أعْنِي عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، لِما لَهم مِنَ الظُّلْمِ والمَعاصِي دُنُوًّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ. ﴿أمَرْنا﴾ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلى أهْلِها، ﴿مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعَّمِيها، وجَبّارِيها، ومُلُوكَها، خَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ تَوَجُّهِ الأمْرِ (p-163)إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ الأُصُولُ في الخِطابِ، والباقِي أتْباعٌ لَهم. ولِأنَّ تَوَجُّهَ الأمْرِ إلَيْهِمْ آكَدُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إمّا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ والخَيْرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ هِدايَةِ القرآن لِما يَهْدِي إلَيْهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ وُجِدَ مِنّا الأمْرُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ. ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، وتَمَرَّدُوا. ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ: ثَبَتَ وتَحَقَّقَ مُوجِبُهُ بِحُلُولِ العَذابِ، إثْرَ ما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الفِسْقِ والطُّغْيانِ. ﴿فَدَمَّرْناها﴾ بِتَدْمِيرِ أهْلِها ﴿تَدْمِيرًا﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، ولا يُوصَفُ، هَذا هو المُناسِبُ لِما سَبَقَ. وقِيلَ: الأمْرُ مَجازٌ عَنِ الحَمْلِ عَلى الفِسْقِ، والتَّسَبُّبِ لَهُ، بِأنْ صَبَّ عَلَيْهِمْ ما أبْطَرَهُمْ، وأفْضى بِهِمْ إلى الفُسُوقِ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ فَأُمِرَ، أيْ: كَثَّرْتُهُ فَكَثُرَ. وفي الحَدِيثِ: خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أيْ: كَثِيرَةُ النِّتاجِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (آمَرْنا) (وَأمَرْنا) مِنَ الإفْعالِ، والتَّفْعِيلِ. وقَدْ جُعِلَتا مِنَ الإمارَةِ، أيْ: جَعَلْناهم أُمَراءَ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُساعِدُهُ مَقامُ الزَّجْرِ عَنِ الضَّلالِ، والحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ، فَإنَّ مُؤَدّى ذَلِكَ أنَّ طُغْيانَهم مَنُوطٌ بِإرادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ وافِرَةٍ أبْطَرَتْهُمْ، وحَمَلَتْهم عَلى الفِسْقِ حَمْلًا حَقِيقًا بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ بِهِ.

الإسراء 17:17

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: وكَثِيرًا ما أهْلَكْنا ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بَيانٌ لَكُمْ، وتَمْيِيزٌ لَهُ. و "القَرْنُ" مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ يُخْتَرَمُ فِيها القَوْمُ، وهي عِشْرُونَ، أوْ ثَلاثُونَ، أوْ أرْبَعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ مِائَةٌ. وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «دَعا لِرَجُلٍ فَقالَ: عِشْ قَرْنًا فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، أوْ مِائَةً وعِشْرِينَ» . ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ مِن بَعْدِ زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَعادٍ وثَمُودَ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ قُصَّتْ أحْوالُهم في القرآن العَظِيمِ، ومَن لَمْ تُقَصَّ، وعَدَمُ نَظْمِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تِلْكَ القُرُونِ المَهْلَكَةِ لِظُهُورِ أمْرِهِمْ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَمْزٌ إلى ذِكْرِهِمْ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيْ: كَفى رَبُّكَ. ﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يُحِيطُ بِظَواهِرِها، وبَواطِنِها، فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلَّقِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، والنِّيّاتِ الَّتِي هي مَبادِئُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، أوْ لِعُمُومِهِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُبْصَراتِ أيْضًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَعْثَ والأمْرَ وما يَتْلُوهُما مِن فِسْقِهِمْ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما هو لِقَطْعِ الأعْذارِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.

الإسراء 17:18

﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَعْمَلُها سَواءٌ كانَ تَرَتُّبُ المُرادِ عَلَيْها بِطَرِيقِ الجَزاءِ كَأعْمالِ البِرِّ، أوْ بِطَرِيقِ تَرَتُّبِ المَعْلُولاتِ عَلى العِلَلِ كالأسْبابِ، أوْ بِأعْمالِ الآخِرَةِ. فالمُرادُ بِـ "المُرِيدِ" عَلى الأوَّلِ الكَفَرَةُ، وأكْثَرُ الفَسَقَةِ. وعَلى الثّانِي أهْلُ الرِّياءِ والنِّفاقِ، والمُهاجِرُ لِلدُّنْيا، والمُجاهِدُ لِمَحْضِ الغَنِيمَةِ. ﴿العاجِلَةَ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يُرِيدَ مَعَها الآخِرَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن زِيادَةِ كانَ هَهُنا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى مُطْلَقِ الإرادَةِ في قَسِيمِهِ. والمُرادُ بِـ "العاجِلَةَ" الدّارُ الدُّنْيا. وبِإرادَتِها إرادَةُ ما فِيها مِن فُنُونِ مَطالِبِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الحَياةُ العاجِلَةُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾، لَكِنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ العاجِلَةِ فَإنَّ (p-164)الحَياةَ، واسْتِمْرارَها مِن جُمْلَةِ ما عُجِّلَ لَهُ، فالأنْسَبُ بِذَلِكَ كَلِمَةُ مَن كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ ﴿ما نَشاءُ﴾ أيْ: ما نَشاءُ تَعْجِيلَهُ لَهُ مِن نَعِيمِها لا كُلَّ ما يُرِيدُ. ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ تَعْجِيلَ ما نَشاءُ لَهُ. وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُ" بِإعادَةِ الجارِّ بَدَلَ البَعْضِ، فَإنَّهُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ المُنْبِئِ عَنِ الكَثْرَةِ، وقُرِئَ: (لِمَن يَشاءُ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو لِمَن فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِـ "مَن" أرادَ بِهِ ذَلِكَ، وهو واحِدٌ مِنَ الدَّهْماءِ، وتَقْيِيدُ المُعَجَّلِ والمُعَجَّلِ لَهُ بِما ذُكِرَ مِنَ المَشِيئَةِ والإرادَةِ لِما أنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ لا تَقْتَضِي وصُولَ كُلِّ طالِبٍ إلى مَرامِهِ، ولا اسْتِيفاءَ كُلِّ واصِلٍ لِما يَطْلُبُهُ بِتَمامِهِ، وأمّا ما يَتَراءى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ مِن نَيْلِ كُلِّ مُؤَمِّلٍ لِجَمِيعِ آمالِهِ، ووُصُولِ كُلِّ عامِلٍ إلى نَتِيجَةِ أعْمالِهِ، فَقَدْ أُشِيرَ إلى تَحْقِيقِ القَوْلِ فِيهِ في سُورَةِ هُودٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ مَكانَ ما عَجَّلْنا لَهُ ﴿جَهَنَّمَ﴾، وما فِيها مِن أصْنافِ العَذابِ ﴿يَصْلاها﴾ يَدْخُلُها. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أوْ مِن جَهَنَّمَ، أوِ اسْتِئْنافٌ. ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ، ويَغْزُونَ مَعَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ، ونَحْوِها. ويَأْباهُ ما يُقالُ إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ سِوى آياتٍ مُعَيَّنَةٍ.

الإسراء 17:19

﴿وَمَن أرادَ﴾ بِأعْمالِهِ ﴿الآخِرَةَ﴾ الدّارَ الآخِرَةَ، وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أيِ: السَّعْيَ اللّائِقَ بِها، وهو الإتْيانُ بِما أُمِرَ، والِانْتِهاءُ عَمّا نُهِيَ، لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ. وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ قادِحٌ فِيهِ، وإيرادُ الإيمان بالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اشْتِراطِ مُقارَنَتِهِ لِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، والجَمْعِيَّةِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى إيماءً إلى أنَّ الإثابَةَ المَفْهُومَةَ مِنَ الخَبَرِ تَقَعُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ، أيْ: أُولَئِكَ الجامِعُونَ لِما مَرَّ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، أعْنِي إرادَةَ الآخِرَةِ، والسَّعْيَ الجَمِيلَ لَها والإيمانَ، ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أحْسَنَ القَبُولِ، مُثابًا عَلَيْهِ. وفي تَعْلِيقِ المَشْكُورِيَّةِ بِالسَّعْيِ دُونَ قَرِينَيْهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ العُمْدَةُ فِيها.

الإسراء 17:20

﴿كُلا﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لا الفَرِيقُ الأخِيرُ المُرِيدُ لِلْخَيْرِ الحَقِيقُ بِالإسْعافِ فَقَطْ. ﴿نُمِدُّ﴾ أيْ: نَزِيدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الآنِفُ مَدَدًا لِلسّالِفِ، وما بِهِ الإمْدادُ ما عُجِّلَ لِأحَدِهِما مِنَ العَطايا العاجِلَةِ، وما أُعِدَّ لِلْآخَرِ مِنَ العَطايا الآجِلَةِ المُشارِ إلَيْها بِمَشْكُورِيَّةِ السَّعْيِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا واتِّكالًا عَلى ما لَحِقَ عِبارَةً، وإشارَةً كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن كُلًّا ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، أيْ: نُمِدُّ هَؤُلاءِ المُعَجَّلَ لَهُمْ، وهَؤُلاءِ المَشْكُورَ سَعْيُهُمْ، فَإنَّ الإشارَةَ مُتَعَرِّضَةٌ لِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العُنْوانِ، لا لِلذّاتِ فَقَطْ، كالإضْمارِ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما بِهِ الإمْدادُ، وتَعْيِينُ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ أفْرادَ الفَرِيقِ الأخِيرِ، وتَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ (p-165)المَفْعُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: مِن مُعْطاهُ الواسِعِ الَّذِي لا تَناهِيَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِنُمِدُّ، ومُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما بِهِ الإمْدادُ، ومُنَبِّهٌ عَلى أنَّ الإمْدادَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيجابِ بِالسَّعْيِ والعَمَلِ بَلْ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُنْيُوِيًّا كانَ، أوْ أُخْرَوِيًّا، وإنَّما أُظْهِرَ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وإشْعارًا بِعِلِّيَّتِهِ لِلْحُكْمِ. ﴿مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا مِمَّنْ يُرِيدُهُ، بَلْ هو فائِضٌ عَلى مَن قُدِّرَ لَهُ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ، وإنْ وُجِدَ مِنهُ ما يَقْتَضِي الحَظْرَ كالكافِرِ، وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِمَبْدَئِيَّتِها لِما ذُكِرَ مِنَ الإمْدادِ، وعَدَمِ الحَظْرِ.

الإسراء 17:21

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ "كَيْفَ" في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفَضَّلْنا عَلى الحالِيَّةِ، والمُرادُ تَوْضِيحُ ما مَرَّ مِنَ الإمْدادِ، وعَدَمُ مَحْظُورِيَّةِ العَطاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْضارِ مَراتِبِ أحَدِ العَطاءَيْنِ، والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى مَراتِبِ الآخَرِ، أيِ: انْظُرْ بِنَظَرِ الِاعْتِبارِ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فِيما أمْدَدْناهم بِهِ مِنَ العَطايا العاجِلَةِ، فَمِن وضِيعٍ، ورَفِيعٍ، وظالِعٍ، وضَلِيعٍ، ومالِكٍ، ومَمْلُوكٍ، ومُوسِرٍ، وصُعْلُوكٍ. تَعْرِفْ بِذَلِكَ مَراتِبَ العَطايا الآجِلَةِ، ودَرَجاتِ تَفاضُلِ أهْلِها عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى. كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ﴾ أيْ: هي وما فِيها أكْبَرُ مِن قَدْرِها، ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَيْفَ لا، وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؟ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما بِهِ الإمْدادُ العَطايا العاجِلَةُ فَقَطْ، ويُحْمَلُ القَصْرُ المَذْكُورُ عَلى دَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِالفَرِيقِ الأوَّلِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ إرادَتِهِمْ لَها، ووُصُولَهم إلَيْها بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ النِّسْبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفَرِيقِ الثّانِي، إرادَةً ووُصُولًا مِمّا تَوَهَّمَ اخْتِصاصَها بِالأوَّلِينَ، فالمَعْنى كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نُمِدُّ بِالعَطايا العاجِلَةِ لا مَن ذَكَرْنا إرادَتَهُ لَها فَقَطْ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ الواسِعِ، وما كانَ عَطاؤُهُ الدُّنْيَوِيُّ مَحْظُورًا مِن أحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُهُ، ومِمَّنْ يُرِيدُ غَيْرَهُ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا في ذَلِكَ العَطاءِ بَعْضَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُما، ولَلْآخِرَةُ. الآيَةَ. واعْتِبارُ عَدَمِ المَحْظُورِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقِ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِشُمُولِ الإمْدادِ لَهُ، كَما فَعَلَهُ الجُمْهُورُ. حَيْثُ قالُوا: لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ القَصْرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الإمْدادِ الدُّنْيَوِيِّ بِالفَرِيقِ الثّانِي، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ ما يُوهِمُ ثُبُوتَهُ لَهُ، فَضْلًا عَنْ إيهامِ اخْتِصاصِهِ.

الإسراء 17:22

﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ: أُمَّتُهُ. وهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ، والإلْهابِ. أوْ كُلُّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ ﴿فَتَقْعُدَ﴾ بِالنَّصْبِ جَوابًا لِلنَّهْيِ، والقُعُودُ: بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ مِن قَوْلِهِمْ: شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ، كَأنَّها خَرِبَةٌ أوْ بِمَعْنى العَجْزِ مِن قَعَدَ عَنْهُ، أيْ: عَجَزَ عَنْهُ. ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ خَبَرانِ، أوْ حالانِ، أيْ: جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ، والمُؤْمِنِينَ، والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُوَحِّدَ جامِعٌ بَيْنَ المَدْحِ والنُّصْرَةِ.

الإسراء 17:23

(p-166)﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ أيْ: أمَرَ أمْرًا مُبْرَمًا، وقُرِئَ: (وَأوْصى رَبُّكَ) (وَوَصّى رَبُّكَ) ﴿ألاَّ تَعْبُدُواْ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا إيّاهُ﴾ . عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، و "لا" نافِيَةٌ، أوْ أيْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ، ولا ناهِيَةٌ؛ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ، ونِهايَةُ الإنْعامِ، وهو كالتَّفْصِيلِ لِلسَّعْيِ لِلْآخِرَةِ. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ: وبِأنْ تُحْسِنُوا بِهِما، أوْ وأحْسِنُوا بِهِما. ﴿إحْسانًا﴾ لِأنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرُ لِلْوُجُودِ والتَّعَيُّشِ. ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ إمّا مُرَكَّبَةٌ مِن "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ، و "ما" المَزِيدَةُ لِتَأْكِيدِها، ولِذَلِكَ دَخَلَ الفِعْلَ نُونُ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى "عِنْدَكَ": في كَنَفِكَ، وكَفالَتِكَ. وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ، فَإنَّهُ مَدارُ تَضاعُفِ الرِّعايَةِ والإحْسانِ. و "أحَدُهُما" فاعِلٌ لِلْفِعْلِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظَّرْفِ، والمَفْعُولِ لِئَلّا يَطُولَ الكَلامُ بِهِ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (يَبْلُغانِ) فَأحَدُهُما بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وكِلاهُما عَطْفٌ عَلَيْهِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِ كِلاهُما تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ الخِطابِ في عِنْدَكَ، وفِيما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ ما سَبَقَ عَلى الجَمْعِ لِلِاحْتِرازِ عَنِ التِباسِ المُرادِ، فَإنَّ المَقْصُودَ نَهْيُ كُلِّ أحَدٍ عَنْ تَأْفِيفِ والِدَيْهِ، ونَهْرِهِما، ولَوْ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ، أوْ بِالتَّثْنِيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَرامُ. ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما﴾ أيْ: لِواحِدٍ مِنهُما حالَتَيِ الِانْفِرادِ، والِاجْتِماعِ. ﴿أُفٍّ﴾ وهو صَوْتٌ يُنْبِئُ عَنْ تَضَجُّرٍ، أوِ اسْمُ فِعْلٍ هو أتَضَجَّرُ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ بِلا تَنْوِينٍ، وبِالفَتْحِ والضَّمِّ مُنَوَّنًا، وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، أيْ: لا تَتَضَجَّرْ بِها تَسْتَقْذِرْ مِنهُما، وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤَنِهِما، وبِهَذا النَّهْيِ يُفْهَمُ النَّهْيُ عَنْ سائِرِ ما يُؤْذِيهِما بِدَلالَةِ النَّصِّ، وقَدْ خَصَّ بِالذِّكْرِ بَعْضَهُ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ فَقِيلَ: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ أيْ: لا تَزْجُرْهُما عَمّا لا يُعْجِبُكَ بِإغْلاظٍ. قِيلَ: النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ. ﴿وَقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ، ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ ذا كَرَمٍ، أوْ هو وصْفٌ لَهُ بِوَصْفِ صاحِبِهِ، أيْ: قَوْلًا صادِرًا عَنْ كَرَمٍ ولُطْفٍ، وهو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأدَبِ، ويَسْتَدْعِيهِ النُّزُولُ عَلى المُرُوءَةِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: يا أباهُ، ويا أُمّاهُ كَدَأْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ. مَعَ ما بِهِ مِنَ الكُفْرِ، ولا يَدْعُوهُما بِأسْمائِهِما، فَإنَّهُ مِنَ الجَفاءِ، وسُوءِ الأدَبِ، ودَيْدَنُ الدُّعّارِ. وسُئِلَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ عَنْ بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقالَ: أنْ لا تَقُومَ إلى خِدْمَتِهِما عَنْ كَسَلٍ. وقِيلَ: أنْ لا تَرْفَعَ صَوْتَكَ عَلَيْهِما، ولا تَنْظُرَ إلَيْهِما شَزْرًا، ولا يَرَيا مِنكَ مُخالَفَةً في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ، وأنْ تَتَرَحَّمَ عَلَيْهِما ما عاشا، وتَدْعُوَ لَهُما إذا ماتا، وتَقُومَ بِخِدْمَةِ أوْدائِهِما مِن بَعْدِهِما، فَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «إنَّ مِن أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» ".

الإسراء 17:24

﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إلانَةِ الجانِبِ، والتَّواضُعِ، والتَّذَلُّلِ لَهُما، فَإنَّ إعْزازَهُما لا يَكُونُ إلّا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ، أوْ جُعِلَ لِذُلِّهِ جَناحٌ كَما جَعَلَ لَبِيدٌ في قَوْلِهِ: ؎ وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقَرَّةٍ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها لِلْقَرَّةِ زِمامًا، ولِلشَّمالِ يَدًا تَشْبِيهًا لَهُ بِطائِرٍ يَخْفِضُ جَناحَهُ لِأفْراخِهِ تَرْبِيَةً لَها، وشَفَقَةً عَلَيْها، وأمّا جَعْلُ خَفْضِ الجَناحِ عِبارَةً عَنْ تَرْكِ الطَّيَرانِ كَما فَعَلَهُ القَفّالُ فَلا يُناسِبُ (p-167)المَقامَ. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ، وعَطْفِكَ عَلَيْهِما، ورِقَّتِكَ لَهُما، لِافْتِقارِهِما اليَوْمَ إلى مَن كانَ أفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ بَلِ ادْعُ اللَّهَ لَهُما بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ الباقِيَةِ، ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ بِرَحْمَتِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ، والأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الهِدايَةُ إلى الإسْلامِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ كُفْرَهُما. ﴿كَما رَبَّيانِي﴾ "الكافُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: رَحْمَةً مِثْلَ تَرْبِيَتِهِما لِي، أوْ مِثْلَ رَحْمَتِهِما لِي. عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ رَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُما الرَّحْمَةُ والتَّرْبِيَةُ مَعًا، وقَدْ ذُكِرَ أحَدُهُما في أحَدِ الجانِبَيْنِ، والآخِرُ في الآخَرِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية في مَطْلَعِ الدُّعاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما، ورَبِّهِما كَما رَحِمانِي ورَبَّيانِي ﴿صَغِيرًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ ولَقَدْ بالَغَ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْصِيَةِ بِهِما حَيْثُ افْتَتَحَها بِأنْ شَفَعَ الإحْسانَ إلَيْهِما بِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، ونَظَمَها في سِلْكِ القَضاءِ بِهِما مَعًا، ثُمَّ ضَيَّقَ الأمْرَ في بابِ مُراعاتِهِما حَتّى لَمْ يُرَخِّصْ في أدْنى كَلِمَةٍ تَنْفَلِتُ مِنَ المُتَضَجِّرِ مَعَ ما لَهُ مِن مُوجِباتِ الضَّجَرِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وخَتَمَها بِأنْ جَعَلَ رَحْمَتَهُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مُشَبَّهَةً بِتَرْبِيَتِهِما، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَيْنِ، وسُخْطُهُ في سُخْطِهِما» ". ورُوِيَ «يَفْعَلُ البارُّ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النّارَ، ويَفْعَلَ العاقُّ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ» . «وَقالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولِيا مِنِّي في الصِّغَرِ، فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما؟ قالَ: لا، فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ، وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ، وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مَوْتَهُما.» ورُوِيَ «أنَّ شَيْخًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ ابْنِي هَذا لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وإنَّهُ لا يُنْفِقُ عَلَيَّ مِن مالِهِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: إنَّ هَذا الشَّيْخَ قَدْ أنْشَأ في ابْنِهِ أبْياتًا، ما قُرِعَ سَمْعٌ بِمِثْلِها فاسْتَنْشِدْها فَأنْشَدَها الشَّيْخُ، فَقالَ: ؎ غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا ومُنْتُكَ يافِعًا ∗∗∗ تَعُلُّ بِما أجْنِي عَلَيْكَ وتَنْهَلُ ؎ إذا لَيْلَةٌ ضاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أبِتْ ∗∗∗ لِسُقْمِكَ إلّا باكِيًا أتَمَلْمَلُ ؎ كَأنِّي أنا المَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ∗∗∗ طُرِقْتَ بِهِ دُونِي وعَيْنَيَّ تَهْمُلُ ؎ فَلَمّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغايَةَ الَّتِي ∗∗∗ إلَيْها مَدى ما كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ ؎ جَعَلْتَ جَزائِي غِلْظَةً وفَظاظَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ أنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ ؎ فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ∗∗∗ فَعَلْتَ كَما الجارُ المُجاوِرُ يَفْعَلُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: "أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ".»

الإسراء 17:25

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ مِنَ البِرِّ والعُقُوقِ، ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ، والبِرِّ دُونَ العُقُوقِ، والفَسادِ ﴿فَإنَّهُ﴾ تَعالى ﴿كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ: الرَّجّاعِينَ إلَيْهِ تَعالى عَمّا فَرَطَ مِنهم مِمّا لا يَكادُ يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ ﴿غَفُورًا﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَن نَوْعِ تَقْصِيرٍ، أوْ أذِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ، أوْ قَوْلِيَّةٍ. وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْدِيدِ في الأمْرِ بِمُراعاةِ حُقُوقِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

الإسراء 17:26

﴿وَآتِ ذا القُرْبى﴾ أيْ: ذا القَرابَةِ ﴿حَقَّهُ﴾ تَوْصِيَةٌ بِالأقارِبِ إثْرَ التَّوْصِيَةِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ: المَحارِمُ، وبِحَقِّهِمُ النَّفَقَةُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّهِما المُواساةُ المالِيَّةُ لا مَحالَةَ، أيْ: وآتِهِما حَقَّهُما مِمّا كانَ مُفْتَرَضًا بِمَكَّةَ بِمَنزِلَةِ الزَّكاةِ، وكَذا النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ، وعَنِ الإفْراطِ في القَبْضِ (p-168)والبَسْطِ فَإنَّ الكُلَّ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ. ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ نَهْيٌ عَنْ صَرْفِ المالِ إلى مَن سِواهم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، فَإنَّ التَّبْذِيرَ تَفْرِيقٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَأْخُوذٌ مِن تَفْرِيقِ حَبّاتٍ، وإلْقائِها كَيْفَما كانَ مِن غَيْرِ تَعَهُّدٍ لِمَواقِعِهِ لا عَنِ الإكْثارِ في صَرْفِهِ إلَيْهِمْ، وإلّا لَناسَبَهُ الإسْرافُ الَّذِي هو تَجاوُزُ الحَدِّ في صَرْفِهِ، وقَدْ نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾ وكِلاهُما مَذْمُومٌ.

الإسراء 17:27

﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَلْزُوزًا في قَرْنِ الشَّياطِينِ، والمُرادُ "بِالأُخُوَّةِ" المُماثِلَةُ التّامَّةُ في كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِن صِفاتِ السُّوءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّبْذِيرُ، أيْ: كانُوا بِما فَعَلُوا مِنَ التَّبْذِيرِ أمْثالَ الشَّياطِينِ، أوِ الصَّداقَةُ، والمُلازَمَةُ، أيْ: كانُوا أصْدِقاءَهُمْ، وأتْباعَهم فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّبْذِيرِ، والصَّرْفِ في المَعاصِي، فَإنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ، ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها، ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ، وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَباهِي والمَلاهِي، أوِ المُقارَنَةُ، أيْ: قُرَناءَهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ، أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى والقُدَرُ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ هي لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي، والإفْسادِ في الأرْضِ، وإضْلالِ النّاسِ، وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وكُفْرانِ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ القَبِيحَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّبْذِيرَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرَفِها مِن بابِ الكُفْرانِ المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِلْإشْعارِ بِكَمالِ عُتُوِّهِ، فَإنَّ كُفْرانَ نِعْمَةِ الرَّبِّ مَعَ كَوْنِ الربوبية مِن قُوى الدَّواعِي إلى شُكْرِها غايَةُ الكُفْرانِ، ونِهايَةُ الضَّلالِ والطُّغْيانِ.

الإسراء 17:28

﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أيْ: إنِ اعْتَراكَ أمْرٌ اضْطَرَّكَ إلى أنْ تُعْرِضَ عَنْ أُولَئِكَ المُسْتَحِقِّينَ، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِفَقْدِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، فَإنَّ الفَقْدَ سَبَبٌ لِلِابْتِغاءِ. ﴿تَرْجُوها﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِتُعْطِيَهُمْ، وكانَ ﷺ إذا سُئِلَ شَيْئًا، ولَيْسَ عِنْدَهُ أعْرَضَ عَنِ السّائِلِ، وسَكَتَ حَياءً. فَأُمِرَ بِتَعَهُّدِهِمْ بِالقَوْلِ الجَمِيلِ لِئَلّا تَعْتَرِيَهِمُ الوَحْشَةُ بِسُكُوتِهِ ﷺ فَقِيلَ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ سَهْلًا لَيِّنًا، وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا مِن يَسِرَ الأمْرُ نَحْوَ: سَعِدَ. أوْ قُلْ لَهم رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ، عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لَهم يُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ فَقْرَهم.

الإسراء 17:29

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ، وإسْرافِ المُبَذِّرِ زَجْرًا لَهُما عَنْهُما، وحَمْلًا عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ الِاقْتِصادِ: ؎ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وَحَيْثُ كانَ قُبْحُ الشُّحِّ مُقارِنًا لَهُ مَعْلُومًا مِن أوَّلِ الأمْرِ رُوعِيَ ذَلِكَ في التَّصْوِيرِ بِأقْبَحِ الصُّوَرِ، ولَمّا كانَ غائِلَةُ الإسْرافِ في آخِرِهِ بُيِّنَ قُبْحُهُ في أثَرِهِ فَقِيلَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أيْ: فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ، وعِنْدَ نَفْسِكَ إذا احْتَجْتَ، ونَدِمْتَ عَلى ما فَعَلْتَ. ﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا، أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ مِن حَسَرَهُ السَّفَرُ إذا بَلَغَ مِنهُ، وما قِيلَ: مِن أنَّهُ (p-169)رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ إذْ أتاهُ صَبِيٌّ، فَقالَ: إنْ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا، فَقالَ ﷺ: مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ فَعُدْ إلَيْنا، فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ لَهُ: قُلْ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ، ونَزَعَ قَمِيصَهُ، وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا، وأذَّنَ بِلالٌ، وانْتَظَرُوا. فَلَمْ يَخْرُجْ لِلصَّلاةِ،» فَنَزَلَتْ، فَيَأْباهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، خَلا آياتٍ في آخِرِها كَذا ما قِيلَ: «إنَّهُ ﷺ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وكَذا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ، فَجاءَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ فَأنْشَدَ يَقُولُ: ؎ أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ ؎ وما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ ؎ وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ فَقالَ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، اقْطَعْ لِسانَهُ عَنِّي أعْطِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ»، وكانُوا جَمِيعًا مِنَ المُؤَلِّفَةِ القُلُوبُ، فَنَزَلَتْ:

الإسراء 17:30

﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما مَرَّ، أيْ: يُوَسِّعُهُ عَلى بَعْضٍ، ويُضَيِّقُهُ عَلى آخَرِينَ حَسْبَما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، فَلَيْسَ ما يُرْهِقُكَ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي تُحْوِجُكَ إلى الإعْراضِ عَنِ السّائِلِينَ، أوْ نَفاذِ ما في يَدِكَ إذا بَسَطْتَها كُلَّ البَسْطِ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ. ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ، أيْ: يَعْلَمُ سِرَّهُمْ، وعَلَنَهم، فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ مِن أمْرِ اللَّهِ العالِمِ بِالسَّرائِرِ، والظَّواهِرِ الَّذِي بِيَدِهِ خَزائِنُ السَّمَواتِ والأرْضِ، وأمّا العِبادُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَصِدُوا، وأنْ يُرادَ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ تارَةً، ويَقْبِضُ أُخْرى، فاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَلا تَقْبِضُوا كُلَّ القَبْضِ، ولا تَبْسُطُوا كُلَّ البَسْطِ، وأنْ يُرادَ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ ويَقْدِرُ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ. فَلا تَبْسُطُوا عَلى مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ:

الإسراء 17:31

﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ أيْ: مَخافَةَ فَقْرٍ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الخاءِ. كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ مَخافَةَ الفَقْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ لا أنْتُمْ فَلا تَخافُوا الفاقَةَ بِناءً عَلى عِلْمِكم بِعَجْزِكم عَنْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِمْ، وهو ضَمانٌ لِرِزْقِهِمْ، وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ بِإبْطالِ مُوجِبِهِ في زَعْمِهِمْ، وتَقْدِيمُ ضَمِيرِ الأوْلادِ عَلى المُخاطَبِينَ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِمْ في إفاضَةِ الرِّزْقِ، أوْ لِأنَّ الباعِثَ عَلى القَتْلِ هُناكَ الإمْلاقُ النّاجِزُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: مِن إمْلاقٍ وهَهُنا الإمْلاقُ المُتَوَقَّعُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَرْزُقُهم مِن غَيْرِ أنْ يُنْتَقَصَ مَن رِزْقِكم شَيْءٌ، فَيَعْتَرِيَكم ما تَخْشَوْنَهُ، وإيّاكم أيْضًا رِزْقًا إلى رِزْقِكم. ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ بِبَيانِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في نَفْسِهِ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ، والخِطْأُ: الذَّنْبُ والإثْمُ، يُقالُ خَطِئَ خِطْأً، كَأثِمَ إثْمًا. وقُرِئَ: بِالفَتْحِ والسُّكُونِ وبِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْناهُ كالحِذْرِ والحَذَرِ. وقِيلَ: بِمَعْنى ضِدِّ الصَّوابِ، وبِكَسْرِ الخاءِ والمَدِّ وبِفَتْحِها مَمْدُودًا وبِفَتْحِها وحَذْفِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِها كَذَلِكَ.

الإسراء 17:32

﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِمُباشَرَةِ مَبادِئِهِ القَرِيبَةِ أوِ البَعِيدَةِ فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإنَّما نَهى عَنْ قُرْبانِهِ عَلى خِلافِ ما سَبَقَ، ولَحِقَ مِنَ القَتْلِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ نَفْسِهِ، ولِأنَّ قُرْبانَهُ داعٍ إلى مُباشَرَتِهِ، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ (p-170)عَنْهُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ، والنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ عَلى الإطْلاقِ. بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَتْلٌ لِلْأوْلادِ لِما أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْأنْسابِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مَيِّتٌ حُكْمًا ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ فِعْلَةً ظاهِرَةَ القُبْحِ مُتَجاوِزَةً عَنِ الحَدِّ. ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ أيْ بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ، فَإنَّهُ غَصْبُ الأبْضاعِ المُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ أمْرِ الأنْسابِ، وهَيَجانِ الفِتَنِ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «إذا زَنى العَبْدُ خَرَجَ مِنهُ الإيمانُ، فَكانَ عَلى رَأْسِهِ كالظُّلَّةِ، فَإذا انْقَطَعَ رَجَعَ إلَيْهِ» ". وقالَ ﷺ: " «لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» ". وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﷺ: " «إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَ خِصالٍ ثَلاثٌ في الدُّنْيا، وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ. وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَسُخْطُ اللَّهِ تَعالى، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ» ".

الإسراء 17:33

﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ عَمْدًا. فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، أوْ مُلْتَبِسِينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ، أوْ يُبِيحُهُ لِلْقاتِلِ حَتّى إنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إباحَتُهُ لِغَيْرِ القاتِلِ، فَإنَّ مَن عَلَيْهِ القِصاصُ إذا قَتَلَهُ غَيْرُ مَن لَهُ القِصاصُ يُقْتَصُّ لَهُ، ولا يُفِيدُهُ قَوْلُ الوَلِيِّ أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ، ما لَمْ يَكُنِ الأمْرُ ظاهِرًا. ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ لِمَن يَلِي أمْرَهُ مِنَ الوارِثِ، أوِ السُّلْطانِ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ ﴿سُلْطانًا﴾ تَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً عَلى القاتِلِ يُؤاخِذُهُ بِالقِصاصِ، أوْ بِالدِّيَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِنايَتُهُ، أوْ حُجَّةً غالِبَةً. ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ وقُرِئَ: (لا نُسْرِفْ) ﴿فِي القَتْلِ﴾ أيْ: لا يُسْرِفُ الوَلِيُّ في أمْرِ القَتْلِ بِأنْ يَتَجاوَزَ الحَدَّ المَشْرُوعَ، بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ المُثْلَةَ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ مِن أقارِبِهِ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ الِاثْنَيْنِ مَكانَ الواحِدِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ القاتِلَ في مادَّةِ الدِّيَةِ. وقُرِئَ: بِصِيغَةِ النَّفْيِ مُبالَغَةً في إفادَةِ مَعْنى النَّهْيِ. ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، أوِ الدِّيَةَ، وأمَرَ الحُكّامَ بِمَعُونَتِهِ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَلا يَبْغِ ما وراءَ حَقِّهِ، ولا يَسْتَزِدْ عَلَيْهِ، ولا يَخْرُجْ مِن دائِرَةِ أمْرِ النّاصِرِ، أوْ لِلْمَقْتُولِ ظُلْمًا عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِما ذُكِرَ فَلا يُسْرِفْ ولِيُّهُ في شَأْنِهِ، أوْ لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ ظُلْمًا وإسْرافًا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّمِيرَ في "لا يُسْرِفْ" لِلْقاتِلِ الأوَّلِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (فَلا تُسْرِفُوا). والضَّمِيرانِ في التَّعْلِيلِ عائِدانِ إلى الوَلِيِّ، أوِ المَقْتُولِ. فالمُرادُ بِـ "الإسْرافِ" حِينَئِذٍ إسْرافُ القاتِلِ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْرِيضِهِ لَها لِلْهَلاكِ العاجِلِ والآجِلِ، لا الإسْرافُ وتَجاوُزُ الحَدِّ في القَتْلِ، أيْ: لا يُسْرِفُ عَلى نَفْسِهِ في شَأْنِ القَتْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ .

الإسراء 17:34

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ نَهْيٌ عَنْ قُرْبانِهِ لِما ذُكِرَ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ (p-171)عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، ومِن إفْضاءِ ذَلِكَ إلَيْهِ، ولِلتَّوَسُّلِ إلى الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ، والطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ والطَّرائِقِ، وهي حِفْظُهُ واسْتِثْمارُهُ. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِثْناءِ لا لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ فَقَطْ. ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ سَواءٌ جَرى بَيْنَكم وبَيْنَ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِنَ النّاسِ. والإيفاءُ بِالعَهْدِ، والوَفاءُ بِهِ، هو القِيامُ بِمُقْتَضاهُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْهِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالباءِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيفاءِ الحِسِّيِّ، كَإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ. ﴿إنَّ العَهْدَ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ مُطْلَقُ العَهْدِ المُنْتَظِمِ لِلْعَهْدِ المَعْهُودِ. ﴿كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ، وجَعْلِ الضَّمِيرِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًا في اسْمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: مَشْهُودٌ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ عَلى أنَّ أصْلَهُ الحَكِيمُ قائِلُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ مُسْتَكِنًا في الحَكِيمِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْيِيلًا، كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ: لَمْ نُكِثْتَ، وهَلّا وُفِّيَ بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ، كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ .

الإسراء 17:35

﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ولا تُخْسِرُوهُ. ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم لِلْمُشْتَرِينَ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّطْفِيفَ هُناكَ يَكُونُ، وأمّا وقْتُ الِاكْتِيالِ عَلى النّاسِ فَلا حاجَةَ إلى الأمْرِ بِالتَّعْدِيلِ، قالَ تَعالى: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ... الآيَةَ. ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ وهُوَ: القَرَسْطُونُ. وقِيلَ: كُلُّ مِيزانٍ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَرَبِيَّةِ القرآن لِانْتِظامِ المُعَرَّباتِ في سِلْكِ الكَلِمِ العَرَبِيَّةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ القافِ ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ أيِ: العَدْلِ السَّوِيِّ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِاسْتِقامَتِهِ عَنِ الأمْرِ بِإيفاءِ الوَزْنِ لِما أنَّ عِنْدَ اسْتِقامَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ الجَوْرُ غالِبًا بِخِلافِ الكَيْلِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ التَّطْفِيفُ مَعَ اسْتِقامَةِ الآلَةِ كَما أنَّ الِاكْتِفاءَ بِإيفاءِ الكَيْلِ عَنِ الأمْرِ بِتَعْدِيلِهِ، لِما أنَّ إيفاءَهُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ تَعْدِيلِ المِكْيالِ، وقَدْ أُمِرَ بِتَقْوِيمِهِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيفاءُ الكَيْلِ، والوَزْنِ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ. ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا إذْ هو أمانَةٌ تُوجِبُ الرَّغْبَةَ في مُعامَلَتِهِ، والذِّكْرَ الجَمِيلَ بَيْنَ النّاسِ. ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ، والمُرادُ ما يَئُولُ إلَيْهِ.

الإسراء 17:36

﴿وَلا تَقْفُ﴾ ولا تَتْبَعْ مِن قَفا أثَرَهُ إذا تَبِعَهُ، وقُرِئَ: (وَلا تَقُفْ) مِن قافَ أثَرَهُ، أيْ: قَفاهُ. ومِنهُ القافَةُ في جَمْعِ القائِفِ. ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَكُنْ في اتِّباعِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلِ كَمَن يَتَّبِعُ مَسْلَكًا لا يَدْرِي أنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَقْصِدِهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن مَنَعَ اتِّباعَ الظَّنِّ، وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِـ "العِلْمِ" هو الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ المُسْتَفادُ مِن سَنَدٍ قَطْعِيًّا كانَ أوْ ظَنِّيًّا، واسْتِعْمالُهُ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا يُنْكَرُ شُيُوعُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ. وقِيلَ: بِالرَّمْيِ وشَهادَةِ الزُّورِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعالى في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» ". ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ رُمِينا ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وقُرِئَ: بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ المَقْلُوبَةِ مِنَ الهَمْزَةِ عِنْدَ ضَمِّ الفاءِ. ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ (p-172)أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ، فَأُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ لَمّا كانَ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى أصْحابِها هَذا، وإنَّ أُولاءِ وإنْ غَلَبَ في العُقَلاءِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِذا الَّذِي يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ جاءَ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا، قالَ: ؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أيْ: كانَ كُلٌّ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى كُلٍّ، وكَذا الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ القافِي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إذِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: كُنْتَ عَنْهُ مَسْؤُولًا. وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ قَدْ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَسْؤُولًا مُعَلَّلًا بِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ لا يَلْتَبِسُ بِالمُبْتَدَأِ، وهو السَّبَبُ في مَنعِ تَقْدِيمِ الفاعِلِ وما يَقُومُ مَقامَهُ، ولَكِنَّ النَّحّاسَ حَكى الإجْماعَ عَلى عَدَمِ جَوازِ تَقْدِيمِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ إذا كانَ جارًّا ومَجْرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن بابِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ويُحْذَفُ الجارُّ مِنَ المُفَسَّرِ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ مُسْتَكِنًا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَسْؤُولًا مُسْنَدًا إلى المَصْدَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ، وأنْ يَكُونَ فاعِلُهُ المَصْدَرَ، وهو السُّؤالُ. و "عَنْهُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ، وسَألَ ابْنُ جِنِّي أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ فِيكَ يُرْغَبُ وقالَ: لا يَرْتَفِعُ بِما بَعْدَهُ فَأيْنَ المَرْفُوعُ، فَقالَ: المَصْدَرُ. أيْ: فِيكَ يُرْغَبُ الرَّغْبَةُ بِمَعْنى تُفْعَلُ الرَّغْبَةُ، كَما في قَوْلِهِمْ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، وُجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، أوْ فاعِلُهُ ضَمِيرَ كُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: كانَ صاحِبُهُ عَنْهُ مَسْؤُولًا، أوْ مَسْؤُولًا صاحِبُهُ.

الإسراء 17:37

﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ التَّقْيِيدُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإشْعارِ بِأنَّ المَشْيَ عَلَيْها مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَرَحِ ﴿مَرَحًا﴾ تَكَبُّرًا، وبَطَرًا، واخْتِيالًا. وهو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: ذا مَرَحٍ، أوْ تَمْرَحُ مَرَحًا، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ. وقُرِئَ: بِالكَسْرِ. ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُفاخَرَةٌ مَعَ الأرْضِ، وتَكَبُّرٌ عَلَيْها، أيْ: لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ بِدَوْسِكَ، وشِدَّةِ وطَأتِكَ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ الَّتِي هي بَعْضُ أجْزاءِ الأرْضِ ﴿طُولا﴾، حَتّى يُمْكِنَ لَكَ أنَّ تَتَكَبَّرَ عَلَيْها. إذِ التَّكَبُّرُ إنَّما يَكُونُ بِكَثْرَةِ القُوَّةِ، وعِظَمِ الجُثَّةِ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما عَلَيْهِ المُخْتالُ مِن رَفْعِ رَأْسِهِ، ومَشْيِهِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْهِ.

الإسراء 17:38

﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عُلِمَ في تَضاعِيفِ ذِكْرِ الأوامِرِ والنَّواهِي مِنَ الخِصالِ الخَمْسِ والعِشْرِينَ. ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وهي اثْنَتا عَشْرَةَ خَصْلَةً. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ مُبْغَضًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ، أوْ غَيْرَ مُرادٍ بِالإرادَةِ الأوَّلِيَّةِ لا غَيْرَ مُرادٍ مُطْلَقًا لِقِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ واقِعَةٌ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وهو تَتِمَّةٌ لِتَعْلِيلِ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها جَمِيعًا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الكَراهَةِ، مَعَ أنَّ البَعْضَ مِنَ الكَبائِرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُجَرَّدَ الكَراهَةِ عِنْدَهُ تَعالى كافِيَةٌ في وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ، وتَوْجِيهُ الإشارَةِ إلى الكُلِّ، ثُمَّ تَعْيِينُ البَعْضِ دُونَ تَوْجِيهِها إلَيْهِ ابْتِداءً لِما أنَّ البَعْضَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ جُمْلَةً بَلْ عَلى وجْهِ الِاخْتِلاطِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِ ما عَداهُ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إيذانًا بِالغِنى عَنْهُ، وقِيلَ: الإضافَةُ بَيانِيَّةٌ كَما في آيَةِ اللَّيْلِ، وآيَةِ النَّهارِ. وقُرِئَ: (سَيِّئَةً) عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ. (p-173)وَ "مَكْرُوهًا" بَدَلٌ مِن سَيِّئَةً، أوْ صِفَةٌ لَها مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، فَإنَّهُ بِمَعْنى سَيِّئًا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، أوْ مُجْرى عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ، أيْ: أمْرًا مَكْرُوهًا، أوْ مُجْرى مَجْرى الأسْماءِ زالَ عَنْهُ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في كانَ، أوْ في الظَّرْفِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ سَيِّئَةٌ، وقُرِئَ: (سَيِّئاتُهُ). وقُرِئَ: (شَأْنُهُ).

الإسراء 17:39

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ. ﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: بَعْضٌ مِنهُ، أوْ مِن جِنْسِهِ. ﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الَّتِي هي عِلْمُ الشَّرائِعِ، أوْ مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، والعَمَلُ بِهِ. أوْ مِنَ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ الَّتِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والفَسادُ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّمانِيَ عَشَرَةَ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ . قالَ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ وهي عَشْرُ آياتٍ في التَّوْراةِ، و "مِن" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أوْحى" عَلى أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ، أوِ ابْتِدائِيَّةٌ. وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ في الصِّلَةِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الحِكْمَةِ، وإمّا بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ الجارِّ. ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ صُدُورُ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ كُرِّرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ، ومُنْتَهاهُ، وأنَّهُ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عُلُومُهُ، وحِكَمُهُ، وإنَّ بَذَّ فِيها أساطِينَ الحُكَماءِ وحَكَّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ، وقَدْ رُتِّبَ عَلَيْهِ ما هو عائِدَةُ الإشْراكِ، أوْ لا حَيْثُ قِيلَ: فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، ورُتِّبَ عَلَيْهِ هَهُنا نَتِيجَتُهُ في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ مِن جِهَةِ نَفْسِكَ، ومِن جِهَةِ غَيْرِكَ. ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي إيرادِ الإلْقاءِ مُبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيُ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وازْدِراءٌ بِالمُشْرِكِ، وجَعْلٌ لَهُ مِن قَبِيلِ خَشَبَةٍ يَأْخُذُها آخِذٌ بِكَفِّهِ فَيَطْرَحُها في التَّنُّورِ.

الإسراء 17:40

﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ خِطابٌ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإصْفاءُ بِالشَّيْءِ جَعْلُهُ خالِصًا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، أيْ: أفَضَّلَكم عَلى جَنابِهِ فَخَصَّكم بِأفْضَلِ الأوْلادِ عَلى وجْهِ الخُلُوصِ، وآثَرَ لِذاتِهِ أخَسَّها، وأدْناها كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ وقَدْ قَصَدَ هَهُنا بِالتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية تَشْدِيدَ النَّكِيرِ، وتَأْكِيدَهُ، وأُشِيرَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإيرادِ الإناثِ مَكانَ البَناتِ إلى كَفَرَةٍ لَهم أُخْرى، وهي وصْفُهم لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالأُنُوثَةِ الَّتِي هي أخَسُّ صِفاتِ الحَيَوانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ﴾ بِمُقْتَضى مَذْهَبِكُمُ الباطِلِ الَّذِي هو إضافَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ﴿قَوْلا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في اسْتِتْباعِ الإثْمِ، وخَرْقِهِ لِقَضايا العُقُولِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَيْثُ يَجْعَلُونَهُ تَعالى مِن قَبِيلِ الأجْسامِ المُتَجانِسَةِ السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ الباقِي بِذاتِهِ، ثُمَّ تُضِيفُونَ إلَيْهِ ما تَكْرَهُونَ مَن أخَسِّ الأوْلادِ، وتُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ أنْفُسَكم بِالبَنِينَ، ثُمَّ تَصِفُونَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ بِالأُنُوثَةِ الَّتِي هي أخَسُّ أوْصافِ الحَيَوانِ فَيا لَها (p-174)مِن ضَلَّةٍ ما أقْبَحَها، وكَفْرَةٍ ما أشْنَعَها وأفْظَعَها.

الإسراء 17:41

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ هَذا المَعْنى، وكَرَّرْناهُ ﴿فِي هَذا القرآن﴾ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّصْرِيفِ في مَواضِعَ مِنهُ، وإنَّما تُرِكَ الضَّمِيرُ تَعْوِيلًا عَلى الظُّهُورِ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ما فِيهِ، ويَقِفُوا عَلى بُطْلانِ ما يَقُولُونَهُ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ الحالِ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، ويُحْكى لِلسّامِعِينَ هَناتُهُمْ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الذِّكْرِ، بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذا القرآن ما نَطَقَ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ المَذْكُورَةِ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ الوارِدَةِ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى التَّصْرِيفِ فِيهِ جَعْلُهُ مَكانًا لَهُ، أيْ: أوْقَعَنا فِيهِ التَّصْرِيفَ، كَقَوْلِهِ: يَجْرَحُ في عَراقِيها نَصْلِي. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ إضافَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى البَناتِ، وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ إبْطالَها مِن آثارِ القرآن، ونَتائِجِها. ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما يَزِيدُهم ذَلِكَ التَّصْرِيفُ البالِغُ. ﴿إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ، وإعْراضًا عَنْهُ فَضْلًا عَنِ التَّذَكُّرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ.

الإسراء 17:42

﴿قُلْ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى. ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ تَعالى ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ قاطِبَةً، وقُرِئَ: بِالتّاءِ خِطابًا لَهم مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ. والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابِهَةِ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ. ﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾ جَوابٌ عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، وجَزاءٌ لِـ "لَوْ" أيْ: لَطَلَبُوا. ﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والربوبية عَلى الإطْلاقِ. ﴿سَبِيلا﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . وقِيلَ: بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأنْسَبُ.

الإسراء 17:43

﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمّا يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْرِيرِ، ولا هو مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ. ﴿وَتَعالى﴾ مُتَباعِدًا ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ. ﴿عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا؟ وإنَّهُ سُبْحانَهُ في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ، وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ لَهُ تَعالى شُرَكاءَ وأوْلادًا في أبْعَدِ مَراتِبِ العَدَمِ، أعْنِي الِامْتِناعَ لا لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ، وهو كَوْنُهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ، فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ، كَما قِيلَ. فَإنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلِ اتِّخاذُهُ تَعالى لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ آلِهَةٌ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن شَأْنُهُ ذَلِكَ.

الإسراء 17:44

(p-175)﴿تُسَبِّحُ﴾ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقُرِئَ: بِالتَّحْتانِيَّةِ. وقُرِئَ: (سَبَّحَتْ) ﴿لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ مَعْنًى مُنْتَظِمٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ المَقالِ، ولِسانُ الحالِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ. ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ حَيَوانًا كانَ. أوْ نَباتًا، أوْ جَمادًا. ﴿إلا يُسَبِّحُ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ تَعالى بِلِسانِ الحالِ عَمّا لا يَلِيقُ بِذاتِهِ الأقْدَسِ مِن لَوازِمِ الإمْكانِ، ولَواحِقِ الحُدُوثِ إذْ ما مِن مَوْجُودٍ إلّا وهو بِإمْكانِهِ، وحُدُوثِهِ، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ لَهُ صانِعًا عَلِيمًا قادِرًا، حَكِيمًا واجِبًا لِذاتِهِ، قَطْعًا لِلسِّلْسَلَةِ. ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ ذَلِكَ. وقُرِئَ: لا يُفَقَّهُونَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِن بابِ التَّفْعِيلِ. ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ مَعَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِها مِنَ الإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ في الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، والِانْهِماكِ في الكُفْرِ والإشْراكِ. ﴿غَفُورًا﴾ لِمَن تابَ مِنكم.

الإسراء 17:45

﴿وَإذا قَرَأْتَ القرآن﴾ النّاطِقَ بِالتَّسْبِيحِ، والتَّنْزِيهِ. ودَعَوْتَهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الشِّرْكِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ. ﴿جَعَلْنا﴾ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى دَواعِي الحِكَمِ الخَفِيَّةِ. ﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أُوثِرَ المَوْصُولُ عَلى الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ كُفْرُهم بِالآخِرَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ونَحْوِهِ. دَلالَةً عَلى أنَّها مُعْظَمُ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القرآن، وتَمْهِيدًا لِما سَيُنْقَلُ عَنْهم مِن إنْكارِ البَعْثِ، واسْتِعْجالِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم مِن أنْ يُدْرِكُوكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَفْهَمُوا قَدْرَكَ الجَلِيلَ، ولِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى تَفَوُّهِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أوْ حُمِلَ الحِجابُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ "تَبَّتْ" أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي يَدِها فِهْرٌ، والنَّبِيُّ ﷺ قاعِدٌ في المَسْجِدِ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمّا رَآها قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ، وأخافُ أنْ تَراكَ، قالَ ﷺ: إنَّها لَنْ تَرانِي. وقَرَأ قُرْآنًا فَوَقَفَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» . مِمّا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ. ﴿مَسْتُورًا﴾ ذا سَتْرٍ، كَما في قَوْلِهِمْ: سَيْلٌ مُفْعَمٌ أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، بِمَعْنى غَيْرِ حِسِّيٍّ، أوْ مَسْتُورًا في نَفْسِهِ بِحِجابٍ آخَرَ، أوْ مَسْتُورًا كَوْنُهُ حِجابًا، حَيْثُ لا يَدْرُونَ أنَّهم لا يَدْرُونَ.

الإسراء 17:46

﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً كَثِيرَةً جَمْعُ كِنانٍ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أوْ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ، ويَعْرِفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَفِي (p-176)آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا، وثِقَلًا مانِعًا مِن سَماعِهِ اللّائِقِ بِهِ، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَرْطِ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القرآن الكَرِيمِ، ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ. جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ المَقالِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ الحالِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ فَهْمِهِ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ لا حِكايَةً لِما فَهِمَهُ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ لا حِكايَةً لِما قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفِى آذاننا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ، كَيْفَ لا؟ وقَصْدُهم بِذَلِكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القرآن والنَّبِيِّ ﷺ جَهْلًا وكُفْرًا مِنِ اتِّصافِهِما بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والإيمانِ. كَكَوْنِ القرآن سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ، وقِسْ عَلَيْهِ حالَ النَّبِيِّ ﷺ لا الإخْبارُ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ما أدْرَكُوهُ قَدْ حالَ بَيْنَهُمْ، وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِمّا لا يَكادُ يُلائِمُ المَقامَ. ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القرآن وحْدَهُ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهُمْ، وهو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أصْلُهُ يَحْدُو حَدَّهُ. ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: هَرَبُوا ونَفَرُوا ﴿نُفُورًا﴾، أوْ ولَّوْا نافِرِينَ.

الإسراء 17:47

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِنَ اللَّغْوِ، والِاسْتِخْفافِ، والهُزْءِ بِكَ وبِالقرآن. يُرْوى «أنَّهُ كانَ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ ﷺ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وعَنْ يَسارِهِ رَجُلانِ فَيُصَفِّقُونَ، ويَصْفِرُونَ، ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ» . ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ظَرْفٌ لِـ "أعْلَمُ" وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَما يَقَعُ الِاسْتِماعُ المَزْبُورُ مِنهم يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، لا أنَّ العِلْمَ يُسْتَفادُ هُناكَ مِن أحَدٍ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ بَلْ بِما بِهِ التَّناجِي المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِسِياقِ النَّظْمِ، والمَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وبِالَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم. أوِ الأوَّلُ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ، والثّانِي لِيَتَناجَوْنَ. والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ غَيْرَ تَأْخِيرٍ، وبِما بِهِ التَّناجِي وقْتَ تَناجِيهِمْ. ونَجْوى مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: ذَوُو نَجْوى، أوْ هو جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتْلى جَمْعُ قَتِيلٍ، أيْ: مُتَناجُونَ. ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ هُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ غَيْرُ ما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، وإنَّما وُضِعَ الظّالِمُونَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِأنَّهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ مُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ، أيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنهم لِلْآخَرِينَ عِنْدَ تَناجِيهِمْ. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ ما تَتَّبِعُونَ إنْ وُجِدَ مِنكُمُ الِاتِّباعُ فَرْضًا، أوْ ما تَتَّبِعُونَ بِاللَّغْوِ والهُزْءِ. ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ فَجُنَّ، أوْ رَجُلًا ذا سِحْرٍ، أيْ: رِئَةً يَتَنَفَّسُ، أيْ: بَشَرًا مِثْلَكم.

الإسراء 17:48

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ، والسّاحِرِ، والمَجْنُونِ. ﴿فَضَلُّوا﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَنْ مِنهاجِ المَحاجَّةِ. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ، فَيَتَهافَتُونَ، ويَخْبِطُونَ، ويَأْتُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ أحَدٌ، أوْ إلى سَبِيلِ الحَقِّ والرَّشادِ، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما لا يَخْفى.

الإسراء 17:49

(p-177)﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ، والِاسْتِنْكارِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ ما آلَ الحالُ إلى هَذا المَآلِ، لِما بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ، ويُبُوسَةِ الرَّمِيمِ مِنَ التَّنافِي، كَأنَّ اسْتِحالَةَ الأمْرِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ المُخاطَبُ عَلى التَّكَلُّمِ بِهِ. و "الرُّفاتُ" ما بُولِغَ في دَقِّهِ وتَفْتِيتِهِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو التُّرابُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو الحُطامُ. و "إذا" مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، وهو الأظْهَرُ. والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفْسُهُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ والهَمْزَةِ واللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وهو نُبْعَثُ أوْ نُعادُ وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ، فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في قَوْلِهِمْ: "أئِنّا" لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ "أنَّ واللّامِ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَّهَمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " أفَلا تَعْقِلُونَ " ونَظائِرِهِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ. فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ، لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ، كَما هو المَشْهُورُ. ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِظامًا ورُفاتًا، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَلْ كَوْنُهم بِعَرْضِيَّةِ ذَلِكَ، واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ، وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوِ الحالِيَّةِ عَلى أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

الإسراء 17:50

﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهُمْ، وقَرِيبًا لِما اسْتَبْعَدُوهُ. ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ .

الإسراء 17:51

﴿أوْ خَلْقًا﴾ آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: يَعْظُمُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَمالِ المُبايَنَةِ، والمُنافاةِ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَإنَّكم مَبْعُوثُونَ، ومُعادُونَ لا مَحالَةَ. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ مَعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ الإعادَةِ مِن مِثْلِ هَذِهِ المُباعَدَةِ والمُبايَنَةِ. ﴿قُلِ﴾ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وإزاحَةً لِلِاسْتِبْعادِ، وإرْشادًا لَهم إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ. ﴿الَّذِي﴾ أيْ: يُعِيدُكُمُ القادِرُ العَظِيمُ الَّذِي ﴿فَطَرَكُمْ﴾ اخْتَرَعَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ، ولا أُسْلُوبٍ يَنْتَحِيهِ، وكُنْتُمْ تُرابًا ما شَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ، ألَيْسَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُعِيدَ العِظامَ البالِيَةَ إلى حالَتِها المَعْهُودَةِ؟! بَلى أنَّهُ عَلى كُلٍّ شَيْء قَدِير. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ: سَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا وإنْكارًا ﴿وَيَقُولُونَ﴾ اسْتِهْزاءً. ﴿مَتى هُوَ﴾ أيْ: ما ذَكَرْتَهُ مِنَ الإعادَةِ ﴿قُلِ﴾ لَهم ﴿عَسى أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ ﴿قَرِيبًا﴾ . نُصِبَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِيَكُونَ، أوْ ظَرْفٌ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ: أنْ يَقَعَ في زَمانٍ قَرِيبٍ، ومَحَلُّ "أنْ" مَعَ ما في حَيِّزِها، إمّا نَصْبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لَعَسى، وهي ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ هُوَ، أيْ: عَسى البَعْثُ أنْ يَكُونَ قَرِيبًا، أوْ عَسى البَعْثُ يَقَعَ في زَمانٍ قَرِيبٍ، أوْ رَفْعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ (p-178)لَعَسى. وهي تامَّةٌ، أيْ: عَسى كَوْنُهُ قَرِيبًا، أوْ وُقُوعُهُ في زَمانٍ قَرِيبٍ.

الإسراء 17:52

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ: اذْكُرُوا. أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَرِيبًا عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ بِيَكُونَ تامَّةً بِالِاتِّفاقِ، أوْ ناقِصَةً عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ، أوْ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ المُسْتَكِنِّ في عَسى، أوْ يَكُونُ أعْنِي البَعْثَ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ فَهُوَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتُبْعَثُونَ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لَهُما الدُّعاءُ، والإجابَةُ إيذانًا بِكَمالِ سُهُولَةِ التَّأتِّي، وبِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ، والجَوابِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَسْتَجِيبُونَ، أيْ: مُنْقادِينَ لَهُ، حامِدِينَ لِما فُعِلَ بِكُمْ، غَيْرَ مُسْتَعْصِينَ. أوْ حامِدِينَ لَهُ تَعالى عَلى كَمالِ قدرته عِنْدَ مُشاهَدَةِ آثارِها، ومُعايَنَةِ أحْكامِها. ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، أيْ: تَظُنُّونَ عِنْدَ ما تَرَوْنَ ما تَرَوْنَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ. ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، أوْ ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا.

الإسراء 17:53

﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ ﴿يَقُولُوا﴾ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿الَّتِي﴾ أيِ: الكَلِمَةَ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ . ولا يُخاشِنُوهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهِيجُ الشَّرَّ والمِراءَ ويُغْرِي بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ لِتَقَعَ بَيْنَهُمُ المَشاقَّةُ، والمَشارَّةُ، والمَعارَّةُ، والمَضارَّةُ. فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى تَأكُّدِ العِنادِ، وتَمادِي الفَسادِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ، وقُرِئَ: بِكَسْرِ الزّاءِ، ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ قِدَمًا ﴿لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم.

الإسراء 17:54

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ. ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ. وهَذا تَفْسِيرُ الَّتِي هي أحْسَنُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ، وما يُشاكِلُها، ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ مِمّا يُهِيجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ العاقِبَةَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَعَسى يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ. ﴿وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أُمُورُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ، وإنَّما أرْسَلْناكَ بَشِيرًا، ونَذِيرًا فَدارِهِمْ، ومُرْ أصْحابَكَ بِالمُداراةِ، والِاحْتِمالِ، وتَرْكِ المُحاقَّةِ والمُشاقَّةِ، وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَتَمَهُ رَجُلٌ فَأُمِرَ بِالعَفْوِ. وقِيلَ: أفْرَطَ أذِيَّةُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ أنْ يَقُولُوا يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، ويَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

الإسراء 17:55

﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-179)وَتَفاصِيلِ أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والكامِنَةِ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُونَ الِاصْطِفاءَ، والِاجْتِباءَ، فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، وهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: بَعِيدٌ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا. وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوعُ أصْحابَهُ دُونَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأكابِرِ والصَّنادِيدِ. وذِكْرُ مَن في السَّمَواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ . وذِكْرُ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ . ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضَ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ إيتاءُ الزَّبُورِ لا إيتاءُ المُلْكِ، والسَّلْطَنَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ نُعُوتَهُ الجَلِيلَةَ، وكَوْنَهُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ مَسْطُورَةٌ في الزَّبُورِ، وأنَّ المُرادَ بِعِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ هو النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ. وتَعْرِيفُ "الزَّبُورِ" تارَةً، وتَنْكِيرُهُ أُخْرى، إمّا لِأنَّهُ في الأصْلِ فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالحَلُوبِ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ كالقَوْلِ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ آتَيْنا داوُدَ زَبُورًا مِنَ الزُّبُرِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُهُ ﷺ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الزّايِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ زَبْرٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ.

الإسراء 17:56

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ، والمَسِيحِ، وعُزَيْرٍ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ بِالمَرَّةِ كالمَرَضِ، والفَقْرِ، والقَحْطِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ أيْ: ولا تَحْوِيلَهُ إلى غَيْرِكم.

الإسراء 17:57

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ لِأنْفُسِهِمْ ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ ومالِكِ أُمُورِهِمْ، ﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبَةَ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن فاعِلِ يَبْتَغُونَ، و "أيُّ" مَوْصُولَةٌ، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ تَعالى الوَسِيلَةَ، فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُ؟ أوْ ضُمِّنَ الِابْتِغاءُ مَعْنى الحِرْصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ بِها ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ بِتَرْكِها كَدَأْبِ سائِرِ العِبادِ، فَأيْنَ هم مِن كَشْفِ الضُّرِّ فَضْلًا عَنِ الإلَهِيَّةِ؟ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى المَلائِكَةُ والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "وَيَخافُونَ عَذابَهُ" وتَخْصِيصُهُ بِالتَّعْلِيلِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ مِنَ العَذابِ، وأنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ بَوْنًا بَعِيدًا.

الإسراء 17:58

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ بَيانٌ لِتَحَتُّمِ حُلُولِ عَذابِهِ تَعالى بِـ "مَن" لا يَحْذَرُهُ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ حَقِيقٌ بِالحَذَرِ، وأنَّ أساطِينَ الخَلْقِ مِنَ المَلائِكَةِ، والنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ، وكَلِمَةُ "إنْ" نافِيَةٌ، و "مِنِ" اسْتِغْراقِيَّةٌ، والمُرادُ بِـ "القَرْيَةِ" القَرْيَةُ الكافِرَةُ، أيْ: ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ ﴿إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ . (p-180)أيْ: مُخَرِّبُوها البَتَّةَ بِالخَسْفِ بِها، أوْ بِإهْلاكِ أهْلِها بِالمَرَّةِ لِما ارْتَكَبُوا مِن عَظائِمِ المُوبِقاتِ المُسْتَوْجِبِ لِذَلِكَ، وفي صِيغَةِ الفاعِلِ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ما لَيْسَ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والتَّقَرُّرِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ، ولا هو بِطْرِيقِ العُقُوبَةِ، وإنَّما هو لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا ﴿أوْ مُعَذِّبُوها﴾ أيْ: مُعَذِّبُو أهْلِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ لا بِالقَتْلِ، والسَّبْيِ، ونَحْوِهِما مِنَ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ بِما لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ مِن فُنُونِ العُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةِ أيْضًا، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ إطْلاقُ التَّعْذِيبِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الإهْلاكُ مِن قَبْلِيَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ كَيْفَ لا؟ وكَثِيرٌ مِنَ القُرى العاتِيَةِ العاصِيَةِ قَدْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا لَمْ يُغادَرْ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بُيِّنَ فِيهِ بِكَيْفِيّاتِهِ، وأسْبابِهِ المُوجِبَةِ لَهُ، ووَقْتِهِ المَضْرُوبِ لَهُ هَذا، وقَدْ قِيلَ: الهَلاكُ لِلْقُرى الصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: وجَدْتُ في كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَيُخْرِبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا. وقالَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في كِتابِ الفِتَنِ: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ، حَتّى تَخْرَبَ أرْمِينِيَّةُ، وأرْمِينِيَّةُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى، حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزَّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنِ انْقِطاعِ النَّيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ مِن ورائِهِمْ يَحْصُرُهم حَتّى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَشْرَبُوا مِنَ الفُراتِ قَطْرَةً، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قِبَلِ الغَرَقِ، وخَرابُ الأيْلَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ التِّبْتِ، وخَرابُ التِّبْتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِن قِبَلِ الجُوعِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: آخَرُ قَرْيَةٍ مِن قُرى الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ،» وقَدْ أخْرَجَهُ العُمَرِيُّ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَعْمِيمَ القَرْيَةِ لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ.

الإسراء 17:59

﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ أيِ: الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ مِن إحْياءِ المَوْتى، وقَلْبِ الصَّفا ذَهَبًا، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما مَنَعَنا إرْسالَها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ بِها حِينَ جاءَتْهم بِاقْتِراحِهِمْ، وعَدَمُ إرْسالِهِ تَعالى بِها، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا لِمَنعِ مانِعٍ عَنْ ذَلِكَ مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ غَيْرِهِ لِاسْتِحالَةِ العَجْزِ عَلَيْهِ تَعالى، لَكِنَّ تَكْذِيبَهُمُ المَذْكُورَ بِواسِطَةِ اسْتِتْباعِهِ لِاسْتِئْصالِهِمْ بِحُكْمِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ، واسْتَلْزامِهِ لِتَكْذِيبِ الآخَرِينَ بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العُتُوِّ، والعَتادِ، وإفْضائِهِ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ بِحُكْمِ الشِّرْكَةِ في الجَرِيرَةِ لَمّا كانَ مُنافِيًا لِإرْسالِ ما اقْتَرَحُوهُ (p-181)مِنَ الآياتِ، لِتَعْيِينِ التَّكْذِيبِ المُسْتَدْعِي لِلِاسْتِئْصالِ المُخالِفِ لِما جَرى بِهِ قَلَمُ القَضاءِ مِن تَأْخِيرِ عُقُوباتِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى الآخِرَةِ لِحِكَمٍ باهِرَةٍ مِن جُمْلَتِها ما يُتَوَهَّمُ مِن إيمانِ بَعْضِ أعْقابِهِمْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُنافاةِ بِالمَنعِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ، إيذانًا بِتَعاضُدِ مَبادِئِ الإرْسال لا كَما زَعَمُوا مِن عَدَمِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَأْيِيدِهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ الإرْسالِ عَلى الإيتاءِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَداعِي الآياتِ إلى النُّزُولِ لَوْلا أنْ تُمْسِكَها يَدُ التَّقْدِيرِ، وإسْنادُ هَذا المَنعِ إلى تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ لا إلى علمه تعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ الآخِرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإبْرازِ الأُنْمُوذَجِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ عَدَمِ الإجابَةِ إلى إيتاءِ مُقْتَرَحِهِمْ لَيْسَ إلّا صَنِيعَهم. ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، فَكَذَّبُوها، وآتَيْنا بِاقْتِراحِهِمْ ثَمُودَ النّاقَةَ. ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيْ: بَيِّنَةً ذاتَ إبْصارٍ، أوْ بَصائِرَ يُدْرِكُها النّاسُ، أوْ أُسْنِدَ إلَيْها حالُ مَن يُشاهِدُها مَجازًا، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ مَن أبْصَرَهُ جَعَلَهُ بَصِيرًا. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وبِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها ظالِمِينَ، أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِها بَلْ فَعَلَوْا بِها ما فَعَلُوا مِنَ العَقْرِ، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وعَرَّضُوها لِلْهَلاكِ بِسَبَبِ عَقْرِها، ولَعَلَّ تَخْصِيصَها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ ثَمُودَ عَرَبٌ مِثْلَهُمْ، وأنَّ لَهم مِنَ العِلْمِ بِحالِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ يُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، وُرُودًا وصُدُودًا، أوْ لِأنَّها مِن جِهَةِ أنَّها حَيَوانٌ أُخْرِجَ مِنَ الحَجْرِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ المُقْتَرَحَةِ ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ لِمَن أُرْسِلَتْ هي عَلَيْهِمْ مِمّا يَعْقُبُها مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ كالطَّلِيعَةِ لَهُ، وحَيْثُ لَمْ يَخافُوا ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ حِينَئِذٍ مِنَ الإعْرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ: ظَلَمُوا بِها، ولَمْ يَخافُوا عاقِبَتَهُ، والحالُ أنّا ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ الَّذِي يَعْقُبُها فَنَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلْ.

الإسراء 17:60

﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: عِلْمًا كَما نَقَلَهُ الإمامُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمُ الماضِيَةِ، والمُسْتَقْبَلَةِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّكْذِيبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِها بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ لِاشْتِراكَ الكُلِّ في كَوْنِها أُمُورًا خارِقَةً لِلْعاداتِ، مُنَزَّلَةً مِن جانِبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَكْذِيبُهم لِبَعْضِها مُسْتَلْزِمٌ لِتَكْذِيبِ الباقِي كَما أنَّ تَكْذِيبَ الآخَرِينَ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، والمُرادُ بِالـرُّؤْيا ما عايَنَهُ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ مِن عَجائِبِ الأرْضِ، والسَّماءِ حَسْبَما ذُكِرَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالرُّؤْيا، إمّا لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ الرُّؤْيَةِ، أوْ لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: لَعَلَّها رُؤْيا، أيْ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَها عِيانًا مَعَ كَوْنِها آيَةً عَظِيمَةً، وأيَّةَ آيَةٍ حَقِيقَةٍ بِأنْ (p-182)لا يَتَلَعْثَمُ في تَصْدِيقِها أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ إلّا فِتْنَةً افْتُتِنَ بِها النّاسُ حَتّى ارْتَدَّ بَعْضُهم. ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القرآن﴾ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، والمُرادُ بِلَعْنِها فِيهِ لَعْنُ طاعِمِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، أوْ إبْعادُها عَنِ الرَّحْمَةِ فَإنَّها تَنْبُتُ في أصْلِ الجحيم في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أيْ: وما جَعَلْناها إلّا فِتْنَةً لَهم حَيْثُ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجحيم يَحْرِقُ الحِجارَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَقَدْ ضَلُّوا في ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا حَيْثُ كابَرُوا قَضِيَّةَ عُقُولِهِمْ، فَإنَّهم يَرَوْنَ النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ، وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ فَلا تَضُرُّها، ويُشاهِدُونَ المَنادِيلَ المُتَّخَذَةَ مِن وبَرِ السَّمَندَرِ تُلْقى في النّارِ فَلا تُؤَثِّرُ فِيها، ويَرَوْنَ أنَّ في كُلِّ شَجَرٍ نارًا. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القرآن كَذَلِكَ. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بِذَلِكَ، وبِنَظائِرِها مِنَ الآياتِ، فَإنَّ الكُلَّ لِلتَّخْوِيفِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ. ﴿إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ مُتَجاوِزًا عَنِ الحَدِّ فَلَوْ أنّا أُرْسِلْنا بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ لَفَعَلُوا بِها ما فَعَلُوا بِنَظائِرِها، وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ، وقَدْ قَضَيْنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ العامَّةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إلى الطّامَّةِ الكُبْرى، هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وقَدْ حَمَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ الإحاطَةَ عَلى الإحاطَةِ بِالقُدْرَةِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا عَسى يَعْتَرِيهِ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى إنْزالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها؛ لِأنَّ إنْزالَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ مِن نَوْعِ حُزْنٍ مِن طَعْنِ الكَفَرَةِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ اللَّطِيفَ بِكَ قَدْ أحاطَ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَةِ قدرته لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَشِيئَتِهِ، فَهو يَحْفَظُكَ مِنهُمْ، فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ، وامْضِ لِما أمَرْتُكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. ألا يُرى أنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ مِن قَبْلُ جَعَلْناها فِتْنَةً لِلنّاسِ، مُوَرِّثَةً لِلشُّبْهَةِ مَعَ أنَّها ما أوْرَثَتْ ضَعْفًا لِأمْرِكَ، وفُتُورًا في حالِكَ. وقَدْ فُسِّرَ الإحاطَةُ بِإهْلاكِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مُنْتَظَرًا حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾، وغَيْرُ ذَلِكَ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في أخْبارِهِ، وأُوِّلَتِ الرُّؤْيا بِما رَآهُ ﷺ في المَنامِ مِن مَصارِعِهِمْ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَما ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: واللَّهِ لِكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ، هَذا مَصْرَعُ فَلانَ، وهَذا مَصْرَعُ فَلانَ» . فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، فاسْتَسْخَرُوا مِنهُ، وبِما رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ، وأخْبَرَ بِهِ أصْحابَهُ فَتَوَجَّهَ إلَيْها فَصَدَّهُ عامَ المُشْرِكُونَ الحُدَيْبِيَةَ، واعْتَذَرَ عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ مَدَنِيًّا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ بِإهْلاكِهِمْ، وكَذا الرُّؤْيا واقِعًا بِمَكَّةَ. وذِكْرُ الرُّؤْيا، وتَعْيِينُ المَصارِعِ واقِعَيْنِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ افْتِتانُ النّاسِ بِذَلِكَ واقِعًا بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأنْ يَكُونَ ازْدِيادُهم طُغْيانًا مُتَوَقَّعًا غَيْرَ واقِعٍ عِنْدِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ قِيلَ: الرُّؤْيا ما رَآهُ ﷺ في وقْعَةِ بَدْرٍ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ ولا رَيْبَ في أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا مَعَ وُقُوعِها في المَدِينَةِ ما جُعِلَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.

الإسراء 17:61

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ تَذْكِيرٌ لِما جَرى مِنهُ تَعالى مِنَ الأمْرِ، ومِنَ المَلائِكَةِ مِنَ الِامْتِثالِ، والطّاعَةِ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾، ويَعْلَمُ (p-183)مِن حالِ المَلائِكَةِ حالَ غَيْرِهِمْ مِن عِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في الطّاعَةِ، وابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ، ورَجاءِ الرَّحْمَةِ، ومَخافَةِ العَذابِ. ومِن حالِ إبْلِيسَ حالُ مَن يُعانِدُ الحَقَّ، ويُخالِفُ الأمْرَ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمْ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ تَحِيَّةً، وتَكْرِيمًا لِما لَهُ مِنَ الفَضائِلِ المُسْتَوْجِبَةِ لِذَلِكَ، ﴿فَسَجَدُوا﴾ لَهُ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ امْتِثالًا لِلْأمْرِ، وأداءً لِحَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ وكانَ داخِلًا في زُمْرَتِهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ. ﴿قالَ﴾ أيْ: عِنْدَ ما وُبِّخَ بِقَوْلِهِ عَزَّ سُلْطانُهُ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وأنا مَخْلُوقٌ مِنَ العُنْصُرِ العالِي، ﴿لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: مِن طِينٍ. أوْ حالٌ مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ، أيْ: خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ. أوْ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، أيْ: أأسْجُدُ لَهُ، وأصْلُهُ طِينٌ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِالمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ إنْكارِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ.

الإسراء 17:62

﴿قالَ﴾ أيْ: إبْلِيسُ لَكِنْ لا عَقِيبَ كَلامِهِ المَحْكِيِّ بَلْ بَعْدَ الإنْظارِ المُتَرَتِّبِ عَلى اسْتِنْظارِهِ المُتَفَرِّعِ عَلى الأمْرِ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ المَلَأِ الأعْلى بِاللَّعْنِ المُؤَبَّدِ، وإنَّما لَمْ تُصَرِّحْ بِذَلِكَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَإنَّ تَوْسِيطَ "قالَ" بَيْنَ كَلامَيِ اللَّعِينِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ، وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ بَلْ عَلى غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ . ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ "الكافُ" لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ صِفَتُهُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأنْ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقِيلَ: "هَذا" مُبْتَدَأٌ حُذِفَ عَنْهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُهُ، ومَقْصُودُهُ الِاسْتِصْغارُ والِاسْتِحْقارُ، أيْ: أخْبِرْنِي أهَذا مَن كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ؟ وقِيلَ: مَعْنى "أرَأيْتَكَ" أتَأمَّلْتَ، كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يُنَبَّهُ المُخاطَبَ عَلى اسْتِحْضارِ ما يُخاطِبُهُ بِهِ عَقِيبَهُ. ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ﴾ حَيًّا ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ قَوْلُهُ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: لَأسْتَأْصِلَنَّهم مِن قَوْلِهِمُ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، أوْ لَأقُودَنَّهم حَيْثُ ما شِئْتُ، ولَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءً قَوِيًّا مِن قَوْلِهِمْ حَنَكْتُ الدّابَّةَ، واحْتَنَكْتُها. إذا جَعَلْتَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا تَقُودُها بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ وإنَّما عُلِمَ تَسَنِّي ذَلِكَ المَطْلَبِ لَهُ تَلَقِّيًا مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ أوْ تَوَسُّمًا مِن خَلْقِهِ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ مِنهُمْ، وهُمُ المُخْلَصُونَ الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

الإسراء 17:63

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وهو طَرْدٌ لَهُ، وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ. ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ أيْ: جَزاؤُكَ، وجَزاؤُهم. فَغُلِّبَ المُخاطَبُ في الغائِبِ رِعايَةً لِحَقِّ المَتْبُوعِيَّةِ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ: فِرَّ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ فِرَّةً، أيْ: وفِّرْ. وهو نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ مِن مَعْنى تُجازُونَ، أوْ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، أوْ حالٌ مُوطِئَةٌ لِقَوْلِهِ مَوْفُورًا.

الإسراء 17:64

(p-184)﴿واسْتَفْزِزْ﴾ أيِ: اسْتَخِفَّ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ، ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ، وهي الصِّياحُ. ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ أيْ: بِأعْوانِكَ، وأنْصارِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ مِن أهْلِ العَبَثِ والفَسادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجِلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَما كانَ مِن راكِبٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ، وما كانَ مِن راجِلٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَن رَجِلِ إبْلِيسَ. والخَيْلُ الخَيّالَةُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» "؟ والرَّجْلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ، كالصَّحْبِ والرَّكْبِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَلى أنَّهُ فَعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَعِبٍ وتاعِبٍ، وبِضَمَّةٍ مِثْلُ حَدِثٍ وحُدُثٍ ونَدِسٍ ونُدُسٍ ونَظائِرِهِما، أيْ: جَمْعُكَ الرّاجِلَ لِيُطابِقَ الخَيْلَ، وقُرِئَ: (رِجالِكَ) (وَرِجالكَ). ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهُ بِصَوْتِهِ، وإجْلابُهُ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ فَكَأنَّهُ مِغْوارٌ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ، فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يُزْعِجُهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ، ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهم. ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ، والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي. ﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلَيْهِمْ بِالأسْبابِ المُحَرَّمَةِ، والإشْراكِ كَتَسْمِيَتِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى، والتَّضْلِيلِ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ، والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ، والأفْعالِ القَبِيحَةِ. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ، والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ، وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ بِتَطْوِيلِ الأمَلِ، ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ شَأْنِ مَواعِيدِهِ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الِاعْتِراضِ مَعَ ما فِيهِ مِن صَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِ، وبَيانِ شَأْنِهِ لِلنّاسِ، ومِنَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ شَيْطَنَتِهِ لِلْغُرُورِ، وهو تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.

الإسراء 17:65

﴿إنَّ عِبادِي﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وهُمُ المُخْلَصُونَ، وفِيهِ أنَّ مَن تَبِعَهُ لَيْسَ مِنهُمْ، وأنَّ الإضافَةَ لِثُبُوتِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ: تَسَلُّطٌ وقُدْرَةٌ عَلى إغْوائِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، ويَسْتَمِدُّونَ بِهِ في الخَلاصِ عَنْ إغْوائِكَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلِقَةِ، والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ إبْلِيسَ، لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ كِفايَتِهِ تَعالى لَهُمْ، أعْنِي سَلْبَ قدرته عَلى إغْوائِهِمْ.

الإسراء 17:66

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والإزْجاءُ السَّوْقُ. حالًا بَعْدَ حالٍ، أيْ: هو القادِرُ الحَكِيمُ الَّذِي يَسُوقُ لِمَنافِعِكُمُ الفُلْكَ، ويُجْرِيها في البَحْرِ. ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ مِن رِزْقِهِ الَّذِي هو فَضْلٌ مِن قِبَلِهِ، أوْ مِنَ الرِّبْحِ الَّذِي هو مُعْطِيهِ، و "مِن" مَزِيدَةٌ، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ لِبَعْضِ النِّعَمِ الَّتِي هي دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، وتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ تَوْحِيدِهِمْ (p-185)عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ تَكْمِلَةً لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ ... الآيَةَ. ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وسَهَّلَ عَلَيْكم ما يَعْسُرُ مِن مَبادِئِهِ، وهَذا تَذْيِيلٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإزْجاءِ لِابْتِغاءِ الفَضْلِ، وصِيغَةُ الرَّحِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ: الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، والنِّعْمَةُ العاجِلَةُ المُنْقَسِمَةُ إلى الجَلِيلَةِ والحَقِيرَةِ.

الإسراء 17:67

﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفَ الغَرَقِ فِيهِ. ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ، أوِ المَسِيحِ، أوْ غَيْرِهِمْ. ﴿إلا إيّاهُ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطِرَ بِبالِكم أحَدٌ مِنهُمْ، وتَدْعُوهُ لِكَشْفِهِ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ عَنْ إغاثَتِكُمْ، وإنْقاذِكُمْ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الغَرَقِ، وأوْصَلَكم ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ، أوِ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإعْراضِ.

الإسراء 17:68

﴿أفَأمِنتُمْ﴾ "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ، و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ. ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي هو مَأْمَنُكُمْ، أيْ: يَقْلِبُهُ مُلْتَبِسًا بِكُمْ، أوْ بِسَبَبِ كَوْنِكم فِيهِ، وفي زِيادَةِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى تَساوِي الجَوانِبِ، والجِهاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَهْرِهِ، وسُلْطانِهِ. وقُرِئَ: بِنُونِ العَظَمَةِ. ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن فَوْقِكُمْ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ. ﴿حاصِبًا﴾ رِيحًا تَرْمِي بِالحَصْباءِ، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ يَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ، أوْ يَصْرِفُهُ عَنْكُمْ، فَإنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ الغالِبِ.

الإسراء 17:69

﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ في البَحْرِ، أُوثِرَتْ كَلِمَةُ في عَلى كَلِمَةِ إلى المُنْبِئَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِهاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ، ﴿تارَةً أُخْرى﴾ إسْنادُ الِإعادَةِ إلَيْهِ تَعالى مَعَ أنَّ العَوْدَ إلَيْهِ بِاخْتِيارِهِمْ بِاعْتِبارِ خَلْقِ الدَّواعِي المُلْجِئَةِ لَهم إلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى كَمالِ شِدَّةِ هَوْلِ ما لا قُوَّةَ في التّارَةِ الأُولى بِحَيْثُ لَوْلا الإعادَةُ لَما عادُوا. ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأنْتُمْ في البَحْرِ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ. ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ وهي الَّتِي لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ، إلّا كَسَرَتْهُ، وجَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ، أوِ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ، أيْ: تَتَكَسَّرُ. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ بَعْدَ كَسْرِ فُلْكِكم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ القَصْفِ، وقُرِئَ: بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ. ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِكُمْ، أوْ كُفْرانِكم لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: ثائِرًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا انْتِصارًا مِنّا، ودَرْكًا لِلثَّأْرِ مِن جِهَتِنا، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ .

الإسراء 17:70

(p-186)﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قاطِبَةً تَكْرِيمًا شامِلًا لِبَرِّهِمْ، وفاجِرِهِمْ، أيْ: كَرَّمْناهم بِالصُّورَةِ، والقامَةِ المُعْتَدِلَةِ، والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ، والتَّمَتُّعِ بِهِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِبارَةِ. ومِن جُمْلَتِهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ. وما قِيلَ: مِن شِرْكَةِ القِرْدِ لَهُ في ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ اليَدِ والرِّجْلِ، فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لَهُ بِرِجْلِهِ الَّتِي يَطَأُ بِها القاذُوراتِ لا بِيَدِهِ. ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى الدَّوابِّ، والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ إذا جَعَلْتَ لَهُ ما يَرْكَبُهُ، ولَيْسَ مِنَ المَخْلُوقاتِ شَيْءٌ كَذَلِكَ. وقِيلَ: حَمَلْناهم فِيها حَيْثُ لَمْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ولَمْ نُغْرِقْهم بِالماءِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالتَّكْرِيمِ، إذْ جَمِيعُ الحَيَواناتِ كَذَلِكَ. ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: فُنُونِ النِّعَمِ، وضُرُوبِ المُسْتَلِذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِصَنِيعِهِمْ، وبِغَيْرِ صَنِيعِهِمْ. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ في العُلُومِ، والإدْراكاتِ بِما رَكَّبْنا فِيهِمْ مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ. ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ وهم مَن عَدا المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿تَفْضِيلا﴾ عَظِيمًا فَحَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ، ولا يَكْفُرُوها، ويَسْتَعْمِلُوا قُواهم في تَحْصِيلِ العَقائِدِ الحَقَّةِ، ويَرْفُضُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمَيُّزٍ فَضْلًا عَمَّنْ فُضِّلَ عَلى مَن عَدا المَلَأِ الأعْلى، الَّذِينَ هُمُ العُقُولُ المَحْضَةُ، وإنَّما اسْتُثْنِيَ جِنْسُ المَلائِكَةِ مِن هَذا التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ عُلُومَهم دائِمَةٌ عارِيَةٌ عَنِ الخَطَأِ والخَلَلِ. ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أفْضَلِيَّتِهِمْ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ، فَإنَّ المُرادَ هُنا بَيانُ التَّفْضِيلِ في أمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ صالِحِها وطالِحِها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الفَضْلَ في عِظَمِ الدَّرَجَةِ، وزِيادَةِ القُرْبَةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إنْ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى تَعْيِينِ ما فِيهِ التَّفْضِيلُ بَعْدَ بَيانِ ما هو المُرادُ بِالمُفَضَّلِينَ، فَإنَّ اسْتِثْناءَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَفْضِيلِ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ عَلَيْهِمْ لا يَسْتَلْزِمُ اسْتِثْناءَهم مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ عَلَيْهِمْ قُلْنا لا بُدَّ مِن تَعْيِينِهِ البَتَّةَ إذْ لَيْسَ مِنَ الأفْرادِ الفاجِرَةِ لِلْبَشَرِ أحَدٌ يَفْضُلُ عَلى أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ فِيما هو المُتَنازَعُ فِيهِ أصْلًا بَلْ هم أدْنى مِن كُلِّ دَنِئَ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

الإسراء 17:71

﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ولا يُظْلَمُونَ. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ. و "يَدْعُو" بِقَلْبِ الألِفِ واوًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في افْعى افْعَوْا، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عَلامَةَ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " وأسَرُّواْ النَّجْوى " أوْ ضَمِيرَهُ "وَكُلَّ" بَدَلًا مِنهُ، والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها، فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وقَدْ يُكْتَفى بِتَقْدِيرِهِ كَما في يُدْعى ﴿كُلَّ أُناسٍ﴾ مِن بَنِي آدَمَ، الَّذِينَ (p-187)فَعَلْنا بِهِمْ في الدُّنْيا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ، وهَذا شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ أحْوالِهِمْ، وأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿بِإمامِهِمْ﴾ أيْ: بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ، أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ، أوْ كِتابٍ، أوْ دِينٍ. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها. فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ، يا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ. أوْ يا أهْلَ دِينِ كَذا، يا أهْلَ كِتابِ كَذا. وقِيلَ: الإمامُ جَمْعٌ أُمٍّ، كَخُفٍّ وخِفافٍ. والحِكْمَةُ في دَعْوَتِهِمْ بِأُمَّهاتِهِمْ بِإجْلالِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَشْرِيفِ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والسِّتْرِ عَلى أوْلادِ الزِّنا. ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ يَوْمَئِذٍ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِّينَ ﴿كِتابَهُ﴾ صَحِيفَةَ أعْمالِهِ، ﴿بِيَمِينِهِ﴾ إبانَةً لِخَطَرِ الكِتابِ المُؤْتى، وتَشْرِيفًا لِصاحِبِهِ، وتَبْشِيرًا لَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما في مَطاوِيهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ مَعْناهُ إيذانًا بِأنَّهم حِزْبٌ مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، أوْ إشْعارٌ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ تَكُونُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ، كَما في حالِ الإيتاءِ، وما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِرِفْعَةِ دَرَجاتِهِمْ، أيْ: أُولَئِكَ المُخْتَصُّونَ بِتِلْكَ الكَرامَةِ الَّتِي يُشْعِرُ بِها الإيتاءُ المَزْبُورُ. ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ عَلى الوَجْهِ المُبِينِ تَبَجُّحًا بِما سُطِّرَ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِفُنُونِ الكَراماتِ. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقِصُونَ مِن أُجُورِ أعْمالِهِمُ المُرْتَسِمَةِ في كُتُبِهِمْ، بَلْ يُؤْتُونَها مُضاعَفَةً. ﴿فَتِيلا﴾ أيْ: قَدْرَ فَتِيلٍ: وهو القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ، أوْ أدْنى شَيْءٍ، فَإنَّ الفَتِيلَ مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ.

الإسراء 17:72

﴿وَمَن كانَ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ المَذْكُورِينَ. ﴿فِي هَذِهِ﴾ الدُّنْيا الَّتِي فُعِلَ بِهِمْ فِيها ما فُعِلَ مِن فُنُونِ التَّكْرِيمِ، والتَّفْضِيلِ ﴿أعْمى﴾ فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يَهْتَدِي إلى رُشْدِهِ، ولا يَعْرِفُ ما أوْلَيْناهُ مِن نِعْمَةِ التَّكْرِمَةِ، والتَّفْضِيلِ فَضْلًا عَنْ شُكْرِها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، ولا يُسْتَعْمَلُ ما أوْدَعْناهُ فِيهِ مِنَ العُقُولِ، والقُوى فِيما خُلِقْنَ لَهُ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الحَقَّةِ. ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ﴾ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِيَوْمٍ نَدْعُو. ﴿أعْمى﴾ كَذَلِكَ، أيْ: لا يَهْتَدِي إلى ما يُنْجِيهِ، ولا يَظْفَرُ بِما يُجْدِيهِ؛ لِأنَّ العَمى الأوَّلَ مُوجِبٌ لِلثّانِي. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ عَماهُ في الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عَماهُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ مُمالًا، والثّانِيَ مُفَخَّمًا. ﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾ أيْ: مِنَ الأعْمى لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ المُمْكِنِ، وتَعَطُّلِ الآلاتِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا بِعَيْنِهِ هو الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِشَمالِهِ بِدِلالَةِ حالِ ما سَبَقَ مِنَ الفَرِيقِ المُقابِلِ لَهُ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ ذِكْرِهِ بِذَلِكَ العُنْوانِ مَعَ أنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ المُقابَلَةِ حَسْبَما هو الواقِعُ في سُورَةِ الحاقَّةِ، وسُورَةِ الِانْشِقاقِ. لِلْإيذانِ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ . ولِلرَّمْزِ إلى عِلَّةِ حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ المُسَبَّبَ، وفي الآخَرِ السَّبَبَ، ودَلَّ بِالمَذْكُورِ في كُلٍّ مِنهُما عَلى المَتْرُوكِ في الآخَرِ، تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ العَقْلِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ .

الإسراء 17:73

﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ إذْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا نَدْخُلُ في أمْرِكَ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى العَرَبِ، لا نُعْشَرُ ولا نُحْشَرُ، ولا نَجْبِي في صَلاتِنا، وكُلُّ رِبًا لَنا فَهو لَنا، وكُلُّ رِبًا عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ عَنّا، وأنْ تُمَتِّعَنا بِاللّاتِ سَنَةً، وأنْ تُحَرِّمَ (p-188)وادِيَنا وجٍّ كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَإذا قالَتِ العَرَبُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ فَقُلْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِذَلِكَ. وقِيلَ: في قُرَيْشٍ، حَيْثُ قالُوا: اجْعَلْ لَنا آيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ، وآيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ، أوْ قالُوا: لا نُمَكِّنُكَ مِنِ اسْتِلامِ الحَجَرِ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا. فَـ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُشَدَّدَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ، أيْ: يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ. ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِن أوامِرِنا ونَواهِينا ووَعْدِنا ووَعِيدِنا. ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا غَيْرَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِمّا اقْتَرَحَتْهُ ثَقِيفٌ، أوْ قُرَيْشٌ حَسْبَما نُقِلَ. ﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: لَوِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم لَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي.

الإسراء 17:74

﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِعِصْمَتِنا لَكَ. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ مِنَ الرُّكُونِ الَّذِي هو أدْنى مَيْلٍ، أيْ: لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقارَبَتْ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ المَيْلِ اليَسِيرِ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ، لَكِنْ أدْرَكَتْكَ العِصْمَةُ فَنَمْنَعُكَ مِن أنْ تَقْرَبَ مِن أدْنى مَراتِبِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدّاعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ.

الإسراء 17:75

﴿إذًا﴾ لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ، ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: عَذابَ الدُّنْيا، وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما يُعَذَّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرُكَ؛ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ خَطِيرٌ. وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، بِمَعْنى مُضاعَفًا. ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ إضافَةَ مَوْصُوفِها. وقِيلَ: الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ. وقِيلَ المُرادُ بِضِعْفِ الحَياةِ: عَذابُ الآخِرَةِ، وبِضِعْفِ المَماتِ: عَذابُ القَبْرِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْكَ العَذابَ.

الإسراء 17:76

﴿وَإنْ كادُوا﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ، أيْ: كادَ أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أيْ: لَيُزْعِجُونَكَ بِعَداوَتِهِمْ ومَكْرِهِمْ، ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ: الأرْضِ الَّتِي أنْتَ فِيها، وهي أرْضُ مَكَّةَ. ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى خَبَرِ كادَ، وقُرِئَ: (لا يَلْبَثُوا) بِالنَّصْبِ بِإعْمالِ إذَنْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ". ﴿خِلافَكَ﴾ أيْ: بَعْدَكَ. قالَ: ؎ خَلَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا أيْ: ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقَوْنَ بَعْدَ خُرُوجِكَ. وقُرِئَ: (خَلْفَكَ). ﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ ﷺ. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ حَيْثُ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ ﷺ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً، فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ. ثُمَّ قُتِلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةَ، وأُجْلِيَ بَنَوُ النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ.

الإسراء 17:77

﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى (p-189)المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: سَنَّ اللَّهُ تَعالى سُنَّةً، وهي أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجَتْ رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ. فالسُّنَّةُ لِلَّهِ تَعالى وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها سُنَّتْ لِأجْلِهِمْ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ أيْ: تَغْيِيرًا.

الإسراء 17:78

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» ". واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ إلَيْها حِينَئِذٍ يَدْلُكُ عَيْنَهُ، وقِيلَ: لِغُرُوبِها مِن دَلَكَتِ الشَّمْسُ، أيْ: غَرَبَتْ، وقِيلَ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ فَيَنْتَظِمُ كِلا المَعْنَيَيْنِ، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ. ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى اجْتِماعِ ظُلْمَتِهِ، وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، ولَيْسَ المُرادُ إقامَتَها فِيما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ بَلْ إقامَةَ كُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها، الَّذِي عُيِّنَ لَها بِبَيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أنَّ أعْدادَ رَكَعاتِ كُلِّ صَلاةٍ مَوْكُولَةٌ إلى بَيانِهِ ﷺ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بَيانِ المَبْدَأِ، والمُنْتَهى في أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَها لِما أنَّ الإنْسانَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ عَلى اليَقَظَةِ فَبَعْضُها مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ بِخِلافِ أوَّلِ وقْتِ العِشاءِ والفَجْرِ، فَإنَّهُ بِاشْتِغالِهِ فِيما بَيْنَهُما بِالنَّوْمِ يَنْقَطِعُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ وقْتُ الفَجْرِ عَنْ سائِرِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ: صَلاةُ المَغْرِبِ. والتَّحْدِيدُ المَذْكُورُ بَيانٌ لِمَبْدَئِهِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى امْتِدادِ وقْتِهِ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أيْ: صَلاةَ الفَجْرِ نُصِبَ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أقِمْ، أوْ عَلى الإغْراءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وإنَّما سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما تُسَمّى رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى الرُّكْنِيَّةِ، ولَكِنْ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ كَوْنِ مَدارِ الجَوْزِ كَوْنَ القِراءَةِ مَندُوبَةً فِيها نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ لَدَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَنِ الوُجُوبِ فِيها نَصًّا، وفِيما عِداها دَلالَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَقُرْآنَ الفَجْرِ" حَثًّا عَلى تَطْوِيلِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ. ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ إبانَةً لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ. ﴿كانَ مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، ومَلائِكَةُ النَّهارِ. أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الضِّياءِ بِالظُّلْمَةِ والِانْتِباهِ بِالنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، أوْ يَشْهَدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ، أوْ مِن حَقِّهِ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ. فالآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ الدُّلُوكِ بِالزَّوالِ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَلى تَفْسِيرِهِ بِالغُرُوبِ لِما عِدا الظُّهْرِ والعَصْرِ.

الإسراء 17:79

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمْ بَعْضَ اللَّيْلِ. وقِيلَ: لا يَكُونُ المُغْرى بِهِ حَرْفًا، ولا يُجْدِي نَفْعًا كَوْنُ مَعْناها التَّبْعِيضَ فَإنَّ "واوَ" مَعَ لَيْسَتِ اسْمًا بِالإجْماعِ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الِاسْمِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، أيْ: قُمْ بَعْضَ اللَّيْلِ، ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: أزِلْ وألْقِ الهُجُودِ، أيِ: النَّوْمَ. فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ تَجِيءُ لِلْإزالَةِ كالتَّحَرُّجِ، والتَّحَنُّثِ، والتَّأثُّمِ، ونَظائِرِها. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ مِن حَيْثُ هو لا يُقَيِّدُ إضافَتَهُ إلى الفَجْرِ، أوْ لِلْبَعْضِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنَ اللَّيْلِ" أيْ: تَهَجَّدْ في ذَلِكَ البَعْضِ عَلى أنَّ "الباءَ" بِمَعْنى "فِي". وقِيلَ: مَنصُوبُ يَتَهَجَّدُ، أيْ: تَهَجَّدْ بِالقرآن بَعْضَ اللَّيْلِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ . ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ خاصَّةً بِكَ دُونَ الأُمَّةِ، ولَعَلَّهُ هو الوَجْهُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ صَلاةِ الفَجْرِ مَعَ تَقَدُّمِ وقْتِها عَلى وقْتِها، أوْ تَطَوُّعًا لَكِنْ لا لِكَوْنِها زِيادَةً (p-190)عَلى الفَرائِضِ بَلْ لِكَوْنِها زِيادَةً لَهُ ﷺ في الدَّرَجاتِ، عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، فَإنَّهُ ﷺ مَغْفُورٌ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وما تَأخَّرَ، فَيَكُونُ تَطَوُّعُهُ زِيادَةً في دَرَجاتِهِ، بِخِلافِ مَن عَداهُ مِنَ الأُمَّةِ فَإنَّ تَطَوُّعَهم لِتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِمْ، وتَدارُكِ الخَلَلِ الواقِعِ في فَرائِضِهِمْ. وانْتِصابُها إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِ تَنَفَّلْ، أوْ بِجَعْلٍ تَهَجَّدْ بِمَعْناهُ، أوْ بِجْعَلِ "نافِلَةً" بِمَعْنى تَهَجُّدًا، فَإنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ زائِدَةٌ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى القرآن، أيْ: حالَ كَوْنِها صَلاةً نافِلَةً، وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِتَهَجَّدْ، إذا جُعِلَ بِمَعْنى صَلِّ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَعْضِ، أيْ: فَصَلِّ في ذَلِكَ البَعْضِ نافِلَةً لَكَ. ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ مِن بَعْدِ المَوْتِ الأكْبَرِ كَما انْبَعَثْتَ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ بِالصَّلاةِ، والعِبادَةِ. ﴿مَقامًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عَلى إضْمارِ فَيُقِيمُكَ، أوْ تَضْمِينِ البَعْثِ مَعْنى الإقامَةِ، إذْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ في مِثْلِ هَذا الظَّرْفِ فِعْلًا فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: يَبْعَثُكَ ذا مَقامٍ. ﴿مَحْمُودًا﴾ عِنْدَكَ، وعِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ. وفِيهِ تَهْوِينٌ لِمَشَقَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ". وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَقامًا يَحْمَدُكَ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وتُشْرِفُ فِيهِ عَلى جَمِيعِ الخَلائِقِ تَسْألُ فَتُعْطى، وتَشْفَعُ فَتُشَفَّعُ، لَيْسَ أحَدٌ إلّا تَحْتَ لِوائِكَ. وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ، فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ، وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ، سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ.»

الإسراء 17:80

﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيِ: القَبْرَ. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إدْخالًا مَرْضِيًّا. ﴿وَأخْرِجْنِي﴾ أيْ: مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ. فَهو تَلْقِينُ الدُّعاءِ بِما وعَدَهُ مِنَ البَعْثِ المَقْرُونِ بِالإقامَةِ المَعْهُودَةِ الَّتِي لا كَرامَةَ فَوْقَها، وقِيلَ: المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ، والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، وتَغْيِيرُ تَرْتِيبِ الوُجُودِ، لَكَوْنِ الإدْخالِ هو المَقْصِدَ. وقِيلَ: إدْخالُهُ ﷺ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: إدْخالُهُ الغارَ، وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ، وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ. وقِيلَ: إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ، وإخْراجُهُ مِنهُ. وقُرِئَ: (مَدْخَلَ) (وَمَخْرَجَ) بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخِلْنِي فَأدْخُلَ دُخُولًا، وأخْرِجْنِي فَأخْرُجَ خُرُوجًا، كَقَوْلِهِ: ؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ. ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن يُخالِفُنِي، أوْ مُلْكًا وعِزًّا ناصِرًا لِلْإسْلامِ مُظْهِرًا لَهُ عَلى الكُفْرِ. فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ ﷺ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾، ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ .

الإسراء 17:81

﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الإسْلامُ، والوَحْيُ الثّابِتُ الرّاسِخُ. ﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾ أيْ: ذَهَبَ، وهَلَكَ الشِّرْكُ والكُفْرُ، وتَسْوِيلاتُ الشَّيْطانِ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ. ﴿إنَّ الباطِلَ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿كانَ زَهُوقًا﴾ أيْ: شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، (p-191)وَهُوَ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإجابَةِ الدُّعاءِ بِالسُّلْطانِ النَّصِيرِ الَّذِي لُقِّنَهُ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلَثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ بِيَدِهِ في عَيْنِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَقُولُ: جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألقْى جَمِيعَها، وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ، وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ، ارْمِ بِهِ، فَصَعِدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ.»

الإسراء 17:82

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ وقُرِئَ: (نُنْزِلُ) مِنَ الإنْزالِ. ﴿ما هو شِفاءٌ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن أدْواءِ الرَّيْبِ، وأسْقامِ الأوْهامِ. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِهِ العالِمِينَ بِما في تَضاعِيفِهِ، أيْ: ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ، واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و "مِن" بَيانِيَّةٌ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ اعْتِناءً، فَإنَّ كُلَّ القرآن كَذَلِكَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقرآن فَلا شَفاهُ اللَّهُ» ". أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنْ بَعْضَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنى أنّا نُنْزِلُ مِنهُ في كُلِّ نَوْبَةٍ ما تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ نُزُولَهُ حِينَئِذٍ فَيَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُوافَقَتِهِ لِأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ إلى نُزُولِهِ مَوْقِعَ الدَّواءِ الشّافِي المُصادِفِ لا بِأنَّهُ مِنَ المَرْضى المُحْتاجِينَ إلَيْهِ، بِحَسَبِ الحالِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ. فَكُلُّ بَعْضٍ مِنهُ مُتَّصِفٌ بِالشِّفاءِ لَكِنْ لا في كُلِّ حِينٍ بَلْ عِنْدَ تَنْزِيلِهِ، وتَحْقِيقُ التَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ الشِّفاءِ الجُسْمانِيِّ كَما في الفاتِحَةِ، وآياتِ الشِّفاءِ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ أيْ: يَزِيدُ القرآن كُلُّهُ، أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِهِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ شِفاءً مِنَ الأسْقامِ إلّا خَسارًا، أيْ: هَلاكًا بِكُفْرِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ لا نُقْصانًا كَما قِيلَ. فَإنَّ ما بِهِمْ مِن داءِ الكُفْرِ والضَّلالِ، حَقِيقٌ بِأنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِالهَلاكِ لا بِالنُّقْصانِ المُنْبِئِ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ مَبادِئِ الأسْقامِ فِيهِمْ، وزِيادَتِهِمْ في مَراتِبِ الهَلاكِ مِن حَيْثُ أنَّهم كُلَّما جَدَّدُوا الكُفْرَ، والتَّكْذِيبَ بِالآياتِ النّازِلَةِ تَدْرِيجِيًّا ازْدادُوا بِذَلِكَ هَلاكًا. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّبَهِ، والشُّكُوكِ المُعْتَرِيَةِ لَهم في أثْناءِ الِاهْتِداءِ، والِاسْتِرْشادِ بِمَنزِلَةِ الأمْراضِ، وما بِالكَفَرَةِ مِنَ الجَهْلِ والعِنادِ بِمَنزِلَةِ المَوْتِ والهَلاكِ. وإسْنادُ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ إلى القرآن مَعَ أنَّهم هُمُ المُزْدادُونَ في ذَلِكَ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، واعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِ حَيْثُ يَكُونُ مَدارًا لِلشِّفاءِ والهَلاكِ.

الإسراء 17:83

﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِّحَّةِ والنِّعْمَةِ. ﴿أعْرَضَ﴾ عَنْ ذِكْرِنا فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ، ﴿وَنَأى﴾ تَباعَدَ عَنْ طاعَتِنا. ﴿بِجانِبِهِ﴾ النَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنِ الشَّيْءِ عِطْفَهُ، ويُولِيَهُ عُرْضَ وجْهِهِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ، أوْ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن دَيْدَنِ المُسْتَكْبِرِينَ. ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ. وفي إسْنادِ المِساسِ إلى الشَّرِّ بَعْدَ إسْنادِ الإنْعامِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ إيذانٌ بِأنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ لَيْسَ كَذَلِكَ. ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَوْحِنا، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ مِمَّنْ هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾، ونَظائِرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ شَأْنُ بَعْضٍ آخَرِينَ مِنهُمْ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. وقُرِئَ: (ناءٍ) إمّا عَلى القَلْبِ كَما يُقالُ: راءٍ في رَأى، وإمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ.

الإسراء 17:84

(p-192)﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنكُمْ، ومِمَّنْ هو عَلى خِلافِكُمْ، ﴿يَعْمَلُ﴾ عَمَلَهُ ﴿عَلى شاكِلَتِهِ﴾ طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ. ﴿فَرَبُّكُمْ﴾ الَّذِي بَرَأكم عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ المُتَخالِفَةِ، ﴿أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أيْ: أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مِنهاجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ، والعادَةِ، والدِّينِ.

الإسراء 17:85

﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ الَّذِي هو مُدَبِّرُ البَدَنِ الإنْسانِيِّ، ومَبْدَأُ حَياتِهِ. رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنِ الرُّوحِ. فَإنْ أجابَ عَنْها جَمِيعًا أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ. فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ، وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ، وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ. ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ كَلِمَةُ "مِن" بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ لا الإيجادِيِّ لِاشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ، وفِيها مِن تَشْرِيفِ المُضافِ ما لا يَخْفى، كَما في الإضافَةِ الثّانِيَةِ مِن تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: هو مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَها عُقُولُ البَشَرِ. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِأمْثالِ ذَلِكَ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ، قالُوا: نَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ. قالَ ﷺ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ، فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةً تَقُولُ: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وساعَةً تَقُولُ: هَذا. فَنَزَلَتْ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ ... الآيَةَ. وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِرَكاكَةِ عُقُولِهِمْ، فَإنَّ الحِكْمَةَ الإنْسانِيَّةَ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ ما تَسَعُهُ الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما نِيطَ بِهِ المَعاشُ والمَعادُ، وذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِن مَعْلُوماتِهِ سُبْحانَهُ. قَلِيلٌ يُنالُ بِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، أوْ هو مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِمَحْضِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مِن غَيْرِ تَحَصُّلٍ مِن مادَّةٍ، وتَوَلُّدٍ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ الجَسَدِ حَتّى يُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِبَعْضِ مَبادِئِهِ، ومَآلُهُ أنَّهُ مِن عالَمِ الأمْرِ لا مِن عالَمِ الخَلْقِ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ التَّكْوِينِ سَواءٌ كانَ الكائِنُ مِن عالَمِ الأمْرِ، أوْ مِن عالَمِ الخَلْقِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِمّا لا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ دائِرَةُ إدْراكِ البَشَرِ، وإنَّما المُمْكِنُ هَذا القَدْرُ الإجْمالِيُّ المُنْدَرِجُ تَحْتَ ما اسْتُثْنِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إلّا عِلْمًا قَلِيلًا تَسْتَفِيدُونَهُ مِن طُرُقِ الحَواسِّ، فَإنَّ تَعَقُّلَ المَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ إنَّما هو مِن إحْساسِ الجُزَيْئاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا، ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ، ولا شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها مُعْرِفَةُ ذاتِهِ، وأمّا حَمْلُ ما ذُكِرَ عَلى السُّؤالِ عَنْ قِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، وجَعْلُ الجَوابِ إخْبارًا بِحُدُوثِهِ، أيْ: كائِنٌ بِتَكْوِينِهِ، حادِثٌ بِإحْداثِهِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَمَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِحالِ السّائِلِينَ لا يُساعِدُهُ التَّعَرُّضُ لِبَيانِ قِلَّةِ عِلْمِهِمْ، فَإنَّ ما سَألُوا عَنْهُ مِمّا يَفِي بِهِ عِلْمُهم حِينَئِذٍ، وقَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرُّوحِ: خُلُقٌ عَظِيمٌ رُوحانِيٌّ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: القرآن. ومَعْنى مِن أمْرِ رَبِّي مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ، لا مِن كَلامِ البَشَرِ.

الإسراء 17:86

(p-193)﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القرآن الَّذِي هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَنبَعٌ لِلْعُلُومِ الَّتِي أُوتِيتُمُوها، وثَبَّتْناكَ عَلَيْهِ حِينَ كادُوا يَفْتِنُونَكَ عَنْهُ، ولَوْلاهُ لَكِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ، شَيْئًا قَلِيلًا. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ووَصْفًا لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ابْتِداءً، وإعْلامًا بِحالِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وبِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ كَلامِ المَخْلُوقِ. و "اللّامُ" مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، و "لَنَذْهَبَنَّ" جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ، وبِذَلِكَ حَسُنَ حَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ، والمُرادُ مِنَ الذَّهابِ بِهِ: المَحْوُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإذْهابِ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أوَّلَ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأمانَةُ، وآخَرَ ما تَفْقِدُونَ الصَّلاةُ، ولَيُصَلِّيَنَّ قَوْمٌ ولا دِينَ لَهُمْ، وأنَّ هَذا القرآن تُصْبِحُونَ يَوْمًا، وما فِيكم مِنهُ شَيْءٌ. فَقالَ رَجُلٌ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقَدْ أثْبَتْناهُ في قُلُوبِنا، وأثْبَتْناهُ في مَصاحِفِنا نُعَلِّمُهُ أبْناءَنا، ويُعَلِّمُهُ أبْناؤُنا أبْناءَهُمْ؟ فَقالَ: يَسْرِي عَلَيْهِ لَيْلًا فَيُصْبِحُ النّاسُ مِنهُ فُقَراءٌ تُرْفَعُ المَصاحِفُ، ويُنْزَعُ ما في القُلُوبِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ﴾ أيِ: القرآن. ﴿عَلَيْنا وكِيلا﴾ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا اسْتِرْدادَهُ مَسْطُورًا مَحْفُوظًا.

الإسراء 17:87

﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّها إنْ نالَتْكَ لَعَلَّها تَسْتَرِدُّهُ عَلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: ولَكِنْ رَحْمَةٌ مِنَ رَّبِكَ تَرَكْتُهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِإبْقائِهِ بَعْدَ المِنَّةِ بِتَنْزِيلِهِ، وتَرْغِيبًا في المُحافِظِهِ عَلى أداءِ حُقُوقِهِ، وتَحْذِيرًا مِن أنْ لا يُقَدَّرَ قَدْرُهُ الجَلِيلُ، ويُفَرَّطَ في القِيامِ بِشُكْرِهِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ وأعْظَمُها. ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كَإرْسالِكَ وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْكَ، وإبْقائِهِ في حِفْظِكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

الإسراء 17:88

﴿قُلْ﴾ لِلَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ جَلالَةَ قَدْرِ التَّنْزِيلِ ولا يَفْهَمُونَ فَخامَةَ شَأْنِهِ الجَلِيلِ، بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِن كَلامِ البَشَرِ. ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ أيِ: اتَّفَقُوا. ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القرآن﴾ المَنعُوتِ بِما لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ في البَلاغَةِ، وحُسْنِ النَّظْمِ، وكَمالِ المَعْنى، وتَخْصِيصُ الثَّقَلَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ المُنْكِرَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنهُما لا مِن غَيْرِهِما، لا لِأنَّ غَيْرَهُما قادِرٌ عَلى المُعارَضَةِ.﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ أُوثِرَ الإظْهارُ عَلى إيرادِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المِثْلِ المَذْكُورِ احْتِرازًا عَنْ أنْ يُتَوَّهَمَ أنَّ لَهُ مِثْلًا مُعَيَّنًا، وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ: نَفِيُ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما، أيْ: لا يَأْتُونَ بِكَلامٍ مُماثِلٍ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ البَدِيعَةِ، وفِيهِمُ العَرَبُ العارِبَةُ أرْبابُ البَراعَةِ والبَيانِ، وهو جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، وسادٌّ مَسَدَ جَزاءِ الشَّرْطِ، ولَوْلاها لَكانَ جَوابًا لَهُ بِغَيْرِ جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا، كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وَحَيْثُ كانَ المُرادُ بِالِاجْتِماعِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القرآن مُطْلَقَ الِاتِّفاقِ عَلى ذَلِكَ سَواءٌ كانَ التَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الِانْفِرادِ، أوْ مِنَ المَجْمُوعِ بِأنَّ يَتَألَّبُوا عَلى تَلْفِيقِ كَلامٍ واحِدٍ بِتَلاحُقِ الأفْكارِ، وتَعاضُدِ الأنْظارِ، قِيلَ: ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهم (p-194)لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أيْ: في تَحْقِيقِ ما يَتَوَخَّوْنَهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهم ظَهِيرًا لِبَعْضٍ ولَوْ كانَ ... إلَخْ. وقَدْ حُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ حَذْفًا مُطَّرِدًا لِدَلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً فَإنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ حَيْثُ انْتَفى عِنْدَ التَّظاهُرِ، فَلَأنْ يَنْتَفِيَ عِنْدَ عَدِمَهُ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "إنْ" و "لَوِ" الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ حَسْبَما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، ولَوْ في هَذِهِ الحالِ المُنافِيَةِ لِعَدَمِ الإتْيانِ بِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها، وفِيهِ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في رَوْمِ تَبْدِيلِ بَعْضِ آياتِهِ بِبَعْضٍ، ولا مَساغَ لِكَوْنِ الآيَةِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ كَما قِيلَ. لَكِنْ لا لِما قِيلَ مِن أنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ أصْعَبُ مِنِ اسْتِرْدادِ عَيْنِهِ، ونَفْيُ الشَّيْءِ إنَّما يُقَرِّرُهُ نَفْيُ ما دُونَهُ لا نَفْيُ ما فَوْقَهُ، فَإنَّ أصْعَبِيَّةَ الِاسْتِرْدادِ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، بَلْ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لَيْسَتْ مَسُوقَةً إلى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ إلى المُكابِرِينَ مِن قَبْلِهِ ﷺ.

الإسراء 17:89

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا ورَدَّدْنا عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ تُوجِبُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وبَيانٍ، ووَكادَةَ رُسُوخٍ واطْمِئْنانٍ. ﴿لِلنّاسِ في هَذا القرآن﴾ المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ. ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى بَدِيعٍ هو في الحُسْنِ والغَرابَةِ، واسْتِجْلابِ النَّفْسِ، كالمَثَلِ لِيَتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ أُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ تَأْكِيدًا، وتَوْضِيحًا. ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: إلّا جُحُودًا، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنَ المُوجَبُ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا؛ لِأنَّهُ مُتَأوِّلٌ بِالنَّفْيِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ما قَبِلَ أكْثَرُهم إلّا كُفُورًا، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في أبَوُا الإيمانَ؛ لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِخَصْلَةٍ سِوى الكُفُورِ مِنَ الإيمانِ، والتَّوَقُّفِ في الأمْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّهم بالَغُوا في عَدَمِ الرِّضا حَتّى بَلَغُوا مَرْتَبَةَ الإباءِ.

الإسراء 17:90

﴿وَقالُوا﴾ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ، ووُضُوحِ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ بِالإعْجازِ التَّنْزِيلِيِّ، وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ مُتَعَلِّلِينَ بِما لا يُمْكِنُ في العادَةِ وُجُودُهُ، ولا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ مِنَ الأُمُورِ كَما هو دَيْدَنُ المَبْهُوتِ المَحْجُوجِ. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ﴾ وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ. ﴿لَنا مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ ﴿يَنْبُوعًا﴾ عَيْنًا لا يَنْضُبُ ماؤُها. يَفْعُولٌ مِن نَبَعَ الماءُ، كَيَعْبُوبٍ مِن عَبَّ الماءَ إذا زَخَرَ.

الإسراء 17:91

﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ أيْ: بُسْتانٌ تَسْتُرُ أشْجارُهُ ما تَحْتَها مِنَ العَرْصَةِ ﴿مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ أيْ: تُجْرِيها بِقُوَّةٍ. ﴿خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ كَثِيرًا. والمُرادُ إمّا إجْراءُ الأنْهارِ خِلالَها عِنْدَ سَقْيِها، أوْ إدامَةُ إجْرائِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ "الفاءُ" لا ابْتِداؤُهُ.

الإسراء 17:92

﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ جَمْعُ كِسْفَةٍ كَقِطْعَةٍ وقِطَعٍ، لَفْظًا ومَعْنًى. وقُرِئَ بِالسُّكُونِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ، وهي حالٌ مِنَ السَّماءِ، و "الكافُ" في "كَما" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إسْقاطًا مُماثِلًا لِما زَعَمْتَ (p-195)يَعْنُونَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: "أوْ تُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ"، ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ والمُعاشِرِ، أوْ كَفِيلًا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما تَدَّعِيهِ، وهو حالٌ مِنَ الجَلالَةِ، وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها، أيْ: والمَلائِكَةُ قُبَلاءُ كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ؎ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أوْ جَماعَةً فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ.

الإسراء 17:93

﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ مِن ذَهَبٍ. وقَدْ قُرِئَ: (بِهِ) وأصْلُهُ الزِّينَةُ. ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ أيْ: في مَعارِجِها، فَحُذِفَ المُضافُ. يُقالُ: رُقِّيَ في السُّلَّمِ، وفي الدَّرَجَةِ. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ رُقِيِّكَ فِيها وحْدَهُ، أوْ لَنْ نُصَدِّقَ رُقِيَّكَ فِيها. ﴿حَتّى تُنَزِّلَ﴾ مِنها ﴿عَلَيْنا كِتابًا﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ نَحْنُ مِن غَيْرِ أنْ يُتَلَقّى مِن قِبَلِكَ. عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَتَّخِذَ إلى السَّماءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقى فِيهِ، وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها وتَأْتِيَ مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّكَ كَما تَقُولُ. وما كانُوا يَقْصِدُونَ بِهاتِيكَ الِاقْتِراحاتِ الباطِلَةِ إلّا العِنادَ واللَّجاجَ، ولَوْ أنَّهم أُوتُوا أضْعافَ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ ما زادَهم ذَلِكَ إلّا مُكابَرَةً، وإلّا فَقَدْ كانَ يَكْفِيهِمْ بَعْضُ ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ. ﴿قُلْ﴾ تَعَجُّبًا مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وتَنْزِيهًا لِساحَةِ السُّبُحاتِ عَمّا لا يَكادُ يَلِيقُ بِها مِن مِثْلِ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنها، أوْ عَنْ طَلَبِكَ ذَلِكَ، وتَنْبِيهًا عَلى بُطْلانِ ما قالُوهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ وقُرِئَ: (قالَ سُبْحانَ رَبِّي) ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا﴾ لا مَلَكًا حَتّى يُتَصَوَّرَ مِنِّي الرُّقِيُّ في السَّماءِ، ونَحْوُهُ. ﴿رَسُولا﴾ مَأْمُورًا مِن قِبَلِ رَبِّي بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي خِيَرَةٌ في الأمْرِ كَسائِرِ الرُّسُلِ، وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ حَسْبَما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ، ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ مِنها، وقَوْلُهُ: "بَشَرًا" خَبَرٌ لِـ "كُنْتُ" و "رَسُولًا" صِفَتُهُ.

الإسراء 17:94

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيِ: الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهُمْ، ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: الوَحْيُ ظَرْفٌ لِمَنَعَ، أوْ يُؤْمِنُوا، أيْ: وما مَنَعَهم وقْتَ مَجِيءِ الوَحْيِ المَقْرُونِ بِالمُعْجِزاتِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْإيمانِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالقرآن وبِنُبُوَّتِكَ، أوْ ما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ وقْتَ مَجِيءِ ما ذُكِرَ. ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ مَنَعَ، أيْ: إلّا قَوْلُهم. ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ مُنْكِرِينَ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى مِن جِنْسِ البَشَرِ، ولَيْسَ المُرادُ: أنَّ هَذا القَوْلَ صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَمَنَعَ بَعْضًا آخَرَ مِنهم بَلِ المانِعُ هو الِاعْتِقادُ الشّامِلُ لِلْكُلِّ المُسْتَتْبِعُ لِهَذا القَوْلِ مِنهُمْ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ إيذانًا بِأنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ يَقُولُونَهُ بِأفْواهِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ ومِصْداقٌ. وحَصْرُ المانِعِ مِنَ الإيمانِ فِيما ذُكِرَ مَعَ أنَّ لَهم مَوانِعَ شَتّى لِما أنَّهُ مُعْظَمُها، أوْ لِأنَّهُ هو المانِعُ بِحَسَبِ الحالِ. أعْنِي عِنْدَ سَماعِ الجَوابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ إذْ هو الَّذِي يَتَشَبَّثُونَ بِهِ حِينَئِذٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطِرَ بِبالِهِمْ شُبْهَةٌ أُخْرى مِن شُبَهِهِمُ الواهِيَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ عِنادِهِمْ حَيْثُ يُشِيرُ إلى أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ مَعَ كَوْنِهِ حاسِمًا لِمَوادِّ (p-196)شُبَهِهِمْ مُلْجِئًا إلى الإيمانِ يَعْكِسُونَ الأمْرَ، ويَجْعَلُونَهُ مانِعًا مِنهُ.

الإسراء 17:95

﴿قُلْ﴾ لَهم أوَّلًا مِن قَبْلِها تَبْيِينًا لِلْحِكْمَةِ، وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ المُزِيحِ لِلرَّيْبِ. ﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ولَوْ وُجِدَ، واسْتَقَرَّ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَدَلَ البَشَرِ. ﴿مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ قارِّينَ فِيها مِن غَيْرِ أنْ يَعْرُجُوا في السَّماءِ، ويُعَلِّمُوا ما يَجِبُ أنْ يُعَلَّمَ. ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويُرْشِدُهم إلى الخَيْرِ، لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ، والتَّلَقِّي مِنهُ. وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُفاوِضَةِ المَلَكِيَّةِ، فَكَيْفَ لا؟ وهي مَنُوطَةٌ بِالتَّناسُبِ والتَّجانُسِ، فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها مَبْنى التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وإنَّما يُبْعَثُ المَلَكُ مِن بَيْنِهِمْ إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ، لِيَتَلَقَّوْا مِن جانِبٍ، ويُلْقُوا إلى جانِبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مَلَكًا" يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَسُولًا، وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِ، وكَذَلِكَ بَشَرًا في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ " والأوَّلُ أوْلى.

الإسراء 17:96

﴿قُلْ﴾ لَهم ثانِيًا مِن جِهَتِكَ بَعْدَ ما قُلْتَ لَهم مِن قِبَلِنا ما قُلْتَ، وبَيَّنْتَ لَهم ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في البِعْثَةِ، ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا. ﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿شَهِيدًا﴾ عَلى أنِّي أدَّيْتُ ما عَلَيَّ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ أكْمَلَ أداءٍ، وأنَّكم فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، وتَوْجِيهِ الشَّهادَةِ إلى كَوْنِهِ ﷺ رَسُولًا بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، كَما اخْتِيرَ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ "بَيْنَنا" تَحْقِيقًا لِلْمُفارَقَةِ، وإبانَةً لِلْمُبايَنَةِ. و "شَهِيدًا" إمّا حالٌ، أوْ تَمْيِيزٌ. ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ﴾ مِنَ الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مُحِيطًا بِظَواهِرِ أحْوالِهِمْ، وبَواطِنِها، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. وهو تَعْلِيلُ الكِفايَةِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.

الإسراء 17:97

﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، يُفَصِّلُ ما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن مُجازاةِ العِبادِ إشارَةً إجْمالِيَّةً، أيْ: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ إلى الحَقِّ بِما جاءَ مِن قِبَلِهِ مِنَ الهُدى. ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ إلَيْهِ، وإلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ، أوِ المُهْتَدِ إلى كُلِّ مَطْلُوبٍ. ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، كَهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ أُوثِرَ ضَمِيرُ الجَماعَةِ اعْتِبارًا لِمَعْنى مَن غِبَّ ما أُوثِرَ في مُقابِلِهِ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها تَلْوِيحًا بِوَحْدَةِ طَرِيقِ الحَقِّ، وقِلَّةِ سالِكِيهِ، وتَعَدُّدِ سُبُلِ الضَّلالِ، وكَثْرَةِ الضُّلّالِ. ﴿أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: أنْصارًا يَهْدُونَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُهم إلى مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، أوْ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ ضَلالُهم. عَلى مَعْنى: لَنْ تَجِدَ لِأحَدٍ مِنهم ولِيًّا عَلى ما تَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ مِنِ انْقِسامِ الآحادِ إلى الآحادِ. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إيذانًا بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَشْرِ. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ: (p-197)كائِنِينَ عَلَيْها سَحْبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أوْ مَشْيًا. فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمَشِّيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ» ". ﴿عُمْيًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في الحالِ السّابِقَةِ. ﴿وَبُكْمًا وصُمًّا﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهُمْ، ولا يَنْطِقُونَ ما يُقْبَلُ مِنهُمْ، ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم لِما قَدْ كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ بِالآياتِ والعِبَرِ، ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، ولا يَسْتَمِعُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُحْشَرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ مُوَفَّيِ القُوى والحَواسِّ، وأنْ يُحْشَرُوا كَذَلِكَ ثُمَّ يُعادُ إلَيْهِمْ قُواهم وحَواسُّهُمْ، فَإنَّ إدْراكاتِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ في بَعْضِ المَواطِنِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ. ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ إمّا حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ أيْ: كُلَّما سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهُمْ، ولُحُومَهُمْ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ النّارُ وتُحْرِقُهُ زِدْناهم تَوَقُّدًا بِأنْ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها، فَعادَتْ مُلْتَهِبَةً، ومُسْتَعِرَةً، ولَعَلَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى إنْكارِهِمُ الإعادَةَ بَعْدَ الفَناءِ بِتَكْرِيرِها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَرَوْها عَيْنًا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوها بُرْهانًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الإسراء 17:98

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ. ﴿جَزاؤُهم بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإعادَةِ دَلالَةً واضِحَةً. فَـ "ذَلِكَ" مُبْتَدَأٌ، و "جَزاؤُهُمْ" خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ثانِيًا، و "بِأنَّهُمْ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرًا لِـ "ذَلِكَ"، وأنْ يَكُونَ جَزاؤُهم بَدَلًا مِن ذَلِكَ، أوْ بَيانًا لَهُ، والخَبَرُ هو الظَّرْفُ. ﴿وَقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ أشَدَّ الإنْكارِ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أيْ: لَمَبْعُوثُونَ بَعْثًا جَدِيدًا. وإمّا حالٌ، أيْ: مَخْلُوقِينَ مُسْتَأْنَفِينَ.

الإسراء 17:99

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا. ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مِن غَيْرِ مادَّةٍ مَعَ عِظَمِهِما ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصِّغَرِ عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ، والمُرادُ "بِالخَلْقِ": الإعادَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ، حَيْثُ قِيلَ: خَلْقًا جَدِيدًا. ﴿وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "أوْلَمْ يَرَوْا" فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَدْ رَأوْا، والمَعْنى قَدْ عَلِمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَهو قادِرٌ عَلى خَلْقِ أمْثالِهِمْ مِنَ الإنْسِ، وجَعَلَ لَهم ولِبَعْثِهِمْ أجَلًا مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ؛ هو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وتَجاوُزِ الحَدِّ بِالمَرَّةِ. ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا.

الإسراء 17:100

﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ الَّتِي أضافَها عَلى كافَّةِ المَوْجُوداتِ، وأنْتُمْ مُرْتَفَعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، كَقَوْلِ حاتِمٍ: لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي، وفائِدَةُ ذَلِكَ المُبالِغَةُ، والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ. ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ﴾ لِبُخْلِكم ﴿خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ مَخافَةَ النَّفادِ (p-198)بِالإنْفاقِ، إذْ لَيْسَ في الدُّنْيا أحَدٌ إلّا وهو يَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ، ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ، فَإذَنْ هو بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ مُبالِغًا في البُخْلِ؛ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ومُلاحَظَةِ العِوَضِ بِما يَبْذُلُهُ.

الإسراء 17:101

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهِيَ: العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، والسُّنُونَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ. وقِيلَ: انْفِجارُ الماءِ مِنَ الحَجَرِ، ونَتْقُ الطَّوْرِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وانْفِلاقُ البَحْرِ، بَدَلَ الثَّلاثِ الأخِيرَةِ. ويَأْباهُ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَ لَمْ تَكُنْ مُنَزَّلَةً إذْ ذاكَ، وأنَّ الأوَّلَيْنِ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِفِرْعَوْنَ، وإنَّما أُوتِيَهُما بَنُو إسْرائِيلَ. عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ «أنَّ يَهُودِيًّا سَألَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْها فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى ذِي سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةً اليَهُودَ أنْ لا تَعْدُوا في السَّبْتِ، فَقَبَّلَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ ورِجْلَهُ ﷺ»، ولا يُساعِدُهُ أيْضًا ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ جَوابَهُ ﷺ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ المُهِمُّ لِلسّائِلِ، وقَبُولُهُ لِما أنَّهُ كانَ في التَّوْراةِ مَسْطُورًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ ما عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ. ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقُرِئَ: (فَسَلْ) أيْ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم مَن فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ أرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ سَلْهم عَنْ إيمانِهِمْ، أوْ عَنْ حالِ دِينِهِمْ. أوْ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى صِيغَةِ الماضِي. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيْ: فاسْألْهم عَنْ تِلْكَ الآياتِ لِتَزْدادَ يَقِينًا وطُمَأْنِينَةً، أوْ لِيَظْهَرَ صِدْقُكَ. ﴿إذْ جاءَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقُلْنا، وبِاسْألْ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ، وبِآياتِنا، أوْ بِمُضْمَرٍ هو يُخْبِرُوكَ، أوِ اذْكُرْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ. ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾ "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: فَأظْهَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ ما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، وبَلَّغَهُ ما أُرْسِلَ بِهِ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ:

الإسراء 17:102

﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ فَتَخَبَّطَ عَقْلُكَ. ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي الآياتِ الَّتِي أظْهَرَها. ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خالِقُهُما، ومُدَبِّرُهُما. والتَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إيتاءِ مِثْلِ هاتِيكَ الآياتِ العِظامِ إلّا خالِقُهُما، ومُدَبِّرُهُما. ﴿بَصائِرَ﴾ حالٌ مِنَ الآياتِ، أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي، ولَكِنَّكَ تُعانِدُ، وتُكابِرُ. نَحْوُ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ العِلْمِ العِلْمُ بِأنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ رَصانَةِ العَقْلِ، فَضْلًا عَنْ تَوَهُّمِ المَسْحُورِيَّةِ. وقُرِئَ: (عَلِمْتُ) عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ، أيْ: لَقَدْ عَلِمْتُ بِيَقِينٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةَ أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَحُومَ حَوْلِي سِحْرٌ؟ ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ، مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ: ما صَرَفَكَ. أوْ هالِكًا، ولَقَدْ قارَعَ ﷺ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ، وشَتّانَ بَيْنَهُما. كَيْفَ لا؟ وظَنُّ فِرْعَوْنَ (p-199)إنَّكَ مُبِينٌ، وظَنُّهُ ﷺ يُتاخِمُ اليَقِينَ.

الإسراء 17:103

﴿فَأرادَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخِفَّهم ويُزْعِجَهم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ، أوْ مِنَ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ . ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ، واسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ.

الإسراء 17:104

﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ إغْراقِهِمْ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ الكَرَّةُ الآخِرَةُ، أوِ الحَياةُ، أوِ السّاعَةُ، والدّارُ الآخِرَةُ، أيْ: قِيامُ القِيامَةِ. ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكُمْ، وإيّاهُمْ، ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكُمْ، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.

الإسراء 17:105

﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ أيْ: وما أنْزَلْنا القرآن إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، أوْ ما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ. ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي مِنَ العِقابِ، وهو تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ بَعَثْتِهِ ﷺ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ إنْزالِ القرآن.

الإسراء 17:106

﴿وَقُرْآنًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَقْناهُ﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ؛ دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ نُجُومِهِ. ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ عَلى مَهْلٍ، وتَثَبُّتٍ. فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ، وأعْوَنُ عَلى الفَهْمِ. وقُرِئَ: بِالفَتْحِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، ويَقَعُ مِنَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ.

الإسراء 17:107

﴿قُلْ﴾ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ إيمانَكم بِهِ لا يَزِيدُهُ كَمالًا، وامْتِناعَكم لا يُورِثُهُ نَقْصًا. ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ: العُلَماءُ الَّذِينَ قَرَءُوا الكُتُبَ السّالِفَةَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِهِ، وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ، وأماراتِ النُّبُوَّةِ، وتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، ورَأوْا فِيها نَعْتَكَ ونَعْتَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ. ﴿إذا يُتْلى﴾ أيِ: القرآن. ﴿عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ أيْ: يَسْقُطُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ. ﴿سُجَّدًا﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ ما وُعِدَ بِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ مِن بِعْثَتِكَ، وتَخْصِيصُ الأذْقانِ بِالذِّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّذَلُّلِ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الخُرُورُ عَلَيْها، وإيثارُ اللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ الخُرُورِ بِها كَما في قَوْلِهِ: ؎ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِذَلِكَ، أيْ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنُ بِهِ أحْسَنَ إيمانٍ مَن هو خَيْرٌ مِنكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقُلْ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ، ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وإعْراضِهِمْ.

الإسراء 17:108

(p-200)﴿وَيَقُولُونَ﴾ في سُجُودِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَمّا يَفْعَلُ الكَفَرَةُ مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ عَنْ خُلْفِ وعْدِهِ. ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ، و "اللّامُ" فارِقَةٌ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ هَذا.

الإسراء 17:109

﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَ الخُرُورَ لِلْأذْقانِ لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَإنَّ الأوَّلَ: لِتَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، أوِ الشُّكْرِ لِإنْجازِ الوَعْدِ. والثّانِي: لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القرآن حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: القرآن بِسَماعِهِمْ. ﴿خُشُوعًا﴾ كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:110

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نَزَلَ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا أللَّهُ، يا رَحْمَنُ. فَقالُوا: إنَّهُ يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ إلَهَيْنِ، وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ. وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ. والمُرادُ عَلى الأوَّلِ: هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ ذاتٍ واحِدَةٍ، وإنِ اخْتَلَفَ الِاعْتِبارُ والتَّوْحِيدُ، إنَّما هو لِلذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ. وعَلى الثّانِي: أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ، والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ، وهو أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ، وأوْ لِلتَّخْيِيرِ، والتَّنْوِينُ في "أيًّا"، عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في "أيٍّ" مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في "لَهُ" لِلْمُسَمّى؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ أيًّا ما تَدْعُو فَهو حَسَنٌ، فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، إذْ حُسْنُ جَمِيعِ أسْمائِهِ يَسْتَدْعِي حُسْنَ ذَيْنِكَ الِاسْمَيْنِ. وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالَةِ والجَمالِ والإكْرامِ. ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أيْ: بِقِراءَةِ صَلاتِكَ بِحَيْثُ تُسْمِعُ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها، ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ أيْ: بِقِراءَتِها بِحَيْثُ لا تُسْمَعُ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ. ﴿سَبِيلا﴾ أمْرًا وسَطًا قَصْدًا، فَإنَّ خَيْرَ الأُمُورِ أوْساطُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبِيلِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أمْرٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ المُتَوَجِّهُونَ، ويَؤُمُّهُ المُقْتَدُونَ، ويُوصِلُهم إلى المَطْلُوبِ. ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ، ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رِضى اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ بِها، ويَقُولُ: أطْرُدُ الشَّيْطانَ، وأُوقِظُ الوَسْنانَ فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا، وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.» وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها، ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالمُخافَتَةِ نَهارًا، والجَهْرِ لَيْلًا. وقِيلَ: بِصِلاتِكَ بِدُعائِكَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ .

الإسراء 17:111

(p-201)﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ كَما يَزْعُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، وبَنُو مَلِيٍّ. حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ أيِ: الأُلُوهِيَّةُ، كَما يَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ القائِلُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ناصِرٌ، ومانِعٌ مِنهُ لِاعْتِزازِهِ بِهِ، أوْ لَمْ يُوالِ أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ لِيَدْفَعَها بِهِ، وفي التَّعَرُّضِ في أثْناءِ الحَمْدِ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ إيذانٌ بِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ مَن هَذِهِ نُعُوتُهُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ بِذَلِكَ يَتِمُّ الكَمالُ، والقُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى الإيجادِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن إضافَةِ أنْواعِ النِّعَمِ، وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكٌ نِعْمَتُهُ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ، واجْتَهَدَ في الطّاعَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ. في ذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَعَنْهُ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» . والقِنْطارُ: ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ. والحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ والجَبَرُوتُ.