Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — النور 24:1 – الفرقان 25:77

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. النور 24:1
  2. النور 24:2
  3. النور 24:3
  4. النور 24:4
  5. النور 24:5
  6. النور 24:6
  7. النور 24:7
  8. النور 24:8
  9. النور 24:9
  10. النور 24:10
  11. النور 24:11
  12. النور 24:12
  13. النور 24:13
  14. النور 24:14
  15. النور 24:15
  16. النور 24:16
  17. النور 24:17
  18. النور 24:18
  19. النور 24:19
  20. النور 24:20
  21. النور 24:21
  22. النور 24:22
  23. النور 24:23
  24. النور 24:24
  25. النور 24:25
  26. النور 24:26
  27. النور 24:27
  28. النور 24:28
  29. النور 24:29
  30. النور 24:30
  31. النور 24:31
  32. النور 24:32
  33. النور 24:33
  34. النور 24:34
  35. النور 24:35
  36. النور 24:36
  37. النور 24:37
  38. النور 24:38
  39. النور 24:39
  40. النور 24:40
  41. النور 24:41
  42. النور 24:42
  43. النور 24:43
  44. النور 24:44
  45. النور 24:45
  46. النور 24:46
  47. النور 24:47
  48. النور 24:48
  49. النور 24:49
  50. النور 24:50
  51. النور 24:51
  52. النور 24:52
  53. النور 24:53
  54. النور 24:54
  55. النور 24:55
  56. النور 24:56
  57. النور 24:57
  58. النور 24:58
  59. النور 24:59
  60. النور 24:60
  61. النور 24:61
  62. النور 24:62
  63. النور 24:63
  64. النور 24:64
  65. الفرقان 25:1
  66. الفرقان 25:2
  67. الفرقان 25:3
  68. الفرقان 25:4
  69. الفرقان 25:5
  70. الفرقان 25:6
  71. الفرقان 25:7
  72. الفرقان 25:8
  73. الفرقان 25:9
  74. الفرقان 25:10
  75. الفرقان 25:11
  76. الفرقان 25:12
  77. الفرقان 25:13
  78. الفرقان 25:14
  79. الفرقان 25:15
  80. الفرقان 25:16
  81. الفرقان 25:17
  82. الفرقان 25:18
  83. الفرقان 25:19
  84. الفرقان 25:20
  85. الفرقان 25:21
  86. الفرقان 25:22
  87. الفرقان 25:23
  88. الفرقان 25:24
  89. الفرقان 25:25
  90. الفرقان 25:26
  91. الفرقان 25:27
  92. الفرقان 25:28
  93. الفرقان 25:29
  94. الفرقان 25:30
  95. الفرقان 25:31
  96. الفرقان 25:32
  97. الفرقان 25:33
  98. الفرقان 25:34
  99. الفرقان 25:35
  100. الفرقان 25:36
  101. الفرقان 25:37
  102. الفرقان 25:38
  103. الفرقان 25:39
  104. الفرقان 25:40
  105. الفرقان 25:41
  106. الفرقان 25:42
  107. الفرقان 25:43
  108. الفرقان 25:44
  109. الفرقان 25:45
  110. الفرقان 25:46
  111. الفرقان 25:47
  112. الفرقان 25:48
  113. الفرقان 25:49
  114. الفرقان 25:50
  115. الفرقان 25:51
  116. الفرقان 25:52
  117. الفرقان 25:53
  118. الفرقان 25:54
  119. الفرقان 25:55
  120. الفرقان 25:56
  121. الفرقان 25:57
  122. الفرقان 25:58
  123. الفرقان 25:59
  124. الفرقان 25:60
  125. الفرقان 25:61
  126. الفرقان 25:62
  127. الفرقان 25:63
  128. الفرقان 25:64
  129. الفرقان 25:65
  130. الفرقان 25:66
  131. الفرقان 25:67
  132. الفرقان 25:68
  133. الفرقان 25:69
  134. الفرقان 25:70
  135. الفرقان 25:71
  136. الفرقان 25:72
  137. الفرقان 25:73
  138. الفرقان 25:74
  139. الفرقان 25:75
  140. الفرقان 25:76
  141. الفرقان 25:77

النور 24:1

(p-155)(سُورَةُ النُّورِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنانِ أوْ أرْبَعٌ وسِتُّونَ آيَةً ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ سُورَةٌ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِها لِأنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها في شَرَفِ الذِّكْرِ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهَدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناها﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفاتٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ مِن حَيْثُ الذّاتُ بِالفَخامَةِ مِن حَيْثُ الصِّفاتُ، وأمّا كَوْنُها مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِيما أوْحَيْنا إلَيْكَ سُورَةٌ أنْزَلْناها فَيَأْباهُ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ شَأْنِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لا أنَّ في جُمْلَةِ ما أُوحِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةً شَأْنُها كَذا وكَذا، وحَمْلُها عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعُونَةِ المَقامِ يُوهِمُ أنَّ غَيْرَها مِنَ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ لَيْسَتْ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أنْزَلْناها فَلا مَحَلَّ لَهُ حِينَئِذٍ مِنَ الإعْرابِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ: "اقْرَأْ" ونَحْوَهُ، أوْ دُونَكَ عِنْدَ مَن يُسَوِّغُ حَذَفَ أداةِ الإغْراءِ، فَمَحَلُّ أنْزَلْنا النَّصْبُ عَلى الوَصْفِيَّةِ. ﴿وَفَرَضْناها﴾ أيْ: أوْ أوْجَبْنا ما فِيها مِنَ الأحْكامِ إيجابًا قَطْعِيًّا، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِغايَةِ وكادَةِ الفَرْضِيَّةِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: "فَرَّضْناها" بِالتَّشْدِيدِ لِتَأْكِيدِ الإيجابِ، أوْ لِتَعَدُّدِ الفَرائِضِ، أوْ لِكَثْرَةِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّلَفِ والخَلْفِ. ﴿وَأنْزَلْنا فِيها﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ السُّورَةِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها الآياتُ الَّتِي نِيطَتْ بِها الأحْكامُ المَفْرُوضَةُ وهو الأظْهَرُ، فَكَوْنُها في السُّورَةِ ظاهِرٌ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ وُضُوحُ دَلالاتِها عَلى أحْكامِها لا عَلى مَعانِيها عَلى الإطْلاقِ فَإنَّها أُسْوَةٌ لِسائِرِ الآياتِ في ذَلِكَ، وتَكْرِيرُ أنْزَلْنا مَعَ اسْتِلْزامِ إنْزالِ السُّورَةِ لِإنْزالِها لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها وإنْ أُرِيدَ جَمِيعُ الآياتِ فالظَّرْفِيَّةُ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ الكُلِّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وتَكْرِيرُ أنْزَلْنا مَعَ أنَّ جَمِيعَ الآياتِ عَيْنُ السُّورَةِ وإنْزالُها عَيْنُ إنْزالِها لِاسْتِقْلالِها بِعُنْوانٍ رائِقٍ داعٍ إلى تَخْصِيصِ إنْزالِها بِالذِّكْرِ إبانَةً لِخَطَرِها ورَفْعًا لِمَحَلِّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ الثّانِيَةِ في الذّالِ، أيْ: تَتَذَكَّرُونَها فَتَعْلَمُونَ بِمُوجِبِها عِنْدَ وُقُوعِ الحَوادِثِ الدّاعِيَةِ إلى إجْراءِ أحْكامِها، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ حَقَّها أنْ تَكُونَ عَلى ذِكْرٍ مِنهم بِحَيْثُ مَتى مَسَّتِ الحاجَةُ إلَيْها اسْتَحْضَرُوها.

النور 24:2

﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ وبَيانِ أحْكامِها. (p-156)والزّانِيَةُ: هي المَرْأةُ المُطاوِعَةُ لِلزِّنا المُمَكِّنَةُ مِنهُ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ لا المُزْنِيَةُ كُرْهًا، وتَقْدِيمُها عَلى الزّانِي لِأنَّها الأصْلُ في الفِعْلِ لِكَوْنِ الدّاعِيَةِ فِيها أوْفَرَ، ولَوْلا تَمْكِينُها مِنهُ لَمْ يَقَعْ، ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ إذِ اللّامُ بِمَعْنى المَوْصُولِ والتَّقْدِيرُ: الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما أنْزَلْنا أوْ فِيما فَرَضْنا الزّانِيَةُ والزّانِي أيْ: حُكْمُهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: "فاجْلِدُوا .." إلَخِ بَيانٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ وكانَ هَذا عامًّا في حَقِّ المُحْصَنِ وغَيْرِهِ وقَدْ نُسِخَ في حَقِّ المُحْصَنِ قَطْعًا، ويَكْفِينا في تَعْيِينِ النّاسِخِ القَطْعُ بِأنَّهُ ﷺ قَدْ رَجَمَ ماعِزًا أوْ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مِن بابِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ المَشْهُورَةِ. وفي الإيضاحِ الرَّجْمُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ المَشْهُورَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، فَجازَتِ الزِّيادَةُ بِها عَلى الكِتابِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِّيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" وقِيلَ: نُسِخَ بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ وهي الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ويَأْباهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِالمَدِّ أيْضًا عَلى فَعالَةٍ، أيْ: رَحْمَةٌ ورِقَّةٌ. ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في طاعَتِهِ وإقامَةِ حَدِّهِ فَتُعَطِّلُوهُ أوْ تُسامِحُوهُ فِيهِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها﴾ . ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما يَقْتَضِي الجِدَّ في طاعَتِهِ تَعالى والِاجْتِهادَ في إجْراءِ أحْكامِهِ. وذِكْرُ اليَوْمِ الآخِرِ لِتَذْكِيرِ ما فِيهِ مِنَ العِقابِ في مُقابَلَةِ المُسامَحَةِ والتَّعْطِيلِ. ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِتَحْضُرَهُ زِيادَةً في التَّنْكِيلِ، فَإنَّ التَّفْضِيحَ قَدْ يُنَكِّلُ أكْثَرَ مِمّا يُنْكَّلُ التَّعْذِيبُ والطّائِفَةُ فِرْقَةٌ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حافَّةً حَوْلَ شَيْءٍ مِنَ الطَّوْفِ وأقَلُّها ثَلاثَةٌ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرْبَعَةٌ إلى أرْبَعِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: عَشْرَةٌ، والمُرادُ: جَمْعٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّشْهِيرُ والزَّجْرُ.

النور 24:3

﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ حُكْمٌ مُؤَسَّسٌ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ المُؤْمِنِينَ بِهِنَّ، وقَدْ رَغِبَ بَعْضٌ مِن ضَعَفَةِ المُهاجِرِينَ في نِكاحٍ وسَرّاتٍ كانَتْ بِالمَدِينَةِ مِن بَغايا المُشْرِكِينَ فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ فَنَفَرُوا عَنْهُ بِبَيانِ أنَّهُ مِن أفْعالِ الزُّناةِ وخَصائِصِ المُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: الزّانِي لا يَرْغَبُ إلّا في نِكاحِ إحْداهُما والزّانِيَةُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها إلّا أحَدُهُما فَلا تَحُومُوا حَوْلَهُ كَيْلا تَنْتَظِمُوا في سِلْكِهِما أوْ تَتَّسِمُوا بِسِمَتِهِما، فَإيرادُ الجُمْلَةِ الأُولى مَعَ أنَّ مَناطَ التَّنْفِيرِ هي الثّانِيَةُ إمّا لِلتَّعْرِيضِ بِقَصْرِهِمُ الرَّغْبَةَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ اسْتَأْذَنُوا في نِكاحِهِنَّ، أوْ لِتَأْكِيدِ العَلاقَةِ بَيْنَ الجانِبَيْنِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلْمُشْرِكَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَناطَ الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ هو الزِّنا لا مُجَرَّدُ الإشْراكِ، وإنَّما تَعَرَّضَ لَها في الأُولى إشْباعًا في التَّنْفِيرِ عَنِ الزّانِيَةِ بِنُظُمِها في سِلْكِ المُشْرِكَةِ. ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أيْ: نِكاحُ الزَّوانِي ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ لِما أنَّ فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالفَسَقَةِ، والتَّعَرُّضِ لِلتُّهْمَةِ، والتَّسَبُّبِ لِسُوءِ القالَةِ، والطَّعْنِ في النَّسَبِ، واخْتِلالِ (p-157)أمْرِ المَعاشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ الأْدانِي والأراذِلِ فَضْلًا عَنِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّنْزِيهِ بِالتَّحْرِيمِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ. وقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. والتَّحْرِيمُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والحَكَمُ إمّا مَخْصُوصٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ، أوْ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم ..﴾ فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لِلْمُسافِحاتِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ، والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» . وما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ: هو الوَطْءُ بَيِّنُ البُطْلانِ.

النور 24:4

﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ بَيانٌ لِحَكَمِ العَفائِفِ إذا نُسِبْنَ إلى الزِّنا بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الزَّوانِي ويُعْتَبَرُ في الإحْصانِ هَهُنا مَعَ مَدْلُولِهِ الوَضْعِيِّ الَّذِي هو العِفَّةُ عَنِ الزِّنا الحَرِيَّةُ والبُلُوغُ والإسْلامُ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّفَوُّهِ بِما قالُوا في حَقِّهِنَّ بِالرَّمْيِ المُنْبِئِ عَنْ صَلابَةِ الآلَةِ وإيلامِ المَرْمِيِّ، وبُعْدِهِ عَنِ الرّامِي إيذانٌ بِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِيهِنَّ وكَوْنِهِ رَجْمًا بِالغَيْبِ، والمُرادُ بِهِ: رَمْيُهُنَّ بِالزِّنا لا غَيْرَ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاكْتِفاءِ بِإيرادِهِنَّ عَقِيبَ الزَّوانِي ووَصْفِهِنَّ بِالإحْصانِ الدّالِّ بِالوَضْعِ عَلى نَزاهَتِهِنَّ عَنِ الزِّنا خاصَّةً فَإنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ رَمْيِهِنَّ بِهِ لا مَحالَةَ، ولا حاجَةَ في ذَلِكَ إلى الِاسْتِشْهادِ بِاعْتِبارِ الأرْبَعَةِ مِنَ الشُّهَداءِ عَلى أنَّ فِيهِ مُؤْنَةُ بَيانِ تَأخُّرِ نُزُولِ الآيَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً﴾ ولا بِعَدَمِ وُجُوبِ الحَدِّ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا عَلى أنَّ فِيهِ شُبْهَةَ المُصادَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ يَرْمُونَ العَفائِفَ المُنَـزَّهاتِ عَمّا رُمِينَ بِهِ مِنَ الزِّنا. ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِنَّ بِما رَمَوْهُنَّ بِهِ. وفي كَلِمَةِ "ثُمَّ" إشْعارٌ بِجَوازِ تَأْخِيرِ الإتْيانِ بِالشُّهُودِ، كَما أنَّ في كَلِمَةِ "لَمْ" إشارَةً إلى تَحْقِيقِ العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِهِمْ وتُقَرِّرُهُ خَلا أنَّ اجْتِماعَ الشُّهُودِ لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ الأداءِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - فَإنَّهُ جَوَّزَ التَّراخِي بَيْنَ الشَّهاداتِ كَما بَيْنَ الرَّمْيِ والشَّهادَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُهم زَوْجَ المَقْذُوفَةِ خِلافًا لَهُ أيْضًا. وقُرِئَ: "بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ" . ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . وانْتِصابُ "ثَمانِينَ" كانْتِصابِ المَصادِرِ، ونَصْبُ "جَلْدَةً" عَلى التَّمْيِيزِ وتَخْصِيصُ رَمْيِهِنَّ بِهَذا الحُكْمِ مَعَ أنَّ حُكْمَ رَمْيِ المُحْصِنِينَ أيْضًا كَذَلِكَ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ وشُيُوعِ الرَّمْيِ فِيهِنَّ. ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً﴾ عَطْفٌ عَلى "اجْلِدُوا" داخِلٌ في حُكْمِهِ تَتِمَّةٌ لَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الزَّجْرِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ لِلْقَلْبِ كَما أنَّ الجَلْدَ مُؤْلِمٌ لِلْبَدَنِ، وقَدْ آذى المَقْذُوفَ بِلِسانِهِ فَعُوقِبَ بِإهْدارِ مَنافِعِهِ جَزاءً وِفاقًا. واللّامُ في "لَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن شَهادَةً قُدِّمَتْ عَلَيْها لِكَوْنِها نَكِرَةً ولَوْ تَأخَّرَتْ عَنْها لَكانَتْ صِفَةً لَها، وفائِدَتُها تَخْصِيصُ الرَّدِّ بِشَهادَتِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ أهْلِيَّتِهِمُ الثّابِتَةِ لَهم عِنْدَ الرَّمْيِ وهو السِّرُّ في قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ المَحْدُودِ في القَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ والإسْلامِ لِأنَّها لَيْسَتْ ناشِئَةً عَنْ أهْلِيَّتِهِ السّابِقَةِ بَلْ عَنْ أهْلِيَّةٍ حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ إسْلامِهِ فَلا يَتَناوَلُها الرَّدُّ فَتَدَبَّرْ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ مِن أنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْبَئُونَ بِسَبَبِ الكُفّارِ فَلا يُلْحَقُ المَقْذُوفَ بِقَذْفِ الكافِرِ مِنَ الشَّيْنِ والشَّنارِ ما يُلْحِقُهُ بِقَذْفِ المُسْلِمِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِدُونِ ما مَرَّ مِنَ الِاعْتِبارِ تَعْلِيلٌ في مُقابَلَةِ النَّصِّ ولا يَخْفى حالُهُ، فالمَعْنى: لا تَقْبَلُوا مِنهم شَهادَةً مِنَ الشَّهاداتِ حالَ كَوْنِها (p-158)حاصِلَةً لَهم عِنْدَ الرَّمْيِ ﴿أبَدًا﴾ أيْ: مُدَّةَ حَياتِهِمْ وإنْ تابُوا وأصْلَحُوا لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاجْلِدُوهم ورُدُّوا شَهادَتِهِمْ، أيْ: فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ فَيَبْقى كَأصْلِهِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُبِيِّنٌ لِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ، أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ والتَّجاوُزِ عَنِ الحُدُودِ الكامِلُونَ فِيهِ، كَأنَّهم هُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ اسْمِ الفاسِقِ عَلَيْهِمْ لا غَيْرُهم مِنَ الفَسَقَةِ.

النور 24:5

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الفاسِقِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْلِيلُ الآتِي ومَحِلُّ المُسْتَثْنِي النَّصْبُ لِأنَّهُ مِن مُوجَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لِتَهْوِيلِ المَتُوبِ عَنْهُ، أيْ: مِن بَعْدِ ما اقْتَرَفُوا ذَلِكَ الذَّنْبَ العَظِيمَ الهائِلَ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ أيْ: أصْلَحُوا أعْمالَهُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فَرَّطَ مِنهم بِالتَّلافِي والتَّدارُكِ ومِنهُ الِاسْتِسْلامُ لِلْحَدِّ والِاسْتِحْلالُ مِنَ المَقْذُوفِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العَفْوِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِمُوجِبِ الفِسْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَحِينَئِذٍ لا يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما فَرَطَ مِنهم ولا يُنَظِّمُهم في سِلْكِ الفاسِقِينَ لِأنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. هَذا وقَدْ عَلَّقَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاسْتِثْناءَ بِالنَّهْيِ، فَمَحَلُّ المُسْتَثْنى حِينَئِذٍ الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُمْ" وجَعَلَ الأبَدَ عِبارَةً عَنْ مُدَّةِ كَوْنِهِ قاذِفًا فَتَنْتَهِي بِالتَّوْبَةِ فَتُقْبَلُ شَهادَتُهُ بَعْدَها.

النور 24:6

﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ الرّامِينَ لِأزْواجِهِمْ خاصَّةً بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ الرّامِينَ لِغَيْرِهِنَّ لَكِنْ لا بِأنْ يَكُونَ هَذا مُخَصَّصًا لِلْمُحْصَناتِ بِالأجْنَبِيّاتِ لَيَلْزَمَ بَقاءُ الآيَةِ السّابِقَةِ ظَنِّيَّةً فَلا يَثْبُتُ بِها الحَدُّ، فَإنَّ مِن شَرائِطِ التَّخْصِيصِ أنْ لا يَكُونَ المُخَصَّصُ مُتَراخِيَ النُّـزُولِ بَلْ بِكَوْنِهِ ناسِخًا لِعُمُومِها ضَرُورَةَ تَراخِي نُزُولِها كَما سَيَأْتِي، فَتَبْقى الآيَةُ السّابِقَةُ قَطْعِيَّةَ الدَّلالَةِ فِيما بَقِيَ بَعْدَ النَّسْخِ لِما بَيْنَ مَوْضِعِهِ أنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ﴾ يَشْهَدُونَ بِما رَمَوْهُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنا، وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ. ﴿إلا أنْفُسُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن شُهَداءُ، أوْ صِفَةٌ لَها عَلى أنَّ "إلّا" بِمَعْنى "غَيْرِ" جَعَلُوا مِن جُمْلَةِ الشُّهَداءِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إلْغاءِ قَوْلِهِمْ بِالمَرَّةِ ونَظْمِهِ في سِلْكِ الشَّهادَةِ في الجُمْلَةِ، وبِذَلِكَ ازْدادَ حُسْنُ إضافَةِ الشَّهادَةِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ أيْ: شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: فَشَهادَتُهُمُ المَشْرُوعَةُ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهاداتٍ لِقُرْبِها، وقِيلَ: بِشَهادَةٍ لِتَقَدُّمِها. وقُرِئَ: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ "فَشَهادَةُ" عَلى أنَّهُ إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالواجِبُ شَهادَةُ أحَدِهِمْ، وإمّا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ واجِبَةٌ. ﴿إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، وأصْلُهُ: عَلى أنَّهُ إلَخِ، فَحُذِفَ الجارُّ وكُسِرَتْ "إنَّ" وعُلِّقَ العامِلُ عَنْها لِلتَّأْكِيدِ.

النور 24:7

(p-159)﴿والخامِسَةُ﴾ أيِ: الشَّهادَةُ الخامِسَةُ لِلْأرْبَعِ المُتَقَدِّمَةِ، أيِ: الجاعِلَةُ لَها خَمْسًا بِانْضِمامِها إلَيْهِنَّ، وإفْرادُها عَنْهُنَّ مَعَ كَوْنِها شَهادَةً أيْضًا لِاسْتِقْلالِها بِالفَحْوى ووَكادَتِها في إفادَةِ ما يُقْصَدُ بِالشَّهادَةِ مِن تَحْقِيقِ الخَبَرِ وإظْهارِ الصِّدْقِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا. فَإذا لاعَنَ الزَّوْجُ حُبِسَتِ الزَّوْجَةُ حَتّى تَعْتَرِفَ فَتُرْجَمَ أوْ تُلاعَنَ.

النور 24:8

﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ أيِ: العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ، وهو الحَبْسُ المُغَيّا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ بِالرَّجْمِ الَّذِي هو أشَدُّ العَذابِ ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ﴾ أيِ: الزَّوْجُ ﴿لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنا.

النور 24:9

﴿والخامِسَةَ﴾ بِالنُّصْبِ عَلى أرْبَعِ شَهاداتٍ ﴿أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ أيِ: الزَّوْجُ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما رَمانِي بِهِ في الزِّنا. وقُرِئَ: "والخامِسَةُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقُرِئَ: "أنْ" بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ ورُفِعَ اللَّعْنَةُ والغَضَبُ، وقُرِئَ: "أنْ غَضِبَ اللَّهُ" وتَخْصِيصُ الغَضَبِ بِجانِبِ المَرْأةِ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْها لِما أنَّها مادَّةُ الفُجُورِ، ولِأنَّ النِّساءَ كَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ فَرُبَّما يَجْتَرِئْنَ عَلى التَّفَوُّهِ بِهِ لِسُقُوطِ وقْعِهِ عَنْ قُلُوبِهِنَّ بِخِلافِ غَضَبِهِ تَعالى. رُوِيَ «أنَّ آيَةَ القَذْفِ لَمّا نَزَلَتْ قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ فَقامَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ إنْ وجَدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَأخْبَرَ جُلِدَ ثَمانِينَ ورُدَّتْ شَهادَتُهُ وفُسِّقَ وإنْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ قُتِلَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ وإلى أنْ يَجِيءَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ ومَضى اللَّهُمَّ افْتَحْ، وخَرَجَ فاسْتَقْبَلَهُ هِلالُ بْنُ أُمِّيَّةَ أوْ عُوَيْمِرٌ فَقالَ: ما وراءَكَ ؟ قالَ: شَرٌّ وجَدْتُ عَلى امْرَأتِي خَوْلَةَ وهي بِنْتُ عاصِمٍ شَرِيكَ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ: واللَّهِ هَذا سُؤالِي ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتَ بِهِ، فَرَجَعا فَأخْبَرا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ خَوْلَةَ فَأنْكَرَتْ فَنَزَلَتْ فَلاعَنَ بَيْنَهُما»، والفُرْقَةُ الواقِعَةُ بِاللِّعانِ في حُكْمِ التَّطْلِيقَةِ البائِنَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -، ولا يَتَأبَّدُ حُكْمُها حَتّى إذا أكْذَبَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحُدَّ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها. وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ، وزُفَرِ، والحَسَنِ بْنِ زِيادٍ، والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: هي فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلاقٍ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لَيْسَ لَهُما اجْتِماعٌ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا.

النور 24:10

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الرّامِينَ والمَرْمِيّاتِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِتَهْوِيلِهِ والإشْعارِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْلا تَفَضُّلُهُ تَعالى عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّهُ تَعالى مُبالَغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ حَكِيمٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَ لَكم مِن حُكْمِ اللِّعانِ لَكانَ ما كانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَشْرَعْ لَهم ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ حَدُّ القَذْفِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ صِدْقُهُ لِأنَّهُ أعْرَفُ بِحالِ زَوْجَتِهِ وأنَّهُ لا يَفْتَرِي عَلَيْها لِاشْتِراكِهِما في الفَضاحَةِ، وبَعْدَ ما شَرَعَ لَهم ذَلِكَ لَوْ جَعَلَ (p-160)شَهاداتِهِ مُوجِبَةً لِحَدِّ الزِّنا عَلَيْها لَفاتَ النَّظَرُ لَها، ولَوْ جَعَلَ شَهاداتِها مُوجِبَةً لِحَدِّ القَذْفِ عَلَيْهِ لَفاتَ النَّظَرُ لَهُ، ولا رَيْبَ في خُرُوجِ الكُلِّ عَنْ سُنَنِ الحِكْمَةِ والفَضْلِ والرَّحْمَةِ فَجَعَلَ شَهاداتٍ كُلٍّ مِنهُما مَعَ الجَزْمِ بِكَذِبِ أحَدِهِما حَتْمًا دارِئَةً لِما تَوَجَّهَ إلَيْهِ مِنَ الغائِلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَدِ ابْتُلِيَ الكاذِبُ مِنهُما في تَضاعِيفَ شَهاداتِهِ مِنَ العَذابِ بِما هو أتَمُّ مِمّا دَرَأتْهُ عَنْهُ وأطَمُّ، وفي ذَلِكَ مِن أحْكامِ الحِكَمِ البالِغَةِ وآثارِ التَّفَضُّلِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى، أمّا عَلى الصّادِقِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الكاذِبِ فَهو إمْهالُهُ والسَّتْرُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ودَرْءُ الحَدِّ عَنْهُ وتَعْرِيضُهُ لِلتَّوْبَةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ تَوّابِيَّتِهِ، سُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأوْسَعَ رَحْمَتَهُ وأدَقَّ حِكْمَتَهُ.

النور 24:11

﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ أيْ: بِأبْلَغَ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ لا تَشْعُرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأكَ، وأصْلُهُ: الإفْكُ، وهو القَلْبُ لِأنَّهُ مَأْفُوكٌ عَنْ وجْهِهِ وسُنَنِهِ، والمُرادُ بِهِ: ما أُفِكَ بِهِ الصَّدِّيقَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وفي لَفْظِ المَجِيءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم أظْهَرُوهُ مِن عِنْدَ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ قَرْعَتُها اسْتَصْحَبَها، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَأقْرَعَ بَيْنَنا في غَزْوَةٍ غَزاها، قِيلَ: غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الحِجابِ، فَحُمِلَتْ في هَوْدَجٍ فَسِرْنا حَتّى إذا قَفَلْنا ودَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ نَزَلْنا مَنزِلًا، ثُمَّ نُودِيَ بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ ومَشَيْتُ حَتّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شَأْنِي أقْبَلْتُ إلى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإذا عِقْدِي مِن جَزَعِ ظَفارَ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فالتَمَسْتُهُ فَحَبَسَنِي ابْتِغاؤُهُ، وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحَّلُونَ بِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَّلُوهُ عَلى بَعِيرِي وهم يَحْسَبُونَ أنِّي فِيهِ لِخِفَّتِي فَلَمْ يَسْتَنْكِرُوا خِفَّةَ الهَوْدَجِ وذَهَبُوا بِالبَعِيرِ، ووَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمْرَرْتُ الجَيْشَ فَجِئْتُ مَنازِلَهم ولَيْسَ فِيها داعٍ ولا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنزِلِي وظَنَنْتُ أنِّي سَيَفْقِدُونَنِي ويَعُودُونَ في طَلَبِي، فَبَيْنا أنا جالِسَةٌ في مَنزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ السُّلَمِيُّ مِن وراءِ الجَيْشِ فَلَمّا رَآنِي عَرَفَنِي، فاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجاعِهِ فَخَمَّرْتُ وجْهِي بِجِلْبابِي، وواللَّهِ ما تَكَلَّمْنا بِكَلِمَةٍ ولا سَمِعْتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجاعِهِ، وهَوى حَتّى أناخَ راحِلَتَهُ فَوَطِئِ عَلى يَدَيْها فَقُمْتُ إلَيْها فَرَكِبْتُها وانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرّاحِلَةَ، حَتّى أتَيْنا الجَيْشَ مُوِغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهم نُزُولٌ، وافْتَقَدَنِي النّاسُ حِينَ نَزَلُوا وماجَ القَوْمُ في ذِكْرِي، فَبَيْنا النّاسُ كَذَلِكَ إذْ هَجَمْتُ عَلَيْهِمْ فَخاضَ النّاسُ في حَدِيثِي فَهَلَكَ مَن هَلَكَ» . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ خَبَرُ "إنَّ" أيْ: جَماعَةٌ وهي مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ وكَذا العِصابَةُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وزَيْدُ بْنُ رِفاعَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، ومَن ساعَدَهم. وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعائِشَةُ وصَفْوانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، تَسْلِيَةً لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، والضَّمِيرُ لِلْإفْكِ. ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِاكْتِسابِكم بِهِ الثَّوابَ العَظِيمَ وظُهُورِ كَرامَتِكم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإنْزالِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً في نَزاهَةِ ساحَتِكم وتَعْظِيمِ شَأْنِكم وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ فِيمَن تَكَلَّمَ فِيكم والثَّناءِ عَلى مَن ظَنَّ بِكم خَيْرًا. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ (p-161)مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اُولَئِكَ العُصْبَةِ ﴿ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ بِقَدْرِ ما خاضَ فِيهِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ أيْ: مُعْظَمُهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. ﴿مِنهُمْ﴾ مِنَ العُصْبَةِ، وهو ابْنُ أُبَيٍّ فَإنَّهُ بَدَأ بِهِ وأذاعَهُ بَيْنَ النّاسِ عَداوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: هو وحَسّانُ ومِسْطَحٌ فَإنَّهُما شايَعاهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، فَإفْرادُ المَوْصُولِ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ الفَوْجِ أوِ الفَرِيقِ أوْ نَحْوَهُما. ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا أيْضًا، فَإنَّهم جُلِدُوا ورُدَّتْ شَهادَتُهم، وصارَ ابْنُ أُبَيٍّ مَطْرُودًا مَشْهُودًا عَلَيْهِ بِالنِّفاقِ، وحَسّانُ أعْمى وأشَلَّ اليَدَيْنِ، ومِسْطَحٌ مَكْفُوفُ البَصَرِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالَّذِي وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفِهِ بِالعِظَمِ مِن تَهْوِيلِ الخَطْبِ ما لا يَخْفى.

النور 24:12

﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَوِيهِ إلى الخائِضِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ ما في "لَوْلا" التَّحْضِيضِيَّةِ مِنَ التَّوْبِيخِ، ثُمَّ العُدُولِ عَنْهُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الإعْراضِ عَنْهم وحِكايَةِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ المَثابَةِ بَلْ بِالتَّوَسُّلِ بِذَلِكَ إلى وصْفِهِمْ بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِالمُحَضَّضِ عَلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا ويَزْجُرُهم عَنْ ضِدِّهِ زَجْرًا بَلِيغًا، فَإنَّ كَوْنَ وصْفِ الإيمانِ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى إحْسانِ الظَّنِّ ويَكُفُّهم عَنْ إساءَتِهِ بِأنْفُسِهِمْ، أيْ: بِأبْناءِ جِنْسِهِمُ النّازِلِينَ مَنزِلَةَ أنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَإخْلالُهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَصْفِ أقْبَحُ وأشْنَعُ والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِ أدْخَلُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِتَوْبِيخِ الخائِضاتِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالإيمانِ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ فَإيجابُهُ لِما ذُكِرَ واضِحٌ والتَّوْبِيخُ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ مُطْلَقَ الإيمانِ الشّامِلِ لِما يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ أيْضًا فَإيجابُهُ لَهُ مِن حَيْثُ أنَّهم كانُوا يَحْتَرِزُونَ عَنْ إظْهارِ ما يُنافِي مُدَّعاهم، فالتَّوْبِيخُ حِينَئِذٍ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُلِّ. وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَ "لَوْلا" وفِعْلِها لِتَخْصِيصِ التَّحْضِيضِ بِأوَّلِ زَمانِ سَماعِهِمْ، وقَصْرُ التَّوْبِيخِ عَلى تَأْخِيرِ الإتْيانِ بِالمُحَضَّضِ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الآنَ والتَّرَدُّدِ فِيهِ لِيُفِيدَ أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِهِ رَأْسًا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ القَباحَةِ والشَّناعَةِ، أيْ: كانَ الواجِبُ أنْ يُظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ مِمَّنِ اخْتَرَعَهُ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ بِمَثَلِهِمْ مِنَ احادِ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا. ﴿وَقالُوا﴾ في ذَلِكَ الآنَ ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ كَوْنُهُ إفْكًا، فَكَيْفَ بِالصِّدِّيقَةِ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ حُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

النور 24:13

﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إمّا مِن تَمامِ القَوْلِ المُحَضَّضِ عَلَيْهِ مَسُوقٌ لِحَثِّ السّامِعِينَ عَلى إلْزامِ المُسَمِّعِينَ وتَكْذِيبِهِمْ إثْرَ تَكْذِيبِ ما سَمِعُوهُ مِنهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ وتَوْبِيخُهم عَلى تَرْكِهِ، أيْ: هَلّا جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا. ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا﴾ بِهِمْ وإنَّما قِيلَ ﴿بِالشُّهَداءِ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخائِضِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغُلُوِّهِمْ في الفَسادِ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ عَنِ الشَّرِّ، أيْ: أُولَئِكَ المُفْسِدُونَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وشَرْعِهِ المُؤَسَّسِ عَلى الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ المُتْقَنَةِ. ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ الكامِلُونَ في الكَذِبِ المَشْهُودِ (p-162)عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِمُ الحَدُّ خاصَّةَ، وإمّا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلِاحْتِجاجِ عَلى كَذِبِهِمْ بِكَوْنِ ما قالُوهُ قَوْلًا لا يُساعِدُهُ الدَّلِيلُ أصْلًا.

النور 24:14

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلسّامِعِينَ والمُسَمِّعِينَ جَمِيعًا ﴿وَرَحْمَتُهُ في الدُّنْيا﴾ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ ﴿والآخِرَةِ﴾ مِنَ الآلاءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَفْوُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِي ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، والإبْهامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ والِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ، يُقالُ: أفاضَ في الحَدِيثِ وخاضَ وانْدَفَعَ وهَضَبَ بِمَعْنى. ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ التَّوْبِيخُ والجَلَدُ.

النور 24:15

﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ ظَرْفٌ لِلْمَسِّ، أيْ: لَمَسَّكم ذَلِكَ العَذابُ العَظِيمُ وقْتَ تَلَقِّيكم إيّاهُ مِنَ المُخْتَرِعِينَ. ﴿بِألْسِنَتِكُمْ﴾ والتَّلَقِّي والتَّلَقُّفُ والتَّلَقُّنُ مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ، خَلا أنَّ في الأوَّلِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وفي الثّانِي مَعْنى الخَطْفِ والأخْذِ بِسُرْعَةٍ، وفي الثّالِثِ مَعْنى الحِذْقِ والمَهارَةِ. وقُرِئَ: "تَتَلَقَّوْنَهُ" عَلى الأصْلِ، و"تُلْقُونَهُ" مَن لَقِيَهُ، و"تِلْقُونَهُ" بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، و"تُلْقُونَهُ" مِنَ إلْقاءِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، و"تَلْقُوَنَهُ" و "تَأْلَقُونَهُ" مِنَ الوَلْقِ والألْقِ وهو الكَذِبُ، و"تُثَقِّفُونَهُ" مَن ثَقَفْتُهُ: إذا طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ، و"تُثَقِّفُونَهُ" أيْ: "تُتْعِبُونَهُ" . ﴿وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا مُخْتَصًّا بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ ومَنشَأٌ في القُلُوبِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَعْبِيرٍ عَنْ عِلْمٍ بِهِ في قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ . ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ سَهْلًا لا تَبِعَةَ لَهُ، أوْ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ عُقُوبَةٍ. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ والحالُ أنَّهُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في الوِزْرِ واسْتِجْرارِ العَذابِ.

النور 24:16

﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ مِنَ المُخْتَرِعِينَ والمُشايِعِينَ لَهم ﴿قُلْتُمْ﴾ تَكْذِيبًا لَهم وتَهْوِيلًا لِما ارْتَكَبُوهُ ﴿ما يَكُونُ لَنا﴾ ما يُمْكِنُنا ﴿أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ وما يَصْدُرُ عَنّا ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وحاصِلُهُ نَفْيُ وُجُودِ التَّكَلُّمِ بِهِ لا نَفْيُ وجُودِهِ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ والِاسْتِقامَةِ والِانْبِغاءِ وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَمِعُوهُ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَ "لَوْلا" و "قُلْتُمْ" لِما مَرَّ مِن تَخْصِيصِ التَّحْضِيضِ بِأوَّلِ وقْتِ السَّماعِ، وقَصْرِ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ عَلى تَأْخِيرِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْ ذَلِكَ الآنَ لِيُفِيدَ أنَّهُ المُحْتَمِلُ لِلْوُقُوعِ المُفْتَقِرِ إلى التَّحْضِيضِ عَلى تَرْكِهِ، وأمّا تَرْكُ القَوْلِ نَفْسِهِ رَأْسًا فِيما لا يُتَوَهَّمُ وُقُوعُهُ حَتّى يُحَضَّضَ عَلى فِعْلِهِ ويُلامَ عَلى تَرْكِهِ، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَفادَوْا أوَّلَ ما سَمِعُوا بِالإفْكِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ فَلَمّا كانَ ذِكْرُ الوَقْتِ أهَمَّ وجَبَ التَّقْدِيمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ظُرُوفَ الأشْياءِ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ أنْفُسِها لِوُقُوعِها فِيها، وأنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها فَلِذَلِكَ يَتَّسِعُ فِيها ما لا (p-163)يَتَّسِعُ في غَيْرِها فَهي ضابِطَةٌ رُبَّما تُسْتَعْمَلُ فِيما إذا وُضِعَ الظَّرْفُ مَوْضِعَ المَظْرُوفِ بِأنَّ جُعِلَ مَفْعُولًا صَرِيحًا لِفِعْلٍ مَذْكُورٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ أوْ مُقَدَّرٍ كَعامَّةِ الظُّرُوفِ المَنصُوبَةِ إضْمارُ اذْكُرُوا، أمّا هَهُنا فَلا حاجَةَ إلَيْها أصْلًا لِما تَحَقَّقَتْ أنَّ مَناطَ التَّقْدِيمِ تُوجِبُهُ التَّحْضِيضِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَتَحَقَّقُ في جَمِيعِ مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها﴾ . ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَعَجُّبٌ مِمَّنْ تَفَوَّهَ بِهِ، وأصْلُهُ أنْ يُذْكَرَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ تَعالى تَنْزِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ أمْثالُهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، أوْ تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ حُرْمَةُ نَبِيِّهِ فاجِرَةً فَإنَّ فُجُورَها تَنْفِيرٌ عَنْهُ ومُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الزَّواجِ فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ لِعِظَمِ المَبْهُوتِ عَلَيْهِ واسْتِحالَةِ صِدْقِهِ فَإنَّ حَقارَةَ الذُّنُوبِ وعِظَمِها بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِها.

النور 24:17

﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَنْصَحُكم ﴿أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعُودُوا، أوْ يَزْجُرُكم مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا مِن قَوْلِكَ وعَظْتُهُ في كَذا فَتَرَكَهُ. ﴿أبَدًا﴾ أيْ: مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ وازِعٌ عَنْهُ لا مَحالَةَ وفِيهِ تَهْيِيجٌ وتَقْرِيعٌ.

النور 24:18

﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى الشَّرائِعِ ومَحاسِنِ الآدابِ دَلالَةُ ذَلِكَ واضِحَةً لِتَتَّعِظُوا وتَتَأدَّبُوا بِها، أيْ: يُنْـزِلُها كَذَلِكَ، أيْ: مَبْنِيَّةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها لا أنَّهُ يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وهَذا كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ، وكَبَّرَ الفِيلَ أيْ: خَلَقَهُما صَغِيرًا وكَبِيرًا، ومِنهُ قَوْلُكَ: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووُسِّعَ أسْفَلَها، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ شَأْنِ البَيانِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ جَلائِلِها دَقائِقِها. ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَمِيعِ تَدابِيرِهِ، وأفْعالِهِ فَأنّى يُمْكِنُ صِدْقُ ما قِيلَ في حَقِّ حُرْمَةِ مَنِ اصْطَفاهُ لِرِسالاتِهِ وبَعَثَهُ إلى كافَّةِ الخَلْقِ لِيُرْشِدَهم إلى الحَقِّ ويُزَكِّيهِمْ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ هَهُنا لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأُلُوهِيَّةِ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ.

النور 24:19

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ ويَقْصِدُونَ ﴿أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ أيْ: تَنْتَشِرَ الخَصْلَةُ المُفْرِطَةُ في القُبْحِ، وهي الفِرْيَةُ والرَّمْيُ بِالزِّنا أوْ نَفْسُ الزِّنا، فالمُرادُ: بِشُيُوعِها شُيُوعُ خَبَرِها، أيْ: يُحِبُّونَ شُيُوعَها ويَتَصَدَّوْنَ مَعَ ذَلِكَ لِإشاعَتِها، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ المَحَبَّةِ فَإنَّها مُسْتَتْبَعَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُشِيعُ" أيْ: تَشِيعَ فِيما بَيْنَ النّاسِ، وذَكَرَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ فِيهِمْ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الفاحِشَةِ، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، أيْ: يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ كائِنَةً في حَقِّ المُؤْمِنِينَ وفي شَأْنِهِمْ. ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ مِنَ الحَدِّ وغَيْرِهِ مِمّا يَتَّفِقُ مِنَ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ، ولَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وحَسّانًا، ومِسْطَحًا حَدَّ القَذْفِ، وضَرَبَ صَفْوانُ حَسّانًا ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وكُفَّ بَصَرُهُ. (p-164)﴿والآخِرَةِ﴾ مِن عَذابِ النّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في الضَّمائِرِ مِنَ المَحَبَّةِ المَذْكُورَةِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يَعلمه تعالى، بَلْ إنَّما تَعْلَمُونَ ما ظَهَرَ لَكم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ المَحْسُوسَةِ فابْنُوا أُمُورَكم عَلى ما تَعْمَلُونَهُ، وعاقِبُوا في الدُّنْيا عَلى ما تُشاهِدُونَهُ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِلسَّرائِرِ فَيُعاقِبُ في الآخِرَةِ عَلى ما تُكِنُّهُ الصُّدُورُ هَذا إذا جُعِلَ العَذابُ الألِيمُ في الدُّنْيا عِبارَةً عَنْ حَدِّ القَذْفِ أوْ مُتَنَظِّمًا لَهُ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، أمّا إذا بَقِيَ عَلى إطْلاقِهِ يُرادُ بِالمَحَبَّةِ نَفْسِها مِن غَيْرِ أنْ يُقارِنَها التَّصَدِّي لِلْإشاعَةِ وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَيَكُونُ تَرْتِيبُ العَذابِ عَلَيْها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَذابَ مَن يُباشِرُ الإشاعَةَ ويَتَوَلّاها أشَدَّ وأعْظَمَ، ويَكُونُ الِاعْتِراضُ التَّذْيِيلِيُّ - أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ - تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم وتَعْلِيلًا لَهُ.

النور 24:20

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ بِتَرْكِ المُعالَجَةِ بِالعِقابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ عِظَمِ الجَرِيرَةِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِاسْتِتْباعِ صِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ وتَغْيِيرُ سَبْكِهِ وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِما أنَّ بَيانَ اتِّصافِهِ تَعالى في ذاتِهِ بِالرَّأْفَةِ الَّتِي هي كَمالُ الرَّحْمَةِ والرَّحِيمِيَّةِ الَّتِي هي المُبالَغَةُ فِيها عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ لا بَيانُ حُدُوثِ تَعَلُّقِ رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ، كَما أنَّهُ المُرادُ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

النور 24:21

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: لا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إشاعَةُ الفاحِشَةِ وحُبُّها، وقُرِئَ: "خُطْواتِ" بِسُكُونِ الطّاءِ وبِفَتْحِها أيْضًا. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وُضِعَ الظّاهِرانِ مَوْضِعَ ضَمِيرَيْهِما حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ومَن يَتْبَعُها، أوْ ومَن يَتْبَعُ خُطُواتِهِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ والتَّحْذِيرِ. ﴿فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ وُضِعَتْ مَوْضِعَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ لِأنَّهُ دَأْبُهُ المُسْتَمِرُّ أنْ يَأْمُرَ بِهِما فَمَنِ اتَّبَعَ خُطُواتِهِ فَقَدِ امْتَثَلَ بِأمْرِهِ قَطْعًا، والفَحْشاءُ: ما أفْرَطَ قُبْحُهُ كالفاحِشَةِ، والمُنْكَرُ: ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ "إنَّهُ" لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ عَلى ما رَأى مَن لا يُوجِبُ عَوْدَ الضَّمِيرِ مِنَ الجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ، أوْ عَلى أنَّ الأصْلَ يَأْمُرُهُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ إلى "مَن"، أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ المُتَّبَعَ يَأْمُرُ النّاسَ بِهِما لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْطانِ هو الإضْلالُ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ يَتَرَقّى مِن رُتْبَةِ الضَّلالِ والفَسادِ إلى رُتْبَةِ الإضْلالِ والإفْسادِ. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِما مِن جُمْلَتِهِ هاتِيكَ البَياناتُ، والتَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ الماحِصَةِ لِلذُّنُوبِ وشَرَعَ الحُدُودَ المُكَفِّرَةَ لَها. ﴿ما زَكا﴾ أيْ: ما طَهُرَ مِن دَنَسِها، وقُرِئَ: "ما زَكّى" بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: ما طَهَّرَ اللَّهُ تَعالى. وَمِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ بَيانِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ (p-165)تَعالى: ﴿مِن أحَدٍ﴾ زائِدَةٌ، و"أحَدٌ" في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى، وفي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ. ﴿أبَدًا﴾ لا إلى نِهايَةٍ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي﴾ يُطَهِّرُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ بِإضافَةِ آثارِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى التَّوْبَةِ ثُمَّ قَبُولِها مِنهُ كَما فَعَلَ بِكم. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِ الأقْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أظْهَرُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نِيّاتُهم وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِاسْتِدْعاءِ الأُلُوهِيَّةِ لِلسَّمْعِ والعِلْمِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

النور 24:22

﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أيْ: لا يَحْلِفُ افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ، وقِيلَ: لا يُقَصِّرُ مِنَ الألْوِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِنُـزُولِهِ في شَأْنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ بَعْدُ وكانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ ابْنَ خالَتِهِ وكانَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَلا يَتَألَّ" . ﴿أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ في الدِّينِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿والسَّعَةِ﴾ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا﴾ أيْ: عَلى أنْ لا يُؤْتُوا، أوْ قُرِئَ بِناءَ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفاتٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ جِيءَ بِها بِطَرِيقِ العَطْفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنها عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِاسْتِحْقاقِهِ الإيتاءَ، وقِيلَ: لِمَوْصُوفاتٍ أُقِيمَتْ هي مَقامُها، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: عَلى أنْ لا يُؤْتُوهم شَيْئًا. ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ما فَرَطَ مِنهم ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنْهُ، وقَدْ قُرِئَ الأمْرانِ بِتاءِ الخِطابِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: بِمُقابَلَةِ عَفْوِكم وصَفْحِكم وإحْسانِكم إلى مَن أساءَ إلَيْكم. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ مَعَ كَمالِ قدرته عَلى المُؤاخَذَةِ وكَثْرَةِ ذُنُوبِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، وفِيهِ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ في العَفْوِ ووَعْدٌ كَرِيمٌ بِمُقابَلَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم ؟ فَهَذا مِن مُوجِباتِهِ. رَوى «أنَّهُ ﷺ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: بَلى أُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ، وقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ لا أنْزِعُها أبَدًا» .

النور 24:23

﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ مِمّا رُمِينَ بِهِ مِنَ الفاحِشَةِ ﴿الغافِلاتِ﴾ عَنْها عَلى الإطْلاقِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِنَّ شَيْءٌ مِنها ولا مِن مُقَدِّماتِها أصْلًا، فَفِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ ما لَيْسَ في المُحْصَناتِ، أيِ: السَّلِيماتُ الصُّدُورِ التَّقِيّاتُ القُلُوبِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ. ﴿المُؤْمِناتِ﴾ أيِ: المُتَّصِفاتِ بِالإيمانِ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ والمَحْظُوراتِ وغَيْرِها إيمانًا حَقِيقِيًّا تَفْصِيلِيًّا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْخِيرُ المُؤْمِناتِ عَمّا قَبْلَها مَعَ أصالَةِ وصْفِ الإيمانِ، فَإنَّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِها المَعْنى الوَصْفِيُّ المُعْرِبُ عَمّا ذُكِرَ لا المَعْنى الِاسْمِيُّ المُصَحِّحُ لِإطْلاقِ الِاسْمِ في الجُمْلَةِ كَما هو المُتَبادِرُ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ، والمُرادُ بِها عائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ (p-166)أنَّ رَمْيَها رَمْيٌ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في العِصْمَةِ والنَّزاهَةِ والِانْتِسابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ونَظائِرِهِ، وقِيلَ: أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِنَّ الصِّدِّيقَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ هي الصِّدِّيقَةُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِها لِلْمُتَّصِفاتِ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن نِساءِ الأُمَّةِ فَيَأْباهُ أنَّ العُقُوباتِ المُتَرَتِّبَةَ عَلى رَمْيِ هَؤُلاءِ عُقُوباتٌ مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ والمُنافِقَيْنِ ولا رَيْبَ في أنَّ رَمْيَ غَيْرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيّاهُنَّ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فَإنَّهُنَّ قَدْ خُصِّصْنَ مِن بَيْنِ سائِرِ المُؤْمِناتِ فَجَعَلَ رَمْيُهُنَّ كُفْرًا إبْرازًا لِكَرامَتِهِنَّ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِمايَةً لِحِمى الرِّسالَةِ مِن أنْ يَحُومَ حَوْلَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ، حَتّى إنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما جَعَلَهُ أغْلَظَ مِن سائِرِ أفْرادِ الكُفْرِ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ مِنهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وهَلْ هو مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلّا لِتَهْوِيلِ أمْرِ الإفْكِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كُفْرٌ غَلِيظٌ. ﴿لُعِنُوا﴾ بِما قالُوهُ في حَقِّهِنَّ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حَيْثُ يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ أبَدًا ﴿وَلَهُمْ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّعْنِ الأبَدِيِّ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِغايَةِ عِظَمِ ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ الجِنايَةِ.

النور 24:24

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخِ إمّا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ بِتَعْيِينِ وقْتِ حُلُولِهِ وتَهْوِيلِهِ بِبَيانِ ظُهُورِ جِناياتِهِمُ المُوجِبَةِ لَهُ مَعَ سائِرِ جِناياتِهِمُ المُسْتَتْبَعَةِ لِعُقُوباتِها عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ وهَيْئَةٍ خارِقَةٍ لِلْعاداتِ، فَيَوْمَ ظَرْفٌ لِما في الجارِّ والمَجْرُورِ المُتَقَدِّمِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لا لِعَذابٍ وإنْ أغْضَيْنا عَنْ وصْفِهِ لِإخْلالِهِ بِجَزالَةِ المَعْنى، وإمّا مُنْقَطِعٌ عَنْهُ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ اليَوْمِ بِتَهْوِيلِ ما يَحْوِيهِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ ضُرِبَ عَنْهُ الذِّكْرُ صَفْحًا لِلْإيذانِ بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والدّاهِيَةِ العامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ﴿ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ حِيطَةُ المَقالِ عَلى أنَّ المَوْصُولَ المَذْكُورَ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ وجِناياتِهِمُ القَبِيحَةِ، لا عَنْ جِناياتِهِمُ المَعْهُودَةِ فَقَطْ، ومَعْنى شَهادَةِ الجَوارِحِ المَذْكُورَةِ بِها أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُها بِقدرته فَتُخْبِرُ كُلُّ جارِحَةٍ مِنها بِما صَدَرَ عَنْها مِن أفاعِيلِ صاحِبِها لا أنَّ كُلًّا مِنها يُخْبِرُ بِجِناياتِهِمُ المَعْهُودَةِ فَحَسْبُ، والمَوْصُولُ والمَحْذُوفُ عِبارَةٌ عَنْها وعَنْ فُنُونِ العُقُوباتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها كافَّةً لا عَنْ إحْداهُما خاصَّةً، فَفِيهِ مِن ضُرُوبِ التَّهْوِيلِ وبِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ المَذْكُورِ عِبارَةً عَنْ خُصُوصِ جِناياتِهِمُ المَعْهُودَةِ وحَمْلُ شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلى إخْبارِ الكُلِّ بِها فَقَطْ تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ الوازِعِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها في الدُّنْيا، وتَقْدِيمُ "عَلَيْهِمْ" عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ الشَّهادَةِ ضارَّةً لَهم مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ كَما مَرَّ مِرارًا.

النور 24:25

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَشْهَدُ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ تَعالى جَزاءَهُمُ الثّابِتَ الَّذِي يُحَقِّقُ أنْ يَثْبُتَ (p-167)لَهم لا مَحالَةَ وافِيًا كامِلًا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ تَرْتِيبِ حُكْمِ الشَّهادَةِ عَلَيْها مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ ذَلِكَ المُبْهَمِ المَحْذُوفِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَوْمَ يَشْهَدُ ظَرْفًا لِيُوَفِّيَهم، و"يَوْمَئِذٍ" بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ تَشْهَدُ بِالتَّذْكِيرِ لِلْفَصْلِ. ﴿وَيَعْمَلُونَ﴾ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمُ الأهْوالَ والخُطُوبَ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ القرآن الكَرِيمُ. ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَثْبَتَ لا مَحالَةَ في ذاتِهِ وصْفًا وأفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَلِماتُها التّامّاتُ المُنْبِئَةُ عَنِ الشُّؤُونِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مُنْطَبِقَةً عَلَيْها. ﴿المُبِينُ﴾ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، أوِ الظّاهِرُ أنَّهُ هو الحَقُّ وتَفْسِيرُهُ بِظُهُورِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وعَدَمِ مُشارَكَةِ الغَيْرِ لَهُ فِيها وعَدَمِ قُدْرَةِ ما سِواهُ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مُناسَبَةٍ لِلْمَقامِ، كَما أنَّ تَفْسِيرَ الحَقِّ بِذِي الحَقِّ البَيِّنِ، أيِ: العادِلُ الظّاهِرُ عَدْلُهُ. كَذَلِكَ ولَوْ تَتَبَّعْتَ ما في الفُرْقانِ المَجِيدِ مِن آياتِ الوَعِيدِ الوارِدَةِ في حَقِّ كُلِّ كَفّارٍ مَرِيدٍ وجَبّارٍ عَنِيدٍ لا تَجِدُ شَيْئًا مِنها فَوْقَ هاتِيكَ القَوارِعِ المَشْحُونَةِ بِفُنُونِ التَّهْدِيدِ والتَّشْدِيدِ، وما ذاكَ إلّا لِإظْهارِ مَنزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ في عُلُوِّ الشَّأْنِ والنَّباهَةِ وإبْرازِ رُتْبَةِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في العِفَّةِ والنَّزاهَةِ.

النور 24:26

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ إلَخِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ عَلى قاعِدَةِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ عَلى مُوجِبٍ أنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلَكًا يَسُوقُ الأهْلَ إلى الأهْلِ، أيِ: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ مِنَ الرِّجالِ، أيْ: مُخْتَصّاتٌ بِهِمْ لا يَكَدْنَ يَتَجاوَزْنَهم إلى غَيْرِهِمْ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِاخْتِصاصِ. ﴿والخَبِيثُونَ﴾ أيْضًا ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ لِأنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي الِانْضِمامِ. ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنهُنَّ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ أيْضًا مِنهم ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ أيْضًا ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنهُنَّ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُجاوِزُوهُنَّ إلى مَن عَداهُنَّ، وحَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أطْيَبَ الأطْيَبِينَ وخِيرَةَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ تَبَيَّنَ كَوْنُ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِن أطْيَبِ الطَّيِّباتِ بِالضَّرُورَةِ واتَّضَحَ بُطْلانُ ما قِيلَ في حَقِّها مِنَ الخُرافاتِ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى أهْلِ البَيْتِ المُنْتَظِمِينَ لِلصِّدِّيقَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والصِّدِّيقَةِ، وصَفْوانَ. و"ما" في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ مُبَرَّءُونَ مِمّا تَقَوَّلَهُ أهْلُ الإفْكِ في حَقِّهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ الباطِلَةِ. وقِيلَ: الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، أيْ: مُخْتَصَّةٌ ولائِقَةٌ بِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ تُقالَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وكَذا الخَبِيثُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أحِقّاءٌ، بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ خَبائِثُ القَوْلِ، والطَّيِّباتُ مِنَ الكَلِمِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصَّةٌ وحَقِيقَةٌ بِهِمْ وهم أحِقّاءٌ، بِأنْ يُقالَ في شَأْنِهِمْ طَيِّباتُ الكَلِمِ أُولَئِكَ الطَّيِّبُونَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ الخَبِيثُونَ في حَقِّهِمْ، فَمَآَلُهُ تَنْـزِيهُ الصِّدِّيقَةِ أيْضًا. وقِيلَ: خَبِيثاتُ القَوْلِ مُخْتَصَّةٌ بِالخَبِيثِينَ مِن فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تَصْدُرُ عَنْ غَيْرِهِمْ، والخَبِيثُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصُّونَ بِخَبائِثِ القَوْلِ مُتَعَرِّضُونَ لَها، والطَّيِّباتُ مِنَ الكَلامِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَصْدُرُ عَنْ غَيْرِهِمْ والطَّيِّبُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصُّونَ بِطَيِّباتِ الكَلامِ لا يَصْدُرُ عَنْهم غَيْرُها، أُولَئِكَ الطَّيِّبُونَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ مِنَ (p-168)الخَبائِثِ، أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْهم مِثْلُ ذَلِكَ، فَمَآلُهُ تَنْـزِيهُ القائِلِينَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجَنَّةُ.

النور 24:27

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إثْرَ ما فُصِلَ عَنِ الزِّنا وعَنْ رَمْيِ العَفائِفِ عَنْهُ، شُرِّعَ في تَفْصِيلِ الزَّواجِرِ عَمّا عَسى يُؤَدِّي إلى أحَدِهِما مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ ودُخُولِهِمْ عَلَيْهِنَّ في أوْقاتِ الخَلَواتِ وتَعْلِيمِ الآدابِ الجَمِيلَةِ والأفاعِيلِ المَرْضِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، ووَصْفُ البُيُوتِ بِمُغايَرَةِ بُيُوتِهِمْ خارِجٌ مُخْرَجَ العادَةِ الَّتِي هي سُكْنى كُلِّ أحَدٍ في مِلْكِهِ، وإلّا فالمُآجِرُ والمُعَيِّرُ أيْضًا مَنهِيّانِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقُرِئَ: "بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكُمْ" بِكَسْرِ الباءِ لِأجْلِ الياءِ. ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَأْذِنُوا مَن يَمْلِكُ الإذْنَ مِن أصْحابِها، مِنَ الِاسْتِئْناسِ بِمَعْنى: الِاسْتِعْلامُ، مِنَ انَسَ الشَّيْءَ: إذا أبْصَرَهُ، فَإنَّ المُسْتَأْنِسَ مُسْتَعْلِمٌ لِلْحالِ مُسْتَكْشِفٌ أنَّهُ هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ، أوْ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ لِما أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُسْتَوْحِشٌ خائِفٌ أنْ لا يُؤْذَنُ لَهُ فَإذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ. ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ عِنْدَ الِاسْتِئْذانِ. رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّ التَّسْلِيمَ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم، أأدْخُلُ ؟ ثَلاثُ مَرّاتٍ، فَإنَّ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ وإلّا رَجَعَ» . ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْذانُ مَعَ التَّسْلِيمِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن أنْ تَدْخُلُوا بَغْتَةً، أوْ عَلى تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ يَقُولُ: حُيِيتُمْ صَباحًا حُيِيتُمْ مَساءً، فَيَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلُ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أسْتَأْذَنَ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: لَهُ نَعَمَ، قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي، أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ ؟ قالَ ﷺ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ قالَ: لا، قالَ ﷺ: فاسْتَأْذِنْ.» ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ قِيلَ لَكم هَذا كَيْ تَتَذَكَّرُوا وتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ.

النور 24:28

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ، عَلى أنَّ مَن لا يُمَلِّكُهُ مِنَ النِّساءِ والوِلْدانِ وِجْدانُهُ كَفُقْدانِهِ، أوْ أحَدًا أصْلًا عَلى أنَّ مَدْلُولَ النَّصِّ الكَرِيمِ عِبارَةٌ هو النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ الخالِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى ما يَعْتادُ النّاسُ إخْفاءَهُ مَعَ أنَّ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ مَحْظُورٌ مُطْلَقًا، وأمّا حُرْمَةُ دُخُولِ ما فِيهِ النِّساءُ والوِلْدانُ فَثابِتَةٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ حَيْثُ حَرُمَ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ، فَلِأنْ يَحْرُمَ عِنْدَ انْضِمامِ ما هو أقْوى مِنهُ إلَيْهِ - أعْنِي الِاطِّلاعَ عَلى العَوْراتِ أوْلى. ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ واصْبِرُوا ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ عِنْدَ إتْيانِهِ،وَ"مَن" فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: حَتّى يَأْتِيَ مَن يَأْذَنُ لَكم، أوْ حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم، فَقَدْ أبْرَزَ القَطْعِيَّ في مَعْرِضِ الِاحْتِمالِ. ولَمّا كانَ جَعْلُ النَّهْيِ بِالإذْنِ مِمّا يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في الِانْتِظارِ عَلى الأبْوابِ مُطْلَقًا، بَلْ في تَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ. ولَوْ بَعْدَ الرَّدِّ دَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ: إنَّ (p-169)أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ سَواءٌ كانَ الأمْرُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ أوَّلًا، فارْجِعُوا ولا تَلِحُّوا بِتَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، ولا تَلِجُوا بِالإصْرارِ عَلى الِانْتِظارِ إلى أنْ يَأْتِيَ الآذِنُ كَما في الثّانِي، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ في قُلُوبِ النّاسِ ويَقْدَحُ في المُرُوءَةِ أيَّ قَدْحٍ. ﴿هُوَ﴾ أيِ: الرُّجُوعُ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ: أطْهَرُ مِمّا لا يَخْلُوا عَنْهُ اللَّجُّ والعِنادُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ والرَّذالَةِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِمّا كُلِّفْتُمُوهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

النور 24:29

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِسُكْنى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَطْ، بَلْ لَيَتَمَتَّعَ بِها مَن يُضْطَرُّ إلَيْها كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَّخِذَها سَكَنًا كالرُّبُطِ والخاناتِ والحَوانِيتِ والحَمّاماتِ ونَحْوِها، فَإنَّها مُعَدَّةٌ لِمَصالِحِ النّاسِ كافَّةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلْبُيُوتِ، أوِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ الجُناحِ، أيْ: فِيها حَقُّ تَمَتُّعٍ لَكم كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الأمْتِعَةِ والرِّجالِ والشِّراءِ والبَيْعِ والِاغْتِسالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِحالِ البُيُوتِ وداخِلِيها، فَلا بَأْسَ بِدُخُولِها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ مِن داخِلِيها مِن قَبْلُ ولا مِمَّنْ يَتَوَلّى أمْرَها ويَقُومُ بِتَدْبِيـرِها مِن قِوامِ الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصْحابِ الحَوانِيتِ ومُتَصِرِّفِي الحَمّاماتِ ونَحْوِهِمْ. ويُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ آيَةً في الِاسْتِئْذانِ، وإنّا نَخْتَلِفُ في تِجاراتِنا فَنَنْـزِلُ هَذِهِ الخاناتِ، أفَلا نَدْخُلُها إلّا بِإذْنِ ؟ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: هي الخَرِباتُ يُتَبَرَّزُ فِيها، والمَتاعُ: التَّبَرُّزُ، والظّاهِرُ أنَّها مِن جُمْلَةِ ما يَنْتَظِمُهُ البُيُوتُ لا أنَّها المُرادَةُ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدًا لِمَن يَدْخُلُ مُدْخَلًا مِن هَذِهِ المَداخِلِ لِفَسادٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى عَوْراتٍ.

النور 24:30

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ كُلِّيَّةٍ شامِلَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، يَنْدَرِجُ فِيها حُكْمُ المُسْتَأْذِنِينَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ البُيُوتَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا. وتَلْوِينُ الخِطابُ وتَوْجِيهُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَفْوِيضُ ما في حَيِّزِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي إلى رَأْيِهِ ﷺ لِأنَّها تَكالِيفٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ كَثِيرَةِ الوُقُوعِ حَقِيقَةٌ بِأنْ يَكُونَ الآمِرُ بَها والمُتَصَدِّي لِتَدْبِيـرِها حافِظًا ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ الأمْرِ أمْرٌ آخَرُ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ جَوابِهِ عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ لَهم غُضُّوا. ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ عَمّا يَحْرُمُ ويَقْتَصِرُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، وتَقْيِيدُ الغَضِّ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ دُونَ الحِفْظِ لِما في أمْرِ النَّظَرِ مِنَ السَّعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِفْظِ هَهُنا خاصَّةً: هو السَّتْرُ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: طَهُرَ لَهم مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وجالَةُ النَّظَرِ واسْتِعْمالُ سائِرِ الحَواسِّ وتَحْرِيكَ (p-170)الجَوارِحِ وما يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ، فَلِيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ.

النور 24:31

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ فَلا يَنْظُرُونَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بِالتَّسَتُّرِ أوِ التَّصَوُّنِ عَنِ الزِّنا، وتَقْدِيمُ الغَضِّ لِأنَّ النَّظَرَ يُرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفَسادِ. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كالحُلِيِّ وغَيْرِها مِمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها ما لا يَخْفى. ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ عِنْدَ مُزَوالَةِ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها عادَةً كالخاتَمِ والكُحْلِ والخِضابِ ونَحْوِها، فَإنَّ في سَتْرِها حَرَجًا بَيْنَنا. وقِيلَ: المُرادُ بِالزِّينَةِ: مَواضِعُها عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ ما يَعُمُّ المَحاسِنَ الخُلُقِيَّةَ والتَّزَيُّنِيَّةِ، والمُسْتَثْنى هو الوَجْهُ والكَفّانِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ إخْفاءِ بَعْضِ مَواضِعِ الزِّينَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْدائِها، وقَدْ كانَتِ النِّساءُ عَلى عادَةِ الجاهِلِيَّةِ يُسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ مِن خَلْفِهِنَّ فَتَبْدُو نُحُورُهُنَّ وقَلائِدُهُنَّ مِن جُيُوبِهِنَّ لِوُسْعِها، فَأُمِرْنَ بِإرْسالِ خُمُرِهِنَّ إلى جُيُوبِهِنَّ سِتْرًا لِما يَبْدُو مِنها. وقَدْ ضُمِّنَ الضَّرْبُ مَعْنى الإلْقاءِ فَعَدّى بِعَلى. وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كَرَّرَ النَّهْيَ لِاسْتِثْناءِ بَعْضِ مَوادِّ الرُّخْصَةِ عَنْهُ بِاعْتِبارِ النّاظِرِ بَعْدَما اسْتُثْنِيَ عَنْهُ بَعْضُ مَوادِّ الضَّرُورَةِ بِاعْتِبارِ المَنظُورِ. ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى المَوْضِعِ المَعْهُودِ. ﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ الضَّرُورِيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ وقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن قِبَلِهِمْ لِما في طِباعِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا مِنهُنَّ ما يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ والخِدْمَةِ وعَدَمِ ذِكْرِ الأعْمامِ والأخْوالِ لِما أنَّ الأحْوَطَ أنْ يَتَسَتَّرْنَ عَنْهم حَذَرًا أنْ يَصِفُوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ. ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ المُخْتَصّاتِ بِهِنَّ بِالصُّحْبَةِ والخِدْمَةِ مِن حَرائِرِ المُؤْمِناتِ فَإنَّ الكَوافِرَ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ. ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الإماءِ، فَإنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها، وقِيلَ: مِنَ الإماءِ والعَبِيدِ لِما رَوى «أنَّهُ ﷺ أتى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِعَبْدٍ وهَبَهُ لَها وعَلَيْها ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَقالَ ﷺ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكَ وغُلامُكَ» . ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ أيْ: أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ، وهُمُ الشُّيُوخُ الهِمِّ والمَمْسُوحُونَ في المَجْبُوبِ والخَصِيِّ خِلافٌ، وقِيلَ: هُمُ البُلْهُ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَ النّاسَ لِفَضْلِ طَعامِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنَ اُمُورِ النِّساءِ، وقُرِئَ غَيْرَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ. ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ (p-171)لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى: الِاطِّلاعِ، أوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ حَدَّ الشَّهْوَةِ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى: الغَلَبَةِ، والطِّفْلُ جِنْسٌ وُضِعَ مَوْضِعِ الجَمْعِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الوَصْفِ. ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ﴾ أيْ: ما يُخْفِينَهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أيْ: ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ الأرْضَ لَيَتَقَعْقَعَ خُلْخالِهِنَّ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُنَّ ذَواتُ خُلْخالٍ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الرِّجالَ مَيْلًا إلَيْهِنَّ ويُوهِمُ أنَّ لَهُنَّ مَيْلًا إلَيْهِمْ، وفي النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ عَيْنِها مِنَ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ إبْداءِ مَوْضِعِها ما لا يُخْفى. ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الكُلِّ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِما في حَيِّزِهِ مِن أمْرِ التَّوْبَةِ، وأنَّها مِن مُعَظَّماتِ المُهِمّاتِ الحَقِيقَةِ بِأنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الآمِرُ بِها لِما أنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُوا أحَدٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ نَوْعِ تَفْرِيطٍ في إقامَةِ مُواجِبِ التَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي، وناهِيكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» لِما فِيها مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لا سِيَّما إذا كانَ المَأْمُورُ بِهِ الكَفَّ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ: تُوبُوا عَمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهُ وإنْ وجَبَ بِالإسْلامِ لَكِنْ يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْهِ والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ كُلَّما خَطَرَ بِبالِهِ. وفي تَكْرِيرِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإيجابِ وإيذانٌ بِأنَّ وصْفَ الإيمانِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ حَتْمًا. وقُرِئَ "أيُّهُ المُؤْمِنُونَ" . ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَفُوزُونَ بِذَلِكَ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

النور 24:32

﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما زَجَرَ تَعالى عَنِ السِّفاحِ ومَبادِئِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ أمَرَ بِالنِّكاحِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَناطًا لِبَقاءِ النَّوْعِ خَيْرُ مَزْجَرَةٍ عَنْ ذَلِكَ، و"أيامى" مَقْلُوبُ "أيايِمْ" جَمْعُ أيِّمٍ، وهو مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ مَن قالَ: ؎ فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكم أتَأيَّمُ أيْ: زَوِّجُوا مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ. ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ والسّاداتِ، واعْتِبارُ الصَّلاحِ في الأرِقّاءِ لِأنَّ مَن لا صَلاحَ لَهُ مِنهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ خَلِيقًا بِأنْ يَعْتَنِيَ مَوْلاهُ بِشَأْنِهِ ويَشُقَّ عَلَيْهِ ويَتَكَلَّفَ في نَظْمِ مَصالِحِهِ بِما لا بُدَّ مِنهُ شَرْعًا وعادَةً مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ، بَلْ حَقُّهُ أنْ يَسْتَبْقِيهِ عِنْدَهُ، وأمّا عَدَمُ اعْتِبارِ الصَّلاحِ في الأحْرارِ والحَرائِرِ فَلِأنَّ الغالِبَ فِيهِمُ الصَّلاحُ عَلى أنَّهم مُسْتَبِدُّونَ في التَّصَرُّفاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا عَزَمُوا النِّكاحَ فَلا بُدَّ مِن مُساعَدَةِ الأوْلِياءِ لَهم إذْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ غَرامَةٌ حَتّى يُعْتَبَرَ في مُقابَلَتِها غَنِيمَةٌ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ عاجِلَةً أوْ آجِلَةً، وقِيلَ: المُرادُ: هو الصَّلاحُ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ. ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إزاحَةً لِما عَسى يَكُونُ وازِعًا مِنَ النِّكاحِ مِن فَقْرِ أحَدِ الجانِبَيْنِ، أيْ: لا يَمْنَعَنَّ فَقْرُ الخاطِبِ أوِ المَخْطُوبَةِ مِنَ المُناكَحَةِ فَإنَّ في فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غُنْيَةً عَنِ المالِ، فَإنَّهُ غادٍ ورائِحٌ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، أوْ وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالإغْناءِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ﴾ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ . ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ غَنِيٌّ ذُو سَعَةٍ لا يَرْزَؤُهُ إغْناءُ الخَلائِقِ إذْ لا نَفادَ لِنِعْمَتِهِ ولا غايَةَ لِقدرته مَعَ ذَلِكَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ يَبْسُطُ (p-172)الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ.

النور 24:33

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ إرْشادٌ لِلْعاجِزِينَ عَنْ مَبادِئِ النِّكاحِ وأسْبابِها إلى ما هو أوْلى لَهم وأحْرى بِهِمْ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَةِ الفُقَراءِ، أيْ: لَيَجْتَهِدَ في العِفَّةِ وقَمْعِ الشَّهْوَةِ. ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: أسْبابُ نِكاحٍ أوَّلًا يَتَمَكَّنُونَ مِمّا يُنْكَحُ بِهِ مِنَ المالِ. ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالغِنى، ولُطْفٌ لَهم في اسْتِعْفافِهِمْ وتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ فَضْلَهُ تَعالى أوْلى بِالإعْفاءِ وأدْنى مِنَ الصُّلَحاءِ. ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ ما أمَرَ بِإنْكاحِ صالِحِي المَمالِيكِ الأحِقّاءِ بِالإنْكاحِ أمَرَ بِكِتابَةِ مَن سَتُحِقُّها مِنهم، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتِبٍ كالمُكاتَبَةِ، أيِ: الَّذِينَ يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ. ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَبْدًا كانَ أوْ أمَةً، وهي أنْ يَقُولَ المَوْلى لِمَمْلُوكِهِ: كاتِبَتُكَ عَلى كَذا دِرْهَمًا تُؤَدِّيهِ إلَيَّ وتُعْتِقُ، ويَقُولُ المَمْلُوكُ: قَبِلْتُهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإنْ أدّاهُ إلَيْهِ عُتِقَ، قالُوا: مَعْناهُ: وكَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تَعْتِقَ مِنِّي إذا وفَّيْتَ بِالمالِ، وكَتَبْتُ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ بِذَلِكَ، أوْ كَتَبْتُ عَلَيْكَ الوَفاءَ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلَيَّ العِتْقَ عِنْدَهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّ المُكاتَبَةَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ الحاصِلِ مِن مَجْمُوعِ كَلامَيْهِما كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ بِالإيجابِ والقَبُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ حَقِيقَةً إلّا مِنَ المُتَعاقِدِينَ ولَيْسَ وظِيفَةُ كُلٍّ مِنهُما في الحَقِيقَةِ إلّا الإتْيانُ بِأحَدِ شَطْرَيْهِ مُعْرِبًا عَمّا يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ الخاصِّ بِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ صاحِبِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِن فِعْلِهِ الخاصِّ بِهِ إلّا أنَّ كُلًّا مِن ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ لَمّا كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ إلّا مَنُوطًا بِتَحَقُّقِ الآخَرِ ضَرُورَةَ أنَّ التِزامَ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ مِن جِهَةِ المَوْلى لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ إلّا بِالتِزامِ البَدَلِ مِن طَرَفِ العَبْدِ، كَما أنَّ عَقْدَ البَيْعِ الَّذِي هو تَمْلِيكُ المَبِيعِ بِالثَّمَنِ مِن جِهَةِ البائِعِ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ بِتَمَلُّكِهِ بِهِ مِن جانِبِ المُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَضْمِينِ أحَدِهِما الآخَرَ وقْتَ الإنْشاءِ، فَكَما أنَّ قَوْلَ البائِعِ: بِعْتُ إنْشاءٌ لِعَقْدِ البَيْعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إيقاعٌ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ أصالَةً، ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ المُشْتَرِي ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى رَأْيِهِ تَوَقُّفًا شَبِيهًا بِتَوَقُّفِ عَقْدِ الفُضُولِيِّ. كَذَلِكَ قَوْلُ المَوْلى: كاتَبْتُكَ عَلى كَذا إنْشاءً لِعَقْدِ الكِتابَةِ، أيْ: إيقاعٌ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ مِنِ التِزامِ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ أصالَةً، ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ العَبْدِ مِنِ التِزامِ البَدَلِ ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى قَبُولِهِ، فَإذا قُبِلَ تَمَّ العَقْدُ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ هَذا، والأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ لِأنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ الإرْفاقَ فَلا تَجِبُ كَغَيْرِها، ويَجُوزُ حالًا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَجُوزُ إلّا مُؤَجَّلًا مِنهُما، وقَدْ فُصِلَ في مَوْضِعِهِ. ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: أمانَةً ورُشْدًا وقُدْرَةً عَلى أداءِ البَدَلِ بِتَحْصِيلِهِ مِن وجْهٍ حَلالٍ وصَلاحِها لا يُؤْذِي النّاسَ بَعْدَ العِتْقِ وإطْلاقِ العِنانِ. ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْوالِي بِبَذْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ، وفي حُكْمِهِ حَطُّ شَيْءٍ (p-173)مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ أقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَطُّ الرُّبْعِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الثُّلْثُ وهو لِلنَّدْبِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لِلْوُجُوبِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ﴾ إذْ لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَسَقَطَ عَنْهُ الباقِي حَتْمًا، وأيْضًا لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَكانَ وُجُوبُهُ مُعَلَّقًا بِالعَقْدِ فَيَكُونُ العَقْدُ مُوجِبًا ومُسْقِطًا مَعًا، وأيْضًا فَهو عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فَلا يُجْبِرُ عَلى الحَطِيطَةِ كالبَيْعِ، وقِيلَ: مَعْنى آَتُوهم: أقْرِضُوهم، وقِيلَ: هو أمْرٌ لَهم بِأنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا ويُعْتَقُوا، وإضافَةُ المالِ إلَيْهِ تَعالى ووَصْفُهُ بِإينائِهِ إيّاهم لِلْحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فَإنَّ مُلاحَظَةَ وُصُولِ المالِ إلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَعَ كَوْنِهِ هو المالِكُ الحَقِيقِيُّ لَهُ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى صَرْفِهِ إلى الجِهَةِ المَأْمُورِ بِها، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِإعْطاءِ سَهْمِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ حَتْمًا، والإضافَةُ والوَصْفُ لِتَعْيِينِ المَأْخَذِ، وقِيلَ: هو أمْرُ نَدْبٍ لِعامَّةِ المُسْلِمِينَ بِإعانَةِ المُكاتِبِينَ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُوَلّى وإنْ كانَ غَنِيًّا لِتَبَدُّلِ العُنْوانِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ: ﴿هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ﴾ . ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ أيْ: إماءَكم، فَإنَّ كُلًّا مِنَ الفَتى والفَتاةِ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ العَبْدِ والأمَةِ، وعَلى ذَلِكَ مَبْنى قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لِيَقُلْ أحَدُكم فَتايَ وفَتاتِي ولا يَقُلْ عَبْدِي وأمَتِي﴾ ولِهَذِهِ العِبارَةِ في هَذا المَقامِ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِها الأصْلِيِّ حُسْنُ مَوْقِعٍ ومَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى البِغاءِ﴾ وهو الزِّنا مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنِ النِّساءِ لِأنَّهُنَّ اللّاتِي يُتَوَقَّعُ مِنهُنَّ ذَلِكَ غالِبًا دُونَ مَن عَداهُنَّ مِنَ العَجائِزِ والصَّغائِرِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ عَنِ الزِّنا وإخْراجِ ما عَداها مِن حُكْمِهِ، كَما إذا كانَ الإكْراهُ بِسَبَبِ كَراهَتِهِنَّ الزِّنا لِخُصُوصِ الزّانِي أوْ لِخُصُوصِ الزَّمانِ أوْ لِخُصُوصِ المَكانِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْإكْراهِ في الجُمْلَةِ، بَلْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ حَيْثُ كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى البِغاءِ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ عَنْهُ مَعَ وُفُورِ شَهْوَتِهِنَّ الآمِرَةِ بِالفُجُورِ وقُصُورِهِنَّ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ الزّاجِرَةِ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَتْ لَهُ سِتُّ جَوارٍ يُكْرِهُّنَّ عَلى الزِّنا وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ ضَرائِبَ فَشَكَتِ اثْنَتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَـزَلَتْ. وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى مَرُوءَةٍ لا يَكادُ يَرْضى بِفُجُورِ مَن يَحْوِيهِ حَرَمُهُ مِنَ اِمائِهِ فَضْلًا عَنْ أمْرِهِنَّ بِهِ أوْ إكْراهِهِنَّ عَلَيْهِ لا سِيَّما إرادَتُهُنَّ التَّعَفُّفَ، فَتَأمَّلْ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الإكْراهَ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ إنْ جُعِلَ شَرْطًا لِلنَّهْيِ لا يُلْزِمُ مِن عَدَمِهِ جَوازُ الإكْراهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ النَّهْيِ لِامْتِناعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَإنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ. وإيثارُ كَلِمَةِ "إنْ" عَلى "إذا" مَعَ تَحَقُّقِ الإرادَةِ في مَوْرِدِ النَّصِّ حَتْمًا لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ الإكْراهِ عِنْدَ كَوْنِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ والشَّكِّ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ كَما هو الواقِعُ ؟ وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ الإرادَةَ المَذْكُورَةَ مِنهُنَّ في حَيِّزِ الشّاذِّ النّادِرِ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الجَدْوى بِالكُلِّيَّةِ يَأْباهُ اعْتِبارُ تَحَقُّقِها إباءً ظاهِرًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَيْدٌ لِلْإكْراهِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَدارُ النَّهَيِ عَنْهُ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُعْتادُ فِيما بَيْنَهم كَما قَبِلَهُ لَهم تَشْنِيعًا لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ الوِزْرِ الكَبِيرِ لِأجْلِ النَّزْرِ الحَقِيرِ، أيْ: لا تَفْعَلُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اِكْراهِهِنَّ عَلى البِغاءِ لِطَلَبِ المَتاعِ السَّرِيعِ الزَّوالِ الوَشِيكِ الِاضْمِحْلالِ، فالمُرادُ بِالِابْتِغاءِ: الطَّلَبُ المُقارِنُ لِنَيْلِ المَطْلُوبِ واسْتِيفائِهِ بِالفِعْلِ إذْ (p-174)هُوَ الصّالِحُ لِكَوْنِهِ غايَةً لِلْإكْراهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا المُطْلَقُ المُتَناوَلُ لِلطَّلَبِ السّابِقِ الباعِثِ عَلَيْهِ. ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ بِبَيانِ خَلاصِ المَكْرُوهاتِ عَنْ عُقُوبَةِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ عِبارَةً ورُجُوعِ غائِلَةِ الإكْراهِ إلى المُكْرِهِينَ إشارَةً، أيْ: ومَن يُكْرِهُّنَّ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البِغاءِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ كَما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وكَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ﴾ أيْ: كَوْنُهُنَّ مُكْرَهاتٍ، عَلى أنَّ الإكْراهَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: لَهُنَّ واللَّهِ لَهُنَّ واللَّهِ. في تَخْصِيصِها بِهِنَّ وتَعْيِينِ مَدارِهِما مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ المُكْرَهِينَ أيْضًا في الشَّرْطِيَّةِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَحْرُومِينَ مِنهُما بِالكُلِّيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِلْمَكْرُوهِ ولِظُهُورِ هَذا التَّقْدِيرِ اكْتَفى بِهِ عَنِ العائِدِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ فَتَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِما بِهِمْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ اسْتِقْلالًا، أوْ مَعَهُنَّ إخْلالٌ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ النَّهْيِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وحاجَتِهِنَّ إلى المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الإثْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ مَكْرُوهاتٍ لا يَخْلُونَ في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةِ ما بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ الإكْراهَ قَدْ يَكُونُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ بِالمَرَّةِ، وإمّا لِغايَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ الزِّنا، وحَثِّ المُكْرَهاتِ عَلى التَّثَبُّتِ في التَّجافِي عَنْهُ، والتَّشْدِيدِ في تَحْذِيرِ المُكْرَهِينَ بِبَيانِ أنَّهُنَّ حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً لِلْعُقُوبَةِ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُنَّ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ مَعَ قِيامِ العُذْرِ في حَقِّهِنَّ، فَما حالُ مَن يُكْرِهُّنَّ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ ؟ .

النور 24:34

﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما ورَدَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ لِبَيانِ جَلالَةِ شُئُونِها المُسْتَوْجِبَةِ لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى العَمَلِ بِمَضْمُونِها، وصُدِّرَ بِالقَسَمِ الَّذِي تُعْرِبُ عَنْهُ اللّامُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ آياتٍ مُبَيِّناتٍ لِكُلِّ ما بِكم حاجَةٌ إلى بَيانِهِ مِنَ الحُدُودِ وسائِرِ الأحْكامِ والآدابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مِن مَبادِئِ بَيانِها عَلى أنَّ إسْنادَ التَّبْيِينِ إلَيْها مَجازِيٌّ، أوْ آياتٌ واضِحاتٌ تُصَدِّقُها الكُتُبُ القَدِيمَةُ والعُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى أنَّ "مُبَيِّناتٍ" مَن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، ومِنهُ المَثَلُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، أيِ: الَّتِي بُيِّنَتْ وأُوضِحَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ مُبَيِّنًا فِيها الأحْكامَ فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ. ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "آياتٍ" أيْ: وأنْزَلْنا مَثَلًا كائِنًا مِن قَبِيلِ أمْثالِ الَّذِينَ مَضَوْا مِن قَبْلِكم مِنَ القِصَصِ العَجِيبَةِ والأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لَهم في الكُتُبِ السّابِقَةِ والكَلِماتِ الجارِيَةِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَيَنْتَظِمُ قِصَّةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها المُحاكِيَةَ لِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِصَّةِ مَرْيَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وسائِرِ الأمْثالِ الوارِدَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ انْتِظامًا واضِحًا. وتَخْصِيصُ الآياتِ المُبَيِّناتِ بِالسَّوابِقِ وحَمْلُ المَثَلِ عَلى القِصَّةِ العَجِيبَةِ فَقَطْ يَأْباهُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما سَيَأْتِي مِنَ التَّمْثِيلاتِ. ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ تَتَّعِظُونَ بِهِ وتَنْـزَجِرُونَ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ وسائِرِ ما يَخِلُّ بِمَحاسِنِ الآدابِ فَهي عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ الآياتِ والمَثَلِ لِظُهُورِ كَوْنِها مِنَ المَواعِظِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ (p-175)وَمَدارُ العَطْفِ هو التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ المُنَـزَّلُ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، وقَدْ خُصَّتِ الآياتُ بِما يُبَيِّنُ الحُدُودَ والأحْكامَ والمَوْعِظَةَ بِما وُعِظَ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الآدابِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَعَ شُمُولِ المَوْعِظَةِ لِلْكُلِّ حَسَبَ شُمُولِ الإنْزالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ حَثًّا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الِاعْتِناءِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكَ المُتَّقِينَ بِبَيانِ أنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِآثارِها المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِها فَحَسْبُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ المُبَيِّناتِ والمَثَلِ والمَوْعِظَةِ: جَمِيعُ ما في القرآن المَجِيدِ مِنَ الآياتِ والأمْثالِ والمَواعِظِ.

النور 24:35

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخِ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فِيها مِنَ البَيانِ مَعَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ الكَمالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَتَعْرِفُهُ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِتَحْقِيقِ أنَّ بَيانَهُ تَعالى لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ورَدَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَلْ هو شامِلٌ لِكُلِّ ما يَحِقُّ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ مَدْخَلٌ في البَيانِ، وأنَّهُ واقِعٌ مِنهُ تَعالى عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنْوِيرِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ البَيانِ وأجْلاها، وعَبَّرَ عَنِ المُنَوِّرِ بِنَفْسِ النُّورِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ التَّنْوِيرِ وشِدَّةِ التَّأْثِيرِ وإيذانًا بِأنَّهُ تَعالى ظاهِرٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ ظاهِرٌ بِإظْهارِهِ، كَما أنَّ النُّورَ نَيِّرٌ بِذاتِهِ وما عَداهُ مُسْتَنِيرٌ بِهِ، وأُضِيفَ النُّورُ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ شُيُوعِ البَيانِ المُسْتَعارِ لَهُ وغايَةِ شُمُولِهِ لِكُلِّ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَها مَدْخَلٌ في إرْشادِ النّاسِ بِوَساطَةِ بَيانِ شُمُولِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِجَمِيعِ ما يَقْبَلُهُ ويَسْتَحِقُّهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ فَإنَّهُما قُطْرانِ لِلْعالَمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي لا مَظْهَرَ لِلنُّورِ الحِسِّيِّ سِواهُ، أوْ عَلى شُمُولِ البَيانِ لِأحْوالِهِما وأحْوالِ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ إذْ ما مِن مَوْجُودٍ إلّا وقَدْ بُيِّنَ مِن أحْوالِهِ ما يَسْتَحِقُّ البَيانَ إمّا تَفْصِيلًا أوْ إجْمالًا، كَيْفَ لا ولا رَيْبَ في بَيانِ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ وشاهِدًا بِصِحَّةِ البَعْثِ، أوْ عَلى تَعَلُّقِ البَيانِ بِأهْلِهِما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هادِيَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهم بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ وبِهُداهُ مِن حِيرَةِ الضَّلالَةِ يَنْجُونَ. هَذا وأمّا حَمْلُ التَّنْوِيرِ عَلى إخْراجِهِ تَعالى لِلْماهِيّاتِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إذْ هو الأصْلُ في الإظْهارِ كَما أنَّ الإعْدامَ هو الأصْلُ في الإخْفاءِ، أوْ عَلى تَزْيِينِ السَّمَواتِ بِالنَّيِّرَيْنِ وسائِرِ الكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ أوْ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَزْيِينُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والعُلَماءُ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بِالنَّباتِ والأشْجارِ، أوْ عَلى تَدْبِيـرِهِ تَعالى لِأُمُورِهِما وأُمُورِ ما فِيهِما، فَمِمّا لا يُلائِمُ المَقامَ ولا يُساعِدُ حُسْنَ النِّظامِ. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: نُورُهُ الفائِضُ مِنهُ تَعالى عَلى الأشْياءِ المُسْتَنِيـرَةِ بِهِ، وهو القرآن المُبَيِّنُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِ آياتِهِ بِالإنْزالِ والتَّبْيِينِ، وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ نُورًا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنُ، وزَيْدُ (p-176)بْنُ أسْلَمَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ عِبارَةً عَنِ الحَقِّ، وإنْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لَهُ كاسْتِعارَةِ الظُّلْمَةِ لِلْباطِلِ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ شَأْنِ الآياتِ ووَصْفِها بِما ذُكِرَ مِنَ التَّبْيِينِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِ الحَقِّ ولِأنَّ المُعْتَبِرَ في مَفْهُومِ النُّورِ هو الظُّهُورُ والإظْهارُ كَما هو شَأْنُ القرآن الكَرِيمِ، وأمّا الحَقُّ فالمُعْتَبِرُ في مَفْهُومِهِ مِن حَيْثُ هو حَقٌّ هو الظُّهُورُ لا الإظْهارُ. والمُرادُ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ العَجِيبَةُ، أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ. ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ: كَصِفَةِ كُوَّةٍ نافِذَةٍ في الجِدارِ في الإنارَةِ والتَّنْوِيرِ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ: المِشْكاةُ: الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ، والمِصْباحُ: الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ. ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ أيْ: قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِها في المَوْضِعَيْنِ. ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُتَلَأْلِئٌ وقّادٌ شَبِيهٌ بِالدُّرِّ في صَفائِهِ وزُهْرَتِهِ ودَرارِيُّ الكَواكِبِ عِظامُها المَشْهُورَةُ، وقُرِئَ: "دُرِّئَ" بِدالٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ عَلى أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ، أيْ: مُبالَغٌ في دَفْعِ الظَّلامِ بِضَوْئِهِ، أوْ في دَفْعِ بَعْضِ أجْزاءِ ضِيائِهِ لِبَعْضٍ عِنْدَ البَرِيقِ واللَّمَعانِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الدّالِ والباقِي عَلى حالِهِ. وفي إعادَةِ المِصْباحِ والزُّجاجَةِ مُعَرَّفَيْنِ إثْرَ سَبْقِهِما مُنْكِرِينَ، والإخْبارُ عَنْهُما بِما بَعْدَهُما مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِما ورَفْعِ مَكانِهِما بِالتَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ وبِإثْباتِ ما بَعْدَهُما لَهُما بِطَرِيقِ الإخْبارِ المُنْبِئِ عَنِ القَصْدِ الأصْلِيِّ دُونَ الوَصْفِ المَبْنِيِّ عَلى الإشارَةِ إلى الثُّبُوتِ في الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الأُولى الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَمِصْباحٍ، ومَحَلُّ الثّانِيَةِ الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ، واللّامُ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرّابِطِ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيها مِصْباحٌ هو في زُجاجَةٍ هي كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ: يُبْتَدَأُ إيقادُ المِصْباحِ مِن شَجَرَةٍ ﴿مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرَةُ المَنافِعِ بِأنْ رُوِيَتْ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وقِيلَ: إنَّما وُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيها لِلْعالَمِينَ. ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن "شَجَرَةٍ"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ الإبْدالِ مِنها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها. وقُرِئَ: "تُوَقَّدُ" بِالتّاءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لِلزُّجاجَةِ دُونَ المِصْباحِ، وقُرِئَ: "تَوَقَّدَ" عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ، أيِ: ابْتِداءُ ثُقُوبِ المِصْباحِ مِنها، وقُرِئَ: "تَوَقَّدُ" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَوَقَّدُ عَلى إسْنادِهِ إلى الزُّجاجَةِ. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ تَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حِينًا دُونَ حِينٍ بَلْ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْها طُولَ النَّهارِ، كالَّتِي عَلى قِلَّةٍ أوْ صَحْراءَ واسِعَةٍ فَتَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حالَتَيِ الطُّلُوعِ والغُرُوبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: لا شَرْقِيَّةَ وحْدَها ولا غَرْبِيَّةَ وحْدَها لَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ وغَرْبِيَّةٌ، أيْ: تُصِيبُها الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها وعِنْدَ غُرُوبِها فَتَكُونُ شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً تَأْخُذُ حَظَّها مِنَ الأمْرَيْنِ فَيَكُونُ زَيْتُها أضْوَأ، وقِيلَ: لا ثابِتَةَ في شَرْقِ المَعْمُورَةِ ولا في غَرْبِها بَلْ في وسَطِها وهو الشّامُ فَإنَّ زُيُوتَها أجْوَدُ ما يَكُونُ، وقِيلَ: لا في مَضْحى تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَيْها دائِمًا فَتُحْرِقُها ولا في مَقْنَأةٍ تَغِيبُ عَنْها دائِمًا فَتَتْرُكُها نَيَّئَةً، وفي الحَدِيثِ: ﴿لا خَيْرَ في شَجَرَةٍ ولا في نَباتٍ في مَقْنَأةٍ، ولا خَيْرَ فِيهِما في مَضْحى﴾ . ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ: هو في الصِّفاءِ والإنارَةِ بِحَيْثُ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مَساسِ نارٍ أصْلًا، وكَلِمَةُ "لَوْ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ شَيْءٍ في الزَّمانِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ فَلا يُلاحِظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ مُلاحَظَةً قَصْدِيَّةً إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى (p-177)كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ إجْمالًا بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ إمّا لِوُجُودِ المانِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، وإمّا لِعَدَمِ الشَّرْطِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ ما يُنافِيهِ مِن وُجُودِ المانِعِ أوْ عَدَمِ الشَّرْطِ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِ ذَلِكَ أوْلى ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِن سائِرِ الأحْوالِ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها عِنْدَ تَعَدُّدِها وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في الخَبَرِ المُوجِبِ والمَنفِيِّ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: فُلانٌ جَوادٌ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا أوْ بَخِيلٌ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا، تُرِيدُ بَيانَ تَحَقُّقِ الإعْطاءِ في الأوَّلِ وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ في الثّانِي في جَمِيعِ الأحْوالِ المَفْرُوضَةِ، والتَّقْدِيرُ: يُعْطِي لَوْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا ولَوْ كانَ فَقِيرًا ولا يُعْطِي لَوْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا ولَوْ كانَ غَنِيًّا، فالجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَتْ هي عَلَيْهِ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ، أيْ: يُعْطى أوَّلًا يُعْطِي كائِنًا عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لَوْ مَسَّتْهُ نارٌ ولَوْ لَمْ تَمَسَّهُ نارٌ، أيْ: يُضِيءُ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مِن وُجُودِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ، وقَدْ حُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأُولى حَسَبَما هو المُطَّرِدُ في البابِ لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً. ﴿نُورُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى نُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ والجُمْلَةِ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَصْرِيحٌ بِما حَصَلَ مِنهُ وتَمْهِيدٌ لِما يُعْقِبُهُ، أيْ: ذَلِكَ النُّورُ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ عَنِ القرآن ومُثِّلَتْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ بِما فُصِّلَ مِن صِفَةِ المِشْكاةِ نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ كَذَلِكَ، لا عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ واجِدٍ مُعَيَّنٍ، أوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَوْقَ نُورٍ آخَرَ مِثْلَهُ، ولا عَنْ مَجْمُوعِ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ نُورٍ مُتَضاعِفٍ مِن غَيْرِ تَحْدِيدِ لِتَضاعُفِهِ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ، وتَحْدِيدُ مَراتِبِ تَضاعُفِ ما مُثِّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ أقْصى مَراتِبِ تَضاعُفِهِ عادَةً فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعَ لِنُورِهِ بِسَبَبِ انْضِمامِ الشُّعاعِ المُنْعَكِسِ مِنهُ إلى أصْلِ الشُّعاعِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ والقِنْدِيلَ أعُونُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزِّيُّ وصَفاؤُهُ، ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورَها إشْراقًا ويَمُدُّهُ بِإضاءَةِ مَرْتَبَةٍ أُخْرى عادَةً هَذا وجَعْلُ النُّورِ عِبارَةً عَنِ النُّورِ المُشَبَّهِ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْـزِيلِ الجَلِيلِ. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أيْ: يَهْدِي هِدايَةً خاصَّةً مُوصِلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا لِذَلِكَ النُّورِ المُتَضاعِفِ العَظِيمِ الشَّأْنِ وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِنَ اِضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.﴿مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِفَهْمِ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإعْجازِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ هَذِهِ الهِدايَةِ ومَلاكَها لَيْسَ إلّا مَشِيئَتَهُ تَعالى، وأنَّ تَظاهُرَ الأسْبابِ بِدُونِها بِمَعْزِلٍ مِنَ الإفْضاءِ إلى المَطالِبِ. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ في تَضاعِيفِ الهِدايَةِ حَسَبَما يَقْتَضِي حالُهم فَإنَّ لَهُ دَخْلًا عَظِيمًا في بابِ الإرْشادِ لِأنَّهُ إبْرازٌ لِلْمَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرٌ لِأوابِدِ المَعانِي بِصُورَةِ المَأْنُوسِ، ولِذَلِكَ مُثِّلَ نُورُهُ المُعَبِّرُ بِهِ عَنِ القرآن المُبَيِّنُ بِنُورِ المِشْكاةِ، وإظْهارِهِ الِاسْمَ الجَلِيلَ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ (p-178)بِاخْتِلافِ حالَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الهِدايَةِ الخاصَّةِ وضَرْبِ الأمْثالِ الَّذِي هو مِن قَبِيلِ الهِدايَةِ العامَّةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَعْلِيقُ الأوْلى بِمَن يَشاءُ والثّانِيَةِ بِالنّاسِ كافَّةً. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مَفْعُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا، ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ بِهِدايَةِ مَن يَلِيقُ بِها ويَسْتَحِقُّها مِنَ النّاسِ دُونَ مَن عَداهم لِمُخالَفَتِهِ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلَيْها مَبْنى التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وأنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ العامَّةُ عَلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَرائِقَ شَتّى حَسَبَما تَقْتَضِيهِ أحْوالُهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وبِما ذُكِرَ مِنِ اخْتِلافِ حالِ المَحْكُومِ بِهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا.

النور 24:36

﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ شَأْنَ القرآن الكَرِيمِ في بَيانِهِ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ ومَبادِئِها وغاياتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وأهْوالِها، وأُشِيرَ إلى كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْضِيحِ والإظْهارِ حَيْثُ مُثِّلَ بِما فُصِّلَ مِن نُورِ المِشْكاةِ، وأُشِيرَ إلى أنَّ ذَلِكَ النُّورَ مَعَ كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الظُّهُورِ إنَّما يَهْتَدِي بِهُداهُ مَن تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِهِدايَتِهِ دُونَ مَن عَداهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وتَصْوِيرِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ المُعْرِبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حالِهِمْ في الِاهْتِداءِ وعَدَمِهِ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ: المَساجِدُ كُلُّها حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقِيلَ: هي المَساجِدُ الَّتِي بَناها نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى: الكَعْبَةُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ ومَسْجِدُ قِباءٍ اللَّذانِ بَناهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ. والمُرادُ بِالإذْنِ في رَفْعِها: الأمْرُ بِبِنائِها رَفِيعَةً لا كَسائِرِ البُيُوتِ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِرَفْعِ مِقْدارِها بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فِيها فَيَكُونُ عَطْفُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ، وأيًّا ما كانَ فَفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالإذْنِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَأْمُورِ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ ناوِيًا لِتَحْقِيقِهِ كَأنَّهُ مُسْتَأْذِنٌ في ذَلِكَ فَيَقَعُ الأمْرُ بِهِ مَوْقِعَ الإذْنِ فِيهِ. والمُرادُ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى: ما يَعُمُّ جَمِيعَ أذْكارِهِ تَعالى. وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها﴾ تَكْرِيرٌ لَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفاصِلَةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِقَصْرِ التَّسْبِيحِ عَلى الوُقُوعِ في البُيُوتِ فَقَطْ، وأصْلُ التَّسْبِيحِ: التَّنْـزِيهُ والتَّقْدِيسُ، يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ وبِدُونِها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ . قالُو: أُرِيدَ بِهِ الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْيِينُ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ أيْ: بِالغَدَواتِ والعَشِايّاتِ، عَلى أنَّ الغُدُوَّ إمّا جَمْعُ غَداةٍ كَقُنى في جَمْعِ قَناةٍ كَما قِيلَ، أوْ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الوَقْتِ حَسَبَما يَشْعُرُ بِهِ اقْتِرانُهُ بِالآصالِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ، وهو شامِلٌ الأوْقاتِ ما عَدا صَلاةَ الفَجْرِ المُؤَدّاةِ بِالغَداةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نَفْسُ التَّنْزِيهِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَمّا يَقَعُ مِنهُ في أثْناءِ الصَّلَواتِ وأوْقاتِها لِزِيادَةِ شَرَفِهِ وإنافَتِهِ عَلى سائِرِ أفْرادِهِ، أوْ عَمّا يَقَعُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وإفْرادُ طَرَفَيِ النَّهارِ بِالذِّكْرِ لِقِيامِهِما مَقامَ كُلِّها لِكَوْنِهِما العُمْدَةَ فِيها بِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ وكَوْنِهِما أشْهُرَ ما يَقَعُ فِيهِ المُباشَرَةُ لِلْأعْمالِ والِاشْتِغالُ بِالأشْغالِ. وقُرِئَ: "والإيصالِ" وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ.

النور 24:37

(p-179)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ﴾ فاعِلُ "يُسَبِّحُ" وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظُّرُوفِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ في وصْفِهِ نَوْعَ طُولٍ فَيُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِحُسْنِ الِانْتِظامِ. وقُرِئَ: "يُسَبِّحُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِإسْنادِهِ إلى أحَدِ الظُّرُوفِ، و"رِجالٌ" مَرْفُوعٌ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَةُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ الفاعِلِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ؎ لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ .. كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُسَبِّحُ لَهُ ؟ فَقِيلَ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. وقُرِئَ: "تُسَبِّحُ" بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ، ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنْ يُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ بِزِيادَةِ الباءِ وتُجْعَلُ الأوْقاتُ مُسَبِّحَةً مَعَ كَوْنِها مُسَبَّحًا فِيها، أوْ يُسْنَدُ إلى ضَمِيرِ التَّسْبِيحَةِ، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ التَّسْبِيحَةُ عَلى المَجازِ المُسَوِّغِ لِإسْنادِهِ إلى الوَقْتَيْنِ كَما خَرَّجُوا قِراءَةَ أبِي جَعْفَرٍ: "لِيُجْزى قَوْمًا" أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، بَلْ هَذا أوْلى مِن ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ هُنا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ صِفَةٌ لَرِجالٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ تَبَتُّلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى واسْتِغْراقِهِمْ فِيها، حُكِيَ عَنْهم مِنَ التَّسْبِيحِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ كائِنًا ما كانَ، وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِما أقْوى الصَّوارِفِ عِنْدَهم وأشْهَرَها، أيْ: لا يَشْغَلُهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ. ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ أيْ: ولا فَرْدٌ مِن أفْرادِ البِياعاتِ وإنْ كانَ في غايَةِ الرِّبْحِ وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التِّجارَةِ لِلْإيذانِ بِأنافَتِهِ عَلى سائِرِ أنْواعِها، لِأنَّ رِبْحَهُ مُتَيَقَّنٌ ناجِزٌ ورِبْحُ ما عَداهُ مُتَوَقَّعٌ في ثانِي الحالِ عِنْدَ البَيْعِ فَلَمْ يُلْزَمْ مِن نَفْيِ إلْهاءِ ما عَداهُ نَفْيُ إلْهائِهِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَتْ كَلِمَةُ "لا" لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ. وقَدْ نُقِلَ عَنِ الوْاقِدِيِّ أنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ: هو الشِّراءُ، لِأنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها، وقِيلَ: هو الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها، ومِنهُ يُقالُ: تَجَرَ في كَذا: أيْ جَلَبَهُ. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ﴿وَإقامِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: إقامَتُها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وقَدْ أُسْقِطَتِ التّاءُ المُعَوِّضُ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ وعُوِّضَ عَنْها الإضافَةُ، كَما في قَوْلِهِ: وَأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا أيْ: عِدَةُ الأمْرِ. ﴿وَإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أيِ: المالُ الَّذِي فُرِضَ إخْراجُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وإيرادُهُ هَهُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُفْعَلُ في البُيُوتِ لِكَوْنِهِ قَرِينَةً لا تُفارِقُ إقامَةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المَواضِعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِهِمْ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما يَقَعُ في المَساجِدِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ﴾ إلَخِ فَإنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَرِجالٍ، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ خَوْفُهم مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِمْ في المَساجِدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمًا﴾ مَفْعُولٌ لَيَخافُونَ لا ظَرْفٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمًا، أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ في أنْفُسِها مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ وتُشَخِّصُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾، أوْ تَتَغَيَّرُ أحْوالُها وتَتَقَلَّبُ فَتَتَفَقَّهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَمْياءَ، أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ بَيْنَ تَوَقُّعِ النَّجاةِ وخَوْفِ الهَلاكِ والإبْصارِ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ويُؤْتى كُتّابُهم.

النور 24:38

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما حُكِيَ مِن أعْمالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ: (p-180)يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ المُداوَمَةِ عَلى التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخَوْفِ مِن غَيْرِ صارِفٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ لَيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ حَسَبَما وعَدَ لَهم بِمُقابَلَةِ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ عَشْرَةَ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ. ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ لَمْ تُوعَدْ لَهم بِخُصُوصِيّاتِها أوْ بِمَقادِيرِها ولَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِمْ كَيْفِيّاتُها ولا كَمِّيّاتُها، بَلْ إنَّما وُعِدَتْ بِطَرِيقِ الإجْمالِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ حِكايَةً عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ﴾، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكَرِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنَّهُ تَذْيِيلٌ مُقَرَّرٌ لِلزِّيادَةِ، وعْدُ كَرِيمٍ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ غَيْرَ أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ ما لا يَفِي بِهِ الحِسابُ، وأمّا عَدَمُ سَبْقِ الوَعْدَ بِالزِّيادَةِ ولَوْ إجْمالًا وعَدَمُ خُطُورِها بِبالِهِمْ ولَوْ بِوَجْهٍ ما فَيَأْباهُ نَظْمُها في سِلْكَ الغايَةِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الجَمِيلَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ يَرْزُقُهم بِغَيْرِ حِسابٍ ووَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مَناطَ الرِّزْقِ المَذْكُورِ في مَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا أعْمالُهُمُ المَحْكِيَّةُ، كَما أنَّها المَناطُ لِما سَبَقَ مِنَ الهِدايَةِ لِنُورِهِ تَعالى لا لِظاهِرِ الأسْبابِ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِأنْ يُرْزَقَهم كَما أنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَهْدِيَهِمْ لِنُورِهِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما فُصِّلَ مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وخَوْفِ اليَوْمِ الآخِرِ وأهْوالِهِ ورَجاءِ الثَّوابِ مُقْتَبَسٌ مِنَ القرآن الكَرِيمِ العَظِيمِ الَّذِي هو المَعْنِيُّ بِالنُّورِ وبِهِ يُتِمُّ بَيانُ أحْوالِ مَنِ اهْتَدى بِهُداهُ عَلى أوْضَحِ وجْهٍ وأجْلاهُ. هَذا وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِي بُيُوتٍ﴾ .." إلَخِ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هي صِفَةٌ لِمِشْكاةٍ، أيْ: كائِنَةٍ في بُيُوتٍ، وقِيلَ: لِمِصْباحٍ، وقِيلَ: لِزُجاجَةٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِيُوقَدُ، والكُلُّ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْـزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وأنَّ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ عَلى ما هو الحَقُّ، أوْ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمُمَثَّلِ قَطْعًا فَتَوْسِيطُهُ بَيْنَ أجْزاءِ التَّمْثِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ بِالأجْنَبِيِّ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ ذِكْرِ حالِ المُنْتَفِعِينَ بِالتَّمْثِيلِ المَهْدِيِّينَ لِنُورِ القرآن الكَرِيمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ والِاسْتِراطِ مَعَ كَوْنِ بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ومِثْلُ هَذا مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًا أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ المُعْجِزُ.

النور 24:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَنْساقُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا أعْمالَهم حالًا ومَآلًا كَما وُصِفَ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: أعْمالُهُمُ الَّتِي هي مِن أبْوابِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وفَكِّ العُناةِ وسِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ البَيْتِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وقِرى الأضْيافِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لَوْ قارَنَهُ الإيمانُ لاسْتَتْبَعَ الثَّوابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ ...﴾ الآيَةَ. ﴿كَسَرابٍ﴾ وهو ما يُرى في الفَلَواتِ مِن لَمَعانِ الشَّمْسِ عَلَيْها وقْتَ الظَّهِيرَةِ فَيُظَنُّ أنَّهُ ماءٌ يَسْرُبُ، أيْ: يَجْرِي ﴿بِقِيعَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِسَرابٍ، أيْ: كائِنٌ في قاعٍ، وهي الأرْضُ المُنْبَسِطَةُ (p-181)المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ: هي جُمَعُ قاعٍ كَجِيرَةٍ جَمْعُ جارٍ. وقُرِئَ بِقِيعاتٍ بِتاءٍ مَمْدُودَةٍ كَدِيماتٍ، إمّا عَلى أنَّها جَمْعُ قِيعَةٍ أوْ عَلى أنَّ الأصْلَ قِيعَةٌ قَدْ أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ العَيْنِ فَتَوَلَّدَ مِنها ألِفٌ. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِسَرابٍ، وتَخْصِيصُ الحُسْبانِ بِالظَّمْآنِ مَعَ شُمُولِهِ لِكُلِّ مَن يَراهُ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العَطْشانِ والرَّيّانِ لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ بِتَحْقِيقِ شَرِكَةِ طَرَفَيْهِ في وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو المَطْلَعُ المُطْمِعُ والمَقْطَعُ المُؤْنِسُ. ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ: إذا جاءَ العَطْشانُ ما حَسِبَهُ ماءً، وقِيلَ: مَوْضِعَهُ. ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ أيْ: ما حَسِبَهُ ماءً وعَلَّقَ بِهِ رَجاءَهُ ﴿شَيْئًا﴾ أصْلالًا مُحَقَّقًا ولا مُتَوَهَّمًا كَما كانَ يَراهُ مِن قَبْلٌ فَضْلًا عَنْ وِجْدانِهِ ماءً وبِهِ تَمَّ بَيانُ أحْوالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ بَيانٌ لِبَقِيَّةِ أحْوالِهِمُ العارِضَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ لِئَلّا يُتَوَّهَمُ أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ هو الخَيْبَةُ والقُنُوطُ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الظَّمْآنِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ مِن عَدَمِ وِجْدانِ الكَفَرَةِ مِن أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ عَيْنًا ولا أثَرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ كَيْفَ لا وأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ كَسَرابٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا حُكْمٌ بِأنَّها بِحَيْثُ يَحْسَبُونَها في الدُّنْيا نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ حَتّى إذا جاءُوها لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يَحْسَبُونَها نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا ووَجَدُوا اللَّهَ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ عِنْدَ المَجِيءِ، وقِيلَ: عِنْدَ العَمَلِ، فَوَفّاهم، أيْ: أعْطاهم وافِيًا كامِلًا حِسابَهم، أيْ: حِسابَ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ وجَزاءَها فَإنَّ اعْتِقادَهم لِنَفْعِها بِغَيْرِ إيمانٍ وعَمَلِهِمْ بِمُوجِبِهِ كُفْرٌ عَلى كُفْرِهِ وجَبَ لِلْعِقابِ قَطْعًا. وإفْرادُ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا إمّا لِإرادَةِ الجِنْسِ كالضَّمانِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ، وإمّا لِلْحَمْلِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وكَذا إفْرادُ ما يَرْجِعُ إلى أعْمالِهِمْ. هَذا وقَدْ قِيلَ: نَزَلَ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ قَدْ تَعَبَّدَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفْرَ.

النور 24:40

﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى كَسَرابٍ، وكَلِمَةُ "أوْ" لِلتَّنْوِيعِ إثْرَ ما مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مَعَ زِيادَةِ حِسابٍ وعِقابٍ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِظُلُماتٍ كائِنَةٍ ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ: عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ، وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ، وقِيلَ: إلى اللُّجَّةِ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ. ﴿يَغْشاهُ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْبَحْرِ، أيْ يَسْتُرُهُ ويُغَطِّيهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿مَوْجٌ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ لَمَوْجٌ، أوِ الصِّفَةُ هي الجارُّ والمَجْرُورُ، ومَوْجٌ الثّانِي فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ والكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "نُورٌ عَلى نُورٍ" أيْ: يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ صِفَةٌ لَمَوْجٌ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ وتَضاعِيفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ (p-182)السَّحابَ. ﴿ظُلُماتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي ظُلُماتٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَكاثِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ، كَما أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأُولى. وقُرِئَ بِإضافَةِ السَّحابِ إلَيْها. ﴿إذا أخْرَجَ﴾ أيْ: مَنِ ابْتُلِيَ بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرِهِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً. ﴿يَدَهُ﴾ جَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنِهِ لَيَنْظُرَ إلَيْها ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وهي أقْرَبُ شَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها. ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْدِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكَفَرَةِ كَما فُصِّلَ، وتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةَ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأيُّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم، أيْ: مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ لِنُورِهِ الَّذِي هو القرآن هِدايَةً خاصَّةً مُسْتَتْبَعَةً لِلِاهْتِداءِ حَتْمًا ولَمْ يُوقِفْهُ لِلْإيمانِ بِهِ. ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ: فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا.

النور 24:41

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى أفاضَ عَلَيْهِ ﷺ أعْلى المَراتِبِ النُّورِ وأجْلاها وبَيَّنَ لَهُ مِن أسْرارِ المُلْكِ و المَلَكُوتِ وأدَقَّها وأخْفاها، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: قَدْ عَمِلْتَ عَمَلًا يَقِينِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ في القُوَّةِ والرَّصانَةِ بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ والِاسْتِدْلالِ الصَّحِيحِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ تَعالى عَلى الدَّوامِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مِن نَقْصٍ أوْ خَلَلٍ. ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما فِيهِما، إمّا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ، أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما تَنْـزِيهًا تَفْهَمُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ مُرَكَّبًا كانَ أوْ بَسِيطًا فَهو مِن حَيْثُ ماهِيَتُهُ ووُجُودُ أحْوالِهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ صانِعٍ واجِبِ الوُجُودِ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ الجَلِيلَةِ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى كَمالِ قُوَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ وغايَةِ وُضُوحِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْها بِما يَخُصُّ العُقَلاءَ مِنَ التَّسْبِيحِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ التَّنْـزِيهِ وأظْهَرُها تَنْزِيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلَةَ لِسانِ المَقالِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِإيثارِ كَلِمَةِ "مَن" عَلى "ما" كَأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا عَزَّ وهانَ وكُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الأعْراضِ والأعْيانِ عاقِلٌ ناطِقٌ ومُخْبِرٌ صادِقٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعِزَّةِ سُلْطانِهِ. وتَخْصِيصُ التَّنْـزِيهِ بِالذِّكْرِ مَعَ دَلالَةِ ما فِيهِما عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِنُعُوتِ الكَمالِ أيْضًا لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَقْبِيحِ حالِ الفِكْرَةِ في إخْلالِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ بِجَعْلِهِمُ الجَماداتِ شُرَكاءَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاهُ إلى اتِّخاذِ الوَلَدِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وحَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ بِأنَّ يُرادَ بِهِ مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِتَسْبِيحِ العُقَلاءِ وغَيْرُهم حَسَبَما هو المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ يَرُدُّهُ أنَّ بَعْضًا مِنَ العُقَلاءِ وهُمُ الكَفَرَةُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُسَبِّحُونَهُ بِذَلِكَ المَعْنى قَطْعًا، وإنَّما تَسْبِيحُهم ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الَّتِي يُشارِكُهم فِيها غَيْرُ العُقَلاءِ أيْضًا، وفِيهِ مَزِيدُ تَخْطِئَةٍ لَهم وتَعْيِيرٌ بِبَيانِ أنَّهم يُسَبِّحُونَهُ تَعالى بِاعْتِبارِ أخَسِّ جِهاتِهِمُ الَّتِي هي الجَمادِيَّةُ والجِسْمِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ ولا (p-183)يُسَبِّحُونَهُ بِاعْتِبارِ أشْرَفِها الَّتِي هي الإنْسانِيَّةُ. ﴿والطَّيْرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "مَن"، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِارَجِها في جُمْلَةِ ما في الأرْضِ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِ قَرارِها واسْتِقْلالِها بِصُنْعٍ بارِعٍ وإنْشاءٍ رائِعٍ قُصِدَ بَيانُ تَسْبِيحِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ لِوُضُوحِ إنْبائِها عَنْ كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها ولُطْفِ تَدْبِيرِ مُبْدِعِها حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّقَيُّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ: تَسْبِيحُهُ تَعالى حال كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتَها فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى لِلْأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما تَتَمَكَّنُ مِنَ الوُقُوفِ في الجَوِّ والحَرَكَةِ كَيْفَ تَشاءُ مِنَ الأجْنِحَةِ والأذْنابِ الخَفِيفَةِ، وإرْشادِها إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِهِما بِالقَبْضِ والبَسْطِ حُجَّةٌ نَيِّرَةٌ واضِحَةُ المَكْنُونِ وآيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ المُجِيدِ وغايَةِ حِكْمَةِ المُبْدِئِ المُعِيدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ عَراقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في التَّنْـزِيهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ فِيهِ بِتَمْثِيلِ حالِهِ بِحالِ مَن يَعْلَمُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الأفاعِيلِ فَيَفْعَلُها عَنْ قَصْدٍ ونِيَّةٍ لا عَنِ اتِّفاقٍ بِلا رَوِيَّةٍ وقَدْ أُدْمِجَ في تَضاعِيفِهِ الإشارَةُ إلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ التَّنْزِيهِ حاجَةً ذاتِيَّةً إلَيْهِ تَعالى واسْتِفاضَةً مِنهُ لِما يُهِمُّهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ وتَحْقِيقِهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ لَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ ابْتِداءً وبَقاءً فَهو مُسْتَفِيضٌ مِنهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ فَفَيْضُ عَلَيْهِ في كُلِّ آنٍ مِن فُيُوضِ الفُنُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ والرَّبّانِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لانْعَدَمَ بِالمُدَّةِ. وقَدْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الِاسْتِفاضَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي الدُّعاءُ والِابْتِهالُ لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ وإفادَةِ المَزايا المَذْكُورَةِ فِيما مَرَّ عَلى التَّفْصِيلِ، وتَقْدِيمُها عَلى التَّسْبِيحِ في الذِّكْرِ لِقَدَمِها عَلَيْهِ في الرُّتْبَةِ. هَذا ويَجُورُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُرادُ بِهِ: مُطْلَقُ الإدْراكِ وبِما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ في كُلِّ أنْواعِ الطَّيْرِ وأفْرادِها وبِالصَّلاةِ وبِالتَّسْبِيحِ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدٍ مِنها مِنَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ المَخْصُوصَيْنِ بِهِ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ الطَّيْرُ مَعْطُوفًا عَلى كَلِمَةِ "مَن" مَرْفُوعًا بِرافِعِها فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِلتَّسْبِيحِ المَقالِيِّ والحالِيِّ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرُهم وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ، بَلْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أُرِيدَ بِهِ التَّسْبِيحُ المَخْصُوصُ بِالطَّيْرِ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾، أيْ: تُسَبِّحُ الطَّيْرُ تَسْبِيحًا خاصًّا بِها حالَ كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ ألْهَمَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ لِبَيانِ كَمالِ رُسُوخِهِ فِيهِما، وأنَّ صُدُورَهُما عَنْهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ بِلا رَوِيَّةٍ بَلْ عَنْ عِلْمٍ وإيقانٍ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنهُما حَسَبَما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ إلْهامَهُ تَعالى لِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ عُلُومًا دَقِيقَةً لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْهِ جَهابِذَةُ العُقَلاءِ مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ أصْلًا كَيْفَ لا، وأنَّ القُنْفُذَ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ الأشْياءِ مِنَ الإدْراكِ قالُوا إنَّهُ يُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ هُبُوبِها فَيُغَيِّرُ المُدْخَلَ إلى حُجْرَةٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُ كانَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ رَجُلٌ قَدْ أثْرى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُنْذِرُ النّاسَ بِالرِّياحِ قَبْلَ هُبُوبِها ويَنْتَفِعُونَ بِإنْذارِهِ بِتَدارُكِ أُمُورِ سَفائِنِهِمْ وغَيْرِها وكانَ السَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَقْتَنِي في دارِهِ قُنْفُذًا يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِهِ عَلى ما ذُكِرَ. وتَخْصِيصُ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ بِهَذا المَعْنى بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أصْواتَها أظْهَرُ وُجُودًا وأقْرُبُ حَمْلًا عَلى التَّسْبِيحِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: ما يَفْعَلُونَهُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و"ما" عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالفِعْلِ مُسْنَدًا (p-184)إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَلى الثّانِي إمّا عِبارَةٌ عَنْها، وعَنِ التَّسْبِيحِ الخاصِّ بِالطَّيْرِ مَعًا أوْ عَنْ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ فالفِعْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ، والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرَّرٌ لِتَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ، وعَلى الأوَّلَيْنِ لِتَسْبِيحِ الكُلِّ. هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ عَلِمَ" اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِكُلِّ، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى صَلاةَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ وتَسْبِيحَهُ، فالِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ لَكِنْ عَلى أنْ تَكُونَ ما عِبارَةً عَمّا تَعَلَّقَ بِهِ علمه تعالى مِن صَلاتِهِ وتَسْبِيحِهِ، بَلْ عَنْ جَمِيعِ أحْوالِهِ العارِضَةِ لَهُ وأفْعالِهِ الصّادِرَةِ عَنْهُ، وهُما داخِلَتانِ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا.

النور 24:42

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ الخالِقُ لَهُما ولِما فِيهِما مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِها إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءًا وإعادَةً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلَيْهِ تَعالى خاصَّةً لا إلى غَيْرِهِ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ: رُجُوعُ الكُلِّ بِالفَناءِ والبَعْثِ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكَ بِهِ تَعالى في المَعادِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ تَعالى في المَبْدَأِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

النور 24:43

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ الإزْجاءُ: سَوْقُ الشَّيْءِ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ، غَلَبَ في سَوْقِ شَيْءٍ يَسِيرٍ أوْ غَيْرِ مُعْتَدٍ بِهِ، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ: بَيْنَ أجْزائِهِ بِضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وقُرِئَ: "يُوَلِّفُ" بِغَيْرِ هَمْزَةٍ. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ إثْرَ تَراكُمِهِ وتَكاثُفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ: مِن فُتُوقِهِ، حالٌ مِنَ الوَدْقِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ. وفي تَعْقِيبِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِرُؤْيَتِهِ خارِجًا لا بِخُرُوجِهِ مِنَ المُبالَغَةِ في سُرْعَةِ الخُرُوجِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعالى:"فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " ومِنَ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ ما لا يَخْفى. والخِلالُ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ، وقِيلَ: مُفْرَدٌ كَحِجابٍ وحِجازٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "مِن خَلَلِهِ" . ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الغَمامِ فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ ﴿مِن جِبالٍ﴾ أيْ: مِن قَطْعِ عِظامٍ تُشْبِهُ الجِبالَ في العِظَمِ كائِنَةً ﴿فِيها﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَرَدٍ﴾ مَفْعُولُ "يَنْـزِلُ" عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، والأُولَيانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَةَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأُولى بِإعادَةِ الجارِّ، أيْ: يَنْـزِلُ مُبْتَدِئًا مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها بَعْضٌ يَرُدُّ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، و"مِن بَرَدٍ" بَيانٌ لِلْجِبالِ، أيْ: يَنْـزِلُ مُبْتَدِئًا مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن جِنْسِ البَرَدِ بَرَدًا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِخُلُوِّهِ عَنِ ارْتِكابِ الحَذْفِ والتَّصْرِيحِ بِبَعْضِهِ المُنَـزَّلِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ،وَ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ بَيانٌ لِلْجِبالِ، أيْ: يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ كائِنَةٍ فَيَها مِن بَرَدٍ، أيْ: مُشَبَّهَةٌ بِالجِبالِ في الكَثْرَةِ، وأيّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ (p-185)والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ: المِظَلَّةُ وفِيها جِبالٌ مِن بَرَدٍ، كَما أنَّ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَنْفِيهِ مِن قاطِعٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الأبْخِرَةَ إذا تَصاعَدَتْ ولَمْ تُحَلِّلْها حَرارَةٌ فَبَلَغَتِ الطَّبَقَةَ البارِدَةَ مِنَ الهَواءِ وقَوِيَ البَرْدُ اجْتَمَعَ هُناكَ وصارَ سَحابًا، وإنْ لَمْ يَشْتَدِّ البَرْدُ تَقاطَرَ مَطَرًا، وإنِ اشْتَدَّ فَإنْ وصَلَ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها نَزَلَ ثَلْجًا وإلّا نَزَلَ بَرَدًا، وقَدْ يَبْرُدُ الهَواءُ بَرْدًا مُفْرِطًا فَيَنْقَبِضُ ويَنْعَقِدُ سَحابًا ويَنْـزِلُ مِنهُ المَطَرُ أوِ الثَّلْجُ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى إدارَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ. ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أيْ: ما يُنْـزِلُهُ مِنَ البَرَدِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُصِيبَهُ بِهِ فَيَنالُهُ ما يَنالُهُ مِن ضَرَرِ نَفْسِهِ ومالِهِ. ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْهُ فَيَنْجُوَ مِن غائِلَتِهِ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أيْ: ضَوْءُ بَرْقِ السَّحابِ المَوْصُوفِ بِما مَرَّ مِنَ الإزْجاءِ والتَّأْلِيفِ وغَيْرِهِما، وإضافَةُ البَرْقِ إلَيْهِ قَبْلَ الإخْبارِ بِوُجُودِهِ فِيهِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ. وقُرِئَ بِالمَدِّ بِمَعْنى: الرِّفْعَةِ والعُلُوِّ، وبِإدْغامِ الدّالِ في السِّينِ، و"بُرَقَهُ" بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بُرْقَةٍ، وهي مِقْدارٌ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ، وبِضَمِّها لِلْإتْباعِ لِضَمَّةِ الباءِ. ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أيْ: يَخْطِفُها مِن فَرْطِ الإضاءَةِ وسُرْعَةِ وُرُودِها، وفي إطْلاقِ الأبْصارِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِأمْرِهِ وبَيانٌ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِيها كَأنَّهُ يَكادُ يَذْهَبُ بِها ولَوْ عِنْدَ الإغْماضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَوْلِيدٌ لِلضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ. وقُرِئَ: "يُذْهِبُ" مِنَ الإذْهابِ عَلى زِيادَةِ الباءِ.

النور 24:44

﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بِالمُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ، أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِمّا يَقَعُ فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمَلِها ما ذُكِرَ مِنَ اِزْجاءِ السَّحابِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ آنِفًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ بَعْدَ مَنـزِلَتِهِ. ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ: لِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قدرته وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنْـزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ العَلِيِّ. ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِكُلِّ مَن لَهُ بَصَرٌ.

النور 24:45

﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وقُرِئَ: "خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ" بِالإضافَةِ. ﴿مِن ماءٍ﴾ وهو جُزْءُ مادَّتِهِ، أوْ ماءٍ مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما يَتَوَلَّدُ لا عَنْ نُطْفَةٍ، وقِيلَ: "مِن ماءٍ" مُتَعَلِّقٍ بِدابَّةٍ ولَيْسَ صِلَةَ الخَلْقِ. ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّةِ، وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا مَعَ كَوْنِها زَحْفًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ. ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالنِّعَمِ والوَحْشِ، وعَدَمِ التَّعْرِيضِ لِما يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ ونَحْوِها مِنَ الحَشَراتِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في "مِنهُمْ" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، والتَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنافِ بِكَلِمَةِ "مَن" لِيُوافِقَ التَّفْصِيلُ الإجْمالَ، والتَّرْتِيبُ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ بَسِيطًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا عَلى ما يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءَ (p-186)والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفاعِيلِ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الخَلْقِ المَذْكُورِ والإيذانِ بِأنَّهُ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما ذُكِرَ مَعَ تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ.

النور 24:46

﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ ما يَلِيقُ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ والأسْرارِ التَّكْوِينِيَّةِ. ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ بِتَوْفِيقِهِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها وإرْشادٍ إلى التَّأمُّلِ في مَطاوِيها ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلٍ إلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.

النور 24:47

﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ بَعْضِ مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هِدايَتَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ واليَهُودِيُّ يَدْعُوهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ خاصَمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أرْضٍ وماءٍ فَأبى أنْ يُحاكَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأيّا ما كانَ فَصِيغَةُ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلْقائِلِ طائِفَةً يُساعِدُونَهُ ويُشايِعُونَهُ في تِلْكَ المَقالَةِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم. ﴿وَأطَعْنا﴾ أيْ: أطَعْناها في الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما صَدَرَ عَنْهم ما صَدَرَ مِنِ ادِّعاءِ الإيمان باللَّهِ وبِالرَّسُولِ والطّاعَةِ لَهُما عَلى التَّفْصِيلِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ أمْرًا مُعْتَدًّا بِهِ واجِبَ المُراعاةِ. ﴿وَما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي مِنهم فَقَطْ لِعَدَمِ اقْتِضاءِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم نَفْيَهُ عَنِ الأوَّلِينَ بِخِلافِ العَكْسِ فَإنَّ نَفْيَهُ عَنِ القائِلِينَ مُقْتَضٍ لِنَفْيِهِ عَنْهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والفَسادِ، أيْ: وما أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإيمانَ والطّاعَةَ ثُمَّ يَتَوَلّى بَعْضُهُمُ الَّذِينَ يُشارِكُونَهم في العَقْدِ والعَمَلِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اللّامُ، أيْ: لَيْسُو بِالمُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينِ بِالإخْلاصِ في الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ.

النور 24:48

﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ: الرَّسُولُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّهُ المُباشِرُ حَقِيقَةً لِلْحُكْمِ وإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَفْخِيمِهِ ﷺ والإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ تَعالى. ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ ﷺ لِكَوْنِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَحْكُمُ بِالحَقِّ عَلَيْهِمْ، وهو شَرْحٌ لِلتَّوَلِّي ومُبالَغَةٌ فِيهِ.

النور 24:49

﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ لا عَلَيْهِمْ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ مُنْقادِينَ لِجَزْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَحْكُمُ لَهم وإلى صِلَةٌ لَيَأْتُوا، فَإنَّ الإتْيانَ والمَجِيءَ يُعَدَّيانِ بِإلى أوْ لِمُذْعِنِينَ (p-187)عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الإسْراعِ والإقْبالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ.

النور 24:50

﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم، وتَرْدِيدِ المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ. وأمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ﴿أمِ﴾ لِأنَّهم ﴿ارْتابُوا﴾ في أمْرِ نُبُوَّتِهِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ﴿أمِ﴾ لِأنَّهم ﴿يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ . ثُمَّ أُضْرِبَ عَنِ الكُلِّ وأُبْطِلَتْ مَنِشَئِيَّتُهُ وحُكِمَ بِأنَّ المَنشَأ شَيْءٌ آخَرُ مِن شَنائِعِهِمْ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، أمّا الأوَّلانِ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ لِشَيْءٍ مِنها لَأعْرَضُوا عَنْهُ ﷺ عِنْدَ كَوْنِ الحَقِّ لَهم، ولِما أتَوْا إلَيْهِ ﷺ مُذْعِنِينَ لِحُكْمِهِ لِتَحَقُّقِ نِفاقِهِمْ وارْتِيابِهِمْ حِينَئِذٍ أيْضًا، وأمّا الثّالِثُ فَلِانْتِفائِهِ رَأْسًا حَيْثُ كانُوا لا يَخافُونَ الحَيْفَ أصْلًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ ﷺ في الأمانَةِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ، بَلْ لِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ ويَتِمُّ لَهم جُحُودُهُ فَيَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ ﷺ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، فَمَناطُ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضْرابِ في الأوَّلِينَ هو وصْفُ مَنشَئِيَّتِهِما لِلْإعْراضِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِهِما في نَفْسِهِما، وفي الثّالِثِ هو الأصْلُ والوَصْفُ جَمِيعًا. هَذا وقَدْ خُصَّ الِارْتِيابُ بِمالِهِ مُنْشَأٌ مُصَحِّحٌ لِعُرُوضِهِ لَهم في الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أمِ ارْتابُوا بِأنْ رَأوْا مِنهُ ﷺ تُهْمَةً فَزالَتْ ثِقَتُهم ويَقِينُهم بِهِ ﷺ، فَمَدارُ النَّفْيِ حِينَئِذٍ نَفْسُ الِارْتِيابِ ومَنشَئِيَّتُهُ مَعًا، فَتَأمَّلَ فِيما ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ.

النور 24:51

وَقِيلَ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الجَلِيلُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ و"أنَّ" مَعَ ما في حَيِّزِها اسْمُها. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ، والأوَّلُ أقْوى صِناعَةً لِأنَّ الأوْلى لِلِاسْمِيَّةِ ما هو أوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وذَلِكَ هو الفِعْلُ المُصَدَّرُ بِأنْ، إذْ لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَما إذا اعْتَزَلَتْ عَنْهُ الإضافَةُ، لَكِنْ قِراءَةُ الرَّفْعِ أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفى لِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحُدُوثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في "أنَّ" مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ فَإذا هو أحَقُّ بِالخَيْرِيَّةِ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ قَلِيلَةَ الجَدْوى سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً مُجْمَلَةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ، فالمَعْنى: إنَّما كانَ مُطْلَقُ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴿إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ: الرَّسُولُ ﷺ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: وبَيْنَ (p-188)خُصُومِهِمْ سَواءٌ كانُوا مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: خُصُوصِيَّةُ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْهم لا قَوْلًا آخَرَ أصْلًا. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَمَعْناها: إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ، أيْ إنَّما كانَ قَوْلًا لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم، فَفِيهِ مِن جَعْلِ أخَصِّ النِّسْبَتَيْنِ وأبْعَدِهِما وُقُوعًا وحُضُورًا في الأذْهانِ وأحَقِّهِما بِالبَيانِ مَفْرُوغًا عَنْها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ وإبْرازُ ما هو بِخِلافِها في مَعْرِضِ القَصْدِ الأصْلِيِّ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ: "لِيَحْكُمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى مَصْدَرِهِ مُجاوِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: "إذا دُعُواْ" أيْ: لِيُفْعَلَ الحُكْمُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهم، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّعْتِ الجَمِيلِ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلَبٍ، والنّاجُونَ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ.

النور 24:52

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِ مَن عَداهم في الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ، أيْ: ومَن يُطِعْهُما كائِنًا مَن كانَ فِيما أُمِرا بِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، وقِيلَ: في الفَرائِضِ والسُّنَنِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ. ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ﴾ بِإسْكانِ القافِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِهِ بِكِتْفٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ والهاءِ وبِإسْكانِ الهاءِ، أيْ: ويَخْشَ اللَّهَ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ويَتَّقِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الطّاعَةِ والخَشْيَةِ والِاتِّقاءِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ لا مَن عَداهم.

النور 24:53

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أكاذِيبِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ نُصْبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "أقْسَمُوا" أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جَهْدًا، ومَعْنى جَهْدِ اليَمِينِ: بُلُوغُ غايَتِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ نَفْسَهُ: إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وطاقَتِها، أيْ: جاهِدِينَ بالِغِينَ أقْصى مَراتِبَ اليَمِينِ في الشِّدَّةِ والوَكادَةِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِـ "أقْسَمُوا"، أيْ: أقْسَمُوا إقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ. قالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدِ اجْتَهَدَ في اليَمِينِ. ﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ: بِالخُرُوجِ إلى الغَزْوِ، لا عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ كَما قِيلَ لِأنَّهُ حِكايَةٌ لِما كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْنَما كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، لَئِنْ خَرَجْتَ خَرَجْنا وإنْ أقَمْتَ أقَمْنا وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جَوابٌ لِـ "أقْسَمُوا" بِطَرِيقِ حِكايَةِ فِعْلِهِمْ لا حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وحَيْثُ كانَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ كاذِبَةً ويَمِينُهم فاجِرَةً أمَرَ ﷺ بِرَدِّها حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: رَدًّا عَلَيْهِمْ وزَجْرًا لَهم عَنِ التَّفَوُّهِ بِها، وإظْهارًا لِعَدَمِ القَبُولِ لِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيها ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ أيْ: عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلامُكم مِنَ الطّاعَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: لا تُقْسِمُوا عَلى ما تَدَّعُونَ مِنَ الطّاعَةِ لِأنَّ طاعَتَكم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ واقِعَةٌ بِاللِّسانِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ مِنَ القَلْبِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِمَعْرُوفَةٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَها كَذَلِكَ (p-189)مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أحَدٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: تُطِيعُونَ طاعَةً مَعْرُوفَةً. هَذا وحَمْلُها عَلى الطّاعَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِتَقْدِيرِ ما يُناسِبُها مِن مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ أوْ فِعْلٍ مِثْلُ الَّذِي يُطْلَبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَقِيقَيَّةٌ لا نِفاقِيَّةٌ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ، أوْ لَيَكُنْ طاعَةً مَعْرُوفَةً، أوْ أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُظْهِرُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُؤَكِّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وما تُضْمِرُونَهُ في قُلُوبِكم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعَزِيمَةِ عَلى مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ شُهْرَةِ أمْرِها فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إخْبارُهُ تَعالى بِذَلِكَ ووَعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ تَعالى مُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِنها نِفاقُهم.

النور 24:54

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ والإشْعارِ بِاخْتِلافِهِما مِن حَيْثُ أنَّ المَقُولَ في الأوَّلِ نَهْيٌ بِطَرِيقِ الرَّدِّ والتَّقْرِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، وفي الثّانِي أمْرٌ بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ والتَّشْرِيعِ. وإطْلاقُ الطّاعَةِ المَأْمُورِ بِها عَنْ وصْفِ الصِّحَّةِ والإخْلاصِ ونَحْوَهُما بَعْدَ وصْفِ طاعَتِهِمْ بِما ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الطّاعَةِ في شَيْءٍ أصْلًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينِ بِالطّاعَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وارِدٌ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِها والمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ والحَمْلِ عَلَيْهِ بِالتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ لِما أنَّ تَغْيِيرَ الكَلامِ المَسُوقِ لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي وصَرْفَهُ عَنْ سُنَنِهِ المَسْلُوكِ يُنْبِئُ عَنِ اهْتِمامٍ جَدِيدٍ بِشَأْنِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ ويَسْتَجْلِبُ مَزِيدَ رَغْبَةٍ فِيهِ مِنَ السّامِعِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ الخِطابِ بِالواسِطَةِ إلى الخِطابِ بِالذّاتِ فَإنَّ في خِطابِهِ تَعالى إيّاهم بِالذّاتِ بَعْدَ أمْرِهِ تَعالى إيّاهم بِوَساطَتِهِ ﷺ وتَصَدِّيهِ لِبَيانِ حُكْمِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والتَّوَلِّي عَنْهُ إجْمالًا وتَفْصِيلًا مِنَ اِفادَةِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ وتُوُهِّمَ أنَّهُ داخِلٌ تَحْتِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِحِكايَتِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وأنَّهُ أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى تَبْلِيغِهِ ﷺ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إلَيْهِمْ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِ مُسارَعَتِهِ ﷺ إلى تَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِهِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ، أيْ: إنْ تَتَوَلَّوْا عَنِ الطّاعَةِ إثْرَ ما أُمِرْتُمْ بِها ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا أنَّما عَلَيْهِ ﷺ ﴿ما حُمِّلَ﴾ أيْ: ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وقَدْ شاهَدْتُمُوهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . ﴿وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالتَّحْمِيلِ لِلْإشْعارِ بِثِقَلِهِ وكَوْنِهِ مُؤْنَةً باقِيَةً في عُهْدَتِهِمْ بَعْدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ بَقِيتُمْ تَحْتَ ذَلِكَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما حُمِّلَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُشاكَلَةِ. ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ﴾ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ الطّاعَةِ ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ المُوصِلُ إلى كُلِّ خَيْرٍ والمُنَجِّي مِن كُلِّ شَرٍّ. وتَأْخِيرُهُ عَنْ بَيانِ حُكْمِ التَّوَلِّي لِما في تَقْدِيمِ التَّرْهِيبِ مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ وتَقْرِيبِهِ مِمّا هو مِن بابِهِ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن أنَّ غائِلَةَ التَّوَلِّي وفائِدَةَ الإطاعَةِ مَقْصُورَتانِ عَلَيْهِمْ. واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لَهُ ﷺ (p-190)انْتِظامًا أوَّلِيًّا، أوْ لِلْعَهْدِ، أيْ: ما عَلى جِنْسِ الرَّسُولِ كائِنًا مَن كانَ، أوْ ما عَلَيْهِ ﷺ إلّا التَّبْلِيغُ المُوَضِّحُ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلى الإيضاحِ أوِ الواضِحُ عَلى أنَّ المُبِينَ مِن أبانَ بِمَعْنى: بانَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وإنَّما بَقِيَ ﴿ما حُمِّلْتُمْ﴾ .

النور 24:55

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ، ومُعْرِبٌ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ ومُبَيِّنٌ لِتَفاصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيهِ مِن فُنُونِ السَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ اثارِ الِاهْتِداءِ، ومُتَضَمِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالطّاعَةِ الَّتِي نِيطَ بِها الِاهْتِداءُ. والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا: كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ عَلى الإطْلاقِ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ وفي أيِّ وقْتٍ كانَ لا مَنِ امَنَ مِن طائِفَةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ ولا مَنِ امَنَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَحَسْبُ ضَرُورَةَ عُمُومِ الوَعْدِ الكَرِيمِ لِلْكُلِّ كافَّةً، فالخِطابُ في "مِنكُمْ" لِعامَّةِ الكَفَرَةِ لا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَطْفٌ عَلى "آمَنُوا" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وبِهِ يَتِمُّ تَفْسِيرُ الطّاعَةِ الَّتِي أُمِرَ بِها ورُتِّبَ عَلَيْها ما نُظِّمَ في سِلْكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِإظْهارِ أصالَةِ الإيمانِ وعَراقَتِهِ في اسْتِتْباعِ الآثارِ والأحْكامِ ولِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ أوَّلَ ما يُطْلَبُ مِنهم وأهَمَّ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا تَأْخِيرُهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ فَلِأنَّ "مِن" هُناكَ بَيانِيَّةٌ والضَّمِيرُ "الَّذِينَ مَعَهُ" ﷺ مِن خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ جامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ مُثابِرُونَ عَلَيْهِما، فَلا بُدَّ مِن وُرُودِ بَيانِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ بِكَمالِها. هَذا ومَن جَعَلَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْأُمَّةِ عُمُومًا عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أوَّلُهُ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ، فَقَدْ نَأى عَمّا يَقْتَضِيهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ بِمَنازِلَ وأبْعَدَ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ ﷺ بِمَراحِلَ. ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ إمّا بِالإضْمارِ، أوْ بِتَنْـزِيلِ وعْدِهِ تَعالى مَنزِلَةَ القَسَمِ لِتَحَقُّقِ إنْجازِهِ لا مَحالَةَ، أيْ: لَيَجْعَلَهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِكِهِمْ أوْ خَلَفًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى حالِهِمْ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هُمُ بَنُوُ إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ والجَبابِرَةِ، أوْ هم ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ..﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ..﴾، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كاسْتِخْلافِهِ تَعالى لِلَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ. وقُرِئَ: "كَما اسْتُخْلِفَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فَلَيْسَ العامِلُ في الكافِ حِينَئِذٍ الفِعْلَ المَذْكُورَ بَلْ ما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ جارٍ مِنهُ مَجْرى المُطاوِعِ، فَإنَّ اسْتِخْلافَهُ تَعالى إيّاهم مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَخْلَفِينَ (p-191)لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ فَيُسْتَخْلَفْنَ فِيها اسْتِخْلافًا، أيْ: مُسْتَخْلَفِيَّةٌ كائِنَةٌ كَمُسْتَخْلَفِيَّةَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ: فَنَبَتَ نَباتًا حَسَنًا، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: ؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ إلَخِ. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى لَيَسْتَخْلِفَنَّهم مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكَ الجَوابِ وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ أجَلَّ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ وأعْظَمَها لِما أنَّ النُّفُوسَ إلى الحُظُوظِ العاجِلَةِ أمْيَلُ فَتَصْدِيرُ المَواعِيدِ بِها في الِاسْتِمالَةِ أدْخَلُ، والمَعْنى: لَيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا بِحَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلى العَمَلِ بِأحْكامِهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّمْكِينِ الَّذِي هو جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانًا لِآخَرَ يُقالُ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، أيْ: جَعَلَها مَقَرًّا لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ ونَظائِرُهُ. وكَلِمَةُ "فِي" لِلْإيذانِ بِأنَّ ما جُعِلَ مَقَرًّا لَهُ قِطْعَةٌ مِنها لا كُلُّها لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ ثَباتِ الدِّينِ ورَصانَةِ أحْكامِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالأرْضِ في الثَّباتِ والقَرارِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ. وتَقْدِيمُ صِلَةِ التَّمْكِينِ عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَوْعُودِ مِن مَنافِعِهِمْ تَشْوِيقَها لَهم إلَيْهِ وتَرْغِيبًا لَهم في قَبُولِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ ولِأنَّ في تَوْسِيطِها بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾، وفي تَأْخِيرِها عَنْهُ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى. وفي إضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ وصْفُهُ بِارْتِضائِهِ لَهم تَأْلِيفٌ لِقُلُوبِهِمْ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ فِيهِ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ عَلَيْهِ. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإبْدالِ ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأعْداءِ ﴿أمْنًا﴾ حَيْثُ كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الهِجْرَةِ عَشْرَ سِنِينَ بَلْ أكْثَرَ خائِفِينَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا يُصْبِحُونَ في السِّلاحِ ويُمْسُونَ كَذَلِكَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ مِنهم ما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ، فَقالَ ﷺ: لا تَعْبُرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْجَزَ وعْدَهُ وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ وفَتَحَ لَهم بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ وصارُوا لي حالٍ يَخافُهم كُلُّ مَن عَداهم، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ عَلى ما هو عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: المُرادُ: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ والأمْنُ مِنهُ في الآخِرَةِ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ المُقْتَضى لِلِاسْتِخْفافِ وما انْتَظَمَ مَعَهُ في سِلْكِ الوَعْدِ. ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ، أيْ: يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِي في العِبادَةِ شَيْئًا. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيِ: اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بِأنْ ثَبَتَ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ، فَإنَّ الإصْرارَ عَلَيْهِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ كُفْرٌ مُسْتَأْنِفٌ زائِدَةٌ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ: كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِما فُصِّلَ مِنَ المَطالِبِ العالِيَةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِغايَةِ الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِها والسَّعْيِ الجَمِيلِ في حِيازَتِها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ عَنِ الحَقِّ التّائِهُونَ في تِيهِ الغِوايَةِ والضَّلالِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنْ حُدُودِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

النور 24:56

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا (p-192)الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ فَإنَّ خِطابَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ بِالطّاعَةِ عَلى طَرِيقِ التَّرْهِيبِ مِنَ التَّوَلِّي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ .." إلَخِ، وتَرْغِيبُهُ تَعالى إيّاهم في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلَخِ وعْدُهُ تَعالى إيّاهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِما فُصِّلَ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما يَتْلُوهُ مِنَ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ، ووَعِيدُهُ عَلى الكُفْرِ مِمّا يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والنَّهْيِ عَنِ الكُفْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَآمِنُوا وتَعْمَلُوا صالِحًا وأقِيمُوا، أوْ فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا، وعَطْفُهُ عَلى "أطِيعُوا اللَّهَ" مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. ﴿وَأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالذّاتِ بِما أمَرَهم بِهِ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن طاعَتِهِ الَّتِي هي طاعَتُهُ تَعالى في الحَقِيقَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُطاعِ فِيهِ: جَمِيعُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْتَظِمَةِ لِلْآدابِ المَرْضِيَّةِ أيْضًا، أيْ: وأطِيعُوهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ، أوْ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ الخاصَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ ما عَداهُما مِنَ الشَّرائِعِ، أيْ: وأطِيعُوهُ في سائِرِ ما يَأْمُرُكم بِهِ إلَخِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى الأوَّلِ بِالأمْرِ الأخِيرِ المُشْتَمِلِ عَلى جَمِيعِ الأوامِرِ، وعَلى الثّانِي بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ، أيِ: افْعَلُوا ما ذُكِرَ مِنَ الإقامَةِ والإيتاءِ والإطاعَةِ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.

النور 24:57

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن أطاعَهُ ﷺ وأُشِيرَ إلى فَوْزِهِ بِالرَّحْمَةِ المُطْلَقَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن عَصاهُ ﷺ ومَآلُ أمْرِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَناهِيهِ في الفِسْقِ تَكْمِيلًا لِأمْرِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والخِطابُ إمّا لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ كائِنًا مَن كانَ، وإمّا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَظائِرِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الحُسْبانَ المَذْكُورَ مِنَ القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمكِنُ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِلْحُسْبانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُعْجِزِينَ﴾ ثانِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظَرْفٌ لِمُعْجِزِينَ لَكِنْ لا لِإفادَةِ كَوْنِ الإعْجازِ المَنفِيِّ فِيها لا في غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ بَلْ لِإفادَةِ شُمُولِ عَدَمِ الإعْجازِ بِجَمِيعِ أجْزائِها، أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم مُعْجِزِينَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ بِما رَحُبَتْ وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ. وقُرِئَ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ كُلُّ أحَدٍ، والمَعْنى كَما ذُكِرَ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ لَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ، أوْ هو المَوْصُولُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنْ أنْفُسِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْسَبَنَّ الكافِرِينَ أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وأمّا جَعْلُ "مُعْجِزِينَ" مَفْعُولًا أوَّلَ، و"فِي الأرْضِ" مَفْعُولًا ثانِيًا فَبِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى المَقامِ ضَرُورَةَ أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي ولا فائِدَةَ في بَيانِ كَوْنِ المُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ بِتَأْوِيلِها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الحُسْبانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ومَأْواهم .. إلَخِ، أوْ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ وقَعَتْ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ فَإنَّهم مُدْرَكُونَ ومَأْواهم إلَخِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ بَلْ هم مَقْهُورُونَ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وَلَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-193)جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِاللَّهِ لَبِئْسَ المَصِيرُ هي، أيِ: النّارُ، والحَمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وفي إيرادِ النّارِ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَأْوى ومَصِيرًا لَهم إثْرَ نَفْيِ فَوْتِهِمْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ. فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنٍ التَّنْـزِيلِ.

النور 24:58

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ ما يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي الوارِدَةِ فِيها وفي الأحْكامِ اللّاحِقَةِ مِنَ التَّمْثِيلاتِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والخِطابُ إمّا لِلرِّجالِ خاصَّةً والنِّساءُ داخِلاتٌ في الحُكْمِ بِدَلالَةِ النَّصِّ، أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. رُوِيَ أنَّ غُلامًا لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي مِرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَنَـزَلَتْ. وقِيلَ: «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِدْلَجَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ وكانَ غُلامًا وقْتَ الظَّهِيرَةِ لَيَدْعُوَ عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وهو نائِمٌ قَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمَنا أنْ لا يَدْخُلُوا عَلَيْنا هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُ وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ» . ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والجَوارِي ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ أيِ: الصِّبْيانُ القاصِرُونَ عَنْ دَرَجَةِ البُلُوغِ المَعْهُودِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالحُلُمِ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ دَلائِلِهِ مِنكم، أيْ: مِنَ الأحْرارِ. ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أيْ: ثَلاثَةُ أوْقاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَرّاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ مُقارَنَةُ تِلْكَ الأوْقاتِ لِمُرُورِ المُسْتَأْذِنِينَ بِالمُخاطَبِينَ لا أنْفُسِها. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ لِظُهُورِ أنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النُّومِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أحَدُها مِن قَبْلُ إلَخِ. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ﴾ أيْ: ثِيابَكُمُ الَّتِي تَلْبَسُونَها في النَّهارِ وتَخْلَعُونَها لِأجْلِ القَيْلُولَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ وهي شِدَّةُ الحَرِّ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، بَيانٌ لِلْحِينِ والتَّصْرِيحِ بِمَدارِ الأمْرِ - أعْنِي وضْعَ الثِّيابِ - في هَذا الحِينِ دُونَ الأوَّلِ والآخِرِ لِما أنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الثِّيابِ فِيهِ لِأجْلِ القَيْلُولَةِ لِقِلَّةِ زَمانِها، كَما يُنْبِئُ عَنْها إيرادُ الحِينِ مُضافًا إلى فِعْلِ حادِثٍ مُتَقَضٍّ، ووُقُوعُها في النَّهارِ الَّذِي هو مَئِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الوُرُودِ والصُّدُورِ ومَظِنَّةٌ لِظُهُورِ الأحْوالِ وبُرُوزِ الأُمُورِ لَيْسَ مِنَ التَّحَقُّقِ والِاطِّرادِ بِمَنزِلَةَ ما في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ تَحَقُّقَ التَّجَرُّدِ واطِّرادَهُ فِيهِما أمْرٌ مَعْرُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ. ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ ضَرُورَةَ أنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ عَنِ اللِّباسِ والِالتِحافِ بِاللِّحافِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالقَبْلِيَّةِ والبَعْدِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ مُطْلَقَهُما المُتَحَقِّقَ في الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾، بَلْ ما يَعْرِضُ مِنهُما (p-194)لِطَرَفَيْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَّصِلَيْنِ بِالصَّلاتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ اتِّصالًا عادِيًّا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَثَلاثُ عَوْراتٍ، أيْ: كائِنَةٌ لَكم، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ، أيْ: هُنَّ ثَلاثَةُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً. والعَوْرَةُ في الأصْلِ: هو الخَلَلُ، غُلِبَ في الخَلَلِ الواقِعِ فِيما يَهُمُّ حِفْظُهُ ويُعْتَنى بِسَتْرِهِ أُطْلِقَتْ عَلى الأوْقاتِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها مُبالَغَةً كَأنَّها نَفْسُ العَوْرَةِ. وقُرِئَ: "ثَلاثَ عَوْراتٍ" بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن "ثَلاثَ مَرّاتٍ" . ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المَمالِيكِ والصِّبْيانِ جُناحٌ، أيْ: إثْمٌ في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ لِعَدَمٍ ما يُوجِبُهُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ والِاطِّلاعِ عَلى العَوْراتِ. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ العَوْراتِ الثَّلاثِ، وهي الأوْقاتُ المُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ، وإيرادُها بِعُنْوانِ البَعْدِيَّةِ مَعَ أنَّ كُلَّ وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ قَبْلَ عَوْرَةٍ مِنَ العَوْراتِ كَما أنَّها بَعْدَ أُخْرى مِنهُنَّ لِتَوْفِيَةِ حَقِّ التَّكْلِيفِ والتَّرْخِيصِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِهِ، إذِ الرُّخْصَةُ إنَّما تُتَصَوَّرُ في فِعْلٍ يَقَعُ بَعْدَ زَمانِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ. والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها بِالطَّرْدِ والعَكْسِ، وقَدْ جُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الأُولى كَوْنُها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ أُخْرى لَثَلاثُ عَوْراتٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهي مُسْتَأْنِفَةٌ لا غَيْرَ إذْ لَوْ جُعِلَتْ صِفَةً لَثَلاثُ عَوْراتٍ وهي بَدَلٌ مِن ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْتَأْذِنْكم هَؤُلاءِ في ثَلاثِ عَوْراتٍ لا إثْمَ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ بَعْدَهُنَّ، وحَيْثُ كانَ انْتِفاءُ الإثْمِ حِينَئِذٍ مِمّا لَمْ يَعْلَمْهُ السّامِعُ إلّا بِهَذا الكَلامِ لَمْ يَتَسَنَّ إبْرازُهُ في مَعْرِضِ الصِّفَةِ بِخِلافِ قِراءَةِ الرَّفْعِ فَإنَّ انْتِفاءَ الإثْمِ حِينَئِذٍ مَعْلُومٌ مِن صَدْرِ الكَلامِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكَ الِاسْتِئْذانِ، وهي المُخالَطَةُ الضَّرُورِيَّةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وبَيْنَ غَيْرِها بِكَوْنِها عَوْراتٍ. ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ طَوافًا كَثِيرًا، أوْ بَعْضُكم يَطُوفُ عَلى بَعْضٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ والإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِ وكَوْنِهِ مِنَ الوُضُوحِ بِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ حِسًّا، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ، أيْ: يُنَـزِّلُها بَيِّنَةً واضِحَةَ الدَّلالاتِ عَلَيْها لا أنَّهُ تَعالى يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، والكافُ مُقْحِمَةٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ . و"لَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِيُبَيِّنُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ عِلَلَ الأحْكامِ ولَيْسَ بِواضِحٍ مَعَ أنَّهُ مُؤْدٍّ إلى تَخْصِيصِ الآياتِ بِما ذُكِرَ هَهُنا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ فَيَشْرَعُ لَكم ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكم مَعاشًا ومَعادًا.

النور 24:59

﴿وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ لِما بُيِّنَ فِيما مَرَّ آنِفًا حُكْمَ الأطْفالِ في أنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما عَدا الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ عَقِبَ بِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ دَفْعًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّهم - وإنْ كانُوا (p-195)أجانِبَ - لَيْسُوا كَسائِرِ الأجانِبِ بِسَبَبِ اعْتِيادِهِمُ الدُّخُولَ، أيْ: إذا بَلَغَ الأطْفالُ الأحْرارُ الأجانِبُ ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ إذا أرادُوا الدُّخُولَ عَلَيْكم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ السّابِقِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ قِيلَ لَهم: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا ...﴾ الآيَةِ، ووَصَفَهم بِكَوْنِهِمْ قَبْلَ هَؤُلاءِ بِاعْتِبارِ ذِكْرِهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِمْ لا بِاعْتِبارِ بُلُوغِهِمْ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ كَما قِيلَ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّشْبِيهِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ وزِيادَةُ إيضاحِهِ ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا بِتَشْبِيهِهِ بِاسْتِئْذانِ المَعْهُودِينَ عِنْدَ السّامِعِ، ولا رَيْبَ في أنَّ بُلُوغَهم قَبْلَ بُلُوغِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الواقِعِ، وإنَّما المَعْهُودُ المَعْرُوفُ ذِكْرُهم قَبْلَ ذِكْرِهِمْ، أيْ: فَلْيَسْتَأْذِنُوا اسْتِئْذانًا كائِنًا مِثْلَ اسْتِئْذانِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ ويَرْجِعُوا إنْ قِيلَ لَهُمُ ارْجِعُوا حَسْبَما فُصِّلَ فِيما سَلَفَ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي سَبَقَ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَشْرِيفِها.

النور 24:60

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ: العَجائِزُ اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ: الثِّيابُ الظّاهِرَةُ كالجِلْبابِ ونَحْوِهِ، والفاءُ فِيهِ لِأنَّ اللّامَ في القَواعِدِ بِمَعْنى اللّاتِي أوْ لِلْوَصْفِ بِها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غَيْرَ مُظْهِراتٍ لِزِينَةٍ مِمّا أمَرَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وأصْلُ التَّبَرُّجِ: التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجَةٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبَرَجُ: سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يَرى بَيَضاها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ بِكَشْفِ المَرْأةِ زِينَتَها ومَحاسِنَها لِلرِّجالِ. ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ بِتَرْكِ الوَضْعِ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِبُعْدِهِ مِنَ التُّهْمَةِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِ جَمِيعِ ما يُسْمَعُ فَيَسْمَعُ ما يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ مِنَ المُقاوَلَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ مَقاصِدَهُنَّ.وَفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى.

النور 24:61

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ كانَتْ هَؤُلاءِ الطَّوائِفُ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ المُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حِذارًا مَنِ اسْتِقْذارِهِمْ إيّاهم وخَوْفًا مِن تَأذِّيهِمْ بِأفْعالِهِمْ وأوْضاعِهِمْ، فَإنَّ الأعْمى رُبَّما سَبَقْتَ يَدُهُ إلى ما سَبَقَتْ إلَيْهِ عَيْنُ أكِيلِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، والأعْرَجُ بِتَفَسُّحُ في مَجْلِسِهِ فَيَأْخُذُ أكْثَرَ مِن مَوْضِعِهِ فَيُضَيِّقُ عَلى جَلِيسِهِ، (p-196)والمَرِيضُ لا يَخْلُو عَنْ حالَةٍ تُؤْذِي قَرِينَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّجُلِ لِطَلَبِ العِلْمِ فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُطْعِمُهم ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ أوْ إلى بَعْضِ مَن سَمّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ: ذَهَبَ بِنا إلى بَيْتِ غَيْرِهِ ولَعَلَّ أهْلَهُ كارِهُونَ لِذَلِكَ، وكَذا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِ الَّذِينَ كانُوا إذا خَرَجُوا إلى الغَزْوِ خَلَّفُوا هَؤُلاءِ في بُيُوتِهِمْ ودَفَعُوا إلَيْهِمْ مَفاتِيحَها وأذِنُوا لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا فِيها مَخافَةَ أنْ لا يَكُونُ إذْنُهم عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهم، وكانَ غَيْرُ هَؤُلاءِ أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ في بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: لَيْسَ عَلى الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ ﴿وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: عَلَيْكم وعَلى مَن يُماثِلُكم في الأحْوالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴿أنْ تَأْكُلُوا﴾ أيْ: تَأْكُلُوا أنْتُمْ وهم مَعَكم، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ أيْضًا يَأْباهُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنَّ الخِطابَ فِيهِما لِغَيْرِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ حَتْمًا. ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيِ: البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم فَيَدْخُلُ فِيها بُيُوتُ الأوْلادِ لِأنَّ بَيْتَهم كَبَيْتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ: ﴿إنَّ أطْيَبَ مالِ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ﴾ . ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وبِكَسْرِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ. ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي تَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِيها بِإذْنِ أرْبابِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وقِيلَ: هي بُيُوتُ المَمالِيكِ. والمَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ، وجَمْعُ المِفْتاحِ: مَفاتِيحُ، وقُرِئَ: "مُفْتاحَهُ" . ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أيْ: أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهم قَرابَةٌ نَسَبِيَّةٌ فَإنَّهم أرْضى بِالتَّبَسُّطِ وأُسَرُّ بِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأقْرِباءِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الصَّدِيقَ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ، إنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ بَلْ قالُوا: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . والصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ وأضْرابِهِما. وهَذا فِيما إذا عَلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِصَرِيحِ الإذْنِ أوْ بِقَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ خَصَّصَ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ لِاعْتِيادِهِمُ التَّبَسُّطَ فِيما بَيْنُهم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمٍ آخَرَ مِن جِنْسِ ما بُيِّنَ قَبْلَهُ، حَيْثُ كانَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَبَنِي لَيْثِ ابْنِ عَمْرٍو مِن كِنانَةَ يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلُوا طَعامَهم مُنْفَرِدِينَ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ ويَمْكُثُ يَوْمَهُ حَتّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، ورُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَتَناوَلُهُ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحُفَّلُ فَلا يَشْرَبُ مِنَ ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ فَإذا أمْسى ولَمْ يَجِدْ أحَدًا أكْلَ، وقِيلَ: كانَ الغَنِيُّ مِنهم يَدْخُلُ عَلى الفَقِيرِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وصَدَقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إلى طَعامِهِ فَيَقُولُ: إنِّي أتَحَرَّجُ أنْ آكُلَ مَعَكَ وأنا غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ، وقِيلَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ لا يَأْكُلُونَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ فَرُخِّصَ لَهم في أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاءُوا، وقِيلَ: كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لَيَأْكُلُوا طَعامًا عَزَلُوا لِلْأعْمى وأشْباهِهِ طَعامًا عَلى عَدِّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْكُلُوا"، و"أشْتاتًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، وهو جَمْعُ شَتَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كالحَقِّ، يُقالُ: أمْرٌ شَتٌّ، أيْ: مُتَفَرِّقٌ، أوْ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الآدابِ الَّتِي تَجِبُ رِعايَتُها عِنْدَ مُباشَرَةِ ما رُخِّصَ فِيهِ إثْرَ بَيانِ الرُّخْصَةِ فِيهِ. ﴿بُيُوتًا﴾ أيْ: مِنَ البُيُوتِ (p-197)المَذْكُورَةِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: عَلى أهْلِها الَّذِينَ بِمَنزِلَةَ أنْفُسِكم لِما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ الدِّينِيَّةِ والنَّسَبِيَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ. ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّحِيَّةِ فَإنَّها طَلَبُ الحَياةِ الَّتِي هي مِن عِنْدِهِ تَعالى وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّها بِمَعْنى التَّسْلِيمِ. ﴿مُبارَكَةً﴾ مُسْتَتْبَعَةً لِزِيادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ ودَوامِهِما. ﴿طَيِّبَةً﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ. وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَتى لَقِيتَ أحَدًا مِنَ اُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمْرُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأبْرارِ الأوّابِينَ﴾ . ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ الأحْكامِ المُخْتَتِمَةِ بِهِ وتَفْخِيمِها ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ما في تَضاعِيفِها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وتَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها وتَحُوزُونَ بِذَلِكَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ. وفي تَعْلِيلِ هَذا التَّبْيِينِ بِهَذِهِ الغايَةِ القُصْوى بَعْدَ تَذْيِيلِ الأوَّلِينَ بِما يُوجِبُهُما مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى.

النور 24:62

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في أواخِرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِها وتَكْمِيلًا لَها بِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِها، وإنَّما ذُكِرَ الإيمان باللَّهِ ورَسُولِهِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمَوْصُولِ الواقِعِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ مَعَ تَضَمُّنِهِ لَهُ قَطْعًا تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَجْعَلَ قَرِينًا لِلْإيمانِ بِهِما مُنْتَظِمًا في سِلْكِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إلَخِ مَعْطُوفٌ عَلى "آمَنُوا" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أيْ: إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وأطاعُوهُما في جَمِيعِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ مِن قَبْلُ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعامَّةِ أحْوالِهِمُ المُطَّرِدَةِ في الوُقُوعِ وأحْوالِهِمُ الواقِعَةِ بِحَسَبِ الِاتِّفاقِ كَما إذا كانُوا مَعَهُ ﷺ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِماعُهم في شَأْنِهِ كالجُمْعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى اجْتِماعِ أُولِي الآراءِ والتَّجارِبِ ووَصْفُ الأمْرِ بِالجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. وقُرِئَ: "أمْرٍ جَمِيعٍ" . ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: مِنَ المَجْمَعِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُوجِبُ حُضُورَهم لا مَحالَةَ كَما عِنْدَ إقامَةِ الجُمْعَةِ ولِقاءِ العَدُوِّ بَلْ يُسَوِّغُ التَّخَلُّفَ عَنْهُ. ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ﷺ في الذَّهابِ لا عَلى أنَّ نَفْسَ الِاسْتِئْذانِ غايَةٌ لِعَدَمِ الذَّهابِ بَلِ الغايَةُ هي الإذْنُ المَنُوطُ بِرَأْيِهِ صَلّى اللَّهُ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتِمُّ مِن قَبْلِهِمْ وهو المُعْتَبِرُ في كَمالِ الإيمانِ لا الإذْنُ ولا الذَّهابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، واعْتِبارُهُ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيِّزِ لِلْمُخْلِصِ فِيهِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنَهُ التَّسَلُّلُ لِلْفِرارِ، ولِتَعْظِيمِ ما في الذَّهابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ﷺ مِنَ الجِنايَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَقَضى بِأنَّ المُسْتَأْذِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ كَما حَكَمَ في الأوَّلِ بِأنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِهِما وبَيْنَ الِاسْتِئْذانِ، وفي "أُولَئِكَ" مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُسْتَأْذِنِينَ ما لا يَخْفى. ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ بَيانٌ لِما هو وظِيفَتُهُ ﷺ في هَذا البابِ إثْرَ بَيانِ ما هو وظِيفَةُ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ الإذْنَ عِنْدَ الِاسْتِئْذانِ (p-198)لَيْسَ بِأمْرٍ مَحْتُومٍ بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِهِ ﷺ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ المُسْتَأْذِنُونَ، فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أيْ: لِبَعْضِ أمْرِهِمُ المُهِمِّ وخَطْبِهِمُ المُلِمُّ ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ لِما عَلِمْتَ في ذَلِكَ مِن حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ وإنْ كانَ لِعُذْرٍ قَوِيَ لا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَقْدِيمِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الآخِرَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ فُرُطاتِ العِبادِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في ضِمْنِ الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم.

النور 24:63

﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِالتِفاتُ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، أيْ: لا تَجْعَلُوا دَعْوَتَهُ ﷺ إيّاكم في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ بِها ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ ﷺ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُساهَلَةُ فِيهِ والرُّجُوعُ عَنْ مَجْلِسِهِ ﷺ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ. وقِيلَ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ ﷺ رَبَّهُ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرَكم يُجِيبُهُ مَرَّةً ويَرُدُّهُ أُخْرى، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ لا مَرَدَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَقْرِيرُ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ إنَّ اسْتِجابَتَهُ تَعالى لِدُعائِهِ ﷺ مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَهم بِأوامِرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ومُتابَعَتَهم لَهُ في الوُرُودِ والصُّدُورِ أكْمَلَ إيجابٍ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّها مُوجِبَةٌ لِلِاحْتِرازِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِسُخْطِهِ ﷺ المُؤَدِّي إلى ما يُوجِبُ هَلاكَهم مِن دُعائِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ ﷺ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ والنِّداءِ مِن وراءِ الحُجُراتِ ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظَّمِ مِثْلِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ مَعَ غايَةِ التَّوْقِيرِ والتَّفْخِيمِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ فَلا يُناسِبُ المَقامَ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ﴾ إلَخِ وعِيدٌ لِمُخالِفِي أمْرِهِ ﷺ فِيما ذُكِرَ مِن قَبْلُ فَتَوْسِيطُ ما ذُكِرَ بَيْنَهُما مِمّا لا وجْهَ لَهُ. والتَّسَلُّلُ: الخُرُوجُ مِنَ البَيْتِ عَلى التَّدْرِيجِ والخُفْيَةِ، و"قَدْ" لِلتَّحْقِيقِ، كَما أنَّ رُبَّ تَجِيءُ لِلتَّكْثِيرِ حَسَبَما بُيِّنَ في مَطْلَعِ سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ: يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الجَماعَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى خُفْيَةٍ. ﴿لِواذًا﴾ أيْ: مُلاوَذَةً بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ، أوْ بِأنْ يَلُوذَ بِمَن يَخْرُجُ بِالإذْنِ إراءَةَ أنَّهُ مِن أتْباعِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وانْتِصابِهِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "يَتَسَلَّلُونَ"، أيْ: مُلاوِذِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ في الحَقِيقَةِ، أيْ: يَلُوذُونَ لِواذًا. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الحَذَرِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها مَن علمه تعالى بِأحْوالِهِمْ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ الحَذَرَ البَتَّةَ، أيْ: يُخالِفُونَ أمْرَهُ بِتَرْكِ مُقْتَضاهُ ويَذْهَبُونَ سَمْتًا خِلافَ سَمْتِهِ. و"عَنْ" إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْراضِ، أوْ حَمْلِهِ عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، مَن خالَفَهُ عَنِ الأمْرِ: إذا صَدَّ عَنْهُ دُونَهُ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الآمِرُ حَقِيقَةً أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ. ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ في الدُّنْيا ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. وكَلِمَةُ "أوْ" لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ وإعادَةِ الفِعْلِ صَرِيحًا (p-199)لِلِاعْتِناءِ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْإيجابِ فَإنَّ تَرْتِيبَ العَذابَيْنِ عَلى مُخالَفَتِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّحْذِيرُ عَنْ إصابَتِهِما يُوجِبُ وُجُوبَ الِامْتِثالِ بِهِ حَتْمًا.

النور 24:64

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها خُلُقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا، إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءً وإعادَةً. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ الأحْوالِ والأوْضاعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُوافَقَةُ والمُخالَفَةُ والإخْلاصُ والنِّفاقُ. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما أنْتُمْ عَلَيْهِ" أيْ: يَعْلَمُ يَوْمَ يُرْجَعُ المُنافِقُونَ المُخالِفُونَ لِلْأمْرِ إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ والعِقابِ، وتَعْلِيقُ علمه تعالى بِيَوْمِ رُجُوعِهِمْ لا يُرْجِعُهم لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ علمه تعالى بِذَلِكَ وغايَةُ تَقْرِيرِهِ لِما أنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ وُقُوعِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَمَلِ بِوُقُوعِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ علمه تعالى لِنَفْسِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ قَطْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أيْضًا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. وقُرِئَ: "يَرْجِعُونَ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ الأمْرِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والجَزاءِ وقَدْ مَرَّ وجْهُ التَّعْبِيرِ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّنْبِئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم ..﴾ الآيَةَ. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مَن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ النُّورِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ فِيما مَضى وفِيما بَقِيَ﴾ . واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

الفرقان 25:1

(p-200)25 - ( سُورَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ [68 و 69 و 70] فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها 77 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ البَرَكَةُ: النَّماءُ، والزِّيادَةُ حِسِّيَّةً كانَتْ أوْ مَعْنَوِيَّةً، وكَثْرَةُ الخَيْرِ ودَوامُهُ أيْضًا. ونِسْبَتُها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنْـزِيلُ القرآن الكَرِيمِ المُعْجِزِ النّاطِقِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وسُمُوِّ صِفاتِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى أساسِ الحِكَمِ والمَصالِحِ وخُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ الخَلَلِ بِالكُلِّيَّةِ، وصِيغَةُ التَّفاعُلِ لِلْمُبالَغَةِ فِيما ذُكِرَ، فَإنَّ ما لا يُتَصَوَّرُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً مِنَ الصِّيَغِ كالتَّكَبُّرِ ونَحْوِهِ لا تُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى إلّا بِاعْتِبارِ غايَتِها. وعَلى المَعْنى الثّانِي بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ ما يَفِيضُ مِنهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ لا سِيَّما عَلى الإنْسانِ مِن فُنُونِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنْزِيلُ القرآن المُنْطَوَيِ عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والصِّيغَةُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِإفادَةِ نَماءِ تِلْكَ الخَيْراتِ وتَزايُدِها شَيْئًا فَشَيْئًا وآنًا فَآنًا بِحَسَبِ حُدُوثِها أوْ حُدُوثِ مُتَعَلَّقاتِها ولِاسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الكَمالِ وتَحَقُّقِها بِالفِعْلِ والإشْعارِ بِالتَّعَجُّبِ المُناسِبِ لِلْإنْشاءِ والإنْباءِ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُها في حَقِّ غَيْرِهِ تَعالى ولا اسْتِعْمالُ غَيْرِها مِنَ الصِّيَغِ في حَقِّهِ تَعالى. والفُرْقانُ: مَصْدَرُ فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، أيْ: فَصَلَ بَيْنَهُما، سُمِّيَ بِهِ القرآن لِغايَةِ فَرْقِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِأحْكامِهِ، أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْجازِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ في نَفْسِهِ أوْ في إنْزالِهِ. ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإيرادُهُ ﷺ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَشْرِيفِهِ، والإيذانِ بِكَوْنِهِ ﷺ في أقْصى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ رَدًّا عَلى النَّصارى. ﴿لِيَكُونَ﴾ غايَةَ التَّنْـزِيلِ، أيْ: نَزَّلَهُ عَلَيْهِ لَيَكُونَ هو ﷺ، أوِ الفُرْقانُ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ ﴿نَذِيرًا﴾ أيْ: مُنْذِرًا، أوْ إنْذارًا مُبالَغَةً، أوْ لَيَكُونَ تَنْـزِيلُهُ إنْذارًا أوْ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِلتَّبْشِيرِ لِانْسِياقِ الكَلامِ عَلى أحْوالِ الكَفَرَةِ. وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى عامِلِها لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وإبْرازُ تَنْزِيلٍ لِفُرْقانٍ في مَعْرِضِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقَّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ السّامِعِ مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ لَهُ لِإجْرائِهِ مُجْرى المَعْلُومِ المُسَلَّمِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ قُوَّةِ دَلائِلِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْهَلُهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .

الفرقان 25:2

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، (p-201)لِلسُّلْطانِ القاهِرِ والِاسْتِيلاءِ الباهِرِ عَلَيْهِما المُسْتَلْزَمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما وفِيما فِيهِما، إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وأمْرًا ونَهْيًا حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وما بَيْنَهُما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ مِن تَمامِ صِلَتِهِ ومَعْلُومِيَّةِ مَضْمُونِهِ لِلْكَفَرَةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ...﴾ ونَظائِرِهِ، أوْ مَدْحٌ لَهُ تَعالى بِالرَّفْعِ أوْ بِالنَّصْرِ. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ كَما يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ في حَقِّ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ ما يَقُولُونَ فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ ونَظْمُهُ في سِلْكَ الصِّلَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مِنَ الوُضُوحِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْهَلُهُ جاهِلٌ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ أيْ: مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْضِ، وهو أيْضًا عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ مُلْكِهِما بِهِ تَعالى مُسْتَلْزِمٌ لَهُ قَطْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ زَعْمِ الثَّنْوِيَّةِ القائِلِينَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ والدَّرْءِ في نُحُورِهِمْ، وتَوْسِيطُ نَفْيِ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ وأصالَتِهِ والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ تَتِمَّةً لِلْأوَّلِ. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أحْدَثَ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنَ المَوْجُوداتِ إحْداثًا جارِيًا عَلى سَنَنِ التَّقْدِيرِ حَسَبَما اقْتَضَتْهُ إرادَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِأنْ خَلَقَ كُلًّا مِنها مِن مَوادَّ مَخْصُوصَةٍ عَلى صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ ورَتَّبَ فِيهِ قُوى وخَواصَّ مُخْتَلِفَةَ الآثارِ والأحْكامِ. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ: هَيَّأهُ لِما أرادَ بِهِ مِنَ الخَصائِصِ والأفْعالِ اللّائِقَةِ بِهِ. ﴿تَقْدِيرًا﴾ بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ، كَتَهْيِئَةِ الإنْسانِ لِلْفَهْمِ والإدْراكِ والنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في أُمُورِ المَعاشِ والمَعادِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُتَنَوِّعَةِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ وهَكَذا أحْوالُ سائِرِ الأنْواعِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالخَلْقِ مُطْلَقُ الإيجادِ والإحْداثِ مَجازًا مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ مَعْنى التَّقْدِيرِ وإنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ في نَفْسِ الأمْرِ، فالمَعْنى أوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في ذَلِكَ الإيجادِ تَقْدِيرًا،وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ أنَّهُ سَمّى إحْداثَهُ تَعالى خَلْقًا لِأنَّهُ تَعالى لا يُحْدِثُ شَيْئًا إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ فَفِيهِ أنَّ ارْتِكابَ المَجازِ بِحَمْلِ الخَلْقِ عَلى مُطْلَقِ الإحْداثِ لِتَجْرِيدِهِ عَنْ مَعْنى التَّقْدِيرِ فاعْتِبارُهُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّقْدِيرِ الثّانِي: هو التَّقْدِيرُ لِلْبَقاءِ إلى الأجَلِ المُسَمّى، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ مَثَّلَها في سِلْكَ الصِّلَةِ، فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ البَدِيعِ كَما يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ تَعالى بِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِظامَ كُلِّ ما سِواهُ كائِنًا ما كانَ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ القاهِرَةِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَطْعًا وما كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ ولَدًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ شَرِيكًا في مُلْكِهِ.

الفرقان 25:3

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ بَعْدَما بَيَّنَ حَقِيقَةَ الحَقِّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ تَنَـزُّلِهِ تَعالى لِلْفُرْقانِ العَظِيمِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ ووَصْفِهِ تَعالى بِصِفاتِ الكَمالِ وتَنْـزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ أباطِيلِ المُشْرِكِينَ في حَقٍ المُنَـزِّلِ سُبْحانَهُ والمُنْـزَلِ والمُنْزَلِ عَلَيْهِ عَلى التَّرْتِيبِ، وإظْهارُ بُطْلانِها (p-202)والإضْمارُ مِن غَيْرِ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ لِلثِّقَةِ بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الشَّرِيكِ عَلَيْهِمْ، أيِ: اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي ذِكْرُ بَعْضِ شُئُونِهِ الجَلِيلَةِ مِنِ اخْتِصاصِ مُلْكِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِهِ تَعالى وانْتِفاءِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ عَنْهُ وخَلْقِ جَمِيعِ الأشْياءِ، وتَقْدِيرِها: أبْدَعَ تَقْدِيرٍ آلِهَةً. . ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ كَسائِرِ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَخْتَلِقُوا شَيْئًا وهم يَخْتَلِقُونَ حَيْثُ تَخْتَلِقُهم عَبَدَتُهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لِبَيانِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن مَراتِبِ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ فَإنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ العاجِزِينَ عَنِ الخَلْقِ رُبَّما يَمْلِكُ دَفْعَ الضَّرِّ وجَلْبَ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ كالحَيَوانِ، وهَؤُلاءِ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في ضُرٍّ ما لَيَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا في نَفْعٍ ما حَتّى يَجْلِبُوهُ إلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنهُما لِغَيْرِهِمْ. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الضُّرِّ لِأنَّ دَفْعَهُ مَعَ كَوْنِهِ أهَمَّ في نَفْسِهِ أوَّلُ مَراتِبِ النَّفْعِ وأقْدَمِها. والتَّنْصِيصُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في شَيْءٍ مِنها بِإماتَةِ الأحْياءِ وإحْياءِ المَوْتى وبَعْثِهِمْ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَمّا هو أهْوَنُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مِن دَفْعِ الضُّرِّ وجَلْبِ النَّفْعِ لِلتَّصْرِيحِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وفِيهِ إيذانٌ بِغايَةِ جَهْلِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ كَأنَّهم غَيْرُ عارِفِينَ بِانْتِفاءِ ما نُفِيَ عَنْ آلِهَتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مُفْتَقِرُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ.

الفرقان 25:4

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ أباطِلِيهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُنَـزَّلِ والمُنَـزَّلِ عَلَيْهِ مَعًا، وإبْطالُها والمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَنْ غُلاتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وهُمُ: النَّضِرُ بْنُ الحَرْثِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّيَّةَ، ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، ومَن ضامَّهم. ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّ القائِلَ هو مُضَرُ بْنُ الحَرْثِ والجُمَعُ لِمُشايَعَةِ الباقِينَ لَهُ في ذَلِكَ، وأمّا عَنْ كُلِّهِمْ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإيذانِ بِأنَّ ما تَفَوَّهُوا بِهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، في كَلِمَةِ "هَذا" حَطٌّ لِرُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ، أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ. ﴿افْتَراهُ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهُ اخْتَلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى اخْتِلاقِهِ ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنُونَ اليَهُودَ بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِ أخْبارَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ وهو يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ: هُما جَبْرٌ ويَسارٌ كانا يَصْنَعانِ السَّيْفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وقِيلَ: هو عابِسٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ. ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا﴾ مَنصُوبٌ بِجاءُوا فَإنَّ جاءُوا أتى يُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى فِعْلٍ فَيُعَدَّيانِ تَعْدِيَتَهُ، أوْ بِنَـزْعِ الخافِضِ، أيْ: بِظُلْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: جاءُوا بِما قالُوا ظُلْمًا هائِلًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ البَحْتَ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ إفْكًا مُفْتَرًى مِن قِبَلِ البَشَرِ، وهو مِن جِهَةِ نَظْمِهِ الرّائِقِ وطَرْزِهِ الفائِقِ بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى مُباراتِهِ لَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ آيَةٍ من آياته، ومِن جِهَةِ اشْتِمالِهِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ والأحْكامِ المُسْتَتْبَعَةِ للسَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَنالُهُ عُقُولُ البَشَرِ ولا يَفِي بِفَهْمِهِ القُوى والقُدْرَ. (p-203)﴿وَزُورًا﴾ أيْ: كَذِبًا كَبِيرًا لا يَبْلُغُ غايَتَهُ حَيْثُ نَسَبُوا إلَيْهِ ﷺ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها لَكِنْ لا عَلى أنَّهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ حَقِيقَةً يَقَعُ أحَدُهُما عَقِيبَ الآخَرِ أوْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ، بَلْ عَلى أنَّ الثّانِي هو عَيْنُ الأوَّلِ حَقِيقَةً، وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، و"قَدْ" لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى، فَإنَّ ما جاءُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ هو عَيْنُ ما حُكِيَ عَنْهم لَكِنَّهُ لِما كانَ مُغايِرًا لَهُ في المَفْهُومِ وأظْهَرَ مِنهُ بُطْلانًا رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ.

الفرقان 25:5

﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ما جَعَلُوا الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ إفْكًا مُخْتَلَقًا بِإعانَةِ البَشَرِ بَيَّنُوا عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ كَيْفِيَّةَ الإعانَةِ والأساطِيرُ جَمْعُ أساطِرِ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ وهي ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ الخُرافاتِ ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ كَتَبَها لِنَفْسِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوِ اسْتَكْتَبَها، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ ﷺ أُمِّيٌّ، وأصْلُهُ اكْتَتَبَها لَهُ كاتِبٌ فَحَذَفَ اللّامَ وأُفْضِيَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ اكْتَتَبَها إيّاهُ كاتِبٌ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِخُصُوصِهِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ فاسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقِي عَلَيْهِ تِلْكَ الأساطِيرُ بَعْدَ اكْتِتابِها لَيَحْفَظَها مِن أفْواهِ مَن يُمْلِيها عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ المُكْتَتِبِ لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَتَلَقّاها مِنهُ بِالقِراءَةِ، أوْ تُمْلى عَلى الكاتِبِ عَلى أنَّ مَعْنى اكْتَتَبَها: أرادَ اكْتِتابَها أوِ اسْتِكْتابَها، ورَجْعُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إلَيْهِ ﷺ لِإسْنادِ الكِتابَةِ في ضِمْنِ الِاكْتِتابِ إلَيْهِ ﷺ . ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: دائِمًا أوْ خُفْيَةً قَبْلَ انْتِشارِ النّاسِ وحِينَ يَأْوُونَ إلى مَساكِنِهِمْ. انْظُرْ إلى هَذِهِ الرُّتْبَةِ مِنَ الجَراءَةِ العَظِيمَةِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.

الفرقان 25:6

﴿قُلْ﴾ لَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وصَفَهُ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ لِلْإيذانِ بِانْطِواءِ ما أنْزَلَهُ عَلى أسْرارٍ مَطْوِيَّةٍ عَنْ عُقُولِ البَشَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِمُجازاتِهِمْ بِجِناياتِهِمُ المَحْكِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُفْتَرى ويُفْتَعَلُ بِإعانَةِ قَوْمٍ وكِتابَةِ آخَرِينَ مِنَ الأحادِيثِ المُلَفَّقَةِ وأساطِيرِ الأوَّلِينَ، بَلْ هو أمْرٌ سَماوِيٌّ أنْزَلَهُ اللَّهُ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وأوْدَعَ فِيهِ فُنُونَ الحِكَمِ والأسْرارِ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ لا يَحُومُ حَوْلَهُ الأفْهامُ حَيْثُ أعْجَزَكم قاطِبَةً بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وأخْبَرَكم بِمُغَيَّباتٍ مُسْتَقْبِلَةٍ وأُمُورٍ مَكْنُونَةٍ لا يُهْتَدى إلَيْها ولا يُوقَفُ عَلَيْها إلّا بِتَوْفِيقِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، وقَدْ جَعَلْتُمُوهُ إفْكًا مُفْتَرًى مِن قَبِيلِ الأساطِيرِ واسْتَوْجَبْتُمْ بِذَلِكَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْكم سَوْطُ العَذابِ صَبًّا. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلُ ما هو المُشاهِدُ مِن تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، أيْ: أنَّهُ تَعالى أزَلًا وأبَدًا مُسْتَمِرٌّ عَلى المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ المُسْتَتْبِعِينَ لِلتَّأْخِيرِ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَتِكم عَلى ما تَقُولُونَ في حَقِّهِ مَعَ كَمالِ اسْتِيجابِهِ إيّاها وغايَةِ قدرته تعالى عَلَيْها.

الفرقان 25:7

﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ (p-204)جِنايَتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِخُصُوصِيَّةِ المُنَـزَّلِ عَلَيْهِ، و"ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى: إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ مَرْفُوعَةٌ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُها ما بَعْدَها مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، وفي هَذا تَصْغِيرٌ لِشَأْنِهِ ﷺ، وتَسْمِيَتُهُ ﷺ رَسُولًا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ ﷺ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ حالٌ مِنَ الرَّسُولِ، والعامِلُ فِيها ما عَمِلَ في الجارِّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ وأيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لِهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ حالَ كَوْنِهِ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما نَأْكُلُ ﴿وَيَمْشِي في الأسْواقِ﴾ لِابْتِغاءِ الأرْزاقِ كَما نَفْعَلُهُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبَّبِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ فَكَما أنَّ كُلًّا مِن عَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الرَّجاءِ أمْرٌ مُحَقِّقٌ قَدْ أنْكَرَ واسْتَبْعَدَ تَحَقُّقَهُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ بَلْ لِوُجُودِ سَبَبِ نَقِيضِهِ، كَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الأكْلِ والمَشْيِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ قَدِ اسْتُبْعِدَ تَحَقُّقُهُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ بَلْ لِوُجُودِ سَبَبِ عَدَمِهِ خَلا أنَّ اسْتِبْعادَ المُسَبَّبِ وإنْكارَ السَّبَبِ ونَفْيَهُ في عَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الرَّجاءِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، وفي الأكْلِ والمَشْيِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ فَإنَّهم لا يَسْتَبْعِدُونَهُما ولا يُنْكِرُونَ سَبَبَهُما حَقِيقَةً بَلْ هم مُعْتَرِفُونَ بِوُجُودِهِما وتَحَقُّقِ سَبَبِهِما، وإنَّما الَّذِي يَسْتَبْعِدُونَهُ الرِّسالَةَ المُنافِيَةَ لَهُما عَلى زَعْمِهِمْ يَعْنُونَ أنَّهُ إنْ صَحَّ ما يَدَّعِيهِ فَما بالُهُ لَمْ يُخالِفْ حالُهُ حالَنا، وهَلْ هو إلّا لِعَمَهِهِمْ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ أنْظارِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ فَإنَّ تَمَيُّزَ الرُّسُلِ عَمَّنْ عَداهم لَيْسَ بِأُمُورٍ جُسْمانِيَّةٍ وإنَّما هو بِأُمُورٍ نَفْسانِيَّةٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: عَلى صُورَتِهِ وهَيْئَتِهِ ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ تَنَـزُّلٌ مِنهم مَنِ اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ إلى اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مَلَكٌ يُصَدِّقُهُ ويَكُونُ رِدْءًا لَهُ في الإنْذارِ وهو يُعَبِّرُ عَنْهُ ويُفَسِّرُ ما يَقُولُهُ لِلْعامَّةِ.

الفرقان 25:8

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ تَنَـزَّلَ مِن تِلْكَ المَرْتَبَةِ إلى اقْتِراحِ أنْ يُلْقى إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ كَنْزٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى طَلَبِ المَعاشِ ويَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ تَنَـزُّلٌ مِن ذَلِكَ إلى اقْتِراحِ ما هو أيْسَرُ مِنهُ وأقْرَبُ مِنَ الوُقُوعِ، وقُرِئَ: "نَأْكُلُ" بِنُونِ الحِكايَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ مُكابَرَةٍ وفَرْطِ تَحَكُّمٍ. ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ﴾ هُمُ القائِلُونَ الأوَّلُونَ، وإنَّما وضَعُ المُظْهَرِ وضْعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وتَجاوُزِ الحَدِّ فِيما قالُوهُ لِكَوْنِهِ إضْلالًا خارِجًا عَنْ حَدِّ الضَّلالِ مَعَ ما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ ﷺ إلى المَسْحُورِيَّةِ، أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ قَدْ سُحِرَ فَغُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقِيلَ: ذا سِحْرٍ، وهي الرَّئَّةُ، أيْ: بَشَرًا لا مَلَكًا عَلى أنَّ الوَصْفَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ.

الفرقان 25:9

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ اسْتِعْظامٌ لِلْأباطِيلِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِها وتَعْجِيبٌ مِنها، أيِ: انْظُرْ كَيْفَ قالُوا في حَقِّكَ تِلْكَ الأقاوِيلَ العَجِيبَةَ الخارِجَةَ عَنِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِغَرابَتِها مَجْرى الأمْثالِ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالِ الشّاذَّةَ البَعِيدَةِ مِنَ الوُقُوعِ. ﴿فَضَلُّوا﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ المَحاجَّةِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ يُمْكِنُ صُدُورُهُ (p-205)عَمَّنْ لَهُ أدْنى عَقْلٍ وتَمْيِيزِ فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ إلى القَدْحِ في نُبُوَّتِكَ بِأنْ يَجِدُوا قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ باطِلًا في نَفْسِهِ، أوْ فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ضَلالًا مُبِينًا فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إلَيْهِ فَإنَّ مَنِ اعْتادَ اسْتِعْمالَ أمْثالِ هَذِهِ الأباطِيلِ لا يَكادُ يَهْتَدِي إلى اسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ.

الفرقان 25:10

﴿تَبارَكَ الَّذِي﴾ أيْ: تَكاثَرَ وتَزايَدَ خَيْرُ الِّذِي ﴿إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ في الدُّنْيا عاجِلًا شَيْئًا ﴿خَيْرًا﴾ لَكَ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ تَأْكُلُ مِنها بِأنْ يُعَجِّلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَدَلٌ مِن "خَيْرًا" ومُحَقِّقٌ لِخَيْرِيَّتِهِ مِمّا قالُوا لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ التَّعَدُّدِ وجَرَيانِ الأنْهارِ. ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ الَّذِي هو جَعْلٌ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ ماضِيًا جازَ في جَزائِهِ الرَّفْعُ والجَزْمُ كَما في قَوْلِ القائِلِ: ؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بِوَعْدِ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ بِالواوِ وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ جَعْلِها بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِجَوابِ الِاقْتِراحَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خُرُوجِهِما عَنْ دائِرَةِ العَقْلِ واسْتِغْنائِهِما عَنِ الجَوابِ لِظُهُورِ بُطْلانِهِما ومُنافاتِهِما لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وإنَّما الَّذِي لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ هو الِاقْتِراحُ الأخِيرُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُوتُوا في الدُّنْيا مَعَ النُّبُوَّةِ مُلْكًا عَظِيمًا.

الفرقان 25:11

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِحِكايَةِ جِناياتِهِمُ السّابِقَةِ، وانْتِقالٌ مِنهُ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِحِكايَةِ جِناياتِهِمُ الأُخْرى لِلتَّخَلُّصِ إلى بَيانِ ما لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِها مِن فُنُونِ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ إلَخِ أيْ: أعْتَدْنا لَهم نارًا عَظِيمَةً شَدِيدَةَ الِاشْتِعالِ شَأْنُها كَيْتَ وكَيْتَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِها عَلى ما يَشْعُرُ بِهِ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مَن كَذَّبَ بِها كائِنًا مَن كانَ وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيّا. ووَضَعَ السّاعَةَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ ومَدارُ إعْنادِ السَّعِيرِ لَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَكْذِيبِهِمْ بِالسّاعَةِ بَلْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِسائِرِ ما جاءَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الشَّرِيفَةُ، لَكِنَّ السّاعَةَ لَمّا كانَتْ هي العِلَّةَ القَرِيبَةَ لِدُخُولِهِمُ السَّعِيرَ أُشِيرَ إلى سَبَبِيَّةِ تَكْذِيبِها لِدُخُولِها، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ﴿وَقالُوامالِ هَذا﴾ .." إلَخِ عَلى مَعْنى: بَلْ أتَوْا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأنْكَرُوها، والحالُ أنّا قَدِ اعْتَدْنا لِكُلِّ مَن كَذَّبَ بِها سَعِيرًا، فَإنَّ جَراءَتَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِها وعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِمّا أُعِدَّ لِمَن كَذَّبَ بِها مِن أنْواعِ العَذابِ أعْجَبُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الجَوابِ المَبْنِيِّ عَلى التَّحْقِيقِ المُنْبِئِ عَنِ الوَعْدِ بِالجَنّاتِ في الآخِرَةِ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا ولا يُحَلّى بِطائِلٍ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ: ؎ عُوجُوا لِنُعْمَ فَحَيُّوا دِمْنَةَ الدّارِ ∗∗∗ ماذا تُحَيُّونَ مِن نُؤْيٍ وأحْجارِ والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ فَكَيْفَ يَقْتَنِعُونَ بِهَذا الجَوابِ وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ (p-206)مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ كَذَّبُوا بِها فَقَصُرَتْ أنْظارُهم عَلى الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وظَنُّوا أنَّ الكَرامَةَ لَيْسَتْ إلّا بِالمالِ وجَعَلُوا فَقْرَكَ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِكَ.

الفرقان 25:12

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهُمْ﴾ إلَخِ صِفَةٌ لِلسَّعِيرِ، أيْ: إذا كانَتْ مِنهم بِمَرْأى النّاظِرِ في البُعْدِ كَقَوْلِهِ ﷺ: ﴿لا تَتَراءى نارُهُما﴾ أيْ: لا تَتَقارَبانِ بِحَيْثُ تَكُونُ إحْداهُما بِمَرْأى مِنَ الأُخْرى عَلى المَجازِ كَأنَّ بَعْضَها يَرى البَعْضَ، ونِسْبَةُ الرُّؤْيَةِ إلَيْها لا إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ مِنها لِهَجَيانِ غَضَبِها عَلَيْهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِها إيّاهم حَقِيقَةً أوْ تَمْثِيلًا. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ المَسافَةِ حِينَ رَأتْهم خارِجٌ عَنْ حُدُودِ البُعْدِ المُعْتادِ في المَسافاتِ المَعْهُودَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِأمْرِها. قالَ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ: مِن مَسِيرَةِ عامٍ، وقِيلَ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ أيْ: صَوْتُ تَغَيُّظٍ عَلى تَشْبِيهِ صَوْتِ غَلَيانِها بِصَوْتِ المُغْتاظِ وزَفِيرِهِ وهو صَوْتٌ يُسْمَعُ مِن جَوْفِهِ. هَذا وإنَّ الحَياةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً عِنْدَنا بِالبِنْيَةِ أمْكَنَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها حَياةً فَتُرى وتَتَغَيَّظُ وتَزْفِرُ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِزَبانِيَتِها فَنُسِبَ إلَيْها عَلى حَذْفِ المُضافِ.

الفرقان 25:13

﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، و"مِنها" حالٌ مِنهُ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ. ﴿ضَيِّقًا﴾ صِفَةٌ لِمَكانًا مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ شِدَّةٍ، فَإنَّ الكَرْبَ مَعَ الضِّيقِ كَما أنَّ الرَّوْحَ مَعَ السَّعَةِ وهو السِّرُّ في وصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّمَواتُ والأرْضُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: تَضِيقُ جَهَنَّمُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَّجُّ عَلى الرُّمْحِ. وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتِدُ في الحائِطِ﴾ . قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهَبُ والأعْلَوْنَ يَحُطُّهُمُ الدّاخِلُونَ فَيَزْدَحِمُونَ فِيها. وقُرِئَ: "ضَيْقًا" بِسُكُونِ الياءِ. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "أُلْقُوا" أيْ: إذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا حالَ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ قَدْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالجَوامِعِ، وقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّياطِينِ في السَّلاسِلِ، كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. ﴿دَعَوْا هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ الهائِلِ والحالَةِ الفَظِيعَةِ ﴿ثُبُورًا﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْنَ هَلاكًا ويُنادُونَهُ يا ثَبُوراهُ تَعالَ فَهَذا حِينُكَ وأوانُكَ.

الفرقان 25:14

﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "دَعَوا"، أيْ: دَعَوْهُ مَقُولًا لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً بِأنْ يُخاطِبَهُمُ المَلائِكَةُ بِهِ لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ما يَدْعُونَهُ ولا يَنالُونَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي، أوْ تَمْثِيلًا وتَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ ولا خِطابٌ، أيْ: دَعَوْهُ حالَ كَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإمّا مُسْتَأْنَفٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ دُعائِهِمُ المَذْكُورِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ إقْناطًا مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِنَ الهَلاكِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَذابَهُمُ المُلْجِئَ لَهم إلى اسْتِدْعاءِ الهَلاكِ بِالمَرَّةِ أبَدِيٌّ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ، أيْ: (p-207)لا تَقْتَصِرُوا عَلى دُعاءٍ ثُبُورٍ واحِدٍ. ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أيْ: بِحَسَبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لا بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ ثُبُورٌ واحِدٌ في حَدِّ ذاتِهِ لَكِنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ مِن تِلْكَ الأدْعِيَةِ الكَثِيرَةِ صارَ كَأنَّهُ ثُبُورٌ مُغايِرٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ آخَرُ مِنها، وتَحْقِيقُهُ لا تَدْعُوهُ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِغايَةِ شِدَّتِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِتَكْرِيرِ الدُّعاءِ في كُلِّ آنٍ، وهَذا أدَلُّ عَلى فَظاعَةِ العَذابِ وهَوْلِهِ مِن جَعْلِ تُعَدِّدِ الدُّعاءِ وتَجَدُّدِهِ لِتَعَدُّدِ العَذابِ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ وألْوانِهِ، أوْ لِتَعَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ الجُلُودِ كَما لا يَخْفى. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم فِيهِ واحِدًا إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ فَلا يُلائِمُ المَقامَ كَيْفَ لا وهم إنَّما يَدْعُونَ هَلاكًا يُنْهِي عَذابَهم ويُنْجِيهِمْ مِنهُ، فَلابُدَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ إقْناطًا لَهم مِن ذَلِكَ بِبَيانِ اسْتِحالَتِهِ ودَوامِ ما يُوجِبُ اسْتِدْعاءَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ والأمْرِ بِاليَوْمِ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ المَعْهُودَةِ.

الفرقان 25:15

﴿قُلْ﴾ تَقْرِيعًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ وتَحْسِيرًا عَلى ما فاتَهم ﴿أذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِها بِما فَصُلَ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِها في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، أيْ: قُلْ لَهم أذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ الَّتِي أعْتَدْتُ لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ وشَأْنُها كَيْتَ وكَيْتَ وشَأْنُ أهْلِها ذَيْتَ وذَيْتَ. ﴿خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ: وُعِدَها المُتَّقُونَ، وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى الخُلْدِ لِلْمَدْحِ، وقِيلَ: لِلتَّمْيِيزِ عَنْ جَنّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ: بِالمُتَّقِينَ المُتَّصِفُونَ بِمُطْلَقِ التَّقْوى لا بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ولا الثّالِثَةِ مِنها فَقَطْ. ﴿كانَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴿لَهُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ لِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ فَحُكِيَ تَحَقُّقُهُ ووُقُوعُهُ ﴿جَزاءً﴾ عَلى أعْمالِهِمْ حَسَبَما مَرَّ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ ﴿وَمَصِيرًا﴾ يَنْقَلِبُونَ إلَيْهِ.

الفرقان 25:16

﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ أيْ: ما يَشاءُونَهُ مِن فُنُونِ المَلاذِ والمُشْتَهِياتِ وأنْواعِ النَّعِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ ولَعَلَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم يَقْتَنِعُ بِما أُتِيحَ لَهُ مِن دَرَجاتِ النَّعِيمِ ولا تَمْتَدُّ أعْناقُ هِمَمِهِمْ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ فَلا يَلْزَمُ الحِرْمانَ ولا تَساوِي مَراتِبَ أهْلِ الجِنانِ. ﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ "يَشاءُونَ" . ﴿كانَ﴾ أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وقِيلَ: الوَعْدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ . ﴿عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَوْعُودًا حَقِيقِيّا بِأنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوْ مَسْؤُولًا يَسْألُهُ النّاسُ في دُعائِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أوِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وما في "عَلى" مِن مَعْنى الوُجُوبِ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِنهُ الإلْجاءُ إلى الإنْجازِ. فَإنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالمَوْعُودِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الوَعْدِ المُوجِبِ لِلْإنْجازِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ ﷺ هو الفائِزُ آثَرَ ذِي أثِيرٍ بِمَغانِمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى.

الفرقان 25:17

(p-208)﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قُلْ أذَلِكَ﴾ ..." إلَخِ، أيْ: واذْكُرْ لَهم بَعْدَ التَّقْرِيعِ والتَّحْسِيرِ يَوْمَ يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ الهائِلَةِ قَدْ مَرَّ وجُهُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ للتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما فِيهِ والإيذانِ بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ بَيانِهِ، أيْ: يَوْمَ يَحْشُرُهم يَكُونُ مِنَ الأحْوالُ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ المَقالُ. وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ وبِكَسْرِ الشِّينِ أيْضًا. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِهِ ما يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم إمّا لِأنَّ كَلِمَةَ "ما" مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ تَقُولُ: ما هو أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ لا الذّاتُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَعْبُودِيُّهم أوْ لِتَغْلِيبِ الأصْنامِ عَلى غَيْرِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مِثْلُها في السُّقُوطِ عَنْ رُتْبَةِ المَعْبُودِيَّةِ، أوِ اعْتِبارًا لِغَلَبَةِ عَبَدَتِها أوْ أُرِيدَ بِهِ المَلائِكَةُوالمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِقَرِينَةِ السُّؤالِ والجَوابِ، أوِ الأصْنامُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى، أوْ تُكَلَّمُ بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ في شَهادَةِ الأيْدِي والأرْجُلِ. ﴿فَيَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَعْبُودِينَ إثْرَ حَشْرِ الكُلِّ تَقْرِيعًا لِلْعَبَدَةِ وتَبْكِيتًا لَهم، وقُرِئَ بِالنُّونِ كَما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ هَذا بِالياءِ والأوَّلُ بِالنُّونِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ. ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ بِأنْ دَعَوْتُمُوهم إلى عِبادَتِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . ﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: عَنِ السَّبِيلِ بِأنْفُسِهِمْ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ فَحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ والأصْلُ: إلى السَّبِيلِ أوِ لِلسَّبِيلِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالسُّؤالِ هو المُتَصَدِّي لِلْفِعْلِ لا نَفْسُهُ.

الفرقان 25:18

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في الجَوابِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَعَجُّبًا مِمّا قِيلَ لَهم لِأنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ مَعْصُومُونَ وجَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ، أوْ إشْعارًا بِأنَّهُمُ المَوْسُومُونَ بِتَسْبِيحِهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم إضْلالُ عِبادِهِ، أوْ تَنْـزِيهًا لَهُ تَعالى عَنِ الأنْدادِ. ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَنا ﴿أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ إيّاكَ ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ نَعْبُدُهم لِما بِنا مِنَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لَهُ، فَأنّى يُتَصَوَّرُ أنْ نَحْمِلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَكَ فَضْلًا أنْ يَتَّخِذَنا ولِيًّا أوْ أنْ نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ، أيْ: أتْباعًا، فَإنَّ الوَلِيَّ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كالمَوْلى يُطْلَقُ عَلى الأعْلى والأسْفَلِ، ومِنهُ: أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، أيْ: أتْباعُهُ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ ومَفْعُولُهُ الثّانِيَ ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ عَلى أنَّ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: أنْ نَتَّخِذَ بَعْضَ أوْلِياءَ، وهي عَلى الأوَّلِ مَزِيدَةٌ. وتَنْكِيرُ "أوْلِياءَ" مِن حَيْثُ إنَّهم أوْلِياءُ مَخْصُوصُونَ (p-209)وَهُمُ الجِنُّ والأصْنامُ. ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ﴾ اسْتِدْارَكٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بَعْدَ بَيانِ تَنَـزُّهِهِمْ عَنْ إضْلالِهِمْ، وقَدْ نُعِيَ عَلَيْهِمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ أسْبابًا لِلضَّلالَةِ، أيْ: ما أضْلَلْناهم ولَكِنَّكَ مَتَّعْتَهم وآباءَهم بِأنْواعِ النِّعَمِ لَيَعْرِفُوا حَقَّها ويَشْكُرُوها فاسْتَغْرَقُوا في الشَّهَواتِ وانْهَمَكُوا فِيها ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ أوْ عَنِ التَّذَكُّرِ في آلائِكَ والتَّدَبُّرِ في آياتِكَ، فَجَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الغِوايَةِ. ﴿وَكانُوا﴾ أيْ: في قَضائِكَ المَبْنِيِّ عَلى عِلْمِكَ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِما سَيَصْدُرُ عَنْهم فِيما لا يَزالُ بِاخْتِيارِهِمْ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ: هالِكِينَ، عَلى أنَّ "بُورًا" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ أوْ جَمْعُ بائِرٍ كَعُوَّذٍ في جَمْعِ عائِذٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

الفرقان 25:19

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حِكايَةٌ لِاحْتِجاجِهِ تَعالى عَلى العَبَدَةِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، وصَرْفِهِ عَنِ المَعْبُودِينَ عِنْدَ تَمامِ جَوابِهِمْ وتَوْجِيهِهِ إلى العَبَدَةِ مُبالَغَةٌ في تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى الجَوابِ، أيْ: فَقالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبُوكُمُ المَعْبُودُونَ أيُّها الكَفَرَةُ ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ، وقِيلَ: في قَوْلِكم: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ويَأْباهُ أنَّ تَكْذِيبَهم في هَذا القَوْلِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعَدَهُ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لِلصَّرْفِ والنَّصْرِ أصْلًا، وإنَّما الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ تَكْذِيبُهم في زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَتُهم وناصِرُوهم، وأيّا ما كانَ فالباءُ بِمَعْنى "فِي"، أوْ هي صِلَةٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وقُرِئَ بِالياءِ، أيْ: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: "سُبْحانَكَ ..." الآيَةَ. ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: ما تَمْلِكُونَ ﴿صَرْفًا﴾ أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوَجْهِ كَما يُعْرَفُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ، أيْ: لا بِالذّاتِ ولا بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: حِيلَةً مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ في أُمُورِهِ، أيْ يَحْتالُ فَهَيّا، وقِيلَ: تَوْبَةً. ﴿وَلا نَصْرًا﴾ أيْ: فَرْدًا مِن أفْرادِ النَّصْرِ لا مِن جِهَةِ أنْفُسِكم ولا مِن جِهَةِ غَيْرِكم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّكْذِيبِ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْلاهُ لَوُجِدَتِ الِاسْتِطاعَةُ حَقِيقَةً بَلْ في زَعْمِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ ويَنْصُرُونَهم، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ. وقُرِئَ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم أنْ يَصْرِفُوا عَنْكُمُ العَذابَ أوْ يَحْتالُوا لَكم ولا يَنْصُرُوكم وتَرَتَّبَ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى ما قَبْلَها كَما مَرَّ بَيانُهُ. ﴿وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ حَيْثُ رَكِبُوا مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ وتَجاوَزُوا في اللَّجاجِ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ ﴿نُذِقْهُ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابًا كَبِيرًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو عَذابُ النّارِ. وقُرِئَ: "يُذِقْهُ" عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: لِمَصْدَرِ الفِعْلِ الواقِعِ شَرْطًا وتَعْمِيمُ الظُّلْمِ لا يَسْتَلْزِمُ اشْتِراكَ الفاسِقِ لِلْكافِرِ في إذاقَةِ العَذابِ الكَبِيرِ فَإنَّ الشَّرْطَ في اقْتِضاءِ الجَزاءِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ المُزاحِمِ وِفاقًا وهو التَّوْبَةُ والإحْباطُ بِالطّاعَةِ إجْماعًا وبِالعَفْوِ عِنْدَنا.

الفرقان 25:20

(p-210)﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ "إلّا" صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ هي مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ والمَعْنى: ما أرْسَلَنا أحَدًا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وقِيلَ: هي حالٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونِ .. إلَخِ. وقُرِئَ: "يَمْشُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم، أوِ النّاسُ. ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَعْمِيمِهِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ: كَفّارُ الأُمَمِ، فَإنَّ اخْتِصاصَهم بِالرُّسُلِ وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهم مُصَحِّحٌ لِأنْ يُعَدُّوا بَعْضًا مِنهم، وبِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِبَعْضٍ﴾ رُسُلِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى جَعَلْنا مَجْمُوعَ البَعْضِ الأوَّلِ ﴿فِتْنَةً﴾ أيِ: ابْتِلاءً ومِحْنَةً لِمَجْمُوعِ البَعْضِ الثّانِي، ولا عَلى مَعْنى جَعَلْنا بَعْضًا مُبْهَمًا مِنَ الأوَّلِينَ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُبْهَمٍ مِنَ الآخَرِينَ ضَرُورَةَ أنَّ مَجْمُوعَ الرُّسُلِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ غَيْرُ مَفْتُونٍ بِجُمُوعِ الأُمَمِ، ولا كُلُّ فَرْدٍ مِنهم بِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأُمَمِ، ولا بَعْضٌ مُبْهَمٌ مِنَ الأوَّلِينَ بِبَعْضٍ مِنهم مَنِ الآخَرِينَ عَلى بَلْ مَعْنى: جَعَلْنا كُلَّ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأُمَمِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الرُّسُلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا كُلَّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ فِتْنَةً لِرَسُولِها المُعَيَّنِ المَبْعُوثِ إلَيْها، وإنَّما لَمْ يُصَرَّخْ بِذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، هَذا وأمّا تَعْمِيمُ الخِطابِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وإبْقاءُ البْعْضِ عَلى العُمُومِ والإبْهامِ عَلى مَعْنى: وجَعَلْنا بَعْضَكم أيُّها النّاسُ فِتْنَةً لِبَعْضٍ آخَرَ مِنكم فَيَأْباهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ، ومِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ ابْتِلاءُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ احادِ النّاسِ مُغَيًّا بِالصَّبْرِ بَلْ بِما يُناسِبُ حالَهُ عَلى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُعادِلٍ لَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَفْتُونِينَ والمُتَوَقَّعِ صُدُورُهُ عَنْهم هو الصَّبْرُ لا غَيْرَ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ: الرُّسُلُ فَيَحْصُلُ بِهِ تَسْلِيَتُهُ ﷺ، فالمَعْنى: جَرَتْ سُنَّتُنا بِمُوجِبِ حِكْمَتِنا عَلى ابْتِلاءِ المُرْسَلِينَ بِأُمَمِهِمْ وبِمُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وإيذائِهِمْ لَهم وأقاوِيلِهِمُ الخارِجَةِ عَنْ حُدُودِ الإنْصافِ لِنِعَمِ صَبْرِكم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالأجْرِ الجَزِيلِ لِصَبْرِهِ الجَمِيلِ مَعَ مَزِيدِ تَشْرِيفٍ لَهُ ﷺ بِالِالتِفاتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ ﷺ .

الفرقان 25:21

﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ وبَيانِ بُطْلانِها إثْرَ إبْطالِ أباطِيلِهِمُ السّابِقَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ ..." إلَخِ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ ما يُحْكى عَنْهم مِنَ الشَّناعَةِ بِحَيْثُ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ يَعْتَقِدُ المَصِيرَ إلى اللَّهِ (p-211)عَزَّ وجَلَّ. ولِقاءُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ مُصادَفَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَمْنَعَ مانِعٌ مِنَ اِدْراكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى: إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى بِالبَعْثِ والحَشْرِ، أوْ لِقاءُ حِسابِهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ وبِعَدَمِ رَجائِهِمْ إيّاهُ عَدَمُ تَوَقُّعِهِمْ لَهُ أصْلًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والحِسابَ بِالكُلِّيَّةِ لا عَدَمُ أمَلِهِمْ حَسُنَ اللِّقاءِ ولا عَدَمُ خَوْفِهِمْ سُوءَ اللِّقّاءِ، لِأنَّ عَدَمَهُما غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ وإنْكارِ البَعْثِ والحِسابِ رَأْسًا، أيْ: وقالَ الَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا أوْ حِسابَنا المُؤَدِّيَ إلى سُوءِ العَذابِ الَّذِي تَسْتَوْجِبُهُ مَقالَتُهم. ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا لِيُخْبِرُونا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ، وهو الأنْسَبُ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ مِن حَيْثُ أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ ناشِئٌ عَنْ غايَةِ غُلُوُّهِمْ في المُكابَرَةِ العُتُوِّ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِها حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ. ﴿وَعَتَوْا﴾ أيْ: تَجاوُزًا الحَدَّ في الظُّلْمِ والطُّغْيانِ ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالِغًا أقْصى غاياتِهِ حَيْثُ أمَّلُوا نَيْلَ مَرْتَبَةِ المُفاوِضَةِ الإلَهِيَّةِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الرَّسُولِ والمَلِكِ كَما قالُوا: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، فَذَهَبُوا في الِاقْتِراحِ كُلَّ مَذْهَبٍ حَتّى مَنَّتْهم أنْفُسُهُمُ الخَبِيثَةُ أمانِيَّ لا تَكادُ تَرْنُوا إلَيْها أحْداقُ الأُمَمِ، ولا تَمْتَدُّ إلَيْها أعْناقُ الهِمَمِ، ولا يَنالُها إلّا أُولُوا العَزائِمِ الماضِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ... الآيَةَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ والإشْعارِ بِالتَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى.

الفرقان 25:22

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما اقْتَرَحُوهُ مِن نُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ اسْتِعْظامِهِ، وبَيانِ كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الشَّناعَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: "يَوْمَ يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ" إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ رُؤْيَتَهم لَهم لَيْسَتْ عَلى طَرِيقِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَعْهُودٍ. و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: لا يُبَشَّرُ يَوْمَئِذٍ المُجْرِمُونَ، والعُدُولُ إلى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ البُشْرى وما قِيلَ: مِن أنَّهُ بِمَعْنى: يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ يُعْدَمُونَها تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ، فَإنَّ مَنعَ البُشْرى وفُقْدانُها مُشْعِرانِ بِأنَّ هُناكَ بُشْرى يَمْنَعُونَها أوْ يَفْقِدُونَها، وأيْنَ هَذا مِن نَفْيِها بِالكُلِّيَّةِ، وحَيْثُ كانَ نَفْيُها كِنايَةً عَنْ إثْباتِ ضِدِّها، كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: "واللَّه لا يُحِبُّ الكافِرِينَ " كِنايَةٌ عَنِ البَغْضِ والمَقْتِ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ النَّذْرِ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُؤَكِّدُهُ بُشْرى عَلى أنَّ "لا" غَيْرَ نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ، أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ رُؤْيَتِهِمُ المَلائِكَةَ. و"يَوْمَئِذٍ" عَلى كُلِّ حالٍ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّهْوِيلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ لا لِقِصَرِ نَفْيِ البُشْرى عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ فَقَطْ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِتَفْظِيعِ حالِهِمْ، ولِلْمُجْرِمِينَ تَبْيِينٌ عَلى أنَّهُ مَظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِ بِالإجْرامِ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وحَمْلُهُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَتَناوَلُوا فُسّاقَ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ الِالتِجاءُ في إخْراجِهِمْ عَنِ الحِرْمانِ الكُلِّيِّ إلى أنَّ نَفْيَ البُشْرى حِينَئِذٍ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَيَجُوزُ أنْ يُبَشَّرُوا بِالعَفْوِ والشَّفاعَةِ في وقْتٍ آخَرَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ. (p-212)﴿وَيَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ فَظاعَةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وغايَةِ هَوْلِ مَطْلَعِهِ بِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وهي كَلِمَةٌ يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدْوٍّ مُوتُورٍ وهُجُومِ نازِلَةٍ هائِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ حَيْثُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ فَلا يَلْحَقُهم، فَكَأنَّ المَعْنى: نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويَحْجُرُهُ حَجْرًا، وكَسْرُ الحاءِ تَصَرُّفٌ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَوْضِعٍ واحِدٍ كَما في قِعْدَكَ وعَمْرَكَ. وقَدْ قُرِئَ: "حُجْرًا" بِالضَّمِّ، والمَعْنى: أنَّهم يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَقْتَرِحُونَهُ وهم إذا رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم أشَدَّ كَراهَةٍ وفَزِعُوا مِنهم فَزَعًا شَدِيدًا وقالُوا ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ خَطْبٍ شَنِيعٍ وحُلُولِ بَأْسٍ شَدِيدٍ فَظِيعٍ. و"مَحْجُورًا" صِفَةٌ لِحِجْرًا وإرادَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما قالُوا: ذَيْلٌ ذائِلُ، ولَيْلٌ ألْيَلُ، وقِيلَ: يَقُولُها المَلائِكَةُ إقْناطًا لِلْكَفَرَةِ بِمَعْنى حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الغُفْرانُ أوِ الجَنَّةُ أوِ البُشْرى، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ حَرامًا عَلَيْكم ولَيْسَ بِواضِحٍ.

الفرقان 25:23

﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ بَيانٌ لِحالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِن صِلَةِ رَحِمٍ وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ وقُرى ضَيْفٍ ومَنَ عَلى أسِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ ومَحاسِنِهِمُ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَنالُوا ثَوابَها بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ وحالِ أعْمالِهِمُ المَذْكُورِ بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقِدَمَ إلى أشْيائِهِمْ وقَصَدَ ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَأنْحى عَلَيْها بِالإفْسادِ والتَّحْرِيقِ ومَزَّقَها كُلَّ تَمْزِيقٍ بِحَيْثُ لَمْ يَدَعُ لَها عَيْنًا ولا أثَرًا، أيْ: عَمَدْنا إلَيْها وأبْطَلْناها، أيْ: أظْهَرْنا بُطْلانَها بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قُدُومٌ ولا شَيْءٌ يُقْصَدُ تَشْبِيهُهُ بِهِ. والهَباءُ: شِبْهُ غُبارٍ يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ يَطَّلِعُ مِنَ الكُوَّةِ، مِنَ الهَبْوَةِ: وهي الغُبارُ، و"مَنثُورًا" صِفَتُهُ شَبَّهَ بِهِ أعْمالَهُمُ المُحْبِطَةَ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى ثُمَّ بِالمَنثُورِ مِنهُ في الِانْتِشارِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ نَظْمُهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ كالخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ .

الفرقان 25:24

﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ هَمَّ المُؤْمِنُونَ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ...﴾ إلَخِ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ التَّبْشِيرِ وقَوْلِهِمْ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وجَعْلِ أعْمالِهِمْ هَباءً مَنثُورًا. ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ المُسْتَقَرُّ المَكانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ لِلتَّجالُسِ والتَّحادُثِ. ﴿وَأحْسَنُ مَقِيلا﴾ المَقِيلُ: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ لِلِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ بِمُغازَلَتِهِمْ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّمَتُّعَ بِهِ يَكُونُ وقْتَ القَيْلُولَهِ غالِبًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُفْرَغُ مِنَ الحِسابِ في مُنْتَصَفِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وفي وصْفِهِ بِزِيادَةِ الحُسْنِ مَعَ حُصُولِ الخَيْرِيَّةِ بِعَطْفِهِ عَلى المُسْتَقَرِّ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مُزَّيَّنٌ بِفُنُونِ الزَّيْنِ والزَّخارِفِ. والتَّفْضِيلُ المُعْتَبَرُ فِيهِما إمّا لِإرادَةِ الزِّيادَةِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هم في أقْصى ما يَكُونُ مِن خَيْرِيَّةِ المُسْتَقَرِّ وحُسْنِ المَقِيلِ، وإمّا بِالإضافَةِ إلى ما لِلْكَفَرَةِ المُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا، أوْ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .." الآيَةَ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأحَدِهِما المَصْدَرُ أوِ الزَّمانُ إشارَةً إلى أنَّ مَكانَهم وزَمانَهم أطْيَبُ ما يَتَخَيَّلُ مِنَ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.

الفرقان 25:25

(p-213)﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ﴾ أيْ: تَتَفَتَّحُ، وأصْلُهُ: تَتَشَقَّقُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ كَما في "تَلَظّى"، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. ﴿بِالغَمامِ﴾ بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنها وهو الغَمامُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . قِيلَ: هو غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ﴿وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ أيْ: تَنْزِيلًا عَجِيبًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، قِيلَ: تَنْشَقُّ سَماءً سَماءً ويَنْـزِلُ المَلائِكَةُ خِلالَ ذَلِكَ الغَمامِ بِصَحائِفَ أعْمالِ العِبادِ. وقُرِئَ: "وَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ " "وَنُنْـزِلُ" "وَنُنَـزِّلُ عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مِنَ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ، "وَنَزَّلَ المَلائِكَةَ" "وَأنْزَلَ المَلائِكَةَ" ونَزَلَ المَلائِكَةُ عَلى حَذْفِ النُّونِ الَّذِي هو فاءُ الفِعْلِ مِن تَنَـزَّلَ.

الفرقان 25:26

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ: السَّلْطَنَةُ القاهِرَةُ والِاسْتِيلاءُ الكُلِّيُّ العامُّ الثّابِتُ صُورَةً ومَعْنًى، ظاهِرًا وباطِنًا، بِحَيْثُ لا زَوالَ لَهُ أصْلًا ثابِتٌ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، فَـ "المُلْكُ" مُبْتَدَأٌ، و"الحَقُّ" صِفَتُهُ، و"لِلرَّحْمَنِ" خَبَرُهُ، و"يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ لِثُبُوتِ الخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ تَعالى خاصَّةً يَوْمَئِذٍ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أيْضًا تَصَرُّفٌ صُورِيٌ في الجُمْلَةِ. وقِيلَ: "المُلْكُ" مُبْتَدَأٌ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ و"لِلرَّحْمَنِ" مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى التَّبْيِينِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْحَقِّ، و"يَوْمَئِذٍ" مَعْمُولٌ لِلْمُلْكِ، وقِيلَ: الخَبَرُ "يَوْمَئِذٍ" و"الحَقُّ" نَعْتٌ لِلْمُلْكِ ولِلرَّحْمَنِ عَلى ما ذُكِرَ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ بِمَعْناها عامِلَةٌ في الظَّرْفِ، أيْ: يَنْفَرِدُ اللَّهُ تَعالى بِالمُلْكِ يَوْمَ تَشَقَّقُ، وقِيلَ: الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِما ذُكِرَ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ. وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ لا يُهَوِّنُ الخَطْبَ عَلى الكَفَرَةِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلرَّحْمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّ المُلْكَ الحَقِيقِيَّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ. ﴿وَكانَ﴾ ذَلِكَ اليَوْمَ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى المُبالَغِ في الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ ﴿يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شَدِيدًا لَهم. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وأمّا لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ يَسِيرًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: "أنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا"، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الفرقان 25:27

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ عَضُّ اليَدَيْنِ والأنامِلِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ ونَحْوِها كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ لِأنَّها مِن رَوادِفِها، والمُرادُ بِالظّالِمِ: «إمّا عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعاهُ ﷺ يَوْمًا إلى ضِيافَتِهِ فَأبى ﷺ أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ حَتّى يَنْطِقَ بِالشَّهادَتَيْنِ فَفَعَلَ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ صَدِيقَهُ فَعاتَبَهُ فَقالَ: صَبَأْتَ، فَقالَ: لا ولَكِنْ أبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِي وهو في بَيْتِي فاسْتَحْيَيْتُ مِنهُ فَشَهِدْتُ لَهُ، فَقالَ: إنِّي لا أرْضى مِنكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَطَأ قَفاهُ وتَبْزُقَ في وجْهِهِ فَوَجَدَهُ ساجِدًا في دارِ النَّدْوَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ ﷺ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ، فَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأمَرَ (p-214)عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: قَتَلَهُ عاصِمُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ، وطَعَنَ ﷺ أُبَيًّا يَوْمَ أُحُدٍ في المُبارَزَةِ فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ وماتَ.» وأمّا جِنْسُ الظّالِمِ وهو داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيّا. وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَقُولُ﴾ إلَخِ حالٌ مِن فاعِلِ "يَعَضُّ" . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي﴾ إلَخِ مَحْكِيٌّ بِهِ، و"يا" إمّا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَعْيِينِ المُنَبَّهِ، أوِ المُنادِي مَحْذُوفٌ، أيْ: يا هَؤُلاءِ لَيْتَنِي ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا واحِدًا مُنَجِّيًا مِن هَذِهِ الوَرْطاتِ وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طَرِيقُ الضَّلالَةِ، أوْ حَصَلَتْ في صُحْبَتِهِ ﷺ طَرِيقًا ولَمْ أكُنْ ضالّا لا طَرِيقَ لِي قَطُّ.

الفرقان 25:28

﴿يا ويْلَتا﴾ بِقَلْبِ ياءِ المُتَكَلِّمِ ألِفًا كَما في صَحارى ومُدارى، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ: "يا ويْلَتِي"، أيْ: هَلَكَتِي تَعالَيْ واحْضُرِي فَهَذا أوانُكِ. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ يُرِيدُ مَن أضَلَّهُ في الدُّنْيا، فَإنَّ فُلانًا كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ، كَما أنَّ الهَنَ كِنايَةٌ عَنِ الأجْناسِ، وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمٍ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ، وفُلْ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلَّةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، والفُلانُ والفُلانَةُ مِن غَيْرِ العاقِلِ، ويَخُصُّ فُلَّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَما في قَوْلِهِ: ؎ في لُجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلٍّ .. وَقَوْلُهُ: ؎ خُذْ حَدَّ ثانِيَ عَنْ فَلَنْ وفُلانِ .. وَلَيْسَ فُلٌّ مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. واخْتَلَفُوا في لامِ فُلٍّ وفُلانٍ فَقِيلَ: واوٌ، وقِيلَ: ياءٌ، هَذا فَإنْ أُرِيدَ بِالظّالِمِ عُقْبَةُ فَفُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ أبِي، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ فَهْوُ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ كُلِّ مَن يُضِلُّهُ كائِنًا مَن كانَ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وهَذا التَّمَنِّي مِنهُ وإنْ كانَ مَسُوقًا لِإبْرازِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعِ تَعَلُّلٍ واعْتِذارٍ بِتَوْرِيكَ جِنايَتِهِ إلى الغَيْرِ.

الفرقان 25:29

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِ المَذْكُورِ وتَوْضِيحٌ لِتَعَلُّلِهِ، وتَصْدِيرُهُ بِاللّامِ القَسَمِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ خَطَئِهِ وإظْهارِ نَدَمِهِ وحَسْرَتِهِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنِ القرآن، أوْ عَنْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ. ﴿بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ وتَمَكَّنْتُ مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ أيْ: مُبالَغًا في الخِذْلانِ حَيْثُ يُوالِيهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى الهَلاكِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ ولا يَنْفَعُهُ، اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ عَلى أنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ وصْفِهِ بِالإضْلالِ الَّذِي هو أخَصُّ الأوْصافِ الشَّيْطانِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِأنَّهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مُخالَّةِ المُضِلِّينَ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ الهادِي ﷺ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ لَكِنْ وصْفُهُ بِالخُذْلانِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ يَعِدُهُ في الدُّنْيا ويُمَنِّيهِ بِأنْ يَنْفَعَهُ في الآخِرَةِ، وهو أوْفَقُ بِحالِ إبْلِيسَ.

الفرقان 25:30

﴿وَقالَ الرَّسُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ ..." وما بَيْنَها اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِاسْتِعْظامِ ما قالُوهُ وبَيانِ ما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ الأهْوالِ والخُطُوبِ. وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والرَّدِّ عَلى نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانَ ما حُكِيَ عَنْهم قَدْحًا في رِسالَتِهِ ﷺ، أيْ: قالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ، وقالَ الرَّسُولُ إثْرَ ما شاهَدَ مِنهم غايَةَ (p-215)العُتُوِّ ونِهايَةَ الطُّغْيانِ بِطَرِيقِ البَثِّ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي﴾ يَعْنِي الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهم ما حُكِيَ مِنَ الشَّنائِعِ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القرآن﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِن فُنُونِ العِقابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ الإشارَةِ. ﴿مَهْجُورًا﴾ أيْ: أنَّهُ مَتْرُوكًا بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَعْرِفُوا إلَيْهِ رَأْسًا ولَمْ يَتَأثَّرُوا بِوَعِيدِهِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ كَثِيرَ التَّعاهُدِ لِلْقُرْآنِ كَيْلا يَنْدَرِجَ تَحْتَ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿مَن تَعَلَّمَ القرآن وعَلَّقَ مُصْحَفًا لَمْ يَتَعاهَدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ﴾ . وقِيلَ: هو مَن هَجَرَ: إذا هَذى، أيْ: جَعَلُوهُ مَهْجُورًا فِيهِ إمّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ، وإمّا بِأنْ هَجَرُوا فِيهِ إذا سَمِعُوهُ كَما يُحْكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القرآن والغَوْا فِيهِ﴾ . وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَهْجُورُ بِمَعْنى: الهَجْرِ كالمَجْلُودِ والمَعْقُولِ، فالمَعْنى: اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا وفِيهِ مِنَ التَّحْدِيرِ والتَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا شَكَوْا إلى اللَّهِ تَعالى قَوْلَهم عَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ولَمْ يُنْظَرُوا.

الفرقان 25:31

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَمْلٌ لَهُ عَلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: كَما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ مِنَ الأباطِيلِ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الشَّرِيعَةِ والدَّعْوَةِ إلَيْها عَدُوًّا مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِمْ فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ لَهُ ﷺ بِالهِدايَةِ إلى كافَّةِ مَطالِبِهِ والنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِ، أيْ: كَفاكَ مالِكُ أمْرِكَ ومُبَلِّغُكَ إلى الكَمالِ هادِيًا لَكَ إلى ما وصَّلَكَ إلى غايَةِ الغاياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ الكُتّابِ أجْلَهُ وإجْراءُ أحْكامِهِ في أكْتافِ الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ونَصِيرًا لَكَ عَلى جَمِيعِ مَن يُعادِيكَ.

الفرقان 25:32

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حِكايَةٌ لِاقْتِراحِهِمُ الخاصِّ بِالقرآن الكَرِيمِ بَعْدَ حِكايَةِ اقْتِراحِهِمْ في حَقِّهِ ﷺ والقائِلُونَ هُمُ القائِلُونَ أوَّلًا، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الكُفْرِ لِذَمِّهِمْ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن﴾ التَّنْزِيلُ هَهُنا مُجَرَّدٌ عَنْ مَعْنى التَّدْرِيجِ كَما في في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى كَثْرَةِ المُنَـزَّلِ في نَفْسِهِ، أيْ: هَلّا أُنْزِلَ كُلُّهُ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ كالكُتُبِ الثَّلاثَةِ، وبُطْلانِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الحَمْقاءِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ فَإنَّ الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ لَمْ يَكُنْ شاهِدَ صِحَّتِها ودَلِيلَ كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إعْجازُها، وأمّا القرآن الكَرِيمُ فَبَيِّنَةُ صِحَّتِهِ آيَةُ كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى نَظْمُهُ المُعْجِزُ الباقِي عَلى مَرِّ الدُّهُورِ المُتَحَقَّقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ المُقَدَّرَةِ بِمِقْدارِ أقْصَرِ السُّورِ حَسَبَما وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي، ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الإعْجازِ هو المُطابَقَةُ لِما تَقْتَضِيهِ الأحْوالُ ومِن ضَرُورَةِ تَغَيُّرِها وتَجَدُّدِها تَغَيُّرُ ما يُطابِقُها حَتْمًا عَلى أنَّ فِيهِ فَوائِدَ جَمَّةً أُشِيرَ إلى بَعْضٍ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالِهِمُ الباطِلَةِ (p-216)وَبَيانِ الحِكْمَةِ في التَّنْـزِيلِ التَّدْرِيجِيِّ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّنْزِيلُ المُفَرَّقُ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ واقْتَرَحُوا خِلافَهُ ونَزَلْناهُ لا تَنْـزِيلًا مُغايِرًا لَهُ لِنُقَوِّيَ بِذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ فُؤادَكَ، فَإنَّ فِيهِ تَيْسِيرًا لِحِفْظِ النَّظْمِ وفَهْمِ المَعانِي وضَبْطِ الأحْكامِ والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِ ما رُوعِيَ فِيها مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ المُبَيِّنَةِ عَلى المُناسَبَةِ عَلى أنَّها مَنُوطَةٌ بِأسْبابِها الدّاعِيَةِ إلى شَرْعِها ابْتِداءً أوْ تَبْدِيلًا بِالنَّسْخِ مِن أحْوالِ المُكَلَّفِينَ، وكَذَلِكَ عامَّةُ ما ورَدَ في القرآن المَجِيدِ مِنَ الأخْبارِ وغَيْرِها مُتَعَلِّقَةٌ بِأُمُورٍ حادِثَةٍ مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ، ومِن قَضِيَّةِ تَجَدُّدِها تَجَدُّدُ ما يَتَعَلَّقُ بِها كالِاقْتِراحاتِ الواقِعَةِ مِنَ الكَفَرَةِ الدّاعِيَةِ إلى حِكايَتِها وإبْطالِها وبَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الآخِرَةِ عَلى أنَّهم في هَذا الِاقْتِراحِ كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، حَيْثُ أُمِرُوا بِالإتْيانِ بِمِثْلِ نَوْبَةِ مَن نُوَبِ التَّنْزِيلِ فَظَهَرَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ فَكَيْفَ لَوْ تُحُدُّوا بِكُلِّهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُضْمَرِ، وتَنْكِيرُ "تَرْتِيلًا" لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ومَعْنى تَرْتِيلِهِ تَفْرِيقُهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بَيَّنّاهُ بَيانًا فِيهِ تَرْتِيلٌ وتَثْبِيتٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. وقالَ مُجاهِدٌ: جَعَلْنا بَعْضَهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقِيلَ: هو الأمْرُ بِتَرْتِيلِ قِراءَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلا﴾، وقِيلَ: قَرَأْناهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا فَشَيْئًا في عِشْرِينَ أوْ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ.

الفرقان 25:33

﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الأمْثالِ مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ القَبِيحَةِ الخارِجَةِ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِذَلِكَ مَجْرى الأمْثالِ، أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِكَلامٍ عَجِيبٍ هو مَثَلٌ في البُطْلانِ يُرِيدُونَ بِهِ القَدْحَ في حَقِّكَ وحُقِّ القرآن ﴿إلا جِئْناكَ﴾ في مُقابَلَتِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَنْحِي عَلَيْهِ بِالإبْطالِ ويَحْسِمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كَما مَرَّ مِنَ الأجْوِبَةِ الحَقَّةِ القالِعَةِ لِعُرُوقِ أسْئِلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ الدّامِغَةِ لَها بِالكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، أيْ: جِئْناكَ بِأحْسَنِ الحُسْنِ في حَدِّ ذاتِهِ لا أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ لَهُ حَسَنٌ في الجُمْلَةِ وهَذا أحْسَنُ مِنهُ كَما مَرَّ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا حالَ إتْيانِنا إيّاكَ الحَقَّ الَّذِي لا مَجِيدَ عَنْهُ. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُسارَعَةِ إلى إبْطالِ ما أتَوْا بِهِ وتَثْبِيتِ فُؤادِهِ ﷺ ما لا يَخْفى، وهَذا بِعِبارَتِهِ ناطِقٌ بِبُطْلانِ جَمِيعِ الأسْئِلَةِ وبِصِحَّةِ جَمِيعِ الأجْوِبَةِ، وبِإشارَتِهِ مُنْبِئٌ عَنْ بُطْلانِ السُّؤالِ الأخِيرِ وصِحَّةِ جَوابِهِ إذْ لَوْلا أنَّ تَنْـزِيلَ القرآن عَلى التَّدْرِيجِ لِما أمْكَنَ إبْطالُ تِلْكَ الِاقْتِراحاتِ الشَّنِيعَةِ ولِما حَصَلَ تَثْبِيتُ فُؤادِهِ ﷺ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ. هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَثَلُ عِبارَةً عَنِ الصِّفَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَ كَوْنَهُ ﷺ عَلَيْها مِن مُقارَنَةِ المُلْكِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ وحِيازَةِ الكَنْـزِ والجَنَّةِ ونُزُولِ القرآن عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى مَعْنى: لا يَأْتُوكَ بِحالٍ عَجِيبَةٍ يَقْتَرِحُونَ اتِّصافَكَ بِها قائِلِينَ: هَلّا كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلّا أعْطَيْناكَ نَحْنُ مِنَ الأحْوالِ المُمْكِنَةِ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ وما هو أحْسَنُ تَكْشِيفًا لِما بُعِثْتَ عَلَيْهِ ودَلالَةً عَلى صِحَّتِهِ وهو الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ في الذّاتِ (p-217)والصِّفاتِ ويَأْباهُ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ، فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ يَكُونُ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَقِّ مُتَرَتَّبًا عَلى ما أتَوْا بِهِ مِنَ الأباطِيلِ دامِغًا لَها ولا رَيْبَ في ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلَكاتِ السُّنِّيَّةِ اللّائِقَةِ بِالرِّسالَةِ قَدْ أتاهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا بِمُقابَلَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الِاقْتِراحاتِ لِأجْلِ دَمْغِها وإبْطالِها.

الفرقان 25:34

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ: يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ يَسْبَحُونَ عَلَيْها ويُجَرُّونَ إلى جَهَنَّمَ، وقِيلَ: مُقَلُوبِينَ وُجُوهُهم عَلى قَفاهم وأرْجُلُهم إلى فَوْقٍ، رَوى عَنْهُ ﷺ: ﴿يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أثْلاثٍ، ثُلْثٌ عَلى الدَّوابِّ، وثُلْثٌ عَلى وُجُوهِهِمْ، وثُلْثٌ عَلى أقْدامِهِمْ يَنْسِلُونَ نَسْلًا﴾ . وأمّا ما قِيلَ مُتَعَلِّقَةً قُلُوبُهم بِالسُّفْلِيّاتِ مُتَوَجِّهَةً وُجُوهُهم إلَيْها فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ لَيْسَ بِحَيْثُ يَبْقى لَهم عِنْدَهُ تَعَلُّقٌ بِالسُّفْلِيّاتِ أوْ مُتَوَجِّهٌ إلَيْها في الجُمْلَةِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ خَبَرٌ لَهُ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و"شَرُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ. ووَصْفُ السَّبِيلِ بِالضَّلالِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ ..﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ حامِلَهم عَلى هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ تَحْقِيرُ مَكانِهِ ﷺ بِتَضْلِيلِ سَبِيلِهِ ولا يَعْلَمُونَ حالَهم لَيَعْلَمُوا أنَّهم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ .

الفرقان 25:35

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَأْكِيدِ ما مَرَّ مِنَ التَّسْلِيَةِ والوَعْدِ بِالهِدايَةِ والنَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ بِحِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِمْ حِكايَةً إجْمالِيَّةً كافِيَةً فِيما هو المَقْصُودُ. واللّامُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، أيْ: أنْزَلْناها عَلَيْهِ بِالآخِرَةِ. ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخاهُ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هارُونَ﴾ بَدَلٌ مِن أخاهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في سُورَةِ طه. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِيرًا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لَهُ، وقَدْ مَرَّ ثَمَّةَ مَعْنى الوَزِيرِ، أيْ: جَلَعْناهُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لَهُ.

الفرقان 25:36

﴿فَقُلْنا﴾ لَهُما حِينَئِذٍ ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هَمَّ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي المُعْجِزاتُ التِّسْعُ المُفَصَّلاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يُوصَفِ القَوْمُ لَهُما عِنْدَ إرْسالِهِما إلَيْهِمْ بِهَذا الوَصْفِ ضَرُورَةَ تَأخُّرِ تَكْذِيبِ الآياتِ عَنْ إظْهارِها المُتَأخِّرِ عَنْ ذَهابِهِما المُتَأخِّرِ عَنِ الأمْرِ بِهِ، بَلْ إنَّما وصَفُوا بِذَلِكَ عَنْهُ الحِكايَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِخْفافِهِمْ لِما يُحْكى بَعْدَهُ مِنَ التَّدْمِيرِ، أيْ: فاذْهَبا إلَيْهِمْ فَأرَياهم آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبُوها تَكْذِيبًا مُسْتَمِرًّا. ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُسْتَمِرِّ ﴿تَدْمِيرًا﴾ عَجِيبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، فاقْتَصَرَ عَلى حاشِيَتِي القِصَّةِ اكْتِفاءً (p-218)بِما هو المَقْصُودُ، وحَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ عَلى مَعْنى: فَحَكَمْنا بِتَدْمِيرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا ظاهِرًا مِمّا لا وجْهَ لَهُ؛ إذْ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في حِكايَةِ الحُكْمِ بِتَدْمِيرٍ قَدْ وقَعَ وانْقَضى والتَّعَرُّضُ في مَطْلَعِ القِصَّةِ لِإيتاءِ الكُتّابِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ القَوْمِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مُدْخَلٌ في هَلاكِهِمْ كَسائِرِ الأيّاتِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبُلُوغِهِ ﷺ غايَةَ الكَمالِ ونَيْلِهِ نِهايَةَ الآمالِ الَّتِي هي إنْجاءُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ وإرْشادِهِمْ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ بِما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ؛ إذْ بِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الوَعْدِ بِالهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ: "فَدَمَّرْتُهُمْ" و "فَدَمَّرْناهُمْ" عَلى التَّأْكِيدِ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ.

الفرقان 25:37

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ أيْ: ودَمَّرْنا قَوْمَ نُوحٍ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى مَفْعُولِ "فَدَمَّرْناهُمْ" ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ تَرْتِيبِ تَدْمِيرِهِمْ عَلى ما قَبْلَهُ تَرَتُّبُ تَدْمِيرِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ بُيِّنَ سَبَبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أيْ: نُوحًا ومَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ نُوحًا وحْدَهُ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ وإنَّما يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "لمّا" ظَرْفَ زَمانٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حَرْفَ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فَلا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ جَوابٌ لَها وجَوابٌ "لِما" لا يُفَسَّرُ ما قَبْلَهُ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِعَطْفِ المَنصُوباتِ الآتِيَةِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ لِما أنَّ إهْلاكَهم لَيْسَ بِالإغْراقِ فالوَجْهُ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَدْمِيرِهِمْ. ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: آيَةً عَظِيمَةً يُعْتَبَرُ بِها كُلُّ مَن شاهَدَها أوْ سَمِعَها، وهي مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْنا، و"لِلنّاسِ" ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "آيَةً" إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها لَكانَ صِفَةً لَها. ﴿وَأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: لَهم، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِتَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ؛ إذْ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِاعْتِيادِ العَذابِ الَّذِي قَدْ أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ مِن قَبْلُ، أوْ لِجَمِيعِ الظّالِمِينَ الباقِينَ الَّذِينَ لَمْ يُعْتَبَرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُحْتَمَلُ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ الأُخْرَوِيُّ.

الفرقان 25:38

﴿وَعادًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لَجَعَلْناهم، وقِيلَ: عَلى الظّالِمِينَ إذْ هو في مَعْنى "وَعْدِنا الظّالِمِينَ" وكِلاهُما بَعِيدٌ. ﴿وَثَمُودَ﴾ الكَلامُ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ كَما فِيما قَبْلَهُ، وقُرِئَ: "وَثَمُودًا" عَلى تَأْوِيلِ الحَيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ اسْمُ الأبِ الأقْصى. ﴿وَأصْحابَ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَذَّبُوهُ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ وهي البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ بَعْدَ إذِ انْهارَتْ فَخُسِفَ بِهِمْ وبِدِيارِهِمْ. وقِيلَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ بِفَلْجِ اليَمامَةِ كانَ فِيها بَقايا ثَمُودَ فَبُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَقَتَلُوهُ فَهَلَكُوا، وقِيلَ: هو الأُخْدُودُ، وقِيلَ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَّةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ، وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ النَّبِيِّ ﷺ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِطَيْرٍ عَظِيمٍ كانَ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ وسَمَّوْها عَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها، وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: فَتْخُ أوْ دَمْخُ فَتَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطِفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ (p-219)وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مُغْرِبًا فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُهْلِكُوا. وقِيلَ: قَوْمٌ كَذَّبُوا رَسُولَهم فَرُسُّوهُ، أيْ: دَسُّوهُ في بِئْرٍ. ﴿وَقُرُونًا﴾ أيْ: أهْلَ قُرُونٍ، قِيلَ:: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الطَّوائِفِ والأُمَمِ، وقَدْ يَذْكَرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ ويَحْسَبُ الحاسِبُ أعْدادًا مُتَكاثِرَةً ثُمَّ يَقُولُ: فَذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ عَلى ذَلِكَ المَذْكُورِ وذَلِكَ المَحْسُوبِ. ﴿كَثِيرًا﴾ لا يَعْلَمُ مِقْدارَها إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ في شُئُونِ تِلْكَ القُرُونِ بِهَذا البَيانِ الإجْمالِيِّ لِما أنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنها لَمْ يَكُنْ في الشُّهْرَةِ وغَرابَةِ القِصَّةِ بِمَثابَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.

الفرقان 25:39

﴿وَكُلا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ في مَعْنى التَّذْكِيرِ والتَّحْذِيرِ، والمَحْذُوفُ الَّذِي عُوِّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ عِبارَةٌ إمّا عَنِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ أسْبابُ إهْلاكِهِمْ، وإمّا عَنِ الكُلِّ فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ تَكْذِيبُهم لِلْآياتِ والرُّسُلِ لا عَدَمُ التَّأْثِيرِ مِنَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، أيْ: ذَكَرْنا وأنْذَرْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ. ﴿ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهُ القِصَصَ العَجِيبَةَ الزّاجِرَةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ. ﴿وَكُلا﴾ الآمالُ الَّتِي هي إنْجاءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ عَجِيبًا هائِلًا لِما أنَّهم لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَرْفَعُوا لَهُ رَأْسًا وتَمادَوْا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعُدْوانِ، وأصْلُ التَّتْبِيرِ: التَّفْتِيتُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتْتَهُ فَقَدَ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِفُتاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.

الفرقان 25:40

﴿وَلَقَدْ أتَوْا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ المُتَبَّرَةِ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِها، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أتى قُرَيْشٌ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ. ﴿عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ﴾ أيْ: أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ، وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وكانَتْ خَمْسَ قُرى ما نَجَتْ مِنها إلّا واحِدَةٌ كانَ أهْلُها لا يَعْمَلُونَ العَمَلَ الخَبِيثَ، وأمّا البَواقِي فَأهْلَكَها اللَّهُ تَعالى بِالحِجارَةِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ . وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما قِيلَ في أنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى نَباتًا حَسَنًا، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ إذِ المَعْنى: أعْطَيْتُ أوْ أوْلَيْتُ مَطَرَ السَّوْءِ. ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّذَكُّرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ نَفْيِ اسْتِمْرارِ رُؤْيَتِهِمْ لَها وتَقْرِيرِ اسْتِمْرارِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ ما يُوجِبُها مِنَ اِتْيانِهِمْ عَلَيْها لا لِإنْكارِ اسْتِمْرارِ نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ وتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِمْ لَها في الجُمْلَةِ. والفاءُ لِعَطْفِ مَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، أوْ أكانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مِرارِ مُرُورِهِمْ لِيَتَّعِظُوا بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِنَ اثارِ العَذابِ. فالمُنْكِرُ في الأوَّلِ تَرْكُ النَّظَرِ وعَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّظَرِ المُوجِبِ لَهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ إمّا إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِ ما جَرى عَلى أهْلِ القُرى مِنَ العُقُوبَةِ وبَيانٌ لِكَوْنِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً (p-220)لِمَعاصِيهِمْ لا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِها خَلا أنَّهُ اكْتَفى عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ اِنْكارِهِمْ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي هو الغايَةُ مِن خَلْقِ العالَمِ وقَدْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ النُّشُورِ، أيْ: عَدَمُ تَوَقُّعِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كانُوا يُنْكِرُونَ النُّشُورَ المُسْتَتْبَعَ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ ولا يَرَوْنَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ نُشُورًا أصْلًا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَتْمًا وشُمُولِهِ لِلنّاسِ عُمُومًا واطِّرادِهِ وُقُوعًا فَكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ الدُّنْيَوِيِّ في حَقِّ طائِفَةٍ خاصَّةٍ مَعَ عَدَمِ الِاطِّرادِ والمُلازَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعاصِي حَتّى يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ اثارِ الهَلاكِ وإنَّما يَحْمِلُونَهُ عَلى الِاتِّفاقِ، وأمّا انْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ التَّذَكُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ تَوَقُّعِ النُّشُورِ.

الفرقان 25:41

﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ ﷺ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ ﷺ هُزُؤًا لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُؤًا كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُؤًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ...﴾ مِن سُورَةِ الأنْعامِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ مَحْكِيٌّ بَعْدَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ أيْ: يُسْتَهْزَؤُنَ بِكَ قائِلِينَ: ﴿ "أهَذا الَّذِي﴾ ..." إلَخِ، والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ وإبْرازِ بَعْثِ اللَّهِ رَسُولًا في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ بِجَعْلِهِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الَّذِي هو صِفَتُهُ ﷺ مَعَ كَوْنِهِمْ في غايَةِ النَّكِيرِ لِبَعْثِهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا لَقالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، أوْ أهَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا.

الفرقان 25:42

﴿إنْ كادَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّهُ كادَ ﴿لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ: لَيَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها صَرْفًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ يُبْعِدُنا عَنْها لا عَنْ عِبادَتِها فَقَطْ، والعُدُولُ إلى الإضْلالِ لِغايَةِ ضَلالِهِمْ بِادِّعاءِ أنَّ عِبادَتَها طَرِيقٌ سَوِيٌّ. ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ ثَبَتْنا عَلَيْها واسْتَمْسَكْنا بِعِبادَتِها ولَوْلا في أمْثالِ هَذا الكَلامِ تَجْرِي مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ...﴾ إلَخِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّهُ ﷺ قَدْ بَلَغَ مِنَ الِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ وإقامَةِ الحُجَجِ والبَيِّناتِ إلى حَيْثُ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم لَوْلا فَرْطُ لَجاجِهِمْ وغايَةُ عِنادِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِآخِرِ كَلامِهِمْ ورَدٌّ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن نِسْبَتِهِ ﷺ إلى الضَّلالِ في ضِمْنِ الإضْلالِ، أيْ: سَوْفَ يَعْلَمُونَ البَتَّةَ وإنْ تَراخى ﴿حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ كُفْرُهم وعِنادُهم ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الوَعِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُهم وإنْ أمْهَلَهم.

الفرقان 25:43

﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن شَناعَةِ حالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ قَبائِحِهِمْ مِنَ الأقْوالِ (p-221)والأفْعالِ وبَيانِ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَرى ويَتَعَجَّبَ مِنهُ. و"إلَهَهُ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِاتَّخَذَ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّعَجُّبِ ومَن تَوَهَّمَ أنَّهُما عَلى التَّرْتِيبِ بِناءً عَلى تَساوِيهِما في التَّعْرِيفِ فَقَدْ زَلَّ مِنهُ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ في هَذا البابِ هو المُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الحادِثَةِ، أيْ: أرَأيْتَ مَن جَعَلَ هَواهُ إلَهًا لِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُلاحَظَ وبَنى عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِ مُعْرِضًا عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ والبُرْهانِ النَّيِّرِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مَعْنى انْظُرْ إلَيْهِ وتَعَجَّبَ مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِكَوْنِهِ ﷺ حَفِيظًا عَلَيْهِ يَزْجُرُهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ ويُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحالَةِ المُوجِبَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدُ ما شاهَدْتُ غُلُوَّهُ في طاعَةِ الهَوى وعُتُوَّهُ عَنِ اتِّباعِ الهُدى تَقْسِرُهُ عَلى الإيمانِ شاءَ أوْ أبى.

الفرقان 25:44

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى إنْكارِ حُسْبانِهِ ﷺ لَهم مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ جِدُّهُ ﷺ في الدَّعْوَةِ واهْتِمامُهُ بِالإرْشادِ والتَّذْكِيرِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ كالأوَّلِ بَلْ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، أيْ: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ حَتّى السَّماعِ أوْ يَعْقِلُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَواعِظِ الزّاجِرَةِ عَنِ القَبائِحِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ فَتَعْتَنِي بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعُ في إيمانِهِمْ. وضَمِيرُ "أكْثَرَهُمْ" لِمَن وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وضَمِيرُ الفِعْلَيْنِ لِأكْثَرَ لا لِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ النَّكِيرِ وتَأْكِيدِهِ وحَسْمِ مادَّةِ الحُسْبانِ بِالمَرَّةِ، أيْ: ما هم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما يَقْرَعُ آذانَهم مِن قَوارِعِ الآياتِ وانْتِفاءِ التَّدَبُّرِ فِيما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ وعَلَمٌ في الضَّلالَةِ. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها ﴿سَبِيلا﴾ لِما أنَّها تَنْقادُ لِصاحِبِها الَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها مِمَّنْ يُسِيءُ إلَيْها وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها وتَهْتَدِي لِمَراعِيها ومَشارِبِها وتَأْوِي إلى مَعاطِنِها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ وخالِقِهِمْ ورازِقِهِمْ ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مِنَ اِساءَةِ الشَّيْطانِ الَّذِي هو أعْدى عَدُوِّهِمْ ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ والمَهالِكَ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو المَشْرَبُ الهَنِيُّ والمَوْرِدُ العَذْبُ الرَّوِيُّ، ولِأنَّها إنْ لَمْ تَعْتَقِدْ حَقًّا مُسْتَتْبَعًا لِاكْتِسابِ الخَيْرِ لَمْ تَعْتَقِدْ باطِلًا مُسْتَوْجِبًا لِاقْتِرافِ الشَّرِّ بِخِلافِ هَؤُلاءِ حَيْثُ مَهَّدُوا قَواعِدَ الباطِلِ وفَرَّعُوا عَلَيْها أحْكامَ الشُّرُورِ، ولِأنَّ أحْكامَ جَهالَتِها وضَلالَتِها مَقْصُورَةٌ عَلى أنْفُسِها تَتَعَدّى إلى أحَدٍ وجَهالَةُ هَؤُلاءِ مُؤَدِّيَةٌ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ والفَسادِ وصَدِّ النّاسِ عَنْ سِنِينَ السَّدادِ وهَيَجانِ الهَرْجِ والمَرْجِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، ولِأنَّها غَيْرُ مُعَطِّلَةٍ لِقُوَّةٍ مِنَ القُوى المُودَعَةِ بَلْ صارِفَةٌ لَها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ فَلا تَقْصِيرَ مِن قِبَلِها في طَلَبِ الكَمالِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعَطِّلُونَ لِقُواهُمُ العَقْلِيَّةِ مُضَيِّعُونَ لِلْفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها مُسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ أعْظَمَ العِقابِ وأشَدَّ النَّكالِ.

الفرقان 25:45

(p-222)﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ إثْرَ بَيانِ جَهالَةِ المُعْرِضِينِ عَنْها وضَلالَتِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَعْقُبُهُ مِنَ اثارِ رُبُوبِيَّتِهِ ورَحْمَتِهِ تَعالى، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى بَدِيعِ صُنْعِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أيْ: كَيْفَ أنْشَأ ظِلَّ أيَّ مُظِلٍّ كانَ مِن جَبَلٍ أوْ بِناءٍ أوْ شَجَرٍ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُمْتَدًّا لا أنَّهُ تَعالى مُدَّهً بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَما بَعُدَ نِصْفُ النَّهارِ إلى غُرُوبِها، فَإنَّ ذَلِكَ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ بِإنْشائِهِ تَعالى وإحْداثِهِ يَأْباهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ وأنَّهُ أطْيَبُ الأوْقاتِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وشُعاعُ الشَّمْسِ يُسَخِّنُ الجَوَّ ويُبْهِرُ البَصَرَ ولِذَلِكَ وصَفَ بِهِ الجَنَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبالِغِ حِكْمَتِهِ فِيما يُشاهِدُونَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ ما يَتَعارَفُونَهُ مِن حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُشاهِدُونَها في مَوْضِعٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ جِسْمٌ كَثِيفٌ مُخالَفَةً لِما في جَوانِبِهِ مِن مَواقِعِ ضَحِّ الشَّمْسِ، وما ذُكِرَ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ ظِلًّا لِلْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ لَكِنَّهم لا يَعُدُّونَهُ ظِلًّا ولا يَصِفُونَهُ بِأوْصافِهِ المَعْهُودَةِ، ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُرادَ تَقْرِيرُ رُؤْيَتِهِ ﷺ لِكِيفِيَّةِ مَدِّ الظِّلِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَظَرَهُ ﷺ غَيْرَ مَقْصُورٍ عَلى ما يُطالِعُهُ مِنَ الآثارِ والصَّنائِعِ، بَلْ مَطْمَحُ أنْظارِهِ مَعْرِفَةُ شُئُونِ الصّانِعِ المُجِيدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ جُمْلَةٌ اعْتُرِضَتْ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لا مَدْخَلَ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِّ لِلْأسْبابِ العادِيَّةِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ فِيهِ المَشِيئَةُ والقُدْرَةُ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ مِن وُقُوعِها وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: ولَوْ شاءَ سُكُونَهُ لَجَعَلَهُ ساكِنًا، أيْ: ثابِتًا عَلى حالِهِ مِنَ الطُّولِ والِامْتِدادِ، وإنَّما عِبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسُّكُونِ لِما أنَّ مُقابِلَهُ الَّذِي هو تَغَيُّرُ حالِهِ حَسَبَ تَغَيُّرِ الأوْضاعِ بَيْنَ المُضِلِّ وبَيْنَ الشَّمْسِ يُرى رَأْيَ العَيْنِ حَرَكَةً وانْتِقالًا، وحاصِلُهُ أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِ اخْتِلافُ حالٍ بِأنْ لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِأنْ يَجْعَلَ الشَّمْسَ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ فَمَدارُهُ الغُفُولُ عَمّا سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ونُطِقَ بِهِ صَرِيحًا مِن بَيانِ كَمالِ قدرته القاهِرَةِ وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ بِنِسْبَةِ جَمِيعِ الأُمُورِ الحادِثَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ وإسْقاطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ عَنْ رُتْبَةِ السَّبَبِيَّةِ والتَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ وقَصْرِها عَلى مُجَرَّدِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ المُسَبِّباتِ لا بِذِكْرِ قدرته تعالى عَلى بَعْضِ الخَوارِقِ كَإقامَةِ الشَّمْسِ في مُقامٍ واحِدٍ عَلى أنَّها أعْظَمُ مِنَ اِبْقاءِ الظِّلِّ عَلى حالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِها ومُسْتَتْبَعاتِها فَهي أوْلى وأحَقُّ بِالإيرادِ في مَعْرِضِ البَيانِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ عَلى أحْوالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما سَبَبِيَّةٌ وتَأْثِيرٌ قَطْعًا حَسَبَما نَطَقَ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ المُعْتَرِضَةً، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِما في الجَعْلِ المَذْكُورِ العارِي عَنِ التَّأْثِيرِ مَعَ ما يُشاهِدُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ مِنَ الدَّوَرانِ المُطَّرِدِ المُنْبِئِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ مِن مَزِيدِ دَلالَةٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ ودِقَّةِ الحِكْمَةِ وهو السِّرُّ في إيرادِ كَلِمَةِ التَّراخِي.

الفرقان 25:46

(p-223)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ، و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ لِما أنَّ في بَيانِ كَوْنِ القَبْضِ والمَدِّ مُرَتَّبَيْنِ دائِرَيْنِ عَلى قُطْبِ مَصالِحَ المَخْلُوقاتِ مَزِيدَ دَلالَةٍ عَلى الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ: أزَلْناهُ بَعْدَ ما أنْشَأْناهُ مُمْتَدًّا ومَحَوْناهُ بِمَحْصِ قُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَبْضِ المُنْبِئِ عَنْ جَمِيعِ المُنْبَسِطِ وطَيِّهِ لِما أنَّهُ قَدْ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِهِ بِالمَدِّ الَّذِي هو البَسْطُ طُولًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْنا﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِهِ إلَيْهِ تَعالى كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أيْ: عَلى مَهْلٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَسَبَ ارْتِفاعِ دَلِيلِهِ عَلى وتِيرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُطَّرِدَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِمَصالِحِ المَخْلُوقاتِ ومَرافِقِها، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ بَنى السَّماءَ كالقِبْلَةِ المَضْرُوبَةِ ودَحا الأرْضَ تَحْتَها ألْقَتِ القُبَّةُ ظِلَّها عَلى الأرْضِ لِعَدَمِ النَّيِّرِ وذَلِكَ مَدُّهُ تَعالى إيّاهُ ولَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ ساكِنًا مُسْتَقَرًّا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ وجَعَلَها عَلى ذَلِكَ الظِّلِّ، أيْ: سَلَّطَها عَلَيْهِ ونَصَبَها دَلِيلًا مَتْبُوعًا لَهُ كَما يَتَّبِعُ الدَّلِيلَ في الطَّرِيقِ فَهو يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَقْلُصُ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِها فَقَبَضَهُ قَبْضًا سَهْلًا يَسِيرًا غَيْرَ عَسِيرًا، وقَبْضًا سَهْلًا عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ، وهي: الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الظِّلَّ فَيَكُونُ قَدْ ذُكِرَ إعْدامُهُ بِإعْدامِ أسْبابِهِ كَما ذُكِرَ إنْشاؤُهُ بِإنْشائِها، ووَصْفُهُ بِاليُسْرِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.

الفرقان 25:47

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ بَدائِعِ آثارِ قدرته تعالى وحِكْمَتِهِ ورَوائِعِ أحْكامِ رَحْمَتِهِ ونِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَلْوِينِ الخِطابِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعْلَ، وتَقْدِيمُها عَلى مَفْعُولَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ بَيانِ أحْوالِ الظِّلِّ بِبَيانِ أحْكامِ اللَّيْلِ الَّذِي هو ظِلُّ الأرْضِ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: هو الذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ كاللِّباسِ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ. ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ: وجَعَلَ النُّومَ الَّذِي يَقَعُ في اللَّيْلِ غالِبًا قَطْعًا عَنِ الأفاعِيلِ المُخْتَصَّةِ بِحالِ اليَقَظَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّباتِ الَّذِي المَوْتُ لِما بَيَّنَها مِنَ المُشابَهَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ . ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ كَبَعْثِ المَوْتى عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ نَفْسُ البَعْثِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النُّومَ واليَقَظَةَ أُنْمُوذَجٌ لِلْمَوْتِ والنُّشُورِ. وعَنْ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "يا بُنَيَّ كَما تَنامُ فَتُوقَظُ، كَذَلِكَ تَمُوتُ وتُنْشَرُ" .

الفرقان 25:48

﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقُرِئَ بِالتَّوْحِيدِ عَلى أنَّ المُرادَ هو الجِنْسُ. ﴿بُشْرًا﴾ تَخْفِيفُ بُشُرٍ جَمْعُ بُشُورٍ، أيْ: مُبَشِّرِينَ. وقُرِئَ: "بُشْرى"، وقُرِئَ: "نُشْرًا" بِالنُّونِ جَمْعُ نُشُورٍ، أيْ: ناشِراتٌ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وبِفَتْحِ النُّونِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ (p-224) وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ، أيْ: قُدّامَ المَطَرِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإيزالِ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما ذُكِرَ مِنَ اِرْسالِ الرِّياحِ، أيْ: أنْزَلْنا بِعَظَمَتِنا بِما رَتَّبْنا مِنَ اِرْسالِ الرِّياحِ مِن جِهَةِ الفَوْقِ ماءً بَلِيغًا في الطَّهارَةِ، وما قِيلَ إنَّهُ ما يَكُونُ طاهِرًا في نَفْسِهِ ومُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ فَهو شَرْحٌ لِبَلاغَتِهِ في الطَّهارَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّهُورَ في العَرَبِيَّةِ إمّا صِفَةٌ كَما تَقُولُ: ماءٌ طَهُورٌ، أوِ اسِمٌ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ﴿التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ﴾ وقَدْ جاءَ بِمَعْنى الطَّهارَةِ كَما في قَوْلِكَ: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا حَسَنًا كَقَوْلِكَ وضُوءًا حَسَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ﴾، ووَصْفُ الماءِ بِهِ إشْعارٌ بِتَمامِ النِّعْمَةِ فِيهِ، وتَتْمِيمٌ لِلنِّعْمَةِ فِيما بَعْدَهُ فَإنَّ الماءَ الطَّهُورَ أهْنَأُ وأنْفَعُ مِمّا خالَطَهُ ما يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ظَواهِرَهم لَمّا كانَتْ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطَهِّرُوها فَبَواطِنُهم أحَقُّ بِذَلِكَ وأوْلى.

الفرقان 25:49

﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ: بِما أنْزَلْنا مِنَ الماءِ الطَّهُورِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ بِإنْباتِ النَّباتِ، والتَّذْكِيرُ لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ، ولِأنَّهُ غَيْرُ جارٍ عَلى الفِعْلِ كَسائِرِ أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ فَأُجْرِيَ مُجْرى الجامِدِ، والمُرادُ بِهِ: القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ عامِرَةً كانَتْ أوْ غامِرَةً. ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءُ الطَّهُورُ عِنْدَ جَرَيانِهِ في الأوْدِيَةِ أوِ اجْتِماعِهِ في الحِياضِ والمَنافِعِ أوِ الآبارِ. ﴿مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَيا ولِذَلِكَ نَكَّرَ الأنْعامَ والأناسِيَّ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ القُرى والأمْصارِ يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ والمَنابِعُ، فَهم وبِما لَهم مِنَ الأنْعامِ غَنِيَّةٌ عَنْ سُقِيا السَّماءِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يُعْوِزُها الشُّرْبُ غالِبًا مَعَ أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ فَهو لِتِعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ، والأنْعامُ حَيْثُ كانَتْ قُنْيَةً لِلْإنْسانِ وعامَّةً مَنافِعَهم ومَعايِشَهم مَنُوطَةٌ بِها قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ كَما قُدِّمَ عَلَيْها إحْياءُ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها. وقُرِئَ: "نُسْقِيهِ"، وأسْقى وسَقى لُغَتانِ. وقِيلَ: أسْقاهُ: جُعِلَ لَهُ سُقِيا. و"أناسِيَّ" جَمْعُ إنْسِيٍّ، أوْ إنْسانٍ، كَظَرابِيِّ في ظَرْبانٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ أناسِينَ فَقُلِبَتْ نُونُهُ ياءً. وقُرِئَ: أناسِيَ بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ ياءِ أفاعِيلَ كَأناعِمَ في أناعِيمَ.

الفرقان 25:50

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القَوْلَ الَّذِي هو ذُكِرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِما مَرَّ مِنَ الغاياتِ الجَمِيلَةِ في القرآن وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ لَيَتَفَكَّرُوا ويَعْرِفُوا بِذَلِكَ كَمالَ قدرته تعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ في ذَلِكَ ويَقُومُوا بِشُكْرِ نِعْمَتِهِ حَقَّ قِيامٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ، وتَصْرِيفُهُ بَيْنَهم إنْزالُهُ في بَعْضِ البِلادِ دُونَ غَيْرِها، أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، أوْ جَعَلَهُ تارَةً وابِلًا، وأُخْرى طَلًّا، وحِينًا دِيمَهُ، ووَقْتًا رَهْمَةً، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ مِمَّنْ سَلَفَ وخَلَفَ ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ لَها، أوْ وإلّا جُحُودُها بِأنْ يَقُولُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا ولا يَذْكُرُ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتَهُ ومَن لا يَرى الأمْطارَ إلّا مِنَ الأنْواءِ فَهو كافِرٌ بِخِلافِ مَن يَرى أنَّ الكُلَّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى (p-225) والأنْواءُ أماراتٌ لِجَعْلِهِ تَعالى.

الفرقان 25:51

﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَها فَيَخِفُّ عَلَيْكَ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، لَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ نَفْعَلْهُ بَلْ قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا وتَفْضِيلًا لَكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ.

الفرقان 25:52

﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: فَقابَلَ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ والتَّشَدُّدِ مَعَهم، كَأنَّهُ نَهْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُداراةِ مَعَهم والتَّلَطُّفِ في الدَّعْوَةِ لِما أنَّهُ ﷺ كانَ يَوَدُّ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ويَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ الِاجْتِهادِ. ﴿وَجاهِدْهم بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن بِتِلاوَةِ ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَإنَّ دَعْوَةَ كُلِّ العالَمِينَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ جِهادٌ كَبِيرٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كَمًّا وكَيْفًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِتَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطّاعَةِ يَتَحَقَّقُ بِلا دَعْوَةٍ أصْلًا ولَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ الجِهادِ فَضْلًا عَنِ الجِهادِ الكَبِيرِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ لَيَكُونَ المَعْنى: وجاهِدْهم بِما ذُكِرَ مِن أحْكامِ القرآن الكَرِيمِ مُلابِسًا بِتَرْكِ طاعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَجاهِدْهم بِالشِّدَّةِ والعُنْفِ لا بِالمُلاءَمَةِ والمُداراةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ . وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ مِن كَوْنِهِ ﷺ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى لِأنَّهُ لَوْ بُعِثَ في كُلِّ قَرْيَةِ نَذِيرٌ لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ المُجاهَداتُ كُلُّها فَكَبُرَ مِن أجْلِ ذَلِكَ جِهادُهُ وعَظُمَ فَقِيلَ لَهُ ﷺ: وجاهِدْهم بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى جِهادًا كَبِيرًا جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ بَيانَ سَبَبِ كِبَرِ المُجاهَدَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ فَإنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وإنَّما اللّائِقُ بِالمَقامِ بَيانُ سَبَبِ كِبَرِها وعِظَمِها في الكَيْفِيَّةِ.

الفرقان 25:53

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: خَلّاهُما مُتَجاوِرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ بِحَيْثُ لا يَتَمازَجانِ مِن مَرَجَ دابَّتَهُ إذا خَلّاها. ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ قامِعٌ لِلْعَطَشِ لِغايَةِ عُذُوبَتِهِ ﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ بَلِيغُ المُلُوحَةِ، وقُرِئَ: "مَلْحٌ"، فَلَعَلَّهُ تَخْفِيفُ مالِحٍ كَبَرْدٍ في بارِدٍ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ حاجِزًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ مِن قدرته كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ . ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وتَنافُرًا مُفْرِطًا كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يَتَعَوَّذُ مِنَ الآخَرِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا، وذَلِكَ كَدَجْلَةَ تَدْخُلُ البَحْرَ وتَشُقُّهُ وتَجْرِي في خِلالِهِ فَراسِخَ لا يَتَغَيَّرُ طَعْمُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ العَذْبِ: النَّهْرُ العَظِيمُ، وبِالمالِحِ: البَحْرُ الكَبِيرُ، وبِالبَرْزَخِ: ما بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ، فَيَكُونُ أثَرُ القُدْرَةِ في الفَصْلِ واخْتِلافِ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى طَبِيعَةِ كُلِّ عُنْصُرٍ التَّضامُّ والتَّلاصُقُ والتَّشابُهُ في الكَيْفِيَّةِ.

الفرقان 25:54

(p-226)﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ هو الماءُ الَّذِي خَمَّرَ بِهِ طِينَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِن مادَّةِ البَشَرِ لَيَجْتَمِعَ ويَسْلَسَ ويَسْتَعِدَّ لِقَبُولِ الأشْكالِ والهَيْئاتِ بِسُهُولَةٍ، أوْ هو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ أيْ: قَسَمُهُ قِسْمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْتَسَبُ إلَيْهِمْ، وذَواتُ صِهْرًا، أيْ: أُناثًا يُصاهِرُ بِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ . ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ مُبالَغًا في القُدْرَةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ بَشَرًا ذا أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وطِباعٍ مُتَباعِدَةٍ وجَعَلَهُ قِسْمَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ، ورُبَّما يَخْلُقُ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ تَوْأمَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.

الفرقان 25:55

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ ﴿ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ أيْ: ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ أصْلًا وهو الأصْنامُ، أوْ كُلُّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى؛ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ يَسْتَقِلُّ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ. ﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾ الَّذِي ذُكِرَتْ آثارُ رُبُوبِيَّتِهِ ﴿ظَهِيرًا﴾ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ بِالعَداوَةِ والشِّرْكِ، والمُرادُ بِالكافِرِ: الجِنْسُ، أوْ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هَيِّنًا مَهِينًا لا اعْتِدادَ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ بِهِ إذا نَبَذْتَهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾

الفرقان 25:56

﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْكافِرِينَ.

الفرقان 25:57

﴿قُلْ﴾ لَهم ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإرْسالُ ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جِهَتِكم ﴿إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيِ: إلّا فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ تَعالى ويَطْلُبَ الزُّلْفى عِنْدَهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ حَسَبَما أدْعُوهم إلَيْهِما، فَصَوَّرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الإتْيانِ بِهِ، واسْتَثْنى مِنهُ قَلْعًا كُلِّيًّا لِشائِبَةِ الطَّمَعِ وإظْهارًا لِغايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ نَفْعِهِ عائِدًا إلَيْهِمْ عائِدًا إلَيْهِ ﷺ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ.

الفرقان 25:58

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ في الِاسْتِكْفاءِ عَنْ شُرُورِهِمْ والإغْناءِ عَنْ أُجُورِهِمْ، فَإنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ دُونَ الأحْياءِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ المَوْتُ فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِمْ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ونَزَّهَهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ مُثْنِيًا عَلَيْهِ بِنُعُوتِ الكَمالِ طالِبًا لِمَزِيدِ الإنْعامِ بِالشُّكْرِ عَلى سَوابِغِهِ. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ﴾ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ: مُطَّلِعًا عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَيَجْزِيهِمْ جَزاءً وافِيًا.

الفرقان 25:59

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ (p-227)والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ وُصِفَ بِالصِّفَةِ الفِعْلِيَّةِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالأبَدِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، والإشارَةُ إلى الصِّفَةِ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَأْكِيدُهُ، فَإنَّ مَن أنْشَأ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ عَلى هَذا النَّمَطِ الفائِقِ والنَّسَقِ الرّائِقِ بِتَدْبِيرٍ مَتِينٍ وتَرْتِيبٍ رَصِينٍ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَعَ كَمالِ قدرته عَلى إبْداعِها دَفْعَةً لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ وغاياتٍ جَمِيلَةٍ لا تَقِفُ عَلى تَفاصِيلِها العُقُولُ أحَقُّ مَن يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأوْلى مَن يُفَوَّضُ الأمْرُ إلَيْهِ. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ آخَرُ لِلْحَيِّ، كَما قُرِئَ بِالجَرِّ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَتْبَعْهُ في الإعْرابِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مَدْحًا وإنْ خَرَجا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةَ ألّا يَرى كَيْفَ التَـزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَأِ في النَّصْبِ والرَّفْعِ وما لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلَّقاتِ ما قَبْلَهُ وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، وقَدْ مَرَّ تَمامُ التَّحْقِيقِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ...﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ و"الرَّحْمَنُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: "الرَّحْمَنُ" بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في "اسْتَوى" . ﴿فاسْألْ بِهِ﴾ أيْ: بِتَفاصِيلَ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ لا بِنَفْسِهِما فَقَطْ؛ إذْ بَعْدَ بَيانِهِما لا يَبْقى إلى السُّؤالِ حاجَةٌ، ولا في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ فائِدَةٌ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ المُسْتَدْعِي لِكَوْنِ المَسْؤُلِ أمْرًا خَطِيرًا مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ غَيْرَ حاصِلٍ لِلسّائِلِ وظاهِرٌ أنَّ نَفْسَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ بَعْدَ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وما قِيلَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ شَكَكْتَ فِيهِ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ والمُرادَ غَيْرُهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، بَلِ التَّقْدِيرُ: إنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ ما ذُكِرَ أوْ تَفْصِيلَ ما ذُكِرَ فاسْألْ مَعْنِيًّا بِهِ ﴿خَبِيرًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ مُحِيطًا بِظَواهِرِ الأُمُورِ وبَواطِنِها - وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ - يُطْلِعُكَ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: فاسْألْ بِهِ مَن وجَدَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ لَيَصْدُقَكَ فِيهِ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى ما ذَكَرْنا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّحْمَنِ، والمَعْنى: إنْ أنْكَرُوا إطْلاقَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى فاسْألْ عَنْهُ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكِتابِ لَيَعْرِفُوا مَجِيءَ ما يُرَدِفُهُ في كُتُبِهِمْ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الرَّحْمَنُ" مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ خَبَرًا. وقُرِئَ: "فَسَلْ" .

الفرقان 25:60

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالُوهُ لِما أنَّهم ما كانُوا يُطْلِقُونَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أيْ: لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ، أوْ لِأمْرِكَ إيّانا مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِفَ أنَّ المَسْجُودَ لَهُ ماذا، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مُعَرَّبًا لَمْ يَسْمَعُوهُ. وقُرِئَ: "يَأْمُرُنا" بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ﴿وَزادَهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِسُجُودِ الرَّحْمَنِ ﴿نُفُورًا﴾ عَنِ الإيمانِ.

الفرقان 25:61

﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ سُمِّيَتْ بِهِ، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِسُكّانِها، واشْتِقاقُهُ مِنَ البُرْجِ لِظُهُورِهِ. ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ هي الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ . وقُرِئَ: "سَرْجًا"، وهي (p-228) الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مُضِيئًا بِاللَّيْلِ. وقُرِئَ: "قَمَرًا" أيْ: ذا قَمَرٍ، وهي جَمْعُ قَمْراءَ، ولِما أنَّ اللَّيالِيَ بِالقَمَرِ تَكُونُ قَمْراءَ، أُضِيفَ إلَيْها ثُمَّ حُذِفَ وأُجْرِيَ حُكْمُهُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ القائِمِ مَقامَهُ، كَما في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎ بَرْدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ∗∗∗ أيْ: ماءُ بَرَدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى القَمَرِ كالرَّشَدِ والرُّشْدِ والعَرَبِ والعُرْبِ.

الفرقان 25:62

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أيْ: ذَوِي خِلْفَةٍ يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، أوْ بِأنْ يَعْتَقِبا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وهي اسْمٌ لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرُّكْبَةِ والجِلْسَةِ مِن رَكِبَ وجَلَسَ. ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يَتَذَكَّرُ آلاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَفَكَّرُ في بَدائِعِ صُنْعِهِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ رَحِيمٍ لِلْعِبادِ. ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ: أنْ يُشْكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلى ما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، أوْ لَيَكُونا وقْتَيْنِ لِلذّاكِرِينَ مَن فاتَهُ وِرْدُهُ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخَرِ. وقُرِئَ: "أنْ يَذْكُرَ" مَن ذُكِرَ بِمَعْنى تَذَكَّرَ.

الفرقان 25:63

﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أوْصافِ خُلَّصِ عِبادِ الرَّحْمَنِ وأحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخُرَوِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ حالَ النّافِرِينَ عَنْ عِبادَتِهِ والسُّجُودِ لَهُ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ المَوْصُولِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو ما في آخَرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ الإشارَةِ. وقُرِئَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ، أيْ: عِبادُهُ المَقْبُولُونَ. ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أيْ: بِسَكِينَةٍ وتَواضُعٍ، و"هَوْنًا" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ونُصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَمْشُونَ"، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ، أيْ: يَمْشُونَ هَيِّنِينَ لَيِّنِي الجانِبِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ، أوْ مَشْيًا هَيِّنًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ أيِ: السُّفَهاءُ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ ألّا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينَ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُعامَلَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أيْ: إذا خاطَبُوهم بِالسُّوءِ قالُوا تَسْلِيمًا مِنكُمُ ومُتارَكَةً لا خَيْرَ بَيْنَنا وبَيْنَكم شَرِّ، وقِيلَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ يُسَلِّمُونَ بِهِ مِنَ الأذِيَّةِ والإثْمِ ولَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكَفَرَةِ حَتّى يُقالَ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

الفرقان 25:64

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ، أيْ: يَكُونُونَ ساجِدِينَ لِرَبِّهِمْ وقائِمِينَ، أيْ: يُحْيُونَ اللَّيْلَ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: "مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القرآن في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا"، وقِيلَ: هُما الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ والرَّكْعَتانِ بَعْدَ العِشاءِ، وتَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى القِيامِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

الفرقان 25:65

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أيْ: في أعْقابِ صَلَواتِهِمْ، أوْ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ ﴿رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ (p-229)إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: شَرًّا دائِمًا وهَلاكًا لازِمًا، وفِيهِ مَزِيدُ مَدْحٍ لَهم بِبَيانِ أنَّهم مَعَ حُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ واجْتِهادِهِمْ في عِبادَةِ الحَقِّ يَخافُونَ العَذابَ ويَبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في صَرْفِهِ عَنْهم مُخْتَلِفِينَ بِأعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ .

الفرقان 25:66

﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ المَذْكُورِ بِسُوءِ حالِها في نَفْسِها إثْرَ تَعْلِيلِهِ بِسُوءِ حالِ عَذابِها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأُولى ولَيْسَ بِذاكَ. و"ساءَتْ" في حُكْمِ "بَئِسْتُ"، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مُسْتَقَرًّا، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ "إنَّ" وجَعَلَها خَبَرًا لَها، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ساءَتْ" بِمَعْنى "أحْزَنَتْ"، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ "إنَّ"، و"مُسْتَقَرًّا" حالٌ، أوْ تَمْيِيزٌ وهو بَعِيدٌ خالٍ عَمّا في الأوَّلِ مِنَ المُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ حالِها، وكَذا جَعَلَ التَّعْلِيلَيْنِ مِن جِهَتِهِ تَعالى.

الفرقان 25:67

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لَمْ يُجاوِزُوا حَدَّ الكَرَمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وقِيلَ: الإسْرافُ: هو الإنْفاقُ في المَعاصِي، والقُتْرُ: مَنعُ الواجِباتِ والقُرْبِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ مَعَ فَتْحِ الياءِ، وبِكَسْرِها مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً مَعَ ضَمِّ الياءِ. ﴿وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ ﴿قَوامًا﴾ وسَطًا وعَدْلًا سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ كَما سُمِّيَ بِهِ سَواءً لِاسْتِوائِهِما. وقُرِئَ بِالكَسْرِ وهو ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، وهو خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أوْ هو الخَبَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ لَغْوٌ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ فَإنَّهُ بِمَعْنى القِوامِ فَيَكُونُ كالإخْبارِ بِشَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ.

الفرقان 25:68

﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ اجْتِنابِهِمْ عَنِ المَعاصِي بَعْدَ بَيانِ إتْيانِهِمْ بِالطّاعاتِ، وذِكْرُ نَفْيِ الإسْرافِ والقَتْرِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الِاقْتِصادِ، والتَّصْرِيحُ بِوَصْفِهِمْ بِنَفْيِ الإشْراكِ مَعَ ظُهُورِ إيمانِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ وتَهْوِيلِ أمْرِ القَتْلِ والزِّنا بِنُظُمِهِما في سِلْكِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِما كانَ عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، أيْ: لا يَعْبُدُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهًا آخَرَ. ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَرَّمَها بِمَعْنى: حَرَّمَ قَتْلَها فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ مُبالَغَةً في التَّحْرِيمِ. ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: لا يَقْتُلُونَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ المُزِيلِ لِحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، أوْ لا يَقْتُلُونَ قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، أوْ لا يَقْتُلُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ. ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِن هَذِهِ العَظائِمِ القَبِيحَةِ الَّتِي جَمَعَهُنَّ الكَفَرَةُ حَيْثُ كانُوا مَعَ إشْراكِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ مُداوِمِينَ عَلى قَتْلِ النُّفُوسِ المُحَرَّمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَوْءُودَةُ، مُكِبِّينَ عَلى الزِّنا لا يَرْعَوْنَ عَنْهُ أصْلًا. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ كَما هو دَأْبُ الكَفَرَةِ (p-230)المَذْكُورِينَ ﴿يَلْقَ﴾ في الآخِرَةِ، وقُرِئَ: "يَلَقَّ" بِالتَّشْدِيدِ مَجْزُومًا ﴿أثامًا﴾ وهو جَزاءُ الإثْمِ كالوَبالِ والنَّكالِ وزْنًا ومَعْنًى، وقِيلَ: هو الإثْمُ، أيْ: يَلْقَ جَزاءَ الإثْمِ والتَّنْوِينُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّفْخِيمِ. وقُرِئَ: "أيّامًا" أيْ: شَدائِدَ، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أيّامٍ لِلْيَوْمِ الصَّعْبِ.

الفرقان 25:69

﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَدَلٌ مَن "يَلْقَ" لِاتِّحادِهِما في المَعْنى كَقَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: "يُضَعَّفُ" و "نُضَعِّفُ لَهُ العَذابَ" بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ. ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ العَذابِ المُضاعَفِ ﴿مُهانًا﴾ ذَلِيلًا مُسْتَحْقَرًا جامِعًا لِلْعَذابِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، وقُرِئَ: "يُخْلَدُ" و "يُخَلَّدُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ.

الفرقان 25:70

وَقُرِئَ: "تَخْلُدُ" بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ ومُضاعَفَةِ العَذابِ لِانْضِمامِ المَعاصِي إلى الكُفْرِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وذِكْرُ المَوْصُوفِ مَعَ جَرَيانِ الصّالِحِ والصّالِحاتِ مَجْرى الِاسْمِ لِلِاعْتِناءِ والتَّنْصِيصِ عَلى مُغايَرَتِهِ لِلْأعْمالِ السّابِقَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لِفْظِهِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ بِأنْ يَمْحُوَ سَوابِقَ مَعاصِيهِمْ بِالتَّوْبَةِ ويُثْبِتُ مَكانَها لَواحِقَ طاعَتِهِمْ، أوْ يُبَدِّلَ بِمَلْكَةِ المَعْصِيَةِ ودَواعِيها في النَّفْسِ مَلَكَةَ الطّاعَةِ بِأنْ يُزِيلَ الأُولى ويَأْتِي بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: بِأنْ يُوَفِّقَهُ لِأضْدادِ ما سَلَفَ مِنهُ، أوْ أنْ يُثْبِتَ لَهُ بَدَلَ كُلِّ عِقابٍ ثَوابًا، وقِيلَ: يُبْدِلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلُ المُسْلِمِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ.

الفرقان 25:71

﴿وَمَن تابَ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي بِتَرْكِها بِالكُلِّيَّةِ والنَّدَمِ عَلَيْها ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ مِنهُ أوْ خَرَجَ عَنِ المَعاصِي، ودَخَلَ في الطّاعاتِ. ﴿فَإنَّهُ﴾ بِما فَعَلَ ﴿يَتُوبُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ﴿مَتابًا﴾ أيْ: مَتابًا عَظِيمَ الشَّأْنِ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى ماحِيًا لِلْعِقابِ مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ يَتُوبُ مَتابًا إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ، أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى أوْ إلى ثَوابِهِ مَرْجِعًا حَسَنًا. وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

الفرقان 25:72

﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يُقِيمُونَ الشَّهادَةَ الكاذِبَةَ، أوْ لا يَحْضُرُونَ مَحاضِرَ الكَذِبِ فَإنَّ مُشاهَدَةَ الباطِلِ مُشارِكَةٌ فِيهِ. ﴿وَإذا مَرُّوا﴾ عَلى طَرِيقِ الِاتِّفاقِ ﴿بِاللَّغْوِ﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ مُعْرِضِينَ عَنْهُ مُكْرِمِينَ أنْفُسَهم عَنِ الوُقُوفِ عَلَيْهِ والخَوْضِ فِيهِ، ومِن ذَلِكَ الإغْضاءُ عَنِ الفَواحِشِ، والصَّفْحِ عَنِ الذُّنُوبِ، والكِنايَةُ عَمّا يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ.

الفرقان 25:73

(p-231)﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُنْطَوِيَةِ عَلى المَواعِظِ والأحْكامِ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ أيْ: أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ بِآذانٍ واعِيَةٍ مُجِلِّينَ لَها بِعُيُونٍ راعِيَةٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الضِّدِّ تَعْرِيضًا بِما يَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَعاصِي المَدْلُولِ عَلَيْها بِاللَّغْوِ.

الفرقان 25:74

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلطّاعَةِ وحِيازَةِ الفَضائِلِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ساعَدَهُ أهْلُهُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وشارَكُوهُ فِيها يُسَرُّ بِهِمْ قَلْبُهُ وتَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ لِما يُشاهِدُهُ مِن مُشايَعَتِهِمْ لَهُ في مَناهِجِ الدِّينِ وتَوَقُّعِ لُحُوقِهِمْ بِهِ في الجَنَّةِ حَسَبَما وعَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ . و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ، وقُرِئَ: "وَذُرِّيَتا" . وتَنْكِيرُ الأعْيُنِ لِإرادَةِ تَنْكِيرِ القُرَّةِ تَعْظِيمًا، وتَقْلِيلُها لِأنَّ المُرادَ أعْيُنُ المُتَّقِينَ ولا رَيْبَ في قِلَّتِها نَظَرًا إلى غَيْرِها. ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ أيِ: اجْعَلْنا بِحَيْثُ يَقْتَدُونَ بِنا في إقامَةِ مَواسِمِ الدِّينِ بِإفاضَةِ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وتَوْحِيدُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ وعَدَمِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾، أوْ لِأنَّ المُرادَ: واجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، أوْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لِاتِّحادِ طَرِيقَتِهِمْ واتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ كَذا قالُوا، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَدارَ الكُلِّ صُدُورُ هَذا الدُّعاءِ إمّا عَنِ الكُلِّ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ وأنَّهُ مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِهِمْ في عَصْرٍ واحِدٍ فَما ظَنُّكَ بِاجْتِماعِهِمْ في مَجْلِسٍ واحِدٍ واتِّفاقِهِمْ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وإمّا عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِطَرِيقِ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ في اسْتِدْعاءِ الإمامَةِ وأنَّهُ لَيْسَ بِثابِتٍ جَزْمًا، بَلِ الظّاهِرُ صَوَّرَهُ عَنْهم بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ وأنَّ عِبارَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ الدُّعاءِ: "واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا" خَلا أنَّهُ حُكِيَتْ عِباراتُ الكُلِّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِلْقَصْدِ إلى الإيجازِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ وأُبْقِيَ إمامًا عَلى حالِهِ، وقِيلَ: الإمامُ جَمْعُ "آمٍّ" بِمَعْنى: قاصِدٍ كَصِيامٍ جَمْعُ صائِمٍ، ومَعْناهُ: قاصِدِينَ لَهم مُقْتَدِينَ بِهِمْ. وإعادَةُ المَوْصُولِ في المَواقِعِ السَّبْعَةِ مَعَ كِفايَةِ ذِكْرِ الصِّلاتِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ المَذْكُورَةِ وصْفٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ ولا يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَتِمَّةً لِغَيْرِهِ. وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ المَوْصُولاتِ لِتَنْـزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ: ؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ

الفرقان 25:75

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِينَ بِما فَصَلَ في حِينِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ الثَّمانِيَةِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكَ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ السَّنِيَّةِ. والغُرْفَةُ: الدَّرَجَةُ العالِيَةُ مِنَ المَنازِلِ وكُلُّ بِناءٍ (p-232) مُرْتَفَعٍ عالٍ، أيْ: يُثابُونَ أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾، وقِيلَ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ: بِصَبْرِهِمْ عَلى المَشاقِّ مِن مَضَضِ الطّاعاتِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ وتَحَمُّلِ المُجاهَداتِ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ ﴿تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ أيْ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ ويَدْعُونَ لَهم بِطُولِ الحَياةِ والسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، أوْ يُعْطُونَ التَّبْقِيَةَ والتَّخْلِيدَ مَعَ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، وقِيلَ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: "يَلْقَوْنَ" مِن لَقِيَ.

الفرقان 25:76

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في مُقابِلِهِ.

الفرقان 25:77

﴿قُلْ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أنَّ الفائِزُونَ بِتِلْكَ النَّعْماءِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ إنَّما نالُوها بِما عُدِّدَ مِن مَحاسِنِهِمْ ولَوْلاها لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ أصْلًا، أيْ: قُلْ لَهم كافَّةً مُشافِهًا لَهم بِما صَدَرَ عَنْ جِنْسِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أيْ: أيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم، وأيُ اعْتِدادٍ يُعْتَدُّ بِكم لَوْلا عِبادَتُكم لَهُ تَعالى حَسَبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، فَإنَّ ما خُلِقَ لَهُ الإنْسانُ مَعْرِفَتُهُ تَعالى وطاعَتُهُ وإلّا فَهو وسائِرُ البَهائِمِ سَواءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ما يَصْنَعُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: ما يَصْنَعُ بِعَذابِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ آلِهَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ كَما أنَّ ما قَبْلَهُ بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ مِنهم، أيْ: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِما أخْبَرْتُكم بِهِ وخالَفْتُمُوهُ أيُّها الكَفَرَةُ ولَمْ تَعْمَلُوا عَمَلَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، وقِيلَ: فَقَدْ قَصَّرْتُمْ في العِبادَةِ مِن قَوْلِهِمْ: كَذَبَ القِتالُ: إذا لَمْ يُبالِغْ فِيهِ. وقُرِئَ: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ" أيِ: الكافِرُونَ مِنكم لِعُمُومِ الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وفائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مَناطَ فَوْزِ أحَدِهِما وخُسْرانِ الآخَرِ مَعَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ المُصَحِّحِ لِلِاشْتِراكِ في الفَوْزِ لَيْسَ إلّا اخْتِلافُهُما في الأعْمالِ. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أيْ: يَكُونُ جَزاءُ التَّكْذِيبِ أوْ أثَرُهُ لازِمًا يَحِيقُ بِكم لا مَحالَةَ حَتّى يُكِبَّكم في النّارِ، كَما تُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ الدّالَّةُ عَلى لُزُومِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها، وإنَّما أُضْمِرَ مِن غَيْرِ ذَكْرٍ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَكْتَنِهُهُ البَيانُ، وقِيلَ: يَكُونُ العَذابُ لِزامًا. وعَنْ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّهُ لُوزِمَ بَيْنَ القَتْلى. وقُرِئَ: "لِزامًا" بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ كالثَّباتِ والثُّبُوتِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الفُرْقانِ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو مُؤْمِنٌ بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأُدْخِلَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ نَصَبٍ﴾ .