Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — الحج 22:1 – المؤمنون 23:118

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. الحج 22:1
  2. الحج 22:2
  3. الحج 22:3
  4. الحج 22:4
  5. الحج 22:5
  6. الحج 22:6
  7. الحج 22:7
  8. الحج 22:8
  9. الحج 22:9
  10. الحج 22:10
  11. الحج 22:11
  12. الحج 22:12
  13. الحج 22:13
  14. الحج 22:14
  15. الحج 22:15
  16. الحج 22:16
  17. الحج 22:17
  18. الحج 22:18
  19. الحج 22:19
  20. الحج 22:20
  21. الحج 22:21
  22. الحج 22:22
  23. الحج 22:23
  24. الحج 22:24
  25. الحج 22:25
  26. الحج 22:26
  27. الحج 22:27
  28. الحج 22:28
  29. الحج 22:29
  30. الحج 22:30
  31. الحج 22:31
  32. الحج 22:32
  33. الحج 22:33
  34. الحج 22:34
  35. الحج 22:35
  36. الحج 22:36
  37. الحج 22:37
  38. الحج 22:38
  39. الحج 22:39
  40. الحج 22:40
  41. الحج 22:41
  42. الحج 22:42
  43. الحج 22:43
  44. الحج 22:44
  45. الحج 22:45
  46. الحج 22:46
  47. الحج 22:47
  48. الحج 22:48
  49. الحج 22:49
  50. الحج 22:50
  51. الحج 22:51
  52. الحج 22:52
  53. الحج 22:53
  54. الحج 22:54
  55. الحج 22:55
  56. الحج 22:56
  57. الحج 22:57
  58. الحج 22:58
  59. الحج 22:59
  60. الحج 22:60
  61. الحج 22:61
  62. الحج 22:62
  63. الحج 22:63
  64. الحج 22:64
  65. الحج 22:65
  66. الحج 22:66
  67. الحج 22:67
  68. الحج 22:68
  69. الحج 22:69
  70. الحج 22:70
  71. الحج 22:71
  72. الحج 22:72
  73. الحج 22:73
  74. الحج 22:74
  75. الحج 22:75
  76. الحج 22:76
  77. الحج 22:77
  78. الحج 22:78
  79. المؤمنون 23:1
  80. المؤمنون 23:2
  81. المؤمنون 23:3
  82. المؤمنون 23:4
  83. المؤمنون 23:5
  84. المؤمنون 23:6
  85. المؤمنون 23:7
  86. المؤمنون 23:8
  87. المؤمنون 23:9
  88. المؤمنون 23:10
  89. المؤمنون 23:11
  90. المؤمنون 23:12
  91. المؤمنون 23:13
  92. المؤمنون 23:14
  93. المؤمنون 23:15
  94. المؤمنون 23:16
  95. المؤمنون 23:17
  96. المؤمنون 23:18
  97. المؤمنون 23:19
  98. المؤمنون 23:20
  99. المؤمنون 23:21
  100. المؤمنون 23:22
  101. المؤمنون 23:23
  102. المؤمنون 23:24
  103. المؤمنون 23:25
  104. المؤمنون 23:26
  105. المؤمنون 23:27
  106. المؤمنون 23:28
  107. المؤمنون 23:29
  108. المؤمنون 23:30
  109. المؤمنون 23:31
  110. المؤمنون 23:32
  111. المؤمنون 23:33
  112. المؤمنون 23:34
  113. المؤمنون 23:35
  114. المؤمنون 23:36
  115. المؤمنون 23:37
  116. المؤمنون 23:38
  117. المؤمنون 23:39
  118. المؤمنون 23:40
  119. المؤمنون 23:41
  120. المؤمنون 23:42
  121. المؤمنون 23:43
  122. المؤمنون 23:44
  123. المؤمنون 23:45
  124. المؤمنون 23:46
  125. المؤمنون 23:47
  126. المؤمنون 23:48
  127. المؤمنون 23:49
  128. المؤمنون 23:50
  129. المؤمنون 23:51
  130. المؤمنون 23:52
  131. المؤمنون 23:53
  132. المؤمنون 23:54
  133. المؤمنون 23:55
  134. المؤمنون 23:56
  135. المؤمنون 23:57
  136. المؤمنون 23:58
  137. المؤمنون 23:59
  138. المؤمنون 23:60
  139. المؤمنون 23:61
  140. المؤمنون 23:62
  141. المؤمنون 23:63
  142. المؤمنون 23:64
  143. المؤمنون 23:65
  144. المؤمنون 23:66
  145. المؤمنون 23:67
  146. المؤمنون 23:68
  147. المؤمنون 23:69
  148. المؤمنون 23:70
  149. المؤمنون 23:71
  150. المؤمنون 23:72
  151. المؤمنون 23:73
  152. المؤمنون 23:74
  153. المؤمنون 23:75
  154. المؤمنون 23:76
  155. المؤمنون 23:77
  156. المؤمنون 23:78
  157. المؤمنون 23:79
  158. المؤمنون 23:80
  159. المؤمنون 23:81
  160. المؤمنون 23:82
  161. المؤمنون 23:83
  162. المؤمنون 23:84
  163. المؤمنون 23:85
  164. المؤمنون 23:86
  165. المؤمنون 23:87
  166. المؤمنون 23:88
  167. المؤمنون 23:89
  168. المؤمنون 23:90
  169. المؤمنون 23:91
  170. المؤمنون 23:92
  171. المؤمنون 23:93
  172. المؤمنون 23:94
  173. المؤمنون 23:95
  174. المؤمنون 23:96
  175. المؤمنون 23:97
  176. المؤمنون 23:98
  177. المؤمنون 23:99
  178. المؤمنون 23:100
  179. المؤمنون 23:101
  180. المؤمنون 23:102
  181. المؤمنون 23:103
  182. المؤمنون 23:104
  183. المؤمنون 23:105
  184. المؤمنون 23:106
  185. المؤمنون 23:107
  186. المؤمنون 23:108
  187. المؤمنون 23:109
  188. المؤمنون 23:110
  189. المؤمنون 23:111
  190. المؤمنون 23:112
  191. المؤمنون 23:113
  192. المؤمنون 23:114
  193. المؤمنون 23:115
  194. المؤمنون 23:116
  195. المؤمنون 23:117
  196. المؤمنون 23:118

الحج 22:1

(p-91)(سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ إلّا الآياتِ [52، 53، 54، 55] فَبَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وآياتُها 78 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّـزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سَلْكِهِمْ بَعْدُ مِنَ المَوْجُودِينَ القاصِرِينَ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ والحادِثِينِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ كانَ خِطابُ المُشافَهَةِ مُخْتَصًّا بِالفَرِيقِ الأوَّلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَقْرِيرُهُ في مَطْلَعِ (سُورَةِ النِّساءِ ) . ولَفْظُ "النّاسِ" يَنْتَظِمُ الذُّكُورَ والإناثَ حَقِيقَةً، وأمّا صِيغَةُ جَمْعِ المَذْكُورِ فَوارِدَةٌ عَلى نَهْجِ التَّغْلِيبِ لِعَدَمِ تَناوُلِها لِلْإناثِ حَقِيقَةً إلّا عِنْدَ الحَنابِلَةِ، والمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقُ التَّقْوى الَّذِي هو التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَسَبَما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، أيِ: احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ الأمْرِ بِذِكْرِ بَعْضِ عُقُوباتِهِ الهائِلَةِ فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِها وهَوْلِها وفَظاعَةِ ما هي مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ. والزَّلْزَلَةُ: التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَراكِزِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ إمّا إضافَةُ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ عَلى المَجازِ الحُكْمِيِّ كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ الأشْياءَ، أوْ إضافَتُهُ إلى الظَّرْفِ إمّا بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، وهي الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . عَنِ الحَسَنِ: أنَّها تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها. وعَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ: أنَّها قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، فَإضافَتُها إلى السّاعَةِ حِينَئِذٍ لِكَوْنِها مِن أشْراطِها. وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها، والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ.

الحج 22:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ مُنْتَصِبٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ، والضَّمِيرُ لِلزَّلْزَلَةِ، أيْ: وقْتَ رُؤْيَتِكم إيّاها ومُشاهَدَتِكم لِهَوْلِ مَطْلَعِها. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أيْ: مُباشِرَةٍ لِلْإرْضاعِ ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ أيْ: تَغْفُلُ مَعَ دَهْشَةٍ عَمّا هي بِصَدَدِ (p-92)إرْضاعِهِ مِن طِفْلِها الَّذِي ألْقَمَتْهُ ثَدْيَها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما دُونَ "مَن" لِتَأْكِيدِ الذُّهُولِ وكَوْنُهُ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِها أنَّهُ ماذا لا أنَّها تَعْرِفُ شِيئَتَهُ، لَكِنْ لا تَدْرِي مَن هو بِخُصُوصِهِ. وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تُذْهِلُ عَنْ إرْضاعِها، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وكَمالِ الِانْزِعاجِ. وقُرِئَ: "تُذْهَلُ" مِنَ الإذْهالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أوْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مَعَ نَصْبِ "كُلَّ"، أيْ: تُذْهِلُها الزَّلْزَلَةُ. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أيْ: تَلْقى جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَذْهَلُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ. وأمّا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ أشَدُّ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ وأهْوَلُ مِمّا وُصِفَ وأطَمُّ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَإنَّهم يَقُومُونَ عَلى ما صُعِقُوا في النَّفْخَةِ الأُولى، فَتَقُومُ المُرْضِعَةُ عَلى إرْضاعِها والحامِلُ عَلى حَمْلِها، ولا رَيْبَ في أنَّ قِيامَ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لا قَبْلَها حَتّى يَتَصَوَّرَ ما ذُكِرَ. ﴿وَتَرى النّاسَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ عَلى خِطابِ كُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ بِرُؤْيَةِ الزَّلْزَلَةِ، والِاخْتِلافُ بِالجَمْعِيَّةِ والإفْرادِ لِما أنَّ المَرْئِيَّ في الأوَّلِ هي الزَّلْزَلَةُ الَّتِي يُشاهِدُها الجَمِيعُ، وفي الثّانِي حالٌ مِن عَدا المُخاطَبِ مِنهم فَلا بُدَّ مِنَ اِفْرادِ المُخاطَبِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، لَكِنْ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ المُرادَ بَيانُ تَأْثِيرِ الزَّلْزَلَةِ في المَرْئِيِّ لا في الرّائِي بِاخْتِلافِ مَشاعِرِهِ لِأنَّ مَدارَهُ حَيْثِيَّةُ رُؤْيَتِهِ لِلزَّلْزَلَةِ لا لِغَيْرِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصِيرُ النّاسُ سُكارى .. إلَخِ، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في التَّنْـزِيلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ ظُهُورِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الجَلاءِ إلى حَدٍّ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ، أيْ: يَراهم كُلُّ أحَدٍ. ﴿سُكارى﴾ أيْ: كَأنَّهم سُكارى ﴿وَما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَيُرْهِقُهم هَوْلُهُ ويُطَيِّرُ عُقُولَهم ويَسْلُبُ تَمْيِيزَهم فَهو الَّذِي جَعَلَهم كَما وُصِفُوا. وقُرِئَ: "تُرى" بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَيْتُكَ قائِمًا أوْ رُؤْيَتُكَ قائِمًا والنّاسَ مَنصُوبٌ، أيْ: تَظُنُّهم سُكارى. وقُرِئَ بِرَفْعِ النّاسِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ المَجْهُولِ إلَيْهِ والتَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ. وقُرِئَ "تَرى" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: تُرِي الزَّلْزَلَةُ الخَلْقَ جَمِيعَ النّاسِ سُكارى، وقُرِئَ: "سَكْرى" و "سَكْرى" كَعَطْشى وجَوْعى إجْراءً لِلسُّكْرِ مَجْرى العِلَلِ.

الحج 22:3

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ بَيانٍ عَظِيمِ شَأْنِ السّاعَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ البَعْثِ بَيانًا لِحالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَها ومَحَلُّ الجارِّ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، إمّا بِحَمْلِهِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ كَما مَرَّ مِرارًا، أيْ: وبَعْضُ النّاسِ، أوْ وبَعْضٌ كائِنٌ مِنَ النّاسِ. ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِهِ تَعالى، ويَقُولُ فِيهِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُجادِلُ" مُوَضِّحَةٌ لِما يَشْعُرُ بِها المُجادَلَةُ مِنَ الجَهْلِ، أيْ: مُلابِسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وكانَ جَدَلًا يَقُولُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والقرآن أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ وهي عامَّةٌ لَهُ ولِأضْرابِهِ مِنَ العُتاةِ المُتَمَرِّدِينَ. ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أيْ: فِيما يَتَعاطاهُ مِنَ المُجادَلَةِ، أوْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ. ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ مُتَجَرِّدٍ لِلْفَسادِ، وأصْلُهُ العُرى المُنْبِئِ عَنِ التَّمَخُّصِ لَهُ كالتَّشَمُّرِ، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَجَرُّدِ المُصارِعِينَ عِنْدَ المُصارَعَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَرِيدُ والمارِدُ المُرْتَفِعُ الأمْلَسُ، والمُرادُ: إمّا رُؤَساءُ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِمْ إلى الكُفْرِ، وإمّا إبْلِيسُ وجُنُودُهُ.

الحج 22:4

(p-93)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الشَّيْطانِ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" فاعِلُ كُتِبَ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أيْ: رُقِّمَ بِهِ لِظُهُورِ ذَلِكَ مِن حالِهِ أنَّ الشَّأْنَ. ﴿مَن تَوَلاهُ﴾ أيِ: اتَّخَذَهُ ولِيًّا وتَبِعَهُ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ "مَن" شُرْطِيَّةً وخَبَرٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، أيْ: مَن تَوَلّاهُ فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ أوْ طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ فَحَقٌّ أنَّهُ يُضِلُّهُ قَطْعًا. وقِيلَ: "فَأنَّهُ" مَعْطُوفٌ عَلى "أنَّهُ" وفِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يُخْفى. وقِيلَ: مِمّا لا يَخْلُو عَنِ التَّمَحُّلِ والتَّأْوِيلِ. وقُرِئَ: "فَإنَّهُ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَن أوْ جَوابٌ لَها، وقُرِئَ بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى حِكايَةِ المَكْتُوبِ كَما هو مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: كَتَبْتُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ تَضْمِينِ الكُتُبِ مَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَراهُ. ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ بِحَمْلِهِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ السَّيِّئاتِ.

الحج 22:5

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إثْرَ ما حَكى أحْوالَ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وأُشِيرَ إلى ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أمْرُهم، أُقِيمَتِ الحُجَّةُ الدّالَّةُ عَلى تَحْقِيقِ ما جادَلُوا فِيهِ مِنَ البَعْثِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ مِنَ اِمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ تَعالى، أوْ مِن وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: ﴿مِنَ البَعْثِ﴾ بِالتَّحْرِيكِ كالجَلَبِ في الجَلْبِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ مَعَ التَّنْكِيرِ المُنْبِئِ عَنِ القِلَّةِ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِاسْتِحالَتِهِ، وإيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ تُقَرِّرِ حالِهِمْ في ذَلِكَ وإيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ إنِ ارْتَبْتُمْ في البَعْثِ، فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ . ﴿فَإنّا خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: فانْظُرُوا إلى مَبْدَإ خَلْقِكم لَيَزُولَ رَيْبُكم، فَإنّا خَلَقْناكم أيْ: خَلَقْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنكم ﴿مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ مِنهُ خَلْقًا إجْمالِيًّا فَإنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنهُ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا. ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقْناكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ، أيْ: مِن مَنِيٍّ مِنَ النُّطَفِ الَّذِي هو الصَّبُّ. ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٍ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ: مِن قِطْعَةِ اللَّحْمِ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ العَلَقَةِ وهي في الأصْلِ مِقْدارُ ما يُمْضَغُ. ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ بِالجَرِّ صِفَةُ مُضْغَةٍ، أيْ: مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ مُصَوَّرَةٍ. ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ: لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها وصُورَتُها بَعْدُ. والمُرادُ: تَفْصِيلُ حالِ المُضْغَةِ وكَوْنُها أوَّلًا قِطْعَةً لَمْ يُظْهَرْ فِيها شَيْءٌ (p-94)مِنَ الأعْضاءِ ثُمَّ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا وكانَ مُقْتَضى التَّرْتِيبِ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى التَّدَرُّجِ مِنَ المَبِادِئِ البَعِيدَةِ إلى القَرِيبَةِ أنْ يُقَدِّمَ غَيْرَ المُخَلَّقَةِ عَلى المُخَلَّقَةِ، وإنَّما أُخِّرَتْ عَنْها لِأنَّها عَدَمُ المَلَكَةِ هَذا وقَدْ فُسِّرَتا بِالمُسَوّاةِ وغَيْرِ المُسَوّاةِ، وبِالتّامَّةِ والسّاقِطَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وفي جَعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ مَبْدَأً لِخَلْقِهِمْ لا لِخَلْقِ ما بَعْدَها مِنَ المَراتِبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:" ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ..." الآيَةَ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ قدرته تعالى وكَسْرٍ لِسَوْرَةِ اسْتِبْعادِهِمْ. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِنا، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِتَفْخِيمِهِ كَمًّا وكَيْفًا، أيْ: خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِنُبَيِّنَ لَكم بِذَلِكَ ما لا تَحْصُرُهُ العِبارَةُ مِنَ الحَقائِقِ والدَّقائِقِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سِرُّ البَعْثِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ تَأمُّلًا حَقِيقِيًّا جَزَمَ جَزْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّ عَلى خَلْقِ البَشَرِ أوَّلًا مِن تُرابٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ. وإنْشائِهِ عَلى وجْهٍ مُصَحَّحٍ لِتَوْلِيدِ مِثْلِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِتَصْرِيفِهِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وتَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ ما بَيْنَ تِلْكَ الأطْوارِ والأحْوالِ مِنَ المُخالَفَةِ والتَّبايُنِ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ، بَلْ هو أهْوَنُ في القِياسِ نَظَرًا إلى الفاعِلِ والقابِلِ. وقُرِئَ: "لِيُبَيِّنَ" بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِهِمْ، وعَدَمُ نَظْمِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ في سَلْكِ الخَلْقِ المُعَلَّلِ بِالتَّبَيُّنِ مَعَ كَوْنِهِما مِن مُتَمِّماتِهِ ومِن مَبادِئِ التَّبْيِينِ أيْضًا لِما أنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ المَبْحُوثُ عَنْهُ أجْلى وأظْهَرُ، أيْ: ونَحْنُ نُقِرُّ في الأرْحامِ بَعْدَ ذَلِكَ ما نَشاءُ أنْ نُقِرَّهُ فِيها. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ الوَضْعِ وأدْناهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وأقْصاهُ سَنَتانِ، وقِيلَ: أرْبَعُ سِنِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ ما في الأرْحامِ لا يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إقْرارَهُ فِيها بَعْدَ تَكامُلِ خَلْقِهِ فَتُسْقِطُهُ، والتَّعَرُّضُ لِلْإزْلاقِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ الكَلامَ فِيما جَرى عَلَيْهِ أطْوارُ الخَلْقِ وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِغَيْرِ المُخَلَّقَةِ لَيْسَ مَن وُلِدَ ناقِصًا أوْ مَعِيبًا، وأنَّ ما فُصِّلَ إلى هُنا هي الأطْوارُ المُتَوارِدَةُ عَلى المَوْلُودِ قَبْلَ الوِلادَةِ. وقُرِئَ: "يُقِرُّ" بِالياءِ، و"نُقِرُّ" و "يَقُرُّ" بِضَمِ القافِ مَن قَرُرَتِ الماءُ إذا أصَبَبْتَهُ. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ أيْ: مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم بَعْدَ إقْرارِكم فِيها عِنْدَ تَمامِ الأجَلِ المُسَمّى. ﴿طِفْلا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم أطْفالًا، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ بِإرادَةِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. وقُرِئَ: "يُخْرِجُكُمْ" بِالياءِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَهُ مُناسِبَةٌ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ نُمْهِلُكم لِتَبْلُغُوا .. إلَخِ. وما قِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنُ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. هَذا وقَدْ قُرِئَ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلَيْنِ بِالنَّصْبِ حِكايَةً وغَيْبَةً، فَهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى "نُبَيِّنُ" مَثَلَهُما، والمَعْنى: خَلَقْناكم عَلى التَّدْرِيجِ المَذْكُورِ لِغايَتَيْنِ مُتَرَتِّبَتَيْنِ عَلَيْهِ، إحْداهُما أنْ نُبَيِّنَ شُئُونَنا، والثّانِيَةُ أنْ نُقِرَّكم في الأرْحامِ ثُمَّ نُخْرِجُكم صِغارًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم. وتَقْدِيمُ التَّبْيِينِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ حُصُولَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ غايَةُ الغاياتِ ومَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وإعادَةُ اللّامِ هَهُنا مَعَ تَجْرِيدِ الأوَّلِينِ عَنْها لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِ في الغَرَضِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ المُؤَدِّي إلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإيثارُ البُلُوغِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِينَ عَلى التَّبْلِيغِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِبَيانِ حالِ اتَّصافِهِمْ بِالكَمالِ واسْتِقْلالِهِمْ بِمَبْدَئِيَّةِ الآثارِ والأفْعالِ، والأشُدُّ مِنَ الفاظِ الجُمُوعِ الَّتِي لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَها واحِدٌ كالأسَدِ والقَتُودِ، وكَأنَّها حِينَ كانَتْ شِدَّةً في غَيْرِ شَيْءٍ بُنِيَتْ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ أيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ. (p-95)وَقُرِئَ: "يَتَوَفّى" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: يَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى. ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو الهَرَمُ والخَوْفُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ، وإيرادُ الرَّدِّ والتَّوَفِّي عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَعْيِينِ الفاعِلِ. ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾ أيْ: عِلْمٍ كَثِيرٍ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ مُبالَغَةً في انْتِقاصِ عِلْمِهِ وانْتِكاسِ حالِهِ، أيْ: لَيَعُودَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في أوانِ الطُّفُولِيَّةِ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ وسَخافَةِ العَقْلِ وقِلَّةِ الفَهْمِ فَيَنْسى ما عَلِمَهُ ويُنْكِرُ ما عَرَفَهُ ويَعْجَزُ عَمّا قَدَرَ عَلَيْهِ. وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ما لا يَخْفى. ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وهي بَصَرِيَّةٌ. و"هامِدَةً" حالٌ مِنَ الأرْضِ، أيْ: مَيِّتَةٌ يابِسَةٌ مِن هَمَدَتِ النّارُ: إذا صارَتْ رَمادًا. ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ انْتَفَخَتْ وازْدادَتْ. وقُرِئَ: "رَبَأتْ" أيِ: ارْتَفَعَتْ. ﴿وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ رائِقٍ يَسُرُّ ناظِرَهُ.

الحج 22:6

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ وإقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ مِنَ العالَمَيْنِ الإنْسانِيِّ والنَّباتِيِّ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اثارِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ شُئُونِهِ الذّاتِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، وأنَّ ما يُنْكِرُونَ وُجُودَهُ بَلْ إمْكانَهُ مِنَ اِتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ مِن أسْبابِ تِلْكَ الآثارِ العَجِيبَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها في الأنْفُسِ والآفاقِ ومَبادِئِ صُدُورِها عَنْهُ تَعالى، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وأصْلُهُ المَدْلُولُ في التَّحْقِيقِ وإظْهارُ بُطْلانِ إنْكارِهِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ إنْكارَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ مَعَ الجَزْمِ بِتَحْقِيقِ المُسَبَّبِ مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ. والمُرادُ بِالحَقِّ: هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ لا مَحالَةَ لِكَوْنِهِ لِذاتِهِ لا الثّابِتُ مُطْلَقًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارِّ والمَجْرُورُ، أيْ: ذَلِكَ الصُّنْعُ البَدِيعُ حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ. ﴿وَأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: شَأْنُهُ وعادَتُهُ إحْياؤُها وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْيائِها بَدْءًا وإعادَةً وإلّا لَما أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيِّتَةَ مِرارًا بَعْدَ مِرارٍ، وما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ ومُتَعَلَّقُها لا بِاعْتِبارِ نَفْسِها. ﴿وَأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُبالَغٌ في القُدْرَةِ، وإلّا لَما أوْجَدَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ القائِتَةِ لِلْحَصْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ قدرته تعالى لِذاتِهِ الَّذِي نَسَبَتْهُ إلى الكُلِّ سَواءٌ فَلَمّا دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى قدرته عَلى إحْياءِ بَعْضِ الأمْواتِ لَزِمَ اقْتِدارُهُ عَلى إحْياءِ كُلِّها فَمَنشَأةُ الغُفُولِ عَمّا سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ مِن بَيانِ كَوْنِ الآثارِ الخاتِمَةِ المَذْكُورَةِ مِن فُرُوعِ القُدْرَةِ العامَّةِ اللّامَّةِ ومُسَبِّباتِها، وتَخْصِيصُ إحْياءِ المَوْتى بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْدُورِ عَلَيْها لِلتَّصْرِيحِ بِما فِيهِ النِّزاعُ والدَّفْعُ في نُحُورِ المُنْكِرِينَ، وتَقْدِيمُهُ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِهِ.

الحج 22:7

﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ: فِيما سَيَأْتِي، وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إتْيانِها وتُقَرِّرُهُ البَتَّةَ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاهُ لا مَحالَةَ، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ التَّغَيُّرَ مِن مُقَدِّماتِ الِانْصِرامِ وطَلائِعِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الغُفُولِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: " لا رَيْبَ فِيهِ " إمّا خَبَرٌ (p-96)ثانٍ لِأنَّ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ السّاعَةِ في الخَبَرِ. ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ عَنْها: أنَّها في ظُهُورِ أمْرِها ووُضُوحِ دَلائِلِها التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْـزِيلِيَّةِ بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةٌ أنْ يَرْتابَ في إتْيانِها حَسَبَما مَرَّ في مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ كَما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ داخِلَةٌ مِثْلُهُما في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ. وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ إنَّ إتْيانَ السّاعَةِ وبَعْثَ المَوْتى مُؤَثِّرانِ فِيما ذَكَرَ مِن أفاعِيلِهِ تَعالى تَأْثِيرَ القُدْرَةِ فِيها، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ داعٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِمُوجِبِ رَأْفَتِهِ بِالعِبادِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ ومِنَ اِحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ صالِحٍ لِلِاسْتِشْهادِ بِهِ عَلى مَكانِهِما لَيَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى وُقُوعِهِما لا مَحالَةَ ويُصَدِّقُوا بِما يَنْطِقُ بِهِما مِنَ الوَحْيِ المُبَيِّنِ ويَنالُوا بِهِ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَ تَعالى ما فَعَلَ، بَلْ لَما خَلَقَ العالَمَ رَأْسًا وهَذا كَما تَرى مِن أحْكامِ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في أفْعالِهِ وابْتِنائِها عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ كَما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن أحْكامٍ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في صِفاتِهِ وكَوْنِها في غايَةِ الكَمالِ. وقَدْ جُعِلَ إتْيانُ السّاعَةِ وبَعْثُ مَن في القُبُورِ لِكَوْنِهِما مِن رَوادِفِ الحِكْمَةِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى وعَلى كُلِّ مَقْدُورٍ وأنَّهُ حَكِيمٌ لا يُخْلِفُ مِيعادَهُ وقَدْ وُعِدَ بِالسّاعَةِ والبَعْثِ فَلا بُدَّ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَآلَهُ الِاسْتِدْلالُ بِحكمته تعالى عَلى إتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ ولَيْسَ الكَلامُ في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو في سَبَبِيَّتِها لِما مَرَّ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وإحْياءِ الأرْضِ فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبَيِّنِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ بِالياءِ ولا داخِلًا في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ، بَلْ هو خَبَرٌ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ وأنَّ الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى. وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ... الآيَتَيْنِ.

الحج 22:8

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ هو أبُو جَهْلٍ بْنُ هِشامٍ حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُما، وقِيلَ: هو مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، كَما أنَّ الأوَّلَ مِن يُقَلِّدُهم عَلى أنَّ الشَّيْطانَ عِبارَةٌ عَنِ المُضِلِّ المُغْوِيِ عَلى الإطْلاقِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "يُجادِلُ"، أيْ: كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، والمُرادُ بِالعِلْمِ: العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، كَما أنَّ المُرادَ بِالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا هُدًى﴾: هو الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ الصَّحِيحُ الهادِي إلى المَعْرِفَةِ. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ وحَيٍّ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ، أيْ يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِمُقَدِّمَةٍ ضَرُورِيَّةٍ ولا بِحُجَّةٍ نَظَرِيَّةٍ ولا بِبُرْهانٍ سَمْعِيٍّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ . وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ المُجادَلَةُ الأوَّلُ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ أنَّهُ سَنَدٌ لَهُ مِنِ اسْتِدْلالٍ أوْ وحْيٍ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَيْفَ لا وإنَّ وصْفَهُ بِاتِّباعِ كُلِّ شَيْطانٍ مَوْصُوفٍ بِما ذُكِرَ يُغْنِي عَنْ وصْفِهِ بِالعَراءِ عَنِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ.

الحج 22:9

﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ حالٌ أُخْرى مِن فاعِلِ "يُجادِلُ"، أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ وطاوِيًا كَشْحَهُ مُعْرِضًا مُتَكِبِّرًا، فَإنَّ ثَنْيَ العَطْفِ كِنايَةٌ عَنِ (p-97)التَّكَبُّرِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ، أيْ: مانِعًا لِتَعَطُّفِهِ. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ، فَإنَّ غَرَضَهُ الإضْلالُ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ إضْلالٌ، والمُرادُ بِهِ: إمّا الإخْراجُ مِنَ الهُدى إلى الضَّلالِ، فالمَفْعُولُ مِن يُجادِلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ النّاسِ جَمِيعًا بِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِهِمْ، وإمّا التَّثْبِيتُ عَلى الضَّلالِ أوِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ مَجازًا فالمَفْعُولُ هُمُ الكَفَرَةُ خاصَّةً. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ، وجُعِلَ ضَلالُهُ غايَةً لِجِدالِهِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِهِ الضَّلالُ المُبِينُ الَّذِي لا هِدايَةَ لَهُ بَعْدَهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنها قَبْلَ ذَلِكَ. ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ ما سَلَكَهُ مِنَ الطَّرِيقَةِ، أيْ: يَثْبُتُ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ خِزْيٌ، وهو ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والصَّغارِ. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ: النّارِ المُحْرِقَةِ.

الحج 22:10

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي، والِالتِفاتُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ. ومَحَلُّ "أنَّ" في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مَن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا عَلى ما نَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بِالِغًا قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ) . والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لَمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَحَلَّ "أنَّ" هو الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ما قَدَّمَتْ فَقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ في (سُورَةِ الأنْفالِ ) .

الحج 22:11

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُذَبْذَبِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُجاهِرِينَ، أيْ: ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لِإثْباتٍ لَهُ فِيهِ، كالَّذِي يَنْحَرِفُ إلى طَرَفِ الجَيْشِ فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ كَرَّ وإلّا فَرَّ. ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: دُنْيَوِيٌّ مِنَ الصِّحَّةِ والسَّعَةِ ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا، لا أنَّهُ اطْمَأنَّ بِهِ اطْمِئْنانَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ. ﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ يُفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَعْتَرِيهِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ. ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أعارِيبَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، وكانَ أحَدُهم إذا صَحَّ بَدَنُهُ ونَتَجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا سَرِيًّا ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ ولَدًا سَوِيًّا وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ قالَ: ما أصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِي هَذا إلّا خَيْرًا واطْمَأنَّ، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافِهِ قالَ: ما أصَبْتُ إلّا شَرًّا وانْقَلَبَ. وعَنْأبِي سَعِيدٍ الخَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ يَهُودِيًّا أسْلَمَ فَأصابَتْهُ مَصائِبُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أقِلْنِي، فَقالَ ﷺ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم. ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ فَقْدَهُما وضَيَّعَهُما بِذَهابِ عِصْمَتِهِ وحُبُوطِ عَمَلِهِ بِالِارْتِدادِ. وقُرِئَ: "خاسِرَ" بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ووَضَعَ مَوْضِعِ الضَّمِيرِ (p-98)تَنْصِيصًا عَلى خُسْرانِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الخُسْرانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ. ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ الواضِحُ كَوْنُهُ خُسْرانًا إذْ لا خُسْرانَ مِثْلُهُ.

الحج 22:12

﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعِظَمِ الخُسْرانِ، أيْ: يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ إذا لَمْ يَعْبُدْهُ ﴿وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ إنْ عَبَدَهُ، أيْ: جَمادًا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَكْرِيرُ كَلِمَةِ "ما" . ﴿ذَلِكَ﴾ الدُّعاءُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنِ الحَقِّ والهُدى. مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَنِ اُبْعِدَ في التِّيهِ ضالًّا عَنِ الطَّرِيقِ.

الحج 22:13

﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَآلِ دُعائِهِ المَذْكُورِ وتَقْرِيرِ كَوْنِهِ ضَلالًا بَعِيدًا مَعَ إزاحَةِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن نَفْيِ الضَّرَرِ عَنْ مَعْبُودِهِ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ نَفْيُهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ أيْضًا، فالدُّعاءُ بِمَعْنى القَوْلِ واللّامُ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ مَقُولًا لَهُ، و"مَن" مُبْتَدَأٌ، و"ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ خَبَرُهُ "أقْرَبُ" والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ هو وجَوابُهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ، وإيثارُ "مَن" عَلى "ما" مَعَ كَوْنِ مَعْبُودِهِ جَمادًا وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ، أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى تَضَرُّرَهُ بِمَعْبُودِهِ ودُخُولَهُ النّارَ بِسَبَبِهِ ولا يُرى مِنهُ أثَرُ النَّفْعِ أصْلًا لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مَن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ النّاصِرُ هو ولَبِئْسَ الصّاحِبُ هو، فَكَيْفَ بِما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ عارٍ عَنِ النَّفْعِ بِالكُلِّيَّةِ ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" الثّانِي إعادَةً لِلْأوَّلِ لا تَأْكِيدَ لَهُ فَقَطْ، بَلْ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ سُوءِ حالِ مَعْبُودِهِ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ عِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ" كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَتِهِ لِما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو ذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ، فَكَلِمَةُ "مَن" وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ، و"مَن" مَفْعُولُ يَدْعُو. ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِغَيْرِ لامٍ، أيْ: يَعْبُدُ مَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وإيرادُ كَلِمَةِ "مَن" وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ تَهَكُّمٌ بِهِ أيْضًا، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

الحج 22:14

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ العابِدِينَ لَهُ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِما لا غايَةَ وراءَهُ مِن أجَلِ المَنافِعِ وأعْظَمِ الخَيْراتِ إثْرَ بَيانِ غايَةِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ ومَآلِهِمْ مِن فَرِيقَيِ المُجاهِرِينَ والمُذَبْذَبِينَ، وأنَّ مَعْبُودَهم لا يُجْدِيهِمْ شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ بَلْ يَضُرُّهم مَضَرَّةً عَظِيمَةً وأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِسُوءِ وِلايَتِهِ وعِشْرَتِهِ ويَذُمُّونَهُ مَذَمَّةً عامَّةً. وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ المُتَكاثِفَةُ السّائِرَةُ لِما تَحْتَها فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، (p-99)أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإنْ جُعِلْتْ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ اسْمِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في أوائِلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، أيْ: يَفْعَلُ البَتَّةَ كُلَّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ المُتْقَنَةِ اللّائِقَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الرّائِفَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إثابَةُ مَنِ امَنَ بِهِ وصَدَّقَ رَسُولَهُ ﷺ وعِقابُ مَن أشْرَكَ بِهِ وكَذَّبَ بِرَسُولِهِ ﷺ .

الحج 22:15

وَلَمّا كانَ هَذا مِنَ اثارِ نُصْرَتِهِ تَعالى لَهُ ﷺ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَحْقِيقًا لَها وتَقْرِيرًا لِثُبُوتِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وفِيهِ إيجازٌ بارِعٌ واخْتِصارٌ رائِعٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ناصِرٌ لِرَسُولِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، فَمَن كانَ يَغِيظُهُ ذَلِكَ مِن أعادِيهِ وحُسّادِهِ ويَظُنُّ أنْ لَنْ يَفْعَلَهُ تَعالى بِسَبَبِ مُدافَعَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ ومُباشَرَةِ ما يَرُدُّهُ مِنَ المَكايِدِ فَلْيُبالِغْ في اسْتِفْراغِ المَجْهُودِ ولِيُجاوِزْ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، فَقُصارى أمْرِهِ وعاقِبَةُ مَكْرِهِ أنْ يَخْتَنِقَ حَنَقًا مِمّا يَرى مِن ضَلالِ مَساعِيهِ وعَدَمِ إنْتاجِ مُقَدِّماتِهِ ومَبادِئِهِ. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ: لَيَخْتَنِقَ مَن قَطَعَ إذا اخْتَنَقَ، لِأنَّهُ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ. وقِيلَ: لَيَقْطَعَ الحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِناقِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: فَرْضُ القَطْعِ وتَقْدِيرُهُ، كَما أنَّ المُرادَ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾: تَقْدِيرُ النَّظَرِ وتَصْوِيرُهُ، أيْ: فَلْيُصَوِّرْ في نَفْسِهِ النَّظَرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ذَلِكَ الَّذِي هو أقْصى ما انْتَهَتْ إلَيْهِ قدرته في بابِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ ما يَغِيظُهُ مِنَ النُّصْرَةِ كُلًّا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلْيَنْظُرِ الآنَ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يُذْهِبُ ما يَغِيظُهُ ؟ وقِيلَ: المَعْنى فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ، ولِيَصْعَدْ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَيَقْطَعِ الوَحْيَ، وقِيلَ: لَيَقْطَعَ المَسافَةَ حَتّى يَبْلُغَ عِنانَها فَيَجْتَهِدَ في دَفْعِ نَصْرِهِ. ويَأْباهُ أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيانُ أنَّ الأُمُورَ المَفْرُوضَةَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها وتَحَقُّقِها بِمَعْزِلٍ مِنَ اِذْهابِ ما يَغِيظُ، ومِنَ البَيِّنِ أنْ لا مَعْنى لِفَرْضِ وُقُوعِ الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ لاسِيَّما قَطْعُ الوَحْيِ فَإنَّ فَرْضَ وُقُوعِهِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ قَطْعًا. وقِيلَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ وحَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ مِنَ النَّصْرِ، وآخَرُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ اتِّباعَهُ ﷺ ويَخْشَوْنَ أنْ لا يَثْبُتَ أمْرُهُ فَنَـزَلَتْ. وقَدْ فُسِّرَ النَّصْرُ بِالرِّزْقِ، فالمَعْنى: أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا تُنالُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى فَلا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّضا بِقِسْمَتِهِ، فَمَن ظَنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ رازِقِهِ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَسْتَسْلِمْ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَغْلِبُ القِسْمَةَ ولا يَرُدُّهُ مَرْزُوقًا.

الحج 22:16

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمُ كُلُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ:واضِحاتُ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها الرّائِقَةِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾ بِهِ ابْتِداءً، أوْ يُثَبِّتُ عَلى الهُدى، أوْ يَزِيدُ فِيهِ، ﴿مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتَهُ (p-100)أوْ تَثْبِيتَهُ أوْ زِيادَتَهُ فِيها. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ إمّا الجَرُّ عَلى حَذْفِ الجارِّ المُتَعَلِّقِ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ أنْزَلَهُ كَذَلِكَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ.

الحج 22:17

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ﴾ قِيلَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النّارَ، وقِيلَ: الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوا عَنْهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: أخَذُوا مِن دِينِ النَّصارى شَيْئًا ومِن دِينِ اليَهُودِ شَيْئًا، وهُمُ القائِلُونَ بِأنَّ لِلْعالَمِ أصْلَيْنِ نُورًا وظُلْمَةً. ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لـ "إنَّ" السّابِقَةِ، وتَصْدِيرُ طَرَفَيِ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الفِرَقِ الخَمْسِ المُنْفِقَةِ عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِإظْهارٍ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ وتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ مِنَ الجَزاءِ بِإثابَةِ الأوَّلِ وعِقابِ الثّانِي بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنهُما. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَصْلِ، أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ومُراقِبٌ لِأحْوالِهِ، ومِن قَضِيَّتِهِ الإحاطَةُ بِتَفاصِيلَ ما صَدَرَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ وإجْراءُ جَزائِهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ.

الحج 22:18

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِما يُوجِبُ الفَصْلَ المَذْكُورَ مِن أعْمالِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَعَ الإشارَةِ إلى كَيْفِيَّتِهِ وكَوْنِهِ بِطَرِيقِ التَّعْذِيبِ والإثابَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ إثْرَ بَيانِ ما يُوجِبُهُ مِن كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُهم وأفْعالُهم. والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ: العِلْمُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِها إشْعارٌ بِظُهُورِ المَعْلُومِ والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. والمُرادُ بِالسُّجُودِ: هو الِانْقِيادُ التّامُّ لِتَدْبِيرِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشَبُّهِهِ بِأكْمَلِ أفْعالِ المُكَلَّفِ في بابِ الطّاعَةِ إيذانًا بِكَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ التَّسَخُّرِ والتَّذَلُّلِ لا سُجُودِ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءٌ جُعِلَتْ كَلِمَةُ "مِن" عامَّةً لِغَيْرِهِمْ أيْضًا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِإفادَتِهِ شُمُولَ الحِكَمِ لِكُلِّ ما فِيهِما بِطَرِيقِ القَرارِ فِيهِما أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ إفْرادًا لَها بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِها واسْتِبْعادِ ذَلِكَ مِنها عادَةً، أوْ جُعِلَتْ خاصَّةً بِالعُقَلاءِ لِعَدَمِ شُمُولِ سُجُودِ الطّاعَةِ لِكُلِّهِمْ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ سُجُودَ (p-101)طاعَةٍ وعِبادَةٍ، ومِن قَضِيَّتِهِ انْتِفاءُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ حُذِفَ خَبَرُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ خَبَرِ قَسِيمِهِ عَلَيْهِ نَحْوُ حُقَّ لَهُ الثَّوابُ، والأوَّلُ هو الأوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في السُّجُودِ والطّاعَةِ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ خَبَرًا لَهُ، أيْ: مِنَ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ النّاسُ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الصّالِحُونَ والمُتَّقُونَ، وأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مَعْطُوفًا عَلى كَثِيرٌ الأوَّلُ لِلْإيذانِ بِغايَةِ الكَثْرَةِ ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْهم بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِ واسْتِعْصائِهِ. وقُرِئَ: حُقَّ بِالضَّمِّ، و"حَقًّا" أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا. ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ بِأنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاوَةَ حَسَبَما عَلِمَهُ مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الشَّرِّ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإكْرامُ والإهانَةُ.

الحج 22:19

﴿هَذانِ﴾ تَعْيِينٌ لِطَرَفَيِ الخِصامِ وإزاحَةٌ لِما عَسى يَتَبادَرُ إلى الوَهْمِ مِن كَوْنِهِ بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ السِّتِّ وبَيْنَ البَواقِي وتَحْرِيرٌ لِمَحَلِّهِ، أيْ: فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ الكَفَرَةِ المُقَسَّمُ إلى الفِرَقِ الخَمْسِ. 50 ﴿خَصْمانِ﴾ أيْ: فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى، أيِ: اخْتَصَمُوا في شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: في دِينِهِ، وقِيلَ: في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، والكُلُّ مِن شُئُونِهِ تَعالى، فَإنَّ اعْتِقادَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحَقِّيَّةِ ما هو عَلَيْهِ وبُطْلانِ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ وبِناءُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ وإنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُما التَّحاوُرُ والخِصامُ. وقِيلَ: تَخاصَمَتِ اليَهُودُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ مِنكم آمَنّابِمُحَمَّدٍ ونَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأنْتُمُ تَعْرِفُونَ كَتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَـزَلَتْ. ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ . ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ أيْ: قُدِّرَتْ عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ أيْ: نِيرانٌ هائِلَةٌ تُحِيطُ بِهِمْ إحاطَةَ الثِّيابِ بِلابِسِها ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ الَّذِي انْتَهَتْ حَرارَتُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ قُطِّرَتْ قَطْرَةٌ مِنها عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَهُمْ" .

الحج 22:20

﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ أيْ: يُذابُ ﴿ما في بُطُونِهِمْ﴾ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ، وقُرِئَ: "يُصْهَّرُ" بِالتَّشْدِيدِ. ﴿والجُلُودُ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما" وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ إمّا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ شِدَّةِ الحَرارَةِ بِإيهامِ أنَّ تَأْثِيرَها في الباطِنِ أقْدَمُ مِن تَأْثِيرِها في الظّاهِرِ مَعَ أنَّ مُلابَسَتَها عَلى العَكْسِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الحَمِيمِ.

الحج 22:21

﴿وَلَهُمْ﴾ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: لِتَعْذِيبِهِمْ وأجَلِهِمْ ﴿مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ، وهي: آلَةُ القَمْعِ.

الحج 22:22

﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ: أشْرَفُوا عَلى (p-102)الخُرُوجِ مِنَ النّارِ ودَنَوا مِنهُ حَسَبَما يُرْوى أنَّها تَضْرِبُهم بِلَهِيبِها فَتَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَرُّوا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا. ﴿مِن غَمٍّ﴾ أيْ: مِن غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومِها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الهاءِ بِإعادَةِ الجارِّ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْخُرُوجِ. ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ أيْ: في قَعْرِها بِأنْ رُدُّوا مِن أعالِيها إلى أسافِلِها مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. ﴿وَذُوقُوا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى أُعِيدُوا، أيْ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ: الغَلِيظِ مِنَ النّارِ المُنْتَشِرِ العَظِيمِ الإهْلاكِ.

الحج 22:23

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وقَدْ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِيها بِإسْنادِ الإدْخالِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ إيذانًا بِكَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ الكَفَرَةِ وإظْهارًا لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ ودَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الكَلامِ. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّحْلِيَةِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإحْلاءِ بِمَعْنى الإلْباسِ، أيْ: يُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ تَعالى. وقُرِئَ "يُحَلَّوُنَّ" مِن حِلْيَةِ المَرْأةِ إذا لَبِسَتْ حِلْيَتَها. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أساوِرَ﴾ إمّا لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ أساوِرَ وهي جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعُ سِوارٍ، أوْ لِلْبَيانِ لِما أنَّ ذِكْرَ التَّحْلِيَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الحَلى المُبْهَمِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِيُحَلَّوْنَ فَإنَّهُ بِمَعْنى يَلْبَسُونَ. ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ بَيانٌ لِلْأساوِرِ ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلٍ مِن أساوِرَ، أوْ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يُحَلَّوْنَ"، أيْ: يُؤْتُونَ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ، وقُرِئَ "لُؤْلُوًا" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا، و"لُولِيًا" بِقَلْبِها ياءً بَعْدَ قَلْبِهِما واوًا، ولَيْلِيا بِقَلْبِهِما ياءً. ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا، لَكِنْ لا لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمُ المُعْتادَةُ أوْ لِمُجَرَّدِ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَرّاؤُهم عَنْهُ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنَّ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ الأساوِرِ واللُّؤْلُؤِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللَّوازِمِ الضَّرُورِيَّةِ، فَجُعِلَ بَيانُ تَحْلِيَتِهِمْ بِها مَقْصُودًا بِالذّاتِ ولَعَلَّ هَذا هو الباعِثُ لِي تَقْدِيمُ بَيانِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ.

الحج 22:24

﴿وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهو قَوْلُهم: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ ..﴾ الآيَةِ. ﴿وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أيِ: المَحْمُودُ نَفْسُهُ أوْ عاقِبَتُهُ وهو الجَنَّةُ، ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ عَنْ ذِكْرِ الهِدايَةِ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ المُتَأخِّرِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ المُتَأخِّرِ عَنِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِها لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحَمِيدِ: الحَقُّ المُسْتَحِقُّ لِذاتِهِ لِغايَةِ الحَمْدِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وصِراطُهُ الإسْلامُ، ووَجْهُ التَّأْخِيرِ حِينَئِذٍ أنَّ ذِكْرَ الحَمْدِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ المَحْمُودِ.

الحج 22:25

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (p-103)وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حالًا ولا اسْتِقْبالًا، وإنَّما هو اسْتِمْرارُ الصَّدِّ ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ "كَفَرُوا" أيْ: وهم يَصُدُّونَ، وخَبَرُ "إنَّ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ آخِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن ألْحَدَ في الحَرَمِ حَيْثُ عُوقِبَ بِالعَذابِ الألِيمِ، فِلَأنْ يُعاقِبَ مَن جَمَعَ إلَيْهِ الكُفْرَ والصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِأشَدِّ مِن ذَلِكَ أحَقُّ وأوْلى. ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عُطِفَ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ: مَكَّةُ بِدَلِيلِ وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَكِّيٍّ وآفاقِيٍّ. ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ أيِ: المُقِيمُ والطّارِئِ، وسَواءٌ أيْ: مَسْتَوِيًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْناهُ والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ظَرْفٌ لَهُ، وفائِدَةُ وصْفِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَشْنِيعِ الصّادِّينَ عَنْهُ. وقُرِئَ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والعاكِفُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ثانٍ لِلْجَعْلِ. وقُرِئَ: العاكِفِ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ. ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ﴾ مِمّا تُرِكَ مَفْعُولُهُ لَيَتَناوَلَ كُلُّ مُتَناوِلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا ما. ﴿بِإلْحادٍ﴾ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ وهُما حالانِ مُتَرادِفانِ، أوِ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بِإعادَةِ الجارِّ أوْ صِلَةٌ، أيْ: مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ كالإشْراكِ واقْتِرافِ الآثامِ. ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ جَوابٌ لـِ "مِن" .

الحج 22:26

﴿وَإذْ بَوَّأْنا﴾ يُقالُ: بَوَّأهُ مَنـزِلًا، أيْ: أنْزِلَهُ فِيهِ، ولَمّا لَزِمَهُ جَعَلَ الثّانِي مَباءَةً لِلْأوَّلِ قِيلَ: ﴿لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وعَلَيْهِ مَبْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: "جَعَلْناهُ" أيِ: اذْكُرْ وقْتَ جَعْلَنا مَكانَ البَيْتِ مَباءَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مَرْجِعًا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِلْعِمارَةِ والعِبادَةِ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ، و"مَكانَ" ظَرْفٌ كَما في أصْلِ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: أنْزَلْناهُ فِيهِ. قِيلَ: رَفَعَ البَيْتَ إلى السَّماءِ أيّامَ الطُّوفانِ وكانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانَهُ بِرِيحٍ أرْسَلَها يُقالُ لَها: الخُجُوجُ، كَنَسَتْ ما حَوْلَهُ فَبَناهُ عَلى رَأْسِهِ القَدِيمِ. رُوِيَ أنَّ الكَعْبَةَ الكَرِيمَةَ بُنِيَتْ خَمْسَ مَرّاتٍ، إحْداها: بِناءُ المَلائِكَةِ وكانَتْ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ رُفِعَتْ أيّامَ الطُّوفانِ. والثّانِيَةُ: بِناءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّالِثَةُ: بِناءُ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ. وقَدْ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا البِناءَ. والرّابِعَةُ: بِناءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ. والخامِسَةُ: بِناءُ الحَجّاجِ. وقَدْ أوْرَدْنا ما في هَذا الشَّأْنِ مِنَ الأقاوِيلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ . وَ"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى تَعْبُدُنا لِأنَّ التَّبْوِئَةَ لِلْعِبادَةِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ بِالنَّهْيِ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوِائِلِ (سُورَةِ هُودٍ ) أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تُشْرِكَ بِي في العِبادَةِ شَيْئًا. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيْ: وطَهِّرْ بَيْتِيَ مِنَ الأوْثانِ والأقْذارِ لِمَن يَطُوفُ بِهِ ويُصَلِّي فِيهِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الصَّلاةِ بِأرْكانِها للدِّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ فَكَيْفَ وقَدِ اجْتَمَعَتْ. وقُرِئَ: "يُشْرِكُ" بِالياءِ.

الحج 22:27

﴿وَأذِّنْ في النّاسِ﴾ أيْ: نادِ فِيهِمْ، وقُرِئَ: "أذانٌ" . ﴿بِالحَجِّ﴾ بِدَعْوَةِ (p-104)الحَجِّ والأمْرِ بِهِ. «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِدَ أبا قُبَيْسٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكم، فَأسْمَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِمَّنْ سَبَقَ في علمه تعالى أنْ يَحُجَّ» . وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ، ويَأْباهُ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً. ﴿يَأْتُوكَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ ﴿رِجالا﴾ أيْ: مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، كَقِيامٍ جَمْعُ قائِمٍ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وتَشْدِيدِهِ، ورَجالى كَعَجالى. ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى "رِجالًا" أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ أتْعَبَهُ بَعْدَ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ أوْ زادَ هُزالُهُ. ﴿يَأْتِينَ﴾ صِفَةٌ لِضامِرٍ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، وقُرِئَ: "يَأْتُونَ" عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ، أوِ اسْتِئْنافٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ. ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ طَرِيقٍ واسِعٍ ﴿عَمِيقٍ﴾ بِعِيدٍ. وقُرِئَ: "مَعِيقٍ" يُقالُ: بِئْرٌ بَعِيدَةُ العُمْقِ وبَعِيدَةُ المُعْقِ بِمَعْنى كالجَذْبِ والجَبْذِ.

الحج 22:28

﴿لِيَشْهَدُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوكَ لا بِأذِّنْ، أيْ: لَيَحْضُرُوا ﴿مَنافِعَ﴾ عَظِيمَةَ الخَطَرِ كَثِيرَةَ العَدَدِ، أوْ نَوْعًا مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ المُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ العِبادَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِمَنافِعَ، أيْ: مَنافِعُ كائِنَةٌ لَهم. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عِنْدَ إعْدادِ الهَدايا والضَّحايا وذَبْحِها، وفي جَعْلِهِ غايَةً لِلْإتْيانِ إيذانٌ بِأنَّهُ الغايَةُ القُصْوى دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ هي أيّامُ النَّحْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: ما وقَعَ عِنْدَ الذَّبْحِ، وقِيلَ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ عُلِّقَ الفِعْلُ بِالمَرْزُوقِ وبُيِّنَ بِالبَهِيمَةِ تَحْرِيضًا عَلى التَّقَرُّبِ وتَنْبِيهًا عَلى الذِّكْرِ. ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ: فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ضَحاياكم فَكُلُوا مِن لُحُومِها، والأمْرُ لِلْإباحَةِ وإزاحَةِ ما كانَتْ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ أوْ لِلنَّدْبِ إلى مُواساةِ الفُقَراءِ ومُساواتِهِمْ. ﴿وَأطْعِمُوا البائِسَ﴾ أيِ: الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٍ وشِدَّةٍ. ﴿الفَقِيرَ﴾ المُحْتاجَ وهَذا الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ أيْضًا.

الحج 22:29

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أيْ لِيُؤْذُوا إزالَةَ وسَخِهِمْ أوْ لَيَحْكُمُوها بِقَصِّ الشّارِبِ والأظْفارِ ونَتْفِ الإبْطِ والِاسْتِحْدادِ عِنْدَ الإحْلالِ. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما يُنْذِرُونَ مِنَ البِرِّ في حَجِّهِمْ، وقِيلَ: مُواجِبُ الحَجِّ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ يَتِمُّ التَّحَلُّلُ فَإنَّهُ قَرِينَةُ قَضاءِ التَّفَثِ، وقِيلَ: طَوافُ الوَداعِ. ﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيِ: القَدِيمِ فَإنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، أوِ المُعْتَقِ مِن تَسَلُّطِ الجَبابِرَةِ فَكَأيِّنْ مِن جَبّارٍ سارَ إلَيْهِ لَيَهْدِمَهُ فَقَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا الحَجّاجُ الثَّقَفِيُّ فَإنَّما قَصَدَ إخْراجَ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِنهُ لا التَّسَلُّطَ عَلَيْهِ.

الحج 22:30

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ وهَذا وأمْثالُهُ (p-105)يُطْلِقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: أحْكامَهُ وسائِرُ ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ بِالعِلْمِ بِوُجُوبِ مُراعاتِها والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ. وقِيلَ: الحَرَمُ وما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ مِنَ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: الكَعْبَةُ والمَسْجِدُ الحَرامُ والبَلَدُ الحَرامُ والشَّهْرُ الحَرامُ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ: فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ ثَوابًا ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ "مَن" لِتَشْرِيفِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ عَلى الإطْلاقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةُ تَحْرِيمِهِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنها عَلى أنَّ "ما" عِبارَةٌ عَمّا حُرِّمَ مِنها لِعارِضٍ كالمَيْتَةِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والإطْعامِ ودَفْعًا لِما عَسى بِتَوَهُّمٍ أنَّ الإحْرامَ يُحَرِّمُهُ كَما يَحْرُمُ الصَّيْدُ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِبَيانِ عَدَمِ كَوْنِها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِحَمْلِ الأنْعامِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الضَّحايا والهَدايا المَعْهُودَةِ خاصَّةً لِئَلّا يَحْتاجَ إلى الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ فِيها ما حُرِّمَ لِعارِضٍ قَطْعًا لِمُراعاةِ حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ فَإنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ مِن وُجُوبِ مُراعاتِها والِاجْتِنابِ عَنْ هَتْكِها، ولَمّا كانَ بَيانُ حِلِّ الأنْعامِ مِن دَواعِي التَّعاطِي لا مِن مَبادِئِ الِاجْتِنابِ عَقَّبَ بِما يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ثُمَّ أمَرَ بِالِاجْتِنابِ عَمّا هو أقْصى الحُرُماتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ والأنْعامُ لَيْسَتْ مِنَ الحُرُماتِ فَإنَّها مُحَلَّلَةٌ لَكم إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةَ تَحْرِيمِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْهُ، فاجْتَنِبُوا ما هو مُعْظِّمُ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأسُ الزُّورِ، كَأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ أتْبَعَ ذَلِكَ رَدًّا لَمّا كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: شَهادَةُ الزُّورِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ تَعالى ثَلاثًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . والزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وهو الِانْحِرافُ، كالإفْكِ المَأْخُوذِ مِنَ الإفْكِ الَّذِي هو القَلْبُ والصَّرْفُ، فَإنَّ الكَذِبَ مُنْحَرِفٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الواقِعِ. وقِيلَ: هو قَوْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَلْبِيَتِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.

الحج 22:31

﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ زائِغٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُخْلِصِينَ لَهُ تَعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأوْثانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهُما حالانِ مِن واوِ فاجْتَنِبُوا. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الإشْراكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ حالِ قُبْحِ الإشْراكِ. ﴿فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ مُسْقِطٌ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ المُرْدِيَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ. وقُرِئَ: "فَتَخَطَّفَهُ" بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وبِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ، وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما وأصْلُهُما "تَخْتَطِفُهُ" . ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ: تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ، (p-106)وَ"أوْ" لِلتَّخْيِيرِ كَما في أوْ كَصَيِّبٍ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ هَلَكَتْ نَفْسُهُ هَلاكًا شَبِيهًا بِهَلاكِ أحَدِ الهالِكِينَ.

الحج 22:32

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ. ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيِ: الهَدايا فَإنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ وشَعائِرِهِ تَعالى كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وهو الأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ، وتَعْظِيمُها اعْتِقادُ أنَّ التَّقَرُّبَ بِها مِن أجَلِ القُرُباتِ وأنْ يَخْتارَها حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جُمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَّةٌ مِن ذَهَبٍ، وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ» . ﴿فَإنَّها﴾ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها ﴿مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ: مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ والعائِدُ إلى "مَن"، أوْ فَإنَّ تَعْظِيمَها ناشِئِ مِن تَقْوى القُلُوبِ وتَخْصِيصُها بِالإضافَةِ لِأنَّها مَراكِزُ التَّقْوى الَّتِي إذا ثَبَتَتْ فِيها وتَمَكَّنَتْ ظَهَرَ أثَرُها في سائِرِ الأعْضاءِ.

الحج 22:33

﴿لَكم فِيها﴾ أيْ: في الهَدايا ﴿مَنافِعُ﴾ هي دُرُّها ونَسْلُها وصُوفُها وظَهْرُها ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ نَحْرِها والتَّصَدُّقُ بِلَحْمِها والأكْلُ مِنهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ نَحْرِها مُنْتَهِيَةً ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ: إلى ما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ، أيْ: لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ أعْظَمُها في النَّفْعِ مَحَلُّها، أيْ: وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ وُجُوبِ نَحْرِها إلى البَيْتِ العَتِيقِ، أيْ: مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ. هَذا وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالشَّعائِرِ: مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمُهُ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ وإقامَةِ شَعائِرِ الحَجَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى هو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ، ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: مَحِلُّ النّاسِ مِنَ اِحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ العَتِيقِ، أيْ: مُنْتَهٍ إلَيْهِ بِأنْ يَطُوفُوا بِهِ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ، فَإضافَةُ المَحَلِّ إلَيْها لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

الحج 22:34

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ: مُتَعَبِّدًا وقُرْبانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ بِكَسْرِ السِّينِ، أيْ: مَوْضِعُ نُسُكٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَعَلْنا مَنسَكًا لا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ ويَجْعَلُوا نَسِيكَتَهم لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، عُلِّلَ الجَعْلُ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ المَناسِكِ تَذَكُّرُ المَعْبُودِ. ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ عِنْدَ ذَبْحِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأنْعامِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلْكُلِّ تَغْلِيبًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ جَعْلَهُ تَعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. وإنَّما قِيلَ: إلَهٌ واحِدٌ ولَمْ يُقَلْ: واحِدٌ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ في ذاتِهِ كَما أنَّهُ واحِدٌ في إلَهِيَّتِهِ لِلْكُلِّ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعَدَها مِنَ الأمْرِ بِالإسْلامِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى. وتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الأمْرِ (p-107)لِلْقَصْرِ، أيْ: فَإذا كانَ إلَهُكم إلَهًا واحِدًا فَأخْلِصُوا لَهُ التَّقَرُّبَ أوِ الذِّكْرَ واجْعَلُوهُ لِوَجْهِهِ خاصَّةً ولا تَشُوبُوهُ بِالشِّرْكِ. ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: المُتَواضِعِينَ أوِ المُخْلِصِينَ، فَإنَّ الإخْباتَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِمْ.

الحج 22:35

﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ مِنهُ تَعالى لِإشْراقِ أشِعَّةِ جَلالِهِ عَلَيْها. ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ ومُؤْناتِ النَّوائِبِ ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوْقاتِها. وقُرِئَ بِنَصْبِ الصَّلاةِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ، وقُرِئَ "والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ" عَلى الأصْلِ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْراتِ.

الحج 22:36

﴿والبُدْنَ﴾ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الدّالِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وهُما جَمْعا بَدَنَةٍ، وقِيلَ: الأصْلُ ضَمُّ الدّالِ كَخُشُبٍ وخَشَبَةٍ والتَّسْكِينُ تَخْفِيفٌ مِنهُ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِها الإبِلُ لِعِظَمِ بَدَنِها مَأْخُوذَةٌ مِن بَدَنَ بَدانَةً، وحَيْثُ شارَكَها البَقَرَةُ في الإجْزاءِ عَنْ سَبْعَةٍ بِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ جُعِلا في الشَّرِيعَةِ جِنْسًا واحِدًا﴾ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ. ﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، ولَكم ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ أيْ: مَنافِعُ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِما قَبْلَها. ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها: اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ. ﴿صَوافَّ﴾ أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ. وقُرِئَ: "صَوافِنَ" مِن صَفَنَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وعَلى طَرَفِ سُنْبُكِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ: "صَوافًا" بِإبْدالِ التَّنْوِينِ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ. وقُرِئَ: "صَوافِي" أيْ: خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، و"صَوافْ" عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ عَلى الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ: لَعَلِّي أرى باقٍ عَلى الحَدَثانِ ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ القُنْعَ أوِ السّائِلَ مَن قَنِعَ إلَيْهِ قُنُوعًا إذا خَضَعَ لَهُ في السُّؤالِ. ﴿والمُعْتَرَّ﴾ أيِ: المُتَعَرِّضَ لِلسُّؤالِ، وقُرِئَ: "المُعْتَرِي" يُقالُ: عَرَّهُ وعَراهُ واعْتَرَّهُ واعْتَراهُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "صَوّافَّ" ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ مَعَ كَمالِ عِظَمِها ونِهايَةِ قُوَّتِها فَلا تَسْتَعْصِي عَلَيْكم حَتّى تَأْخُذُوها مُنْقادَةً فَتُقِلُّونَها وتَحْبِسُونَها صافَّةً قَوائِمُها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لَبّاتِها. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ.

الحج 22:37

﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ﴾ أيْ: لَنْ يَبْلُغَ مَرْضاتَهُ، ولَنْ يَقَعَ مِنهُ مَوْقِعَ القَبُولِ ﴿لُحُومُها﴾ (p-108)المُتَصَدَّقُ بِها ﴿وَلا دِماؤُها﴾ المُهْراقَةُ بِالنَّحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ. ﴿وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ ولَكِنْ يُصِيبُهُ تَقْوى قُلُوبِكُمُ الَّتِي تَدْعُوكم إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ. وقِيلَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُلَطِّخُونَ الكَعْبَةَ بِدِماءِ قَرابِينِهِمْ فَهَمَّ بِهِ المُسْلِمُونَ فَنَـزَلَتْ. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّذَكُّرِ والتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالكِبْرِياءِ، وقِيلَ: هو التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإحْلالِ أوِ الذَّبْحِ. ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أيْ: أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، أيْ: عَلى هِدايَتِهِ إيّاكم أوْ عَلى ما هَداكم إلَيْهِ، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِتُكَبِّرُوا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشُّكْرِ. ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُخْلِصِينَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ في أُمُورِ دِينِهِمْ.

الحج 22:38

﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَوْطِينِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِمْ عَنِ الحَجِّ لَيَتَفَرَّغُوا إلى أداءِ مَناسِكِهِ. وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ التّامِّ بِمَضْمُونِهِ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الدَّفْعِ، فَإنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنْ وُقُوعِ الفِعْلِ المُتَكَرِّرِ مِنَ الجانِبَيْنِ فَيَبْقى تَكَرُّرُهُ كَما في المُمارَسَةِ، أيْ يُبالِغُ في دَفْعِ غائِلَةِ المُشْرِكِينَ وضَرَرِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مُبالَغَةَ مَن يُغالِبُ فِيهِ أوْ يَدْفَعُها عَنْهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَسَبَما تَجَدَّدَ مِنهُمُ القَصْدُ إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ . وقُرِئَ: "يَدْفَعُ"، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما في ضِمْنِ الوَعْدِ الكَرِيمِ مِنَ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ دَفْعَهم بِطَرِيقِ القَهْرِ والخِزْيِ ونَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ، أيْ: أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ خَوّانٍ في أماناتِهِ تَعالى وهي أوِامِرُهُ ونَواهِيهِ، أوْ في جَمِيعِ الأماناتِ الَّتِي هي مُعْظَمُها كَفُورٌ لِنِعْمَتِهِ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِما لِبَيانِ أنَّهم كَذَلِكَ لا لِتَقْيِيدِ البُغْضِ بِغايَةِ الخِيانَةِ والكُفْرِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَحَبَّةِ عَلى اعْتِبارِ النَّفْيِ أوْ لا، وإيرادُ مَعْنى المُبالَغَةِ ثانِيًا.

الحج 22:39

﴿أُذِنَ﴾ أيْ: رُخِّصَ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أذِنَ اللَّهُ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ: يُقاتِلُهُمُ المُشْرِكُونَ، والمَأْذُونُ فِيهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ إيّاهم دالَّةٌ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ إيّاهم دَلالَةً نَيِّرَةً. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ فِيما سَيَأْتِي ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ، فَدَلالَتُهُ عَلى المَحْذُوفِ أظْهَرُ. ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا، وهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهم، وكانُوا يَأْتُونَهُ ﷺ بَيْنَ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ ويَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ، فَيَقُولُ ﷺ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ حَتّى هاجَرُوا فَأُنْزِلَتْ. وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً. ﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ العِدَّةِ الكَرِيمَةِ بِالدَّفْعِ، وتَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَخْلِيصِهِمْ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ بَلْ تَغْلِيبُهم وإظْهارُهم عَلَيْهِمْ. والإخْبارُ بِقدرته تعالى عَلى نَصْرِهِمْ وارِدٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وتَأْكِيدُهُ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ، واللّامُ لِمَزِيدِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ وزِيادَةِ تَوْطِينِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ.(p-109)

الحج 22:40

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والجُمْلَةُ مَرْفُوعَةٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِدِيارِهِمْ: مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُخْرِجُوا، أيْ: أُخْرِجُوا بِغَيْرِ ما يُوجِبُ إخْراجَهم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ بَدَلٌ مِن حَقٍّ، أيْ: بِغَيْرِ مُوجِبٍ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْإقْرارِ والتَّمْكِينِ دُونَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ، لَكِنْ لا عَلى الظّاهِرِ بَلْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم .... بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وَقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ في كُلِّ عَصْرٍ وزَمانٍ، وقُرِئَ: "دِفاعٌ" . ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لَخُرِّبَتْ بِاسْتِيلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى أهْلِ المِلَلِ، وقُرِئَ: "هُدِّمَتْ" بِالتَّخْفِيفِ. ﴿صَوامِعُ﴾ لِلرَّهْبانِيَّةِ ﴿وَبِيَعٌ﴾ لِلنَّصارى ﴿وَصَلَواتٌ﴾ أيْ: وكَنائِسٌ لِلْيَهُودِ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يُصَلّى فِيها، وقِيلَ: أصْلُها صِلْوَتا بِالعِبْرِيَّةِ فَعُرِّبَتْ. ﴿وَمَساجِدُ﴾ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا أوْ وقْتًا كَثِيرًا، صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمَساجِدِ خُصَّتْ بِها دَلالَةً عَلى فَضْلِها وفَضْلِ أهْلِها، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلْأرْبَعِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ بَيانَ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الصَّوامِعِ والبِيَعِ والكَنائِسِ بَعْدَ انْتِساخِ شَرْعِيَّتِها مِمّا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ ولا يَرْتَضِيهِ الأفْهامُ. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ يَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ أوْ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ وعْدَهُ حَيْثُ سَلَّطَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى صَنادِيدِ العَرَبِ وأكاسِرَةِ العَجَمِ وقَياصِرَةِ الرُّومِ وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِن مُراداتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَصْرُهم. ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ولا يُدافِعُهُ.

الحج 22:41

﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ وصْفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِما سَيَكُونُ مِنهم مِن حَسُنِ السِّيرَةِ عِنْدَ تَمْكِينِهِ تَعالى إيّاهم في الأرْضِ وإعْطائِهِ إيّاهم زِمامَ الأحْكامِ مُنْبِئِ عَنْ عِدَّةٍ كَرِيمَةٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ. وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا واللَّهِ ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ. يُرِيدُ: أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُحْدِثُوا مِنَ الخَيْرِ ما أحْدَثُوا. قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُعْطِ التَّمْكِينَ ونَفاذَ الأمْرِ مَعَ السِّيرَةِ العادِلَةِ غَيْرَهم مِنَ المُهاجِرِينَ، لاحَظَ في ذَلِكَ لِلْأنْصارِ والطُّلَقاءِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ. ﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَإنَّ مَراجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ فَقَطْ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ بِإظْهارِ أوْلِيائِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.

الحج 22:42

(p-110)﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ الكَرِيمِ بِإهْلاكِ مَن يُعادِيهِ مِنَ الكَفَرَةِ، وتَعْيِينٌ لِكَيْفِيَّةِ نَصْرِهِ تَعالى لَهُ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ وبَيانٌ لِرُجُوعِ عاقِبَةِ الأُمُورِ إلَيْهِ تَعالى. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الشَّرْطِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّكْذِيبِ لِما أنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَتُهُ ﷺ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّكْذِيبِ مِنَ الحُزْنِ المُتَوَقَّعِ، أيْ: وإنْ تَحْزَنْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فاعْلَمْ أنَّكَ لَسْتَ بَأوْحَدِيٍّ في ذَلِكَ، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ.

الحج 22:43

﴿وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾

الحج 22:44

﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ أيْ: رُسُلَهم مِمَّنْ ذُكِرَ ومَن لَمْ يُذْكَرْ، وإنَّما حُذِفَ لِكَمالِ ظُهُورِ المُرادِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ نَفْسُ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ قَوْمُ نُوحٍ إلى آخِرِهِ. ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ غُيِّرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وبِناءِ الفِعْلِ لَهُ لا لِأنَّ قَوْمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ - وهم لَمْ يُكَذِّبُوهُ - وإنَّما كَذَّبَهُ القِبْطُ، لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ قَوْمَ مُوسى لا بِعُنْوانٍ آخَرَ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا قَدْ كَذَّبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَكْذِيبَهم لَهُ كانَ في غايَةِ الشَّناعَةِ لِكَوْنِ آياتِهِ في كَمالِ الوُضُوحِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: أمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ حِبالُ آجالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إمْهالِ كُلِّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ عَلى تَكْذِيبِ ذَلِكَ الفَرِيقِ لا لِتَرْتِيبِ إمْهالِ الكُلِّ عَلى تَكْذِيبِ الكُلِّ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المُكَذِّبِينَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والتَّصْرِيحِ بِمُكَذِّبِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوا فِيما قَبْلُ صَرِيحًا. ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ: أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْلائِهِ وإمْهالِهِ. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ، أيْ: فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ.

الحج 22:45

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: فَأهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى بِإهْلاكِ أهْلِها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ"، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْنا خَبَرُهُ، أيْ: فَكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها. وقُرِئَ: "أهْلَكْتُها" عَلى وفْقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ . ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ "أهْلَكْنا" . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "أهْلَكْناها" عَلى "وَهِيَ ظالِمَةٌ" لِأنَّها حالٌ، والإهْلاكُ لَيْسَ في حالِ خَوائِها فَعَلى الأوَّلِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وعَلى الثّانِي في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِعِطْفِهِ عَلى الخَبَرِ. والخَواءُ: إمّا بِمَعْنى السُّقُوطِ مِن خَوى النَّجْمُ إذا سَقَطَ، فالمَعْنى: فَهي ساقِطَةٌ حِيطانُها. (p-111)﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، وإسْنادُ السُّقُوطِ عَلى العُرُوشِ إلَيْها لِتَنْـزِيلِ الحِيطانِ مَنـزِلَةَ كُلِّ البُنْيانِ لِكَوْنِها عُمْدَةً فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الخُلُوِّ مِن خَوى المَنـزِلُ: إذا خَلا مِن أهْلِهِ، فالمَعْنى: فَهي خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها، فَتَكُونُ "عَلى" بِمَعْنى "مَعَ" . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: فَهي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها، أيْ: قائِمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلى عُرُوشِها، عَلى مَعْنى أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ إلى الأرْضِ وبَقِيَتِ الحِيطانُ قائِمَةً فَهي مُشْرِفَةٌ عَلى السُّقُوفِ السّاقِطَةِ. وإسْنادُ الإشْرافِ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ حالَ الحِيطانِ لِما مَرَّ آنِفًا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "قَرْيَةٍ"، أيْ: وكَمْ بِئْرٍ عارَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِن أعْطَلَهُ بِمَعْنى: عَطَلَهُ. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مَرْفُوعِ البُنْيانِ أوْ مُجَصَّصٍ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ مَعْنى خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالِيَةً مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها. وقِيلَ: المُرادُ بِالبِئْرِ: بِئْرٌ بِسَفْحِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ، وبِالقَصْرِ: قَصْرٌ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّتِهِ، كانا لِقَوْمِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ مِن بَقايا قَوْمِ صالِحٍ، فَلَمّا قَتَلُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَطَّلَهُما.

الحج 22:46

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثٌّ لَهم أنْ يُسافِرُوا لَيَرَوْا مَصارِعَ المُهْلَكِينَ فَيَعْتَبِرُوا وهُمُ وإنْ كانُوا قَدْ سافَرُوا فِيها ولَكِنَّهم حَيْثُ لَمْ يُسافِرُوا لِلِاعْتِبارِ جُعِلُوا غَيْرَ مُسافِرِينَ فَحَثُّوا عَلى ذَلِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أُغْفِلُوا فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما شاهَدُوهُ مِن مَوادِّ الِاعْتِبارِ ومَظانِّ الِاسْتِبْصارِ ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ أوْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِمَّنْ يُجاوِرُهم مِنَ النّاسِ فَإنَّهم أعْرَفُ مِنهم بِحالِهِمْ. ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ. وفي "تَعْمى" ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ وقَدْ أُقِيمَ الظّاهِرُ مُقامَهُ. ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ: لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في الغَفْلَةِ، وذِكْرِ الصُّدُورِ لِلتَّأْكِيدِ ونَفْيِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ. وفَضْلُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَمى الحَقِيقِيَّ لَيْسَ المُتَعارَفَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالبَصَرِ. قِيلَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ.»

الحج 22:47

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيءِ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ أشَدَّ الإنْكارِ، وإنَّما كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْجِيزًا لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ، فَحَكى عَنْهم ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّخْطِئَةِ والِاسْتِنْكارِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إمّا جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمْ لِمَجِيئِهِ في ضِمْنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ وإظْهارِخَطَئِهِمْ فِيهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنْكِرُونَ مَجِيءَ العَذابِ المَوْعُودِ والحالُ أنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلابُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما ذُكِرَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ إنْ كانَتِ الأُولى حالِيَّةً، ومَعْطُوفَةٌ عَلَيْها إنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً سِيقَتْ لِبَيانِ (p-112)خَطَئِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ المَذْكُورِ بِبَيانِ كَمالِ سَعَةِ ساحَةِ حِلْمِهِ تَعالى ووَقارِهِ وإظْهارِ غايَةِ ضِيقِ عَطْفِهِمُ المُسْتَنْبَعِ لِكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ تَعالى مُدَدًا طُوالًا عِنْدَهم حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾، ولِذَلِكَ يَرَوْنَ مَجِيئَهُ بَعِيدًا ويَتَّخِذُونَهُ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِهِ ويَجْتَرِئُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ بِهِ ولا يَدْرُونَ أنَّ مِعْيارَ تَقْدِيرِ الأُمُورِ كُلِّها وُقُوعًا وأخْبارًا ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المِقْدارِ. وقِراءَةُ "يُعِدُّونَ" عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، أيْ يُعِدُّهُ المُسْتَعْجِلُونَ أوْفَقُ لِهَذا المَعْنى، وقَدْ جَعَلَ الخِطابَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لَهم أيْضًا بِطَرِيقِ الِالتِفافِ، لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِهِ تَعالى ما جُعِلَ لِهَلاكِ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مَوْعِدٍ مُعَيَّنٍ وأجَلٌ مُسَمّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الأُولى حالِيَّةً كانَتْ أوِ اعْتِراضِيَّةً مُبَيِّنَةً لِبُطْلانِ الِاسْتِعْجالِ بِهِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ مَجِيئِهِ قَبْلَ وقْتِهِ المَوْعُودِ، والجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بَيانًا لِبُطْلانِهِ بِبَيانِ ابْتِناءٍ عَلى اسْتِطالَةِ ما هو قَصِيرٌ عِنْدَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، فَلا يَكُونُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ حِينَئِذٍ تَعَرُّضٌ لِإنْكارِهِمُ الَّذِي دَسُّوهُ تَحْتَ الِاسْتِعْجالِ بَلْ يَكُونُ الجَوابُ مَبْنِيًّا عَلى ظاهِرِ مَقالِهِمْ، ويُكْتَفى في رَدِّ إنْكارِهِمْ بِبَيانِ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ هَذا وحَمْلُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ وجَعَلَ اليَوْمَ عِبارَةً عَنْ يَوْمِ العَذابِ المُسْتَطالِ لِشِدَّتِهِ أوْ عَنْ أيّامِ الآخِرَةِ الطَّوِيلَةِ حَقِيقَةً أوِ المُسْتَطالَةِ لِشِدَّةِ عَذابِها مِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا سِياقُهُ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِأنَّ المُرادَ هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وأنَّ الزَّمانَ المُمْتَدَّ هو الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ حُلُولِهِ بِطَرِيقِ الإمْلاءِ والإمْهالِ لا الزَّمانِ المُقارَنِ لَهُ.

الحج 22:48

ألّا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخِ فَإنَّهُ كَما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ: هو الأخْذُ العاجِلُ الشَّدِيدُ بَعْدَ الإمْلاءِ المَدِيدِ، أيْ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ ورَجَعَ الضَّمائِرَ والأحْكامَ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ. ﴿أمْلَيْتُ لَها﴾ كَما أمْلَيْتُ لِهَؤُلاءِ حَتّى أنْكَرُوا مَجِيءَ ما وُعِدُوا مِنَ العَذابِ واسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِهْزاءً بِرُسُلِهِمْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ حِلْمِهِ تَعالى ومُشْعِرَةٌ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِظُلْمِ المُسْتَعْجِلِينَ، أيْ: أمْلَيْتُ لَها، والحالُ أنَّها ظالِمَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ. ﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ بِالعَذابِ والنَّكالِ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ والإمْهالِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيَّ المَصِيرُ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُصَرِّحٌ بِما أفادَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ مِن أنَّ مَآلَ أمْرِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْضًا ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ الوَبِيلِ، أيْ: إلى حُكْمِي مَرْجِعُ الكُلِّ جَمِيعًا لا إلى أحَدٍ غَيْرِي لا اسْتِقْلالًا ولا شَرِكَةً فَأفْعَلُ بِهِمْ ما أفْعَلُ مِمّا يَلِيقُ بِأعْمالِهِمْ.

الحج 22:49

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم إنْذارًا بَيِّنًا بِما أُوحِيَ مِن أنْباءِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ في إتْيانِ ما تُوعِدُونَهُ مِنَ العَذابِ حَتّى تَسْتَعْجِلُونِي بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الإنْذارِ مَعَ بَيانِ حالِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَهُ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ لِلْمُشْرِكِينَ وعِقابِهِمْ، وإنَّما ذُكِرَ المُؤْمِنُونَ وثَوابُهم زِيادَةً في غَيْظِهِمْ.

الحج 22:50

(p-113)﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِما نَدَرَ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هي الجَنَّةُ، والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ ما يَجْمَعُ فَضائِلَهُ ويَحُوزُ كَمالاتِهِ.

الحج 22:51

﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سابِقِينَ أوْ مُسابِقِينَ في زَعْمِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ طامِعِينَ أنَّ كَيْدَهم لِلْإسْلامِ يَتِمُّ لَهم. وأصْلُهُ مَن عاجَزَهُ وعَجَّزَهُ فَأعْجَزَهُ: إذا سابَقَهُ فَسَبَقَهُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَسابِقِينَ يُرِيدُ إعْجازَ الآخَرِ عَنِ اللَّحاقِ بِهِ. وقُرِئَ: "مُعَجِّزِينِ" أيْ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ السَّعْيِ والمُعاجَزَةِ ﴿أصْحابُ الجحيم﴾ أيْ: مُلازِمُو النّارَ المُوقَدَةَ، وقِيلَ: هو اسْمُ دَرْكَةٍ مِن دَرَكاتِها.

الحج 22:52

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ الرَّسُولُ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ يَدْعُو النّاسَ إلَيْها، والنَّبِيُّ يَعُمُّهُ ومَن بَعَثَهُ لِتَقْرِيرِ شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ شَبَّهَ ﷺ عُلَماءَ أُمَّتِهِ بِهِمْ فالنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأنْبِياءِ فَقالَ: مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. قِيلَ: فَكَمِ الرُّسُلُ مِنهم ؟ فَقالَ: ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا.» وقِيلَ: الرَّسُولُ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ كِتابًا مُنَـَزَّلًا عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَن لا كِتابَ لَهُ. وقِيلَ: الرَّسُولُ مَن يَأْتِيهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيُّ يُقالُ لَهُ ولِمَن يُوحى إلَيْهِ في المَنامِ. ﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ أيْ: هَيَّأ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ في تَشَهِّيهِ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ بِالدُّنْيا كَما قالَ ﷺ: ﴿وَإنَّهُ ليُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ . ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فَيُبْطِلُهُ ويَذْهَبُ بِهِ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ وإرْشادِهِ إلى ما يُزِيحُهُ. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُ آياتِهِ الدّاعِيَةَ إلى الِاسْتِغْراقِ في شُئُونِ الحَقِّ، وصِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، وإظْهارِ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإيذانِ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أحْكامِ آياتِهِ الباهِرَةِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنِ العِبادِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ عَمْدًا أوْ خَطَأً. ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُ. والإظْهارُ هَهُنا أيْضًا لِما ذُكِرَ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ. قِيلَ: حَدَّثَ نَفْسَهُ بِزَوالِ المَسْكَنَةِ فَنَـزَلَتْ، وقِيلَ: تَمَنّى لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ أنْ يَنْـزِلَ عَلَيْهِ ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ واسْتَمَرَّ بِهِ ذَلِكَ حَتّى كانَ في نادِيهِمْ فَنَـَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النَّجْمِ، فَأخَذَ يَقْرَؤُها فَلَمّا بَلَغَ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى وسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ حَتّى سَبَقَ لِسانُهُ سَهْوًا إلى أنْ قالَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ بِهِ المُشْرِكُونَ حَتّى شايَعُوهُ بِالسُّجُودِ لَمّا سَجَدَ في آخِرِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا مُشْرِكٌ إلّا سَجَدَ، ثُمَّ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاغْتَنَمَ بِهِ فَعَزّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ولَئِنْ صَحَّ فابْتِلاءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الثّابِتُ عَلى الإيمانِ عَنِ الُمَتَـزَلْزِلِ فِيهِ. وقِيلَ: (p-114)تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ كَقَوْلِهِ: ؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رُسُلِ وَأمْنِيَّتُهُ: قِراءَتُهُ. وإلْقاءُ الشَّيْطانِ فِيها: أنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ رافِعًا صَوْتَهُ بِحَيْثُ ظَنَّ السّامِعُونَ أنَّهُ مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ رُدَّ بِأنَّهُ أيْضًا يُخِلُّ بِالوُثُوقِ بِالقرآن ولا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَّهْوِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتَطَرُّقُ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِمْ.

الحج 22:53

﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ عِلَّةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما ذِكِرَ مِنَ إلْقاءِ الشَّيْطانِ مِن تَمْكِينِهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً كَما يُعْرِبُ عَنْهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِما أنَّ تَمْكِينَهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الإلْقاءِ في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِما سَيَأْتِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يُلْقِيهِ أمَرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ المُحِقُّ والمُبْطِلُ. ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...﴾ الآيَةَ. ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ مَعَ ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ المَرَضِ والقَساوَةِ. ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَداوَةٍ شَدِيدَةٍ ومُخالَفَةٍ تامَّةٍ. ووَصَفَ الشِّقاقَ بِالبُعْدِ مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ حَقِيقَةٌ هو مَعْرُوضَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ.

الحج 22:54

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ﴾ أيِ: القرآن ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: هو الحَقُّ النّازِلُ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وقِيلَ: لَيَعْلَمُوا أنَّ تَمْكِينَ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ المُتَضَمِّنُ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ والغايَةِ الجَمِيلَةِ لِأنَّهُ مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في جِنْسِ الإنْسِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ التَّمْكِينِ فِيما سَبَقَ بِالإلْقاءِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكِنْ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن، أيْ: يَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ أوْ يَزْدادُوا إيمانًا بِرَدِّ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم بِالِانْقِيادِ والخَشْيَةِ والإذْعانِ لِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ورَجْعُ الضَّمِيرَيْنِ لا سِيَّما الثّانِي إلى تَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ خُصُوصًا في المَداحِضِ والمُشْكِلاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو النَّظَرُ الصَّحِيحُ المُوصِلُ إلى الحَقِّ الصَّرِيحِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقِرٌّ لِما قَبْلَهُ.

الحج 22:55

﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ﴾ أيْ: في شَكٍّ وجِدالٍ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القرآن، وقِيلَ: مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ بِشَهادَةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ . وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ الضَّمِيرِ (p-115)"لِما ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ" فَمِمّا لا مَساغَ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن هَناتِهِمُ الَّتِي تَسْتَمِرُّ إلى الأمَدِ المَذْكُورِ، بَلْ إنَّما هي مَرِيَّتُهم في شَأْنِ القرآن ولا يُجْدِي حَمْلٌ مِن عَلى السَّبَبِيَّةِ دُونَ الِابْتِدائِيَّةِ لِما أنَّ مَرِيَّتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ، كَما أنَّها لَيْسَتْ مُبْتَدَأةً مِن ذَلِكَ لَيْسَتْ ماشِئَةً مِنهُ ضَرُورَةَ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ مِنهم مِن لَدُنْ نُزُولِ القرآن الكَرِيمِ. ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ نَفْسُها، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فُجاءَةٌ فَإنَّها المَوْصُوفَةُ بِالإتْيانِ كَذَلِكَ لا أشْراطُها، وقِيلَ: المَوْتُ. ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ: يَوْمٌ لا يَوْمَ بَعْدَهُ، كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا، والمُرادُ بِهِ: السّاعَةُ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَأْتِيَهم عَذابُها فَوَضَعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِ السّاعَةِ عَلى أشْراطِها لِما عَرَفْتَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: يَوْمُ حَرْبٍ يُقَتِّلُونَ فِيهِ كَيَوْمِ بَدْرٍ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ، أوْ لِأنَّ المُقاتِلِينَ أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا صارَتْ عَقِيمًا، أيْ: ثَكْلى، فَوَصَفَ اليَوْمُ بِوَصْفِها اتِّساعًا أوْ لِأنَّهُ لا خَيْرَ لَهم فِيهِ، ومِنهُ الرِّيحُ العَقِيمُ لِما لَمْ يُنْشِئِ مَطَرًا ولَمْ يُلَقِّحْ شَجَرًا، أوْ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ لِقِتالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أصْلًا، كَيْفَ لا وإنَّ تَخْصِيصَ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ بَيانُ ما يَقَعُ فِيهِ مِن حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالثَّوابِ والعَذابِ الأُخْرَوِيَّيْنِ يَقْضِي بِأنَّ المُرادَ بِهِ: يَوْمُ القِيامَةِ قَضاءً بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ.

الحج 22:56

﴿المُلْكُ﴾ أيِ: السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ التّامُّ، والتَّصَرُّفُ عَلى الإطْلاقِ. ﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وحْدَهُ بِلا شَرِيكٍ أصْلًا بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ لِأحَدٍ تَصَرُّفٌ مِنَ التَّصَرُّفاتِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا ولا صُورَةً ولا مَعْنًى كَما في الدُّنْيا، فَإنَّ لِلْبَعْضِ فِيها تَصَرُّفًا صُورِيًّا في الجُمْلَةِ، ولَيْسَ التَّنْوِينُ نائِبًا عَمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ مِن زَوالِ مَرِيَّتِهِمْ كَما قِيلَ، ولا عَمّا يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِنَ اِيمانِهِمْ كَما قِيلَ، لِما أنَّ القَيْدَ المُعْتَبَرَ مَعَ اليَوْمِ حَيْثُ وُسِّطَ بَيْنَ طَرَفَيِ الجُمْلَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَدارًا لِحُكْمِها، أعْنِي: كَوْنَ المُلْكِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الإثابَةِ والتَّعْذِيبِ، ولا رَيْبَ في أنَّ إيمانَهم أوْ زَوالَ مَرِيِّتِهِمْ لَيْسَ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ ما بِما ذُكِرَ فَضْلًا عَنِ المَدارِيَّةِ لَهُ فَلا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِ شَيْءٍ مِنهُما مَعَ اليَوْمِ قَطْعًا، وإنَّما الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ إتْيانُ السّاعَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى تَصَرُّفاتِ الخَلْقِ ومَبْدَأُ ظُهُورِ أحْكامِ المَلِكِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ. فَإذَنْ هو نائِبٌ عَنْ نَفْسِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ غايَةً لَمَرِيَّتِهِمْ، فالمَعْنى: المُلْكُ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ أوْ عَذابُها لِلَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ المُلْكِ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُصْنَعُ بِهِمْ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَحْكُمُ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُمارِينَ فِيهِ بِالمُجازاةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخِ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ وتَفْصِيلٌ لَهُ، أيْ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِالقرآن الكَرِيمِ ولَمْ يُمارُوا فِيهِ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ امْتِثالًا بِما أُمِرُوا في تَضاعِيفِهِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها.

الحج 22:57

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في (p-116)الشَّرِّ والفَسادِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم عَذابٌ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ وقَعَتْ خَبَرًا لِأُولَئِكَ، أوْ لَهم خَبَرٌ لِأُولَئِكَ وعَذابٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، وأُولَئِكَ مَعَ خَبَرِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، وتَصْدِيرُهُ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ الكَفّارِ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ كَما أنَّ تَجْرِيدَ خَبَرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ عَنْها لِلْإيذانِ بِأنَّ إثابَةَ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا لِإيجابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إيّاها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهِينٌ﴾ صِفَةٌ لِعَذابٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ مِن وُجُوهٍ شَتّى ما لا يَخْفى.

الحج 22:58

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في الجِهادِ حَسَبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ المُهاجِرَةِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ ومَن مَنَعَ وُقُوعَ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ يُضْمِرُ قَوْلًا هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الرَّعْيِ والذَّبْحِ، أيْ: مَرْزُوقًا حَسَنًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ والمُرادُ بِهِ: ما لا يَنْقَطِعُ أبَدًا مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، وإنَّما سَوّى بَيْنَهُما في الوَعْدِ لِاسْتِوائِهِما في القَصْدِ، وأصْلُ العَمَلِ عَلى أنَّ مَراتِبَ الحُسْنِ مُتَفاوِتَةٌ فَيَجُوزُ تَفاوُتُ حالِ المَرْزُوقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ الأرْزاقِ الحَسَنَةِ. ورُوِيَ «أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ ونَحْنُ نُجاهِدُ مَعَكَ كَما جاهَدُوا فَما لَنا إنْ مُتْنا مَعَكَ ؟ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في طَوائِفَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ فَتَبِعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهم. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّهُ يَرْزُقُ بِغَيْرِ حِسابٍ مَعَ أنَّ ما يَرْزُقُهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الحج 22:59

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ. و"مُدْخَلًا" إمّا اسْمُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ الجَنَّةَ فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْإدْخالِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُكِّدَ بِهِ فِعْلُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما قِيلَ: يَرْضَوْنَهُ لِما أنَّهم يَرَوْنَ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ فَيَرْضَوْنَهُ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ وأحْوالِ مُعادِيهِمْ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ.

الحج 22:60

﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ. ﴿وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ أيْ: لَمْ يَزِدْ في الِاقْتِصاصِ، وإنَّما سُمِّيَ الِابْتِداءُ بِالعِقابِ الَّذِي هو جَزاءُ الجِنايَةِ لِلْمُشاكَلَةِ أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بِالمُعاوَدَةِ إلى العُقُوبَةِ ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ عَلى مَن بَغى عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: مُبالَغٌ في العَفْوِ والغُفْرانِ، (p-117)فَيَعْفُو عَنِ المُنْتَصِرِ ويَغْفِرُ لَهُ ما صَدَرَ عَنْهُ مِن تَرْجِيحِ الِانْتِقامِ عَلى العَفْوِ والصَّبْرِ المَندُوبِ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ ...﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَإنَّ فِيهِ حَثًّا بَلِيغًا عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَإنَّهُ تَعالى مَعَ كَمالِ قدرته لَمّا كانَ يَعْفُو ويَغْفِرُ فَغَيْرُهُ أوْلى بِذَلِكَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ إذْ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ.

الحج 22:61

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّصْرِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ وسُنَنِهِ تَغْلِيبُ بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى بَعْضٍ والمُداوَلَةُ بَيْنَ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِإدْخالِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ بِأنْ يَزِيدَ فِيهِ ما يَنْقُصُ عَلى الآخَرِ أوْ بِتَحْصِيلِ أحَدِهِما في مَكانِ الآخَرِ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ المَوادِّ وأُوَضَحَها. ﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بِكُلِّ المَسْمُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُ المُعاقَبِ. ﴿بَصِيرٌ﴾ بِجَمِيعِ المُبْصِراتِ ومِن جُمْلَتِها أفْعالُهُ.

الحج 22:62

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الِاتِّصافُ بِما ذَكَرَ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ آنِفًا، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الواجِبُ لِذاتِهِ الثّابِتُ في نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وحْدَهُ، فَإنَّ وُجُوبَ وجُودِهِ ووَحْدَتِهِ يَقْتَضِيانِ كَوْنَهُ مَبْدَأً لِكُلِّ ما يُوجَدُ مِنَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّةً فَلا يَصْلُحُ لَها إلّا مَن كانَ عالِمًا قادِرًا. ﴿وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلَهًا، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ الواوَ لِما فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُشْرِكِينَ. ﴿هُوَ الباطِلُ﴾ أيِ: المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ أوِ الباطِلُ أُلُوهِيَّتُهُ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ﴾ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ ﴿الكَبِيرُ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ شَأْنًا وأكْبَرَ سُلْطانًا.

الحج 22:63

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرٌ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بِالعَطْفِ عَلى "أنْزَلَ" . وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ أثَرِ الإنْزالِ واسْتِمْرارِهِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الِاخْضِرارِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ لُطْفُهُ أوْ عِلْمُهُ إلى كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما يَلِيقُ مِنَ التَّدابِيرِ الحَسَنَةِ ظاهِرًا وباطِنًا.

الحج 22:64

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.

الحج 22:65

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلَ ما فِيها مِنَ الأشْياءِ مُذَلَّلَةً لَكم مُعَدَّةً لِمَنافِعِكم، تَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَ شِئْتُمْ فَلا (p-118)أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ ولا أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ ولا أهْيَبَ مِنَ النّارِ، وهي مُسَخَّرَةٌ لَكم. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. ﴿والفُلْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما" أوْ عَلى اسْمِ "أنَّ" . وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ حالٌ مِنَ الفُلْكِ عَلى الأوَّلِ وخَبَرٌ عَلى الأخِيرَيْنِ. ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ أيْ: مِن أنْ تَقَعَ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقَعَ بِأنْ خَلَقَها عَلى هَيْئَةٍ مُتَداعِيَةٍ إلى الِاسْتِمْساكِ. ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِمَشِيئَتِهِ وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ رَدٌّ لِاسْتِمْساكِها بِذاتِها فَإنَّها مُساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ لِسائِرِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلْمَيْلِ الهابِطِ فَتَقْبَلُهُ كَقَبُولِ غَيْرِها. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَهم أسْبابَ مَعاشِهِمْ وفَتَحَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المَنافِعِ وأوْضَحَ لَهم مَناهِجَ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْـزِيلِيَّةِ.

الحج 22:66

﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ جَمادًا عَناصِرَ ونُطَفًا حَسَبَما فُصِّلَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ مَجِيءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عِنْدَ البَعْثِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أيْ: جَحُودٌ لِلنِّعَمِ مَعَ ظُهُورِها. وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِوَصْفِ بَعْضِ أفْرادِهِ.

الحج 22:67

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أهْلِ الأدْيانِ السَّماوِيَّةِ عَنْ مُنازَعَتِهِ ﷺ بِبَيانِ حالِ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وإظْهارِ خَطَئِهِمْ في النَّظَرِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والباقِيَةِ ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ: وضَعْنا وعَيَّنّا ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ: شَرِيعَةً خاصَّةً لا لِأُمَّةٍ أُخْرى مِنهم، عَلى مَعْنى: عَيَّنّا كُلَّ شَرِيعَةٍ لِأُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم شَرِيعَتَها المُعَيَّنَةَ لَها إلى شَرِيعَةٍ أُخْرى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ صِفَةٌ لِمَنسَكًا مُؤَكِّدَةٌ لِلْقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ، والضَّمِيرُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ بِاعْتِبارِ خُصُومِها، أيْ: تِلْكَ الأُمَّةُ المُعَيَّنَةُ ناسِكُوهُ والعامِلُونَ بِهِ لا أُمَّةٌ أُخْرى، فالأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنسَكُهُمُ التَّوْراةُ هم ناسِكُوها والعامِلُونَ بِها لا غَيْرُهم، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى إلى مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ مَنسَكُهُمُ الإنْجِيلُ هم ناسِكُوهُ والعامِلُونَ بِهِ لا غَيْرُهم، وأمّا الأُمَّةُ المَوْجُودَةُ عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن بَعْدَهم مِنَ المَوْجُودِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ مَنسَكُهُمُ الفُرْقانُ لَيْسَ إلّا كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ . والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ لِتَرْتِيبٍ إلَهِيٍّ أوْ مُوجِبِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ تَعْيِينَهُ تَعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ هَذِهِ الأُمَّةُ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم شَرِيعَتَها المُعَيَّنَةَ لَها مُوجِبٌ لِطاعَةِ هَؤُلاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَدَمِ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ في أمْرِ الدِّينِ زَعْمًا مِنهم أنَّ شَرِيعَتَهم ما عُيِّنَ لِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَإنَّهُما شَرِيعَتانِ لِمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ انْتِساخِهِما، وهَؤُلاءِ أُمَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَنسَكُهُمُ القرآن المَجِيدُ فَحَسْبُ. والنَّهْيُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ كُلِّيَّتِهِ عَنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنِ الِالتِفاتِ إلى نِزاعِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلى زَعْمِهِمُ المَذْكُورِ. وأمّا جَعْلُهُ عِبارَةً عَنْ نَهْيِهِ ﷺ (p-119)عَنْ مُنازَعَتِهِمْ فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ. وقُرِئَ "فَلا يَنْـزَعَنَّكَ" عَلى تَهْيِيجِهِ ﷺ، والمُبالَغَةُ في تَثْبِيتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ النِّزاعِ ما ذَكَرْناهُ وتَخْصِيصُهُ بِأمْرِ النَّسائِكِ وجَعْلُهُ عِبارَةً عَنْ قَوْلِ الخُزاعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ما لَكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُوا ما قَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا كَيْفَ لا وأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ أكْلُ المَيْتَةِ وسائِرُ ما يُدِينُونَهُ مِنَ الأباطِيلِ مِن جُمْلَةِ المَناسِكِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ الأُمَمِ ولا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ عاقِلٌ. ﴿وادْعُ﴾ أيْ: وادْعُهم، أوْ وادْعُ النّاسَ كافَّةً عَلى أنَّهم داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ حَسَبَما بُيِّنَ لَهم في مَنسَكِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ. ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى الحَقِّ سَوِيٍّ. والمُرادُ بِهِ: إمّا الدِّينُ والشَّرِيعَةُ، أوْ أدِلَّتُها.

الحج 22:68

﴿وَإنْ جادَلُوكَ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّحْقِيقِ ولُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿فَقُلِ﴾ لَهم عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُجادِلَةُ.

الحج 22:69

﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يَفْصِلُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنكم والكافِرِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ كَما فَصَلَ في الدُّنْيا بِالحُجَجِ والآياتِ. ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.

الحج 22:70

﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: قَدْ عَلِمْتَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ وما يَعْمَلُونَهُ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما في السَّماءِ والأرْضِ ﴿فِي كِتابٍ﴾ هو اللَّوْحُ قَدْ كُتِبَ فِيهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُهم مَعَ عِلْمِنا بِهِ وحِفْظِنا لَهُ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ والإحاطَةِ بِهِ وإثْباتِهِ في اللَّوْحِ، أوِ الحُكْمِ بِبَيْنِكم ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَإنَّ عِلْمَهُ وقدرته مُقْتَضى ذاتِهِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَعْسُرُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ.

الحج 22:71

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ مِن بِناءِ أمْرِ دِينِهِمْ عَلى غَيْرِ مَبْنًى مِن دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ وإعْراضِهِمْ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ بَيِّنٍ هو أساسُ الدِّينِ وقاعِدَتُهُ أشَدُّ إعْراضٍ، أيْ: يَعْبُدُونَ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِجَوازِ عِبادَتِهِ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً. ﴿وَما لَيْسَ لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِجَوازِ عِبادَتِهِ ﴿عِلْمٌ﴾ مِن ضَرُورَةِ العَقْلِ أوِ اسْتِدْلالِهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ارْتَكَبُوا مِثْلَ هَذا الظُّلْمِ العَظِيمِ الَّذِي يَقْضِي بِبُطْلانِهِ وكَوْنِهِ ظُلْمًا بَدِيهَةُ العُقُولِ ﴿مِن نَصِيرٍ﴾ يُساعِدُهم بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ وتَقْرِيرِ رَأْيِهِمْ، أوْ بِدَفْعِ العَذابِ الَّذِي يَعْتَرِيهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.

الحج 22:72

(p-120)﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ عَطْفٌ عَلى "يَعْبُدُونَ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ. ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى العَقائِدِ الحَقَّةِ والأحْكامِ الصّادِقَةِ، أوْ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، أوْ عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ أيِ: الإنْكارَ كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ، أوِ الفَظِيعَ مِنَ التَّجَهُّمِ والبُسُورِ، أوِ الشَّرِّ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِظُهُورِ مُخايِلِهِ مِنَ الأوْضاعِ والهَيْئاتِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيْ: يَثِبُونَ ويَبْطِشُونَ بِهِمْ مِن فَرْطِ الغَيْظِ والغَضَبِ لَأباطِيلَ أخَذُوها تَقْلِيدًا، وهَلْ جَهالَةٌ أعْظَمُ وأطَمُّ مِن أنْ يَعْبُدُوا ما لا يُوهِمُ صِحَّةَ عِبادَتِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا بَلْ يَقْضِيَ بِبُطْلانِها العَقْلُ والنَّقْلُ ويُظْهِرُوا لِمَن يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ البَيِّنِ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ مِثْلَ هَذا المُنْكَرِ الشَّنِيعِ، كَلّا ولِهَذا وضَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ. ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإقْناطًا عَمّا يَقْصِدُونَهُ مِنَ الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ ﴿أفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أأُخاطِبُكم فَأُخْبِرُكم ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي فِيكم مِن غَيْظِكم عَلى التّالِّينَ وسَطْوَتِكم بِهِمْ، أوْ مِمّا تَبْغُونَهم مِنَ الغَوائِلِ، أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الضَّجَرِ بِسَبَبِ ما تَلَوْهُ عَلَيْكم. ﴿النّارُ﴾ أيْ: هو النّارُ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هو ؟ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وقُرِئَ: "النّارَ" بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبِالجَرِّ بَدَلًا مِن "شَرٍّ" فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ اسْتِئْنافًا كالوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ حالًا مِنَ النّارِ بِإضْمارِ قَدْ. ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ النّارُ.

الحج 22:73

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أيْ: بُيِّنَ لَكم حالٌ مُسْتَغْرَبَةٌ أوْ قِصَّةٌ بَدِيعَةٌ رائِعَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ تُسَمّى مَثَلًا وتَسِيرَ في الأمْصارِ والأعْصارِ، أوْ جُعِلَ لِلَّهِ مَثَلٌ، أيْ: مَثَلٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ ما حُكِيَ عَنْهم مِن عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ. ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ: لِلْمَثَلِ نَفْسِهِ اسْتِماعَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، أوْ فاسْتَمِعُوا لِأجْلِهِ ما أقُولُ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِلْمَثَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ عَلى الأوَّلِ، وتَعْلِيلٌ لِبُطْلانِ جَعْلِهِمُ الأصْنامَ مِثْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَلى الثّانِي. وقُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ عَلى الأوَّلِينَ مَحْذُوفٌ. ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ أيْ: لَنْ يَقْدِرُوا عَلى خَلْقِهِ أبَدًا مَعَ صِغَرِهِ وحَقارَتِهِ، فَإنَّ "لَنْ" بِما فِيها مِن تَأْكِيدِ النَّفْيِ دالَّةٌ عَلى مُنافاةِ ما بَيْنَ المَنفِيِّ والمَنفِيِّ عَنْهُ. ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أيْ: لِخُلُقِهِ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى شُرْطِيَّةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ ثِقَةً بِدَلالَةِ هَذِهِ عَلَيْها، أيْ: لَوْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَنْ يَخْلُقُوهُ ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لَنْ يَخْلُقُوهُ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا، وهُما في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا (p-121)عَلى كُلِّ حالٍ. ﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الِامْتِناعِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمُ الذُّبابُ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ خَلْقِهِ، أيْ: إنْ يَأْخُذِ الذُّبابُ مِنهم شَيْئًا ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ مَعَ غايَةِ ضَعْفِهِ، ولَقَدْ جُهِّلُوا غايَةَ التَّجْهِيلِ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ القادِرِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ المُنْفَرِدِ بِإيجادِ كافَّةِ المَوْجُوداتِ تَماثِيلَ هي أعْجَزُ الأشْياءِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى أقَلِّ الأحْياءِ وأذَلِّها ولَوِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، بَلْ لا تَقْوى عَلى مُقاوَمَةِ هَذا الأقَلِّ الأذَلِّ وتَعْجِزُ عَنْ ذَبِّهِ عَنْ نَفْسِها واسْتِنْقاذِ ما يَخْتَطِفُهُ مِنها. قِيلَ: كانُوا يُطَيِّبُونَها بِالطِّيبِ والعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها الأبْوابَ فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ أيْ: عابِدُ الصَّنَمِ ومَعْبُودُهُ، أوِ الذُّبابُ الطّالِبُ لِما يَسْلُبُهُ مِنَ الصَّنَمِ مِنَ الطِّيبِ والصَّنَمُ المَطْلُوبُ مِنهُ ذَلِكَ، أوِ الصَّنَمُ والذُّبابُ كَأنَّهُ يَطْلُبُهُ لَيَسْتَنْقِذَ مِنهُ ما يَسْلُبُهُ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الصَّنَمَ أضْعَفَ مِنَ الذُّبابِ بِدَرَجاتٍ، وعابِدَهُ أجْهَلُ مِن كُلِّ جاهِلٍ وأضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ.

الحج 22:74

﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ وسَمَّوْا بِاسْمِهِ ما هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْهُ مُناسَبَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى خَلْقِ المُمَكَّناتِ بِأسْرِها وإفْناءِ المَوْجُوداتِ عَنْ آخِرِها. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَ آلِهَتِهِمُ المَقْهُورَةِ لَأذَلَّها العَجَزَةُ عَنْ أقَلِّها. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ تَعالى.

الحج 22:75

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ يَتَوَسَّطُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالوَحْيِ. ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيِّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقُونَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَتَلَقَّوْنَ مِن جانِبٍ ويُلْقُونَ إلى جانِبٍ، ولا يَعُوقُهُمُ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ فَيَدْعُونَهم إلَيْهِ تَعالى بِما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ويُعَلِّمُونَهُمُ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ونَفى أنْ يُشارِكَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفِّينَ لِلرِّسالَةِ يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ إلى عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو أعْلى الدَّرَجاتِ وأقْصى الغاياتِ لِمَن عَداهُ مِنَ المَوْجُوداتِ تَقْرِيرًا لِلنُّبُوَّةِ وتَزْيِيفًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وقَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ وقَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

الحج 22:76

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا.

الحج 22:77

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ أيْ: في صَلَواتِكم أمَرَهم بِهِما لِما أنَّهم ما كانُوا يَفْعَلُونَهُما أوَّلَ الإسْلامِ أوْصَلُوا، عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها، أوِ اخْضَعُوا لِلَّهِ تَعالى وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا. (p-122)﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ بِسائِرِ ما تَعَبَّدَكم بِهِ ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ وتَحَرَّوْا ما هو خَيْرٌ وأصْلَحُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ كَنَوافِلِ الطّاعاتِ وصِلَةِ الأرْحامِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيِ: افْعَلُوا هَذِهِ كُلَّها وأنْتُمْ راجُونَ بِها الفَلاحَ غَيْرَ مُتَيَقِّنِينَ لَهُ واثِقِينَ بِأعْمالِكم. والآيَةُ آيَةُ سَجْدَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِظاهِرِ ما فِيها مِنَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ ولِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ مَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْها﴾ .

الحج 22:78

﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى ولِأجْلِهِ أعْداءَ دِينِهِ الظّاهِرَةِ كَأهْلِ الزَّيْغِ والباطِنَةِ كالهَوى والنَّفْسِ، «وَعَنْهُ ﷺ أنَّهُ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» . ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيْ: جِهادًا فِيهِ حَقًّا خالِصًا لِوَجْهِهِ، فَعَكَسَ وأُضِيفَ الحَقُّ إلى الجِهادِ مُبالَغَةً كَقَوْلِكَ: هو حُقٌّ عالَمٌ، وأُضِيفَ الجِهادُ إلى الضَّمِيرِ اتِّساعًا أوْ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ. ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: هو اخْتارَكم لِدِينِهِ ونُصْرَتِهِ لا غَيْرُهُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَقْتَضِي الجِهادَ ويَدْعُو إلَيْهِ. ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ضِيقٍ بِتَكْلِيفِ ما يَشُقُّ عَلَيْكم إقامَتُهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهم عَنْهُ ولا عُذْرَ لَهم في تَرْكِهِ، أوْ إلى الرُّخْصَةِ في إغْفالِ بَعْضِ ما أمَرَهم بِهِ حَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجًا بِأنْ رَخَّصَ لَهم في المَضايِقِ وفَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ وشَرَعَ لَهُمُ الكَفّاراتِ في حُقُوقِهِ والأُرُوشَ والدِّياتِ في حُقُوقِ العِبادِ. ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما قَبْلَهُ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: وسَّعَ عَلَيْكم دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، أوْ عَلى الإغْراءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ. وإنَّما جَعَلَهُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ، مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ ووُجُودِهِمْ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِّ بِهِ في الآخِرَةِ، أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ ﷺ فَغُلِّبُوا عَلى غَيْرِهِمْ. ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وَفِي هَذا﴾ أيْ: في القرآن، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "اللَّهُ سَمّاكُمْ"، أوْ لِإبْراهِيمَ. وتَسْمِيَتُهم بِالمُسْلِمِينَ في القرآن وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنهُ ﷺ كانَتْ بِسَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . وقِيلَ: ﴿وَفِي هَذا﴾ تَقْدِيرُهُ: وفي هَذا بَيانُ تَسْمِيَتِهِ إيّاكُمُ المُسْلِمِينَ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِسَمّاكم ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بِأنَّهُ بَلَّغَكم، فَيَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ لِنَفْسِهِ اعْتِمادًا عَلى عِصْمَتِهِ، أوْ بِطاعَةِ مَن أطاعَ وعِصْيانِ مَن عَصى. ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ. ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ بِأنْواعِ الطّاعاتِ، وتَخْصِيصِهِما بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِما وفَضْلِهِما. ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: ثِقُوا بِهِ في مَجامِعِ أُمُورِكم ولا تَطْلُبُوا الإعانَةَ والنُّصْرَةَ إلّا مِنهُ. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم ومُتَوَلِّي أُمُورَكم. ﴿فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ هو إذْ لا مَثَلَ لَهُ في الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ، (p-123)بَلْ لا ولِيَ ولا نَصِيرَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَحَجَّةٍ حَجَّها وعُمْرَةٍ اعْتَمَرَها بِعَدَدِ مَن حَجَّ واعْتَمَرَ فِيما مَضى وفِيما بَقى﴾ .

المؤمنون 23:1

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ (مَكِّيَّةٌ وهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ الفَلاحُ: الفَوْزُ بِالمَرامِ والنَّجاةُ مِنَ المَكْرُوهِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، والإفْلاحُ: الدُّخُولُ في ذَلِكَ كالإبْشارِ الَّذِي هو الدُّخُولُ في البِشارَةِ، وقَدْ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى الإدْخالِ فِيهِ وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وكَلِمَةُ "قَدْ" هَهُنا لِإفادَةِ ثُبُوتِ ما كانَ مُتَوَقِّعَ الثُّبُوتِ مِن قَبْلُ لا مُتَوَقِّعَ الإخْبارِ بِهِ ضَرُورَةَ أنَّ المُتَوَقَّعَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ ثُبُوتُ الفَلاحِ لَهم لا الإخْبارُ بِذَلِكَ، فالمَعْنى: قَدْ فازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ ونَجَوْا مِن كُلِّ ضَيْرٍ حَسَبَما كانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعًا مِن حالِهِمْ، فَإنَّ إيمانَهم وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ مِن دَواعِي الفَلاحِ بِمُوجِبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ خَلا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالإفْلاحِ حَقِيقَةُ الدُّخُولِ في الفَلاحِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الآخِرَةِ، فالإخْبارُ بِهِ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ بَتَنْـزِيلِهِ مَنـزِلَةَ الثّابِتِ وإنْ أُرِيدَ كَوْنُهم بِحالٍ تَسْتَتْبِعُهُ البَتَّةَ فَصِيغَةُ الماضِي في مَحَلِّها. وقُرِئَ: "أفْلَحُوا" عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، أوْ عَلى أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقُرِئَ "أفْلَحُ" بِضَمَّةٍ اكْتَفى بِها عَنِ الواوِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ ولَوْ أنَّ الأطَبّا كانَ حَوْلِي..

المؤمنون 23:2

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا المُصَدِّقُونَ بِما عُلِمَ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن دِينِ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ ونَظائِرِها،فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفاتٌ مُخَصَّصَةٌ لَهم، وإمّا الآتُونَ بِفُرُوعِهِ أيْضًا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ الصَّلاةِ إلَيْهِمْ فَهي صِفاتٌ مُوَضَّحَةٌ أوْ مادِحَةٌ لَهم حَسَبَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ المَعانِي مَعَ الإيمانِ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا كَما مَرَّ في أوائِلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) . والخُشُوعُ: الخَوْفُ والتَّذَلُّلُ، أيْ: خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَذَلِّلُونَ لَهُ مُلْزِمُونَ أبْصارَهم مَساجِدَهم. رَوى «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ، وأنَّهُ رَأى مُصَلِّيًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فَقالَ: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ"» .

المؤمنون 23:3

﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ﴾ أيْ: عَمّا لا يَعْنِيهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. (p-124)﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ إعْراضُهم عَنْهُ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالصَّلاةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَدارُ إعْراضِهِمْ عَنْهُ ما فِيهِ مِنَ الحالَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإعْراضِ عَنْهُ لا مُجَرَّدَ الِاشْتِغالِ بِالجِدِّ في أُمُورِ الدِّينِ كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما يُوهِمُ أنْ لا يَكُونَ في اللَّغْوِ نَفْسِهِ ما يَزْجُرُهم عَنْ تَعاطِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لا يَلْهُونَ مِن وُجُوهِ جَعْلِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً. وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الضَّمِيرِ والتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالِاسْمِ وتَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ وإقامَةِ الإعْراضِ مَقامَ التَّرْكِ لَيَدُلَّ عَلى تَباعُدِهِمْ عَنْهُ رَأْسًا مُباشَرَةً وتَسَبُّبًا ومَيْلًا وحُضُورًا، فَإنَّ أصْلَهُ أنْ يَكُونَ في عَرْضٍ غَيْرِ عَرْضِهِ.

المؤمنون 23:4

﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وصَفَهم بِذَلِكَ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ القاصِيَةَ مِنَ القِيامِ بِالطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المُحَرَّماتِ وسائِرِ ما يُوجِبُ المُرُوءَةَ اجْتِنابَهُ، وتَوْسِيطِ حَدِيثِ الإعْراضِ بَيْنَهُما لِكَمالِ مُلابَسَتِهِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ. والزَّكاةُ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ الأمْرُ الصّادِرُ عَنِ الفاعِلِ لا المَحَلُّ الَّذِي هو مَوْقِعُهُ، ومَعْنى الفِعْلِ قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها العَيْنُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ.

المؤمنون 23:5

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ مُمْسِكُونَ لَها، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مِن نَفْيِ الإرْسالِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الحِفْظُ، أيْ: لا يُرْسِلُونَها عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ قُوَّتَهُمُ الشَّهَوَيَّةِ داعِيَةٌ لَهم إلى ما لا يَخْفى وأنَّهم حافِظُونَ لَها مِنِ اسْتِيفاءِ مُقْتَضاها، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ كَمالُ العِفَّةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "عَلى" بِمَعْنى "مِن" وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ . أيْ: حافِظُونَ لَها مِن كُلِّ أحَدٍ إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "حافِظُونَ"، أيْ: حافِظُونَ لَها في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ والِينَ أوْ قَوّامِينَ عَلى أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشِرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ، وحَمْلُ الحِفْظِ عَلى القَصْرِ عَلَيْهِنَّ لَيَكُونَ المَعْنى: حافِظُونَ فُرُوجَهم عَلى الأزْواجِ لا يَتَعَدّاهُنَّ، ثُمَّ يُقالُ: غَيْرُ حافِظِينَ إلّا عَلَيْهِنَّ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدِ تَكَلُّفٍ عَلى تَكَلُّفٍ. ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: سَرارِيهِمْ، عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِـ "ما" إجْراءً لَهُنَّ لِمَمْلُوكِيَّتِهِنَّ مُجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ أوْ لِأُنُوثَتِهِنَّ المُنْبِئَةِ عَنِ المَقْصُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِن عَدَمِ حِفْظِ فُرُوجِهِمْ مِنهُنَّ، أيْ: فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى عَدَمِ حِفْظِها مِنهُنَّ.

المؤمنون 23:6

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ مُمْسِكُونَ لَها، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مِن نَفْيِ الإرْسالِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الحِفْظُ، أيْ: لا يُرْسِلُونَها عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ قُوَّتَهُمُ الشَّهَوَيَّةِ داعِيَةٌ لَهم إلى ما لا يَخْفى وأنَّهم حافِظُونَ لَها مِنِ اسْتِيفاءِ مُقْتَضاها، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ كَمالُ العِفَّةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "عَلى" بِمَعْنى "مِن" وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ . أيْ: حافِظُونَ لَها مِن كُلِّ أحَدٍ إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "حافِظُونَ"، أيْ: حافِظُونَ لَها في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ والِينَ أوْ قَوّامِينَ عَلى أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشِرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ، وحَمْلُ الحِفْظِ عَلى القَصْرِ عَلَيْهِنَّ لَيَكُونَ المَعْنى: حافِظُونَ فُرُوجَهم عَلى الأزْواجِ لا يَتَعَدّاهُنَّ، ثُمَّ يُقالُ: غَيْرُ حافِظِينَ إلّا عَلَيْهِنَّ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدِ تَكَلُّفٍ عَلى تَكَلُّفٍ. ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: سَرارِيهِمْ، عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِـ "ما" إجْراءً لَهُنَّ لِمَمْلُوكِيَّتِهِنَّ مُجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ أوْ لِأُنُوثَتِهِنَّ المُنْبِئَةِ عَنِ المَقْصُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِن عَدَمِ حِفْظِ فُرُوجِهِمْ مِنهُنَّ، أيْ: فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى عَدَمِ حِفْظِها مِنهُنَّ.

المؤمنون 23:7

﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الحَدِّ المُتَّسِعِ، وهو أرْبَعٌ مِنَ الحَرائِرِ وما شاءَ مِنَ الإماءِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ حَتْمًا عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ حَسَبَما نُقِلَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، أمّا (p-125)أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَلِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا إنَّها زَوْجَةٌ لَهُ في الجُمْلَةِ، وأمّا أنَّ كُلَّ زَوْجَةٍ تَرِثُ فَهم لا يُسَلِّمُونَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ إنْ أُرِيدَ لَوْ كانَتْ زَوْجَةً حالَ الحَياةِ لَمْ يُفِدْ، وإنْ أُرِيدَ بَعْدَ المَوْتِ فالمُلازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مُحَصَّلٌ، نَعَمْ لَوْ عُكِسَ لَكانَ لَهُ وجْهٌ.

المؤمنون 23:8

﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ لِما يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ ويُعاهِدُونَ مِن جِهَةِ الحَقِّ أوِ الخَلْقِ ﴿راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها حافِظُونَ لَها عَلى وجْهِ الإصْلاحِ، وقُرِئَ: "لِأمانَتِهِمْ" .

المؤمنون 23:9

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ ﴿يُحافِظُونَ﴾ يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُؤَدُّونَها في أوْقاتِها. ولَفْظُ الفِعْلِ فِيهِ لِما في الصَّلاةِ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ وهو السِّرُّ في جَمْعِها، ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها وفَصْلُهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما فَضِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلى حِيالِها، ولَوْ قُرِنا في الذِّكْرِ لَرُبَّما تُوَهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ الخُشُوعِ والمُحافَظَةِ فَضِيلَةٌ واحِدَةٌ.

المؤمنون 23:10

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وإيثارُها عَلى الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِامْتِيازِهِمْ بِها عَنْ غَيْرِهِمْ ونُزُولِهِمْ مَنـزِلَةَ المُشارِ إلَيْهِ حِسًّا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ. ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ أيِ: الأحِقّاءُ بِأنْ يُسَمَّوْا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم مِمَّنْ ورِثَ رَغائِبَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ وكَرائِمَهُما.

المؤمنون 23:11

﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ بَيانٌ لِما يَرِثُونَهُ وتَقْيِيدٌ لِلْوِراثَةِ بَعْدَ إطْلاقِها وتَفْسِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها تَفْخِيمًا لِشَأْنِها ورَفْعًا لِمَحَلِّها، وهي اسْتِعارَةٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الفِرْدَوْسَ بِأعْمالِهِمْ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ الوَعْدُ الكَرِيمُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّهم يَرِثُونَ مِنَ الكُفّارِ مَنازِلَهم فِيها حَيْثُ فَوَّتُوها عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لِكُلِّ إنْسانٍ مَنـزِلًا في الجَنَّةِ ومَنـزِلًا في النّارِ. ﴿هم فِيها﴾ أيْ: في الفِرْدَوْسِ، والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَنَّةِ أوْ لِطَبَقَتِها العُلْيا، وهو البُسْتانُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَّمَرِ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَنى جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٍ مِن فِضَّةٍ وجَعَلَ خِلالَها المِسْكَ الأذْفَرَ، وفي رِوايَةٍ: ولَبِنَةً مِن مِسْكٍ مُذْرِي وغَرَسَ فِيها مِن جَيِّدِ الفاكِهَةِ وجَيِّدِ الرَّيْحانِ. ﴿خالِدُونَ﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ "يَرِثُونَ" أوْ مَفْعُولِهِ، إذْ فِيها ذِكْرٌ كُلٍّ مِنهُما، ومَعْنى الكَلامِ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ مِنها.

المؤمنون 23:12

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ خَلْقِ الإنْسانِ وتَقَلُّبِهِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ بَيانًا إجْمالِيًّا (p-126)إثْرَ بَيانِ حالِ بَعْضِ أفْرادِهِ السُّعَداءِ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ، والواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمُرادُ بِالإنْسانِ: الجِنْسُ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ في ضِمْنِ خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا إجْمالِيًّا حَسَبَما تَحَقَّقَتْهُ في (سُورَةِ الحَجِّ ) وغَيْرِها. وأمّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِن سُلالاتٍ جُعِلَتْ نُطَفًا بَعْدَ أدْوارٍ وأطْوارٍ فَبَعِيدٌ. ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ السُّلالَةُ ما سُلَّ مِنَ الشَّيْءِ واسْتُخْرِجَ مِنهُ، فَإنَّ فُعالَةَ اسْمٌ لِما يَحْصُلُ مِنَ الفِعْلِ فَتارَةً تَكُونُ مَقْصُودًا مِنهُ كالخُلاصَةِ، وأُخْرى غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنهُ كالقُلامَةِ والكُناسَةِ والسُّلالَةُ مِن قَبِيلِ الأوَّلِ فَإنَّها مَقْصُودَةٌ بِالسَّلِّ، و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَلْقِ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طِينٍ﴾ بَيانِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسُلالَةٍ، أيْ: خَلَقْناهُ مِن سُلالَةٍ كائِنَةٍ مِن طِينٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِسُلالَةٍ عَلى أنَّها بِمَعْنى مَسْلُولَةٍ فَهي ابْتِدائِيَّةٌ كالأُولى، وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ: آَدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ الَّذِي خُلِقَ مِن صَفْوَةٍ سُلَّتْ مِنَ الطِّينِ وقَدْ وقَفَتْ عَلى التَّحْقِيقِ.

المؤمنون 23:13

﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الجِنْسَ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ المُغايِرَةِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ جَعَلْنا نَسْلَهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ إنْ أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿نُطْفَةً﴾ بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها، أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً. والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ الجَوْهَرِ أوِ المَسْلُولِ أوِ الماءِ ﴿فِي قَرارٍ﴾ أيْ: مُسْتَقَرٍّ وهو الرَّحِمُ، عَبَّرَ عَنْها بِالقَرارِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ مُبالَغَةً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكِينٍ﴾ وصْفٌ لَها بِصِفَةِ ما اسْتَقَرَّ فِيها مِثْلُ طَرِيقٍ سائِرٍ أوْ بِمَكانَتِها في نَفْسِها فَإنَّها مُكِّنَتْ بِحَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.

المؤمنون 23:14

﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: دَمًا جامِدًا بِأنْ أحَلْنا النُّطْفَةَ البَيْضاءَ عَلَقَةً حَمْراءَ. ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ لا اسْتِبانَةَ ولا تَمايُزَ فِيها. ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ﴾ أيْ: غالِبَها ومُعْظَمَها أوْ كُلَّها ﴿عِظامًا﴾ بِأنْ صَلَبْناها وجَعَلْناها عَمُودًا لِلْبَدَنِ عَلى هَيْئاتٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ. ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ المَعْهُودَةُ ﴿لَحْمًا﴾ مِن بَقِيَّةِ المُضْغَةِ، أوْ مِمّا أنْبَتْنا عَلَيْها بِقُدْرَتِنا مِمّا يَصِلُ إلَيْها، أيْ: كَسَوْنا كُلَّ عَظْمٍ مِن تِلْكَ العِظامِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ اللَّحْمِ عَلى مِقْدارٍ لائِقٍ بِهِ وهَيْئَةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ. واخْتِلافِ العَواطِفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ الِاسْتِحالاتِ وجَمْعِ العِظامِ لِاخْتِلافِها. وقُرِئَ عَلى التَّوْحِيدِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالجِنْسِ، وبِتَوْحِيدِ الأوَّلِ فَقَطْ، وبِتَوْحِيدِ الثّانِي فَحَسْبُ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ هي صُورَةُ البَدَنِ، أوِ الرُّوحِ، أوِ القُوى بِنَفْخِهِ فِيهِ، أوِ المَجْمُوعِ، و"ثُمَّ" لِكَمالِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ. واحْتَجَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ مَن غَصَبَ بَيْضَةً فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ لَزِمَهُ ضَمانُ البَيْضَةِ لا الفَرْخُ لِأنَّهُ خَلْقٌ آَخَرُ. ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ فَتَعالى شَأْنُهُ في عِلْمِهِ الشّامِلِ وقدرته الباهِرَةِ والِالتِفاتِ إلى الإسْلامِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، والإشْعارِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ العَجِيبَةِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّ كُلِّ مَن سُمِعَ ما فُصِّلَ مِنَ اثارِ قدرته عَزَّ وعَلا أوْ لاحَظَهُ أنْ يُسارِعَ إلى التَّكَلُّمِ بِهِ إجْلالًا وإعْظامًا لِشُؤُونِهِ تَعالى. ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ، وقِيلَ: نَعْتٌ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أحْسَنُ الخالِقِينَ خَلْقًا، أيِ: المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا حُذِفَ المُمَيِّزُ (p-127)لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ المَأْذُونُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ...﴾ لِدِلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: أحْسَنُ الخالِقِينَ خَلْقًا فالحُسْنُ لِلْخَلْقِ. قِيلَ: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ﴾ أيْ: جَمِيلٌ فِعْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَكَنَ. «رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي سَرْحٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيَ فَلَمّا انْتَهى ﷺ إلى قَوْلِهِ خَلْقًا آخَرَ، سارَعَ عَبْدُ اللَّهِ إلى النُّطْقِ بِهِ قَبْلَ إمْلائِهِ ﷺ فَقالَ: اكْتُبْهُ هَكَذا نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُوحى إلَيْهِ فَأنا كَذَلِكَ، فَلَحِقَ بِمَكَّةَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: ماتَ عَلى كُفْرِهِ» . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَكَذا نَزَلَ يا عُمَرُ،» وكانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ ويَقُولُ: وافَقْتُ رَبِّي في أرْبَعٍ: الصَّلاةُ خَلْفَ المَقامِ، وضَرْبُ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ:أوْ لَيُبْدِلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ ...﴾ الآيَةِ. والرّابِعُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، انْظُرْ كَيْفَ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ سَبَبًا لِسَعادَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وشَقاوَةِ ابْنِ أبِي سَرْحٍ حَسَبَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ . لا يُقالُ فَقَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القرآن وذَلِكَ قادِحٌ في إعْجازِهِ لِما أنَّ الخارِجَ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ ما كانَ مِقْدارَ أقْصَرِ السُّوَرِ عَلى أنَّ إعْجازَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنُوطٌ بِما قَبْلَها، كَما تُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ فَإنَّها اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

المؤمنون 23:15

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ المُشْعِرِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِ في الفَضْلِ والكَمالِ، وكَوْنُهُ بِذَلِكَ مُمْتازًا مُنَـزَّلًا مَنزِلَةَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ. ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ لا مَحالَةَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ صِيغَةُ النَّعْتِ الدّالَّةِ عَلى الثُّبُوتِ دُونَ الحُدُوثِ الَّذِي تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفاعِلِ. وقَدْ قُرِئَ: "لَمائِتُونَ" .

المؤمنون 23:16

﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

المؤمنون 23:17

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَلْقَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَقاؤُهم إثْرَ بَيانِ خَلْقِهِمْ، أيْ: خَلَقْنا في جِهَةِ العُلُوِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ فَوْقِيَّتِها لَهم لِأنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ إنَّما تَعَرَّضَ لَها بَعْدَ خَلْقِهِمْ. ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ هي: السَّمَواتُ السَّبْعُ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها طُورِقَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مُطارَقَةَ النَّعْلِ فَإنَّ كُلَّ ما فَوْقَهُ مِثْلُهُ فَهو طَرِيقَةٌ، أوْ لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ أوِ الكَواكِبِ فِيها مَسِيرُها. ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ﴾ عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ الَّذِي هو السَّمَواتُ، أوْ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها، أوْ عَنِ النّاسِ. ﴿غافِلِينَ﴾ مُهْمِلِينَ أمْرَها بَلْ نَحْفَظُها عَنِ الزَّوالِ والِاخْتِلالِ ونُدَبِّرُ أمْرَها حَتّى تَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَها مِنَ الكَمالِ حَسَبَما اقْضَتْهُ الحِكْمَةُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ ويَصِلُ إلى ما في الأرْضِ مَنافِعُها.

المؤمنون 23:18

كَمًّا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو المَطَرُ، أوِ الأنْهارُ النّازِلَةُ مِنَ (p-128)الجَنَّةِ، قِيلَ: هي خَمْسَةُ أنْهارِ: سَيْحُونُ نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخِ، ودِجْلَةُ والفُراتُ نَهْرُ العِراقِ، والنِّيلُ نَهْرُ مِصْرَ، أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ مِن عُيُونِ الجَنَّةِ فاسْتَوْدَعَها الجِبالَ وأجْراها في الأرْضِ وجَعَلَ فِيها مَنافِعَ لِلنّاسِ في فُنُونِ مَعايِشِهِمْ. و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَأنْزَلْنا، وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ والعُدُولِ عَنِ الإضْمارِ لِأنَّ الإنْزالَ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ عُنْوانُ كَوْنِها طَرائِقَ بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِها جِهَةَ العُلُوِّ. ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ لائِقٍ لِاسْتِجْلابِ مَنافِعِهِمْ ودَفْعِ مُضارِّهِمْ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْنا مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ ثابِتًا قارًّا فِيها. ﴿وَإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ أيْ: إزالَتُهُ بِالإفْسادِ أوِ التَّصْعِيدِ أوِ التَّغْوِيرِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ اسْتِنْباطُهُ. ﴿لَقادِرُونَ﴾ كَما كُنّا قادِرِينَ عَلى إنْزالِهِ. وفي تَنْكِيرِ "ذَهابٍ" إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طُرُقِهِ ومُبالَغَةٌ في الإبْعادِ بِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ أبْلَغَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ .

المؤمنون 23:19

﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ في الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ تَتَفَكَّهُونَ بِها ﴿وَمِنها﴾ مِنَ الجَنّاتِ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تَغَذِّيًا، أوْ تُرْزَقُونَ وتُحَصِّلُونَ مَعايِشَكم مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ لِلنَّخِيلِ والأعْنابِ، أيْ: لَكم في ثَمَراتِها أنْواعٌ مِنَ الفَواكِهِ الرُّطَبِ والعِنَبِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطَعامٌ يَأْكُلُونَهُ.

المؤمنون 23:20

﴿وَشَجَرَةً﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى "جَنّاتٍ"، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ومِمّا أُنْشِئَ لَكم بِهِ شَجَرَةٌ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأشْجارِ لِاسْتِقْلالِها بَمَنافِعَ مَعْرُوفَةٍ، قِيلَ: هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ وهو جَبَلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، وقِيلَ بِفِلَسْطِينَ، ويُقالُ لَهُ: طُورُ سِينِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ وسَيْناءُ اسْمُ البُقْعَةِ أُضِيفَ إلَيْها، أوِ المُرَكَّبُ مِنهُما عَلَمٌ لَهُ كامْرِئِ القَيْسِ. ومُنِعَ صَرْفُهُ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ السِّينَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، أوِ التَّأْنِيثِ عَلى تَأْوِيلِ البُقْعَةِ لا لِلْألِفِ لِأنَّهُ فِيعالٌ كَدِيماسٍ مِنَ السَّناءِ بِالمَدِّ وهو الرِّفْعَةُ، أوْ بِالقَصْرِ وهو النُّورُ، أوْ مُلْحَقٌ بِفَعْلانَ كَعِلْباءَ مِنَ السِّينِ إذْ لا فَعْلاءَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، بِخِلافِ سَيْناءَ فَإنَّهُ فَيْعالٌ كَكَيْسانَ، أوْ فَعَلاءُ كَصَحْراءَ، إذْ لا فَعِلالَ في كَلامِهِمْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والقَصْرِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لَشَجَرَةٍ وتَخْصِيصُها بِالخُرُوجِ مِنهُ مَعَ خُرُوجِها مِن سائِرِ البِقاعِ أيْضًا لِتَعْظِيمِها ولِأنَّهُ المُنْشَأُ الأصْلِيُّ لَها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِشَجَرَةٍ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، أيْ: تَنْبُتُ مُلْتَبِسَةً بِهِ. ويَجُوزُ كَوْنُها صِلَةً مُعِدِيَّةً، أيْ: تُنْبِتُهُ بِمَعْنى: تَتَضَمَّنُهُ وتُحَصِّلُهُ، فَإنَّ النَّباتَ حَقِيقَةً صِفَةٌ لِلشَّجَرَةِ لا لِلدُّهْنِ. وقُرِئَ: تُنْبِتُ مِنَ الإفْعالِ وهو إمّا مِنَ الإنْباتِ بِمَعْنى: النَّباتِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ .... قَطِينًا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ أوْ عَلى تَقْدِيرِ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها مُلْتَبِسًا بِالدُّهْنِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو كالأوَّلِ وتُثْمِرُ بِالدُّهْنِ وتَخْرُجُ بِالدُّهْنِ وتَنْبُتُ بِالدِّهانِ. ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّهْنِ جارٍ عَلى إعْرابِهِ عَطْفُ أحَدِ وصْفَيِ الشَّيْءِ عَلى (p-129)الآخَرِ، أيْ: تَنْبُتُ بِالشَّيْءِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ دُهْنًا يُدْهَنُ بِهِ ويُسَرَّجُ مِنهُ، وكَوْنُهُ إدامًا يُصْبَغُ فِيهِ الخُبْزُ، أيْ: يُغْمَسُ فِيهِ لِلِائْتِدامِ. وقُرِئَ: "وَصَبّاغٍ" كَدَبّاغٍ في دِبْغٍ.

المؤمنون 23:21

﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ بَيانٌ لِلنِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الحَيَوانِ إثْرَ بَيانِ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الماءِ والنَّباتِ، وقَدْ بُيِّنَ أنَّها مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها نِعْمَةً يَنْتَفِعُونَ بِها عَلى وُجُوهٍ شَتّى عِبْرَةٌ لابُدَّ مِن أنْ يَعْتَبِرُوا بِها ويَسْتَدِلُّوا بِأحْوالِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسابِغِ رَحْمَتِهِ ويَشْكُرُوهُ ولا يَكْفُرُوهُ، وخُصَّ هَذا بِالحَيَوانِ لِما أنَّ مَحَلَّ العِبْرَةِ فِيهِ أظْهَرُ مِمّا في النَّباتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَفْصِيلٌ لِما فِيها مِن مَواقِعِ العِبْرَةِ، و"ما في بُطُونِها" عِبارَةٌ إمّا عَنِ الألْبانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ بِالبُطُونِ: الجَوْفُ، أوْ عَنِ العَلَفِ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنهُ اللَّبَنُ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، والبُطُونُ عَلى حَقِيقَتِها. وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وبِالتّاءِ، أيْ: تَسْقِيكُمُ الأنْعامُ. ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن أصْوافِها وأشْعارِها ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ فَتَنْتَفِعُونَ بِأعْيابِها كَما تَنْتَفِعُونَ بِما يَحْصُلُ مِنها.

المؤمنون 23:22

﴿وَعَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأنْعامِ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلَيْها لا يَقْتَضِي الحَمْلَ عَلى جَمِيعِ أنْواعِها بَلْ يَتَحَقَّقُ بِالحَمْلِ عَلى البَعْضِ كالإبِلِ ونَحْوِها، وقِيلَ المُرادُ: هي الإبِلُ خاصَّةً لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها عِنْدَهم والمُناسِبُ لِلْفُلْكِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎ سَفِينَةٌ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها .. فالضَّمِيرُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ﴿وَعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أيْ: في البَرِّ والبَحْرِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ الفُلْكِ في إيقاعِ الحَمْلِ عَلَيْها مُبالَغَةٌ في تَحَمُّلِها لِلْحَمْلِ، وهو الدّاعِي إلى تَأْخِيرِ ذِكْرِ هَذِهِ المَنفَعَةِ مَعَ كَوْنِها مِنَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنها عَنْ ذِكْرِ مَنفَعَةِ الأكْلِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَيْنِها.

المؤمنون 23:23

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إهْمالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ والِاعْتِبارَ فِيما عُدِّدَ مِنَ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، وعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ بِتَذْكِيرِ رُسُلِهِمْ وما حاقَ بِهِمْ لِذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ تَحْذِيرًا لِلْمُخاطَبِينَ، وتَقْدِيمُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سائِرِ القِصَصِ مِمّا لا يَخْفى وجْهُهُ، وفي إيرادِها إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ"﴾ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا يُوصَفُ، والواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وتَصْدِيرُ القِصَّةِ بِهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلَخِ. ونَسَبُهُ الكَرِيمُ وكَيْفِيَّةُ بَعْثِهِ وكَمِّيَّةُ لُبْثِهِ فِيما بَيْنَهم قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) و (سُورَةِ هُودٍ ) . ﴿فَقالَ﴾ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ ومُسْتَمِيلًا لَهم إلى الحَقِّ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ: اعْبُدُوهُ وحْدَهُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ وتَرَكَ التَّقْيِيدِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها هي العِبادَةُ فَقَطْ، وأمّا العِبادَةُ بِالإشْراكِ فَلَيْسَتْ مِنَ العِبادَةِ في شَيْءٍ رَأْسًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، أوْ تَعْلِيلُ الأمْرِ بِها. و"غَيْرُهُ" بِالرَّفْعِ صِفَةٌ (p-130)لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "لَكُمْ"، أوْ مَحْذُوفٌ و"لَكُمْ" لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ، أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى. وقُرِئَ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ عِبادَتِهِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، وقِيلَ: أفَلا تَخافُونَ أنْ تَرْفُضُوا عِبادَةَ اللَّهِ الَّذِي هو رَبُّكم إلَخِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: أفَلا تَخافُونَ أنْ يُزِيلَ عَنْكم نِعَمَهُ إلَخِ وفِيهِ ما فِيهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أتَعْرِفُونَ ذَلِكَ ؟ أيْ: مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ بِسَبَبِ إشْراكِكم بِهِ في العِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ لَوْلا إيجادُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فالمُنْكَرُ عَدَمُ الِاتِّقاءِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ، أوْ ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَهُ ؟ فالمُنْكَرُ كِلا الأمْرَيْنِ فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ في الكَمِّيَّةِ، وفي الأوَّلِ في الكَيْفِيَّةِ.

المؤمنون 23:24

﴿فَقالَ المَلأُ﴾ أيِ: الأشْرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وصَفَ المَلَأ بِما ذَكَرَ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ فِيهِ، أيْ: قالُوا لِعَوامِّهِمْ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: في الجِنْسِ والوَصْفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَهُ. وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في وضْعِ رُتْبَتِهِ العالِيَةِ وحَطِّها عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَتَقَدَّمَكم بِادِّعاءِ الرِّسالَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِثْلَكم وصَفُوهُ بِذَلِكَ إغْضابًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإغْراءً لَهم عَلى مُعاداتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ رِسالَةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ بَعْدَ تَحْقِيقِ بَشَرِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إرْسالَ الرَّسُولِ لَأرْسَلَ رُسُلًا مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: لَأُنْزِلَ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِطَرِيقِ الإنْزالِ، فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مُطْلَقُ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ لا نَفْسُ مَضْمُونِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ ونَظائِرِهِ. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ: بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ خاصَّةً وتَرْكُ عِبادَةِ ما سِواهُ، وقِيلَ: بِمِثْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوى النُّبُوَّةِ. ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيِ: الماضِينَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوهُ إمّا لِكَوْنِهِمْ وآبائِهِمْ في فَتْرَةٍ مُتَطاوِلَةٍ، وإمّا لِفَرْطِ غُلُوِّهِمْ في التَّكْذِيبِ والعِنادِ وأنَّهُما كَهَمٍّ في الغَيِّ والفَسادِ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو الصّادِرُ عَنْهم في مَبادِئِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَقالَ المَلأُ﴾ .." إلَخِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ما سَمِعْنا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فالمُرادُ بِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ: الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهم في زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُمُ المَذْكُورُ هو الَّذِي صَدَرَ عَنْهم في أوِاخِرِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ مِن حِكايَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهم.

المؤمنون 23:25

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: جُنُونٌ أوْ جِنٌّ يُخَيِّلُونَهُ ولِذَلِكَ يَقُولُ ما يَقُولُ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ: احْتَمِلُوهُ واصْبِرُوا عَلَيْهِ وانْتَظِرُوا. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ لَعَلَّهُ يَفِيقُ مِمّا فِيهِ مَحْمُولٌ حِينَئِذٍ (p-131)عَلى تَرامِي أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وإضْرابِهِمْ عَمّا وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِنَ البَشَرِيَّةِ وإرادَةِ التَّفَضُّلِ إلى وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما تَرى، وهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأرْزَنَهم قَوْلًا. وعَلى الأوَّلِ عَلى تَناقُضِ مَقالاتِهِمُ الفاسِدَةِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.

المؤمنون 23:26

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما سَمِعَ مِنهم هَذِهِ الأباطِيلَ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَمّا رَآهم قَدْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وتَمادَوْا في الغِوايَةِ والضَّلالِ حَتّى يَئِسَ مِنَ اِيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وقَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بِإهْلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ، فَإنَّهُ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ إلَخِ. ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، أوْ بَدَلُ تَكْذِيبِهِمْ.

المؤمنون 23:27

﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ ﴿بِأعْيُنِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، كَأنَّ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وعَلا حُفّاظًا وحُرّاسًا يَكْلَئُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ مِنَ التَّعَدِّي أوْ مِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ. ﴿وَوَحْيِنا﴾ وأمْرِنا وتَعْلِيمِنا لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى تَمامِ صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ: العَذابُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ لا الأمْرُ بِالرُّكُوبِ كَما قِيلَ وبِمَجِيئِهِ كَمالُ اقْتِرابِهِ أوِ ابْتِداءُ ظُهُورِهِ، أيْ: إذا جاءَ إثْرَ تَمامِ الفُلْكِ عَذابُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِمَجِيءِ الأمْرِ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا فارَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ ارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وكانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا نَبَعَ مِنهُ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبُوا، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ فَقِيلَ: كانَ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ، أيْ: في مَوْضِعِهِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِن بابِ كِنْدَةَ اليَوْمَ، وقِيلَ: كانَ في عَيْنِ ورْدَةٍ مِنَ الشّامِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ هُودٍ ) عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيِ: ادْخُلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ، أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَهُ فِيهِ أدْخَلَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ . ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: فَرْدَيْنِ مُزْدَوَجَيْنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَيْنِ﴾ فَإنَّهُ نَصٌّ في الفَرْدَيْنِ دُونَ الجَمْعَيْنِ أوِ الفَرِيقَيْنِ. وقُرِئَ بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المَفْعُولَ اثْنَيْنِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّتِي زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ وأُمَّةُ الأُنْثى، كالجِمالِ والنُّوقِ والحِصْنِ والرِّماكِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الأمْرَ كانَ قَبْلَ صُنْعِهِ الفُلْكَ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾، فالوَجْهُ أنْ يَحْمِلَ إمّا عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِأمْرٍ آخَرَ تَنْجِيزِي ورَدَ عِنْدَ فَوَرانِ التَّنُّورِ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ السّابِقُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ في حَقِّ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ النَّجِيزِ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (p-132)تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ . ﴿وَأهْلَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى "فاسْلُكْ" لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ أوِ اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلالِ المَعْنى، أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ، والمُرادُ بِهِ: امْرَأتُهُ وبَنُوهُ وتَأْخِيرُ الأمْرِ بِإدْخالِهِمْ عَمّا ذُكِرَ مِنَ اِدْخالِ الأزْواجِ فِيها لِكَوْنِهِ عَرِيقًا فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإدْخالِ، فَإنَّهُ مُحْتاجٌ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى مُعاوَنَةٍ مِن أهْلِهِ وأتْباعِهِ وأمّا هم فَإنَّما يَدْخُلُونَها بِاخْتِيارِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ وغَيْرِهِ فَتَقْدِيمُهُ يُؤَدِّي إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ: القَوْلُ بِإهْلاكِ الكَفَرَةِ، وإنَّما جِيءَ بِـ "عَلى" لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا، كَما جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ لِكَوْنِهِ نافِعًا. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لِإنْجائِهِمْ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن عَدَمِ قَبُولِ الدُّعاءِ، أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لا مَحالَةَ لِظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ وسائِرِ المَعاصِي، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يُشْفَعُ لَهُ ولا يُشَفَّعُ فِيهِ.

المؤمنون 23:28

كَيْفَ لا وقَدْ أُمِرَ بِالحَمْدِ عَلى النَّجاةِ مِنهم بِهَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ أيْ: مِن أهْلِكَ وأشْياعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

المؤمنون 23:29

﴿وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي﴾ في السَّفِينَةِ أوْ مِنها ﴿مُنْزَلا مُبارَكًا﴾ أيْ: إنْزالًا، أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ يَسْتَتْبِعُ خَيْرًا كَثِيرًا. وقُرِئَ: "مُنْزَلًا" أيْ: مَوْضِعَ نُزُولٍ. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَشْفَعَ دُعاءَهُ بِما يُطابِقُهُ مِن ثَنائِهِ عَزَّ وجَلَّ تَوَسُّلًا بِهِ إلى الإجابَةِ، وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ مَعَ شَرِكَةِ الكُلِّ في الِاسْتِواءِ والنَّجاةِ لِإظْهارِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والإشْعارِ بِأنَّ في دُعائِهِ وثَنائِهِ مَندُوحَةً عَمّا عَداهُ.

المؤمنون 23:30

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِمّا فَعَلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْمِهِ ﴿لآياتٍ﴾ جَلِيلَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها أُولُو الأبْصارِ ويُعْتَبَرُ بِها ذَوُو الِاعْتِبارِ. ﴿وَإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ"، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كُنّا مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ، ومُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَتَذَكَّرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ .

المؤمنون 23:31

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ هم عادٌ حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأوْفَقُ لِما هو المَعْهُودُ في سائِرِ السُّوَرَ الكَرِيمَةِ مِنَ اِيرادِ قِصَّتِهِمْ إثْرَ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هم ثَمُودُ.

المؤمنون 23:32

﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ جَعَلُوا (p-133)مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ ونَحْوَهُ لا غايَةَ لَهُ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ مَنِ اُرْسِلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَأْتِهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ بَلْ إنَّما نَشَأ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِهِمْ نَسَبًا، فَإنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانا مِنهم. وَ"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لَأرْسَلْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورَةِ بِها، أوْ لِلْأمْرِ بِها، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ. ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: عَذابَهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي. والكَلامُ في العَطْفِ كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المؤمنون 23:33

﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ إثْرَ حِكايَةِ القَوْلِ الحَقِّ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ حِكايَةُ إرْسالِ الرَّسُولِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى أنَّ المُرادَ حِكايَةُ مُطْلَقِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إجْمالًا لا حِكايَةَ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ المُحاوَرَةِ والمُقاوَلَةِ تَفْصِيلًا حَتّى يُحْكى بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن حِكايَةِ سائِرِ الأُمَمِ، أيْ: وقالَ الأشْرافُ مِن قَوْمِهِ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلَأِ، وُصِفُوا بِذَلِكَ ذَمًّا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَأْخِيرُهُ عَنْ "مِن قَوْمِهِ" لِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ أوْ بِمَعادِهِمْ إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالبَعْثِ. ﴿وَأتْرَفْناهُمْ﴾ ونَعَّمْناهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، أيْ: قالُوا لِأعْقابِهِمْ مُضِلِّينَ لَهم ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: في الصِّفاتِ والأحْوالِ، وإيثارُ مِثْلَكم عَلى مِثْلُنا لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِينِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْهِينِهِ. ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْمُماثَلَةِ، و"ما" خَبَرِيَّةٌ، والعائِدُ إلى الثّانِي مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، أوْ مَجْرُورٌ قَدْ حُذِفَ مَعَ الجارِّ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:34

﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ، أيْ: إنِ امْتَثَلْتُمْ بِأوامِرِهِ ﴿إنَّكم إذًا﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّباعِ ﴿لَخاسِرُونَ﴾ عُقُولَكم ومَغْبُونُونَ في آرائِكم حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكم. انْظُرْ كَيْفَ جَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ الحَقِّ الَّذِي يُوَصِّلُهم إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ خُسْرانًا دُونَ عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا خُسْرانَ وراءَها قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفِكُونَ. و"إذا" وقَعَ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ" وخَبَرِها لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَئِنْ أطَعْتُمُ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ.

المؤمنون 23:35

﴿أيَعِدُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن زَجْرِهِمْ عَنِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارِ وُقُوعِ ما يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِهِ واسْتِبْعادِهِ. ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يَمُوتُ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ (p-134)يَمُوتُ. ﴿وَكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ نَخِرَةً مُجَرَّدَةً عَنِ اللُّحُومِ والأعْصابِ، أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِكم مِنَ اللَّحْمِ ونَظائِرِهِ تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا. وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِعَراقَتِهِ في الِاسْتِبْعادِ وانْقِلابِهِ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ، أوْ كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا صِرْفًا ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ أحْياءً كَما كُنْتُمْ، وقِيلَ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ و"إذا مِتُّمْ" خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: إخْراجِكم إذا مِتُّمْ ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ أنَّكم، وقِيلَ: رُفِعَ أنَّكم مُخْرَجُونَ بِفِعْلٍ هو جَزاءُ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا مِتُّمْ وقَعَ إخْراجُكم، ثُمَّ أُوقِعَتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ "أنَّكُمْ" والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ. وقُرِئَ: "أيَعِدُكم إذا مُتُّمْ" إلَخِ.

المؤمنون 23:36

﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ، أيْ: بُعْدِ الوُقُوعِ أوِ الصِّحَّةِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ ما هو كَما في "هَيْتَ لَكَ" كَأنَّهم لَمّا صَوَّتُوا بِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ. وقِيلَ: هَيْهاتَ بِمَعْنى البُعْدِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ مُنَوَّنًا لِلتَّنْكِيرِ، وبِالضَّمِّ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ هَيْهَةٍ، وغَيْرُ مُنَوَّنٍ تَشَبُّهًا بِقَبْلُ، وبِالكَسْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ وإبْدالِ التّاءِ هاءً.

المؤمنون 23:37

﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا، فَأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَ الأوْلى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها حَذَرًا مِنَ التَّكْرارِ وإسْعارًا بِإغْنائِها عَنِ التَّصْرِيحِ، كَما في: هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ. وحَيْثُ كانَ الضَّمِيرُ بِمَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ كانَتْ "إنِ" النّافِيَةُ بِمَنزِلَةِ "لا" النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن أنَّ الحَياةَ هي الحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: يَمُوتُ بَعْضُنا ويُولَدُ بَعْضٌ إلى انْقِراضِ العَصْرِ. ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

المؤمنون 23:38

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ اِرْسالِهِ وفِيما يَعِدُنا مِن أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا. ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما يَقُولُهُ.

المؤمنون 23:39

﴿قالَ﴾ أيْ: هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ يَأْسِهِ مِنَ اِيمانِهِمْ بَعْدَ ما سَلَكَ في دَعْوَتِهِمْ كُلَّ مَسْلَكٍ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم. ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:40

﴿قالَ﴾ تَعالى إجابَةً لِدُعائِهِ وعِدَةً بِالقَبُولِ. ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ: عَنْ زَمانٍ قَلِيلٍ، و"ما" مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ..﴾، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: عَنْ شَيْءٍ قَلِيلٍ. ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِلْعَذابِ.

المؤمنون 23:41

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لَعَلَّهم حِينَ أصابَتْهم (p-135)الرِّيحُ العَقِيمُ أُصِيبُوا في تَضاعِيفِها بِصَيْحَةٍ هائِلَةٍ أيْضًا. وقَدْ رُوِيَ أنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ حِينَ أتَمَّ بِناءَ إرَمَ سارَ إلَيْها بِأهْلِهِ فَلَمّا دَنا مِنها بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هي العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ قائِلُهم: ؎ صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، أيْ: بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا دِفاعَ لَهُ، أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالوَعْدِ الصِّدْقِ. ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ: كَغُثاءِ السَّيْلِ وهو حَمِيلُهُ. ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ إخْبارٌ أوْ دُعاءٌ، و"بُعْدًا" مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ ناصِبُها، والمَعْنى: بَعُدُوا بُعْدًا، أيْ: هَلَكُوا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ بُعْدًا، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْلِيلِ.

المؤمنون 23:42

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ هم قَوْمُ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرُهم.

المؤمنون 23:43

﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيْ: ما تَتَقَدَّمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ الوَقْتَ الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِهِمْ، أيْ: ما تَهْلَكُ أُمَّةٌ قَبْلَ مَجِيءِ أجَلِها. ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ذَلِكَ الأجْلُ بِساعَةٍ.

المؤمنون 23:44

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْشَأْنا" لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَهم مُتَراخٍ عَنْ إنْشاءِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ جَمِيعًا، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَ كُلِّ رَسُولٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ إنْشاءِ قَرْنٍ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ الرَّسُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ قَدْ أرْسَلْنا إلى كُلِّ قَرْنٍ مِنهم رَسُولًا خاصًّا بِهِ. والفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ النّاطِقَةِ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ الأُمَمِ أجَلَها المَضْرُوبَ لِهَلاكِهِمْ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ هَلاكِهِمْ عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ. ﴿تَتْرى﴾ أيْ: مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُولِجُ ويَتَّقُوا، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ أنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ. وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَعَ حالًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ ولِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. والمُرادُ بِالمَجِيءِ: إمّا التَّبْلِيغُ، وإمّا حَقِيقَةُ المَجِيءِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ في أوَّلِ المُلاقاةِ. وإضافَةُ الرَّسُولِ إلى الأُمَّةِ مَعَ إضافَةِ كُلِّهِمْ فِيما سَبَقَ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ أُمَّتَهُ الخاصَّةَ بِهِ لا أنَّ كُلَّهم جاءُوا كُلَّ الأُمَمِ، والإشْعارُ بِكَمالِ شَناعَتِهِمْ وضَلالِهِمْ حَيْثُ كَذَّبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهم رَسُولَها المُعَيَّنِ لَها. وقِيلَ: لِأنَّ الإرْسالَ لائِقٌ بِالمُرْسَلِ، والمَجِيءُ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ. ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الهَلاكِ حَسَبَما تَبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا في مُباشَرَةِ أسْبابِهِ الَّتِي هي الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ وسائِرُ المَعاصِي. ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا حِكاياتٌ يُعْتَبِرُ بِها المُعْتَبِرُونَ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ أوْ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ تَلَهِّيًا، كَأعاجِيبَ جَمْعُ أُعْجُوبَةٍ وهي ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ، أيْ: جَعَلْناهم أحادِيثَ يُتَحَدَّثُ بِها تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا. ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ حَسَبَما (p-136)اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ إجْمالًا، وأمّا القُرُونُ الأوَّلُونَ فَحَيْثُ نُقِلَ عَنْهم ما مَرَّ مِنَ الغُلُوِّ وتَجاوُزِ الحَدِّ في الكُفْرِ والعُدْوانِ وُصِفُوا بِالظُّلْمِ.

المؤمنون 23:45

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا﴾ هي الآياتُ التِّسْعُ مِنَ اليَدِ والعَصا والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ والطّاعُونِ، ولا مَساغَ لِعَدٍّ فَلَقَ البَحْرَ مِنها إذِ المُرادُ هي الآياتُ الَّتِي كَذَّبُوها واسْتَكْبَرُوا عَنْها. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ مُلْزِمَةٌ لِلْخَصْمِ، وهي إمّا العَصا وإفْرادُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الآياتِ لِما أنَّها أُمُّ آياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُولاها وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا وتَلَقُّفِها لِما أفَكَتْهُ السحرةُ حَسَبَما فُصِّلَ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ طه ) . وأمّا التَّعَرُّضُ لِانْفِلاقِ البَحْرِ وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِضَرْبِها وحِراسَتِها وصَيْرُورَتِها شَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا ظَهَرَ مِنها مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ في غَيْرِ مَشْهِدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَغَيْرُ مُلائِمٍ لِمُقْتَضى المَقامِ. وأمّا نَفْسُ الآياتِ كَقَوْلِهِ إلى المَلِكِ القَرْمِ وبانِ الهُمامِ ...إلَخِ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ تَنْبِيهًا عَلى جَمْعِها لِعُنْوانَيْنِ جَلِيلَيْنِ وتَنْزِيلًا لِتَغايُرِهِما مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ.

المؤمنون 23:46

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ. خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَنُوطٌ بِآرائِهِمْ لا بِآراءِ أعْقابِهِمْ. ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الِانْقِيادِ وتَمَرَّدُوا ﴿وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُتَكَبِّرِينَ مُتَمَرِّدِينَ.

المؤمنون 23:47

﴿فَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "اسْتَكْبَرُوا" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ لِلِاسْتِكْبارِ، أيْ: كانُوا قَوْمًا عادَتُهُمُ الِاسْتِكْبارُ والتَّمَرُّدُ. أيْ: قالُوا فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُناصَحَةِ ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ ثَنّى البَشَرَ لِأنَّهُ يُطْلِقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾، كَما يُطْلِقُ عَلى الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾، ولَمْ يُثَنِّ المِثْلَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ في حُكْمِ المَصْدَرِ. وهَذِهِ القِصَصُ كَما نَرى تَدُلُّ عَلى أنَّ مَدارَ شُبَهِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ قِياسُ حالِ الأنْبِياءِ عَلى أحْوالِهِمْ بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِتَفاصِيلِ شُئُونِ الحَقِيقَةِ البَشَرِيَّةِ وتَبايُنِ طَبَقاتِ أفْرادِها في مَراقِي الكَمالِ ومَهاوِي النُّقْصانِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُها في أعْلى عِلِّيِّينَ وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيِّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقُونَ لِصَفاءِ جَواهِرِهِمْ بِكِلا العالَمَيْنِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَتَلَقَّوْنَ مِن جانِبٍ ويُلْقُونَ إلى جانِبٍ ولا يَعُوقُهُمُ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ، وبَعْضُها في أسْفَلِ سافِلِينَ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا. ﴿وَقَوْمُهُما﴾ يَعْنُونَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ: خادِمُونَ مُنْقادُونَ لَنا كالعَبِيدِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِشَأْنِهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَطَّ رُتْبَتِهِما العَلِيَّةَ عَنْ مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ البَشَرِيَّةِ. واللّامُ في "لَنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِعابِدُونَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "نُؤْمِنُ" مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ الإيمانِ لَهُما بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ المُؤَسِّسِ عَلى قِياسِ الرِّياسَةِ الدِّينِيَّةِ عَلى الرِّياساتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الدّائِرَةِ عَلى التَّقَدُّمِ في نَيْلِ الحُظُوظِ (p-137)الدَّنِيَّةِ مِنَ المالِ والجاهِ، كَدَأْبِ قُرَيْشٍ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ هو السَّبْقُ في حِيازَةِ ما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ العَلِيَّةِ وإحْرازِ المَلَكاتِ السَّنِيَّةِ جِبِلَّةً واكْتِسابًا.

المؤمنون 23:48

﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ أيْ: فَتُمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِما وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴿فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِالغَرَقِ في بَحْرِ قُلْزُمَ.

المؤمنون 23:49

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ: بَعْدَ إهْلاكِهِمْ وإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ مَن مَلَكَتِهِمْ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ، وحَيْثُ كانَ إيتاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها لِإرْشادِ قَوْمِهِ إلى الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جُعِلُوا كَأنَّهم أُوتُوها، فَقِيلَ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الحَقِّ بِالعَمَلِ بِما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقِيلَ: أُرِيدُ آتَيْنا قَوْمَ مُوسى، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ...﴾ أيْ: مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، ولا سَبِيلَ إلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِظُهُورِ أنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ إغْراقِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الِاسْتِشْهادُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ ضَرُورَةُ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُولى ما يَتَناوَلُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بَلْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ خاصَّةً كَقَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ وقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ كَما سَيَأْتِي في (سُورَةِ القَصَصِ ) .

المؤمنون 23:50

﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ وأيَّةَ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِنا بِوِلادَتِهِ مِنها مِن غَيْرِ مَسِيسِ بَشَرٍ، فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ نُسِبَ إلَيْهِما. أوْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً بِأنْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَظَهَرَتْ مِنهُ مُعْجِزاتٌ جَمَّةٌ، وأُمُّهُ آيَةٌ بِأنَّها ولَدَتْهُ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها. والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِما ذُكِرَ مِنَ العُنْوانَيْنِ وهُما كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنَها وكَوْنُها أُمَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِما آيَةً، فَإنَّ نِسْبَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْها مَعَ أنَّ النَّسَبَ إلى الآباءِ دالَّةٌ عَلى أنْ لا أبَ لَهُ، أيْ: جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وحْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أبٌ وأُمُّهُ الَّتِي ولَدَتْهُ خاصَّةً مِن غَيْرِ مُشارِكَةِ الأبِ آيَةً، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصالَتِهِ فِيما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ آيَةً، كَما أنَّ تَقْدِيمَ أُمِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لِأصالَتِها فِيما نُسِبَ إلَيْها مِنَ الإحْصانِ والنَّفْخِ. ﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ﴾ أيْ: أرْضٍ مُرْتَفِعَةٍ. قِيلَ: هي إيلِيا أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإنَّها مُرْتَفِعَةٌ وأنَّها كَبِدُ الأرْضِ وأقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا عَلى ما يُرْوى عَنْ كَعْبٍ. وقِيلَ: دِمَشْقٌ وغُوطَتُها، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ والرَّمْلَةُ، وقِيلَ: مِصْرُ، فَإنَّ قُراها عَلى الرُّبا. وقُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها، و"رِباوَةٍ" بِالكَسْرِ والضَّمِّ. ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ مُسْتَقَرٍّ مِن أرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ سَهْلَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ساكِنُوها، وقِيلَ: ذاتُ ثِمارٍ وزُرُوعٍ لِأجْلِها يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.﴿وَمَعِينٍ﴾ أيْ: وماءٍ مَعِينٍ ظاهِرٍ جارٍ فَعَيْلٌ مِن مَعَنَ الماءُ: إذا جَرى، وأصْلُهُ: الإبْعادُ في المَشْيِ، أوْ مِنَ الماعُونِ (p-138)وَهُوَ النَّفْعُ لِأنَّهُ نَفّاعٌ، أوْ مُفَعْوِلٌ مَن عانَهُ إذا أدْرَكَهُ بِالعَيْنِ فَإنَّهُ لِظُهُورِهِ يُدْرَكُ بِالعُيُونِ. وُصِفَ ماؤُها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ جامِعًا لِفُنُونِ المَنافِعِ مِنَ الشُّرْبِ وسَقْيِ ما يُسْقى مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، والتَّنَـزُّهِ بِمَنظَرِهِ المُوَفَّقِ.

المؤمنون 23:51

﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ حِكايَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِما خُوطِبَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ في عَصْرِهِ. جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ إيواءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ إلى الرَّبْوَةِ إيذانًا بِأنَّ تَرْتِيبَ مَبادِئِ التَّنَعُّمِ لَمْ يَكُنْ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ إباحَةُ الطَّيِّباتِ شَرْعٌ قَدِيمٌ جَرى عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووَصَّوْا بِهِ، أيْ: وقُلْنا لِكُلِّ رَسُولٍ كُلْ مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلْ صالِحًا، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأوامِرِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرُّسُلِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عِنْدَ الحِكايَةِ إجْمالًا لِلْإيجازِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ ما عَلَيْهِ الرَّهابِنَةُ مِن رَفْضِ الطَّيِّباتِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: حِكايَةٌ لِما ذُكِرَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ عِنْدَ إيوائِهِما إلى الرَّبْوَةِ لَيَقْتَدِيا بِالرُّسُلِ في تَناوُلِ ما رُزِقا. وقِيلَ: نِداءٌ وخِطابٌ لَهُ والجُمَعُ لِلتَّعْظِيمِ. وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسَّدِّيِّ، والكَلْبِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ عَلى دَأْبِ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وفِيهِ إبانَةٌ لِفَضْلِهِ وقِيامِهِ مَقامَ الكُلِّ في حِيازَةِ كَمالاتِهِمْ. والطَّيِّباتُ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِن مُباحاتِ المَأْكَلِ والفَواكِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ فالأمْرُ لِلتَّرْفِيهِ. ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا فَإنَّهُ المَقْصُودُ مِنكم والنّافِعُ عِنْدَ رَبِّكم. ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أُجازِيكم عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:52

﴿وَإنَّ هَذِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ داخِلٌ فِيما خُوطِبَ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مِمّا أُمِرَ بِهِ كافَّةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأُمَمُ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها بِهَذِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ أمْرِها في الصِّحَّةِ والسَّدادِ وانْتِظامِها بِسَبَبِ ذَلِكَ في سَلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ. ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: مِلَّتُكم وشَرِيعَتُكم أيُّها الرُّسُلُ ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مِلَّةً وشَرِيعَةً مُتَّحِدَةً في أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ. وقِيلَ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ لِلرُّسُلِ، والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ جَماعَتُكم جَماعَةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ. ﴿وَأنا رَبُّكُمْ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ في الربوبية، وضَمِيرُ المُخاطَبِ فِيهِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُونِ﴾ أيْ: في شَقِّ العَصا والمُخالَفَةِ بِالإخْلالِ بِمُواجِبٍ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ الربوبية بِي لِلرُّسُلِ والأُمَمِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الأمْرَ في حَقِّ الرُّسُلِ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ وفي حَقِّ الأُمَمِ لِلتَّحْذِيرِ والإيجابِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوْ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الربوبية بِهِ تَعالى واتِّحادِ الأُمَّةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجِبٌ لِلِاتِّقاءِ حَتْمًا. وقُرِئَ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: ولِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقَوْنِ، أيْ: إنْ تَتَّقُونِ فاتَّقَوْنِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى "ما"، أيْ: إنِّي عَلِيمٌ بِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةٌ إلَخِ، وقِيلَ: عَلى حَذْفِ فِعْلٍ عامِلٍ فِيهِ، أيْ: واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم إلَخِ. وقُرِئَ: "وَأنْ هَذِهِ" عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِن "إنَّ" .

المؤمنون 23:53

(p-139)﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِما ظَهَرَ مِنَ اُمَمِ الرُّسُلِ بَعْدَهم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ وشَقِّ العَصا والضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن أرْبابِها أوَّلَها عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عِصْيانِهِمْ عَلى الأمْرِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، أيْ: تَقَطَّعُوا أمْرَ دِينِهِمْ مَعَ اتِّحادِهِ وجَعَلُوهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً وأدْيانًا مُخْتَلِفَةً. ﴿بَيْنَهم زُبُرًا﴾ أيْ: قِطَعًا، جَمْعُ زَبُورٍ بِمَعْنى: الفِرْقَةُ، ويُؤَدِّيهِ قِراءَةُ: "زُبَرًا" بِفَتْحِ الباءِ جَمْعُ زَبْرَةٍ، وهو حالٌ مِن "أمْرِهِمْ"، أوْ مِن واوِ "تَقَطَّعُوا"، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى جَعَلُوا وقَبِلَ كُتُبًا فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا أوْ حالًا مِن "أمَرَهُمْ" عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: مِثْلَ زُبُرٍ. وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الباءِ كَرُسْلٍ في رُسُلٍ. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنَ اُولَئِكَ المُتَحَزِّبِينَ ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ الَّذِي اخْتارُوهُ ﴿فَرِحُونَ﴾ مُعْجَبُونَ مُعْتَقِدُونَ أنَّهُ الحَقُّ.

المؤمنون 23:54

﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ شُبَهِ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهالَةِ بِالماءِ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ لِأنَّهم مَغْمُورُونَ فِيها لاعِبُونَ بِها. وقُرِئَ: "غَمَراتِهِمْ" والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّرْكِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِما لَدَيْهِمْ، فَإنَّ انْهِماكَهم فِيما هم فِيهِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ مِن مُخايِلِ كَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ، أيِ: اتْرُكْهم عَلى حالِهِمْ. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ هو حِينُ قَتْلِهِمْ أوْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ أوْ عَذابِهِمْ، فَهو وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَهْيٌ لَهُ عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأْخِيرِهِ. وفي التَّنْكِيرِ والإبْهامِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ.

المؤمنون 23:55

﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاهُ ونَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهم، فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لَها.

المؤمنون 23:56

وَتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ في (سُورَةِ الكَهْفِ ) لا خَبَرٌ لِأنَّ، وإنَّما الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ عَلى حَذْفِ الرّاجِعِ إلى الِاسْمِ، أيْ: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ نُسارِعُ بِهِ لَهم فِيما فِيهِ خَيْرُهم وإكْرامُهم عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: كُلّا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ هم لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ أصْلًا كالبَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ لَيَتَأمَّلُوا ويَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ الإمْدادَ اسْتِدْراجٌ لَهم واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ. وقُرِئَ: "يَمُدُّهُمْ" عَلى الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ: "يُسارِعُ" و"يُسْرِعُ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِما ضَمِيرُ المُمِدِّ بِهِ، وقُرِئَ: "يُسارِعُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

المؤمنون 23:57

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ إثْرَ إقْناطِ الكُفّارِ عَنْها وإبْطالِ حُسْبانِهِمُ الكاذِبِ، أيْ: مِن خَوْفِ عَذابِهِ حَذِرُونَ.

المؤمنون 23:58

(p-140)﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المَنصُوبَةُ والمُنْزَلَةُ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بِتَصْدِيقِ مَدْلُولِها.

المؤمنون 23:59

﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ شِرْكًا جَلِيًّا ولا خَفِيًّا، ولِذَلِكَ أُخِّرَ عَنِ الإيمان بالآياتِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْإشْفاقِ والإيمانِ وعَدَمِ الإشْراكِ.

المؤمنون 23:60

﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْهُ مِنَ الصَّدَقاتِ. وقُرِئَ: "يَأْتُونَ ما أتَوْا" أيْ: يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ. وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ الماضِي في الصِّلَةِ الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في الأُولى لِلدَّلالَةِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ. ﴿وَقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُؤْتُونَ" أوْ "يَأْتُونَ" أيْ: يُؤْتُونَ ما آتَوْهُ، أوْ يَفْعَلُونَ مِنَ العِباداتِ ما فَعَلُوهُ، والحالُ: أنَّ قُلُوبَهم خائِفَةٌ أشَدَّ الخَوْفِ. ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أيْ: مِن أنَّ رُجُوعَهم إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ مَناطَ الوَجَلِ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم ذَلِكَ وأنْ لا يَقَعَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَيُؤاخَذُوا بِهِ حِينَئِذٍ لا مُجَرَّدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى. وقِيلَ: لِأنَّ مَرْجِعَهم إلَيْهِ تَعالى، والمَوْصُولاتُ الأرْبَعَةُ عِبارَةٌ عَنْ طائِفَةٍ واحِدَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِما ذَكَرَ في حَيِّزِ صِلاتِها مِنَ الأوْصافِ الأرْبَعَةِ لا عَنْ طَوائِفَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مُتَّصِفَةٍ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وبِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ .. إلَخِ، وإنَّما كُرِّرَ المَوْصُولُ إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ بِفَضِيلَةٍ باهِرَةٍ عَلى حِيالِها، وتَنْزِيلًا لِاسْتِقْلالِها مَنزِلَةَ اسْتِقْلالِ المَوْصُوفِ بِها.

المؤمنون 23:61

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ رُتْبَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ. ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ: في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمَلِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَدْ أُثْبِتَ لَهم ما نُفِيَ عَنْ أضْدادِهِمْ خَلا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: أُولَئِكَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ، بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ إيماءً إلى كَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ. وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي عَلى كَلِمَةِ "إلى" لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ أنَّهم خارِجُونَ عَنْها مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها بِطَرِيقِ المُسارَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ الآيَةِ. ﴿وَهم لَها سابِقُونَ﴾ أيْ: إيّاها سابِقُونَ، واللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْراتِ: الطّاعاتُ، والمَعْنى: يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ، أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ، (p-141)والأوَّلُ هو الأوْلى.

المؤمنون 23:62

﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وُصِفَ بِهِ السّابِقُونَ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ المُؤَدِّي إلى نَيْلِ الخَيْراتِ بِبَيانِ سُهُولَتِهِ وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاقَةِ، أيْ: عادَتُنا جارِيَةٌ عَلى أنْ لا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها، عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ كَما مَرَّ مِرارًا، أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ فَلا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقَتَهم ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعِ القِيامَ فَلْيُصَلِّ قاعِدًا، ومَن لَمْ يُسْتَطِعِ القُعُودَ فَلْيُومِ إيماءً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ إلَخِ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ ما كُلِّفُوهُ مِنَ الأعْمالِ وأحْكامِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: صَحائِفُ الأعْمالِ الَّتِي يَقْرَءُونَها عِنْدَ الحِسابِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عِنْدَنا كِتابٌ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ كُلِّ أحَدٍ عَلى ما هي عَلَيْهِ، أوْ أعْمالُ السّابِقِينَ والمُقْتَصِدِينَ جَمِيعًا، لا أنَّهُ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الأوَّلِينَ وأُهْمِلَ أعْمالُ الآخَرِينَ فَفِيهِ قَطْعُ مَعْذِرَتِهِمْ أيْضًا. وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ: مُتَعَلِّقٌ بِيَنْطِقُ، أيْ: يُظْهِرُ الحَقَّ المُطابِقَ لِلْواقِعِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ذاتًا ووَصْفًا ويُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِ كَما يُبَيِّنُهُ النُّطْقُ، ويُظْهِرُهُ لِلسّامِعِ فَيَظْهَرُ هُنالِكَ جَلائِلُ أعْمالِهِمْ ودَقائِقُها ويُرَتِّبُ عَلَيْها أجَزَيْتُها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى وعَدْلِهِ في الجَزاءِ إثْرَ بَيانِ لُطْفِهِ في التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ، أيْ: لا يُظْلَمُونَ في الجَزاءِ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ بِزِيادَةِ عَذابٍ بَلْ يُجْزَوْنَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كُلِّفُوها ونَطَقَتْ بِها صَحائِفُها بِالحَقِّ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ، أيْ: لا يُظْلَمُونَ بِتَكْلِيفِ ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ ولا بِعَدَمِ كَتْبِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ المُقْتَصِدِينَ بِناءً عَلى قُصُورِها عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ السّابِقِينَ بَلْ يُكْتَبُ كُلٌّ مِنها عَلى مَقادِيرِها وطَبَقاتِها. والتَّعْبِيرُ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ بِالظُّلْمِ مَعَ أنَّ شَيْئًا مِنها لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تُقَرِّرَ مِن أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تُوجِبُ أصْلَ الثَّوابِ فَضْلًا عَنْ إيجابِ مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنهُ حَتّى تُعِدِ الإنابَةَ بِما دُونَها نَقْصًا، وكَذَلِكَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ لا تُوجِبُ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِنَ العَذابِ حَتّى بَعْدَ التَّعْذِيبِ بِما فَوْقَها زِيادَةً، وكَذا تَكْلِيفُ ما في الوُسْعِ وكَتْبُ الأعْمالِ لَيْسا مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَتّى يُعَدَّ تَرْكُهُما ظُلْمًا لِكَمالِ تَنْـزِيهِ ساحَةِ السُّبْحانِ عَنْها بِتَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى وتَسْمِيَتُها بِاسْمِهِ.

المؤمنون 23:63

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ لا لِلْكُلِّ كَما قَبْلَهُ، أيْ: بَلْ قُلُوبُ الكَفَرَةِ في غَفْلَةٍ غامِرَةٍ لَها مِن هَذا الَّذِي بُيِّنَ في القرآن مِن أنَّ لَدَيْهِ تَعالى كِتابًا يَنْطِقُ بِالحَلْقِ ويُظْهِرُ لَهم أعْمالَهُمُ السَّيِّئَةَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ فَيُجْزَوْنَ بِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم ...﴾ إلَخِ، وقِيلَ: مِمّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿وَلَهم أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ كَثِيرَةٌ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ (p-142)الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِ قُلُوبِهِمْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ مِمّا ذُكِرَ، وهي فُنُونُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَيَأْتِي مِن طَعْنِهِمْ في القرآن حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ . وقِيلَ: مُتَخَطِّيَةٌ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَذْكُورَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا مَزِيَّةَ في وصْفِ أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ بِالتَّخَطِّي لِلْأعْمالِ الحَسَنَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مُتَخَطِّيَةٌ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَخْفى بَعْدَهُ لِعَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ. ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها مُعْتادُونَ فِعْلَها ضارُّونَ بِها لا يَكادُونَ يَبْرَحُونَها.

المؤمنون 23:64

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ أيْ: مُتَنَعَّمِيهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ المالِ والبَنِينَ. و"حَتّى" مَعَ كَوْنِها غايَةً لِأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ مَبْدَأٌ لِما بَعْدَها مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: لا يَزالُونَ يَعْمَلُونَ أعْمالَهم إلى حَيْثُ إذا أخَذْنا رُؤَساءَهم ﴿بِالعَذابِ﴾ قِيلَ: هو القَتْلُ والأسْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَهم حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ﴾، فَقُحِطُوا حَتّى أكَلُوا الكِلابَ والجِيَفَ والعِظامَ المُحْرَقَةَ والأوْلادَ. والحَقُّ أنَّهُ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ إذْ هو الَّذِي يُفاجِئُونَ عِنْدَهُ الجُؤارَ فَيُجابُونَ بِالرَّدِّ والإقْناطِ عَنِ النَّصْرِ، وأمّا عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهم عِنْدَهُ جُؤارٌ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾، فَإنَّ المُرادَ بِهَذا العَذابِ ما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ حَتْمًا. وأمّا عَذابُ الجُوعِ فَإنَّ أبا سُفْيانَ وإنْ تَضَرَّعَ فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِالإقْناطِ، حَيْثُ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قَدْ دَعا بِكَشْفِهِ فَكُشِفَ عَنْهم ذَلِكَ. ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا الصُّراخَ بِالِاسْتِغاثَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾، وهو جَوابُ الشَّرْطِ. وتَخْصِيصُ مُتْرَفِيهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ بِالعَذابِ ومُفاجَأةِ الجُؤارِ مَعَ عُمُومِهِ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا لِغايَةِ ظُهُورِ انْعِكاسِ حالِهِمْ وانْتِكاسِ أمْرِهِمْ وكَوْنِ ذَلِكَ أشَقَّ عَلَيْهِمْ ولِأنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَنِّعِينَ مَحْمِيِّينَ بِحِمايَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ المَنَعَةِ والحَشَمِ حِينَ لَقُوا ما لَقُوا مِنَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، فَلِأنْ يَلْقاها مَن عَداهم مِنَ الحُماةِ والخَدَمِ أوْلى وأقْدَمُ.

المؤمنون 23:65

﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ مَسُوقًا لِرَدِّهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ وإقْناطِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِنَ الإغاثَةِ والإعانَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وتَخْصِيصُ اليَوْمَ بِالذِّكْرِ لِتَهْوِيلِهِ والإيذانِ بِتَفْوِيتِهِمْ وقْتَ الجُؤارِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ جَوابَ الشَّرْطِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ هو الجَوابُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مُفاجَأتُهم إلى الجُؤارِ غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الجُؤارِ بِبَيانِ عَدَمِ إفادَتِهِ ونَفْعِهِ، أيْ: لا يَلْحَقُكم مِن جِهَتِنا نُصْرَةٌ تُنَجِّيكم مِمّا دَهَمَكم. وقِيلَ: لا تُغاثُونَ ولا تُمْنَعُونَ مِنّا، ولا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ جُؤارَهم لَيْسَ إلى غَيْرِهِ تَعالى حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ مَنصُورِيَّتِهِمْ مِن قَبْلِهِ ولا سِياقِهِ.

المؤمنون 23:66

فَإنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلَخِ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما ذَكَرْنا مِن عَدَمِ لُحُوقِ النَّصْرِ مِن جِهَتِهِ (p-143)تَعالى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ، ولَوْ كانَ النَّصْرُ المَنفِيُّ مُتَوَهَّمًا مِنَ الغَيْرِ لَعُلِّلَ بِعَجْزِهِ وذُلِّهِ أوْ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّتِهِ، أيْ: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم في الدُّنْيا ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِها أشَدَّ الإعْراضِ فَضْلًا عَنْ تَصْدِيقِها والعَمَلِ بِها والنُّكُوصُ الرُّجُوعُ قَهْقَرى.

المؤمنون 23:67

﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ أوْ بِالحَرَمِ، والإضْمارُ قِيلَ: الذِّكْرُ لِاشْتِهارِ اسْتِكْبارِهِمْ وافْتِخارِهِمْ بِأنَّهم خُدّامُهُ وقُوّامُهُ، أوْ بِكِتابِيَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِآياتِي عَلى تَضْمِينِ الِاسْتِكْبارِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، أوْ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى المُسْلِمِينَ قَدْ حَدَثَ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سامِرًا﴾ أيْ: تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القرآن وبِالطَّعْنِ فِيهِ حَيْثُ كانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القرآن وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، والسّامِرُ كالحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى لَفْظِ الفاعِلِ. وقُرِئَ: "سَمَرًا" و "سُمّارًا" . و"أنْ" تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مِنَ الهَجَرِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى: الهَذَيانِ أوِ التَّرْكِ، أيْ: تَهْذُوَنَ في شَأْنِ القرآن أوْ تَتْرُكُونَهُ، أوْ مِنَ الهَجْرِ بِالضَّمِّ وهو الفُحْشُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: "تُهَجِّرُونَ" مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ فِيهِ، وقُرِئَ "تُهَجِّرُونَ" مَن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ إذا هَذى.

المؤمنون 23:68

﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيِ: افْعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ النُّكُوصِ والِاسْتِكْبارِ والهَجْرِ فَلَمْ يَتَدَبَّرُوا القرآن لَيَعْرِفُوا بِما فِيهِ مِنَ اِعْجازِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَدْلُولِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَضْلًا عَمّا فَعَلُوا في شَأْنِهِ مِنَ القَبائِحِ. وَ"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، و"ما" فِيها مِن مَعْنى "بَلْ" لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنِ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِآخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا لِإنْكارِ الواقِعِ، أيْ: بَلْ أجاءَهم مِنَ الكِتابِ ما لَمْ يَأْتِ أباءَهُمُ الأوَّلِينَ حَتّى اسْتَبْدَعُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، يَعْنِي أنَّ مَجِيءَ الكُتُبِ مِن جِهَتِهِ تَعالى إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لَهُ تَعالى لا يَكادُ يَتَسَنّى إنْكارُهُ، وأنَّ مَجِيءَ القرآن عَلى طَرِيقَتِهِ فَمِن أيْنَ يُنْكِرُونَهُ ؟ وقِيلَ: أمْ جاءَهم مِنَ الأمْنِ مِن عَذابِهِ تَعالى ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ كَإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأعْقابِهِ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ ومُضَرٍ ورَبِيعَةَ وقِسٍّ والحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ وأسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ وتُبَّعٍ وضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ فَآمَنُوا بِهِ تَعالى وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وأطاعُوهُ.

المؤمنون 23:69

﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ أيْضًا، أيْ: بَلْ ألَمْ يَعْرِفُوهُ ﷺ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الأخْلاقِ وكَمالِ العِلْمِ مَعَ عَدَمِ التَّعَلُّمِ مِن أحَدٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حازَهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ بِنُبُوَّتِهِ فَجُحُودُهم بِها مُتَرَتِّبٌ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن ضَرُورَةِ انْتِفاءِ المَبْنِيِّ بُطْلانُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ، أيْ: فَهم غَيْرُ عارِفِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.

المؤمنون 23:70

(p-144)﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ انْتِقالٌ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ كالأُولى، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، أيْ: جُنُونٌ مَعَ أنَّهُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا وأتْقَنُهم رَأْيًا وأوْفَرُهم رَزانَةً، ولَقَدْ رُوعِيَ في هَذِهِ التَّوْبِيخاتِ الأرْبَعَةِ الَّتِي اثْنانِ مِنها مُتَعَلِّقانِ بِالقرآن والباقِيانِ بِهِ ﷺ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى حَيْثُ وُبِّخُوا أوَّلًا بِعَدَمِ التَّدَبُّرِ وذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِشَيْءٍ لَوِ اتُّصِفَ بِهِ القَوْلُ لَكانَ سَبَبًا لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ ﷺ مِن عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ ﷺ وذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِعَدَمِ المَعْرِفَةِ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ،ثُمَّ بِما لَوْ كانَ فِيهِ ﷺ ذَلِكَ لَقَدَحَ في رِسالَتِهِ ﷺ . ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا في حَقِّ القرآن والرَّسُولِ ﷺ، بَلْ جاءَهم ﷺ بِالحَقِّ، أيِ: الصِّدْقِ الثّابِتِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا ولا مُدْخَلَ فِيهِ لِلْباطِلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ﴾ مِن حَيْثُ هو حَقٌّ أيْ حَقٌّ كانَ لا لِهَذا الحَقِّ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ. ﴿كارِهُونَ﴾ لِما في جِبِلَّتِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ والِانْحِرافِ المُناسِبِ لِلْباطِلِ ولِذَلِكَ كَرِهُوا هَذا الحَقَّ الأبْلَجَ وزاغُوا عَنِ الطَّرِيقِ الأنْهَجِ. وتَخْصِيصُ أكْثَرِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ لا يَقْتَضِي إلّا عَدَمَ كَراهَةِ الباقِينَ لِكُلِّ حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَراهَتَهم لِهَذا الحَقِّ المُبِينِ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِالأكْثَرِ لِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَ الإيمانَ اسْتِنْكافًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، أوْ لِقِلَّةِ فِطْنَتِهِ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِ لا لِكَراهَتِهِ الحَقَّ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ كَراهَةِ بَعْضِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ اتِّفاقِ الكُلِّ عَلى الكُفْرِ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ أصْلًا.

المؤمنون 23:71

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ أهْواءَهُمُ الزّائِغَةَ الَّتِي ما كَرِهُوا الحَقَّ إلّا لِعَدَمِ مُوافَقَتِهِ إيّاها مُقْتَضِيَةٌ لِلطّامَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما جاءَ بِهِ ﷺ مُوافِقًا لِأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ. ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وخَرَجَتْ عَنِ الصَّلاحِ والِانْتِظامِ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ مَناطَ النِّظامِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، وفِيهِ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ ما لا يَخْفى. وأمّا ما قِيلَ: لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ الَّذِي جاءَ بِهِ ﷺ أهْواءَهم وانْقَلَبَ شِرْكًا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِالقِيامَةِ ولَأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، فَفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ فَرْضَ مَجِيئِهِ ﷺ بِهِ، وكَذا ما قِيلَ: لَوْ كانَ في الواقِعِ إلَهانِ لا يُناسِبُ المَقامَ. وأمّا ما قِيلَ: لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَخَرَجَ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَمِمّا لا احْتِمالَ لَهُ أصْلًا. ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ انْتِقالٌ مِن تَشْنِيعِهِمْ بِكَراهَةِ الحَقِّ الَّذِي بِهِ يَقُومُ العالِمُ إلى تَشْنِيعِهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيما فِيهِ خَيْرُها. والمُرادُ بِالذِّكْرِ: القرآن الَّذِي هو فَخْرُهم وشَرَفُهم حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: بَلْ أتَيْناهم بِفَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمُ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ أكْمَلَ إقْبالٍ. ﴿فَهُمْ﴾ بِما فَعَلُوهُ مِنَ النُّكُوصِ ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ أيْ: فَخْرُهم وشَرَفُهم خاصَّةً ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والِاعْتِناءَ بِهِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لَهم وتَقْرِيعٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ اِعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ (p-145)عَلى ما قَبْلَها مِنَ اِيتاءَ ذِكْرِهِمْ لا لِتَرْتِيبِ الإعْراضِ عَلى الإيتاءِ مُطْلَقًا، فَإنَّ المُسْتَتْبَعَ لِكَوْنِ إعْراضِهِمْ إعْراضًا عَنْ ذِكْرِهِمْ هو إيتاءُ ذِكْرِهِمْ لا الإيتاءُ مُطْلَقًا. وفي إسْنادِ الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلى نُونِ العَظَمَةِ بَعْدَ إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ تَنْوِيهٌ لِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ بِمَثابَةٍ عَظِيمَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي إيرادِ القرآن الكَرِيمِ عِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ بِعُنْوانِ الحَقِّيَّةِ وعِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الذِّكْرِ مِنَ النُّكْتَةِ السِّرِّيَّةِ والحِكْمَةِ العَبْقَرِيَّةِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ التَّصْرِيحَ بِحَقِّيَّتِهِ المُسْتَلْزَمَةِ لِحَقِّيَّةِ مَن جاءَ بِهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ حِكايَةِ ما قالَهُ المُبْطِلُونَ في شَأْنِهِ. وأمّا التَّشْرِيفُ فَإنَّما يَلِيقُ بِهِ تَعالى لا سِيَّما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحَدُ المُشْرِفِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ: ما تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: وعَظَهم، وأيَّدَ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ: "بِذِكْراهُمْ" . والتَّشْنِيعُ عَلى الأوَّلِينَ أشَدُّ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ وعْظِهِمْ لَيْسَ في مَثابَةِ إعْراضِهِمْ عَنْ شَرَفِهِمْ أوْ عَنْ ذِكْرِهِمُ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ في الشَّناعَةِ والقَباحَةِ.

المؤمنون 23:72

﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَسْألُهم عَلى أداءِ الرِّسالَةِ ﴿خَرْجًا﴾ أيْ: جُعْلًا، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ بِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أيْ: رِزْقُهُ في الدُّنْيا وثَوابُهُ في الآخِرَةِ، تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ السُّؤالِ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ أيْ: لا تَسْألُهم ذَلِكَ فَإنَّ ما رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والعُقْبى خَيْرٌ لَكَ مِن ذَلِكَ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَشْرِيفِهِ ﷺ ما لا يَخْفى، والخَرْجُ بِإزاءِ الدَّخْلِ، يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ. والخَراجُ: غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ والخَراجُ ما لَزِمَكَ، وقِيلَ: الخَرْجُ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، فَفي النَّظْمِ الكَرِيمِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ. وقُرِئَ: خَرْجًا فَخَرْجٌ وخَراجًا فَخَراجٌ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ تَعالى.

المؤمنون 23:73

﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِاسْتِقامَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ اعْوِجاجٍ تُوهِمُ اتَّهامَهم لَكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَقَدْ ألْزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وعَلا وأزاحَ عِلَلَهم في هَذِهِ الآياتِ حَيْثُ حَصَرَ أقْسامَ ما يُؤَدِّي إلى الإنْكارِ والِاتِّهامِ وبَيَّنَ انْتِفاءَ ما عَدا كَراهَتَهم لِلْحَقِّ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ.

المؤمنون 23:74

﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَشْنِيعًا لَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِماكِ في الدُّنْيا وزَعْمِهِمْ أنْ لا حَياةَ إلّا الحَياةُ الدُّنْيا، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الإيمان بالآخِرَةِ وخَوْفِ ما فِيها مِنَ الدَّواهِي مِن أقْوى الدَّواعِي إلى طَلَبِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِهِ. ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أيْ: عَنْ جِنْسِ الصِّراطِ ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ فَضْلًا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أوْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى كَمالِ ضَلالِهِمْ وغايَةِ غِوايَتِهِمْ لِما أنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِمّا لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّراطِ ولَوْ كانَ مُعْوَجًّا.

المؤمنون 23:75

﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ أيْ: قَحْطٍ وجَدْبٍ ﴿لَلَجُّوا﴾ لَتَمادَوْا ﴿فِي (p-146)طُغْيانِهِمْ﴾ إفْراطِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: عامِهِينَ عَنِ الهُدى. رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ ومَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ وأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ قالَ: بَلى، فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ فَنَزَلَتْ.» والمَعْنى: لَوْ كَشَفْنا عَنْهم ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والهُزالِ بِرَحْمَتِنا إيّاهم ووَجَدُوا الخِصْبَ لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإفْراطِ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ ولَذَهَبَ عَنْهم هَذا التَّمَلُّقُ والإبْلاسُ وقَدْ كانَ كَذَلِكَ.

المؤمنون 23:76

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، والمُرادُ بِالعَذابِ: ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وما أصابَهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَحْطُ المَذْكُورُ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ. ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بِذَلِكَ، أيْ: لَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَذَلَّلُوا عَلى أنَّهُ إمّا اسْتِفْعالٌ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّ الخاضِعَ يَنْتَقِلُ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، أوِ افْتِعالٌ مِنَ السُّكُونِ قَدْ أُشْبِعَتْ فَتَحْتُهُ كَمُنْتَزاحٍ في مُنْتَزَحٍ، بَلْ أقامُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ولَيْسَ مِن عادَتِهِمُ التَّضَرُّعُ إلَيْهِ تَعالى.

المؤمنون 23:77

﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّهْوِيلُ بِفَتْحِ البابِ والوَصْفِ بِالشِّدَّةِ، وقُرِئَ: "فَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ. ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أيْ: مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، أيْ: مُحْناهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والجُوعِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَما رُؤِيَ مِنهم لِينُ مُقادَةٍ وتَوَجُّهٌ إلى الإسْلامِ قَطُّ، وأمّا ما أظْهَرُهُ أبُو سُفْيانَ فَلَيْسَ مِنَ الِاسْتِكانَةِ لَهُ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ تَعالى في شَيْءٍ وإنَّما هو نَوْعُ خُنُوعٍ إلى أنْ يَتِمَّ غَرَضُهُ، فَحالُهُ كَما قِيلَ: إذا جاعَ ضَغا وإذا شَبِعَ طَغا وأكْثَرُهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ يَرَوْا عَذابَ الآخِرَةِ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ. وقِيلَ المُرادُ بِالبابِ: الجُوعُ فَإنَّهُ أشَدُّ وأعَمُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمَعْنى: أخَذْناهم أوَّلًا بِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ فَما وُجِدَ مِنهم تَضَرُّعٌ واسْتِكانَةٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أطَمُّ وأتَمُّ فَأُبْلِسُوا السّاعَةَ وخَضَعَتْ رِقابُهم وجاءَكَ أعْتاهم وأشَدُّهم شَكِيمَةً في العِنادِ يَسْتَعْطِفُكَ. والوَجْهُ هو الأوَّلُ.

المؤمنون 23:78

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ لِتُشاهِدُوا بِها الآياتِ التَّنْـزِيلِيَّةَ والتَّكْوِينِيَّةَ. ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا بِها ما تُشاهِدُونَهُ وتَعْتَبِرُوا اعْتِبارًا لِائِقًا. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهِ تَشْكُرُونَ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ لِما أنَّ العُمْدَةَ في الشُّكْرِ صَرْفُ تِلْكَ القُرى الَّتِي هي في أنْفُسِها نِعَمٌ باهِرَةٌ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ وأنْتُمْ تُخِلُّونَ بِذَلِكَ إخْلالًا عَظِيمًا.

المؤمنون 23:79

(p-147)﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقَكم وبَثَّكم فِيها بِالتَّناسُلِ ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم لا إلى غَيْرِهِ، فَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ ولا تَشْكُرُونَهُ.

المؤمنون 23:80

﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: هو المُؤَثِّرُ في اخْتِلافِهِما، أيْ: تَعاقُبِهِما أوِ اخْتِلافِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا أوْ لِأمْرِهِ وقَضائِهِ اخْتِلافُهُما. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أوْ أتَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ جَمِيعَ المُمَكَّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ. وَقُرِئَ: "يَعْقِلُونَ" عَلى أنَّ الِالتِفاتَ إلى الغَيْبَةِ لِحِكايَةِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ لِغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: عَلى أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِذاكَ.

المؤمنون 23:81

﴿بَلْ قالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: فَلَمْ يَعْقِلُوا بَلْ قالُوا ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ أيْ: آباؤُهم ومَن دانَ بِدِينِهِمْ.

المؤمنون 23:82

﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ المُبْهَمِ وتَفْصِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.

المؤمنون 23:83

﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ أيِ: البَعْثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ مِن حَيْثُ إسْنادُهُ إلى آبائِهِمْ لا إلَيْهِمْ، أيْ: ووُعِدَ آباؤُنا مِن قَبْلُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ اباؤُنا، أيْ: كائِنَيْنِ مِن قَبْلُ. ﴿إنْ هَذا﴾ أيْ: ما هَذا ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: أكاذِيبُهُمُ الَّتِي سَطَرُوها جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ وأُعْجُوبَةٍ،وَقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ.

المؤمنون 23:84

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ما فَأخْبِرُونِي بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الجَوابِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في وُضُوحِ الأمْرِ وفي تَجْهِيلِهِمْ ما لا يَخْفى، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَأخْبِرُونِي، وفِيهِ اسْتِهانَةٌ بِهِمْ وتَقْرِيرٌ لِجَهْلِهِمْ.

المؤمنون 23:85

وَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِجَوابِهِمْ قَبْلَ أنْ يُجِيبُوا حَيْثُ قِيلَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ تَضْطَرُّهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُها. ﴿قُلْ﴾ أيْ: عِنْدَ اعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن فَطَرَ الأرْضَ وما فِيها ابْتِداءً قادِرٌ عَلى إعادَتِها ثانِيًا، فَإنَّ البَدْءَ لَيْسَ بِأهْوَنَ مِنَ الإعادَةِ (p-148)بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ في قِياسِ العُقُولِ. وقُرِئَ: "تَتَذَكَّرُونَ" عَلى الأصْلِ.

المؤمنون 23:86

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أُعِيدَ الرَّبُّ تَنْوِيهًا لِشَأْنِ العَرْشِ ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلسَّماواتِ وجُودًا وذِكْرًا، ولَقَدْ رُوعِيَ في الأمْرِ بِالسُّؤالِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى.

المؤمنون 23:87

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِاللّامِ نَظَرًا إلى مَعْنى السُّؤالِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ ولِمَن هو في مَعْنًى واحِدٍ. وقُرِئَ هو وما بَعْدَهُ بِغَيْرِ لامٍ نَظَرًا إلى لَفْظِ السُّؤالِ. ﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم وتَوْبِيخًا ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا تَقُونَ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِعَدَمِ العَمَلِ بِمُوجِبِ العِلْمِ حَيْثُ تَكْفُرُونَ بِهِ وتُنْكِرُونَ البَعْثَ وتُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيكًا في الربوبية.

المؤمنون 23:88

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ، أيْ: مِلْكُهُ التّامُّ القاهِرُ، وقِيلَ: خَزائِنُهُ. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ أيْ: يُغِيثُ غَيْرَهُ إذا شاءَ ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ولا يُغِيثُ أحَدٌ عَلَيْهِ، أيْ: لا يُمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا ما أوْ ذَلِكَ فَأجِيبُونِي عَلى ما سَبَقَ.

المؤمنون 23:89

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيْ: لِلَّهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الَّذِي يُجْيِرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ. ﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنِ الرَّشَدِ مَعَ عِلْمِكم بِهِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغِنى، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مَسْحُورًا مُخْتَلَّ العَقْلِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.

المؤمنون 23:90

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ بِالبَعْثِ ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما قالُوا مِنَ الشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ.

المؤمنون 23:91

﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ كَما يَقُولُهُ النَّصارى والقائِلُونَ: إنَّ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ يُشارِكُهُ في الأُلُوهِيَّةِ كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأوْثانِ وغَيْرُهم. ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ جَوابٌ لِمُحاجَّتِهِمْ وجَزاءٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَزْعُمُونَ لَذَهَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِما خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ وامْتازَ مُلْكُهُ عَنْ مُلْكِ الآخَرِينَ ووَقَعَ بَيْنَهُمُ التَّغالُبُ والتَّحارُبُ كَما هو الجارِي فِيما بَيْنَ المُلُوكِ. ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ فَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو باطِلٌ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ قَطُّ مَعَ قِيامِ البُرْهانِ عَلى اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمَكَّناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ واحِدٍ بِالذّاتِ. ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَهُ (p-149)مِن أنْ يَكُونَ لَهُ أنْدادٌ وأوْلادٌ.

المؤمنون 23:92

﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ، وقِيلَ: صِفَةٌ لَها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأيًّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ آخَرُ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِناءً عَلى تَوافُقِهِمْ في تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ تَفَرُّدَهُ تَعالى بِذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَعالِيهِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.

المؤمنون 23:93

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي﴾ أيْ: إنْ كانَ لابُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُسْتَأْصَلِ، وأمّا العَذابُ الأُخْرَوِيُّ فَلا يُناسِبُهُ المَقامُ.

المؤمنون 23:94

﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: قَرِينًا لَهم فِيما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ ما وُعِدُوهُ مِنَ العَذابِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ ورُدٌّ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ واسْتِعْجالِهِمْ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ ﷺ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ شُؤْمَ الكَفَرَةِ قَدْ يَحِيقُ بِمَن وراءَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّ لَهُ في أُمَّتِهِ نِقْمَةً ولَمْ يُطْلِعْهُ عَلى وقْتِها فَأمَرَهُ بِهَذا الدُّعاءِ وتَكْرِيرِ النِّداءِ، وتَصْدِيرُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِهِ لِإبْرازِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ.

المؤمنون 23:95

﴿وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقادِرُونَ﴾ ولَكِنّا نُؤَخِّرُهُ لِعِلْمِنا بِأنَّ بَعْضَهم أوْ بَعْضَ أعْقابِهِمْ سَيُؤْمِنُونَ، أوْ لِأنّا لا نُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ. وقِيلَ: قَدْ أراهُ ذَلِكَ وهو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ أوْ فَتْحَ مَكَّةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنْ يَكُونَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ عَذابًا هائِلًا مُسْتَأْصِلًا لا يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ ﷺ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

المؤمنون 23:96

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ وهو الصَّفْحُ عَنْها والإحْسانُ في مُقابَلَتِها، لَكِنْ لا بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى وهَنٍ في الدِّينِ. وقِيلَ: هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، والسَّيِّئَةُ: الشِّرْكُ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والسَّيِّئَةُ: المُنْكَرُ، وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصَ عَلى التَّفْضِيلِ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ. ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أيْ: بِما يَصِفُونَكَ بِهِ، أوْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ عَلى خِلافِ ما أنْتَ عَلَيْهِ. وفِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ والعُقُوبَةِ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْشادٌ لَهُ ﷺ إلى تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ تَعالى.

المؤمنون 23:97

﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ المَحاسِنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها (p-150)دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، وأصْلُ الهَمْزِ النَّخْسُ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ،شَبَّهَ حَثُّهم لِلنّاسِ عَلى المَعاصِي بِهَمْزِ الرّائِضِ الدَّوابَّ عَلى الإسْراعِ، أوِ الوَثْبِ والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ، أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ، أوْ لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِ.

المؤمنون 23:98

﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِأنْ يَعُوذَ بِهِ تَعالى مِن حُضُورِهِمْ بَعْدَ ما أُمِرَ بِالعَوْذِ مِن هَمَزاتِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ مِن مُلابَسَتِهِمْ، وإعادَةُ الفِعْلِ مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وعَرْضِ نِهايَةِ الِابْتِهالِ في الِاسْتِدْعاءِ، أيْ: أعُوذُ بِكَ مِن أنْ يَحْضُرُونِي ويَحُومُوا حَوْلِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القرآن كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وحالِ حُلُولِ الأجَلِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنها.

المؤمنون 23:99

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ "حَتّى" هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِما قَبْلَها مُتَعَلِّقَةٌ بِيَصِفُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإغْضاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَزِلُّوهُ ﷺ عَنِ الحِلْمِ ويُغْرُوهُ عَلى الِانْتِقامِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ العامِلُ فِيهِ لِفَسادِ المَعْنى، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وتَعَلُّقُها بِكاذِبُونَ في غايَةِ البُعْدِ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهم أيَّ أحَدٍ كانَ المَوْتُ الَّذِي مَرَدَّ لَهُ وظَهَرَتْ لَهُ أحْوالُ الآخِرَةِ. ﴿قالَ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ: رُدَّنِي إلى الدُّنْيا، والواوُ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ. وقِيلَ: لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ارْجِعْنِي، كَما قِيلَ في قِفا نَبْكِ ونَظائِرِهِ.

المؤمنون 23:100

﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ أيْ: في الإيمانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يُنَظِّمْهُ في سَلْكِ الرَّجاءِ كَسائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِأنْ يَقُولَ: لَعَلِّي أُومِنُ فَأعْمَلُ.. إلَخِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ قَطْعًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُقُوعِ، أيْ: لَعَلِّي أعْمَلُ في الإيمانِ الَّذِي أتى بِهِ البَتَّةَ عَمَلًا صالِحًا، وقِيلَ: فِيما تَرَكْتُهُ مِنَ المالِ أوْ مِنَ الدُّنْيا. وعَنْهُ ﷺ: "إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: أنُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ، بَلْ قُدُومًا إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِي. ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَّجْعَةِ واسْتِبْعادٌ لَها ﴿إنَّها﴾ أيْ: قَوْلُهُ: رَبِّ ارْجُعُونِ إلَخِ ﴿كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ لا مَحالَةَ لِتَسَلُّطِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ. ﴿وَمِن ورائِهِمْ﴾ أيْ: أمامَهم والضَّمِيرُ لِأحَدِهِمْ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ. ﴿بَرْزَخٌ﴾ حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنِ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلى الدُّنْيا وإنَّما الرَّجْعَةُ يَوْمَئِذٍ إلى الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ.

المؤمنون 23:101

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَها البَعْثُ والنُّشُورُ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا نَفَخَ (p-151)فِي الأجْسادِ أرْواحُها عَلى أنَّ الصُّوَرَ جَمْعُ الصُّورَةِ لا القَرْنِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الواوِ بِهِ مَعَ كَسْرِ الصّادِ. ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ تَنْفَعُهم لِزَوالِ التَّزاحُمِ والتَّعاطُفِ مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ واسْتِيلاءِ الدَّهْشَةِ بِحَيْثُ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، أوْ لا أنْسابَ يَفْتَخِرُونَ بِها. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كَما هي بَيْنُهُمُ اليَوْمَ ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلٍّ مِنهم بِنَفْسِهِ، ولا يُناقِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ لِأنَّ هَذا عِنْدَ ابْتِداءِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ.

المؤمنون 23:102

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ مَوْزُوناتُ حَسَناتِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، أيْ: فَمَن كانَتْ لَهُ عَقائِدُ صَحِيحَةٌ وأعْمالٌ صالِحَةٌ يَكُونُ لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ مِن كُلِّ مَهْرُوبٍ.

المؤمنون 23:103

﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ: ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ مالَهُ وُزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَهُ وهُمُ الكُفّارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ . وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ما في هَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ الأعْرافِ ) . ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ضَيَّعُوها بِتَضْيِيعِ زَمانِ اسْتِكْمالِها وأبْطَلُوا اسْتِعْدادَها لِنَيْلِ كَمالِها، واسْمُ الإشارَةِ في المَوْضِعَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْصُولِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ في الصِّلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ.

المؤمنون 23:104

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ تُحْرِقُها، واللَّفْحُ كالنَّفْخِ إلّا أنَّهُ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنهُ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِذَلِكَ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ فَبَيانُ حالِها أزْجَرُ عَنِ المَعاصِي المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِها عَلى الفاعِلِ. ﴿وَهم فِيها كالِحُونَ﴾ مِن شِدَّةِ الِاحْتِراقِ والكُلُوحُ تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ. وقُرِئَ: "كَلِحُونَ" .

المؤمنون 23:105

﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: يُقالُ لَهم تَعْنِيفًا وتَوْبِيخًا وتَذْكِيرًا لِما بِهِ اسْتَحَقُّوا ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ العَذابِ: ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمُ في الدُّنْيا ؟ ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حِينَئِذٍ.

المؤمنون 23:106

﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا﴾ أيْ: مَلَكَتْنا ﴿شِقْوَتُنا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْناها بِسُوءِ اخْتِيارِنا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَتُها إلى أنْفُسِهِمْ، وقُرِئَ: "شِقْوَتُنا" بِالفَتْحِ، و"شَقاواتُنا" أيْضًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ. ﴿وَكُنّا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿قَوْمًا ضالِّينَ﴾ عَنِ الحَقِّ لِذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْذِيبِ، وهَذا كَما تَرى اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّ ما أصابَهم قَدْ أصابَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ.

المؤمنون 23:107

(p-152)وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ اعْتِذارٌ مِنهم بِغَلَبَةِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاوَةِ الأزَلِيَّةِ، فَمَعَ أنَّهُ باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما أنَّهُ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ إلّا ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ بِاخْتِيارِهِمْ ضَرُورَةَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النّارِ وارْجِعْنا إلى الدُّنْيا فَإنْ عُدْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنّا مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ ولَوْ كانَ اعْتِقادُهم أنَّهم مَجْبُورُونَ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم لَما سَألُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ولَما وعَدُوا الإيمانَ والطّاعَةَ، بَلْ قَوْلُهم: ﴿فَإنْ عُدْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم حِينَئِذٍ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ وإنَّما المَوْعُودُ عَلى تَقْدِيرِ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا الثَّباتُ عَلَيْها لا إحْداثُهَما.

المؤمنون 23:108

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ أيِ: اسْكُتُوا في النّارِ سُكُوتَ هَوانٍ وذِلُّوا وانْزَجِرُوا انْزِجارَ الكِلابِ إذا زُجِرَتْ مِن خَسَأْتُ الكَلْبَ إذا زَجَرْتُهُ فَخَسِئَ، أيِ: انْزَجَرَ. ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أيْ: بِاسْتِدْعاءِ الإخْراجِ مِنَ النّارِ والرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، وقِيلَ: لا تُكَلِّمُونَ في رَفْعِ العَذابِ، ويَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ الآتِي. وقِيلَ: لا تُكَلِّمُونِ رَأْسًا، وهو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ والعُواءُ كَعُواءِ الكَلْبِ لا يَفْهَمُونَ ولا يُفْهِمُونَ، ويَرُدُّهُ الخِطاباتُ الآتِيَةُ قَطْعًا.

المؤمنون 23:109

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الدُّعاءِ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، أيْ: لِأنَّ الشَّأْنَ. ﴿كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أنَّهُمُ الصَّحابَةُ، وقِيلَ: أهْلُ الصُّفَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. ﴿يَقُولُونَ﴾ في الدُّنْيا ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾

المؤمنون 23:110

﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ أيِ: اسْكُتُوا عَنِ الدُّعاءِ بِقَوْلِكم: "رَبَّنا .." إلَخِ لِأنَّكم كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ بِالدّاعِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ "رَبَّنا آمَنّا﴾ .." إلَخِ، وتَتَشاغَلُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ ﴿حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ ﴿ذِكْرِي﴾ مِن فَرْطِ اشْتِغالِكم بِاسْتِهْزائِهِمْ ﴿وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ وذَلِكَ غايَةُ الِاسْتِهْزاءِ.

المؤمنون 23:111

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حُسْنِ حالِهِمْ وأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِما آذَوْهم. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذِيَّتِكم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ ثانِي مَفْعُولَيِ الجَزاءِ، أيْ: جِزْيَتُهم فَوْزَهم بِمَجامِعِ مُرادَّتِهِمْ مَخْصُوصِينَ بِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الحُسْنِ.

المؤمنون 23:112

﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا لِما لَبِثُوا فِيما سَألُوا الرُّجُوعَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحالَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ "اخْسَئُوا فِيها﴾ .." إلَخِ. وقُرِئَ: "قُلْ" عَلى الأمْرِ لِلْمَلَكِ. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ الَّتِي تَدْعُونَ إلَيْها ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ تَمْيِيزٌ لَكم.

المؤمنون 23:113

(p-153)﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِيها ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ أيِ: المُتَمَكِّنِينَ مِنَ العَدِّ فَإنَّما بِما دَهَمَنا مِنَ العَذابِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، أوِ المَلائِكَةَ العادِّينَ لِأعْمارِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وقُرِئَ: "العادِينَ" بِالتَّخْفِيفِ، أيِ: المُعْتَدِّينَ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ ما نَقُولُ كَأنَّهُمُ الأتْباعُ يُسَمُّونَ الرُّؤَساءَ بِذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ إيّاهم بِإضْلالِهِمْ. وقُرِئَ: "العادِيِينَ" أيِ القُدَماءَ المُعَمِّرِينَ فَإنَّهم أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ.

المؤمنون 23:114

﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى أوِ المَلَكُ، وقُرِئَ: "قُلْ" كَما سَبَقَ. ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ شَيْئًا أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةٍ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، أيْ: لَعَلِمْتُمْ يَوْمَئِذٍ قِلَّةَ لُبْثِكم فِيها كَما عَلِمْتُمُ اليَوْمَ ولَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ ولَمْ تَخْلُدُوا إلَيْها.

المؤمنون 23:115

﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا شَيْئًا فَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ حَتّى أنْكَرْتُمُ البَعْثَ، فَعَبَثًا حالٌ مِن نُونِ العَظَمَةِ، أيْ: عابِثِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: إنَّما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ. ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنَّما" فَإنَّ خَلْقَكم بِغَيْرِ بَعْثٍ مِن قَبِيلِ العَبَثِ، وإنَّما خَلَقْناكم لِنُعِيدَكم ونُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. وقُرِئَ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ.

المؤمنون 23:116

﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى لِشُئُونِهِ الَّتِي تُصَرَّفُ عَلَيْها عِبادُهُ مِنَ البَدْءِ والإعادَةِ والإثابَةِ والعِقابِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، أيِ: ارْتَفَعَ بِذاتِهِ وتَنَزَّهَ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْوالِهِ وأفْعالِهِ وعَنْ خُلُوِ أفْعالِهِ عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والغاياتِ الحَمِيدَةِ. ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ عَلى الإطْلاقِ إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءًا و إعادَةً، إحْياءً وإماتَةً، عِقابًا وإثابَةً، وكُلُّ ما سِواهُ مَمْلُوكٌ لَهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّ كُلَّ ما عَداهُ عَبِيدُهُ ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فَكَيْفَ بِما تَحْتَهُ ومُحاطٌ بِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ كائِنًا ما كانَ، ووَصْفُهُ بِالكَرَمِ إمّا لِأنَّهُ مِنهُ يَنْزِلُ الوَحْيُ الَّذِي مِنهُ القرآن الكَرِيمُ أوِ الخَيْرُ والبِرْكَةُ والرَّحْمَةُ، أوْ لِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمِ الأكْرَمِينَ. وقُرِئَ: "الكَرِيمُ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾

المؤمنون 23:117

﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَعْبُدُهُ إفْرادًا وإشْراكًا ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِإلَهًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ جِيءَ بِها لِلتَّأْكِيدِ، وبِناءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّدَيُّنِ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ فَكَيْفَ بِما شَهِدَتْ بَدِيهَةُ العُقُولِ بِخِلافِهِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ كَقَوْلِكَ: مَن (p-154)أحْسَنَ إلى زَيْدٍ لا أحَقَّ مِنهُ بِالإحْسانِ فاللَّهُ مُثِيبُهُ. ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ فَهو مُجازٍ لَهُ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: إنَّ الشَّأْنَ .. إلَخِ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ، أوْ خَبَرٌ ومَعْناهُ: حِسابُهُ عَدَمُ الفَلاحِ، والأصْلُ: حِسابُهُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو، فَوُضِعَ الكافِرُونَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِأنَّ مَن يَدَعُ في مَعْنى الجَمْعِ، وكَذَلِكَ حِسابُهُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ في مَعْنى حِسابُهم أنَّهم لا يُفْلِحُونَ.

المؤمنون 23:118

بُدِئَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِتَقْرِيرِ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وخُتِمَتْ بِنَفْيِ الفَلاحِ عَنِ الكافِرِينَ ثُمَّ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالِاسْتِغْفارِ والِاسْتِرْحامِ فَقِيلَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ إيذانًا بِأنَّهُما مِن أهَمِّ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ مِن قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ بَشَّرَتْهُ المَلائِكَةُ بِالرَّوْحِ والرَّيْحانِ وما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ عِنْدَ نُزُولِ مَلَكِ المَوْتِ﴾ . وعَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ حَتّى خَتَمَ العَشَرَ﴾ . ورُوِيَ «أنَّ أوَّلَها وآخِرَها مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِنَ اخِرِها فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ» .