Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — القصص 28:1 – لقمان 31:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. القصص 28:1
  2. القصص 28:2
  3. القصص 28:3
  4. القصص 28:4
  5. القصص 28:5
  6. القصص 28:6
  7. القصص 28:7
  8. القصص 28:8
  9. القصص 28:9
  10. القصص 28:10
  11. القصص 28:11
  12. القصص 28:12
  13. القصص 28:13
  14. القصص 28:14
  15. القصص 28:15
  16. القصص 28:16
  17. القصص 28:17
  18. القصص 28:18
  19. القصص 28:19
  20. القصص 28:20
  21. القصص 28:21
  22. القصص 28:22
  23. القصص 28:23
  24. القصص 28:24
  25. القصص 28:25
  26. القصص 28:26
  27. القصص 28:27
  28. القصص 28:28
  29. القصص 28:29
  30. القصص 28:30
  31. القصص 28:31
  32. القصص 28:32
  33. القصص 28:33
  34. القصص 28:34
  35. القصص 28:35
  36. القصص 28:36
  37. القصص 28:37
  38. القصص 28:38
  39. القصص 28:39
  40. القصص 28:40
  41. القصص 28:41
  42. القصص 28:42
  43. القصص 28:43
  44. القصص 28:44
  45. القصص 28:45
  46. القصص 28:46
  47. القصص 28:47
  48. القصص 28:48
  49. القصص 28:49
  50. القصص 28:50
  51. القصص 28:51
  52. القصص 28:52
  53. القصص 28:53
  54. القصص 28:54
  55. القصص 28:55
  56. القصص 28:56
  57. القصص 28:57
  58. القصص 28:58
  59. القصص 28:59
  60. القصص 28:60
  61. القصص 28:61
  62. القصص 28:62
  63. القصص 28:63
  64. القصص 28:64
  65. القصص 28:65
  66. القصص 28:66
  67. القصص 28:67
  68. القصص 28:68
  69. القصص 28:69
  70. القصص 28:70
  71. القصص 28:71
  72. القصص 28:72
  73. القصص 28:73
  74. القصص 28:74
  75. القصص 28:75
  76. القصص 28:76
  77. القصص 28:77
  78. القصص 28:78
  79. القصص 28:79
  80. القصص 28:80
  81. القصص 28:81
  82. القصص 28:82
  83. القصص 28:83
  84. القصص 28:84
  85. القصص 28:85
  86. القصص 28:86
  87. القصص 28:87
  88. القصص 28:88
  89. العنكبوت 29:1
  90. العنكبوت 29:2
  91. العنكبوت 29:3
  92. العنكبوت 29:4
  93. العنكبوت 29:5
  94. العنكبوت 29:6
  95. العنكبوت 29:7
  96. العنكبوت 29:8
  97. العنكبوت 29:9
  98. العنكبوت 29:10
  99. العنكبوت 29:11
  100. العنكبوت 29:12
  101. العنكبوت 29:13
  102. العنكبوت 29:14
  103. العنكبوت 29:15
  104. العنكبوت 29:16
  105. العنكبوت 29:17
  106. العنكبوت 29:18
  107. العنكبوت 29:19
  108. العنكبوت 29:20
  109. العنكبوت 29:21
  110. العنكبوت 29:22
  111. العنكبوت 29:23
  112. العنكبوت 29:24
  113. العنكبوت 29:25
  114. العنكبوت 29:26
  115. العنكبوت 29:27
  116. العنكبوت 29:28
  117. العنكبوت 29:29
  118. العنكبوت 29:30
  119. العنكبوت 29:31
  120. العنكبوت 29:32
  121. العنكبوت 29:33
  122. العنكبوت 29:34
  123. العنكبوت 29:35
  124. العنكبوت 29:36
  125. العنكبوت 29:37
  126. العنكبوت 29:38
  127. العنكبوت 29:39
  128. العنكبوت 29:40
  129. العنكبوت 29:41
  130. العنكبوت 29:42
  131. العنكبوت 29:43
  132. العنكبوت 29:44
  133. العنكبوت 29:45
  134. العنكبوت 29:46
  135. العنكبوت 29:47
  136. العنكبوت 29:48
  137. العنكبوت 29:49
  138. العنكبوت 29:50
  139. العنكبوت 29:51
  140. العنكبوت 29:52
  141. العنكبوت 29:53
  142. العنكبوت 29:54
  143. العنكبوت 29:55
  144. العنكبوت 29:56
  145. العنكبوت 29:57
  146. العنكبوت 29:58
  147. العنكبوت 29:59
  148. العنكبوت 29:60
  149. العنكبوت 29:61
  150. العنكبوت 29:62
  151. العنكبوت 29:63
  152. العنكبوت 29:64
  153. العنكبوت 29:65
  154. العنكبوت 29:66
  155. العنكبوت 29:67
  156. العنكبوت 29:68
  157. العنكبوت 29:69
  158. الروم 30:1
  159. الروم 30:2
  160. الروم 30:3
  161. الروم 30:4
  162. الروم 30:5
  163. الروم 30:6
  164. الروم 30:7
  165. الروم 30:8
  166. الروم 30:9
  167. الروم 30:10
  168. الروم 30:11
  169. الروم 30:12
  170. الروم 30:13
  171. الروم 30:14
  172. الروم 30:15
  173. الروم 30:16
  174. الروم 30:17
  175. الروم 30:18
  176. الروم 30:19
  177. الروم 30:20
  178. الروم 30:21
  179. الروم 30:22
  180. الروم 30:23
  181. الروم 30:24
  182. الروم 30:25
  183. الروم 30:26
  184. الروم 30:27
  185. الروم 30:28
  186. الروم 30:29
  187. الروم 30:30
  188. الروم 30:31
  189. الروم 30:32
  190. الروم 30:33
  191. الروم 30:34
  192. الروم 30:35
  193. الروم 30:36
  194. الروم 30:37
  195. الروم 30:38
  196. الروم 30:39
  197. الروم 30:40
  198. الروم 30:41
  199. الروم 30:42
  200. الروم 30:43
  201. الروم 30:44
  202. الروم 30:45
  203. الروم 30:46
  204. الروم 30:47
  205. الروم 30:48
  206. الروم 30:49
  207. الروم 30:50
  208. الروم 30:51
  209. الروم 30:52
  210. الروم 30:53
  211. الروم 30:54
  212. الروم 30:55
  213. الروم 30:56
  214. الروم 30:57
  215. الروم 30:58
  216. الروم 30:59
  217. الروم 30:60
  218. لقمان 31:1
  219. لقمان 31:2
  220. لقمان 31:3
  221. لقمان 31:4
  222. لقمان 31:5
  223. لقمان 31:6
  224. لقمان 31:7
  225. لقمان 31:8
  226. لقمان 31:9
  227. لقمان 31:10
  228. لقمان 31:11
  229. لقمان 31:12
  230. لقمان 31:13
  231. لقمان 31:14
  232. لقمان 31:15
  233. لقمان 31:16
  234. لقمان 31:17
  235. لقمان 31:18
  236. لقمان 31:19
  237. لقمان 31:20
  238. لقمان 31:21
  239. لقمان 31:22
  240. لقمان 31:23
  241. لقمان 31:24
  242. لقمان 31:25
  243. لقمان 31:26
  244. لقمان 31:27
  245. لقمان 31:28
  246. لقمان 31:29
  247. لقمان 31:30
  248. لقمان 31:31
  249. لقمان 31:32
  250. لقمان 31:33
  251. لقمان 31:34

القصص 28:1

(p-2)(سُورَةُ القَصَصِ) (مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الجاهِلِينَ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً). ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ بِالإجْمالِ، والتَّفْصِيلِ في أشْباهِهِ.

القصص 28:2

(p-2)(سُورَةُ القَصَصِ) (مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الجاهِلِينَ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً). ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ بِالإجْمالِ، والتَّفْصِيلِ في أشْباهِهِ.

القصص 28:3

﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ أيْ: نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَجازًا مِنَ التَّنْزِيلِ ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ مَفْعُولُ نَتْلُو، أيْ: نَتْلُو عَلَيْهِ بَعْضَ نَبَئِهِما. ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِن فاعِلِ نَتْلُو، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ، أيْ: بَعْضَ نَبَئِهِما مُلْتَبَسِينَ، أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، أوْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ نَتْلُو، وتَخْصِيصُهم بِذَلِكَ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

القصص 28:4

﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ ما بَعْدَهُ، أيْ: أنَّهُ تَجَبَّرَ، وطَغا في أرْضِ مِصْرَ، وجاوَزَ الحُدُودَ المَعْهُودَةَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ. ﴿وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ في كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ يَسْتَعْمِلُ كُلَّ صِنْفٍ في عَمَلٍ، ويُسَخِّرُهُ فِيهِ مِن بِناءٍ، وحَرْثٍ، وحَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. ومَن لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً قَدْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ لِئَلّا تَتَّفِقَ كَلِمَتُهم. ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلَ، أوْ صِفَةٌ لِشِيَعًا، أوِ اسْتِئْنافٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنها، وكانَ ذَلِكَ لَمّا أنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ: يُولَدُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ. وما ذاكَ إلّا لِغايَةِ حُمْقِهِ إذْ لَوْ صَدَقَ فَما فائِدَةُ القَتْلِ، وإنْ كَذِبَ فَما وجْهُهُ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإفْسادِ. ولِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى مِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ (p-3)مِن قَتْلِ المَعْصُومِينَ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

القصص 28:5

﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلَ ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ بِإنْجائِهِمْ مِن بَأْسِهِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في نُرِيدُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا ... إلَخْ. لِتَناسُبِهِما في الوُقُوعِ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لِلنَّبَأِ، أوْ حالٌ مِن يَسْتَضْعِفُ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، أيْ: يَسْتَضْعِفُهم فِرْعَوْنُ، ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نُمَنَّ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ مُقارَنَةِ الإرادَةِ لِلِاسْتِضْعافِ مُقارَنَةُ المُرادِ لَهُ لِما أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ لِلْمَنِّ تَعَلُّقُ اسْتِقْبالٍ عَلى أنَّ مِنَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ، لَمّا كانَتْ في شَرَفِ الوُقُوعِ جازَ إجْراؤُها مَجْرى الواقِعِ المُقارَنِ لَهُ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِإبانَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ في المِنَّةِ بِذِكْرِ حالَتِهِمُ السّابِقَةِ المُبايِنَةِ لَها. ﴿وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ لِآخَرِينَ. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ لِجَمِيعِ ما كانَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وِراثَةً مَعْهُودَةً فِيما بَيْنَهُمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الوارِثِينَ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ وِراثَتِهِمْ لَهُ عَنْ ذِكْرِ جَعْلِهِمْ أئِمَّةً مَعَ تَقَدُّمِها عَلَيْهِ زَمانًا لِانْحِطاطِ رُتْبَتِها عَنِ الإمامَةِ، ولِئَلّا يَنْفَصِلَ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن رَوادِفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى:

القصص 28:6

﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ ... إلَخْ. أيْ: نُسَلِّطَهم عَلى مِصْرَ والشّامِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِما كَيْفَما يَشاءُونَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ أنْ تَجْعَلَ لِلشَّيْءِ مَكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ. ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ويَجْتَهِدُونَ في دَفْعِهِ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلَكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهُ، وقُرِئَ: (يَرى) بِالياءِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

القصص 28:7

﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ بِإلْهامٍ أوْ رُؤْيا. ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ ما أمْكَنَكِ إخْفاؤُهُ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بِأنْ يُحِسَّ بِهِ الجِيرانُ عِنْدَ بُكائِهِ، ويَنِمُّوا عَلَيْهِ. ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ في البَحْرِ: وهو النِّيلُ. ﴿وَلا تَخافِي﴾ عَلَيْهِ ضَيْعَةً بِالغَرَقِ، ولا شِدَّةً. ﴿وَلا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ عَنْ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تَأْمَنِينَ عَلَيْهِ. ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، والحُزْنِ. وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، أيْ: إنّا فاعِلُونَ لِرَدِّهِ، وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ لا مَحالَةَ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوابِلِ المُوَكَّلاتِ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِحَبالى بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ مُصافِيَةً لِأُمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ لَها: لِيَنْفَعَنِي حُبُّكِ اليَوْمَ فَعالَجَتْها فَلَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها، ودَخَلَ حُبُّهُ في قَلْبِها. ثُمَّ قالَتْ: ما جِئْتُكِ إلّا لِأقْبَلَ مَوْلُودَكِ، وأُخْبِرَ فِرْعَوْنَ، ولَكِنِّي وجَدْتُ لِابْنِكِ في قَلْبِي مَحَبَّةً ما وجَدْتُ مِثْلَها لِأحَدٍ فاحْفَظِيهِ. فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ، فَألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَلْقَوْا شَيْئًا فَخَرَجُوا، وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى. وقَدْ رُوِيَ أنَّها أرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ في تابُوتٍ مِن بَرْدِيٍّ مَطْلِيٍّ بِالقارِ مِن داخِلِهِ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:

القصص 28:8

(p-4)﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ عَطْفِهِ عَلى جُمْلَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإلْقاءِ. قَدْ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ، وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ، أيْ: فَألْقَتْهُ في اليَمِّ بَعْدَما جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ حَسْبَما أمَرَتْ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، أيْ: أخَذُوهُ اعْتِناءً بِهِ، وصِيانَةً لَهُ عَنِ الضَّياعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها، وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ عَجَزَتِ الأطِبّاءُ عَنْ عِلاجِهِ. فَقالُوا: لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا، وساعَةَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا، حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطَّخُ بِهِ بَرَصُها فَتَبْرَأُ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ، ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن سِبْطِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ عَمَّتَهُ حَكاهُ السُّهَيْلِيُّ، وأقْبَلَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ في النِّيلِ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ، فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ. فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهُمْ، فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَرَأتْ نُورًا في جَوْفِ التّابُوتِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ، فَإذا هي بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ في مَهْدِهِ، وإذا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا. فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ في قُلُوبِ القَوْمِ، وعَمَدَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها، وقِيلَ: لِما نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ، فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ فَرَقًا مِنكَ، فاعْتِلْهُ. فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ، فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ لامُ العاقِبَةِ أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ لِالتِقاطِهِمْ تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (حُزْنًا) وهُما لُغَتانِ كالسَّقَمِ والسُّقْمِ جُعِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ إيذانًا بِقُوَّةِ سَبَبِيَّتِهِ لِحُزْنِهِمْ. ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ فَلا غَرْوَ في أنْ قَتَلُوا الأجِلَّةَ أُلُوفًا، ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبَرَ، ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. رُوِيَ أنَّهُ ذُبِحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ، أوْ كانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ ربي عَدُوَّهم عَلى أيْدِيهِمْ. فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمْ، أوْ لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ، وقُرِئَ: (خاطِّينَ) عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ خاطِئِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مُتَعَدِّينَ الصَّوابَ إلى الخَطَأِ.

القصص 28:9

﴿وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ أيْ: هو قُرَّةُ عَيْنٍ لَنا لِما أنَّهُما لَمّا رَأياهُ أحَبّاهُ، أوْ لِما ذُكِرَ مِن بُرْءِ ابْنَتِهِ مِنَ البَرَصِ بِرِيقِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ: لَكِ لا لِي. ولَوْ قالَ كَما هو لَكِ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى كَما هَداها. ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطَبَتْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِيُساعِدَها فِيما تُرِيدُهُ. ﴿عَسى (p-5)أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَإنَّ فِيهِ مَخايِلَ اليُمْنِ، ودَلائِلَ النَّجابَةِ، وذَلِكَ لِما رَأتْ فِيهِ مِنَ العَلاماتِ المَذْكُورَةِ. ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ: نَتَبَنّاهُ، فَإنَّهُ خَلِيقٌ بِذَلِكَ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، والتَّقْدِيرُ: فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، وقالَتِ امْرَأتُهُ: كَيْتَ وكَيْتَ وهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ فِيما صَنَعُوا مِنَ الِالتِقاطِ، ورَجاءِ النَّفْعِ مِنهُ، والتَّبَنِّي لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ ... الآيَةَ. اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ نَتَّخِذُهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، أيْ: وهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لِغَيْرِنا، وقَدْ تَبَنَّيْناهُ.

القصص 28:10

﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ صِفْرًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ، حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ: خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (فَرْغًا) مِن قَوْلِهِمْ دِماؤُهم بَيْنَهم فَرْغٌ أيْ: هَدَرٌ. وقِيلَ: فارِغًا مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ لِغايَةِ وُثُوقِها بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِسَماعِها أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ، وتَبَنّاهُ. وقُرِئَ: (مُؤْسى) بِالهَمْزِ إجْراءً لِلضَّمَّةِ في جارَّةِ الواوِ مَجْرى ضَمَّتِها، فَهُمِزَتْ كَما في وُجُوهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ: إنَّها كادَتْ لَتَظْهَرُ بِمُوسى، أيْ: بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، أوِ الفَرَحِ بِتَبَنِّيهِ. ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بِالصَّبْرِ والثَّباتِ ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ الواثِقِينَ بِحِفْظِهِ لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ، وهو عِلَّةُ الرَّبْطِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

القصص 28:11

﴿وَقالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأُخُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ أنْ يُقالَ: لِبِنْتِها؛ لِلتَّصْرِيحِ بِمَدارِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ: اتْبَعِي أثَرَهُ، وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ: أبْصَرَتْهُ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ النُّونِ، وعَنْ جانِبٍ، والكُلُّ بِمَعْنًى ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تَقُصُّهُ، وتَتَعَرَّفُ حالَهُ، أوْ أنَّها أُخْتُهُ.

القصص 28:12

﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أيْ: مَنَعْناهُ أنْ يَرْتَضِعَ مِنَ المُرْضِعاتِ، والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ، أوْ مُرْضِعٌ، وهو الرَّضاعُ، أوْ مَوْضِعُهُ أعْنِي الثَّدْيَ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ. ﴿فَقالَتْ﴾ عِنْدَ رُؤْيَتِها لِعَدَمِ قَبُولِهِ الثَّدْيَ، واعْتِناءِ فِرْعَوْنَ بِأمْرِهِ، وطَلَبِهِمْ مَن يَقْبَلُ ثَدْيَها. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِكم. ﴿وَهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في إرْضاعِهِ، وتَرْبِيَتِهِ. رُوِيَ أنَّ هامانَ لَمّا سَمِعَهُ مِنها قالَ: إنَّها لَتَعْرِفُهُ، وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ. فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ، وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فَأمَرَها فِرْعَوْنُ بِأنْ تَأْتِيَ بِمَن يَكْفُلُهُ، فَأتَتْ بِأُمِّهِ. ومُوسى عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يَبْكِي، وهو يُعَلِّلُهُ فَدَفَعَهُ إلَيْها فَلَمّا وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ، والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ: مَن أنْتِ مِنهُ، فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكِ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، (p-6)فَقَرَّرَهُ في يَدِها، وأجْرى عَلَيْها فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

القصص 28:13

﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِوُصُولِ ولَدِها إلَيْها. ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ بِفِراقِهِ ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما وعَدَهُ مِن رَدِّهِ، وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿حَقٌّ﴾ خلف فِيهِ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِهِ، وقِياسِ بَعْضِهِ عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَيَرْتابُونَ فِيهِ، أوْ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عِلْمُها بِذَلِكَ، وما سِواهُ تَبَعٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما فَرَطَ مِنها حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ.

القصص 28:14

﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ: المَبْلَغَ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نَشْؤُهُ، وذَلِكَ مِن ثَلاثِينَ إلى أرْبَعِينَ، فَإنَّ العَقْلَ يَكْمُلُ حِينَئِذٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ. ﴿واسْتَوى﴾ أيِ: اعْتَدَلَ قَدُّهُ، أوْ عَقْلُهُ. ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً. ﴿وَعِلْمًا﴾ بِالدِّينِ، أوْ عِلْمَ الحُكَماءِ والعُلَماءِ، وسَمْتَهم قَبْلَ اسْتِنْبائِهِ فَلا يَقُولُ، ولا يَفْعَلُ ما يُسْتَجْهَلُ فِيهِ، وهو أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى اسْتَنْبَأهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ في المُراجَعَةِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْنا بِمُوسى وأُمِّهِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ.

القصص 28:15

﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: مِصْرَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مَنفٌ، أوْ حابِينُ، أوْ عَيْنُ شَمْسٍ مِن نَواحِيها. ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ في وقْتٍ لا يُعْتادُ دُخُولُها، أوْ لا يَتَوَقَّعُونَهُ فِيهِ. قِيلَ: كانَ وقْتَ القَيْلُولَةِ، وقِيلَ: بَيْنَ العِشاءَيْنِ. ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. ﴿وَهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِن مُخالِفِيهِ دِينًا وهُمُ القِبْطُ. والإشارَةُ عَلى الحِكايَةِ. ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: سَألَهُ أنْ يُغِيثَهُ بِالإعانَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، وقُرِئَ: (اسْتَعانَهُ) ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أيْ: ضَرَبَ القِبْطِيَّ بِجُمَعِ كَفِّهِ، وقُرِئَ: (فَلَكَزَهُ) أيْ: فَضَرَبَ بِهِ صَدْرَهُ. ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ فَقَتَلَهُ، وأصْلُهُ أنْهى حَياتَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مَأْمُونًا فِيما بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اغْتِيالُهُمْ، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عِصْمَتِهِ لِكَوْنِهِ خَطَأً، وإنَّما عَدَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، وسَمّاهُ ظُلْمًا، واسْتَغْفَرَ مِنهُ جَرْيًا عَلى سُنَنِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِ ما فَرَطَ مِنهُمْ، ولَوْ كانَ مِن مُحَقِّراتِ الصَّغائِرِ. ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.

القصص 28:16

﴿قالَ﴾ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ كَلامَيْهِ ﷺ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُناجاةٌ، (p-7)وَدُعاءٌ بِخِلافِ الأوَّلِ. ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِقَتْلِهِ. ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ ذَنْبِي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُبالِغُ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ عِبادِهِ، ورَحْمَتِهِمْ.

القصص 28:17

﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ إمّا قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ، أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ لَأتُوبَنَّ. ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ بَعْدَ هَذا أبَدًا. ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ و "ما" اسْتِعْطافٌ، أيْ: بِحَقِّ إنْعامِكَ عَلَيَّ اعْصِمْنِي فَلَنْ أكُونَ مُعِينًا لِمَن تُؤَدِّي مُعاوَنَتُهُ إلى الحُرُمِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَسْتَثْنِ، فابْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى. وهَذا يُؤَيِّدُ الأوَّلَ. وقِيلَ: مَعْناهُ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ القُوَّةِ أُعِينُ أوْلِياءَكَ فَلَنْ أسْتَعْمِلَها في مُظاهَرَةِ أعْدائِكَ.

القصص 28:18

﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ يَتَرَصَّدُ الِاسْتِقادَةَ، أوِ الأجْنادَ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مِنَ الصُّراخِ. ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ تَسَبَّبْتَ لِقَتْلِ رَجُلٍ، وتُقاتِلُ آخَرَ.

القصص 28:19

﴿فَلَمّا أنْ أرادَ﴾ مُوسى ﴿أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، ولِأنَّ القِبْطَ كانُوا أعْداءً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى الإطْلاقِ. وقُرِئَ: (يَبْطُشُ) بِضَمِّ الطّاءِ. ﴿قالَ﴾ أيِ: الإسْرائِيلِيُّ ظانًّا أنَّهُ ﷺ يَبْطِشُ بِهِ حَسْبَما يُوهِمُهُ تَسْمِيَتُهُ إيّاهُ غُوبا. ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ قالُوا: لَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ قَوْلَ الإسْرائِيلِيِّ عَلِمَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ ذَلِكَ الفِرْعَوْنِيَّ، فانْطَلَقَ إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وأمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قالَهُ القِبْطِيُّ. ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ أيْ: ما تُرِيدُ. ﴿إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وهو الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ، ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ، وقِيلَ: المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.

القصص 28:20

﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: كائِنٌ مِن آخِرِها، أوْ جاءَ مِن آخِرِها. ﴿يَسْعى﴾ أيْ: يُسْرِعُ صِفَةٌ لِـ رَجُلٌ. أوْ حالٌ مِنهُ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِفَةٌ لَهُ، لا مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ، فَإنَّ تَخَصُّصَهُ يُلْحِقُهُ بِالمَعارِفِ. قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، واسْمُهُ حِزْقِيلُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، وقِيلَ: شَمْعانُ. ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ. فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَشاوِرِينَ بِأمْرِ الآخَرِينَ، ويَأْتَمِرُ. ﴿فاخْرُجْ﴾ أيْ: مِنَ المَدِينَةِ. ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ اللّامُ لِلْبَيانِ (p-8)لِما أنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُها.

القصص 28:21

﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ المَدِينَةِ. ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ خَلِّصْنِي مِنهُمْ، واحْفَظْنِي مِن لُحُوقِهِمْ.

القصص 28:22

﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ. وهي قَرْيَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، ولَمْ تَكُنْ تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وكانَ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ. فَعَنَّ لَهُ ثَلاثُ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى، وجاءَ الطُّلّابُ فَشَرَعُوا في الأُخْرَيَيْنِ، وقِيلَ: خَرَجَ حافِيًا لا يَعِيشُ إلّا بِوَرَقِ الشَّجَرِ، فَما وصَلَ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، وقِيلَ: جاءَ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ، وبِيَدِهِ عَنْزَةٌ فانْطَلَقَ بِهِ إلى مَدْيَنَ.

القصص 28:23

﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ. وهو بِئْرٌ كانُوا يَسْقُونَ مِنهُ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَوْقَ شَفِيرِها ﴿أُمَّةً﴾ جَماعَةً كَثِيفَةً ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: مَواشِيَهم. ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهم. ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَمْنَعانِ ما مَعَهُما مِنَ الأغْنامِ عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ، كَيْلا تَخْتَلِطَ بِأغْنامِهِمْ مَعَ عَدَمِ الفائِدَةِ في التَّقَدُّمِ. ﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما حِينَ رَآهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ما شَأْنُكُما فِيما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ؟ ولِمَ لا تُباشِرانِ السَّقْيَ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ . أيْ: عادَتُنا أنْ لا نَسَقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم بَعْدَ رِيِّها عَنِ الماءِ؛ عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا عَنْ مُخالَطَةِ الرِّجالِ لا أنّا لا نَسَقِي اليَوْمَ إلى تِلْكَ الغايَةِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ السَّقْيِ والذَّوْدِ والإصْدارِ لِما أنَّ الغَرَضَ هو بَيانُ تِلْكَ الأفْعالِ أنْفُسِها، إذْ هي الَّتِي دَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما صَنَعَ في حَقِّهِما مِنَ المَعْرُوفِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما رَحِمَهُما لِكَوْنِهِما عَلى الذِّيادِ لِلْعَجْزِ والعِفَّةِ، وكَوْنِهِمْ عَلى السَّقْيِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما، وما رَحِمَهُما لَكِنْ مُذْوِدِهِما غَنَمًا، ومُسْقِيهِمْ إبِلًا مَثَلًا. وقُرِئَ: (لا نُسْقِي) مِنَ الإسْقاءِ، و (يَصْدُرُ) مِنَ الصُّدُورِ، و (الرُّعاءُ) بِضَمِّ الرّاءِ: وهو اسْمُ جَمْعٍ كالرُّخاءِ، وأمّا الرِّعاءُ فَجَمْعٌ قِياسِيٌّ كَصِيامٍ وقِيامٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ إبْراءٌ مِنهم لِلْعُذْرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَوَلِّيهِما لِلسَّقْيِ بِأنْفُسِهِما، كَأنَّهُما قالَتا: إنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ لا نَقْدِرُ عَلى مُساجَلَةِ الرِّجالِ، ومُزاحَمَتِهِمْ، وما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرُ السِّنِّ قَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فَلا بُدَّ لَنا مِن تَأْخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَقْضِيَ النّاسُ أوْطارَهم مِنَ الماءِ.

القصص 28:24

﴿فَسَقى لَهُما﴾ رَحْمَةً عَلَيْهِما، والكَلامُ في حَذْفِ مَفْعُولِهِ كَما مَرَّ آنِفًا. رُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا سَبْعَةُ رِجالٍ، وقِيلَ: عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ. فَأفَلَهُ وحْدَهُ مَعَ ما كانَ بِهِ مِنَ الوَصَبِ والجِراحَةِ والجُوعِ، ولَعَلَّهُ (p-9)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زاحَمَهم في السَّقْيِ لَهُما، فَوَضَعُوا الحَجَرَ عَلى البِئْرِ لِتَعْجِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ. فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَبَّ ما شاهَدَ حالَهُما سارَعَ إلى السَّقْيِ لَهُما. وقَدْ رُوِيَ: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ الماءِ إلى أنْ سَقى لَهُما، وقِيلَ: كانَتْ هُناكَ بِئْرٌ أُخْرى عَلَيْها الصَّخْرَةُ المَذْكُورَةُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَهم دَلْوًا مِن ماءٍ فَأعْطَوْهُ دَلْوَهُمْ، وقالُوا: اسْتَقِ بِها، وكانَ لا يَنْزِعُها إلّا أرْبَعُونَ فاسْتَقى بِها، وصَبَّها في الحَوْضِ، ودَعا بِالبَرَكَةِ. ورَوى غَنَمَهُما، وأصْدَرَهُما. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ الَّذِي كانَ هُناكَ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلْتَهُ إلَيَّ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ جَلَّ، أوْ قَلَّ، وحَمَلَهُ الأكْثَرُونَ عَلى الطَّعامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ. ولِتَضَمُّنِهِ مَعْنى السُّؤالِ والطَّلَبِ جِيءَ بِلامِ الدِّعامَةِ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وقِيلَ المَعْنى لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ عَظِيمٍ هو خَيْرُ الدّارَيْنِ صِرْتُ فَقِيرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ كانَ في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إظْهارًا لِلْبَجْحِ، والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ.

القصص 28:25

﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ قِيلَ: هي كُبْراهُما، واسْمُها صَفُوراءُ أوْ صَفْراءُ، وقِيلَ: صُغْراهُما. واسْمُها صُفَيْراءُ، أيْ: جاءَتْهُ عَقِيبَ ما رَجَعَتا إلى أبِيها. رُوِيَ أنَّهُما لَمّا رَجَعَتا إلى أبِيهِما قَبْلَ النّاسِ، وأغْنامُهُما حُفْلٌ بِطانٌ، قالَ لَهُما: ما أعْجَلَكُما؟ قالَتا: وجَدْنا رَجُلًا صالِحًا رَحِمَنا، فَسَقى لَنا. فَقالَ لِإحْداهُما: اذْهَبِي فادْعِيهِ لِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَمْشِي﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جاءَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَمْشِي، أيْ: جاءَتْهُ تَمْشِي كائِنَةً عَلى اسْتِحْياءٍ، فَمَعْناهُ أنَّها كانَتْ عَلى اسْتِحْياءِ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ مَعًا، لا عِنْدَ المَجِيءِ فَقَطْ. وتَنْكِيرُ اسْتِحْياءٍ لِلتَّفْخِيمِ، قِيلَ: جاءَتْهُ مُتَخَفِّرَةً، أيْ: شَدِيدَةَ الحَياءِ، وقِيلَ: قَدِ اسْتَتَرَتْ بِكُمِّ دِرْعِها. ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيئِها إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ . أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا أسْنَدَتِ الدَّعْوَةَ إلى أبِيها، وعَلَّلَتْها بِالجَزاءِ لِئَلّا يُوهِمَ كَلامُها رِيبَةً. وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ العَقْلِ والحَياءِ والعِفَّةِ ما لا يَخَفْى. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجابَها فانْطَلَقا، وهي أمامَهُ فَألْزَقَتِ الرِّيحُ ثَوْبَها بِجَسَدِها فَوَصَفَتْهُ، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِي الطَّرِيقَ، فَفَعَلَتْ حَتّى أتَيا دارَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ: ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ المَقْصُوصِ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالعِلَلِ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ المُسْتَدْعِيَةَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ لِيَتَبَرَّكَ بِرُؤْيَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَسْتَظْهِرَ بِرَأْيِهِ لا لِيَأْخُذَ بِمَعْرُوفِهِ أجْرًا حَسْبَما صَرَّحَتْ بِهِ ألا تَرى إلى ما رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ طَعامًا، قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِقِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا، ولا نَأْخُذُ عَلى المَعْرُوفِ ثَمَنًا، ولَمْ يَتَناوَلْ. حَتّى قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامَ: هَذِهِ عادَتُنا مَعَ كُلِّ مَن يَنْزِلُ بِنا، فَتَناوَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقَبُّلِ لِمَعْرُوفٍ مُبْتَدَأٍ. كَيْفَ لا وقَدْ قَصَّ عَلَيْهِ قَصَصَهُ، وعَرَّفَهُ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، (p-10)مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامِ؟ ومِثْلُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُضَيَّفَ، ويُكْرَمَ. لا سِيَّما في دارِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقْبَلَ الأجْرَ لِاضْطِرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِدُعائِهِ لِيُسْمِعَها، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ﴿ "لِيَجْزِيَكَ"...﴾ إلَخْ. ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَهُ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى اسْتِدْعائِهِ، لا إلى اسْتِيفاءِ الأجْرِ.

القصص 28:26

﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ وهي الَّتِي اسْتَدْعَتْهُ إلى أبِيها، وهي الَّتِي زَوَّجَها مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ: لِرَعْيِ الغَنَمِ، والقِيامِ بِأمْرِها. ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ جارٍ مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِالِاسْتِئْجارِ، ولِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ جَعَلَ "خَيْرَ" اسْمًا لِـ "إنَّ"، وذَكَرَ الفِعْلَ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمِينٌ مُجَرَّبٌ. رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: وما أعْلَمَكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ؟ فَذَكَرَتْ ما شاهَدَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إقْلالِ الحَجَرِ، ونَزْعِ الدَّلْوِ، وأنَّهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ حَتّى بَلَّغَتْهُ رِسالَتَهُ، وأمَرَها بِالمَشْيِ خَلْفَهُ.

القصص 28:27

﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ أيْ: تَكُونَ أجِيرًا لِي، أوْ تُثِيبَنِي مِن أجَّرْتُ كَذا إذا أثَبْتَهُ إيّاهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ عَلى الأوَّلِ: ظَرْفٌ، وعَلى الثّانِي: مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: رِعْيَةَ ثَمانِي حِجَجٍ. ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ يُقالُ: أجَّرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ، وآجَرْتُ مَمْدُودًا، والأوَّلُ أكْثَرُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا، والمَعْنى عَلى أنْ تَأْجُرَنِي نَفْسَكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ثَمانِيَ حِجَجٍ، ظَرْفٌ كالوَجْهِ الأوَّلِ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ. ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: فَهو مِن عِنْدِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا مِن عِنْدِي بِطَرِيقِ الإلْزامِ عَلَيْكَ، وهَذا مِن شُعَيْبٍ عَرْضٌ لِرَأْيِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، واسْتِدْعاءٌ مِنهُ لِلْعَقْدِ لا إنْشاءٌ، وتَحْقِيقٌ لَهُ بِالفِعْلِ. ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِالزّامِ إتْمامِ العَشْرِ، أوِ المُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، واسْتِيفاءِ الأعْمالِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةِ مِنَ الشِّقِّ، فَإنَّ ما يَصْعُبُ عَلَيْكَ يَشُقُّ عَلَيْكَ اعْتِقادُكَ في إطاقَتِهِ، ويُوَزَّعُ رَأْيُكَ في مُزاوَلَتِهِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ، ولِينِ الجانِبِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ. ومُرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ التَّبَرُّكُ بِهِ، وتَفْوِيضُ أمْرِهِ إلى تَوْفِيقِهِ تَعالى، لا تَعْلِيقُ صَلاحِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.

القصص 28:28

﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَهُ، وعاهَدْتَنِي فِيهِ، وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ، قائِمٌ وثابِتٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ عَنْهُ واحِدٌ مِنّا، لا أنا عَمّا شَرَطْتُ عَلَيَّ، ولا أنْتَ عَمّا شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيْ: أكْثَرَهُما أوْ أقْصَرَهُما. ﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ: وفَّيْتُكَهُ بِأداءِ الخِدْمَةِ فِيهِ. ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُرادِ، وتَقْرِيرٌ لِأمْرِ الخِيَرَةِ، أيْ: لا عُدْوانَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ، وتَعْمِيمُ انْتِفاءِ العُدْوانِ لِكِلا الأجَلَيْنِ بِصَدَدِ المُشارَطَةِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ العُدْوانِ في أكْثَرِهِما رَأْسًا لِلْقَصْدِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الِانْتِفاءِ، (p-11)أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أوْ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا إثْمَ عَلَيَّ، يَعْنِي كَما لا إثْمَ عَلَيَّ في قَضاءِ الأكْثَرِ، لا إثْمَ عَلَيَّ في قَضاءِ الأقْصَرِ فَقَطْ، وقُرِئَ: (أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ) فَـ "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القَضاءِ كَما أنَّها في القِراءَةِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ إبْهامٍ، أيْ: وشِياعُها. وقُرِئَ: (أيْما) بِسُكُونِ الياءِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِنَ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا ﴿وَكِيلٌ﴾ شاهِدٌ وحافِظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنّا إلى الخُرُوجِ عَنْهُ أصْلًا، ولَيْسَ ما حُكِيَ عَنْهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمامَ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ في إنْشاءِ عَقْدِ النِّكاحِ، وعَقْدِ الإجارَةِ، وإيقاعِهِما، بَلْ هو بَيانٌ لِما عَزَّ ما عَلَيْهِ، واتَّفَقا عَلى إيقاعِهِ، حَسْبَما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَساقُ القِصَّةِ إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ مَواجِبِ العَقْدَيْنِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ تَفْصِيلًا. رُوِيَ أنَّهُما لَمّا أتَمّا العَقْدَ قالَ شُعَيْبٌ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ، فَخُذْ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ -وَكانَتْ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأخَذَ عَصًا هَبَطَ بِها آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَمْ يَزَلِ الأنْبِياءُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَسَّها، وكانَ مَكْفُوفًا فَضَنَّ بِها، فَقالَ: خُذْ غَيْرَها فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا، وقِيلَ: أخَذَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ مَعَهُ حَتّى لَقِيَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلًا، وقِيلَ: أوْدَعَها شُعَيْبًا مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَأمَرَ بِنْتَهُ أنْ تَأْتِيَهُ بِعَصًا، فَأتَتْهُ بِها فَرَدَّها سَبْعَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَقَعْ في يَدِها غَيْرُها فَدَفَعَها إلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمَ؛ لِأنَّها ودِيعَةٌ فَتَبِعَهُ. فاخْتَصَما فِيها، ورَضِيا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَها أوَّلُ طالِعٍ فَأتاهُما المَلَكُ فَقالَ: ألْقَيِاها فَمَن رَفَعَها فَهي لَهُ فَعالَجَها الشَّيْخُ فَلَمْ يُطِقْها، ورَفَعَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما كانَتْ إلّا عَصًا مِنَ الشَّجَرِ اعْتَرَضَها اعْتِراضًا. وعَنِ الكَلْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي مِنها نُودِيَ شَجَرَةُ العَوْسَجِ، ومِنها كانَتْ عَصاهُ، ولَمّا أصْبَحَ قالَ لَهُ شُعِيبٌ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما: إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ، وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنَّ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ، فَأخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى كَفِّها، ومَشى عَلى أثَرِها، فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَنامَ. فَإذا بِالتِّنِّينِ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ، وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً، والتِّنِّينَ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ، ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مَسَّ الغَنَمَ فَوَجَدَها مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ، فَأخْبَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشَّأْنِ فَفَرَحَ، وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا. وقالَ لَهُ: إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامَ كُلَّ أدْرَعَ، ودَعاهُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ، ثُمَّ سَقى فَما أخْطَأتْ واحِدَةٌ إلّا وضَعَتْ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَوَفّى لَهُ بِشَرْطِهِ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:

القصص 28:29

﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَعَقَدا العَقْدَيْنِ، وباشَرَ مُوسى ما التَزَمَهُ فَلَمّا أتَمَّ الأجَلَ. ﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ نَحْوَ مِصْرَ بِإذْنٍ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضى أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ومَكَثَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلى العَوْدِ إلى مِصْرَ، فاسْتَأْذَنَهُ في (p-12)ذَلِكَ فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ. ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ. ﴿نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ. وقَدْ كانُوا ضَلُّوهُ ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ أيْ: عُودٍ غَلِيظٍ سَواءٌ كانَتْ في رَأْسِهِ نارًا، ولا قالَ قائِلُهُمْ: ؎ باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجُذى غَيْرَ حِوارٍ ولا دَعِرِ وَقالَ: ؎ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جَذْوَةً ∗∗∗ شَدِيدًا عَلَيْها حَرُّها والتِهابُها وَلِذَلِكَ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ وقُرِئَ: بِكَسْرِ الجِيمِ وبِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ.

القصص 28:30

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ الَّتِي آنَسَها. ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ أيْ: أتاهُ النِّداءُ مِنَ الشّاطِئِ الأيْمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَّصِلٌ بِالشّاطِئِ، أوْ صِلَةٌ لِنُودِيَ. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (شاطِئِ)؛ لِأنَّها كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ. ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وهَذا وإنْ خالَفَ لَفْظًا لِما في طَهَ، والنَّمْلِ، لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ في المَعْنى المُرادِ.

القصص 28:31

﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ" "يا مُوسى " وكِلاهُما مُفَسِّرٌ لِنُودِيَ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإشْعارًا بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ مَدْلُولاتِها، أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا، فاهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ، ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ أيْ: في سُرْعَةِ الحَرَكَةِ مَعَ غايَةِ عِظَمِ جُثَّتِها. ﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ. ﴿يا مُوسى﴾ أيْ: قِيلَ: يا مُوسى، ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِنَ المَخاوِفِ، فَإنَّهُ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ.

القصص 28:32

﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: أدْخِلْها فِيهِ. ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ. ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةُ كالخائِفِ الفَزِعِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ العَضُدِ الأيْسَرِ، واليُسْرى تَحْتَ الأيْمَنِ، أوْ بِإدْخالِهِما في الجَيْبِ فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِغَرَضٍ آخَرَ هو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وجْهِ العَدُوِّ إظْهارَ جَراءَةٍ، ومَبْدَأً لِظُهُورِ مُعْجِزَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، اسْتِعارَةٌ مِن حالِ الطّائِرِ فَإنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ، وإذا أمِنَ واطْمَأنَّ ضَمَّهُما إلَيْهِ، ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ الرَّهَبِ. أيْ: إذا عَراكَ الخَوْفُ فافْعَلْ ذَلِكَ تَجَلُّدًا، وضَبْطًا لِنَفْسِكَ. وقُرِئَ: بِضَمِّ الرّاءِ، وسُكُونِ الهاءِ وبِضَمِّهِما، والكُلُّ لُغاتٌ. ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ فالمُخَفَّفُ مُثَنّى ذاكَ، والمُشَدَّدُ مُثَنّى ذَلِكَ. ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وبُرْهانٌ فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ: أبْرَهَ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ. مِن قَوْلِهِمْ: بَرَهَ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ. ويُقالُ: (p-13)لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ بَرْهاءُ وبَرَهْرَهَةٌ، ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ الحُجَّةِ سُلْطانًا مِنَ السَّلِيطِ، وهو الزَّيْتُ لِإنارَتِها، وقِيلَ: هو فُعْلالٌ لِقَوْلِهِمْ: بَرْهَنَ. و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبُرْهانانِ، أيْ: كائِنانِ مِنهُ تَعالى ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ واصِلانِ، ومُنْتَهِيانِ إلَيْهِمْ. ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنْ حُدُودِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ، فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ نُرْسِلَكَ إلَيْهِمْ بِهاتَيْنِ المُعْجِزَتَيْنِ الباهِرَتَيْنِ.

القصص 28:33

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِها.

القصص 28:34

﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ: مُعِينًا. وهو في الأصْلِ اسْمُ ما يُعانُ بِهِ كالدِّفْءِ، وقُرِئَ: (رَدَأً) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بِتَخْلِيصِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ بِتَوْضِيحِها، وتَزْيِيفِ الشُّبْهَةِ. ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ تَصْدِيقُ القَوْمِ لِتَقْرِيرِهِ، وتَوْضِيحِهِ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ. وقُرِئَ: (يَصْدُقْنِي) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.

القصص 28:35

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ فَإنَّ قُوَّةَ الشَّخْصِ بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ، ولِذَلِكَ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِاليَدِ، وشِدَّتِها بِشِدَّةِ العَضُدِ. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا وغَلَبَةً، وقِيلَ: حُجَّةً، ولَيْسَ بِذاكَ. ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ بِاسْتِيلاءٍ أوْ مُحاجَّةٍ. ﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدْ صُرِّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ، أيِ: اذْهَبا بِآياتِنا، أوْ بِـ نَجْعَلُ، أيْ: نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا، أوْ بِمَعْنى لا يَصِلُونَ، أيْ: تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها، وقِيلَ: هو قَسَمٌ وجَوابُهُ لا يَصِلُونَ، وقِيلَ: هو بَيانٌ لَلْغالِبُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ صِلَةٌ لِما يُبَيِّنُهُ، أوْ صِلَةٌ لَهُ عَلى أنَّ "اللّامَ" لِلتَّعْرِيفِ، لا بِمَعْنى الَّذِي.

القصص 28:36

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ تَعالى، والمُرادُ بِها العَصا واليَدُ إذْ هُما اللَّتانِ أظْهَرَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ في سُورَةِ طَهَ. ﴿قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: سِحْرٌ مُخْتَلَقٌ لَمْ يُفْعَلْ قَبْلَ هَذا مِثْلُهُ، أوْ سِحْرٌ تَعْمَلُهُ، ثُمَّ تَفْتَرِيهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ سِحْرٌ مَوْصُوفٌ بِالِافْتِراءِ كَسائِرِ أصْنافِ السحر. ﴿وَما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيِ: السحر، أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ. ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ: واقِعًا في أيّامِهِمْ.

القصص 28:37

﴿وَقالَ (p-14)مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: قالَ بِغَيْرِ واوٍ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ مَقالِهِمْ. ووَجْهُ العَطْفِ أنَّ المُرادَ حِكايَةُ القَوْلَيْنِ لِيُوازِنَ السّامِعُ بَيْنَهُما، فَيُمَيِّزُ صَحِيحَهُما مِنَ الفاسِدِ. ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ في الدّارِ. وهي الدُّنْيا، وعاقِبَتُها الأصْلِيَّةُ هي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مَجازًا إلى الآخِرَةِ، ومَزْرَعَةٌ لَها. والمَقْصُودُ: بِالذّاتِ مِنها الثَّوابُ، وأمّا العِقابُ فَمِن نَتائِجِ أعْمالِ العُصاةِ، وسَيِّئاتِ الغُواةِ. وقُرِئَ: (يَكُونُ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ، ولا يَنْجُونَ عَنْ مَحْذُورٍ.

القصص 28:38

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قالَهُ اللَّعِينُ بَعْدَ ما جَمَعَ السحرةَ، وتَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِمْ ما كانَ. ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أيِ: اصْنَعْ آجُرًّا. ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا رَفِيعًا. ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَكانَ جِسْمًا في السَّماءِ يُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، أوْ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا يَتَرَصَّدُ مِنهُ أوْضاعَ الكَواكِبِ، فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى بَعْثَةِ رَسُولٍ، وتَبَدُّلِ دَوْلَتِهِ؟ وقِيلَ: المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ بِما لَيْسَ فِيهِنَّ، وهَذا مِن خَواصِّ العُلُومِ الفِعْلِيَّةِ، فَإنَّها لازِمَةٌ لِتَحَقُّقِ مَعْلُوماتِها فَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفائِها انْتِفاءُ مَعْلُوماتِها، ولا كَذَلِكَ العُلُومُ الِانْفِعالِيَّةُ قِيلَ: أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الآجُرَّ فِرْعَوْنُ. ولِذَلِكَ أمَرَ بِاتِّخاذِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ الصَّنْعَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَعْظِيمٍ، ولِذَلِكَ نادى هامانَ بِاسْمِهِ بِيا في وسَطِ الكَلامِ.

القصص 28:39

﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا، والأوَّلُ مِن رَجَعَ رَجْعًا، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.

القصص 28:40

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ﴾ عَقِيبَ ما بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعُتُوِّ أقْصى الغاياتِ. ﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ الأخْذِ، وتَهْوِيلِهِ، واسْتِحْقارِ المَأْخُوذِينَ المَنبُوذِينَ ما لا يَخْفى. كَأنَّهُ تَعالى أخْذَهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ في كَفٍّ، وطَرَحَهم في البَحْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ وبَيَّنَها لِلنّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِها.

القصص 28:41

﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرْناهم في عَهْدِهِمْ. ﴿أئِمَّةً يَدْعُونَ﴾ النّاسَ ﴿إلى النّارِ﴾ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أيْ: قُدْوَةً يَقْتَدِي بِهِمْ أهْلُ الضَّلالِ لَمّا صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى تَحْصِيلِ تِلْكَ الحالَةِ، وقِيلَ: (p-15)سَمَّيْناهم أئِمَّةً دُعاةً إلى النّارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ فالأنْسَبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بَعْدَهم فِيما بَيْنَ الأُمَمِ، وتَكُونَ الدَّعْوَةُ إلى نَفْسِ النّارِ. وقِيلَ: مَعْنى "الجَعْلِ" مَنعُ الألْطافِ الصّارِفَةِ عَنْ ذَلِكَ. ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

القصص 28:42

﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ طَرْدًا، وإبْعادًا مِنَ الرَّحْمَةِ. و "لَعْنًا" مِنَ اللّاعِنِينَ حَيْثُ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُؤْمِنُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ مِنَ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ، وقِيلَ: مِنَ المَوْسُومِينَ بِعَلامَةٍ مُنْكَرَةٍ كَزُرْقَةِ العُيُونِ، وسَوادِ الوَجْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. يُقالُ: قَبَّحَهُ اللَّهُ، وقَبَحَهُ إذا جَعَلَهُ قَبِيحًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ المَقْبُوحِينَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ويَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالمَقْبُوحِينَ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي، أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وقُبِّحُوا يَوْمَ القِيامَةِ نَحْوَ لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ.

القصص 28:43

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ. ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ هم أقْوامُ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ كَوْنِ إيتائِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمِساسِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى إنْزالِ القرآن الكَرِيمِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ إهْلاكَ القُرُونِ الأُولى مِن مُوجِباتِ انْدِراسِ مَعالِمِ الشَّرائِعِ، وانْطِماسِ آثارِها وأحْكامِها المُؤَدِّيَيْنِ إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ، وفَسادِ أحْوالِ الأُمَمِ المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّشْرِيعِ الجَدِيدِ، بِتَقْرِيرِ الأُصُولِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ، وتَرْتِيبِ الفُرُوعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ العُصُورِ، وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ عَلى حِينِ حاجَةٍ إلى إيتائِها. ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: أنْوارًا لِقُلُوبِهِمْ، تُبْصِرُ بِها الحَقائِقَ، وتُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، حَيْثُ كانَتْ عُمْيًا عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ البَصِيرَةَ نُورُ القَلْبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَبْصِرُ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ. ﴿وَهُدًى﴾ أيْ: هِدايَةً إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي هي سُبُلُ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَرَحْمَةً﴾ حَيْثُ يَنالُ مَن عَمِلَ بِهِ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى. وانْتِصابُ الكُلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ عَلى أنَّهُ نَفْسُ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: ذا بَصائِرَ ... إلَخْ. وقِيلَ: عَلى العِلَّةِ، أيْ: آتَيْناهُ الكِتابَ لِلْبَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِيَكُونُوا عَلى حالٍ يُرْجى مِنهُ التَّذَكُّرُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

القصص 28:44

﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ إنْزالَ القرآن الكَرِيمِ أيْضًا واقِعٌ في زَمانِ شِدَّةِ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ البَتَّةَ، وقَدْ صَدَرَ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بِبَيانِ أنَّ الوُقُوفَ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ لا يَتَسَنّى (p-16)إلّا بِالمُشاهَدَةِ، أوِ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ شاهَدَها، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما تَبَيَّنَ أنَّهُ بِوَحْيٍ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لا مَحالَةَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ... الآيَةَ. أيْ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ، أوِ المَكانِ الغَرْبِيِّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المِيقاتُ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ. ﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: عَهِدْنا إلَيْهِ، وأحْكَمْنا أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ، وإيتاءِ التَّوْراةِ. ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ الشّاهِدِينَ لِلْوَحْيِ، وهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِلْمِيقاتِ حَتّى تُشاهِدَ ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ، وكَتَبَةِ التَّوْراةِ لَهُ في الألْواحِ فَتُخْبِرُهُ لِلنّاسِ.

القصص 28:45

﴿وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ أيْ: ولَكِنّا خَلَقْنا بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى قُرُونًا كَثِيرَةً. ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ وتَمادى الأمَدُ، فَتَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ والأحْكامُ، وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ لا سِيَّما عَلى آخِرِهِمْ فاقْتَضى الحالُ التَّشْرِيعَ الجَدِيدَ، فَأوْحَيْنا إلَيْكَ، فَحَذَفَ المُسْتَدْرَكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ نَفْيٌ لِاحْتِمالِ كَوْنِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقِصَّةِ بِالسَّماعِ مِمَّنْ شاهَدَها، أيْ: وما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ مِن شُعَيْبٍ، والمُؤْمِنِينَ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَقْرَأُ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ بِطَرِيقِ التَّعَلُّمِ مِنهم. ﴿آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالقِصَّةِ إمّا حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ثاوِيًا، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِكُنْتَ. ﴿وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إيّاكَ، ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ ونَظائِرَها.

القصص 28:46

﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ أيْ: وقْتَ نِدائِنا مُوسى ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ واسْتِنْبائِنا إيّاهُ، وإرْسالِنا لَهُ إلى فِرْعَوْنَ. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقرآن النّاطِقِ بِما ذُكِرَ وبِغَيْرِهِ لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ، وقِيلَ: عَلَّمْناكَ، وقِيلَ: عَرَّفْناكَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَعْرِفُهُ. والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الرَّبِّ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ، وتَشْرِيفِهِ ﷺ بِالإضافَةِ وقَدِ اكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِ المُسْتَدْرَكِ هَهُنا بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى، كَما اكْتَفى عَنْهُ في الأوَّلِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَةِ النّاسِ، وصَرَّحَ بِهِ فِيما بَيْنَهُما تَنْصِيصًا عَلى ما هو المَقْصُودُ، وإشْعارًا بِأنَّهُ المُرادُ فِيهِما أيْضًا، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِالرَّحْمَةِ فَهو ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِهِ ﷺ بِالقرآن حَتْمًا لِما أنَّهُ المُعَلَّلُ بِالإنْذارِ لا تَعْلِيمُ ما ذُكِرَ، وقُرِئَ: (رَحْمَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمًا، أيْ: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ لِوُقُوعِهِمْ في فَتْرَةٍ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى، وهي خَمْسُمِائِةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، أوْ بَيْنَكَ وبَيْنَ إسْماعِيلَ بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِبَنِي إسْرائِيلَ. ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ، وتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَ (p-17)قَضاءِ الأمْرِ، والثَّواءِ في أهْلِ مَدْيَنَ. والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى أنَّ حِكايَتَهُ ﷺ لِلْقِصَّةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، ولَوْ ذُكِرَ أوَّلًا نَفْيُ ثَوائِهِ ﷺ مِن أهْلِ مَدْيَنَ، ثُمَّ نُفِيَ حُضُورُهُ ﷺ عِنْدَ النِّداءِ، ثُمَّ نُفِيَ حُضُورُهُ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ كَما هو المُوافِقُ لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ دَلِيلٌ واحِدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

القصص 28:47

﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿فَيَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تُصِيبَهم داخِلٌ في حَيِّزِ "لَوْلا" الِامْتِناعِيَّةِ عَلى أنَّ مَدارَ انْتِفاءِ ما يُجابُ بِهِ هو امْتِناعُهُ لا امْتِناعُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَهُ في حَيِّزِها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ السَّبَبُ المُلْجِئُ لَهم إلى قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾ أيْ: هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِكَ بِالآياتِ. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الظّاهِرَةَ عَلى يَدِهِ، وهو جَوابُ لَوْلا الثّانِيَةِ. ﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها. وجَوابُ لَوْلا الأُولى مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: لَوْلا قَوْلُهم هَذا عِنْدَ إصابَةِ عُقُوبَةِ جِناياتِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها، ما أرْسَلْناكَ لَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ مُحَقَّقًا لا مَحِيدَ عَنْهُ أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.

القصص 28:48

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ. ﴿الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ وهو القرآن المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ. ﴿قالُوا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ . يَعْنُونَهُ ﷺ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً. وأمّا اليَدُ والعَصا فَلا تَعَلُّقَ لَهُما بِالمَقامِ كَسائِرِ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ، أيْ: ألَمْ يَكْفُرُوا مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ كَما كَفَرُوا بِهَذا الحَقِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ كُفْرِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِحْرانِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُما يَعْنُونَ ما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ، وما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ سِحْرانِ. ﴿تَظاهَرا﴾ أيْ: تَعاوَنا بِتَصْدِيقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، وذَلِكَ أنَّهم بَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ في عِيدٍ لَهم فَسَألُوهم عَنْ شَأْنِهِ ﷺ، فَقالُوا: إنّا نَجِدُهُ في التَّوْراةِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ. فَلَمّا رَجَعَ الرَّهْطُ، وأخْبَرُوهم بِما قالَتِ اليَهُودُ. قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿كافِرُونَ﴾ . تَصْرِيحٌ بِكُفْرِهِمْ بِهِما، وتَأْكِيدٌ لِكُفْرِهِمُ المَفْهُومِ مِن تَسْمِيَتِهِما سِحْرًا، وذَلِكَ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ، وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقُرِئَ: (ساحِرانِ تُظاهِرانِ) يَعْنُونَ مُوسى ومُحَمَّدًا ﷺ. هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الجَلِيلِ فَتَأمَّلْ، ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ. وقِيلَ: ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى:

القصص 28:49

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ مِمّا أُوتَياهُ (p-18)مِنَ التَّوْراةِ والقرآن وسَمَّيْتُمُوهُما سِحْرَيْنِ، فَإنَّهُ نَصٌّ فِيما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَّبِعْهُ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ، أيْ: إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ، ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ مِمّا يَأْتِي بِهِ مَن يَدُلُّ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ، وسُنُوحِ مَحَجَّتِهِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ، فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلَقانِ، وفي إيرادِ كَلِمَةِ إنْ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ.

القصص 28:50

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كَلَّفْتَهم مِنَ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ إيذانًا بِأنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ كَأنَّ أمْرَهُ ﷺ لَهم بِالإتْيانِ بِما ذُكِرَ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والِاسْتِجابَةُ تَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ، وإلى الدّاعِي بِاللّامِ، فَيُحْذَفُ الدُّعاءُ عِنْدَ ذَلِكَ غالِبًا، ولا يَكادُ يُقالُ: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دُعاءَهُ. ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِفَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُتَمَسَّكٌ ما أصْلًا إذْ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ لَأتَوْا بِهِ. ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أضَلَّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ. ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ لِنَفْيِ الأصْلِ لا لِنَفْيِ المَساوِئِ كَما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا، وتَقْيِيدُ اتِّباعِ الهَوى بِعَدَمِ الهُدى مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ، والإشْباعِ في التَّشْنِيعِ، والتَّضْلِيلِ، وإلّا فَمُقارَنَتُهُ لِهِدايَتِهِ تَعالى بَيِّنَةُ الِاسْتِحالَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِانْهِماكِ في اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ.

القصص 28:51

﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: أنْزَلْنا القرآن عَلَيْهِمْ مُتَواصِلًا بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والمَصْلَحَةُ. أوْ مُتَتابِعًا وعْدًا، ووَعِيدًا قَصَصًا، وعِبَرًا، ومَواعِظَ، ونَصائِحَ. ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِما فِيهِ.

القصص 28:52

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيتاءِ القرآن. ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ مِن أهْلِ الإنْجِيلِ اثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ.

القصص 28:53

﴿وَإذا يُتْلى﴾ أيِ: القرآن عَلَيْهِمْ. ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ أيِ: الحَقُّ الَّذِي كَما نَعْرِفُ حَقِّيَّتَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ. ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ إيمانِهِمْ بِهِ أمْرًا مُتَقادِمَ العَهْدِ لِما شاهَدُوا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القرآن.

القصص 28:54

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ. (p-19)﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ، ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقرآن. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ، أوْ عَلى الإيمان بالقرآن قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ، أوْ عَلى أذى مَن هاجَرَهم أهْلُ دِينِهِمْ ومِنَ المُشْرِكِينَ. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ بِالطّاعَةِ المَعْصِيَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "وَأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها". ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في سَبِيلِ الخَيْرِ.

القصص 28:55

﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ مِنَ الغَيْنِ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ عَنِ اللَّغْوِ تَكَرُّمًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ . ﴿وَقالُوا﴾ لَهم ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ المُتارَكَةِ والتَّوْدِيعِ. ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ لا نَطْلُبُ صُحْبَتَهُمْ، ولا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم.

القصص 28:56

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ لا مَحالَةَ ﴿مَن أحْبَبْتَ﴾ مِنَ النّاسِ، ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تُدْخِلَهُ في الإسْلامِ وإنْ بَذَلْتَ فِيهِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزْتَ في السَّعْيِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ، فَيُدْخِلَهُ في الإسْلامِ. ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ بِالمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، فَإنَّهُ لِما احْتُضِرَ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لَهُ: يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ بِها لَكَ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي قَدْ عَلِمْتُ إنَّكَ لَصادِقٌ، ولَكِنِّي أكْرَهُ أنْ يُقالَ جَزِعَ عِنْدَ المَوْتِ، ولَوْلا أنْ يَكُونَ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ غَضاضَةٌ بَعْدِي لَقُلْتُها، ولَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ عِنْدَ الفِراقِ لِما أرى مِن شِدَّةِ وجْدِكَ ونَصِيحَتِكَ، ولَكِنِّي سَوْفَ أمُوتُ عَلى مِلَّةِ الأشْياخِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهاشِمٍ، وعَبْدِ مَنافٍ.

القصص 28:57

﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ «نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ حَيْثُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ عَلى الحَقِّ، ولَكِنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْناكَ وخالَفْنا العَرَبَ، وإنَّما نَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ أنْ يَتَخَطَّفُونا مِن أرْضِنا. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾» أيْ: ألَمْ نَعْصِمْهُمْ، ولَمْ نَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ لِحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ الَّذِي تَتَناحَرُ العَرَبُ حَوْلَهُ، وهم آمِنُونَ. ﴿يُجْبى إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ: (تُجْبى) أيْ: تُجْمَعُ، وتُحْمَلُ إلَيْهِ. ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ أوْبٍ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِحَرَمًا، دافِعَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَضَرُّرِهِمْ بِانْقِطاعِ المِيرَةِ. ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ فَإذا كانَ حالُهم ما ذَكَرُوهُ عَبَدَةُ أصْنامٍ فَكَيْفَ يَخافُونَ التَّخَطُّفَ إذا ضَمُّوا إلى حُرْمَةِ البَيْتِ حُرْمَةَ التَّوْحِيدِ؟! ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: جَهَلَةٌ لا يَتَفَطَّنُونَ لَهُ، ولا يَتَفَكَّرُونَ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِن لَدُنّا" أيْ: قَلِيلٌ مِنهم يِتَدَبَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ عَلِمُوا لَما خافُوا غَيْرَهُ. وانْتِصابُ "رِزْقًا" عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى "يُجْبى" أوْ حالٌ مِن (ثَمَراتُ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ (p-20)وَأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَخافُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:

القصص 28:58

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ: وكَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِ هَؤُلاءِ في الأمْنِ، وخَفْضِ العَيْشِ، والدَّعَةِ، حَتّى أشِرُوا فَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ، وخَرَّبْنا دِيارَهم. ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ تَدْمِيرِهِمْ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا، أوْ بَعْضَ يَوْمٍ أوْ لَمْ يَبْقَ مَن يَسْكُنُها إلّا قَلِيلًا مِن شُؤْمِ مَعاصِيِهِمْ. ﴿وَكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ، وسائِرِ ذاتِ أيْدِيهِمْ. وانْتِصابُ مَعِيشَتَها بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ يَجْعَلُها ظَرْفًا بِنَفْسِها، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ. أوْ بِإضْمارِ زَمانٍ مُضافٍ إلَيْهِ، أوْ يَجْعَلُهُ مَفْعُولًا لِبَطِرَتْ بِتَضْمِينِ مَعْنى كَفَرَتْ.

القصص 28:59

﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ إهْلاكِ القُرى المَذْكُورَةِ، أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، أوْ ما كانَ في حُكْمِهِ الماضِي، وقَضائِهِ السّابِقِ أنْ يُهْلِكَ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ، بَلْ كانَتْ عادَتُهُ أنْ لا يُهْلِكَها. ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ: في أصْلِها وقَصَبَتِها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها لِكَوْنِ أهْلِها أفْطَنَ وأنْبَلَ. ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالحَقِّ، ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِإلْزامِ الحُجَّةِ، وقَطْعِ المَعْذِرَةِ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ . والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى "ما كانَ رَبُّكَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: وما كُنّا مُهْلِكِينَ لِأهْلِ القُرى بَعْدَ ما بَعَثْنا في أُمِّها رَسُولًا يَدْعُوهم إلى الحَقِّ، ويُرْشِدُهم إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ بِتَكْذِيبِ رَسُولِنا، والكُفْرِ بِآياتِنا، فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الإهْلاكِ بِمُوجِبِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَحَقُّقُ الإهْلاكِ عَقِيبَ البَعْثِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:60

﴿وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدُّنْيا. ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ أيْ: فَهو شَيْءٌ شَأْنُهُ أنْ يُتَمَتَّعَ، ويُتَزَيَّنَ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ. ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو الثَّوابُ. ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَذَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الألَمِ، وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ عارِيَةٌ عَنْ سِمَةِ الهَمِّ. ﴿وَأبْقى﴾ لِأنَّهُ أبَدِيٌّ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ، فَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ المَبْنِيِّ عَلى اقْتِضاءِ سُوءِ صَنِيعِهِمُ الإعْراضَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ.

القصص 28:61

(p-21)﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ: وعْدًا بِالجَنَّةِ فَإنَّ حُسْنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ المَوْعُودِ. ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ أيْ: مُدْرِكُهُ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ، وعُطِفَتْ بِالفاءِ المُنْبِئَةِ عَنْ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ. ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّذِي هو مَشُوبٌ بِالآلامِ مُنَغَّصٌ بِالأكْدارِ مُسْتَتْبِعٌ لِلتَّحَسُّرِ عَلى الِانْقِطاعِ. ومَعْنى "الفاءِ" الأُولى تَرْتِيبُ إنْكارِ التَّشابُهِ بَيْنَ أهْلِ الدُّنْيا، وأهْلِ الآخِرَةِ، عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وبَيْنَ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: أبَعْدَ هَذا التَّفاوُتِ الظّاهِرِ يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَتَّعْناهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مُؤَكِّدٌ لِإنْكارِ التَّشابُهِ، ومُقَرِّرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ نُحْضِرُهُ، أوْ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ النّارَ، أوِ العَذابَ. وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ حَتْمًا، وفي جَعْلِهِ مِن جُمْلَةِ المُحْضَرِينَ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى. و "ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الزَّمانِ، أوْ في الرُّتْبَةِ. وقُرِئَ: (ثُمَّ هْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ تَشْبِيهًا لِلْمُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ.

القصص 28:62

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى يَوْمَ القِيامَةِ لِاخْتِلافِهِما عُنْوانًا، وإنِ اتَّحَدا ذاتًا، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿فَيَقُولُ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ مَعًا ثِقَةً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما.

القصص 28:63

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَدَرَ عَنْهم حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ وهْمُ شُرَكاؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ أطاعُوهم في كُلِّ ما أمَرُوهم بِهِ، ونَهَوْا عَنْهُ. ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ أنَّهُ ثَبَتَ مُقْتَضاهُ، وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ. وتَخْصِيصُهم بِهَذا الحُكْمِ مَعَ شُمُولِهِ لِلْأتْباعِ أيْضًا، لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، واسْتِحْقاقِ العَذابِ حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ . ومُسارَعَتُهم إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ إمّا لِتَفَطُّنِهِمْ أنَّ السُّؤالَ عَنْهم لِاسْتِحْضارِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِالإضْلالِ، وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وإمّا لِأنَّ العَبَدَةَ قَدْ قالُوهُ اعْتِذارًا، أوْ هَؤُلاءِ إنَّما قالُوا ما قالُوا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: إلّا أنَّهُ لَمْ يُحْكَ قَوْلُ العَبَدَةِ إيجازًا لِظُهُورِهِ. ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أغْوَيْناهم فَحَذَفَ الرّاجِعَ إلى المَوْصُولِ، ومُرادُهم بِالإشارَةِ بَيانُ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهُمْ، وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً، وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، أيْ: (p-22)ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ، وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ، لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ. فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرَ. ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ مِنهُمْ، ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِنهُمْ، وهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يَعْبُدُونَنا، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم. وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "تَبَرَّأْنا" أيْ: تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا.

القصص 28:64

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ إمّا تَهَكُّمًا بِهِمْ، أوْ تَبْكِيتًا لَهم. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ضَرُورَةَ عَدَمِ قدرتهمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ والنُّصْرَةِ. ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ قَدْ غَشِيَهم ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ يَدْفَعُونَ بِهِ العَذابَ، أوْ إلى الحَقِّ لَمّا لَقُوا ما لَقُوا. وقِيلَ: "لَوْ" لِلتَّمَنِّي، أيْ: تَمَنَّوْا لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ.

القصص 28:65

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، سُئِلُوا أوَّلًا عَنْ إشْراكِهِمْ، وثانِيًا عَنْ جَوابِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ.

القصص 28:66

﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: صارَتْ كالعَمى عَنْهم لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ. وأصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ، وقَدْ عُكِسَ لِلْمُبالَغَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَحْضُرُ الذِّهْنَ يَفِيضُ عَلَيْهِ، ويَصِلُ إلَيْهِ مِن خارِجٍ، فَإذا أخْطَأ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ إلى اسْتِحْضارِهِ، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الخَفاءِ والِاشْتِباهِ، والمُرادُ بِالأنْباءِ إمّا ما طُلِبَ مِنهم مِمّا أجابُوا بِهِ الرُّسُلَ، أوْ جَمِيعُ الأنْباءِ، وهي داخِلَةٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإذا كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُفَوِّضُونَ العِلْمَ في ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ مَعَ نَزاهَتِهِمْ عَنْ غايَةِ المَسْؤُولِ. فَما ظَنُّكَ بِأُولَئِكَ الضُّلّالِ مِنَ الأُمَمِ؟! ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الجَوابِ لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ، أوِ العِلْمِ بِأنَّ الكُلَّ سَواءٌ في الجَهْلِ.

القصص 28:67

﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ. ﴿وَآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيِ: الفائِزِينَ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهُ تَعالى النّاجِينَ عَنِ المَهْرُوبِ. و "عَسى" لِلتَّحْقِيقِ عَلى عادَةِ الكِرامِ، أوْ لِلتَّرَجِّي مِن قِبَلِ التّائِبِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعِ الإفْلاحَ.

القصص 28:68

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أنْ يَخْلُقَهُ. ﴿وَيَخْتارُ﴾ ما يَشاءُ اخْتِيارَهُ مِن غَيْرِ إيجابٍ عَلَيْهِ، ولا مَنعٍ لَهُ أصْلًا. ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيِ: التَّخَيُّرُ، كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ. والمُرادُ: نَفْيُ الِاخْتِيارِ المُؤْثَرِ عَنْهُمْ، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ خَلا عَنِ العاطِفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. والمَعْنى: (p-23)لا يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ بِاخْتِيارِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ. ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ مِن أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ، أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ. ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ عَنْ مُشارَكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ.

القصص 28:69

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ كَعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحِقْدِهِمْ عَلَيْهِ. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ كالطَّعْنِ فِيهِ.

القصص 28:70

﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّها إلّا هو. ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ المُولِي لِلنِّعَمِ كُلِّها عاجِلِها وآجِلِها عَلى الخَلْقِ كافَّةً، يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُونَ في الآخِرَةِ كَما حَمِدُوهُ في الدُّنْيا، بِقَوْلِهِمِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ابْتِهاجًا بِفَضْلِهِ والتِذاذًا بِحَمْدِهِ". ﴿وَلَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن غَيْرِ مُشارَكَةٍ فِيهِ لِغَيْرِهِ. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ.

القصص 28:71

﴿قُلْ﴾ تَقْرِيرًا لِما ذُكِرَ. ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي. ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائِمًا مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ والِاطِّرادِ. و "المِيمُ" مَزِيدَةٌ كَما في دُلامِصٍ مِنَ الدِّلاصِ. يُقالُ: دِرْعٌ دِلاصٌ، أيْ: مَلْساءُ لَيِّنَةٌ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِ الشَّمْسِ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ تَحْرِيكِها حَوْلَ الأُفُقِ الغائِرِ. ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ . ونَظائِرِهِما خَلا أنَّهُ قَصَدَ بَيانَ انْتِفاءِ المَوْصُوفِ انْتِفاءَ الصِّفَةِ، ولَمْ يَقُلْ: هَلْ إلَهٌ ... إلَخْ. لِإيرادِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ عَلى زَعْمِهِمْ، وقُرِئَ: (بِضِئاءٍ) بِهَمْزَتَيْنِ. ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ هَذا الكَلامَ الحَقَّ سَماعَ تَدَبُّرٍ، واسْتِبْصارٍ حَتّى تُذْعِنُوا لَهُ، وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ.

القصص 28:72

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِها في وسَطِ السَّماءِ، أوْ بِتَحْرِيكِها عَلى مَدارٍ فَوْقَ الأُفُقِ. ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ اسْتِراحَةً مِن مَتاعِبِ الأشْغالِ، ولَعَلَّ تَجْرِيدَ الضِّياءِ عَنْ ذِكْرِ مَنافِعِهِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ظاهِرَ الِاسْتِتْباعِ لِما نِيطَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ هَذِهِ المَنفَعَةَ الظّاهِرَةَ الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن لَهُ بَصَرٌ.

القصص 28:73

﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن (p-24)فَضْلِهِ﴾ في النَّهارِ بِأنْواعِ المَكاسِبِ. ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى فَعَلَ ما فَعَلَ، أوْ لِكَيْ تَعْرِفُوا نِعْمَتَهُ تَعالى وتَشْكُرُوهُ عَلَيْها.

القصص 28:74

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ إثْرَ تَقْرِيعٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ أجْلَبَ لِغَضَبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإشْراكِ، كَما لا شَيْءَ أدْخَلَ في مَرْضاتِهِ مِن تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:

القصص 28:75

﴿وَنَزَعْنا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِيهِمْ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّزْعِ وتَهْوِيلِهِ، أيْ: أخْرَجْنا. ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الأُمَمِ ﴿شَهِيدًا﴾ نَبِيًّا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ؟ ﴿فَقُلْنا﴾ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ. ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى صِحَّةِ ما كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهِ. ﴿فَعَلِمُوا﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الباطِلِ.

القصص 28:76

﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ كانَ ابْنَ عَمِّهِ يَصْهَرُ بْنُ قاهَثَ بْنِ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهَثَ، وقِيلَ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ أخِيهِ، وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ؛ لِحُسْنِ صُورَتِهِ. وقِيلَ: كانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، ولَكِنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ، وقالَ: إذا كانَتِ النُّبُوَّةُ لِمُوسى، والمَذْبَحُ والقُرْبانُ لِهارُونَ، فَما لِي؟! ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاوَزَ بِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ وصارَتِ الرِّسالَةُ، والحُبُورَةُ، والقُرْبانُ لِهارُونَ. وجَدَ قارُونُ في نَفْسِهِ وحَسَدَهُما، فَقالَ لِمُوسى: الأمْرُ لَكُما، ولَسْتُ عَلى شَيْءٍ إلى مَتى أصْبِرُ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا صُنْعُ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لا أُصَدِّقُكَ حَتّى تَأْتِيَ بِآيَةٍ. فَأمَرَ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ بِعَصاةٍ فَحَزَمَها، وألْقاها في القُبَّةِ الَّتِي كانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ إلَيْهِ فِيها، فَكانُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم بِاللَّيْلِ فَأصْبَحُوا فَإذا بِعَصا هارُونَ تَهْتَزُّ ولَها ورَقٌ أخْضَرُ. فَقالَ قارُونُ: ما هو بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السحر. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ فَطَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، أوْ ظَلَمَهم. قِيلَ: وذَلِكَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: حَسَدَهم. وذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنهُ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ أيِ: الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ. ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ: مَفاتِحَ صَنادِيقِهِ، وهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ. وقِيلَ: خَزائِنُهُ، وقِياسُ واحِدُها المَفْتَحُ بِالفَتْحِ. ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ خَبَرُ إنَّ. والجُمْلَةُ صِلَةُ "ما" وهو ثانِي مَفْعُولَيْ "آتى". وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ والعُصابَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وقُرِئَ: (لَيَنُوءُ) بِالياءِ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حُكْمَ المُضافِ إلَيْهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ (p-25)قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِـ بَغى. ورُدَّ بِأنَّ البَغْيَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ. ورُدَّ بِأنَّ الإيتاءَ أيْضًا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهِ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ. فَقِيلَ: هو اذْكُرْ، وقِيلَ: هو أظْهَرَ الفَرَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةً لِبَغْيِهِ. ﴿لا تَفْرَحْ﴾ أيْ: لا تَبَطَّرْ. والفَرَحُ في الدُّنْيا مَذْمُومٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ حُبِّها، والرِّضا بِها، والذُّهُولِ عَنْ ذَهابِها، فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ ما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مُفارَقَةٌ لا مَحالَةَ يُوجِبُ التَّرَحَ حَتْمًا، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ . وعَلَّلَ النَّهْيَ هَهُنا بِكَوْنِهِ مانِعًا مِن مَحَبَّتِهِ عَزَّ وعَلا، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ أيْ: بِزَخارِفِ الدُّنْيا.

القصص 28:77

﴿وابْتَغِ﴾ وقُرِئَ: (واتَّبِعْ). ﴿فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ مِنَ الغِنى ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: ثَوابَ اللَّهِ تَعالى فِيها يَصْرِفُهُ إلى ما يَكُونُ وسِيلَةً إلَيْهِ. ﴿وَلا تَنْسَ﴾ أيْ: لا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ. ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وهو أنْ تُحَصِّلَ بِها آخِرَتَكَ، وتَأْخُذَ مِنها ما يَكْفِيكَ. ﴿وَأحْسِنْ﴾ أيْ: إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى. ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وقِيلَ: أحْسِنْ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِالإنْعامِ. ﴿وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الـأرض﴾ نَهْيٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ.

القصص 28:78

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لِناصِحِيهِ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الرَّدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾؛ لِإنْبائِهِ عَنْ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، واسْتِحْقاقٍ مِن قِبَلِهِ، أيْ: فُضِّلْتَ بِهِ عَلى النّاسِ، واسْتَوْجَبْتَ بِهِ التَّفَوُّقَ عَلَيْهِمْ بِالمالِ والجاهِ، وعَلى عِلْمٍ في مَوْقِعِ الحالِ، وهو عِلْمُ التَّوْراةِ، وكانَ أعْلَمَهم بِها، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: عِلْمُ النِّجارَةِ والدَّهْقَنَةِ، وسائِرِ المَكاسِبِ، وقِيلَ: عِلْمُ فَتْحِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ. و "عِنْدِي" صِفَةٌ لَهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِأُوتِيتُهُ، كَقَوْلِكَ: جازَ هَذا عِنْدِي، أوْ في ظَنِّي ورَأْيِي. ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ تَوْبِيخٌ لَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى اغْتِرارِهِ بِقُوَّتِهِ، وكَثْرَةِ مالِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ قِراءَةً في التَّوْراةِ، وتَلَقِّيًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَماعًا مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ، وتَعَجُّبٌ مِنهُ. فالمَعْنى: ألَمْ يَقْرَأِ التَّوْراةَ، ولَمْ يَعْلَمْ ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِأضْرابِهِ مَن أهْلِ القُرُونِ السّابِقَةِ، حَتّى لا يَغْتَرَّ بِما اغْتَرُّوا بِهِ؟ أُورِدَ لِادِّعائِهِ العِلْمَ، وتَعَظُّمِهِ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ مِنهُ. فالمَعْنى: أعَلِمَ ما ادَّعاهُ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ. ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ بَلْ يُعَذَّبُونَ بِها بَغْتَةً كَأنَّ قارُونَ لَمّا هُدِّدَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِمَّنْ كانَ أقْوى مِنهُ، وأغْنى. أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَخُصُّ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ كافَّةِ المُجْرِمِينَ يُعاقِبُهم عَلَيْها لا مَحالَةَ.

القصص 28:79

(p-26)﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "قالَ"، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كائِنًا في زِينَتِهِ. قِيلَ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْهِ الأُرْجُوانُ، وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ، ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ، وقِيلَ: عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ، وعَنْ يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَنْ يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدِّيباجُ، وقِيلَ: في تِسْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ رُثِيَ فِيهِ المُعَصْفَرُ. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ في السَّعَةِ واليَسارِ. ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويُنْفِقُوهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، وقِيلَ: كانَ المُتَمَنَّوْنَ قَوْمًا كُفّارًا. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِمْ، وتَأْكِيدٌ لَهُ.

القصص 28:80

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما يَنْبَغِي، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِإرادَةِ ثَوابِ الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمِ بِأحْوالِ النَّشْأتَيْنِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الأُولى، والإقْبالَ عَلى الثّانِيَةِ حَتْمًا، وأنَّ تَمَنِّيَ المُتَمَنِّينَ لَيْسَ إلّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِما كَما يَنْبَغِي. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في الزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى. ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا يَلِيقُ بِكم أنْ تَتَمَنَّوْهُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِثَوابِهِ تَعالى. ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها العُلَماءُ، أوِ الثَّوابَ فَإنَّهُ بِمَعْنى: المَثُوبَةِ، أوِ الجَنَّةِ، أوِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّهُما في مَعْنى السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ. ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى الطّاعاتِ، وعَنِ الشَّهَواتِ.

القصص 28:81

﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يُؤْذِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِقَرابَتِهِ حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفٍ عَلى واحِدٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ، فَعَمَدَ إلى أنْ يَفْضَحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لِبَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ ألْفَ دِينارٍ، وقِيلَ: طَشْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَطِيبًا فَقالَ: مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى غَيْرَ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ، ومَن زَنى مُحْصَنًا رَجَمْناهُ. فَقالَ قارُونُ: ولَوْ كُنْتَ؟ قالَ: ولَوْ كُنْتُ. قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ، فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَصْدُقَ فَقالَتْ: جَعَلَ لِي قارُونُ جَعْلًا عَلى أنْ أرْمِيَكَ بِنَفْسِي فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا لِرَبِّهِ يَبْكِي، ويَقُولُ: يا رَبِّ، إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأُوحِيَ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ. فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ، فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ، ومَن كانَ مَعِي فَلْيَعْتَزِلْ (p-27)عَنْهُ. فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ، خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذْتُهم إلى الأوْساطِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ. وهم يُناشِدُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى وبِالرَّحِمِ، وهو لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَيْظِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ بَيْنَهم إنَّما دَعا عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ، وكُنُوزِهِ. فَدَعا اللَّهُ تَعالى حَتّى خُسِفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ جَماعَةٍ مُشْفِقَةٍ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيِ: المُمْتَنِعِينَ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ: مَنَعَهُ فامْتَنَعَ.

القصص 28:82

﴿وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ مَنزِلَتَهُ ﴿بِالأمْسِ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ. ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَفْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ، بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ، ولا لِهَوانٍ يَقْتَضِي القَبْضَ، ووَيْكَأنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُرَكَّبٌ مِن "وَيْ" لِلتَّعْجِيبِ، و "كَأنَّ" لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ ... إلَخْ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن ويْكَ بِمَعْنى: ويْلَكَ وأنَّ. وتَقْدِيرُهُ: ويْكَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ التَّنَبُّهِ عَلى الخَطَأِ، والتَّنَدُّمِ. والمَعْنى أنَّهم قَدْ تَنَبَّهُوا عَلى خَطَئِهِمْ في تَمَنِّيهِمْ، وتَنَدَّمُوا عَلى ذَلِكَ. ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ إيّانا ما تَمَنَّيْناهُ، وإعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ إيّاهُ، وقُرِئَ: (لَوْلا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا كَما خَسَفَ بِهِ)، وقُرِئَ: (لَخُسِفَ بِنا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و "بِنا" هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وقُرِئَ: (لانْخَسَفَ بِنا) كَقَوْلِكَ: أنْقَطَعَ بِهِ، وقُرِئَ: (لَتُخُسِّفَ بِنا) ﴿وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ، وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.

القصص 28:83

﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إشارَةُ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها، وبَلَغَكَ وصْفُها. ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: غَلَبَةً وتَسَلُّطًا. ﴿وَلا فَسادًا﴾ أيْ: ظُلْمًا وعُدْوانًا عَلى العِبادِ، كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ. وفي تَعْلِيقِ المَوْعِدِ بِتَرْكِ إرادَتِهِما لا بِتَرْكِ أنْفُسِهِما مَزِيدُ تَحْذِيرٍ مِنهُما. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها. ﴿والعاقِبَةُ﴾ الحَمِيدَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.

القصص 28:84

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ بِمُقابَلَتِها ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ ذاتًا، ووَصْفًا، وقَدْرًا. ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ، والظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَهْجِينِ حالِهِمْ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ. ﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المِثْلُ، وأُقِيمَ مَقامَهُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مُبالَغَةً في المُماثَلَةِ.

القصص 28:85

(p-28)﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ، وتَبْلِيغَهُ، والعَمَلَ بِهِ. ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ أيْ: مَعادٍ. مَعادٍ تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ، وتَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ، وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي وعَدَكَ أنْ يَبْعَثَكَ فِيهِ، وقِيلَ: هو مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ. عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ وعَدَهُ وهو بِمَكَّةَ في أذِيَّةٍ، وشِدَّةٍ مِن أهْلِها أنَّهُ يُهاجِرُ بِهِ مِنها، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْها بِعِزٍّ ظاهِرٍ، وسُلْطانٍ قاهِرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الجُحْفَةَ في مُهاجِرِهِ، وقَدِ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ، ومَوْلِدِ آبائِهِ، وحَرَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ: أتَشْتاقُ إلى مَكَّةَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأوْحاها إلَيْهِ. ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ وما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّصْرِ. و "مَن" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أعْلَمُ، أيْ: يَعْلَمُ، وقِيلَ بِأعْلَمَ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عالِمٍ. ﴿وَمَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وما اسْتَحَقَّهُ مِنَ العَذابِ والإذْلالِ، يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ والمُشْرِكِينَ، وهو تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ السّابِقِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

القصص 28:86

﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: سَيَرُدُّكَ إلى مَعادِكَ، كَما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ، وما كُنْتَ تَرْجُوهُ. ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، ولَكِنْ ألْقاهُ إلَيْكَ رَحْمَةً مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً، أيْ: لِأجْلِ التَّرَحُّمِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ بِمُداراتِهِمْ، والتَّحَمُّلِ عَنْهُمْ، والإجابَةِ إلى طِلْبَتِهِمْ.

القصص 28:87

﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ. ﴿عَنْ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ قِراءَتِها، والعَمَلِ بِها. ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ، وقُرِئَ: (يُصِدُّنَّكَ) مَن أصَدَّ المَنقُولِ مِن صَدَّ اللّازِمِ. ﴿وادْعُ﴾ النّاسَ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِمُساعِدَتِهِمْ في الأُمُورِ.

القصص 28:88

﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ هَذا وما قَبْلَهُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ، وقَطْعِ أطْماعِ المُشْرِكِينَ عَنْ مُساعَدَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وإظْهارِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في القُبْحِ والشَّرِّيَّةِ، بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُ أصْلًا. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ إلّا ذاتَهُ فَإنَّ ما عَداهُ كائِنًا ما كانَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ عُرْضَةٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ. ﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ في الخَلْقِ. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ بِالحَقِّ والعَدْلِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ طسم القَصَصَ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ مُوسى وكَذَّبَ، ولَمْ يَبْقَ مَلَكٌ في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ صادِقًا.»

العنكبوت 29:1

(p-29)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ (مَكِّيَّةٌ، وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً) ﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ مِرارًا في نَظائِرِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ خَلا أنَّ ما بَعْدَهُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقًا إعْرابِيًّا.

العنكبوت 29:2

﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ الحُسْبانُ، ونَظائِرُهُ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعانِي المُفْرَداتِ، بَلْ بِمَضامِينِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ لِثُبُوتِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، أوِ انْتِفاءِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَتَحَصَّلُ مِنها مَفْعُولاهُ، إمّا بِالفِعْلِ كَما في عامَّةِ المَواقِعِ، وإمّا بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ فِيها كَما في الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ والواقِعَةِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الِاسْمِيِّ أوِ الحَرْفِيِّ. فَإنَّ كُلًّا مِنها صالِحَةٌ لِأنْ يُسْبَكَ مِنها مَفْعُولاهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ . في قُوَّةِ "أنْ" يُقالَ أحَسِبُوا أنْفُسَهم مَتْرُوكِينَ بِلا فِتْنَةٍ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقُولُوا آمَنّا، أوْ أنْ يُقالَ: أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِقَوْلِهِمْ آمَنّا حاصِلًا مُتَحَقِّقًا، والمَعْنى إنْكارُ الحُسْبانِ المَذْكُورِ، واسْتِبْعادُهُ، وتَحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم بِمَشاقِّ التَّكالِيفِ كالمُهاجَرَةِ والمُجاهَدَةِ، ورَفْضِ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، ووَظائِفِ الطّاعاتِ، وفُنُونِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ؛ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ في الدِّينِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ. ويُجازِيَهم بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ، وإنْ كانَ عَنْ خُلُوصٍ لا يَقْتَضِي غَيْرَ الخَلاصِ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ جَزِعُوا مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في عَمّارٍ قَدْ عُذِّبَ في اللَّهِ، وقِيلَ: في مَهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَماهُ عامِرُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "سَيِّدُ الشُّهَداءِ مَهْجَعٌ، وهو أوَّلُ مَن يُدْعى إلى بابِ الجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ".»

العنكبوت 29:3

﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "أحَسِبَ" أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لا يُفْتَنُونَ" والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، جارِيَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ كُلِّها، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَقَّعَ خِلافُها، والمَعْنى أنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ قَدْ أصابَهم مِن ضُرُوبِ الفِتَنِ والمِحَنِ ما هو أشَدُّ مِمّا أصابَ هَؤُلاءِ فَصَبَرُوا. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ ... الآياتِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ فَيُوضَعُ المِنشارُ (p-30)عَلى رَأْسِهِ فَيُفَرَّقُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عَظْمِهِ مِن لَحْمٍ، وعَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.» ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: في قَوْلِهِمْ آمَنّا. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِن وُقُوعِ الِامْتِحانِ، و "اللّامُ" جَوابُ القَسَمِ. والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَكْرِيرُ الجَوابِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، أيْ: فَواللَّهِ لَيَتَعَلَّقَنَّ عِلْمُهُ بِالِامْتِحانِ تَعَلُّقًا حالِيًّا، يَتَمَيَّزُ بِهِ الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ، والَّذِينَ هم كاذِبُونَ فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكَذِبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أجَزِيَتُهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: المَعْنى لَيَمِيزَنَّ، أوْ لَيُجازِيَنَّ. وقُرِئَ: (وَلَيُعْلِمَنَّ) مِنَ الإعْلامِ، أيْ: ولَيُعَرِّفَنَّهُمُ النّاسَ، أوْ لَيَسِمَنَّهم بِسِمَةٍ يُعْرَفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها.

العنكبوت 29:4

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا فَلا نَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ، وهو سادٌّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ لِاشْتِمالِهِ عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ، و "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى "بَلْ" لِلْإضْرابِ، والِانْتِقالِ عَنِ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ حُسْبانِهِمْ مَتْرُوكِينَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ إلى التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ ما هو أبْطَلُ مِنَ الحُسْبانِ الأوَّلِ، وهو حُسْبانُهم أنْ لا يُجازُوا بِسَيِّئاتِهِمْ، وهم وإنْ لَمْ يَحْسَبُوا أنَّهم يَفُوتُونَهُ تَعالى ولَمْ يُحَدِّثُوا نُفُوسَهم بِذَلِكَ لَكِنَّهم حَيْثُ أصَرُّوا عَلى المَعاصِي، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في العاقِبَةِ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَطْمَعُ في ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ . ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ، أوْ بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ.

العنكبوت 29:5

﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَتَوَقَّعُ مُلاقاةَ جَزائِهِ ثَوابًا، أوْ عِقابًا، أوْ مُلاقاةُ حُكْمِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: يَرْجُو ثَوابَهُ، وقِيلَ: يَخافُ عِقابَهُ، وقِيلَ: لِقاؤُهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ، والبَعْثِ، والحِسابِ، والجَزاءِ عَلى تَمْثِيلِ تِلْكَ الحالِ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ. وقَدْ عَلِمَ مَوْلاهُ بِجَمِيعِ ما كانَ يَأْتِي ويَذَرُ، فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وكَرامَةٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ، أوْ بِضِدِّهِ لِما سَخِطَهُ. ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ الأجَلُ عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ زَمانٍ مُمْتَدٍّ عُيِّنَتْ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانُ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ، أيْ: فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ تَعالى لِذَلِكَ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ عَلى التَّقَضِّي، والتَّصَرُّمِ دائِمًا، فَلا بُدَّ مِن إتْيانِ ذَلِكَ الجَزاءِ أيْضًا البَتَّةَ، وإتْيانُ وقْتِهِ مُوجِبٌ لِإتْيانِ اللِّقاءِ حَتْمًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ مِنَ الأعْمالِ ما يُؤَدِّي إلى حُسْنِ الثَّوابِ، ولْيَحْذَرْ ما يَسُوقُهُ إلى سُوءِ العَذابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ وفِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: فَلْيُبادِرْ إلى ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ، ويُصَدِّقُ رَجاءَهُ، أوْ ما يُوجِبُ القُرْبَةَ والزُّلْفى. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والعَقائِدِ.

العنكبوت 29:6

﴿وَمَن جاهَدَ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لِعَوْدِ مَنفَعَتِها (p-31)إلَيْها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا حاجَةَ لَهُ إلى طاعَتِهِمْ، وإنَّما أمَرَهم بِها تَعْرِيضًا لَهم لِلثَّوابِ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ.

العنكبوت 29:7

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الكُفْرَ بِالإيمانِ، والمَعاصِيَ بِما يَتْبَعُها مِنَ الطّاعاتِ. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، لا جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَقَطْ.

العنكبوت 29:8

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ: بِإيتاءِ والِدَيْهِ وإيلائِهِما فِعْلًا ذا حُسْنٍ، أوْ ما هو في حَدِّ ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ و "وَصّى" يَجْرِي مَجْرى أمْرٍ مَعْنًى، وتَصَرُّفًا غَيْرَ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ في المَأْمُورِ بِهِ نَفْعٌ عائِدٌ إلى المَأْمُورِ، أوْ غَيْرِهِ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى قالَ. فالمَعْنى وقُلْنا أحْسِنْ بِوالِدَيْكَ حُسْنًا، وقِيلَ: انْتِصابُ حُسْنًا بِمُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُفَسِّرٍ لِلتَّوْصِيَةِ، أيْ: وقُلْنا أوْلِهِما، أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، وهو أوْفَقُ لِما بَعْدَهُ، وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى بِوالِدَيْهِ، وقُرِئَ: (حُسْنًا) و (إحْسانًا). ﴿وَإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِ. عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ. فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ؟ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ إنْ لَمْ يُضْمَرْ فِيما قَبْلُ، وفي تَعْلِيقِ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما بِمُجاهَدَتِهِما في التَّكالِيفِ إشْعارٌ بِأنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ فِيما دُونَها مِنَ التَّكْلِيفِ ثابِتٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ. ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُ مَن آمَنُ مِنكُمْ، ومَن أشْرَكَ، ومَن بَرَّ بِوالِدَيْهِ، ومَن عَقَّ. ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ إسْلامِهِ، حَيْثُ حَلَفَتْ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمَيَّةَ أنْ لا تَنْتَقِلَ مِنَ الضِّحِّ إلى الظِّلِّ، ولا تَطْعَمَ، ولا تَشْرَبَ، حَتّى يَرْتَدَّ فَلَبِثَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ، وكَذا الَّتِي في سُورَةِ لُقْمانَ، وسُورَةِ الأحْقافِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى نَزَلا المَدِينَةَ فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ، والحَرْثُ أخُوهُ لِأُمِّهِ أسْماءَ، فَنَزَلا بِعَيّاشٍ، وقالا لَهُ: إنَّ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ صِلَةَ الأرْحامِ، وبِرَّ الوالِدَيْنِ. وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ لا تَطْعَمُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَأْوِي بَيْتًا، حَتّى تَراكَ فاخْرُجْ مَعَنا وفَتْلًا مِنهُ في الذِّرْوَةِ، والغارِبِ، واسْتَشارَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: هُما يَخْدَعانِكَ، ولَكَ عَلَيَّ أنْ أقْسِمَ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَما زالا بِهِ حَتّى أطاعَهُما، وعَصى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أمّا إذا عَصَيْتَنِي فَخُذْ ناقَتِي فَلَيْسَ في الدُّنْيا بَعِيرٌ يَلْحَقُها فَإنْ رابَكَ مِنهُما رَيْبٌ فارْجِعْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ. قالَ أبُو جَهْلٍ: إنْ ناقَتِي قَدْ كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ فَنَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ، ولَهُ فَأخَذاهُ، فَشَدّاهُ وثاقًا، وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: لا تَزالُ في عَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ.

العنكبوت 29:9

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-32)الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، والكَمالُ في الصَّلاحِ مُنْتَهى دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، وغايَةُ مَأْمُولِ أنْبِياءِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ. قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ . وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أوْ في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ.

العنكبوت 29:10

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِهِ تَعالى بِأنْ عَذَّبَهُمُ الكَفَرَةُ عَلى الإيمانِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أيْ: ما يُصِيبُهُ مِن أذِيَّتِهِمْ. ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَيَرْتَدَّ عَنِ الدِّينِ مَعَ أنَّهُ لا قَدْرَ لَها عِنْدَ نَفْحَةٍ مِن عَذابِهِ تَعالى أصْلًا. ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِضَمِّ اللّامِ نَظَرًا إلى مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، وقُرِئَ: بِالفَتْحِ. ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُشايِعِينَ لَكم في الدِّينِ فَأشْرِكُونا في المَغْنَمِ، وهم ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا مَسَّهم أذًى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهُمْ، وكانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِأعْلَمَ مِنهم بِما في صُدُورِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ، والنِّفاقِ حَتّى يَفْعَلُوا ما يَفْعَلُونَ مِنَ الِارْتِدادِ، والإخْفاءِ عَنِ المُسْلِمِينَ، وادِّعاءِ كَوْنِهِمْ مِنهم لِنَيْلِ الغَنِيمَةِ، وهَذا هو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ ولِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

العنكبوت 29:11

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالإخْلاصِ. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ سَواءٌ كانَ كُفْرُهم بِأذِيَّةِ الكَفَرَةِ أوْ لا، أيْ: لَيَجْزِيَنَّهم بِما لَهم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ.

العنكبوت 29:12

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ لِحَمْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِ بِالأذِيَّةِ، والوَعِيدِ، وصْفُهم بِالكُفْرِ هَهُنا دُونَ ما سَبَقَ، لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ جِناياتِهِمْ، وفِيما سَبَقَ لِبَيانِ جِنايَةِ مَن أضَلُّوهُ، و "اللّامُ" لِلتَّبْلِيغِ، أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهُمُ. ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أيِ: اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا الَّتِي نَسْلُكُها في الدِّينِ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاتِّباعِ الَّذِي هو المَشْيُ خَلْفَ ماشٍ آخَرَ، تَنْزِيلًا لِلْمَسْلَكِ مَنزِلَةَ السّالِكِ فِيهِ، أوِ اتَّبِعُونا في طَرِيقَتِنا. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ كَما تَقُولُونَ: وإنَّما أمَرُوا أنْفُسَهم بِالحَمْلِ عاطِفِينَ لَهُ عَلى أمْرِهِمْ بِالِاتِّباعِ، لِلْمُبالَغَةِ في تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ. والوَعْدِ بِتَخْفِيفِ الأوْزارِ عَنْهم إنْ كانَ ثَمَّةَ وِزْرٌ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ وقُرِئَ: (مِن خَطِيئاتِهِمْ) أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطاياهُمُ الَّتِي التَزَمُوا أنْ يَحْمِلُوا كُلَّها عَلى أنَّ مِنَ الأُولى لِلتَّبْيِينِ، والثّانِيَةَ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ. ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ حَيْثُ أخْبَرُوا في ضِمْنِ وعْدِهِمْ بِالحَمْلِ بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إنْجازِ ما وعَدُوا، فَإنَّ الكَذِبَ كَما يُتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ (p-33)مَنطُوقِهِ يُتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ مَدْلُولُهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

العنكبوت 29:13

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ قَوْلُهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ المَضَرَّةِ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ مَنفَعَتِهِ لِمُخاطَبِيهِمْ أصْلًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الخَطايا بِالأثْقالِ لِلْبِذانِ بِغايَةِ ثِقَلِها، وكَوْنِها فادِحَةً. و "اللّامُ" جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَيَحْمِلُنَّ أثْقالَ أنْفُسِهِمْ كامِلَةً. ﴿وَأثْقالا﴾ أُخَرَ ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ لِما تَسَبَّبُوا بِالإضْلالِ، والحَمْلُ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِصَ مِن أثْقالِ مَن أضَلُّوهُ شَيْءٌ ما أصْلًا. ﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَذِبُهم هَذا.

العنكبوت 29:14

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ افْتِتانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ. فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ابْتُلُوا بِما أصابَهم مِن جِهَةِ أُمَمِهِمْ مِن فُنُونِ المَكارِهِ، وصَبَرُوا عَلَيْها فَلِأنْ يَصْبِرَ هَؤُلاءِ أوْلى وأحْرى. قالُوا: كانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْفًا وخَمْسِينَ عامًا، بُعِثَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ودَعا قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً. وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عاشَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ. ولَعَلَّ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ العَدَدِ فَإنَّ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ، ولِما في ذِكْرِ الألْفِ مِن تَخْيِيلِ طُولِ المُدَّةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ تَسْلِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَثْبِيتَهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن مُكابَدَةِ ما يَنالُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وإظْهارَ رَكاكَةِ رَأْيِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُتْرَكُونَ بِلا ابْتِلاءٍ، واخْتِلافَ المُمَيَّزِ لِما في التَّكْرِيرِ مَن نَوْعِ بَشاعَةٍ. ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أيْ: عَقِبَ تَمامِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ. و "الطُّوفانُ" يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يَطُوفُ بِالشَّيْءِ عَلى كَثْرَةٍ، وشِدَّةٍ مِنَ السَّيْلِ والرَّيِّحِ والظَّلامِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى طُوفانِ الماءِ. ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِما سَمِعُوا مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآياتِ، ولَمْ يَرْعَوُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والمَعاصِي هَذِهِ المُدَّةَ المُتَمادِيَةَ.

العنكبوت 29:15

﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وَأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أيْ: ومَن رَكِبَ فِيها مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، وكانُوا ثَمانِينَ، وقِيلَ: ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، وقِيلَ: عَشَرَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةً نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ. ﴿وَجَعَلْناها﴾ أيِ: السَّفِينَةَ، أوِ الحادِثَةَ. والقِصَّةَ ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِها.

العنكبوت 29:16

﴿وَإبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، وقِيلَ: (p-34)بِإضْمارِ اذْكُرْ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ عَلى الأوَّلِ: ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ، أيْ: أرْسَلْناهُ حِينَ تَكامَلَ عَقْلُهُ، وقَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرَقّى مِن رُتْبَةِ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ، حَيْثُ تَصَدّى لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وعَلى الثّانِي: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحْدَهُ. ﴿واتَّقُوهُ﴾ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا خَيْرِيَّةَ فِيهِ قَطْعًا بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمُ الباطِلَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الخَيْرَ والشَّرَّ، وتُمَيِّزُونَ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الحُكْمِ بِخَيْرِيَّةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى.

العنكبوت 29:17

﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ بَيانٌ لِبُطْلانِ دِينِهِمْ، وشَرِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيْ: إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى أوْثانًا هي في نَفْسِها تَماثِيلُ مَصْنُوعَةٌ لَكم لَيْسَ فِيها وصْفٌ غَيْرَ ذَلِكَ. ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ أيْ: وتَكْذِبُونَ كَذِبًا حَيْثُ تُسَمُّونَها آلِهَةً، وتَدَّعُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْمَلُونَها، وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ، وقُرِئَ: (تُخَلِّقُونَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ في الخَلْقِ بِمَعْنى الكَذِبِ والِافْتِراءِ، و (تَخْلُقُونَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَخَلَّقَ بِمَعْنى تَكَذَّبَ وتَخَرَّصَ. وقُرِئَ: (أفِكًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ واللَّعِبِ، أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى خَلْقًا ذا إفْكٍ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِشَرِّيَّةِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَكادُ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا. ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ. ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ. ﴿واعْبُدُوهُ﴾ وحْدَهُ ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نَعْمائِهِ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ بِالشُّكْرِ لِلْعَتِيدِ، ومُسْتَجْلِبِينَ لِلْمَزِيدِ. ﴿إلَيْهِ تَرْجِعُونَ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ، ثُمَّ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، وقُرِئَ: (تُرْجَعُونَ) مِن رَجَعَ رُجُوعًا.

العنكبوت 29:18

﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا﴾ أيْ: تُكَذِّبُونِي فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن أنَّكم إلَيْهِ تُرْجَعُونَ بِالبَعْثِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ، أيْ: فَلا تَضُرُّونَنِي بِتَكْذِيبِكُمْ، فَإنَّ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ قَدْ كَذَّبُوا مَن قَبْلِي مِنَ الرُّسُلِ، وهم شِيثٌ، وإدْرِيسُ، ونُوحٌ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فَلَمْ يَضُرَّهم تَكْذِيبُهم شَيْئًا، وإنَّما ضَرَّ أنْفُسَهم حَيْثُ تَسَبَّبَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ فَكَذا تَكْذِيبُكم. ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ شَكٌّ، وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ البَتَّةَ، وقَدْ خَرَجْتُ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا.

العنكبوت 29:19

﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْإنْكارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وسُنُوحِ سَبِيلِهِ. و "الهَمْزَةُ" لِإنْكارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمُ المُوجِبِ لِتَقْرِيرِها، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا، (p-35)ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في الجَلاءِ، والظُّهُورِ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخَلْقَ ابْتِداءً مِن مادَّةٍ، ومِن غَيْرِ مادَّةٍ، أيْ: قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ. وقُرِئَ: بِصِيغَةِ الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِهِ، وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "أوْلَمَ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الإبْداءِ، وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى يُبْدِئُ بِتَأْوِيلِ الإعادَةِ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإعادَةِ. ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إذْ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ أصْلًا.

العنكبوت 29:20

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: سِيرُوا فِيها. ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ، وأخْلاقٍ شَتّى، فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ مُؤْذِنٌ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ بَعْدَ النَّشْأةِ الأُولى الَّتِي شاهَدْتُمُوها. والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعادَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النِّزاعِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِ البَدْءِ نَشْأةً أُولى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما شَأْنٌ واحِدٌ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، واسْمًا مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما اخْتِراعٌ، وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، وقُرِئَ: (النَّشاءَةَ) بِالمَدِّ. وهُما لُغَتانِ كالرَّأْفَةِ والرَّآفَةِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "يُنْشِئُ" بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، والأصْلُ الإنْشاءَةُ. أوْ بِحَذْفِ العامِلِ، أيْ: يُنْشِئُ فَيَنْشَأُونَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "سِيرُوا في الأرْضِ" داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيقاعُهُ مُبْتَدَأً مَعَ إضْمارِهِ في بَدَأ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَحَقُّقِ الإعادَةِ بِالإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وتَكْرِيرِ الإسْنادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْطِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإنَّ مَن عَلِمَ قدرته تعالى عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإعادَةُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَتَرَدَّدَ في قدرته عَلَيْها، ولا في وُقُوعِها بَعْدَ ما أخْبَرَ بِهِ.

العنكبوت 29:21

﴿يُعَذِّبُ﴾ أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها حَتْمًا. ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَرْحَمَهُ، وهُمُ المُصَدِّقُونَ بِها، والجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَّها، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ لِما أنَّ التَّرْهِيبَ أنْسَبُ بِالمَقامِ مِنَ التَّرْغِيبِ. ﴿وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ لا إلى غَيْرِهِ فَيَفْعَلُ بِكم ما يَشاءُ مِنَ التَّعْذِيبِ والرَّحْمَةِ.

العنكبوت 29:22

﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لَهُ تَعالى عَنْ إجْراءِ حُكْمِهِ، وقَضائِهِ عَلَيْكم. ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: بِالتَّوارِي في الأرْضِ، أوِ الهُبُوطِ في مَهاوِيها، ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ فِيها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ أوِ (p-36)القِلاعِ الذّاهِبَةِ فِيها، وقِيلَ: في السَّماءِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى أنْتُمْ، أيْ: ولا مَن في السَّماءِ. ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَحْرُسُكم مِمّا يُصِيبُكم مِن بَلاءٍ يَظْهَرُ مِنَ الأرْضِ، أوْ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ويَدْفَعُهُ عَنْكم.

العنكبوت 29:23

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِدَلائِلِهِ التَّكْوِينِيَّةِ، والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ. فَيَدْخُلُ فِيها النَّشْأةُ الأُولى الدّالَّةُ عَلى تَحَقُّقِ البَعْثِ، والآياتُ النّاطِقَةُ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُها بِدَلائِلَ وحْدانِيَّتِهِ تَعالى لا يُناسِبُ المَقامَ. ﴿وَلِقائِهِ﴾ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ تِلْكَ الآياتُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى ولِقائِهِ. ﴿يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ: يَيْأسُونَ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ، أوْ يَئِسُوا مِنها في الدُّنْيا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ. ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفي تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ، وتَكْرِيرِ الإسْنادِ، وتَنْكِيرِ العَذابِ، ووَصْفِهِ بِالألِيمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ولِقائِهِ، وبِاليَأْسِ مِن رَحْمَتِهِ المُمْتازُونَ بِذَلِكَ عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ لَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ عَذابٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في الشِّدَّةِ والإيلامِ.

العنكبوت 29:24

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ. وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في نَظائِرِهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ حُجَجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الشَّنِيعَةُ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ إنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوابُهم بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم مِنَ الخُرافاتِ والأباطِيلِ ما لا يُحْصى ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَألْقَوْهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنها بِأنْ جَعَلَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرْدًا وسَلامًا حَسْبَما بُيِّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها، وإنْجائِهِ تَعالى إيّاهُ تَفْصِيلًا، قِيلَ: لَمْ يَنْتَفِعْ يَوْمَئِذٍ بِالنّارِ في مَوْضِعٍ أصْلًا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في إنْجائِهِ مِنها. ﴿لآياتٍ﴾ بَيِّنَةً عَجِيبَةً هي حِفْظُهُ تَعالى إيّاهُ مِن حَرِّها، وإخْمادُها في زَمانٍ يَسِيرٍ، وإنْشاءُ رَوْضٍ في مَكانِها. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأمّا مَن عَداهم فَهم عَنِ اجْتِلائِها غافِلُونَ، ومِنَ الفَوْزِ بِمَغانِمِ آثارِها مَحْرُومُونَ.

العنكبوت 29:25

﴿وَقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا لَهم ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكُمْ، وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها، وائْتِلافِكُمْ، وثانِي مَفْعُولَيِ اتَّخَذْتُمْ مَحْذُوفٌ، أيْ: أوْثانًا آلِهَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَوَدَّةَ" هو المَفْعُولَ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَوْدُودَةِ، أوْ يَجْعَلُها نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً، أيِ: اتَّخَذْتُمْ أوْثانًا سَبَبَ المَوَدَّةِ (p-37)بَيْنَكم. أوْ مَوْدُودَةً أوْ نَفْسَ المَوَدَّةِ، وقُرِئَ: (مَوَدَّةً) مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً ناصِبَةَ الظَّرْفِ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي مَوْدُودَةٌ، أوْ نَفْسُ المَوَدَّةِ، أوْ سَبَبُ مَوَدَّةِ بَيْنِكُمْ، والجُمْلَةُ صِفَةُ أوْثانًا، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ. قَدْ حُذِفَ عائِدُها وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً مُنَوَّنَةً، ومُضافَةً بِفَتْحِ بَيْنِكم كَما قُرِئَ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقُرِئَ: (إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) والمَعْنى أنَّ اتِّخاذَكم إيّاها مَوَدَّةَ بَيْنِكم لَيْسَ إلّا في الحَياةِ، وقَدْ أجْرَيْتُمْ أحْكامَهُ حَيْثُ فَعَلْتُمْ بِي ما فَعَلْتُمْ لِأجْلِ مَوَدَّتِكم لَها انْتِصارًا مِنِّي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ . ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَنْقِلَبُ الأُمُورُ، ويَتَبَدَّلُ التَّوادُّ تَباغُضًا، والتَّلاطُفُ تَلاعُنًا حَيْثُ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهُمُ العَبَدَةُ. ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهُمُ الأوْثانُ. ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: يَلْعَنُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكُمْ، ومِنَ الأوْثانِ. حَيْثُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الفَرِيقَ الآخَرَ. ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: هي مَنزِلُكُمُ الَّذِي تَأْوُونَ إلَيْهِ، ولا تَرْجِعُونَ مِنهُ أبَدًا. ﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَكم مِنها كَما خَلَّصَنِي رَبِّي مِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَيْتُمُونِي فِيها، وجَمْعُ النّاصِرِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ أيْ: ما لِأحَدٍ مِنكم مِن ناصِرٍ أصْلًا.

العنكبوت 29:26

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ: صَدَّقَهُ في جَمِيعِ مَقالاتِهِ لا في نُبُوَّتِهِ، وما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقَطْ فَإنَّهُ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الكُفْرِ، وما قِيلَ إنَّهُ آمَنَ لَهُ حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ما ذَكَرْنا، أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الرُّتْبَةُ العالِيَةُ مِنها، وهي الَّتِي لا يَرْتَقِي إلَيْها إلّا هِمَمُ الأفْرادِ الكُمَّلِ، ولُوطُ هو ابْنُ أخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿وَقالَ إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ: مِن قَوْمِي. ﴿إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ فَيَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا وفِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِما فِيهِ صَلاحِي. رُوِيَ أنَّهُ هاجَرَ مِن كُوثى سَوادِ الكُوفَةِ مَعَ لُوطَ وسارَّةَ ابْنَةِ عَمِّهِ إلى حِرانَ، ثُمَّ مِنها إلى الشَّأْمِ فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، ونَزَلَ لُوطُ سَدُومَ.

العنكبوت 29:27

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا، ونافِلَةً حِينَ أيِسَ مِن عَجُوزٍ عاقِرٍ. ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فَكَثُرَ مِنهُمُ الأنْبِياءُ. ﴿والكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَناوِلِ لِلْكُتُبِ الأرْبَعَةِ. ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ بِمُقابَلَةِ هِجْرَتِهِ إلَيْنا ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِإعْطاءِ الوَلَدِ، والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتِمْرارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وانْتِماءِ أهْلِ المِلَلِ إلَيْهِ، والثَّناءِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الصَّلاحِ.

العنكبوت 29:28

﴿وَلُوطًا﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ. وقُرِئَ: (أئِنَّكُمْ) ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِكَمالِ قُبْحِها، فَإنَّ إجْماعَ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ عَلى التَّحاشِي عَنْها لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ الطِّباعُ، وتَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ.

العنكبوت 29:29

(p-38)﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وتَتَعَرَّضُونَ لِلسّابِلَةِ، أيِ: الفاحِشَةِ حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا كَثِيرًا ما يَفْعَلُونَها بِالغُرَباءِ. وقِيلَ: تَقْطَعُونَ سَبِيلَ النِّساءِ بِالإعْراضِ عَنِ الحَرْثِ، وإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ. وقِيلَ: تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ بِالقَتْلِ، وأخْذِ المالِ. ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ في مَجْلِسِكُمُ الجامِعِ لِأصْحابِكم. ﴿المُنْكَرَ﴾ كالجِماعِ، والضُّراطِ، وحَلِّ الإزارِ، وغَيْرِها مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأفاعِيلِ المُنْكَرَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما هو الحَذْفُ بِالحَصى، والرَّمِيُّ بِالبَنادِقِ، والفَرْقَعَةُ، ومَضْغُ العِلْكِ، والسِّواكُ بَيْنَ النّاسِ، وحَلُّ الإزارِ، والسِّبابُ، والفُحْشُ في المِزاحِ. وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ بِمَن مَرَّ بِهِمْ، وقِيلَ: المُجاهَرَةُ في نادِيهِمْ بِذَلِكَ العَمَلِ. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما كانَ جَوابًا مِن جِهَتِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في هَذِهِ المَرَّةِ مِن مَرّاتِ مَواعِظِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كانَ أوْعَدَهم فِيها بِالعَذابِ، وأمّا ما في سُورَةِ الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ ... الآيَةَ. وما في سُورَةِ النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ ... الآيَةَ. فَهو الَّذِي صَدَرَ عَنْهم بَعْدَهُ هَذِهِ المَرَّةُ، وهي المَرَّةُ الأخِيرَةُ مِن مَرّاتِ المُقاوَلاتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

العنكبوت 29:30

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ: بِإنْزالِ العَذابِ المَوْعُودِ. ﴿عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ، وسَنِّها فِيمَن بَعْدَهُمْ، والإصْرارِ عَلَيْها، واسْتِعْجالِ العَذابِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنَّما وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.

العنكبوت 29:31

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ الكَلامِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ، وسُورَةِ الحِجْرِ. ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قَرْيَةِ سَدُومَ. والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ. ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ بِإصْرارِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، وتَمادِيهِمْ في فُنُونِ الفَسادِ، وأنْواعِ المَعاصِي.

العنكبوت 29:32

﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ أرادُوا أنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنْ مَكانِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها بَلْ عَمَّنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أتْباعِهِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم مُعْتَنُونَ بِشَأْنِهِمْ أتَمَّ اعْتِناءٍ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُ الوَعْدِ بِالتَّنْجِيَةِ بِالقِسْمِ، أيْ: واللَّهِ لَنُنْجِيَنَّهُ وأهْلَهُ. ﴿إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ.

العنكبوت 29:33

(p-39)﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ اعْتَراهُ المَساءَةُ بِسَبِّهِمْ مَخافَةَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم قَوْمُهُ بِسُوءٍ، وكَلِمَةُ "أنْ" صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما بَيْنَ الفِعْلَيْنِ مِنَ الِاتِّصالِ. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: ضاقَ بِشَأْنِهِمْ، وتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ، ذَرْعُهُ. أيْ: طاقَتُهُ كَقَوْلِهِمْ ضاقَتْ يَدُهُ، وبِإزائِهِ رَحُبَ ذَرْعُهُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا بِهِ قادِرًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ طَوِيلَ الذِّراعِ يَنالُ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُ الذِّراعِ. ﴿وَقالُوا﴾ رَيْثَما شاهَدُوا فِيهِ مَخايِلَ التَّضَجُّرِ مِن جِهَتِهِمْ، وعايَنُوا أنَّهُ عَجَزَ عَنْ مُدافَعَةِ قَوْمِهِ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي حَتّى آلَتْ بِهِ الحالُ إلى أنْ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. ﴿لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِن قَوْمِكَ عَلَيْنا. ﴿وَلا تَحْزَنْ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: بِإهْلاكِنا إيّاهم. ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِمّا يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ. ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ وقُرِئَ: (لَنُنَجِيَنَّكَ) و (مُنَجُّوكَ) مِنَ الإنْجاءِ، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ الكافِ الجَرُّ عَلى المُخْتارِ، ونَصْبُ أهْلِكَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّها بِاعْتِبارِ الأصْلِ.

العنكبوت 29:34

﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِوَعْدِ التَّنْجِيَةِ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، والرِّجْزُ العَذابُ الَّذِي يُقْلِقُ المُعَذَّبَ، أيْ: يُزْعِجُهُ مِن قَوْلِهِمُ: ارْتَجَزَ إذا ارْتَجَسَ واضْطَرَبَ. وقُرِئَ: (مُنَزِّلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ.

العنكبوت 29:35

﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾ أيْ: مِنَ القَرْيَةِ. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي قِصَّتُها العَجِيبَةُ، وآثارُ دِيارِها الخَرِبَةِ. وقِيلَ: الحِجارَةُ المَمْطُورَةُ فَإنَّها كانَتْ باقِيَةً بَعْدَها، وقِيلَ: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الِاسْتِبْصارِ، والِاعْتِبارِ. وهو مُتَعَلِّقٌ إمّا بِتَرَكْنا أوْ "بَيِّنَةً".

العنكبوت 29:36

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: وأرْسَلَنا إلى مَدْيَنَ شُعَيْبًا. ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ. ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ، وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ، وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما تَأْمَنُونَ غائِلَتَهُ. وقِيلَ: وارْجُوا ثَوابَهُ بِطَرِيقِ إقامَةِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وقِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ. ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

العنكبوت 29:37

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ. وفي سُورَةِ هُودٍ ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها المُوجِبَةُ لِلرَّجْفَةِ بِسَبَبِ تَمْوِيجِها لِلْهَواءِ، وما يُجاوِرُها مِنَ (p-40)الأرْضِ. ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: بَلَدِهِمْ، أوْ مَنازِلِهِمْ. والإفْرادُ لِأمْنِ اللَّبْسِ. ﴿جاثِمِينَ﴾ بارِكِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.

العنكبوت 29:38

﴿وَعادًا وثَمُودَ﴾ مَنصُوبانِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ، أيْ: أهْلَكْنا. وقُرِئَ: (ثَمُودا) بِتَأْوِيلِ الحَيِّ. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم إهْلاكُنا إيّاهم مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ بِالنَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ اجْتِيازِكم بِها ذَهابًا إلى الشّامِ، وإيابًا مِنهُ. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ السَّوِيِّ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّظَرِ، والِاسْتِدْلالِ. ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، أوْ مُتَبَيِّنِينَ أنَّ العَذابَ لاحِقٌ بِهِمْ بِإخْبارِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، ولَكِنَّهم لَجُّوا حَتّى لَقُوا ما لَقُوا.

العنكبوت 29:39

﴿وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "عادًا". قِيلَ: تَقْدِيمُ قارُونَ لِشَرَفِ نَسَبِهِ. ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ مُفَلَّتِينَ فائِتِينَ مِن قَوْلِهِمْ: سَبَقَ طالِبَهُ إذا فاتَهُ، ولَمْ يُدْرِكْهُ، ولَقَدْ أدْرَكَهم أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيَّ إدْراكٍ فَتَدارَكُوا نَحْوَ الدَّمارِ والهَلاكِ.

العنكبوت 29:40

﴿فَكُلا﴾ تَفْسِيرٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ سَبْقِهِمْ بِطَرِيقِ الإبْهامِ، أيْ: فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْناهُ بِجِنايَتِهِ، لا بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، كَما يُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ. ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأخْذِ، أيْ: رِيحًا عاصِفًا فِيها حَصْباءُ، وقِيلَ: مَلَكًا رَماهم بَهاؤُهم قَوْمُ لُوطٍ. ﴿وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كَمَدْيَنَ وثَمُودَ. ﴿وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ كَقارُونَ. ﴿وَمِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ، وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بِما فَعَلَ بِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

العنكبوت 29:41

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: فِيما اتَّخَذُوهُ مُعْتَمَدًا ومُتَّكَلًا. ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فِيما نَسَجَتْهُ في الوَهْنِ والخَوْرِ، بَلْ ذَلِكَ أوْهَنُ مِن هَذا لِأنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وانْتِفاعًا في الجُمْلَةِ، أوْ مَثَلُهم بِالإضافَةِ إلى المُوَحَّدِ، كَمَثَلِهِ بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا مِن حَجَرٍ وجَصٍّ. والعَنْكَبُوتُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، والغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ التَّأْنِيثُ، وِتاؤُهُ (p-41)كَتاءِ طاغُوتٍ، ويُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكُبُوتاتٍ. وأمّا العِكابُ والعُكُبُ والأعْكُبُ فَأسْماءُ الجُمُوعِ. ﴿وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ حَيْثُ لا يُرى شَيْءٌ يُدانِيهِ في الوَهَنِ والوَهْيِ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لَجَزَمُوا أنَّ هَذا مِثَلُهُمْ، أوْ أنَّ دِينَهُمْ، أوْ هي مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ عِبارَةً عَنْ دِينِهِمْ تَحْقِيقًا لِلتَّمْثِيلِ، فالمَعْنى: وإنَّ أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ بِهِ في الدِّينِ دِينُهم.

العنكبوت 29:42

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قُلْ لِلْكَفَرَةِ إنَّ اللَّهَ... إلَخْ. و "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ "يَدْعُونَ" مُعَلَّقَةٌ لِـ "يَعْلَمُ"، و "مِن" لِلتَّبْيِينِ أوْ نافِيَةٌ، و "مِن" مَزِيدَةٌ، و "شَيْءٍ" مَفْعُولُ "يَدْعُونَ"، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، و "شَيْءٍ" عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ لِـ "يَعْلَمُ"، ومَفْعُولُ "يَدْعُونَ" عائِدُهُ المَحْذُوفُ. وقُرِئَ: (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِينَ تَجْهِيلٌ لَهُمْ، وتَأْكِيدٌ لِلْمَثَلِ، وعَلى الأخِيرَيْنِ وعِيدٌ لَهم. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَإنَّ إشْراكَ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِمَن هَذا شَأْنُهُ مِن فَرْطِ الغَباوَةِ، وإنَّ الجَمادَ بِالنِّسْبَةِ إلى القادِرِ القاهِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ البالِغِ في العِلْمِ، وإتْقانِ الفِعْلِ الغايَةُ القاصِيَةُ كالمَعْدُومِ البَحْتِ، وأنَّ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ قادِرٌ عَلى مُجازاتِهِمْ.

العنكبوت 29:43

﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وأمْثالُهُ. ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ تَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ. ﴿وَما يَعْقِلُها﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ، واسْتِتْباعِ الفَوائِدِ ﴿إلا العالِمُونَ﴾ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ في الأشْياءِ عَلى ما يَنْبَغِي. وعَنْهُ ﷺ أنَّهُ تَلا هَذِهِ فَقالَ: « "العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبَ سَخَطَهُ".»

العنكبوت 29:44

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقٍّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ فَإنَّها مَعَ اشْتِمالِها عَلى جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعايِشُهم شَواهِدُ دالَّةٌ عَلى شُئُونِهِ تَعالى المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دالَّةً لَهم عَلى ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الهِدايَةِ، والإرْشادِ في خَلْقِهِما لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.

العنكبوت 29:45

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ، وتَذَكُّرًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي، وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ، وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، ومَحاسِنِ الآدابِ، ومَكارِمِ الأخْلاقِ. ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ: داوِمْ عَلى إقامَتِها، وحَيْثُ كانَتِ الصَّلاةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ المُؤَدّاةِ بِالجَماعَةِ، وكانَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإقامَتِها مُتَضَمِّنًا لِأمْرِ الأُمَّةِ بِها عُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ (p-42)والمُنْكَرِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَلِّ بِهِمْ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَعْنى: "نَهْيُها عَنْهُما" أنَّها سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ عَنْهُما لِأنَّها مُناجاةٌ لِلَّهِ تَعالى فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعَ إقْبالٍ تامٍّ عَلى طاعَتِهِ، وإعْراضٍ كُلِّيٍّ عَنْ مَعاصِيِهِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في الصَّلاةِ مُنْتَهًى ومُزْدَجَرٌ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى، فَمَن لَمْ تَأْمُرْهُ صَلاتُهُ بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ تَنْهَهُ عَنِ المُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِصَلاتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بُعْدًا. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَصَلاتُهُ وبالٌ عَلَيْهِ. ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا رَكِبَهُ، فَوَصَفَ لَهُ ﷺ حالَهُ فَقالَ: إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وحَسُنَ حالُهُ.» ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: ولِلصَّلاةِ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما فِيها مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى هو العُمْدَةُ في كَوْنِها مُفَضَّلَةً عَلى الحَسَناتِ ناهِيَةً عَنِ السَّيِّئاتِ. وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما، ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما أكْبَرُ في الزَّجْرِ عَنْهُما. وقِيلَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنهُ، ومِن سائِرِ الطّاعاتِ فَيُجازِيكم بِها أحْسَنَ المُجازاةِ.

العنكبوت 29:46

﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُقابَلَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ، والغَضَبِ بِالكَظْمِ، والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ والسَّوْرَةِ بِالأناةِ عَلى وجْهٍ لا يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ، ولا يُؤَدِّي إلى إعْطاءِ الدَّنِيَّةِ. وقِيلَ: مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِالإفْراطِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ، أوْ بِإثْباتِ الوَلَدِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ يَجِبُ حِينَئِذٍ المُدافَعَةُ بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ. ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القرآن، ﴿وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: وبِالَّذِي أُنْزِلُ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِما في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ، ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ وبِرُسُلِهِ، فَإنْ قالُوا باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ، وإنْ قالُوا حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ".» ﴿وَإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُطِيعُونَ خاصَّةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.

العنكبوت 29:47

﴿وَكَذَلِكَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ المُوافِقِ لِإنْزالِ سائِرِ الكُتُبِ ﴿أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالحُسْنى. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأضْرابُهُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ خاصَّةً كَأنَّ مَن عَداهم لَمْ يُؤْتُوا الكِتابَ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (p-43)ﷺ مِنهم حَيْثُ كانُوا مُصَدِّقِينَ بِنُزُولِهِ حَسْبَما شاهَدُوا في كِتابَيْهِما، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن بَعْدَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ نُزِعَ عَنْهُمُ الكِتابُ بِالنَّسْخِ فَلَمْ يُؤْتَوْهُ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبٍ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ. ﴿وَمِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: ومِنَ العَرَبِ، أوْ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الأوَّلِ، أوْ مِمَّنْ في عَصْرِهِ ﷺ عَلى الثّانِي. ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن. ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ عَبَّرَ عَنِ الكِتابِ بِالآياتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ دَلالَتِها عَلى مَعانِيها، وعَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأُضِيفَتْ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِمَزِيدِ تَفْخِيمِها، وغايَةِ تَشْنِيعِ مَن يَجْحَدُ بِها. ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَصُدُّهم عَنِ التَّأمُّلِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِّيَّتِها، وقِيلَ: هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ.

العنكبوت 29:48

﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: ما كُنْتَ قَبْلَ إنْزالِنا إلَيْكَ الكِتابَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَتْلُوَ شَيْئًا مِن كِتابٍ. ﴿وَلا تَخُطُّهُ﴾ أيْ: ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَخُطَّهُ. ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حَسْبَما هو المُعْتادُ، أوْ ما كانَتْ عادَتُكَ أنْ تَتْلُوَهُ، ولا أنْ تَخُطَّهُ. ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ، أوْ مِمَّنْ يَعْتادُهُما لارْتابُوا، وقالُوا: لَعَلَّهُ التَقَطَهُ مِن كُتُبِ الأوائِلِ، وحَيْثُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ في شَأْنِكَ مَنشَأُ رَيْبٍ أصْلًا، وتَسْمِيَتُهم مُبْطِلِينَ في ارْتِيابِهِمْ عَلى التَّقْدِيرِ المَفْرُوضِ لِكَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ في اتِّباعِهِمْ لِلِاحْتِمالِ المَذْكُورِ مَعَ ظُهُورِ نَزاهَتِهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ.

العنكبوت 29:49

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: القرآن. ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُلْتَقَطَ مِن كِتابٍ يَحْفَظُونَهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيفِهِ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ كَوْنِها كَما ذُكِرَ. ﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ المُتَجاوِزُونَ لِلْحُدُودِ في الشَّرِّ، والمُكابَرَةِ، والفَسادِ.

العنكبوت 29:50

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلُ ناقَةِ صالِحٍ، وعَصا مُوسى، ومائِدَةُ عِيسى، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: آيَةٌ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنَزِّلُها حَسْبَما يَشاءُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ قَطْعًا. ﴿وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ بِما أُوتِيتُ مِنَ الآياتِ.

العنكبوت 29:51

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى رَدًّا عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانًا لِبُطْلانِهِ، و "الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أقَصَّرَ، ولَمْ يَكْفِهِمْ آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ سائِرِ الآياتِ. ﴿أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ النّاطِقَ بِالحَقِّ المُصَدِّقَ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأنْتَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُدارَسَتِها، ومُمارَسَتِها. ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ فَلا يَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ كَوْنِها، وتَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، أوْ يُتْلى عَلى اليَهُودِ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الكِتابِ العَظِيمِ (p-44)الشَّأْنِ الباقِي عَلى مَرِّ الدُّهُورِ. ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً عَظِيمَةً. ﴿وَذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِرَةً. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِقَوْمِ هَمُّهُمُ الإيمانُ لا التَّعَنُّتُ كَأُولَئِكَ المُقْتَرِحِينَ. وقِيلَ: إنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَتِفٍ فِيها بَعْضُ ما يَقُولُهُ اليَهُودُ، فَقالَ: كَفى بِها ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ، فَنَزَلَتْ.

العنكبوت 29:52

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ بِما صَدَرَ عَنِّي وعَنْكم. ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَأْنِي وشَأْنُكُمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كِفايَتِهِ تَعالى شَهِيدًا. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ وهو ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ المَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ بِأنْ ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ الأصْلِيَّةَ، والأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَةِ الإيمان بالباطِلِ، والكُفْرِ بِاللَّهِ، والخُسْرانِ إلَيْهِمْ، بَلْ ذُكِرَ عَلى مِنهاجِ الإبْهامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

العنكبوت 29:53

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ وقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَذابِهِمْ، وبَيَّنَهُ في اللَّوْحِ. ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ المُعَيَّنُ لَهم حَسْبَما اسْتَعْجَلُوا بِهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ: يَوْمُ القِيامَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعْدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمَهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأنْ يُؤَخِّرَ عَذابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، وقِيلَ: وقْتُ فَنائِهِمْ بِآجالِهِمْ. وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ لِما أنَّهم ما كانُوا يُوعَدُونَ بِفَنائِهِمُ الطَّبِيعِيِّ، ولا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن مَجِيءِ العَذابِ عِنْدَ مَحَلِّ الأجْلِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَيَأْتِيَنَّهمُ العَذابُ الَّذِي عُيِّنَ لَهم عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ. ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِإتْيانِهِ. ولَعَلَّ المُرادَ بِـ إتْيانِهِ كَذَلِكَ أنَّهُ لا يَأْتِيهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْجِيلِ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ، والإجابَةِ إلى مَسْؤُولِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إتْيانٌ بِرَأْيِهِمْ وشُعُورِهِمْ، لا أنَّهُ يَأْتِيهِمْ وهم غارُّونَ آمِنُونَ لا يُخْطِرُونَهُ بِالبالِ كَدَأْبِ بَعْضِ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ بَياتًا وهم نائِمُونَ، أوْ ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ، لِما أنَّ إتْيانَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ.

العنكبوت 29:54

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِغايَةِ تَجْهِيلِهِمْ ورَكاكَةِ رَأْيِهِمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما اسْتَعْجَلُوهُ عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ. والحالُ أنَّ مَحَلَّ العَذابِ الَّذِي عَذابٌ فَوْقَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، وإنَّ العَذابَ لَمُحِيطٌ بِهِمْ، أيْ: سَيُحِيطُ بِهِمْ. وإنَّما (p-45)جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ الإحاطَةِ، واسْتِمْرارِها، أوْ تَنْزِيلًا لِحالِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ حالِ المُسَبَّبِ. فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ هي النّارُ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ ولامُ الكافِرِينَ إمّا لِلْعَهْدِ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

العنكبوت 29:55

﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِغايَةِ كَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِلْإحاطَةِ. ﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ. ﴿وَيَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ، أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ.

العنكبوت 29:56

﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابُ تَشْرِيفٍ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي لِمُمانَعَةٍ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ، وإرْشادٌ لَهم إلى الطَّرِيقِ الأسْلَمِ. ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ أيْ: إذا لَمْ يَتَسَهَّلُ لَكُمُ العِبادَةُ في بَلَدٍ ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَكم إظْهارُ دِينِكُمْ، فَهاجِرُوا إلى حَيْثُ يَتَسَنّى لَكم ذَلِكَ. وعَنْهُ ﷺ: « "مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ ولَوْ كانَ شِبْرًا اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ".» و "الفاءُ" جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ المَعْنى إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا العِبادَةَ لِي في أرْضٍ فَأخْلِصُوها في غَيْرِها، ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ، وعُوِّضَ عَنْهُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مَعَ إفادَةِ تَقْدِيمِهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ والإخْلاصِ.

العنكبوت 29:57

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها حَثًّا عَلى المُسارَعَةِ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ وكَرْبَهُ، فَراجِعَةٌ إلى حُكْمِنا وجَزائِنا، بِحَسَبِ أعْمالِها. فَمَن كانَتْ هَذِهِ عاقِبَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّزَوُّدِ، والِاسْتِعْدادِ لَها، وقُرِئَ: (يُرْجَعُونَ).

العنكبوت 29:58

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لَنُنَزِّلَنَّهم. ﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ: عَلالِي. وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّبْوِئَةِ، وقُرِئَ: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ) مِنَ الثُّواءِ، بِمَعْنى الإقامَةِ. فانْتِصابُ "غُرَفًا" حِينَئِذٍ إمّا بِإجْرائِهِ مَجْرى لَنُنَزِّلَنَّهُمْ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ بِتَشْبِيهِ الظَّرْفِ المُوَقَّتِ بِالمُبْهَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ . ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةً لِغُرَفًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في الغُرَفِ، أوْ في الجَنَّةِ. ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (فَنِعْمَ).

العنكبوت 29:59

(p-46)﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْعامِلِينَ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ: صَبَرُوا عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وشَدائِدِ المُهاجَرَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ والمَشاقِّ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: ولَمْ يَتَوَكَّلُوا فِيما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.

العنكبوت 29:60

﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ بِالمُهاجَرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالُوا: كَيْفَ نَقْدَمُ بَلْدَةً لَيْسَ لَنا فِيها مَعِيشَةٌ؟ فَنَزَلَتْ. أيْ: وكَمْ مِن دابَّةٍ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها أوْ لا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما تُصْبِحُ ولا مَعِيشَةَ عِنْدَها. ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها وتَوَكُّلِها وإيّاكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم سَواءٌ في أنَّهُ لا يَرْزُقُها، وإيّاكم إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ رِزْقَ الكُلِّ بِأسْبابٍ هو المُسَبِّبُ لَها وحْدَهُ، فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِالمُهاجَرَةِ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُبالِغُ في السَّمْعِ، فَيَسْمَعُ قَوْلَكم هَذا. ﴿العَلِيمُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ ضَمائِرَكم.

العنكبوت 29:61

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ. ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، ولا إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ. ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ، أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِتَفَرُّدِهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْخِيرِ؟

العنكبوت 29:62

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ. ﴿مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ: يَقْدِرُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَ لَهُ مِنهم كائِنًا مَن كانَ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُبْهَمٌ حَسَبَ إبْهامِ مَرْجِعِهِ، أوْ يَقْدِرُ لِمَن بِبَسْطِهِ لَهُ عَلى التَّعاقُبِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِبَسْطِ الرِّزْقِ فَيَبْسُطُهُ لَهُ، ومَن يَلِيقُ بِقَدْرِهِ فَيَقْدِرُهُ لَهُ. أوْ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ في أيِ وقْتٍ يُوافِقُ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ فَيَفْعَلُ كُلًّا مِنهُما في وقْتِهِ.

العنكبوت 29:63

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُكِنّاتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفُرُوعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ المُبْطِلُونَ عَلى جُحُودِهِ، وأنَّهُ أظْهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: عَلى أنْ عَصَمَكَ مِن أمْثالِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. " بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ " أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَلِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِمْ هَذا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، وقِيلَ: لا يَعْقِلُونَ ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ ذَلِكَ.

العنكبوت 29:64

(p-47)﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةُ تَحْقِيرِ وازْدِراءِ الدُّنْيا، وكَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى الكافِرَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ".» ﴿إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ: إلّا كَما يُلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيْ: لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ لِامْتِناعِ طَرَيانِ المَوْتِ والفَناءِ عَلَيْها، أوْ هي في ذاتِها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ. و "الحَيَوانُ" مَصْدَرُ حَيَّ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ، وأصْلُهُ "حَيَيانٌ" فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا لِما في بِناءِ فَعَلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ، والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَيَوانِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلى الحَياةِ في هَذا المَقامِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَما آثَرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ، ثُمَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الحَياةِ عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ.

العنكبوت 29:65

﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ شَرْحُ حالِهِمْ. والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ عَلى الشَّيْءِ المُتَحَرِّكِ، وهو مُتَّعَدٍ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ . واسْتِعْمالُهُ هَهُنا، وفي أمْثالِهِ بِكَلِمَةِ "فِي" لِلْإيذانِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ، وحَرَكَتُهُ قَسْرِيَّةٌ غَيْرُ إرادِيَّةٍ كَما مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى أنَّهم عَلى ما وُصِفُوا مِنَ الإشْراكِ فَإذا رَكِبُوا في البَحْرِ، ولَقُوا شِدَّةً﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لِدِينِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكْشِفُ الشَّدائِدَ عَنْهم إلّا هو. ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ.

العنكبوت 29:66

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ أيْ: يُفاجِئُونَ الإشْراكَ لِيَكُونُوا كافِرِينَ بِما آتَيْناهم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَشْكُرُوها. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ ذَلِكَ، وغائِلَتَهُ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ.

العنكبوت 29:67

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا. ﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ: بَلَدَهم. ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ مَصُونًا مِنَ النَّهْبِ والتَّعَدِّي سالِمًا أهْلُهُ مِن كُلِّ سُوءٍ. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم يُخْتَلَسُونَ مِن حَوْلِهِمْ قَتْلًا وسَبْيًا، إذْ كانَتِ العَرَبُ حَوْلَهُ في تَغاوُرٍ وتَناهُبٍ. ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: أبَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، بِالباطِلِ خاصَّةً يُؤْمِنُونَ دُونَ الحَقِّ؟!. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهي المُسْتَوْجِبَةُ لِلشُّكْرِ حَيْثُ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا.

العنكبوت 29:68

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ (p-48)زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وإنْ كانَ سَبْكُ النَّظْمِ دالًّا عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المَساوِئِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا. ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: بِالرَّسُولِ، أوْ بِالقرآن. وفي "لَمّا" تَسْفِيهٌ لَهم بِأنْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا ولَمْ يَتَأمَّلُوا حِينَ جاءَهم بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ. ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ؟ تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ فِيها كَقَوْلِ مَن قالَ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا أيْ: ألا يَسْتَوْجِبُونَ الثَّواءَ فِيها، وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبِ بِالحَقِّ الصَّرِيحِ، أوْ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاجْتِرائِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِ الكَفَرَةِ. أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ حَتّى اجْتَرَءُوا هَذِهِ الجَراءَةَ.

العنكبوت 29:69

﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ أيْ: في شَأْنِنا. ولِوَجْهِنا خالِصًا، أطْلَقَ المُجاهَدَةَ لِيَعُمَّ جِهادَ الأعادِي الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا، والوُصُولِ إلى جَنابِنا، أوْ لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقِها لِسُلُوكِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ . وفي الحَدِيثِ: « "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ".» ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ مَعِيَّةَ النَّصْرِ والمَعُونَةِ. عَنْهُ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ العَنْكَبُوتِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدٍ كُلِّ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ.﴾

الروم 30:1

(p-49)سُورَةُ الرُّومِ (مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ ... الآيَةَ. وهى سِتُّونَ آيَةً) ﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في أمْثالِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ.

الروم 30:2

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ: أدْنى أرْضِ العَرَبِ مِنهُمْ، إذْ هي الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ. عَلى أنَّ "اللّامَ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ. وقُرِئَ: (أدانِي الأرْضِ) ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: الرُّومُ. ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: سَيَغْلِبُونَ فارِسَ.

الروم 30:3

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ: أدْنى أرْضِ العَرَبِ مِنهُمْ، إذْ هي الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، وهي أطْرافُ الشّامِ، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ. عَلى أنَّ "اللّامَ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ. وقُرِئَ: (أدانِي الأرْضِ) ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: الرُّومُ. ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: سَيَغْلِبُونَ فارِسَ.

الروم 30:4

﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافَوْهم بِأذْرُعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ كَما مَرَّ. فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ، وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ، وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم فَلَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يُقْرِرِ اللَّهُ أعْيُنَكم فَواللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ اللَّعِينُ: كَذَبْتَ، اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا، أُناحِبْكَ عَلَيْهِ. فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلٍّ مِنهُما، وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ فَأخْبَرَ بِهِ أبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَزَيْدُوهُ في الخَطَرِ. ومادُّهُ في الأجَلِ فَجَعَلاها مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ، وماتَ أُبَيٌّ مِن جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ عِنْدَ رَأْسِ سَبْعِ سِنِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. وقِيلَ: كانَ النَّصْرُ لِلْفَرِيقَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ذُرِّيَّةِ أُبَيٍّ فَجاءَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ. وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، وهَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيِّناتِ الباهِرَةِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وكَوْنِ القرآن مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ أخْبَرَتْ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ، وقُرِئَ: (غَلَبَتْ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وسَيُغْلَبُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى أنَّ الرُّومَ (p-50)غَلَبَتْ عَلى رِيفِ الشّامِ، وسَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ. وقَدْ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِها، فَفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ فَإضافَةُ الغَلَبِ حِينَئِذٍ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: في أوَّلِ الوَقْتَيْنِ، وفي آخِرِهِما حِينَ غُلِبُوا، وحِينَ يَغْلِبُونَ. كَأنَّهُ قِيلَ: مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ. والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا وغالِبِينَ آخِرًا، لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وقُرِئَ: (مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ) بِالجَرِّ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، واقْتِطاعِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَبْلًا وبَعْدًا بِمَعْنى أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ عَلى فارِسَ، ويَحِلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَلَبَتِهِمْ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .

الروم 30:5

﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ، وغَيْظِ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ، وكَوْنِ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفّارِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وقِيلَ: نَصْرُهُ تَعالى أنَّهُ ولّى بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا وفَرَّقَ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ حَتّى تَناقَصُوا وتَفانَوْا، وفَلَّ كُلٌّ مِنهم شَوْكَةَ الآخَرِ، وفي ذَلِكَ قُوَّةٌ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وفِيهِ مِن نَصْرِ اللَّهِ العَزِيزِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ . أيْ: مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ، ويُغَلِّبَهُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: "لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ" ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ المُبالِغُ في العِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَلا يُعْجِزُهُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَ عَلَيْهِ كائِنًا مَن كانَ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ فَيَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ، أيَّ فَرِيقٍ كانَ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هي الدُّنْيَوِيَّةُ. أمّا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَظاهِرٌ لِما أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لَها، لَكِنَّ المُرادَ هَهُنا نَصْرُهُمُ الَّذِي هو مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ العِزَّةِ لِتَقَدُّمِهِ في الِاعْتِبارِ.

الروم 30:6

﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى الوَعْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا. ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيَّ وعْدٍ كانَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَفْخِيمِهِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَعْنى المَصْدَرِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ فَيَكُونَ كالمَصْدَرِ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعْدُ اللَّهِ غَيْرُ مُخْلَفٍ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما سَبَقَ مِن شُئُونِهِ تَعالى.

الروم 30:7

﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِها، ومَلاذِّها، وسائِرِ أحْوالِها المُوافِقَةِ لِشَهَواتِهِمُ المُلائِمَةِ لِأهْوائِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لِانْهِماكِهِمْ فِيها، وعُكُوفِهِمْ عَلَيْها، لا تَمَتُّعُهم بِزَخارِفِها، وتَنَعُّمُهم بِمَلاذِّها كَما قِيلَ. فَإنَّهُما لَيْسا مِمّا عَلِمُوهُ مِنها بَلْ مِن أفْعالِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى عُلُومِهِمْ، وتَنْكِيرُ ظاهِرًا لِلتَّحْقِيرِ، والتَّخْسِيسِ (p-51)دُونَ الواحِدَةِ كَما تُوَهِّمُ، أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا حَقِيرًا خَسِيسًا مِنَ الدُّنْيا. ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى، والمَطْلَبُ الأسْنى. ﴿هم غافِلُونَ﴾ لا يُخْطِرُونَها بِالبالِ، ولا يُدْرِكُونَ مِنَ الدُّنْيا ما يُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِها مِن أحْوالِها، ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، كَما سَيَأْتِي. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "يَعْلَمُونَ"، وإيرادُها اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ ودَوامِها. و "هُمُ" الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى، أوْ مُبْتَدَأٌ. و "غافِلُونَ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأُولى، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ، وتَشْبِيهًا لَهم بِالبَهائِمِ المَقْصُورِ إدْراكاتُها مِنَ الدُّنْيا عَلى ظَواهِرِها الخَسِيسَةِ دُونَ أحْوالِها الَّتِي هي مَبادِئُ العِلْمِ بِأُمُورِ الآخِرَةِ، وإشْعارًا بِأنَّ العِلْمَ المَذْكُورَ، وعَدَمَ العِلْمِ رَأْسًا سِيّانِ.

الروم 30:8

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارٌ، واسْتِقْباحٌ لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ، وذِكْرُهُ مَعَ ظُهُورِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ في غَيْرِها؛ لِتَحْقِيقِ أمْرِهِ، وتَصْوِيرِ حالِ المُتَفَكِّرِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ ... إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالعِلْمِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ بِالقَوْلِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ أيْ: أعَلِمُوا ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا فَقَطْ، أوْ أقَصَرُوا النَّظَرَ عَلَيْهِ، ولَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في قُلُوبِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَهُما، وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هم مِن جُمْلَتِها مُلْتَبِسَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. ﴿إلا﴾ مُلْتَبِسَةً ﴿بِالحَقِّ﴾ أوْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ مُعْتَرِفِينَ بِمَضْمُونِهِ إثْرَ ما عَلِمُوهُ. والمُرادُ بِـ "الحَقِّ" هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَثْبُتَ لا مَحالَةَ لِابْتِنائِهِ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والغَرَضِ الصَّحِيحِ الَّذِي هو اسْتِشْهادُ المُكَلَّفِينَ بِذَواتِها وصِفاتِها، وأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ عَلى وُجُودِ صانِعِها عَزَّ وجَلَّ، ووَحْدَتِهِ، وعِلْمِهِ، وقدرته، وحِكْمَتِهِ، واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِيَّةِ، وصِحَّةِ أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم بَعْدَ الفَناءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، ومُجازاتُهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ غِبَّ ما تَبَيَّنَ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، وامْتازَتْ دَرَجاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ طَبَقاتِ عُلُومِهِمْ واعْتِقاداتِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أنْظارِهِمْ. فِيما نُصِبَ في المَصْنُوعاتِ مِنَ الآياتِ، والدَّلائِلِ، والأماراتِ، والمَخايِلِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ . فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: "أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ". وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوائِلِ سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، أيْ: وبِأجَلٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَقائِها لا بُدَّ لَها مِن أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهو وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ. هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "فِي أنْفُسِهِمْ" صِلَةً لِلتَّفَكُّرِ عَلى مَعْنى، أوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِمْ، وهم أعْلَمُ بِشُئُونِها، وأخْبَرُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها، فَيَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَرائِبِ الحِكَمِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ. (p-52)وَأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنِ انْتِهاءٍ إلى وقْتٍ يُجازِيها فِيهِ الحَكِيمُ الَّذِي دَبَّرَ أمْرَها عَلى الإحْسانِ إحْسانًا، وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ أمْرَ مَعادِ الإنْسانِ ومُجازاتِهِ بِما عَمِلَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والمُحْتاجُ إلى الإثْباتِ. فَجَعْلُهُ ذَرِيعَةً إلى إثْباتِ مَعادِ ما عَداهُ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الجَزاءِ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ فَتَدَبَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ أكْثَرَهم غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ أحْوالِ الآخِرَةِ، والإعْراضِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما مِنَ المَصْنُوعاتِ، بَلْ هم مُنْكِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ حِسابِهِ تَعالى وجَزائِهِ بِالبَعْثِ.

الروم 30:9

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ تَوْبِيخٌ لَهم بِعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِمُشاهَدَةِ أحْوالِ أمْثالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى عاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ، و "الهَمْزَةُ" لِتَقْرِيرِ المَنفِيِّ، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أقْعَدُوا في أماكِنِهِمْ. ولَمْ يَسِيرُوا ﴿فِي الأرْضِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ في حُكْمِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى أنَّهم قَدْ سارُوا في أقْطارِ الأرْضِ، وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَعادٍ وثَمُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ لِمَبْدَأِ أحْوالِهِمْ، ومَآلُها، يَعْنِي أنَّهم كانُوا أقْدَرَ مِنهم عَلى التَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً. ﴿وَأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ: قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ والحَرْثِ. وقِيلَ: لِاسْتِنْباطِ المِياهِ، واسْتِخْراجِ المَعادِنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَعَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرَها أُولَئِكَ بِفُنُونِ العِماراتِ مِنَ الزِّراعَةِ، والغَرْسِ، والبِناءِ، وغَيْرِها مِمّا يُعَدُّ عِمارَةً لَها. ﴿أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عِمارَةً أكْثَرَ كَمًّا وكَيْفًا وزَمانًا مِن عِمارَةِ هَؤُلاءِ إيّاها، كَيْفَ لا؟ وهم أهْلُ وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لا تَبَسُّطَ لَهم في غَيْرِهِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ حَيْثُ كانُوا مُغْتَرِّينَ بِالدُّنْيا مُفْتَخِرِينَ بِمَتاعِها مَعَ ضَعْفِ حالِهِمْ، وضِيقِ عَطَنِهِمْ. إذْ مَدارُ أمْرِها عَلى التَّبَسُّطِ في البِلادِ، والتَّسَلُّطِ عَلى العِبادِ، والتَّقَلُّبِ في أكْنافِ الأرْضِ بِأصْنافِ التَّصَرُّفاتِ، وهم ضَعَفَةٌ مُلْجَئُونَ إلى وادٍ لا نَفْعَ فِيهِ يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ. ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ، أوِ الآياتِ الواضِحاتِ. ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهم فَما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ يَسْتَدْعِيهِ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالظُّلْمِ مَعَ أنَّ إهْلاكَهُ تَعالى إيّاهم بِلا جُرْمٍ لَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ في شَيْءٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، بِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى. وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأنْفالِ، وسُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِأنِ اجْتَرَءُوا عَلى اقْتِرافِ ما يُوجِبُهُ مِنَ المَعاصِي العَظِيمَةِ.

الروم 30:10

﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ. (p-53)وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإساءَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. ﴿السُّوأى﴾ أيِ: العُقُوبَةُ. الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وأفْظَعُها. الَّتِي هي العُقُوبَةُ بِالنّارِ فَإنَّها تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، كالحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، أوْ مَصْدَرٌ كالبُشْرى وُصِفَ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً كَأنَّها نَفْسُ السُّوأى، وهي مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وخَبَرُها "عاقِبَةَ". وقُرِئَ: عَلى العَكْسِ، وهو أدْخَلُ في الجَزالَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ عِلَّةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومُعْجِزاتِهِ الظّاهِرَةِ عَلى أيْدِيهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِّيَّةِ، وإيرادُ الِاسْتِهْزاءِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِ، وتَجَدُّدِهِ. هَذا هو اللّائِقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وقَدْ قِيلَ، وقِيلَ:

الروم 30:11

﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ: يُنْشِئُهم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ. والِالتِفاتُ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْهِيبِ، وقُرِئَ: بِالياءِ.

الروم 30:12

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ الَّتِي هي وقْتُ إعادَةِ الخَلْقِ، ورَجْعِهِمْ إلَيْهِ. ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: يَسْكُتُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَنْبِسُونَ. يُقالُ: ناظَرْتُهُ فَأبْلَسَ إذا سَكَتَ، وأيِسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ اللّامِ مِن أبْلَسَهُ إذا أفْحَمَهُ، وأسْكَتَهُ.

الروم 30:13

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى كَما كانُوا يَزْعُمُونَهُ. وصِيغَةُ الجَمْعِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الجَمْعِ، أيْ: لَمْ يَكُنْ لِواحِدٍ مِنهم شَفِيعٌ أصْلًا. ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: بِآلِهَتِهِمْ وشِرْكَتِهِمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، حَيْثُ وقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ، ولَيْسَ بِذاكَ إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِهِ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها.

الروم 30:14

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أُعِيدَ لِتَهْوِيلِهِ، وتَفْظِيعِ ما يَقَعُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُ إثْرَ تَهْوِيلٍ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ يَقَعُ في بَعْضٍ مِنهُ. وضَمِيرُ "يَتَفَرَّقُونَ" لِجَمِيعِ الخَلْقِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن بَدْئِهِمْ، وإعادَتِهِمْ، ورَجْعِهِمْ، لا المُجْرِمُونَ خاصَّةً. ولَيْسَ المُرادُ بِتَفَرُّقِهِمُ افْتِراقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، بَلْ تَفَرُّقَهم إلى فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ . وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الروم 30:15

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِأحْوالِ ذَيْنِكَ الفَرِيقَيْنِ. والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ، وماءٍ، ورَوْنَقٍ، ونَضارَةٍ. وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ. والحُبُورُ السُّرُورُ. يُقالُ: حَبَرَهُ إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ، وقِيلَ: الحَبَرَةُ كُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، والتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ، واخْتَلَفَتْ فِيهِ الأقاوِيلُ لِاحْتِمالِهِ وُجُوهَ جَمِيعِ المَسارِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ: يُكْرَمُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: (p-54)يُنَعَّمُونَ. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: يُحَلَّوُنَّ. وعَنْ أبُو بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: التِّيجانُ عَلى رُءُوسِهِمْ. وعَنْ وكِيعٍ: السَّماعُ في الجَنَّةِ. «وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ ذَكَرَ الجَنَّةَ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ. وفي آخِرِ القَوْمِ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ في الجَنَّةِ مِن سَماعٍ؟ قالَ ﷺ: يا أعْرابِيُّ، إنَّ في الجَنَّةِ لَنَهْرًا حافَّتاهُ الأبْكارُ مِن كُلِّ بَيْضاءَ خُوصانِيَّةٍ يَتَغَنَّيْنَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخَلائِقُ بِمِثْلِها قَطُّ، فَذَلِكَ أفْضَلُ نَعِيمِ الجَنَّةِ.» قالَ الرّاوِي: فَسَألْتُ أبا الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَ يَتَغَنَّيْنَ؟ قالَ: بِالتَّسْبِيحِ. ورُوِيَ إنَّ في الجَنَّةِ لَأشْجارًا عَلَيْها أجْراسٌ مِن فِضَّةٍ، فَإذا أرادَ أهْلُ الجَنَّةِ السَّماعَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتَقَعُ في تِلْكَ الأشْجارِ، فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الأجْراسَ بِأصْواتٍ لَوْ سَمِعَها أهْلُ الدُّنْيا لَماتُوا طَرَبًا.

الروم 30:16

﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ. ﴿وَلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ في تَكْذِيبِ الآياتِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ تَعالى، وبِلِقاءِ الآخِرَةِ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُشاهَداتِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ القَبائِحِ. ﴿فِي العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ عَلى الدَّوامِ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ أبَدًا.

الروم 30:17

﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ حالَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ لِلصّالِحاتِ، والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ، وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعَذابِ. أُمِرُوا بِما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ العِظامِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى، أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ، أيْ: تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ في هَذِهِ الأوْقاتِ. واحْمَدُوهُ فَإنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيَّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ . وقَوْلُهُ ﷺ: « "مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ.» وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بِأفْضَلَ مِمّا جاءَ بِهِ، إلّا أحَدٌ قالَ مِثْلَ ما قالَ أوْ زادَ عَلَيْهِ.» وقَوْلُهُ ﷺ: «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ.» وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وتَخْصِيصُهُما بِتِلْكَ الأوْقاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِن آياتِ قدرته، وأحْكامِ (p-55)رَحْمَتِهِ، ونِعْمَتِهِ شَواهِدُ ناطِقَةٌ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى، واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ، ومُوجِبَةٌ لِتَسْبِيحِهِ، وتَحْمِيدِهِ حَتْمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَشِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحِّحًا لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ: الصَّلاةُ؛ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِما. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ تُمْسُونَ صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، وتُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وتُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ. ولِذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ إلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ إذْ كانَ يَقُولُ إنَّ الواجِبَ بِمَكَّةَ رَكْعَتانِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا، وإنَّما فُرِضَتِ الخَمْسُ بِالمَدِينَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وهو الحَقُّ لِحَدِيثِ المِعْراجِ، وفي آخِرِهِ هُنَّ خَمْسُ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ: "فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ"» ... الآيَةَ. وعَنْهُ ﷺ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: "فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ. ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ.» وقُرِئَ: (حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ) أيْ: تُمْسُونَ فِيهِ، وتُصْبِحُونَ فِيهِ.

الروم 30:18

﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ حالَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ لِلصّالِحاتِ، والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ، وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعَذابِ. أُمِرُوا بِما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ العِظامِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى، أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ، أيْ: تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ في هَذِهِ الأوْقاتِ. واحْمَدُوهُ فَإنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى، ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيَّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ، وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ أوْقاتِ التَّسْبِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ . وقَوْلُهُ ﷺ: « "مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ.» وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بِأفْضَلَ مِمّا جاءَ بِهِ، إلّا أحَدٌ قالَ مِثْلَ ما قالَ أوْ زادَ عَلَيْهِ.» وقَوْلُهُ ﷺ: «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ.» وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وتَخْصِيصُهُما بِتِلْكَ الأوْقاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِن آياتِ قدرته، وأحْكامِ (p-55)رَحْمَتِهِ، ونِعْمَتِهِ شَواهِدُ ناطِقَةٌ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى، واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ، ومُوجِبَةٌ لِتَسْبِيحِهِ، وتَحْمِيدِهِ حَتْمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَشِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ، وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحِّحًا لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعْتادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ: الصَّلاةُ؛ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِما. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ تُمْسُونَ صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، وتُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وتُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ. ولِذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ إلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ إذْ كانَ يَقُولُ إنَّ الواجِبَ بِمَكَّةَ رَكْعَتانِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا، وإنَّما فُرِضَتِ الخَمْسُ بِالمَدِينَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وهو الحَقُّ لِحَدِيثِ المِعْراجِ، وفي آخِرِهِ هُنَّ خَمْسُ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ: "فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ"» ... الآيَةَ. وعَنْهُ ﷺ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: "فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ. ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ.» وقُرِئَ: (حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ) أيْ: تُمْسُونَ فِيهِ، وتُصْبِحُونَ فِيهِ.

الروم 30:19

﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ. ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ النُّطْفَةَ والبَيْضَةَ مِنَ الحَيَوانِ. ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم. وقُرِئَ: (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ .

الروم 30:20

﴿وَمن آياته﴾ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكم تُبْعَثُونَ دَلالَةً أوْضَحَ مِمّا سَبَقَ فَإنَّ دَلالَةَ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى إعادَتِهِمْ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، وإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، ومِن دَلالَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها عَلَيْها. ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ خَلْقَهُ ﷺ مُنْطَوٍ عَلى خَلْقِ ذُرِّيّاتِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا. ﴿مِن تُرابٍ﴾ لَمْ يُشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكم وصِفاتِكم. ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ: فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وهَذا مُجْمَلُ ما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ﴾ ... الآيَةَ.

الروم 30:21

﴿وَمن آياته﴾ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الجَزاءِ. ﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ: (p-56)لِأجْلِكم. ﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَإنَّ خَلْقَ أصْلِ أزْواجِكم حَوّاءُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِنَّ مِن أنْفُسِكم عَلى ما عَرَفْتَهُ مِنَ التَّحْقِيقِ، أوْ مِن جِنْسِكم لا مِن جِنْسٍ آخَرَ، وهو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ: لِتَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، وتَطْمَئِنُّوا بِها. فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي التَّضامِّ، والتَّعارُفِ، كَما أنَّ المُخالَفَةَ مِن أسْبابِ التَّفَرُّقِ والتَّنافُرِ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الأزْواجِ. إمّا عَلى تَغْلِيبِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ في الخِطابِ، أوْ عَلى حَذْفِ ظَرْفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أيْ: جَعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ كَما مَرَّ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ وقِيلَ: أوْ بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ، أيْ: بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما ما كانَ مِنهُما بِعِصْمَةِ الزَّواجِ قَطْعًا، أيْ: جَعَلَ بَيْنَكم بِالزَّواجِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكم تَوادًّا، وتَراحُمًا. مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم سابِقَةُ مَعْرِفَةٍ، ولا رابِطَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلتَّعاطُفِ مِن قَرابَةٍ، أوْ رَحِمٍ. قِيلَ: "المَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ" مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، والفَرْكُ مِنَ الشَّيْطانِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، والرَّحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ . ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ، وخَلْقِ أزْواجِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وإلْقاءِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ بَيْنَهُمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ. ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَثِيرَةً، لا يُقادَرُ قَدْرُها. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الأفاعِيلِ المَتِينَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما ذُكِّرَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَذَّةٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمن آياته﴾ بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ شَتّى.

الروم 30:22

﴿وَمن آياته﴾ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أمْرِ البَعْثِ، وما يَتْلُوهُ مِنَ الجَزاءِ. ﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إمّا مِن حَيْثُ إنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِهِما بِما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ بِلا مادَّةٍ مُسْتَعِدَّةٍ لَها أظْهَرُ قُدْرَةً عَلى إعادَةِ ما كانَ حَيًّا قَبْلَ ذَلِكَ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ خَلْقَهُما وما فِيهِما لَيْسَ إلّا لِمَعاشِ البَشَرِ ومَعادِهِ. كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ . ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكِمْ. بِأنْ عَلَّمَ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ وألْهَمَهُ وضْعَها، وأقْدَرَهُ عَلَيْها، أوْ أجْناسِ نُطْقِكم وأشْكالِهِ، فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ﴿وَألْوانِكُمْ﴾ بِبَياضِ الجِلْدِ، وسَوادِهِ، وتَوَسُّطِهِ فِيما بَيْنَهُما، أوْ تَخْطِيطاتِ الأعْضاءِ وهَيْئاتِها وألْوانِها وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ بِها التَّمايُزُ بَيْنَ الأشْخاصِ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما وأسْبابِهِما، والأُمُورِ المُتَلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانا في غايَةِ التَّشابُهِ، وإنَّما نُظِمَ هَذا في سِلْكِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ الحَقِيقَةِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ ما سَبَقَ مِن خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وأزْواجِهِمْ، لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ، والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ مِن تَتِمّاتِ خَلْقِهِمْ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، واخْتِلافِ الألْسِنَةِ والألْوانِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها، كَثِيرَةً في عَدَدِها. ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ أيِ: المُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْقِلُها (p-57)إلا العالِمُونَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الآياتِ، وعَدَمِ خَفائِها عَلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كافَّةً.

الروم 30:23

﴿وَمن آياته مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ. ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ فِيهِما فَإنَّ كُلًّا مِنَ المَنامِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ يَقَعُ في المَلَوَيْنِ، وإنْ كانَ الأغْلَبُ وُقُوعَ الأوَّلِ في الأوَّلِ والثّانِي في الثّانِي، أوْ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ كَما هو المُعْتادُ، والمُوافِقُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، خَلا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِالقَرِينَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ لِأنَّهُما زَمانٌ. والزَّمانُ مَعَ ما وقَعَ فِيهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ مَعَ إعانَةِ اللَّفِّ عَلى الِاتِّحادِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم أنْ يَسْمَعُوا الكَلامَ سَماعَ تَفَهُّمٍ، واسْتِبْصارٍ. حَيْثُ يَتَأمَّلُونَ في تَضاعِيفِ هَذا البَيانِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى شُئُونِهِ تَعالى.

الروم 30:24

﴿وَمن آياته يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ الفِعْلُ إمّا مُقَدَّرٌ بِـ "أنْ" كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضِرِ الوَغى أيْ: أنْ أحْضِرِ. أوْ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، وبِهِ فُسِّرَ المَثَلُ المَشْهُورُ "تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أوْ هو عَلى حالِهِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: آيَةٌ يُرِيكم بِها البَرْقَ كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ وما الدَّهْرُ إلّا تارَّ-تانِ فَمِنها ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ أيْ: فَمِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها، وأُخْرى أبْتَغِي فِيها، أوْ ومن آياته شَيْءٌ، أوْ سَحابٌ يُرِيكُمُ البَرْقَ. ﴿خَوْفًا﴾ مِنَ الصّاعِقَةِ أوْ لِلْمُسافِرِ. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ أوْ لِلْمُقِيمِ. ونَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ لِفِعْلٍ يَسْتَلْزِمُهُ المَذْكُورُ فَإنَّ إراءَتَهُمُ البَرْقَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِرُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ، أوْ لِلْمَذْكُورِ نَفْسِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ نَحْوَ إراءَةِ خَوْفٍ وطَمَعٍ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ رَغْمًا لِلشَّيْطانِ. أوْ عَلى الحالِ نَحْوَ كَلَّمْتُهُ شِفاهًا. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ يَكْفِي في إدْراكِها مُجَرَّدُ العَقْلِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ في اسْتِنْباطِ أسْبابِها، وكَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها.

الروم 30:25

﴿وَمن آياته أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ تَعالى لِقِيامِهِما. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ بُيِّنَ حالُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمن آياته خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . ولا إقامَتِهِما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ ... الآيَةَ. (p-58)بَلْ قِيامَهُما واسْتِمْرارُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إلى أجْلِهِما الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ. ما خَلَقَ اللَّهُ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ، مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ، وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا، فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ فَإنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ووُجُودِهِ بَعْدَ انْقِضاءِ أجْلِ قِيامِهِما مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعْدادِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومن آياته قِيامُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَيْئاتِهِما بِأمْرِهِ تَعالى إلى أجَلٍ مُسَمًّى، قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما. ثُمَّ إذا دَعاكُمْ، أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ مِنَ الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكم دَعْوَةً واحِدَةً. بِأنْ قالَ: أيُّها المَوْتى، اخْرُجُوا فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ . و "مِنَ الأرْضِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ دَعاكم إذْ يَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَدْعُوِّ فِيها يُقالُ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي، فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِـ تَخْرُجُونَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

الروم 30:26

﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ خَلْقًا ومُلْكًا، وتَصَرُّفًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ شَرِكَةً في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ في شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ تَعالى.

الروم 30:27

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وتَكْرِيرُهُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِإضافَةٍ إلى قَدْرِكم. والقِياسُ عَلى أُصُولِكُمْ، وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سَواءٌ. وقِيلَ: "أهْوَنُ" بِمَعْنى هَيِّنٌ. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى الإعادَةِ لِما أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ يُعِيدَ. وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الخَلْقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الإنْشاءَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ الَّذِي يَتَخَيَّرُ فِيهِ الفاعِلُ بَيْنَ الفِعْلِ، والتَّرْكِ والإعادَةِ مِن قَبِيلِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ حَتْمًا، فَكانَ أقْرَبَ إلى الحُصُولِ مِنَ الإنْشاءِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الحُصُولِ وعَدَمِهِ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْصِيلِ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِأهْوَنِيَّةِ الفِعْلِ أقْرَبِيَّتُهُ إلى الوُجُودِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْفاعِلِ إلى إيجادِهِ، وقُوَّةِ اقْتِضائِها لِتَعَلُّقِ قدرته بِهِ بَلْ أسَهْلِيَّةُ تَأتِّيهِ، وصُدُورِهِ عَنْهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ قدرته بِوُجُودِهِ، وكَوْنِهِ واجِبًا بِالغَيْرِ. ولا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِطَرِيقِ الإيجابِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاخْتِيارِ. ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الوَصْفُ الأعْلى العَجِيبُ الشَّأْنِ مِنَ القُدْرَةِ العامَّةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ، وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيها فَضْلًا عَمّا يُساوِيها. ومَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أرادَ بِهِ الوَصْفَ بِالوَحْدانِيَّةِ. ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ وُصِفَ بِهِ، وعُرِفَ فِيهِما عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ، وألْسِنَةِ الدَّلائِلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالأعْلى، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الأعْلى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ بَدْءٍ مُمْكِنٍ، وإعادَتِهِ. (p-59)﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.

الروم 30:28

﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ. ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكُمْ، وأعْرَفِها عِنْدَكُمْ، وأظْهَرِها دَلالَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن بُطْلانِ الشِّرْكِ لِكَوْنِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ... إلَخْ. تَصْوِيرٌ لِلْمَثَلِ، أيْ: هَلْ لَّكم. ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِمّا تَتَصَرَّفُونَ فِيها فَـ "مِنِ" الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ، والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى الشَّرِكَةِ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ، وشُرَكائِهِمْ مُتَساوِينَ في التَّصَرُّفِ فِيما ذُكِرَ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَهم عَلَيْها عَلى أنَّ هُناكَ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا عَلى "أنْتُمْ" لا أنَّهُ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، أيْ: هَلْ تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكُمْ؟ والحالُ أنَّ عَبِيدَكم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ، وأحْكامِها أنْ يُشارِكُوكم فِيما رَزَقْناكُمْ، وهو مُعارٌ لَكم فَأنْتُمْ وهم فِيهِ سَواءٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم. ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "أنْتُمْ" أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في سَواءٌ، أيْ: تَهابُونَ أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ. ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: خِيفَةً كائِنَةً مِثْلَ خِيفَتِكم مِنَ الأحْرارِ المُساهِمِينَ لَكم فِيما ذُكِرَ. والمَعْنى نَفْيُ مَضْمُونِ ما فَصَّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، أيْ: لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما هو مُعارٌ لَكم مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكم بَلْ لِلَّهِ تَعالى. فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ الذّاتِيَّةِ مَخْلُوقَةٌ، بَلْ مَصْنُوعُ مَخْلُوقِهِ حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكُمْ، ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ؟! ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها لا تَفْصِيلًا أدْنى مِنهُ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي المَعْقُولَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، وإبْرازٌ لِأوابِدِ المُدْرَكاتِ عَلى هَيْئَةِ المَأْنُوسِ فَيَكُونُ في غايَةِ الإيضاحِ والبَيانِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأُمُورِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ تَفْصِيلِ الآياتِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

الروم 30:29

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، ومُحاوَلَةُ إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ بِضَرْبِ المَثَلِ، وتَفْصِيلِ الآياتِ، واسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ المَعْقُولَةِ، وبَيانٌ لِاسْتِحالَةِ تَبَعِيَّتِهِمْ لِلْحَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَعْقِلُوا شَيْئًا مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ بَلِ اتَّبَعُوا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاتِّباعِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: جاهِلِينَ بِبُطْلانِ ما أتَوْا مُكَبِّينَ عَلَيْهِ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ حَسْبَما يُصْرَفُ العالِمُ إذا اتَّبَعَ الباطِلَ عِلْمُهُ بِبُطْلانِهِ. ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ، أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ أحَدٌ. ﴿وَما لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالِ، ويَحْفَظُونَهم مَن تَبِعاتِهِ، وآفاتِهِ عَلى مَعْنًى لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ عَلى ما هو قاعِدَةُ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.

الروم 30:30

(p-60)﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ تَمْثِيلٌ لِإقْبالِهِ عَلى الدِّينِ، واسْتِقامَتِهِ، وثَباتِهِ عَلَيْهِ، واهْتِمامِهِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِالبَصَرِ عَقَدَ عَلَيْهِ طَرَفَهُ، وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ وقَوَّمَ لَهُ وجْهَهُ مُقْبِلًا بِهِ عَلَيْهِ، أيْ: فَقَوِّمْ وجْهَكَ لَهُ، وعَدِّلْهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ، أوْ مِنَ الدِّينِ. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الفِطْرَةُ الخَلِقَةُ. وانْتِصابُها عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمُوا. أوْ عَلَيْكم فِطْرَةَ اللَّهِ فَإنَّ الخِطابَ لِلْكُلِّ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ والإفْرادُ في أقِمْ لِما أنَّ الرَّسُولَ ﷺ إمامُ الأُمَّةِ، فَأمْرُهُ ﷺ مُسْتَتْبِعٌ لِأمْرِهِمْ. والمُرادُ بِلُزُومِها الجَرَيانُ عَلى مُوجِبِها، وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَطَرَ اللَّهُ فِطْرَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِـ فِطْرَةَ اللَّهِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ النّاسَ عَلى فِطْرَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِهِمْ لَلْحَقَّ، وتَمَكُّنِهِمْ مِن إدْراكِهِ. أوْ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ مِن مُوجِباتِ لُزُومِها، والتَّمَسُّكِ بِها قَطْعًا. فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وما اخْتارُوا عَلَيْها دِينًا آخَرَ، ومَن غَوى مِنهم فَبِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: « "كُلُّ عِبادِي خَلَقْتُ حُنَفاءَ فاجْتالَتْهُمُ الشَّياطِينُ عَنْ دِينِهِمْ، وأمَرُوهم أنْ يُشْرِكُوا بِي غَيْرِي".» وقَوْلُهُ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِلُزُومِ فِطْرَتِهِ تَعالى، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، أيْ: لا صِحَّةَ ولا اسْتِقامَةَ لِتَبْدِيلِهِ بِالإخْلالِ بِمُوجِبِهِ، وعَدَمِ تَرْتِيبِ مُقْتَضاهُ عَلَيْهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وقَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُغَيِّرَهُ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ التَّبْدِيلِ عَلى تَبْدِيلِ نَفْسِ الفِطْرَةِ بِإزالَتِها رَأْسًا، ووَضْعِ فِطْرَةٍ أُخْرى مَكانَها غَيْرِ مُصَحَّحَةٍ؛ لِقَبُولِ الحَقِّ. والتَّمَكُّنِ مِن إدْراكِهِ ضَرُورَةَ أنَّ التَّبْدِيلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ مَقْدُورٌ بَلْ واقِعٌ قَطْعًا، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ أنَّ سَلامَةَ الفِطْرَةِ مُتَحَقِّقَةٌ في كُلِّ أحَدٍ فَلا بُدَّ مِن لُزُومِها بِتَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها، وعَدَمِ الإخْلالِ بِهِ بِما ذُكِرَ مِنِ اتِّباعِ الهَوى، وخُطُواتِ الشَّيْطانِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوْ إلى لُزُومِ فِطْرَةِ اللَّهِ المُسْتَفادِ مِنَ الإغْراءِ، أوْ إلى الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ. والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أوْ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ. ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَوِي الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَصُدُّونَ عَنْهُ صُدُودًا.

الروم 30:31

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ، أوْ في أقِمْ لِعُمُومِهِ لِلْأُمَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ. عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ المَذْكُورِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المُبَدِّلِينَ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا.

الروم 30:32

﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ، وتَفْرِيقُهم لِدِينِهِمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى (p-61)اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، وفائِدَةُ الإبْدالِ التَّحْذِيرُ عَنِ الِانْتِماءِ إلى حِزْبٍ مِن أحْزابِ المُشْرِكِينَ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ عَلى الضَّلالِ المُبِينِ، وقُرِئَ: (فارَقُوا) أيْ: تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا تُشايِعُ كُلٌّ مِنها إمامَها الَّذِي أضَلَّها. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ المُعَوَّجِ المُؤَسَّسِ عَلى الرَّأْيِ الزّائِغِ، والزَّعْمِ الباطِلِ. ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ حَقٌّ، وأنّى لَهُ ذَلِكَ. فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن تَفْرِيقِ دَيْنِهِمْ، وكَوْنِهِمْ شِيَعًا. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فَرِحُونَ صِفَةً لِـ كُلٌّ عَلى أنَّ الخَبَرَ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، أعْنِي مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الروم 30:33

﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ. ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ. ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ. ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا دَعَوْهُ مُنِيبِينَ إلَيْهِ. ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإشْراكَ. وتَخْصِيصُ هَذا الفِعْلِ بِبَعْضِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ عَلى الطَّرِيقِ القَصْدِ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ في الجُمْلَةِ.

الروم 30:34

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ التَّهْدِيدِيِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ: (وَلِيَتَمَتَّعُوا) ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكُمْ، وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى:

الروم 30:35

﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ لِلْإيذانِ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ. ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً. وقِيلَ: ذا سُلْطانٍ، أيْ: مُلْكًا مَعَهُ بُرْهانٌ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ أوْ تَكَلُّمَ نُطْقٍ. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ.

الروم 30:36

﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسَعَةٍ. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرًا وأشَرًا، لا حَمْدًا وشُكْرًا. ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فاجَئُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.

الروم 30:37

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا. ﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا، ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ (p-62)بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

الروم 30:38

﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِنَ الصِّلَةِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ المَبَرّاتِ. ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ ما يَسْتَحِقّانِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِمَن بُسِطَ لَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ ذاتَهُ، أوْ جِهَتَهُ. ويَقْصِدُونَ بِـ "مَعْرُوفِهِمْ" إيّاهُ تَعالى خالِصًا، أوْ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ لا جِهَةً أُخْرى. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِما بُسِطَ لَهُمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ.

الروم 30:39

﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ زِيادَةٌ خالِيَةٌ عَنِ العِوَضِ عِنْدَ المُعامَلَةِ، وقُرِئَ: (أتَيْتُمْ) بِالقَصْرِ، أيْ: غَشِيتُمُوهُ أوْ رَهِقْتُمُوهُ مِن إعْطاءِ رِبًا. ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في أمْوالِهِمْ. ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُبارَكُ فِيهِ، وقُرِئَ: (لِتَرْبُوا) أيْ، لِتَزِيدُوا، أوْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ تَعالى خالِصًا. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ: ذَوُوا الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ. ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقْوِي والمُوسِرِ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِالبَرَكَةِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ العَيْنِ. وفي تَغْيِيرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ والِالتِفاتِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى.

الروم 30:40

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ أثْبَتَ لَهُ تَعالى لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ، وخَواصَّها، ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ تَعالى مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، مُؤَكِّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ، ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِنهُ تَنَزُّهَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً، والخَبَرُ "هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ" والرّابِطُ قَوْلُهُ تَعالى: "مِن ذَلِكُمْ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ. و "مِنِ" الأُولى والثّانِيَةُ تُفِيدانِ شُيُوعَ الحُكْمِ في جِنْسِ الشُّرَكاءِ والأفْعالِ، والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَعْمِيمِ المَنفِيِّ، وكُلٌّ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْكِيدِ، وقُرِئَ: (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ الخِطابِ.

الروم 30:41

﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ، والمَوَتانِ، وكَثْرَةِ الحَرْقِ، والغَرَقِ، وإخْفاقِ الغاصَّةِ، ومَحْقِ البَرَكاتِ، وكَثْرَةِ المَضارِّ، أوِ الضَّلالَةِ والظُّلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ: قُرى السَّواحِلِ، وقُرى البُحُورِ. ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاها. وقِيلَ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ بِقَتْلِ قابِيلَ أخاهُ هابِيلَ، وفي البَحْرِ بِأنَّ جَلَنْدى (p-63)كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ: بَعْضَ جَزائِهِ فَإنَّ إتْمامَهُ في الآخِرَةِ، و "اللّامُ" لِلْعِلَّةِ، أوْ لِلْعاقِبَةِ. وقُرِئَ: (لِنُذِيقَهُمْ) بِالنُّونِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.

الروم 30:42

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ لِيُشاهِدُوا آثارَهم. ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما أصابَهم لِفُشُوِّ الشِّرْكِ فِيما بَيْنَهُمْ، أوْ كانَ الشِّرْكُ في أكْثَرِهِمْ وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي في قَلِيلٍ مِنهم.

الروم 30:43

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَأْتِي" أوْ بِـ "مَرَدَّ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَعْنى لا يَرُدُّهُ اللَّهُ تَعالى لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِمَجِيئِهِ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أصْلُهُ: يَتَصَدَّعُونَ، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ.

الروم 30:44

﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ، وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ. ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.

الروم 30:45

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَصَّدَّعُونَ، وقِيلَ: بِـ يَمْهَدُونَ، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ بِتَفْرِيقِ اللَّهِ تَعالى فَرِيقَيْنِ لِيَجْزِيَ كُلًّا مِنهُما بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ. وحَيْثُ كانَ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ أبْرَزَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الغايَةِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَضْلِ لِما أنَّ الإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ، وأُشِيرَ إلى جَزاءِ الفَرِيقِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ مَحَبَّتِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِ المُوجِبِ لِغَضَبِهِ المُسْتَتْبِعِ لِلْعُقُوبَةِ لا مَحالَةَ.

الروم 30:46

﴿وَمن آياته أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ أيِ: الشَّمالَ، والصَّبا، والجَنُوبَ. فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الدَّبُورُ فَرِيحُ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا، ولا تَجْعَلْها رِيحًا.» وقُرِئَ: (الرِّيحَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ. ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ بِالمَطَرِ ﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ وهي المَنافِعُ التّابِعَةُ لَها، وقِيلَ: الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها، أوِ الرَّوْحِ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُرْسِلُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُبَشِّراتٍ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَشِّرَكم بِها، ولِيُذِيقَكم. أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفْهَمُ مِن ذِكْرِ الإرْسالِ تَقْدِيرُهُ: ولِيُذِيقَكُمْ، ولِيَكُونَ كَذا وكَذا يُرْسِلُها لا لِأمْرٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَنافِعِكم. ﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ يَسُوقُها ﴿بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِتِجارَةِ البَحْرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيما ذُكِرَ مِنَ (p-64)الغاياتِ الجَلِيلَةِ.

الروم 30:47

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ. ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: جاءَ كُلُّ رَسُولٍ قَوْمَهُ بِما يَخُصُّهُ مِنَ البَيِّناتِ كَما جِئْتَ قَوْمَكَ بِبَيِّناتِكَ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَكَذَّبُوهم فانْتَقَمْنا مِنهم. وإنَّما وضَعَ ضَمِيرَهُمُ المَوْصُولَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ المَحْذُوفِ، والإشْعارِ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلِانْتِقامِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ، وتَكْرِمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ جُعِلُوا مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهُمْ، وإشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ مِنَ الكَفَرَةِ لِأجْلِهِ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى حَقًّا عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْتِقامِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ وأحْكامِها؛ لِإنْذارِ الكَفَرَةِ وتَحْذِيرِهِمْ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ المَطْلُوبِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: " لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ " بِمُقابَلَةِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ المَنُوطَةِ بِإرْسالِها كَيْلا يَحِلَّ بِهِمْ مَثَلٌ ماحِلٌ بِأُولَئِكَ الأُمَمِ مِنَ الِانْتِقامِ.

الروم 30:48

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ مُتَّصِلًا تارَةً ﴿فِي السَّماءِ﴾ في جَوِّها. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا وواقِفًا مُطْبَقًا، وغَيْرَ مُطْبَقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أيْ: قِطَعًا. وقُرِئَ: بِسُكُونِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ جَمْعُ (كِسْفَةٌ)، أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ. ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ في التّارَتَيْنِ. ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأراضِيَهم. ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ الخِصْبِ.

الروم 30:49

﴿وَإنْ كانُوا﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "إنَّ"، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: المَطَرُ. ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأكُّدِ، والإيذانِ بِطُولِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ، واسْتِحْكامِ يَأْسِهِمْ مِنهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ، أوِ السَّحابِ، أوِ الإرْسالِ. وقِيلَ: لِلْكِسْفِ عَلى القِراءَةِ بِالسُّكُونِ. ولَيْسَ بِواضِحٍ وأقْرَبَ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلِاسْتِبْشارِ، و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُنَزِّلُ لِتُفِيدَ سُرْعَةَ تَقَلُّبِ قُلُوبِهِمْ مِنَ اليَأْسِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالإشارَةِ إلى غايَةِ تَقارُبِ زَمانَيْهِما بِبَيانِ اتِّصالِ اليَأْسِ بِالتَّنْزِيلِ المُتَّصِلِ بِالِاسْتِبْشارِ بِشَهادَةِ إذا الفُجائِيَّةِ. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ خَبَرُ كانُوا، و "اللّامُ" فارِقَةٌ، أيْ: آيِسِينَ.

الروم 30:50

﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ المُتَرَتِّبَةِ عَلى تَنْزِيلِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ، و "الفاءُ" لِلدِّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِها عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (أثَرِ) (p-65)بِالتَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، و "كَيْفَ" مُعَلَّقُ نَظَرَ، أيْ: فانْظُرْ إلى إحْيائِهِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ قدرته تعالى، وسِعَةِ رَحْمَتِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن أمْرِ البَعْثِ، وقُرِئَ: (تُحْيِي) بِالتَّأْنِيثِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَةِ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ شُئُونِهِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، أوْ لَمُحْيِيهِمُ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: مُبالَغٌ في القُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم لِما أنَّ نِسْبَةَ قدرته إلى الكُلِّ سَواءٌ.

الروم 30:51

﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ﴾ أيِ: الأثَرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآثارِ، أوِ النَّباتِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآثارِ، فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ القَلِيلَ والكَثِيرَ. ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ خُضْرَتِهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و "اللّامُ" في "لَئِنْ" مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ، و "الفاءُ" في "فَرَأوْهُ" فَصِيحَةٌ، و "اللّامُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَظَلُّوا﴾ لامُ جَوابِ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً، أوْ بارِدَةً فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصَّفّارِ، فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَيَظَلُّنَّ. ﴿مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ بَعْدَ تَثْبِيتِهِمْ، وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ما لا يَخْفى حَيْثُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ، ويَلْجَئُوا إلَيْهِ بِالِاسْتِغْفارِ إذا احْتَبَسَ عَنْهُمُ القَطْرُ، ولا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى، ويُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ بِالطّاعَةِ إذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ، ولا يُفَرِّطُوا في الِاسْتِبْشارِ، وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ إذا اعْتَرى زَرْعَهم آفَةٌ، ولا يَكْفُرُوا بِنَعْمائِهِ، فَعَكَسُوا الأمْرَ، وأبَوْا ما يُجْدِيهِمْ، وأتَوْا بِما يُرْدِيهِمْ.

الروم 30:52

﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِما أنَّهم مِثْلُهم لِانْسِدادِ مَشاعِرِهِمْ عَنِ الحَقِّ. ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ تَقْيِيدُ الحُكْمِ بِما ذُكِرَ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِخَصْلَتِي السُّوءِ نُبُوِّ أسْماعِهِمْ عَنِ الحَقَّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ إحْداهُما لَكَفاهم ذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ جَمَعُوهُما فَإنَّ الأصَمَّ المُقْبِلَ إلى المُتَكَلِّمِ رُبَّما يَفْطِنُ مِن أوْضاعِهِ وحَرَكاتِهِ لِشَيْءٍ مِن كَلامِهِ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أصْلًا، وأمّا إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ فَلا يَكادُ يَفْهَمُ مِنهُ شَيْئًا، وقُرِئَ: بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ الصُّمِّ.

الروم 30:53

﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ سُمُّوا عُمْيًا، إمّا لِفَقْدِهِمُ المَقْصُودَ الحَقِيقِيَّ مِنَ الإبْصارِ، أوْ لِعَمى قُلُوبِهِمْ، وقُرِئَ: تَهْدِي العُمْيَ. ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ. ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فَإنَّ إيمانَهم يَدْعُوهم إلى التَّدَبُّرِ فِيها، وتَلَقِّيها بِالقَبُولِ، أوْ إلّا مَن يُشارِفُ الإيمانَ بِها، ويُقْبِلُ عَلَيْها إقْبالًا لائِقًا. ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِما تَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الحَقِّ.

الروم 30:54

(p-66)﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ، وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا، أيْ: خَلَقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ هو النُّطْفَةُ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِكُمُ الحُلُمَ، أوْ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِأبْدانِكم. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنُّ، وقُرِئَ: بِضَمِّ الضّادِ في الكُلِّ، وهو أقْوى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ. وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والتَّنْكِيرُ مَعَ التَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ غَيْرُ المُتَأخِّرِ. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الضَّعْفِ، والقُوَّةِ، والشَّيْبَةِ. ﴿وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ المُبالَغُ في العِلْمِ، والقُدْرَةِ، فَإنَّ التَّرْدِيدَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ.

الروم 30:55

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها؛ لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً وصارَتْ عَلَمًا لَها كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، والكَوْكَبِ لِلزُّهْرَةِ. ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا﴾ أيْ: في القُبُورِ، أوْ في الدُّنْيا، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لُبْثَهم مُغَيًّا بِيَوْمِ البَعْثِ، كَما سَيَأْتِي. ولَيْسَ لُبْثُهم في الدُّنْيا كَذَلِكَ، وقِيلَ: فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا، والبَعْثِ، وانْقِطاعِ عَذابِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «ما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ أرْبَعُونَ،» وهو مُحْتَمِلٌ لِلسّاعاتِ، والأيّامِ، والأعْوامِ. وقِيلَ: لا يُعْلَمُ أهِيَ أرْبَعُونَ سَنَةً، أوْ أرْبَعُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟ ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ نِسْيانًا، أوْ كَذِبًا، أوْ تَخْمِينًا. ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ.

الروم 30:56

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ في عِلْمِهِ، أوْ قَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ وعَيَّنَهُ، أوْ في اللَّوْحِ، أوِ القرآن. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ . ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا بِذَلِكَ ما قالُوهُ وأيَّدُوهُ بِاليَمِينِ، كَأنَّهم مِن فَرْطِ حَيْرَتِهِمْ لَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ هو البَعْثُ المَوْعُودُ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكانُوا يَسْمَعُونَ أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ كافَّةً، ويُقَدِّرُونَ لِذَلِكَ زَمانًا مَدِيدًا، وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَحَقُّقَهُ فَرَدَّ العالِمُونَ مَقالَتَهُمْ، ونَبَّهُوهم عَلى أنَّهم لَبِثُوا إلى غايَةٍ بَعِيدَةٍ كانُوا يَسْمَعُونَها، ويُنْكِرُونَها، وبَكَّتُوهم بِالإخْبارِ بِوُقُوعِها، حَيْثُ قالُوا: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدُّنْيا. ﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ فَتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، و "الفاءُ" جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانًا

الروم 30:57

﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ: عُذْرُهُمْ، وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ مُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإنْ تَوَسَّطَ (p-67)بَيْنَهُما فاصِلٌ. ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يُدْعَوْنَ إلى ما يَقْتَضِي إعْتابَهُمْ، أيْ: إزالَةَ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ، والطّاعَةِ كَما دُعُوا إلَيْهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ، أيِ: اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.

الروم 30:58

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ بَيَّنّا لَهم كُلَّ حالٍ، ووَصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ، كَأنَّها في غَرابَتِها مَثَلٌ وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِصَّتِهِمْ، وما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهُمْ، ويُفْعَلُ بِهِمْ مِن رَدِّ اعْتِذارِهِمْ. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القرآن النّاطِقَةِ بِأمْثالِ ذَلِكَ. ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِفَرْطِ عُتُوِّهِمْ، وعِنادِهِمْ، وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ مُخاطِبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ. ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: مُزَوِّرُونَ.

الروم 30:59

﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ، ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها وتُرَّهاتٍ، ابْتَدَعُوها فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ.

الروم 30:60

﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما نُشاهِدُ مِنهم مَنِ الأقْوالِ الباطِلَةِ والأفْعالِ السَّيِّئَةِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وقَدْ وعَدَكَ بِالنُّصْرَةِ، وإظْهارِ الدِّينِ، وإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ولا بُدَّ مِن إنْجازِهِ، والوَفاءِ بِهِ لا مَحالَةَ. ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ. ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها، وإيذائِهِمْ لَكَ بِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ" فَإنَّهم شاكُّونَ ضالُّونَ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهم أمْثالُ ذَلِكَ. وقُرِئَ: بِالنُّونِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِئَ: ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ: لا يَفْتِنُنَّكَ فَيَمْلِكُوكَ، ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنِ اسْتِخْفافِهِ ﷺ، واسْتِحْقاقِهِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ ﷺ عَنِ التَّأثُّرِ مِنِ اسْتِخْفافِهِمْ، والِافْتِتانِ بِفِتْنَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ . عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الرُّومِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مَلَكٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأدْرَكَ ما ضَيَّعَ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ.»

لقمان 31:1

(p-68)سُورَةُ لُقْمانَ (مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: إلّا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ، وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهى أرْبَع وثَلاثُونَ آيَةً) ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ سَلَفَ بَيانُهُ في نَظائِرِهِ. ﴿الحَكِيمِ﴾ أيْ: ذِي الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها، أوْ هو وصْفٌ لَهُ بِنَعْتِهِ تَعالى، أوْ أصْلُهُ الحَكِيمُ مُنْزِلُهُ، أوْ قائِلُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَكَنَّ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وقِيلَ: "الحَكِيمُ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، كَما قالُوا: أعْقَدْتُ اللَّبَنَ فَهو عَقِيدٌ، أيْ: مُعْقَدٌ. وهو قَلِيلٌ، وقِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ.

لقمان 31:2

(p-68)سُورَةُ لُقْمانَ (مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: إلّا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ، وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهى أرْبَع وثَلاثُونَ آيَةً) ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ سَلَفَ بَيانُهُ في نَظائِرِهِ. ﴿الحَكِيمِ﴾ أيْ: ذِي الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها، أوْ هو وصْفٌ لَهُ بِنَعْتِهِ تَعالى، أوْ أصْلُهُ الحَكِيمُ مُنْزِلُهُ، أوْ قائِلُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَكَنَّ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وقِيلَ: "الحَكِيمُ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، كَما قالُوا: أعْقَدْتُ اللَّبَنَ فَهو عَقِيدٌ، أيْ: مُعْقَدٌ. وهو قَلِيلٌ، وقِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ.

لقمان 31:3

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مَنِ الآياتِ، والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، وقُرِئا بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ: العامِلِينَ لِلْحَسَناتِ فَإنْ أُرِيدَ بِها مَشاهِيرُها المَعْهُودَةُ في الدِّينِ فَقَوْلُهُ تَعالى:

لقمان 31:4

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ بَيانٌ لِما عَمِلُوها مِنَ الحَسَناتِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ؎ الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ المَظِنَّ ∗∗∗ كَأنَّ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا وَإنْ أُرِيدَ بِها جَمِيعُ الحَسَناتِ فَهو تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شُعَبِها لِإظْهارِ فَضْلِها، وإنافَتِها عَلى غَيْرِها، وتَخْصِيصُ الوَجْهِ الأوَّلِ بِصُورَةِ كَوْنِ المَوْصُولِ صِفَةً لِلْمُحْسِنِينَ، والوَجْهِ الأخِيرِ بِصُورَةِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِمّا لا وجْهَ لَهُ.

لقمان 31:5

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، والنّاجُونَ مِن كُلِّ مَهْرُوبٍ لِحِيازَتِهِمْ قُطْرَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ المَقالِ في مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَةَ عَلَيْهِ.

لقمان 31:6

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، (p-69)أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، و(مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمَعْنى: وبَعْضُ النّاسِ، أوْ وبَعْضٌ مِنَ النّاسِ الَّذِي يَشْتَرِي، أوْ فَرِيقٌ يَشْتَرِي عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ والمَقْصُودَ بِالأصالَةِ هو اتِّصافُهم بِما في حِّيزِ الصِّلَةِ، أوِ الصِّفَةِ، لا كَوْنُهم ذَواتِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ... الآياتِ. ولَهْوُ الحَدِيثِ ما يُلْهِي عَمّا يُعْنى مِنَ المُهِمّاتِ كالأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والأساطِيرِ الَّتِي لا اعْتِدادَ بِها، والمُضاحِكِ، وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِن فُضُولِ الكَلامِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْيِينِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرُ، وبِمَعْنى التَّبْعِيضِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الأعَمُّ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ اشْتَرى كُتُبَ الأعاجِمِ، وكانَ يُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ والأكاسِرَةِ. وقِيلَ: كانَ يَشْتَرِي القِيانَ، ويَحْمِلُهُنَّ عَلى مُعاشَرَةِ مَن أرادَ الإسْلامَ ومَنعِهِ عَنْهُ. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِهِ الحَقِّ المُوَصِّلِ إلَيْهِ تَعالى: أوْ عَنْ قِراءَةِ كِتابِهِ الهادِي إلَيْهِ تَعالى، وقُرِئَ: (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَثْبُتَ ويَسْتَمِرَّ عَلى ضَلالِهِ، أوْ لِيَزْدادَ فِيهِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الشَّرَّ البَحْتَ بِالخَيْرِ المَحْضِ. ﴿وَيَتَّخِذَها﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ فَإنَّهُ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو دِينُ الإسْلامِ، أوِ القرآن، أيْ: ويَتَّخِذَها. ﴿هُزُوًا﴾ مَهْزُوًّا بِهِ، وقُرِئَ: (وَيَتَّخِذُها) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يَشْتَرِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرارَةِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِاشْتِراءِ لِلْإضْلالِ. ﴿لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِما اتَّصَفُوا بِهِ مِن إهانَتِهِمُ الحَقَّ بِإيثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ، وتَرْغِيبِ النّاسِ فِيهِ.

لقمان 31:7

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى المُشْتَرِي إفْرادُ الضَّمِيرُ فِيهِ، وفِيما بَعْدَهُ، كالضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ مِن بَعْدِ ما جُمِعَ فِيما بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ مَعْناها. ﴿آياتُنا﴾ الَّتِي هي آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهُدًى، ورَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ. ﴿وَلّى﴾ أعْرَضَ عَنْها غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِها. ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ. ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "وَلّى" أوْ مِن ضَمِيرِ "مُسْتَكْبِرًا"، والأصْلُ كَأنَّهُ. فَحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخُفِّفَتِ المُثَقَّلَةُ، أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها، وهو سامِعٌ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ مَن سَمِعَها لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ التَّوْلِيَةُ والِاسْتِكْبارُ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها، والخُضُوعِ لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ: ؎ كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَمْ يَسْمَعْها" أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن في أُذُنَيْهِ ثِقَلٌ مانِعٌ مِنَ السَّماعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْتِئْنافَيْنِ، وقُرِئَ: (فِي أُذْنَيْهِ) بِسُكُونِ الذّالِ. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَأعْلِمْهُ بِأنَّ العَذابَ المُفْرِطَ في الإيلامِ لاحِقٌ بِهِ لا مَحالَةَ، وذِكْرُ البِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ.

لقمان 31:8

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ بِها، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِهِ تَعالى، وعَمِلُوا بِمُوجِبِها. ﴿لَهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما ذَكَرَ مِن إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: (p-70)نَعِيمُ جَنّاتٍ. فَعَكْسَ لِلْمُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ لَهُمُ هو الخَبَرَ؛ لِأنَّ وجَنّاتُ النَّعِيمِ مُرْتَفِعًا بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

لقمان 31:9

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُمْ، أوْ مِن جَنّاتِ النَّعِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما، والعامِلُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، الأوَّلُ لِنَفْسِهِ، والثّانِي لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ في مَعْنى "وَعَدَهُمُ اللَّهُ جَنّاتِ النَّعِيمِ" فَأكَّدَ مَعْنى الوَعْدِ بِالوَعْدِ، وأمّا "حَقًّا" فَدالٌّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ أكَّدَ بِهِ مَعْنى الوَعْدِ، ومُؤَكِّدُهُما جَمِيعًا لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ لِيَمْنَعَهُ مِن إنْجازِ وعْدِهِ، أوْ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ.

لقمان 31:10

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فُصِّلَ فِيهِ عَلى عِزَّتِهِ تَعالى الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ، وتَمْهِيدُ قاعِدَةِ التَّوْحِيدِ وتَقْرِيرُهُ، وإبْطالُ أمْرِ الإشْراكِ، وتَبْكِيتُ أهْلِهِ. والعَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، كَأهَبٍ جَمْعُ إهابٍ، وهو ما يُعْمَدُ بِهِ، أيْ: يُسْنَدُ. يُقالُ: عَمَدْتُ الحائِطَ إذا دَعَّمْتَهُ، أيْ: بِغَيْرِ دَعائِمَ عَلى أنَّ الجَمْعَ لِتَعَدُّدِ السَّماواتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِ تَعالى لَها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ بِمُشاهَدَتِهِمْ لَها كَذَلِكَ، أوْ صِفَةٌ لِـ عَمَدٍ، أيْ: خَلَقَها بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةً عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ لِلرَّمْزِ إلى أنَّهُ تَعالى عَمَدَها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها هي عَمَدُ القُدْرَةِ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ بَيانٌ لِصُنْعِهِ البَدِيعِ في قَرارِ الأرْضِ إثْرَ بَيانِ صُنْعِهِ الحَكِيمِ في قَرارِ السَّماواتِ، أيْ: ألْقى فِيها جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ في سُورَةِ الرَّعْدِ. ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِكم فَإنَّ بَساطَةَ أجْزائِها تَقْتَضِي تَبَدُّلَ أحْيازِها، وأوْضاعِها؛ لِامْتِناعِ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنها لِذاتِهِ، أوْ لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ، ووَضْعٍ مَخْصُوصٍ. ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها. ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو المَطَرُ. ﴿فَأنْبَتْنا فِيها﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الماءِ. ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ كَثِيرِ المَنافِعِ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في الفِعْلَيْنِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِها.

لقمان 31:11

﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما تَعَلَّقَ بِهِما مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ. ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ. ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ حَتّى اسْتَحَقُّوا بِهِ المَعْبُودِيَّةَ، وماذا نُصِبَ بِـ خَلَقَ أوْ ما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ذا بِصِلَتِهِ، و "أرُونِي" مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذُكِرَ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ، والتَّبْكِيتِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ (p-71)واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحُدُودِ، وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.

لقمان 31:12

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ، وهو لُقْمانُ بْنُ باعُوراءَ مِن أوْلادِ آزَرَ ابْنِ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ خالَتِهِ، وعاشَ حَتّى أدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. والحِكْمَةُ في عُرْفِ العُلَماءِ اسْتِكْمالُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ صَحِبَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ شُهُورًا، وكانَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَلَمْ يَسْألْهُ عَنْها، فَلَمّا أتَمَّها لَبِسَها، وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتِ. فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، فَقالَ لَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِحَقٍّ ما سُمِّيتَ حَكِيمًا، وأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ يَوْمًا: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَقالَ: أصْبَحْتُ في يَدَيْ غَيْرِي. فَتَفَكَّرَ داوُدُ فِيهِ فَصَعِقَ صَعْقَةً، وأنَّهُ أمَرَهُ مَوْلاهُ بِأنْ يَذْبَحَ شاةً، ويَأْتِيَ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ أمَرَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِأخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنها، فَأتى بِهِما أيْضًا، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هُما أطْيَبُ شَيْءٍ إذا طابا، وأخْبَثُ شَيْءٍ إذا خَبُثا، ومَعْنى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أيِ: اشْكُرْ لَهُ تَعالى عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، فَإنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: ومَن يَشْكُرْ لَهُ تَعالى. ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ مَنفَعَتَهُ الَّتِي هي ارْتِباطُ العَتِيدِ، واسْتِجْلابُ المَزِيدِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها. ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ. ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ تَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ، بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ ﷺ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»» فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا.

لقمان 31:13

﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ أنْعُمَ. وقِيلَ: أشْكُمَ. وقِيلَ: ماثانَ. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ، وقُرِئَ: (يا بُنَيْ) بِإسْكانِ الياءِ وبِكَسْرِها. ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أسْلَمَ، ومَن وقَفَ عَلى لا تُشْرِكْ جَعَلَ بِاللَّهِ قَسَمًا. ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ لِلِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ.

لقمان 31:14

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ ... إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: "فِي عامَيْنِ" اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهْنًا﴾ حالٌ مِن أُمِّهِ، أيْ: ذاتُ وهْنٍ. أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أيْ: تَهِنُ وهْنًا. (p-72)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: كائِنًا عَلى وهْنٍ، أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ، فَإنَّها لا تَزالُ يَتَضاعَفُ ضَعْفُها، وقُرِئَ: «وَهَنًا عَلى وهَنٍ» بِالتَّحْرِيكِ يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا، ووَهِنَ يُوهِنُ وهَنًا. ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ: فِطامُهُ في تَمامِ عامَيْنِ، وهي مُدَّةُ الرُّضّاعِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى: هي ثَلاثُونَ شَهْرًا. وقَدْ بَيَّنَ وجْهَهُ في مَوْضِعِهِ، وقُرِئَ: (وَفَصْلُهُ) ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِوَصَّيْنا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْوَصِيَّةِ في حَقِّها خاصَّةً، ولِذَلِكَ «قالَ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ: مَن أبَرُّ؟: «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أباكَ».» ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، أيْ: إلَيَّ الرُّجُوعُ لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ.

لقمان 31:15

﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ أيْ: بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. ﴿عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. ﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: صِحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وتَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ. ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الطّاعَةِ. ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُكَ، ومَرْجِعُهُما، ومَرْجِعُ مَن أنابَ إلَيَّ. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ رُجُوعِكم. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى:

لقمان 31:16

﴿يا بُنَيَّ﴾ ... إلَخْ. شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ وصايا لُقْمانَ إثْرَ تَقْرِيرِ ما في مَطْلَعِها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَأْكِيدِهِ بِالِاعْتِراضِ. ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ أوِ الإحْسانِ إنْ تَكُ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ مِثْقالٍ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقِصَّةِ، وكانَ تامَّةٌ، والتَّأْنِيثُ لِإضافَةِ المِثْقالِ إلى الحَبَّةِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحَسَنَةُ أوِ السَّيِّئَةُ ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ والقَماءَةِ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ أوِ السُّفْلِيِّ. ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ عَلَيْها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلٍّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُنْهِهِ، وبَعْدَ ما أمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أوَّلُ ما يَجِبُ عَلى الإنْسانِ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، ونَبَّهَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقدرته، أمَرَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أكْمَلُ العِباداتِ تَكْمِيلًا لَهُ مِن حَيْثُ العَمَلُ بَعْدَ تَكْمِيلِهِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ فَقالَ مُسْتَمِيلًا لَهُ:

لقمان 31:17

﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ تَكْمِيلًا لِنَفْسِكَ. ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ. ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتَ بِهِ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (p-73)كُلِّ ما ذُكِرَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَطَعَهُ عَلى عِبادِهِ مِنَ الأُمُورِ لِمَزِيدِ مَزِيَّتِها مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ: جَدَّ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإيذانٌ بِأنَّ ما بَعْدَها لَيْسَ بِمَثابَتِهِ.

لقمان 31:18

﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لا تُمِلْهُ، ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما هو دَيْدَنُ المُتَكَبِّرِينَ مِنَ الصَّعَرِ، وهو الصَّيَدُ، وهو داءٌ يُصِيبُ البَعِيرَ فَيُلْوى مِنهُ عُنُقُهُ، وقُرِئَ: (وَلا تُصاعِرْ)، وقُرِئَ: (وَلا تُصْعِرْ) مِنَ الإفْعالِ، والكُلُّ بِمَعْنًى؛ مِثْلَ: عَلاهُ وعالاهُ وأعْلاهُ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: فَرَحًا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أيْ: تَمْرَحُ مَرَحًا، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ والبَطَرِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ مُوجِبِهِ، وتَأْخِيرُ الفَخُورِ مَعَ كَوْنِهِ بِمُقابَلَةِ المُصَعِّرِ خَدَّهُ عَنِ المُخْتالِ، وهو بِمُقابَلَةِ الماشِي مَرَحًا لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

لقمان 31:19

﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ بَعْدَ الِاجْتِنابِ عَنِ المَرَحِ فِيهِ، أيْ: تَوَسَّطْ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ. وعَنْهُ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»،» وقَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ إذا مَشى أسْرَعَ. فالمُرادُ بِهِ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ. وقُرِئَ: بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ. ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانَقْصْ مِنهُ واقْصُرْ. ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ: أوْحَشَها. ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الرّافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وتَمْثِيلِ أصْواتِهِمْ بِالنُّهاقِ، وإفْراطٌ في التَّحْذِيرِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، والتَّنْفِيرِ عَنْهُ، وإفْرادُ الصَّوْتِ مَعَ إضافَتِهِ إلى الجَمْعِ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ بَيانَ حالِ صَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يُجْمَعَ بَلْ بَيانُ حالِ صَوْتِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ أصْواتِ سائِرِ الأجْناسِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

لقمان 31:20

﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ رُجُوعٌ إلى سَنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمُرادُ بِ "التَّسْخِيرِ" إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ حَسْبَما يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ، مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ، مَعاشًا ومَعادًا، وما جَعَلَهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى "لَكُمْ" (p-74)لِأجْلِكم. فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى. ﴿وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً، مَعْرُوفَةً لَكم وغَيْرَ مَعْرُوفَةٍ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ. وقُرِئَ: (أصْبَغَ) بِالصّادِ، وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ قارَنَتِ الغَيْنَ، أوِ الخاءَ، أوِ القافَ. كَما تَقُولُ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سالِغٍ صالِغٍ. وقُرِئَ: (نِعْمَةً) ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُسْتَفادَةٌ مِن دَلِيلٍ. ﴿وَلا هُدًى﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ.

لقمان 31:21

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ: لِمَن يُجادِلُ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يُرِيدُونَ بِهِ عِبادَةَ الأصْنامِ. ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: آباءَهم لا أنْفُسَهم كَما قِيلَ. فَإنَّ مَدارَ إنْكارِ الِاتِّباعِ واسْتِبْعادَهُ كَوْنُ المَتْبُوعِينَ تابِعِينَ لِلشَّيْطانِ لا كَوْنُ أنْفُسِهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: أيَتَّبِعُونَهم. ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ. ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فَهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْهِ حَسَبَ دَعْوَتِهِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . مِن سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

لقمان 31:22

﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ بِأنْ فَوَّضَ إلَيْهِ مَجامِعَ أُمُورِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، وحَيْثُ عُدِّيَ بِاللّامِ قُصِدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ آتٍ بِها جامِعَةً بَيْنَ الحُسْنِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ. وقَدْ مَرَّ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يُتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَوَكِّلِ المُشْتَغِلِ بِالطّاعَةِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ. ﴿وَإلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَيُجازِيهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.

لقمان 31:23

﴿وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وقُرِئَ: (فَلا يُحْزِنْكَ) مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّايِ، ولَيْسَ بِمُسْتَفِيضٍ. ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ لا إلى غَيْرِنا ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالعَذابِ والعِقابِ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مِن" كَما أنَّ الإفْرادَ في الأوَّلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّنْبِئَةِ المُعَبَّرِ بِها عَنِ التَّعْذِيبِ.

لقمان 31:24

﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا فَإنَّ ما يَزُولُ، وإنْ كانَ بَعْدَ أمَدٍ (p-75)طَوِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَدُومُ قَلِيلٌ. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَ الأجْرامِ الغِلاظِ، أوْ يُضَمُّ إلى الإحْراقِ الضَّغْطُ والتَّضْيِيقُ.

لقمان 31:25

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِغايَةِ وُضُوحِ الأمْرِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى الِاعْتِرافِ بِهِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم.

لقمان 31:26

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنِ العالَمِينَ. ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ. أوِ المَحْمُودُ بِالفِعْلِ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِلِسانِ الحالِ.

لقمان 31:27

﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ الأشْجارَ أقْلامٌ، وتَوْحِيدُ الشَّجَرَةِ لِما أنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ الآحادِ. ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ نَفادِهِ. ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ بِسِعَتِهِ يَمُدُّهُ الأبْحُرُ السَّبْعَةُ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ، وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللَّهِ. ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ ونَفِدَتْ تِلْكَ الأقْلامُ، والمِدادُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ وقُرِئَ: (يَمُدُّهُ) مَنِ الإمْدادِ بِالياءِ والتّاءِ، وإسْنادُ المَدِّ إلى الأبْحُرِ السَّبْعَةِ دُونَ البَحْرِ المُحِيطِ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ مِنها وأطَمَّ؛ لِأنَّها هي المُجاوِرَةُ لِلْجِبالِ ومَنابِعِ المِياهِ الجارِيَةِ، وإلَيْها تَنْصَبُّ الأنْهارُ العِظامُ أوَّلًا، ومِنها يَنْصَبُّ إلى البَحْرِ المُحِيطِ ثانِيًا، وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ في الكَلِماتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ مِنها، فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ؟ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أمْرٌ فَلا تَنْفَدُ كَلِماتُهُ المُؤَسَّسَةُ عَلَيْهِما.

لقمان 31:28

﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَةِ التَّأتِّي إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ لِأنَّ مَناطَ وُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قدرته الذّاتِيَّةِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ. ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصَرٍ لا يَشْغَلُهُ عِلْمُ بَعْضِها عَنْ عِلْمِ بَعْضٍ. فَكَذَلِكَ الخَلْقُ والبَعْثُ.

لقمان 31:29

﴿ألَمْ تَرَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وهو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا (p-76)قَوِيًّا جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، ويُضِيفُهُ إلَيْهِ، فَيَتَفاوَتُ بِذَلِكَ حالُهُ زِيادَةً ونُقْصانًا. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُولِجُ"، والِاخْتِلافُ بَيْنَهُما صِيغَةٌ لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ في كُلِّ حِينٍ، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ ولا تَجَدُّدَ. وإنَّما التَّعَدُّدُ والتَّجَدُّدُ في آثارِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أيْ: بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ الخاصَّةِ، وحَرَكَتِهِ القَسْرِيَّةِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَخالِفَةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأيّامِ جَرْيًا مُسْتَمِرًّا. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرْيِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ جَرْيُهُما إلّا حِينَئِذٍ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِبَيانِ الواقِعِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِهِ بِهِ ﷺ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ جَرَيانَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ رُؤْيَتِهِ ﷺ هَذا، وقَدْ جُعِلَ جَرَيانُهُما عِبارَةً عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما في فَلَكِهِما، والأجَلُ المُسَمّى عَنْ مُنْتَهى دَوْرَتِهِما، وجُعِلَ مُدَّةُ الجَرَيانِ لِلشَّمْسِ سَنَةً، ولِلْقَمَرِ شَهْرًا. فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِحُكْمِ تَسْخِيرِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ إيلاجِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ جَرَيانِ الشَّمْسِ عَلى مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ فَكُلَّما كانَ جَرَيانُها مُتَوَجِّهًا إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، تَزْدادُ القَوْسُ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ كِبَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ طُولًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزاءِ اللَّيْلِ إلَيْهِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أقْرَبُ المَداراتِ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها إلى رَأْسِ السَّرَطانِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مُتَوَجِّهَةً إلى التَّباعُدِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ فَلا تَزالُ القِسِيُّ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ تَزْدادُ صِغَرًا فَيَزْدادُ النَّهارُ قِصَرًا؛ بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى اللَّيْلِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أبْعَدُ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها بُرْجَ الجَدْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ ... إلَخْ. داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرَيْ خُصُوصِ الخِطابِ وعُمُومِهِ، فَإنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ، والتَّدْبِيرِ الفائِقِ، لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِجَلائِلِ أعْمالِهِ ودَقائِقِها.

لقمان 31:30

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَلِي مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ بَيانِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ إلَهِيَّتُهُ فَقَطْ، ولِأجْلِهِ لِكَوْنِها ناطِقَةً بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ. ﴿وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ أيْ: ولِأجْلِ بَيانِ بُطْلانِ آلِهِيَّةِ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ تَعالى لِكَوْنِها شاهِدَةً بِذَلِكَ شَهادَةً بَيِّنَةً لا رَيْبَ فِيها، وقُرِئَ: بِالتّاءِ. والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الدَّلالَةَ عَلى اخْتِصاصِ حَقِّيَّةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ ما عَداهُ؛ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْحِيدِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى بُطْلانِ ما ذُكِرَ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ فَقَطْ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ أيْضًا. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: وبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو المُتَرَفِّعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ المُتَسَلِّطُ عَلَيْهِ فَإنَّ ما في تَضاعِيفِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنٌ لِاخْتِصاصِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ بِهِ تَعالى، أيْ: بَيانُ هَذا، وقِيلَ ذَلِكَ أيْ: ما ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ، وشُمُولِ القُدْرَةِ، وعَجائِبِ الصُّنْعِ، واخْتِصاصِ البارِي تَعالى بِهِ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ، وأنْتَ (p-77)خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَعالى وعُلُوَّهُ وكِبْرِياءَهُ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِمُناطِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ المَعْدُودَةِ لَكِنَّ بُطْلانَ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا دَخْلَ لَهُ في المُناطِيَّةِ قَطْعًا، فَلا مَساغَ لِنَظْمِهِ في سِلْكِ الأسْبابِ بَلْ هو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ ضَرُورَةَ أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ هي المُقْتَضِيَةُ لِبُطْلانِها لا أنَّ بُطْلانَها يَقْتَضِيها.

لقمان 31:31

" ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ " بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ، وهو اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قدرته، وغايَةِ حِكْمَتِهِ، وشُمُولِ إنْعامِهِ. و "الباءُ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِتَجْرِي، أوْ بِمُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِنِعْمَتِهِ تَعالى. وقُرِئَ: (الفُلُكَ) بِضَمِّ اللّامِ، و (بِنِعْماتِ اللَّهِ) وعَيْنُ فِعْلاتٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ والسُّكُونُ. ﴿لِيُرِيَكم من آياته﴾ أيْ: بَعْضِ دَلائِلِ وحْدَتِهِ، وعِلْمِهِ، وقدرته. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةً في ذاتِها كَثِيرَةً في عَدَدِها لِكُلِّ مَن يُبالِغُ في الصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ في التَّفَكُّرِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، ويُبالِغُ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِهِ، وهُما صِفَتا المُؤْمِنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

لقمان 31:32

﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم وأحاطَ بِهِمْ. ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ كَما يُظِلُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما. وقُرِئَ: (كالظِّلالِ) جَمْعِ ظُلَّةٍ، كَقُلَّةٍ وقِلالٍ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الدَّواهِي والشَّدائِدِ. ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ عَلى القَصْدِ السَّوِيِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ في الجُمْلَةِ. ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ فَإنَّهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، أوْ رَفْضٌ لِما كانَ في البَحْرِ، والخَتْرُ أشَدُّ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ. ﴿كَفُورٍ﴾ مَبالِغٌ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى.

لقمان 31:33

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يَقْضِي عَنْهُ. وقُرِئَ: (لا يُجْزِي) مِن أجْزَأ إذا أغْنى، والعائِدُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يُجْزى فِيهِ. ﴿وَلا مَوْلُودٌ﴾ عَطْفٌ عَلى «والِدٌ» أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يَجْزِيَ، وقَطْعُ مَن تَوَقَّعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفَعَ أباهُ الكافِرَ في الآخِرَةِ. ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ. ﴿حَقٌّ﴾ لا يُمْكِنُ إخْلافُهُ أصْلًا ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُبالِغُ في الغُرُورِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى المَعاصِي (p-78)بِتَزْيِينِها لَكُمْ، ويُرَجِّيكُمُ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ.

لقمان 31:34

﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ عِلْمُ وقْتِ قِيامِها؛ لِما رُوِيَ أنَّ الحَرْثَ بْنَ عَمْرٍو أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ وإنِّي قَدْ ألْقَيْتُ حَبّاتِي في الأرْضِ. فَمَتى السَّماءُ تُمْطِرُ؟ وحَمْلُ امْرَأتِي ذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ وما أعْمَلُ غَدًا؟ وأيْنَ أمُوتُ؟ فَنَزَلَتْ. وعَنْهُ ﷺ: ««مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ»» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في إبّانِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وإلى مَحَلِّهِ الَّذِي عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ، وقُرِئَ: (يُنْزِلُ) مِنَ الإنْزالِ. ﴿وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، تامٍّ أوْ ناقِصٍ. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؟ ورُبَّما تَعْزِمُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما فَتَفْعَلُ خِلافَهُ. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ كَما لا تَدْرِي في أيِّ وقْتٍ تَمُوتُ. رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ. فَقالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ. فَقالَ: كَأنَّهُ يُرِيدُنِي؟ فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِبِلادِ الهِنْدِ. فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ المَلَكُ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنهُ حَيْثُ كُنْتُ أُمِرْتُ بِأنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ، وهو عِنْدَكَ. وَنِسْبَةُ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، والدِّرايَةِ إلى العَبْدِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ إنْ أعْمَلَ حِيَلَهُ، وبَذَلَ في التَّعَرُّفِ وُسْعَهُ لَمْ يَعْرِفْ ما هو لاحِقٌ بِهِ مِن كَسْبِهِ وعاقِبَتِهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمّا لَمْ يُنْصَبُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؟ وقُرِئَ: (بِأيَّةِ أرْضٍ) وشَبَّهَ سِيبَوَيْهِ تَأْنِيثَها بِتَأْنِيثِ كُلٍّ في كُلَّتِهِنَّ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ مَبالِغٌ في العِلْمِ فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ. ﴿خَبِيرٌ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ لُقْمانَ كانَ لَهُ لُقْمانُ رَفِيقًا يَوْمِ القِيامَةِ، وأُعْطِي مِنَ الحَسَناتِ عَشْرًا بِعَدَدِ مَن عَمِلَ بِالمَعْرُوفِ، ونَهى عَنِ المُنْكَرِ».»