Tafsir Abi Al-Suaood — السجدة 32:1 – فاطر 35:45
المحتويات
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
السجدة 32:1
(p-79)سُورَةُ السَّجْدَةِ
(مَكِّيَّةٌ، وهى ثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: تِسْعٌ وعِشْرُونَ)
﴿الم﴾ إمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا مُسَمًّى بِ "الم"، والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها قَدْ عَرَفْتَ سِرَّها، وإمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
السجدة 32:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: خَبَرُ "الم" أيِ: المُسَمّى بِهِ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وثانٍ عَلى الأخِيرَيْنِ. وقِيلَ: خَبَرٌ لِ «تَنْزِيلُ الكِتابِ» فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ: كائِنًا مِنهُ تَعالى لا بِ «تَنْزِيلُ»؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ. والأوْجُهُ حِينَئِذٍ أنَّهُ الخَبَرُ، و "لا رَيْبَ فِيهِ" حالٌ مِنَ الكِتابِ أوِ اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ في "فِيهِ" راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
السجدة 32:3
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّ قَوْلَهم هَذا إنْكارٌ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَوْرِدُهُ حُكْمًا مَقْصُودَ الإفادَةِ لا قَيْدًا لِلْحُكْمِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وأُبْطِلَ حَيْثُ جِيءَ بِأمْ المُنْقَطِعَةِ إنْكارًا لَهُ، وتَعْجِيبًا مِنهُ لِغايَةِ ظُهُورِ بُطْلانِهِ، واسْتِحالَةِ كَوْنِهِ مُفْتَرًى، ثُمَّ أُضْرِبَ عَنْهُ إلى بَيانِ حَقِّيَّةِ ما أنْكَرُوهُ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ بِإضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ بَعْدَ إضافَتِهِ فِيما سَبَقَ إلى العالَمِينَ تَشْرِيفًا لَهُ ﷺ، ثُمَّ أُيِّدَ ذَلِكَ بِبَيانِ غايَتِهِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَإنَّ بَيانَ غايَةِ الشَّيْءِ وحِكْمَتِهِ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها غايَةً حَمِيدَةً مُسْتَتْبَعَةً لِمَنافِعَ جَلِيلَةٍ في وقْتِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها مِمّا يُقَرِّرُ وُجُودَ الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ لا مَحالَةَ، ولَقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ أضَلَّ النّاسِ وأحْوَجَهم إلى الهِدايَةِ؛ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، وتَنْزِيلِ الكِتابِ حَيْثُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ (p-80)مِن رَسُولٍ قَبْلَهُ ﷺ، أيْ: ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِ إنْذارِكَ، أوْ مِن قَبْلِ زَمانِكَ. والتَّرَجِّي مُعْتَبَرٌ مِن جِهَتِهِ ﷺ، أيْ: لِتُنْذِرَهم راجِيًا لِاهْتِدائِهِمْ، أوْ لِرَجاءِ اهْتِدائِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ إنَّما يَتَسَنّى عَلى ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ تَنْزِيلِ الكِتابِ مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى سائِرِ الوُجُوهِ فَلا تَأْيِيدَ أصْلًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وخَبَرٌ ثالِثٌ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَكَوْنُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ حُكْمٌ مَقْصُودُ الإفادَةِ لا قَيْدَ لِحُكْمٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.
السجدة 32:4
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ مَرَّ بَيانُهُ فِيما سَلَفَ.
﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: ما لَكَمَ إذا جاوَزْتُمْ رِضاهُ تَعالى أحَدٌ يَنْصُرُكُمْ، ويَشْفَعُ لَكُمْ، ويُجِيرُكم مِن بَأْسِهِ، أيْ: ما لَكَمَ سِواهُ "وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ" بَلْ هو الَّذِي يَتَوَلّى مَصالِحَكُمْ، ويَنْصُرُكم في مُواطِنِ النَّصْرِ. عَلى أنَّ الشَّفِيعَ عِبارَةٌ عَنِ النّاصِرِ مَجازًا فَإذا خَذَلَكم لَمْ يَبْقَ لَكم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ.
﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ألا تَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، أوْ أتَسْمَعُونَها فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها. فالإنْكارُ عَلى الأوَّلِ: مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ السَّماعِ وعَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعًا، وعَلى الثّانِي: عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّماعِ.
السجدة 32:5
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ قِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ، والمُرادُ: بَيانُ طُولِ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيُنَزِّلُ بِها المَلائِكَةَ. ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ، ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ، وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا جَمِيعًا إلى قِيامِ السّاعَةِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ عِنْدَ قِيامِها. وقِيلَ: يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ قِلَّةَ الأعْمالِ الخالِصَةِ لا تَقْتَضِي بُطْءَ عُرُوجِها إلى السَّماءِ بَلْ قِلَّتَهُ، وقُرِئَ: (يَعُدُّونَ) بِالياءِ.
السجدة 32:6
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، وانْحِصارِ الوِلايَةِ، والنُّصْرَةِ فِيهِ، وتَدْبِيرِ أمْرِ الكائِناتِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَدِيعِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ.
(p-81)﴿الرَّحِيمُ﴾ عَلى عِبادِهِ. وهُما خَبَرانِ آخَرانِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ فاعِلٌ بِالإحْسانِ.
السجدة 32:7
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ: حَسَّنَ كُلَّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وأوْجَبَتْهُ المَصْلَحَةُ، فَجَمِيعُ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ، وإنْ تَفاوَتَتْ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . وقِيلَ: عُلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُ، أيْ: يُحْسِنُ مَعْرِفَتَهُ. أيْ: يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَسَنَةً بِتَحْقِيقٍ وإيقانٍ. وقُرِئَ: (خَلَقَهُ) عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن «كُلَّ شَيْءٍ». والضَّمِيرُ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ، أيْ: حَسَّنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى. والخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ: حَسَّنَ كُلَّ مَخْلُوقاتِهِ. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ "أحْسَنَ" عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطى، أيْ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اللّائِقَ بِهِ بِطَرِيقِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولُهُ الأوَّلُ و "كُلَّ شَيْءٍ" مَفْعُولُهُ الثّانِي، و "الخَلْقُ" بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وضَمِيرُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى تَضْمِينِ الإحْسانِ مَعْنى الإلْهامِ والتَّعْرِيفِ. والمَعْنى: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: عَرَّفَ مَخْلُوقاتِهِ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ مِن بَيْنِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ﴿مِن طِينٍ﴾ . عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ تَحارُ العُقُولُ في فَهْمِهِ حَيْثُ بَرَأ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فِطْرَةٍ عَجِيبَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، مُسْتَتْبِعًا لِخُرُوجِ كُلِّ فَرْدٍ مِنها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِحَسَبِ اسْتِعْداداتِها المُتَفاوِتَةِ قُرْبًا وبُعْدًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
السجدة 32:8
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ... إلَخْ. أيْ: ذُرِّيَّتَهُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْسِلُ وتَنْفَصِلُ مِنهُ.
﴿مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ هو المَنِيُّ المُمْتَهَنُ.
السجدة 32:9
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ: عَدَلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ، وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أضافَهُ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا، لَهُ مُناسِبَةً إلى حَضْرَةِ الربوبية، وإنَّ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ العُقُولُ البَشَرِيَّةُ مِن مَعْرِفَتِهِ هَذا القَدَرُ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ تارَةً بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى، وأُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ .
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ الجَعْلُ إبْداعِيٌّ. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقْدِيمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أيْ: خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها، وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الشّاهِدَةَ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِيقَتِهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ عَلى أنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى (p-82)النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، وفي حِكايَةِ أحْوالِ الإنْسانِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ، وحِكايَةِ أحْوالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِعْدادِهِ لِلْفَهْمِ، وصَلاحِيَتِهِ لَهُ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.
السجدة 32:10
﴿وَقالُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ.
﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. وقُرِئَ: (ضَلِلْنا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن بابِ عَلِمَ، و (صَلَلْنا) بِالصّادِ المُهْمَلَةِ مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، وقِيلَ: مِنَ الصِّلَةِ وهي الأرْضُ، أيْ: صِرْنا مِن جِنْسِ الصَّلَّةِ. قِيلَ: القائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ولِرِضاهم بِقَوْلِهِ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الكُلِّ. والعامِلُ في "إذا" ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا. و "الهَمْزَةُ" لِتَذْكِيرِ الإنْكارِ السّابِقِ وتَأْكِيدِهِ، وقُرِئَ: (إنّا) عَلى الخَبَرِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى تَأْكِيدِ الإنْكارِ لا إنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقَدُّمِ "الهَمْزَةِ" عَلى "إنَّ" فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وإنَّما تَقْدِيمُها عَلَيْها لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ.
﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا.
السجدة 32:11
﴿قُلْ﴾ بَيانًا لِلْحَقِّ ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ لا كَما تَزْعُمُونَ أنَّ المَوْتَ مِنَ الأحْوالِ الطَّبِيعِيَّةِ العارِضَةِ لِلْحَيَوانِ بِمُوجِبِ الجِبِلَّةِ، أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم بِحَيْثُ يَدَعُ فِيكم شَيْئًا، أوْ لا يَتْرُكُ مِنكم أحَدًا عَلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ وأفْظَعِها مِن ضَرْبِ وُجُوهِكم وأدْبارِكم.
﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أيْ: بِقَبْضِ أرْواحِكُمْ، وإحْصاءِ آجالِكم.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
السجدة 32:12
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ وهُمُ القائِلُونَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ ... الآيَةَ. أوْ جِنْسُ المُجْرِمِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ.
﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ عِنْدَ ظُهُورِ قَبائِحِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها في الدُّنْيا.
﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا.
﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: صِرْنا مِمَّنْ يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لَنا الِاسْتِعْدادُ لِإدْراكِ الآياتِ المُبْصَرَةِ والآياتِ المَسْمُوعَةِ، وكُنّا مِن قَبْلُ عُمْيًا وصُمًّا لا نُدْرِكُ شَيْئًا.
﴿فارْجِعْنا﴾ إلى الدُّنْيا ﴿نَعْمَلْ﴾ عَمَلًا ﴿صالِحًا﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ ادِّعاءٌ مِنهم لِصِحَّةِ الأفْئِدَةِ، والِاقْتِدارِ عَلى فَهْمِ مَعانِي الآياتِ، والعَمَلِ بِمُوجِبِها. كَما أنَّ ما قَبْلَهُ ادِّعاءٌ لِصِحَّةِ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، كَأنَّهم قالُوا: وأيْقَنّا وكُنّا مِن قَبْلُ لا نَعْقِلُ شَيْئًا أصْلًا، وإنَّما عَدَلُوا إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ إظْهارًا لِثَباتِهِمْ عَلى الإيقانِ، وكَمالِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْجِدِّ في الِاسْتِدْعاءِ طَمَعًا في الإجابَةِ إلى ما سَألُوهُ (p-83)مِنَ الرَّجْعَةِ، وأنّى لَهم ذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَفْعُولٌ مُناسِبٌ لَهُ مِمّا يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يُشاهِدُونَ الكُفْرَ والمَعاصِيَ عَلى صُوَرٍ مُنْكَرَةٍ هائِلَةٍ، ويُخْبِرُهُمُ المَلائِكَةُ بِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ لا مَحالَةَ، فالمَعْنى: أبْصَرْنا قُبْحَ أعْمالِنا، وكُنّا نَراها في الدُّنْيا حَسَنَةً، وسَمِعْنا أنَّ مَرَدَّنا إلى النّارِ، وهو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى وسَمِعْنا مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَصْدِيقَهُ تَعالى لَهم حِينَئِذٍ يَكُونُ بِإظْهارِ مَدْلُولِ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، لا بِالإخْبارِ بِأنَّهم صادِقُونَ حَتّى يَسْمَعُوهُ، وقِيلَ: وسَمِعْنا قَوْلَ الرُّسُلِ، أيْ: سَمِعْناهُ سَمْعَ طاعَةٍ وإذْعانٍ. ولا يُقَدَّرُ لِ "تَرى" مَفْعُولٌ؛ إذِ المَعْنى: لَوْ تَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. أوْ يُقَدَّرُ ما يُنْبِئُ عَنْهُ صِلَةً، إذْ والمُضِيُّ فِيها. وفي "لَوْ" بِاعْتِبارِ أنَّ الثّابِتَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ كائِنًا مَن كانَ، إذِ المُرادُ بَيانُ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وبُلُوغِها مِنَ الفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها واسْتِفْظاعُها بِراءٍ دُونَ راءٍ، مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ والدَّواهِي الفَظِيعَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِها، هَذا ومِن عِلَلِ عُمُومِ الخِطابِ بِالقَصْدِ إلى بَيانِ أنَّ حالَهم قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفاؤُها البَتَّةَ فَلا تَخْتَصُّ رُؤْيَةُ راءٍ دُونَ راءٍ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ فَلَهُ مَدْخَلٌ في هَذا الخِطابِ، فَقَدْ نَأى عَنْ تَحْقِيقِ الحَقِّ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الجَوابُ المَحْذُوفُ، لا بَيانُ كَمالِ ظُهُورِها فَإنَّهُ مَسُوقٌ مَساقَ المُسَلَّماتِ؛ فَتَدَبَّرْ.
السجدة 32:13
﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قُدِّرَ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "رَبَّنا أبْصَرْنا"...﴾ إلَخْ. أيْ: ونَقُولُ لَوْ شِئْنا، أيْ: لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُنا تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِأنْ نُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لَأعْطَيْناها إيّاهُ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخَّرْناهُ إلى دارِ الجَزاءِ.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ: سَبَقَتْ كَلِمَتِي حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى النّاسِ فَبِمُوجِبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفْتُمُ اخْتِيارَكم إلى الغَيِّ بِإغْوائِهِ، ومَشِيئَتُنا لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةٌ بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ تَخْتارُوا الهُدى واخْتَرْتُمُ الضَّلالَةَ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَهُ لَكُمْ، وإنَّما أعْطَيْناهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ ... الآيَةَ. فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَةِ إعْطاءِ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ لا تَحَقُّقَ القَوْلِ، وإنَّما قَيَّدْنا المَشِيئَةَ بِما مَرَّ مِنَ التَّعْلِيقِ الفِعْلِيِّ بِأفْعالِ العِبادِ عِنْدَ حُدُوثِها؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ الأزَلِيَّةَ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ إجْمالًا مُتَقَدِّمَةٌ عَلى تَحَقُّقِ كَلِمَةِ العَذابِ فَلا يَكُونُ عَدَمُها مَنُوطًا بِتَحَقُّقِها، وإنَّما مَناطُهُ علمه تعالى أزَلًا بِصَرْفِ (p-84)اخْتِيارِهِمْ فِيما سَيَأْتِي إلى الغَيِّ، وإيثارِهِمْ لَهُ عَلى الهُدى فَلَوْ أُرِيدَتْ هي مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لاسْتُدْرِكَ بِعَدَمِها، ونِيطَ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَناطِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ فَمَن تَوَهَّمَ أنَّ المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأعْطَيْنا كُلَّ نَفْسِ ما عِنْدَنا مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي لَوْ كانَ مِنهُمُ اخْتِيارُهُ لاهْتَدَوْا، ولَكِنْ لَمْ نُعْطِهِمْ لَمّا عَلِمْنا مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ وإيثارَهُ، فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُونُ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
السجدة 32:14
﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، أوْ عَلى الوَعِيدِ المَحْكِيِّ. و "الباءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْذِيبَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ سَبْقِ الوَعِيدِ بِهِ فَقَطْ، بَلْ هو وسَبْقُ الوَعِيدِ أيْضًا بِسَبَبِ مُوجِبٍ لَهُ مِن قِبَلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَجْعَ لَكم إلى الدُّنْيا، أوْ حَتّى وعِيدِي فَذُوقُوا بِسَبَبِ نِسْيانِكم لِقاءَ هَذا اليَوْمِ الهائِلِ، وتَرْكِكُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والِاسْتِعْدادَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ: تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ بِالمَرَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. وتَعْيِينُ المَفْعُولِ المَطْوِيِّ لِلذَّوْقِ، والإشْعارِ بِأنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ مِنَ النِّسْيانِ بَلْ لَهُ أسْبابٌ أُخَرُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْها في الدُّنْيا، وعَدَمُ نَظْمِ الكُلِّ في سِلْكٍ واحِدٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في اسْتِيجابِ العَذابِ، وفي إبْهامِ المَذُوقِ أوَّلًا، وبَيانِهِ ثانِيًا؛ بِتَكْرِيرِ الأمْرِ، وتَوْسِيطِ الِاسْتِئْنافِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ بَيْنَهُما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ التَّشْدِيدِ في الِانْتِقامِ مِنهم ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:
السجدة 32:15
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِإيتاءِ الهُدى، والإشْعارِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَوْ أُوتُوهُ بِتَعْيِينِ مَن يَسْتَحِقُّهُ بِطَرِيقِ القَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها عَمَلًا صالِحًا، ولَوْ رَجَعْناكم إلى الدُّنْيا كَما تَدَّعُونَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾، وإنَّما يُؤْمِنُ بِها ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ آثِرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ، ولا تَلَعْثُمٍ فَضْلًا عَنِ التَّسْوِيفِ إلى مُعايَنَةِ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ: سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ونَزَّهُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَجْزُ عَنِ البَعْثِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي أجَلُّها الهِدايَةُ بِإيتاءِ الآياتِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ بِها، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وبِأنَّهم يَفْعَلُونَهُما بِمُلاحَظَةِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم.
﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم خاضِعُونَ لَهُ تَعالى لا يَسْتَكْبِرُونَ عَمّا فَعَلُوا مِنَ الخُرُورِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ.
السجدة 32:16
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ: تَنْبُو وتَتَنَحّى.
﴿عَنِ المَضاجِعِ﴾ أيِ: الفُرُشِ، ومَواضِعِ المَنامِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ. «قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ؛ كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ (p-85)العَشاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ،» وعَنْ أنَسٍ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يُصَلُّونَ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى صَلاةِ العِشاءِ، وهي صَلاةُ الأوّابِينَ. وهو قَوْلُ أبِي حازِمٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ. وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ عَطاءُ: هُمُ الَّذِينَ لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العِشاءَ الآخِرَةَ والفَجْرَ في جَماعَةٍ. والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وجَماعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ««أفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ».» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها: ««قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ».» وعَنْهُ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، جاءَ مُنادٍ يُنادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ: سَيُعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيُسَرَّحُونَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحاسَبُ سائِرُ النّاسِ».» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ «جُنُوبُهُمْ»، أيْ: داعِينَ لَهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿خَوْفًا﴾ مِن سُخْطِهِ وعَذابِهِ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِ، ﴿وَطَمَعًا﴾ في رَحْمَتِهِ.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ.
السجدة 32:17
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ، لا مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَضْلًا عَمَّنْ عَداهم.
﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ.
﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ مِمّا تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهُمْ، وعَنْهُ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ».» بَلْهَ ما اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ وقُرِئَ: (ما أُخْفِيَ لَهُمْ) و (ما نُخْفِي لَهُمْ)، و (ما أخْفَيْتُ لَهُمْ) عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، و (ما أخْفى لَهُمْ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ. وقُرِئَ: (قُرّاتِ أعْيُنٍ) لِاخْتِلافِ أنْواعِها، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، و "ما" مَوْصُولَةٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، عُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جُزُوا جَزاءً، أوْ أُخْفِيَ لَهم لِلْجَزاءِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ أخْفَوْا أعْمالَهُمْ، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى ثَوابَهم.
السجدة 32:18
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ: أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ، كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ.
﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى"مِن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَوْلُهُ تَعالى:
السجدة 32:19
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجَنَّةُ إلى المَأْوى؛ لِأنَّها المَأْوى الحَقِيقِيُّ، وإنَّما الدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: المَأْوى جَنَّةٌ مِنَ الجَنّاتِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ (p-86)الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا ﴿نُزُلا﴾ أيْ: ثَوابًا. وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ.
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أوْ بِأعْمالِهِمْ.
السجدة 32:20
﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ.
﴿فَمَأْواهُمُ﴾ أيْ: مَلْجَؤُهم ومَنزِلُهم.
﴿النّارُ﴾ مَكانَ جَنّاتِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهم. يُرْوى أنَّهُ يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى طَبَقاتِها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا. وكَلِمَةُ "فِي" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ فِيها، وإنَّما الإعادَةُ مِن بَعْضِ طَبَقاتِها إلى بَعْضٍ.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: بِعَذابِ النّارِ.
﴿تُكَذِّبُونَ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا.
السجدة 32:21
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُّنْيا. وهو ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَّنَةِ سَبْعَ سِنِينَ، والقَتْلِ، والأسْرِ.
﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ الَّذِي هو عَذابُ الآخِرَةِ.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ وهم في الحَياةِ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ. رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فاخَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
السجدة 32:22
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ مَن قابَلَ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالإعْراضِ بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن قابَلَها بِالسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ. وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها عَقْلًا، مَعَ غايَةِ وُضُوحِها، وإرْشادِها إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ. كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ:
؎ ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المَساوِئِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا.
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ، وإنْ هانَتْ جَرِيمَتُهُ.
﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وأشَرُّ جُرْمًا مِن كُلِّ مُجْرِمٍ؟
السجدة 32:23
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ. عَبَّرَ عَنْها بِاسْمِ الجِنْسِ لِتَحْقِيقِ المُجانَسَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفُرْقانِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيتاءَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَإيتائِها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ مِن لِقاءِ الكِتابِ الَّذِي هو الفُرْقانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القرآن﴾ والمَعْنى: إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَيْناكَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيَتْ مِثْلَهُ ونَظِيرَهُ، وقِيلَ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى. وعَنْهُ ﷺ: ««رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي مُوسى رَجُلًا آدَمَ طِوالًا وجَعْدًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ».» ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيْ: (p-87)الكِتابَ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما في التَّوْراةِ ولَدُ إسْماعِيلَ.
السجدة 32:24
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ بَقِيَّتَهم بِما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم إلى ما فِيهِ مِن دِينِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ.
﴿بِأمْرِنا﴾ إيّاهم بِذَلِكَ، أوْ بِتَوْفِيقِنا لَهُ.
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ هي "لَمّا" الَّتِي فِيها مَعْنى الجَزاءِ، نَحْوَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ لَمّا جِئْتَنِي. والضَّمِيرُ لِلْأئِمَّةِ تَقْدِيرُهُ لَمّا صَبَرُوا جَعَلْناهم أئِمَّةً، أوْ هي ظَرْفٌ بِمَعْنى الحِينِ، أيْ: جَعَلْناهم أئِمَّةً حِينَ صَبَرُوا، والمُرادُ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، ومُقاساتِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ الدِّينِ، أوْ صَبْرُهم عَنِ الدُّنْيا، وقُرِئَ: (لِما صَبَرُوا) أيْ: لِصَبْرِهِمْ.
﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي في تَضاعِيفِ الكِتابِ.
﴿يُوقِنُونَ﴾ لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ، والمَعْنى: كَذَلِكَ لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ هُدًى لِأُمَّتِكَ، ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.
السجدة 32:25
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُباطِلِ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
السجدة 32:26
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، عَلى مَنوِيٍّ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وفِعْلُ الهِدايَةِ إمّا مِن قَبِيلِ: فُلانٌ يُعْطِي في أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ بِلا مُلاحَظَةِ المَفْعُولِ، وإمّا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. والفاعِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: أغْفَلُوا. ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهُمْ، أوْ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَآلَ أمْرِهِمْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا ﴿مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ﴾ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، وقُرِئَ: (نَهْدِ لَهُمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا ضَمِيرَهُ تَعالى، فَيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَيْفِيَّةِ هِدايَتِهِ تَعالى.
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ، ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَهُمْ"، وقُرِئَ: (يُمَشُّونَ) لِلتَّكْثِيرِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن كَثْرَةِ إهْلاكِنا لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ العاتِيَةِ، أوْ في مَساكِنِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في عَدَدِها.
﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ هَذِهِ الآياتِ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.
السجدة 32:27
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيِ: الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ وأُزِيلَ بِالمَرَّةِ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ بِاليَمَنِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ مِن تِلْكَ الأرْضِ.
﴿زَرْعًا تَأْكُلُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ.
﴿أنْعامُهُمْ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، وقُرِئَ: (يَأْكُلُ) بِالياءِ.
﴿وَأنْفُسُهُمْ﴾ كالحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ والثِّمارِ.
﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-88)أيْ: ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى وفَضْلِهِ.
السجدة 32:28
﴿وَيَقُولُونَ﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: اللَّهُ سَيَفْتَحُ لَنا عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ يَفْصِلُ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وكانَ أهْلُ مَكَّةَ إذا سَمِعُوهُ يَقُولُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ ؟ أيِ: النَّصْرُ، أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكُمْ، أوْ يَفْصِلُ بَيْنَنا وبَيْنَكم.
السجدة 32:29
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُمْ، وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ.
﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَوْمُ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وأعْدائِهِمْ، ويَوْمُ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ: يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ. والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى ظاهِرِ سُؤالِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ أمْرًا بَيِّنًا غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وكَذا إيمانُهُمْ، واسْتِنْظارُهم يَوْمَئِذٍ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ عَدَمُ نَفْعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وعَدَمُ الإنْظارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَعْجِلُوا فَكَأنِّي بِكم قَدْ آمَنتُمْ فَلَمْ يَنْفَعْكُمْ، واسْتَنْظَرْتُمْ فَلَمْ تُنْظَرُوا، وهَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ظاهِرٌ. وأمّا عَلى الأخِيرَيْنِ: فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَقْتُولِينَ يَوْمَئِذٍ لا عَنْ كافَّةِ الكَفَرَةِ، كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. كَيْفَ لا، وقَدْ نَفَعَ الإيمانُ الطُّلَقاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، وناسًا آمَنُوا يَوْمَ بَدْرٍ؟
السجدة 32:30
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، ﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ . قِيلَ: أيِ: الغَلَبَةَ عَلَيْكم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ والأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ ... الآيَةَ. ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: ﴿وانْتَظِرْ﴾ عَذابَنا ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى: أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ فَإنَّ المَلائِكَةَ يَنْتَظِرُونَهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن قَرَأ الم تَنْزِيلُ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما أحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ».»
وَعَنْهُ ﷺ: ««مَن قَرَأ الم تَنْزِيلُ في بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ».»
الأحزاب 33:1
(p-89)(سُورَةُ الأحْزابِ مَدَنِيَّةٌ، وهي ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في نِدائِهِ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ. والمُرادُ بِ "التَّقْوى" المَأْمُورُ بِهِ الثَّباتُ عَلَيْهِ، والِازْدِيادُ مِنهُ. فَإنَّ لَهُ بابًا واسِعًا، وعَرْضًا عَرِيضًا لا يُنالُ مَداهُ.
﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ.
﴿والمُنافِقِينَ﴾ المُضْمِرِينَ لَهُ، أيْ: فِيما يَعُودُ بِوَهْنٍ في الدِّينِ، وإعْطاءِ دَنِيَّةٍ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ. رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ ﷺ في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهُمْ، وقامَ مَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ ونَدَعُكَ ورَبَّكَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ فَنَزَلَتْ. أيِ: اتَّقِ اللَّهَ في نَقْضِ العَهْدِ ونَبْذِ المُوادَعَةِ، ولا تُساعِدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَيَعْلَمُ جَمِيعَ الأشْياءِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، فَلا يَأْمُرُكَ إلّا بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولا يَنْهاكَ إلّا عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ، ولا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ. فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، والنَّهْيُ مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِما.
الأحزاب 33:2
﴿واتَّبِعْ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتِي وتَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
﴿ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ الآمِرَةُ بِتَقْوى اللَّهِ، النّاهِيَةُ عَنْ مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ. وقِيلَ: لَهُ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْغائِبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّغْلِيبِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لِمُوجِبِهِ. أمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: فَبِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الِامْتِثالِ وتَرْكِهِ، فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنهُما جَزاءَهُ ثَوابًا وعِقابًا، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ: فَبِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُهُ كِلا الفَرِيقَيْنِ فَيُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ صَلاحُ حالِكَ وانْتِظامُ أمْرِكَ، ويُطْلِعُكَ عَلى ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ المَكايِدِ والمَفاسِدِ، ويَأْمُرُكَ بِما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْمَلَهُ في دَفْعِها ورَدِّها، فَلا بُدَّ مِنَ اتِّباعِ الوَحْيِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ حَتْمًا.
الأحزاب 33:3
(p-90)﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: فَوِّضْ جَمِيعَ أُمُورِكَ إلَيْهِ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلُّ الأُمُورِ.
الأحزاب 33:4
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ شُرُوعٌ في إلْقاءِ الوَحْيِ الَّذِي أُمِرَ ﷺ بِاتِّباعِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَ المُظاهَرِ مِنها أُمًّا، وكَوْنَ الدَّعِيِّ ابْنًا، أيْ: بِمَنزِلَةِ الأُمِّ والِابْنِ في الآثارِ والأحْكامِ المَعْهُودَةِ، فِيما بَيْنَهم في الِاسْتِحالَةِ بِمَنزِلَةِ اجْتِماعِ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ واحِدٍ. وقِيلَ: هو رَدٌّ لِما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ مِن أنَّ اللَّبِيبَ الأرِيبَ لَهُ قَلْبانِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأبِي مَعْمَرٍ، أوْ لِجَمِيلِ بْنِ سَيِّدٍ الفِهْرِيِّ: ذُو القَلْبَيْنِ. أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ تَعالى قَلْبَيْنِ في رَجُلٍ. وذِكْرُ الجَوْفِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ولا زَوْجِيَّةَ ولا أُمُومَةَ في امْرَأةٍ، ولا دَعْوَةَ وبُنُوَّةَ في شَخْصٍ، لَكِنْ لا بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ والأُمُومَةِ، ونَفْيٍ بَيْنَ حَقِيقَةِ الدَّعْوَةِ والبُنُوَّةِ، كَما في القَلْبِ. ولا بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ وأحْكامِ الأُمُومَةِ، ونَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ أحْكامِ الدَّعْوَةِ وأحْكامِ البُنُوَّةِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وأحْكامِ الأُمُومَةِ، ونَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الدَّعْوَةِ وأحْكامِ البُنُوَّةِ لِإبْطالِ ما كانُوا عليه من أجراءِ أحْكامِ الأُمُومَةِ عَلى المُظاهَرِ مِنها، وإجْراءِ أحْكامِ البُنُوَّةِ عَلى الدَّعِيِّ. ومَعْنى "الظِّهارِ": أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كالتَّلْبِيَةِ مِن لَبَّيْكَ. وتَعْدِيَتُهُ بِ "مِن" لِتُضَمِّنِهُ مَعْنى التَّجَنُّبِ؛ لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ أوِ الحُرْمَةَ، إلى أداءِ الكَفّارَةِ كَما عُدِّيَ آلى بِها، وهو بِمَعْنى حَلِفَ. وذِكْرُ "الظِّهارِ" لِلْكِنايَةِ عَنِ البَطْنِ الَّذِي هو عَمُودُهُ؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ قَرِيبٌ مِن ذِكْرِ الفَرْجِ، أوْ لِلتَّغْلِيظِ في التَّحْرِيمِ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ إتْيانَ الزَّوْجَةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ. وقُرِئَ: (اللّاءِ)، وقُرِئَ: (تُظاهِرُونَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، مِن تَتَظاهَرُونَ وتَظّاهَرُونَ بِإدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ في الظّاءِ، و (تُظْهِرُونَ) مِن أظْهَرَ بِمَعْنى: تَظَهَّرَ وتَظْهَرُونَ مِن ظَهَرَ، بِمَعْنى ظاهَرَ كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقَدَ، و (تَظْهَرُونَ) مِن ظَهَرَ ظُهُورًا. وأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ: وهو الَّذِي يُدْعى ولَدًا عَلى الشُّذُوذِ لِاخْتِصاصِ أفْعِلاءَ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَقِيٍّ وأتْقِياءَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ في اللَّفْظِ فَجُمِعَ جَمْعَهُ كَقُتَلاءَ وأُسَراءَ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الظِّهارِ والدُّعاءِ، أوْ إلى الأخِيرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن مَساقِ الكَلامِ، أيْ: دُعاءَكم بِقَوْلِكُمْ: هَذا ابْنِي.
﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ وحَقِيقَةٌ في الأعْيانِ، فَإذَنْ هو بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِتْباعِ أحْكامِ البُنُوَّةِ كَما زَعَمْتُمْ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ المُطابِقَ لِلْواقِعِ ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ لا غَيْرَ فَدَعُوا أقْوالَكُمْ، وخُذُوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:
الأحزاب 33:5
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ أيِ: انْسِبُوهم (p-91)إلَيْهِمْ، وخُصُّوهم بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ "ادْعُوا" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ . و "أقْسَطُ" أفْعَلُ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ، أيِ: الدُّعاءُ لِآبائِهِمْ بالِغٌ في العَدْلِ والصِّدْقِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ.
﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ فَتَنْسِبُوهم إلَيْهِمْ.
﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانُكم ﴿فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾، وأوْلِياؤُكم فِيهِ، أيْ: فادْعُوهم بِالأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ والمَوْلَوِيَّةِ.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: إثْمٌ ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ بِالسَّهْوِ أوِ النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ.
﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم بَعْدَ النَّهْيِ، أوْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ وحُكْمِ التَّبَنِّيَ بِقَوْلِهِ: هو ابْنِي إذا كانَ عَبْدًا لِلْقائِلِ العِتْقُ عَلى كُلِّ حالٍ، ولا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ إلّا إذا كانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ، وكانَ بِحَيْثُ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِ المُتَبَنِّي، ولَمْ يُقِرَّ قَبْلَهُ بِنَسَبِهِ مِن غَيْرِهِ.
الأحزاب 33:6
﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما يَشْهَدُ بِهِ الإطْلاقُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ﷺ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرُ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمُ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ، فَقالَ ناسٌ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا. فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ: (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) أيْ: في الدِّينِ. فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أصْلٌ فِيما بِهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً.
﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَةَ الأُمَّهاتِ في التَّحْرِيمِ، واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ، وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ فَهُنَّ كالأجْنَبِيّاتِ. ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَسْنا أُمَّهاتِ النِّساءِ.
﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: ذُو القَراباتِ.
﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ. وهو نَسْخٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ في الدِّينِ.
﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ، أوْ فِيما أنْزَلَهُ. وهو هَذِهِ الآيَةُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، أوْ فِيما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِأُولِي، أيْ: أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ.
﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ ما تُقَدَّرُ الأوْلَوِيَّةُ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، والمُرادُ بِفِعْلِ المَعْرُوفِ التَّوْصِيَةُ أوْ مُنْقَطِعٌ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: كانَ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَتَيْنِ ثابِتًا في اللَّوْحِ أوِ القرآن، وقِيلَ: في التَّوْراةِ.
الأحزاب 33:7
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ كافَّةً عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والدُّعاءِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ (p-92)انْدِراجِهِمْ في النَّبِيِّينَ انْدِراجًا بَيِّنًا؛ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ، وأساطِينِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وتَقْدِيمُ نَبِيِّنا عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِإبانَةِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ.
﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ. وهَذا هو المِيثاقُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ، وأخْذُهُ هو أخْذُهُ، والعَطْفُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى:
الأحزاب 33:8
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مَسُوقٍ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى ما ذُكِرَ مِن أخْذِ المِيثاقِ، وغايَةٌ لَهُ لا بِأخْذِنا، فَإنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ نَفْسِ المِيثاقِ، ثُمَّ بَيانُ الغَرَضِ مِنهُ بَيانًا قَصْدِيًّا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَسْألَ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ، ووَضَعَ الصّادِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاهم تَبْكِيتًا لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾، أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، وتَصْدِيقُهُ صِدْقٌ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لِيَسْألَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، فَيَأْباهُ مَقامُ تَذْكِيرِ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ ما ذُكِرَ مِنَ المُضْمَرِ لا عَلى أخَذْنا، كَما قِيلَ. والتَّوْجِيهُ بِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ، وأخْذَ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ بِأنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ؛ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ. تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ أنَّهُ مُفْضٍ إلى كَوْنِ بَيانِ إعْدادِ العَذابِ الألِيمِ لِلْكافِرِينَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ، ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... الآيَةَ.
الأحزاب 33:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أنْ جَعَلَ النِّعْمَةَ مَصْدَرًا، فالجارٌّ مُتَعَلِّقٌ بِها وإلّا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنها، أيْ: كائِنَةٌ عَلَيْكم.
﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، أوْ لِثُبُوتِها لَهم وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِ «اذْكُرُوا» عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ. والمُرادُ بِ "الجُنُودِ" الأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ، ويَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وكانُوا زُهاءَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإقْبالِهِمْ ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ بِإشارَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ والخَنْدَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَّرارِيِّ والنِّساءِ فَرُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، ونَجَمَ النِّفاقُ في المُنافِقِينَ، - حَتّى قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ، ولا نَقْدِرُ أنْ نَذْهَبَ إلى الغائِطِ. - ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنِهِمْ إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهُمْ: عَمْرُو بْنُ عَبْدُوِدٍّ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وضِرارُ بْنُ الخَطّابِ، ومِرْداسُ أخُو بَنِي مُحارِبٍ. قَدْ رَكِبُوا (p-93)خُيُولَهُمْ، وتَيَمَّمُوا مِنَ الخَنْدَقِ مَكانًا مُضَيَّقًا، فَضَرَبُوا خُيُولَهُمْ، فاقْتَحَمُوا، فَجالَتْ بِهِمْ في السَّبِخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتّى أخَذَ عَلَيْهِمُ الثُّغْرَةَ الَّتِي اقْتَحَمُوا مِنها، فَأقْبَلَتِ الفُرْسانُ نَحْوَهُمْ، وكانَ عَمْرٌو مَعْلَمًا لِيُرى مَكانُهُ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا عَمْرُو، وإنِّي أدْعُوكَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ والإسْلامِ. قالَ: لا حاجَةَ لِي إلَيْهِ؛ فَإنِّي أدْعُوكَ إلى النِّزالِ. قالَ: يا ابْنَ أخِي، واللَّهِ لا أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ. قالَ عَلِيٌّ: لَكِنِّي واللَّهِ أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ. فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، وكانَ غَيُورًا مَشْهُورًا بِالشَّجاعَةِ، واقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ، أوْ ضَرَبَ وجْهَهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ فَتَناوَلا وتَجاوَلا، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرْبَةً ذَهَبَتْ فِيها نَفْسُهُ، فَلَمّا قَتَلَهُ انْهَزَمَتْ خَيْلُهُ حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الخَنْدَقِ هارِبَةً، وقَتَلَ مَعَ عَمْرٍو رَجُلَيْنِ مُنَبِّهَ بْنَ عُثْمانَ ابْنَ عَبْدِ الدّارِ، ونَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ قَتَلَهُ أيْضًا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم إلّا التَّرامِي بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ عَطْفٌ عَلى جاءَتْكم مَسُوقٌ لِبَيانِ النِّعْمَةِ إجْمالًا، وسَيَأْتِي بَقِيَّتُها في آخِرِ القِصَّةِ.
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانُوا ألْفًا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَبًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ فَأخْصَرَتْهُمْ، وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتِ الأطْنابَ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقَذَفَ في قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ، وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَقالَ طَلِيحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ: أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسحر فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الحَرْبِ، وقِيلَ: مِنَ التِجائِكم إلَيْهِ، ورَجائِكم مِن فَضْلِهِ، وقُرِئَ بِالياءِ، أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ، أيْ: مِنَ التَّحَرُّزِ والمُحارَبَةِ، أوْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿بَصِيرًا﴾ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن نَصْرِكم عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
الأحزاب 33:10
﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن: «إذْ جاءَتْكُمْ».
﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، وهم بَنُو غَطَفانَ ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ. قائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وعامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ في هَوازِنَ، وضامَّتْهُمُ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، وهم قُرَيْشٌ ومَن شايَعَهم مِنَ الأحابِيشِ وبَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ، وكانُوا عَشَرَةَ آلافٍ.
﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ، أيْ: حِينَ مالَتْ عَنْ سُنَنِها، وانْحَرَفَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً وشُخُوصًا، وقِيلَ: عَدَلَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها لِشِدَّةِ الرَّوْعِ.
﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ لِأنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ فَيَرْتَفِعُ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ووَجِيبِها، وإنْ لَمْ تَبْلُغِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ لِمَن يُظْهِرُ الإيمانَ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: تَظُنُّونَ بِاللَّهِ تَعالى أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ، حَيْثُ ظَنَّ المُخْلِصُونَ الثَّبْتُ القُلُوبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما سَيُحْكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ... الآيَةَ. (p-94)أوْ يَمْتَحِنُهم فَخافُوا الزَّلَلَ، وضَعُفَ الِاحْتِمالُ، والضِّعافُ القُلُوبِ، والمُنافِقُونَ ما حُكِيَ عَنْهم مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "زاغَتْ". وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وقُرِئَ: (الظُّنُونَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهو القِياسُ، وزِيادَتُها لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَما تُزادُ في القَوافِي.
الأحزاب 33:11
﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ لِما بَعْدَهُ، أيْ: في ذَلِكَ الزَّمانِ الهائِلِ، أوِ المَكانِ الدَّحْضِ.
﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: عُومِلُوا مُعامَلَةَ مَن يُخْتَبَرُ؛ فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ.
الأحزاب 33:12
﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "إذْ زاغَتْ". وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ القَوْلِ، واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفُ اعْتِقادٍ.
﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِن إعْلاءِ الدِّينِ والظَّفَرِ.
﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ: وعْدَ غُرُورٍ، وقِيلَ: قَوْلًا باطِلًا، والقائِلُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأضْرابُهُ راضُونَ بِهِ. قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنَّ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعَدُ غُرُورٍ.
الأحزاب 33:13
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ هم أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأتْباعُهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأشْياعُهُ.
﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هو اسْمُ المَدِينَةِ المُطَهَّرَةِ، وقِيلَ: اسْمُ بُقْعَةٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُسَمّى بِها كَراهَةً لَها، وقالَ: ««هِيَ طَيْبَةُ، أوْ طابَةُ».» كَأنَّهم ذَكَرُوها بِذَلِكَ الِاسْمِ مُخالَفَةً لَهُ ﷺ، ونِداؤُهم إيّاهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّتِهِمْ لَها تَرْشِيحٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلَيْها.
﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكُمْ، أوْ لا إقامَةَ لَكم هَهُنا يُرِيدُونَ المُعَسْكَرَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: لا قِيامَ أوْ لا مَوْضِعَ قِيامٍ لَكم.
﴿فارْجِعُوا﴾ أيْ: إلى مَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ مُرادُهُمُ الأمْرُ بِالفِرارِ، لَكِنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ تَرْوِيجًا لِمَقالِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الفِرارِ المَذْمُومِ. وقِيلَ: المَعْنى لا قِيامَ لَكم في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ، وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. أوْ لا مُقامَ لَكم في يَثْرِبَ، فارْجِعُوا كُفّارًا لِيَتَسَنّى لَكُمُ المَقامُ بِها، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ اسْتَأْذَنُوهُ ﷺ في الرُّجُوعِ مُمْتَثِلِينَ بِأمْرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَسْتَأْذِنُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ.
﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ والسُّرّاقِ، فَأْذَنْ لَنا حَتّى نُحَصِّنَها، ثُمَّ نَرْجِعَ إلى العَسْكَرِ. والعَوْرَةُ في الأصْلِ الخَلَلُ، أُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ مُبالَغَةً، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَخْفِيفَ عَوِرَةٍ مِن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَّتْ، وقَدْ قُرِئَ بِها، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِذارِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ مَقالِهِمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ.
﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾ والحالُ أنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ. (p-95)﴿إنْ يُرِيدُونَ﴾ ما يُرِيدُونَ بِالِاسْتِئْذانِ.
﴿إلا فِرارًا﴾ مِنَ القِتالِ.
الأحزاب 33:14
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أُسْنِدَ الدُّخُولُ إلى بُيُوتِهِمْ، وأُوقِعَ عَلَيْهِمْ لِما أنَّ المُرادَ فَرْضُ دُخُولِها وهم فِيها، لا فَرْضُ دُخُولِها مُطْلَقًا، كَما هو المَفْهُومُ. لَوْ لَمْ يُذْكَرِ الجارُّ والمَجْرُورُ، ولا فَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ. لَوْ أُسْنِدَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ ﴿مِن أقْطارِها﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جَوانِبِها لا مِن بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ. فالمَعْنى: لَوْ كانَتْ بُيُوتُهم مُخْتَلَّةً بِالكُلِّيَّةِ، ودَخَلَها كُلُّ مَن أرادَ مِن أهْلِ الدَّعارَةِ والفَسادِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ مِن جِهَةِ طائِفَةٍ أُخْرى عِنْدَ تِلْكَ النّازِلَةِ والرَّجْفَةِ الهائِلَةِ.
﴿الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ مَكانَ ما سُئِلُوا الآنَ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿لآتَوْها﴾ لَأعْطَوْها غَيْرَ مُبالِينَ بِما دَهاهم مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، والغارَةِ الشَّعْواءِ. وقُرِئَ: (لَأتَوْها) بِالقَصْرِ، أيْ: لَفَعَلُوها وجاءُوها.
﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ بِالفِتْنَةِ، أيْ: ما أُلْبِثُوها، وما أخَّرُوها ﴿إلا يَسِيرًا﴾ رَيْثَما يَسَعُ السُّؤالُ والجَوابُ مِنَ الزَّمانِ فَضْلًا عَنِ التَّعَلُّلِ بِاخْتِلالِ البُيُوتِ مَعَ سَلامَتِها، كَما فَعَلُوا الآنَ. وقِيلَ: ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ الِارْتِدادِ إلّا يَسِيرًا، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِالمَقامِ هَذا. وأمّا تَخْصِيصُ فَرْضِ الدُّخُولِ بِتِلْكَ العَساكِرِ المُتَحَزِّبَةِ فَمَعَ مُنافاتِهِ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن تَجْرِيدِ الدُّخُولِ عَنِ الفاعِلِ، فَفِيهِ ضَرْبٌ مِن فَسادِ الوَضْعِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ أنَّهم إذا دُعُوا إلى الحَقِّ تَعَلَّلُوا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، وإنْ دُعُوا إلى الباطِلِ سارَعُوا إلَيْهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ، فَفَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ العَساكِرِ المَذْكُورَةِ، وإسْنادُ سُؤالِ الفِتْنَةِ، والدَّعْوَةُ إلى الكُفْرِ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مَعَ أنَّ العَساكِرَ هُمُ المَعْرُوفُونَ بِعَداوَةِ الدِّينِ، المُباشِرُونَ لِقِتالِ المُؤْمِنِينَ المُصِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ المُجِدُّونَ في الدُّعاءِ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ.
الأحزاب 33:15
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ فَإنَّ بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والفَضِيلَةِ فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ.
﴿وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وقِيلَ: مَسْؤُولًا عَنِ الوَفاءِ بِهِ ومُجازًى عَلَيْهِ.
الأحزاب 33:16
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلِ سَيْفٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ.
﴿وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:17
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ (p-96)أيْ: أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً. فاخْتَصَرَ الكَلامَ، أوْ حُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ.
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضَّرَرَ.
الأحزاب 33:18
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيِ: المُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُمُ المُنافِقُونَ.
﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ نَحْوَ: احْضَرْ أوْ قَرِّبْ. ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَيَقُولُونَ: هَلُمَّ يا رَجُلُ، وهَلُمُّوا يا رِجالُ، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ هَذا القَوْلِ خارِجُونَ مِنَ المُعَسْكَرِ مُتَوَجِّهُونَ نَحْوَ المَدِينَةِ.
﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: الحِرابَ والقِتالَ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إتْيانًا أوْ زَمانًا أوْ بَأْسًا قَلِيلًا، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ويُثَبِّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ، ويَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهُمْ، ولا تَراهم يُبارِزُونَ، ويُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ . وقِيلَ: إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ مَعْناهُ: ولا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ حَرْبَ الأحْزابِ، ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:19
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالمُعاوَنَةِ، أوِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ. جَمْعُ شَحِيحٍ. ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ، أوْ مِنَ المُعَوِّقِينَ، أوْ عَلى الذَّمِّ.
﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في أحْداقِهِمْ.
﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ يَنْظُرُونَ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ لِمَصْدَرِ تَدُورُ، أوْ حالٌ مِن أعْيُنِهِمْ، أيْ: يَنْظُرُونَ نَظَرًا كائِنًا كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ حَذَرًا وخَوْرًا، ولِواذًا بِكَ، أوْ يَنْظُرُونَ كائِنِينَ "كالَّذِي"... إلَخْ. أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم دَوَرانًا كائِنًا كَدَوَرانِ عَيْنِهِ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم كائِنَةً كَعَيْنِهِ.
﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ ضَرَبُوكم ﴿بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا؛ فَإنّا قَدْ شاهَدْناكُمْ، وقاتَلْنا مَعَكُمْ، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكُمْ، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِ. والسَّلْقُ البَسْطُ بِقَهْرٍ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ، وقُرِئَ: (صَلَقُوكُمْ) ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ، أوِ الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِالإخْلاصِ ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أظْهَرَ بُطْلانَها إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهم أعْمالٌ فَتَبْطُلُ، أوْ أبْطَلَ تَصَنُّعَهم ونِفاقَهم فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَتْبِعًا لِمَنفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أصْلًا.
﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ الإحْباطُ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا. وتَخْصِيصُ يُسْرِهِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى يَسِيرٌ لِبَيانِ أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِأنْ يَظْهَرَ حُبُوطُها لِكَمالِ تَعاضُدِ الدَّواعِي، وعَدَمِ الصَّوارِفِ بِالكُلِّيَّةِ.
الأحزاب 33:20
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ (p-97)لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا فَفَرُّوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ.
﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ، وقُرِئَ: (بُدًّى) جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى.
﴿يَسْألُونَ﴾ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ. وقُرِئَ: (يَسّاءَلُونَ) أيْ: يَتَساءَلُونَ. ومَعْناهُ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ؟ ماذا بَلَغَكَ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ كَما يُقالُ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ، فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ قَدْ تُجَرَّدُ عَنْ مَعْنى كَوْنِ ما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ فاعِلًا مِن وجْهٍ، ومَفْعُولًا مِن وجْهٍ، ويُكْتَفى بِتَعَدُّدِ الفاعِلِ كَما في المِثالِ المَذْكُورَةِ ونَظائِرِهِ.
﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ هَذِهِ الكَرَّةَ، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ.
﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
الأحزاب 33:21
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ حَقُّها يُؤْتَسى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، أوْ هو في نَفْسِهِ قُدْوَةٌ يَحِقُّ التَّأسِّي بِهِ، كَقَوْلِكَ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدًا، أيْ: هي في نَفْسِها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ فِيها.
﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: ثَوابَ اللَّهِ، أوْ لِقاءَهُ، أوْ أيّامَ اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وفَضْلَهُ. فَإنَّ اليَوْمَ الآخِرَ مِن أيّامِ اللَّهِ تَعالى. ولِمَن كانَ صِلَةً لِحَسَنَةٍ، أوْ صِفَةً لَها. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن «لَكُمْ» والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ.
﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ أيْ: وقَرَنَ بِالرَّجاءِ ذِكْرَ اللَّهِ.
﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، فَإنَّ المُثابَرَةَ عَلى ذِكْرِهِ تَعالى تُؤَدِّي إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، وبِها يَتَحَقَّقُ الِائْتِساءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
الأحزاب 33:22
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اشْتِباهِ الشُّؤُونِ واخْتِلافِ الظُّنُونِ، بَعْدَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ: لِما شاهَدُوهم حَسْبَما وصَفَوا لَهم.
﴿قالُوا هَذا﴾ مُشِيرِينَ إلى ما شاهَدُوهُ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ. كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ وجَعَلَهُ إشارَةً إلى الخَطْبِ، أوِ البَلاءِ مِن نَتائِجِ النَّظَرِ الجَلِيلِ؛ فَتَدَبَّرْ. نَعَمْ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ بِالَّذِي هو ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ، ومُرادُهم بِذَلِكَ ما وُعِدُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . وقَوْلِهِ ﷺ: ««سَيَشْتَدُّ الأمْرُ بِاجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْكُمْ، والعاقِبَةُ لَكم عَلَيْهِمْ».» وقَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ».» وقُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ.
﴿وَصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، أوْ صَدَقا في النُّصْرَةِ والثَّوابِ، كَما صَدَقا في البَلاءِ. وإظْهارُ الِاسْمِ لِلتَّعْظِيمِ.
﴿وَما زادَهُمْ﴾ أيْ: ما رَأوْهُ.
﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وبِمَواعِيدِهِ.
(p-98)﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ ومَقادِيرِهِ.
الأحزاب 33:23
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً.
﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، والمُقاتَلَةِ لِأعْداءِ الدِّينِ، وهم رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَذَرُوا أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا. وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وغَيْرُهُمْ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
وَمَعْنى "صَدَقُوا" أتَوْا بِالصِّدْقِ، مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ. ومَحَلُّ ما عاهَدُوا النَّصْبُ، إمّا بِطَرْحِ الخافِضِ عَنْهُ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّهِ. وإمّا يُجْعَلُ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا عَلى المَجازِ، كَأنَّهم خاطَبُوهُ خِطابَ مَن قالَ لِكُرَمائِهِ:
نَحَرَتْنِي الأعْداءُ إنْ لَمْ تُنْحَرِي
وَقالُوا لَهُ: سَنَفِي بِكَ، وحَيْثُ وفَوْا بِهِ فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا نَكَثُوهُ لَكَذَّبُوهُ، ولَكانَ مَكْذُوبًا.
﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ. والنَّحْبُ النَّذْرُ، وهو أنْ يَلْتَزِمَ الإنْسانُ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ، ويُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وقَضاؤُهُ الفَراغُ مِنهُ، والوَفاءُ بِهِ. ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ ... الآيَةَ. أيْ: فَبَعْضُهُمْ، أوْ فَبَعْضٌ مِنهم مَن خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ كَحَمْزَةَ، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وغَيْرُهُمْ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإنَّهم قَدْ قَضَوْا نُذُورَهم سَواءٌ كانَ النُّذُرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بِأنْ يَكُونَ ما نَذَرُوهُ أفْعالَهُمُ الِاخْتِيارِيَّةَ الَّتِي هي المُقاتَلَةُ المُغَيّاةُ بِما لَيْسَ مِنها، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّذْرِ، وهو المَوْتُ شَهِيدًا، أوْ كانَ مُسْتَعارًا، لِالتِزامِهِ عَلى ما سَيَأْتِي.
﴿وَمِنهُمْ﴾ أيْ: وبَعْضُهُمْ، أوْ وبَعْضٌ مِنهم.
﴿مَن يَنْتَظِرُ﴾ أيْ: قَضاءَ نَحْبِهِ لِكَوْنِهِ مُوَقَّتًا كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ وغَيْرِهِما، مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى نُذُورِهِمْ قَدْ قَضَوْا بَعْضَها، وهو الثَّباتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والقِتالُ إلى حِينِ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومُنْتَظِرُونَ لِقَضاءِ بَعْضِها الباقِي، وهو القِتالُ إلى المَوْتِ شَهِيدًا. هَذا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّحْبُ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ الِالتِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ، وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ. وأيًّا ما كانَ فَفي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظَرِ شَهادَةُ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ النَّحْبَ اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ فَمَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وذَهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَما بَدَّلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صَدَقُوا، وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ: وما بَدَّلُوا عَهْدَهم وما غَيَّرُوهُ.
﴿تَبْدِيلا﴾ أيْ: تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ، راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ. أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ. وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ (p-99)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بَدَّلُوا لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهم. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ الجَنَّةَ».» وفي رِوايَةٍ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ». وعَنْهُ ﷺ في رِوايَةِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ».» وفي رِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَن «سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ».» وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّهُ مِنَ الأوَّلِينَ حُكْمًا.
الأحزاب 33:24
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مَسُوقٍ بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى وُقُوعٍ ما حُكِيَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ. وغايَةٌ لَهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ قَوْلًا وفِعْلًا.
﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ المَحْكِيَّةِ.
﴿إنْ شاءَ﴾ تَعْذِيبَهم ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ التَّبْدِيلِ المَنطُوقِ، وإثْباتِهِ المُعَرَّضَ بِهِ كَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِصَدَقُوا، وقِيلَ: لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: «وَما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا». وقِيلَ: لِما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الخَطْبِ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ... الآيَةَ. فَتَأمَّلْ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ. وهو اعْتِراضٌ فِيهِ بَعْثٌ إلى التَّوْبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الأحزاب 33:25
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رُجُوعٌ إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ، وتَفْصِيلُ تَتِمَّةِ النِّعْمَةِ المُشارِ إلَيْها إجْمالًا، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى المُضْمَرِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ حِكايَةِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾ ... إلَخْ. وإمّا عَلى أرْسَلْنا، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما بَيانَ كَوْنِ ما نَزَلَ بِهِمْ واقِعَةً طامَّةً تَحَيَّرَتْ بِها العُقُولُ والأفْهامُ، وداهِيَةٌ تامَّةٌ تَحاكَّتْ مِنها الرُّكَبُ، وزَلَّتِ الأقْدامُ. وتَفْصِيلٌ ما صَدَرَ عَنْ فَرِيقَيْ أهْلِ الإيمانِ، وأهْلِ الكُفْرِ، والنِّفاقِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ؛ لِإظْهارِ عِظَمِ النِّعْمَةِ، وإبانَةِ خَطَرِها الجَلِيلِ بِبَيانِ وُصُولِها إلَيْهِمْ عِنْدَ غايَةِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، أيْ: فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ورَدَدْنا بِذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ بِتَداخُلٍ، أوْ تَعاقُبٍ، أيْ: غَيْرَ ظافِرِينَ بِخَيْرٍ، أوِ الثّانِيَةُ بَيانٌ لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما ذُكِرَ مِن إرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ كُلِّ ما يُرِيدُ.
﴿عَزِيزًا﴾ (p-100)غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:26
﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ المَرْدُودَةَ.
﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ.
﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ مِن حُصُونِهِمْ جَمِيعِ صِيصِيَةٍ، وهي ما يُتَحَصَّنُ بِهِ. ولِذَلِكَ يُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ: والظَّبْيِ، وشَوْكَةِ الدِّيكِ.
﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، بِحَيْثُ أسْلَمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ، وأهْلِيَهُمْ، وأوْلادَهم لِلْأسْرِ، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن جِهَتِهِمْ حَراكٌ فَضْلًا عَنِ المُخالَفَةِ والِاسْتِعْصاءِ. رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى رَسُولَ ﷺ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ، ورَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى المَدِينَةِ، ووَضَعُوا السِّلاحَ، فَقالَ: أتَنْزِعُ لَأْمَتَكَ والمَلائِكَةُ ما وضَعُوا السِّلاحَ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَسِيرَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ فَأذِّنْ في النّاسِ أنْ لا يُصَلُّوا العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَحاصَرُوهم إحْدى وعِشْرِينَ أوْ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ. فَقالَ لَهُمْ: تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِي؟ فَأبَوْا. فَقالَ: عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؟ فَرَضُوا بِهِ. فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ، وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ ونِسائِهِمْ. فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ، وقالَ: ««لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ».» فَقَتَلَ مِنهم سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: مِن ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ، وأسَرَ سَبْعَمِائَةٍ. وقُرِئَ: (تَأْسُرُونَ) بِضَمِّ السِّينِ، كَما قُرِئَ: (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ المَفْعُولِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَفْصِيلِهِ وتَقْسِيمِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
الأحزاب 33:27
﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ أيْ: حُصُونَهم.
﴿وَأمْوالَهُمْ﴾ ونُقُودَهم وأثاثَهم ومَواشِيَهم. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ في ذَلِكَ: فَقالَ ﷺ: «إنَّكم في مَنازِلِكُمْ». فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أما تَخْمِسُ كَما خَمَسْتَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ فَقالَ ﷺ: «لا إنَّما جُعِلَتْ هَذِهِ لِي طُعْمَةً دُونَ النّاسِ». قالُوا: رَضِينا بِما صَنَعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ.» ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ: أوْرَثَكم في عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ: أرْضًا لَمْ تَقْبِضُوها بَعْدُ كَفارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: خَيْبَرُ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فَقَدْ شاهَدْتُمْ بَعْضَ مَقْدُوراتِهِ مِن إيراثِ الأراضِي الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوها، فَقِيسُوا عَلَيْها ما عَداها.
الأحزاب 33:28
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ: السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها.
﴿وَزِينَتَها﴾ وزَخارِفَها.
﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ بِإرادَتِكُنَّ واخْتِيارِكُنَّ لِإحْدى الخَصْلَتَيْنِ، كَما يُقالُ: أقْبَلَ يُخاصِمُنِي، وذَهَبَ يُكَلِّمُنِي، وقامَ يُهَدِّدُنِي.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ، وكَذا ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ، وأُطَلِّقْكُنَّ.
﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، رُوِيَ أنَّهُنَّ سَألْنَهُ ﷺ ثِيابَ الزِّينَةِ، وزِيادَةَ النَّفَقَةِ، فَنَزَلَتْ. فَبَدَأ بِعائِشَةَ (p-101)فَخَيَّرَها فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ اخْتارَتِ الباقِياتِ اخْتِيارَها فَشَكَرَ لَهُنَّ اللَّهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ واخْتُلِفَ في أنَّ هَذا التَّخْيِيرَ هَلْ كانَ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ إلَيْهِنَّ، حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيارِ أوْ لا؟ فَذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ، وإنَّما كانَ تَخْيِيرًا لَهُنَّ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ عَلى أنَّهُنَّ إنْ أرَدْنَ الدُّنْيا فارَقَهُنَّ ﷺ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ كانَ تَفْوِيضًا لِلطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى لَوْ أنَّهُنَّ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، كانَ ذَلِكَ طَلاقًا، وكَذا اخْتُلِفَ في حُكْمِ التَّخْيِيرِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إذا خَيَّرَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ فاخْتارَتْ زَوْجَها لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، ولَوِ اخْتارَتْ نَفْسَها وقَعَتْ طَلْقَةً بائِنَةً عِنْدَنا، ورَجْعِيَّةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وسُفْيانَ. ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها يَقَعُ طَلْقَةً واحِدَةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها يَقَعُ ثَلاثَ طَلْقاتٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةً بائِنَةً. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، وعَلَيْهِ إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخْتَرْناهُ، ولَمْ يُعِدَّهُ طَلاقًا.» وتَقْدِيمُ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ مِن بابِ الكَرَمِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِمَعاذِيرِهِنَّ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُتْعَةُ في المُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها، ولَمْ يُفْرَضْ لَها صَداقٌ عِنْدَ العَقْدِ واجِبَةٌ عِنْدَنا، وفِيما عَداهُنَّ مُسْتَحَبَّةٌ. وهي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ بِحَسَبِ السِّعَةِ والإقْتارِ، إلّا أنْ يَكُونَ نِصْفُ مَهْرِها أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَها الأقَلُّ مِنهُما، ولا يَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ.
الأحزاب 33:29
﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: تُرِدْنَ رَسُولَهُ. وذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ ﷺ عِنْدَهُ تَعالى.
﴿والدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: نَعِيمَها الَّذِي لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا.
﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ بِمُقابَلَةِ إحْسانِهِنَّ.
﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُبْلَغُ غايَتُهُ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ؛ لِأنَّ كُلَّهُنَّ مُحْسِناتٌ. وتَجْرِيدُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَنِ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ مَعْنى التَّخْيِيرِ والِاحْتِرازِ عَنْ شائِبَةِ الإكْراهِ، وهو السِّرُّ فِيما ذُكِرَ مِن تَقْدِيمِ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ، وفي وصْفِ السَّراحِ بِالجَمِيلِ.
الأحزاب 33:30
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِنَّ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِنُصْحِهِنَّ، ونِداؤُهُنَّ هَهُنا، وفِيما بَعْدَهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ﷺ؛ لِأنَّها الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها ما يَرِدُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الأحْكامِ.
﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ بِكَبِيرَةٍ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرَةِ القُبْحِ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى "تَبَيَّنَ" وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ. والمُرادُ بِها كُلُّ ما اقْتَرَفْنَ مِنَ الكَبائِرِ، وقِيلَ: هي عِصْيانُهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُشُوزُهُنَّ، وطَلَبُهُنَّ مِنهُ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، أوْ ما يَضِيقُ بِهِ ذَرْعُهُ ويَغْتَمُّ لِأجْلِهِ. وقُرِئَ: (تَأْتِ) بِالفَوْقانِيَّةِ.
﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذَّبْنَ ضَعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ، أيْ: مِثْلَيْهِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ. فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تابِعَةٌ لِزِيادَةِ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ، (p-102)وَلِذَلِكَ جُعِلَ حَدُّ الحَرِّ ضِعْفَ حَدِّ الرَّقِيقِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ الأُمَمُ. وقُرِئَ: (يُضْعَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و (يُضاعَفُ) و (نُضْعِفُ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ العَذابِ.
﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَمْنَعُهُ عَنِ التَّضْعِيفِ كَوْنُهُنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ يَدْعُوهُ إلَيْهِ لِمُراعاةِ حَقِّهِ.
الأحزاب 33:31
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ، أيْ: ومَن يَدُمْ عَلى الطّاعَةِ ﴿لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، وأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالقَناعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ. وقُرِئَ: (يَعْمَلْ) بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن" و (يُؤْتِها) عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَأعْتَدْنا لَها﴾ في الجَنَّةِ زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ.
﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ مَرْضِيًّا.
الأحزاب 33:32
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أصْلُ أحَدٍ وحَدٌ، بِمَعْنى الواحِدِ. ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والواحِدُ والكَثِيرُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورِضا رَسُولِهِ، أوْ إنِ اتَّصَفْتُنَّ بِالتَّقْوى كَما هو اللّائِقُ بِحالِكُنَّ.
﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ، أيْ: لا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا لَيِّنًا عَلى سَنَنِ قَوْلِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ ورِيبَةٌ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِمَرِيضِ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الإطْماعِ بِالقَوْلِ الخاضِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَلا يَطْمَعْ مَرِيضُ القَلْبِ.
﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ، والإطْماعِ بِجِدٍّ وخُشُونَةٍ مِن غَيْرِ تَخْنِيثٍ، أوْ قَوْلًا حَسَنًا مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.
الأحزاب 33:33
﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ أمْرٌ مِن قَرَّ يَقَرُّ مِن بابِ عَلِمَ، وأصْلُهُ اقْرُرْنَ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى، وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِكَ: ظَلْنَ. أوْ مِن قارَ يَقارُ إذا اجْتَمَعَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا، إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، وأصْلُهُ أوْقِرْنَ، فَفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بَعُدْنَ مِن وعَدَ، أوْ مِن قِرِيقَرَ حُذِفَتْ إحْدى راءَيِ اقْرُرْنَ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، كَما تَقُولُ: ظَلْنَ.﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ أيْ: لا تَتَبَخْتَرْنَ في مَشْيِكُنَّ.
﴿تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيْ: تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِّساءِ في الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ، وهي ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ. وقِيلَ: ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ دِرْعَها مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ، وقِيلَ: زَمَنَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ (p-103)الكُفْرِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى الفُسُوقُ في الإسْلامِ، ويُؤَيِّدُ «قَوْلُهُ ﷺ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً». قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ، أوْ جاهِلِيَّةُ إسْلامٍ؟ قالَ: بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ.»
﴿وَأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ﴾ أُمِرْنَ بِهِما لِإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما، وكَوْنِهِما أصْلَيِ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
﴿وَأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتِنَّ، وما تَذَرْنَ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ، ونُهِيتُنَّ عَنْهُ.
﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيِ: الذَّنْبَ المُدَنِّسَ لِعِرْضِكُمْ، وهو تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولِذَلِكَ عَمَّمَ الحُكْمَ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ لِغَيْرِهِنَّ، وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ حَيْثُ قِيلَ: بِطَرِيقِ النِّداءِ أوِ المَدْحِ.
﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ مُرادًا بِهِمْ مِن حَواهم بَيْتُ النُّبُوَّةِ.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ مِن أوْضارِ الأوْزارِ والمَعاصِي.
﴿تَطْهِيرًا﴾ بَلِيغًا. واسْتِعارَةُ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ، والتَّرْشِيحُ بِالتَّطْهِيرِ لِمَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنْها، وهَذِهِ كَما تَرى آيَةٌ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ نَيِّرَةٌ عَلى كَوْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ قاضِيَةً بِبُطْلانِ رَأْيِ الشِّيعَةِ في تَخْصِيصِهِمْ أهْلَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذاتَ غَدْوَةٍ، وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، وجَلَسَ فَأتَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها فِيهِ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما فِيهِ، ثُمَّ قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ. فَإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ البَيْتِ لا عَلى أنَّ مَن عَداهم لَيْسُوا كَذَلِكَ. ولَوْ فُرِضَتْ دَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما اعْتُدَّ بِها لِكَوْنِها في مُقابَلَةِ النَّصِّ.
الأحزاب 33:34
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ أيِ: اذْكُرْنَ لِلنّاسِ بِطَرِيقِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ.
﴿مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِ اللَّهِ البَيِّنَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ بِنَظْمِهِ المُعْجِزِ، وكَوْنِهِ حِكْمَةً مُنْطَوِيَةً عَلى فُنُونِ العُلُومِ والشَّرائِعِ، وهو تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، ومَهْبِطَ الوَحْيِ، وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءِ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ، والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ حَثًّا عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَهُ، والتَّعَرُّضُ لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها مَعَ أنَّهُ الأنْسَبُ لِكَوْنِها مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ، وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ، والتَّذْكِيرِ بِخِلافِ النُّزُولِ. وعَدَمُ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ، وتِلاوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتِلاوَتَهُنَّ وتِلاوَةَ غَيْرِهِنَّ تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يُصْلِحُ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ، ومَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.
الأحزاب 33:35
﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ أيِ: الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ (p-104)بِهِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ القائِمِينَ بِها.
﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ في القَوْلِ والعَمَلِ ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ عَلى الطّاعاتِ، وعَنِ المَعاصِي.
﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ.
﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ بِما وجَبَ في مالِهِمْ.
﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ الصَّوْمَ المَفْرُوضَ.
﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ عَنِ الحَرامِ.
﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ.
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الحَسَناتِ المَذْكُورَةِ ﴿مَغْفِرَةً﴾ اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّهُنَّ مُكَفِّراتٌ بِما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿وَأجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الطّاعاتِ والآياتِ، وعْدٌ لَهُنَّ ولِأمْثالِهِنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّدَرُّعِ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.
رُوِيَ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهُنَّ قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القرآن بِخَيْرٍ، فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ؟ إنّا نَخافُ أنْ لا تُقْبَلَ مِنّا طاعَةٌ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: السّائِلَةُ أُمُّ سَلَمَةَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ ما نَزَلَ قالَ نِساءُ المُؤْمِنِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ؟ فَنَزَلَتْ. وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ، وهو ضَرُورِيٌّ. وأمّا عَطْفُ الزَّوْجَيْنِ عَلى الزَّوْجَيْنِ فَلِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ فَلا يَكُونُ ضَرُورِيًّا، ولِذَلِكَ تُرِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَدارَ إعْدادِ ما أُعِدَّ لَهم جَمْعُهم بَيْنَ هَذِهِ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ.
الأحزاب 33:36
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا امْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ أيْ: إذا قَضى رَسُولُ اللَّهِ، وذُكِرَ اللَّهُ تَعالى لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ ﷺ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ قَضاءَهُ ﷺ قَضاءُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِنْتِ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَأبَتْ هي وأخُوها عَبْدُ اللَّهِ. وقِيلَ: في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها مِن زَيْدٍ، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا اللَّهَ ورَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ.
﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ ما شاءُوا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ ﷺ، واخْتِيارَهم تِلْوَ الِاخْتِيارِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ لِوُقُوعِهِما في سِياقِ النَّفْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الثّانِي لِلرَّسُولِ ﷺ. والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وقُرِئَ: (تَكُونَ) بِالتّاءِ.
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ويَعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ضَلالا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيْنَ الِانْحِرافِ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ.
الأحزاب 33:37
﴿وَإذْ تَقُولُ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِكَ.
﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ (p-105)لِلْإسْلامِ، وتَوْفِيقِكَ لِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ ومُراعاتِهِ.
﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالعَمَلِ بِما وفَّقَكَ اللَّهُ لَهُ مِن فُنُونِ الإحْسانِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَحْرِيرُهُ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وإيرادُهُ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِهِ لِما صَدَرَ عَنْهُ ﷺ مِن إظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ. إذْ هو إنَّما يَقَعُ عِنْدَ الِاسْتِحْياءِ أوْ الِاحْتِشامِ، وكِلاهُما مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّ زَيْدٍ.
﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ: زَيْنَبَ. وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ أبْصَرَها بَعْدَ ما أنْكَحَها إيّاهُ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ حالَةً جِبِلِّيَّةً لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها البَشَرُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ. وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِالتَّسْبِيحَةِ فَذَكَرَتْها لِزَيْدٍ فَفَطِنَ لِذَلِكَ، ووَقَعَ في نَفْسِهِ كَراهَةُ صُحْبَتِها، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي. فَقالَ: ما لَكَ أرابَكَ مِنها شَيْءٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما رَأيْتُ مِنها إلّا خَيْرًا، ولَكِنَّها لِشَرَفِها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ. فَقالَ لَهُ: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها فَلا تُطَلِّقْها إضْرارًا وتَعَلُّلًا بِتَكَبُّرِها.
﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها، أوْ إرادَةُ طَلاقِها.
﴿وَتَخْشى النّاسَ﴾ تَعْيِيرَهم إيّاكَ بِهِ.
﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ إنْ كانَ فِيهِ ما يُخْشى. و "الواوُ" لِلْحالِ ولَيْسَتِ المُعاتَبَةَ عَلى الإخْفاءِ وحْدَهُ، بَلْ عَلى الإخْفاءِ مَخافَةَ قالَةِ النّاسِ، وإظْهارِ ما يُنافى إضْمارَهُ، فَإنَّ الأوْلى في أمْثالِ ذَلِكَ أنْ يَصْمُتَ، أوْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلى رَبِّهِ.
﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وطَلَّقَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها. وقِيلَ: قَضاءُ الوَطَرِ كِنايَةٌ عَنِ الطَّلاقِ، مِثْلَ: لا حاجَةَ لِي فِيكِ.
﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقُرِئَ: (زَوَّجْتُكَها) والمُرادُ الأمْرُ بِتَزْوِيجِها مِنهُ ﷺ، وقِيلَ: جَعَلَها زَوْجَتَهُ بِلا واسِطَةِ عِقْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّها كانَتْ تَقُولُ لِسائِرِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى نِكاحِي، وأنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أوْلِياؤُكُنَّ. وقِيلَ: كانَ زَيْدٌ السَّفِيرَ في خِطْبَتِها، وذَلِكَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ، وشاهِدُ عَدْلٍ بِقُوَّةِ إيمانِهِ.
﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ.
﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ تَزَوُّجِهِنَّ.
﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ فَإنَّ لَهم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حُكْمَهُ ﷺ وحُكْمَ الأُمَّةِ سَواءٌ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما يُرِيدُ تَكْوِينَهُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مَأْمُورُهُ الخاصُّ بِكُنْ.
﴿مَفْعُولا﴾ مُكَوَّنًا لا مَحالَةَ، اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
الأحزاب 33:38
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ، وما اسْتَقامَ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ ضِيقٌ.
﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: قَسَمَ لَهُ وقَدَّرَ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ كَذا. ومِنهُ فُرُوضُ العَساكِرِ لِأُعْطِيّاتِهِمْ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تُرابًا وجَنْدَلًا، مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ، أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ. ولَقَدْ كانَتْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلَثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلَثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا، وحُكْمًا مَبْتُوتًا، اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنِ المَوْصُولَيْنِ الجارِيَيْنِ مَجْرى الواحِدِ؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَقْرِيرِ نَفْيِ الحَرَجِ وتَحْقِيقِهِ.
الأحزاب 33:39
(p-106)﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا، أوْ مَدْحٌ لَهم بِالنَّصْبِ، أوْ بِالرَّفْعِ، وقُرِئَ: (رِسالَةَ اللَّهِ) ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ لا سِيَّما في أمْرِ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ حَيْثُ لا يَخْرِمُونَ مِنها حَرْفًا، ولا تَأْخُذُهم في ذَلِكَ لَوْمَةُ لائِمٍ.
﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ في وصْفِهِمْ بِقَصْرِهِمُ الخَشْيَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ لائِمَةِ الخَلْقِ، بَعْدَ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ .
﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى غَيْرُهُ، أوْ مُحاسِبًا عَلى الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حَقُّ الخَشْيَةِ مِنهُ تَعالى.
الأحزاب 33:40
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى يَثْبُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ مِن حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ وغَيْرِها، ولا يَنْتَقِضُ عُمُومَهُ بِكَوْنِهِ ﷺ أبا الطّاهِرِ والقاسِمِ وإبْراهِيمَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، ولَوْ بَلَغُوا لَكانُوا رِجالًا لَهُ ﷺ لا لَهم.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَ رَسُولًا لِلَّهِ، وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ لَكِنْ لا حَقِيقَةَ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ شَفِيقٌ ناصِحٌ لَهم. وسَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ، وما زَيْدٌ إلّا واحِدٌ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ لا وِلادَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ﷺ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، ولَيْسَ لِلتَّبَنِّي والِادِّعاءِ حُكْمٌ سِوى التَّقْرِيبِ والِاخْتِصاصِ.
﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ: كانَ آخِرَهُمُ الَّذِي خُتِمُوا بِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ، أيْ: كانَ خاتَمَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ولَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبِيِّينَ وأيًّا ما كانَ فَلَوْ كانَ لَهُ ابْنٌ بالِغٌ لَكانَ نَبِيًّا، ولَمْ يَكُنْ هو ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، كَما يُرْوى أنَّهُ قالَ في إبْراهِيمَ حِينَ تُوُفِّيَ: ««لَوْ عاشَ لَكانَ نَبِيًّا».» ولا يَقْدَحُ فِيهِ نُزُولُ عِيسى بَعْدَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ أنَّهُ لا يُنَبَّأُ أحَدٌ بَعْدَهُ، وعِيسى مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، وحِينَ يَنْزِلُ إنَّما يَنْزِلُ عَمَلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ومِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الأحْكامٌ، والحِكَمُ الَّتِي بَيَّنَها لَكُمْ، وكُنْتُمْ مِنها في شَكٍّ مُرِيبٍ.
الأحزاب 33:41
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ والتَّقْدِيسِ.
﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يَعُمُّ الأوْقاتَ والأحْوالَ.
الأحزاب 33:42
﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ ونَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ. عَلى أنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِقَصْرِ التَّسْبِيحِ عَلَيْهِما دُونَ سائِرِ الأوْقاتِ بَلْ لِإبانَةِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الأوْقاتِ، لِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ كَأفْرادِ التَّسْبِيحِ مِن بَيْنِ الأذْكارِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيها لِكَوْنِهِ العُمْدَةَ فِيها، وقِيلَ: كِلا الفِعْلَيْنِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما، كَقَوْلِكَ: صُمْ وصَلِّ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ.
الأحزاب 33:43
(p-107)﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّ صَلاتَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها، وغِناهُ عَنِ العالَمِينَ، مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ المُداوَمَةَ عَلى ما يَسْتَوْجِبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في يُصَلِّي لِمَكانِ الفَصْلِ المُغْنِي عَنِ التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ أوَّلًا، والِاسْتِغْفارُ ثانِيًا. فَإنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ الواحِدِ في مَعْنَيَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، بَلْ عَلى أنْ يُرادَ بِهِما مَعْنى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كِلا المَعْنَيَيْنِ فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ، وهو الِاعْتِناءُ بِما فِيهِ خَيْرُهُمْ، وصَلاحُ أمْرِهِمْ. فَإنَّ كُلًّا مِنَ الرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ، أوِ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ المَأْخُوذُ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ولا رَيْبَ في أنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ، ودُعاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ، تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِمْ مُجابِي الدَّعْوَةِ، كَما قِيلَ. فاعْتِبارُهُ يَنْزِعُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُصَلِّي» أيْ: يَعْتَنِي بِأُمُورِكم هو ومَلائِكَتُهُ؛ لِيُخْرِجَكم بِذَلِكَ مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: كانَ بِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن زُمْرَتِهِمْ رَحِيمًا، ولِذَلِكَ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإصْلاحِكم بِالذّاتِ، وبِالواسِطَةِ، ويَهْدِيكم إلى الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ كانَ بِكم رَحِيمًا عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مَظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَدْحًا لَهُمْ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الأحزاب 33:44
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ بَيانٌ لِلْأحْكامِ الآجِلَةِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ بَيانِ آثارِها العاجِلَةِ الَّتِي هي الِاعْتِناءُ بِأمْرِهِمْ، وهِدايَتُهم إلى الطّاعَةِ، أيْ: ما يَحْيَوْنَ بِهِ. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ يَوْمَ لِقائِهِ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، أوْ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ تَسْلِيمٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْظِيمًا لَهُمْ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِشارَةٌ لَهم بِالجَنَّةِ، أوْ تَكْرِمَةٌ لَهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أوْ إخْبارٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ بَيانٌ لَآثارِ رَحْمَتِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَقِيبَ بَيانِ آثارِ رَحْمَتِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. ولَعَلَّ إيثارَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: وأجْرُهم أجْرٌ كَرِيمٌ، أوْ ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ إلى المَوْعُودِ بِبَيانِ أنَّ الأجْرَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى مِن بَيْنِ سائِرِ آثارِ الرَّحْمَةِ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ، مُهَيَّأٌ لَهم مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الأحزاب 33:45
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ تُراقِبُ أحْوالَهُمْ، وتُشاهِدُ أعْمالَهُمْ، وتَتَحَمَّلُ مِنهُمُ الشَّهادَةَ بِما صَدَرَ عَنْهُمْ، مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ، وتُؤَدِّيها يَوْمَ القِيامَةِ أداءً مَقْبُولًا (p-108)فِيما لَهم وما عَلَيْهِمْ. وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
﴿وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ الكافِرِينَ بِالنّارِ.
الأحزاب 33:46
﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى الإقْرارِ بِهِ، وبِوَحْدانِيَّتِهِ، وبِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ مَجازًا لِما أنَّهُ مِن أسْبابِهِ، وقَيَّدَ بِهِ الدَّعْوَةَ إيذانًا بِأنَّها أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وخَطْبٌ في غايَةِ الإعْضالِ لا يَتَأتّى إلّا بِإمْدادٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ، كَيْفَ لا؟ وهو صَرْفٌ لِلْوُجُوهِ عَنِ القُبَلِ المَعْبُودَةِ، وإدْخالُ الأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ.
﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.
الأحزاب 33:47
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَراقِبْ أحْوالَ النّاسِ، وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم ﴿بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: عَلى مُؤْمِنِي سائِرِ الأُمَمِ في الرُّتْبَةِ والشَّرَفِ، أوْ زِيادَةً عَلى أُجُورِ أعْمالِهِمْ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ.
الأحزاب 33:48
﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُداراتِهِمْ في أمْرِ الدَّعْوَةِ، واسْتِعْمالِ لَيِّنِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ. كَنّى عَنْ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِنَظْمِهِ في سِلْكِها، وتَصْوِيرِهِ بِصُورَتِها. ومَن حَمَلَ النَّهْيَ عَلى التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ التَّحْقِيقِ بِمَراحِلَ.
﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ أيْ: لا تُبالِ بِأذِيَّتِهِمْ لَكَ بِسَبَبِ تَصَلُّبِكَ في الدَّعْوَةِ والإنْذارِ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في كُلِّ ما تَأْتِي وما تَذْرُ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الشَّأْنُ؛ فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكَهم.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأُمُورُ في كُلِّ الأحْوالِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِ، ولَمّا وُصِفَ ﷺ بِنُعُوتٍ خَمْسَةٍ قُوبِلَ كُلٌّ مِنها بِخِطابٍ يُناسِبُهُ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ الشّاهِدِ صَرِيحًا، وهو الأمْرُ بِالمُراقَبَةِ ثِقَةً بِظُهُورِ دَلالَةِ مُقابِلِ المُبَشِّرِ عَلَيْهِ، وهو الأمْرُ بِالتَّبْشِيرِ حَسْبَما ذُكِرَ آنِفًا. وقُوبِلَ النَّذِيرُ بِالنَّهْيِ عَنْ مُداراةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، والمُسامِحَةِ في إنْذارِهِمْ كَما تَحَقَّقْتَهُ. وقُوبِلَ الدّاعِي إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ بِالأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِمْدادِ مِنهُ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ. وقُوبِلَ السِّراجُ المُنِيرُ بِالِاكْتِفاءِ بِهِ تَعالى فَإنَّ مَن أيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، ورَشَّحَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وجَعَلَهُ بُرْهانًا نَيِّرًا يَهْدِي الخَلْقَ مِن ظُلُماتِ الغَيِّ إلى نُورِ الرَّشادِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكْتَفِيَ بِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
الأحزاب 33:49
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ: تُجامِعُوهُنَّ. وقُرِئَ: (تُماسُّوهُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ.
﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ بِأيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ.
﴿تَعْتَدُّونَها﴾ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن عَدَدْتُ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها، وحَقِيقَتُهُ عَدُّها لِنَفْسِهِ، وكَذَلِكَ كِلْتُهُ فاكْتالَهُ. والإسْنادُ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُدَّةَ حَقُّ (p-109)الأزْواجِ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكُمْ﴾ وقُرِئَ: (تَعْتَدُّونَها) عَلى إبْدالِ إحْدى الدّالَيْنِ بِالتّاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى تَعْتَدُونَ فِيها، والخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ في حُكْمِ المَسِّ.
وَتَخْصِيصُ المُؤْمِناتِ مَعَ عُمُومِ الحُكْمِ لِلْكِتابِيّاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفَتِهِ، ولا يَنْكِحُ إلّا مُؤْمِنَةً. وفائِدَةُ "ثُمَّ" إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ تَراخِيَ الطَّلاقِ رَيْثَما تُمْكِنُ الإصابَةُ يُؤَثِّرُ في العِدَّةِ كَما يُؤَثِّرُ في النَّسَبِ.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَها في العَقْدِ؛ فَإنَّ الواجِبِ لِلْمَفْرُوضِ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ دُونَ المُتْعَةِ، فَإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَنا في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخْرِجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ.
﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ مِن غَيْرِ ضِرارٍ، ولا مَنعِ حَقٍّ ولا مَساغَ لِتَفْسِيرِهِ بِالطَّلاقِ السُّنِّيِّ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَسَنّى في المَدْخُولِ بِهِنَّ.
الأحزاب 33:50
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ. فَإنَّها أُجُورُ الأبْضاعِ، وإيتاؤُها إمّا إعْطاؤُها مُعَجَّلَةً، أوْ تَسْمِيَتُها في العَقْدِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ ﷺ بِهِ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ الحِلِّ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهُ يَصِحُّ العَقْدُ بِلا تَسْمِيَةٍ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، أوِ المُتْعَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ، بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ والأوْلى لَهُ ﷺ كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مُسَبَّيَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها، وما جَرى عَلَيْها، وكَتَقْيِيدِ القَرائِبِ بِكَوْنِهِنَّ مُهاجِراتٍ مَعَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ويُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الحِلِّ بِذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ خاصَّةَ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ أحِلَّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ؛ كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ.
﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أحْلَلْنا؛ إذْ لَيْسَ مَعْناهُ إنْشاءَ الإحْلالِ النّاجِزِ بَلْ إعْلامُ مُطْلَقِ الإحْلالِ المُنْتَظِمِ لِما سَبَقَ ولَحِقَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أحْلَلْناها لَكَ أيْضًا.
﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ أيْ: مَلَّكَتْهُ بُضْعَها بِأيٍّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَنْكِيرُها. لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ إرادَتِهِ ﷺ اسْتِنْكاحَها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ: أنْ يَتَمَلَّكَ بُضْعَها كَذَلِكَ، أيْ: بِلا مَهْرٍ فَإنَّ ذَلِكَ جارٍ مِنهُ ﷺ مَجْرى القَبُولِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذا نَصًّا في كَوْنِ تَمْلِيكِها بِلَفْظِ الهِبَةِ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَكُونَ مَناطًا لِلْخِلافِ في انْعِقادِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ إيجابًا أوْ سَلْبًا، واخْتُلِفَ في اتِّفاقِ هَذا العَقْدِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ﷺ أحَدٌ مِنهُنَّ بِالهِبَةِ. وقِيلَ: المَوْهُوباتُ أرْبَعٌ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَرْثِ، وزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيَّةُ، وأُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جابِرٍ، وخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ. وإيرادُهُ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ (p-110)بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلتَّكْرِمَةِ، والإيذانِ بِأنَّها المَناطُ لِثُبُوتِ الحُكْمِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ ﷺ حَسَبَ اخْتِصاصِها بِهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: خَلَصَ لَكَ إحْلالُها خالِصَةً، أيْ: خُلُوصًا. فَإنَّ الفاعِلَةَ في المَصادِرِ غَيْرُ عَزِيزٍ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ، أوْ خَلَصَ لَكَ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ مِنَ المَذْكُوراتِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ خالِصَةً، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الأوَّلِ: أنَّ الإحْلالَ المَذْكُورَ في المادَّةِ المَعْهُودَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ، وإنَّما المُتَحَقِّقُ هُناكَ الإحْلالُ بِمَهْرِ المِثْلِ. وعَلى الثّانِي: أنَّ إحْلالَ الجَمِيعِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ، بَلِ المُتَحَقِّقُ فِيهِ إحْلالُ البَعْضِ المَعْدُودِ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ، وقُرِئَ: (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ذَلِكَ خُلُوصٌ لَكَ وخُصُوصٌ. أوْ هِيَ، أيْ: تِلْكَ المَرْأةُ، أوِ الهِبَةُ خالِصَةٌ لَكَ. لا تَتَجاوَزُ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا تَحِلُّ لَهم بِغَيْرِ مَهْرٍ، ولا تَصِحُّ الهِبَةُ بَلْ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ.
﴿فِي أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّهِنَّ. اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خُلُوصِ الإحْلالِ المَذْكُورِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَدَمِ تَجاوُزِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن شَرائِطِ العَقْدِ وحُقُوقِهِ، ما لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ ﷺ تَكْرِمَةً لَهُ، وتَوْسِعَةً عَلَيْهِ، أيْ: قَدْ عَلِمْنا ما يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ في حَقِّ أزْواجِهِمْ.
﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وعَلى أيِّ حَدٍّ، وأيِّ صِفَةٍ يَحِقُّ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَفَرَضْنا ما فَرَضْنا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، وخَصَصْناكَ بِبَعْضِ الخَصائِصِ.
﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِ «خالِصَةً» بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن مَعْنى ثُبُوتِ الإحْلالِ وحُصُولِهِ لَهُ ﷺ لا بِاعْتِبارِ اخْتِصاصِهِ بِهِ ﷺ؛ لِأنَّ مَدارَ انْتِفاءِ الحَرَجِ هو الأوَّلُ لا الثّانِي الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
﴿رَحِيمًا﴾ ولِذَلِكَ وسَّعَ الأمْرَ في مَواقِعِ الحَرَجِ.
الأحزاب 33:51
﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ أيْ: تُؤَخِّرُها، وتَتْرُكُ مُضاجَعَتَها.
﴿وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُضاجِعُها، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ. وقُرِئَ: (تُرْجِئُ) بِالهَمْزَةِ، والمَعْنى واحِدٌ.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أيْ: طَلَبْتَ.
﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ طُلِّقَتْ بِالرَّجْعِيَّةِ.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وهَذِهِ قِسْمَةٌ جامِعَةٌ لِما هو الغَرَضُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُطَلِّقَ، أوْ يُمْسِكَ فَإذا أمْسَكَ ضاجَعَ أوْ تَرَكَ وقَسَمَ أوْ لَمْ يَقْسِمْ، وإذا طَلَّقَ فَإمّا أنْ يُخَلِّيَ المَعْزُولَةَ أوْ يَبْتَغِيَها. ورُوِيَ أنَّهُ أرْجى مِنهُنَّ: سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَّةَ، وصَفِيَّةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمَّ حَبِيبَةٍ. فَكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ كَما شاءَ، وكانَتْ مِمّا آوى إلَيْهِ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وزَيْنَبُ. وأرْجى خَمْسًا، وآوى أرْبَعًا. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ مَعَ ما أُطْلِقَ لَهُ وخُيِّرَ إلّا سَوْدَةَ فَإنَّها وهَبَتْ لَيْلَتَها لِعائِشَةَ رِضى اللَّهُ عَنْهُنَّ، وقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي حَتّى أُحْشَرَ في زُمْرَةِ نِسائِكَ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى مَشِيئَتِكَ.
﴿أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أيْ: أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ، ورِضاهُنَّ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَواءٌ، ثُمَّ إنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنكَ، وإنْ رَجَّحْتَ بَعْضَهُنَّ عَلِمْنَ (p-111)أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ فَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ، وقُرِئَ: (تُقِرُّ) بِضَمِّ التّاءِ، ونَصْبِ (أعْيُنَهُنَّ). وتُقَرُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وكُلُّهُنَّ تَأْكِيدٌ لِنُونِ يَرْضَيْنَ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُنَّ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ والخَواطِرِ، فاجْتَهِدُوا في إحْسانِها.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ كُلَّ ما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ.
﴿حَلِيمًا﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا تَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِها فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.
الأحزاب 33:52
﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِوُجُودِ الفَصْلِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ.
﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ التِّسْعِ، وهو في حَقِّهِ كالأرْبَعِ في حَقِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ التِّسْعِ اللّاتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَكَ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ اخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ورِضاهُنَّ بِما تُؤْتِيهِنَّ مِنَ الوَصْلِ والهِجْرانِ.
﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ﴾ أيْ: تَتَبَدَّلَ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
﴿بِهِنَّ﴾ أيْ: بِهَؤُلاءِ التِّسْعِ.
﴿مِن أزْواجٍ﴾ بِأنْ تُطَلِّقَ واحِدَةً مِنهُنَّ، وتَنْكِحَ مَكانَها أُخْرى، و "مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ أرادَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ كَرامَةً، وجَزاءً عَلى ما اخْتَرْنَ ورَضِينَ، فَقَصَرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي تُوُفِّيَ ﷺ عَنْهُنَّ، وهُنَّ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيَّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَرْثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحَرْثِ المُصْطَلَقِيَّةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ اللّاتِي أحْلَلْناهُنَّ لَكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِنَ الأعْرابِيّاتِ والغَرائِبِ، أوْ مِنَ الكِتابِيّاتِ، أوْ مِنَ الإماءِ بِالنِّكاحِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ فَإنَّ مَعْنى إحْلالِ الأجْناسِ المَذْكُورَةِ إحْلالُ نِكاحِهِنَّ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْنى التَّبَدُّلِ بِهِنَّ إحْلالَ نِكاحِ غَيْرِهِنَّ بَدَلَ إحْلالِ نِكاحِهِنَّ، وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بِالنَّسْخِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ البَشَرِيَّةِ.
﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أيْ: حُسْنُ الأزْواجِ المُسْتَبْدَلَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ: "تَبَدَّلَ" لا مِن مَفْعُولِهِ، وهو مِن أزْواجٍ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ. قِيلَ: تَقْدِيرُهُ مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ وقِيلَ: هي أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الخَثْعَمِيَّةُ امْرَأةُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، أيْ: هي مِمَّنْ أعْجَبَهُ ﷺ حُسْنُهُنَّ، واخْتُلِفَ في أنَّ الآيَةَ؛ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ. قِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ﴾ وتَرْتِيبُ النُّزُولِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ، وقِيلَ: بِالسُّنَّةِ. «وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ.» «وَقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ماتَ ﷺ عَلى التَّحْرِيمِ.» ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الأزْواجَ والإماءَ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ حافِظًا مُهَيْمِنًا فاحْذَرُوا مُجاوَزَةَ حُدُودِهِ، وتَخَطِّي حَلالِهِ إلى حَرامِهِ.
الأحزاب 33:53
(p-112)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَجِبُ مُراعاتُهُ عَلى النّاسِ مِن حُقُوقِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ إثْرَ بَيانِ ما يَجِبُ مُراعاتُهُ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: لا تَدْخُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مَأْذُونًا لَكُمْ، وقِيلَ: مِن أعَمِّ الأوْقاتِ، أيْ: لا تَدْخُلُوها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ الوُقُوعَ مَوْقِعَ الظَّرْفِ مُخْتَصٌّ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ دُونَ المُؤَوَّلِ، لا يُقالُ: آتِيكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وإنَّما يُقالُ: آتِيكَ صِياحَ الدِّيكِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى طَعامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُؤْذَنَ» بِتَضْمِينِ مَعْنى الدُّعاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلُوا عَلى الطَّعامِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وإنْ تَحَقَّقَ الإذْنُ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ: غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقَتْهُ أوْ إدْراكَهُ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَدْخُلُوا" عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ واقِعٌ عَلى الوَقْتِ والحالِ مَعًا، عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ. أوْ مِنَ المَجْرُورِ في لَكُمْ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِ "طَعامٍ" فَيَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ بِلا إبْرازِ الضَّمِيرِ، ولا مَساغَ لَهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقُرِئَ بِالإمالَةِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أنى الطَّعامُ، أيْ: أدْرَكَ.
﴿وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وفِيهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإذْنِ إلى الطَّعامِ هو الدَّعْوَةُ إلَيْهِ.
﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ فَتَفَرَّقُوا، ولا تَلْبَثُوا؛ لِأنَّهُ خِطابٌ لِقَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ مَخْصُوصَةً بِهِمْ وبِأمْثالِهِمْ. وإلّا لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَهُ ﷺ بِإذْنٍ لِغَيْرِ الطَّعامِ، ولا اللُّبْثُ بَعْدَ الطَّعامِ لِأمْرٍ مُهِمٍّ.
﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أيْ: لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا. أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ؛ عُطِفَ عَلى ناظِرِينَ، أوْ مُقَدَّرٌ بِفِعْلٍ، أيْ: ولا تَدْخُلُوا أوْ لا تَمْكُثُوا "مُسْتَأْنِسِينَ"... إلَخْ.
﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْناسَ الَّذِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ مِن قَبْلُ.
﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لِتَضْيِيقِ المَنزِلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ، وإيجابِهِ لِلِاشْتِغالِ بِما لا يَعْنِيهِ، وصَدِّهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما يَعْنِيهِ.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن إخْراجِكُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُسْتَحى مِنهُ أمْرًا حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِهِمْ لا أنْفُسِهِمْ، وما ذاكَ إلّا إخْراجُهم فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ حَياءً، ولِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْهُ تَعالى، وأمَرَكم بِالخُرُوجِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْياءِ لِلْمُشاكَلَةِ، وقُرِئَ: (لا يَسْتَحِي) بِحَذْفِ الياءِ الأُولى، وإلْقاءِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها.
﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ لِسَناءِ النَّبِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِنَّ بِذِكْرِ بُيُوتِهِ ﷺ.
﴿مَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الماعُونِ وغَيْرِهِ.
﴿فاسْألُوهُنَّ﴾ أيِ: المَتاعَ.
﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: سِتْرٍ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ الهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: إنَّهُ ﷺ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم يَدَ (p-113)عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَكَرِهَ النَّبِيُّ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وعَدَمِ الِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وسُؤالِ المَتاعِ مِن وراءِ حِجابٍ.
﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ: أكْثَرُ تَطْهِيرًا مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ.
﴿وَما كانَ لَكُمْ﴾ أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ لَكم.
﴿أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْ تَفْعَلُوا في حَياتِهِ فِعْلًا يَكْرَهُهُ، ويَتَأذّى بِهِ.
﴿وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ، أوْ فِراقِهِ.
﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إيذائِهِ ﷺ، ونِكاحِ أزْواجِهِ مِن بَعْدِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ.
﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: أمْرًا عَظِيمًا، وخَطْبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ تَعالى لِشَأْنِ رَسُولِهِ ﷺ، وإيجابِ حُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيْتًا، ما لا يَخْفى. ولِذَلِكَ بالَغَ تَعالى في الوَعِيدِ حَيْثُ قالَ:
الأحزاب 33:54
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكم.
﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ في صُدُورِكم.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيُجازِيكم بِما صَدَرَ عَنْكم مِنَ المَعاصِي البادِيَةِ والخافِيَةِ لا مَحالَةَ. وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ: مَزِيدُ تَهْوِيلٍ وتَشْدِيدٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
الأحزاب 33:55
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَن لا يُجِبِ الِاحْتِجابُ عَنْهم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوَ نُكَلِّمُهُنَّ أيْضًا مِن وراءِ الحِجابِ. فَنَزَلَتْ. وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ العَمُّ والخالُ لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ العَمُّ أبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ . أوْ لِأنَّهُ اكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِهِما بِذِكْرِ أبْناءِ الإخْوَةِ، وأبْناءِ الأخَواتِ، فَإنَّ مَناطَ عَدَمِ لُزُومِ الِاحْتِجابِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ العَمِّ والخالِ مِنَ العُمُومَةِ والخُؤُولَةِ لِما أنَّهُنَّ عَمّاتٌ لِأبْناءِ الإخْوَةِ وخالاتٌ لِأبْناءِ الأخَواتِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ مِنهُما مَخافَةَ أنْ يَصِفاهُنَّ لِأبْنائِهِما.
﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: نِساءِ المُؤْمِناتِ.
﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ. وقِيلَ: مِنَ الإماءِ خاصَّةً، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ النُّورِ.
﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتِنَّ، وما تَذَرُنَّ. لاسِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ، ونُهِيتُنَّ عَنْهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولا تَتَفاوَتُ في عِلْمِهِ الأحْوالُ.
الأحزاب 33:56
﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ﴾ وقُرِئَ: (وَمَلائِكَتُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وحَمْلًا عَلى حَذْفِ الخَبَرِ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ.
﴿يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ قِيلَ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرادَ أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُهُ، والمَلائِكَةَ يَدْعُونَ لَهُ. وعَنْهُ أيْضًا: يُصَلُّونَ يُبَرِّكُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: صَلاةُ اللَّهِ (p-114)تَعالى عَلَيْهِ ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ، وصَلاتُهم دُعاؤُهم لَهُ. فَيَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِها في يُصَلُّونَ مَعْنى يُجازِي عامٌّ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعانِي المَذْكُورَةِ فَرْدًا حَقِيقًا لَهُ، أيْ: يَعْتَنُونَ بِما فِيهِ خَيْرُهُ وصَلاحُ أمْرِهِ، ويَهْتَمُّونَ بِإظْهارِ شَرَفِهِ، وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالرَّحْمَةِ، ومِنَ المَلائِكَةِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ اعْتَنُوا أنْتُمْ أيْضًا بِذَلِكَ فَإنَّكم أوْلى بِهِ.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قائِلِينَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلِّمْ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْلِيمِ: انْقِيادُ أمْرِهِ. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوُجُوبِ التَّكْرارِ وعَدَمِهِ، وقِيلَ: يَجِبُ ذَلِكَ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: ««رَغِمَ أنْفُ رِجْلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ».» وقَوْلِهِ ﷺ: ««مَن ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَدَخَلَ النّارَ، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ».» ويُرْوى أنَّهُ ﷺ قالَ: ««وَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِي مَلَكَيْنِ فَلا أُذْكَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَيُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ: آمِينَ، ولا أُذْكَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. وقالَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ: آمِينَ».» ومِنهم مَن قالَ: يَجِبُ في كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً، وإنْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ ﷺ كَما قِيلَ في آيَةِ السَّجْدَةِ. وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ دُعاءٍ في أوَّلِهِ وآخِرِهِ. ومِنهم مَن قالَ: بِالوُجُوبِ في العُمْرِ مَرَّةً، وكَذا قالَ في إظْهارِ الشَّهادَتَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاحْتِياطُ، ويَسْتَدْعِيهِ مَعْرِفَةُ عُلُوِّ شَأْنِهِ ﷺ أنْ يُصَلّى عَلَيْهِ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ الرَّفِيعُ. وأمّا الصَّلاةُ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ بِأنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ في جَوازِ الصَّلاةِ عِنْدَنا. وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَكْتَفُونَ عَنْ ذَلِكَ بِما في التَّشَهُّدِ؛ وهو السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ. وأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلَها شَرْطًا. وأمّا الصَّلاةُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَجُوزُ تَبَعًا، وتُكْرَهُ اسْتِقْلالًا؛ لِأنَّهُ في العُرْفِ شِعارُ ذِكْرِ الرُّسُلِ، ولِذَلِكَ كُرِهَ أنْ يُقالَ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ مَعَ كَوْنِهِ عَزِيزًا جَلِيلًا.
الأحزاب 33:57
﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أُرِيدَ بِالإيذاءِ إمّا فِعْلُ ما يَكْرَهانِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَجازًا لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ التَّأذِّي في حَقِّهِ تَعالى. وقِيلَ في إيذائِهِ تَعالى: هو قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ و ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ و ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والأصْنامُ شُرَكاؤُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِهِ، وفي إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ هو قَوْلُهُمْ: شاعِرٌ، ساحِرٌ، كاهِنٌ، مَجْنُونٌ، وقِيلَ: هو كَسْرُ رُباعِيَّتِهِ، وشَجُّ وجْهِهِ الكَرِيمِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: طَعْنُهم في نِكاحِ صَفِيَّةَ، والحَقُّ هو العُمُومُ فِيهِما. وأمّا إيذاؤُهُ ﷺ خاصَّةً بِطْرِيقِ الحَقِيقَةِ، وذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِتَعْظِيمِهِ، والإيذانِ بِجَلالَةِ مِقْدارِهِ عِنْدَهُ تَعالى، وإيذاؤُهُ ﷺ إيذاءٌ لَهُ سُبْحانَهُ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَنالُونَ فِيهِما شَيْئًا مِنها.
﴿وَأعَدَّ لَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.
﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ يُصِيبُهم في الآخِرَةِ خاصَّةً.
الأحزاب 33:58
﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يَفْعَلُونَ بِهِمْ ما يَتَأذَّوْنَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وتَقْيِيدُهُ (p-115)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ أيْ: بِغَيْرِ جِنايَةٍ يَسْتَحِقُّونَ بِها الأذِيَّةَ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ لا يَكُونُ إلّا غَيْرَ حَقٍّ، وأمّا أذى هَؤُلاءِ فَمِنهُ ومِنهُ.
﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: ظاهِرًا بَيِّنًا، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويُسْمِعُونَهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقِيلَ: في أهْلِ الإفْكِ، وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: في زُناةٍ يَتْبَعُونَ النِّساءَ إذا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ كانُوا لا يَتَعَرَّضُونَ إلّا لِلْإماءِ، ولَكِنْ رُبَّما كانَ يَقَعُ مِنهُما التَّعَرُّضُ لِلْحَرائِرِ أيْضًا جَهْلًا، أوْ تَجاهُلًا لِاتِّحادِ الكُلِّ في الزِّيِّ واللِّباسِ، والظّاهِرُ عُمُومُهُ لِكُلِّ ما ذُكِرَ، ولِما سَيَأْتِي مِن أراجِيفِ المُرْجِفِينَ.
الأحزاب 33:59
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ سُوءَ حالِ المُؤْذِينَ زَجْرًا لَهم عَنِ الإيذاءِ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَ بَعْضَ المُتَأذِّينَ مِنهم بِما يَدْفَعُ إيذاءَهم في الجُمْلَةِ مِنَ السَّتْرِ، والتَّمَيُّزِ عَنْ مَواقِعِ الإيذاءِ فَقِيلَ: ﴿قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ الجِلْبابُ ثَوْبٌ أوْسَعُ مِنَ الخِمارِ، ودُونَ الرِّداءِ تَلْوِيهِ المَرْأةُ عَلى رَأْسِها، وتُبْقِي مِنهُ ما تُرْسِلُهُ عَلى صَدْرِها. وقِيلَ: هي المِلْحَفَةُ، وكُلُّ ما يُتَسَتَّرُ بِهِ، أيْ: يُغَطِّينَ بِها وُجُوهَهُنَّ وأبْدانَهُنَّ إذا بَرَزْنَ لِداعِيَةٍ مِنَ الدَّواعِي. و "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِما مَرَّ مِن أنَّ المَعْهُودَ التَّلَفُّعُ بِبَعْضِها، وإرْخاءُ بَعْضِها. وعَنِ السُّدِّيِّ: تُغَطِّي إحْدى عَيْنَيْها وجَبْهَتَها والشِّقَّ الآخَرَ إلّا العَيْنَ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ التَّغَطِّي.
﴿أدْنى﴾ أقْرَبُ ﴿أنْ يُعْرَفْنَ﴾ ويُمَيَّزْنَ عَنِ الإماءِ، والقَيْناتِ اللّاتِي هُنَّ مَواقِعُ تَعَرُّضِهِمْ وإيذائِهِمْ.
﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ مِن جِهَةِ أهْلِ الرِّيبَةِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِنَ التَّفْرِيطِ.
﴿رَحِيمًا﴾ بِعِبادِهِ حَيْثُ يُراعِي مِن مَصالِحِهِمْ أمْثالَ هاتِيكَ الجُزْئِيّاتِ.
الأحزاب 33:60
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، وأحْكامِهِ المُوجِبَةِ لِلْإيذاءِ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّزَلْزُلِ، وما يَسْتَتْبِعُهُ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن نَشْرِ أخْبارِ السُّوءِ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأراجِيفِ المُلَفَّقَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْأذِيَّةِ. وأصْلُ الإرْجافِ التَّحْرِيكُ مِنَ الرَّجْفَةِ الَّتِي هي الزَّلْزَلَةُ وُصِفَتْ بِهِ الأخْبارُ الكاذِبَةُ لِكَوْنِها مُتَزَلْزِلَةً غَيْرَ ثابِتَةٍ.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لِنَأْمُرَنَّكَ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، أوْ بِما يَضْطَرُّهم إلى الجَلاءِ، ولَنُحَرِّضَنَّكَ عَلى ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، و "ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَلاءَ ومُفارَقَةَ جِوارِ الرَّسُولِ ﷺ أعْظَمُ ما يُصِيبُهم.
﴿فِيها﴾ أيْ: في المَدِينَةِ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ زَمانًا، أوْ جِوارًا قَلِيلًا رَيْثَما يَتَبَيَّنُ حالُهم مِنَ الِانْتِهاءِ وعَدَمِهِ.
الأحزاب 33:61
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ وارِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ ولا سَبِيلَ إلى انْتِصابِهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ (p-116)لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
الأحزاب 33:62
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ سُنَّةً، وهي أنْ يَقْتُلَ الَّذِينَ نافَقُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَعَوْا في تَوْهِينِ أمْرِهِمْ بِالإرْجافِ ونَحْوِهِ أيْنَما ثُقِفُوا.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أصْلًا لِابْتِنائِها عَلى أساسِ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ.
الأحزاب 33:63
﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ: عَنْ وقْتِ قِيامِها كانَ المُشْرِكُونَ يَسْألُونَهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ اسْتِعْجالًا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، واليَهُودُ امْتِحانًا لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى عَمّى وقْتَها في التَّوْراةِ وسائِرِ الكُتُبِ.
﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ خِطابٌ مُسْتَقِلٌّ لَهُ ﷺ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّها مَعَ كَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لِلْخَلْقِ مَرْجُوَّةَ المَجِيءِ عَنْ قَرِيبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ بِوَقْتِ قِيامِها، أيْ: لا يُعْلِمُكَ بِهِ شَيْءٌ أصْلًا.
﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أيْ: شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ تَكُونُ السّاعَةُ في وقْتٍ قَرِيبٍ. وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّ السّاعَةَ في مَعْنى اليَوْمِ أوِ الوَقْتِ. وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ، وتَبْكِيتٌ لِلْمُتَعَنِّتِينَ، والإظْهارُ في حَيِّزِ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ، وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
الأحزاب 33:64
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
﴿وَأعَدَّ لَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ يُقاسُونَها في الآخِرَةِ.
الأحزاب 33:65
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْفَظُهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يُخَلِّصُهم مِنها.
الأحزاب 33:66
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ ظَرْفٌ لِعَدَمِ الوِجْدانِ، وقِيلَ: لِخالِدِينَ، وقِيلَ: لِ «نَصِيرًا»، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِ «اذْكُرْ»، أيْ: يَوْمَ تُصْرَفُ وُجُوهُهم فِيها مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، كَلَحْمٍ يُشْوى في النّارِ، أوْ يُطْبَخُ في القِدْرِ فَيَدُورُ بِهِ الغَلَيانُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، أوْ مِن حالٍ إلى حالٍ، أوْ يُطْرَحُونَ فِيها مَقْلُوبِينَ مَنكُوسِينَ. وقُرِئَ: (تُقَلَّبُ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَقَلَّبُ. ونُقَلِّبُ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى نُونِ العَظَمَةِ، ونَصْبِ وُجُوهِهِمْ، وتُقَلِّبُ بِإسْنادِهِ إلى السَّعِيرِ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّها أكْرَمُ الأعْضاءِ، فَفِيهِ مَزِيدُ تَفْظِيعٍ لِلْأمْرِ، وتَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ كُلِّ الجَسَدِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمُ الفَظِيعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُونَ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ مُتَحَسِّرِينَ عَلى ما فاتَهُمْ: ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ فَلا نُبْتَلى بِهَذا العَذابِ. أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ وُجُوهِهِمْ، أوْ مِن نَفْسِها، أوْ هو العامِلُ في «يَوْمَ».
الأحزاب 33:67
﴿وَقالُوا﴾ (p-117)عَطْفٌ عَلى "يَقُولُونَ"، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّ قَوْلَهم هَذا لَيْسَ مُسْتَمِرًّا كَقَوْلِهِمُ السّابِقِ بَلْ هو ضَرْبُ اعْتِذارٍ أرادُوا بِهِ ضَرْبًا مِنَ التَّشَفِّي بِمُضاعَفَةِ عَذابِ الَّذِينَ ألْقَوْهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ، وإنْ عَلِمُوا عَدَمَ قَبُولِهِ في حَقِّ خَلاصِهِمْ مِنها.
﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ يَعْنُونَ قادَتَهُمُ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ، وقُرِئَ: (ساداتِنا) لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ السِّيادَةِ والكِبْرِ لِتَقْوِيَةِ الِاعْتِذارِ، وإلّا فَهم في مَقامِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ.
﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ بِما زَيَّنُوا لَنا مِنَ الأباطِيلِ، و "الألِفُ" لِلْإطْلاقِ، كَما في «وَأطَعْنا الرَّسُولا».
الأحزاب 33:68
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مِثْلَيِ العَذابِ الَّذِي آتَيْتَناهُ؛ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا.
﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أيْ: شَدِيدًا عَظِيمًا. وقُرِئَ: كَثِيرًا. وتَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ مُكَرَّرًا لِلْمُبالَغَةِ في الجُؤارِ واسْتِدْعاءِ الإجابَةِ.
الأحزاب 33:69
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ النّاسِ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ أيْ: فَأظْهَرَ بَراءَتَهُ ﷺ مِمّا قالُوا في حَقِّهِ، أيْ: مِن مَضْمُونِهِ. ومُؤَدّاهُ الَّذِي هو الأمْرُ المَعِيبُ، وذَلِكَ أنَّ قارُونَ أغْرى مُومِسَةً عَلى قَذْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَفْسِها بِأنْ دَفْعَ إلَيْها مالًا عَظِيمًا، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى نَزاهَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنْ أقَرَّتِ المُومِسَةُ بِالمُصانَعَةِ الجارِيَةِ بَيْنَها وبَيْنَ قارُونَ، وفُعِلَ بِقارُونَ ما فُعِلَ، كَما فُصِّلَ في سُورَةِ القَصَصِ. وقِيلَ: اتَّهَمَهُ ناسٌ بِقَتْلِ هارُونَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مَعَهُ إلى الطُّورِ، فَماتَ هُناكَ فَحَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ، ومَرُّوا بِهِ حَتّى رَأوْهُ غَيْرَ مَقْتُولٍ، وقِيلَ: أحْياهُ اللَّهُ تَعالى فَأخْبَرَهم بِبَراءَتِهِ، وقِيلَ: قَذَفُوهُ بِعَيْبٍ في بَدَنِهِ مِن بَرَصٍ، أوْ أُدْرَةٍ لِفَرْطِ تَسَتُّرِهِ حَياءً، فَأطْلَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَراءَتِهِ بِأنَّ فَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ حِينَ وضَعَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ اغْتِسالِهِ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ.
﴿وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ذا قُرْبَةٍ، ووَجاهَةٍ. وقُرِئَ: (وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ وجِيهًا).
الأحزاب 33:70
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتُونَ، وما تَذَرُوَنَ لا سِيَّما في ارْتِكابِ ما يَكْرَهُهُ فَضْلًا عَمّا يُؤْذِي رَسُولَهُ ﷺ.
﴿وَقُولُوا﴾ في كُلِّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ.
﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قاصِدًا إلى الحَقِّ مِن سَدَّ يَسِدُّ سَدادًا، يُقالُ: سَدَّدَ السَّهْمَ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ إذا لَمْ يَعْدِلْ بِهِ عَنْ سَمْتِها، والمُرادُ: نَهْيُهم عَمّا خاضُوا فِيهِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ الجائِرِ عَنِ العَدْلِ والقَصْدِ.
الأحزاب 33:71
﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ يُوَفِّقْكم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ يُصْلِحُها بِالقَبُولِ والإثابَةِ عَلَيْها.
﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ ويَجْعَلُها مُكَفَّرَةً بِاسْتِقامَتِكم في القَوْلِ والعَمَلِ.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ التَّكْلِيفاتُ.
﴿فَقَدْ فازَ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُبْلَغُ غايَتُهُ.
الأحزاب 33:72
(p-118)﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِبَيانِ مَآلِ الخارِجِينَ عَنْها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ومَنالِ المُراعِينَ لَها مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ ما يُوجِبُها مِنَ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وصُعُوبَةِ أمْرِها بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الطّاعَةِ وتَرْكِها صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ القَبُولِ والِالتِزامِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالأمانَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حُقُوقٌ مَرْعِيَّةٌ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى المُكَلَّفِينَ، وائْتَمَنَهم عَلَيْها، وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ تَلَقِّيَها بِحُسْنِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وأمَرَهم بِمُراعاتِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها، وأدائِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها، وعَبَّرَ عَنِ اعْتِبارِها بِالنِّسْبَةِ إلى اسْتِعْدادِ ما ذُكِرَ مِنَ السَّمَواتِ وغَيْرِها بِالعَرْضِ عَلَيْها لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِها، والرَّغْبَةِ في قَبُولِهِنَّ لَها، وعَنْ عَدَمِ اسْتِعْدادِهِنَّ لِقَبُولِها بِالإباءِ والإشْفاقِ مِنها لِتَهْوِيلِ أمْرِها وتَرْبِيَةِ فَخامَتِها، وعَنْ قَبُولِها بِالحَمْلِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الصُّعُوبَةِ المُعْتَبَرَةِ فِيها بِجَعْلِها مِن قَبِيلِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِيها القُوى الجُسْمانِيَّةُ الَّتِي أشَدُّها وأعْظَمُها ما فِيهِنَّ مِنَ القُوَّةِ والشِّدَّةِ. والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الأمانَةَ في عِظَمِ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لَوْ كُلِّفَتْ هاتِيكَ الأجْرامُ العِظامُ الَّتِي هي مَثَلٌ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُراعاتُها، وكانَتْ ذاتَ شُعُورٍ وإدْراكٍ لَأبَيْنَ قَبُولَها، وأشْفَقْنَ مِنها. ولَكِنْ صُرِفَ الكَلامُ عَنْ سُنَنِهِ بِتَصْوِيرِ المَفْرُوضِ بِصُورَةِ المُحَقَّقِ رَوْمًا لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالتَّمْثِيلِ وتَوْضِيحِهِ.
﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيْ: عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ إمّا بِاعْتِبارِها بِالإضافَةِ إلى اسْتِعْدادِهِ، أوْ بِتَكْلِيفِهِ إيّاها يَوْمَ المِيثاقِ، أيْ: تَكَلَّفَها والتَزَمَها مَعَ ما فِيهِ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ، ورَخاوَةِ القُوَّةِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لَها بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ الفِطْرِيِّ، أوْ عَنِ اعْتِرافِهِ بِقَوْلِهِ: "بَلى" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنِ الحَمْلِ وغايَتِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما عَهِدَهُ وتَحَمَّلَهُ، أيْ: إنَّهُ كانَ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ مُبالِغًا في الجَهْلِ، أيْ: بِحَسَبِ غالِبِ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِ فِطْرَتِهِمُ السَّلِيمَةِ، أوِ اعْتِرافِهِمُ السّابِقِ دُونَ مَن عَداهم مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وإلى الفَرِيقِ الأوَّلِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الأحزاب 33:73
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ بَعْضَ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يُراعُوها، ولَمْ يُقابِلُوها بِالطّاعَةِ عَلى أنَّ "اللّامَ" لِلْعاقِبَةِ فَإنَّ التَّعْذِيبَ وإنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا لَهُ مِنَ الحَمْلِ لَكِنْ لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ أفْرادِهِ تَرَتُّبَ الأغْراضِ عَلى الأفْعالِ المُعَلَّلَةِ بِها أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الغَرَضِ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ حَمْلِ الإنْسانِ لَها أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ؛ لِخِيانَتِهِمُ الأمانَةَ، وخُرُوجِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. وإلى الفَرِيقِ الثّانِي أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: كانَ عاقِبَةُ حَمْلِهِ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ، أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهم لِعَدَمِ خَلْعِهِمْ رِبْقَةَ الطّاعَةِ عَنْ رِقابِهِمْ بِالمَرَّةِ، وتَلافِيهِمْ لِما (p-119)فَرَطَ مِنهم مِن فُرُطاتٍ قَلَّما يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ بِحُكْمِ جِبِلَّتِهِ وتَدارُكِهِمْ لَها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ أوَّلًا؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ ثانِيًا؛ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ تَوْفِيَةً لِكُلٍّ مِن مَقامَيِ الوَعِيدِ، والوَعْدِ حَقَّهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَجَعَلَ الأمانَةَ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ مِن جِهَتِهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الطّاعَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ التّابِعَةِ لِلتَّكْلِيفِ، بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ، وحُمِلَ الكَلامُ عَلى تَقْرِيرِ الوَعْدِ الكَرِيمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يَجْعَلُ تَعْظِيمَ شَأْنِ الطّاعَةِ ذَرِيعَةً إلى ذَلِكَ بِأنَّ مَن قامَ بِحُقُوقِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وراعاها فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَفُوزَ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. يَأْباهُ وصْفُهُ بِالظُّلْمِ والجَهْلِ أوَّلًا، وتَعْلِيلُ الحَمْلِ بِتَعْذِيبِ فَرِيقٍ والتَّوْبَةِ عَلى فَرِيقٍ ثانِيًا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأمانَةِ: مُطْلِقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِلطَّبِيعِيِّ والِاخْتِيارِيِّ، وبِعَرْضِها اسْتِدْعاؤُها الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ الفِعْلِ مِنَ المُخْتارِ، وإرادَةَ صُدُورِهِ مِن غَيْرِهِ، وبِحَمْلِها الخِيانَةَ فِيها، والِامْتِناعَ عَنْ أدائِها، فَيَكُونُ الإباءُ امْتِناعًا عَنِ الخِيانَةِ، وإتْيانًا بِالمُرادِ. فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْرامَ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها أبَيْنَ الخِيانَةَ لِأمانَتِها، وأتَيْنَ بِما أمَرَهُنَّ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وخانَها الإنْسانُ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِما أمَرْناهُ بِهِ، إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا. وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ خَلَقَ فِيها فَهْمًا، وقالَ لَها: إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً، وخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَن أطاعَنِي فِيها، ونارًا لِمَن عَصانِي. فَقُلْنَ: نَحْنُ مُسَخَّراتٌ لِما خَلَقْتَنا لا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً، ولا نَبْغِي ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرْضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ، وكانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَحَمُّلِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْها جَهُولًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأمانَةِ: العَقْلُ أوِ التَّكْلِيفُ. وبِعَرْضِها عَلَيْهِنَّ اعْتِبارُها بِالإضافَةِ إلى اسْتِعْدادِهِنَّ، وبِإبائِهِنَّ الإباءَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي هو عَدَمُ اللِّياقَةِ، والِاسْتِعْدادِ لَها، وبِحَمْلِ الإنْسانِ قابِلِيَّتَهُ، واسْتِعْدادَهُ لَها، وكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ، هَذا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ فَتَأمَّلْ. واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقُرِئَ: (وَيَتُوبُ اللَّهُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، حَيْثُ تابَ عَلَيْهِمْ، وغَفَرَ لَهم فُرُطاتِهِمْ، وأثابَ بِالفَوْزِ عَلى طاعاتِهِمْ.
قالَ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْزابِ، وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ، أُعْطِيَ الأمانَ مِن عَذابِ القَبْرِ».» واللَّهُ أعْلَمُ.
سبأ 34:1
(p-120)(سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: إلّا ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ ... الآيَةَ. وهى أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً)
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا بِالإيجادِ، والإعْدامِ، والإحْياءِ، والإماتَةِ جَمِيعُ ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما، أوْ خارِجًا عَنْهُما، مُتَمَكِّنًا فِيهِما. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ كَما مَرَّ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفُ بِلامِ الحَقِيقَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ اخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى عَلى ما بُيِّنَ في فاتِحَةِ الكِتابِ بِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى، واسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَوْنُ كُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى لَيْسَ لَها في حَدِّ ذاتِها اسْتِحْقاقُ الوُجُودِ فَضْلًا عَمّا عَداهُ مِن صِفاتِها، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ نِعَمٌ فائِضَةٌ عَلَيْها مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما هَذا شَأْنُهُ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الَّذِي مَدارُهُ الجَمِيلُ الصّادِرُ عَنِ القادِرِ بِالِاخْتِيارِ فَظَهَرَ اخْتِصاصُ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ الأُخْرَوِيِّ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِ، عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ. وإطْلاقُهُ عَنْ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالمَحْمُودِ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ عَنِ التَّعْيِينِ، كَما اكْتُفِيَ فِيما سَبَقَ بِذِكْرِ كَوْنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا عَنْ ذِكْرِ كَوْنِ الحَمْدِ أيْضًا فِيها، بَلْ لِيَعُمَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ ... الآيَةَ. وما يَكُونُ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ أيْ: لِما جَزاؤُهُ هَذا مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ مَعَ كَوْنِ نِعْمَتِي الدُّنْيا والآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ أنَّ الأوَّلَ عَلى نَهْجِ العِبادَةِ، والثّانِيَ عَلى وجْهِ التَّلَذُّذِ والِاغْتِباطِ. وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّهم يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ.
﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدِّينِ والدُّنْيا، ودَبَّرَها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿الخَبِيرُ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ، ومَكْنُوناتِها. وقَوْلُهُ تَعالى:
سبأ 34:2
(p-121)﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ ... إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والدِّينِيَّةُ، أيْ: يَعْلَمُ ما يَدْخُلُ فِيها مِنَ الغَيْثِ، والكُنُوزِ، والدَّفائِنِ، والأمْواتِ ونَحْوِها.
﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ وماءِ العُيُونِ ونَحْوِها.
﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ ونَحْوِها. وقُرِئَ: (وَما نُنَزِّلُ) بِالتَّشْدِيدِ ونُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالمَلائِكَةِ، وأعْمالِ العِبادِ، والأبْخِرَةِ، والأدْخِنَةِ.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ لِلْحامِدِينَ عَلى ما ذُكِرَ مِن نِعَمِهِ ﴿الغَفُورُ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ.
سبأ 34:3
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أرادُوا بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ جِنْسَ البَشَرِ قاطِبَةً لا أنْفُسَهم أوْ مُعاصِرِيهِمْ فَقَطْ، كَما أرادُوا بِنَفْيِ إتْيانِها نَفْيَ وجُودِها بِالكُلِّيَّةِ، لا عَدَمَ حُضُورِها مَعَ تَحَقُّقِها في نَفْسِ الأمْرِ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِإتْيانِها، ولِأنَّ وُجُودَ الأُمُورِ الزَّمانِيَّةِ المُسْتَقْبَلَةِ لا سِيَّما أجْزاءُ الزَّمانِ لا يَكُونُ إلّا بِالإتْيانِ والحُضُورِ. وقِيلَ: هو اسْتِبْطاءٌ لِإتْيانِها المَوْعُودِ بِطَرِيقِ الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، كَقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ؟ ﴿قُلْ بَلى﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ عَلى مَعْنى لَيْسَ الأمْرُ إلّا إتْيانَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها. وقُرِئَ: (لِيَأْتِينَّكُمْ) عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ ... إلَخْ. إمْدادٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَسْدِيدٌ لَهُ إثْرَ تَسْدِيدٍ، وكَسْرٌ لِسَوْرَةِ نَكِيرِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ. فَإنَّ تَعْقِيبَ القَسَمِ بِحَلائِلِ نُعُوتِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ يُؤْذِنُ بِفَخامَةِ شَأْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وقُوَّةِ ثَباتِهِ وصِحَّتِهِ، لِما أنَّ لَكَ في حُكْمِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ المُسْتَشْهَدَ بِهِ كُلَّما كانَ أجَلَّ وأعْلى كانَتِ الشَّهادَةُ آكَدَ وأقْوى، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالثُّبُوتِ وأوْلى، لا سِيَّما إذا خُصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ النُّعُوتِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ خاصٌّ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، كَما نَحْنُ فِيهِ؛ فَإنَّ وصْفَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي أشْهَرَ أفْرادُهُ، وأدْخَلُها في الخَفاءِ، هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وكَوْنِهِ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ ما. وفائِدَةُ الأمْرِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَمِينِ أنْ لا يَقِيَ المُعانِدِينَ عُذْرٌ ما أصْلًا فَإنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أمانَتَهُ ونَزاهَتَهُ عَنْ وصْمَةِ الكَذِبِ، فَضْلًا عَنِ اليَمِينِ الفاجِرَةِ، وإنَّما لَمْ يُصَدِّقُوهُ مُكابَرَةً. وقُرِئَ: (عَلّامُ الغَيْبِ) و (عالِمُ الغَيْبِ) و (عالِمُ الغُيُوبِ) بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ مِقْدارُ أصْغَرِ نَمْلَةٍ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ أيْ: كائِنَةٌ فِيهِما.
﴿وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ، ﴿وَلا أكْبَرُ﴾ أيْ: مِنهُ. ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ. وقُرِئَ: (وَلا أصْغَرَ) (وَلا أكْبَرَ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ المَرْفُوعُ عَلى مِثْقالٍ، ولا المَفْتُوحُ عَلى ذَرَّةٍ بِأنَّهُ فُتِحَ في حَيِّزِ الجَرِّ؛ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ لِما أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ، إلّا أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في "عَنْهُ" لِلْغَيْبِ، ويُجْعَلَ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ خارِجًا عَنْهُ؛ لِبُرُوزِهِ لِلْمُطالِعِينَ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ.
سبأ 34:4
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبَيانٌ لِما (p-122)يَقْتَضِي إتْيانَها.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم مِن بَعْضِ فُرُطاتٍ قَلَّما يَخْلُو عَنْها البَشَرُ، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَعَبَ فِيهِ، ولا مَنَّ عَلَيْهِ.
سبأ 34:5
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِالقَدْحِ فِيها، وصَدِّ النّاسِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها.
﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: مُسابِقِينَ كَيْ يَفُوتُونا، وقُرِئَ: (مُعْجِزِينَ) أيْ: مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ.
﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ آنِفًا. و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رِجْزٍ﴾ لِلْبَيانِ. قالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّجْزُ سُوءُ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ عَذابٍ، أيْ: أُولَئِكَ السّاعُونَ لَهم عَذابٌ مِن جِنْسِ سُوءِ العَذابِ شَدِيدُ الإيلامِ، وقُرِئَ: (ألِيمٍ) بِالجَرِّ صِفَةٌ لِرِجْزٍ.
سبأ 34:6
﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَن يُشايِعُهم مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ، أوْ مَن آمَنَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبٍ وأضْرابِهِما، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: القرآن.
﴿هُوَ الحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ "يَرى"، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ الثّانِي، وهو ضَمِيرُ الفَصْلِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ والجُمْلَةُ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِ "يَرى" وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَرى"... إلَخْ. مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى يَجْزِي، أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ مُعايَنَةً أنَّهُ الحَقُّ حَسْبَما عَلِمُوهُ الآنَ بُرْهانًا، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأُولِي العِلْمِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأحْبارِ، أيْ: لِيَعْلَمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّهُ هو الحَقُّ فَيَزْدادُوا حَسْرَةً وغَمًّا.
﴿وَيَهْدِي﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ . أيْ: وقابِضاتٍ. كَأنَّهُ قِيلَ: ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ الحَقَّ وهادِيًا.
﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى. وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو يَهْدِي. كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا
سبأ 34:7
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا مُخاطِبًا بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ. وإنَّما قَصَدُوا بِالتَّنْكِيرِ الطَّنْزَ والسُّخْرِيَةَ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُحَدِّثُكم بِعَجَبٍ عُجابٍ، وقُرِئَ: (يُنْبِئُكُمْ) مِنَ الإنْباءِ.
﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: إذا مُتُّمْ، ومُزِّقَتْ أجْسادُكم كُلَّ تَمْزِيقٍ، وفُرِّقَتْ كُلَّ تَفْرِيقٍ بِحَيْثُ صِرْتُمْ تُرابًا ورُفاتًا.
﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيهِ. عُدِلَ إلَيْهِ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ مِثْلَ تُبْعَثُونَ، أوْ (p-123)تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. لِلْإشْباعِ في الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ لا نَفْسُهُ، لِما أنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها والجَدِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن جَدَّ فَهو جَدِيدٌ، وقَلَّ فَهو قَلِيلٌ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَدَّ النَّسّاجُ الثَّوْبَ إذا قَطَعَهُ ثُمَّ شاعَ.
سبأ 34:8
﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما قالَهُ.
﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ، ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. والِاسْتِدْلالُ بِهَذا التَّرْدِيدِ عَلى أنَّ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ واسِطَةً هو ما لا يَكُونُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ بَصِيرَةٍ بَيْنَ الفَسادِ لِظُهُورِ كَوْنِ الِافْتِراءِ أخَصَّ مِنَ الكَذِبِ.
﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ جَوابٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَرْدِيدِهِمُ الوارِدِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِالإضْرابِ عَنْ شِقَّيْهِ وإبْطالِها، وإثْباتُ قِسْمٍ ثالِثِ كاشِفٍ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ ناعٍ عَلَيْهِمْ سُوءَ حالِهِمْ، وابْتِلاءَهم بِما قالُوا في حَقِّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هم في كَمالِ اخْتِلالِ العَقْلِ، وغايَةِ الضَّلالِ عَنِ الفَهْمِ، والإدْراكُ الَّذِي هو الجُنُونُ حَقِيقَةً، وفِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ. وتَقْدِيمُ العَذابِ عَلى ما يُوجِبُهُ ويَسْتَتْبِعُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما يَسُوؤُهُمْ، ويَفُتُّ في أعْضادِهِمْ، والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يُسابِقُهُ فَيَسْبِقُهُ. ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبُعْدِ الَّذِي هو وصْفُ الضّالِّ لِلْمُبالَغَةِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ عِلَّةَ ما ارْتَكَبُوهُ واجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّناعَةِ الفَظِيعَةِ كُفْرُهم بِالآخِرَةِ، وما فِيها مِن فُنُونِ العِقابِ، ولَوْلاهُ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِن غائِلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
سبأ 34:9
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، واسْتِعْظامِ ما قالُوا في حَقِّهِ ﷺ، وأنَّهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِنُزُولِ أشَدِّ العِقابِ، وحُلُولِ أفْظَعِ العَذابِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وتَأْخِيرٍ. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ذِكْرُ إحاطَتِهِما بِهِمْ مِنَ المَحْذُورِ المُتَوَقَّعِ مِن جِهَتِهِما، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ، أيِ: أفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المُنْكَرِ الهائِلِ المُسْتَتْبِعِ لِلْعُقُوبَةِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ، بِحَيْثُ لا مَفَرَّ لَهم عَنْهُ، ولا مَحِيصَ؟ "إنْ نَشَأْ" جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمْ.
﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْناها بِقارُونَ.
﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا.
﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطْناها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ لِاسْتِيجابِهِمْ ذَلِكَ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجَرائِمِ، وقِيلَ: هو تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قدرته، وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهُمُ البَعْثَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهُزْءًا، وتَهْدِيدٌ عَلَيْها. والمَعْنى: أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمْ هِيَ؟ و ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ فَتَأمَّلْ. وكُنِ الحَقَّ المُبِينَ، وقُرِئَ: (يَخْسِفْ) (p-124)وَ (يُسْقِطْ) بِالياءِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ و (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن حَيْثُ إحاطَتُهُما بِالنّاظِرِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، أوْ فِيما تُلِيَ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما ذُكِرَ.
﴿لآيَةً﴾ واضِحَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ شَأْنُهُ الإنابَةُ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ فِيهِما، أوْ في الوَحْيِ المَذْكُورِ يَنْزَجِرُ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، ويُنِيبُ إلَيْهِ تَعالى، وفِيهِ حَثٌّ بَلِيغٌ عَلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
سبأ 34:10
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ: آتَيْناهُ لِحُسْنِ إنابَتِهِ، وصِحَّةِ تَوْبَتِهِ فَضْلًا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: نَوْعًا مِنَ الفَضْلِ. وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ؛ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ بِهِ ﷺ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمُلْكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ، فَتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ. و "مِنّا" لِتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَإذا ورَدَها يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مِنَ التَّأْوِيبِ، أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِهِ، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، أوْ بِأنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ ذَلِكَ، وقُرِئَ: (أُوبِي) مِنَ الأوْبِ، أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وكانَ كُلَّما سَبَّحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ مِنَ الجِبالِ ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُسْعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها، والطَّيْرُ بِأصْواتِها. وهو بَدَلٌ مِن "آتَيْنا" بِإضْمارِ قُلْنا، أوْ مِن "فَضْلًا" بِإضْمارِ قَوْلِنا ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى "فَضْلًا" بِمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ؛ لِأنَّ إيتاءَها إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَسْخِيرُها لَهُ، فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِهِ، كَما نُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ. ولا إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: تَسْبِيحَ الطَّيْرِ، كَما نُقِلَ عَنْهُ في رِوايَةٍ. وقِيلَ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجِبالِ، وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لَفْظًا ومَعْنًى ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ. وفي تَنْزِيلِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ المُطِيعِينَ لِأمْرِهِ تَعالى المُذْعِنِينَ لِحُكْمِهِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وصامِتٍ وناطِقٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ مِنَ الفَخامَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ غايَةِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ تَعالى، وكَمالِ كِبْرِياءِ سُلْطانِهِ ما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألباب.
﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا في نَفْسِهِ كالشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ في يَدِهِ، كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ بِنارٍ، ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ. أوْ جَعَلْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّتِهِ الَّتِي آتَيْناها إيّاهُ لَيِّنًا، كالشَّمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ القُوى البَشَرِيَّةِ.
سبأ 34:11
﴿أنِ اعْمَلْ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ عَلى أنَّ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الباءُ، وفي حَمْلِها عَلى المُفَسِّرَةِ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى.
﴿سابِغاتٍ﴾ واسِعاتٍ. وقُرِئَ: (صابِغاتٍ) وهي الدُّرُوعُ الواسِعَةُ الضّافِيَةُ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها، وكانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ. قالُوا: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ مَلَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا، فَيَسْألُ النّاسَ ما تَقُولُونَ في داوُدَ؟ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ. فَقَيَّضَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مَلِكًا في (p-125)صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَسَألَهُ عَلى عادَتِهِ، فَقالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ، لَوْلا خَصْلَةٌ فِيهِ. فَرِيعَ داوُدُ فَسَألَهُ عَنْها. فَقالَ: لَوْلا أنَّهُ يُطْعِمُ عِيالَهُ مِن بَيْتِ المالِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُسَبِّبَ لَهُ ما يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ بَيْتِ المالِ. فَعلمه تعالى صَنْعَةَ الدُّرُوعِ. وقِيلَ: كانَ يَبِيعُ الدُّرُوعَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ فَيُنْفِقُ مِنها عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، ويَتَصَدَّقُ عَلى الفُقَراءِ.
﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، أيِ: اقْتَصِدْ في نَسْجِها بِحَيْثُ تَتَناسَبُ حِلَقُها، وقِيلَ: قَدِّرْ في مَسامِيرِها فَلا تَعْمَلْها رِقاقًا ولا غِلاظًا. ورُدَّ بِأنَّ دُرُوعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إلانَةُ الحَدِيدِ، وقِيلَ: مَعْنى "قَدِّرْ في السَّرْدِ" لا تَصْرِفْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ إلَيْهِ بَلْ مِقْدارَ ما يَحْصُلُ بِهِ القُوتُ، وأمّا الباقِي فاصْرِفْهُ إلى العِبادَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ عَمَّمَ الخِطابَ حَسَبَ عُمُومِ التَّكْلِيفِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِأهْلِهِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.
سبأ 34:12
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ الرِّيحِ، أيْ "وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً"، وقُرِئَ: (الرِّياحَ).
﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ. والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِنَ الرِّيحِ. وقُرِئَ: (غَدْوَتُها) و (رَوْحَتُها). وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ يَغْدُو، أيْ: مِن دِمَشْقَ فَيُقِيلُ بِإصْطَخْرَ ثُمَّ يَرُوحُ، فَيَكُونُ رَواحُهُ بِكابِلَ، وقِيلَ: كانَ يَتَغَدّى بِالرِّيِّ، ويَتَعَشّى بِسَمَرْقَنْدَ. ويُحْكى أنَّ بَعْضَهم رَأى مَكْتُوبًا في مَنزِلٍ بِناحِيَةِ دِجْلَةَ كَتَبَهُ بَعْضُ أصْحابِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَحْنُ نَزَلْناهُ وما بَنَيْناهُ ومَبْنِيًّا وجَدْناهُ غَدَوْنا مِنَ إصْطَخْرَ، فَقُلْناهُ ونَحْنُ رائِحُونَ مِنهُ فَبايِتُونَ بِالشّامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ: النُّحاسَ المُذابَ، أسالَهُ مِن مَعْدِنِهِ، كَما آلانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعُ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَيْنًا. وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ، وقِيلَ: كانَ يَسِيلُ في الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أوْ "مَن يَعْمَلُ" عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ، و "مِنَ الجِنِّ" حالٌ مُتَقَدِّمَةٌ.
﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ تَعالى. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنهم عَمّا أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ: (يُزَغْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أزاغَهُ.
﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ كُلُّ مَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ.
سبأ 34:13
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ تَفْصِيلٌ لِما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ لِ «ما يَشاءُ»، أيْ: مِن قُصُورٍ حَصِينَةٍ، ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها يُذَبُّ عَنْها، ويُحارَبُ عَلَيْها. وقِيلَ: هي المَساجِدُ.
﴿وَتَماثِيلَ﴾ وصُوَرَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما اعْتادُوهُ، فَإنَّها كانَتْ تُعْمَلُ حِينَئِذٍ في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ، ويَعْبُدُوا مِثْلَ عِباداتْهُمْ، وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ جَدِيدٌ. ورُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ، ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ ذِراعَيْهِما (p-126)وَإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.
﴿وَجِفانٍ﴾ جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي الصَّفْحَةُ.
﴿كالجَوابِ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعِ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ لِاجْتِماعِ الماءِ فِيها، وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِ الياءِ. قِيلَ: كانَ يَقْعُدُ عَلى الجَفْنَةِ ألْفُ رَجُلٍ.
﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٌ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها.
﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم. و "شُكْرًا" نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ لِ "اعْمَلُوا"؛ لِأنَّ العَمَلَ لِلْمُنْعِمِ شُكْرٌ لَهُ، أوْ لِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا. أوْ حالٌ، أيْ: شاكِرِينَ. أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أيِ: اعْمَلُوا شُكْرًا.
﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفِّي حَقَّهُ؛ لِأنَّ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَةٍ. ولِذَلِكَ قِيلَ: الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَزَّأ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى أهْلِهِ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي ساعَةٌ مِنَ السّاعاتِ إلّا وإنْسانٌ مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ يُصَلِّي.
سبأ 34:14
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ما دَلَّهُمْ﴾ أيِ: الجِنُّ أوْ آلُهُ.
﴿عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيِ: الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها، يُقالُ: أرَضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرْضًا فَأرِضَتْ أرْضًا، مِثْلَ أكَلَتِ القَوارِحُ أسْنانَهُ أكْلًا فَأكِلَتْ أكْلًا.
﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ أيْ: عَصاهُ مِن نَسَأْتُ البَعِيرَ إذا طَرَدْتَهُ؛ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها ما يُطْرَدُ. وقُرِئَ: (مِنساتَهُ) بِألِفِ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وبِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وبِإخْراجِها بَيْنَ بَيْنَ عِنْدِ الوَقْفِ. و (مِنساءَتَهُ) عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مِيضَأةٍ، ومِن ساتِهِ، أيْ: مِن طَرَفِ عَصاهُ مِن سَأةِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ: (أكَلَتْ مِنساتَهُ) ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ بَعْدَ التِباسِهِ عَلَيْكَ، أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ عِلْمًا بَيِّنًا بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَما وقَعَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ. أوْ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ وتَجَلّى، أيْ: ظَهَرَتِ الجِنُّ. وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ، أيْ: ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ "لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ"... إلَخْ. وقُرِئَ: (تُبَيِّنَتِ الجِنُّ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ المُتَبَيِّنَ في الحَقِيقَةِ هو أنْ مَعَ ما في حَيِّزِها؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ. وقُرِئَ: (تَبَيَّنَتِ الإنْسُ) والضَّمِيرُ في كانُوا لِلْجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ﴾ . وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ). رُوِيَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسَّسَ بُنْيانَ بَيْتِ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى فَتُوُفِّيَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فاسْتَعْمَلَ فِيهِ الجِنَّ والشَّياطِينَ، فَباشَرُوهُ حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ وعَلِمَ بِهِ، سَألَ رَبَّهُ أنْ يُعْمِيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ حَتّى يَفْرَغُوا مِنهُ، ولِتَبْطُلَ دَعْواهم عِلْمَ الغَيْبِ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ. فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها فَبَقِيَ كَذَلِكَ، وهم فِيما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأعْمالِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيْتًا، وكانَتِ الشَّياطِينُ تَجْتَمِعُ حَوْلَ مِحْرابِهِ (p-127)أيْنَما ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ الشَّيْطانُ في صَلاتِهِ إلّا احْتَرَقَ فَمَرَّ بِهِ يَوْمًا شَيْطانٌ فَنَظَرَ، فَإذا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ خَرَّ مَيْتًا، فَفَتَحُوا عَنْهُ فَإذا عَصاهُ قَدْ أكَلَها الأرَضَةُ، فَأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ مِنها في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِقْدارًا، فَحَسِبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً. مَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وبَقِيَ في مُلْكِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ.
سبأ 34:15
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ بَيانٌ لِإخْبارِ بَعْضِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ أحْوالِ الشّاكِرِينَ لَها، أيْ: لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وقُرِئَ بِمَنعِ الصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، ولَعَلَّهُ إخْراجٌ لَها بَيْنَ بَيْنَ ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ كالمَسْجِدِ، وقُرِئَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، أيْ: مَواضِعِ سُكْناهم. وهي بِاليَمَنِ. يُقالُ لَها مَأْرِبُ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيالٍ.
﴿آيَةٌ﴾ دالَّةٌ بِمُلاحَظِهِ أحْوالِها السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ القادِرِ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ المُجازِي لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ، مُعاضَدَةً لِلْبُرْهانِ السّابِقِ، كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي جَنَّتانِ. وفِيهِ مَعْنى المَدْحِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِهِما جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جَماعَةٌ يَمِينَ بَلَدِهِمْ، وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِن تَيْنَكِ الجَماعَتَيْنِ في تَقارُبِهِما وتَضامِّهِما، كَأنَّهُما جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ.
﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ تَكْمِيلًا لِلنِّعْمَةِ، وتَذْكِيرًا لِحُقُوقِها. أوْ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ الحالِ، أوْ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما يُوجِبُ الشُّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ، أيْ: بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم ما فِيها مِنَ الطَّيِّباتِ، وطَلَبَ مِنكُمُ الشُّكْرَ رَبٌّ غَفُورٌ لِفُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ، وقُرِئَ الكُلُّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قِيلَ: كانَ أطْيَبَ البِلادِ هَواءً، وأحْصَبَها، وكانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ فَتَعْمَلُ بِيَدَيْها، وتَسِيرُ فِيما بَيْنَ الأشْجارِ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِمّا يَتَساقَطُ فِيهِ مِنَ الثِّمارِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن مُؤْذِياتِ الهَوامِّ شَيْءٌ.
سبأ 34:16
﴿فَأعْرَضُوا﴾ عَنِ الشُّكْرِ بَعْدَ إبانَةِ الآياتِ الدّاعِيَةِ لَهم إلَيْهِ، قِيلَ: أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ تَعالى، وذَكَّرُوهم بِنِعَمِهِ، وأنْذَرُوهم عِقابَهُ فَكَذَّبُوهم.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ: سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ. أيِ: الصَّعْبَ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ. وقِيلَ: العَرِمُ جَمْعُ عُرْمَةٍ، وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ. وقِيلَ: هو السُّكْرُ الَّذِي يَحْبِسُ الماءَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْبِناءِ الَّذِي يُجْعَلُ سَدًّا، وقِيلَ: هو البِناءُ الرَّصِينُ الَّذِي بَنَتْهُ المَلِكَةُ بِلْقِيسُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالصَّخْرِ والقارِ، وحَقَنَتْ بِهِ ماءَ العُيُونِ والأمْطارِ، وتَرَكَتْ فِيهِ خُرُوقًا عَلى ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في (p-128)سِقْيِهِمْ، وقِيلَ: العَرِمُ الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ السَّدَّ، وهو الفَأْرُ الأعْمى، الَّذِي يُقالُ لَهُ الخَلْدُ. سَلَّطَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سَدِّهِمْ فَنَقَبَهُ فَغَرَّقَ بِلادَهُمْ، وقِيلَ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي. وقُرِئَ: (العَرْمِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، قالُوا: كانَ ذَلِكَ في الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى والنَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ أيْ: أذْهَبْنا جَنَّتَيْهِمْ، وآتَيْناهم بَدَلَهُما.
﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ أيْ: ثَمَرٍ بَشِعٍ؛ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أخَذَ طَعْمًا مِن مَرارَةٍ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ. وقِيلَ: هو الحامِضُ والمُرُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُقالُ لَها: فَسْوَةُ الضَّبْعِ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِها، وقِيلَ: هو الأراكُ، وكُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ. والتَّقْدِيرُ: أُكُلٍ أُكُلِ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. وقُرِئَ: (أُكُلِ خَمْطٍ) بِالإضافَةِ وبِتَخْفِيفِ أُكُلٍ.
﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أُكُلٍ لا عَلى خَمْطٍ فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ، وقِيلَ: شَجَرٌ يُشْبِهُهُ أعْظَمُ مِنهُ، ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئَ: (وَأثْلًا) و (شَيْئًا) عَطْفًا عَلى جَنَّتَيْنِ. قِيلَ: وصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِما أنْ جَناهُ، وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ، ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ. والصَّحِيحُ أنَّ السِّدْرَ صِنْفانِ: صِنْفٌ يُؤْكَلُ مِن ثَمَرِهِ، ويُنْتَفَعُ بِوَرَقِهِ لِغَسْلِ اليَدِ. وصِنْفٌ لَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ أصْلًا، ولا يُنْتَفَعُ بِوَرَقِهِ، وهو الضّالُّ. والمُرادُ هَهُنا هو الثّانِي حَتْمًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَ شَجَرُهم خَيْرَ الشَّجَرِ فَصَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.
سبأ 34:17
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ رُتْبَتِهِ في الفَظاعَةِ، ومَحَلُّهُ عَلى الأوَّلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وعَلى الثّانِي النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، أيْ: ذَلِكَ الجَزاءُ الفَظِيعُ جَزَيْناهم لا جَزاءٌ آخَرُ، أوْ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ جَزَيْناهم لا غَيْرُهُ.
﴿بِما كَفَرُوا﴾ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ نَزَعْناها مِنهُمْ، ووَضَعْنا مَكانَها ضِدَّها، أوْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ.
﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ أيْ: وما نَجْزِي هَذا الجَزاءَ إلّا المَبالِغَ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ، وقُرِئَ: (يُجازِي) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهَلْ يُجازى عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الكَفُورِ. وهَلْ يُجْزى عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وهَذا بَيانُ ما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ الحاضِرَةِ في مَساكِنِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
سبأ 34:18
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ حِكايَةٌ لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ البادِيَةِ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ وما حاقَ بِهِمْ، بِسَبَبِ ذَلِكَ تَكْمِلَةً لِقِصَّتِهِمْ، وبَيانًا لِعاقِبَتِهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ الكُلُّ مَعًا لِما في التَّثْنِيَةِ، والتَّكْرِيرُ مِن زِيادَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وهو عَطْفٌ عَلى "كانَ لِسَبَأٍ" لا عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ النّاطِقَةِ بِأفْعالِهِمْ، أوْ بَأجْزِيَتِها، أيْ: وجَعَلَنا مَعَ ما آتَيْناهم في مَساكِنِهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ بَيْنَهُمْ، أيْ: بَيْنَ بِلادِهِمْ، وبَيْنَ القُرى الشّامِيَّةِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ.
﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ مُتَواصِلَةً يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِتَقارُبِها فَهي ظاهِرَةٌ لِأعْيُنِ أهْلِها، أوْ راكِبَةٌ مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِلسّابِلَةِ غَيْرَ بَعِيدَةٍ عَنْ مَسالِكِهِمْ حَتّى تَخْفى عَلَيْهِمْ.
﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْناها في نِسْبَةِ بَعْضِها (p-129)إلى بَعْضٍ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ يَلِيقُ بِحالِ أبْناءِ السَّبِيلِ. قِيلَ: كانَ الغادِي مِن قَرْيَةٍ يُقِيلُ في أُخْرى، والرّائِحُ مِنها يَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ. كُلُّ ذَلِكَ كانَ تَكْمِيلًا لِما أُوتُوا مِن أنْواعِ النَّعْماءِ، وتَوْفِيرًا لَها في الحَضَرِ والسَّفَرِ.
﴿سِيرُوا فِيها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى.
﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ أيْ: مَتى شِئْتُمْ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ.
﴿آمِنِينَ﴾ مِن كُلِّ ما تَكْرَهُونَهُ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا فِيها آمِنِينَ وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ لَيالِيَ وأيّامًا كَثِيرَةً، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ لَكِنْ لا عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ عَلى تَنْزِيلِ تَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّيْرِ المَذْكُورِ، وتَسْوِيَةُ مَبادِئِهِ وأسْبابِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مَنزِلَةُ أمْرِهِمْ بِذَلِكَ.
سبأ 34:19
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وقُرِئَ: (يا رَبَّنا) بَطَرُوا النِّعْمَةَ، وسَئِمُوا أطْيَبَ العَيْشِ، ومَلُّوا العافِيَةَ، فَطَلَبُوا الكَدَّ والتَّعَبَ، كَما طَلَبَ بَنُو إسْرائِيلَ الثُّومَ والبَصَلَ، مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى. وقالُوا: لَوْ كانَ جَنى جِنانِنا أبْعَدَ لَكانَ أجْدَرَ أنْ نَشْتَهِيَهُ، وسَألُوا أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ وقِفارًا لِيَرْكَبُوا فِيها الرَّواحِلَ، ويَتَزَوَّدُوا الأزْوادَ، ويَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ. فَعَجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الإجابَةَ بِتَخْرِيبِ تِلْكَ القُرى المُتَوَسِّطَةِ، وجَعَلَها بَلْقَعًا لا يُسْمَعُ فِيها داعٍ ولا مُجِيبٌ. وقُرِئَ: بَعْدَ ورَبِّنا: بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا، وبَعُدَ بَيْنُ أسْفارِنا، عَلى النِّداءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى بَيْنَ، ورَفْعُهُ بِهِ. كَما يُقالُ: سِيرَ فَرْسَخانِ، وبُوعِدَ بَيْنَ أسْفارِنا. وقُرِئَ: رَبَّنا (باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا) و (بَيْنَ سَفَرِنا). و "بَعَّدَ" بِرَفْعِ "رَبُّنا" عَلى الِابْتِداءِ، والمَعْنى عَلى خِلافِ الأوَّلِ، وهو اسْتِبْعادُ مَسايِرِهِمْ مَعَ قِصَرِها، أوْ دُنُوِّها، وسُهُولَةِ سُلُوكِها لِفَرْطِ تَنَعُّمِهِمْ، وغايَةِ تَرَفُّهِهِمْ، وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهم يَتَشاجُّونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَتَحازَنُونَ عَلَيْهِ.
﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلسُّخْطِ والعَذابِ، حِينَ بَطَرُوا النِّعْمَةَ أوْ غَمَطُوها.
﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ: جَعَلْناهم بِحَيْثُ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِن أحْوالِهِمْ، ومُعْتَبِرِينَ بِعاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ.
﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم كُلَّ تَفْرِيقٍ عَلى أنَّ المُمَزَّقَ مَصْدَرٌ، أوْ كُلَّ مَطْرَحٍ ومَكانَ تَفْرِيقٍ، عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ. وفي عِبارَةِ التَّمْزِيقِ الخاصِّ بِتَفْرِيقِ المُتَّصِلِ وخَرْفِهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ، والدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ، والإيلامِ ما لا يَخْفى، أيْ: مَزَّقْناهم تَمْزِيقًا لا غايَةَ وراءَهُ بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهِ الأمْثالُ في كُلِّ فِرْقَةٍ لَيْسَ بَعْدَها وِصالٌ، حَتّى لَحِقَ غَسّانُ بِالشّامِ، وأنْمارُ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ. وأصْلُ قِصَّتِهِمْ عَلى ما رَواهُ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ مِن أوْلادِ سَبَأٍ، وبَيْنَهُما اثْنَيْ عَشَرَ أبًا. وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: مِزِيقْيا بْنُ ماءِ السَّماءِ أخْبَرَتْهُ طَرِيفَةُ الكاهِنَةُ بِخَرابِ سَدِّ مَأْرَبٍ، وتَفْرِيقِ سَيْلِ العَرِمِ الجَنَّتَيْنِ. وعَنْ أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ أنَّ عَمْرًا رَأى جُرُزًا يَفِرُ السَّدَّ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا بَقاءَ لَهُ بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ كاهِنًا، وقَدْ عَلِمَهُ بِكَهانَتِهِ، فَباعَ أمْلاكَهُ، وسارَ بِقَوْمِهِ، - وهم أُلُوفٌ - مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ وأهْلِها جُرْهُمَ، وكانُوا قَهَرُوا النّاسَ، وحازُوا وِلايَةَ البَيْتِ عَلى بَنِي إسْمَعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ. فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ ثَعْلَبَةَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ عامِرٍ يَسْألُهُمُ المَقامَ مَعَهم إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ رُوّادُهُ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى أصْقاعِ البِلادِ يَطْلُبُونَ لَهُ مَوْضِعًا (p-130)يَسَعُهُ، ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ فَأبَوْا، فاقْتَتَلُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ فانْهَزَمَتْ جُرْهُمُ، ولَمْ يَفْلِتْ مِنهم إلّا الشَّرِيدُ، وأقامَ ثَعْلَبَةُ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها في قَوْمِهِ وعَساكِرِهِ حَوْلًا. فَأصابَتْهُمُ الحُمّى فاضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، وقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ رُوّادُهُ، فافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ. فِرْقَةٌ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ عُمانَ وهُمُ الأُزْدُ، وكِنْدَةُ، وحِمْيَرُ، ومَن يَتْلُوهم. وسارَ ثَعْلَبَةُ نَحْوَ الشّامِ فَنَزَلَ الأوْسُ والخَزْرَجُ ابْنا حارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بِالمَدِينَةِ، وهُمُ الأنْصارُ. ومَضَتْ غَسّانُ فَنَزَلُوا بِالشّامِ، وانْخَزَعَتْ خُزاعَةُ بِمَكَّةَ فَأقامَ بِها رَبِيعَةُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ، وهو لُحَيٌّ. فَوَلِيَ أمْرَ مَكَّةَ وحِجابَةَ البَيْتِ، ثُمَّ جاءَهم أوْلادُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَسَألُوهُمُ السُّكْنى مَعَهم وحَوْلَهُمْ، فَأذِنُوا لَهم في ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ الغُطَيْفِيَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ سَبَأٍ. فَقالَ ﷺ: «هُوَ رَجُلٌ كانَ لَهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ، سِتَّةٌ مِنهم سَكَنُوا اليَمَنَ، وهم مُذْحِجُ وكِنْدَةُ والأُزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وحِمْيَرُ وأنْمارُ مِنهم بُجَيْلَةُ وخَثْعَمُ، وأرْبَعَةٌ مِنهم سَكَنُوا الشّامَ، وهم لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسّانُ لَمّا هَلَكَتْ أمْوالُهُمْ، وخَرِبَتْ بِلادُهم تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَأٍ شَذْرَ مَذَرَ. فَنَزَلَتْ طَوائِفُ مِنهم بِالحِجازِ. فَمِنهم خُزاعَةُ نَزَلُوا بِظاهِرِ مَكَّةَ، ونَزَلَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ بِيَثْرِبَ. فَكانُوا أوَّلَ مَن سَكَنَها، ثُمَّ نَزَلَ عِنْدَهم ثَلاثُ قَبائِلَ مِنَ اليَهُودِ، بَنُو قَيْنُقاعَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَحالَفُوا الأوْسَ والخَزْرَجَ، وأقامُوا عِنْدَهم. ونَزَلَتْ طَوائِفُ أُخَرُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وهُمُ الَّذِينَ تَنَصَّرُوا فِيما بَعْدُ، وهم غَسّانُ وعامِلَةُ ولَخْمُ وجُذامُ وتَنُوخُ وتَغْلِبُ وغَيْرُهُمْ، وسَبَأٌ تَجْمَعُ هَذِهِ القَبائِلَ كُلَّها.» والجُمْهُورُ عَلى أنَّ جَمِيعَ العَرَبِ قِسْمانِ قَحْطانِيَّةٌ وعَدْنانِيَّةٌ. والقَحْطانِيَّةُ شِعْبانِ: سَبَأٌ وحَضَرَ مَوْتَ. والعَدْنانِيَّةُ شِعْبانِ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ. وأمّا قُضاعَةُ فَمُخْتَلَفٌ فِيها بَعْضُهم يَنْسُبُونَها إلى قَحْطانَ، وبَعْضُهم إلى عَدْنانَ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: شَأْنُهُ الصَّبْرُ عَنِ الشَّهَواتِ ودَواعِي الهَوى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، والشُّكْرِ عَلى النِّعَمِ، وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
سبأ 34:20
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أيْ: حَقَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ، أوْ وجَدَهُ صادِقًا، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ. ويَجُوزُ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ. وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ، ورَفْعِ الظَّنِّ مَعَ التَّشْدِيدِ، بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنُّهُ صادِقًا، ومَعَ التَّخْفِيفِ بِمَعْنى قالَ لَهُ الصِّدْقَ حِينَ خَيَّلَ لَهُ إغْراءَهُمْ، وبِرَفْعِهِما. والتَّخْفِيفُ عَلى الإبْدالِ، وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ، أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ شاهَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أصْغى إلى وسْوَسَتِهِ. قالَ: إنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ عَزْمًا، وقِيلَ: ظَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ أنَّهُ يَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ. وقالَ: لَأُضِلَّنَّهُمْ، ولَأُغْوِيَنَّهم.
﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: أهْلُ سَبَأٍ أوِ النّاسُ.
﴿إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ عَلى أنَّ «مِن» بَيانِيَّةٌ. وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وهُمُ المُخْلِصُونَ.
سبأ 34:21
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسَلُّطٌ (p-131)واسْتِيلاءٌ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِواءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعْلَمَ العِلَلَ، و "مَن" مَوْصُولَةٌ، أيْ: وما كانَ تَسَلُّطُهُ عَلَيْهِمْ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِمَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ هو في شَكٍّ مِنها تَعَلُّقًا حالِيًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ إلّا لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ إلّا لَيُؤْمِنُ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ، ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ. والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً.
﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. فَإنَّ فَعِيلًا ومُفاعِلًا صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
سبأ 34:22
﴿قُلِ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ إظْهارًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، وتَبْكِيتًا لَهم.
﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً. وهُما مَفْعُولا زَعَمَ، ثُمَّ حُذِفَ الأوَّلُ تَخْفِيفًا لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ، والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَقامَهُ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا؛ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا، وكَذا لا يَمْلِكُونَ؛ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ. والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكُمْ، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ، وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ أيْ: في أمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرَهُما لِلتَّعْمِيمِ عُرْفًا، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ، وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ ﴿وَما لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ.
﴿فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيْ: شَرِكَةً لا خَلْقًا، ولا مِلْكًا، ولا تَصَرُّفًا.
﴿وَما لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى.
﴿مِنهُمْ﴾ مِن آلِهَتِهِمْ ﴿مِن ظَهِيرٍ﴾ يُعِينُهُ في تَدْبِيرِ أمْرِهِما.
سبأ 34:23
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أيْ: لا تُوجَدُ رَأْسًا كَما في قَوْلِهِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ
لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِنَفْعِها لا بِوُقُوعِها تَصْرِيحًا بِنَفْيِ ما هو غَرَضُهم مِن وُقُوعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: تَقَعُ الشَّفاعَةُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كائِنَةً لِمَن أذِنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ مِنَ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُسْتَأْهِلِينَ لِمَقامِ الشَّفاعَةِ، فَتَبَيَّنَ حِرْمانُ الكَفَرَةِ مِنها بِالكُلِّيَّةِ. أمّا مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ فَلِظُهُورِ انْتِفاءِ الإذْنِ لَها ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ لِجَمادٍ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ، وأمّا مِن جِهَةِ مَن يَعْبُدُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِأنَّ إذْنَهم مَقْصُورٌ عَلى الشَّفاعَةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ ومِنَ البَيِّنِ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْكَفَرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصَّوابِ، أوْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِنَ الشُّفَعاءِ المُسْتَأْهِلِينَ لَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كائِنَةً لِمَن أذِنَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلشَّفاعَةِ. وأمّا مَن عَداهم مِن غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ لَها فَلا تَنْفَعُهم أصْلًا، وإنَّ فَرْضَ وُقُوعِها وصُدُورِها عَنِ الشُّفَعاءِ، إذْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم في شَفاعَتِهِمْ بَلْ في شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ. فَعَلى هَذا يَثْبُتُ حِرْمانُهم مِن شَفاعَةِ هَؤُلاءِ بِعِبارَةِ النَّصِّ، ومِن شَفاعَةِ الأصْنامِ بِدَلالَتِهِ إذْ حَيْثُ (p-132)حُرِمُوها مِن جِهَةِ القادِرِينَ عَلى شَفاعَةِ بَعْضِ المُحْتاجِينَ إلَيْها فَلِأنْ حُرِمُوها مِن جِهَةِ العَجَزَةِ عَنْها أوْلى، وقُرِئَ: (أُذِنَ لَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قُلُوبِ الشُّفَعاءِ، والمَشْفُوعِ لَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكَفَرَةُ فَهم مِن مَوْقِفِ الِاسْتِشْفاعِ بِمَعْزِلٍ، وعَنِ التَّفْزِيعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِألْفِ مَنزِلٍ. والتَّفْزِيعُ إزالَةُ الفَزَعِ. ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ الفَزَعِ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وحَتّى غايَةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِنَ الإشْعارِ بِوُقُوعِ الإذْنِ لِمَن أُذِنَ لَهُ فَإنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالِاسْتِئْذانِ المُسْتَدْعِي لِلتَّرَقُّبِ، والِانْتِظارِ لِلْجَوابِ كَأنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ يُؤْذَنُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: يَتَرَبَّصُونَ في مَوْقِفِ الِاسْتِئْذانِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَتَوَقَّفُونَ عَلى وجَلٍ وفَزَعٍ مَلِيًّا، حَتّى إذا أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، وظَهَرَتْ لَهم تَباشِيرُ الإجابَةِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَشْفُوعُ لَهم إذْ هُمُ المُحْتاجُونَ إلى الإذْنِ، والمُهْتَمُّونَ بِأمْرِهِ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ أيْ: في شَأْنِ الإذْنِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: الشُّفَعاءُ؛ لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلِاسْتِئْذانِ بِالذّاتِ، المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالشَّفاعَةِ.
﴿الحَقَّ﴾ أيْ: قالَ رَبُّنا القَوْلَ الحَقَّ، وهو الإذْنُ في الشَّفاعَةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لَها. وقُرِئَ: (الحَقُّ) مَرْفُوعًا، أيْ: ما قالَهُ الحَقُّ.
﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الشُّفَعاءِ، قالُوهُ اعْتِرافًا بِغايَةِ عَظَمَةِ جَنابِ العِزَّةِ عَزَّ وجَلَّ، وقُصُورِ شَأْنِ كُلِّ مَن سِواهُ، أيْ: هو المُتَفَرِّدُ بِالعُلُوِّ والكِبْرِياءِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن أشْرافِ الخَلائِقِ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا بِإذْنِهِ، وقُرِئَ: (فُزِعَ) مُخَفَّفًا بِمَعْنى فُزِّعَ. وقُرِئَ: (فَزِعَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ وحْدَهُ. وقُرِئَ: (فُرِعَ) بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، والغَيْنِ المُعْجَمَةِ، أيْ: نُفِيَ الوَجَلُ عَنْها، وأفْنى مِن فَرَغَ الزّادُ إذا لَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ. وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ الفَراغَ وهو الخُلُوُّ حالَ ظَرْفِهِ عِنْدَ نَفادِهِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِمْ: جَرى النَّهْرُ. وعَنِ الحَسَنِ تَخْفِيفُ الرّاءِ، وأصْلُهُ فَرَغَ الرَّجُلُ عَنْها، أيِ: انْتَفى عَنْها وفَنِيَ، ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ، وأُسْنِدَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وبِهِ يُعْرَفُ حالُ التَّفْرِيغِ. وقُرِئَ: (ارْتَفَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بِمَعْنى انْكَشَفَ عَنْها.
سبأ 34:24
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِتَبْكِيتِ المُشْرِكِينَ بِحَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِيهِما، وأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وحَيْثُ كانُوا يَتَلَعْثَمُونَ أحْيانًا في الجَوابِ مَخافَةَ الإلْزامِ. قِيلَ لَهُ ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إذْ لا جَوابَ سَواءٌ عِنْدَهم أيْضًا.
﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: وإنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ المُتَوَحِّدَ بِالرِّزْقِ، والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ، ويَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، والَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ في العِبادَةِ الجَمادَ النّازِلَ في أدْنى المَراتِبِ الإمْكانِيَّةِ لَعَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ المُبِينِ، وهَذا بَعْدَ ما سَبَقَ مِنَ التَّقْرِيرِ البَلِيغِ النّاطِقِ بِتَعْيِينِ مَن هو عَلى الهُدى، ومَن هو في الضَّلالِ، أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ؛ لِجَرَيانِهِ عَلى سُنَنِ الإنْصافِ المُسْكِتِ لِلْخَصْمِ الألَدِّ. وقُرِئَ: (وَإنّا أوْ إيّاكم إمّا عَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ) واخْتِلافُ الجارَّيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الهادِيَ كَمَنِ اسْتَعْلى مَنارًا يَنْظُرُ الأشْياءَ، ويَتَطَلَّعُ (p-133)عَلَيْها. والضّالُّ كَأنَّهُ مُنْغَمِسٌ في ظَلامٍ لا يَرى شَيْئًا، أوْ مَحْبُوسٌ في مَطْمُورَةٍ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنها.
سبأ 34:25
﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهَذا أبْلَغُ في الإنْصافِ، وأبْعَدُ مِنَ الجَدَلِ والِاعْتِسافِ. حَيْثُ أُسْنِدَ فِيهِ الإجْرامُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الزَّلَّةُ، وتُرِكَ الأوْلى إلى أنْفُسِهِمْ، ومُطْلَقُ العَمَلِ إلى المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ أعْمالَهم أكْبَرُ الكَبائِرِ.
سبأ 34:26
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ والحِسابِ، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بَيْنَنا، ويَفْصِلُ بَعْدَ ظُهُورِ حالِ كُلٍّ مِنّا ومِنكم بِأنْ يُدْخِلَ المُحِقِّينَ الجَنَّةَ والمُبْطِلِينَ النّارَ.
﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾ الحاكِمُ الفَيْصَلُ في القَضايا المُنْغَلِقَةِ، العَلِيمُ بِما يَنْبَغِي أنْ يُقْضى بِهِ.
سبأ 34:27
﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ﴾ أيْ: ألْحَقْتُمُوهم.
﴿بِهِ شُرَكاءَ﴾ أُرِيدَ بِأمْرِهِمْ بِإراءَةِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِمَرْأًى مِنهُ ﷺ إظْهارُ خَطَئِهِمُ العَظِيمِ، وإطْلاعِهِمْ عَلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، أيْ: أرُونِيها لِأنْظُرَ بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوها بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. وفِيهِ مَزِيدُ تَبْكِيتٍ لَهم بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ ﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ القاهِرَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ. فَأيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّتِي هي أخَسُّ الأشْياءِ وأذَلُّها مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ، والضَّمِيرُ إمّا اللَّهُ عَزَّ وعَلا، أوْ لِلشَّأْنِ، كَما فِي: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ .
سبأ 34:28
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم. فَإنَّهم إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهُمْ، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ. فَهي حالٌ مِنَ الكافِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِها حالًا مِنَ النّاسِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ.
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ.
سبأ 34:29
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغايَةِ غَيِّهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنُونَ بِهِ المُبَشَّرَ بِهِ والمُنْذَرَ عَنْهُ، أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا﴾ .
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُخاطِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ.
سبأ 34:30
﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ أيْ: وعْدُ يَوْمٍ أوْ زَمانٍ، وعَدُّوا الإضافَةَ لِلتَّبْيِينِ، وقُرِئَ: (مِيعادٌ يَوْمٌ) مُنَوَّنَيْنِ عَلى البَدَلِ، و (يَوْمًا) بِإضْمارِ أعْنِي لِلتَّعْظِيمِ.
﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ عِنْدَ مُفاجَأتِهِ ﴿ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ صِفَةٌ لِ «مِيعادُ»، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِئْخارَ في الِاسْتِحالَةِ، كالِاسْتِقْدامِ المُمْتَنِعِ عَقْلًا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الِاسْتِئْجارِ والِاسْتِقْدامِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالمُفاجَأةِ، فَيَكُونُ وصْفُ المِيعادِ بِذَلِكَ لِتَحْقِيقِهِ (p-134)وَتَقْرِيرِهِ.
سبأ 34:31
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القرآن ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ الكُتُبِ القَدِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ، وقِيلَ: إنْ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ. فَغَضِبُوا، فَقالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ القِيامَةُ.
﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في مَوْقِفِ المُحاسَبَةِ.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أيْ: يَتَحاوَرُونَ، ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بَدَلٌ مِن "يَرْجِعُ"... إلَخْ. أيْ: يَقُولُ الأتْباعُ.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ في الدُّنْيا واسْتَتْبَعُوهم في الغَيِّ والضَّلالِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ . أيْ: لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم لَنا عَنِ الإيمانِ ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ.
سبأ 34:32
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الصّادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ. مُثْبِتِينَ أنَّهم هُمُ الصّادُّونَ بِأنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإجْرامِ.
سبأ 34:33
﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ إضْرابًا عَنْ إضْرابِهِمْ، وإبْطالًا لَهُ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ . أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكم بِنا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ. فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ، وأُقِيمَ مَقامَهُ الظَّرْفُ اتِّساعًا. أوْ جُعِلَ لَيْلُهم ونَهارُهم ماكِرَيْنِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ. وقُرِئَ: (بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ والنَّهارَ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ الظَّرْفَيْنِ، أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكم في اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مَكْرٌ عَظِيمٌ عَلى أنَّهُ لِلتَّفْخِيمِ. وقُرِئَ: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ) بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، أيْ: تَكُرُّونَ الإغْواءَ مَكَرًّا دائِبًا لا تَفْتَرُونَ عَنْهُ، فالرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكُمُ الإغْواءُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، بِإقامَتِهِ مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: بَلْ تَكُرُّونَ الإغْواءَ مَكَرَّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيْ: مَكَرًّا دائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿إذْ تَأْمُرُونَنا﴾ ظَرْفٌ لِلْمَكْرِ، أيْ: بَلْ مَكْرُكُمُ الدّائِمُ وقْتَ أمْرِكم لَنا.
﴿أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَكْرِهِمْ إمّا نَفْسُ أمْرِهِمْ بِما ذُكِرَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ (p-135)فَإنَّ الجَعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأيُّ نِعْمَةٍ، وأمّا أُمُورٌ أُخَرُ مُقارِنَةٌ لِأمْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: أضْمَرَ الفَرِيقانِ النَّدامَةَ عَلى ما فَعَلا مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، وأخْفاها كُلٌّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ مَخافَةَ التَّعْيِيرِ، أوْ أظْهَرُوها فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ. وهو المُناسِبُ لِحالِهِمْ.
﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: في أعْناقِهِمْ. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَمِّهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى مُوجِبِ أغْلالِهِمْ.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لا يَجْزُونَ إلّا جَزاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أوْ إلّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ عَلى نَزْعِ الجارِّ.
سبأ 34:34
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى.
﴿مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ، والمُنافَسَةِ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمُفاخَرَةِ بِحُظُوظِ الدُّنْيا وزَخارِفِها، والتَّكَبُّرِ بِذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، والِاسْتِهانَةِ بِهِمْ مِن أجْلِهِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ قَطُّ إلى أهْلِ قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا "قالَ مُتْرَفُوهُمْ" مِثْلَ ما قالَ مُتْرَفُو أهْلِ مَكَّةَ في حَقِّهِ ﷺ، وكادُوا بِهِ نَحْوَ ما كادُوا بِهِ ﷺ، وقاسُوا أُمُورَ الآخِرَةِ المَوْهُومَةَ والمَفْرُوضَةَ عِنْدَهم عَلى أُمُورِ الدُّنْيا، وزَعَمُوا أنَّهم لَوْ لَمْ يُكْرَمُوا عَلى اللَّهِ تَعالى لَما رَزَقَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا، ولَوْلا أنَّ المُؤْمِنِينَ هانُوا عَلَيْهِ تَعالى لَما حُرِمُوهُما، وعَلى ذَلِكَ الرَّأْيِ الرَّكِيكِ بَنَوْا أحْكامَهم.
سبأ 34:35
﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا بِناءً عَلى انْتِفاءِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ رَأْسًا، أوْ عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ تَعالى أكْرَمَهم في الدُّنْيا، فَلا يُهِينُهم في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها.
سبأ 34:36
﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وحَسْمًا لِمادَّةِ طَمَعِهِمُ الفارِغِ، وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّكْوِينِ.
﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَ لَهُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ داعٍ إلى ما فُعِلَ بِهِ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ، فَرُبَّما يُوَسِّعُ عَلى العاصِي، ويُضَيِّقُ عَلى المُطِيعِ، ورُبَّما يَعْكِسُ الأمْرَ، ورُبَّما يُوَسِّعُ عَلَيْهِما مَعًا، وقَدْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِما، وقَدْ يُوَسِّعُ عَلى شَخْصٍ تارَةً، ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ أُخْرى، يَفْعَلُ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ فَلا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ أمْرُ الثَّوابِ والعَذابِ اللَّذَيْنِ مَناطُهُما الطّاعَةُ وعَدَمُها. وقُرِئَ: (وَيُقَدِّرُ) بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ مَدارَ البَسْطِ هو الشَّرَفُ والكَرامَةُ، ومَدارَ القَدْرِ هو الهَوانُ، ولا يَدْرُونَ أنَّ الأوَّلَ كَثِيرًا ما يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ، والثّانِي بِطَرِيقِ الِابْتِلاءِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ.
سبأ 34:37
﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ (p-136)كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وعَلا خُوطِبَ بِهِ النّاسُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ، أيْ: وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم بِالجَماعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا قُرْبَةً، فَإنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَّأْنِيثِ، أوْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم. وقُرِئَ: (بِالَّذِي) أيْ: بِالشَّيْءِ الَّذِي.
﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ تُقَرِّبُكُمْ، أيْ: وما الأمْوالُ والأوْلادُ تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي أنْفَقَ أمْوالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَّمَ أوْلادَهُ الخَيْرَ، ورَبّاهم عَلى الصَّلاحِ، ورَشَّحَهم لِلطّاعَةِ. وقِيلَ: مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: إلّا أمْوالَ مَن... إلَخْ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيْ: ثابِتٌ لَهم. ذَلِكَ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِ "أُولَئِكَ" وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِتَكَرُّرِ الإسْنادِ، أوْ يُثْبِتُ لَهم ذَلِكَ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ لِ "أُولَئِكَ" وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الضِّعْفِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أصْلُهُ: فَأُولَئِكَ لَهم أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ، ثُمَّ جَزاءَ الضِّعْفِ، ثُمَّ جَزاءَ الضِّعْفِ. ومَعْناهُ أنْ تُضاعُفَ لَهم حَسَناتُهُمُ الواحِدَةُ عَشْرًا فَما فَوْقَها، وقُرِئَ: جَزاءً الضِّعْفُ عَلى (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الضِّعْفُ جَزاءً) و (جَزاءً الضِّعْفُ) عَلى أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ، وجَزاءٌ الضِّعْفُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الضِّعْفَ بَدَلٌ مِن جَزاءٌ.
﴿بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وَهم في الغُرُفاتِ﴾ أيْ: غُرُفاتِ الجَنَّةِ.
﴿آمِنُونَ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقُرِئَ: (فِي الغُرْفَةِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
سبأ 34:38
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ سابِقِينَ لِأنْبِيائِنا، أوْ زاعِمِينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.
﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يُجْدِيهِمْ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ نَفْعًا.
سبأ 34:39
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ تارَةً.
﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ تارَةً أُخْرى. فَلا تَخْشَوُا الفَقْرَ، وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِهِ تَعالى.
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا. إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّ غَيْرَهُ واسِطَةٌ في إيصالِ رِزْقِهِ لا حَقِيقَةَ لِرازِقِيَّتِهِ.
سبأ 34:40
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ. وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَوْمَ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُتَأخِّرٍ سَيَأْتِي تَقْدِيرُهُ، أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ نَحْوَ اذْكُرْ.
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ، وتَبْكِيتًا لَهم عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ﴾ ... إلَخْ. وإقْناطًا لَهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن شَفاعَتِهِمْ. وتَخْصِيصُ المَلائِكَةِ؛ (p-137)لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكائِهِمْ، والصّالِحُونَ لِلْخِطابِ مِنهُمْ، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ؛ فَبِظُهُورِ قُصُورِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المَعْبُودِيَّةِ، وتَنَزُّهِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِمْ يَظْهَرُ حالُ سائِرِ شُرَكائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالنُّونِ.
سبأ 34:41
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ. كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ: مُتَنَزِّهِينَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ . والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أيْ: أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهُمْ، كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتَهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ، ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم حَقِيقَةً بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ. حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: كانُوا يَتَمَثَّلُونَ لَهُمْ، ويُخَيِّلُونَ لَهم أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَيَعْبُدُونَهُمْ، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ أجْوافَ الأصْنامِ إذا عُبِدَتْ فَيَعْبُدُونَ بِعِبادَتِها.
﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ، والثّانِي لِلْجِنِّ.
سبأ 34:42
﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ عِنْدَ جَوابِهِمْ بِالتَّنَزُّهِ والتَّبَرُّؤِ عَمّا نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ يُخاطَبُونَ بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ، وقُصُورِهِمْ عِنْدَ عَبَدَتِهِمْ، وتَنْصِيصًا عَلى ما يُوجِبُ خَيْبَةَ رَجائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. و "الفاءُ" لَيْسَتْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الحُكْمِ عَلى جَوابِ المَلائِكَةِ؛ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ أجابُوا بِذَلِكَ أمْ لا. بَلْ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِهِ عَلَيْهِ، ونِسْبَةُ عَدَمِ النَّفْعِ والضُّرِّ إلى البَعْضِ المُبْهَمِ لِلْمُبالَغَةِ فِيما هو المَقْصُودُ الَّذِي هو بَيانُ عَدَمِ نَفْعِ المَلائِكَةِ لِلْعَبَدَةِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ عَدَمِ نَفْعِ العَبَدَةِ لَهم كَأنَّ نَفْعَ المَلائِكَةِ لِعَبَدَتِهِمْ في الِاسْتِحالَةِ والِانْتِفاءِ كَنَفْعِ العَبَدَةِ لَهُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الضُّرِّ مَعَ أنَّهُ لا بَحْثَ عَنْهُ أصْلًا إمّا لِتَعْمِيمِ العَجْزِ، أوْ لِحَمْلِ عَدَمِ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ العِبادَةِ، وعَدَمِ الضُّرِّ عَلى تَقْدِيرِ تَرْكِها، أوْ لِأنَّ المُرادَ دَفْعُ الضُّرِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وتَقْيِيدُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ ثُبُوتِهِ عَلى الإطْلاقِ لِانْعِقادِ رَجائِهِمْ عَلى تَحَقُّقِ النَّفْعِ يَوْمَئِذٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ، لا عَلى لا يَمْلِكُ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ مُتَرَتِّبًا عَلى جَوابِهِمُ المَحْكِيِّ. وهَذا حِكايَةٌ لِرَسُولٍ ﷺ لِما سَيُقالُ لِلْعَبَدَةِ يَوْمَئِذٍ إثْرَ حِكايَةِ ما سَيُقالُ لِلْمَلائِكَةِ، أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ كَذا وكَذا. ويَقُولُونَ: كَذا وكَذا. ونَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأهْوالِ والأحْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ المَقالِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
سبأ 34:43
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ (p-138)بَيانُ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن كُفْرانِهِمْ، أيْ: إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الرَّسُولِ ﷺ آياتُنا النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، وبُطْلانِ الشِّرْكِ.
﴿قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَسْتَتْبِعُكم بِما يَسْتَدْعِيهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ دِينٌ إلَهِيٌّ، وإضافَةُ الآباءِ إلى المُخاطَبِينَ لا إلى أنْفُسِهِمْ لِتَحْرِيكِ عِرْقِ العَصَبِيَّةِ مِنهم. مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، وتَنْفِيرِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ.
﴿وَقالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ القرآن الكَرِيمَ.
﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ: كَلامٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ لا مِصْداقَ لَهُ في الواقِعِ.
﴿مُفْتَرًى﴾ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ: لِأمْرِ النُّبُوَّةِ، أوِ الإسْلامِ، أوِ القرآن. عَلى أنَّ العَطْفَ لِاخْتِلافِ العُنْوانِ بِأنْ يُرادَ بِالأوَّلِ مَعْناهُ، والثّانِي نَظْمُهُ المُعْجِزُ.
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَأمُّلٍ فِيهِ.
﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ، وفي تَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ، وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ، وما في "لَمّا" مِنَ المُسارَعَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ الباطِلِ، إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ، وتَعْجِيبٌ بَلِيغٌ مِنهُ.
سبأ 34:44
﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فِيها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإشْراكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ وقُرِئَ: (يَدْرُسُونَها) و (يَدَّرِسُونَها) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدَّرْسِ.
﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ويُنْذِرُهم بِالعِقابِ إنْ لَمْ يُشْرِكُوا، وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَمِن أيْنَ ذَهَبُوا هَذا المَذْهَبَ الزّائِغَ؟ وهَذا غايَةُ تَجْهِيلٍ لَهُمْ، وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى:
سبأ 34:45
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ. كَما كَذَّبُوا ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ: ما بَلَغَ هَؤُلاءِ عُشْرَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ وطُولِ العُمْرِ وكَثْرَةِ المالِ أوْ ما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ عَطْفٌ عَلى "كَذَّبَ الَّذِينَ"... إلَخْ. بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ والتَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ ... إلَخْ.
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ؟ أيْ: إنْكارِي لَهم بِالتَّدْمِيرِ فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
سبأ 34:46
﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أيْ: ما أُرْشِدُكم وأنْصَحُ لَكم إلّا بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ هي ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنها، أوْ بَيانٌ لَها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي أنْ تَقُومُوا مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ تَنْتَصِبُوا لِلْأمْرِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مُعْرِضًا عَنِ المُماراةِ والتَّقْلِيدِ.
﴿مَثْنى وفُرادى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وواحِدًا واحِدًا. فَإنَّ الِازْدِحامَ يُشَوِّشُ الأفْهامَ، ويَخْلِطُ الأفْكارَ بِالأوْهامِ. وفي تَقْدِيمِ مَثْنى إيذانٌ بِأنَّهُ أوْثَقُ، وأقْرَبُ إلى الِاطْمِئْنانِ. (p-139)﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمْرِهِ ﷺ، وما جاءَ بِهِ لِتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ وحَقِّيَّتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، بِأنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي تَحْتَهُ مَلِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا يَتَصَدّى لِادِّعائِهِ إلّا مَجْنُونٌ، لا يُبالِي بِافْتِضاحِهِ عِنْدَ مُطالَبَتِهِ بِالبُرْهانِ، وظُهُورِ عَجْزِهِ، أوْ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ، واثِقٌ بِحُجَّتِهِ وبُرْهانِهِ، وإذْ قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ ﷺ أرْجَحُ العالِمِينَ عَقْلًا، وأصْدَقُهم قَوْلًا، وأنْزَهُهم نَفْسًا، وأفْضَلُهم عِلْمًا، وأحْسَنُهم عَمَلًا، وأجْمَعُهم لِلْكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، وجَبَ أنْ تُصَدِّقُوهُ في دَعْواهُ. فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مُعْجِزاتٌ تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ؟ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى "ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا ما بِصاحِبِكم مِن جَنَّةٍ"، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامِيَّةً عَلى مَعْنى "ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا" أيُّ شَيْءٍ بِهِ مِن آثارِ الجُنُونِ.
﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ ﷺ مَبْعُوثٌ في نَسَمِ السّاعَةِ.
سبأ 34:47
﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ سَألَتْكم مِن أجْرٍ عَلى الرِّسالَةِ.
﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ رَأْسًا. كَقَوْلِ مَن قالَ لِمَن لَمْ يُعْطِهُ شَيْئًا: إنْ أعْطَيْتَنِي شَيْئًا فَخُذْهُ. وقِيلَ: "ما" مَوْصُولَةٌ أُرِيدَ بِها ما سَألَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عليه من أجر إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَتُهُمُ الكُبْرى، وقُرْباهُ ﷺ قُرْباهم.
﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلِعٌ يَعْلَمُ صِدْقِي وخُلُوصَ نِيَّتِي، وقُرِئَ: (إنْ أجْرِي) بِسُكُونِ الياءِ.
سبأ 34:48
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ: يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ، أوْ يَرْمِي بِهِ في أقْطارِ الآفاقِ فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يَقْذِفُ"، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِ "إنَّ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِ "رَبِّي"، أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي. وقُرِئَ بِكَسْرِ الغَيْنِ وبِالفَتْحِ كَصَبُورٍ مُبالَغَةَ غائِبٍ.
سبأ 34:49
﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أيْ: زَهَقَ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أثَرُهُ أصْلًا مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ فَجُعِلَ مَثَلًا في الهَلاكِ بِالمَرَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدٍ:
؎ أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عُبَيْدُ فَلَيْسَ يُبْدِي ولا يُعِيدُ
وَقِيلَ: الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا، ولا يُعِيدُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُ. وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها.
سبأ 34:50
﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ، والأمّارَةُ بِالسُّوءِ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ قُوبِلَ الشَّرْطِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، وقُرِئَ: (رَبِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (p-140)يَعْلَمُ قَوْلَ كُلٍّ مِنَ المُهْتَدِي والضّالِّ وفِعْلَهُ، وإنْ بالَغَ في إخْفائِهِما.
سبأ 34:51
﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ ثَمانِينَ ألْفًا يَغْزُونَ الكَعْبَةَ لِيُخَرِّبُوها، فَإذا دَخَلُوا البَيْداءَ خُسِفَ بِهِمْ. وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا.
﴿فَلا فَوْتَ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِهَرَبٍ أوْ تَحَصُّنٍ.
﴿وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مِن ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى قَلِيبِها، أوْ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ إذا خُسِفَ بِهِمْ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَزِعُوا، وقِيلَ: عَلى "لا فَوْتَ" عَلى مَعْنى: إذْ فَزِعُوا فَلَمْ يَفُوتُوا وأُخِذُوا، ويُؤَيِّدْهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وَأخْذٌ) بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّهِ، أيْ: فَلا فَوْتَ هُنا وهُناكَ أخْذٌ.
سبأ 34:52
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ .
﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ التَّناوُشُ التَّناوُلُ السَّهْلُ، أيْ: ومِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ تَناوُلًا سَهْلًا؟ ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ، وهم مِنهُ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ. وهو تَمْثِيلُ حالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهُمْ، وبَعْدُ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ مِن غَلْوَةِ تَناوُلِهِ مِن ذِراعٍ في الِاسْتِحالَةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ عَلى قَلْبِ الواوِ لِضَمِّها. وهو مِن نَأشْتُ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتَهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو التَّناؤُشُ بِالهَمْزِ التَّناوُلُ مِن بُعْدٍ مِن قَوْلِهِمْ: نَأشْتُ إذا أبْطَأْتُ وتَأخَّرْتُ. ومِنهُ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ
سبأ 34:53
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ الَّذِي أنْذَرَهم إيّاهُ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ في أوانِ التَّكْلِيفِ.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ويَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ، ويَتَكَلَّمُونَ بِما لَمْ يَظْهَرْ لَهم في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ المَطاعِنِ، أوْ في العَذابِ المَذْكُورِ مِن بَتَّ القَوْلَ بِنَفْيِهِ.
﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ مِن حالِهِ ﷺ حَيْثُ يَنْسُبُونَهُ ﷺ إلى الشِّعْرِ والسحر والكَذِبِ، وإنَّ أبْعَدَ شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ الشِّعْرُ والسحر، وأبْعَدُ شَيْءٍ مِن عادَتِهِ المَعْرُوفَةِ فِيما بَيْنَ الدّانِي والقاصِي الكَذِبُ، ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن يَرْمِي شَيْئًا لا يَراهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، لا مَجالَ لِلْوَهْمِ في لُحُوقِهِ. وقُرِئَ: (وَيَقْذِفُونَ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ ويُلَقِّنُهم ذَلِكَ). وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، أوْ عَلى قالُوا فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ القاذِفِ في تَحْصِيلِ ما ضَيَّعُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا.
سبأ 34:54
﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِن نَفْعِ الإيمانِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقُرِئَ بِإشْمامِ الضَّمِّ لِلْحاءِ.
﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بِأشْباهِهِمْ مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ.
﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ، أوْ ذِي رِيبَةٍ، والأوَّلُ: مَنقُولٌ مِمَّنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرِيبًا مِنَ الأعْيانِ إلى المَعْنى، والثّانِي: مِن صاحِبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ. كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ رَسُولٌ ولا نَبِيٌّ إلّا كانَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ رَفِيقًا ومُصافِحًا».»
فاطر 35:1
(p-141)(سُورَةُ فاطِرٍ مَكِّيَّةٌ، وهى خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً)
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعِهُما مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ، ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ مِنَ الفَطْرِ، وهو الشَّقُّ، وقِيلَ: الشَّقُّ طُولًا، كَأنَّهُ شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، وإضافَتُهُ مَحْضَةٌ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، فَهو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، ومَن جَعَلَها غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنهُ، وهو قَلِيلٌ في المُشْتَقِّ ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ﴾ الكَلامُ في إضافَتِهِ وكَوْنِهِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا كَما قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلا﴾ مَنصُوبٌ بِهِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإضافَةِ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدُ البَصْرِيِّينَ فَبِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي لا يَعْمَلُ عِنْدَهم إلّا مُعَرَّفًا بِاللّامِ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ السِّيرافِيُّ: اسْمُ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ يَعْمَلُ في الثّانِي؛ لِأنَّ بِإضافَتِهِ إلى الأوَّلِ تَعَذَّرَتْ إضافَتُهُ إلى الثّانِي، فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ، وعَلَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ بِالإضافَةِ أشْبَهَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ.
وَقُرِئَ: (جاعِلٌ) بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: (الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ المَلائِكَةَ) أيْ: جاعِلُهم وسائِطَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ، والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالاتِهِ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ، أوْ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ أيْضًا حَيْثُ يُوَصِّلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ قدرته وصُنْعِهِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إبْداعِيًّا فَـ"رُسُلًا" نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ: (رُسْلًا) بِسُكُونِ السِّينِ.
﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ صِفَةٌ لِـ"رُسُلًا"، و"أُولُو" اسْمُ جَمْعٍ لِذُو، كَما أنَّ أُولاءِ اسْمٌ لِذا، ونَظِيرُهُما في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخاضُ والخِلْفَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ صِفاتٌ لِـ"أجْنِحَةٍ" أيْ: ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في العَدَدِ حَسَبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المُتَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها، والمَعْنى أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ، وخَلْقًا أجْنِحَةُ كُلٍّ مِنهم ثَلاثَةٌ، وخَلْقًا آخَرَ لِكُلٍّ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ.
وَيُرْوى أنَّ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لَهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ، بِجَناحَيْنِ مِنها يُلْقُونَ أجْسادَهُمْ، وبِآخَرَيْنِ مِنها يَطِيرُونَ فِيما أُمِرُوا بِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجَناحانِ مِنها مَرْخِيّانِ عَلى وُجُوهِهِمْ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْلَةَ المِعْراجِ، ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ،» ورُوِيَ «أنَّهُ سَألَهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أنْ يَتَراءى لَهُ في صُورَتِهِ، فَقالَ: إنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ، قالَ: «إنِّي أُحِبُّ أنْ تَفْعَلَ» فَخَرَجَ ﷺ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في صُورَتِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ ﷺ ثُمَّ أفاقَ، وجِبْرِيلُ مُسْنِدُهُ، وإحْدى يَدْيِهِ عَلى صَدْرِهِ، والأُخْرى بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنَّ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ هَكَذا، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتَ (p-142)إسْرافِيلَ، لَهُ اثْنا عَشَرَ جَناحًا، جَناحٌ مِنها بِالمَشْرِقِ، وجَناحٌ مِنها بِالمَغْرِبِ، وإنَّ العَرْشَ عَلى كاهِلِهِ، وإنَّهُ لِيَتَضاءَلُ الأحايِينَ لِعَظَمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حَتّى يَعُودَ مِثْلَ الوَصَعِ،» وهو العُصْفُورُ الصَّغِيرُ.
﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَفاوُتِ أحْوالِ المَلائِكَةِ في عَدَدِ الأجْنِحَةِ، ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى ذَواتِهِمْ بِبَيانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ ناطِقٍ بِأنَّهُ تَعالى يَزِيدُ في أيِ خَلْقٍ كانَ كُلَّ ما يَشاءُ أنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ، ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُحِيطُ بَها الوَصْفُ.
وَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن تَخْصِيصِ بَعْضِ المَعانِي بِالذِّكْرِ مِنَ الوَجْهِ الحَسَنِ، والصَّوْتِ الحَسَنِ، والشَّعْرِ الحَسَنِ فَبَيانٌ لِبَعْضِ المَوادِّ المَعْهُودَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطَرِيقِ الحَصْرِ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ فَإنَّ شُمُولِ قدرته تعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يُوجِبُ قدرته تعالى عَلى أنْ يَزِيدَ كُلَّ ما يَشاؤُهُ إيجابًا بَيِّنًا.
فاطر 35:2
﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ عَبَّرَ عَنْ إرْسالِها بِالفَتْحِ إيذانًا بِأنَّها أنْفَسُ الخَزائِنِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ وأعَزُّها مَنالًا، وتَنْكِيرُها لِلْإشاعَةِ والإبْهامِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْتَحُ اللَّهُ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ - أيَّةَ رَحْمَةٍ كانَتْ مِن نِعْمَةٍ وصِحَّةٍ وأمْنٍ وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحاطُ بِهِ - ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُمْسِكْ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إرْسالِهِ، واخْتِلافُ الضَّمِيرَيْنِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الأوَّلِ مُفَسَّرٌ بِالرَّحْمَةِ، ومَرْجِعَ الثّانِي مُطْلَقٌ يَتَناوَلُها وغَيْرَها كائِنًا ما كانَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الفَتْحُ والإمْساكُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، ومُعْرِبٌ عَنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الفَتْحِ والإمْساكِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ التَّكْوِينِ.
وَبَعْدَما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ، والمُتَصَرِّفُ فِيهِما بِالقَبْضِ والبَسْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أمْرَ النّاسِ قاطِبَةً - أوْ أهْلَ مَكَّةَ خاصَّةً بِشُكْرِ نِعَمِهِ، فَقالَ:
فاطر 35:3
﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إنْعامَهُ عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا، أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اسْمًا، أيْ: راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها، والِاعْتِرافِ بِها، وتَخْصِيصُ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى - مَعَ تَشَعُّبِ فُنُونِها - مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ تَعالى يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُنادِي بِاسْتِحالَةِ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِنَعَمْ، فَقالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ؟ أيْ: هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ، عَلى أنَّ (خالِقٍ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، زِيدَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ "مِن" لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، و"غَيْرِ اللَّهِ" نَعْتٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، كَما أنَّهُ نَعْتٌ لَهُ في قِراءَةِ الجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقُرِئَ (p-143)بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ - أيْ: بِالمَطَرِ والنَّباتِ - كَلامٌ مُبْتَدَأٌ عَلى التَّقادِيرِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، داخِلٌ مِن حَيِّزِ النَّفْيِ والإنْكارِ، ولا مَساغَ لِما قِيلَ مِن أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ(خالِقٍ) مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ أوْ مَجْرُورَتُهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ نَفْيُ وُجُودِ خالِقٍ مَوْصُوفٍ بِوَصْفَيِ المُغايَرَةِ والرّازِقِيَّةِ مَعًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ وُجُودِ ما اتَّصَفَ بِالمُغايَرَةِ فَقَطْ، ولا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ، ولا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِمُضْمَرٍ ارْتَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "مِن خالِقٍ" عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: (هَلْ يَرْزُقُكم مِن خالِقٍ ... إلَخْ) لِما أنَّ مَعْناهُما نَفْيُ رازِقِيَّةِ خالِقٍ مُغايِرٍ لَهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ وُجُودِهِ رَأْسًا مَعَ أنَّهُ المُرادُ حَتْمًا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنهُ قَصْدًا، وجارٍ مَجْرى الجَوابِ عَمّا يُوهِمُهُ الِاسْتِفْهامُ صُورَةً، فَحَيْثُ كانَ هَذا ناطِقًا بِنَفْيِ الوُجُودِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا كَذَلِكَ قَطْعًا، و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ؟
وَقَوْلُهُ تَعالى:
فاطر 35:4
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ خِطابَيِ النّاسِ؛ مُسارِعَةً إلى تَسْلِيَتِهِ ﷺ بِعُمُومِ البَلِيَّةِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ ثانِيًا، أيْ: وإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى أنْ يُكَذِّبُوكَ فِيما بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ بَعْدَما أقَمْتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وألْقَمْتَهُمُ الحَجَرَ فَتَأسَّ بِأُولَئِكَ الرُّسُلِ في المُصابَرَةِ عَلى ما أصابَهم مِن قِبَلِ قَوْمِهِمْ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ ما ذُكِرَ؛ اكْتِفاءً بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وتَنْكِيرُ الرُّسُلِ لِلتَّفْخِيمِ المُوجِبِ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى المُصابَرَةِ، أيْ: رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ، وذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ.
﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها صَبْرُكَ وتَكْذِيبُهُمْ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اخْتِصاصِ المَرْجِعِ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ إبْهامِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (تَرْجِعُ) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ، والأوَّلُ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ.
فاطر 35:5
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ رُجُوعٌ إلى خِطابِهِمْ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِتَأْكِيدِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ المُشارَ إلَيْهِ بِرَجْعِ الأُمُورِ إلَيْهِ تَعالى مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿حَقٌّ﴾ ثابِتٌ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِأنْ يُذْهِلَكُمُ التَّمَتُّعُ بِمَتاعِها، ويُلْهِيَكُمُ التَّلَهِّي بِزَخارِفِها عَنْ تَدارُكِ ما يُهِمُّكم يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِها، وإنْ تَوَجَّهَ النَّهْيُ صُورَةً إلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ تَعالى ﴿الغَرُورُ﴾ أيِ: المُبالِغُ في الغُرُورِ، وهو الشَّيْطانُ، بِأنْ يُمَنِّيَكُمُ المَغْفِرَةَ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعاصِي قائِلًا: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَإنَّ ذَلِكَ - وإنْ أمْكَنَ - لَكِنْ تَعاطِي الذُّنُوبِ بِهَذا التَّوَقُّعِ مِن قَبِيلِ تَناوُلِ السُّمِّ تَعْوِيلًا عَلى دَفْعِ الطَّبِيعَةِ، وتَكْرِيرُ فِعْلِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، ولِاخْتِلافِ الغَرُورَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ، وقُرِئَ: (الغُرُورُ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ غارٍ كَقُعُودٍ جَمْعِ قاعِدٍ.
فاطر 35:6
(p-144)﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ عَداوَةً قَدِيمَةً لا تَكادُ تَزُولُ، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" لِلِاهْتِمامِ بِهِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بِمُخالَفَتِكم لَهُ في عَقائِدِكم وأفْعالِكم وكَوْنِكم عَلى حَذَرٍ مِنهُ في مَجامِعِ أحْوالِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَداوَتِهِ، وتَحْذِيرٌ مِن طاعَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَرَضَهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ إلى اتِّباعِ الهَوى، والرُّكُونِ إلى مَلاذِ الدُّنْيا لَيْسَ تَحْصِيلَ مَطالِبِهِمْ ومَنافِعِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ - كَما هو مَقْصِدُ المُتَحابِّينَ في الدُّنْيا عِنْدَ سَعْيِ بَعْضِهِمْ في حاجَةِ بَعْضٍ - بَلْ هو تَوْرِيطُهم وإلْقاؤُهم في العَذابِ المُخَلَّدِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
فاطر 35:7
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ، واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، مَدِيدٌ لا يُبْلَغُ مَداهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ عَداوَةُ الشَّيْطانِ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ غايَةٌ لَهُما.
فاطر 35:8
﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إمّا تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ بَيْنَ عاقِبَتَيِ الفَرِيقَيْنِ بِبَيانِ تَبايُنِ حالَيْهِما المُؤَدِّيَيْنِ إلى تَيْنِكَ العاقِبَتَيْنِ، و"الفاءُ" لِإنْكارِ تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: أبَعْدَ كَوْنِ حالَيْهِما كَما ذُكِرَ يَكُونُ مَن زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ فانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ حَتّى لا تَكُونَ عاقِبَتاهُما كَما ذُكِرَ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ﴾ ... إلَخْ، تَقْرِيرٌ لَهُ، وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: فَإنَّهُ تَعالى يُضِلُّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُضِلَّهُ لِاسْتِحْسانِهِ واسْتِحْبابِهِ الضَّلالَ، وصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ فَيَرُدَّهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الهُدى فَيَرْفَعُهُ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وإمّا تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن نَهْيِهِ ﷺ عَنِ التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ إسْلامِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِذَلِكَ، بَلْ لِأنْ يَضْرِبَ عَنْهم صَفْحًا ولا يُبالِيَ بِهِمْ قَطْعًا، أيْ: أبَعْدَ كَوْنِ حالِهِمْ كَما ذُكِرَ تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ، فَحُذِفَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ دَلالَةً بَيِّنَةً، وإمّا تَمْهِيدٌ لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، والمُبالَغَةِ في دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَحَوُّلِهِمْ عَنِ الكُفْرِ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الحُسْنِ عِنْدَهُمْ، أيْ: أبَعْدَ ما ذُكِرَ مَن زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ - مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ فَرَآهُ حَسَنًا فانْهَمَكَ فِيهِ - يَقْبَلُ الهِدايَةَ حَتّى تَطْمَعَ في إسْلامِهِ، وتُتْعِبَ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ ... إلَخْ، عَلى أنَّهُ مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُضِلَّهُ ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ وقُرِئَ: (فَلا تُذْهِبْ نَفْسَكُ).
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿حَسَراتٍ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَلا (p-145)تَهْلَكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اغْتِمامِهِ ﷺ عَلى أحْوالِهِمْ، أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، و"عَلَيْهِمْ" صِلَةُ (تَذْهَبْ) كَما يُقالُ: هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا، وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(حَسَراتٍ) لِأنَّ المَصْدَرَ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ، وإمّا حالٌ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَبائِحِ، تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ومُشْرِكِي مَكَّةَ.
فاطر 35:9
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ: (الرِّيحَ) وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِأنَّ المُرادَ بَيانُ إحْداثِها لِتِلْكَ الخاصِيَّةِ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ إلَيْها، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإثارَةِ ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالسَّحابِ، فَإنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ، كَما في الخارِجِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُبْسِها، وإيرادُ الفِعْلَيْنِ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وإسْنادُهُما إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنِ اخْتِصاصِهِما بِهِ تَعالى لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ، ولِتَكْمِيلِ المُماثَلَةِ بَيْنَ إحْياءِ الأرْضِ وبَيْنَ البَعْثِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ في كَمالِ الِاخْتِصاصِ بِالقُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والكافُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ إحْياءُ الأمْواتِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ، وسُهُولَةِ التَّأتِّي مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما أصْلًا سِوى الألِفِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وقِيلَ: في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى مِن تَحْتِ العَرْشِ ماءً فَيَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ الخَلْقِ.
فاطر 35:10
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ والَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ والجَمْعُ بَيْنَ (كانَ) و(يُرِيدُ) لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ لا لِغَيْرِهِ عِزَّةُ الدُّنْيا وعِزَّةُ الآخِرَةِ، أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ بِذِكْرِ دَلِيلِهِ إيذانًا بِأنَّ اخْتِصاصَ العِزَّةِ بِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِتَخْصِيصِ طَلَبِها بِهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ بَيانٌ لِما يُطْلَبُ بِهِ العِزَّةُ، وهو التَّوْحِيدُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وصُعُودُهُما إلَيْهِ مَجازٌ عَنْ قَبُولِهِ تَعالى إيّاهُما، أوْ صُعُودُ الكَتَبَةِ بِصَحِيفَتِهِما، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ الِاعْتِدادِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَة عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ" أيْ: إلَيْهِ يَصِلُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ العِزَّةُ لا إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأعْمالِ العِبادِ فَقَطْ، وهو يُعَزُّ صاحَبُهُ، ويُعْطى طِلْبَتُهُ بِالذّاتِ.
(p-146)والمُسْتَكِنُّ في (يَرْفَعُهُ) لِلْكَلِمِ؛ فَإنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ هو التَّوْحِيدُ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِنَصْبِ العَمَلِ، أوِ العَمَلِ فَإنَّهُ يُحَقِّقُ الإيمانَ ويُقَوِّيهِ، ولا يُنالُ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ إلّا بِهِ، وقُرِئَ: (يُصَعِّدُ) مِنَ الإصْعادِ عَلى البِناءَيْنِ، والمُصَعِّدُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ المُتَكَلِّمُ بِهِ، أوِ المَلَكُ، وقِيلَ: الكَلِمُ الطَّيِّبُ يَتَناوَلُ الذِّكْرَ والدُّعاءَ والِاسْتِغْفارَ وقِراءَةَ القرآن.
وَعَنْهُ ﷺ أنَّهُ: ««سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، إذا قالَها العَبْدُ عَرَجَ بِها المَلَكُ إلى السَّماءِ فَحَيّا بِها وجْهَ الرَّحْمَنِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَمِلَ صالِحًا لَمْ تُقْبَلْ».»
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ خَمْسَ كَلِماتٍ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وتَبارَكَ اللَّهُ، إلّا أخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَناحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِنَّ، فَما يَمُرُّ بِهِنَّ عَلى جَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا اسْتَغْفَرُوا لِقائِلِهِنَّ حَتّى يُحَيِّيَ بِهِنَّ وجْهَ رَبِّ العالَمِينَ، ومِصْداقُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ... إلَخْ.
﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ الكَلِمِ الخَبِيثِ، والعَمَلِ السَّيِّئِ وأهْلِهِما، بَعْدَ بَيانِ حالِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، وانْتِصابُ السَّيِّئاتِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، وهي مَكَراتُ قُرَيْشٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ، وتَداوُرُهُمُ الرَّأْيَ في إحْدى الثَّلاثِ الَّتِي هي الإثْباتُ، والقَتْلُ، والإخْراجُ ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ مَكَراتِهِمْ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُؤْبَهُ عِنْدَهُ لِما يَمْكُرُونَ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ وُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ عَنْ سائِرِ المُفْسِدِينَ، واشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الطُّغْيانِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في العُدْوانِ، أيْ: ومَكْرُ أُولَئِكَ المُفْسِدِينَ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهِ ﷺ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أيْ: هو يَهْلَكُ ويَفْسَدُ خاصَّةً لا مَن مَكَرُوا بِهِ، ولَقَدْ أبارَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ إبارَةِ مَكَراتِهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ وقَتَلَهم وأثْبَتَهم في قَلِيبِ بَدْرٍ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكَراتِهِمُ الثَّلاثَ الَّتِي اكْتَفَوْا في حَقِّهِ ﷺ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ.
فاطر 35:11
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ دَلِيلٌ آخَرُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أيْ: خَلَقَكُمُ ابْتِداءً مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلْقًا إجْمالِيًّا، كَما مَرَّ في تَحْقِيقِهِ مِرارًا ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقَكم مِنها خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا، أوْ ذُكْرانًا وإناثًا، وعَنْ قَتادَةَ: جَعَلَ بَعْضَكم زَوْجًا لِبَعْضٍ ﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ إلّا مُلْتَبِسَةً بِعِلْمِهِ تابِعَةً لِمَشِيئَتِهِ ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ، وإنَّما سُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِ، أيْ: وما يُمَدُّ في عُمُرِ أحَدٍ ﴿وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ أيْ: مِن عُمُرِ أحَدٍ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: لا يُثِيبُ اللَّهُ عَبْدًا، ولا يُعاقِبُهُ إلّا بِحَقٍّ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى: لا يُنْقَصُ عُمُرُهُ بَعْدَ كَوْنِهِ زائِدًا، بَلْ عَلى مَعْنى لا يُجْعَلُ مِنَ الِابْتِداءِ ناقِصًا، وقِيلَ: الزِّيادَةُ والنَّقْصُ في عُمُرِ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ أُثْبِتَتْ في اللَّوْحِ، مِثْلِ أنْ يُكْتَبَ فِيهِ: إنْ حَجَّ فُلانٌ فَعُمُرُهُ سِتُّونَ وإلّا فَأرْبَعُونَ.
وَإلَيْهِ أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "الصَّدَقَةُ والصِّلَةُ تُعَمِّرانِ الدِّيارَ، وتَزِيدانِ في الأعْمارِ".» وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْصِ ما يَمُرُّ مِن عُمُرِهِ ويُنْقَصُ، فَإنَّهُ يُكْتَبُ في الصَّحِيفَةِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، وهَكَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِهِ، وقُرِئَ: (وَلا يَنْقُصُ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، و(مِن عُمْرِهِ) (p-147)بِسُكُونِ المِيمِ
﴿إلا في كِتابٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّهُ اللَّوْحُ، وقِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: صَحِيفَةُ كُلِّ إنْسانٍ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ، وما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحارًا لِلْعُقُولِ والأفْهامِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الأسْبابِ فَكَذَلِكَ البَعْثُ.
فاطر 35:12
﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والفُراتُ الَّذِي يَكْسِرُ العَطَشَ، والسّائِغُ الَّذِي يَسْهُلُ انْحِدارُهُ لِعُذُوبَتِهِ، والأُجاجُ الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وقُرِئَ: (سَيِّغٌ) كَسَيِّدٍ، و(سَيْغٌ) بِالتَّخْفِيفِ و(مَلِحٌ) كَكَتِفٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ﴾ أيْ: مِنَ المالِحِ خاصَّةً ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ إمّا اسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ، وإمّا تَكْمِلَةٌ لِلتَّمْثِيلِ، والمَعْنى: كَما أنَّهُما - وإنِ اشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ - لا يَتَساوَيانِ مِن حَيْثُ أنَّهُما مُتَفاوِتانِ فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الماءِ لِما خالَطَ أحَدَهُما ما أفْسَدَهُ، وغَيَّرَهُ عَنْ كَمالِ فِطْرَتِهِ، لا يُساوِي الكافِرُ المُؤْمِنَ، وإنْ شارَكَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ ونَحْوِهِما؛ لِتَبايُنِهِما فِيما هو الخاصِّيَّةُ العُظْمى لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى فِطْرَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وحِيازَتِهِ لِكَمالِهِ اللّائِقِ دُونَ الآخَرِ، أوْ تَفْضِيلٌ لِلْأُجاجِ عَلى الكافِرِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُشارِكُ العَذْبَ في مَنافِعَ كَثِيرَةٍ، والكافِرُ خِلْوٌ مِنَ المَنافِعِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ بِالحِلْيَةِ: اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ﴾ أيْ: في كُلِّ مِنهُما، وإفْرادُ ضَمِيرِ الخِطابِ - مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ - لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ ﴿مَواخِرَ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ بِجَرْيِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، و"اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(مَواخِرَ) وقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَشْكُرُوا عَلى ذَلِكَ، وحَرْفُ التَّرَجِّي لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فاطر 35:13
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ بِزِيادَةِ أحَدِهِما ونَقْصِ الآخَرِ، بِإضافَةِ بَعْضِ أجْزاءِ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُولِجُ) واخْتِلافُهُما صِيغَةً لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ حِينًا فَحِينًا، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، وإنَّما المُتَعَدِّدُ والمُتَجَدِّدُ آثارُهُ.
وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أيْ: بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ الخاصَّةِ، وحَرَكَتِهِ القَسْرِيَّةِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ أيّامِ السَّنَةِ جَرَيانًا مُسْتَمِرًّا ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ (p-148)قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرَيانِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ: جَرَيانُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتَيْهِما الخاصَّتَيْنِ بِهِما في فَلَكَيْهِما، والأجَلُ المُسَمّى هو مُنْتَهى دَوْرَتَيْهِما، ومُدَّةُ الجَرَيانِ لِلشَّمْسِ سَنَةٌ والقَمَرِ شَهْرٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ لُقْمانَ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى فاعِلِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ العَظَمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، أيْ: ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أبْدَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ البَدِيعَةَ ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْداعَهُ تَعالى لِتِلْكَ البَدائِعِ مِمّا يُوجِبُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأخْبارِ لَهُ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأخِيرُ كَلامًا مُبْتَدَأً في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والربوبية، وقُرِئَ: (يَدْعُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، و"القِطْمِيرُ" لِفافَةُ النَّواةِ، وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ.
فاطر 35:14
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهم مُتَبَرِّئُونَ مِنكُمْ، ومِمّا تَدْعُونَ لَهم فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ مِنهم في الدُّنْيا ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ: يَجْحَدُونَ بِإشَراكِكم لَهُمْ، وعِبادَتِكم إيّاهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ: لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ دُونَ سائِرِ المُخْبِرِينَ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ، ونَفْيُ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
فاطر 35:15
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في أنْفُسِكُمْ، وفِيما يَعِنُّ لَكم مِن أمْرٍ مُهِمٍّ أوْ خَطْبٍ مُلِمٍّ، وتَعْرِيفُ الفُقَراءِ لِلْمُبالَغَةِ في فَقْرِهِمْ كَأنَّهم لِكَثْرَةِ افْتِقارِهِمْ وشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ هُمُ الفُقَراءُ فَحَسْبُ، وأنَّ افْتِقارَ سائِرِ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَقْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾، ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: المُسْتَغْنِي عَلى الإطْلاقِ، المُنْعِمُ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ، المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ.
فاطر 35:16
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكُمْ، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ، أوْ بِعالَمٍ آخَرَ غَيْرِ ما تَعْرِفُونَهُ.
فاطر 35:17
﴿وَما ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإذْهابِ بِهِمْ، والإتْيانِ بِآخَرِينَ ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ ولا مُتَعَسِّرٍ.
فاطر 35:18
(p-149)﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنهُما وِزْرَها، وأما ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ مِن حَمْلِ المُضِلِّينَ أثْقالًا غَيْرَ أثْقالِهِمْ فَهو حَمْلُ أثْقالِ إضْلالِهِمْ مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وكِلاهُما أوْزارُهم لَيْسَ فِيها مِن أوْزارِ غَيْرِهِمْ شَيْءٌ ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ أثْقَلَها الأوْزارُ ﴿إلى حِمْلِها﴾ لِحَمْلِ بَعْضِ أوْزارِها ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ لَمْ تُجَبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿وَلَوْ كانَ﴾ أيِ: المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ذا قُرْبى﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقُرِئَ: (ذُو قُرْبى) وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ اخْتِيارًا، والأوَّلُ نَفْيٌ لَهُ إجْبارًا ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ: إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَهُ تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ، أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ، أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: راعَوْها كَما يَنْبَغِي، وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا، وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ ﴿وَمَن تَزَكّى﴾ أنْ تَطَهَّرَ مِن أوْضارِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذِهِ الإنْذاراتِ ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها، كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، وقُرِئَ: (مَنِ ازَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى) وهو اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِخَشْيَتِهِمْ وإقامَتِهِمُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّها مِن مُعْظَمِ مَبادِئِ التَّزَكِّي ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.
فاطر 35:19
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
فاطر 35:20
﴿وَلا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ أيْ: ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ مَعَ أفْرادِ النُّورِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الباطِلِ، واتِّحادِ الحَقِّ.
فاطر 35:21
﴿وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ أيْ: ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وإدْخالُ لا عَلى المُتَقابِلَيْنِ لِتَذْكِيرِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ، وتَوْسِيطُها بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، و"الحَرُورُ" فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ غُلِّبَ عَلى السَّمُومِ، وقِيلَ: السَّمُومُ ما يَهُبُّ نَهارًا، والحَرُورُ ما يَهُبُّ لَيْلًا.
فاطر 35:22
﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ (p-150)أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَ الفِعْلُ، وأُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ في الطَّرَفَيْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّبايُنِ بَيْنَ أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِلْعُلَماءِ والجَهَلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُسْمِعَهُ ويُوَفِّقَهُ لِفَهْمِ آياتِهِ، والِاتِّعاظِ بِعِظاتِهِ ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِالأمْواتِ، وإشْباعٌ في إقْناطِهِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ.
فاطر 35:23
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ ما عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ، وأمّا الإسْماعُ البَتَّةَ فَلَيْسَ مِن وظائِفِكَ، ولا حِيلَةَ لَكَ إلَيْهِ في المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
فاطر 35:24
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُحِقًّا أنْتَ، أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ، ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.
﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: ما مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿إلا خَلا﴾ أيْ: مَضى ﴿فِيها نَذِيرٌ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُهُمْ، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّذارَةَ قَرِينَةُ البِشارَةِ لا سِيِّما وقَدِ اقْتَرَنا آنِفًا، ولِأنَّ الإنْذارَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.
فاطر 35:25
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيْ: تَمُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ فَلا تُبالِ بِهِمْ وبِتَكْذِيِبِهِمْ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوُّتِهِمْ ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ ﴿وَبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ كالتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، والزَّبُورِ، عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ دُونَ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ.
فاطر 35:26
﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأخْذِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ لَها.
فاطر 35:27
﴿ألَمْ تَرَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، بِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والحَيَوانِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمَ ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ، والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ ﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ أيْ: أجْناسُها أوْ أصْنافُها، عَلى أنَّ كُلًّا مِنها ذُو أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ هَيْئاتُها وأشْكالُها، أوْ ألْوانُها مِنَ الصُّفْرَةِ والخُضْرَةِ والحُمْرَةِ وغَيْرِها، وهو الأوْفَقُ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ أيْ: ذُو جُدَدٍ، أيْ: خُطَطٍ وطَرائِقَ، ويُقالُ: جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ (p-151)عَلى ظَهْرِهِ.
وَقُرِئَ: (جُدُدٌ) بِالضَّمِّ جَمْعُ جَدِيدَةٍ، بِمَعْنى الجِدَّةِ، و(جَدَدٌ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الطَّرِيقُ الواضِحُ ﴿بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِيضٌ) أوْ عَلى (جُدَدٌ)، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الجِبالِ مُخَطَّطٌ ذُو جُدَدٍ، ومِنها ما هو عَلى لَوْنٍ واحِدٍ غَرابِيبَ، وهو تَأْكِيدٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَإنَّ الغِرْبِيبَ تَأْكِيدٌ لِلْأسْوَدِ، كالفاقِعِ لِلْأصْفَرِ، والقانِي لِلْأحْمَرِ، ومِن حَقِّ التَّأْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ المُؤَكَّدَ، ونَظِيرُهُ في الصِّفَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎ والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُها
وَفِي مِثْلِهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرارِ بِاعْتِبارِ الإضْمارِ والإظْهارِ.
فاطر 35:28
﴿وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أيْ: ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، أوْ وبَعْضُهم مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ عَلى ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وإيرادُ الجُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّتَيْنِ - مَعَ مُشارَكَتِهِما لِما قَبْلَهُما مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في الِاسْتِشْهادِ بِمَضْمُونِهِما عَلى تَبايُنِ النّاسِ في الأحْوالِ الباطِنَةِ - لِما أنَّ اخْتِلافَ الجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الألْوانِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
وَأمّا إخْراجُ الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا حادِثًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، ثُمَّ لَمّا كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عَلَّقَ بِهِ الرُّؤْيَةَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُنْبِئِ عَنِ الحَمْلِ عَلَيْها، والتَّرْغِيبِ فِيها بِخِلافِ أحْوالِ الجِبالِ والنّاسِ وغَيْرِهِما، فَإنَّها مُشاهَدَةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّأمُّلِ، فَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالرُّؤْيَةِ، فَتَدَبَّرْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعالى: "مُخْتَلِفٌ" أيْ: صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ المُؤَكِّدِ، تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفٌ اخْتِلافًا كائِنًا كَذَلِكَ، أيْ: كاخْتِلافِ الثِّمارِ والجِبالِ، وقُرِئَ: (ألْوانًا) وقُرِئَ: (والدَّوابَ) بِالتَّخْفِيفِ مُبالَغَةً في الهَرَبِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ. أمّا في الأوْصافِ المَعْنَوِيَّةِ فَبِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا في الأوْصافِ الصُّورِيَّةِ فَبِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اللّائِقَ بِها مِنَ البَيانِ، أيْ: إنَّما يَخْشاهُ تَعالى بِالغَيْبِ العالِمُونَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ؛ لِما أنَّ مَدارَ الخَشْيَةِ مَعْرِفَةُ المَخْشِيِّ، والعِلْمُ بِشُئُونِهِ، فَمَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى كانَ أخْشى مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما قالَ ﷺ: ﴿أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ﴾ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِذِكْرِ أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قدرته، وحَيْثُ كانَ الكَفَرَةُ بِمَعْزِلٍ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ امْتَنَعَ إنْذارُهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ الفاعِلِيَّةِ، ولَوْ أُخِّرَ انْعَكَسَ الأمْرُ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ونَصْبِ "العُلَماءُ" عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّعْظِيمِ، فَإنَّ المُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ مُعاقِبٌ لِلْمُصِرِّ عَلى طُغْيانِهِ، غَفُورٌ لِلتّائِبِ عَنْ عِصْيانِهِ.
فاطر 35:29
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ، أوْ مُتابَعَةِ ما فِيهِ حَتّى (p-152)صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى القرآن، وقِيلَ: جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ، ولَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ مُنادِيَةٌ بِاسْتِمْرارِ مَشْرُوعِيَّةِ تِلاوَتِهِ، والعَمَلِ بِما فِيهِ، واسْتِتْباعِهِما لِما سَيَأْتِي مِن تَوْفِيَةِ الأُجُورِ، وزِيادَةِ الفَضْلِ، وحَمْلُها عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ - مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا ظاهِرًا - مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، كَيْفَ لا! والمَقْصُودُ التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ، والعَمَلُ بِالقرآن النّاسِخِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ؟ فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ حَقِيقَتِها قَبْلَ انْتِساخِها، والإشْباعُ في ذِكْرِ اسْتِتْباعِها لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ مِمّا يُورِثُ الرَّغْبَةَ في تِلاوَتِها، والإقْبالِ عَلى العَمَلِ بِها، وتَخْصِيصُ التِّلاوَةِ بِما لَمْ يُنْسَخْ مِنها باطِلٌ قَطْعًا لِما أنَّ الباقِيَ مَشْرُوعًا لَيْسَ إلّا حُكْمُها لَكِنْ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ حُكْمُها بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمُ القرآن، وأمّا تِلاوَتُها فَبِمَعْزِلٍ مِنَ المَشْرُوعِيَّةِ، واسْتِتْباعِ الأجْرِ بِالمَرَّةِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما، وقِيلَ السِّرُّ في المَسْنُونَةِ والعَلانِيَةُ في المَفْرُوضَةِ ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ تَحْصِيلَ ثَوابِ الطّاعَةِ، وهو خَبَرُ "إنَّ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أيْ: لَنْ تَكْسُدَ ولَنْ تَهْلِكَ بِالخُسْرانِ أصْلًا، صِفَةٌ لِـ(تِجارَةً) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ كَسائِرِ التِّجاراتِ الدّائِرَةِ بَيْنَ الرِّبْحِ والخُسْرانِ؛ لِأنَّهُ اشْتِراءُ باقٍ بِفانٍ، والإخْبارُ بِرَجائِهِمْ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عِدَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِحُصُولِ مَرْجُوِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
فاطر 35:30
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"لَنْ تَبُورَ" عَلى مَعْنى أنَّهُ يَنْتَفِي عَنْها الكَسادُ، وتَنْفُقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِيُوَفِّيَهم أُجُورَ أعْمالِهِمْ ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَشاءُ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما عُدَّ مِن أفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ "لِيُوَفِّيَهُمْ" ... إلَخْ، وقِيلَ: بِـ"يَرْجُونَ" عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ، أيْ: غَفُورٌ لِفُرُطاتِهِمْ شَكُورٌ لِطاعاتِهِمْ، أيْ: مُجازِيهِمْ عَلَيْها، وقِيلَ: هو خَبَرُ "إنَّ الَّذِينَ"، و"يَرْجُونَ" حالٌ مِن واوِ "أنْفَقُوا".
فاطر 35:31
﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ وهو القرآن و"مِنَ" لِلتَّبْيِينِ، أوِ الجِنْسُ و"مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ و"مِنَ" لِلِابْتِداءِ ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: أُحِقُّهُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ إيّاهُ في العَقائِدِ، وأُصُولِ الأحْكامِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ وظَواهِرِها، فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحِ إلَيْكَ مِثْلَ هَذا الحَقِّ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ.
فاطر 35:32
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيْ: قَضَيْنا بِتَوْرِيثِهِ مِنكَ، أوْ نُورِثُهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَقَرُّرِهِ (p-153)وَتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: أوْرَثْناهُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، أيْ: أخَّرْناهُ عَنْهم وأعْطَيْناهُ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وهم عُلَماءُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ، ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ يَسِيرُ سِيرَتَهُمْ، أوِ الأُمَّةُ بِأسْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وجَعَلَهم ﴿أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ واخْتَصَّهم بِكَرامَةِ الِانْتِماءِ إلى أفْضَلِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ وِراثَةِ الكِتابِ مُراعاتُهُ حَقَّ رِعايَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ ... الآيَةَ، ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ بِهِ، وهو المُرْجَأُ لِأمْرِ اللَّهِ ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ يَعْمَلُ بِهِ في أغْلَبِ الأوْقاتِ، ولا يَخْلُو مِن خَلْطِ السَّيِّئِ ﴿وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: هُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقِيلَ: هُمُ المُداوِمُونَ عَلى إقامَةِ مَواجِبِهِ عِلْمًا وعَمَلًا وتَعْلِيمًا، وفي قَوْلِهِ: "بِإذْنِ اللَّهِ" - أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ - تَنْبِيةٌ عَلى عِزَّةِ مَنالِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وصُعُوبَةِ مَأْخَذِها. وقِيلَ: الظّالِمُ الجاهِلُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والسّابِقُ العالِمُ. وقِيلَ: الظّالِمُ المُجْرِمُ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي خَلَطَ الصّالِحَ بِالسَّيِّئِ، والسّابِقُ الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ بِحَيْثُ صارَتْ سَيِّئاتُهُ مُكَفِّرَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: « "وَأمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَأُولَئِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ، ثُمَّ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ".»
وَقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ - وهو عَلى المِنبَرِ - قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ».»
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى السَّبْقِ بِالخَيْراتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُنالُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى.
فاطر 35:33
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿ (الفَضْلُ الكَبِيرُ)﴾ بِتَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَدْخُلُونَها﴾ وعَلى الأوَّلِ هو مُسْتَأْنَفٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسّابِقِ الجِنْسُ، وتَخْصِيصُ حالِ السّابِقِينَ ومَآلِهِمْ بِالذِّكْرِ، والسُّكُوتُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ - وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى حِرْمانِهِما مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مُطْلَقًا - لَكِنَّ فِيهِ تَحْذِيرًا لَهُما مِنَ التَّقْصِيرِ، وتَحْرِيضًا عَلى السَّعْيِ في إدْراكِ شَأْنِ السّابِقِينَ.
وَقُرِئَ: (جَنّاتِ عَدْنٍ) و (جَنَّةَ عَدْنٍ) عَلى النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ: (يُدْخَلُونَها) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقُرِئَ: (يَحْلُونَ) مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ ﴿مِن أساوِرَ﴾ هي جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعِ سِوارٍ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ (مِن) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، أيْ: يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ كَأنَّهُ أفْضَلُ مِن سائِرِ أفْرادِها ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (مِن أساوِرَ) وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (ذَهَبٍ) أيْ: مِن ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ، أوْ مِن ذَهَبٍ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ الحَجِّ.
فاطر 35:34
﴿وَقالُوا﴾ أيْ: يَقُولُونَ، وصِيغَةَ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ وهو ما أهَمَّهم مِن خَوْفِ سُوءِ العاقِبَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: حَزَنَ الأعْراضِ والآفاتِ، وعَنْهُ: حَزَنَ المَوْتِ.
وَعَنِ الضَّحّاكِ: الحَزَنُ وسُوسَةُ إبْلِيسَ.
وَقِيلَ: هَمُّ المَعاشِ.
وَقِيلَ: حَزَنَ (p-154)زَوالِ النِّعَمِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقُرِئَ: (الحُزْنَ).
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "لَيْسَ عَلى أهْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ، ولا في مَحْشَرِهِمْ، ولا في مَسِيرِهِمْ، وكَأنِّي بِأهْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) يُخْرَجُونَ مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ وُجُوهِهِمْ، ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ".» ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ أيْ: لِلْمُذْنِبِينَ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.
فاطر 35:35
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيْ: دارَ الإقامَةِ الَّتِي لا انْتِقالَ عَنْها أبَدًا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن إنْعامِهِ وتَفَضُّلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ شَيْءٌ مِن قِبَلِنا ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ كَلالٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ النَّصَبَ نَفْسُ المَشَقَّةِ والكُلْفَةِ، واللُّغُوبَ ما يَحْدُثُ مِنهُ مِنَ الفُتُورِ، والتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الثّانِي - مَعَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الأوَّلِ لَهُ - وتَكْرِيرُ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ كُلِّ مِنهُما.
فاطر 35:36
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ويَسْتَرِيحُوا، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ (أنْ) وقُرِئَ: (فَيَمُوتُونَ) عَطْفًا عَلى (يُقْضى)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾، ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ، أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءً أخَفَّ وأدْنى مِنهُ. وقُرِئَ: (يُجْزى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ، وقُرِئَ: (يُجازى).
فاطر 35:37
﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ يَسْتَغِيثُونَ، والِاصْطِراخُ افْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِغاثَةِ لِجَهْدِ المُسْتَغِيثِ صَوْتَهُ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ، والِاعْتِرافِ بِهِ، والإشْعارِ بِأنَّ اسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ، وأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَهُ صالِحًا، والآنَ تَبَيَّنَ خِلافُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَوْبِيخٌ لَهُمْ، و"الهَمْزَةُ" لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، و"الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، و"ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: ألَمْ نُمْهِلْكُمْ، أوْ ألَمْ نُؤَخِّرْكم ولَمْ نُعَمِّرْكم عُمُرًا (يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ) أيْ: يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُتَذَكِّرُ مِنَ التَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ، قِيلَ: هو أرْبَعُونَ سَنَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -سِتُّونَ سَنَةً، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو العُمُرُ الَّذِي أعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلى ابْنِ آدَمَ.
قالَ ﷺ: ««أعْذَرَ اللَّهُ إلى امْرِئٍ أخَّرَ أجَلَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً».»
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى قَدْ عَمَّرْناكُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا﴾ ... إلَخْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: قَدْ شَرَّحَنا ... إلَخْ، والمُرادُ بِالنَّذِيرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ ما مَعَهُ مِنَ القرآن، وقِيلَ: العَقْلُ، وقِيلَ: الشَّيْبُ، وقِيلَ: مَوْتُ الأقارِبِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ النَّذِيرِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي (p-155)يَقْتَضِيهِ المَقامُ، و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّعْمِيرِ، ومَجِيءِ النَّذِيرِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ.
فاطر 35:38
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِالإضافَةِ، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ (غَيْبِ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ فِيهِما فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أحْوالُهم ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ مُضْمِراتِ الصُّدُورِ - وهي أخْفى ما يَكُونُ - كانَ أعْلَمَ بِغَيْرِها.
فاطر 35:39
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ يُقالُ لِلْمُسْتَخْلَفِ خَلِيفَةٌ، والأوَّلُ يُجْمَعُ خَلائِفَ، والثّانِي خُلَفاءَ. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَكم خُلَفاءَهُ في أرْضِهِ، وألْقى إلَيْكم مَقالِيدَ التَّصَرُّفِ فِيها، وسَلَّطَكم عَلى ما فِيها، وأباحَ لَكم مَنافِعَها، أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ، وأوْرَثَكم ما بِأيْدِيهِمْ مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ مِنكم مِثْلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ السَّنِيَّةِ وغَمَطَها ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ بَيانٌ لِوَبالِ الكُفْرِ وغائِلَتِهِ، وهو مَقْتُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمْ، أيْ: بُغْضُهُ الشَّدِيدُ الَّذِي لَيْسَ وراءَهُ خِزْيٌ وصَغارٌ، وخَسارُ الآخِرَةِ الَّذِي ما بَعْدَهُ شَرٌّ وخَسارٌ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اقْتِضاءِ الكُفْرِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الهائِلَيْنِ القَبِيحَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ والأصالَةِ.
فاطر 35:40
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أُصِّلَ، وقِيلَ: جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ، ويَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (أرَأيْتُمْ) كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ: أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ لِيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ شَرِكَةً في الأُلُوهِيَّةِ ذاتِيَّةً ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ يَنْطِقُ بِأنّا اتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ: حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً جَعْلِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (آتَيْناهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ ... إلَخْ، وقُرِئَ: (عَلى بَيِّناتٍ) وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الشِّرْكَ أمْرٌ خَطِيرٌ لا بُدَّ في إثْباتِهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ ﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ لَمّا نَفى أنْواعَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلَيْهِ، وهو تَغْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ، وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقْرِيبِ إلَيْهِ.
فاطر 35:41
(p-156)﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ غايَةِ قُبْحِ الشِّرْكِ وهو لَهُ، أيْ: يُمْسِكُها كَراهَةَ زَوالِهِما، أوْ يَمْنَعُهُما أنْ تَزُولا؛ لِأنَّ الإمْساكَ مَنعٌ ﴿وَلَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ: ما أمْسَكَهُما ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ تَعالى، أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ غَيْرَ مُعاجِلٍ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُها جِناياتُهم حَيْثُ أمْسَكَهُما، وكانَتا جَدِيرَتَيْنِ بِأنْ تُهَدّا هَدًّا حَسْبَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ وقُرِئَ: (وَلَوْ زالَتا).
فاطر 35:42
﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ بَلَغَ قُرَيْشًا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَقالُوا: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى، أتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهُمْ، فَواللَّهِ لَئِنْ أتانا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي يُقالُ لَها إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها في الهُدى والِاسْتِقامَةِ ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ - وأيُّ نَذِيرٍ - أشْرَفُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ما زادَهُمْ﴾ أيِ: النَّذِيرُ أوْ مُجِيئَةُ ﴿إلا نُفُورًا﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ.
فاطر 35:43
﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن (نُفُورًا) أوْ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أصْلُهُ: وإنْ مَكَرُوا السَّيِّئَ، أيِ: المَكْرَ السَّيِّئَ، ثُمَّ ومَكْرَ السَّيِّئِ، ثُمَّ ومَكْرَ السَّيِّئِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ، ولَعَلَّهُ اخْتِلاسٌ ظُنَّ سُكُوتًا أوْ وقْفَةٌ خَفِيفَةٌ، وقُرِئَ: (مَكْرًا سَيِّئًا) ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ بِأنْ يَضَعَ مَوْضِعَ العَذابِ غَيْرَ العَذابِ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ بِأنْ يَنْقُلَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ.
وَ"الفاءُ" لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُهُ الحُكْمُ بِانْتِظارِهِمُ العَذابَ مِن مَجِيئِهِ، ونَفْيُ وِجْدانِ التَّبْدِيلِ والتَّحْوِيلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ وُجُودِهِما بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيٍ مُسْتَقِلٍّ لِتَأْكِيدِ انْتِفائِهِما.
فاطر 35:44
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن جَرَيانِ سُنَّتِهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِما يُشاهِدُونَهُ (p-157)فِي مَسايِرِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ مِن آثارِ دَمارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ العاتِيَةِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ، أيْ: أقَعَدُوا في مَساكِنِهِمْ، و"لَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" ﴿وَكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ وأطْوَلَ أعْمارًا فَما نَفَعَهم طُولُ المَدى، وما أغْنى عَنْهم شِدَّةُ القُوى، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لِيَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ مِنِ اسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أيْ: مُبالِغًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، ولِذَلِكَ عَلِمَ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ فَعاقَبَهم بِمُوجِبِها تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ.
فاطر 35:45
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ جَمِيعًا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ كَما فُعِلَ بِأُولَئِكَ ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ أيْ: عَلى ظَهْرِ الأرْضِ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ مِن نَسَمَةٍ تَدُبُّ عَلَيْها مِن بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: ومِن غَيْرِهِمْ أيْضًا، مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ويُعَضِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ فَيُجازِيهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ المَلائِكَةِ دَعَتْهُ ثَمانِيَةُ أبْوابِ الجَنَّةِ أنِ ادْخُلْ مِن أيِّ بابٍ شِئْتَ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.