Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — القارعة 101:1 – الناس 114:6

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. القارعة 101:1
  2. القارعة 101:2
  3. القارعة 101:3
  4. القارعة 101:4
  5. القارعة 101:5
  6. القارعة 101:6
  7. القارعة 101:7
  8. القارعة 101:8
  9. القارعة 101:9
  10. القارعة 101:10
  11. القارعة 101:11
  12. التكاثر 102:1
  13. التكاثر 102:2
  14. التكاثر 102:3
  15. التكاثر 102:4
  16. التكاثر 102:5
  17. التكاثر 102:6
  18. التكاثر 102:7
  19. التكاثر 102:8
  20. العصر 103:1
  21. العصر 103:2
  22. العصر 103:3
  23. الهمزة 104:1
  24. الهمزة 104:2
  25. الهمزة 104:3
  26. الهمزة 104:4
  27. الهمزة 104:5
  28. الهمزة 104:6
  29. الهمزة 104:7
  30. الهمزة 104:8
  31. الهمزة 104:9
  32. الفيل 105:1
  33. الفيل 105:2
  34. الفيل 105:3
  35. الفيل 105:4
  36. الفيل 105:5
  37. قريش 106:1
  38. قريش 106:2
  39. قريش 106:3
  40. قريش 106:4
  41. الماعون 107:1
  42. الماعون 107:2
  43. الماعون 107:3
  44. الماعون 107:4
  45. الماعون 107:5
  46. الماعون 107:6
  47. الماعون 107:7
  48. الكوثر 108:1
  49. الكوثر 108:2
  50. الكوثر 108:3
  51. الكافرون 109:1
  52. الكافرون 109:2
  53. الكافرون 109:3
  54. الكافرون 109:4
  55. الكافرون 109:5
  56. الكافرون 109:6
  57. النصر 110:1
  58. النصر 110:2
  59. النصر 110:3
  60. المسد 111:1
  61. المسد 111:2
  62. المسد 111:3
  63. المسد 111:4
  64. المسد 111:5
  65. الإخلاص 112:1
  66. الإخلاص 112:2
  67. الإخلاص 112:3
  68. الإخلاص 112:4
  69. الفلق 113:1
  70. الفلق 113:2
  71. الفلق 113:3
  72. الفلق 113:4
  73. الفلق 113:5
  74. الناس 114:1
  75. الناس 114:2
  76. الناس 114:3
  77. الناس 114:4
  78. الناس 114:5
  79. الناس 114:6

القارعة 101:1

سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ ﴿القارِعَةُ﴾ القَرْعُ: هو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ واعْتِمادٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وهي القِيامَةُ الَّتِي مَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى، ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ كَما مَرَّ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ والأسْماعَ بِفُنُونِ الأفْزاعِ والأهْوالِ، وتُخْرِجُ جَمِيعَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ، السَّماءَ بِالأنْشِقاقِ والأنْفِطارِ، والشَّمْسَ والنُّجُومَ بِالتَّكْوِيرِ والأنْكِدارِ والأنْتِشارِ، والأرْضَ بِالزِّلْزالِ والتَّبْدِيلِ، والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: *

القارعة 101:2

﴿ما القارِعَةُ﴾ عَلى أنَّ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ و"القارِعَةُ" مُبْتَدَأٌ لا بِالعَكْسِ، لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ هو الخَبَرُ لا المُبْتَدَأُ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَدارَ إفادَةِ الهَوْلِ والفَخامَةِ هَهُنا هو كَلِمَةُ "ما القارِعَةُ" أيُّ شَيْءٍ عَجِيبٍ هي في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، وقَدْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَأْكِيدًا لِلتَّهْوِيلِ.

القارعة 101:3

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِها وفَظاعَتِها بِبَيانِ خُرُوجِها عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ عَلى مَعْنى أنَّ عِظَمَ شَأْنِها بِحَيْثُ لا تَكادُ (p-193)تَنالُهُ دِرايَةُ أحَدٍ حَتّى يُدْرِيَكَ بَها، و"ما" في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ و"أدْراكَ" هو الخَبَرُ، ولا سَبِيلَ إلى العَكْسِ هاهُنا و"ما القارِعَةُ" جُمْلَةٌ كَما مَرَّ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ فَلَمّا وقَعَتِ الجُمْلَةُ الاسْتِفْهامِيَّةُ مُعَلَّقَةً لَهُ؛ كانَتْ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ، والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ؟ ولَمّا كانَ هَذا مُنْبِئًا عَنِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِإعْلامِها أنْجَزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: *

القارعة 101:4

﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ عَلى أنَّ "يَوْمَ" مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وحَرَكَتُهُ الفَتْحُ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُضارِعًا كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: هي يَوْمٌ يَكُونُ النّاسُ فِيهِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ في الكَثْرَةِ والأنْتِشارِ، والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والاضْطِرابِ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي كَتَطايُرِ الفَراشِ إلى النّارِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اذْكُرْ" كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ القارِعَةُ وتَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَعْرِفَتِها: اذْكُرْ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ...إلَخْ، فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هي هَذا، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ ناصِبُهُ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ أيْ: تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ...إلَخْ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ ...إلَخْ.

القارعة 101:5

﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ المَندُوفِ في تَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ وكِلا الأمْرَيْنِ مِن آثارِ القارِعَةِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ، يُبَدِّلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الأرْضَ مِن غَيْرِ الأرْضِ ويُغَيِّرُ هَيْئاتِها، ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَنْ مَقارِّها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الهَيْئاتِ الهائِلَةِ لِيُشاهِدَها أهْلُ المَحْشَرِ، وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، لَكِنَّ تَسْيِيرَها وتَسْوِيَةَ الأرْضِ إنَّما يَكُونانِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُرُوزُ الخَلْقِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَعْثِ قَطْعًا، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في سُورَةِ النَّمْلِ.

القارعة 101:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِتَحَزُّبِ النّاسِ إلى حِزْبَيْنِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِكُلٍّ مِنهُما إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ، والمَوازِينُ: إمّا جَمْعُ المَوْزُونِ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ كَما قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ جَمْعُ مِيزانٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ، لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ، قالُوا: تُوضَعُ فِيهِ صَحائِفُ الأعْمالِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا (p-194)لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ، وقِيلَ: الوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، قالُوا: إنَّ المِيزانَ لا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلّا إلى مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الأجْسامِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُعْرَفَ بِهِ مَقادِيرُ الأعْمالِ الَّتِي هي أعْراضٌ مُنْقَضِيَةٌ؟! وقِيلَ: إنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ يُؤْتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى صُوَرٍ حَسَنَةٍ، وبِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى صُوَرٍ قَبِيحَةٍ، فَتُوضَعُ في المِيزانِ أيْ: فَمَن تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ حَسَناتِهِ.

القارعة 101:7

﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: ذاتُ رِضا أوْ مَرْضِيَّةٍ.

القارعة 101:8

﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها، أوْ تَرَجَّحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ.

القارعة 101:9

﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ. ﴿هاوِيَةٌ﴾ هي مِن أسْماءِ النّارِ، سُمِّيَتْ بِها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ: إنَّها اسْمٌ لِلْبابِ الأسْفَلِ مِنها، وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِاللّامِ؛ لِأنَّ أهْلَها يَأْوُونَ إلَيْها كَما يَأْوِي الوَلَدُ إلى أُمِّهِ، وعَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:

القارعة 101:10

﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، و"هِيَ" ضَمِيرُ الهاوِيَةِ، والهاءُ لِلسَّكْتِ وإذا وصَلَ القارئُ حَذَفَها، وقِيلَ: حَقُّهُ أنْ لا يُدْرَجَ لِئَلّا يُسْقِطَها الإدْراجُ، لِأنَّها ثابِتَةٌ في المُصْحَفِ، وقَدْ أُجِيزَ إثْباتُها مَعَ الوَصْلِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".»

القارعة 101:11

﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، و"هِيَ" ضَمِيرُ الهاوِيَةِ، والهاءُ لِلسَّكْتِ وإذا وصَلَ القارئُ حَذَفَها، وقِيلَ: حَقُّهُ أنْ لا يُدْرَجَ لِئَلّا يُسْقِطَها الإدْراجُ، لِأنَّها ثابِتَةٌ في المُصْحَفِ، وقَدْ أُجِيزَ إثْباتُها مَعَ الوَصْلِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".»

التكاثر 102:1

(p-195)سُورَةُ التَّكاثُرِ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانٍ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أىْ شَغَلَكُمُ التَّغالُبُ في الكَثْرَةِ والتَّفاخُرُ بَها. رُوِيَ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا وتَعادُّوا وتَكاثَرُوا بِالسّادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ فَقالَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: نَحْنُ أكْثَرُ مِنكم سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ فَقالَ بَنُو سَهْمٍ: إنَّ البَغْيَ أفْنانا في الجاهِلِيَّةِ فَعادُّونا بِالأحْياءِ والأمْواتِ فَكَثَرَهم بَنُو سَهْمٍ، والمَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ.

التكاثر 102:2

﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ: حَتّى إذا اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم صِرْتُمْ إلى التَّفاخُمِ والتَّكاثُرِ بِالأمْواتِ فَعَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ القُبُورِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ فَيَقُولُونَ: هَذا قَبْرُ فُلانٍ وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ إلى أنْ مُتُّمْ وقُبِرْتُمْ مُضَيِّعِينَ أعْمارَكم في طَلَبِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَمّا يُهِمُّكم مِنَ السَّعْيِ لِأُخْراكم فَتَكُونُ زِيارَةُ القُبُورِ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ، وقُرِئَ "أألْهاكُمْ" عَلى الاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ.

التكاثر 102:3

"كَلاَّ" رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ مُعْظَمُ هَمِّهِ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ وخَيْمَةٌ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ مَغَبَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ عاقِبَتَهُ.

التكاثر 102:4

﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِي أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ والثّانِي عِنْدَ النُّشُورِ.

التكاثر 102:5

﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَ أيْدِيكم عِلْمَ الأمْرِ اليَقِينِ أيْ: كَعِلْمِكم ما تَسْتَيْقِنُونَهُ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوصَفُ ولا يُكْتَنَهُ، فَحَذَفَ الجَوابَ لِلتَّهْوِيلِ.

التكاثر 102:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ جَوابُ (p-196) قَسَمٍ مُضْمَرٍ أُكِّدَ بِهِ لَهُ الوَعِيدُ وشُدِّدَ بِهِ التَّهْدِيدُ، وأُوضِحَ بِهِ ما أُنْذَرُوُهُ بَعْدَ إبْهامِهِ تَفْخِيمًا.

التكاثر 102:7

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيِ: الرُّؤْيَةُ الَّتِي هي النَّفْسُ اليَقِينِ، فَإنَّ عِلْمَ المُشاهِدَةِ أقْصى مَراتِبِ اليَقِينِ.

التكاثر 102:8

﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي ألْهاكُمُ الألْتِذاذُ عَنِ الدِّينِ وتَكالِيفِهِ، فَإنَّ الخِطابَ مَخْصُوصٌ بِمَن عَكَفَ هِمَّتَهُ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ ولَمْ يَعِشْ إلّا لِيَأْكُلَ الطَّيِّبَ ويَلْبَسَ اللَّيِّنَ، ويَقْطَعَ أوْقاتَهُ بِاللَّهْوِ والطَّرَبِ لا يَعْبَأُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ولا يُحَمِّلُ نَفْسَهُ مَشاقَّهُما، فَأمّا مَن تَمَتَّعَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَقَوّى بَها عَلى طاعَتِهِ، وكانَ ناهِضًا بِالشُّكْرِ فَهو مِن ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّكاثُرِ لَمْ يُحاسِبْهُ اللَّهُ تَعالى بِالنَّعِيمِ الَّذِي أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ ألْفَ آيَةٍ".»

العصر 103:1

(p-197)سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ ﴿والعَصْرِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها الباهِرِ أوْ بِالعَشِيِّ الذَّيِ هو ما بَيْنَ الزَّوالِ والغُرُوبِ، كَما أقْسَمَ بِالضُّحى أوْ بِعَصْرِ النُّبُوَّةِ؛ لِظُهُورِ فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأعْصارِ، أوْ بِالدَّهْرِ لِانْطِوائِهِ عَلى تَعاجِيبِ الأُمُورِ القارَّةِ والمارَّةِ.

العصر 103:2

﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ أيْ: خُسْرانٌ في مَتاجِرِهِمْ ومَساعِيهِمْ، وصَرْفِ أعْمارِهِمْ في مَباغِيهِمْ، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

العصر 103:3

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهُمُ في تِجارَةٍ لَنْ تَبُورَ حَيْثُ باعُوا الفانِيَ الخَسِيسَ واشْتَرَوْا الباقِيَ النَّفِيسَ، واسْتَبْدَلُوا الباقِياتِ الصّالِحاتِ بِالغادِياتِ الرّائِحاتِ، فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ ما أرْبَحَها! وهَذا بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ لِغَيْرِهِمْ أيْ: وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ، ولا زَوالَ في الدّارَيْنِ لِمَحاسِنِ آثارِهِ، وهو الخَيْرُ كُلُّهُ مِنَ الإيمان باللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واتِّباعِ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ في كُلِّ عَقْدٍ وعَمَلٍ ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي الَّتِي تَشْتاقُ إلَيْها النَّفْسُ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، وعَلى الطّاعاتِ الَّتِي يَشُقُّ عَلْيَها أداؤُها، أوْ عَلى ما يَبْلُو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ عِبادَهُ، وتَخْصِيصُ هَذا التَّواصِي بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التَّواصِي بِالحَقِّ؛ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّ الأوَّلَ عِبارَةٌ عَنْ رُتْبَةِ العِبادَةِ الَّتِي هي فِعْلُ ما يَرْضى بِهِ اللَّهُ تَعالى، والثّانِي عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ الَّتِي هي الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ المُرادَ بِالصَّبْرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَبْسِ النَّفْسِ عَمّا تَتَشَوَّقُ إلَيْهِ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ؛ بَلْ هو تَلَقِّي ما ورَدَ مِنهُ تَعالى بِالجَمِيلِ والرِّضا بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ العَصْرِ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، وكانَ مِمَّنْ تَواصى بِالحَقِّ وتَواصى بِالصَّبْرِ".»

الهمزة 104:1

(p-198)سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ ﴿وَيْلٌ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ وساغَ الأبْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلَكَةِ أوْ بِشِدَّةِ الشَّرِّ، والهَمْزُ: الكَسْرُ كالهَزْمِ، واللَّمْزُ الطَّعْنُ كاللَّهْزِ، شاعا في الكَسْرِ مِن أعْراضِ النّاسِ والطَّعْنِ فِيهِمْ وبِناءُ فُعَلَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنهُ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ قَدْ ضَرى بَها، وكَذَلِكَ اللُّعَنَةُ والضُّحَكَةُ، وقُرِئَ "لِكُلِّ هُمْزَةٍ لُمْزَةٍ" بِسُكُونِ المِيمِ وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ فَيُضْحَكُ مِنهُ ويُسْتَهْزَأُ بِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، فَإنَّهُ كانَ ضارِيًا بِالغِيبَةِ والوَقِيعَةِ. وقِيلَ: في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ واغْتِيابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَضِّهِ مِن جَنابِهِ الرَّفِيعِ، واخْتِصاصُ السَّبَبِ لا يَسْتَدْعِي خُصُوصَ الوَعِيدِ بِهِمِ؛ بَلْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمُ القَبِيحِ فَلَهُ ذُنُوبٌ مِنهُ مِثْلُ ذُنُوبِهِمْ.

الهمزة 104:2

﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ بَدَلٌ مِن "كُلِّ" أوْ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ، وقُرِئَ "جَمَّعَ" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وتَنْكِيرُ "مالأ" لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ المُوافِقِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ . وقِيلَ: مَعْنى عَدَّدَهُ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِنَوائِبِ الدَّهْرِ، وقُرِئَ "وَعَدَدَهُ" أيْ: جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، أوْ جَمَعَ مالَهُ وعَدَّدَهُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ ذُو عُدَدٍ وعَدَدٍ، إذا كانَ لَهُ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الأنْصارِ والأعْوانِ، وقِيلَ: هو فِعْلٌ ماضٍ بِفَكِّ الإدْغامِ.

الهمزة 104:3

﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أيْ: يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يُبْقِيهِ حَيًّا، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. وقِيلَ: طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيِّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، وقِيلَ: هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا وأنَّهُ هو الَّذِي أخْلَدَ صاحِبَهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأمّا المالُ فَلَيْسَ بِخالِدٍ ولا بِمُخَلِّدٍ، ورُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ كانَ لَهُ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "جَمَعَ".

الهمزة 104:4

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهُ عَنْ (p-199) ذَلِكَ الحُسْبانِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعِلَّةِ الرَّدْعِ أيْ: واللَّهِ لِيُطْرَحَنَّ بِسَبَبِ تَعاطِيِهِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ. ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ أيْ: في النّارِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُحَطِّمَ وتَكْسِرَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها كَما أنَّ شَأْنَهُ كَسْرُ أعْراضِ النّاسِ وجَمْعُ المالِ.

الهمزة 104:5

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِبَيانِ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَنالُها عُقُولُ الخَلْقِ.

الهمزة 104:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِشَأْنِ المَسْءولِ عَنْها، أيْ: هي نارُ اللَّهِ. المُوقَدَة بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وفي إضافَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ ووَصْفِها بِالإيقادِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

الهمزة 104:7

﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَعْلُو أوْساطَ القُلُوبِ وتَغْشاها، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الفُؤادَ ألْطَفُ ما في الجَسَدِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى أذى يَمَسُّهُ، أوْ لِأنَّهُ مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والنِّيّاتِ الخَبِيثَةِ ومَنشَأُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.

الهمزة 104:8

﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ: مُطْبَقَةٌ مِن أوْصَدْتُ البابَ وأصَدْتُهُ أيْ: أطْبَقْتُهُ.

الهمزة 104:9

﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "عَلَيْهِمْ" أيْ: كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أيْ: مُوثَقِينَ فِيها مِثْلَ المَقاطِرِ الَّتِي تُقَطَّرُ فِيها اللُّصُوصُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أيْ: هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ"مُؤْصَدَةٌ" قالَهُ أبُو البَقاءِ أيْ: كائِنَةٌ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ بِأنْ تُؤْصَدَ عَلَيْهِمُ الأبْوابُ وتُمَدَّدَ عَلى الأبْوابِ العَمَدُ اسْتِيثاقًا في اسْتِيثاقٍ، اللَّهُمَّ أجِرْنا مِنها يا خَيْرَ مُسْتَجارٍ، وقُرِئَ "عُمُدٍ" بِضَمَّتَيْنِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الهُمَزَةِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَنِ اسْتَهْزَأ بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ".»

الفيل 105:1

(p-200)سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْكارِ عَدَمِها، و"كَيْفَ" مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا رَصِينًا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ والعَيانِ بِاسْتِماعِ الأخْبارِ المُتَواتِرَةِ ومُعايَنَةِ الآثارِ الظّاهِرَةِ، وتَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ بِكَيْفِيَّةِ فِعْلِهِ عَزَّ وجَلَّ لا بِنَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ ...إلَخْ، لِتَهْوِيلِ الحادِثَةِ والإيذانِ بِوُقُوعِها عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ وهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ دالَّةٍ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عَلَمِهِ وحِكْمَتِهِ، وعِزَّةِ بَيْتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ ﷺ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الإرْهاصاتِ لِما رُوِيَ أنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ، وتَفْصِيلُها أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّبّاحِ الأشْرَمَ مَلِكَ اليَمَنِ مِن قِبَلِ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ بَنى بِصَنْعاءَ كَنِيسَةً وسَمّاها القُلَّيْسَ، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْها الحاجَّ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةً فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ. وقِيلَ: أجَّجَتْ رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ نارًا فَحَمَلَتْها الرِّيحُ فَأحْرَقَتْها فَحَلَفَ لَيَهُدَّ الكَعْبَةَ، فَخَرَجَ مَعَ جَيْشِهِ ومَعَهُ فِيلٌ لَهُ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وكانَ قَوِيًّا عَظِيمًا واثْنا عَشَرَ فِيلًا غَيْرَهُ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، وقِيلَ: ألْفٌ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ وحْدَهُ، فَلَمّا بَلَغَ المُغَمَّسَ خَرَجَ إلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعَرَضَ عَلَيْهِ ثُلْثَ أمْوالِ تِهامَةَ لِيَرْجِعَ، فَأبى وعَبَّأ جَيْشَهُ وقَدَّمَ الفِيلَ، فَكانَ كُلَّما وجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ بَرَكَ ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ أوْ إلى غَيْرِهِ مِنَ الجِهاتِ هَرْوَلَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا سُودًا، وقِيلَ: خُضْرًا، وقِيلَ بِيضًا، مَعَ كُلِّ طائِرٍ حَجَرٌ في مِنقارِهِ وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَكانَ الحَجَرُ يُلْقى عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ وعَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن يَقَعُ عَلَيْهِ، فَفَرُّوا فَهَلَكُوا في كُلِّ طَرِيقٍ ومَنهَلٍ، ورُوِيَ أنَّ أبَرْهَةَ تَساقَطَتْ أنامِلُهُ وآرابُهُ وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ وزِيرُهُ أبُو يَكْسُومَ وطائِرٌ يُحَلِّقُ فَوْقَهُ حَتّى بَلَغَ النَّجاشِيَّ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَلَمّا أتَمَّها وقَعَ عَلَيْهِ الحَجَرُ فَخَرَّ مَيِّتًا بَيْنَ يَدْيِهِ، وقِيلَ: إنَّ أبْرَهَةَ أخَذَ لِعَبْدِ المُطَّلَبِ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَخَرَجَ إلَيْهِ في شَأْنِها، فَلَمّا رَآهُ أبَرْهَةُ عَظُمَ في عَيْنِهِ، وكانَ رَجُلًا وسِيمًا جَسِيمًا، وقِيلَ: هَذا سَيِّدُ قُرَيْشٍ وصاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ الَّذِي يُطْعِمُ النّاسَ في السَّهْلِ والوُحُوشَ في رُءوسِ الجِبالِ، فَنَزَلَ أبَرْهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ وجَلَسَ عَلى بِساطِهِ، وقِيلَ: أجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى سَرِيرِهِ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ؟ فَلَمّا ذَكَرَ حاجَتَهُ قالَ: سَقَطْتَ مِن عَيْنِي حَيْثُ جِئْتُ لِأهْدِمَ البَيْتَ الَّذِي هو دِينُكَ ودِينُ (p-201)آبائِكَ، وعِصْمَتُكم وشَرَفُكم في قَدِيمِ الدَّهْرِ لا تُكَلِّمْنِي فِيهِ، ألْهاكَ عَنْهُ ذَوْدٌ أُخِذَتْ لَكَ! فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ الإبِلِ، وإنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا يَحْمِيهِ ثُمَّ رَجَعَ وأتى بابَ الكَعْبَةِ فَأخَذَ بِحَلْقَتِهِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فالتَفَتَ وهو يَدْعُو فَإذا هو بِطَيْرٍ مِن نَحْوِ اليَمَنِ فَقالَ: واللَّهِ إنَّها لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ ما هي نَجْدِيَّةٌ ولا تِهامِيَّةٌ، فَأرْسَلَ حَلْقَةَ البابِ ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَ أصْحابِهِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يَفْعَلُ أبَرْهَةُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الطَّيْرَ فَكانَ ما كانَ. وقِيلَ: كانَ أبْرَهَةُ جَدَّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ، وقُرِئَ "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الرّاءِ لِلْجِدِّ في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ.

الفيل 105:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ إجْمالِيٌ لِما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ كَما سَبَقَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ الاسْتِفْهامِيَّةِ ما بَعْدَها، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جَعَلَ كَيْدَهم في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ بِأنْ دَمَّرَهم أشْنَعَ تَدْمِيرٍ.

الفيل 105:3

﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ أيْ: طَوائِفَ وجَماعاتٍ جَمْعُ "إبالَةٍ" وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ شُبِّهَتْ بَها الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في تَضامِّها. وقِيلَ: أبابِيلَ مِثْلُ "عَبابِيدَ" و"شَماطِيطَ" لا واحِدَ لَها.

الفيل 105:4

﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ﴾ صِفَةٌ لِـ"طَيْرًا"، وقُرِئَ "يَرْمِيهِمْ" بِالتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ اسْمُ جَمْعِ تَأْنِيثِهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ مُعَرَّبٌ سَنْكَ كِلْ. وقِيلَ: كَأنَّهُ عَلَمٌ لِلدِّيوانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذابُ الكُفّارِ كَما أنَّ سِجِّينًا عَلَمٌ لِلدِّيوانِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أعْمالُهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ بِحِجارَةٍ مِن جُمْلَةِ العَذابِ المَكْتُوبِ المُدَوَّنِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسْجالِ وهو الإرْسالُ.

الفيل 105:5

﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ كَوَرَقِ زَرْعِ فِيهِ الأكّالُ وهو أنْ يَأْكُلُهُ الدُّودُ أوْ أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ صِفْرًا مِنهُ، أوْ كَتِبْنٍ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتْهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِأوَّلِ أحْوالِهِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الفِيلِ أعْفاهُ اللَّهُ تَعالى أيّامَ حَياتِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ".» واللَّهُ أعْلَمُ.

قريش 106:1

(p-202)سُورَةُ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ وآيُها أرْبَعٌ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِن إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ ...إلَخْ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أُعْجِبُوا لِإيلافِ ...إلَخْ، وقِيلَ: بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ فَلا فَصْلَ، والمَعْنى: أهْلَكَ مَن قَصَدَهم مِنَ الحَبَشَةِ لِيَتَسامَعَ النّاسُ فَيُتَهَيَّبُوا لَهم زِيادَةَ تَهَيُّبٍ ويُحْتَرَمُونَ فَضْلَ احْتِرامٍ حَتّى يُنْتَظَمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتَيْهِمْ فَلا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، وكانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ يَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وفي الصَّيْفِ إلى الشّامِ، فَيَتَمارَوْنَ ويَتَّجِرُونَ وكانُوا في رِحْلَتَيْهِمْ آمِنِينَ لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ووُلاةُ بَيْتِهِ العَزِيزِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم والنّاسُ بَيْنَ مُتَخَطَّفٍ ومَنهُوبٍ، والإيلافُ: مِن قَوْلِكَ: آلَفْتُ المَكانَ إيلافًا إذا ألِفْتَهُ، وقُرِئَ "لِإلافِ قُرَيْشٍ" أيْ: لِمُؤالَفَتِهِمْ، وقِيلَ: يُقالُ: ألِفْتُهُ إلْفًا وإلافًا، وقُرِئَ "لِإلْفِ قُرَيْشٍ" و"قُرَيْشٌ": ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ سُمُّوا بِتَصْغِيرِ القِرْشِ وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، والتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وقِيلَ: مِنَ القَرْشِ وهو الكَسْبُ؛ لِأنَّهم كانُوا كَسّابِينَ بِتِجاراتِهِمْ وضَرْبِهِمْ في البِلادِ.

قريش 106:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، و"رِحْلَةَ" مَفْعُولٌ لِـ"إيلافِهِمْ" وإفْرادُها مَعَ أنَّ المُرادَ رِحْلَتَيْ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لِأمْنِ الإلْباسِ، وفي إطْلاقِ الإيلافِ عَنِ المَفْعُولِ أوَّلًا، وإبْدالُ هَذا مِنهُ تَفْخِيمٌ لِأمْرِهِ وتَذْكِيرٌ لِعَظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ، وقُرِئَ "لِيَأْلَفَ قُرَيْشًا إلْفُهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ"، وقُرِئَ "رُحْلَةَ" بِالضَّمِّ وهي الجِهَةُ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها.

قريش 106:3

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَيْنِكَ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَمَكَّنُوا فِيهِما بِواسِطَةِ كَوْنِهِمْ مِن جِيرانِهِ. (p-203)﴿مِن جُوعٍ﴾ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ القَحْطُ الَّذِي أكَلُوا الجِيفَ والعِظامَ ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقِيلَ: خَوْفُ الجُذامِ فَلا يُصِيبُهم في بَلَدِهِمْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ قُرَيْشٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن طافَ بِالكَعْبَةِ واعْتَكَفَ بَها".»

قريش 106:4

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَيْنِكَ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَمَكَّنُوا فِيهِما بِواسِطَةِ كَوْنِهِمْ مِن جِيرانِهِ. (p-203)﴿مِن جُوعٍ﴾ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ القَحْطُ الَّذِي أكَلُوا الجِيفَ والعِظامَ ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقِيلَ: خَوْفُ الجُذامِ فَلا يُصِيبُهم في بَلَدِهِمْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ قُرَيْشٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن طافَ بِالكَعْبَةِ واعْتَكَفَ بَها".»

الماعون 107:1

سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها سَبْعٌ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: لِكُلِّ عاقِلٍ، والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وقُرِئَ "أرَأيْتَكَ" بِزِيادَةِ حَرْفِ الخِطابِ.

الماعون 107:2

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، إنْ لَمْ تَعْرِفْهُ، أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا، ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ المُتَعَرِّضِ لِوَصْفِ المُشارِ إلَيْهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والتَّنْبِيهِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ، قِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ كانَ وصِيًّا لِيَتِيمٍ فَأتاهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ، فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا، وقِيلَ: أبُو سُفْيانَ نَحَرَ جَزُورًا فَسَألَهُ يَتِيمٌ لَحْمًا فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ. وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو العاصِ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وقِيلَ: هو رَجُلٌ بَخِيلٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: المَوْصُولُ عَلى عُمُومِهِ، وقُرِئَ "يَدَعُ اليَتِيمَ" أيْ: يَتْرُكُهُ ويَجْفُوهُ.

الماعون 107:3

﴿وَلا يَحُضُّ﴾ أيْ: أهْلَهُ وغَيْرَهم مِنَ المُوسِرِينَ ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهُ عَلى ما ذُكِّرَ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.

الماعون 107:4

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ ...إلَخْ، إمّا لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ ما ذُكِرَ مِن (p-204) عَدَمِ المُبالأةِ بِاليَتِيمِ والمِسْكِينِ مِن دَلائِلِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ ومُوجِباتِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ فَوَيْلٌ ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ .

الماعون 107:5

﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ غافِلُونَ غَيْرُ مُبالِينَ بِها.

الماعون 107:6

﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ أيْ: يُرُونَ النّاسَ أعْمالَهم لِيَرَوْهُمُ الثَّناءَ عَلَيْها.

الماعون 107:7

﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ: الزَّكاةَ أوْ ما يُتَعاوَرُ عادَةً، فَإنَّ عَدَمَ المُبالأةِ بِاليَتِيمِ والمِسْكِينِ حَيْثُ كانَ كَما ذُكِرَ فَعَدَمُ المُبالأةِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ والرِّياءُ: الَّذِي هو شُعْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ ومَنعُ الزَّكاةِ الَّتِي هي قَنْطَرَةُ الإسْلامِ، وسُوءُ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ أحَقُّ بِذَلِكَ، وإمّا لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالوَيْلِ عَلى ما ذُكِرَ مِن قَبائِحِهِمْ، ووَضْعُ المُصَلِّينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى بَيانِ أنَّ لَهم قَبائِحَ أُخَرَ غَيْرَ ما ذُكِرَ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الدِّينِ غُفِرَ لَهُ إنْ كانَ لِلزَّكاةِ مُؤَدِّيًا".»

الكوثر 108:1

(p-205)سُورَةُ الكَوْثَرِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ وقُرِئَ "أنْطَيْناكَ". ﴿الكَوْثَرَ﴾ أيِ: الخَيْرُ المُفْرِطُ الكَثِيرُ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ والرِّياسَةِ العامَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدُّنْيا والدِّينِ، فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، «وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأها فَقالَ: "أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟ إنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ وعَدَنِيهِ رَبِّي،» فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"، ورُوِيَ في صِفَتِهِ أنَّهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وأشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وأبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، حافَّتاهُ الزَّبَرْجَدُ، وأوانِيهِ مِن فِضَّةٍ عَدَدَ نُجُومِ السَّماءِ، ورُوِيَ: لا يَظْمَأُ مَن شَرِبَ مِنهُ أبَدًا، أوَّلُ وارِدِيهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الدَّنِسُو الثِّيابِ الشُّعْثُ الرُّءوسِ، الَّذِينَ لا يُزَوَّجُونَ المُنَعَّماتِ، ولا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السُّدَدِ، يَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ تَتَلَجْلَجُ في صَدْرِهِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لِأبَرَّهُ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ الكَوْثَرَ بِالخَيْرِ الكَثِيرِ فَقالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَإنَّ ناسًا يَقُولُونَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وقِيلَ: هو حَوْضٌ فِيها، وقِيلَ: هو وأوْلادُهُ وأتْباعُهُ، أوْ عُلَماءُ أُمَّتِهِ، أوِ القرآن الحاوِي لِخَيْرِ الدُّنْيا والدِّينِ.

الكوثر 108:2

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ مِنَ العَطِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها ولَنْ يُعْطِيَها أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ أيَّ اسْتِيجابٍ أيْ: فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ لِرَبِّكَ الَّذِي أفاضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ الَّتِي لا يُضاهِيها نِعْمَةٌ خالِصًا لِوَجْهِهِ، خِلافَ السّاهِينَ عَنْها المُرائِينَ فِيها أداءً لِحُقُوقِ شُكْرِها، فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ أقْسامِ الشُّكْرِ ﴿وانْحَرْ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ بِاسْمِهِ تَعالى، وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ، خِلافًا لِمَن يَدَعُهم ويَمْنَعُ عَنْهُمُ الماعُونَ، وعَنْ عَطِيَّةَ: هي صَلاةُ الفَجْرِ بِجَمْعٍ، والنَّحْرُ بِمِنًى، وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ والتَّضْحِيَةُ. وقِيلَ: هي جِنْسُ الصَّلاةِ، والنَّحْرُ وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ، وقِيلَ: هو أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ إلى نَحْرِهِ، هو المَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والكَلْبِيِّ وأبِي الأحْوَصِ.

الكوثر 108:3

﴿إنَّ شانِئَكَ﴾ أيْ: مُبْغَضَكَ كائِنًا مَن كانَ. ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ (p-206)حَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ نَسْلٌ، ولا حُسْنُ ذَكَرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ البَيانِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وأيًّا ما كانَ؛ فَلا رَيْبَ في عُمُومِ الحُكْمِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ الكَوْثَرِ؛ سَقاهُ اللَّهُ تُعالى مِن كُلِّ نَهْرٍ في الجَنَّةِ، ويُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ قُرْبانٍ قَرَّبَهُ العِبادُ في يَوْمِ النَّحْرِ".»

الكافرون 109:1

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سِتٌّ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ هم كَفَرَةٌ مَخْصُوصُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أبَدًا؛ رُوِيَ أنَّ رَهْصًا مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا ونَتَّبِعْ دِينَكَ، تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أُشْرِكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، فَقالُوا: فاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُصَدِّقْكَ ونَعْبُدْ إلَهَكَ فَنَزَلَتْ، فَغَدا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ، فَقامَ عَلى رُءوسِهِمْ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ فَأيِسُوا.

الكافرون 109:2

﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ "لا" لا تَدْخُلُ غالِبًا إلّا عَلى مُضارِعٍ في الأسْتِقْبالِ، كَما أنَّ "ما" لا تَدَخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم.

الكافرون 109:3

﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ: ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي.

الكافرون 109:4

﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ: وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ أيْ: لَمْ يُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ؟!

الكافرون 109:5

﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ: وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، وقِيلَ: هاتانِ الجُمْلَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالأ، كَما أنَّ الأوَّلِينَ لِنَفْيها اسْتِقْبالأ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ما عَبَدْتُ (p-207) لِيُوافِقَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإيثارُ ما في "أعْبُدُ" عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي، وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى الَّذِي، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا.

الكافرون 109:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والمَعْنى: أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ، فَلا تُعَلِّقُوا بِهِ أمانِيَّكُمُ الفارِغَةَ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالأتِ، وإنَّ دِينِيَ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكم أيْضًا؛ لِأنَّكم عَلَّقْتُمُوهُ بِالمُحالِ الَّذِي هو عِبادَتِي لِآلِهَتِكُمْ، أوِ اسْتِلامِي إيّاها؛ ولِأنَّ ما وعَدْتُمُوهُ عَيْنُ الإشْراكِ، وحَيْثُ كانَ مَبْنى قَوْلِهِمْ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً عَلى شَرِكَةِ الفَرِيقَيْنِ في كِلْتا العِبادَتَيْنِ، كانَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ قَصْرُ إفْرادٍ حَتْمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ: ولِيَ دِينِي لا دِينُكم كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ . وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتْبَعُونِي؛ فَدَعُونِي كَفافًا ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ فَتَأمَّلْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ مِن سُورَةَ الكافِرُونَ فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القرآن، وتَباعَدَتْ عَنْهُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، وبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وتَعافى مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ".»

النصر 110:1

(p-208)سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: إعانَتُهُ تَعالى وإظْهارُهُ إيّاكَ عَلى عَدِوِّكَ ﴿والفَتْحُ﴾ أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى ومُطْلَقُ الفَتْحِ، فَإنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمّا كانَ مِفْتاحَ الفُتُوحِ ومَناطَها، كَما أنَّ نَفْسَها أُمُّ القُرى وإمامُها، جُعِلَ مَجِيئُهُ بِمَنزِلَةِ مَجِيءِ سائِرِ الفُتُوحِ وعَلِقَ بِهِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ بِالمَجِيءِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُما مُتَوَجِّهانِ نَحْوَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُما عَلى جَناحِ الوُصُولِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَرِيبٍ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وقِيلَ: في أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَداعِ، فَكَلِمَةُ "إذا" حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ أنَّ بَعْضَ ما في حَيِّزِها أعْنِي رُؤْيَةَ دُخُولِ النّاسِ ...إلَخْ، غَيْرُ مُنْقَضٍ بَعْدُ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَةُ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وطَوائِفِ العَرَبِ، وأقامَ بِها خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وحِينَ دَخَلَها وقَفَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبَدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، ما تَرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ قالُوا: خَيْرًا؛ أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، قالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ، فَأعْتَقَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى أمْكَنَهُ مِن رِقابِهِمْ عُنْوَةً، وكانُوا لَهُ فَياءً ولِذَلِكَ سُمِّيَ أهْلُ مَكَّةَ: الطُّلَقاءَ، ثُمَّ بايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى هَوازِنَ.

النصر 110:2

﴿وَرَأيْتَ النّاسَ﴾ أيْ: أبْصَرْتَهم أوْ عَلِمْتَهم ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي لا دِينَ يُضافُ إلَيْهِ تَعالى غَيْرُها، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ "النّاسِ" وعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"رَأيْتَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفْواجًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَدْخُلُونَ" أيْ: يَدْخُلُونَ فِيهِ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ، وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ؛ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: إذا ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ فَلَنْ يُقاوِمَهُ أحَدٌ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ ومِن كُلِّ مَن أرادَهُمْ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ الإسْلامِ أفْواجًا مِن غَيْرِ قِتالٍ، وقُرِئَ "فَتْحُ اللَّهِ والنَّصْرُ"، (p-209)وَقُرِئَ "يُدْخَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

النصر 110:3

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَقُلْ سُبْحانَ اللَّهِ حامِدًا لَهُ، أوْ فَتَعَجَّبْ لِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ أحَدٍ مِن أنْ يَغْلِبَ أحَدٌ عَلى أهْلِ حَرَمِهِ المُحْتَرَمِ، واحْمَدْهُ عَلى جَمِيلِ صُنْعِهِ، هَذا عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِيَةِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يُداوِمَ عَلى ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِنِعَمِهِ لا بِإحْداثِ التَّعَجُّبِ لِما ذُكِرَ، فَإنَّهُ إنَّما يُناسِبُ حالَةَ الفَتْحِ أوْ فاذْكُرْهُ مُسَبِّحًا حامِدًا؛ زِيادَةً في عِبادَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ لِزِيادَةِ إنْعامِهِ عَلَيْكَ، أوْ فَصَلِّ لَهُ حامِدًا عَلى نِعَمِهِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ بابَ الكَعْبَةِ صَلّى صَلاةَ الضُّحى ثَمانِ رَكَعاتٍ، أوْ فَنَزَّهَهُ عَمّا يَقُولُهُ الظَّلَمَةُ حامِدًا لَهُ عَلى أنْ صَدَقَ وعْدَهُ، أوْ فَأثْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الجَلالِ حامِدًا لَهُ عَلى صِفاتِ الإكْرامِ ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِكَ، واسْتِقْصارًا لِعَمَلِكَ، واسْتِعْظامًا لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، واسْتِدْراكًا لِما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأُولى. عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّهُ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكْثِرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أنْ يَقُولَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ « "إنِّي لِأسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ"،» ورُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قَرَأها النَّبِيُّ ﷺ عَلى أصْحابِهِ اسْتَبْشَرُوا وبَكى العَبّاسُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّها لَكَما تَقُولُ، فَلَمْ يُرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا.» وقِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا كَثِيرًا،» ولَعَلَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمامِ أمْرِ الدَّعْوَةِ، وتَكامُلِ أمْرِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ لِقائِهِ، فاخْتارَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى فَعَلِمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: فَدَيْناكَ بِأنْفُسِنا وآبائِنا وأوْلادِنا،» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنَّهُ دَعا فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ: يا بِنْتاهُ إنَّهُ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي، فَبَكَتْ فَقالَ: لا تَبْكِي، فَإنَّكِ أوَّلُ أهْلِي لُحُوقًا بِي،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالأسْتِغْفارِ لِأُمَّتِهِ، ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ مُنْذُ خَلَقَ المُكَلَّفِينَ أيْ: مُبالِغًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، فَلْيَكُنْ كُلُّ تائِبٍ مُسْتَغْفِرٍ مُتَوَقِّعًا لِلْقَبُولِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ النَّصْرِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ".»

المسد 111:1

(p-210)سُورَةُ المَسَدِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ ﴿تَبَّتْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وإيثارُ التِّبابِ عَلى الهَلاكِ وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ؛ لِما رُوِيَ: لَمّا نَزَلَ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ رَقى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا وجَمَعَ أقارِبَهُ فَأنْذَرَهُمْ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ ألِهَذا دَعْوَتَنا، وأخَذَ حَجَرًا لَيَرْمِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أيْ: وهَلَكَ كُلُّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ هَلاكُ جُمْلَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ ومَعْنى وتَبَّ: وكانَ ذَلِكَ وحَصَلَ، كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ وَيُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "وَقَدْ تَبَّ"، وقِيلَ: الأوَّلُ إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ عَمَلِهِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ تُزاوَلُ غالِبًا بِالأيْدِي، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ نَفْسِهِ، وقِيلَ: كِلاهُما دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ، وقِيلَ: الأوَّلُ دُعاءٌ، والثّانِي إخْبارٌ. وذِكْرُ كُنْيَتِهِ لِلتَّعْرِيضِ بِكَوْنِهِ جُهَنَّمِيًّا، ولِاشْتِهارِهِ بِها، ولِكَراهَةِ ذِكْرِ اسْمِهِ القَبِيحِ، وقُرِئَ "أبُو لَهَبٍ" كَما قِيلَ عَلِيُّ بْنُ أبُو طالِبٍ، وقُرِئَ "أبِي لَهْبٍ" بِسُكُونِ الهاءِ.

المسد 111:2

﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ، أوْ أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ، مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، أصْلُ "مالِهِ" وما كَسَبَهُ مِنَ الأرْباحِ والنَّتائِجِ والمَنافِعِ، والوَجاهَةِ والأتْباعِ، أوْ مالُهُ المَوْرُوثُ مِن أبِيهِ والَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ، أوْ عَمَلُهُ الخَبِيثُ الَّذِي هو كَيْدُهُ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ عَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كَسَبَ ولَدُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا؛ فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي فَأسْتَخْلِصُ مِنهُ، وقَدْ خابَ مَرْجاهُ، وما حَصَلَ ما تَمَنّاهُ فافْتَرَسَ ولَدَهُ عُتْبَةَ أسَدٌ في طَرِيقِ الشّامِ بَيْنَ العِيرِ المُكْتَنِفَةِ بِهِ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا عَلَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ،» وهَلَكَ نَفْسُهُ بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِسَبْعِ لَيالٍ، فاجْتَنَبَهُ أهْلُهُ مَخافَةَ العَدْوى، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِيها كالطّاعُونِ، فَبَقِيَ ثَلاثًا حَتّى أنْتَنَ، ثُمَّ اسْتَأْجَرُوا بَعْضَ السُّودانِ فاحْتَمَلُوهُ ودَفَنُوهُ فَكانَ (p-211) الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ القرآن.

المسد 111:3

﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها وفَتْحِ اللّامِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ وتَشْدِيدِهِ، أيْ: سَيَدْخُلُ لا مَحالَةَ بَعْدَ هَذا العَذابِ العاجِلِ في الآخِرَةِ ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ أيْ: نارًا عَظِيمَةً ذاتَ اشْتِعالٍ وتَوَقُّدٍ، وهي نارُ جَهَنَّمَ، ولَيْسَ هَذا نَصًّا في أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أبَدًا حَتّى يُلْزِمَ مَن تَكْلِيفُهُ الإيمان بالقرآن أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أبَدًا فَيَكُونَ مَأْمُورًا بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَما هو المَشْهُورُ، فَإنَّ صِلِيَّ النّارِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالكُفّارِ، فَيَجُوزُ أنْ يَفْهَمَ أبُو لَهَبٍ مِن هَذا أنَّ دُخُولَهُ النّارَ لِفِسْقِهِ ومَعاصِيهِ لا لِكُفْرِهِ، فَلا اضْطِرارَ إلى الجَوابِ المَشْهُورِ مِن أنَّ ما كُلِّفَهُ هو الإيمانُ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إجْمالأ، لا الإيمانَ بِتَفاصِيلَ ما نَطَقَ بِهِ القرآن حَتّى يَلْزَمَ أنْ يُكَلَّفَ الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِ المُسْتَمِرِّ.

المسد 111:4

﴿وامْرَأتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في "سَيَصْلى" لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتِ أبِي سُفْيانَ وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ، فَتَنْثُرَها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ، وكانَ ﷺ يَطَؤُهُ كَما يَطَأُ الحَرِيرَ، وقِيلَ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِمَن يَمْشِي بِالنَّمائِمِ ويُفْسِدُ بَيْنَ النّاسِ يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهم أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّارَ ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ؛ إذِ المُرادُ أنَّها تَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ حُزْمَةً مِن حَطَبِ جَهَنَّمَ كالزَّقُّومِ والضَّرِيعِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَعَ كَثْرَةِ مالِها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ عَلى ظَهْرِها لِشِدَّةِ بُخْلِها؛ فَعُيِّرَتْ بِالبُخْلِ، فالنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الشَّتْمِ حَتْمًا، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ و"امْرَأتُهُ" مُبْتَدَأٌ وقُرِئَ "حَمّالَةٌ" لِلْحَطَبِ بِالتَّنْوِينِ نَصْبًا ورَفْعًا، وقُرِئَ "مُرَيَّتُهُ" بِالتَّصْغِيرِ لِلتَّحْقِيرِ.

المسد 111:5

﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: الظَّرْفُ خَبَرٌ لِـ"امْرَأتِهِ" و"حَبْلٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنِ "امْرَأتِهِ" عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِها عَلى ضَمِيرِ "سَيَصْلى" و"حَبْلٌ" فاعِلٌ كَما ذُكِرَ و"المَسَدُ": ما يُفْتَلُ مِنَ الحِبالِ فَتْلًا شَدِيدًا مِن لِيفِ المُقْلِ، وقِيلَ: مِن أيِّ لِيفٍ كانَ، وقِيلَ: مِن لِحاءِ شَجَرٍ بِاليَمَنِ، وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ وأوْبارِها، والمَعْنى: في عُنُقِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِنَ الحَبْلِ وأنَّها تَحْمِلُ تِلْكَ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبُطُها في جِيدِها كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَخْسِيسًا بِحالِها، وتَصْوِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ، قالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: كانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ تَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بِإبّالَةٍ مِن حَسَكٍ فَتَطْرَحُها عَلى طَرِيقِ المُسْلِمِينَ، فَبَيْنا هي ذاتَ لَيْلَةٍ حامِلَةٌ حُزْمَةً أعْيَتْ فَقَعَدَتْ عَلى حَجَرٍ لِتَسْتَرِيحَ، فَجَذَبَها المَلَكُ مِن خَلْفِها فاخْتَنَقَتْ بِحَبْلِها. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المَسَدِ "تَبَّتْ" رَجَوْتُ أنْ لا يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي لَهَبٍ في دارٍ واحِدَةٍ".»

الإخلاص 112:1

(p-212)سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها وآيُها أرْبَعٌ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ، وإلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُهُ الَّذِي أصْلُهُ القَصْدُ، أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، ولا حاجَةَ إلى الرَّبْطِ لِأنَّها عَيْنُ الشَّأْنِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ، والسِّرُّ في تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِها وجَلالَةِ حَيِّزِها، مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ جَلِيلٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما أمامَهُ مِمّا يُفَسِّرُهُ ويُزِيلُ إبْهامَهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ، وهَمْزَةُ أحَدٍ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وأصْلُهُ وحَدٌ لا كَهَمْزَةِ ما يُلازِمُ النَّفْيَ، ويُرادُ بِهِ العُمُومُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِأحَدٍ سُودِ الرُّءوسِ غَيْرِكُمْ﴾ فَـ"إنَّ" أصْلِيَّةٌ وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ "أحَدٌ" واحِدٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً فاجْتَمَعَ ألْفانِ، لِأنَّ الهَمْزَةَ تُشْبِهُ الألِفَ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا، وقالَ ثَعْلَبٌ: إنًّ "أحَدٌ" لا يُبْنى عَلَيْهِ العَدَدُ ابْتِداءً، فَلا يُقالُ: أحَدٌ واثْنانِ كَما يُقالُ: واحِدٌ واثْنانِ، ولا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِهِ تَعالى، أوْ هو كَما سُئِلَ عَنْهُ أيِ: الَّذِي سَألْتُمْ عَنْهُ هو اللَّهُ؛ إذْ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ وانْسُبْهُ فَنَزَلَتْ، فالضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ و"اللَّهُ" خَبَرُهُ و"أحَدٌ" بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ "هُوَ اللَّهُ أحَدٌ" بِغَيْرِ "قُلْ"، وقُرِئَ "اللَّهُ أحَدٌ" بِغَيْرِ "قُلْ هُوَ"، وقُرِئَ "قُلْ هو الواحِدُ".

الإخلاص 112:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و"الصَّمَدُ" فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، أيْ: هو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ المُسْتَغْنِي بِذاتِهِ، وكُلُّ ما عَداهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في جَمِيعِ جِهاتِهِ، وقِيلَ: الصَّمَدُ: الدّائِمُ الباقِي الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، وقِيلَ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وتَعْرِيفُهُ لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلافِ أحَدِيَّتِهِ، وتَكْرِيرُ الأسْمِ الجَلِيلِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، وتَعْرِيَةُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ؛ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى، بَيَّنَ أوَّلًا أُلُوهِيَّتَهُ عَزَّ (p-213)وَجَلَّ المُسْتَتْبِعَةَ لِكافَّةِ نُعُوتِ الكَمالِ، ثُمَّ أحَدِيَّتَهُ المُوجِبَةَ تَنَزُّهَّهُ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ والتَّرْكِيبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها، ثُمَّ صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةَ لِاسْتِغْنائِهِ الذّاتِيِّ عَمّا سِواهُ وافْتِقارِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ في وُجُودِها وبَقائِها وسائِرِ أحْوالِها تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهم إلى سَنَنِهِ الواضِحِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ أحْكامٍ جُزْئِيَّةٍ مُنْدَرِجَةٍ تَحْتَ الأحْكامِ السّابِقَةِ فَقِيلَ: *

الإخلاص 112:3

﴿لَمْ يَلِدْ﴾ تَنْصِيصًا عَلى إبْطالِ زَعْمِ المُفْتَرِينَ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ، ولِذَلِكَ ورَدَ النَّفْيُ عَلى صِيغَةِ الماضِي أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ لِيُمْكِنَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةً فَيَتَوالَدا كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما يُعِينُهُ أوْ يَخْلُفُهُ لِاسْتِحالَةِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْ شَيْءٍ لِاسْتِحالَةِ نِسْبَةِ العَدَمِ إلَيْهِ سابِقًا ولاحِقًا، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِمَضْمُونِهِ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُما مُتَلازِمانِ؛ إذِ المَعْهُودُ أنَّ ما يَلِدُ يُولَدُ، وما لا فَلا، ومِن قَضِيَّةِ الاعْتِرافِ بِأنَّهُ لَمْ يُولَدُ الأعْتِرافُ بِأنَّهُ لا يَلِدُ فَهو قَرِيبٌ مِن عَطْفٍ لا يَسْتَقْدِمُونَ عَلى ما يَسْتَأْخِرُونَ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ.

الإخلاص 112:4

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ أيْ: لَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، ولَمْ يُماثِلْهُ ولَمْ يُشاكِلْهُ مِن صاحِبَةٍ وغَيْرِها، و"لَهُ" صِلَةٌ لِـ"كُفُؤًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ حَقَّها التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِلِاهْتِمامِ بِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لا صِلَةَ ويَكُونَ "كُفْوًّا" حالأ مِن "أحَدٌ" ولَيْسَ بِذاكَ، وأمّا تَأْخِيرُ اسْمٍ كانَ؛ فَلِمُراعاةِ الفَواصِلِ، ووَجْهُ الوَصْلِ بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ والفاءِ مَعَ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ وبِضَمِ الكافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، هَذا ولِانْطِواءِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ تَقارُبِ قُطْرَيْها عَلى أشْتاتِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والرَّدِّ عَلى مَن ألْحَدَ فِيها، ورَدَ في الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ أنَّها تَعْدِلُ ثُلْثَ القرآن، فَإنَّ مَقاصِدَهُ مُنْحَصِرَةٌ في بَيانِ العَقائِدِ والأحْكامِ والقَصَصِ، ومَن عَدَلَها بِكُلِّهِ اعْتَبَرَ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنهُ. رَوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أُسِّسَتِ السماوات السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ عَلى ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ "» أيْ: ما خُلِقَتْ إلّا لِتَكُونَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ الَّتِي نَطَقَتْ بِها هَذِهِ السُّورَةُ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" فَقالَ: وجَبَتْ، فَقِيلَ: وما وجَبَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ.»

الفلق 113:1

(p-214)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها خَمْسٌ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ "الفَلَقُ": الصُّبْحُ كالفَرَقِ؛ لِأنَّهُ يُفْلَقُ عَنْهُ اللَّيْلُ ويُفْرَقُ، فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَفْلُوقِ والمَفْلُوقِ عَنْهُ مَفْعُولٌ. وقِيلَ: هو ما انْفَلَقَ مِن عَمُودِهِ، وقِيلَ: هو كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى كالأرْضِ عَنِ النَّباتِ، والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ الأمْطارِ، والحَبِّ والنَّوى عَمّا يَخْرُجُ مِنهُما وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي تَعْلِيقِ العِياذِ بِاسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى الفَلَقِ المُنْبِئِ عَنِ النُّورِ عَقِيبَ الظُّلْمَةِ والسَّعَةِ بَعْدَ الضِّيقِ، والفَتْقِ بَعْدَ الرَّتْقِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعادَةِ العائِذِ مِمّا يَعُوذُ مِنهُ، وإنْجائِهِ مِنهُ، وتَقْوِيَةٌ لِرَجائِهِ بِتَذْكِيرِ بَعْضِ نَظائِرِهِ، ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ لَهُ في الجِدِّ والاعْتِناءِ بِقَرْعِ بابِ الالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا الإشْعارُ بِأنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُزِيلَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ مِن هَذا العالَمِ قَدَرَ أنْ يُزِيلَ عَنِ العائِذِ ما يَخافُهُ، كَما قِيلَ فَلا إذْ لا رَيَّبَ العائِذُ في قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْها.

الفلق 113:2

﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أيْ: مِن شَرِّ ما خَلَقَهُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ مِن ذَواتِ الطَّبائِعِ والأخْتِيارِ، وهَذا كَما تَرى شامِلٌ لِجَمِيعِ الشُّرُورِ فَمَن تَوَهَّمَ أنَّ الأسْتِعاذَةَ هَهُنا مِنَ المَضارِّ البَدَنِيَّةِ، وأنَّها تَعُمُّ الإنْسانَ وغَيْرَهُ بِما بِصَدَدِ الاسْتِعاذَةِ، ثُمَّ جَعَلَ عُمُومَها مَدارًا لِإضافَةِ الرَّبِّ إلى الفَلَقِ؛ فَقَدْ نَأى عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ، وإضافَةُ الشَّرِّ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِعالَمِ الخَلْقِ المُؤَسَّسِ عَلى امْتِزاجِ المَوادِّ المُتَبايِنَةِ، وتَفاعُلِ كَيْفِيّاتِها المُتَضادَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْكَوْنِ والفَسادِ، وأمّا عالَمُ الأمْرِ؛ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ الشَّرِّ بِالمَرَّةِ.

الفلق 113:3

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الشُّرُورِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ لِزِيادَةِ مَساسِ الحاجَةِ إلى الاسْتِعاذَةِ مِنهُ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِأنَّ تَعْيِينَ المُسْتَعاذِ مِنهُ أدَلُّ عَلى الاعْتِناءِ بِالاسْتِعاذَةِ، وأدْعى إلى الإعاذَةِ، أيْ: ومِن شَرِّ لَيْلٍ مُعْتَكَرٍ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وأصْلُ الغَسَقِ: سَيَلانُ دَمْعِها، وإضافَةُ الشَّرِّ إلى اللَّيْلِ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ بِحُدُوثِهِ فِيهِ، وتَفْكِيرِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ الشَّرِّ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ، ولا لِكُلِّ أجْزائِهِ، وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا وقَبَ﴾ (p-215)أيْ: دَخَلَ ظَلامُهُ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ حُدُوثَهُ فِيهِ أكْثَرُ، والتَّحَرُّزَ مِنهُ أصْعَبُ وأعْسَرُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقِيلَ: الغاسِقُ: هو القَمَرُ إذا امْتَلَأ، ووُقُوبُهُ دُخُولُهُ في الخُسُوفِ واسْوِدادُهُ، لِما رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَأشارَ إلى القَمَرِ فَقالَ: تَعَوُّذِي بِاللَّهِ تَعالى مِن شَرِّ هَذا الغاسِقِ إذا وقَبَ.» وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنِ القَمَرِ بِالغاسِقِ؛ لِأنَّ جُرْمَهُ مُظْلِمٌ وإنَّما يَسْتَنِيرُ بِضَوْءِ الشَّمْسِ، ووُقُوبُهُ المِحاقُ في آخِرِ الشَّهْرِ، والمُنَجِّمُونَ يَعُدُّونَهُ نَحْسًا ولِذَلِكَ لا يَشْتَغِلُ السحرةُ بِالسحر المُوَرِّثِ لِلتَّمْرِيضِ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وقِيلَ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا، ووُقُوبُها: سُقُوطُها؛ لِأنَّها إذا سَقَطَتْ كَثُرَتِ الأمْراضُ والطَّواعِينُ، وقِيلَ: هو كُلُّ شَرٍّ يَعْتَرِي الإنْسانَ ووُقُوبُهُ هُجُومُهُ.

الفلق 113:4

﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ أيْ: ومِن شَرِّ النُّفُوسِ أوِ النِّساءِ السَّواحِرِ اللّاتِي يَعْقِدْنَّ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها، والنَّفْثُ: النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ، وقِيلَ: بِدُونِ رِيقٍ، وقُرِئَ "النّافِثاتُ" كَما قُرِئَ "النَّفَثاتُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وتَعْرِيفُها إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْإيذانِ بِشُمُولِ الشَّرِّ لِجَمِيعِ أفْرادِهِنَّ وتَمَحُّضِهِنَّ فِيهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ كانَ غُلامٌ مِنَ اليَهُودِ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، وكانَ عِنْدَهُ أسْنانٌ مِن مُشْطِهِ ﷺ فَأعْطاها لِلْيَهُودِ فَسَحَرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها، وتَوَلّاهُ لُبَيْدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ وبَناتُهُ، وهُنَّ النّافِثاتُ في العُقَدِ فَدَفَنَها في بِئْرِ أرِيسٍ فَمَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ وأخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ السحر وبِمَن سَحَرَهُ وبِمَ سَحَرَهُ، فَأرْسَلَ ﷺ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، والزُّبَيْرَ وعَمّارًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَنَزَحُوا ماءَ البِئْرِ، فَكَأنَّهُ نُقاعَةُ الحِنّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا راعُوثَةَ البِئْرِ وهي الصَّخْرَةُ الَّتِي تُوضَعُ في أسْفَلِ البِئْرِ فَأخْرَجُوا مِن تَحْتِها الأسْنانَ ومَعَها وتَرٌ قَدْ عُقِدَ فِيهِ إحْدى عَشْرَةِ عُقْدَةً مُغَرَّزَةً بِالإبْرَةِ، فَجاءوا بِها إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَقْرَأُ المُعَوِّذَتَيْنِ عَلَيْها فَكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ ﷺ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ عَنْهُ تَمامَ السُّورَتَيْنِ، فَقامَ ﷺ كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَقْتُلُ الخَبِيثَ؟ فَقالَ ﷺ: أمّا أنا فَقَدْ عافانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا. «قالَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ غَضَبًا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أنْ يَكُونَ شَيْئًا هو لِلَّهِ تَعالى فَيَغْضَبُ لِلَّهِ ويَنْتَقِمُ،» وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْثِ في العُقَدِ: إبْطالُ عَزائِمِ الرِّجالِ بِالحِيَلِ ومُسْتَعارٌ مِن تَلْيِينِ العُقْدَةِ بِنَفْثِ الرِّيقِ لِيَسْهُلَ حَلُّها.

الفلق 113:5

﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أيْ: إذا أظْهَرَ ما في نَفْسِهِ مِنَ الحَسَدِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ بِتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الشَّرِّ ومَبادِئِ الأضْرارِ بِالمَحْسُودِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما أنَّ ضَرَرَ الحَسَدِ قَبْلَهُ إنَّما يَحِيقُ بِالحَسَدِ لا غَيْرُهُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ المُعَوِّذَتَيْنِ فَكَأنَّما قَرَأ الكُتُبَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى".»

الناس 114:1

(p-216)سُورَةُ النّاسِ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها وآياتُها سِتٌّ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أىْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهم.

الناس 114:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ؛ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ.

الناس 114:3

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مِلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ، والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ وسِياسَتِهِمْ، والتَّوَلِي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ؛ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً، وإيجادًا وإعْدامًا، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ بِالنّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِينَ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ؛ لِلْإرْشادِ إلى مَنهَجِ الاسْتِعاذَةِ المَرْضِيَّةِ عِنْدَهُ تَعالى الحَقِيقَةِ بِالإعاذَةِ، فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ، وانْتِسابَهُ إلَيْهِ تَعالى بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ، مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمَزَ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطُهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾، فَمَن جَعَلَ مَدارَ تَخْصِيصِ الإضافَةِ مُجَرَّدَ كَوْنِ الاسْتِعاذَةِ مِنَ المَضارِّ المُخْتَصَّةِ بِالنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ فَقَدْ قَصَّرَ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ، وأمّا جَعْلُ المُسْتَعاذِ مِنهُ فِيما سَبَقَ المَضارَّ البَدَنِيَّةِ فَقَدْ عُرِفَتْ حالُهُ، وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ.

الناس 114:4

﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ هو اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ وهي الصَّوْتُ الخَفِيُ كالزِّلْزالِ بِمَعْنى: (p-217)الزَّلْزَلَةِ، وأمّا المَصْدَرُ؛ فَبِالكَسْرِ والمُرادُ بِهِ: الشَّيْطانُ سُمِّيَ بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الوَسْوَسَةِ ﴿الخَنّاسِ﴾ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ أيْ: يَتَأخَّرُ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ.

الناس 114:5

﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ إذا غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَلى الوَصْفِ، وإمّا الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ.

الناس 114:6

﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ عَلى أنَّهُ ضَرْبانِ جِنِّيٌّ وإنْسِيٌّ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُوَسْوِسُ" أيْ: يُوَسْوِسُ في صَدْرِهِمْ مِن جِهَةِ الجِنِّ ومِن جِهَةِ الإنْسِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلنّاسِ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ أيْضًا حَسَبَ إطْلاقِ النَّفَرِ والرِّجالِ عَلَيْهِمْ، ولا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ: النّاسِي ويُجْعَلُ سُقُوطُ الياءِ كَسُقُوطِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالجَنَّةِ والنّاسِ، فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ مُبْتَلى بِنِسْيانِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن تَدارَكَهُ شَوافِعُ عِصْمَتِهِ وتَناوَلَهُ واسِعُ رَحْمَتِهِ عَصَمَنا اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، ووَفَّقَنا لِأداءِ حُقُوقِ شُكْرِهِ. تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ هَذا التَّفْسِيرُ الجَلِيلُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. (p-218)خاتِمَةُ المُؤَلِّفِ قالَ العَبْدُ الذَّلِيلُ مُتَضَرِّعًا إلى رَبِّهِ الجَلِيلِ: اللَّهُمَّ يا ولِيَّ العِصْمَةِ والإرْشادِ، وهادِيَ الغُواةِ إلى سَنَنِ الرَّشادِ، بارِئِ البَرِيَّةِ مالِكَ الرِّقابِ، عَلَيْكَ تَوَكُّلِي وإلَيْكَ مَتابِ، أنْتَ المُغِيثُ لِكُلِّ حائِرٍ مَلْهُوفٍ، والمُجِيرُ مِن كُلِّ هائِلٍ مَخُوفٍ، ألُوذُ بِحَرَمِكَ المَأْمُونِ، مِن غَوائِلِ رَيْبِ المَنُونِ، وألْتَجِئُ إلى حِرْزِكَ الحَرِيزِ، وآوِي إلى رُكْنِكَ العَزِيزِ، وأسْألُكَ مِن خَزائِنِ بِرِّكَ المَخْزُونِ، في مَكامِنِ سِرِّ المَكْنُونِ، خَيْرَ ما جَرى بِهِ قَلَمُ التَّكْوِينِ، مِن أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ، وأعُوذُ بِكَ مِن فُنُونِ الفِتَنِ والشُّرُورِ، لا سِيَّما الاطْمِئْنانَ بِدارِ الغُرُورِ، والاغْتِرارَ بِنَعِيمِها وزَهْرَتِها، والافْتِتانَ بِزَخارِفِها وزِينَتِها، فَأعِذْنِي بِحِمايَتِكَ، وأعِنِّي بِعِنايَتِكَ، وأفِضْ عَلَيَّ مِن شَوارِقِ الأنْوارِ الرَّبّانِيَّةِ، وبِوارِقِ الآثارِ السُّبْحانِيَّةِ، ما يُخَلِّصُنِي مِنَ العَوائِقِ الظَّلَمانِيَّةِ، ويُجَرِّدُنِي مِنَ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذِّبْ نَفْسِي الأبِيَّةَ مِن دَنَسِ الطَّبائِعِ والأخْلاقِ، ونَوِّرْ قَلْبِيَ القاسِي بِلَوامِعِ الإشْراقِ، لِيَسْتَعِدَّ لِلْعُبُورِ عَلى سَرائِرِ الأُنْسِ، ويَتَهَيَّأ لِلْحُضُورِ في حَظائِرَ القُدْسِ، وثَبِّتْنِي عَلى مَناهِجِ الحَقِّ والهُدى، وأرْشِدْنِي إلى مَسالِكِ البَرِّ والتُّقى، واجْعَلْ أعَزَّ مَرامِي ابْتِغاءَ رِضاكَ، وأشْرَفَ أيّامِي يَوْمَ لِقاكَ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ فَرِيقًا فَرِيقًا، واحْشُرْنِي مَعَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقَيْنَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. قامَ بِمُراجَعَةِ وتَصْحِيحِ هَذا التَّفْسِيرِ: فَضِيلَةُ الأُسْتاذ الدُّكْتُور / حَسَن أحْمَد مَرْعِي الأُسْتاذُ بِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ والقانُونِ بِجامِعَةِ الأزْهَرِ، وفَضِيلَةُ الأُسْتاذ الشَّيْخُ / مُحَمَّد الصّادِق قَمْحاوِيّ المُفَتِّشُ العامُّ بِالمَعاهِدِ الأزْهَرِيَّةِ، وعُضْوُ لَجْنَةِ مُراجِعَةِ المَصاحِفِ بِمَشْيَخَةِ الأزْهَرِ