Tafsir Abi Al-Suaood — التكوير 81:1 – العاديات 100:11
المحتويات
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:6
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
التكوير 81:1
سُورَةُ التَّكْوِيرِ مَكِّيَّةٌ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ
﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيْ: لُفَّتْ، مِن كَوَّرْتُ العِمامَةَ إذا لَفَفْتُها، عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إمّا رَفْعُها وإزالَتُها مِن مَقَرِّها، فَإنَّ الثَّوْبَ إذا أُرِيدَ رَفْعُهُ يُلَفُّ لَفًّا ويُطْوى ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وإمّا لَفَّ ضَوْئِها المُنْبَسِطِ في الآفاقِ المُنْتَشِرِ في الأقْطارِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إزالَتِها والذَّهابِ بِها بِحُكْمِ اسْتِلْزامِ زَوالِ اللّازِمِ لِزَوالِ المَلْزُومِ، أوْ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها كَما وُصِفَتِ النُّجُومُ بِالأنْكِدارِ، مِن طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ إذا ألْقاهُ عَلى الأرْضِ، وعَنْ أبِي صالِحٍ كُوِّرَتْ: نُكِّسَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تَكْوِيرُها: إدْخالُها في العَرْشِ ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى الإدارَةِ والجَمْعِ، وارْتِفاعُ الشَّمْسِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وعِنْدَ البَعْضِ عَلى الأبْتِداءِ.
التكوير 81:2
﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيِ: انْقَضَّتْ. وقِيلَ: تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لا يَبْقى يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ إلّا سَقَطَ في الأرْضِ. وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النُّجُومَ قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ مِن نُورٍ، فَإذا ماتَ مَن في السماوات ومَن في الأرْضِ تَساقَطَتْ مِن أيْدِيهِمْ. وقِيلَ: انْكِدارُها انْطِماسُ نُورِها. ويُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والنُّجُومَ تُطْرَحُ في جَهْنَمَ لِيَراها مَن عَبَدَها كَما قالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
التكوير 81:3
﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ: عَنْ أماكِنِها بِالرَّجْفَةِ الحاصِلَةِ، لا في الجَوِّ فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
التكوير 81:4
(p-115)﴿وَإذا العِشارُ﴾ جَمْعُ عُشَراءَ، وهي النّاقَةُ الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ وهو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَةِ وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ.
﴿عُطِّلَتْ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً لِاشْتِغالِ أهْلِها بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: العِشارُ: السَّحائِبُ، فَإنَّ العَرَبَ تُشَبِّهُها بِالحامِلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ وتَعْطِيلُها: عَدَمُ إمْطارِها، وقُرِئَ "عُطِلَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
التكوير 81:5
﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أيْ: جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: بُعِثَتْ لِلْقَصاصِ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ فَإذا قُضِيَ بَيْنَها رُدَّتْ تُرابًا فَلا يَبْقى مِنها إلّا ما فِيهِ سُرُورٌ لِبَنِي آدَمَ وإعْجابٌ بِصُورَتِهِ كالطّاوُسِ ونَحْوِهِ: وقُرِئَ "حُشِّرَتْ" بِالتَّشْدِيدِ.
التكوير 81:6
﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أيْ: أُحْمِيَتْ أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى تَعُودَ بَحْرًا واحِدًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقِيلَ: مُلِئَتْ نِيرانًا تَضْطَرِمُ لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وعَنِ الحَسَنِ يَذْهَبُ ماؤُها حَتّى لا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ، وقُرِئَ "سُجِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
التكوير 81:7
﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أيْ: قُرِنَتْ بِأجْسادِها أوْ قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها أوْ بِكِتابِها، أوْ بِعَمَلِها أوْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
التكوير 81:8
﴿وَإذا المَوْءُودَةُ﴾ أيِ: المَدْفُونَةُ حَيَّةً، وكانَتِ العَرَبُ تَئِدُ البَناتَ مَخافَةَ الإمْلاقِ أوْ لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِنَّ، قِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ حَتّى إذا بَلَغَتْ سِتَّ سِنِينَ ذَهَبَ بِها إلى الصَّحْراءِ وقَدْ حَفَرَ لَها حُفْرَةً فَيُلْقِيها فِيها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ. وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرُبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ.
التكوير 81:9
﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ تَوْجِيهُ السُّؤالِ إلَيْها لِتَسْلِيَتِها وإظْهارِ كَمالِ الغَيْظِ والسَّخَطِ لِوائِدِها وإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ والمُبالَغَةِ في تَبْكِيتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ وقُرِئَ "سَألَتْ" أيْ: خاصَمَتْ أوْ "سَألَتِ" اللَّهَ تَعالى أوْ قاتِلَها وإنَّما قِيلَ: "قُتِلَتْ" لِما أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ عَنْها، لا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَتْ بِهِ حِينَ سُئِلَتْ لِيُقالَ: قُتِلْتِ عَلى الخِطابِ ولا حِكايَةٌ لِكَلامِها حِينَ سَألَتْ لِيُقالَ: قُتِلْتُ عَلى الحِكايَةِ عَنْ نَفْسِها، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أطْفالِ المُشْرِكِينَ فَقالَ لا يُعَذَّبُونَ (p-116)واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
التكوير 81:10
﴿وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أيْ: صُحُفُ الأعْمالِ فَإنَّها تُطْوى عِنْدَ المَوْتِ وتُنْشَرُ عِنْدَ الحِسابِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يُحْشَرُ النّاسُ عُراةً حُفاةً" فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ بِالنِّساءِ؟ فَقالَ: شُغِلَ النّاسُ يا أُمَّ سَلَمَةَ، قالَتْ: وما شَغَلَهُمْ؟ قالَ: نَشْرُ الصُّحُفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ.» وقِيلَ: نُشِرَتْ أيْ: فُرِّقَتْ بَيْنَ أصْحابِها، وعَنْ مَرْثَدِ بْنِ وداعَةَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ تَطايَرَتِ الصُّحُفُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتَقَعُ صَحِيفَةُ المُؤْمِنِ في يَدِهِ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وتَقَعُ صَحِيفَةُ الكافِرِ في يَدِهِ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ، أيْ: مَكْتُوبٌ فِيها ذَلِكَ وهي صُحُفٌ غَيْرُ صُحُفِ الأعْمالِ.
التكوير 81:11
﴿وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ قُطِعَتْ وأُزِيلَتْ كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ بِهِ، وقُرِئَ "قَشَطَتْ" واعْتِقابُ الكافِ والقافِ غَيْرُ عَزِيزٍ كالكافُورِ والقافُورِ.
التكوير 81:12
﴿وَإذا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ أيْ: أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخَطايا بَنِي آدَمَ، وقُرِئَ "سُعِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
التكوير 81:13
﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قِيلَ: هَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ خَصْلَةً سِتٌّ مِنها في الدُّنْيا أيْ: فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهُنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِحَشْرِ الوُحُوشِ جَمْعُها مِن كُلِّ ناحِيَةٍ لِأبْعَثَها لِلْقَصاصِ وسِتٌّ في الآخِرَةِ أيْ: بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
التكوير 81:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ جَوابُ "إذا" عَلى أنَّ المُرادَ بِها: زَمانٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ يَسَعُ ما في سِباقِها وسِباقِ ما عُطِفَ عَلَيْها مِنَ الخِصالِ مَبْدَؤُهُ النَّفْخَةُ الأُولى، ومُنْتَهاهُ فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّها تَعْلَمُ ما تَعْلَمُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَدِيدِ، أوْ عِنْدَ وُقُوعِ داهِيَةٍ مِن تِلْكَ الدَّواهِي، بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ بَعْضُ تِلْكَ الدَّواهِي مِن مُبادِيهِ، وبَعْضُها مِن رَوادِفِهِ نُسِبَ عِلْمُها بِذَلِكَ إلى زَمانِ وقْعِ كُلِّها تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ وتَفْظِيعًا لِلْحالِ، والمُرادُ بِما أحْضَرَتْ: أعْمالَها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وبِحُضُورِها إمّا حُضُورُ صَحائِفِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ نَشْرُها، وإمّا حُضُورُ أنْفُسِها عَلى ما قالُوا مِن أنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ في الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وهَيْآتٍ مُعَيَّنَةٍ حَتّى إنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَتَجَسَّمُ هُناكَ وتَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ النّارِ، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وكَذا قَوْلُهُ (p-117)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن يَشْرَبُ مِن آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ "إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ" ولا بُعْدَ في ذَلِكَ ألا يُرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى صُورَةِ اللَّبَنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِأحْوالِ الحَضَراتِ الخَمْسِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ يُؤْتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى صُورَةٍ حَسَنَةٍ وبِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى صُورَةٍ قَبِيحَةٍ فَتُوضَعُ في المِيزانِ وأيًّا ما كانَ؛ فَإسْنادُ إحْضارِها إلى النَّفْسِ مَعَ أنَّها تَحْضُرُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ الآيَةَ، لِأنَّها لَمّا عَمِلَتْها في الدُّنْيا فَكَأنَّها أحْضَرَتْها في المَوْقِفِ، ومَعْنى عِلْمُها بِها حِينَئِذٍ أنَّها تُشاهِدُها عَلى ما هي عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً تُشاهِدُها عَلى صُوَرٍ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ تُشاهِدُها عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطّاعاتِ لا تَخْلُو فِيها نَوْعُ مَشَقَّةٍ وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً تُشاهِدُها عَلى خِلافِ ما كانَتْ تُشاهِدُها عَلَيْهِ هَهُنا؛ لِأنَّها كانَتْ مُزَيِّنَةً لَها مُوافِقَةً لِهَواها، وتَنْكِيرُ النَّفْسِ المُفِيدُ لِثُبُوتِ العِلْمِ المَذْكُورِ لِفَرْدٍ مِنَ النُّفُوسِ أوْ لِبَعْضٍ مِنها؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِها قاطِبَةً مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ اشْتِباهٍ قَطْعًا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ ولَوْ جِئْ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ولِلرَّمْزِ إلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ العالِمَةَ بِما ذُكِرَ مَعَ تَوَفُّرِ أفْرادِها، وتَكْثُرُ أعْدادُها مِمّا يُسْتَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ الَّذِي أُشِيرَ إلى بَعْضِ بَدائِعِ شُؤُنِهِ المُنْبِئَةِ عَنْ عِظَمِ سُلْطانِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ هَذا مِن قَبِيلِ عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ فِيما يُعْكَسُ عَنْهُ، وتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وبِقَوْلِ مَن قالَ:
؎ قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ
، وبُقُولِ مَن قالَ حِينَ سُئِلَ عَنْ عَدَدِ فُرْسانِهِ:
؎ رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي وعِنْدُهُ المَقانِبُ
، قاصِدًا بِذَلِكَ التَّمادِي في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ وإظْهارِ بَراءَتِهِ مِنَ التَّزَيُّدِ وأنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ فَضْلًا أنْ يَتَزَيَّدَ، فَمِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ إلّا أنَّ الكَلامَ المَعْكُوسَ عَنْهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأمْثِلَةِ مِمّا يَقْبَلُ الإفْراطَ والتَّمادِيَ فِيهِ فَإنَّهُ في الأوَّلِ كَثِيرًا ما يَوَدُّ وفي الثّانِي كَثِيرًا ما أتْرُكُ، وفي الثّالِثِ كَثِيرٌ مِنَ الفُرْسانِ وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ قابِلٌ لِلْإفْراطِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ لِعَدَمِ انْحِصارِ مَراتِبِ الكَثْرَةِ وقَدْ قُصِدَ بِعَكْسِهِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّمادِي في التَّكْثِيرِ حَسْبَما فَضِلَ أمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فالكَلامُ الَّذِي عَكَسَ عَنْهُ عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ كَما صَرَّحَ بِهِ القائِلُ ولَيْسَ فِيهِ إمْكانُ التَّكْثِيرِ حَتّى يُقْصَدَ بِعَكْسِهِ المُبالَغَةُ والتَّمادِي فِيهِ وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ إذا عَلِمَتْ حِينَئِذٍ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ ما أحْضَرَتْ وجَبَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ إصْلاحُ عَمَلِها مَخافَةَ أنْ تَكُونَ هي تِلْكَ الَّتِي عَلِمَتْ ما أحْضَرَتْ فَكَيْفَ وكُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَنْصَحُهُ: "لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ" ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ فَإنَّكَ لا تُقْصَدُ بِذَلِكَ أنَّ نَدَمَهُ مَرْجُوُّ الوُجُودِ لا مُتَيَقَّنٍ بِهِ أوْ نادِرُ الوُقُوعِ بَلْ تُرِيدُ أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَجْتَنِبَ أمْرًا يُرْجى فِيهِ النَّدَمُ أوْ قَلَّمًا يَقَعُ فِيهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا كانَ قَطْعِيَّ الوُجُودِ كَثِيرَ الوُجُودِ.
التكوير 81:15
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ الرَّواجِعِ، مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ، وهي ما عَدّا النَّيَّرِينَ مِنَ الدَّرارِيِّ الخَمْسَةِ وهي بُهْرامُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والزُّهْرَةُ والمُشْتَرِي، وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: *
التكوير 81:16
(p-118)﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَخُنُوسُها: رُجُوعُها وكُنُوسُها: اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، مِن كَنَسَ الوَحُشِيُّ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ. وقِيلَ: هي جَمِيعُ الكَواكِبِ تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ، وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
التكوير 81:17
﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ أيْ: أدْبَرَ ظَلامُهُ أوْ أقْبَلَ، فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ وكَذَلِكَ "عَسَعَسَ"، قالَ الفَرّاءُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ مَعْنى عَسْعَسَ أدْبَرَ عَلَيْهِ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وَقِيلَ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ خاصَّةً، وقِيلَ: مَعْنى إقْبالِ ظَلامِهِ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: *
التكوير 81:18
﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ لِأنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ، وقِيلَ: إدْبارُهُ أقْرَبُ مِن تَنَفُّسِ الصُّبْحِ ومَعْناهُ: أنَّ الصُّبْحَ إذا أقْبَلَ يُقْبِلُ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ مَجازًا، فَقِيلَ "تَنَفَّسَ الصُّبْحُ".
التكوير 81:19
﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمَ النّاطِقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّواهِي الهائِلَةِ.
﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
التكوير 81:20
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ شَدِيدَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ . وقِيلَ: المُرادُ: القُوَّةُ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ الإخْلالِ بَها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ.
﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ذِي مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، عِنْدِيَّةُ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، لا عِنْدِيَّةُ مَكانٍ.
التكوير 81:21
﴿مُطاعٍ﴾ فِيما بَيْنَ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ.
﴿ثَمَّ أمِينٍ﴾ عَلى الوَحْيِ و"ثُمَّ" ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: لِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ "ثُمَّ" تَعْظِيمًا لِوَصْفِ الأمانَةِ وتَفْضِيلًا لَها عَلى سائِرِ الأوْصافِ.
التكوير 81:22
﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ المُصاحَبَةِ؛ لِلتَّلْوِيحِ بِإحاطَتِهِمْ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبَرًا، وعِلْمُهم بِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى فَضْلِ جِبْرِيلَ عَلْيِهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِلتَّبايُنِ البَيِّنِ بَيْنَ وصْفَيْهِما وهو ضَعِيفٌ؛ إذِ المَقْصُودُ رَدُّ قَوْلِ الكَفَرَةِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَعْلِّمُهُ بَشَرٌ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ لا تَعْدادُ فَضائِلِهِما والمُوازَنَةُ.
التكوير 81:23
(p-119)﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الأعْلى.
التكوير 81:24
﴿وَما هُوَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
﴿عَلى الغَيْبِ﴾ عَلى ما يُخْبِرُهُ مِنَ الوَحْيِ إلَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الغُيُوبِ.
﴿بِضَنِينٍ﴾ أيْ: بِبَخِيلٍ لا يَبْخَلُ بِالوَحْيِ، ولا يُقَصِّرُ في التَّبْلِيغِ والتَّعْلِيمِ، وقُرِئَ "بِظَنِينٍ" أيْ: بِمُتَّهَمٍ، مِنَ الظِّنَّةِ وهي التُّهْمَةُ.
التكوير 81:25
﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: قَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ كِهانَةٌ وسِحْرٌ.
التكوير 81:26
﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القرآن، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ مُبِينٌ، ولَيْسَ مِمّا يَقُولُونَ في شَيْءٍ، كَما تَقُولُ لِمَن تَرَكَ الجادَّةَ بَعْدَ ظُهُورِها: "هَذا الطَّرِيقُ الواضِحُ فَأيْنَ تَذْهَبُ".
التكوير 81:27
﴿إنْ هُوَ﴾ ما هو.
﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم.
التكوير 81:28
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ "العالَمِينَ" بِإعادَةِ الجارِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ "شاءَ" أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الأسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ "العالَمِينَ" لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ.
التكوير 81:29
﴿وَما تَشاءُونَ﴾ أيِ: الأسْتِقامَةَ مَشِيئَةً مُسْتَتْبَعَةً لَها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَشِيئَةَ أيِ: المُسْتَتْبِعَةُ لِلِاسْتِقامَةِ، فَإنَّ مَشِيئَتَكم لا تَسْتَتْبِعُها بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لَها.
﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ مالِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهم أجْمَعِينَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّكْوِيرِ أعاذَهُ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهُ حِينَ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ".»
الانفطار 82:1
(p-120)سُورَةُ الأنْفِطارِ مَكِّيَّةٌ وآياتُها تِسْعَةَ عَشَرَ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ والكَلامُ في ارْتِفاعِ السَّماءِ كَما مَرَّ في ارْتِفاعِ الشَّمْسِ.
الانفطار 82:2
﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أيْ: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً.
الانفطار 82:3
﴿وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ فاخْتَلَطَ العَذْبُ بِالأُجاجِ، وزالَ ما بَيْنَهُما مِنَ البَرْزَخِ الحاجِزِ وصارَتِ البِحارُ بَحْرًا واحِدًا، ورُوِيَ أنَّ الأرْضَ تُنَشِّفُ الماءَ بَعْدَ امْتِلاءِ البِحارِ فَتَصِيرُ مُسْتَوِيَةً، وهو مَعْنى التَّسْجِيرِ عِنْدَ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَتْ، وقُرِئَ "فُجِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْضًا بمْعَنى: بَغَتْ مِنَ الفُجُورِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ .
الانفطار 82:4
﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أيْ: قُلِبَ تُرابُها، وأُخْرِجَ مَوْتاها، ونَظِيرُهُ بَحْثَرَ لَفْظًا ومَعْنى، وهُما مُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِما.
الانفطار 82:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابُ "إذا" لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَعْلَمُهُ عِنْدَ البَعْثِ؛ بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ لِما عُرِفْتَ مِن أنَّ المُرادَ بِها: زَمانٌ واحِدٌ مَبْدَؤُهُ النَّفْخَةُ الأُولى ومُنْتَهاهُ الفَصْلُ بَيْنَ الخَلائِقِ، لا أزْمِنَةً مُتَعَدِّدَةً حَسَبَ تَعَدُّدِ كَلِمَةِ "إذا" وإنَّما كُرِّرَتْ لِتَهْوِيلِ ما في حَيِّزِها مِنَ الدَّواهِي، والكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ في نَظِيرِهِ، ومَعْنى "ما قَدَّمَ وأخَّرَ": ما أسْلَفَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما قَدَّمَ مِن مَعْصِيَةٍ وأخَّرَ مِن طاعَةٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: ما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ لِنَفْسِهِ وما أخَّرَ لِوَرَثَتِهِ. وقِيلَ: ما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ. وقِيلَ: أوَّلُ عَمَلِهِ وآخِرُهُ، ومَعْنى عِلْمِها التَّفْصِيلِيُّ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما مَرَّ مِرارًا.
الانفطار 82:6
(p-121)﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ وقَدْ عَلِمْتَ ما بَيْنَ يَدَيْكَ مِنَ الدَّواهِي التّامَّةِ والعَراقِيلِ الطّامَّةِ، وما سَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِن مُشاهَدَةِ أعْمالِكَ كُلِّها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ كَرَمِهِ تَعالى؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَدارًا لِاغْتِرارِهِ يَغْوِيهِ الشَّيْطانُ ويَقُولُ لَهُ: افْعَلْ ما شِئْتَ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا وسَيَفْعَلُ مِثْلَهُ في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ وتَمْنِيَةٌ باطِلَةٌ؛ بَلْ هو مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الإقْبالِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ والأجْتِنابِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حَمَلَكَ عَلى عِصْيانِ رَبِّكَ المَوْصُوفِ بِالصِّفاتِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ الدّاعِيَةِ إلى خِلافِهِ.
الانفطار 82:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَرَمِ، مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِدْءًا قَدَرَ عَلَيْهِ إعادَةً، والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الأعْضاءِ سَلِيمَةً سَوِيَّةً مُعَدَّةً لِمَنافِعِها، وعَدَلَها: عَدَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ اعْتَدَلَتْ ولَمْ تَتَفاوَتْ، أوْ صَرَفَها عَنْ خِلْقَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ لَها، وقُرِئَ "فَعَدَّلَكَ" بِالتَّشْدِيدِ أيْ: صَيَّرَكَ مُتَعَدِّلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ فِيهِ.
الانفطار 82:8
﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أيْ: ورَكَّبَكَ في أيِّ صُورَةٍ شاءَها مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ و"ما" مَزِيدَةٌ و"شاءَ" صِفَةٌ لِـ"صُورَةٍ" أيْ: رَكَّبَكَ في أيِّ صُورَةٍ شاءَها واخْتارَها لَكَ مِنَ الصُّوَرِ العَجِيبَةِ الحَسَنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ الجُمْلَةَ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِـ"عَدَلَكَ".
الانفطار 82:9
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ الاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وجَعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى الكُفْرِ والمَعاصِي، مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إضْرابٌ عَنْ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ الرَّدْعِ بِطَرِيقِ الأعْتِراضِ وأنْتُمْ لا تَرْتَدِعُونَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ تَجْتَرِئُونَ عَلى أعْظَمِ مِن ذَلِكَ حَيْثُ تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والبَعْثِ رَأْسًا أوْ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي هُما مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ، فَلا تُصَدِّقُونَ سُؤالأ ولا جَوابًا، ولا ثَوابًا ولا عِقابًا. وقِيلَ: كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تَسْتَقِيمُونَ عَلى ما تُوجِبُهُ نِعَمِي عَلَيْكم وإرْشادِي لَكُمْ، بَلْ تَكْذِبُونَ...إلَخْ، وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّهُ لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، ثُمَّ قِيلَ: أنْتُمْ لا تَتَبَيَّنُونَ بِهَذا البَيانِ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
الانفطار 82:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَكْذِبُونَ" مُفِيدَةٌ لِبُطْلانِ تُكَذِيبِهِمْ وتَحَقُّقِ ما يُكَذِّبُونَ بِهِ أيْ: تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والحالُ أنَّ عَلَيْكم مِن قِبَلِنا لَحافِظِينَ لِأعْمالِكم.
الانفطار 82:11
(p-122)﴿كِرامًا﴾ لَدَيْنا.
﴿كاتِبِينَ﴾ لَها.
الانفطار 82:12
﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ قَلِيلًا وكَثِيرًا ويَضْبِطُونَهُ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا لِتُجازَوْا بِذَلِكَ، وفي تَعْظِيمِ الكاتِبَيْنِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَفْخِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ حَيْثُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَؤُلاءِ الكِرامُ.
الانفطار 82:13
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكِتابِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجحيم مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى.
الانفطار 82:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكِتابِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجحيم مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى.
الانفطار 82:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِـ"جَحِيمٍ" أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها.
﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
الانفطار 82:16
﴿وَما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإنَّ المُرادَ: دَوامٌ نَفْيِ الغَيْبَةِ لا نَفْيِ دَوامِ الغِيبَةِ؛ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ الجُمْلَةَ الأسْمِيَّةَ المَنفِيَّةَ قَدْ يُرادُ بِها: اسْتِمْرارُ النَّفْيِّ لا نَفْيُ الأسْتِمْرارِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مِنَ الدَّوامِ والثَّباتِ بَعْدَ النَّفِيِّ لا قَبْلَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ".»
الانفطار 82:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ إثْرَ تَفْخِيمٍ وتَهْوِيلٍ لِأمْرِهِ بَعْدَ تَهْوِيلٍ بِبَيانِ أنَّهُ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ دِرايَةِ الخَلْقِ عَلى أيِّ صُورَةٍ تَصَوُّرُهُ فَهو فَوْقَها، وكَيْفَما تَخَيَّلُوهُ فَهو أطَمُّ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ دارِيًا ما يَوْمُ الدِّينِ عَلى أنَّ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ لِـ"يَوْمُ الدِّينِ" إلّا بِالعَكْسِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ لِما مَرَّ مِن أنَّ مَدارَ الإفادَةِ هو الخَبَرُ لا المُبْتَدَأُ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَناطَ إفادَةِ الهَوْلِ والفَخامَةِ هُنا هو ما لا يَوْمُ الدِّينِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَجِيبٍ هو في الهَوْلِ والفَظاعَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ كَلِمَةَ "ما" قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ وإنْ كانَتْ مَوْضُوعَةً (p-123)لِطَلَبِ الحَقِيقَةِ وشَرْحِ الأسْمِ يُقالُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: في الجَوابِ كاتِبٌ أوْ طَبِيبٌ، وفي إظْهارِ "يَوْمُ الدِّينِ" في مَوْقِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِهِ وفَخامَتِهِ.
الانفطار 82:18
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ إثْرَ تَفْخِيمٍ وتَهْوِيلٍ لِأمْرِهِ بَعْدَ تَهْوِيلٍ بِبَيانِ أنَّهُ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ دِرايَةِ الخَلْقِ عَلى أيِّ صُورَةٍ تَصَوُّرُهُ فَهو فَوْقَها، وكَيْفَما تَخَيَّلُوهُ فَهو أطَمُّ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ دارِيًا ما يَوْمُ الدِّينِ عَلى أنَّ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ لِـ"يَوْمُ الدِّينِ" إلّا بِالعَكْسِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ لِما مَرَّ مِن أنَّ مَدارَ الإفادَةِ هو الخَبَرُ لا المُبْتَدَأُ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَناطَ إفادَةِ الهَوْلِ والفَخامَةِ هُنا هو ما لا يَوْمُ الدِّينِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَجِيبٍ هو في الهَوْلِ والفَظاعَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ كَلِمَةَ "ما" قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ وإنْ كانَتْ مَوْضُوعَةً (p-123)لِطَلَبِ الحَقِيقَةِ وشَرْحِ الأسْمِ يُقالُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: في الجَوابِ كاتِبٌ أوْ طَبِيبٌ، وفي إظْهارِ "يَوْمُ الدِّينِ" في مَوْقِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِهِ وفَخامَتِهِ.
الانفطار 82:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ إثْرَ إبْهامِهِ، وبَيانِ خُرُوجِهِ عَنْ عُلُومِ الخَلْقِ بِطَرِيقِ إنْجازِ الوَعْدِ، فَإنَّ نَفْيَ إدْرائِهِمْ مُشْعِرٌ بِالوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإدْراءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كُلُّ ما في القرآن مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فَقَدْ طُوِيَ عَنْهُ و"يَوْمَ" مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وحَرَكَتُهُ الفَتْحُ؛ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هو يَوْمَ لا يَمْلِكُ فِيهِ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ...إلَخْ أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اذْكُرْ" كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ يَوْمِ الدِّينِ وتَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَعْرِفَتِهِ: اذْكُرْ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ ...إلَخْ، فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هو. وقِيلَ: بِإضْمارِ "يُدانُونَ" ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّهُ عارٍ عَنْ إفادَةِ ما يُفِيدُهُ ما قَبْلَهُ كَما أنَّ إبْدالَهُ مِن "يَوْمُ الدِّينِ" عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ كَذَلِكَ، بَلِ الحَقُّ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفِطارِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ السَّماءِ وبِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً".»
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المطففين 83:1
(p-124)سُورَةُ المُطَفِّفِينَ
مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها وآياتُها سِتٌّ وثَلاثُونَ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ قِيلَ: الوَيْلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وقِيلَ: العَذابُ الألِيمُ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، وقِيلَ وقِيلَ .. وأيًّا ما كانَ؛ فَهو مُبْتَدَأٌ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ الدُّعاءِ، والتَّطْفِيفُ: البَخْسُ في الكَيْلِ والوَزْنِ؛ لِأنَّ ما يُبْخَسُ شَيْءٌ طَفِيفٌ حَقِيرٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وكانَ أهْلُها مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَنَزَلَتْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ. وقِيلَ: قَدِمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِها رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأبِي جُهَيْنَةَ، ومَعَهُ صاعانِ يَكِيلُ بِأحَدِهِما ويَكْتالُ بِالآخَرِ. وقِيلَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ تُجّارًا يُطَفِّفُونَ، وكانَتْ بِياعاتِهُمُ المُنابَذَةَ والمُلامَسَةَ والمُخاطَرَةَ فَنَزَلَتْ؛ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ وقالَ: « "خَمْسٌ بِخَمْسٍ، ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ المَوْتُ ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ.»
المطففين 83:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ...إلَخْ، صِفَةٌ كاشِفَةٌ لِلْمُطَفِّفِينَ شارِحَةٌ لِكَيْفِيَّةِ تَطْفِيفِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الذَّمَّ والدُّعاءَ بِالوَيْلِ، أيْ: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ مَكِيلَهم بِحُكْمِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وافِرًا، وتَبْدِيلُ كَلِمَةِ "عَلى" بِـ"مِن" لِتَضْمِينِ الأكْتِيالِ مَعْنى الاسْتِيلاءِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ اكْتِيالٌ مُضِرٌ بِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى اعْتِبارِ الضَّرَرِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَلِمَةُ "إذا" لِإخْلالِهِ بِالمَعْنى، بَلْ في نَفْسِ الأمْرِ بِمُوجِبِ الجَوابِ، فَإنَّ المُرادَ بِالأسْتِيفاءِ لَيْسَ أخْذَ الحَقِّ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، بَلْ مُجَرَّدَ الأخْذِ الوافِي الوافِرِ حَسْبَما أرادُوا بِأيِّ وجْهٍ تَيَسَّرَ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ، وكانُوا يَفْعَلُونَهُ بِكَبْسِ المَكِيلِ وتَحْرِيكِ المِكْيالِ واحْتِيالٍ في مَلْئِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اكْتِيالَهم لِما لَهم عَلى النّاسِ، فَمَعَ اقْتِضائِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ الحُكْمِ لِاكْتِيالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى النّاسِ شَيْءٌ بِطَرِيقِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ، مَعَ أنَّهُ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَعْنى الأسْتِيفاءِ أخْذُ ما لَهم عَلَيْهِمْ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ؛ إذْ هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ في مَعْرِضِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مَدارًا لِذَمِّهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ ما لَهم عَلَيْهِمْ عَلى مَعْنى ما سَيَكُونُ (p-125)لَهم عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا جِدًّا مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا، فَإنَّ اعْتِبارَ كَوْنِ المَكِيلِ لَهم حالأ كانَ أوْ مَآلًا، لا يَسْتَدْعِي كَوْنَ الأسْتِيفاءِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ حَتْمًا، وهَكَذا حالُ ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ مِن أنَّ "مِن" و"عَلى" تَعْتَقِبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: اكْتَلْتُ عَلَيْكَ فَإنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ فَتَأمَّلْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "عَلى" مُتَعَلِّقَةً بِـ"يَسْتَوْفُونَ" ويَكُونُ تَقْدِيمُها عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ الخُصُوصِيَّةِ، أيْ: يَسْتَوْفُونَ عَلى النّاسِ خاصَّةً، فَأمّا أنْفُسُهم فَيَسْتَوْفُونَ لَها.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ القَصْرَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ فِيما يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِغَيْرِ المَجْرُورِ أيْضًا حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ، فَيُقْصَدُ بِالتَّقْدِيمِ قَصْرُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ القَلْبِ أوِ الإفْرادِ أوِ التَّعْيِينِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولا رَيْبَ في أنَّ الأسْتِيفاءَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ الوافِي مِمّا لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، حَتّى يُقْصَدَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَصْرُهُ عَلى النّاسِ عَلى أنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا فِيما وقَعَ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.
المطففين 83:3
والضَّمِيرُ البارِزُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ لِلنّاسِ أيْ: إذا كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم لِلْبَيْعِ ونَحْوِهِ.
﴿يُخْسِرُونَ﴾ أيْ: يُنْقِصُونَ، يُقالُ: خَسِرَ المِيزانَ وأخْسَرَهُ، فَحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا
أيْ: جَنَيْتُ لَكَ، وجَعْلُ البارِزِ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَكِنِّ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الكَيْلِ والوَزْنِ في صُورَةِ الإخْسارِ، والأقْتِصارَ عَلى الأكْتِيالِ في صُورَةِ الأسْتِيفاءِ لِما أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الأحْتِيالِ عِنْدَ الأتِّزانِ تَمَكُّنَهم مِنهُ عِنْدَ الكَيْلِ والوَزْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَكِيلِ والمَوْزُونِ في الصُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ سُوءِ مُعُامَلَتِهِمْ في الأخْذِ والإعْطاءِ، لا في خُصُوصِيَّةِ المَأْخُوذِ والمُعْطى.
المطففين 83:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّطْفِيفِ والتَّعْجِيبِ مِنَ اجْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، و"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُطَفِّفِينَ، ووَضْعُهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ الَّذِي هو وصْفُهُمْ، فَإنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِوَصْفِهِ، وأمّا الضَّمِيرُ فَلا يَتَعَرَّضُ لِوَصْفِهِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ عَنْ سائِرِ النّاسِ أكْمَلَ امْتِيازٍ، نازِلُونَ مَنزِلَةَ الأُمُورِ المُشارِ إلَيْها إشارَةً حِسِّيَّةً، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرارَةِ والفَسادِ، أيْ: ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ الشَّنِيعِ الهائِلِ أنَّهم مَبْعُوثُونَ.
المطففين 83:5
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِظَمِهِ وعِظَمِ ما فِيهِ، ومُحاسَبُونَ فِيهِ عَلى مِقْدارِ الذَّرَّةِ والخَرْدَلَةِ، فَإنَّ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وإنْ كانَ ظَنًّا ضَعِيفًا مُتاخِمًا لِلشَّكِّ والوَهْمِ، لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى أمْثالِ هاتِيكَ القَبائِحِ، فَكَيْفَ بِمَن تَيَقَّنَهُ؟!
المطففين 83:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-126)
أيْ: لِحُكْمِهِ وقَضائِهِ، مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أعْنِي" وقِيلَ: بِمَبْعُوثُونَ أوْ مَرْفُوعُ المَحَلِّ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِن "يَوْمٍ عَظِيمٍ" مَبْنِيٍّ عَلى الفَتْحِ؛ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُضارِعًا كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَيْنِ القَرّاءَةُ بِالرَّفْعِ وبِالجَرِّ، وفي هَذا الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وإيرادِ الظَّنِّ ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعِظَمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ كافَّةً لِلَّهِ تَعالى خاضِعِينَ، ووَصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينِ مِنَ البَيانِ البَلِيغِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ، وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وأمْثالِهِ ما لا يَخْفى.
المطففين 83:7
﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ عَنِ البَعْثِ والحِسابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ...إلَخْ، تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ أوْ وُجُوبِ الأرْتِداعِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، و"سِجِّينٌ": عَلَمٌ لِـكِتابٍ جامِعٍ هو دِيوانُ الشَّرِّ دُوِّنَ فِيهِ أعْمالُ الشَّياطِينِ وأعْمالُ الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَخاتَمٍ، وأصْلُهُ فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ كَما قِيلَ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ في مَكانٍ مُظْلِمٍ وحْشٍ وهو مَسْكَنُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، فالمَعْنى: إنَّ كِتابَ الفُجّارِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ المُطَفِّفُونَ أيْ: ما يُكْتَبُ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ كِتابَةَ أعْمالِهِمْ لَفي ذَلِكَ الكِتابِ المُدَوَّنِ فِيهِ قَبائِحُ أعْمالِ المَذْكُورِينَ.
المطففين 83:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ أيْ: هو بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ.
المطففين 83:9
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ أوْ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَن رَآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمُ المَكانِ والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ السَّجِينِ، أوْ مَحَلُ كِتابٍ مَرْقُومٍ.
المطففين 83:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: *
المطففين 83:11
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ.
المطففين 83:12
﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ عَنْ حُدُودِ النَّظَرِ والأعْتِبارِ، غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى اسْتَقْصَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَلِمَهُ عَنِ الإعادَةِ مَعَ مُشاهَدَتِهِ لِلْبَدْءِ.
﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مُنْهَمِكٍ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ، بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ، وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها.
المطففين 83:13
﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ (p-127)آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ.
﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ.
﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُعْتَدِي الأثِيمِ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ مَن اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ، وقُرِئَ "إذا يُتْلى" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ "أإذا تُتْلى" عَلى الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
المطففين 83:14
كَلّا رَدْعٌ لِلْمُعْتَدِي الأثِيمِ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ الباطِلِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بَيانٌ لِما أدّى بِهِمْ إلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، أيْ: لَيْسَ في آياتِنا ما يَصِحُّ أنْ يُقالَ في شَأْنِها مِثْلُ هَذِهِ المَقالأتِ الباطِلَةِ، بَلْ رَكِبَ عَلى قُلُوبِهِمْ وغَلَبَ عَلَيْها ما كانُوا يَكْسِبُونَها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، حَتّى صارَتْ كالصَّدَأِ في المِرْآةِ، فَحالَ ذاكَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، كَما قالَ ﷺ: ﴿إنَّ العَبْدَ كُلَّما أذْنَبَ ذَنْبًا حَصَلَ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ﴾ ولِذَلِكَ قالُوا ما قالُوا، والرَّيْنُ: الصَّدَأُ، يُقالُ: رانَ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وغانَ عَلَيْهِ رَيْنًا وغَيْنًا، ويُقالُ: رانَ فِيهِ النَّوْمُ أيْ: رُسِّخَ فِيهِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ.
المطففين 83:15
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ.
﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَلا يَكادُونَ يَرَوْنَهُ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِإهانَتِهِمْ بِإهانَةِ مَن يُحْجَبُ عَنِ الدُّخُولِ عَلى المُلُوكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادةَ وابْنِ أبِي مَلِيكَةَ: مَحْجُوبُونَ عَنْ رَحْمَتِهِ، وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ عَنْ كَرامَتِهِ.
المطففين 83:16
﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجحيم﴾ أيْ: داخِلُوا النّارِ و"ثُمَّ" لِتَراخِي الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ صَلْيَ الجحيم أشَدُّ مِنَ الإهانَةِ والحِرْمانِ مِنَ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ.
المطففين 83:17
﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا مِن جِهَةِ الزَّبانِيَةِ.
﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَذُوقُوا عَذابَهُ.
المطففين 83:18
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ رَدْعٍ، زَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَحَلِّ كِتابِ الأبْرارِ، بَعْدَهُ بَيانُ سُوءِ حالِ الفُجّارِ مُتَّصِلًا بِبَيانِ سُوءِ حالِ كِتابِهِمْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ ووُجُوبِ الأرْتِداعِ و"كِتابُهُمْ": ما كُتِبَ مِن أعْمالِهِمْ، و"عِلِّيُّونَ": عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما أعْمَلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ، مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْتِفاعِ إلى أعالِي الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ حَيْثُ يَسْكُنُ الكَرُوبِيُّونَ تَكْرِيمًا لَهُ وتَعْظِيمًا.
المطففين 83:19
(p-128)والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ كَما مَرَّ في نَظِيرِهِ.
المطففين 83:20
(p-128)والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ كَما مَرَّ في نَظِيرِهِ.
المطففين 83:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابَ" أيْ: يَحْضُرُونَهُ ويَحْفَظُونَهُ أوْ يَشْهَدُونَ بِما فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
المطففين 83:22
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ ما مَرَّ في شَأْنِ الفُجّارِ.
المطففين 83:23
﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، ولا يَكادُ تُطْلَقُ الأرِيكَةُ عَلى السَّرِيرِ عِنْدَهم إلّا عِنْدَ كَوْنِهِ في الحَجَلَةِ.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: إلّا ما شاءُوا مَدَّ أعْيُنِهِمْ إلَيْهِ مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ، وإلى ما أوْلاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعْمَةِ والكَرامَةِ، وإلى أعْدائِهِمْ يُعَذَّبُونَ في النّارِ، وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم عَنِ الإدْراكِ.
المطففين 83:24
﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ: بَهْجَةَ التَّنَعُّمِ وماءَهُ ورَوْنَقَهُ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَهم مِن آثارِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ البَهْجَةِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِهِ راءٍ دُونَ راءٍ.
المطففين 83:25
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ شَرابٍ خالِصٍ لا غِشَّ فِيهِ ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
المطففين 83:26
﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ: مَخْتُومٌ أوانِيهِ وأكْوابُهُ بِالمِسْكِ مَكانَ الطِّينِ ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِكَمالِ نَفاسَتِهِ، وقِيلَ: خِتامُهُ مِسْكٌ أيْ: مَقْطَعُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ، وقُرِئَ "خاتَمُهُ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِها أيْ: ما يُخْتَمُ بِهِ ويُقْطَعُ.
﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحِيقِ وهو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إمّا لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ في الجَنَّةِ، أيْ: في ذَلِكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ.
﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ أيْ: فَلْيَرْغَبْ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ وقِيلَ: فَلْيَسْتَبِقِ المُسْتَبِقُونَ، وأصْلُ التَّنافُسِ التَّغالُبُ في الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّفْسِ لِعِزَّتِها، قالَ الواحِدِيُّ: نَفَسْتُ الشَّيْءَ أُنْفُسُهُ نَفاسَةً، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، وقالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي يَحْرِصُ (p-129)
عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ، ويَزِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ لِنَفْسِهِ ويَنْفُسُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، أيْ: يَضَنُّ بِهِ.
المطففين 83:27
﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "خِتامُهُ" صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَحِيقٍ" مِثْلِهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ عَلى الرَّحِيقِ مِن ماءِ تَسْنِيمٍ، عَلى أنَّ "مِن" بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ "مِن نَفْسِهِ" عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ و"التَّسْنِيمُ" عَلَمٌ لِـ"عَيْنٍ" بِعَيْنِها سُمِّيتُ بِهِ إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقِ، رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَصُبُّ في أوانِيهِمْ.
المطففين 83:28
﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ، وجَوازُ أنْ يَكُونَ حالأ مِن "تَسْنِيمٍ" مَعَ كَوْنِهِ جامِدًا لِاتِّصافِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ
فَإنَّهم يَشْرَبُونَها صِرْفًا وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، فالباءُ مَزِيدَةٌ أوْ بِمَعْنى مِن.
المطففين 83:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ ...إلَخْ، حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ في الدُّنْيا.
﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا، أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أوْ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
المطففين 83:30
﴿وَإذا مَرُّوا﴾ أيْ: فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ.
﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالمُشْرِكِينَ وهم في أنْدِيَتِهِمْ وهو الأظْهَرُ وإنَّ جازَ العَكْسُ أيْضًا.
﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمْ.
المطففين 83:31
﴿وَإذا انْقَلَبُوا﴾ مِن مَجالِسِهِمْ.
﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِذِكْرِهِمْ بِالسُّوءِ والسُّخْرِيَةِ مِنهُمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِمَرْأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقُرِئَ "فاكِهِينَ"، قِيلَ: هُما بِمَعْنى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مازِحِينَ.
المطففين 83:32
﴿وَإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْنَما كانُوا.
﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: نَسَبُوا المُسْلِمِينَ مِمَّنْ رَأوْهم ومِن غَيْرِهِمْ إلى الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ.
المطففين 83:33
﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ.
﴿حافِظِينَ﴾ حالٌ مِن واوِ (p-130)"قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ؛ إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى، كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ لا بِالعِبارَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِأفْعَلَنَّ.
المطففين 83:34
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: المَعْهُودُونَ مِنَ الفُقَراءِ.
﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ أيْ: مِنَ المَعْهُودِينَ -وَهُوَ الأظْهَرُ- وإنْ أمْكَنَ التَّنْعِيمُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
﴿يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهم أذِلّاءَ مَغْلُولِينَ قَدْ غَشِيَهم فُنُونُ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ، ورَهَقَهم ألْوانُ العَذابِ بَعْدَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ تَحْقِيقًا لِلْمُقابِلَةِ، أيْ: فاليَوْمَ هم مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ، لا الكُفّارُ مِنهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا.
المطففين 83:35
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَضْحَكُونَ" أيْ: يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ، وقِيلَ: يُفْتَحُ لِلْكُفّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: اخْرُجُوا إلَيْها فَإذا وصَلُوا إلَيْها أُغْلِقَ دُونَهم يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِرارًا ويَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ مِنهم.
المطففين 83:36
وَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ ضَحِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهم جَزاءٌ لِضَحِكِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ مِنَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ حَتْمًا، والتَّثْوِيبُ والإثابَةُ: المُجازاةُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الثّاءِ.
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُطَفِّفِينَ سَقاهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ".»
الانشقاق 84:1
(p-131)سُورَةُ الأنْشِقاقِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ وعِشْرُونَ
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيْ: بِالغَمامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وعَنْ عَلِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ.
الانشقاق 84:2
﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ: واسْتَمَعَتْأيِ: انْقاداتْ وأذْعَنَتْ لِتَأْثِيرِ قدرته تعالى حِينَ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِانْشِقاقِها، انْقِيادَ المَأْمُورِ المِطْواعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلَيْها؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ ونَظِيرَتُها الآتِيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ في الإنْباءِ عَنْ كَوْنِ ما نُسِبَ إلى السَّماءِ والأرْضِ مِنَ الأنْشِقاقِ والمَدِّ وغَيْرِهِما جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ.
﴿وَحُقَّتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ حَقِيقَةً بِالأسْتِماعِ والأنْقِيادِ، لَكِنْ لا بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ في نَفْسِها وحَدِّ ذاتِها مِن قَوْلِهِمْ: هو مَحْقُوقٌ بِكَذا وحَقِيقٌ بِهِ، والمَعْنى: انْقادَتْ لِرَبِّها وهي حَقِيقَةٌ بِذَلِكَ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المُرادَ خُصُوصِيَّةُ ذاتِها مِن بَيْنِ سائِرِ المَقْدُوراتِ، بَلْ خُصُوصِيَّةُ القُدْرَةِ القاهِرَةِ الرَّبّانِيَّةِ الَّتِي يَتَأتّى لَها كُلُّ مَقْدُورٍ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْها أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَحَقُّ الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَها لا مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ.
الانشقاق 84:3
﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ بِإزالَةِ جِبالِها وآكامِها مِن مَقارِّها، وتَسْوِيَتِها بِحَيْثُ صارَتْ قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، أوْ زِيدَتْ سِعَةً وبَسْطَةً، مِن مَدَّهُ بِمَعْنى أمَدَّهُ أيْ: زادَهُ.
الانشقاق 84:4
﴿وَألْقَتْ ما فِيها﴾ أيْ: رَمَتْ ما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ .
﴿وَتَخَلَّتْ﴾ وخَلَتْ عَمّا فِيها غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِنهُ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِها.
الانشقاق 84:5
﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ في الإلْقاءِ والتَّخَلِّي.
﴿وَحُقَّتْ﴾ أيْ: وهي حَقِيقَةٌ بِذَلِكَ أيْ: شَأْنُها ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى القُدْرَةِ (p-132)
الرَّبّانِيَّةِ، وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ "إذا" مَعَ اتِّحادِ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ إلى السَّماءِ والأرْضِ وُقُوعًا في الوَقْتِ المُمْتَدِّ الَّذِي هو مَدْلُولُها قَدْ مَرَّ سِرُّهُ فِيما مَرَّ.
الانشقاق 84:6
﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيْ: جاهِدٌ ومُجِدٌّ إلى المَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مُثِّلَتْ بِاللِّقاءِ، مُبالِغٌ في ذَلِكَ، فَإنَّ الكَدْحَ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِيها مِن كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ.
﴿فَمُلاقِيهِ﴾ أيْ: فَمُلاقٍ لَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيكَ عَنْهُ، قَوْلُهُ تَعالى: *
الانشقاق 84:7
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ...إلَخْ، قِيلَ: جَوابُ "إذا" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ والإيماءِ إلى قُصُورِ العِبارَةِ عَنْ بَيانِهِ أوْ لِلتَّعْوِيلِ عَلى ما مَرَّ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ والأنْفِطارِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ، تَقْدِيرُهُ: لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ. وقِيلَ: هو ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ، بِإضْمارِ القَوْلِ يَسِيرُ سَهْلًا لا مُناقَشَةَ فِيهِ ولا اعْتِراضَ، وعَنِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هو أنْ يُعَرَّفَ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزَ عَنْهُ.
الانشقاق 84:8
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ...إلَخْ، قِيلَ: جَوابُ "إذا" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ والإيماءِ إلى قُصُورِ العِبارَةِ عَنْ بَيانِهِ أوْ لِلتَّعْوِيلِ عَلى ما مَرَّ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ والأنْفِطارِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ، تَقْدِيرُهُ: لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ. وقِيلَ: هو ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ، بِإضْمارِ القَوْلِ يَسِيرُ سَهْلًا لا مُناقَشَةَ فِيهِ ولا اعْتِراضَ، وعَنِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هو أنْ يُعَرَّفَ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزَ عَنْهُ.
الانشقاق 84:9
﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ أوْ فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ مُبْتَهِجًا بِحالِهِ قائِلًا: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. وقِيلَ: إلى أهْلِهِ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ والغِلْمانِ.
الانشقاق 84:10
﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: يُؤْتاهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، قِيلَ: تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِهِ، ويُجْعَلُ شِمالُهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَيُؤْتى كِتابَهُ بِشِمالِهِ. وقِيلَ: تُخْلَعُ يَدُهُ اليُسْرى مِن وراءِ ظَهْرِهِ.
الانشقاق 84:11
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ أيْ: يَتَمَنّى الثُّبُورَ وهو الهَلاكُ ويَدْعُوهُ: يا ثَبُوراهُ تَعالَ فَإنَّهُ أوانُكَ، وأنّى لَهُ ذَلِكَ.
الانشقاق 84:12
﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ أيْ: يَدْخُلُها، وقُرِئَ "يَصْلى" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وقُرئَ "وَيَصْلى" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ .
الانشقاق 84:13
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ﴾ فِيما بَيْنَ أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ في الدُّنْيا.
﴿مَسْرُورًا﴾ (p-133)مُتْرَفًا بَطِرًا مُسْتَبْشِرًا، كَدَيْدَنِ الفُجّارِ الَّذِينَ لا يُهِمُّهم ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أُمُورُ الآخِرَةِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في العَواقِبِ ولَمْ يَكُنْ حَزِينًا مُتَفَكِّرًا في حالِهِ ومَآلِهِ، كَسُنَّةِ الصُّلَحاءِ والمُتَّقِينَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِلَّةِ ما قَبْلَها.
الانشقاق 84:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُرُورِهِ في الدُّنْيا، أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى تَكْذِيبًا لِلْمَعادِ و"إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَّنِّ أوْ أحَدَهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ.
الانشقاق 84:15
﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ "لَنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ تَحْقِيقٌ وتَعْلِيلٌ لَهُ، أيْ: بَلى لَيَحُورَنَّ البَتَّةَ، إنَّ رَبَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ كانَ بِهِ وبِأعْمالِهِ المُوجِبَةِ لِلْجَزاءِ بَصِيرًا، بِحَيْثُ لا يَخْفى مِنها خافِيَةٌ، فَلا بُدَّ مِن رَجْعِهِ وحِسابِهِ وجَزائِهِ عَلَيْها حَتْمًا. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في أبِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأشَدِّ وأخِيهِ الأسْوَدِ.
الانشقاق 84:16
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هي الحُمْرَةُ الَّتِي تُشاهَدُ في أُفُقِ المَغْرِبِ بَعْدَ الغُرُوبِ، أوِ البَياضُ الَّذِي يَلِيها سُمِّيَ بِهِ لِرِقَّتِهِ ومِنهُ الشَّفَقَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ رِقَّةِ القَلْبِ.
الانشقاق 84:17
﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ وما جَمَعَ وضَمَّ يُقالُ: وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ أيْ: جَمَعَهُ فاجْتَمَعَ وما عِبارَةٌ عَمّا يَجْتَمِعُ بِاللَّيْلِ ويَأْوِي إلى مَكانِهِ مِن الدَّوابِّ وغَيْرِها.
الانشقاق 84:18
﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ بَدْرًا لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشَرَ.
الانشقاق 84:19
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ: لَتُلاقُنَّ حالأ بَعْدَ حالٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُطابِقَةٌ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. وقِيلَ: الطَّبَقُ جَمْعُ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ وهو الأوْفَقُ لِلرُّكُوبِ المُنْبِئُ عَنِ الأعْتِلاءِ والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ أحْوالأ بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ، وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ القِيامَةِ ودَواهِيها، وقُرِئَ "لَتَرْكَبُنَّ" بِالإفْرادِ عَلى خِطابِ الإنْسانِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِأفْرادِهِ كالقِراءَةِ الأوْلى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابٍ النَّفْسِ و"لِيَرْكَبَنَّ" بِالياءِ أيْ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، ومَحَلُّ "عَنْ طَبَقٍ" النَّصْبُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"طَبَقًا" أيْ: طَبَقًا مُجاوِزًا لِطَبَقٍ، أوْ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَتَرْكَبُنَّ" طَبَقًا مُجاوِزِينَ أوْ مُجاوِزًا أوْ مُجاوَزَةً عَلى حَسَبِ القِراءَةِ.
الانشقاق 84:20
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَلى ما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها المُوجِبَةِ (p-134)
لِلْإيمانِ والسُّجُودِ، أيْ: إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما ذُكِرَ، فَأيُّ شَيْءٍ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِهِ.
الانشقاق 84:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القرآن لا يَسْجُدُونَ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ نَسَقًا عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فَأيُّ مانِعٍ لَهم حالَ عَدَمِ سُجُودِهِمْ وخُضُوعِهِمْ واسْتِكانَتِهِمْ عِنْدَ قِراءَةِ القرآن. وقِيلَ: قَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ ذاتَ يَوْمٍ واسْجُدْ واقْتَرِبْ، فَسَجَدَ هو ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقُرَيْشٌ تُصَفِّقُ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ وتُصَفِّرُ فَنَزَلَتْ، وبِهِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُوبِ السَّجْدَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ في المُفَصَّلِ سَجْدَةٌ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَجَدَ فِيها وقالَ: واللَّهِ ما سَجَدْتُ إلّا بَعْدَ أنْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيها. وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَلَّيْتُ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَسَجَدُوا. وعَنِ الحَسَنِ هي غَيْرُ واجِبَةٍ.
الانشقاق 84:22
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بِالقرآن النّاطِقِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها مَعَ تَحَقُّقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، ولِذَلِكَ لا يَخْضَعُونَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ.
الانشقاق 84:23
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بِما يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ ويَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ والبَغْيِ والبَغْضاءِ أوْ بِما يَجْمَعُونَ في صُحُفِهِمْ مِن أعْمالِ السُّوءِ ويَدَّخِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ عِلْمًا فِعْلِيًّا.
الانشقاق 84:24
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ لِأنَّ علمه تعالى بِذَلِكَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مُوجِبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ حَتْمًا.
الانشقاق 84:25
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ إنْ جُعِلَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، ومُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهُمُ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الأسْتِثْناءُ مِنَ انْتِفاءِ العَذابِ عَنْهُمْ، ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ومُقارَنَتِهِ لِلثَّوابِ العَظِيمِ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْشِقاقِ أعاذَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْطِيَهُ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ".»
البروج 85:1
(p-135)سُورَةُ البُرُوجِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ هي البُرُوجُ الأثْنا عَشَرَ شُبِّهَتْ بِالقُصُورِ؛ لِأنَّها تَنْزِلُها السَّيّاراتُ ويَكُونُ فِيها الثَّوابِتُ أوْ مَنازِلُ القَمَرِ أوْ عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها، أوْ أبْوابَ السَّماءِ فَإنَّ النَّوازِلَ تَخْرُجُ مِنها، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلظُّهُورِ.
البروج 85:2
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ.
البروج 85:3
﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ أيْ: ومَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَلائِقِ، وما يَحْضُرُ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ، وتَنْكِيرُهُما لِلْإبْهامِ في الوَصْفِ، أيْ: وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُما، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في الكَثْرَةِ. وقِيلَ: الشّاهِدُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ...إلَخْ، وقِيلَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وسائِرُ الأُمَمِ. وقِيلَ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرْفَةَ. وقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ. وقِيلَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: الأيّامُ واللَّيالِي وبَنُو آدَمَ. وعَنِ الحَسَنِ: ما مِن يَوْمٍ إلّا ويُنادِي: "إنِّي يَوْمٌ جَدِيدٌ، وإنِّي عَلى ما يُعْمَلُ فِيَّ شَهِيدٌ، فاغْتَنِمْنِي، فَلَوْ غابَتْ شَمْسِي لَمْ تُدْرِكْنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ". وقِيلَ: الحَفَظَةُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
البروج 85:4
﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ قِيلَ: هو جَوابُ القَسَمِ عَلى حَذْفِ اللّامِ مِنهُ لِلطُّولِ، والأصْلُ "لَقُتِلَ" كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حِلْفَةَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَنامُوا فَما إنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ
وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ قُتِلَ، وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ والأظْهَرُ أنَّها دُعائِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أنَّهم - أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ - مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ؛ لِما أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنَيْنِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذِيَّةِ الكَفَرَةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وصَبْرِهِمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَأْتَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-136)بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ مَلْعُونُونَ مِثْلُهُمْ، أحِقّاءٌ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ ما قَدْ قِيلَ فِيهِمْ، وقُرِئَ "قُتِّلَ" بِالتَّشْدِيدِ و"الأُخْدُودُ": الخَدُّ في الأرْضِ وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءً، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضَمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السحر، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ فَسَمِعَ مِنهُ، فَرَأى في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ دابَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ قِيلَ: كانَتِ الدّابَّةُ أسَدًا فَأخَذَ حَجَرًا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فاقْتُلْها، فَقَتَلَها فَكانَ الغُلامُ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويَشْفِيَ مِنَ الأدْواءِ، وعَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ، فَأبْصَرَهُ المَلِكُ فَسَألَهُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: رَبِّي، فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ، فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ، فَلَمْ يَرْجِعِ الرّاهِبُ عَنْ دِينِهِ، فَقُدَّ بِالمِنشارِ وأبى الغُلامُ، فَذُهِبَ بِهِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ، فَدَعا فَرُجِفَ بِالقَوْمِ فَطاحُوا ونَجا، فَذُهِبَ بِهِ إلى قُرْقُورٍ فَلَجَّجُوا بِهِ لِيُغْرِقُوهُ فَدَعا فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، وقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي وتَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ تَرْمِيَنِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرْحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاسَمَتْ، فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ فاقْتَحَمَتْ. وقِيلَ: قالَ لَها: قَعِي ولا تُنافِقِي، ما هي إلّا غَمْضَةٌ فَصَبَرَتْ. قِيلَ: أُخْرِجَ الغُلامُ مِن قَبْرِهِ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأُصْبُعُهُ عَلى صُدْغِهِ كَما وضَعَها حِينَ قُتِلَ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ بَعْضَ مُلُوكِ المَجُوسِ وقْعَ عَلىَ أُخْتِهِ وهو سَكْرانٌ، فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ، فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ بِالنّاسِ فَتَقُولَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ، فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النّارِ وطَرَحَ مَن أبى فِيها، فَهُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ . وقِيلَ: وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمّا كانَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهم فَأجابُوهُ، فَسارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرٍ، فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنِي عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ. وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وذَكَرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا، وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
البروج 85:5
﴿النّارِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأُخْدُودِ.
﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ وصْفٌ لَها بِغايَةِ العِظَمِ وارْتِفاعِ اللَّهَبِ وكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الحَطَبِ وأبْدانِ النّاسِ، وقُرِئَ "الوَقُودُ" بِالضَّمِّ.
البروج 85:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ظَرْفٌ لِـ"قُتِلَ" أيْ: لُعِنُوا حِينَ أحْدَقُوا بِالنّارِ قاعِدِينَ حَوْلَها في مَكانٍ مُشْرِفٍ عَلَيْها، مِن حافاتِ الأُخْدُودِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
البروج 85:7
(p-137)﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أيْ: يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُقَصِّرْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ أنَّهم شُهُودٌ يَشْهَدُونَ بِما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ﴾ . وقِيلَ: "عَلى" بِمَعْنى مَعَ، والمَعْنى: وهم مَعَ ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ حُضُورٌ لا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ وتَنْطِقُ بِهِ الرِّواياتُ المَشْهُورَةُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا ألْقَوِا المُؤْمِنِينَ في النّارِ وهم قُعُودٌ حَوْلَها، عَلِقَتْ بِهِمُ النّارُ فَأحْرَقَتْهُمْ، ونَجّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والواحِدِيُّ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ .
البروج 85:8
﴿وَما نَقَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا مِنهم وما عابُوا.
﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُفْصِحٌ عَنْ بَراءَتِهِمْ عَمّا يُعابُ ويُنْكَرُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنهاجِ قَوْلُهُ: ولا
؎ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ ضُيُوفَهم ∗∗∗ تُلامُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنِ
وَوَصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ وحَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ، وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
البروج 85:9
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ إيمانِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعْدٌ لَهم ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمُعَذِّبِيهِمْ فَإنَّ علمه تعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ الفَرِيقَيْنِ يَسْتَدْعِي تَوْفِيرَ جَزاءِ كُلٍّ مِنهُما حَتْمًا.
البروج 85:10
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: مَحَنُوهم في دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ خاصَّةً وبِالمَفْتُونِينَ المُطْرَحُونَ في الأُخْدُودِ، وإمّا الَّذِينَ بَلَوْهم في ذَلِكَ بِالأذِيَّةِ والتَّعْذِيبِ عَلى الإطْلاقِ وهم داخِلُونَ في جُمْلَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِمْ وفِتْنَتِهِمْ، فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ الكافِرِ قَطْعًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا لِـ"أنَّ" أوِ الخَبَرُ "لَهُمْ" و"عَذابٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأحْسَنُ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولا ضَيْرَ في نَسْخِهِ بِـ"أنَّ" وإنْ خالَفَ الأخْفَشُ، والمَعْنى: لَهم في الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
﴿وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ بِسَبَبِ فِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
البروج 85:11
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-138)الصّالِحاتِ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِنَ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ. "لَهُمْ" بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ لِجَرَيانِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَعِلَةُ عَلَيْها، فالتَّحِيَّةُ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، فَإنَّ أشْجارَها ساتِرَةٌ لِساحَتِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اسْمُ الجَنَّةِ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إمّا إلى الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ الحُكْمِ عُنْوانُها الَّذِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ مُتَعَرِّضٌ لِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِأوْصافِهِ المَذْكُورَةِ، لا لِذاتِهِ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الضَّمِيرِ، فَإذا أُشِيرَ إلى الجَنّاتِ مِن حَيْثُ ذِكْرُها، فَقَدْ اعْتُبِرَ مِنها عُنْوانُها المَذْكُورُ حَتْمًا وإمّا إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾ ...إلَخْ، مِن حِيازَتِهِمْ لَها، فَإنَّ حُصُولَها لَهم مُسْتَلِزِمٌ لِحِيازَتِهِمْ لَها قَطْعًا وأيًّا ما كانَ؛ فَما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ العَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي تَصْغُرُ عِنْدَهُ الدُّنْيا وما فِيْها مِن فُنُونِ الرَّغائِبِ بِحَذافِيرِها، والفَوْزُ: النَّجاةُ منَ الشَّرِّ والظَّفَرِ بِالخَيْرِ، فَعَلى الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، وعَلى الثّانِي مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ.
البروج 85:12
﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ كَما يُنْبِيء عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ، وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةَ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والأنْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .
البروج 85:13
﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ: هو يُبْدِيء الخَلْقَ وهو يُعِيدُهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما، فَفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِشِدَّتِهِ بَطْشِهِ، أوْ هو يُبْدِيء البَطْشَ بِالكَفَرَةِ في الدُّنْيا ويُعِيدُهُ في الآخِرَةِ.
البروج 85:14
﴿وَهُوَ الغَفُورُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.
﴿الوَدُودُ﴾ المُحِبُّ لِمَن أطاعَ.
البروج 85:15
﴿ذُو العَرْشِ﴾ خالِقُهُ وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْشِ: المَلِكُ أيْ: ذُو السَّلْطَنَةِ القاهِرَةِ، وقُرِئَ "ذِي العَرْشِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ".
﴿المَجِيدُ﴾ العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ فَإنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ تامُّ القُدْرَةِ كامِلُ الحِكْمَةِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"رَبِّكَ" أوْ "لِلْعَرْشِ" ومَجْدُهُ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ.
البروج 85:16
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْ إرادَتِهِ مُرادٌ مِن أفْعالِهِ تَعالى وأفْعالِ غَيْرِهِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
البروج 85:17
(p-139)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ، والعُتاةِ، وكَوْنُهُ فَعّالأ لِما يُرِيدُ مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ.
البروج 85:18
﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، والمَعْنى: قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم وعَرَفْتَ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ، فَذَكِّرْ قَوْمَكَ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى وأنْذِرْهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أمْثالَهم.
البروج 85:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ مُماثَلَتِهِمْ لَهُمْ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسُوا مِثْلَهم في ذَلِكَ، بَلْ هم أشَدُّ مِنهُمُ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ واسْتِيجابِ العِقابِ، فَإنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في تَكْذِيبٍ شَدِيدٍ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، أوْ قِيلَ لَيْسَتْ جِنايَتُهم مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ والأتِّعاظِ بِما سَمِعُوا مِن حَدِيثِهِمْ، بَلْ هم مَعَ ذَلِكَ في تَكْذِيبٍ شَدِيدٍ لِلْقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ لَكِنْ لا أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِوُقُوعِ الحادِثَةِ، بَلْ بِكَوْنِ ما نَطَقَ بِهِ قُرْآنًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ وُضُوحِ أمْرِهِ وظُهُورِ حالِهِ بِالبَياناتِ الباهِرَةِ.
البروج 85:20
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ فَوْتِ المُحاطِ المُحِيطَ.
البروج 85:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ رَدٌّ لِكُفْرِهِمْ وإبْطالٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، بَلْ هو كِتابٌ شَرِيفٌ عالِي الطَّبَقَةِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في النَّظْمِ والمَعْنى، وقُرِئَ "قُرْآنُ مَجِيدٍ" بِالإضافَةِ أيْ: قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ.
البروج 85:22
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أيْ: مِنَ التَّحْرِيفِ ووُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ، وقُرِئَ "مَحْفُوظٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "قُرْآنٍ"، وقُرِئَ "فِي لَوْحٍ" وهو الهَواءُ أيْ: ما فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ البُرُوجِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدَدِ كُلِّ جُمْعَةٍ وعَرَفَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا عَشْرَ حَسَناتٍ".»
الطارق 86:1
(p-140)سُورَةُ الطّارِقِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ الطّارِقُ في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِن طَرَقَ طَرْقًا وطَرَقًا إذا جاءَ لَيْلًا، قالَ الماوَرْدِيُّ: وأصْلُ الطَّرْقِ الدَّقُّ ومِنهُ سُمِّيَتِ المِطْرَقَةُ، وإنَّما سُمِّيَ قاصِدُ اللَّيْلِ طارِقًا لِاحْتِياجِهِ إلى طَرْقِ البابِ غالِبًا ثُمَّ اتُّسِعَ في كُلِّ ما ظَهَرَ بِاللَّيْلِ كائِنًا ما كانَ ثُمَّ أُشْبِعَ في التَّوَسُّعِ حَتّى أُطْلِقَ عَلى الصُّوَرِ الخالِيَةِ البادِيَةِ بِاللَّيْلِ، قالَ:
؎ طَرَقَ الخَيالُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجِ ∗∗∗ سَدِكًا بِأرْجُلِنا ولَمْ يَتَبَرَّجِ
والمُرادُ هَهُنا: الكَوْكَبُ البادِي بِاللَّيْلِ إمّا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أوْ كَوْكَبٌ مَعْهُودٌ، وقِيلَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ كَوْكَبُ الصُّبْحِ.
الطارق 86:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِالإقْسامِ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ رِفْعَةَ قَدْرِهِ بِحَيْثُ لا يَنالُها إدْراكُ الخَلْقِ، فَلا بُدَّ مِن تَلَقِّيها مِنَ الخَلّاقِ العَلِيمِ فَـ"ما" الأُولى مُبْتَدَأٌ و"أدْراكَ" خَبَرٌ والثّانِيَةُ خَبَرٌ و"الطّارِقُ" مُبْتَدَأٌ حَسْبَما بُيِّنَ في نَظائِرِهِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما الطّارِقُ؟
الطارق 86:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟ فَقِيلَ: النَّجْمُ المُضِيءُ في الغايَةِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ أوِ الأفْلاكَ بِضَوْئِهِ ويَنْفُذُ فِيها، والمُرادُ بِهِ: إمّا الجِنْسُ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ ضَوْءًا ثاقِبًا لا مَحالَةَ، وإمّا كَوْكَبٌ مَعْهُودٌ قِيلَ: هو زُحَلُ. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقِيلَ: هو الجَدْيُ. وقِيلَ: النَّجْمُ الثّاقِبُ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وهو زُحَلُ فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ وحِينَ يَصْعَدُ، وفي إيرادِهِ عِنْدَ الإقْسامِ بِهِ بِوَصْفٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ثُمَّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ غَيْرُ كُنْهِ أمْرِهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَبْلُغُهُ أفْكارُ الخَلائِقِ، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وإجْلالِ مَحِلِّهِ ما لا يَخْفى.
الطارق 86:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِما (p-141)ذُكِرَ مِن تَأْكِيدِ فَخامَةِ المُقْسَمِ بِهِ المُسْتَتْبَعِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، و"إنْ" نافِيَةٌ و"لِما" بِمَعْنى إلّا، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ مُهَيْمِنٌ رَقِيبٌ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ . وقِيلَ: هو مَن يَحْفَظُ عَمَلَها ويُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾ وقُرِئَ "لَما" مُخَفِّفَةً عَلى أنَّ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ والَّلامُ هي الفارِقَةُ، و"ما" مَزِيدَةٌ أيْ: إنَّ الشَّأْنَ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ.
الطارق 86:5
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بُيِّنَ مِن أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي عَلَيْها كُلَّ ما يَصْدُرُ عَنْها مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، مُسْتَوْجِبٌ عَلى الإنْسانِ أنْ يَتَفَكَّرَ في مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ حَقَّ التَّفَكُّرِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشائِهِ مِن مَوادَّ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بَلْ أقْدَرُ عَلى قِياسِ العَقْلِ فَيَعْمَلَ لِيَوْمِ الإعادَةِ والجَزاءِ ما يَنْفَعُهُ يَوْمَئِذٍ ويُجْدِيهِ، ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ ما يُرَدُّ بِهِ.
الطارق 86:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مِمَّ خُلِقَ؟ فَقِيلَ: خُلِقَ مِن ماءٍ ذِي دَفْقٍ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وسَيَلانٌ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِهِ: المُمْتَزَجُ مِنَ الماءَيْنِ في الرَّحِمِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
الطارق 86:7
﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ أيْ: صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ وهي عِظامُ صَدْرِها، قالُوا: إنَّ النُّطْفَةَ تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ وتَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ الأعْضاءِ حَتّى تَسْتَعِدَ لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنها مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ومَقَرُّها عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، فالدِّماغُ أعْظَمُ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِها ولِذَلِكَ تُشْبِهُهُ، ويُورِثُ الإفْراطُ في الجِماعِ الضَّعْفَ فِيهِ، ولَهُ خَلِيفَةٌ هي النُّخاعُ وهو في الصُّلْبِ، وشُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى التَّرائِبِ وهُما أقْرَبُ إلى أوْعِيَةِ المَنِيِّ فَلِذَلِكَ خُصّا بِالذِّكْرِ، وقُرِئَ "الصَّلَبِ" بِفَتْحَتَيْنِ و"الصُّلُبِ" بِضَمَّتَيْنِ وفِيهِ لُغَةٌ رابِعَةٌ هي "صالِبٌ".
الطارق 86:8
﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْخالِقِ تَعالى؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: "خُلِقَ" يَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَهُ ابْتِداءً مِمّا ذُكِرَ.
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ أيْ: عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿لَقادِرٌ﴾ لَبَيِّنُ القُدْرَةِ.
الطارق 86:9
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ: يُتَعَرَّفُ ويُتَصَفَّحُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ، ويُمَيِّزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ، وهو (p-142)
ظَرْفٌ لـ"رَجْعِهِ".
الطارق 86:10
﴿فَما لَهُ﴾ أيْ: لِلْإنْسانِ.
﴿مِن قُوَّةٍ﴾ في نَفْسِهِ يَمْتَنِعُ بِها.
﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْتَصِرُ بِهِ.
الطارق 86:11
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ، سُمِّيَ رَجْعًا لِما أنَّ العَرَبَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ، أوْ أرادُوا بِذَلِكَ التَّفاؤُلَ لِيَرْجِعَ، ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ أوْبًا، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْجِعُهُ.
الطارق 86:12
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ هو ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، أوْ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وهو تَشَقُّقُها بِالنَّباتِ لا بِالعُيُونِ كَما قِيلَ، فَإنَّ وصْفَ السَّماءِ والأرْضِ عِنْدَ الإقْسامِ بِهِما عَلى حَقِّيَةِ القرآن النّاطِقِ بِالبَعْثِ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُما في أنْفُسِهِما مِن شَواهِدِهِ، وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ بِالصَّدْعِ عَنْهُ وعَنِ المَطَرِ بِالرَّجْعِ، وذَلِكَ في تَشَقُّقِ الأرْضِ بِالنَّباتِ المُحاكِي لِلنُّشُورِ حَسْبَما ذُكِرَ في مَواقِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، لا في تَشَقُّقِها بِالعُيُونِ.
الطارق 86:13
﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القرآن الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما تُلِيَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَبْدَأِ حالِ الإنْسانِ ومَعادِهِ.
﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ: فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، مُبالَغٌ في ذَلِكَ كَأنَّهُ نَفْسُ الفَصْلِ.
الطارق 86:14
﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُ شائِبَةُ هَزْلٍ، بَلْ كُلُّهُ جِدٌّ مَحْضٌ لا هَوادَةَ فِيهِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ الغُواةُ وتَخْضَعَ لَهُ رِقابُ العُتاةِ.
الطارق 86:15
﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ.
﴿يَكِيدُونَ﴾ في إبْطالِ أمْرِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿كَيْدًا﴾ حَسْبَما نَفى بِهِ قدرتهمْ.
الطارق 86:16
﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُقابِلُهم بِكَيْدٍ مَتِينٍ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ حَيْثُ أسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
الطارق 86:17
﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَشْتَغِلْ بِالأنْتِقامِ مِنهُمْ، ولا تَدْعُ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ أوْ لا تَسْتَعْجِلْ بِهِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ الإخْبارَ بِتَوَلِّيهِ تَعالى لِكَيْدِهِمْ بِالذّاتِ مِمّا يُوجِبُ إمْهالَهم وتَرْكَ التَّصَدِّي لِمُكايَدَتِهِمْ قَطْعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن "مَهِّلْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُوَيْدًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى العامِلِ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ المَحْذُوفِ أيْ: أمْهِلْهم إمْهالأ رُوَيْدًا، أيْ: قَرِيبًا كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُماـ أوْ قَلِيلًا (p-143)
كَما قالَهُ قَتادَةُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو في الأصْلِ تَصْغِيرُ "رُودٍ" بِالضَّمِّ وأنْشَدَ:
؎ كَأنَّها ثَمِلٌ تَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهَلٍ، وقِيلَ: تَصْغِيرًا رَوّادٌ مَصْدَرًا رَوْدٌ بِالتَّرْخِيمِ، ولَهُ في الأسْتِعْمالِ وجْهانِ آخَرانِ: كَوْنُهُ اسْمَ فِعْلٍ نَحْوُ: "رُوَيْدًا زَيْدُ" وكَوْنُهُ حالأ نَحْوُ: "سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا" أيْ: مُتَمَهِّلِينَ، وفي إيرادِ البَدَلِ بِصِيغَةٍ لا تَحْتَمِلُ التَّكْثِيرَ وتَقْيِيدُهُ بِـ"رُوَيْدًا" عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِن تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْكِينِ قَلْبِهِ ما لا يَخْفى.
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الطّارِقِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ في السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ".» واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعلى 87:1
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآياتُهُا تِسْعَ عَشْرَةَ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهِ اسْمَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الإلْحادِ فِيهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ، وعَنْ إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ يُشْعِرُ بِتَشارُكِهِما فِيهِ، وعَنْ ذِكْرِهِ لا عَلى وجْهِ الإعْظامِ والإجْلالِ، و"الأعْلى" إمّا صِفَةٌ لِلرَّبِّ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أوْ لِلِاسْمِ، وقُرِئَ "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"، وفي الحَدِيثِ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: ﴿اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ﴾ وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ.
الأعلى 87:2
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ صِفَةٌ أُخْرى "لِلرَّبِّ" عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ومَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ عَلى الثّانِي؛ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِصِفَةِ غَيْرِهِ أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ، بِأنْ جَعَلَ لَهُ ما بِهِ يَتَأتّى كَمالُهُ ويَتَسَنّى مَعاشُهُ.
الأعلى 87:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ إمّا صِفَةٌ أُخْرى "لِلرَّبِّ" كالمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وكَذا حالُ ما بَعْدَهُ، قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ، وأنْواعَها، وأفْرادَها ومَقادِيرَها، وصِفاتِها وأفْعالَها وآجالَها.
﴿فَهَدى﴾ أيْ: فَوَجَّهَ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ، ويَنْبَغِي لَهُ طَبْعًا أوِ اخْتِيارًا، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ بِخَلْقِ المُيُولِ والإلْهاماتِ، ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ، ولَوْ تَتَبَّعْتَ أحْوالَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ (p-144)
لَرَأيْتَ في كُلٍّ مِنها ما تَحارُ فِيهِ العُقُولُ. يُرْوى أنَّ الأفْعى إذا بَلَغَتْ ألْفَ سَنَةٍ عَمِيَتْ وقَدْ ألْهَمَها اللَّهُ تَعالى أنْ تَمْسَحَ عَيْنَها بِوَرَقِ الرّازِيانْجِ الغَضِّ يُرَدُّ إلَيْها بَصَرُها، فَرُبَّما كانَتْ عِنْدَ عُرُوضِ العَمى لَها في بَرِّيَّةٍ بَيْنَها وبَيْنَ الرِّيفِ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ فَتَطْوِيها حَتّى تَهَجُمَ في بَعْضِ البَساتِينِ عَلى شَجَرَةِ الرّازِيانْجِ لا تُخْطِئُها فَتَحُكَّ عَيْنَها بِوَرَقِها وتَرْجِعَ باصِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ويُرْوى أنَّ التِّمْساحَ لا يَكُونُ لَهُ دُبُرٌ وإنَّما يُخْرِجُ فَضَلاتِ ما يَأْكُلُهُ مِن فَمِهِ حَيْثُ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ طائِرًا قُدِّرَ غِذاؤُهُ مِن ذَلِكَ، فَإذا رَآهُ التِّمْساحُ يَفْتَحُ فَمَهُ فَيَدْخُلُهُ الطّائِرُ فَيَأْكُلُ ما فِيهِ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن فَوْقِ مِنقارِهِ ومِن تَحْتِهِ قَرْنَيْنِ؛ لِئَلّا يُطْبِقَ عَلَيْهِ التِّمْساحُ فَمَهُ هَذا، وأمّا فُنُونُ هِداياتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْإنْسانِ مِن حَيْثُ الجِسْمِيَّةُ ومِن حَيْثُ الحَيَوانِيَّةُ لا سِيَّما مِن حَيْثُ الإنْسانِيَّةُ، فَمِمّا لا يُحِيطُ بِهِ فَلَكُ العِبارَةِ والتَّحْرِيرُ ولا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ.
الأعلى 87:4
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ ما يَرْعاهُ الدَّوابُّ غَضًّا طَرِيًّا يَرِّفُ.
الأعلى 87:5
﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿غُثاءً أحْوى﴾ أيْ: دَرِينًا أسْوَدَ، وقِيلَ: "أحْوى" حالٌ مِنَ "المَرْعى" أيْ: أخْرَجَهُ أحْوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرِّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ.
الأعلى 87:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ بَيانٌ لِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى الخاصَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ بَيانِ هِدايَتِهِ تَعالى العامَّةِ لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهي هِدايَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وحِفْظِ القرآن الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ، وتَوْفِيقُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهِدايَةِ النّاسِ أجْمَعِينَ، والسِّينُ إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِأنَّ المُرادَ إقْراءُ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ وما سَيُوحى إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ في ضِمْنِ الوَعْدِ بِالإقْراءِ، أيْ: سَنُقْرِئُكَ ما نُوحِي إلَيْكَ الآنَ وفِيما بَعْدُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِإلْهامِ القِراءَةِ، فَلا تَنْسى أصْلًا مِن قُوَّةِ الحِفْظِ والإتْقانِ مَعَ أنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَدْرِي ما الكِتابُ وما القِراءَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً أُخْرى لَكَ، مَعَ ما في تَضاعِيفِ ما تَقْرَؤُهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ ومِن حَيْثُ الإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وقِيلَ: "فَلا تَنْسى" نَهْيٌ والألْفُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ .
الأعلى 87:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ أبَدًا بِأنْ نَسَخَ تِلاوَتَهُ، والألْتِفاتُ إلى الأسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإيذانِ بِدَوَرانِ المَشِيئَةِ عَلى عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِسائِرِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: النِّسْيانُ في الجُمْلَةِ عَلى القِلَّةِ والنُّدْرَةِ كَما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ فَسَألَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-145)والسَّلامُ: نَسِيتُها.» وقِيلَ: نَفِيُ النِّسْيانِ رَأْسًا فَإنَّ القِلَّةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ، فالمُرادُ بِالنِّسْيانِ حِينَئِذٍ: النِّسْيانُ بِالكُلِّيَّةِ إذْ هو المَنفِيُّ رَأْسًا لا ما قَدْ يَنْسى ثُمَّ يَذْكُرُ.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ: يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَنَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُوحِيَ إلَيْكَ فَيُنْسِي ما يَشاءُ إنْساءَهُ ويُبْقِي مَحْفُوظًا ما يَشاءُ إبْقاءَهُ؛ لِما نِيطَ بِكُلٍّ مِنهُما مِن مَصالِحِ دِينِكم.
الأعلى 87:8
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ عَطْفٌ عَلى "نُقْرِئُكَ" كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الألْتِفاتُ إلى الحِكايَةِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وارِدٌ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّعْلِيلِ وتَعْلِيقُ التَّيْسِيرِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ الشّائِعَ تَعْلِيقُهُ بِالأُمُورِ المُسَخَّرَةِ لِلْفاعِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليُسْرى والتَّصَرُّفِ فِيها بِحَيْثُ صارَ ذَلِكَ مَلَكَةً راسِخَةً لَهُ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جُبِلَ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ﴾ أيْ: نُوَفِّقُكَ تَوْفِيقًا مُسْتَمِرًّا لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الدِّينِ عِلْمًا وتَعْلِيمًا واهْتِداءً وهِدايَةً فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَيْسِيرُ طَرِيقِ تَلَقِّي الوَحْيِ والإحاطَةِ بِما فِيهِ مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ والنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: *
الأعلى 87:9
﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ حَسْبَما يَسَّرْناكَ لَهُ بِما يُوحى إلَيْكَ واهْدِهِمْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ كَما كُنْتَ تَفْعَلُهُ لا بَعْدَ ما اسْتَتَبَّ لَكَ الأمْرُ كَما قِيلَ، وتَقْيِيدُ التَّذْكِيرِ بِنَفْعِ الذِّكْرى لِما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طالَما كانَ يُذَكِّرُهم ويَسْتَفْرِغُ فِيهِ غايَةَ المَجْهُودِ ويَتَجاوَزُ في الجِدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ حِرْصًا عَلى إيمانِهِمْ وما كانَ يَزِيدُ ذَلِكَ بَعْضُهم إلّا كُفْرًا وعِنادًا؛ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَخُصَّ التَّذْكِيرَ بِمَوادِّ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَكُونَ مَن يُذَكِّرُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ التَّذَكُّرُ ولا يُتْعِبَ نَفْسَهُ في تَذْكِيرِ مَن لا يُورِثُهُ التَّذْكِيرُ إلّا عُتُوًّا ونُفُورًا مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقرآن مَن يَخافُ وعِيدِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ . وقِيلَ: هو ذَمٌّ لِلْمُذَكِّرِينَ وإخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ واسْتِبْعادٌ لِتَأْثِيرِ التَّذْكِيرِ فِيهِمْ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِكَ لِلْواعِظِ: عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ قَصْدًا إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكُونُ، والأوَّلُ أنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: *
الأعلى 87:10
﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ بِتَذْكِيرِكَ مَن مِن شَأْنِهُ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى حَقَّ خَشْيَتِهِ، أوْ مَن يَخْشى اللَّهَ تَعالى في الجُمْلَةِ فَيَزْدادُ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ فَيَتَفَكَّرُ في أمْرٍ ما تَذَكَّرَ بِهِ فَيَقِفُ عَلى حَقِّيَتِهِ فَيُؤْمِنُ بِهِ. وقِيلَ: "إنْ" بِمَعْنى إذْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: إذْ كُنْتُمْ. وقِيلَ: هي بِمَعْنى "ما" أيْ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى فَإنَّها لا تَخْلُو (p-146)
عَنْ نَفْعٍ بِكُلِّ حالٍ. وقِيلَ: هُناكَ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ والجُرْجانِيُّ والزَّهْراوِيُّ.
الأعلى 87:11
﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ أيِ: الذِّكْرى.
﴿الأشْقى﴾ مِنَ الكَفَرَةِ لِتَوَغُّلِهِ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغَيَّرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
الأعلى 87:12
﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: الطَّبَقَةَ السُّفْلى مِن طَبَقاتِ النّارِ، وقِيلَ: الكُبْرى: نارُ جَهَنَّمَ والصُّغْرى: نارُ الدُّنْيا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "نارُكم هَذِهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ".»
الأعلى 87:13
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ حَتّى يَسْتَرِيحَ.
﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ.
الأعلى 87:14
﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ: نَجا مِنَ المَكْرُوهِ وظَفِرَ بِما يَرْجُوهُ.
﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِتَذَكُّرِهِ واتِّعاظِهِ بِالذِّكْرى، أوْ تُكْثِرُ مِنَ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ الزَّكاءِ وهو النَّماءُ، وقِيلَ: تَطَهَّرَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: تَزَكّى: تَفَعَّلَ مِنَ الزَّكاةِ وكَلِمَةُ "قَدْ" لِما أنَّ عِنْدَ الإخْبارِ بِسُوءِ حالِ المُتَجَنِّبِ عَنِ الذِّكْرى في الآخِرَةِ، يَتَوَقَّعُ السّامِعُ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ المُتَذَكِّرِ فِيها ويَنْتَظِرُهُ.
الأعلى 87:15
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ.
﴿فَصَلّى﴾ أقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أوْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الأفْتِتاحِ فَصَلّى، وقِيلَ: تَزَكّى أيْ: تَصَدَّقَ صَدَقَةَ الفِطْرِ و"وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ" أيْ: كَبَّرَهُ يَوْمَ العِيدِ فَصَلّى أيْ: صَلاتَهُ.
الأعلى 87:16
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ، بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها، والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا: هو الرِّضا والاطْمِئْنانُ بِها والإعْراضُعَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ فالمُرادُ بِإيثارِها: ما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِي، والألْتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، وقُرِئَ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
الأعلى 87:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ (p-147)خَيْرٌ وأبْقى﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ أيْ: تُؤْثِرُونَها عَلى الآخِرَةِ، والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ في نَفْسِها لِما أنَّ نَعِيمَها مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ اللَّذَّةِ خالِصٌ عَنْ شائِبَةِ الغائِلَةِ أبَدِيٌّ لا انْصِرامَ لَهُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَكَدُّرِ نَعِيمِ الدُّنْيا بِالمُنَغِّصاتِ وانْقِطاعِهِ عَمّا قَلِيلٍ لِغايَةِ ظُهُورِهِ.
الأعلى 87:18
﴿إنَّ هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ . وقِيلَ: إلى ما في السُّورَةِ جَمِيعًا.
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
الأعلى 87:19
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى" وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقَدَمِ ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى. رُوِيَ أنَّ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن كِتابٍ مِائَةٌ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَشْرَ صُحُفٍ، وعَلى شِيثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشَرَ صَحائِفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الأعْلى أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ".»
الغاشية 88:1
(p-148)سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قِيلَ:" هِلْ" بِمَعْنى (قَدْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ الآيَةَ، قالَ قُطْرُبٌ: أيْ: قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، بَلْ هو اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيبُ مِمّا في حَيِّزِهِ، والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِهِ، والإشْعارُ بِأنَّهُ مِنَ الأحادِيثِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَتَناقَلَها الرُّواةُ ويَتَنافَسَ في تَلَقِّيها الوُعاةُ مِن كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ، و"الغاشِيَةُ": الدّاهِيَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها وتَكْتَنِفُهم بِأهْوالِها وهي القِيامَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ...إلَخْ. وقِيلَ: هي النّارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ والأوَّلُ هو الحَقُّ، فَإنَّ ما سَيُرْوى مِن حَدِيثِها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنّارِ وأهْلِها؛ بَلْ ناطِقٌ بِأحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا.
الغاشية 88:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الاسْتِفْهامِ التَّشْوِيقِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أتانِي حَدِيثُها فَما هُوَ؟ فَقِيلَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أيْ: يَوْمَ إذْ غَشِيَتْ ذَلِيلَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَكُنْ أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدِيثُها فَأخْبَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها فَقالَ: وُجُوهٌ ...إلَخْ، فَـ"وُجُوهٌ" مُبْتَدَأٌ ولا بَأْسَ بِتَنْكِيرِها؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ و"خاشِعَةٌ" خَبَرُهُ.
الغاشية 88:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ خَبَرانِ آخَرانِ لِـ"وُجُوهٌ" إذِ المُرادُ بِها أصْحابُها أيْ: تَعْمَلُ أعْمالأ شاقَّةً تَتْعَبُ فِيها وهي جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ خَوْضَ الإبِلِ في الوَحْلِ، والصُّعُودُ والهُبُوطُ في تِلالِ النّارِ ووِهادِها. وقِيلَ: عَمِلَتْ في الدُّنْيا أعْمالَ السُّوءِ والتَذَّتْ بِها فَهي يَوْمَئِذٍ في نَصْبٍ مِنها. وقِيلَ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ.
الغاشية 88:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى﴾ أيْ: تَدْخُلُ.
﴿نارًا حامِيَةً﴾ أيْ: مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، خَبَرٌ آخَرُ لِـ"وُجُوهٌ". وقِيلَ: هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ صِفاتٌ لِـ"وُجُوهٌ" وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً (p-149)
الأنْتِسابُ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ قَبْلَ جَعْلِها صِفَةً لَهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ صَلْيَ النّارِ وما قَبْلَهُ مِنَ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ، أُمُورٌ مُتَساوِيَةٌ في الأنْتِسابِ إلى الوُجُوهِ مَعْرِفَةً وجَهالَةً، فَجَعْلُ بَعْضِها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ قَيْدًا مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودِ الإفادَةِ وبَعْضِها مَناطًا لِلْإفادَةِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِتَفاصِيلِ أحْوالِها.
الغاشية 88:5
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٍ في الحَرِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .
الغاشية 88:6
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ بَيانٌ لِطَعامِهِمْ إثْرَ بَيانِ شَرابِهِمْ، والضَّرِيعُ: يَبِيسُ الشِّبْرِقِ وهو شَوْكٌ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، وإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ. وقِيلَ: هي شَجَرَةٌ نارِيَّةٌ تُشْبِهُ الضَّرِيعَ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وهَذا طَعامٌ لِبَعْضِ أهْلِ النّارِ، والزَّقُّومُ والغِسْلِينُ لِآخَرِينَ.
الغاشية 88:7
﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الإسْمانُ والإشْباعُ كَما هو شَأْنُ طَعامِ الدُّنْيا، وإنَّما هو شَيْءٌ يَضْطَرُّونَ إلى أكْلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَفْعٌ لِضَرُورَتِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ لَهُمُ اسْتِعْدادًا لِلشِّبَعِ والسِّمَنِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُهم شَيْئًا مِنهُما، بَلْ عَلى أنَّهُ لا اسْتِعْدادَ مِن جِهَتِهِمْ ولا إفادَةَ مِن جِهَةِ طَعامِهِمْ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ جُوعَهم وعَطَشَهم لَيْسا مِن قَبِيلِ ما هو المَعْهُودُ مِنهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ مِن حالَةٍ عارِضَةٍ لِلْإنْسانِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لِبَدَلِ ما يَتَحَلَّلُ مِنَ البَدَنِ، مُشَوِّقَةً لَهُ إلى المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِهِما عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ويَسْتَغْنِي بِهِما عَنْ غَيْرِهِما عِنْدَ اسْتِقْرارِهِما في المَعِدَةِ ويَسْتَفِيدُ مِنهُما قُوَّةً وسِمَنًا عِنْدَ انْهِضامِهِما، بَلْ جُوعُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرامِ النّارِ في أحْشائِهِمْ إلى إدْخالِ شَيْءٍ كَثِيفٍ يَمْلَؤُها ويُخْرِجُ ما فِيها مِنَ اللَّهَبِ، وأمّا أنْ يَكُونَ لَهم شَوْقٌ إلى مَطْعُومٍ ما أوِ التِذاذٌ بِهِ عِنْدَ الأكْلِ واسْتِغْناءٌ بِهِ عَنِ الغَيْرِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ فَهَيْهاتَ، وكَذا عَطَشُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ أكْلِ الضَّرِيعِ والتِهابِهِ في بُطُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مائِعٍ بارِدٍ يُطْفِئُهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ التِذاذٌ بِشُرْبِهِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ بِهِ في الجُمْلَةِ، وهو المَعْنِيُّ بِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ بِحَيْثُ يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الضَّرِيعِ فَإذا أكَلُوهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ العَطَشَ فَيَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ فَيَشْوِي وُجُوهَهم ويُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، وتَنْكِيرُ الجُوعِ لِلتَّحْقِيرِ أيْ: لا يُغْنِي مِن جُوعٍ ما، وتَأْخِيرُ نَفْيِ الإغْناءِ مِنهُ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، والتَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ نَفْيِ الأسْمانِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الإغْناءِ عَنِ الجُوعِ إيّاهُ، بِخِلافِ العَكْسِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ "لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
الغاشية 88:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ شُرُوعٌ في رِوايَةِ حَدِيثِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ حِكايَةِ حالِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ (p-150)
فِي تَهْوِيلِ الغاشِيَةِ وتَفْخِيمِ حَدِيثِها، ولِأنَّ حِكايَةَ حُسْنِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ حِكايَةِ سُوءِ حالِ أهْلِ النّارِ مِمّا يَزِيدُ المَحْكِيَّ حُسْنًا وبَهْجَةً، والكَلامُ في إعْرابِ الجُمْلَةِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرَتِها، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها إيْذانًا بِكَمالِ تَبايُنِ مَضْمُونَيْهِما، ومَعْنى "ناعِمَةٌ": ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ مُتَنَعِّمَةٌ.
الغاشية 88:9
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا حَيْثُ شاهَدَتْ ثَمَرَتَهُ.
الغاشية 88:10
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَحِلِّ أوْ عَلِيَّةِ المِقْدارِ.
الغاشية 88:11
﴿لا تَسْمَعُ﴾ أيْ: أنْتَ أوِ الوُجُوهُ.
﴿فِيها لاغِيَةً﴾ لَغْوًا أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ أوْ نَفْسًا تَلْغُو، فَإنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ كُلَّهُ أذْكارٌ وحِكَمٌ، وقُرِئَ "لا تُسْمَعُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالياءِ والتّاءِ ورَفْعِ "لاغِيَةً".
الغاشية 88:12
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ تَجْرِي مِياهُها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ .
الغاشية 88:13
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ.
الغاشية 88:14
﴿وَأكْوابٌ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.
﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ.
الغاشية 88:15
﴿وَنَمارِقُ﴾ وسائِدُ جَمْعُ نَمْرَقَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ.
﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
الغاشية 88:16
﴿وَزَرابِيُّ﴾ أيْ: بُسُطٌ فاخِرَةٌ، جَمْعُ زِرْبِيَّةٍ.
﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أيْ: مَبْسُوطَةٌ.
الغاشية 88:17
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بِالأسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ إلى أنَّها كَيْفَ (p-151)
خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ في عِظَمِ جُثَّتِها وشَدَّةِ قُوَّتِها، وعَجِيبِ هَيْأتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ، وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ حَتّى إنَّ أظَماءَها لَتَبْلُغُ العشْرَ فَصاعِدًا، واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ ويَقْتادُها بِقِطارِها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
الغاشية 88:18
﴿وَإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ، بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ.
الغاشية 88:19
﴿وَإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمِياهِها وأشْجارِها.
﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نَصْبًا رَصِينًا فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ.
الغاشية 88:20
﴿وَإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها.
﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَطْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ، وقُرِئَ "سُطِّحَتْ" مُشَدَّدًا، وقُرِئَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ عَلى بِناءِ الفاعِلِ لِلْمُتَكَلِّمِ وحَذْفِ الرّاجِعِ المَنصُوبِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والأعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
الغاشية 88:21
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ، أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تُلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يُهِمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ.
الغاشية 88:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقُرِئَ بِالسِّينِ عَلى الأصْلِ وبِالإشْمامِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الطّاءِ قِيلَ هي لُغَةُ بَنِي تَمْتَمَ فَإنَّ "سَيْطَرَ" عِنْدَهم مُتَعَدٍ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تُسَيْطِرُ.
الغاشية 88:23
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ والقَهْرَ.
الغاشية 88:24
(p-152)﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَن انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ويَعْضُدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ "ألا" عَلى التَّنْبِيهِ.
الغاشية 88:25
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ، أيْ: إنَّ إلَيْنا رُجُوعَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى أحَدٍ سِوانا، لا اسْتِقْلالأ ولا اشْتِراكًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقُرِئَ "إيّابَهُمْ" عَلى أنَّهُ فِيْعالٌ مَصْدَرُ فَيْعَلٍ مِنَ الإيابِ، أوْ فِعالٌ مِن أوَبَ كَفِسارٍ مَن فَسَرَ، ثُمَّ قِيلَ: "إيْوابًا" كَدِيُوانٍ في دِوّانٍ ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً فَأُدْغِمَتِ الياءُ الأُولى في الثّانِيَةِ.
الغاشية 88:26
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ في المَحْشَرِ لا عَلى غَيْرِنا و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لا في الزَّمانِ، فَإنَّ التَّرَتُّبَ الزَّمانِيَّ بَيْنَ إيابِهِمْ وحِسابِهِمْ لا بَيْنَ كَوْنِ إيابِهِمْ إلَيْهِ تَعالى وحِسابِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُما أمْرانِ مُسْتَمِرّانِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِأنَّ وتَقْدِيمِ خَبَرِها وعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى بِكَلِمَةِ "ثُمَّ" المُفِيدَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ غايَةِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِتَشْدِيدِ العَذابِ ما لا يَخْفى.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الغاشِيَةِ يُحاسِبُهُ اللَّهُ تَعالى حِسابًا يَسِيرًا".»
الفجر 89:1
(p-153)سُورَةُ الفَجْرِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ
﴿والفَجْرِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالفَجْرِ كَما أقْسَمَ بِالصُّبْحِ حَيْثُ قالَ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ صَلاتُهُ.
الفجر 89:2
﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ هُنَّ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ الفَجْرُ بِفَجْرِ عَرَفَةَ أوِ النَّحْرِ، أوِ العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، وقُرِئَ "وَلَيالٍ عَشْرٍ" بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَشْرِ: الأيّامُ.
الفجر 89:3
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ أيِ: الأشْياءِ كُلِّها شَفْعِها ووِتْرِها، أوْ شَفْعِ هَذِهِ اللَّيالِي ووِتْرِها، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَّرَهُما بِيَوْمِ النَّحْرِ ويَوْمِ عَرْفَةَ، ولَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِما الأقْوالُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ وهُما لُغَتانِ كالحَبْرِ والحِبْرِ، وقِيلَ: الوَتْرُ بِالفَتْحِ في العَدَدِ وبِالكَسْرِ في الذَّحْلِ، وقُرِئَ "والوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ.
الفجر 89:4
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ أيْ: يَمْضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾، ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ والتَّقْيِيدُ لِما فِيهِ مِن وُضُوحِ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ، أوْ يَسْرِي فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: صَلّى المَقامُ أيْ: صُلِّيَ فِيهِ، وحَذْفُ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الإطْلاقِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ خاصَّةً، وقُرِئَ "يُسْرٍ" بِالتَّنْوِينِ كَما قُرِئَ "والفَجْرٍ" و"الوَتْرٍ" وهو التَّنْوِينُ الَّذِي يَقَعُ بَدَلًا مِن حَرْفِ الإطْلاقِ.
الفجر 89:5
﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ﴾ ...إلَخْ تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِفَخامَةِ شَأْنِ المُقْسَمِ بِها وكَوْنِها أُمُورًا جَلِيلَةً حَقِيقَةً بِالإعْظامِ والإجْلالِ عِنْدَ أرْبابِ العُقُولِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإقْسامَ بِها أمْرٌ مُعْتَدٌّ بِهِ خَلِيقٌ بِأنْ يُؤَكِّدَ بِهِ الإخْبارُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إمّا إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ (p-154)
بِها والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ أوْ إلى الإقْسامِ بِها، وأيًّا ما كانَ؛ فَما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ والفَضْلِ، أيْ: هَلْ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ قَسَمٌ أيْ: مُقْسَمٌ بِهِ.
﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ يَراهُ حَقِيقًا بِأنْ يُقْسَمَ بِهِ إجْلالأ وتَعْظِيمًا، والمُرادُ: تَحْقِيقُ أنَّ الكُلَّ كَذَلِكَ، وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ، أوْ هَلْ في إقْسامِي بِتِلْكَ الأشْياءِ إقْسامٌ لِذِي حِجْرٍ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ يَعْتَدُّ بِهِ ويَفْعَلُ مَثَلَهُ ويُؤَكِّدُ بِهِ المُقْسَمَ عَلَيْهِ، والحِجْرُ: العَقْلُ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ أيْ: يَمْنَعُهُ مِنَ التَّهافُتِ فِيما لا يَنْبَغِي، كَما سُمِّيَ عَقْلًا ونُهْيَةً؛ لِأنَّهُ يَعْقِلُ ويَنْهى، وحَصاةً أيْضًا مِنَ الإحْصاءِ وهو الضَّبْطُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابَطًا لَها، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهو "لِيُعَذَّبَنَّ" كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
الفجر 89:6
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ...إلَخْ فَإنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِ عادٍ وأضْرابِهِمُ المُشارِكِينَ لِقَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الطُّغْيانِ والفَسادِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا ونَظائِرَهم فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والمُرادُ بِـ"عادٍ": أوْلادُ عادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ كَما سُمِّيَ بَنُو هاشِمٍ هاشِمًا، وقَدْ قِيلَ لِأوائِلِهِمْ عادٌ الأُولى ولِأواخِرِهِمْ عادٌ الآخِرَةُ، قالَ عِمادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: كُلُّ ما ورَدَ في القرآن خَبَرُ عادٍ الأُولى إلّا ما في سُورَةِ الأحْقافِ.
الفجر 89:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ"عادٍ" لِلْإيذانِ بِأنَّهم عادٌ الأُولى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: سِبْطُ إرَمَ أوْ أهْلُ إرَمَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ إرَمَ اسْمُ بَلْدَتِهِمْ أوْ أرْضِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ وأيًّا ما كانَ؛ فامْتِناعُ صَرْفِها لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ، وقُرِئَ "إرْمَ" بِإسْكانِ الرّاءِ تَخْفِيفًا كَما قُرِئَ "بِوَرْقِكُمْ".
﴿ذاتِ العِمادِ﴾ صِفَةٌ لِـ"إرَمَ" أيْ: ذاتُ القُدُودِ الطِّوالِ عَلى تَشْبِيهِ قاماتِهِمْ بِالأعْمِدَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ عُمُدٌ وعُمُدّانُ إذا كانَ طَوِيلًا، أوْ ذاتُ الخِيامِ والأعْمِدَةِ حَيْثُ كانُوا بَدَوِيِّينَ أهْلَ عُمُدٍ أوْ ذاتُ البِناءِ الرَّفِيعِ، أوْ ذاتُ الأساطِينِ عَلى أنَّ إرَمَ اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وقُرِئَ "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ العِمادِ، والإرَمُ: العِلْمُ أيْ: بِعادٍ أهْلِ أعْلامِ ذاتِ العِمادِ عَلى أنَّها اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وقُرِئَ "إرَمَ ذاتَ العِمادِ" أيْ: جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَمِيمًا بَدَلٌ مِن فَعَلَ رَبُّكَ. وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعادٍ ابْنانِ شَدِيدٌ وشَدّادٌ فَمَلَكا وقَهَرا ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ، وخَلَصَ الأمْرُ لِشَدّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيا ودانَتْ لَهُ مُلُوكُها فَسَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ فَقالَ: أبْنِي مِثْلَها، فَبَنى إرَمَ في بَعْضِ صَحارِي عَدَنٍ في ثُلْثُمِائَةِ سَنَةٍ وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الأشْجارِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها أهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُلابَةَ (p-155)
أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمْلَ ما قُدِّرَ عَلَيْهِ مِمّا ثَمَّةَ وبُلِّغَ خَبَرُهُ مُعاوِيَةَ فاسْتَحْضَرَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إلى كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيُدْخِلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عَقِبِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ ثُمَّ التَفَتَ إلى ابْنِ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
الفجر 89:8
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"إرَمَ" أيْ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهم في عِظَمِ الأجْرامِ والقُوَّةِ، حَيْثُ كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهم أرْبَعُمائَةِ ذِراعٍ وكانَ يَأْتِي الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ فَيَحْمِلُها ويُلْقِيها عَلى الحَيِّ فَيُهْلِكُهُمْ، أولم يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَةِ شَدّادٍ في جَمِيعِ بِلادِ الدُّنْيا، وقُرِئَ "لَمْ يَخْلُقْ" عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.
الفجر 89:9
﴿وَثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى "عادٍ" وهي قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أخِي جَدِيسَ، وهُما ابْنا عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانُوا عَرَبًا مِنَ العارِبَةِ يَسْكُنُونَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ وتَبُوكَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَعادٍ.
﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ فاتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا نَحَتُوها مِنَ الصَّخْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قِيلَ: هم أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ، وقَدْ بَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ.
الفجر 89:10
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ وخِيامِهِمُ الَّتِي يَضْرِبُونَها في مَنازِلِهِمْ أوْ لِتَعْذِيبِهِ بِالأوْتادِ.
الفجر 89:11
﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ، أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ أيْ: طَغى كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم في بِلادِهِمْ وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: *
الفجر 89:12
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي.
الفجر 89:13
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ إنْزالأ شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْهُ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ.
﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: عَذابٌ شَدِيدٍ لا يُدْرَكُ غايَتُهُ، وهو عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، وتَسْمِيَتُهُ سَوْطًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ السَّوْطِ عِنْدَ السَّيْفِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ واسْتِمْرارِهِ وتَتابُعِهِ، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالرَّمْلِ والحُبُوبِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ ونِسْبَتِهِ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في نُزُولِهِ المُتَتابِعِ المُتَدارِكِ عَلى المَضْرُوبِ بِقَطَراتِ الشَّيْءِ المَصْبُوبِ. وقِيلَ: السَّوْطُ: (p-156)
خَلْطُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فالمَعْنى: ما خُلِطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ، وقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصِيبِ وبِالشِّدَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّ السَّوْطَ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنهُما لُغَةً فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ في تَشْبِيهِهِ بِالمَصْبُوبِ إلى اعْتِبارِ تَكَرُّرِ تَعَلُّقِهِ بِالمُعَذَّبِ كَما في المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي مِمّا يَقْبَلُ الأسْتِمْرارَ في نَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الفجر 89:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وإيذانٌ بِأنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ المَذْكُورِينَ مِنَ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هو جَوابُ القَسَمِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ والمِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يُتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصْدُ مِفْعالٌ مِن رَصَدَهُ كالمِيقاتِ مِن وقْتِهُ وهَذا تَمْثِيلٌ لِإرْصادِهِ تَعالى بِالعُصاةِ وأنَّهم لا يُفَوِّتُونَهُ.
الفجر 89:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى بِصَدَدِ مُراقَبَةِ أحْوالِ عِبادِهِ ومُجازاتِهِمْ بِأعْمالِهِمْ خَيْرًا وشَرًّا، فَأمّا الإنْسانُ فَلا يُهِمُّهُ ذَلِكَ وإنَّما مَطْمَحُ أنْظارِهِ ومَرْصَدُ أفْكارِهِ الدُّنْيا ولَذائِذُها.
﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ بِالغِنى واليَسارِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، فَإنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ مِنَ الأبْتِلاءِ.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ أيْ: فَضَّلَنِي بِما أعْطانِي مِنَ المالِ والجاهِ حَسْبَما كُنْتُ أسْتَحِقُّهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّهُ فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ لِيَبْلُوَهُ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وهو خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو الإنْسانُ، والفاءُ لِما في "أمّا" مِن مَعْنى الشَّرْطِ، والظَّرْفُ المُتَوَسِّطُ عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمّا الإنْسانُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وقْتَ ابْتِلائِهِ بِالإنْعامِ، وإنَّما تَقْدِيمُهُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ بِطَرِيقِ الأبْتِلاءِ لِيَتَّضِحَ اخْتِلالُ قَوْلِهِ المَحْكِيِّ.
الفجر 89:16
﴿وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ: وأمّا هو إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ لِيَبْلُوَهُ أيَصْبِرُ أمْ يَجْزَعُ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الإهانَةِ في شَيْءٍ بَلْ التَّقْتِيرُ قَدْ يُؤَدِّي إلى كَرامَةِ الدّارَيْنِ والتَّوْسِعَةُ قَدْ تُفْضِي إلى خُسْرانِهِما، وقُرِئَ "فَقَدَّرَ" بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ "أكْرَمَنِي" و"أهانَنِي" بِإثْباتِ الياءِ و"أكْرَمَن" و"أهانَنْ" بِسُكُونِ النُّونِ في الوَقْفِ.
الفجر 89:17
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ مَقالَتِهِ المَحْكِيَّةِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيها في كِلْتا الحالَتَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ وحَمْلُ الرَّدْعِ والتَّكْذِيبِ إلى قَوْلِهِ الأخِيرِ بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ انْتِقالٌ مِن بَيانِ سُوءِ أقْوالِهِ إلى بَيانِ سُوءِ أفْعالِهِ، والألْتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ مُلاحَظَةِ جِنايَتِهِ السّابِقَةِ لِمُشافَهَتِهِ بِالتَّوْبِيخِ تَشْدِيدًا لِلتَّقْرِيعِ وتَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ (p-157)
مَعْنى الإنْسانِ؛ إذِ المُرادُ: هو الجِنْسُ أيْ: بَلْ لَكم أحْوالٌ أشُدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ، وقُرِئَ "لا يُكْرِمُونَ".
الفجر 89:18
﴿وَلا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا.
﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ، وقُرِئَ "تَحاضُّونَ" مِنَ المُحاضَّةِ، وقُرِئَ "يَحُضُّونَ" بِالياءِ والتّاءِ.
الفجر 89:19
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ: المِيراثَ وأصْلُهُ وُراثٌ.
﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا لَمٍّ أيْ: جَمْعَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُورِثُونَ النِّساءَ والصِّبْيانَ ويَأْكُلُونَ أنْصِباءَهم أوْ يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُورِثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ.
الفجر 89:20
﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ كَثِيرًا مَعَ حِرْصِ وشَرَهٍ، وقُرِئَ "يُحِبُّونَ" بِالياءِ.
الفجر 89:21
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ...إلَخْ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ أيْ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ حِينَ زُلْزِلَتْ وصارَتْ هَباءً مُنْبَثًّا. وقِيلَ: الدَّكُّ: حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، فالمَعْنى: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ وأيًّا ما كانَ؛ فَهو عِبارَةٌ عَمّا عَرَضَ لَها عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
الفجر 89:22
﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ آياتُ قدرته وآثارُ قَهْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِما يَظْهَرُ عِنْدَ حُضُورِ السُّلْطانِ مِن أحْكامِ هَيْبَتِهِ وسِياسَتِهِ. وقِيلَ: جاءَ أمْرُهُ تَعالى وقَضاؤُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِلتَّهْوِيلِ.
﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أوْ ذَوِي صُفُوفٍ فَإنَّهُ يَنْزِلُ يَوْمَئِذٍ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مُحَدِّقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ.
الفجر 89:23
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُقاتِلٌ: تُقادُ جَهَنَّمُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ كُلُّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها حَتّى تُنْصَبَ عَنْ يَسارِ العَرْشِ لَها تَغَيُّظٌ وزَفِيرٌ وقَدْ رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن "إذا دُكَّتْ" والعامِلُ فِيهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ أيْ: يَتَذَكَّرُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِتَفاصِيلِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ وأحْكامِهِ أوْ بِمُعايَنَةِ عَيْنِهِ عَلى أنَّ الأعْمالَ تَتَجَسَّمُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ فَيَبْرُزُ كُلٌّ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ (p-158)
والقَبِيحَةِ أوْ يَتَّعِظُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ يَتَذَكَّرُ حَقِيقَةً لِعِرائِهِ عَنِ الجَدْوى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ في أوانِهِ و"أنّى" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و"الذِّكْرى" مُبْتَدَأٌ و"لَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أيْ: ومِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ الذِّكْرى وقَدْ فاتَ أوانُها. وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأنّى لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى والاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ في دارِ التَّكْلِيفِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ عَلى أنَّ تُذَكِّرَهُ لَيْسَ مِن التَّوْبَةِ في شَيْءٍ فَإنَّهُ عالِمٌ بِأنَّها إنَّما تَكُونُ في الدُّنْيا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
الفجر 89:24
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "يَتَذَكَّرُ" أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي عَمِلْتُ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ أوْ وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا أعْمالأ صالِحَةً أنْتَفِعُ بَها اليَوْمَ، ولَيْسَ في هَذا التَّمَنِّي شائِبَةُ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِن تَقْدِيمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ قدرته أوْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ صَرْفِ قدرته الكاسِبَةِ إلَيْهِ فَكَلاَّ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَحْجُورَ قَدْ يَتَمَنّى إنْ كانَ مُمْكِنًا مِنهُ فَرُبَّما يُوهِمُ أنَّ مَن صَرَفَ قدرته إلى أحَدِ طَرَفَيْ الفِعْلِ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مَحْجُورٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ أحَدٍ جازِمٌ بِأنَّهُ لَوْ صَرَفَ قدرته إلى أيِّ طَرَفٍ كانَ مِن أفْعالِهِ الأخْتِيارِيَّةِ لَحَصَلَ وعَلى هَذا يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ وإلْزامُ الحُجَّةِ.
الفجر 89:25
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ.
﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ .
الفجر 89:26
﴿وَلا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ الهاءُ لِلَّهِ تَعالى أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووِثاقَهُ أحَدٌ سِواهُ إذِ الأمْرُ كُلُّهُ لَهُ أوْ لِلْإنْسانِ أيْ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ، وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ أيْضًا، وقِيلَ المُرادُ بِهِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أيْ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثِقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وِثاقِهِ لِتَناهِيهِ في الكُفْرِ والعِنادِ. وقِيلَ: لا يَحْمِلُ عَذابَ الإنْسانِ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ .
الفجر 89:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ حِكايَةٌ لِأحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وطاعَتِهِ إثْرَ حِكايَةِ أحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِالدُّنْيا، وُصِفَتْ بِالاطْمِئْنانِ لِأنَّها تَتَرَقى في مَعارِجِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ إلى المَبْدَأِ المُؤَثِّرِ بِالذّاتِ فَتَسْتَقِرُّ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وتَستْغِنِي بِهِ في وُجُودِها وسائِرِ شُؤُنِها عَنْ غَيْرِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: هي النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ إلى الحَقِّ الواصِلَةُ إلى ثَلَجِ اليَقِينِ بِحَيْثُ لا يُخالِجُها شَكٌّ ما؛ وقِيلَ: هي الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ" أيْ: يَقُولُ (p-159)
اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالذّاتِ كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ عَلى لِسانِ المَلَكِ عِنْدَ تَمامِ حِسابِ النّاسِ، وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ. وقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ.
الفجر 89:28
﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ أيْ: إلى مَوْعِدِهِ أوْ إلى أمْرِهِ.
﴿راضِيَةً﴾ بِما أُوتِيَتِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ،
الفجر 89:29
﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ في زُمْرَةِ عِبادِي الصّالِحِينَ المُخْتَصِّينَ بِي.
الفجر 89:30
﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ مَعَهم أوِ انْتَظِمِي في سِلْكِ المُقَرَّبِينَ واسْتَضِيئِي بِأنْوارِهِمْ؛ فَإنَّ الجَواهِرَ القُدْسِيَّةَ كالمَرايا المُتَقابِلَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالنَّفْسِ: الرُّوحُ، والمَعْنى: فادْخُلِي أجْسادَ عِبادِي الَّتِي فارَقَتْ عَنْها وادْخُلِي دارَ ثَوابِي، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الخِطابِ عِنْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ: "فادْخُلِي في عِبادِي"، وقُرِئَ "فِي جَسَدِ عَبْدِي"، وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلَبِ، وقِيلَ: في حَبِيبِ بْنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والظّاهِرُ العُمُومُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الفَجْرِ في اللَّيالِي العَشْرِ غُفِرَ لَهُ، ومَن قَرَأها في سائِرِ الأيّامِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ".»
البلد 90:1
(p-160)سُورَةُ البَلَدِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها عِشْرُونَ
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالبَلَدِ الحَرامِ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَمْنُوًّا بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَشاقِّ واعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: *
البلد 90:2
﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ إمّا لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجَعْلِ حُلُولِهِ بِهِ مَناطًا لِإعْظامِهِ بِالإقْسامِ بِهِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجَوابِ بِذِكْرِ بَعْضِ مَوادِّ المُكابَدَةِ عَلى نَهْجِ بَراعَةِ الأسْتِهْلالِ، وبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وعِظَمِ حُرْمَتِهِ قَدْ اسْتَحَلُّوهُ في هَذا البَلَدِ الحَرامِ، وتَعَرَّضُوا لَهُ بِما لا خَيْرَ فِيهِ، وهَمُّواْ بِما لَمْ يَنالُواْ، عَنْ شُرَحْبِيلَ يُحَرِّمُونَ أنْ يَقْتُلُوا بِها صَيْدًا ويَعْضُدُوا بِها شَجَرَةً، ويَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، أوْ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَعْدِ بِفَتْحِهِ عَلى مَعْنى: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ حَيْثُ أحَلَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكَّةَ وفَتْحَها عَلَيْهِ، وما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ ولا أُحِلَّتْ لَهُ؛ فَأحَلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها ما شاءَ وحَرَّمَ ما شاءَ، قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ ومَقِيسَ بْنَ صَبابَةَ وغَيْرَهُما، وحَرَّمَ دارَ أبِي سُفْيانَ ثُمَّ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرْضَ، فَهي حَرامٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولَنْ تَحِلَّ لِأحَدٍ بَعْدِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَّهارٍ، فَلا يَعْضُدُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلى خَلاها، ولا يَنْفَّرُ صَيْدُها، ولا تَحِلُّ لُقْطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ، فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخَرَ؛ فَإنَّهُ لِقُيُونِنا وقُبُورِنا وبُيُوتِنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إلّا الإذْخَرَ".»
البلد 90:3
﴿وَوالِدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿هَذا البَلَدَ﴾ والمُرادُ بِهِ: إبْراهِيمُ، وبُقُولُهُ تَعالى: ﴿وَما ولَدَ﴾ إسْماعِيلُ والنَّبِيُّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ حَرَمُ إبْراهِيمَ ومَنشَأُ إسْماعِيلَ ومَسْقَطُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِـ"ما" دُونَ "مَن" لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَتَنْكِيرِ والِدٍ، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الوِلادِ تَرْشِيحٌ لِمَضْمُونِ الجَوابِ إيماءً إلى أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في حالَتَيِ الوالِدِيَّةِ والوَلَدِيَّةِ. (p-161)
وَقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَسْلُهُ، وهو أنْسَبُ لِمَضْمُونِ الجَوابِ مِن حَيْثُ شُمُولُهُ لِلْكُلِّ، إلّا أنَّ التَّفْخِيمَ المُسْتَفادَ مِن كَلِمَةٍ ما لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وقِيلَ: وكُلُّ والِدٍ ووَلَدِهِ.
البلد 90:4
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ فَإنَّهُ لا يَزالُ يُقاسِي فُنُونَ الشَّدائِدِ مِن وقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ إلى نَزْعِها وما وراءَهُ يُقالُ: كُبِدَ الرَّجُلُ كَبْدًا إذا وُجِعَتْ كَبِدُهُ، وأصْلُهُ: كَبَدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَصَبٍ ومَشَقَّةٍ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ كَما قِيلَ كَبَتَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، وهو تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا كانَ يُكابِدُهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ.
البلد 90:5
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ﴾ لِبَعْضِهِمُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكابِدُ مِنهم ما يُكابِدُ، كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: هو أبُو الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ الجُمَحِيِّ وكانَ شَدِيدَ القُوَّةِ مُغْتَرًّا بِقُوَّتِهِ وكانَ يُبْسَطُ لَهُ الأدِيمُ العُكاظِيُّ فَيَقُومُ عَلَيْهِ ويَقُولُ: مَن أزالَنِي عَنْهُ فَلَهُ كَذا؛ فَيَجْذِبُهُ عَشْرَةٌ فَيَتَقَطَّعُ قَطْعًا ولا تَزِلُّ قَدَماهُ، أيْ: أيَظُنُّ هَذا القَوِيُّ المارِدُ المُتَضَعِّفُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: أيَحْسَبُ أنَّهُ لَنْ يَقْدِرَ عَلى الأنْتِقامِ مِنهُ أحَدٌ.
البلد 90:6
﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ يُرِيدُ كَثْرَةَ ما أنْفَقَهُ فِيما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَها مَكارِمَ ويَدْعُونَها مَعالِيَ ومَفاخِرَ.
البلد 90:7
﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ حِينَ كانَ يُنْفِقُ، وأنَّهُ تَعالى لا يَسْألُهُ عَنْهُ ولا يُجازِيهِ عَلَيْهِ.
البلد 90:8
﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما.
البلد 90:9
﴿وَلِسانًا﴾ يُتَرْجِمُ بِهِ عَنْ ضَمائِرِهِ.
﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يَسْتُرُ بِهِما فاهُ ويَسْتَعِينُ بِهِما عَلى النُّطْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِها.
البلد 90:10
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، أوِ الثَّدْيَيْنِ، وأصْلُ النَّجْدِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ.
البلد 90:11
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وعَبَّرَ عَنْها (p-162)
بِالعَقَبَةِ الَّتِي هي الطَّرِيقُ في الجَبَلِ لِصُعُوبَةِ سُلُوكِها.
البلد 90:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِها وكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانَةٍ رَفِيعَةٍ.
البلد 90:13
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: هو إعْتاقُ رَقَبَةٍ.
البلد 90:14
﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أيْ: مَجاعَةٍ.
البلد 90:15
﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: قَرابَةٍ.
البلد 90:16
﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيِ: افْتِقارٍ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ هَذِهِ الأُمُورَ حَسُنَ دُخُولُ "لا" عَلى الماضِي فَإنَّها لا تَكادُ تَقَعُ إلّا مُكَرَّرَةً؛ إذِ المَعْنى: فَلا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا، والمَسْغَبَةُ والمَقْرَبَةُ والمَتْرَبَةُ مَفْعَلاتٌ مِن سَغِبَ إذا جاعَ وقَرُبَ مِنَ النَّسَبِ وتَرِبَ إذا افْتَقَرَ، وقُرِئَ "فَكَّ رَقَبَةً" أوْ "أطْعَمَ" عَلى الإبْدالِ مِنِ اقْتَحَمَ.
البلد 90:17
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ بِـ"لا" و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ الإيمانِ ورِفْعَةِ مَحَلِّهِ لِاشْتِراطِ جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِهِ.
﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى "آمَنُوا" أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ بِالرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ أوْ بِمُوجِباتِ رَحْمَتِهِ مِنَ الخَيِّراتِ.
البلد 90:18
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ.
﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيِ: اليَمِينِ أوِ اليُمْنِ.
البلد 90:19
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بِما نَصَبْناهُ دَلِيلًا عَلى الحَقِّ مِن كِتابٍ وحُجَّةٍ أوْ بِالقرآن.
﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيِ: الشَّمالِ أوِ الشُّؤْمِ.
البلد 90:20
﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، مِن آصَدْتُ البابَ إذا (p-163)
أطْبَقْتُهُ وأغْلَقْتُهُ، وقُرِئَ "مُوصَدَةٌ" بِغَيْرِ هَمْزَةٍ مِن أوْصَدْتُهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ البَلَدِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الأمانَ مِن غَضَبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".»
الشمس 91:1
سُورَةُ الشَّمْسِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ وقامَ سُلْطانُها، وقِيلَ: الضَّحْوَةُ: ارْتِفاعُ النَّهارِ والضُّحى فَوْقَ ذَلِكَ، والضَّحاءُ بِالفَتْحِ والمَدِّ إذا امْتَدَّ النَّهارُ وكادَ يَنْتَصِفُ.
الشمس 91:2
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، وقِيلَ: إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها، وقِيلَ: إذا تَلاها في الأسْتِدارَةِ وكَمالِ النُّورِ.
الشمس 91:3
﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ أيْ: جَلّى الشَّمْسَ فَإنَّها تَتَجَلّى عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ، أوْ جَلّى الظُّلْمَةَ، أوِ الدُّنْيا، أوِ الأرْضَ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ بِها.
الشمس 91:4
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيِ: الشَّمْسَ فَيُغَطِّي ضَوْءَها، أوِ الآفاقَ، أوِ الأرْضَ، وحَيْثُ كانَتِ الواواتُ العاطِفَةُ نَوائِبَ لِلْواوِ الأُولى القَسَمِيَّةِ القائِمَةِ مَقامَ الفِعْلِ، والباءُ سادَّةٌ مَسَدَّهُما مَعًا في قَوْلِكَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ حَقَقْنَ أنْ يَعْمَلْنَ عَمَلَ الفِعْلِ والجارِّ جَمِيعًا كَما تَقُولُ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وبَكْرٌ وخالِدًا.
الشمس 91:5
﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ أيْ: ومَن بَناها، وإيثارُ "ما" عَلى "مَن"؛ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ تَفْخِيمًا، كَأنَّهُ قِيلَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ.
الشمس 91:6
وَكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ كَـ"دَحاها".
الشمس 91:7
(p-164)﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها مُسْتَعِدَّةً لِكَمالأتِها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ: نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ وهو الأنْسَبُ لِلْجَوابِ.
الشمس 91:8
﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وعَرَّفَها حالَهُما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ كُلٌّ مِنهُما، ومَكَّنَها مِنَ اخْتِيارِ أيِّهِما شاءَتْ، وتَقْدِيمُ الفُجُورِ؛ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
الشمس 91:9
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، ونَجا مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ مِن أنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى، وهو جَوابُ القَسَمِ، وحَذْفُ اللّامِ لِطُولِ الكَلامِ.
الشمس 91:10
وَتَكْرِيرُ "قَدْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾؛ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ والإيذانِ بِتَعَلُّقِ القَسَمِ بِهِ أيْضًا أصالَةً، أيْ: خَسِرَ مَن نَقَصَها وأخْفاها بِالفُجُورِ، وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ كَتَقَضّى وتَقَضَّضَ، وقِيلَ: هو كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ بِطَرِيقِ الأسْتِطْرادِ، وإنَّما الجَوابُ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: *
الشمس 91:11
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى كُفّارِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ والطَّغْوى بِالفَتْحِ الطُّغْيانُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ بِسَبَبِ طُغْيانِها، كَما تَقُولُ: ظَلَمَنِي بِجَراءَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ صِلَةٌ لِلتَّكْذِيبِ أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوْعِدَتْ بِهِ مِنَ العَذابِ ذِي الطَّغْوى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ وقُرِئَ "بِطُغْواها" بِضَمِّ الطّاءِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالرُّجْعى.
الشمس 91:12
﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ مَنصُوبٌ بِـ"كَذَّبَتْ" أوْ بِـ"الطَّغْوى" أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سَلَفٍ، أوْ هو ومَن تَصَدّى مَعَهُ لِعَقْرِ النّاقَةِ مِنَ الأشْقِياءِ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وفَضْلُ شَقاوَتِهِمْ عَلى مَن عَداهم لِمُباشَرَتِهِمُ العَقْرَ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الرِّضا بِهِ.
الشمس 91:13
﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِثَمُودَ ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ: صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ إيذانًا بِوُجُوبِ طاعَتِهِ، وبَيانًا لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ، وهو السِّرُّ في إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ (p-165)
أيْ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ، ﴿وَسُقْياها﴾ ولا تَذُودُوها عَنْها في نَوْبَتِها.
الشمس 91:14
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: في وعِيدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرٌ لَهم لِلْأشَقَّيْنِ، ولا يُلائِمُهُ ذِكْرُ "سُقْياها"، ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيِ: الأشْقى، والجَمْعُ عَلى تَقْدِيرِ وِحْدَتِهِ لِرِضا الكُلِّ بِفِعْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهُمْ، وذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، وقالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانَ أفْضَلُ النّاسِ.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ، وهو مِن تَكْرِيرِ قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مُدَمْدَمَةٌ؛ إذا ألْبَسَها الشَّحْمُ.
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمُ المَحْكِيِّ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ الفاءِ عَلَيْهِ؛ لِلْإنْذارِ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِهِ كُلُّ مُذْنِبٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ أيِ: الدَّمْدَمَةَ بَيْنَهُمْ، لَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، أوْ فَسَوّى ثَمُودَ بِالأرْضِ، أوْ سَوّاها في الهَلاكِ.
الشمس 91:15
﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ: عاقِبَتَها وتَبِعَتَها كَما يَخافُ سائِرُ المُعاقِبِينَ مِنَ المُلُوكِ فَيُبْقِي بَعْضَ الإبْقاءِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا بِحَقٍّ، وكُلُّ مَن فَعَلَ بِحَقٍّ فَإنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ وإنْ كانَ مِن شَأْنِهِ الخَوْفُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ "فَلا يَخافُ" وقُرِئَ "لَمْ يَخَفْ".
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الشَّمْسِ فَكَأنَّما تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ".»
الليل 92:1
(p-166)سُورَةُ اللَّيْلِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: حِينَ يَغْشى الشَّمْسَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أوِ النَّهارَ، أوْ كُلِّ ما يُوارِيهِ بِظَلامِهِ.
الليل 92:2
﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أوْ تَبَيَّنَ وتَكَشَّفَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
الليل 92:3
﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيْ: والقادِرِ العَظِيمِ القُدْرَةِ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِّ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ ما لَهُ تَوالُدٌ، وقِيلَ: هُما آدَمُ وحَوّاءُ، وقُرِئَ "والذَّكَرِ والأُنْثى"، وقُرِئَ "والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى"، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.
الليل 92:4
﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ جَوابُ القَسَمِ، و"شَتّى" جَمْعُ "شَتِيتٍ" أيْ: إنَّ مَساعِيَكم لِأشْتاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
الليل 92:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ...إلَخْ، تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي المُشَتَّتَةِ وتَبْيِينٌ لِأحْكامِها، أيْ: فَأمّا مَن أعْطى حُقُوقَ مالِهِ، واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي نَهي عَنْها وصَدَّقَ بِالخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي الإيمانُ، أوْ بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ.
الليل 92:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ...إلَخْ، تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي المُشَتَّتَةِ وتَبْيِينٌ لِأحْكامِها، أيْ: فَأمّا مَن أعْطى حُقُوقَ مالِهِ، واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي نَهي عَنْها وصَدَّقَ بِالخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي الإيمانُ، أوْ بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ.
الليل 92:7
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الَّتِي تُؤْدِي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ، ومَبادِيِهِ، مِن يَسَّرَ الفَرَسَ لِلرُّكُوبِ: إذا أسْرَجَها وألْجَمَها.
الليل 92:8
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ أيْ: بِمالِهِ، فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ. (p-167)﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ: زَهَدَ فِيما عِنْدَهُ تَعالى، كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَلَمْ يَتَّقِهِ أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ.
الليل 92:9
﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ المَعانِي المُتَلازِمَةِ.
الليل 92:10
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أيْ: لِلْخَصْلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العُسْرِ والشِّدَّةِ، كَدُخُولِ النّارِ ومُقَدِّماتِهِ لِاخْتِيارِهِ لَها، ولَعَلَّ تَصْدِيرَ القَسَمَيْنِ بِالإعْطاءِ والبُخْلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما أدْنى رُتْبَةً مِمّا بَعْدَهُما في اسْتِتْباعِ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى، والتَّيْسِيرِ لِلْعُسْرى لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصْلٌ فِيما ذُكِرَ، لا تَتِمَّةَ لِما بَعْدَهُما مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّقْوى والتَّكْذِيبِ والاسْتِغْناءِ، وتَفْسِيرُ الأوَّلِ بِإعْطاءِ الطّاعَةِ، والثّانِي بِالبُخْلِ بِما أمُرُّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
الليل 92:11
﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ﴾ أيْ: ولا يُغْنِي، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ، ﴿مالُهُ﴾ الَّذِي يَبْخَلُ بِهِ، ﴿إذا تَرَدّى﴾ أيْ: هَلَكَ "تَفَعَّلَ" مِنَ الرَّدى الَّذِي هو الهَلاكُ، أوْ تَرَدّى في الحُفْرَةِ إذا قُبِرَ أوْ تَرَدّى في قَعْرِ جَهَنَّمَ.
الليل 92:12
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ: إنَّ عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْعِبادَةِ أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّلالِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ بَيَّنا حالَ مَن سَلَكَ كِلا الطَّرِيقَيْنِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، ومِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ الهِدايَةَ هي الدَّلالَةُ عَلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ، لا الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ إلَيْها قَطْعًا.
الليل 92:13
﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيِ: التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما كَيْفَما نَشاءُ، فَنَفْعَلُ فِيهِما ما نَشاءُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وعَدْنا مِنَ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى والتَّيْسِيرِ لِلْعُسْرى. وقِيلَ: إنَّ لَنا كُلَّ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا يَضُرُّنا تَرْكُكُمُ الأهْتِداءَ بِهُدانا.
الليل 92:14
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَلَظّى أيْ: تَتَلَهَّبُ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ.
الليل 92:15
﴿لا يَصْلاها﴾ صِلِيًّا لازِمًا.
﴿إلا الأشْقى﴾ إلّا الكافِرُ؛ فَإنَّ الفاسِقَ لا يَصْلاها صِلِيًّا لازِمًا، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: *
الليل 92:16
﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالحَقِّ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ.
الليل 92:17
(p-168)﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: سَيُبْعَدُ عَنْها، ﴿الأتْقى﴾ المُبالِغُ في اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي؛ فَلا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ دُخُولِها أوْ صَلْيِها الأبَدِيِّ، وأمّا مَن دُونَهُ مِمَّنْ يَتَّقِي الكُفْرَ دُونَ المَعاصِي؛ فَلا يُبْعَدُ عَنْها هَذا التَّبْعِيدَ وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ صِلِيَّها بِالمَعْنى المَذْكُورِ؛ فَلا يَقْدَحُ في الحَصْرِ السّابِقِ.
الليل 92:18
﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَزَكّى﴾ إمّا بَدَلٌ مِن "يُؤْتِي" داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ لا مَحَلَّ لَهُ، أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُؤْتِي" أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا لا يُرِيدُونَ بِهِ رِياءً ولا سُمْعَةً.
الليل 92:19
﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِكَوْنِ إيتائِهِ لِلتَّزَكِّي خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لَيْسَ لِأحَدٍ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ تُجْزى وتُكافَأ؛ فَيَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتى مُجازاتِها.
الليل 92:20
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن "نِعْمَةٍ" وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ "نِعْمَةٍ" فَإنَّهُ الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ، أوْ عَلى الأبْتِداءِ، و"مِن" مَزِيدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا يُؤْتِي مالَهُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ، والآياتُ نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِلالا في جَماعَةٍ كانَ يُؤْذِيهِمُ المُشْرِكُونَ فَأعْتَقَهُمْ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ رَوى عَطاءٌ والضَّحّاكُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَذَّبَ المُشْرِكُونَ بِلالأ وبِلالٌ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: أحَدٌ يَعْنِي: اللَّهُ تَعالى يُنْجِيكَ، ثُمَّ قالَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ بِلالا يُعَذَّبُ في اللَّهِ، فَعَرَفَ مُرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ، فَأخَذَ رَطْلًا مِن ذَهَبٍ ومَضى بِهِ إلى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَقالَ لَهُ: أتَبِيعُنِي بِلالأ؟ قالَ: نَعَمْ فاشْتَراهُ فَأعْتَقَهُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: ما أعْتَقَهُ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لَهُ عِنْدَهُ؛ فَنَزَلَتْ.»
الليل 92:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى، وهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعَ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا، وقُرِئَ "يُرْضى" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإرْضاءِ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ اللَّيْلِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَرْضى، وعافاهُ مِنَ العُسْرِ ويَسَّرَ لَهُ اليُسْرَ".»
الضحى 93:1
(p-169)سُورَةُ الضُّحى
مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿والضُّحى﴾ هو وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ وصَدْرُ النَّهارِ، قالُوا: تَخْصِيصُهُ بِالإقْسامِ بِهِ؛ لِأنَّها السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُلْقِيَ فِيها السحرةُ سُجَّدًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ النَّهارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾ في مُقابَلَةِ "بَياتًا".
الضحى 93:2
﴿واللَّيْلِ﴾ أيْ: جِنْسِ اللَّيْلِ.
﴿إذا سَجى﴾ أيْ: سَكَنَ أهْلُهُ أوْ رَكَدَ ظَلامُهُ، مِن سَجا البَحْرُ سَجْوًا: إذا سَكَنَتْ أمْواجُهُ، ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ المُرادَ بِالضُّحى: هو الضُّحى الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِاللَّيْلِ: لَيْلَةُ المِعْراجِ.
الضحى 93:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: ما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: ما تَرَكَكَ، ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: وما أبْغَضَكَ، وحَذْفُ المَفْعُولِ إمّا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِهِ مِن قَبْلُ، أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَفْيِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ تَأخَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيّامًا لِتَرْكِهِ الأسْتِثْناءَ كَما مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ أوْ لِزَجْرِهِ سائِلًا مُلِحًّا، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَنَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكَرامَةِ الحاصِلَةِ والمُتَرَقَّبَةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُ اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَيْثُ تَضَمَّنَ ما سَبَقَ مِن نَفْيِ التَّوْدِيعِ والقِلى أنَّهُ تَعالى يُواصِلُهُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا، بَشَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ ما سَيُؤْتِيهِ في الآخِرَةِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: *
الضحى 93:4
﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ لِما أنَّها باقِيَةٌ صافِيَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى الإطْلاقِ، وهَذِهِ فانِيَةٌ مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ، وما أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ وإنْ كانَ مِمّا لا يُعادِلُهُ شَرَفٌ ولاَ يُدانِيهِ فَضْلٌ (p-170)
لَكِنَّهُ لا يَخْلُو في الدُّنْيا مِن بَعْضِ العَوارِضِ الفادِحَةِ في تَمْشِيَةِ الأحْكامِ، مَعَ أنَّهُ عِنْدَما أعَدَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ يَوْمَ الجَمْعِ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، وكَوْنُ أُمَّتِهِ شُهَداءَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ ورَفْعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ وإعْلاءُ مَراتِبِهِمْ بِشَفاعَتِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي لا تُحِيطُ بِها العِبارَةُ، بِمَنزِلَةِ بَعْضِ المَبادِي بِالنِّسْبَةِ إلى المَطالِبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ: عاقِبَةُ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ، لا تَزالُ تَتَزايَدُ قُوَّةً وتَتَصاعَدُ رِفْعَةً.
الضحى 93:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا، مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ، وإعْلاءِ الدِّينِ بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلُوكِ الإسْلامِيَّةِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ والإسْلامِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أنْبَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ شَمَّةٍ مِنها حَيْثُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿فِي الجَنَّةِ ألْفُ قَصْرٍ مِن لُؤْلُؤٍ أبْيَضَ، تُرابُهُ المِسْكُ﴾ واللّامُ لِلِابْتِداءِ دَخَلَتِ الخَبَرَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ ...إلَخْ، لا لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، وجَمْعُها مَعَ "سَوْفَ"؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَراخى لِحِكْمَةٍ. وقِيلَ: هي لِلْقَسَمِ، وقاعِدَةُ التَّلازُمِ بَيْنَها وبَيْنَ نُونِ التَّأْكِيدِ قَدِ اسْتَثْنى النُّحاةُ مِنها صُورَتَيْنِ، إحْداهُما: أنْ يُفْصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ: واللَّهِ لَسَأُعْطِيكَ، والثّانِيَةُ: أنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ هَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي في قَوْلِكَ: "إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ"؛ بَلْ هي الَّتِي في قَوْلِكَ: "لَأقُومَنَّ"، ونابَتْ "سَوْفَ" عَنْ إحْدى نُونَيِ التَّأْكِيدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "وَلَيُعْطِيَنَّكَ" وكَذَلِكَ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ ...إلَخْ.
الضحى 93:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ؛ لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ المَوْعُودِ؛ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ ...إلَخْ، والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ و"يَتِيمًا" مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقِيلَ: بِمَعْنى المُصادَقَةِ و"يَتِيمًا" حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. رُوِيَ أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ؛ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ وذَلِكَ إيواؤُهُ، وقُرِئَ "فَأوى" وهو إمّا مِن أواهُ بِمَعْنى آواهُ، أوْ مَن أوى لَهُ إذا رَحِمَهُ.
الضحى 93:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ السّابِقُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ"لَمْ" داخِلٌ في حُكْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أما وجَدَكَ يَتِيمًا فَآوى، ووَجَدَكَ غافِلًا عَنِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَهْتَدِي (p-171)إلَيْها العُقُولُ؟ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ . وقِيلَ: ضَلَّ في صِباهُ في بَعْضِ شِعابِ مَكَّةَ فَرَدَّهُ أبُو جَهْلٍ إلى عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: ضَلَّ مَرَّةً أُخْرى وطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ فَطافَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بِالكَعْبَةِ سَبْعًا وتَضْرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَسَمِعُوا مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا مَعْشَرَ النّاسِ، لا تَضِجُّوا فَإنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبًّا لا يَخْذُلُهُ ولا يُضَيِّعُهُ، وإنَّ مُحَمَّدًا بِوادِي تِهامَةَ عِنْدَ شَجَرِ السَّمُرِ؛ فَسارَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ قائِمٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَلْعَبُ بِالأغْصانِ والأوْراقِ، وقِيلَ: أضَلَّتْهُ مُرْضِعَتُهُ حَلِيمَةُ عِنْدَ بابِ مَكَّةَ حِينَ فَطَمَتْهُ وجاءَتْ بِهِ لِتَرُدَّهُ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: ضَلَّ في طَرِيقِ الشّامِ حِينَ خَرَجَ بِهِ أبُو طالِبٍ.
يُرْوى أنَّ إبْلِيسَ أخَذَ بِزِمامِ ناقَتِهِ في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَفَخَ إبْلِيسَ نَفْخَةً وقَعَ مِنها إلى أرْضِ الهِنْدِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ.
﴿فَهَدى﴾ فَهَداكَ إلى مَناهِجِ الشَّرائِعِ المُنْطَوِيَةِ في تَضاعِيفِ ما أوْحى إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ، وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أوْ أزالَ ضَلالكَ عَنْ جَدِّكَ أوْ عَمِّكَ.
الضحى 93:8
﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ أيْ: فَقِيرًا، وقُرِئَ "عَيِّلًا،" وقُرِئَ "عَدِيمًا".
﴿فَأغْنى﴾ فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ، أوْ بِمالٍ حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ، أوْ بِمالٍ أفاءَ عَلَيْكَ مِنَ الغَنائِمِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي"،» وقِيلَ: قَنِعَكَ وأغْنى قَلْبَكَ.
الضحى 93:9
﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَحْتَقِرْ، وقُرِئَ "فَلا تَكْهَرْ" أيْ: فَلا تَعْبِسْ في وجْهِهِ.
الضحى 93:10
﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فَلا تَزْجُرْ ولا تُغَلِّظْ لَهُ القَوْلَ؛ بَلْ رُدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا، قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْلُ السُّؤالُ يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: السّائِلُ يُرِيدُ الآخِرَةَ يَجِيءُ إلى بابِ أحَدِكم فَيَقُولُ: أتُبْعَثُونَ إلى أهْلِيكم بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسّائِلِ هَهُنا: الَّذِي يَسْألُ عَنِ الدِّينِ.
الضحى 93:11
﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِشُكْرِها وإشاعَتِها وإظْهارِ آثارِها وأحْكامِها أُرِيدَ بِها ما أفاضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها النِّعَمُ المَعْدُودَةُ، المَوْجُودَةُ مِنها والمَوْعُودَةُ، والمَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ يَتِيمًا وضالأ وعائِلًا؛ فَآواكَ اللَّهُ تَعالى وهَداكَ وأغْناكَ، فَمَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَنْسَ حُقُوقَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ في هَذِهِ الثَّلاثِ، واقْتَدِ بِاللَّهِ تَعالى، وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ فَتَعَطَّفْ عَلى اليَتِيمِ فَآوِهِ، وتَرْحَمْ عَلى السّائِلِ وتَفْقَّدْهُ بِمَعْرُوفِكَ ولا تَزْجُرْهُ عَنْ بابِكَ، وحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ كُلِّها وحَيْثُ كانَ مُعْظَمُها نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَ الأمْرِ هِدايَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلضُّلّالِ وتَعْلِيمُهُ لِلشَّرائِعِ والأحْكامِ حَسْبَما هَداهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلَّمَهُ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الضُّحى جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيمَن يَرْضى لِمُحَمَّدٍ أنْ يَشْفَعَ لَهُ، وعَشْرُ حَسَناتٍ يَكْتُبُها اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وسائِلٍ".»
الشرح 94:1
(p-172)سُورَةُ الشَّرْحِ
مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِ آياتٍ
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ لَمّا كانَ الصَّدْرُ مَحَلًّا لِأحْوالِ النَّفْسِ ومَخْزَنًا لِسَرائِرِها مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ والمَلَكاتِ والإراداتِ وغَيْرِها؛ عَبَّرَ بِشَرْحِهِ عَنْ تَوْسِيعِ دائِرَةِ تَصَرُّفاتِها بِتَأْيِيدِها بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ وتَحْلِيَتِها بِالكَمالأتِ الأُنْسِيَّةِ، أيْ: ألَمْ نُفْسِحْهُ حَتّى حَوى عالَمَيِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وجَمَعَ بَيْنَ مَلكَتِيِ الأسْتِفادَةِ والإفادَةِ فَما صَدَّكَ المُلابَسَةُ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ عَنِ اقْتِباسِ أنْوارِ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وما عاقَكَ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ الأسْتِغْراقِ في شُءونِ الحَقِّ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ: ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في صِباهُ أوْ يَوْمَ المِيثاقِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ فَغَسَلَهُ ثُمَّ مَلَأهُ إيمانًا وعِلْمًا،» ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِما ذُكِرَ أوْ أُنْمُوذَجٌ جُسْمانِيٌّ مِمّا سَيَظْهَرُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَمالِ الرُّوحانِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ثُبُوتِ الشَّرْحِ بِالاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنِ انْتِفائِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ "بَلى"، وزِيادَةُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ؛ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الشَّرْحَ مِن مَنافِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصالِحِهِ، مُسارَعَةً إلى إدْخالِ المَسَرَّةِ في قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَشْوِيقًا لَهُ إلى ما يُعْقِبُهُ؛ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَهُ وقْتَ وُرُودِهِ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ.
الشرح 94:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن مَدْلُولِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كَأنَّهُ قَدْ شَرَحْنا صَدْرَكَ ووَضْعَنا ...إلَخْ، و"عَنْكَ" مُتَعَلِّقٌ بِـ"وَضَعْنا"، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِما مَرَّ آنِفًا مِنَ القَصْدِ إلى تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتِّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِما أنَّ في وصْفِهِ نَوْعَ طُولٍ، فَتَأْخِيرُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْهُ؛ لِما مَرَّ آنِفًا مِنَ القَصْدِ إلى تَعْجِيلٍ أيْ: حَطَطْنا عَنْكَ عِبْأكَ الثَّقِيلَ.
الشرح 94:3
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أيْ: حَمْلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الأنْتِقاضَ والأنْفِكاكَ كَما يُسْمَعُ مِنَ الرَّحْلِ المُتَداعِي إلى الأنْتِقاضِ مِن ثِقَلِ الحَمْلِ، مُثِّلَ بِهِ حالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَغُمُّهُ مِن فُرُطاتِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أوْ مِن عَدَمِ إحاطَتِهِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ، أوْ مِن تَهالُكِهِ عَلى إسْلامِ المُعانِدِينَ (p-173)مِن قَوْمِهِ وتَلَهُّفِهِ ووَضْعِهِ عِنْدَ مَغْفِرَتِهِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ وتَمْهِيدِ عُذْرِهِ بَعْدَ أنْ بَلَّغَ وبالَغَ، وقُرِئَ "وَحَطَطْنا" و"حَلَلْنا" مَكانَ "وَضَعْنا"، وقُرِئَ "وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ".
الشرح 94:4
﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ وأحْكامِها أيَّ رَفْعٍ؛ حَيْثُ قُرِنَ اسْمُهُ باسِمِ اللَّهِ تَعالى في كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ، وجَعَلَ طاعَتَهُ طاعَتَهُ تَعالى، وصَلّى عَلَيْهِ هو ومَلائِكَتُهُ وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وسُمِّيَ رَسُولَ اللَّهِ ونَبِيَّ اللَّهِ، والكَلامُ في العَطْفِ وزِيادَةِ "لَكَ" كالَّذِي سَلَفَ.
الشرح 94:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، ووَعْدُهُ كَرِيمٌ بِتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ؛ فَكُنْ عَلى ثِقَةٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا كَثِيرًا، وفي كَلِمَتِهِ مَعَ إشْعارٍ بِغايَةِ سُرْعَةِ مَجِيءِ اليُسْرِ كَأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعُسْرِ.
الشرح 94:6
﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ عِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِأنَّ العُسْرَ مَشْفُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ، لِلصّائِمِ فَرْحَةٌ أيْ: فَرْحَةً عِنْدَ الإفْطارِ وفَرْحَةً عِنْدَ لِقاءِ الرَّبِّ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ﴾ فَإنَّ المُعَرَّفَ إذا أُعِيدَ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءً كانَ مَعْهُودًا أوْ جِنْسًا، وأمّا المُنْكَرُ فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالأوَّلِ.
الشرح 94:7
﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ أيْ: مِنَ التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: مِنَ الغَزْوِ.
﴿فانْصَبْ﴾ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ واتْعَبْ شُكْرًا لِما أوْلَيْناكَ مِنَ النِّعَمِ السّالِفَةِ ووَعَدْناكَ مِنَ الآلاءِ الآنِفَةِ، وقِيلَ: فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ، وقِيلَ: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
الشرح 94:8
﴿وَإلى رَبِّكَ﴾ وحْدَهُ.
﴿فارْغَبْ﴾ بِالسُّؤالِ ولا تَسْألْ غَيْرَهُ؛ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى إسْعافِكَ لا غَيْرُهُ، وقُرِئَ "فَرَغِّبْ" أيْ: فَرَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ "ألَمْ نَشْرَحْ" فَكَأنَّما جاءَنِي وأنا مُغْتَمٌّ فَفَرَّجَ عَنِّي".»
التين 95:1
(p-174)سُورَةُ التِّينِ
مَكِّيَّةٌ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَمانٍ
﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ هُما هَذا التِّينُ وهَذا الزَّيْتُونُ خَصَّهُما اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن بَيْنِ الثِّمارِ بِالإقْسامِ بِهِما؛ لِاخْتِصاصِهِما بِخَواصَّ جَلِيلَةٍ، فَإنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فُضِّلَ لَهُ غِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الهَضْمِ، ودَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ، يُلِينُ الطَّبْعَ، ويُحَلِّلُ البَلْغَمَ، ويُطَهِّرُ الكُلْيَتَيْنِ، ويُزِيلُ ما في المَثانَةِ مِنَ الرَّمْلِ، ويُسْمِنُ البَدَنَ، ويَفْتَحُ سَدَدَ الكَبِدِ والطُّحالِ. ورَوى أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُلٌّ مِن تِينٍ، فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ:" كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذا؛ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمَ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ"،» وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا: "التِّينُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ، وأمّا الزَّيْتُونُ؛ فَهو فاكِهَةٌ وإدامٌ ودَواءٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى اخْتِصاصِهِ بِدُهْنٍ كَثِيرِ المَنافِعِ مَعَ حُصُولِهِ في بِقاعٍ لا دُهْنِيَّةَ فِيها لَكَفى بِهِ فَضْلًا، وشَجَرَتُهُ هي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ المَشْهُودُ لَها في التَّنْزِيلِ، «وَمَرَّ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ فَأخَذَ مِنها قَضِيبًا واسْتاكَ بِهِ، وقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "نِعْمَ السِّواكُ الزَّيْتُونُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ يُطَيِّبُ الفَمَ ويَذْهَبُ بِالحُفْرَةِ" وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "هُوَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ قَبْلِي".» وقِيلَ: هُما جَبَلانِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَهُما بِالسُّرْيانِيَّةِ: طُورَ تِينًا وطُورَ زَيْتًا، لِأنَّهُما مَنبِتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، وقِيلَ: التِّينُ جَبَلٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ وهَمْدانَ، والزَّيْتُونُ جِبالُ الشّامِ لِأنَّهُما مَنابِتُهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ، وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التِّينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بَناهُ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ المَسْجِدُ الأقْصى، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو تِينُكُمُ الَّذِي تَأْكُلُونَ وزَيْتُونُكُمُ الَّذِي تَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ، وعَطاءٌ، وجابِرٌ، وزَيْدٌ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ.
التين 95:2
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (p-175)هُوَ الجَبَلُ الَّذِي ناجى عَلَيْهِ مُوسى رَبَّهُ و"سِينِينَ" و"سَيْناءُ" عَلَمانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِما وسِينُونَ كَبِيرُونَ في جَوازِ الإعْرابِ بِالواوِ والياءِ، والإقْرارِ عَلى الياءِ وتَحْرِيكِ النُّونِ بِالحَرَكاتِ الإعْرابِيَّةِ.
التين 95:3
﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ أيِ: الآمِنِ مِن أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ، وهو مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى، وأمانَتُها أنَّها تَحْفَظُ مَن دَخَلَها كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ؛ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ كَما وُصِفَ بِالآمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ بِمَعْنى ذِي أمْنٍ، ووَجْهُ الإقْسامِ بِهاتِيكَ البِقاعِ المُبارَكَةِ المَشْحُونَةِ بِبَرَكاتِ الدُّنْيا والدِّينِ غَنِيٌّ عَنِ الشَّرْحِ والتَّبْيِينِ.
التين 95:4
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ: جِنْسَ الإنْسانِ، ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: كائِنًا في أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ التَّقْوِيمِ والتَّعْدِيلِ صُورَةً ومَعْنًى؛ حَيْثُ بَرَأهُ اللَّهُ تَعالى مُسْتَوِيَ القامَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ مُتَّصِفًا بِالحَياةِ والعِلْمِ، والقُدْرَةِ والإرادَةِ، والتَّكَلُّمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي هي مِن أُنْمُوذَجاتٍ مِنَ الصِّفاتِ السُّبْحانِيَّةِ وآثارٌ لَها، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: خُلِقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ، وفي رِوايَةٍ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وبُنِيَ عَلَيْهِ تَحْقِيقُ مَعْنى قَوْلِهِ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، وقالَ: إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَتْ حالَّةً في البَدَنِ ولا خارِجَةً عَنْهُ، مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ تَسْتَعْمِلُهُ كَيْفَما شاءَتْ، فَإذا أرادَتْ فِعْلًا مِنَ الأفاعِيلِ الجُسْمانِيَّةِ تُلْقِيهِ إلى ما في القَلْبِ مِنَ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ الَّذِي هو أعْدَلُ الأرْواحِ وأصْفاها وأقْرَبُها مِنها، وأقْواها مُناسَبَةً إلى عالَمِ المُجَرَّداتِ إلْقاءً رُوحانِيًّا، وهو يُلْقِيهِ بِواسِطَةِ ما في الشَّرايِينِ مِنَ الأرْواحِ إلى الدِّماغِ الَّذِي هو مَنبِتُ الأعْصابِ الَّتِي فِيها القُوى المُحَرِّكَةُ لِلْإنْسانِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُحَرِّكُ مِنَ الأعْضاءِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ الفِعْلِ مِن مَبادِيهِ البَعِيدَةِ والقَرِيبَةِ، فَيَصْدُرُ عَنْهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَمَن عَرَفَ نَفْسَهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ مِن صِفاتِها وأفْعالِها؛ تَسَنّى لَهُ أنْ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ رَبِّ العِزَّةِ عَزَّ سُلْطانُهُ، ويَطَّلِعُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كَوْنِهِ داخِلًا في العالَمِ أوْ خارِجًا عَنْهُ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ بِواسِطَةِ ما رَتَّبَهُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّ عَلى شُءونِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الأرْواحِ والقُوى المُرَتَّبَةِ في العالَمِ الإنْسانِيِّ الَّذِي هو نُسْخَةٌ لِلْعالَمِ الأكْبَرِ وأُنْمُوذَجٌ مِنهُ.
التين 95:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ مِن أهْلِ النّارِ الَّذِينَ هم أقْبَحُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ وأسْفَلُ مِن كُلِّ سافِلٍ، لِعَدَمِ جَرَيانِهِ عَلى مُوجِبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وقِيلَ: رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمْرِ وهو الهَرَمُ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفُ بَعْدَ القُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ وأيًّا ما كانَ؛ فَـ"أسْفَلَ سافِلِينَ" إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمَكانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: رَدَدْناهُ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقُرِئَ (p-176)"أسْفَلَ السّافِلِينَ".
التين 95:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنِ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعَتِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى بَلاءِ اللَّهِ تَعالى بِالشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ والقِيامِ بِالعِبادَةِ عَلى تَخاذُلِ نُهُوضِهِمْ، أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مُقَرِّرَةٌ لِما يُفِيدُهُ الأسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ ومُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ حالِهِمْ.
التين 95:7
والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ: فَأيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ دَلالَةً أوْ نُطْقًا بِالجَزاءِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِهِ. وقِيلَ: "ما" بِمَعْنى مَن. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الألْتِفاتِ؛ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ أيْ: فَما يَجْعَلُكَ كاذِبًا بِسَبَبِ الدِّينِ وإنْكارِهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ، والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ كَمالأ ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ والجَزاءِ، فَأيُّ شَيْءٍ يَضْطَرُّكَ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ القاطِعِ إلى أنْ تَكُونَ كاذِبًا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ أيُّها الإنْسانُ.
التين 95:8
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ؛ تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ، فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ.
«عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها يَقُولُ: "بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ".»
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التِّينَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الخَصْلَتَيْنِ العافِيَةَ واليَقِينَ ما دامَ في دارِ الدُّنْيا، وإذا ماتَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ".»
العلق 96:1
(p-177)سُورَةُ العَلَقِ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ
﴿اقْرَأْ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيْكَ فَإنَّ الأمْرَ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي المَقْرُوءَ قَطْعًا، وحَيْثُ لَمْ يُعَيَّنْ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ما يَتَّصِلُ بِالأمْرِ حَتْمًا، سَواءً كانَتِ السُّورَةُ أوَّلَ ما نَزَلَ أوْ لا، والأقْرَبُ أنَّ هَذا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ أوَّلُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَنْطِقُ بِهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيُّ المَشْهُورُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيِ: اقْرَأْ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلْيِهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالأتِ البَشَرِيَّةِ بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتَرِ، ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ تَعالى والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةَ وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالأتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالأتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ، أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
العلق 96:2
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ عَلى الأوَّلِ تَخْصِيصٌ لِخَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ؛ لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ، وعَلى الثّانِي إفْرادٌ لِلْإنْسانِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ بِالبَيانِ وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُهم وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفِعْلِ الأوَّلِ أيْضًا خَلْقُ الإنْسانِ ويُقْصَدُ بِتَجْرِيدِهِ عَنِ المَفْعُولِ الإبْهامُ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ رَوْمًا لِتَفْخِيمِ فِطْرَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ أيْ: دَمٍ جامِدٍ لِبَيانِ كَمالِ قدرته تعالى بِإظْهارِ ما بَيْنَ حالَتِهِ الأوْلى والآخِرَةِ مِن التَّبايُنِ البَيِّنِ، وإيرادُهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ بِناءً عَلى أنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، ولَعَلَّهُ هو السِّرُّ في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أطْوارِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ مَعَ كَوْنِ النُّطْفَةِ والتُّرابِ أدَلَّ مِنهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ لِكَوْنِهِما أبْعَدَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِيَّةِ، ولَمّا كانَ خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ تَعالى (p-178)وَأقْدَمَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَمالِ قدرته وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وصَفَ ذاتَهُ تَعالى بِذَلِكَ أوَّلًا لِيَسْتَشْهِدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ عَلى تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنَ القِراءَةِ، ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
العلق 96:3
﴿اقْرَأْ﴾ أيِ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ، تَأْكِيدًا لِلْإيجابِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ...إلَخْ، فَإنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِإزاحَةِ ما بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العُذْرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما أنا بِقارِئٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ، وأنا أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ: ورَبُّكَ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ مُبْتَدِئًا بِاسْمِهِ هو الأكْرَمُ.
العلق 96:4
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ: عَلَّمَ ما عَلَّمَ بِواسِطَةِ القَلَمِ لا غَيْرِهِ، فَكَما عَلَّمَ القارِئَ بِواسِطَةِ الكِتابَةِ والقَلَمِ، يُعَلِّمُكَ بِدُونِهِما.
العلق 96:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن عَلَّمَ بِالقَلَمِ أيْ: عَلَّمَهُ بِهِ وبِدُونِهِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ، ما لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِ، وفي حَذْفِ المَفْعُولِ أوَّلًا وإيرادِهِ بِعُنْوانِ عَدَمِ المَعْلُومِيَّةِ ثانِيًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى وكَمالِ كَرَمِهِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُهُ مِنَ العُلُومِ ما لا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ ما لا يَخْفى.
العلق 96:6
"كَلاَّ" رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أيْ: لَيُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ، بَيانٌ لِلْمَرْدُوعِ والمَرْدُوعِ عَنْهُ، قِيلَ: هَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْدَ الزَّمانِ وهو الظّاهِرُ.
العلق 96:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: يَطْغى لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًّا عَلى أنَّ "اسْتَغْنى" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"رَأى" لِأنَّهُ بِمَعْنى عَلِمَ، ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ضَمِيرَيْ واحِدٍ كَما في عَلِمْتُنِي، وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهم في الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أيْضًا وجُعِلَ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَقَدْ رَأيْتُنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ،» وتَعْلِيلُ طُغْيانِهِ بِرُؤْيَتِهِ، لا بِنَفْسِ الاسْتِغْناءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طُغْيانِهِ زَعْمُهُ الفاسِدُ.
رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتَزْعُمُ أنَّ مَنِ اسْتَغْنى طَغى ؟! فاجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ فِضَّةً وذَهَبًا؛ لَعَلَّنا نَأْخُذُ مِنها فَنَطْغى فَنَدَعَ دِينَنا ونَتَّبِعَ دِينَكَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْنا ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِأصْحابِ المائِدَةِ، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّعاءِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ.»
العلق 96:8
(p-179)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ، والألْتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ و"الرُّجْعى" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ كالبُشْرى، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ؛ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ أيْ: إنَّ إلى مالِكِ أمْرِكِ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالا ولا اشْتِراكًا، فَسَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ طُغْيانِكَ.
العلق 96:9
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِهِ وتَعْجِيبٌ مِنها، وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، ويَقْضِي مِنها العَجَبَ، رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن طُغاةِ قُرَيْشٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي؛ لِأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَرَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصَّلاةِ فَجاءَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَنَزَلَتْ، ولَفْظُ العَبْدِ وتَنْكِيرُهُ؛ لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدِ التَّعَجُّبِ مِنهُ، والرُّؤْيَةُ هَهُنا بَصَرِيَّةٌ.
العلق 96:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِهِ وتَعْجِيبٌ مِنها، وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، ويَقْضِي مِنها العَجَبَ، رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن طُغاةِ قُرَيْشٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي؛ لِأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَرَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصَّلاةِ فَجاءَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَنَزَلَتْ، ولَفْظُ العَبْدِ وتَنْكِيرُهُ؛ لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدِ التَّعَجُّبِ مِنهُ، والرُّؤْيَةُ هَهُنا بَصَرِيَّةٌ.
العلق 96:11
وَأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾
العلق 96:12
وَأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾
العلق 96:13
وَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقَلْبِيَّةُ مَعْناهُ: أخْبِرْنِي، فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أُجْرِيَ الأسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الأسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلَّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن صَلُحَ لِلْخِطابِ، ونَظْمُ الأمْرِ والتَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي في سِلْكِ الشَّرْطِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ، لَيْسَ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مِن حَيْثُ صُدُورُها عَنِ الفاعِلِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ أصْلًا؛ بَلْ بِاعْتِبارِ أوْصافِها الَّتِي هي كَوْنُها أمْرًا بِالتَّقْوى وتَكْذِيبًا وتَوَلِّيًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ كَما مَرَّ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ"أرَأيْتَ" مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى المَوْصُولِ، أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بِجَوابِها المَحْذُوفِ، فَإنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِـ"أرَأيْتَ" لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً أوْ قَسَمِيَّةً، والمَعْنى: أخْبِرْنِي ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهي عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَعْتَقِدُهُ، أوْ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ مُعْرِضًا عَنِ الصَّوْبِ كَما نَقُولُ نَحْنُ.
العلق 96:14
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ: يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ (p-180)بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ، وإنَّما أفْرَدَ التَّكْذِيبَ والتَّوَلِّيَ بِشَرْطِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِالجَوابِ، مُصَدَّرَةٍ بِاسْتِخْبارٍ مُسْتَأْنَفٍ، ولَمْ يُنَظَّما في سِلْكِ الشَّرْطِ الأوَّلِ بِعَطْفِهِما عَلى "كانَ" لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِما بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ واسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَأمْرٌ مُسْتَحِيلٌ قَدْ ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الثّانِيَةِ، هَذا وقَدْ قِيلَ: "أرَأيْتَ" الأوَّلُ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي مَفْعُولُهُ الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ، لِدَلالَةِ جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، و"أرَأيْتَ" في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، ومَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَمَّنْ يَنْهي بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهي عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَعْتَقِدُهُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما نَقُولُ نَحْنُ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ مِن هُداهُ وضَلالِهِ فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: المَعْنى: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهي عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَنِ الهُدى آمِرٌ بِالتَّقْوى، والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا. وقِيلَ: الخِطابُ الثّانِي لِلْكافِرِ فَإنَّهُ تَعالى كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَهُ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخِرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ قالَ: يا كافِرُ، أخْبِرْنِي إنْ كانَ صَلاتُهُ هُدى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ، وقِيلَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَنْهي سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ.
العلق 96:15
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلنّاهِي اللَّعِينِ وخُسُوءٌ لَهُ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ.
﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ لِنَأْخُذُنَّ بِناصِيَتِهِ ولِنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِعُنْفٍ وشِدَّةٍ، وقُرِئَ "نَسْفَعَنَّ" بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ "لَأسْفَعَنَّ" وكِتابَتُهُ في المُصْحَفِ بِالألْفِ عَلى حُكْمِ الوَقْفِ والأكْتِفاءُ بِلامِ العَهْدِ عَنِ الإضافَةِ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ ناصِيَةُ المَذْكُورِ.
العلق 96:16
﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ "النّاصِيَةِ" وإنَّما جازَ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ لِوَصْفِها، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى (هِيَ ناصِيَةٌ)، وبِالنَّصْبِ، وكِلاهُما عَلى الذَّمِّ والشَّتْمِ، ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَإ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهُما لِصاحِبِها، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: ناصِيَةُ كاذِبٍ المُخْطئِ.
العلق 96:17
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أيْ: أهْلَ نادِيهِ لِيُعِينُوهُ، وهو المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ أيْ: يَجْتَمِعُونَ، رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ؟ فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا؟! فَنَزَلَتْ.
العلق 96:18
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ لِيَجُرُّوهُ إلى النّارِ، والزَّبانِيَةِ (p-181)الشُّرَطُ الواحِدُ زَبْنِيَةٌ كَعِفْرِيَةٍ مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ، وقِيلَ: زَبَنِيٌّ وكَأنَّهُ نُسِبَ إلى الزَّبْنِ ثُمَّ غُيِّرَ كَأمْسى، وأصْلُها زَبانِيُّ فَقِيلَ: زَبانِيَةٌ بِتَعْوِيضِ التّاءِ عَنِ الياءِ، والمُرادُ: مَلائِكَةُ العَذابِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ عَيانًا".»
العلق 96:19
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ بَعْدَ رَدْعٍ وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ.
﴿لا تُطِعْهُ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن مُعاصاتِهِ، ﴿واسْجُدْ﴾ وواظِبْ عَلى سُجُودِكَ وصَلاتِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ وتَقَرَّبْ بِذَلِكَ إلى رَبِّكَ، وفي الحَدِيثِ « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى رَبِّهِ إذا سَجَدَ".»
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ العَلَقِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ المُفَصَّلَ كُلَّهُ".»
القدر 97:1
(p-182)سُورَةُ القَدْرِ
سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها خَمْسٌ
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القرآن الكَرِيمِ وإجْلالٌ لِمَحَلِّهِ بِإضْمارِهِ المُؤْذِنِ بِغايَةِ نَباهَتِهِ، المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، كَأنَّهُ حاضِرٌ في جَمِيعِ الأذْهانِ، وبِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ، وتَفْخِيمُ وقْتِ إنْزالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
القدر 97:2
﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ عُلُوَّ قَدْرِها خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ دِرايَةِ الخَلْقِ، لا يَدْرِيَها ولا يُدْرِيَها إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
القدر 97:3
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ فَإنَّهُ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِها إثْرَ تَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى دِرايَتِها، فَإنَّ ذَلِكَ مُعْرِبٌ عَنِ الوَعْدِ بِإدْرائِها، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إعْرابِ الجُمْلَتَيْنِ، وفي إظْهارِ لَيْلَةِ القَدْرِ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَأْكِيدِ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِإنْزالِهِ فِيها: إمّا إنْزالُ كُلِّهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا كَما رُوِيَ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى السَّفَرَةِ، ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وإمّا ابْتِداءُ إنْزالِهِ فِيها كَما نُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها كَما في قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ" وقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: "لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ"، فالأنْسَبُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلسُّورَةِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِنَ القرآن لا لِلْكُلِّ، واخْتَلَفُوا في وقْتِها فَأكْثَرُهم عَلى أنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ في العَشْرِ الأواخِرِ في أوْتارِها، وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّها السّابِعَةُ مِنها، ولَعَلَّ السِّرَّ في إخْفائِها تَعْرِيضُ مَن يُرِيدُها لِلثَّوابِ الكَثِيرِ بِإحْياءِ اللَّيالِي الكَثِيرَةِ رَجاءً لِمُوافَقَتِها، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ وقَضائِها فِيها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أوْ لِخَطَرِها وشَرَفِها عَلى سائِرِ اللَّيالِي، وتَخْصِيصُ الألْفِ بِالذِّكْرِ؛ إمّا لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِنهُ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ رَجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ: عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا (p-183)لَيْلَةً إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العِبادِ، وقِيلَ: أُرِيَ النَّبِيُّ ﷺ أعْمارَ الأُمَمِ كافَّةً، فاسْتَقْصَرَ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمْرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ: كانَ مُلْكُ سُلَيْمانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، ومُلْكُذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما.
القدر 97:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ فَضْلِها عَلى تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ النَّبَأِ ما قِيلَ في شَأْنِ الرُّوحِ عَلى التَّفْصِيلِ. وقِيلَ: هم خَلْقٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أيْ: تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن كُلِّ سَماءٍ إلى الأرْضِ أوْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا.
﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنَزَّلُ"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ: بِأمْرِهِ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وقُرِئَ "مِن كُلِّ امْرِئٍ" أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ فِيها مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ.
القدر 97:5
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ: ما هي إلّا سَلامَةٌ أيْ: لا يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى فِيها إلّا السَّلامَةَ والخَيْرَ، وأمّا في غَيْرِها فَيَقْضِي سَلامَةً وبَلاءً، أوْ ما هي إلّا سَلامٌ؛ لِكَثْرَةِ ما يُسَلِّمُونَ فِيها عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ: وقْتَ طُلُوعِهِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالمَرْجِعِ، أوِ اسْمُ زَمانٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كالمَشْرِقِ، و"حَتّى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"تَنَزَّلُ" عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ: لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ أوْ لِنَفْسِ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"سَلامٌ" بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ في الجارِّ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ القَدْرِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن صامَ رَمَضانَ وأحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ".»
البينة 98:1
(p-184)سُورَةُ البَيِّنَةِ
مَدَنِيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانٍ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، وإيرادُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَإنَّ مَناطَ ذَلِكَ وِجْدانُهم لَهُ في كِتابِهِمْ، وإيرادُ الصِّلَةِ فِعْلًا لِما أنَّ كُفْرَهم حادِثٌ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ.
﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَبَدَةُ الأصْنامِ، وقُرِئَ "والمُشْرِكُونَ" عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ والإيمان بالرَّسُولِ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، والعَزْمِ عَلى إنْجازِهِ، وهَذا الوَعْدُ مِن أهْلِ الكِتابِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، حَتّى أنَّهم كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَقُولُونَ لِأعْدائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، وأمّا مِنَ المُشْرِكِينَ فَلَعَلَّهُ قَدْ وقَعَ مِن مُتَأخِّرِيهِمْ بَعْدَ ما شاعَ ذَلِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ بَما شاهَدُوا مِن نُصْرَتِهِمْ عَلى أسْلافِهِمْ، كَما يَشْهَدُ بِهِ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ هو المَذْكُورُ في كِتابِهِمْ، وكانُوا يُغْرُونَهم بِتَغْيِيرِ نُعُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وانْفِكاكُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُزايِلَهُ بَعْدَ التِحامِهِ كالعَظْمِ إذا انْفَكَّ مِن مَفْصِلِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ وكادَةِ وعْدِهِمْ أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ؛ بَلْ كانُوا مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ عازِمِينَ عَلى إنْجازِهِ.
﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ الَّتِي كانُوا قَدْ جَعَلُوا إتْيانَها مِيقاتًا لِاجْتِماعِ الكَلِمَةِ والأتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، فَجَعَلُوهُ مِيقاتًا لِلِانْفِكاكِ والأفْتِراقِ وإخْلافِ الوَعْدِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إتْيانِها بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِاعْتِبارِ حالِ المَحْكِيِّ، لا بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيْ: تَلَتْ.
البينة 98:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ "البَيِّنَةِ" عَبَّرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَيِّنَةِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِ أمْرِهِ وكَوْنِهِ ذَلِكَ المَوْعُودَ في الكِتابَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ" مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ كائِنٌ مِنهُ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلَّقِ الجارِّ، ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ أيْ: مُنَزَّهَةً عَنِ الباطِلِ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ، أوْ مِن أنْ يَمَسَّهُ غَيْرُ المُطَهَّرِينَ، ونِسْبَةُ تِلاوَتِها إلَيْهِ عَلَيْهِ (p-185)السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّ تِلاوَةَ ما فِيها بِمَنزِلَةِ تِلاوَتِها.
البينة 98:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِـ"صُحُفًا" أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها في "مُطَهَّرَةٍ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصِّفَةُ أوِ الحالُ الجارَّ والمَجْرُورَ فَقَطْ، و"كُتُبٌ" مُرْتَفِعًا بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ومَعْنى "قَيِّمَةٌ": مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ والصَّوابِ.
البينة 98:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ...إلَخْ، كَلامٌ مَسُوقٌ لِغايَةِ تَشْنِيعِ أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وتَغْلِيظِ جِناياتِهِمْ بِبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهٍ ما في الأمْرِ؛ بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وتَبَيُّنِ الحالِ وانْقِطاعِ الأعْذارِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو السِّرُّ في وصْفِهِمْ بِإيتاءِ الكِتابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مُطالَعَتِهِ والإحاطَةِ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نُعُوتُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ فِيما سَبَقَ بِما هو جارٍ مَجْرى اسْمِ الجِنْسِ لِلطّائِفَتَيْنِ، ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ والمُشْرِكُونَ بِاعْتِبارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الرَّأْيِ المَذْكُورِ في حُكْمِ فَرِيقٍ واحِدٍ، عَبَّرَ عَمّا صَدَرَ عَنْهم عَقِيبَ الأتِّفاقِ عِنْدَ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ بِالأنْفِكاكِ، وعِنْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ بِالتَّفَرُّقِ اعْتِبارًا لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ، وإيذانًا بِأنَّ انْفِكاكَهم عَنِ الرَّأْيِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الأتِّفاقِ عَلى رَأْيٍ آخَرَ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأخْتِلافِ القَدِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ: وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هو المَوْعُودُ في كِتابِهِمْ دَلالَةً جَلِيَّةً لا رَيْبَ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ.
البينة 98:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوا أيْ: والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كِتابِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى "أنْ" أيْ: إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ "إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ".
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ تَعالى، أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ تَعالى في الدِّينِ.
﴿حُنَفاءَ﴾ مائِلِينَ عَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ إلى الإسْلامِ ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِما ما في شَرِيعَتِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا، فَمَعْنى أمْرِهِمْ بِهِما في الكِتابَيْنِ أنَّ أمْرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا أمْرٌ لَهم بِجَمِيعِ أحْكامِها الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها، ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وبِالإخْلاصِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ: دِينُ المِلَّةِ القَيِّمَةِ، وقُرِئَ "الدِّينُ القَيِّمَةُ" عَلى تَأْوِيلِ الدِّينِ بِالمِلَّةِ، هَذا وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى (p-186)قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حِكايَةٌ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى مَبْعَثِهِ ويَعِدُونَ أنْ يَنْفَكُّوا عَنْهُ حِينَئِذٍ ويَتَّفِقُوا عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ لِإخْلافِهِمُ الوَعْدَ وتَعْكِيسِهِمُ الأمْرَ بِجَعْلِهِمْ ما هو سَبَبٌ انْفِكاكِهِمْ عَنْ دِينِهِمُ الباطِلِ حَسْبَما وعَدُوهُ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ عَلَيْهِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِمْ عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لا أنْفَكُّ عَمّا أنا فِيهِ حَتّى أسْتَغْنِيَ فَيَسْتَغْنِي فَيَزْدادُ فِسْقًا فَيَقُولَ لَهُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّاعَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسِرَ وما عَكَفْتَ عَلى الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ؟
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَسَنّى بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّفَرُّقِ: تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ بِأنْ يُقالَ: التَّفَرُّقُ عَنِ الحَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّباتِ عَلى الباطِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما أجْمَعُوا عَلى دِينِهِمْ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِ: تَفَرُّقَهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن أنْكَرَ، ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ كَما جَوَّزَهُ القائِلُ فَلا، فَتَأمَّلْ.
البينة 98:6
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ بَيانٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، وذَكَرَ المُشْرِكِينَ، لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ الحَكَمِ بِأهْلِ الكِتابِ حَسَبَ اخْتِصاصِ مُشاهِدَةِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ في الكِتابِ بِهِمْ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ فِيها: أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الأسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِها لا مَحالَةَ، أوْ أنَّهم فِيها الآنَ إمّا عَلى تَنْزِيلِ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُوجِبُها مَنزِلَةَ مُلابَسَتِهِمْ لَها، وإمّا عَلى أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عَيْنُ النّارِ، إلّا أنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرَضِيَّةٍ وسَتَخْلَعُها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وتَظْهَرُ بِصُورَتِها الحَقِيقِيَّةِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، واشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في دُخُولِ دارِ العَذابِ بِطَرِيقِ الخُلُودِ لا يُنافِي تَفاوُتَ عَذابِهِمْ في الكَيْفِيَّةِ، فَإنَّ جَهْنَمَ دَرَكاتٌ، وعَذابَها ألْوانٌ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ أيْ: أُولَئِكَ البُعَداءُ المَذْكُورُونَ ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ شَرُّ الخَلِيقَةِ، أيْ: أعْمالأ وهو المُوافِقُ لِما سَيَأْتِي في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ أوْ شَرُّهم مَقامًا ومَصِيرًا، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِفَظاعَةِ حالِهِمْ، وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ عَلى الأصْلِ.
البينة 98:7
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِمَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ القرآنيَّةِ مِن شَفْعِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما هو في القاصِيَةِ مِنَ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ وقُرِئَ "خِيارُ البَرِيَّةِ"، وهو جَمْعُ "خَيِّرٍ" نَحْوُ جَيِّدٍ وجِيادٍ.
البينة 98:8
(p-187)﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ الأغْصانِ كَما هو الظّاهِرُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها مَجْمُوعُ الأرْضِ وما عَلَيْها فَهو بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ: جَرَيانُها بِغَيْرِ أُخْدُودٍ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مُتَنَعِّمِينَ بِفُنُونِ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، وفي تَقْدِيمِ مَدْحِهِمْ بِخَيْرِيَّةٍ، وذِكْرِ الجَزاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ ما مُنِحُوهُ في مُقابَلَةِ ما وُصِفُوا بِهِ، وبَيانِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، وجَمْعِ الجَنّاتِ وتَقْيِيدِها بِالإضافَةِ، وبِما يَزِيدُها نَعِيمًا، وتَأْكِيدِ الخُلُودِ بِالأُبُودِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ حُسْنِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ زِيادَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ قاصِيَتَها ومَلَكُوا مِنَ المَآرِبِ ناصِيَتَها، وأُتِيحَ لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والرِّضْوانِ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ فَإنَّ الخَشْيَةَ الَّتِي هي مِن خَصائِصِ العُلَماءِ بِشُؤُنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَناطٌ لِجَمِيعِ الكَمالأتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُعْرِبَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ، والتَّرْبِيَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الخَشْيَةِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرارِ بِالتَّرْبِيَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ البَيِّنَةِ "لَمْ يَكُنْ" كانَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ خَيْرِ البَرِيَّةِ مَساءً ومَقِيلًا".»
الزلزلة 99:1
(p-188)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
مَدَنِيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها ثَمانٍ
﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا عَنِيفًا مُتَكَرِّرًا مُتَدارَكًا أيِ: الزِّلْزالُ المَخْصُوصُ بَها عَلى مُقْتَضى المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وهو الزِّلْزالُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ، أوْ زِلْزالُها العَجِيبُ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، أوْ زِلْزالُها الدّاخِلُ في حَيِّزِ الإمْكانِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّاءِ وهو اسْمٌ ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ، وقَوْلُهُمْ: ناقَةٌ خَزْعالٌ نادِرٌ، وقَدْ قِيلَ: "الزَّلْزالُ" بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ والجَرْجارِ، والقَلْقالِ، وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: *
الزلزلة 99:2
﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ، جَمْعُ "ثِقْلٍ" وهو مَتاعُ البَيْتِ، وإظْهارُ الأرْضِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِلْإيماءِ إلى تُبَدُّلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، أوْ لِأنَّ إخْراجَ الأثْقالِ حالُ بَعْضِ أجْزائِها.
الزلزلة 99:3
﴿وَقالَ الإنْسانُ﴾ أيْ: كُلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ لِما يَدْهَمُهم مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ، ويَبْهَرُهم مِنَ الدّاهِيَةِ العامَّةِ، ﴿ما لَها﴾ زُلْزِلَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الشَّدِيدَةَ مِنَ الزِّلْزالِ وأخْرَجَتْ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ اسْتِعْظامًا لِما شاهَدُوهُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ، وقَدْ سُيِّرَتِ الجِبالُ في الجَوِّ وصُيِّرَتْ هَباءً، وقِيلَ: هو قَوْلُ الكافِرِ إذا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، والأظْهَرُ هو الأوَّلُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَقُولُهُ بِطَرِيقِ الأسْتِعْظامِ، والكافِرُ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ.
الزلزلة 99:4
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن "إذا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ عامِلٌ فِيهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "إذا" مُنْتَصِبًا بِمُضْمَرٍ أيْ: يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتِ الأرْضُ تُحَدِّثُ الخَلْقَ أخْبارَها، إمّا بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ تَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها، وإمّا بِلِسانِ المَقالِ حَيْثُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى فَتُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلْيَها مِن خَيْرٍ وشْرٍّ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها تَشْهَدُ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِما عَمِلَ عَلى (p-189)ظَهْرِها، وقُرِئَ "تُنْبِي أخْبارَها"، وقُرِئَ "مِنَ الإنْباءِ".
الزلزلة 99:5
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أخْبارِها كَأنَّهُ قِيلَ: تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى، لِأنَّ التَّحْدِيثَ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ وبِدُونِها، و"أوْحى لَها" بِمَعْنى: أوْحى إلَيْها.
الزلزلة 99:6
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ما ذُكِرَ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ مِن قُبُورِهِمْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، ﴿أشْتاتًا﴾ مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ طَبَقاتِهِمْ بِيضِ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودِ الوُجُوهِ فَزِعِينَ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ . وقِيلَ: يَصْدُرُونَ عَنِ المَوْقِفِ أشْتاتًا ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، وذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ.
﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أجِزْيَةَ أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وقُرِئَ "لِيَرَوْا" بِالفَتْحِ.
الزلزلة 99:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِـ"يَرَوْا"، وقُرِئَ "يُرَهُ" والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وقِيلَ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ وأيًّا ما كانَ؛ فَمَعْنى رُؤْيَةِ ما يُعادِلُها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إمّا مُشاهَدَةُ جَزائِهِ، فَـ"مَنِ" الأُولى مُخْتَصَّةٌ بِالسُّعَداءِ والثّانِيَةُ بِالأشْقِياءِ، كَيْفَ لا؟ وحَسَناتُ الكافِرِ مُحْبَطَةٌ بِالكُفْرِ، وسَيِّئاتُ المُؤْمِنِ المُجْتَنِبِ عَنِ الكَبائِرِ مَعْفُوَّةٌ، وما قِيلَ مِن أنَّ حَسَنَةَ الكافِرِ تُؤَثِّرُ في نَقْصِ العِقابِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وأمّا مُشاهَدَةُ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الجَزاءُ ولا عَدَمُهُ؛ بَلْ يُفَوَّضُ كُلٌّ مِنهُما إلى سائِرِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِعَفْوِ صَغائِرِ المُؤْمِنِ المُجْتَنِبِ عَنِ الكَبائِرِ، وإثابَتِهِ بِجَمِيعِ حَسَناتِهِ، وبِحُبُوطِ حَسَناتِ الكافِرِ ومُعاقَبَتِهِ بِجَمِيعِ مَعاصِيهِ، فالمَعْنى: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ، أمّا المُؤْمِنُ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ؛ فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ تَحَسُّرًا، ويُعاقِبُهُ بِسَيِّئاتِهِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزَّلْزَلَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ كَمَن قَرَأ القرآن كُلَّهُ".» واللَّهُ أعْلَمُ.
الزلزلة 99:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِـ"يَرَوْا"، وقُرِئَ "يُرَهُ" والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وقِيلَ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ وأيًّا ما كانَ؛ فَمَعْنى رُؤْيَةِ ما يُعادِلُها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إمّا مُشاهَدَةُ جَزائِهِ، فَـ"مَنِ" الأُولى مُخْتَصَّةٌ بِالسُّعَداءِ والثّانِيَةُ بِالأشْقِياءِ، كَيْفَ لا؟ وحَسَناتُ الكافِرِ مُحْبَطَةٌ بِالكُفْرِ، وسَيِّئاتُ المُؤْمِنِ المُجْتَنِبِ عَنِ الكَبائِرِ مَعْفُوَّةٌ، وما قِيلَ مِن أنَّ حَسَنَةَ الكافِرِ تُؤَثِّرُ في نَقْصِ العِقابِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وأمّا مُشاهَدَةُ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الجَزاءُ ولا عَدَمُهُ؛ بَلْ يُفَوَّضُ كُلٌّ مِنهُما إلى سائِرِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِعَفْوِ صَغائِرِ المُؤْمِنِ المُجْتَنِبِ عَنِ الكَبائِرِ، وإثابَتِهِ بِجَمِيعِ حَسَناتِهِ، وبِحُبُوطِ حَسَناتِ الكافِرِ ومُعاقَبَتِهِ بِجَمِيعِ مَعاصِيهِ، فالمَعْنى: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ عَمِلَ خَيْرًا أوْ شَرًّا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ، أمّا المُؤْمِنُ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ؛ فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ تَحَسُّرًا، ويُعاقِبُهُ بِسَيِّئاتِهِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزَّلْزَلَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ كَمَن قَرَأ القرآن كُلَّهُ".» واللَّهُ أعْلَمُ.
العاديات 100:1
(p-190)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآياتُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿والعادِياتِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِخَيْلِ الغُزاةِ الَّتِي تَعْدُو نَحْوَ العَدُوِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَبْحًا﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ إمّا بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ الواقِعِ حالأ مِنها أيْ: تَضْبَحُ ضَبْحًا وهو صَوْتُ أنْفاسِها عِنْدَ عَدْوِها أوْ بِالعادِيّاتِ، فَإنَّ العَدْوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّبْحِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، أوْ حالٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ: ضابِحاتٌ.
العاديات 100:2
﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ الإيراءُ: إخْراجُ النّارِ والقَدَحُ: الصَّكُّ، يُقالَ: قَدَحَ فَأوْرى أيْ: تَوَرّى النّارَ مِن حَوافِرِها، وانْتِصابٌ "قَدْحًا" كانْتِصابِ "ضَبْحًا" عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ.
العاديات 100:3
﴿فالمُغِيراتِ﴾ أسْنَدَ الإغارَةَ الَّتِي هي مُباغَتَةُ العَدُوِّ لِلنَّهْبِ أوْ لِلْقَتْلِ أوْ لِلْأسْرِ إلَيْها، وهي حالُ أهْلِها إيذانًا بِأنَّها العُمْدَةُ في إغارَتِهِمْ ﴿صُبْحًا﴾ أيْ: في وقْتِ الصُّبْحِ، وهو المُعْتادُ في الغاراتِ، يَعْدُونَ لَيْلًا؛ لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمُ العَدُوُّ ويَهْجُمُونَ عَلَيْهِمْ صَباحًا لِيَرَوْا ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
العاديات 100:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ؛ إذِ المَعْنى: واللّاتِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ بِهِ، أيْ: فَهَيَّجْنَ بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿نَقْعًا﴾ أيْ: غُبارًا، وتَخْصِيصُ إثارَتِهِ بِالصُّبْحِ؛ لِأنَّهُ لا يَثُورُ، أوْ لا يَظْهَرُ ثَوَرانُهُ بِاللَّيْلِ، وبِهَذا ظَهَرَ أنَّ الإيراءَ الَّذِي لا يَظْهَرُ في النَّهارِ واقِعٌ في اللَّيْلِ، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقِيلَ: النَّقْعُ: الصِّياحُ والجَلَبَةُ، وقُرِئَ "فَأثَّرْنَ" بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ.
العاديات 100:5
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أيْ: تَوَسَّطْنَ بِذَلِكَ الوَقْتِ أوْ تَوَسَّطْنَ مُلْتَبِساتٍ بِالنَّقْعِ.
﴿جَمْعًا﴾ مِن جُمُوعِ الأعْداءِ، والفاءاتُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنها عَلى ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَإنَّ تَوَسُّطَ الجَمْعِ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإثارَةِ المُتَرَتِّبَةِ (p-191)
عَلى الإيراءِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَدْوِ.
العاديات 100:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أيْ: لَكَفُورٌ، مِن كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، جَوابُ القَسَمِ والمُرادُ بِالإنْسانِ: بَعْضُ أفْرادِهِ، رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى أُناسٍ مِن بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً، واسْتَعْمَلَ عَلْيَها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍ الأنْصارِيَّ، كانَ أحَدَ النُّقَباءِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبَرَها شَهْرًا، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنِّهم قُتِلُوا، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ إخْبارًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِسَلامَتِها، وبِشارَةً لَهُ بِإغارَتِها عَلى القَوْمِ ونَعْيًا عَلى المُرْجِفِينَ في حَقِّهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُنُودِ، وفي تَخْصِيصِ خَيْلِ الغُزاةِ بِالإقْسامِ، بِها مِنَ البَراعَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وخَيْلِ الغُزاةِ الَّتِي فَعَلَتْ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَدْ أرْجَفَ هَؤُلاءِ في حَقِّ أرْبابِها ما أرَجَفُوا أنَّهم مُبالِغُونَ في الكُفْرانِ.
العاديات 100:7
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: وإنَّ الإنْسانَ عَلى كُنُودِهِ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِالكُنُودِ لِظُهُورِ أثَرِهِ عَلَيْهِ.
العاديات 100:8
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ: المالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .
﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ مُطِيقٌ مُجِدٌّ في طَلَبِهِ وتَحْصِيلِهِ، مُتَهالِكٌ عَلَيْهِ، يُقالُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ، إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا، وقِيلَ: الشَّدِيدُ: البَخِيلُ أيْ: إنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ وثِقَلِ إنْفاقِهِ عَلَيْهِ لَبَخِيلٌ مُمْسِكٌ، ولَعَلَّ وصْفَهُ بِهَذا الوَصْفِ القَبِيحِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَنُودِ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْمُنافِقِينَ إلى النِّفاقِ حُبُّ المالِ؛ لِأنَّهم بِما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ يَعْصِمُونَ أمْوالَهم ويَحُوزُونَ مِنَ الغَنائِمِ نَصِيبًا.
العاديات 100:9
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ...إلَخْ، تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ القَبائِحِ أوْ ألا يُلاحِظُ فَلا يَعْلَمُ حالَهُ إذا بُعِثَ مَن في القُبُورِ مِنَ المَوْتى، وإيرادُ "ما" لِكَوْنِهِمْ إذْ ذاكَ بِمَعْزِلٍ مِن رُتْبَةِ العُقَلاءِ، بُحْثِرَ وبُحِثَ وبَحْثَرَ وبَحَثَ عَلى بِنائِهِمْ لِلْفاعِلِ.
العاديات 100:10
﴿وَحُصِّلَ﴾ أيْ: جُمِعَ مُحَصَّلًا، أوْ مُيِّزَ خَيْرُهُ مِن شَرِّهِ، وقُرِئَ "وَحَصَّلَ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ "وَحَصَلَ" مُخَفَّفًا ﴿ما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يُخْفِيهِ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَضْلًا عَنِ الأعْمالِ الجَلِيَّةِ.
العاديات 100:11
﴿إنَّ رَبَّهُمْ﴾ أيِ: المَبْعُوثِينَ، كَنّى عَنْهم بَعْدَ الإحْياءِ الثّانِي بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بَعْدَما عَبَّرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بَـ"ما" بِناءً عَلى تَفاوُتِهِمْ في الحالَيْنِ كَما فَعَلَ نَظِيرُهُ بَعْدَ الإحْياءِ الأوَّلِ (p-192)حَيْثُ التَفَتَ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ الآيَةَ.. بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إيذانًا بِصَلاحِيَتِهِمْ لِلْخِطابِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وبَعْدَما قَبْلَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ.
﴿بِهِمْ﴾ بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ بِتَفاصِيلِها.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِن بَعْثِ ما في القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ.
﴿لَخَبِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِظَواهِرِ ما عَمِلُوا وبَواطِنِهِ عِلْمًا مُوجِبًا لِلْجَزاءِ مُتَّصِلًا بِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وإلّا فَمُطْلَقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِما كانَ وما سَيَكُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهِمْ" و"يَوْمَئِذٍ" مُتَعَلِّقانِ بِـ"خَبِيرٌ" قُدِّما عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ واللّامُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمّاكِ "أنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ".
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «مَن قَرَأ سُورَةَ العادِياتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن باتَ بِمُزْدَلِفَةَ وشَهِدَ جَمْعا".»