Tafsir Al-Alusi — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:8
المحتويات
الفاتحة 1:1
صفحة 39
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
فِيها أبْحاثٌ (البَحْثُ الأوَّلُ) اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها، هَلْ هي مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ أمْ لا؟ فَنَقَلَ العَلّامَةُ أبُو بَكْرٍ التُّونُسِيُّ إجْماعَ عُلَماءِ كُلِّ مِلَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَتَحَ كُلَّ كِتابٍ بِها، ورَوى السُّيُوطِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرْمِينِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فاتِحَةُ كُلِّ كِتابٍ، وذَهَبَ هَذا الرّاوِي إلى أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، إلى أنْ نَزَلَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ، فَأمَرَ بِكِتابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،» ولِما اشْتُهِرَ أنَّ مَعانِيَ الكُتُبِ في القُرْآنِ، ومَعانِيَهُ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَها في البَسْمَلَةِ، ومَعانِيَ البَسْمَلَةِ في الباءِ، فَلَوْ كانَتْ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ لَأُمِرَ أوَّلَ الأمْرِ بِكِتابَتِها، ولَكانَتْ مَعانِي القُرْآنِ في كُلِّ كِتابٍ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ، فَكَذا المَلْزُومُ، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّفْيَ لِاحْتِمالِ نَفْيِ العِلْمِ إذْ ذاكَ، ولا ضَيْرَ، وأنَّ المُخْتَصَّ بِالقُرْآنِ اللَّفْظُ العَرَبِيُّ بِهَذا التَّرْتِيبِ، والكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِأسْرِها خِلافًا لِلْغَيْطِيِّ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، وما في القُرْآنِ مِنها مُتَرْجَمٌ، فَلَرُبَّما لِهَذِهِ الألْفاظِ مَدْخَلٌ في الِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي، فَلا تَكُونُ في غَيْرِ القُرْآنِ كَما تَوَهَّمَهُ السِّرْمِينِيُّ، وإنْ كانَ هُناكَ بَسْمَلَةٌ، عَلى أنَّ في أوَّلِ الدَّلِيلَيْنِ بِظاهِرِهِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ، (البَحْثُ الثّانِي) وهو مِن أُمَّهاتِ المَسائِلِ حَتّى أفْرَدَهُ جَمْعٌ بِالتَّصْنِيفِ، اخْتَلَفَ النّاسُ في البَسْمَلَةِ في غَيْرِ النَّمْلِ، إذْ هي فِيها بَعْضُ آيَةٍ بِالِاتِّفاقِ عَلى عَشَرَةِ أقْوالٍ، (الأوَّلُ) إنَّها لَيْسَتْ آيَةً مِنَ السُّوَرِ أصْلًا، (الثّانِي) أنَّها آيَةٌ مِن جَمِيعِها غَيْرَ بَراءَةٌ، (الثّالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ دُونَ غَيْرِها، (الرّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِنها فَقَطِ، (الخامِسُ) أنَّها آيَةٌ فَذَّةٌ، أُنْزِلَتْ لِبَيانِ رُؤُسِ السُّوَرِ تَيَمُّنًا، ولِلْفَصْلِ بَيْنَها، (السّادِسُ) أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُها آيَةً مِنها، وغَيْرَ آيَةٍ لِتَكَرُّرِ نُزُولِها بِالوَصْفَيْنِ، (السّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن جَمِيعِ السُّوَرِ، (الثّامِنُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، وجُزْءُ آيَةٍ مِنَ السُّوَرِ، (التّاسِعُ) عَكْسُهُ، (العاشِرُ) أنَّها آياتٌ فَذَّةٌ، وإنْ أُنْزِلَتْ مِرارًا فابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُبارَكِ، وأهْلُ مَكَّةَ كابْنِ كَثِيرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ كَعاصِمٍ، والكِسائِيِّ، وغَيْرِهِما، سِوى حَمْزَةَ، وغالِبِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ والإمامِيَّةِ عَلى الثّانِي، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ، وحَمْزَةُ ونُسِبَ لِلْإمامِ أحْمَدَ بِالثّالِثِ، وأهْلُ المَدِينَةِ ومِنهم مالِكٌ، والشّامِ ومِنهُمُ الأوْزاعِيُّ، والبَصْرَةِ ومِنهم أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الخامِسِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِنا، وعَلى المَرْءِ نُصْرَةُ مَذْهَبِهِ، والذَّبُّ عَنْهُ وذَلِكَ بِإقامَةِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِهِ وتَوْهِينِ أدِلَّةِ نُفاتِهِ، وكُنْتُ مِن قَبْلُ أعُدُّ السّادَةَ الشّافِعِيَّةَ لِي غَزِيَّةً، ولا أعُدُّ نَفْسِي إلّا مِنها، وقَدْ مَلَكَتْ فُؤادِي غُرَّةُ أقْوالِهِمْ، كَما مَلَكَتْ فُؤادَ قَيْسٍ لَيْلى العامِرِيَّةُ، فَحَيْثُ لاحَتْ لا مُتَقَدَّمَ ولا مُتَأخَّرَ لِي عَنْها.
أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا
إلى أنْ كانَ ما كانَ فَصِرْتُ مَشْغُولًا بِأقْوالِ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ، وأقَمْتُ مِنها بِرِياضِ شَقائِقِ النُّعْمانِ، واسْتَوْلى عَلَيَّ مِن حُبِّها ما جَعَلَنِي أتَرَنَّمُ بِقَوْلِ القائِلِ:
مَحا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُنَّ قَبْلَها ∗∗∗ وحَلَّتْ مَكانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِن قَبْلُ
وقَدْ أطالَ الفَخْرُ في هَذا المَقامِ المَقالَ، وأوْرَدَ سِتَّ عَشْرَةَ حُجَّةً لِإثْباتِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ كَما هو نَصُّ كَلامِهِ، ولا عِبْرَةَ بِالتَّرْجَمَةِ، فَها أنا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى رادُّهُ، ولا فَخْرَ، وناصِرٌ مَذْهَبِيِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ التَّأْيِيدُ، والنَّصْرُ، فَأقُولُ: قالَ
صفحة 40
(الحُجَّةُ الأُولى) رَوى الشّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «(قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ آيَةً، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آيَةً، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آيَةً، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ آيَةً، ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ آيَةً)،» وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ، (الحُجَّةُ الثّانِيَةُ) رَوى سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ )» .
(الحُجَّةُ الثّالِثَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ألا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ غَيْرِي؟ فَقُلْتُ: بَلى، قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تَسْتَفْتِحُ القُرْآنَ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟ فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ: هي هِيَ)،» (الحُجَّةُ الرّابِعَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: (كَيْفَ تَقُولُ إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ؟ قالَ: أقُولُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ )،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذا افْتَتَحَ السُّورَةَ في الصَّلاةِ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكانَ يَقُولُ: مَن تَرَكَ قِراءَتَها فَقَدْ نَقَصَ، ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: فَأيْنَ السّابِعَةُ؟ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إذا قَرَأْتُمْ أُمَّ القُرْآنِ فَلا تَدَعُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإنَّها إحْدى آياتِها)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: (قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإذا قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ يُحَدِّثُ أصْحابَهُ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فافْتَتَحَ الصَّلاةَ، وتَعَوَّذَ، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: (يا رَجُلُ، قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاةَ، أما عَلِمْتَ أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الحَمْدِ، فَمَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِنها، ومَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ قَطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، فَإنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِها، فَمَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ بَطَلَتْ صَلاتُهُ)،» وبِإسْنادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ)».
(الحُجَّةُ الخامِسَةُ) قِراءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واجِبَةٌ في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ آيَةً مِنها، (بَيانُ الأوَّلِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الباءُ صِلَةٌ لِأنَّ الأصْلَ أنْ تَكُونَ لِكُلِّ حَرْفٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فائِدَةٌ، وإذا كانَ الحَرْفُ مُفِيدًا كانَ التَّقْدِيرُ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، ولَمْ يَثْبُتْ في غَيْرِ القِراءَةِ لِلصَّلاةِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ في القِراءَةِ فِيها صَوْنًا لِلنَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ.
(الحُجَّةُ السّادِسَةُ) التَّسْمِيَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ القُرْآنِ، وكُلُّ ما لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ القُرْآنِ، ألا تَرى أنَّهم مَنَعُوا كِتابَةَ أسامِي السُّوَرِ في المُصْحَفِ، ومَنَعُوا مِنَ العَلاماتِ عَلى الأعْشارِ، والأخْماسِ،
صفحة 41
والغَرَضُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَمْنَعُوا أنْ يَخْتَلِطَ بِالقُرْآنِ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَما كَتَبُوها بِخَطِّ القُرْآنِ.
(الحُجَّةُ السّابِعَةُ) أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، والبَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُما، فَوَجَبَ جَعْلُها مِنهُ.
(الحُجَّةُ الثّامِنَةُ) أطْبَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ سَبْعُ آياتٍ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ آيَةً، لَكِنْ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةٌ، وسَنُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ مَرْجُوحٌ ضَعِيفٌ، فَحِينَئِذٍ يَبْقى أنَّ الآياتِ لا تَكُونُ سَبْعًا إلّا بِجَعْلِ البَسْمَلَةِ آيَةً تامَّةً مِنها.
(الحُجَّةُ التّاسِعَةُ) أنْ نَقُولَ: قِراءَةُ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ، فَوَجَبَ كَوْنُها آيَةً مِنها، بَيانُ الأوَّلِ: أنَّ أبا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أنَّ قِراءَتَها أفْضَلُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأها، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا قِراءَتُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ وإذا ثَبَتَ الوُجُوبُ ثَبَتَ أنَّها مِنَ السُّورَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ)،» وأعْظَمُ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ، فَقِراءَةُ الفاتِحَةِ بِدُونِ قِراءَتِها تُوجِبُ كَوْنَ الصَّلاةِ عَمَلًا أبْتَرَ، ولَفْظُهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذَكَرَ ذَمًّا لِلْكافِرِ الشّانِئِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لِلصَّلاةِ الخالِيَةِ عَنْها في غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ، وكُلُّ مَن أقَرَّ بِذَلِكَ قالَ بِالفَسادِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ.
(الحُجَّةُ العاشِرَةُ) ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ما أعْظَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ؟ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ في قَوْلِهِ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المِقْدارَ آيَةٌ تامَّةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ بِتامَّةٍ في النَّمْلِ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ في غَيْرِها، ولَيْسَ إلّا الفاتِحَةُ.
(الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ) عَنْ أنَسٍ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِالنّاسِ صَلاةً جَهْرِيَّةً، فَقَرَأ أُمَّ القُرْآنِ، ولَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ: أنَسِيتَ، أيْنَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ اسْتَفْتَحْتَ القُرْآنَ؟ فَأعادَ مُعاوِيَةُ الصَّلاةَ وجَهَرَ بِها.
(الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ) أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا عِنْدَ الشُّرُوعِ في أعْمالِ الخَيْرِ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَدْ قالَ نُوحٌ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ وسُلَيْمانُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّهِ ثَبَتَ أيْضًا في حَقِّنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ”فاتَّبَعُوهُ“ وإذا ثَبَتَ في حَقِّنا ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ.
(الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ تَعالى قَدِيمٌ والغَيْرُ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ المُناسَبَةِ العَقْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ سابِقًا عَلى ذِكْرِ غَيْرِهِ، والسَّبْقُ في الذِّكْرِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ قِراءَةُ البَسْمَلَةِ سابِقَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ هَذا التَّقْدِيمِ فَما رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ القِراءَةِ ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
(الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ لا شَكَّ أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ مُكَرَّرًا بِخَطِّ القُرْآنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُرْآنِ، كَما أنّا رَأيْنا قَوْلَهُ تَعالى: ”ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ“، ”فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ“ مُكَرَّرًا كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّ الكُلَّ مِنهُ.
(الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ) رُوِيَ: «(أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)» الحَدِيثَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ كُلَّها مِنَ القُرْآنِ، مَجْمُوعُها مِنهُ، وهو مُثْبَتٌ فِيهِ، فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، إذْ لَوْ جازَ إخْراجُهُ مَعَ هَذِهِ المُوجِباتِ، والشُّهْرَةِ لَكانَ جَوازُ إخْراجِ سائِرِ الآياتِ أوْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ في القُرْآنِ العَظِيمِ.
(الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُ بِكِتابَتِها بِخَطِّ المُصْحَفِ فِيهِ، وبَيَّنّا أنَّ حاصِلَ الخِلافِ في أنَّهُ: هَلْ تَجِبُ قِراءَتُهُ؟ وهَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؟ فَنَقُولُ: ثُبُوتُ هَذِهِ الأحْكامِ أحْوَطُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ)،» انْتَهى كَلامُهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ البَعْضَ مِنهُ مُجابٌ عَنْهُ، والبَعْضَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْنا، لِأنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذْهَبِنا أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي مِنَ القُرْآنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الفاتِحَةِ نَفْسِها، وقَدْ أوْجَبَ الكَثِيرُ مِنّا قِراءَتَها في الصَّلاةِ، وذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ في شَرْحِ الكَنْزِ: أنَّ الأصَحَّ أنَّها واجِبَةٌ، وذَكَرَ الزّاهِدِيُّ عَنِ المُجْتَبى: أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها
صفحة 42
واجِبَةٌ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَجِبُ فِيها القِراءَةُ، وهي الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ ابْنُ وهْبانَ في مَنظُومَتِهِ:
ولَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ ساهِيًا كُلَّ رَكْعَةٍ ∗∗∗ فَيَسْجُدُ إذْ إيجابُها قالَ الأكْثَرُ
وفِي غُنْيَةِ المُتَمَلِّي: وهو الأحْوَطُ، وبِهِ أقُولُ خِلافًا لِقاضِي خانْ، وصاحِبِ الخُلاصَةِ، وغَيْرِهِمْ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، والقَوْلُ عَنْ بَعْضِ هَذا أنَّهُ مِن طُغْيانِ القَلَمِ غايَةُ الطُّغْيانِ، ونِهايَةٌ في التَّعَصُّبِ مِن غَيْرِ إتْقانٍ، ولْنَتَكَلَّمْ عَلى ما ذَكَرَهُ هَذا العَلّامَةُ عَلى التَّفْصِيلِ، (فَنَقُولُ): أمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الأُولى مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِالوَجْهِ الَّذِي رَواهُ مُخالِفٌ لِما في البَيْضاوِيِّ المُخالِفِ لِما في الكُتُبِ الحَدِيثِيَّةِ، فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ أبا مُلَيْكَةَ لَمْ يَثْبُتْ سَماعُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وبِتَقْدِيرِهِ لِلْمُعاصَرَةِ، يُقالُ: إنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يُوجَدْ في المَشْهُورِ، ولَعَلَّهُ نَقَلَ بِالمَعْنى لِبَعْضِ الرِّواياتِ الآتِيَةِ عَلى حَسَبِ ما يَلُوحُ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ بِلَفْظِ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ )،» وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ: «(كانَ إذا قَرَأ قَطَّعَ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ )،» وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ بِلَفْظِ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ في الصَّلاةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَعَدَّها آيَةً ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ اثْنَيْنِ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثَلاثَ آياتٍ، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أرْبَعَ آياتٍ، وقالَ: هَكَذا ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وجَمَعَ خَمْسَ أصابِعِهِ)،» والدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(كانَ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، قَطَّعَها آيَةً آيَةً وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، وعَدَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يَعُدَّ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ )،» والرِّوايَةُ الأُولى والثّانِيَةُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: عَنَتْ بِهِما بَيانَ كَيْفِيَّةِ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِسائِرِ القُرْآنِ، وذَكَرَتْ بَعْضًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَمْ تَسْتَوْعِبْ، ولَيْسَ فِيهِما سِوى إثْباتِ أنَّها آيَةٌ، وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وكَذا في الرِّوايَةِ الثّالِثَةِ إثْباتُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَؤُها في الصَّلاةِ، ويَعُدُّها آيَةً لِوُقُوفِهِ عَلَيْها، وهو مُسَلَّمُنا أيْضًا، وهي الآيَةُ الأُولى مِنَ القُرْآنِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ مِنهُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهَكَذا إلى الخامِسَةِ، وجَمَعَتِ الأصابِعَ، وانْقَطَعَ الكَلامُ، وأمّا الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا أيْضًا في أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في بَعْضِ الأوْقاتِ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، ولا دَوامَ، لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، أيِ الآياتُ قَطَّعَها آيَةً آيَةً، ولَمْ يُوصِلْ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، واحِدَةً واحِدَةً، وعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يُسْقِطْها لِوُجُوبِها في الصَّلاةِ، ولِلِاعْتِناءِ بِها في غَيْرِها لِما فِيها مِن عَظائِمِ الأسْرارِ ودَقائِقِ الأفْكارِ، ومِن هَذا أوْجَبَ الكَثِيرُ مِن عُلَمائِنا سُجُودَ السَّهْوِ عَلى مَن تَرَكَها، وقَدْ أزالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ ظَنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ لِاسْتِعْمالِها في أوائِلِ الرَّسائِلِ، ومَبادِي الشُّؤُونِ، ولَمْ يَعُدَّ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْها، بَلْ وصَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تِلْكَ المَرَّةَ، لِبَيانِ الجَوازِ وعَدَمِ تَخَيُّلِ شَيْءٍ يُنافِي كَوْنَها آيَةً، بَلْ هُناكَ ما يُشْعِرُ بِهِ، فَإنَّ تَقارُبَ الآيِ في الطُّولِ والقِصَرِ كَتَقارُبِ الفَقَراتِ، شَيْءٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وعَدَمُ التَّشابُهِ في المَقاطِعِ لا يَضُرُّ، فَأيْنَ أفْواجًا مِنَ الفَتْحِ، فَلُزُومُ الرِّعايَةِ غَيْرُ لازِمٍ، وكَوْنُ المَوْصُوفِ في آيَةٍ والصِّفَةِ في آيَةٍ أُخْرى مَسْبُوقٌ بِالمَثَلِ، وسابِقٌ عَلى الأمْثالِ، ومَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وعَرَفَ الَّذِينَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وجَدَهُ تامًّا، وعَدَّ تَوَقُّفَهُ عَلى الشَّرْطِ المَفْهُومِ مِن غَيْرِ المَغْضُوبِ كَلامًا ناقِصًا، وعَلى هَذا لَمْ يَثْبُتْ في هَذِهِ
صفحة 43
الرِّوايَةِ سِوى أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وهو مُسَلَّمٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا إنَّها مِنَ الفاتِحَةِ، فَدُونَهُ خَرْطُ القَتادِ.
وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: «( ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ سَبْعُ آياتٍ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْداهُنَّ، وهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ، وهي أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ)،» وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(إذا قَرَأْتُمُ الحَمْدَ، فاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنَّها أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْدى آياتِها)،» ومَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ سَبْعُ آياتٍ، وبِهِ قالَ الحَنَفِيُّونَ، ولَمّا لاحَظَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَهُّمَ السّامِعِينَ مِن عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْبَسْمَلَةِ مَعَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ السّالِفَةِ كَوْنِها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أزالَ هَذا التَّوَهُّمَ بِوَجْهٍ بَلِيغٍ فَقالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْداهُنَّ، أيْ مِثْلُ إحْداهُنَّ في كَوْنِها آيَةً مِنَ القُرْآنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ: إذا أرَدْتُمْ قِراءَةَ الحَمْدَ إلى آخِرِ ما يَلِيهِ فاقْرَءُوا قَبْلَهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنَّها أيِ الحَمْدَ إلى الآخَرِ أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، وهَذا كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ، بِقِراءَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، وقَوْلُهُ: و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْدى آياتِها عَلى حَدِّ ما ذُكِرَ في مَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى، وهو كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ أيْضًا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ، وما ذَكَرْناهُ، وإنْ كانَ فِيهِ ارْتِكابُ مَجازٍ، لَكِنْ دَعانا إلَيْهِ إجْراءُ صَدْرِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ أُجْرِيَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في الصَّدْرِ كَما لا يَخْفى، وهو ارْتِكابٌ خِلافُ الأصْلِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّالِثَةِ فَلَيْسَ سِوى إثْباتِ أنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ القُرْآنِ كَما أقَرَّ هو بِهِ، ولَسْنا مِمَّنْ نُخالِفُهُ فِيهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الرّابِعَةِ، فالحَدِيثُ الأوَّلُ، والثّانِي، والثّالِثُ، والسّادِسُ مَعَ ضَعْفِهِ، والثّامِنُ لا تَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، والرّابِعُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ لِجَوازِ الِاجْتِهادِ، وإنْ قُلْنا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الآيَةَ إنَّما تُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ الشّارِعِ كَمَعْرِفَةِ السُّورَةِ مَثَلًا، ولِذَلِكَ عَدُّوا ”الم“ آيَةً حَيْثُ وقَعَتْ، ولَمْ يَعُدُّوا ”المر“ لِأنّا لَمْ نَقُلْ: إنَّها جُزْءُ آيَةٍ، واجْتَهَدَ فَجَعَلَها آيَةً، بَلْ قُلْنا: إنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنَ القُرْآنِ، واجْتَهَدَ وجَعَلَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ تَوْقِيفٍ، لَكِنْ عَلى ظَنِّهِ واجْتِهادِهِ أنَّهُ تَوْقِيفٌ، والخامِسُ لِي شَكٌّ في صِحَّتِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَعَلَّهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي خَرَّجَهُ بِهِ الدّارَقُطْنِيّ، وقَدْ سَلَفَ بِتَقْرِيرِهِ، ولَيْسَ لِي اعْتِمادٌ عَلى الفَخْرِ في الأحادِيثِ، ولَيْسَ مِن حُفّاظِها، وأُراهُ إذا نَقَلَ بِالمَعْنى غَيَّرَ، ولَيْسَ عِنْدِي تَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ لِأراهُ، فَإنَّ النَّقْلَ مِنهُ، والسّابِعُ لا تَلُوحُ عَلَيْهِ طَلاوَةُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا فَصاحَتُهُ، وهو أفْصَحُ مَن نَطَقَ بِالضّادِ بَلْ مَن مارَسَ الأحادِيثَ جَزَمَ بِوَضْعِ هَذا، ولَعَمْرِي لَوْ كانَ صَحِيحًا لاكْتَفى بِهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ لَقَدَّمُوهُ عَلى سائِرِ أدِلَّتِهِمْ، ويالَيْتَهُ ذَكَرَ إسْنادَهُ لِنَراهُ، وأمّا الحُجَّةُ الخامِسَةُ فَفِيها أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ وُجُوبَها في أوَّلِ الفاتِحَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِها آيَةً مِنها، واسْتِدْلالُهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واهٍ جِدًّا مِن وُجُوهٍ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ، فَلا نُتْعِبُ البَنانَ بِبَيانِها، وأمّا الحُجَّةُ السّادِسَةُ فَهو أقْوى ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وتَعَرَّضَ نُفاةُ كَوْنِها قُرْآنًا لِلتَّكَلُّمِ في هَذا الدَّلِيلِ مِمّا لا يَرْضاهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ، والإنْصافُ نِصْفُ الدِّينِ، والِانْقِيادُ لِلْحَقِّ مِن أخْلاقِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الحُجَّةُ السّابِعَةُ فَلَنا لا عَلَيْنا كَما لا يَخْفى، وأمّا الحُجَّةُ الثّامِنَةُ فَدُونَ إثْباتِ مَدارِها - وهو تَوْهِينُ كَلامِ مَوْلانا أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - جِبالٌ راسِياتٌ، وأمّا الحُجَّةُ التّاسِعَةُ فَهي كالحُجَّةِ الخامِسَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، واسْتِدْلالُهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ) إلَخْ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفاتِحَةَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاةِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّكْبِيرِ المُقارِنِ لِلنِّيَّةِ الَّذِي هو رُكْنٌ مِنها، فَحَيْثُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ عُدَّتْ بَتْراءَ، فَبَطَلَتْ، وكَذا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ الَّذِي أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، كُلٌّ مِنهُما أمْرٌ ذُو بالٍ، فَإذا لَمْ يُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ كانَ أبْتَرَ باطِلًا، فَحُسْنُ الظَّنِّ بِدِيانَةِ العَلّامَةِ وعِلْمِهِ أنَّهُ كانَ يُبَسْمِلُ أوَّلَ
صفحة 44
صَلاتِهِ، وعِنْدَ رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وسائِرِ انْتِقالاتِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأمّا الحُجَّةُ العاشِرَةُ فَلا تَقُومُ عَلَيْنا لِأنّا أعْلَمْناكَ بِمَذْهَبِنا، وأمّا الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ فَقُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أبْعَدُ تَسْلِيمِها أنَّ مُعاوِيَةَ لَمّا لَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ وتَرَكَ الواجِبَ ولَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، أعادَ الصَّلاةَ لِتَقَعَ سَلِيمَةً مِنَ الخَلَلِ، ولِهَذا أمْهَلُوهُ إلى أنْ فَرَغَ لِيَرَوْا أيَجْبُرُ الخَلَلَ بِسُجُودِ السَّهْوِ أمْ لا، واعْتِراضُهم عَلَيْهِ بِتَرْكِ واجِبٍ يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ لَيْسَ أغْرَبَ مِنِ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تِلْكَ الصَّلاةِ أيْضًا بِتَرْكِ هَيْئَةٍ، حَيْثُ رَوى الشّافِعِيُّ نَفْسُهُ كَما نَقَلَهُ الفَخْرُ نَفْسُهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِهِمْ، ولَمْ يَقْرَأْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يُكَبِّرْ عِنْدَ الخَفْضِ إلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَلَمّا سَلَّمَ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يا مُعاوِيَةُ، سَرَقْتَ مِنَ الصَّلاةِ، أيْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأيْنَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟ ثُمَّ أنَّهُ أعادَ الصَّلاةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ، والتَّكْبِيرِ، وهَذا لا يَضُرُّنا، نَعَمْ، يَبْقى الجَهْرُ، والبَحْثُ عَنْهُ مَخْفِيٌّ الآنَ، وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ فَفِيها كَما تَقَدَّمَ أنَّ الوُجُوبَ لا يَسْتَلْزِمُ الجُزْئِيَّةَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَبْتَدِئُونَ عِنْدَ الشُّرُوعِ بِأعْمالِ الخَيْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ، إذْ وجَبَ عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ سِوى أنَّهُ جَهْلٌ بِالتَّفْسِيرِ، وعَدَمُ اطِّلاعٍ عَلى أخْبارِ البَشِيرِ النَّذِيرِ، وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ فَلا تُجْدِيهِ نَفْعًا في مُقابَلَتِنا أيْضًا، وفِيها ما في أخَواتِها، وأمّا الحُجَجُ الباقِيَةُ فَكَكَثِيرٍ مِنَ الماضِيَةِ، لا تَنْفَعُ في البَحْثِ مَعَنا إلّا بِتَسْوِيدِ القِرْطاسِ، وتَضْيِيعِ نَفائِسِ الأنْفاسِ، عَلى أنَّ بَعْضَ ما ذَكَرَهُ مُعارَضٌ بِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، وأنَّها سَبْعٌ بِدُونِها، حَيْثُ جَعَلَ الوُسْطى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والثَّلاثَ قَبْلَها لِلَّهِ تَعالى، والثَّلاثَ بَعْدَها لِلْعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّها مِنَ القُرْآنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ أصَحُّ مِن رِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ، ولا أُقَدِّمُ ثَعْلَبِيًّا عَلى مُسْلِمٍ، وكَذا مِن رِوايَةِ السِّجِسْتانِيِّ، ومَتى خالَفَ الرّاوِي الثِّقَةُ مَن هو أوْثَقُ مِنهُ بِزِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ فَحَدِيثُهُ شاذٌّ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ كَما ظَنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ في هَذا الفَنِّ رُسُوخٌ، ولا ثَباتٌ، وحَمْلُ النِّصْفِ فِيهِ عَلى النِّصْفِ في المَعْنى أوِ الصِّنْفِ مِن عَدَمِ الإنْصافِ، إذْ ذاكَ مَجازٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ حَقِيقَةً لَكِنْ بِاعْتِبارِ الدُّعاءِ والثَّناءِ يُكَذِّبُهُ العَدُّ والقَوْلُ، بِأنَّ مَدارَ الرِّوايَةِ العَلاءُ، وقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَهو عَلى جَلالَةِ الرَّجُلِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، لِأنَّ المُوَثَّقَ كَثِيرٌ، وتَقْدِيمَ الجَرْحِ عَلى التَّعْدِيلِ لَيْسَ بِالمُطْلَقِ، بَلْ إنْ لَمْ يَكْثُرِ المُعَدِّلُونَ جِدًّا، وقَدْ كَثُرُوا هُنا، وكَوْنُ التَّقْسِيمِ لِما يَخُصُّ الفاتِحَةَ والبَسْمَلَةَ مُشْتَرِكَةً مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، إذْ هي عِنْدَ الخَصْمِ أشْرَفُ الأجْزاءِ، وكَوْنُ المُرادِ بَعْضَ قِراءَةِ الصَّلاةِ إذِ الظّاهِرُ لا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ لِوُجُودِ الأعْمالِ، وضَمِّ السُّورَةِ، ويَتَحَقَّقُ البَعْضُ بِهَذا البَعْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ اللّائِقُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مُسْتَقِلًّا بِمَبْدَءٍ، ومَقْطَعٍ، والثّانِي مَوْجُودٌ، والأوَّلُ عَلى قَوْلِنا، وأيْضًا الفاتِحَةُ سُورَةٌ كالكَوْثَرِ والمُلْكِ، وقَدْ نَصَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ بِأنَّ الأُولى ثَلاثُ آياتٍ،
صفحة 45
والثّانِيَةَ ثَلاثُونَ، ووَقَفَهم عَلَيْها، ولَمْ يَعُدَّ البَسْمَلَةَ، ولَوْ عَدَّها مُسْتَقِلَّةً لَزادَ العَدَدَ أوْ جُزْءًا لَوَرَدَ، وعَلى المُثْبِتِ البَيانُ، وأنّى هُوَ، عَلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الثّانِي اسْتِلْزامَهُ لِلتَّحَكُّمِ بِدَعْوى الِاسْتِقْلالِ في الفاتِحَةِ، والبَعْضِيَّةِ في غَيْرِها، وقَوْلُ الرّازِيِّ هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ، فَـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ آيَةٌ تارَةً، وجُزْءُ آيَةٍ أُخْرى، كَما في ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ، بَعِيدٌ بَلْ قِياسٌ باطِلٌ لِوُجُودِ المُقْتَضِي لِلْجُزْئِيَّةِ هُناكَ، وانْتِفائِهِ هُنا، وأيْضًا نَزَلَ الكَثِيرُ مِنَ السُّوَرِ بِلا بَسْمَلَةٍ، ثُمَّ ضُمَّتْ بَعْدُ، وحَدِيثُ الصَّحِيحِ في بَدْءِ الوَحْيِ يُبْدِي صِحَّةَ ما قُلْنا، وهَذا يُبْعِدُ كَوْنَها آيَةً مِنَ السُّورَةِ أوْ جُزْءَ آيَةٍ، وكَوْنُها لَمْ تَنْزِلْ بَعْدُ يُبْعِدُ الثّانِيَ إنْ لَمْ يُبْعِدِ الأوَّلَ، وحَدِيثُ أنَّها أوَّلُ ما نَزَلَتْ، لَيْسَ بِالقَوِيِّ، بَلِ الثّابِتِ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ إلَخْ، عَلى أنَّ الأوَّلِيَّةَ إنْ سَلِمَتْ وسُلِّمَتْ لا تَضُرُّنا، وبِالجُمْلَةِ يَكادُ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُ عَدَمِ كَوْنِ البَسْمَلَةِ جُزْءًا مِن سُورَةٍ مِنَ الفِطْرِيّاتِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلَّمَ لَهُ وِجْدانَهُ، فَهي آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ، ولا يَنْبَغِي لِمَن وقَفَ عَلى الأحادِيثِ أنْ يَتَوَقَّفَ في قُرْآنِيَّتِها، أوْ يُنْكِرَ وُجُوبَ قِراءَتِها، ويَقُولَ بِسُنِّيَّتِها، فَواللَّهِ لَوْ مُلِئَتْ لِي الأرْضُ ذَهَبًا، لا أذْهَبُ إلى هَذا القَوْلِ، وإنْ أمْكَنَنِي - والفَضْلُ لِلَّهِ تَعالى - تَوْجِيهُهُ، كَيْفَ وكُتُبُ الأحادِيثِ مَلْأى بِما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وهو الَّذِي صَحَّ عِنْدِي عَنِ الإمامِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَنُصَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَيْفَ لا يَنُصُّ إلى آخِرِ عُمْرِهِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِيرِ الدّائِرِ عَلَيْهِ أمْرُ الصَّلاةِ مِن صِحَّتِها أوِ اسْتِكْمالِها، ويُمْكِنُ أنْ يُناطَ بِهِ بَعْضُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وأُمُورُ الدِّياناتِ، كالطَّلاقِ، والحَلِفِ، والتَّعْلِيقِ، وهو الإمامُ الأعْظَمُ، والمُجْتَهِدُ الأقْدَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والإخْفاءُ بِها في الجَهْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى السُّنِّيَّةِ، فَإنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِها لا يُنافِي إخْفاءَها اتِّباعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «(لَمْ يَجْهَرِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَسْمَلَةِ حَتّى ماتَ)،» ورَوى مُسْلِمٌ، «عَنْ أنَسٍ: (صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فَلَمْ أسْمَعْ مِنهم أحَدًا يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» ولَمْ يَرِدْ نَفْيُ القِراءاتِ بَلْ سَماعُها لِلْإخْفاءِ بِدَلِيلِ ما صُرِّحَ بِهِ عَنْهُ، فَكانُوا لا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رَواهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ عَنْهُ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ)،» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ، ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعَنِي أبِي وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، إيّاكَ والحَدَثَ في الإسْلامِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وخَلْفَ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فابْتَدَءُوا القِراءَةَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَإذا صَلَّيْتَ فَقُلِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» أيِ اجْهَرْ بِها، وأخْفِ البَسْمَلَةَ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وابْنِ المُبارَكِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، والحَسَنِ ابْنِ أبِي الحُسَيْنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشِ، والزُّهْرِيِّ، ومُجاهِدٍ، وأحْمَدَ، وغَيْرُهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، وأحادِيثُ الجَهْرِ لَمْ يَصِحَّ مِنها سِوى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ عَنْهُ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 46
يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» وهو مُعارَضٌ بِما تَقَدَّمَ عَنْهُ، أوْ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِها أحْيانًا لِبَيانِ أنَّهُ تُقْرَأُ فِيها كَما جَهَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالثَّناءِ لِلتَّعْلِيمِ، وكَما شُرِعَ الجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإعْلامِ، وحَتّى ماتَ، هُناكَ قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ فَلا يَتَنافَيانِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الحُفّاظِ لَيْسَ حَدِيثٌ صَرِيحٌ في الجَهْرِ إلّا وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، وعَنِالدّارَقُطْنِيّ أنَّهُ صَنَّفَ كِتابًا في الجَهْرِ، فَأقْسَمَ عَلَيْهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ لِيُعَرِّفَهُ الصَّحِيحَ فَقالَ: لَمْ يَصِحَّ في الجَهْرِ حَدِيثٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنْ أنَسٍ سِتٌّ مُتَعارِضَةٌ، فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ الجَهْرُ وأُخْرى الإخْفاءُ، لِلْخَوْفِ مِن بَنِي أُمَيَّةَ المُخالِفِينَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، إذْ مَذْهَبُهُ الجَهْرُ لا يَضُرُّنا، إذْ يُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعارُضِ الأقْوى إسْنادًا، وهو هُنا ما يُوافِقُنا، إذْ هو عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وتُهْمَةُ الرّاوِي المُخالِفِ بِالكَذِبِ عَلى أنَسٍ أهْوَنُ عِنْدِي مِن تُهْمَةِ أنَسٍ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُقَدَّمِي أصْحابِهِ.
* * *
(ومِن عَجائِبِ الرّازِيِّ ) كَيْفَ يُبْدِي احْتِمالَ التُّهْمَةِ، ويَرْوِي اعْتِراضَ أهْلِ المَدِينَةِ عَلى سَيِّدِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ الشَّنِيعِ، والمَحَلِّ الرَّفِيعِ، فَهَلّا خافُوا، وسَكَتُوا، وصافَوْا، والأعْجَبُ مِن هَذا أنَّهُ ذَكَرَ سِتَّ حُجَجٍ لِإثْباتِ الجَهْرِ هي أخْفى مِنَ العَدَمِ، (الأُولى) أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ السُّورَةِ، فَحُكْمُها حُكْمُها سِرًّا وجَهْرًا، وكَوْنُ البَعْضِ سِرِّيًّا، والبَعْضِ جَهْرِيًّا مَفْقُودٌ، ويَرُدُّهُ ما عَلِمْتَهُ في الرُّدُودِ، وبِفَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّها مِنَ السُّورَةِ، أيُّ مانِعٍ مِن إسْرارِ البَعْضِ، والجَهْرِ بِالبَعْضِ، وقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ”فاتْبَعُوهُ“ ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ كالسِّرِّ في الجَهْرِ والإخْفاءِ في رَكَعاتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ، أوْ يُقالُ: إنَّ حالَ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ القُرْآنُ كانَ خَلْوَةً أوَّلًا، وجَلْوَةً ثانِيًا، ناسَبَ حالُهُ حالَهُ بَلْ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الثّابِتِ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ: «(كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا)» إلَخْ، ظَهَرَ لَكَ سَرٌّ أعْظَمُ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُجْتَهِدِ الأقْدَمِ، (الثّانِيَةُ) أنَّها ثَناءٌ وتَعْظِيمٌ، فَوَجَبَ الإعْلانُ بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ويَرُدُّهُ أنَّ غالِبَ مُشْتَمَلاتِ الصَّلاةِ كَذَلِكَ أفَيُجْهَرُ بِها.
(الثّالِثَةُ) إنَّ الجَهْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِهِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُنْكِرِهِ، وهو مُسْتَحْسَنٌ عَقَلًا، فَيَكُونُ كَذَلِكَ شَرْعًا، ولا يَخْفى إلّا ما فِيهِ عَيْبٌ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الحُجَّةُ قَوِيَّةٌ في نَفْسِي، راسِخَةٌ في عَقْلِي، لا تَزُولُ البَتَّةَ، بِسَبَبِ كَلِماتِ المُخالِفِينَ، ويَرُدُّهُ ما رَدَّ سابِقَهُ، وقَدْ يَخْفى الشَّرِيفُ.
لَيْسَ الخُمُولُ بِعارِ
عَلى امْرِئٍ ذِي جَلالِ
فَلَيْلَةُ القَدْرِ تَخْفى
وتِلْكَ خَيْرُ اللَّيالِي
ويالَيْتَ شِعْرِي أكانَ تَسْبِيحُهُ اللَّهَ تَعالى في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ مَعِيبًا فَيُخْفِيهِ، أوْ جَيِّدًا فَيَجْهَرُ بِهِ ويُبْدِيهِ، ولا أظُنُّ بِالرَّجُلِ إلّا خَيْرًا، فَإنَّ الحُجَّةَ قَوِيَّةٌ في نَفْسِهِ راسِخَةٌ في عَقْلِهِ (الرّابِعَةُ) ما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ مُعاوِيَةَ صَلّى بِأهْلِ المَدِينَةِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فاعْتَرَضَ عَلَيْهِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، فَأعادَ الحَدِيثَ بِمَعْناهُ، ويَرُدُّهُ مُعارِضُوهُ، أوْ يُقالُ: لَمْ يُقْرَأْ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ بِبَعْضِ القَرائِنِ وما راءٍ كَمَن سَمِعا.
(الخامِسَةُ) ما رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْهَرُ في الصَّلاةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأمّا عَلِيٌّ فَقَدْ تَواتَرَ عَنْهُ، ومَنِ اقْتَدى في دِينِهِ بِعَلِيٍّ فَقَدِ اهْتَدى، ويَرُدُّهُ المُعارِضُ وبِتَقْدِيرِ نَفْيِهِ يُقالُ: إنَّ الجَهْرَ كانَ أحْيانًا لِغَرَضٍ، وفي الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرْناها ما يُعارِضُ أيْضًا نِسْبَتَهُ إلى عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وما زُعِمَ مِن تَواتُرِ نِسْبَتِهِ إلى عَلِيٍّ مَمْنُوعٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمِ ادَّعَتْهُ الشِّيعَةُ، فَذَهَبُوا إلى الجَهْرِ في السِّرِّيَّةِ والجَهْرِيَّةِ، ولَوْ عَمِلَ أحَدٌ بِجَمِيعِ ما يَزْعُمُونَ
صفحة 47
تَواتُرَهُ عَنِ الأمِيرِ كَفَرَ، فَلَيْسَ إلّا الإيمانُ بِبَعْضٍ والكُفْرُ بِبَعْضٍ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مَنِ اقْتَدى في دِينِهِ بِعَلِيٍّ فَقَدِ اهْتَدى مُسَلَّمٌ، لَكِنْ إنْ سَلَّمَ لَنا خَبَرَ ما كانَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودُونَهُ مَهامُّهُ، فَيُحْمَلُ عَلى أنَّ الشّائِعَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ تَقْدِيمُ ما عَلَيْهِ الشَّيْخانِ، وإذا اخْتَلَفا فَما عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ، حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَقّى في التَّخْصِيصِ إلَيْهِ، فَقالَ أوَّلًا: «(أصْحابِي كالنُّجُومِ، بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ)،» وثانِيًا: «(عَلَيْكم بِسُنَّتِي، وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ بَعْدِي)،» وثالِثًا: «(اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ )،» ورابِعًا: «(إنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أبا بَكْرٍ )».
(السّادِسَةُ) أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوِ: بِإعانَةِ بِسْمِ اللَّهِ اشَرَعُوا، ولا شَكَّ أنَّ اسْتِماعَ هَذِهِ الكَلِمَةِ يُنَبِّهُ العَقْلَ عَلى أنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ويُنَبِّهُهُ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا إذا وقَعَ الِابْتِداءُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِإظْهارِها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، ويَرُدُّهُ مَعَ رَكاكَةِ هَذا التَّقْدِيرِ وعَدَمِ قائِلٍ بِهِ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، لَوْ صَرَفَ عُشْرَ مِعْشارِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لَحَصَلَ ضِعْفُ أضْعافِهِ مِن دُونِ غائِلَةٍ كَثِيرَةٍ، فَيُغْنِي عَنْهُ، ثُمَّ أنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَلامًا لا يَنْفَعُ إلّا في تَكْثِيرِ السَّوادِ وإرْهابِ ضُعَفاءِ الطَّلَبَةِ بِجُيُوشِ المِدادِ.
(البَحْثُ الثّالِثُ في مَعْناها) فالباءُ إمّا: لِلِاسْتِعانَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ، أوِ الإلْصاقِ، أوِ الِاسْتِعْلاءِ، أوْ زائِدَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ، والأرْبَعَةُ الأخِيرَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وإنِ اسْتُؤْنِسَ لِبَعْضٍ بِبَعْضِ الآياتِ، واخْتُلِفَ في الأرْجَحِ مِنَ الأوَّلَيْنِ، فالَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ البَيْضاوِيِّ أرْجَحِيَّةُ الأوَّلِ، وأُيِّدَ بِأنَّ جَعْلَهُ لِلِاسْتِعانَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ زِيادَةُ مَدْخَلٍ في الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ لا يَتَأتّى ولا يُوجَدُ بِدُونِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أرْجَحِيَّةُ الثّانِي، وأُيِّدَ بِأنَّ باءَ المُصاحَبَةِ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِن باءِ الِاسْتِعانَةِ لا سِيَّما في المَعانِي، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأفْعالِ، وبِأنَّ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى تَأدُّبٌ مَعَهُ، وتَعْظِيمٌ لَهُ، بِخِلافِ جَعْلِهِ لِلْآلَةِ، فَإنَّها مُبْتَذَلَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِذاتِها، وأنَّ ابْتِداءَ المُشْرِكِينَ بِأسْماءِ آلِهَتِهِمْ كانَ عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، وأنَّ الباءَ إذا حُمِلَتْ عَلى المُصاحَبَةِ كانَتْ أدَلَّ عَلى مُلابَسَةِ جَمِيعِ أجْزاءِ الفِعْلِ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى مِنها إذا جُعِلَتْ داخِلَةً عَلى الآلَةِ، ويُناسِبُهُ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «(تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ يُسَمِّي أوْ لَمْ يُسَمِّ)،» وأنَّ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى مَعْنًى ظاهِرٌ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، مِمَّنْ يَبْتَدِئُ بِهِ، والتَّأْوِيلُ المَذْكُورُ في كَوْنِهِ آلَةً لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِنَظَرٍ دَقِيقٍ، وإنَّ كَوْنَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى آلَةً لِلْفِعْلِ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْهِ بِبَرَكَتِهِ، فَقَدْ رَجَعَ بِالآخِرَةِ إلى مَعْنى التَّبَرُّكُ، فَلْنَقُلْ بِهِ أوَّلًا، وإنَّ جَعْلَ اسْمِهِ تَعالى آلَةً لِقِراءَةِ الفاتِحَةِ لا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ السُّورَةِ، وإنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ)،» مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لَهُ، وإنَّ في الأوَّلِ جَعْلُ المَوْجُودِ حِسًّا كالمَعْدُومِ، وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ مَوْجُودٌ في القِراءَةِ، فَإذا جُعِلَتِ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ كانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ القَلَمِ، فَلا يَكُونُ مَقْرُوءًا، وهو مَقْرُوءٌ، وإنَّ فِيهِ الإيجازَ والتَّوَصُّلَ بِتَقْلِيلِ اللَّفْظِ إلى تَكْثِيرِ المَعْنى لِتَقْدِيرِ: مُتَبَرِّكًا، وهو لِكَوْنِهِ حالًا، فِيهِ بَيانُ هَيْئَةِ الفاعِلِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ لا بُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن إعانَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَدَلَّ الحالُ عَلى زائِدٍ، وعِنْدِي أنَّ الِاسْتِعانَةَ أوْلى، بَلْ يَكادُ أنْ تَكُونَ مُتَعَيِّنَةً، إذْ فِيها مِنَ الأدَبِ والِاسْتِكانَةِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ ما لَيْسَ في دَعْوى المُصاحَبَةِ، ولِأنَّ فِيها تَلْمِيحًا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ إلى إسْقاطِ الحَوْلِ والقُوَّةِ، ونَفْيِ اسْتِقْلالِ قَدْرِ العِبادِ، وتَأْثِيرِها، وهو اسْتِفْتاحٌ لِبابِ الرَّحْمَةِ، وظَفَرٌ بِكَنْزِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولِأنَّ هَذا المَعْنى أمَسُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولِأنَّهُ كالمُتَعَيِّنِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لِيَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَسْتُ بِقارِئٍ)» عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وما ذَكَرُوهُ في تَأْيِيدِ المُصاحَبَةِ كُلُّهُ مَرْدُودٌ، (أمّا الأوَّلُ) فَلِأنَّ دُونَ إثْباتِ الأكْثَرِيَّةِ خَرْطُ القَتادِ، (وأمّا الثّانِي) فَلِأنَّهُ تَوَهُّمٌ نَشَأ مِن تَمْثِيلِهِمْ في الآلَةِ بِالمَحْسُوساتِ، ولَيْسَتْ كُلُّ اسْتِعانَةٍ بِآلَةٍ مُمْتَهَنَةٍ، ولا شَكَّ في صِحَّةِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ، وقَدْ ورَدَ في الشَّرْعِ قالَ تَعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ فَهو إذَنْ عَلى أنَّ جِهَةَ الِابْتِذالِ مِمّا لا تَمُرُّ
صفحة 48
بِبالٍ، والقَلْبُ قَدْ أحاطَ بِجِهاتِهِ جِهَةٌ أُخْرى، وأيْضًا في تَخْصِيصِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلَةِ نَظَرٌ، لِأنَّها قَدْ تَكُونُ بِها، وبِالقُدْرَةِ، ولَوْ سُلِّمَ فَأيُّ مانِعٍ مِنَ الإشارَةِ بِها هُنا إلى أنَّهُ كَما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، فَهو المَقْصُودُ بِالعَرَضِ، إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ.
(وأمّا الثّالِثُ) فَلِأنَّ المُشْرِكِينَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِآلِهَتِهِمْ أقْرَبُ، إذْ هم وسائِطُهم في التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى، وهي أشْبَهُ بِالآلَةِ.
(وأمّا الرّابِعُ) فَلِأنَّ الآلَةَ لا بُدَّ مِن وُجُودِها في كُلِّ جُزْءٍ إلى آخِرِ الفِعْلِ، وإلّا لَمْ يَتِمَّ، ولا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ بَيْنَ مُصاحَبَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، ومُلابَسَتِهِ لِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَدِيثِ فَهو بِالِاسْتِعانَةِ أنْسَبُ، لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِتَبَرِّي العَبْدِ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، وإثْباتِ الحَوْلِ والقُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا مِن بابِ العَقائِدِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها قَلْبُ كُلِّ مُسْلِمٍ يُسَمِّي أوْ لَمْ يُسَمِّ.
(وأمّا الخامِسُ) فَلِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ مَعْنى المُصاحَبَةِ التَّبَرُّكُ، فَظاهِرُ البُطْلانِ، وقَدْ رَجَعَ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنها بِالقَرِينَةِ، فَنَدَّعِيهِ نَحْنُ بِها، إذا قَصَدَ الآلِيَّةَ لِتَوَقُّفِ الِاعْتِدادِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْها، وأمّا كَوْنُ التَّبَرُّكِ مَعْنًى ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مِن خُصُوصِ المُصاحَبَةِ، (وأمّا السّادِسُ) فَلِأنَّ الِانْحِصارَ فِيهِ مَمْنُوعٌ، وأمّا السّابِعُ فَلِأنَّ ما يُفْتَتَحُ بِهِ الشَّيْءُ لا مانِعَ مِن كَوْنِهِ جُزْءًا، فالفاتِحَةُ مُفْتَتَحُ القُرْآنِ وجُزْؤُهُ، ولَوْ سَلَّمَ فَجَعَلَها مُفْتَتَحًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداها، قالَهُ الشِّهابُ، ولا يَضُرُّ الحَنَفِيَّ ما فِيهِ.
(وأمّا الثّامِنُ) فَلِأنَّ مَعْنى الحَدِيثِ: أفْعَلُ كَذا مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّنِي مَعَ ذِكْرِ اسْمِهِ مُسْتَعِينًا بِهِ شَيْءٌ، إذْ مَنِ اسْتَعانَ بِجَنابِهِ أعانَهُ، ومَن لاذَ بِبابِهِ حَفِظَهُ، وصانَهُ، وإنِ اسْتَبْعَدَتُ هَذا، ورَدَدْتُ ما قِيلَ في الرَّدِّ مِن أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ الإخْبارُ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ ذِكْرِ اسْمِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقٍ، والمُصاحَبَةُ تَسْتَدْعِي أمْرًا حاصِلًا عِنْدَها، نَحْوَ: جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ، والقِراءَةُ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ، فَتَعَذَّرَتْ حَقِيقَةُ المُصاحَبَةِ، بِأنَّ المُصاحَبَةَ هُنا لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، وكَوْنُها إخْبارًا بِنَفْيِ صُحْبَةِ الضَّرَرِ يُفْهَمُ مِنهُ صُحْبَةُ النَّفْعِ والبَرَكَةِ، وهي دَفْعُ الوَسْوَسَةِ عَنِ القارِئِ مَعَ جَزِيلِ الثَّوابِ، فَلا ضَيْرَ أيْضًا، لِأنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِئْناسٍ، ولا يُوحِشُنا، إذْ ما نَسْتَأْنِسُ بِهِ كَثِيرٌ، (وأمّا التّاسِعُ) فَلِأنَّ جَعْلَ المَوْجُودِ كالمَعْدُومِ لِلْجَرْيِ لا عَلى المُقْتَضى مِنَ المُحَسِّناتِ، والنُّكْتَةُ هاهُنا أنْ شَبَّهَ اسْمَ اللَّهِ بِناءً عَلى يَقِينِ المُؤْمِنِ بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ والقَطْعِ بِمُقْتَضاها بِالأمْرِ المَحْسُوسِ، وهو حُصُولُ الكُتُبِ بِالقَلَمِ، وعَدَمٌ بِعَدَمِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ لِوُقُوعِها في الحَرْفِ.
(وأمّا العاشِرُ) فَلِأنَّهُ لا يَخْفى حالُ التَّشْبِيهِ بِالقَلَمِ، (وأمّا الحادِيَ عَشَرَ) فَلِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّبَرُّكَ مَعْنى المُصاحَبَةِ أوْ لازِمُ مَعْناهُ، بَلْ هو مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ خارِجٍ، هو أنَّ مُصاحَبَةَ اسْمِهِ سُبْحانَهُ يُوجَدُ مَعَها ذَلِكَ، وهو جارٍ في الِاسْتِعانَةِ بِاسْمِهِ عَزَّ شَأْنُهُ عَلى أنَّ في الِاسْتِعانَةِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، ويُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ عَدَمُ اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها لِنَزَغاتِ الشَّيْطانِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِنِ اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ هو وأصْحابُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رَدُّهُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ، فَذَهَبَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَقْدِيرِهِ: أتْلُو، لِأنَّ تالِيَهُ مَتْلُوٌّ، وهَكَذا يُضْمَرُ الخاصُّ الفِعْلِيُّ كُلُّ فاعِلٍ فِعْلًا، يَجْعَلُ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، وهو مِنَ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ، كَنَظائِرِهِ لِلُزُومِها في مُتَعارَفِ اللِّسانِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ كَلامُ الصّادِقِيِّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا مُتَكَلِّمًا مَخْصُوصًا، فَهو عَلى حَدٍّ، ولَوْ تَرى فَيَنْوِي كُلٌّ بِالضَّمِيرِ نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُها عَلى قِراءَةِ هَذا القارِئِ، بَلْ عَلى وُجُودِهِ، ويَتَأتّى القَوْلُ بِجُزْئِيَّتِها مِنَ الكُلِّ أوِ الجُزْءِ بِلا خَفاءٍ، ولَمّا خَفِيَ ذَلِكَ عَلى البَعْضِ جَعَلَ المُقَدَّرَ فِعْلَ أمْرٍ مُتَوَجِّهٍ إلى العِبادِ، لِيَتَّحِدَ قائِلُ المَلْفُوظِ والمُقَدَّرِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ عَنِ اخْتِيارٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّمَ
صفحة 49
التَّسْمِيَةَ حَثًّا لِلْعِبادِ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ، وهو المُناسِبُ لِلتَّعْلِيمِ، وذَهَبَ النَّحْوِيُّونَ إلى تَقْدِيرِهِ عامًّا نَحْوَ: أبْتَدِئُ وأُيِّدَ بِوُجُوهٍ مِنها: أنَّ فِعْلَ الِابْتِداءِ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ في كُلِّ تَسْمِيَةٍ دُونَ فِعْلِ القِراءَةِ، وتَقْدِيرُ العامِّ أوْلى، ألا تَراهم يُقَدِّرُونَ مُتَعَلِّقَ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا، أوْ صِفَةً، أوْ حالًا، أوْ صِلَةً، بِالكَوْنِ والِاسْتِقْرارِ حَيْثُما وقَعَ، ويُؤْثِرُونَهُ لِعُمُومِ صِحَّةِ تَقْدِيرِهِ.
(ومِنها) أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالغَرَضِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وهو وُقُوعُها مُبْتَدَأً، فَتَقْدِيرُهُ أوْقَعُ بِالمَحَلِّ، وأنْتَ إذا قَدَّرْتَ: أقْرَأُ، قَدَّرْتَ: أبْتَدِئُ بِالقِراءَةِ، لِأنَّ الواقِعَ في أثْنائِها قِراءَةٌ أيْضًا، والبَسْمَلَةُ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِيهِ، ومِنها ظُهُورُ فِعْلِ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ)،» وأمّا ظُهُورُ القِراءَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَلِأنَّ الأهَمَّ ثُمَّ هو القِراءَةُ غَيْرُ مَنظُورٍ فِيهِ إلى ابْتِدائِها، ولِذا قُدِّمَ الفِعْلُ، ولا كَذَلِكَ في التَّسْمِيَةِ.
وما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أمَسُّ وأخَصُّ بِالمَقْصُودِ، وأتَمُّ شُمُولًا، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ واقِعَةٌ بِكَمالِها، مَقْرُونَةٌ بِالتَّسْمِيَةِ، مُسْتَعانًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها كُلِّها بِخِلافِ تَقْدِيرِ: أبْتَدِئُ، إذْ لا تَعَرُّضَ لَهُ لِذَلِكَ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الِاسْتِشْهادِ بِتَقْدِيرِ النُّحاةِ الكَوْنَ والِاسْتِقْرارِ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهم فَعَلُوهُ تَمْثِيلًا، حَيْثُ لا يَقْصِدُونَ عامِلًا بِعَيْنِهِ بَلْ يُرِيدُونَ الكَلامَ عَلى العامِلِ مِن حَيْثُ هُوَ، فَهو كَتَمْثِيلِهِمْ بِزَيْدٍ، وعَمْرٍو، لا لِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ لِيَقَعَ الكَلامُ عَلى مِثالٍ، فَيَكُونَ أقْرَبَ إلى الفَهْمِ، ولا يُقالُ إذا أُبْهِمَ الفاعِلُ يُقَدَّرُ بِهِما عَلى أنَّ الِابْتِداءَ هُنا لَيْسَ أعَمَّ مِنَ القِراءَةِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ ابْتِداءُ القِراءَةِ، وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ لِصِدْقِها عَلى قِراءَةِ الأوَّلِ، والوَسَطِ، والآخِرِ، واخْتِصاصِ ابْتِداءِ القِراءَةِ بِالأوَّلِ، فَلَيْسَ هَذا هو الكَوْنُ والِاسْتِقْرارُ الَّذِي قَدَّرَهُما النُّحاةُ فِيما تَقَدَّمَ، ودَعْوى عُمُومِ أبْتَدِئُ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لَكِنَّهُ يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ المَقامِ أنَّ المُبْتَدَأ بِهِ هو القِراءَةُ، أوْ بِاعْتِبارِ أصْلِ العامِلِ في الجَمِيعِ، لا يَخْفى فَسادُها، فَإنَّهُ إذا دَلَّ المَقامُ عَلى إرادَتِهِ فَما مَعْنى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ حِينَئِذٍ، وكَوْنُهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والأصْلِ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ في حالٍ، فاْفْهَمْ، (وأمّا ما ذُكِرَ ثانِيًا) مِن أنَّ رَدَّ فِعْلِ البُداءَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالغَرَضِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القِراءَةَ أمَسُّ وأشْمَلُ، والوُقُوعَ في الِابْتِداءِ بِالبِدايَةِ فِعْلًا لا بِإضْمارِ الِابْتِداءِ، فَمَتى ابْتَدَأ بِالبَسْمَلَةِ حَصَلَ لَهُ المَقْصُودُ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى شَيْءٍ، كَمَن صَلّى فَبَدَأ بِتَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، لا يَحْتاجُ في كَوْنِهِ بادِئًا إلى الإضْمارِ، لَكِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى بَرَكَتِها وشُمُولِها لِجَمِيعِ ما فَعَلَهُ، ومِن هَذا يَظْهَرُ ما في باقِي الكَلامِ مِنَ الوَهَنِ، (وأمّا ما ذُكِرَ ثالِثًا) فَفِيهِ أنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مُبْتَدَأً بِها حاصِلٌ بِالفِعْلِ لا بِإضْمارِ الفِعْلِ، ولَمْ يَرِدِ الحَدِيثُ بِأنَّ كُلَّ أمْرٍ ذِي بالٍ لَمْ يَقُلْ أوْ لَمْ يُضْمِرْ فِيهِ أبَدًا بِبِسْمِ اللَّهِ، فَهو كَذا عَلى أنَّ المُحافَظَةَ عَلى مُوافَقَةِ لَفْظِ الحَدِيثِ إنَّما يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ نُكْتَةً في كَلامِ المُصَنِّفِينَ، ومَن يَنْخَرِطُ في سِلْكِهِمْ، لا في كَلامِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ، وأيْضًا البَحْثُ إنَّما هو في تَرْجِيحِ تَقْدِيرِ الفِعْلِ العامِّ، كَأبْدَأُ أوْ أشْرَعُ، وما شاكَلَهُما لا في تَرْجِيحِ خُصُوصِ أقْرَأُ، أعْنِي فِعْلًا مَصْدَرُهُ القِراءَةُ عَلى خُصُوصِ أبْدَأُ، أعْنِي فِعْلًا مَصْدَرُهُ البُداءَةُ، فَفِيما ذُكِرَ خُرُوجٌ عَنْ قانُونِ الأدَبِ ومَوْضِعِ النِّزاعِ.
وذَهَبَ البَعْضُ إلى تَقْدِيرِ: ابْتِدائِي، مَثَلًا، وفِيهِ زِيادَةُ إضْمارٍ، لِوُجُوبِ إضْمارِ الخَبَرِ حِينَئِذٍ، فَيَكُونُ المُضْمَرُ ثَلاثُ كَلِماتٍ، ودِلالَةُ الِاسْمِيَّةٍ عَلى الثُّبُوتِ مُعارَضَةٌ بِدِلالَةِ المُضارِعِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، إلّا أنَّهُ تَبْقى المُخالَفَةُ بَيْنَ جُمْلَتَيِ البَسْمَلَةِ والحَمْدِ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وجَعَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ هَذا الجارَّ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ، هو ابْتِداءُ العالَمِ، وظُهُورُهُ، لِأنَّ سَبَبَ وُجُودِهِ الأسْماءُ الإلَهِيَّةُ، وهي المُسَلَّطَةُ عَلَيْهِ كَجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ، إذْ لا يُحْمَدُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِأسْمائِهِ مِن بابِ الإشارَةِ، فَلا يُنْظَرُ فِيهِ إلى الظّاهِرِ، ولا يُتَقَيَّدُ بِالقَواعِدِ، ولا أرى الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ مِنَ الإنْصافِ، وقَدْ ذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ تَقْدِيرَ المُتَعَلِّقِ هُنا مُؤَخَّرًا أحْرى، لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمٌ عَلى الفِعْلِ ذاتًا، فَلْيُقَدَّمْ عَلى الفِعْلِ
صفحة 50
ذِكْرًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى البُرْهانِ اللَّمِّيِّ وهو أشْرَفُ مِنَ البُرْهانِ الأنِّيِّ، ولِذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وتَحْنِيكُ طِفْلِ الذِّهْنِ بِحَلاوَةِ هَذا الِاسْمِ يُعِينُ عَلى فِطامِهِ عَنْ رَضْعِ ضَرْعِ السَّوِيِّ بِدُونِ وضْعِ مَرارَةِ الحُدُوثِ، عَلى أنَّ بَرَكَةَ التَّبَرُّكِ طافِحَةٌ بِالأهَمِّيَّةِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ في التَّقْدِيمِ قَطْعَ عِرْقِ الشَّوْكَةِ رَدًّا عَلى مَن يَدَّعِيها ناسَبَ مَقامَ الرِّسالَةِ، وظَهَرَ سِرُّ تَقْدِيمِ الفِعْلِ في أوَّلِ آيَةٍ نَزَلَتْ، إذِ المَقامُ إذْ ذاكَ مَقامُ نُبُوَّةٍ، ولا رَدَّ، ولا تَبْلِيغَ فِيها، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والبَلاغَةُ: مُطابَقَةُ الكَلامِ لِمُقْتَضى الحالِ، وقَدِ اعْتَرَكَتِ الأفْهامُ هُنا في تَوْجِيهِ القَصْرِ لِظَنِّهِ مِن ذِكْرِ الِاخْتِصاصِ، حَتّى ادَّعاهُ بَعْضُهم بِأنْواعِهِ الثَّلاثَةِ، وأفْرَدَ البَعْضُ البَعْضَ، فَمُقْتَصِرٌ عَلى قَصْرِ الإفْرادِ، وقائِلٌ بِهِ، وبِالقَلْبِ، وفي القَلْبِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وعِنْدِي هُنا يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ، وإنَّ تَقْدِيرَهُ مُؤَخَّرًا مُؤَخَّرٌ عَنْ ساحَةِ التَّحْقِيقِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ الباءِ، أوْ بَعْدَ اسْمٍ، أوْ بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ البَعْدِ، أمّا تَقْدِيرُهُ بَعْدَ الباءِ فَلا يَقُولُهُ مَن عَرَفَ الباءَ.
وأمّا بَعْدَ الِاسْمِ فَلِاسْتِلْزامِهِ الفَصْلَ، ولَوْ تَعَقُّلًا، حَيْثُ أوْجَبُوا الحَذْفَ هُنا بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ، وأمّا بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ فَلِاسْتِلْزامِهِ الفَصْلَ كَذَلِكَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وأمّا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَيَتَّسِعُ الخُرْقُ، وأمّا بَعْدَ التَّمامِ فَيَظْهَرُ نَقْصٌ دَقِيقٌ، لِأنَّ في الجُمْلَةِ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِما يُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ، فَكانَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ عِلَّةً لِلْقِراءَةِ المُقَيَّدَةِ بِاسْمِ اللَّهِ، فَإذا تَأخَّرَ العامِلُ المُقَيَّدُ المَعْلُولَ وتَقَدَّمَتْ عِلَّتُهُ، أشْعَرَ بِالِانْحِصارِ، ولا يَظْهَرُ وجْهُهُ، وإذا قَدَّرْنا العامِلَ مُقَدَّمًا كَما هو الأصْلُ أمْنًا مِنَ المَحْذُورِ، ويَحْصُلُ اخْتِصاصٌ أيْضًا، إذْ كَأنَّهُ قِيلَ مَثَلًا: أقْرَأُ مُسْتَعِينًا، أوْ مُتَبَرِّكًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وانْتِفاءُ العِلَّةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ المَعْلُولَ في المَقامِ الخِطابِيِّ، إذا لَمْ تَظْهَرْ عِلَّةٌ أُخْرى، فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ لا سِيَّما عِنْدَ القائِلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، فَيُشْعِرُ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الدّائِرَةِ، والِاقْتِصارُ هُنا لَيْسَ كالِاقْتِصارِ هُناكَ، والتَّخَلُّصُ بِتَقْدِيرِ التَّرْكِيبِ: مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ، لِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ أقْرَأُ فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وفي تَقْدِيمِ الحادِثِ تَعَقُّلًا، وحَذْفُهُ ذِكْرًا، وعَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ في الظّاهِرِ مُسْتَقِلًّا سِوى الِاسْمِ القَدِيمِ رَمْزٌ خَفِيٌّ إلى تَقْدِيمِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ في العِلْمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّقَدُّمُ المُطْلَقُ، وعَدَمُ ظُهُورِ شَيْءٍ سِواهُ، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا ضَرَرَ في ذَلِكَ ارْتُكِبَ، والتَّبَرُّكُ كالوُجُوبِ يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ بِالذِّكْرِ مَكْسُورًا، لا مَضْمُومًا، وها هو كَما تَرى، ومِنَ الأكابِرِ مَن قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، ولا حُلُولَ، وقَدْ عُدَّ أكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ، والمَراتِبُ أرْبَعٌ، وتَحْنِيكُ الرَّحْمَةِ يُغْنِي عَنْ كُلِّ دَرٍّ، ويَفْطِمُ طِفْلَ الذِّهْنِ عَنْ ثَدْيِ جَوارِي الفِكْرِ، وكَأنَّ مَن قَدَّرَ العامِلَ مُؤَخَّرًا رَأى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾، «(وبِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي)،» وأمْثالَهُما، فَجَرى مَجْراها، والفَرْقُ ظاهِرٌ لِلنّاظِرِ، وهَذا مِن نَسائِمِ الأسْحارِ فَتَيَقَّظْ لَهُ، ونَمْ عَنْ غَيْرِهِ.
والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، ولَغْوٌ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِهِما، فَقِيلَ: اللَّغْوُ ما يَكُونُ عامِلُهُ مَذْكُورًا، والمُسْتَقِرُّ ما يَكُونُ عامِلُهُ مَحْذُوفًا مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُسْتَقِرُّ ما يَكُونُ عامِلُهُ عامًّا كالحُصُولِ، والِاسْتِقْرارِ، وهو مُقَدَّرٌ، واللَّغْوُ بِخِلافِهِ، وقِيلَ: اللَّغْوُ ما يَكُونُ عامِلُهُ خارِجًا عَنِ الظَّرْفِ غَيْرَ مَفْهُومٍ مِنهُ، سَواءٌ ذُكِرَ أوْ لا، والمُسْتَقِرُّ ما فُهِمَ مِنهُ مَعْنى عامِلِهِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو مِنَ الأفْعالِ العامَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ، وحَيْثُ لا مُشاحَّةَ فِيهِ، أخْتارُ الأوَّلَ، فَيَكُونُ الظَّرْفُ هُنا مُسْتَقِرًّا، كَيْفَما قُدِّرَ العامِلُ، وإنَّما كُسِرَتِ الباءُ وحَقُّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةُ أنْ تُفْتَحَ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ، والأصْلُ في البِناءِ لِثِقَلِهِ، وكَوْنِهِ مُقابِلًا لِلْإعْرابِ الوُجُودِيِّ السُّكُونُ لِخِفَّتِهِ، وكَوْنِهِ عَدَمِيًّا، إلّا أنَّها مِن حَيْثُ كَوْنِها كَلِماتٍ بِرَأْسِها مَظِنَّةٌ لِلِابْتِداءِ، وهو بِالسّاكِنِ مُتَعَذِّرٌ أوْ مُتَعَسِّرٌ، كانَ حَقُّها الفَتْحَ إذْ هو أخُو السُّكُونِ في الخِفَّةِ المَطْلُوبَةِ في كَثِيرِ الدَّوْرِ عَلى الألْسِنَةِ لِامْتِيازِها مِن بَيْنِ الحُرُوفِ بِلُزُومِ الحَرْفِيَّةِ، والجَرِّ، وكُلٌّ مِنهُما يُناسِبُ الكَسْرَ، أمّا الحَرْفِيَّةُ فَلِأنَّها تَقْتَضِي عَدَمَ الحَرَكَةِ
صفحة 51
والكَسْرِ لِقِلَّتِهِ، إذْ لا يُوجَدُ في الفِعْلِ، ولا في غَيْرِ المُنْصَرِفِ، ولا في الحُرُوفِ إلّا نادِرًا، يُناسِبُ العَدَمَ، وأمّا الجَرُّ، فَلِمُوافَقَةِ حَرَكَةِ الباءِ أثَرُها، ولا نَقْضَ بِواوِ العَطْفِ اللّازِمَةِ لِلْحَرْفِيَّةِ، ولا بِكافِ التَّشْبِيهِ اللّازِمَةِ لِلْجَرِّ، لِأنَّ المَجْمُوعَ سَبَبُ الِامْتِيازِ، ولَمْ يُوجَدْ في كُلٍّ، لَكِنْ يَبْقى النَّقْضُ واوَ القَسَمِ وتائِهِ، ويُجابُ بِأنَّ عَمَلَها بِالنِّيابَةِ عَنِ الباءِ الَّتِي هي الأصْلُ في حُرُوفِهِ، فَكَأنَّ الجَرَّ لَيْسَ أثَرًا لَهُما، وهَذِهِ عِلَلٌ نَحْوِيَّةٌ مُسْتَخْرَجَةٌ بَعْدَ الوُقُوعِ لِإبْداءِ مُناسَبَةٍ، فَلا تَتَحَمَّلُ مُناقَشَةً لِضَعْفِها كَما قِيلَ:
عَهْدُ الَّذِي أهْوى ومِيثاقُهُ ∗∗∗ أضْعَفُ مِن حُجَّةِ نَحْوِيٍّ
فَلا نُسْهِرُ جَفْنَ الفِكْرِ فِيما لَها وعَلَيْها، وقالَ بَعْضُهم مِن بابِ الإشارَةِ: كُسِرَتِ الباءُ في البَسْمَلَةِ تَعْلِيمًا لِلتَّوَصُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّعَلُّقِ بِأسْمائِهِ بِكَسْرِ الجَنابِ والخُضُوعِ وذُلِّ العُبُودِيَّةِ، فَلا يُتَوَصَّلُ إلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَعْرِفَةِ إلّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الذُّلِّ، والكَسْرِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ سَيِّدِي عُمَرُ بْنُ الفارِضِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ الفائِضُ بِقَوْلِهِ:
ولَوْ كُنْتَ لِي مِن نُقْطَةِ الباءِ خَفْضَةً ∗∗∗ رُفِعْتَ إلى ما لَمْ تَنَلْهُ بِحِيلَةِ
بِحَيْثُ تَرى أنْ لا تَرى ما عَدَدْتَهُ ∗∗∗ وأنَّ الَّذِي أعْدَدْتَهُ غَيْرُ عُدَّةِ
فَإنَّ الخَفْضَ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَمَن خَفَضَهُ النَّظَرُ إلى ذُلِّ العُبُودِيَّةِ، رَفَعَهُ القَدَرُ إلى مُشاهَدَةِ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، ولا يُنالُ هَذا الرَّفْعُ بِحِيلَةٍ، بَلْ هو بِمَحْضِ المَوْهِبَةِ الإلَهِيَّةِ الجَلِيلَةِ، ومَن تَنَزَّلَ لِيَرْتَفِعَ، فَتَنَزُّلُهُ مَعْلُولٌ، وسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، انْتَهى.
وهُوَ أمْرٌ مَخْصُوصٌ بِباءِ البَسْمَلَةِ، لا يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ في باءِ الجَرِّ مُطْلَقًا، كَما لا يَخْفى، وعِنْدِي في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ الباءَ هي المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الألِفِ البَسِيطَةِ المُجَرَّدَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى سائِرِ المَراتِبِ، فَهي إشارَةٌ إلى الوُجُودِ الحَقِّ، والباءُ إمّا إشارَةٌ إلى صِفاتِهِ الَّتِي أظْهَرَتْها نُقْطَةُ الكَوْنِ، ولِذَلِكَ لَمّا قِيلَ لِلْعارِفِ الشِّبْلِيِّ: أنْتَ الشِّبْلِيُّ؟ فَقالَ: أنا النُّقْطَةُ تَحْتَ الباءِ، وقالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ:
الباءُ لِلْعارِفِ الشِّبْلِيِّ مُعْتَبَرٌ ∗∗∗ وفي نُقَيْطَتِها لِلْقَلْبِ مُدَّكَرُ
سِرُّ العُبُودِيَّةِ العَلْياءِ مازَجَها ∗∗∗ لِذاكَ نابَ مَنابَ الحَقِّ فاعْتَبِرُوا
ألَيْسَ يُحْذَفُ مِن بِسْمِ حَقِيقَتُهُ ∗∗∗ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ فَذا وِزْرُ
والصِّفاتُ إمّا جَمالِيَّةٌ أوْ جَلالِيَّةٌ، ولِلْأُولى السَّبْقُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ: «(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)،» وباءُ الجَرِّ إشارَةٌ إلَيْها، لِأنَّها الواسِطَةُ في الإضافَةِ، والإفاضَةِ، فَناسَبَها الكَسْرُ وخَفْضُ الجَناحِ لِيَتِمَّ الأمْرُ ويَظْهَرَ السِّرُّ، وفي الِابْتِداءِ بِها هُنا تَعْجِيلٌ لِلْبِشارَةِ، ورَمْزٌ إلى أنَّ المَدارَ هو الرَّحْمَةُ كَما قالَ ﷺ: «(لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، قِيلَ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: حَتّى أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ)،» وقَدْ تَدَرَّجَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإظْهارِها، فَرَمَزَ بِالباءِ وأشارَ بِاللَّهِ، وصَرَّحَ أتَمَّ تَصْرِيحٍ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأمّا إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، والتَّعَيُّنِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «(أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ )،» وبِواسِطَتِهِ حَصَلَتِ الإفاضَةُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ: لَوْلاكَ ما خَلَقْتُ الأفْلاكَ، ولِكَوْنِ الغالِبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لا سِيَّما عَلى مُؤْمِنِي الأُمَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ناسَبَ ظُهُورَ الكَسْرِ فِيما يُشِيرُ إلى مَرْتَبَتِهِ، وفي الِابْتِداءِ بِهِ هُنا رَمْزٌ إلى صِفَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ والدّاعِي إلى اللَّهِ، وفي ذَلِكَ مَعَ بَيانِ صِفَةِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ تَشْوِيقٌ تامٌّ، وتَرْغِيبٌ عَظِيمٌ، وقَدْ تَدَرَّجَ أيْضًا جَلَّ شَأْنُهُ في وصْفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ واكْتَفى بِالرَّمْزِ هَهُنا لِعَدَمِ ظُهُورِ الآثارِ بَعْدُ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْهَمِلُ، وما مِن سُورَةٍ إلّا افْتَتَحَها
صفحة 52
الرَّبُّ بِالرَّمْزِ إلى حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَعْظِيمًا لَهُ، وبِشارَةً لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، ولَمّا كانَ الجَلالُ في سُورَةِ بَراءَةٌ ظاهِرًا، تَرَكَ الإشارَةَ بِالبَسْمَلَةِ، وأتى بِباءٍ مَفْتُوحَةٍ لِتَغَيُّرِ الحالِ، وإرْخاءِ السِّتْرِ عَلى عَرائِسِ الجَمالِ، ولَمْ يَتْرُكْ سُبْحانَهُ وتَعالى الرَّمْزَ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَسَعُنا الإفْصاحُ بِأكْثَرَ مِن هَذا في هَذا البابِ خَوْفًا مِن قالِ أرْبابِ الحِجابِ، وخَلْفَهُ سِرٌّ جَلِيلٌ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
والِاسْمُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ العَشَرَةِ الَّتِي بُنِيَتْ أوائِلُها عَلى السُّكُونِ، وهِيَ: ابْنٌ، وابْنَةٌ، وابْنُمٌ، واسْمٌ، واسْتٌ، واثْنانِ، واثْنَتانِ، وامْرُؤٌ، وامْرَأةٌ، وايْمُنُ اللَّهِ، وايْمُ اللَّهِ مِنهُ، وإلّا فَأحَدَ عَشَرَ إنِ اعْتُدَّ بِابْنِمٍ، فَإذا نَطَقُوا بِها زادُوا هَمْزَةً لِبَشاعَةِ الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ غَيْرِ المَدّاتِ عِنْدَهُمْ، وفِيها يَمْتَنِعُ، والأمْرُ ذَوْقِيٌّ، وهو مِمّا حُذِفَ عَجُزُهُ، كَيَدٍ، وما عَدا الثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ مِمّا تَقَدَّمَ.
وأصْلُهُ سُمُوٌّ، حُذِفَتِ الواوُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ، وسُكِّنَ السِّينُ وحُرِّكَ المِيمُ، واجْتُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ فَوَزْنُهُ افْعٌ، وتَصْرِيفُهُ إلى أسْماءٍ، وسُمَيٍّ وسُمِّيَتْ دُونَ أوْسامٍ ووَسِيمٍ، ووَسَمْتُ يَشْهَدُ لَهُ، والجَرْحُ بِالقَلْبِ لا يُقْبَلُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ، كالعُلُوِّ، لِأنَّهُ لِدِلالَتِهِ عَلى مُسَمّاهُ يُعْلِيهِ مِن حَضِيضِ الخَفاءِ إلى ذُرْوَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِنَ السِّمَةِ، لِأنَّهُ عَلامَةٌ عَلى مُسَمّاهُ، وأصْلُهُ وسْمٌ، فَحُذِفَتِ الواوُ وعَوَّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ، وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ، فَوَزْنُهُ اعْلٌ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ أنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ، وزِيادَةُ الإعْلالِ أقْيَسُ مِن عَدَمِ النَّظِيرِ، وأيْضًا كَوْنُها عِوَضًا يَقْتَضِي كَوْنَها مَقْصُودَةً لِذاتِها ووَصْلًا كَوْنُها مَقْصُودَةً تَبَعًا، والعِوَضُ كَجُزْءِ أصْلٍ دُونَ الوَصْلِ، فَما هو إلّا جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَلِذا قِيلَ: لا حَذْفٌ ولا تَعْوِيضٌ وإنَّما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةِ كَإعاءٍ وإشاحٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فَجُعِلَتْ هَمْزَتَهُ هَمْزَةَ وصْلٍ، وقَدْ تُقْطَعُ لِلضَّرُورَةِ، ورَجَحَ الأوَّلُ لِهاتَيِكَ الشَّهادَةِ، وفِيهِ لُغاتٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى ثَمانِيَ عَشْرَةَ، ونَظَمَها فَقالَ:
لِلِاسْمِ عَشْرُ لُغاتٍ مَعَ ثَمانِيَةْ ∗∗∗ بِنَقْلِ جَدِّي شَيْخِ النّاسِ أكْمَلِها
سْمٌ سِماتٌ سَمًا واسْمٌ وزِدْ سِمَةً ∗∗∗ كَذا سَماءٌ بِتَثْلِيثٍ لِأوَّلِها
هَذا، وقَدْ طالَ التَّشاجُرُ في أنَّ الِاسْمَ هَلْ هو عَيْنُ المُسَمّى أوْ غَيْرُهُ؟ فالأشاعِرَةُ عَلى الأوَّلِ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى الثّانِي، وقَدْ تَحَيَّرَ نَحارِيرُ الفُضَلاءِ في تَحْرِيرِ مَحَلِّ البَحْثِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حَرِيًّا بِهَذا التَّشاجُرِ، حَتّى قالَ مَوْلانا الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ: إنَّ هَذا البَحْثَ يَجْرِي مَجْرى العَبَثِ، وذَكَرَ وجْهًا ادَّعى لُطْفَهُ ودِقَّتَهُ، وقَدْ كَفانا الشِّهابُ مُؤْنَةَ رَدِّهِ، وقَدْ أرادَ السَّيِّدُ النِّحْرِيرُ في شَرْحِ المَواقِفِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ، ولِلسُّهَيْلِيِّ في ذَلِكَ كَلامٌ ادَّعى أنَّهُ الحَقُّ
صفحة 53
وصَنَّفَ في رَدِّهِ ابْنُ السَّيِّدِ رِسالَةً مُسْتَقِلَّةً وادَّعى الشِّهابُ أنَّهُ إلى الآنَ لَمْ يَتَحَرَّرْ، وأنَّهُ لَمْ يَرَ مَعَ سَعَةِ اطِّلاعِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما فِيهِ ثَلْجُ الصُّدُورِ ولا شِفاءُ الغَلِيلِ، ولَمْ يَأْتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في حَواشِيهِ عَلى البَيْضاوِيِّ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يُزِيحُ الإشْكالَ، ويُرِيحُ البالَ، وها أنا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ذاكِرٌ شَيْئًا إذا قُبِلَ فَهو غايَةُ ما أتَمَنّاهُ، وقَدْ يُوجَدُ في الإسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الإسْقاطِ، وإنْ رُدَّ فَقَدْ رُدَّ قَبْلِي كَلامُ أُلُوفٍ كُلٌّ مِنهم فَرْدٌ يُقابَلُ بِصُفُوفٍ.
وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الفاتحة 1:2
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
الفاتحة 1:3
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
الفاتحة 1:4
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
الفاتحة 1:5
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
الفاتحة 1:6
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
الفاتحة 1:7
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ
صفحة 34
أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ
صفحة 35
أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ
صفحة 36
مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً
صفحة 37
بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ
صفحة 38
لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
البقرة 2:1
2- سُورَةُ البَقَرَةِ
هَذا هو الِاسْمُ المَشْهُورُ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وهو مُعارِضٌ لِما رُوِيَ مِن مَنعِ ذَلِكَ، وتَعَيَّنَ أنْ يُقالَ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، وكَذا في سُوَرِ القُرْآنِ كُلِّهِ، ومِن ثَمَّةَ أجازَ الجُمْهُورُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُوَفَّقَ بِأنَّهُ كانَ مَكْرُوهًا في بَدْءِ الإسْلامِ لِاسْتِهْزاءِ الكُفّارِ، ثُمَّ بَعْدَ سُطُوعِ نُورِهِ نُسِخَ النَّهْيُ عَنْهُ، فَشاعَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ بَيانًا لِجَوازِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى هَذا، وكانَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ يُسَمِّيها فُسْطاطَ القُرْآنِ، ووَرَدَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، وذَلِكَ لِعَظَمِها، ولِما جُمِعَ فِيها مِنَ الأحْكامِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في غَيْرِها، حَتّى قالَ بَعْضُ الأشْياخِ: إنَّ فِيها ألْفَ أمْرٍ، وألْفَ نَهْيٍ، وألْفَ خَبَرٍ، قِيلَ: وفِيها خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، ولِهَذا أقامَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثَمانِيَ سِنِينَ عَلى تَعَلُّمِها، ووَرَدَ في حَدِيثِ المُسْتَدْرَكِ تَسْمِيَتُها سَنامَ القُرْآنِ، وسَنامُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاهُ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أيْضًا، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(أيُّ القُرْآنِ أفْضَلُ؟ فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سُورَةُ البَقَرَةِ، ثُمَّ قالَ: وأيُّها أفْضَلُ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: آيَةُ الكُرْسِيِّ)،» وهي مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: سِتٌّ وثَمانُونَ، وفِيها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وقَدْ نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ، يَوْمَ النَّحْرِ، ولا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِها مَدَنِيَّةً، كَما لا يَخْفى، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ الفاتِحَةِ أنَّ الفاتِحَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ الرُّبُوبِيَّةِ أوَّلًا، والعُبُودِيَّةِ ثانِيًا، وطَلَبِ الهِدايَةِ في المَقاصِدِ الدِّينِيَّةِ، والمَطالِبِ اليَقِينِيَّةِ ثالِثًا، وكَذا سُورَةُ البَقَرَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ أوَّلًا، كَما في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ وأمْثالِهِ، وعَلى العِباداتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها ثانِيًا، وعَلى طَلَبِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في العاجِلِ والآجِلِ آخِرًا، وأيْضًا في آخِرِ الفاتِحَةِ طَلَبُ الهِدايَةِ، وفي أوَّلِ البَقَرَةِ إيماءٌ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ولَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ الفاتِحَةَ بِالأمْرِ الظّاهِرِ، وكانَ وراءَ كُلِّ ظاهِرٍ باطِنٌ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما بَطَنَ سِرُّهُ وخَفِيَ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى أمْرُهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿الم﴾ هي وسائِرُ الألْفاظِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها (كَبا تا ثا)، أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها الكَلِمَةُ لِصِدْقِ حَدِّ الِاسْمِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، واعْتِوارِ خَواصِّهِ المُجْمَعِ عَلَيْها عَلى كُلٍّ مِنها، ويُحْكى عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَألَ أصْحابَهُ: كَيْفَ تَنْطِقُونَ في الباءِ مِن: ضَرَبَ، والكافِ مِن: لَكَ؟ فَقالُوا: باءٌ كافٌ، فَقالَ: إنَّما جِئْتُمْ بِالِاسْمِ لا الحَرْفِ
صفحة 99
وأنا أقُولُ: (بَهْ – كَهْ)، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «(مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، لا أقُولُ: (الم) حَرْفٌ، ولَكِنْ ألِفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ ومِيمٌ حَرْفٌ)،» فالمُرادُ بِهِ غَيْرُ المُصْطَلَحِ، إذْ هو عُرْفٌ جَدِيدٌ، بَلِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، وهو واحِدُ حُرُوفِ المَبانِي، فَمَعْنى: (ألِفٌ حَرْفٌ) إلَخْ، مُسَمّى ألِفٍ، وهَكَذا، ولَعَلَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَمّى ذَلِكَ حَرْفًا بِاسْمِ مَدْلُولِهِ، فَهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ، وما قِيلَ: إنَّهُ سَمّاهُ حَرْفًا مَجازًا لِكَوْنِهِ اسْمَ الحَرْفِ، وإطْلاقُ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَلى الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنْ أُرِيدَ مِن (ألَمْ) مُفْتَتَحَ سُورَةِ الفِيلِ، يَكُونُ المُرادُ أيْضًا مِنهُ مُسَمّاهُ، وتَكُونُ الحَسَناتُ ثَلاثِينَ، وفائِدَةُ النَّفْيِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَرْفِ فِيمَن قَرَأ حَرْفًا الكَلِمَةَ، وإنْ أُرِيدَ نَحْوُ ما هُنا فالمُرادُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ عَدَدُ الحَسَناتِ حِينَئِذٍ تِسْعِينَ، وفائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ دَفْعُ أنْ يُرادَ بِالحَرْفِ الجُمْلَةُ المُسْتَقِلَّةُ، كَما في الإبانَةِ لِأبِي نَصْرٍ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ حَرْفٍ عارَضَ بِهِ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى: لا أقُولُ أنَّ مَجْمُوعَ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ: حَرْفٌ، بَلْ مُسَمّى كُلٍّ مِنها حَرْفٌ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الحُرُوفَ مِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءٌ، بِأنْ يُقابَلَ ألِفُ حَرْفٍ ولامُ حَرْفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في عَدَدِ الحَسَناتِ الحُرُوفُ المَقْرُوءَةُ الَّتِي هي المُسَمَّياتُ، سَواءٌ كانَتْ أجْزاءً لَها، أوْ لِكَلِماتٍ أُخَرَ، لا مِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءٌ لِتِلْكَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَدَدُ الحَسَناتِ في نَحْوِ ضَرْبِ ثَلاثِينَ.
والحاصِلُ أنَّ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ مِن حَيْثُ إنَّها مُسَمَّياتُ تِلْكَ الأسْماءِ أجْزاءٌ لِجَمِيعِ الكَلِمِ مُفْرَدَةً بِقِراءَتِها، ومِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءُ تِلْكَ الأسْماءِ لا تَكُونُ مُفْرَدَةً إلّا عِنْدَ قِراءَةِ تِلْكَ الأسْماءِ، والمُعْتَبَرُ في عَدَدِ الحَسَناتِ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي، ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ إنَّهم راعَوْا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَطِيفَةً حَيْثُ جَعَلُوا المُسَمّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، كَما قالَهُ ابْنُ جِنِّي، وذَلِكَ لِيَكُونَ تَأْدِيَتُها بِالمُسَمّى أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جِيمٌ، فَأوَّلُ حُرُوفِهِ جِيمٌ، وإذا قُلْتَ: ألِفٌ، فَأوَّلُ حُرُوفِهِ ألِفٌ، الَّتِي نَطَقْتَ بِها هَمْزَةً، ولَمّا لَمْ يُمْكِنْ لِلْواضِعِ أنْ يَبْتَدِئَ بِالألِفِ الَّتِي هي مَدَّةٌ ساكِنَةٌ دَعَمَها بِاللّامِ قَبْلَها مُتَحَرِّكَةً لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِها، فَقالُوا: لا كَما - لا - كَما يَقُولُهُ المُعَلِّمُونَ لامٌ ألِفٌ، فَإنَّهُ خَطَأٌ، وخُصَّ اللّامُ بِالدِّعامَةِ لِأنَّهم تَوَصَّلُوا إلى اللّامِ بِأُخْتِها في التَّعْرِيفِ، فَكَأنَّهم قَصَدُوا ضَرْبًا مِنَ المُعارَضَةِ، فالألِفُ هي أوَّلُ حَرْفِ المُعْجَمِ صُورَةُ الهَمْزَةِ في الحَقِيقَةِ، ويُضاهِي هَذا في إيداعِ اللَّفْظِ دِلالَةً عَلى المَعْنى البَسْمَلَةُ، والحَمْدَلَةُ، والحَوْقَلَةُ، وتَسْمِيَةُ النُّحاةِ نَحْتًا، وحُكْمُ أسْماءِ الحُرُوفِ سُكُونُ الأعْجازِ ما لَمْ تَكُنْ مَعْمُولَةً، وهَلْ هي مُعْرَبَةٌ أمْ مَبْنِيَّةٌ أمْ لا؟ ولا خِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ المُعْرَبِ والمَبْنِيِّ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ، ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ، والبَحْثُ مُسْتَوْفًى في كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في شَأْنِ أوائِلِ السُّوَرِ، والَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّها أسْماءٌ لَها، وسُمِّيَتْ بِها إشْعارًا بِأنَّها كَلِماتٌ مَعْرُوفَةُ التَّرْكِيبِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَ مُعارَضَتِها، وذَلِكَ كَما سَمَّوْا بِلامٍ والِدَ حارِثَةَ بْنِ لامٍ الطّائِيِّ، وبِصادٍّ النَّحّاسَ، وبِقافٍ الجَبَلَ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ، والتَّكَلُّمِ بِالزِّنْجِيِّ، مَعَ العَرَبِيِّ، ولَمْ يَكُنِ القُرْآنُ بِأسْرِهِ بَيانًا وهُدًى، ولَما أمْكَنَ التَّحَدِّي بِهِ، وإنْ كانَتْ مُفْهِمَةً، فَأمّا أنْ يُرادَ بِها السُّوَرُ الَّتِي هي مُسْتَهَلُّها عَلى أنَّها ألْقابُها بِناءً عَلى ذَلِكَ الإشْعارِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما وُضِعَتْ لَهُ في لُغَةِ العَرَبِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ غَيْرُهُ، وهو باطِلٌ، لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
صفحة 100
فَلا يُحْمَلُ عَلى ما لَيْسَ في لُغَتِهِمْ، وعُورِضَ بِوُجُوهٍ، الأوَّلُ أنّا نَجِدُ سُوَرًا كَثِيرَةً افْتُتِحَتْ بِـ(الم)، و(حم)، والمَقْصُودُ رَفْعُ الِاشْتِباهِ، الثّانِي لَوْ كانَتْ أسْماءً لَوَرَدَتْ، ولاشْتَهَرَتْ بِها، والشُّهْرَةُ بِخِلافِها كَسُورَةِ البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، الثّالِثُ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَتَجاوَزْ ما سَمَّوْا بِهِ مَجْمُوعَ اسْمَيْنِ كَبَعْلَبَكَّ، ولَمْ يُسَمِّ أحَدٌ مِنهم بِمَجْمُوعِ ثَلاثَةِ أسْماءِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ، فالقَوْلُ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ خُرُوجٌ عَنْ لُغَتِهِمُ، الرّابِعُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى اتِّحادِ الِاسْمِ والمُسَمّى، الخامِسُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ داخِلَةٌ في السُّوَرِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، واسْمُ الشَّيْءِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا مُتَأخِّرًا مَعًا، وهو مُحالٌ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِما يُجابُ عَنِ الأعْلامِ المُشْتَرَكَةِ مِن أنَّها لَيْسَتْ بِوَضْعٍ واحِدٍ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(يس قَلْبُ القُرْآنِ)،» و«(مَن قَرَأ (حم) حُفِظَ إلى أنْ يُصْبِحَ)،» وفي السُّنَنِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَجَدَ في (ص)،» وإذا ثَبَتَ في البَعْضِ ثَبَتَ في الجَمِيعِ، إذْ لا فارِقَ مَعَ أنَّ شُهْرَةَ أحَدِ العَلَمَيْنِ لا يَضُرُّ عَلَمِيَّةَ الآخَرِ، فَكَمْ مِن مُسَمًّى لا يُعْرَفُ اسْمُهُ إلّا بَعْدَ التَّنْقِيرِ لِاشْتِهارِهِ بِغَيْرِهِ كَأبِي هُرَيْرَةَ، وذِي اليَدَيْنِ، وعَدَمُ اشْتِهارِ بَعْضِها لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فَتُرِكَ لِاحْتِياجِهِ إلى ضَمِيمَةٍ، كَـ(الم) هُنا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ مَثَلًا إنَّما تَمْتَنِعُ إذا رُكِّبَتْ، وجُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا، فَأمّا إذا نُثِرَتْ نَثْرَ أسْماءِ الأعْدادِ فَلا، لِأنَّها مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِما حَقُّهُ أنْ يُحْكى.
وقَدْ ورَدَتِ التَّسْمِيَةُ بِثَلاثَةِ ألْفاظٍ، كَشابَ قَرْناها، وسُرَّ مَن رَأى، ودارَبَجَرْدَ، وسِوى سِيبَوَيْهِ بَيَّنَ التَّسْمِيَةَ بِالجُمْلَةِ، والبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ، وطائِفَةٍ مِن أسْماءِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ مِن تَسْمِيَةِ مُؤَلَّفٍ بِمُفْرَدٍ، والمُفْرَدُ غَيْرُ المُؤَلَّفِ، فَلا اتِّحادَ، ألا تَرى أنَّهم جَعَلُوا اسْمَ الحَرْفِ مُؤَلَّفًا مِنهُ ومِن غَيْرِهِ، (كَصادٍ)، فَهُما مُتَغايِرانِ ذاتًا وصِفَةً، وعَنِ الخامِسِ بِأنَّ تَأخُّرَ ما هو مُتَقَدِّمٌ بِاعْتِبارِ آخَرَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، والجُزْءُ مُقَدَّمٌ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُؤَخَّرٌ مِن حَيْثُ وصْفِهِ، وهو الِاسْمِيَّةُ، فَلا مَحْذُورَ، وقالَ بَعْضُهم: كَوْنُها أسْماءَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِظُهُورِهِ وعَدَمِ التَّجَوُّزِ فِيهِ، وسَلامَتِهِ، مِمّا يَرُدُّ عَلى غَيْرِهِ، ولِأنَّهُ الأمْرُ المُحَقَّقُ، وأوْفَقُ لِلَطائِفِ التَّنْزِيلِ لِدَلالَتِهِ عَلى الإعْجازِ قَصْدًا، ووُقُوعُ الِاشْتِراكِ في الأعْلامِ مِن واضِعٍ واحِدٍ، فَإنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْضِ عَلى ما هو مَقْصُودُ العَلَمِيَّةِ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ لَيْسَ نَصًّا فِيها لِاحْتِمالِ أنَّهم أرادُوا أنَّها جارِيَةٌ مَجْراها، كَما يَقُولُونَ: قَرَأْتُ: بانَتْ سُعادُ، و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ أيْ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ، فَلَمّا غَلَبَ جَرَيانُها عَلى الألْسِنَةِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ الأعْلامِ الغالِبَةِ، فَذُكِرَتْ في بابِ العَلَمِ، وأُثْبِتَتْ لَها أحْكامُهُ، عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ، إذْ عَدَمُ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ في كَلامِ العَرَبِ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، وما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مُجَرَّدُ قِياسٍ مُحْتاجٍ لِلْإثْباتِ، كَما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ، هَذا ووَراءَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أقْوالٌ أخْشى مِن نَقْلِها المَلالَ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ عَلَمٌ مَسْتُورٌ وسِرٌّ مَحْجُوبٌ عَجَزَتِ العُلَماءُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ إدْراكِهِ، وقَصُرَتْ خُيُولُ الخَيالِ عَنْ لَحاقِهِ، ولِهَذا قالَ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لِكُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّ القُرْآنِ أوائِلُ السُّوَرِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: سِرُّ اللَّهِ تَعالى، فَلا تَطْلُبُوهُ
بَيْنَ المُحِبِّينَ سِرٌّ لَيْسَ يُفْشِيهِ قَوْلٌ ولا قَلَمٌ لِلْخَلْقِ يَحْكِيهِ
فَلا يَعْرِفُهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا الأوْلِياءُ الوَرَثَةُ، فَهم يَعْرِفُونَهُ مِن تِلْكَ الحَضْرَةِ، وقَدْ تَنْطِقُ لَهُمُ الحُرُوفُ عَمّا فِيها، كَما كانَتْ تَنْطِقُ لِمَن سَبَّحَ بِكَفِّهِ الحَصى، وكَلَّمَهُ الضَّبُّ والظَّبْيُ، كَما صَحَّ ذَلِكَ مِن رِوايَةِ أجْدادِنا أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ مَتى جَنى العَبْدُ ثَمَرَةَ شَجَرَةِ قُرَبِ النَّوافِلِ عَلِمَها، وغَيْرَها بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، وما ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ سابِقًا مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ إلَخْ، فَمُهْمَلٌ مِنَ القَوْلِ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ لِأنَّهُ إنْ أرادَ إفْهامَ جَمِيعِ النّاسِ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَلَمِيَّةِ، وإنْ أرادَ إفْهامَ
صفحة 101
المُخاطَبِ بِها، وهو هُنا الرَّسُولُ ﷺ، فَهو مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ مُؤْمِنٌ، وإنْ أرادَ جُمْلَةً مِنَ النّاسِ فَيا حَيْهَلا، إذْ أرْبابُ الذَّوْقِ يَعْرِفُونَها، وهم كَثِيرُونَ في المُحَمَّدِيِّينَ والحَمْدُ لِلَّهِ
نُجُومُ سَماءٍ كُلَّما انْقَضَّ كَوْكَبٌ ∗∗∗ بَدا كَوْكَبٌ تَأوِي إلَيْهِ كَواكِبُهُ
وجَهْلُ أمْثالِنا بِالمُرادِ مِنها لا يَضُرُّ فَإنَّ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي كُلِّفْنا بِها ما لا نَعْرِفُ وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ، كَرَمْيِ الجَمَراتِ، والسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، والرَّمْلِ والِاضْطِّباعِ، والطّاعَةُ في مِثْلِهِ أدَلُّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ، ونِهايَةِ التَّسْلِيمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَنا مَن لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ جَلَّ شَأْنُهُ بِما لَمْ نَقِفْ عَلى مَعْناهُ مِنَ الأقْوالِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ ظُهُورَ كَمالِ الِانْقِيادِ مِنَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ، ونِهايَةَ التَّسْلِيمِ، والِامْتِثالِ لِلْحَكِيمِ القادِرِ.
لَوْ قالَ تِيهًا قِفْ عَلى جَمْرِ الغَضى ∗∗∗ لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلًا ولَمْ أتَوَقَّفِ
عَلى أنَّ فِيهِ فائِدَةً أُخْرى هي أنَّ الإنْسانَ إذا وقَفَ عَلى المَعْنى، وأحاطَ بِهِ سَقَطَ وقْعُهُ عَنِ القَلْبِ، وإذا لَمْ يَقِفْ عَلى المَقْصُودِ مِنهُ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِهِ حَكِيمٌ، فَإنَّهُ يَبْقى قَلْبُهُ إلَيْهِ أبَدًا، ومُتَلَفِّتًا نَحْوَهُ سَرْمَدًا، ومُتَفَكِّرًا فِيهِ، وطائِرًا إلى وكْرِهِ بِقُدّامَيْ ذِهْنِهِ، وخَوافِيهِ، وبابُ التَّكْلِيفِ اشْتِغالُ السِّرِّ بِذِكْرِ المَحْبُوبِ، والتَّفَكُّرُ فِيهِ، وفي كَلامِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَقاءِ العَبْدِ مُلْتَفِتَ الذِّهْنِ مُشْتَغِلَ الخاطِرِ بِذَلِكَ أبَدًا مَصْلَحَةً عَظِيمَةً، ومِنَّةً مِنهُ عَلَيْهِ جَسِيمَةً، رُبَّما يَرْقى بِواسِطَتِها إلى حَظائِرِ القُدْسِ ومَعالِمِ الأُنْسِ، وأوَّلُ العِشْقِ خَيالٌ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ القُرْآنِ عَرَبِيًّا مُبِينًا مَثَلًا لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَلِمْتَ.
وأمّا التَّحَدِّي فَلَيْسَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وكَوْنُ أوَّلِ السُّورَةِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِمّا يُتَحَدّى بِهِ غَيْرُ مُسْلِمٍ، ومِن عَجائِبِ هَذِهِ الفَواتِحِ أنَّها نِصْفُ حُرُوفِ المُعْجَمِ، عَلى قَوْلٍ، وهي مَوْجُودَةٌ في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً عَدَدِ الحُرُوفِ كُلِّها، عَلى قَوْلٍ، واشْتَمَلَتْ عَلى أنْصافِ أصْنافِها مِنَ المَهْمُوسَةِ والمَجْهُورَةِ، والشَّدِيدَةِ والمُطْبَقَةِ والمُسْتَعْلِيَةِ والمُنْخَفِضَةِ، وحُرُوفِ القَلْقَلَةِ، وقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ عَلى سِرِّ عَدَدِ حُرُوفِها بِالتَّكْرارِ، وعَدَدِ حُرُوفِها بِغَيْرِ تَكْرارٍ، وعَلى جُمْلَتِها في السُّوَرِ، وعَلى إفْرادِها في (ص) و(ق) و(ن)، وتَثْنِيَتِها في (يس) و(طه)، وأخَواتِهِما، وجَمْعِها مِن ثَلاثَةٍ فَصاعِدًا، ولِمَ بَلَغَتْ خَمْسَ حُرُوفٍ، ولِمَ وُصِلَ بَعْضُها وقُطِعَ بَعْضٌ، فَقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ أعادَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن طِيبِ نَفَحاتِهِ ما حَصَّلَهُ: اعْلَمْ أنَّ مَبادِيَ السُّوَرِ المَجْهُولَةِ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا أهْلُ الصُّوَرِ المَعْقُولَةِ، فَجَعَلَها تَبارَكَ وتَعالى تِسْعًا وعِشْرِينَ سُورَةً، وهو كَمالُ الصُّورَةِ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ والتّاسِعُ والعِشْرُونَ القُطْبُ الَّذِي بِهِ قِوامُ الفَلَكِ، وهو عِلَّةُ وُجُودِهِ، وهو سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ﴾ ولَوْلا ذَلِكَ ما ثَبَتَتِ الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ، وجُمْلَتُها عَلى تَكْرارِ الحُرُوفِ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ حَرْفًا، فالثَّمانِيَةُ حَقِيقَةُ البِضْعِ، قالَ: (الإيمانِ بِضْعٌ وسَبْعُونَ)، وهَذِهِ الحُرُوفُ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ، فَلا يُكْمِلُ عَبْدٌ أسْرارَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمَ حَقائِقَ هَذِهِ الحُرُوفِ في سُوَرِها، كَما أنَّهُ إذا عَلِمَها مِن غَيْرِ تَكْرارٍ عَلِمَ تَنْبِيهَ اللَّهِ فِيها عَلى حَقِيقَةِ الإيجادِ، وتَفَرَّدَ القَدِيمُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفاتِهِ الأزَلِيَّةِ فَأرْسَلَها في قُرْآنِهِ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مُفْرَدَةً مُبْهَمَةً، فَجَعَلَ الثَّمانِيَةَ لِمَعْرِفَةِ الذّاتِ، والسَّبْعَ الصِّفاتِ مِنّا، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ لِلطَّبائِعِ المُؤَلَّفَةِ، فَجاءَتِ اثْنَتا عَشْرَةَ مَوْجُودَةً، وهَذا الإنْسانُ مِن هَذا الفَلَكِ، ومِن فَلَكٍ آخَرَ مُتَرَكِّبٍ مِن أحَدَ عَشَرَ، ومِن عَشَرَةٍ، ومِن تِسْعَةٍ، ومِن ثَمانِيَةٍ حَتّى يَصِلَ إلى فَلَكِ الِاثْنَيْنِ، ولا يَتَحَلَّلُ إلى الأحَدِيَّةِ أبَدًا، فَإنَّها مِمّا انْفَرَدَ بِها الحَقُّ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ أوَّلَها الألِفَ في الخَطِّ، والهَمْزَةَ في اللَّفْظِ، وآخِرَها النُّونَ، فالألِفُ لِوُجُودِ الذّاتِ عَلى كَمالِها، لِأنَّها غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلى حَرَكَةٍ، والنُّونُ لِوُجُودِ الشَّطْرِ مِنَ العالَمِ، وهو عالَمُ التَّرْكِيبِ، وذَلِكَ نِصْفُ الدّائِرَةِ الظّاهِرَةِ لَنا مِنَ الفَلَكِ، والنِّصْفُ الآخَرُ النُّونُ المَعْقُولَةُ عَلَيْها الَّتِي لَوْ ظَهَرَتْ لِلْحِسِّ وانْتَقَلَتْ إلى عالَمِ الرُّوحِ لَكانَتْ دائِرَةً مُحِيطَةً، ولَكِنْ أخْفى هَذِهِ النُّونَ الرُّوحانِيَّةَ الَّتِي بِها كَمالُ الوُجُودِ، وجُعِلَتْ نُقْطَةُ النُّونِ المَحْسُوسَةُ دالَّةً عَلَيْها،
صفحة 102
فالألِفُ كامِلَةٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِها، والنُّونُ ناقِصَةٌ، فالشَّمْسُ كامِلَةٌ، والقَمَرُ ناقِصٌ، لِأنَّهُ مَحْوٌ، فَصِفَةُ ضَوْئِهِ مُعارَةٌ، وهي الأمانَةُ الَّتِي حَمَلَها، وعَلى قَدْرِ مَحْوِهِ وسِرارِهِ إثْباتُهُ وظُهُورُهُ ثَلاثَةً لِثَلاثَةٍ، فَثَلاثَةٌ غُرُوبُ القَمَرِ القَلْبِيِّ الإلَهِيِّ في الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ، وثَلاثَةٌ طُلُوعُ القَمَرِ القَلْبِيِّ الإلَهِيِّ في الحَضْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وما بَيْنَهُما في الخُرُوجِ والرُّجُوعِ قَدَمًا بِقَدَمٍ، لا يَخْتَلُّ أبَدًا، ثُمَّ جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الحُرُوفَ عَلى مَراتِبَ مِنها مَوْصُولٌ، ومِنها مَقْطُوعٌ، ومِنها مُفْرَدٌ، ومُثَنًّى ومَجْمُوعٌ، ثُمَّ نَبَّهَ أنَّ في كُلِّ وصْلٍ قَطْعًا، ولَيْسَ في كُلِّ قَطْعٍ وصْلٌ، فَكُلُّ وصْلٍ يَدُلُّ عَلى فَصْلٍ، ولَيْسَ كُلُّ فَصْلٍ يَدُلُّ عَلى وصْلٍ، والوَصْلُ والفَصْلُ في الجَمْعِ، وغَيْرِ الجَمْعِ، والفَصْلُ وحْدَهُ في عَيْنِ الفَرْقِ، فَما أفْرَدَهُ مِن هَذا فَإشارَةٌ إلى فَناءِ رَسْمِ العَبْدِ، أزَلًا، أوْ ما أثْبَتَهُ فَإشارَةٌ إلى وُجُودِ رَسْمِ العُبُودِيَّةِ حالًا، وما جَمَعَهُ فَإشارَةٌ إلى الأبَدِ بِالمَوارِدِ الَّتِي لا تَتَناهى، والإفْرادُ لِلْبَحْرِ الأزَلِيِّ، والجَمْعُ لِلْبَحْرِ الأبَدِيِّ، والمُثَنّى لِلْبَرْزَخِ المُحَمَّدِيِّ الإنْسانِيِّ، والألِفُ فِيما نَحْنُ فِيهِ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، والمِيمُ إشارَةٌ إلى المُلْكِ الَّذِي لا يَبِيدُ، واللّامُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِيَكُونَ بَيْنَهُما رابِطَةٌ، فانْظُرْ إلى السَّطْرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الخَطُّ مِنَ اللّامِ، فَتَجِدُ الألِفَ إلَيْهِ يَنْتَهِي أصْلُها وتَجِدُ المِيمَ مِنهُ يَبْتَدِئُ نَشْؤُها، ثُمَّ تَنْزِلُ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وهو مَوْضِعُ السَّطْرِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ مُنْتَهى تَعْرِيفِ المِيمِ، ونُزُولُ الألِفِ إلى السَّطْرِ مِثْلُ قَوْلِهِ: «(يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا)،» وهو أوَّلُ عالَمِ التَّرْكِيبِ، لِأنَّهُ سَماءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَلِيهِ فَلَكُ النّارِ، فَلِذَلِكَ نَزَلَ إلى أوَّلِ السَّطْرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَلَ مِن مَقامِ الأحَدِيَّةِ إلى مَقامِ إيجادِ الخَلِيفَةِ نُزُولَ تَقَدُّسِ وتَنْزِيهٍ، لا نُزُولَ تَمْثِيلٍ وتَشْبِيهٍ، وكانَتِ اللّامُ واسِطَةً، وهي نائِبَةٌ مَنابَ المُكَوَّنِ، والكَوْنِ فَهي القُدْرَةُ الَّتِي عَنْها وُجِدَ العالَمُ، فَأشْبَهَتِ الألِفَ في النُّزُولِ إلى أوَّلِ السَّطْرِ، ولَمّا كانَتْ مُمْتَزِجَةً مِنَ المُكَوَّنِ والكَوْنِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتَّصِفُ بِالقُدْرَةِ عَلى نَفْسِهِ، وإنَّما هو قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ، فَكانَ وجْهُ القُدْرَةِ مَصْرُوفًا إلى الخَلْقِ فَلا بُدَّ مِن تَعَلُّقِها بِهِمْ، ولَمّا كانَتْ حَقِيقَتُها لا تَتِمُّ بِالوُصُولِ إلى السَّطْرِ، فَتَكُونُ هي والألِفُ عَلى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، طَلَبَتْ بِحَقِيقَتِها النُّزُولَ تَحْتَ السَّطْرِ، أوْ عَلَيْهِ، كَما نَزَلَ المِيمُ، فَنَزَلَتْ إلى إيجادِهِ، ولَمْ تَتَمَكَّنْ أنْ تَنْزِلَ عَلى صُورَتِهِ، فَكانَ لا يُوجَدُ عَنْها إلّا المِيمُ، فَنَزَلَتْ نِصْفَ دائِرَةٍ حَتّى بَلَغَتْ إلى السَّطْرِ مِن غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنها، فَصارَتْ نِصْفَ فَلَكٍ مَحْسُوسٍ، تَطْلُبُ نِصْفَ فَلَكٍ مَعْقُولٍ، فَكانَ مِنهُما فَلَكٌ دائِرٌ، فَكانَ العالَمُ كُلُّهُ في سِتَّةِ أيّامٍ أجْناسًا مِن أوَّلِ يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وبَقِيَ يَوْمُ السَّبْتِ لِلِانْتِقالِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، فَصارَ (الم) فَلَكًا مُحِيطًا مِن ورائِهِ عِلْمُ الذّاتِ، والصِّفاتِ، والأفْعالِ، والمَفْعُولاتِ، فَمَن قَرَأها بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ حَضَرَ بِالكُلِّ لِلْكُلِّ مَعَ الكُلِّ، إلى آخِرِ ما قالَ، وذَكَرَ في كِتابِ (الإسْرا إلى المَقامِ الأسْرى) ما يُشِيرُ إلى دَقائِقِ أفْكارٍ وخَفايا أسْرارٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى أعْدادِ الحُرُوفِ، وهي ثَلاثَةُ آلافٍ، وخَمْسُمِائَةٍ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، وأوَّلُ التَّفْصِيلِ مِن نُوحٍ إلى إشْراقِ يُوحٍ، ثُمَّ إلى آخِرِ التَّرْكِيبِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الكَلِمَةُ والرُّوحُ، فَبَعْدَ عَدَدِهِ تَضْرِبُهُ وتَجْمَعُهُ، وتَحُطُّ مِنهُ طَرْحًا، وتَضَعُهُ يَبْدُو لَكَ تَمامُ الشَّرِيعَةِ، حَتّى إلى انْخِرامِ الطَّبِيعَةِ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ ما رَواهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَخْرَجَ وقْعَةَ مُعاوِيَةَ مِن (حمسعق)، واسْتَخْرَجَ أبُو الحَكَمِ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ بَرَّجانَ في تَفْسِيرِهِ فَتْحَ بَيْتِ المَقْدِسِ سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وخَمْسِمِائَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وذَكَرَ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ كَيْفِيَّةَ اسْتِخْراجِ ذَلِكَ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وهو أنْ تَأْخُذَ عَدَدَ (الم) بِالجَزْمِ الصَّغِيرِ، فَيَكُونُ ثَمانِيَةً، وتَجْمَعَها إلى ثَمانِيَةِ البِضْعِ في الآيَةِ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ فَتُزِيلَ الواحِدَ الَّذِي لِلْألِفِ لِلْأُسِّ فَتَبْقى خَمْسَةَ عَشَرَ فَتُمْسِكَها عِنْدَكَ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلى العَمَلِ في ذَلِكَ بِالجُمَّلِ الكَبِيرِ، وهو الجَزْمُ فَتَضْرِبُ ثَمانِيَةَ البِضْعِ في أحَدٍ وسَبْعِينَ، واجْعَلْ ذَلِكَ كُلَّهُ سِنِينَ، يَخْرُجُ لَكَ في الضَّرْبِ خَمْسُمِائَةٍ وثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ سَنَةً، فَتُضِيفَ إلَيْها الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي مَسَكْتَها عِنْدَكَ، فَتَصِيرُ ثَلاثَةً وثَمانِينَ وخَمْسَمِائَةِ
صفحة 103
سَنَةٍ، وهو زَمانُ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى قِراءَةِ (غَلَبَتْ) بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ، و(سَيُغْلَبُونَ) بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ اللّامِ انْتَهى، وإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ السِّرُّ الأعْظَمُ، والبَحْرُ الخِضَمُّ، والنُّورُ الأتَمُّ.
صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوًا ∗∗∗ ونُورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسْمُ
(فاعْلَمْ) أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ النّاسُ فِيها رَشْفَةٌ مِن بِحارِ مَعانِيها، ومَنِ ادَّعى قَصْرًا فَمِن قُصُورِهِ، أوْ زَعَمَ أنَّهُ أتى بِكَثِيرٍ فَمِن قِلَّةِ نُورِهِ، والعارِفُ يَقُولُ بِانْدِماجِ جَمِيعِ ما ذَكَرُوهُ في صَدَفِ فَوائِدِها، وامْتِزاجِ سائِرِ ما سَطَرُوهُ في طِمْطامِ فَوائِدِها، فَإنْ شِئْتَ فَقُلْ كَما أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هاتِيكَ الأسْرارِ يُشِيرُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها إلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: أتى بِها هَكَذا لِتَكُونَ كالإيقاظِ، وقَرْعِ العَصا لِمَن تَحَدّى بِالقُرْآنِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: جاءَتْ كَذَلِكَ لِيَكُونَ مَطْلَعُ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مُسْتَقِلًّا بِضَرْبٍ مِنَ الغَرابَةِ أُنْمُوذَجًا لِما في الباقِي مِن فُنُونِ الإعْجازِ، فَإنَّ النُّطْقَ بِأنْفَسِ الحُرُوفِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ، وإنْ كانَ عَلى طَرْفِ الثُّمامِ يَتَناوَلُهُ الخَواصُّ والعَوامُّ، لَكِنَّ التَّلَفُّظَ بِأسْمائِها إنَّما يَتَأتّى مِمَّنْ دَرَسَ، وخَطَّ، وأمّا مَن لَمْ يَحُمْ حَوْلَ ذَلِكَ قَطُّ، فَأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، وأبْعَدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ، ولا سِيَّما إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، وأُسْلُوبٍ غَرِيبٍ مُنْبِئٍ عَنْ سِرٍّ سِرِّيٍّ مَبْنِيٍّ عَلى نَهْجٍ عَبْقَرِيٍّ، بِحَيْثُ يَحارُ فِيهِ أرْبابُ العُقُولِ، ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ ألْبابُ الفُحُولِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ فِيها جَلْبٌ لِإصْغاءِ الأذْهانِ، وإلْجامُ كُلِّ مَن يَلْغُو مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما لَمْ يَفْهَمُوهُ مِن هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ تَرَكُوا اللَّغَطَ، وتَوَفَّرَتْ دَواعِيهِمْ لِلنَّظَرِ في الأمْرِ المُناسِبِ بَيْنَ حُرُوفِ الهِجاءِ الَّتِي جاءَتْ مُقَطَّعَةً، وبَيْنَ ما يُجاوِرُها مِنَ الكَلِمِ رَجاءَ أنَّهُ رُبَّما جاءَ كَلامٌ يُفَسِّرُ ذَلِكَ المُبْهَمَ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ المُشْكِلَ، وفي ذَلِكَ رَدُّ شَرٍّ كَثِيرٍ مِن عِنادِهِمْ، وعُتُوِّهِمْ، ولَغْوِهِمُ الَّذِي كانَ إذْ ذاكَ يَظْهَرُ مِنهُمْ، وفي ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، ومِنَّةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّ بَعْضَ مُرَكَّباتِها بِالمَعْنى الَّذِي يَفْهَمُهُ أهْلُ اللَّهِ تَعالى مِنها، يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَيَجْرِي ما رُوِيَ عَنْعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: يا كهيعص، ويا حم عسق، عَلى ظاهِرِهِ، وإنْ أبَيْتَ فَقُلِ المُرادُ يا مُنَزِّلَهُما، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ، حَدِّثْ عَنِ البَحْرِ ولا حَرَجَ.
وعِنْدِي فِيما نَحْنُ فِيهِ لَطائِفُ، وسُبْحانَ مَن لا تَتَناهى أسْرارُ كَلامِهِ، فَقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِمُفْتَتَحِ الفاتِحَةِ حَيْثُ أتى بِهِ واضِحًا إلى اسْمِهِ الظّاهِرِ، وبِمَبْدَإ سُورَةِ البَقَرَةِ إلى اسْمِهِ الباطِنِ، فَهو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ، وأشارَ بِتَقْدِيمِ الأوَّلِ إلى أنَّ الظّاهِرَ مُقَدَّمٌ، وبِهِ عُمُومُ البَعْثَةِ، (نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ)، وأيْضًا في الأوَّلِ إشارَةٌ إلى مَقامِ الجَمْعِ، وفي الثّانِي رَمْزٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ، وأيْضًا افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالمُبْهَمِ، ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالواضِحِ فِيهِ أتَمُّ مُناسَبَةٍ لِقِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي سُمِّيَتِ السُّورَةُ بِها، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وأيْضًا في الحُرُوفِ رَمْزٌ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ، فالألِفُ إلى الشَّرِيعَةِ، واللّامُ إلى الطَّرِيقَةِ، والمِيمُ إلى الحَقِيقَةِ، فَهُناكَ يَكُونُ العَبْدُ كالدّائِرَةِ، نِهايَتُها عَيْنُ بِدايَتِها، وهو مَقامُ الفَناءِ في اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا الألِفُ مِن أقْصى الحَلْقِ واللّامُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، وهو وسَطُ المَخارِجِ، والمِيمُ مِنَ الشَّفَةِ، وهو آخِرُها، فَيُشِيرُ بِها إلى أنَّ أوَّلَ ذِكْرِ العَبْدِ، ووَسَطُهُ وآخِرُهُ لا يَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأيْضًا في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سِرِّ التَّثْلِيثِ، فالألِفُ مُشِيرٌ إلى اللَّهِ تَعالى، واللّامُ إلى جِبْرِيلَ، والمِيمُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: في الألِفِ سِتُّ صِفاتٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الِابْتِداءُ، واللَّهُ تَعالى هو الأوَّلُ، والِاسْتِواءُ، واللَّهُ تَعالى هو العَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ، والِانْفِرادُ، واللَّهُ تَعالى هو الفَرْدُ، وعَدَمُ الِاتِّصالِ بِحَرْفٍ، وهو سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، وحاجَةُ الحُرُوفِ إلَيْها مَعَ عَدَمِ حاجَتِها، وأنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ، ومَعْناها الأُلْفَةُ، وبِاللَّهِ تَعالى الِائْتِلافُ، وبَقِيَتْ أسْرارٌ وأيُّ أسْرارٍ يَغارُ عَلَيْها العارِفُ الغَيُورُ
صفحة 104
مِنَ الأغْيارِ، ومِنَ الطَّرائِفِ أنَّ بَعْضَ الشِّيعَةِ اسْتَأْنَسَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ لِخِلافَةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَإنَّهُ إذا حَذَفَ مِنها المُكَرَّرَ يَبْقى ما يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ (صِراطُ عَلِيٍّ حَقٌّ نُمْسِكُهُ)، ولَكَ أيُّها السُّنِّيُّ أنْ تَسْتَأْنِسَ بِها لِما أنْتَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ الحَذْفِ يَبْقى ما يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ ما يَكُونُ خِطابًا لِلشِّيعِيِّ، وتَذْكِيرًا لَهُ بِما ورَدَ في حَقِّ الأصْحابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وهو (طَرَقَ سَمْعَكَ النَّصِيحَةُ)، وهَذا مِثْلُ ما ذَكَرُوهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: (صَحَّ طَرِيقُكَ مَعَ السُّنَّةِ)، ولَعَلَّهُ أوْلى، وألْطَفُ، وبِالجُمْلَةِ عَجائِبُ هَذِهِ الفَواتِحِ لا تَنْفَدُ، ولا يَحْصُرُها العَدُّ.
وكُلٌّ يَدَّعِي وصْلًا لِلَيْلى ∗∗∗ ولَيْلى لا تُقِرُّ لَهم بِذاكا
وقَدِ اخْتَلَفَ أُناسٌ في إعْرابِها حَسْبَما اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيها، فَإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّوَرِ مَثَلًا كانَ لَها حَظٌّ مِنَ الإعْرابِ رَفْعًا ونَصْبًا وجَرًّا، فالرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوْ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ، وجازَ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ فِيما وقَعَ بَعْدَهُ مَجْرُورٌ مَعَ الواوِ، ونَحْوِ ﴿ق والقُرْآنِ﴾ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ المُخالَفَةُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ في الإعْرابِ، إنْ جُعِلَتِ الواوُ لِلْعَطْفِ واجْتِماعُ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، إنْ جُعِلَتْ لِلْقَسَمِ، وهو مُسْتَكْرَهٌ، كَما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ في مَحَلٍّ يَقَعُ فِيهِ المَجْرُورُ، فَيَكُونُ العَطْفُ عَلى المَحَلِّ، ويُقَدَّرُ الجَوابُ مِن جِنْسِ ما بَعْدُ إنْ كانَتْ لِلْقَسَمِ، أوْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرِ، ويُكْتَفى بِجَوابٍ واحِدٍ إذْ لا مانِعَ مِن جَعْلِ أحَدِ القَسَمَيْنِ مُؤَكِّدًا لِلْآخَرِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، أوْ يُقالُ: هُما لَمّا كانا مُؤَكِّدَيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ وهو الجَوابُ جازَ ذَلِكَ، ولا وجْهٌ وجِيهٌ لِلِاسْتِكْراهِ، وإنْ كانَ لِلضَّلالَةِ أبٌ فالتَّقْلِيدُ أبُوها، والجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِاسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِأنَّهُ لا جَوابَ لِلْقَسَمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَحْوِها، ولا يَصِحُّ جَعْلُ ما بَعْدُ جَوابًا، وحُذِفَتِ اللّامُ كَحَذْفِها في قَوْلِهِ:
ورَبِّ السَّماواتِ العُلى وبُرُوجِها ∗∗∗ والأرْضِ وما فِيها المُقَدَّرُ كائِنُ
لِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِلَّتِهِ مَخْصُوصٌ بِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وهْمٌ لا يَخْفى عَلى الوَلِيدِ، إذْ مَذْهَبُنا كُوفِيٌّ، واتِّباعُ البَصْرِيِّ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَغْنى عَنِ الجَوابِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما بَعْدَهُ، وهو قَرِينَةٌ قَرِيبَةٌ، وبِهَذا صَرَّحَ في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ، وحَدِيثُ الِاسْتِطالَةِ لَيْسَ بِلازِمٍ، بَلْ هو الأغْلَبُ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ
ثُمَّ ما كانَ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدًا كَــ(ص)، أوْ مُوازِنًا لَهُ كَــ(حم) بِزِنَةِ قابِيلَ، يَتَأتّى فِيهِ الإعْرابُ لَفْظًا أوْ مَحَلًّا، بِأنْ يُسَكَّنَ حِكايَةً لِحالِهِ قَبْلُ، ويُقَدَّرَ إعْرابُهُ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، والتَّأْنِيثِ، وما خالَفَهُما نَحْوُ ﴿كهيعص﴾ يُحْكى لا غَيْرُ، وجازَتِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الأسْماءِ مَعَ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأعْلامِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنَ الجُمَلِ كَتَأبَّطَ شَرًّا، لِرِعايَةِ صُوَرِها المُنْبِئَةِ عَنْ نَقْلِها إلى العَلَمِيَّةِ، وفي الألْفاظِ الَّتِي وقَعَتْ أعْلامًا لِأنْفُسِها كَضَرَبَ فِعْلٍ ماضٍ لِحِفْظِ المُجانَسَةِ مَعَ المُسَمّى في الإشْعارِ بِأنَّها لَمْ تُنْقَلْ عَنْ أصْلِها بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّها لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها مَعْدُودَةٌ مَوْقُوفَةٌ صارَتْ هَذِهِ الحالَةُ كَأنَّها أصْلٌ، فَلَمّا جُعِلَتْ أعْلامًا جازَتْ حِكايَتُها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الرّاسِخَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِيها سِمَةً مِن مُلاحَظَةِ الأصْلِ، وهو الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ، والمَقْصِدُ الإيقاظُ وقَرْعُ العَصا، فَتَجْوِيزُ الحِكايَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأسْماءِ أعْلامًا لِلسُّوَرِ، وإلّا فَلَمْ تَجُزِ الحِكايَةُ كَذا في الحَواشِي الشَّرِيفَةِ الشَّرِيفِيَّةِ، وإطْباقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ المُفْرَداتِ تُحْكى بَعْدَ مِن، وأيٍّ، الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ، وبِدُونِهِما كَقَوْلِهِمْ: دَعْنا مَن تَمْرَتانِ، مُخالِفٌ لِدَعْوى الِاخْتِصاصِ الَّتِي حَكاها، كَما لا يَخْفى، وإنْ أُبْقِيَتْ عَلى مَعانِيها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لَمْ تُعْرَبْ لِعَدَمِ المُقْتَضِي، والعامِلِ، وكَذا إذا جُعِلَتْ أبْعاضًا عَلى الصَّحِيحِ، أوْ مَزِيدَةً
صفحة 105
لِلْفَصْلِ مَثَلًا، نَعَمْ إنْ قُدِّرَتْ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ كانَتْ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى ما مَرَّ، وإنْ جُعِلَتْ مُقْسَمًا بِها يَكُونُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنها مَنصُوبًا، أوْ مَجْرُورًا عَلى اللُّغَتَيْنِ في اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وهَلْ ذَلِكَ المَجْمُوعُ نَحْوُ (الم) و(حم) أوِ لِلْألِفِ والحاءِ مَثَلًا عَلى طَرِيقِ: الرُّمّانُ حُلْوٌ حامِضٌ، خِلافٌ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَسَمِي، مَحْذُوفًا، وتَصْرِيحُ الرَّضِيِّ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ فِيما إذا كانَ المُبْتَدَأُ صَرِيحًا في القَسَمِيَّةِ يَجْعَلُهُ غَيْرَ مُرْتَضًى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ النَّصْبَ في البَعْضِ مَخْصُوصًا بِما إذا لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ، كَما في ﴿ص والقُرْآنِ﴾ فَيَتَعَيَّنُ الجَرُّ لِلُزُومِ المُخالَفَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ واجْتِماعِ القَسَمَيْنِ حِينَئِذٍ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ، فَلا تَغْفُلْ، وبَقِيَتْ أقْوالٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى أقْوالٍ، لا أظُنُّها تَخْفى عَلَيْكَ، إنْ أحَطْتَ خُبْرًا بِما قَدَّمْناهُ لَدَيْكَ فَتَدَبَّرْ، وفي كَوْنِ هَذِهِ الفَواتِحِ آيَةً خِلافٌ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: (الم) آيَةٌ أيْنَما وقَعَتْ، وكَذَلِكَ (المص)، و(طسم)، وأخَواتُهُما، و(طه)، و(يس)، و(حم)، وأخَواتُها، و(كهيعص) آيَةٌ، و(حم) (عسق) آيَتانِ، وأمّا (المر)، وأخَواتُها الخَمْسُ، فَلَيْسَتْ بِآيَةٍ، وكَذَلِكَ (طس) و(ص)، و(ق)، و(ن)، وقالَ البَصْرِيُّونَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ آيَةً، وفي المُرْشِدِ أنَّ الفَواتِحَ في السُّوَرِ كُلِّها آياتٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَقَوْلِ بَعْضٍ: إنَّ (الم) في آلِ عِمْرانَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ.
البقرة 2:2
﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وابْتِداءُ كَلامٍ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وفِيهِ احْتِمالاتٌ أطالُوا فِيها، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى يُحْمَلُ عَلى أحْسَنِ المَحامِلِ، وأبْعَدِها مِنَ التَّكَلُّفِ، وأسْوَغِها في لِسانِ العَرَبِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكِتابِ المَوْعُودِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ كَما قالَ الواحِدِيُّ، أوْ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ: «(عَلَيْكم بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ فَهْمُ العَقْلِ ونُورُ الحِكْمَةِ، ويَنابِيعُ العِلْمِ، وأحْدَثُ الكُتُبِ بِاللَّهِ عَهْدًا)،» وقالَ في التَّوْراةِ: (يا مُحَمَّدُ، إنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْراةً حَدِيثَةً تَفْتَحُ بِها أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا)، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، أوْ إلى ما بَيْنَ أيْدِينا، والإشارَةُ بِذَلِكَ لِلتَّعْظِيمِ، وتَنْزِيلُ البُعْدِ الرُّتَبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحَقِيقِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ كَما اخْتارَهُ في المِفْتاحِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصارَ بِحَضْرَتِنا بَعُدَ، ومَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا، أوْ أوْصَلَهُ إلَيْهِ، أوْ لاحَظَ وُصُولَهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ بِانْفِصالِهِ عَنْهُ بَعِيدٌ، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ قِيلَ: كُلُّ ما لَيْسَ في يَدَيْكَ بَعِيدٌ.
ولَمّا لَمْ يَتَأتَّ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ بُعْدِ الدَّرَجَةِ، وهَذا الذِّكْرُ حُرُوفُ التَّهَجِّي في الأوَّلِ، وهي تُقَطَّعُ بِها الحُرُوفُ، وهو لا يَكُونُ إلّا في حَقِّنا، وعَدَمِ ذِكْرِها في الثّانِي، فَلِذا اخْتَلَفَ المَقامانِ، وافْتَرَقَتِ الإشارَتانِ كَما قالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وهو عِنْدَ قَوْمٍ تَحْقِيقٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ دَقِيقٌ، وأبْعَدَ بَعْضُهم فَوَجَّهَ البُعْدَ بِأنَّ القُرْآنَ لَفْظٌ، وهو مِن قَبِيلِ الأعْراضِ السَّيّالَةِ الغَيْرِ القارَّةِ، فَكُلُّ ما وُجِدَ مِنهُ اضْمَحَلَّ، وتَلاشى، وصارَ مُنْقَضِيًا غائِبًا عَنِ الحِسِّ، وما هو كَذَلِكَ في حُكْمِ البَعِيدِ، وقِيلَ: لِأنَّ صِيغَةَ البَعِيدِ والقَرِيبِ قَدْ يَتَعاقَبانِ كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ، ونَقَلَهُ الجُرْجانِيُّ عَنْ طائِفَةٍ، وأنْشَدُوا:
أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا
ولَيْسَ بِنَصٍّ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنَّنِي أنا ذَلِكَ الَّذِي كُنْتَ تُحَدَّثُ عَنْهُ وتَسْمَعُ بِهِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لِلْبَعِيدِ عُرْفًا لا وضْعًا، فَحَمْلُهُ هُنا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لا العُرْفِيِّ مُخالِفٌ لِما نَفْهَمُهُ مِن كُتُبِ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ، إنْ كانَ قَدْ ورَدَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَبِلْناهُ وتَكَلَّفْنا لَهُ، وإلّا ضَرَبْنا بِهِ الحائِطَ، وما كُلُّ احْتِمالٍ يَلِيقُ، وأغْرَبُ ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِ الإشارَةِ أنَّها إلى الصِّراطِ
صفحة 106
المُسْتَقِيمِ في الفاتِحَةِ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوا الهِدايَةَ لِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ الصِّراطُ الَّذِي سَألْتُمُ الهِدايَةَ إلَيْهِ، هو الكِتابُ، وهَذا إنْ قَبِلْتَهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ وجْهُ ارْتِباطِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِسُورَةِ الحَمْدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَنْفَتِحُ لَهُ الآذانُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، ووَجْهُ البُعْدِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، ونُورُ القُرْبِ يَلُوحُ عَلَيْهِ، والمُعْتَبَرُ في أسْماءِ الإشارَةِ هو الإشارَةُ الحِسِّيَّةُ الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُها إلّا بِمَحْسُوسٍ مُشاهَدٍ، فَإنْ أُشِيرَ بِها إلى ما يَسْتَحِيلُ إحْساسُهُ نَحْوِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أوْ إلى مَحْسُوسٍ غَيْرِ مُشاهِدٍ نَحْوِ: (تِلْكَ الجَنَّةِ)، فَلِتَصْيِيرِهِ كالمُشاهَدِ، وتَنْزِيلُ الإشارَةِ العَقْلِيَّةِ مَنزِلَةَ الحِسِّيَّةِ كَما في الرَّضِيِّ فالإشارَةُ هُنا لا تَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ اسْمَ الإشارَةِ إذا كانَ مَعَهُ صِفَةٌ لَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ مَحْسُوسًا، وهم مَحْسُوسٌ، والكِتابُ كالكَتْبِ مَصْدَرُ كَتَبَ، ويُطْلَقُ عَلى المَكْتُوبِ، كاللِّباسِ بِمَعْنى المَلْبُوسِ، والكَتْبُ كَما قالَ الرّاغِبُ ضَمُّ أدِيمٍ إلى أدِيمٍ بِالخِياطَةِ، وفي المُتَعارَفِ ضَمُّ الحُرُوفِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، والأصْلُ في الكِتابَةِ النَّظْمُ بِالخَطِّ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَضْمُومِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ بِاللَّفْظِ، ولِذا يُسْتَعارُ كُلُّ واحِدٍ لِلْآخَرِ، ولِذا سُمِّيَ كِتابَ اللَّهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كِتابًا، والكِتابُ هُنا إمّا باقٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وسُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ هو بِمَعْنى المَفْعُولِ وأُطْلِقَ عَلى المَنظُومِ عِبارَةً قَبْلَ أنْ تُنْظَمَ حُرُوفُهُ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها في الخَطِّ تَسْمِيَةً بِما يَئُولُ إلَيْهِ مَعَ المُناسَبَةِ، وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ اشْتِقاقَ الكِتابِ مِن كَتَبْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ وسُمِّيَتِ الكَتِيبَةَ لِاجْتِماعِها فَسُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا لِأنَّهُ كالكَتِيبَةِ عَلى عَساكِرِ الشُّبُهاتِ، أوْ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ العُلُومِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ فِيهِ التَّكالِيفَ عَلى الخَلْقِ، كَلامٌ مُلَفَّقٌ لا يَخْفى ما فِيهِ، ويُطْلَقُ الكِتابُ كالقُرْآنِ عَلى المَجْمُوعِ المُنَزَّلِ عَلى النَّبِيِّ المُرْسَلِ ﷺ وعَلى القَدْرِ الشّائِعِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى ما قِيلَ في دَفْعِ المُغالَطَةِ المَعْرُوفَةِ بِالجِذْرِ الأصَمِّ، ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، إنِ احْتَجْتَهُ، واللّامُ في الكِتابِ لِلْحَقِيقَةِ، مِثْلُها فِي: أنْتَ الرَّجُلُ، والمَعْنى: ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ لِغايَةِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، حَتّى كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ خارِجٌ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: كُلُّ لامٍ وقَعَتْ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وأيْ في النِّداءِ، وإذا الفُجائِيَّةِ فَهي لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، وقُرِئَ: (تَنْزِيلُ الكِتابِ)، والرَّيْبُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ رابَنِي الشَّيْءُ إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ، ومِنهُ رَيْبُ الزَّمانِ لِنَوائِبِهِ، فَهو مِمّا نُقِلَ مِنَ القَلَقِ إلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا لِما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ هَذَيْنِ قَدْ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الشَّكِّ لِأنَّ ما يُخافُ مِنَ الحَوادِثِ مُحْتَمَلٌ، فَهو كالمَشْكُوكِ، وكَذَلِكَ ما اخْتَلَجَ في القَلْبِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ مُسْتَيْقَنٍ رَدُّهُ، فالمَنُونُ مِنَ الرَّيْبِ، أوْ يُشَكُّ فِيهِ، ويَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ عَلى الكُفّارِ مَثَلًا، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ فِيهِ رَيْبٌ، وفَرَّقَ أبُو زَيْدٍ بَيْنَ رابَنِي، وأرابَنِي فَيُقالُ: رابَنِي مِن فُلانٍ أمْرٌ، إذا كُنْتَ مُسْتَيْقِنًا مِنهُ بِالرَّيْبِ، وإذا أسَأْتَ بِهِ الظَّنَّ، ولَمْ تَسْتَيْقِنْ مِنهُ، قُلْتَ: أرابَنِي، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَشّارٍ:
أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما ∗∗∗ أرابَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ
وبَعْضُ فَرْقٍ بَيْنَ الرَّيْبِ، والشَّكِّ، بِأنَّ الرَّيْبَ شَكٌّ مَعَ تُهْمَةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الشَّكُّ وُقُوفُ النَّفْسِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، بِحَيْثُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِأمارَةٍ، والمِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مِن مَرى الضَّرْعَ أيْ مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، والرَّيْبُ أنْ يَتَوَهَّمَ في الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْكَشِفُ عَمّا تَوَهَّمَ فِيهِ، وقالَ الجَوْلِيُّ: يُقالُ الشَّكُّ لِما اسْتَوى فِيهِ الِاعْتِقادانِ، أوْ لَمْ يَسْتَوِيا، ولَكِنْ لَمْ يَنْتَهِ أحَدُهُما لِدَرَجَةِ الظُّهُورِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الأُمُورُ، والرَّيْبُ لِما لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ اليَقِينِ، وإنْ ظَهَرَ نَوْعَ ظُهُورٍ، ولِذا حَسُنَ هُنا: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ رَيْبٌ فَضْلًا عَنْ شَكٍّ، ونَفى سُبْحانَهُ الرَّيْبَ فِيهِ مَعَ كَثْرَةِ المُرْتابِينَ - لا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى - عَلى مَعْنى أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ العاقِلُ بَعْدَ النَّظَرِ
صفحة 107
فِي كَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ حَتّى لا يَصِحَّ، ويَحْتاجَ إلى تَنْزِيلِ وُجُودِ الرَّيْبِ عَنِ البَعْضِ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِوُجُودِ ما يُزِيلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَذْفِ، كَأنَّهُ قالَ: لا سَبَبَ رَيْبٍ فِيهِ، لِأنَّ الأسْبابَ الَّتِي تُوجِبُهُ في الكَلامِ التَّلْبِيسُ والتَّعْقِيدُ والتَّناقُضُ والدَّعاوى العارِيَةُ عَنِ البُرْهانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ خَبَرًا، أيْ لا تَرْتابُوا فِيهِ عَلى حَدِّ ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ لا رَيْبَ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ، فالظَّرْفُ صِفَةٌ ولِلْمُتَّقِينَ خَبَرٌ، و﴿هُدًى﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ لا رَيْبَ كائِنًا فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ حالَ كَوْنِهِ هادِيًا، وهي حالٌ لازِمَةٌ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ الرَّيْبِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأحْوالِ، ويَكُونُ التَّقْيِيدُ كالدَّلِيلِ عَلى انْتِفاءِ الرَّيْبِ، و(لا) لِنَفْيِ اتِّصافِ الِاسْمِ بِالخَبَرِ، لا لِنَفْيِ قَيْدِ الِاسْمِ، فَلا تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِيَخْتَلَّ المَعْنى، نَعَمْ هو قَوْلٌ قَلِيلُ الجَدْوى مَعَ أنَّ الغالِبَ في الظَّرْفِ الَّذِي بَعْدَ لا هَذِهِ كَوْنُهُ خَبَرًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لا فِيهِ رَيْبٌ، عَلى حَدِّ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيمَ يُشْعِرُ بِما يُبْعِدُ عَنِ المُرادِ، وهو أنَّ كِتابًا غَيْرَهُ فِيهِ الرَّيْبُ، كَما قَصَدَ في الآيَةِ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا بِأنَّها لا تَغْتالُ العُقُولَ كَما تَغْتالُها، فَلَيْسَ فِيها ما في غَيْرِها مِنَ العَيْبِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَعْضُهم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ: لَيْسَ في الدّارِ رَجُلٌ، ولَيْسَ رَجُلٌ في الدّارِ، حَتّى أنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ تَقْدِيمِ الخَبَرِ هُنا الحَصْرَ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ سُلَيْمٌ أبُو الشَّعْثاءِ: (لا رَيْبُ فِيهِ) بِالرَّفْعِ، وهو لِكَوْنِهِ نَقِيضًا لِرَيْبٍ فِيهِ، وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ إثْباتًا لِفَرْدٍ، ونَفْيُهُ يُفِيدُ انْتِفاءَهُ، فَلا يُوجِبُ الِاسْتِغْراقَ، كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ولِهَذا جازَ: لا رَجُلَ في الدّارِ، بَلْ رَجُلانِ، دُونَ: لا رَجُلَ فِيها، بَلْ رَجُلانِ، فَلا لِعُمُومِ النَّفْيِ لا لِنَفْيِ العُمُومِ، والوَقْفُ عَلى (فِيهِ)، هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكِتابُ نَفْسُهُ هُدًى، وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ، وعَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ الوَقْفُ عَلى ﴿لا رَيْبَ﴾، ولا رَيْبَ في حَذْفِ الخَبَرِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى جَعْلِ ﴿لا رَيْبَ﴾ بِمَعْنى حَقًّا، فالوَقْفُ عَلَيْهِ تامٌّ إلّا أنَّهُ أيْضًا دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فِيهِي) بِوَصْلِ الهاءِ ياءً في اللَّفْظِ، وكَذَلِكَ كُلُّ هاءِ كِنايَةٍ قَبْلَها ياءٌ ساكِنَةٌ، فَإنْ كانَ قَبْلَها ساكِنٌ غَيْرُ الياءِ وصَلَها بِالواوِ، ووافَقَهُ حَفْصٌ في ﴿فِيهِ مُهانًا﴾ ومُلاقِيهِ، وسَأُصْلِيهِ، والباقُونَ لا يُشْبَعُونَ، وإذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَ الهاءِ أشْبَعُوهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الهاءِ مِنَ الكِناياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والهُدى في الأصْلِ مَصْدَرُ هَدى، أوْ عِوَضٌ عَنِ المَصْدَرِ، وكُلٌّ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ولَمْ يَجِئْ مِنَ المَصادِرِ بِهَذِهِ الزِّنَةِ إلّا قَلِيلٌ كالتُّقى والسُّرى والبُكى بِالقَصْرِ في لُغَةٍ، ولُقًى كَما قالَ الشّاطِبِيُّ وأنْشَدَ:
وقَدْ زَعَمُوا حِلْمًا لُقاكَ فَلَمْ أزِدْ ∗∗∗ بِحَمْدِ الَّذِي أعْطاكَ حِلْمًا ولا عَقْلًا
والمُرادُ مِنهُ هُنا اسْمُ الفاعِلَ بِأحَدِ الوُجُوهِ المَعْرُوفَةِ في أمْثالِهِ، وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، ومُذَكَّرٌ عِنْدَ اللِّحْيانِيِّ، وبَنُو أسَدٍ يُؤَنِّثُونَ كَما قالَ الفَرّاءُ، فَهو كالهِدايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وفي الكَشّافِ هي الدِّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِثَلاثَةِ وُجُوهٍ، الأوَّلُ وُقُوعُ الضَّلالِ في مُقابِلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ﴾ والضَّلالُ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ، وعَدَمِ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الوُصُولُ في مَفْهُومِ الهُدى لَمْ يَتَقابَلا لِجَوازِ الِاجْتِماعِ بَيْنَهُما، والثّانِي أنَّهُ يُقالُ: مَهْدِيٌّ في مَوْضِعِ المَدْحِ كَمُهْتَدٍ، ومَن حَصَلَ لَهُ الدِّلالَةُ مِن غَيْرِ الِاهْتِداءِ لا يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الإيصالَ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِهِ، والثّالِثُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولَنْ يَكُونَ المُطاوِعُ في خِلافِ مَعْنى أصْلِهِ، ألا تَرى إلى نَحْوِ كَسَرَهُ فانْكَسَرَ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الضَّلالَةِ هو الهُدى اللّازِمُ بِمَعْنى الِاهْتِداءِ مَجازًا أوِ اشْتِراكًا، وكَلامُنا في المُتَعَدِّي ومُقابِلُهُ الإضْلالُ، ولا اسْتِدْلالَ بِهِ، إذْ رُبَّما يُفَسَّرُ بِالدِّلالَةِ عَلى ما لا يُوَصِّلُ، ولا يَجْعَلُهُ ضالًّا، عَلى أنَّهُ لَوْ فُسِّرَتِ الهِدايَةُ بِمُطْلَقِ الدِّلالَةِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ أوْصَلَ، أمْ لا، وفُسِّرَ الضَّلالُ المُقابِلُ لَها تَقابُلَ الإيجابِ والسَّلْبِ بِعَدَمِ تِلْكَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ لَزِمَ مِنهُ عَدَمُ الوُصُولِ، لِأنَّ سَلْبَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ سَلْبٌ لِلْمُقَيَّدَةِ، إذْ سَلْبُ الأعَمِّ يَسْتَلْزِمُ سَلْبَ الأخَصِّ، فَلَيْسَ في هَذا التَّقابُلِ ما يُرَجِّحُ المُدَّعى، وأمّا ثانِيًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الضَّلالَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ
صفحة 108
إلَخْ، بَلْ هو العُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى البُغْيَةِ، فَيَكُونُ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ، نَعَمْ إنَّ عَدَمَ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ لازِمٌ لِلضَّلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ إطْلاقِ المَهْدِيِّ إلّا عَلى المُهْتَدِي أنْ يَكُونَ الوُصُولُ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِ الهُدى، لِجَوازِ غَلَبَةِ المُشْتَقِّ في فَرْدٍ مَفْهُومٌ المُشْتَقُّ مِنهُ، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، بَلْ هو مِن قَبِيلِ أمَرَهُ فَأْتَمَرَ، مِن تَرَتُّبِ فِعْلٍ يُغايِرُ الأوَّلَ، فَإنَّ مَعْنى هَداهُ فاهْتَدى دَلَّهُ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ فَسَلَكَهُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، عَلى أنَّ جَمْعًا يُعْتَدُّ بِهِمْ قالُوا: لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الفِعْلِ وُجُودُ مُطاوِعِهِ مُطْلَقًا، فَفي المُخْتارِ: لا يَجِبُ أنْ يُوافِقَ المُطاوِعُ أصْلَهُ، ويَجِبُ في غَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا﴾ فَقَدْ وُجِدَ التَّخْوِيفُ بِدُونِ الخَوْفِ، ولا يُقالُ: كَسَرْتُهُ فَما انْكَسَرَ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مُفَصَّلٌ في عَرُوسِ الأفْراحِ، وأمّا خامِسًا فَلِأنَّ ما ذَكَرَهُ مَعارَضٌ بِما فِيهِ الهِدايَةُ، ولَيْسَ فِيهِ وُصُولٌ إلى البُغْيَةِ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُهُ، ولِهَذا اخْتَلَفُوا: هَلْ هي حَقِيقَةٌ في الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ مَجازٌ في غَيْرِها، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ هي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما، أوْ مَوْضُوعَةٌ لِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ؟ وإلى كُلِّ ذَهَبَ طائِفَةٌ، قِيلَ: والمَذْكُورُ في كَلامِ الأشاعِرَةِ أنَّ المُخْتارَ عِنْدَهم ما ذُكِرَ في الكَشّافِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ما ذَكَرْناهُ، والمَشْهُورُ هو العَكْسُ، والتَّوْفِيقُ بِأنَّ كَلامَ الأشاعِرَةِ في المَعْنى الشَّرْعِيِّ، والمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، أوِ العُرْفِيِّ، يَخْدِشُهُ اخْتِيارُ صاحِبِ الكَشّافِ مَعَ تَصَلُّبِهِ في الِاعْتِزالِ ما اخْتارَهُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ في القُرْآنِ المَعْنى الشَّرْعِيُّ، فالأظْهَرُ لِلْمُوَفِّقِ عَكْسُ هَذا التَّوْفِيقِ، والحَقُّ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ الهِدايَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وعَدَمِ الإهْلاكِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنَ القالِ والقِيلِ، و(المُتَّقِينَ) جَمْعُ مُتَّقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن وقاهُ فاتَّقى، فَفاؤُهُ واوٌ لا تاءٌ، والوِقايَةُ لُغَةُ الصِّيانَةِ مُطْلَقًا، وشَرْعًا صِيانَةُ المَرْءِ نَفْسَهُ عَمّا يَضُرُّ في الآخِرَةِ، والمَراتِبُ مُتَعَدِّدَةٌ لِتَعَدُّدِ مَراتِبِ الضَّرَرِ، فَأُولاها التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ عَنِ الكَبائِرِ، ومِنها الإصْرارُ عَلى الصَّغائِرِ، والثّالِثَةُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ ﷺ: «(لا يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ)،» وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُعْتَبَرُ تَرْكُ الصَّغائِرِ، ولِذا قِيلَ:
خَلِّ الذُّنُوبَ كَبِيرَها ∗∗∗ وصَغِيرَها فَهو التُّقى
واصْنَعْ كَماشٍ فَوْقَ أرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرى
لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى
وفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُ الأكابِرِ فَقِيلَ: التَّقْوى أنْ لا يَراكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهاكَ، ولا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ، وقِيلَ: التَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ، وفي هَذا المَيْدانِ تَراكَضَتْ أرْواحُ العاشِقِينَ، وتَفانَتْ أشْباحُ السّالِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم:
ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي
وهِدايَةُ الكِتابِ المُبِينِ شامِلَةٌ لِأرْبابِ هَذِهِ المَراتِبِ أجْمَعِينَ، فَإنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ إرْشادُهُ إيّاهم إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الأُولى، فالمُرادُ بِهِمُ المُشارِفُونَ مَجازًا لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإيثارِهِ عَلى العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلْإيجازِ، وتَصْدِيرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ، واعْتِبارِ المُشارَفَةِ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ نِسْبَةِ الهُدى، فَلا يُنافِي حُسْنَ التَّعْقِيبِ بِــ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ كَما قِيلَ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ إثْباتِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: قُتِلَ قَتِيلًا، دُفِنَ في مَوْضِعِ كَذا، ورُبَّما جُعِلَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ في جَوابِ: مَنِ المُتَّقُونَ؟ وحَمْلُ الكُلِّ عَلى
صفحة 109
المُشارَفَةِ يَأْباهُ السَّوْقُ، وقَدْ يُقالُ المُتَّقِينَ مَجازٌ بِالمُشارَفَةِ، والصِّفَةُ تَرْشِيحٌ بِلا مُشارَفَةٍ، ولا تَجُوزُ، كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ، أوْ نَقُولُ: هو عَلى حَدِّ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّفِيعِ يَوْمَ المَحْشَرِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ إرْشادُهُ إلى تَحْصِيلِ إحْدى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الأُولى تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ إحْدى الطَّبَقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ تَعَيَّنَ المَجازُ، لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْهِما إنَّما يَتَحَقَّقُ بِهِدايَتِهِ المُرَقِّيَّةِ، وكَذا الحالُ فِيما بَيْنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالهُدى الإرْشادُ إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ تَعَيَّنَ المَجازُ، ولَفْظُ الهِدايَةِ حَقِيقَةٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لَهم تَثْبِيتُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإرْشادُهم إلى الزِّيادَةِ فِيهِ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْهُومُها داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ، فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ، ولَفْظُ المُتَّقِينَ حَقِيقَةٌ عَلى كُلِّ حالَةٍ، كَذا حَقَّقَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ الهِدايَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ المُوَصِّلَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ دالًّا عَلى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: دِلالَةٌ مُوَصِّلَةٌ إلى المَطْلُوبِ لِلْواصِلِينَ إلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ عَلى ما يُوَصِّلُ، كانَ هُناكَ مَحْذُورٌ آخَرُ، فَإنَّ المُهْتَدِيَ إلى مَقْصُودِهِ يَكُونُ دِلالَتُهُ عَلى ما يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لَغْوًا، ووَجْهُ الِانْدِفاعِ ظاهِرٌ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ هُنا، لِأنَّهُ إذا قِيلَ: السِّلاحُ عِصْمَةٌ لِلْمُعْتَصِمِ، والمالُ غِنًى لِلْغَنِيِّ، عَلى مَعْنى سَبَبِ غِناهُ وعِصْمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ السِّلاحُ والمالُ سَبَبَيْ عِصْمَةٍ وغِنًى حادِثَيْنِ، غَيْرَ ما هُما فِيهِ، فَما نَحْنُ فِيهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلتَّأْوِيلِ، ولَيْسَ مِنَ المَجازِ في شَيْءٍ، إذِ المُتَّقِي مُهْتَدٍ بِهَذا الهُدى حَقِيقَةً، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ والأُصُولِ في الوَصْفِ المُشْتَقِّ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ؟ وهَلِ المُرادُ زَمانُ النِّسْبَةِ أوِ التَّكَلُّمِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بَيْنَهُما؟ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ زَمانُ النِّسْبَةِ، وقَدْ ذَهَبَ السُّبْكِيُّ والكِرْمانِيُّ إلى أنَّ «(مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ)» حَقِيقَةٌ، وخَطَّأ مَن قالَ أنَّهُ مَجازٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ لا مُفادَ لِإثْباتِ القَتْلِ لِمَقْتُولٍ بِهِ، لِأنَّ قَصْدَ البَلِيغِ بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ القَتْلَ المُتَّصِفَ بِهِ صادِرٌ عَنْ هَذا القاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَسَلَبُهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، ومِن هُنا جُعِلَ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ: لا هُدى لِلْمُتَّقِينَ إلّا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَلَأْلِئُ نُورُ هِدايَتِهِ، السّاطِعُ بُرْهانُ دِلالَتِهِ، وإذا عُلِّقَ حُكْمٌ عَلى اسْمِ الإشارَةِ المَوْصُوفِ نَحْوُ: عَصَرْتُ هَذا الخَلَّ مَثَلًا، فَهُناكَ تَعْلِيقانِ في الحَقِيقَةِ، تَعْلِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ بِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ، وتَعْلِيقُ الإشارَةِ، والمُعْتَبَرُ زَمانُ الإشارَةِ لا زَمانُ الحُكْمِ السّابِقِ، فَإذا صَحَّ إطْلاقُ الخَلِّ عَلى المُشارِ إلَيْهِ واتِّصافُهُ بِالخَلِّيَّةِ مَثَلًا في زَمانِ الإشارَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الحُكْمِ السّابِقِ كانَ حَقِيقَةً، وإلّا فَمَجازٌ، فافْهَمْ وتَدَبَّرْ.
ثُمَّ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ هُدًى ما فِيهِ مِنَ المُجْمَلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُهُ هُدًى هِدايَتَهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، فَيَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ ما فِيهِ ابْتِلاءٌ لِذَوِي الألْبابِ مِنَ الفُحُولِ بِما لا تَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ والعُقُولُ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَكُّ عَنْ بَيانِ المُرادِ مِنهُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، فَهو بَعْدَ التَّبْيِينِ هُدًى، وتَوَقُّفُ هِدايَتِهِ عَلى شَيْءٍ لا يَضُرُّ فِيها، كَما أنَّهُ عَلى رَأْيٍ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَقَدُّمِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ نَصَّ الإمامُ عَلى أنَّهُ كُلُّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً عَلى صِحَّتِهِ لا يَكُونُ القُرْآنُ هُدًى فِيهِ، كَمَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَةِ النُّبُوّاتِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ إلّا أنْ يَكُونَ هُدًى في تَأْكِيدِ ما في العُقُولِ، والِاعْتِدادِ بِهِ، وبَعْضٌ صَحَّحَ أنَّ القُرْآنَ في نَفْسِهِ هُدًى في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لِمَن تَأمَّلَ في أدِلَّتِهِ العَقْلِيَّةِ، وحُجَجِهِ اليَقِينِيَّةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ ويَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى المُتَّقِينَ هُنا بِناءً عَلى تَفْسِيرِنا الهِدايَةَ
صفحة 110
مَدْحًا لَهُمْ، لِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا، وانْتَفَعُوا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ مَعَ عُمُومِ إنْذارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا غَيْرُهم فَلا، ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، والكافِرِينَ، فَحُذِفَ لِدِلالَةِ المُتَّقِينَ عَلى حَدِّ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ فَمِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، هَذا ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمَلِ والآياتِ مِنَ التَّناسُقِ فَـ ﴿الم﴾ أشارَتْ إلى ما أشارَتْ، و﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ قَرَّرَتْ بَعْضَ إشارَتِها بِأنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ الَّذِي لا يَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُسَمّى كِتابًا في جِنْسِهِ، أيْ بابُ التَّحَدِّي والهِدايَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِأحَدِ الرُّكْنَيْنِ، و﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِلرُّكْنِ الآخَرِ.
وخُلاصَتُهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُتَحَدّى بِهِ لِكَمالِ نَظْمِهِ في بابِ البَلاغَةِ، وكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيما هو المَقْصُودُ مِنهُ، وقِيلَ: بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ سُئِلَ ما بالُهُ صارَ مُعْجِزًا؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ كامِلٌ بَلَغَ أقْصى الكَمالِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو مَعْنى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ثُمَّ سُئِلَ عَنْ مُقْتَضى الِاخْتِصاصِ بِكَوْنِهِ هو الكِتابُ الكامِلُ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَحُومُ حَوْلَهُ رَيْبٌ، ثُمَّ لَمّا طُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِكَوْنِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِ عَلى المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والمَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ، بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن كابَرَ نَفْسَهُ وعانَدَ عَقْلَهُ، وحِسَّهُ، وقَدْ يُقالُ: الإعْجازُ مُسْتَلْزِمٌ غايَةَ الكَمالِ، وغايَةُ كَمالِ الكَلامِ البَلِيغِ بِبُعْدِهِ مِنَ الرَّيْبِ والشُّبَهِ لِظُهُورِ حَقِيقَتِهِ، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، فَإنْ نُظِرَ إلى اتِّحادِ المَعانِي بِحَسَبِ المَآلِ كانَ الثّانِي مُقَرِّرًا لِلْأوَّلِ، فَلِذا تُرِكَ العَطْفُ، وإنْ نُظِرَ إلى أنَّ الأوَّلَ مُقْتَضٍ لِما بَعْدَهُ لِلُزُومِهِ بَعْدَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ، فالأوَّلُ لِاسْتِلْزامِهِ ما يَلِيهِ، وكَوْنُهُ في قُوَّتِهِ يَجْعَلُهُ مُنَزَّلًا مِنهُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ والمُلازَمَةِ، فَوِزانُهُ وِزانُ حُسْنِها، في أعْجَبَتْنِي الجارِيَةُ حُسْنُها، وتُرِكَ العَطْفُ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ، وفِيها أيْضًا مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ، والمَزايا الفائِقَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةُ قَدْرِهِ، عَلى مَن مَرَّ ما ذَكَرْناهُ عَلى فِكْرِهِ.
البقرة 2:3
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ قَبْلُ، فَإنْ أُرِيدَ بِالتَّقْوى أُولى مَراتِبِها فَمُخَصَّصَةٌ، أوْ ثانِيَتُها فَكاشِفَةٌ، أوْ ثالِثَتُها فَمادِحَةٌ، وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ: إنَّ حَمْلَ المُتَّقِي عَلى مَعْناهُ الشَّرْعِيِّ أعْنِي الَّذِي يَفْعَلُ الواجِباتِ، ويَتْرُكُ السَّيِّئاتِ، فَإنْ كانَ المُخاطَبُ جاهِلًا بِذَلِكَ المَعْنى كانَ الوَصْفُ كاشِفًا، وإنْ كانَ عالِمًا كانَ مادِحًا، وإنْ حُمِلَ عَلى ما يَقْرُبُ مِن مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ كانَ مُخَصَّصًا، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ المَوْصُولِ مَفْصُولًا قَصَدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ، إثْباتُهُ لِما قَبْلَهُ، وإنْ فُهِمَ ضِمْنًا، فَهو وإنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ كالجارِي، وهَذا كافٍ في الِارْتِباطِ، والِاسْتِئْنافُ إمّا نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُ المُتَّقِينَ خُصُّوا بِذَلِكَ الهُدى، والوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ تامٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ، حَسَنٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والإيمانُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ، أيْ إذْعانُ حُكْمِ المُخْبِرِ وقَبُولُهُ وجَعْلُهُ صادِقًا، وهو إفْعالٌ مِنَ الأمْنِ، كَأنَّ حَقِيقَةَ آمَنَ بِهِ، آمَنَهُ التَّكْذِيبَ والمُخالَفَةَ، ويَتَعَدّى بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ وبِالياءِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «(الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ)» الحَدِيثَ، قالُوا: والأوَّلُ بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الإذْعانِ، والثّانِي بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ إشارَةً إلى أنَّ التَّصْدِيقَ لا يُعْتَبَرُ ما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الِاعْتِرافُ، وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الوُثُوقِ مِن حَيْثُ إنَّ الواثِقَ صارَ ذا أمْنٍ، وهو فِيهِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ أيْضًا كَما في الأساسِ، ويُفْهِمُ مَجازِيَّتُهُ ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، وأمّا في الشَّرْعِ، فَهو التَّصْدِيقُ بِما عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ ضَرُورَةً تَفْصِيلًا، فِيما عُلِمَ تَفْصِيلًا، وإجْمالًا فِيما عُلِمَ إجْمالًا، وهَذا مَذْهَبُ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ مَناطَ الأحْكامِ الأُخْرَوِيَّةِ مُجَرَّدُ هَذا المَعْنى، أمْ مَعَ الإقْرارِ، فَذَهَبَ الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ إلى أنَّ مُجَرَّدَ هَذا المَعْنى كافٍ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ، والإقْرارُ إنَّما هو لِيُعْلَمَ وُجُودُهُ، فَإنَّهُ أمْرٌ باطِنٌ، ويَجْرِي عَلَيْهِ الأحْكامُ، فَمَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وتَرَكَ الإقْرارَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنهُ كانَ مُؤْمِنًا شَرْعًا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ مَقَرُّهُ
صفحة 111
الجَنَّةَ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الهُمامِ أنَّ أهْلَ هَذا القَوْلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَتى طُلِبَ مِنهُ الإقْرارُ أتى بِهِ، فَإنْ طُولِبَ، ولَمْ يُقِرَّ فَهو كَفْرُ عِنادٍ، وذَهَبَ إمامُنا أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وغالِبُ مَن تَبِعَهُ إلى أنَّ الإقْرارَ وما في حُكْمِهِ كَإشارَةِ الأخْرَسِ لا بُدَّ مِنهُ، فالمُصَدِّقُ المَذْكُورُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إيمانًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأحْكامُ الأُخْرَوِيَّةُ كالمُصَلِّي مَعَ الرِّياءِ، فَإنَّهُ لا تَنْفَعُهُ صَلاتُهُ، ولَعَلَّ هَذا لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ المُعانِدِينَ أكْثَرَ مِمّا ذَمَّ الجاهِلِينَ المُقَصِّرِينَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَجْعَلَ الذَّمَّ لِلْإنْكارِ اللِّسانِيِّ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلامَةُ التَّكْذِيبِ أوْ لِلْإنْكارِ القَلْبِيِّ الَّذِي هو التَّكْذِيبُ، وحاصِلُ ذَلِكَ مَنعُ حُصُولِ التَّصْدِيقِ لِلْمُعانِدِ، فَإنَّهُ ضِدَّ الإنْكارِ، وإنَّما الحاصِلُ لَهُ المَعْرِفَةُ الَّتِي هي ضِدَّ النَّكارَةِ والجَهالَةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تِلْكَ المَعْرِفَةَ خارِجَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ اللُّغَوِيِّ، وهو المُعْتَبَرُ في الإيمانِ، نَعَمِ اخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ هي داخِلَةٌ في التَّصَوُّرِ أمْ في التَّصْدِيقِ المَنطِقِيِّ، فالعَلّامَةُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصُّورَةُ الحاصِلَةُ مِنَ النِّسْبَةِ التّامَّةِ الخَبَرِيَّةِ تَصَوُّرًا، وأنَّ التَّصْدِيقَ المَنطِقِيَّ بِعَيْنِهِ التَّصْدِيقُ اللُّغَوِيُّ، ولِذا فَسَّرَهُ رَئِيسُهم في الكُتُبِ الفارِسِيَّةِ (بِكَرْ وِيدَنْ)، وفي العَرَبِيَّةِ بِما يُخالِفُ التَّكْذِيبَ والإنْكارَ، وهَذا بِعَيْنِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ ما أوْرَدَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حاشِيَةِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ أنَّ المَنطِقِيَّ إنَّما يُبَيِّنُ ما هو في العُرْفِ واللُّغَةِ إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّ المَعْنى المُعَبَّرَ عَنْهُ (بِكَرْ وِيدِنْ)، أمْرٌ قَطْعِيٌّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ العَلّامَةُ في المَقاصِدِ، ولِذا يَكْفِي في بابِ الإيمانِ التَّصْدِيقُ البالِغُ حَدَّ الجَزْمِ، والإذْعانِ، مَعَ أنَّ التَّصْدِيقَ المَنطِقِيَّ يَعُمُّ الظَّنِّيَّ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّهم يُقَسِّمُونَ العِلْمَ بِالمَعْنى الأعَمِّ تَقْسِيمًا حاصِرًا إلى التَّصَوُّرِ والتَّصْدِيقِ تَوَسُّلًا بِهِ إلى بَيانِ الحاجَةِ إلى المَنطِقِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ الَّتِي مِنها القِياسُ الجَدَلِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المَشْهُوراتِ، والمُسَلَّماتِ، ومِنها القِياسُ الخِطابِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المَقْبُولاتِ، والمَظْنُوناتِ، والشِّعْرِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المُخَيَّلاتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّصْدِيقُ المَنطِقِيُّ عامًّا لَمْ يَثْبُتِ الِاحْتِياجُ إلى هَذِهِ الأجْزاءِ، وهو ظاهِرٌ، وصَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلى الأخِيرِ، فَإنَّ الصُّورَةَ الحاصِلَةَ مِنَ النِّسْبَةِ التّامَّةِ الخَبَرِيَّةِ تَصْدِيقٌ قَطْعًا، فَإنْ كانَ حاصِلًا بِالقَصْدِ، والِاخْتِيارِ بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُ الإذْعانَ والقَبُولَ فَهو تَصْدِيقٌ لُغَوِيٌّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَن وقَعَ بَصَرُهُ عَلى شَيْءٍ، فَعَلِمَ أنَّهُ جِدارٌ مَثَلًا فَهو مَعْرِفَةٌ يَقِينِيَّةٌ، ولَيْسَ بِتَصْدِيقٍ لُغَوِيٍّ، فالتَّصْدِيقُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَهُ أخَصُّ مِنَ المَنطِقِيِّ، وذَهَبَ الكَرامِيَّةُ إلى أنَّ الإيمانَ شَرْعًا إقْرارُ اللِّسانِ بِالشَّهادَتَيْنِ لا غَيْرُ، والخَوارِجُ والعَلّافُ، وعَبْدُ الجَبّارِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّ كُلَّ طاعَةٍ إيمانٌ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفَلًا، والجُبّائِيُّ وابْنُهُ وأكْثَرُ مُعْتَزِلَةِ البَصْرَةِ إلى أنَّهُ الطّاعاتُ المُفْتَرَضَةُ دُونَ النَّوافِلِ مِنها، والقَلانِسِيُّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، والنَّجّارُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ الأثَرِ إلى أنَّهُ المَعْرِفَةُ بِالجَنانِ، والإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالأرْكانِ، قِيلَ: وسِرُّ هَذا الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ في أنَّ المُكَلَّفَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، أوِ البَدَنُ فَقَطْ، أوْ مَجْمُوعُهُما، والحَقُّ أنَّ مَنشَأ كُلِّ مَذْهَبٍ دَلِيلٌ دَعا صاحِبَهُ إلى السُّلُوكِ فِيهِ، وأوْضَحُ المَذاهِبِ أنَّهُ التَّصْدِيقُ، ولِذا قالَ يَعْسُوبُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ الإيمانَ مَعْرِفَةٌ والمَعْرِفَةَ تَسْلِيمٌ، والتَّسْلِيمَ تَصْدِيقٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَذْهَبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ: «(اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ)،» حَيْثُ نَسَبَهُ فِيها وفي نَظائِرِها الغَيْرِ المَحْصُورَةِ إلى القَلْبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ فِعْلُ القَلْبِ، ولَيْسَ سِوى التَّصْدِيقِ، إذْ لَمْ يُبَيَّنْ في الشَّرْعِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَلا نَقْلَ، وإلّا لَكانَ الخِطابُ بِالإيمانِ خِطابًا بِما لا يُفْهَمُ، ولِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُصارُ إلَيْهِ بِلا دَلِيلٍ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالنُّصُوصِ الإيمانُ اللُّغَوِيُّ فَهو الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ، لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإقْرارُ أوْ غَيْرُهُ جُزْءًا مِن مَعْناهُ، يَدْفَعُهُ أنَّ الإيمانَ مِنَ المَنقُولاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ خُصُوصِ المُتَعَلِّقِ، ولِذا بَيَّنَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَعَلِّقَهُ دُونَ مَعْناهُ، فَقالَ: «(أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ)» الحَدِيثَ،
صفحة 112
فَهُوَ في المَعْنى اللُّغَوِيِّ مَجازٌ في كَلامِ الشّارِعِ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، وأيْضًا ورَدَ عَطْفُ الأعْمالِ عَلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات“ والجُزْءُ لا يُعْطَفُ عَلى كُلِّهِ، وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ والرُّوحِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ بِتَأْوِيلِ الخُرُوجِ لِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ، وتَخْصِيصُها بِالنَّوافِلِ بِناءً عَلى خُرُوجِها خِلافُ الظّاهِرِ، وكَفى بِالظّاهِرِ حُجَّةً، وأيْضًا جُعِلَ الإيمانُ شَرْطَ صِحَّةِ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَشْرُوطَ لا يَدْخُلُ في الشَّرْطِ لِامْتِناعِ اشْتِراطِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ، إذْ جُزْءُ الشَّرْطِ شَرْطٌ، وأيْضًا ورَدَ إثْباتُ الإيمانِ لِمَن تَرَكَ بَعْضَ الأعْمالِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ لِلشَّيْءِ بِدُونِ رُكْنِهِ، وأيْضًا ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ إلى الأصْلِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِاعْتِبارِ خُصُوصِ المُتَعَلِّقِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ أوْرَدَ الخَصْمُ وُجُوهًا في الإلْزامِ، الأوَّلُ أنَّ الإيمانَ لَوْ كانَ عِبارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ لَما اخْتَلَفَ مَعَ أنَّ إيمانَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُشْبِهُهُ إيمانُ العَوامِّ، بَلْ ولا الخَواصِّ، الثّانِي أنَّ الفُسُوقَ يُناقِضُ الإيمانَ، ولا يُجامِعُهُ بِنَصِّ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لَما امْتَنَعَ مُجامَعَتُهُ، الثّالِثُ أنَّ فِعْلَ الكَبِيرَةِ مِمّا يُنافِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى في المُرْتَكِبِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ ما نافاهُ، الرّابِعُ أنَّ المُؤْمِنَ غَيْرُ مَخْزِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهم مُصَدِّقُونَ
الخامِسُ مُسْتَطِيعُ الحَجِّ إذا تَرَكَهُ مِن غَيْرِ عُذْرٍ كافِرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ مُصَدِّقٌ، السّادِسُ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُصَدِّقٌ مَعَ أنَّهُ كافِرٌ بِنَصِّ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ السّابِعُ أنَّ الزّانِيَ كَذَلِكَ بِنَصِّ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)،» وكَذا تارِكُ الصَّلاةِ عَمْدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وأمْثالُ ذَلِكَ، الثّامِنُ أنَّ المُسْتَخِفَّ بِنَبِيٍّ مَثَلًا مُصَدِّقٌ مَعَ أنَّهُ كافِرٌ بِالإجْماعِ، التّاسِعِ أنَّ فِعْلَ الواجِباتِ هو الدِّينُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ والدِّينُ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ والإسْلامُ هو الإيمانُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَما قُبِلَ مِن مُبْتَغِيهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ العاشِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ هو التَّصْدِيقَ لَما صَحَّ وصْفُ المُكَلَّفِ بِهِ حَقِيقَةً إلّا وقْتَ صُدُورِهِ مِنهُ، كَما في سائِرِ الأفْعالِ، مَعَ أنَّ النّائِمَ والغافِلَ يُوصَفانِ بِهِ إجْماعًا، مَعَ أنَّ التَّصْدِيقَ غَيْرُ باقٍ فِيهِما، الحادِيَ عَشَرَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ لِمَن صَدَّقَ بِآلِهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنٌ، وهو خِلافُ الإجْماعِ، الثّانِيَ عَشَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ مُشْرِكًا، فَقالَ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ولَوْ كانَ هو التَّصْدِيقَ لامْتَنَعَ مُجامَعَتُهُ لِلشِّرْكِ، سَلَّمْنا أنَّهُ هُوَ، ولَكِنْ ما المانِعُ أنْ يَكُونَ هو التَّصْدِيقَ بِاللِّسانِ كَما قالَهُ الكَرامِيَّةُ، كَيْفَ وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَفْهَمُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ غَيْرَ التَّصْدِيقِ بِاللِّسانِ؟ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّصْدِيقَ لِلْواحِدِ، وإنْ سَلَّمْنا عَدَمَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ مِنَ النَّبِيِّ والواحِدِ مِنّا، إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإيمانَيْنِ بِسَبَبِ تَخَلُّلِ الفَعَلَةِ والقُوَّةِ بَيْنَ أعْدادِ الإيمانِ المُتَجَدِّدَةِ وقِلَّةِ تَخَلُّلِها، أوْ بِسَبَبِ عُرُوضِ الشُّبَهِ والتَّشْكِيكاتِ، وعَدَمِ عُرُوضِها، ولِلنَّبِيِّ الأكْمَلِ الأكْمَلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ولِلزُّنْبُورِ والبازِي جَمِيعًا لَدى الطَّيَرانِ أجْنِحَةٌ وخَفْقُ
ولَكِنْ بَيْنَ ما يَصْطادُ بازٌ ∗∗∗ وما يَصْطادُهُ الزُّنْبُورُ فَرْقُ
وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُسُوقَ لا يُجامِعُ الإيمانَ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ العِلْمَ وكَرَّهَ إلَيْكُمُ
صفحة 113
الفُسُوقَ لَمْ يَدُلَّ عَلى المُناقَضَةِ بَيْنَ العِلْمِ والفُسُوقِ، وكَوْنُ الكُفْرِ مُقابِلًا لِلْإيمانِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الآيَةِ، بَلْ مِن خارِجٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا دِلالَةَ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ الظُّلْمِ لِلْإيمانِ في بَعْضٍ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِعْلَ الكَبِيرَةِ مُنافٍ لِلْإيمانِ،﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ عَلى مَعْنى لا تَحْمِلَنَّكُمُ الشَّفَقَةُ عَلى إسْقاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وُجُوبِها، وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِ دِلالَةً، لِأنَّ آيَةَ نَفْيِ الخِزْيِ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِهِ في الآخِرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، أوْ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ القاطِعِ دالَّةٌ عَلى الخِزْيِ في الدُّنْيا، ولا يَلْزَمُ مِن مُنافاةِ الخِزْيِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْإيمانِ مُنافاتُهُ لِلْإيمانِ في الدُّنْيا، وعَنِ الخامِسِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ كَفْرَ مَن تَرَكَ الحَجَّ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، و(مَن كَفَرَ) ابْتِداءُ كَلامٍ، أوِ المُرادُ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِمَناسِكِ الحَجِّ، وجَحَدَها، ولا يُتَصَوَّرُ مَعَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ، وعَنِ السّادِسِ بِأنَّ مَعْنى ”مَن لَمْ يَحْكم“ الآيَةَ مَن لَمْ يُصَدِّقْ، أوْ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ، أوِ المُرادُ بِذَلِكَ التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، وعَنِ السّابِعِ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَعْنى لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ، أيْ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، أيْ إنْ زَنى، والعِياذُ بِاللَّهِ، فَلْيَخَفْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَأْمَن مَكْرَهُ، أوِ المُرادُ لا يَزْنِي مُسْتَحِلًّا لِزِناهُ، وهو مُؤْمِنٌ، أوْ لا يَزْنِي وهو عَلى صِفاتِ المُؤْمِنِ مِنِ اجْتِنابِ المَحْظُوراتِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِن مُخالَفَةِ الأوْضاعِ اللُّغَوِيَّةِ لِكَثْرَتِهِ دُونَها، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِ هَذا، وعَنِ الثّامِنِ بِأنّا لا نُنْكِرُ مُجامَعَةَ الكَبائِرِ لِلْإيمانِ عَقْلًا غَيْرَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى إكْفارِ المُسْتَخِفِّ، فَعَلِمْنا انْتِفاءَ التَّصْدِيقِ عِنْدَ وُجُودِ الِاسْتِخْفافِ مَثَلًا سَمْعًا، والجَمْعُ بَيْنَ العَمَلِ بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى الإكْفارِ أوْلى مِن إبْطالِ أحَدِهِما، وعَنِ التّاسِعِ بِأنَّ الآيَةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الدِّينِ، وفِعْلِ الواجِباتِ لِلْعَطْفِ، وهو ظاهِرًا دَلِيلُ المُغايَرَةِ، سَلَّمْنا أنَّ الدِّينَ فِعْلُ الواجِباتِ، وأنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الإسْلامَ هو الإيمانُ، ولَيْسَ المُرادُ بِغَيْرِ الإسْلامِ في الآيَةِ ما هو مُغايِرٌ لَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ والزَّكاةُ مَثَلًا، بَلِ المُغايِرُ لَهُ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ أعَمَّ، وهَذا كَما إذا قُلْتَ: مَن يَبْتَغِ غَيْرَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ سَها، فَإنَّكَ لا تَحْكُمُ بِسَهْوِ مَنِ ابْتَغى الكَلامَ، وظاهِرٌ أنَّ ذَمَّ غَيْرِ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ الأخَصِّ، فَإنَّ قَوْلَكَ: غَيْرُ الحَيَوانِ، مَذْمُومٌ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَذْمُومًا، وعَنِ العاشِرِ بِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، فَما هو جَوابُكُمْ، فَهو جَوابُنا عَلى أنّا نَقُولُ التَّصْدِيقُ في حالَةِ النَّوْمِ، والغَفْلَةِ باقٍ في القَلْبِ والذُّهُولِ، إنَّما هو عَنْ حُصُولِهِ، والنَّوْمُ ضِدٌّ لِإدْراكِ الأشْياءِ ابْتَداءً لا أنَّهُ مُنافٍ لِبَقاءِ الإدْراكِ الحاصِلِ حالَةَ اليَقَظَةِ، سَلَّمْنا إلّا أنَّ الشّارِعَ جَعَلَ المُحَقِّقَ الَّذِي لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ما يُضادُّهُ في حُكْمِ الباقِي، حَتّى كانَ المُؤْمِنُ اسْمًا لِمَن آمَنَ في الحالِ، أوْ في الماضِي، ولَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما هو عَلامَةُ التَّكْذِيبِ، وعَنِ الحادِيَ عَشَرَ بِأنَّ عَدَمَ تَسْمِيَةِ مَن صَدَّقَ بِآلِهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مُؤْمِنًا، إنَّما هو لِخُصُوصِيَّةِ مُتَعَلِّقِ الإيمانِ شَرْعًا، فَتَسْمِيَتُهُ مُؤْمِنًا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، ولا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالِ الشَّرْعِيِّ، وعَنِ الثّانِيَ عَشَرَ بِأنَّ الإيمانَ ضِدُّ الشِّرْكِ بِالإجْماعِ، وما ذَكَرُوهُ لازِمٌ عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإيمانَ هُناكَ لُغَوِيٌّ، إذْ في الشَّرْعِيِّ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ﷺ، كَما تَقَدَّمَ، فالمُشْرِكُ المُصَدِّقُ بِبَعْضٍ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إلّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ، لِإخْلالِهِ بِالتَّوْحِيدِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِ، وقَوْلُهُمْ: أهْلُ اللُّغَةِ لا يَفْهَمُونَ إلَخْ، مُجَرَّدُ دَعْوى لا يُساعِدُها البُرْهانُ، نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ المُقِرَّ بِاللِّسانِ وحْدَهُ يُسَمّى مُؤْمِنًا لُغَةً لِقِيامِ دَلِيلِ الإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ فِيهِ، كَما يُطْلَقُ الغَضْبانُ والفَرْحانُ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْها مِنَ الآثارِ اللّازِمَةِ لِلْغَضَبِ والفَرَحِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإيمانِ ظاهِرًا، ولا نِزاعَ في ذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيِّ ﷺ، ومَن بَعْدَهُ، كَما كانُوا يَحْكُمُونَ بِإيمانِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَتَيْنِ كانُوا يَحْكُمُونَ بِكُفْرِ المُنافِقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في الإيمانِ فِعْلُ اللِّسانِ
صفحة 114
وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وكَأنَّهُ لِهَذا اشْتَرَطَ الرَّقاشِيُّ والقَطّانُ مُواطَأةَ القَلْبِ مَعَ المَعْرِفَةِ عِنْدَ الأوَّلِ، والتَّصْدِيقَ المُكْتَسَبَ بِالِاخْتِيارِ عِنْدَ الثّانِي، وقالَ الكَرامِيَّةُ: مَن أضْمَرَ الإنْكارَ وأظْهَرَ الإذْعانَ وإنْ كانَ مُؤْمِنًا لُغَةً وشَرْعًا لِتَحَقُّقِ اللَّفْظِ الدّالِّ الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الإيمانِ بِإزائِهِ إلّا أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الشَّخْصُ الخُلُودَ في النّارِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَدْلُولِ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي هو مَقْصُودٌ مِنِ اعْتِبارِ دِلالَتِهِ، هَذا وبَعْدَ سَبْرِ الأقْوالِ في هَذا المَقامِ، لَمْ يَظْهَرْ لِي بَأْسٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ، وهو أنَّ لَفْظَ الإيمانِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، وبَيْنَ الأعْمالِ، فَيَكُونُ إطْلاقُهُ عَلى التَّصْدِيقِ فَقَطْ، وعَلى مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ والأعْمالِ حَقِيقَةً كَما أنَّ المُعْتَبَرَ في الشَّجَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِحَسَبِ العُرْفِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ ساقِها ومَجْمُوعِ ساقِها مَعَ الشُّعَبِ والأوْراقِ، فَلا يُطْلَقُ الِانْعِدامُ عَلَيْها ما بَقِيَ السّاقُ، فالتَّصْدِيقُ بِمَنزِلَةِ أصْلِ الشَّجَرَةِ، والأعْمالُ بِمَنزِلَةِ فُرُوعِها وأغْصانِها، فَما دامَ الأصْلُ باقِيًا يَكُونُ الإيمانُ باقِيًا، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «(الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً أعْلاها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ)،» وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْمالَ آثارٌ خارِجَةٌ عَنِ الإيمانِ، مُسَبِّبَةٌ لَهُ، ويُطْلَقُ عَلَيْها لَفْظُ الإيمانِ مَجازًا، ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، إلّا بِأنَّ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ عَلى الثّانِي، وهو بَحْثٌ لَفْظِيٌّ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإيمانِ ها هُنا التَّصْدِيقُ كَما لا يَخْفى، (والغَيْبُ) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، وهو غائِبٌ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ كَأنَّهُ هُوَ، وجَعْلُهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ يَرُدُّهُ كَما في البَحْرِ أنَّ الغَيْبَ مَصْدَرُ غابَ، وهو لازِمٌ، لا يُبْنى مِنهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، وجَعْلُهُ تَفْسِيرًا بِالمَعْنى لِأنَّ الغائِبَ يَغِيبُ بِنَفْسِهِ تَكَلُّفٌ مِن غَيْرِ داعٍ، أوْ فَيْعَلٌ خُفِّفَ كَقِيلٍ ومَيْتٍ، وفي البَحْرِ لا يَنْبَغِي أنْ يُدَّعى ذَلِكَ إلّا فِيما سُمِعَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، وفَسَّرَهُ جَمْعٌ هُنا بِما لا يَقَعُ تَحْتَ الحَواسِّ، ولا تَقْتَضِيهِ بَداهَةُ العَقْلِ، فَمِنهُ ما لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وتَفَرَّدَ بِعِلْمِهِ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَعِلْمِ القَدَرِ مَثَلًا، ومِنهُ ما نُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كالحَقِّ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا، فَإنَّهُ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ مَن أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى نُورًا عَلى حَسَبِ ذَلِكَ النُّورِ، فَلِهَذا تَجِدُ النّاسَ مُتَفاوِتِينَ فِيهِ، ولِلْأوْلِياءِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمُ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنهُ.
ومِن هُنا قِيلَ: الغَيْبُ مُشاهَدَةُ الكُلِّ بِعَيْنِ الحَقِّ، فَقَدْ يُمْنَحُ العَبْدُ قُرْبَ النَّوافِلِ، فَيَكُونُ الحَقُّ سُبْحانَهُ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وسَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، ويَرْقى مِن ذَلِكَ إلى قُرْبِ الفَرائِضِ فَيَكُونُ نُورًا، فَهُناكَ يَكُونُ الغَيْبُ لَهُ شُهُودًا، والمَفْقُودُ لَدَيْنا عِنْدَهُ مَوْجُودًا، ومَعَ هَذا لا أُسَوِّغُ لِمَن وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾
وقُلْ لِقَتِيلِ الحُبِّ وفَّيْتَ حَقَّهُ ∗∗∗ ولِلْمُدَّعِي هَيْهاتَ ما الكُحْلُ الكُحْلُ
واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهِ هُنا عَلى أقْوالٍ شَتّى حَتّى زَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّهُ القائِمُ، وقَعَدُوا عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّهُ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو اللَّهُ تَعالى، ومَلائِكَتُهُ، وكُتُبُهُ، ورُسُلُهُ، واليَوْمُ الآخِرُ، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، لِأنَّ الإيمانَ المَطْلُوبَ شَرْعًا هو ذاكَ، لا سِيَّما وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفانِ بَعْدَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإطْلاقِ الغَيْبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ضِمْنًا، والغَيْبُ والغائِبُ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، والغَيْبَةُ مِمّا لا يَضُرُّ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِخُصُوصِهِ، فَهَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّسْمِيَةِ، عَلى أنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ الغَيْبَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الغَيْبِ والغائِبِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى غَيْبٌ، ولَيْسَ بِغائِبٍ، ويَعْنُونَ بِالغائِبِ ما لا يَراكَ، ولا تَراهُ، وبِالغَيْبِ ما لا تَراهُ أنْتَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ لِيَدْخُلَ إيمانُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ لَيْسَ بِغَيْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، أوْ يُقالُ: الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعٌ إلى الإيمانِ بِرِسالَتِهِ مَثَلًا، إذْ لا مَعْنى لِلْإيمانِ
صفحة 115
بِهِ نَفْسِهِ مُعَرًّى عَنِ الحَيْثِيّاتِ، ورِسالَتُهُ غَيْبٌ نُصِبَ عَلَيْها الدَّلِيلُ كَما نُصِبَ لَنا، وإنِ افَتَرَقْنا بِالخَبَرِ والمُعايَنَةِ، أوْ أنَّهُ مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ مَجازًا، كَبَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، أوِ المُرادُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ كَما يُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ، فاسْتَوى عِنْدَهُمُ المُشاهَدُ وغَيْرُهُ، واخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَّقِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ أيْ حالَ الغَيْبَةِ عَنْكُمْ، كَما يُؤْمِنُونَ حالَ الحُضُورِ لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: حالَ غَيْبَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، فَفي سُنَنِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ قالَ لَهُ: عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ مِن رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ إيمانَكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ تَرَوْهُ، إنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَيِّنًا لِمَن رَآهُ، والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما مِن أحَدٍ أفْضَلَ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن تَفْضِيلِ إيمانٍ عَلى آخَرَ مِن حَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ، ولا تَفْصِيلِ المُتَّصِفِ بِأحَدِهِما عَلى المُتَّصِفِ بِالآخَرِ، فَإنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الإضافاتِ والِاعْتِباراتِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، ويا لَيْتَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَكَّنَ لَوْعَةَ الحارْثِ بِما ورَدَ عَنْهُ ﷺ مَرْفُوعًا، «(نِعْمَ قَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكم يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي)،» وما كانَ أغْناهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمّا أجابَ بِهِ، إذْ يَخْرُجُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ هَذا العُمُومِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قِراءَتُهُ لَها، مُسْتَشْهِدًا بِها، وبِهِ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأنا لا أمِيلُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ القَلْبُ أيْ يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ، لا كَمَن يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ لِلْمُصاحَبَةِ، وعَلى الرّابِعِ لِلْآلَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِتَرْكِ الهَمْزَةِ مِن (يُؤْمِنُونَ)، وكَذا كُلُّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، بَلْ قَدْ يَتْرُكانِ كَثِيرًا مِنَ المُتَحَرِّكَةِ مِثْلَ ”لا يُؤاخِذُكم“ و﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أبِي جَعْفَرٍ طَوِيلٌ، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ إلّا أنْ يَكُونَ سُكُونُها عَلامَةً لِلْجَزْمِ مِثْلَ ”يهيئ لَكم“ (ونَبِّئْهُمْ)، و﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُ الهَمْزَةَ فِيها، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا الهَمْزَةُ في السّاكِنَةِ، وأمّا نافِعٌ، فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ومُتَحَرِّكَةٍ إذا كانَتْ فاءَ الفِعْلِ نَحْوَ (يُؤْمِنُونَ) و(لا يُؤاخِذُكُمْ)، واخْتَلَفَتْ قِراءَةُ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ، ولِكُلٍّ مَذْهَبٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، (ويُقِيمُونَ) مِنَ الإقامَةِ، يُقالُ: أقَمْتُ الشَّيْءَ إقامَةً إذا وفَّيْتَ حَقَّهُ، قالَ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ تُوَفُّوا حَقَّهُما بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ومَعْنى: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، يَعْدِلُونَ أرْكانَها بِأنْ يُوقِعُوها مُسْتَجْمِعَةً لِلْفَرائِضِ والواجِباتِ أوْ لَها مَعَ الآدابِ والسُّنَنِ مِن أقامَ العُودَ إذا قَوَّمَهُ، أوْ يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُداوِمُونَ، مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ، وأقَمْتُها إذا جَعَلْتَها نافِقَةً، أوْ يَتَشَمَّرُونَ لِأدائِها بِلا فَتْرَةٍ عَنْها، ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ، وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ، أوْ يُؤَدُّونَها ويَفْعَلُونَها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإقامَةِ لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفي الكَلامِ عَلى الأوَّلَيْنِ مِنها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وعَلى الأخِيرَيْنِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وبَيانُ ذَلِكَ في الأوَّلِ أنْ يُشَبِّهَ تَعْدِيلَ الأرْكانِ بِتَقْوِيمِ العُودِ بِإزالَةِ اعْوِجاجِهِ، فَهو قَوِيمٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِالقائِمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ الإقامَةُ مِن تَسْوِيَةِ الأجْسامِ الَّتِي صارَتْ حَقِيقَةً فِيها لِتَسْوِيَةِ المَعانِي، كَتَعْدِيلِ أرْكانِ الصَّلاةِ عَلى ما هو حَقُّها، وقِيلَ: الإقامَةُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ حَقِيقَةٌ في الأعْيانِ والمَعانِي، بَلِ التَّقْوِيمُ في المَعانِي كالدِّينِ، والمَذْهَبِ أكْثَرُ
صفحة 116
فَلا حاجَةَ إلى الِاسْتِعارَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ المَجازِيَّةَ ما لا شُبْهَةَ فِيها دِرايَةً ورِوايَةً، وذاكَ الِاسْتِعْمالُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، أوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وفي الثّانِي بِأنَّ نَفاقَ السُّوقِ كانْتِصابِ الشَّخْصِ في حُسْنِ الحالِ والظُّهُورِ التّامِّ، فاسْتَعْمَلَ القِيامَ فِيهِ، والإقامَةَ في إنْفاقِها ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ مِنهُ لِلْمُداوَمَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَهُ مَرْغُوبًا مُتَنافَسًا فِيهِ مُتَوَجَّهًا إلَيْهِ، وهَذا مَعْنًى لَطِيفٌ لا يَقِفُ عَلَيْهِ إلّا الخَواصُّ، إلّا أنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا مِنَ المَجازِ، وكَأنَّهُ لِهَذا مالَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ في هَذا الوَجْهِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الدَّوامِ بِالإقامَةِ، فَإنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالمَعْنى الأوَّلِ مُشْعِرَةٌ بِكَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها، وإضاعَتُها تَدُلُّ عَلى ابْتِذالِها كالسُّوقِ إذا شُوهِدَتْ قائِمَةً دَلَّتْ عَلى نَفاقِ سِلْعَتِها ونَفاقِها عَلى تَوَجُّهِ الرَّغَباتِ إلَيْها، وهو يَسْتَدْعِي الِاسْتِدامَةَ بِخِلافِها إذا لَمْ تَكُنْ قائِمَةً، وفي الثّالِثِ بِأنَّ القِيامَ بِالأمْرِ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ويَلْزَمُهُ التَّشَمُّرُ فَأُطْلِقَ القِيامُ عَلى لازِمِهِ، وقَدْ يُقالُ بِأنَّ قامَ بِالأمْرِ مَعْناهُ جَدَّ فِيهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِلا تَأْخِيرٍ ولا تَقْصِيرٍ، فَكَأنَّهُ قامَ بِنَفْسِهِ لِذَلِكَ، وأقامَهُ أيْ رَفَعَهُ عَلى كاهِلِهِ بِجُمْلَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مَجازًا مُرْسَلًا، لِأنَّ مَن قامَ لِأمْرٍ عَلى أقْدامِ الإقْدامِ، ورَفَعَهُ عَلى كاهِلِ الجِدِّ، فَقَدْ بَذَلَ فِيهِ جُهْدَهُ، وفي الرّابِعِ بِأنَّ الأداءَ المُرادُ بِهِ فِعْلُ الصَّلاةِ، والقَيْدُ خارِجٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإقامَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، إذْ يَلْزَمُ مِن تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ وإيجادِها كُلِّها فِعْلُ القِيامِ، وهو الإقامَةُ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ فِعْلٌ لِأجْزائِهِ، أوِ العَلاقَةِ الجُزْئِيَّةِ، لِأنَّ الإقامَةَ جُزْءٌ أوْ جُزْئِيٌّ لِمُطْلَقِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِمُشابَهَةِ الأداءِ لِلْإقامَةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلاةِ
وإلى تَرْجِيحِ أوَّلِ الأوْجُهِ مالَ جَمْعٌ لِأنَّهُ أظْهَرُ وأقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وأفْيَدُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهُ عَنْ تَوْقِيفٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ حَمْلٌ لِكَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أحْسَنِ مَحامِلِهِ، حَيْثُ إنَّهُ المُناسِبُ لِتَرْتِيبِ الهُدى الكامِلِ، والفَلاحِ التّامِّ الشّامِلِ، وفِيهِ المَدْحُ العَظِيمُ والثَّناءُ العَمِيمُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِاسْتِلْزامِهِ لِما في الأوْجُهِ الأخِيرَةِ، وتَعَيَّنَ الأخِيرُ كَما قِيلَ في حَدِيثِ: «(أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ)،» لا يَضُرُّ في أرْجَحِيَّةِ الأوَّلِ في الكَلامِ القَدِيمِ، إذْ يَرِدُ أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ: يُصَلُّونَ، والعُدُولُ عَنِ الأخْصَرِ الأظْهَرِ بِلا فائِدَةٍ لا يَتَّجِهُ في كَلامٍ بَلِيغٍ فَضْلًا عَنْ أبْلَغِ الكَلامِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، فافْهَمْ، (والصَّلاةُ) في الأصْلِ عِنْدَ بَعْضٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ فَلْيُجِبْ، وإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ)،» وهي عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلَةٌ في ذاتِ الأرْكانِ، لِأنَّها دُعاءٌ بِالألْسِنَةِ الثَّلاثَةِ، الحالِ والفِعْلِ والمَقالِ، والمَشْهُورُ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ المُعْتَزِلَةَ عَلى أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها حَقائِقُ مُخْتَرَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِأنَّها مَنقُولَةٌ عَنْ مَعانٍ لُغَوِيَّةٍ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ مِنّا عَلى أنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ لَمْ تَصِرْ حَقائِقَ، وجَماهِيرُ الأصْحابِ عَلى أنَّها حَقائِقُ شَرْعِيَّةٌ عَنْ مَعانٍ لُغَوِيَّةٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ ورَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ: الصَّلاةُ مِنَ الصَّلَوَيْنِ لِعِرْقَيْنِ في الظَّهْرِ، لِأنَّ أوَّلَ ما يُشاهَدُ مِن أحْوالِها تَحْرِيكُهُما لِلرُّكُوعِ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ جِنِّي، وسُمِّيَ الدّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ السّاجِدِ، وقِيلَ: أُخِذَتِ الصَّلاةُ مِن ذاكَ لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةً لِلْإيمانِ، فَشُبِّهَتْ بِالمَصْلِيِّ مِنَ الخَيْلِ لِلْآتِي مَعَ صَلَوَيِ السّابِقِ، وأنْكَرَ الإمامُ الِاشْتِقاقَ مِنَ الصَّلَوَيْنِ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ الصَّلاةَ مِن أشْهَرِ الألْفاظِ، فاشْتِقاقُها مِن غَيْرِ المَشْهُورِ في غايَةِ البُعْدِ، وأكادُ أُوافِقُهُ وإنْ قِيلَ: إنَّ عَدَمَ الِاسْتِشْهارِ لا يَقْدَحُ في النَّقْلِ، وقِيلَ: مِن صَلَيْتُ العَصا إذا قَوَّمْتَها بِالصَّلْيِ، فالمُصَلِّي كَأنَّهُ يَسْعى في تَعْدِيلِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِثْلَ ما يُحاوِلُ تَعْدِيلَ الخَشَبَةِ بِعَرْضِها عَلى النّارِ، وهي فَعَلَةٌ
صفحة 117
بِفَتْحِ العَيْنِ، عَلى المَشْهُورِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم سُكُونَها، فَتَكُونُ حَرَكَةُ العَيْنِ مَنقُولَةً مِنَ اللّامِ، وقَدِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ عَلى رَسْمِ الواوِ مَكانَ الألِفِ في مِشْكَوَةٍ، ونَجاةٍ، ومَناةٍ، وصَلاةٍ، وزَكاةٍ، وحَياةٍ، حَيْثُ كُنَّ مُوَحَّداتٍ مُفْرَداتٍ مُحَلّاتٍ بِاللّامِ، وعَلى رَسْمِ المُضافِ مِنها كَصَلاتِي بِالألِفِ، وحُذِفَتْ مِن بَعْضِ المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى رَسْمِ المَجْمُوعِ مِنها بِالواوِ عَلى اللَّفْظِ قالَ الجُعْبَرِيُّ: ووَجْهُ كِتابَةِ الواوِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ أصْلَها المُنْقَلِبَةَ عَنْهُ واوٌ وهو إتْباعٌ لِلتَّفْخِيمِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: بَعْضُ العَرَبِ يُمِيلُونَ الألِفَ إلى الواوِ، ولَمْ أخْتَرِ التَّعْلِيلَ بِهِ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وكَلامِ الفُصَحاءِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، كَما قالَهُ مُقاتِلٌ أوِ الفَرائِضُ والنَّوافِلُ، كَما قالَهُ الجُمْهُورُ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وادَّعى الإمامُ أنَّهُ هو المُرادُ لِأنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الفَلاحُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا بَيَّنَ لِلْأعْرابِيِّ صِفَةَ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ قالَ: «(واللَّهِ لا أزِيدُ عَلَيْها، ولا أنْقُصُ مِنها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْلَحَ الأعْرابِيُّ إنْ صَدَقَ)،» (والرَّزْقُ) بِالفَتْحِ لُغَةً الإعْطاءُ لِما يَنْتَفِعُ الحَيَوانُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ كالنَّباتِ، وبِالكَسْرِ اسْمٌ مِنهُ، ومَصْدَرٌ أيْضًا عَلى قَوْلٍ، وقِيلَ: أصْلُ الرِّزْقِ الحَظُّ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَرْزُوقِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وبِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى الشُّكْرِ عِنْدَ أزْدٍ، واخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ في مَعْناهُ شَرْعًا، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ ما ساقَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الحَيَوانِ فانْتَفَعَ بِهِ، سَواءٌ كانَ حَلالًا أوْ حَرامًا، مِنَ المَطْعُوماتِ، أوِ المَشْرُوباتِ، أوِ المَلْبُوساتِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ اسْمٌّ لِما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى إلى الحَيَوانِ لِيَتَغَذّى بِهِ، ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ أنْ تَكُونَ العَوارِي رِزْقًا، لِأنَّها مِمّا ساقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْحَيَوانِ فانْتَفَعَ بِهِ، وفي جَعْلِها رِزْقًا بَعْدُ بِحَسَبِ العُرْفِ كَما لا يَخْفى، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَأْكُلَ شَخْصٌ رِزْقَ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الآخَرُ بِالأكْلِ، إلّا أنَّ الآيَةَ تُوافِقُهُ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِانْتِفاعُ مِن جِهَةِ الإنْفاقِ عَلى الغَيْرِ بِخِلافِ التَّعْرِيفِ الثّانِي، إذْ ما يُتَغَذّى بِهِ لا يُمْكِنُ إنْفاقُهُ إلّا أنْ يُقالَ: إطْلاقُ الرِّزْقِ عَلى المُنْفَقِ مُجازٌ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِهِ، والمُعْتَزِلَةُ فَسَّرُوهُ في المَشْهُورِ تارَةً بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَبْدَهُ ومَكَّنَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وتارَةً بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِقِوامِهِ وبَقائِهِ خاصَّةً، وحَيْثُ إنَّ الإضافَةَ إلى اللَّهِ تَعالى مُعْتَبَرَةٌ في مَعْناهُ، وأنَّهُ لا رازِقَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ عَلى أكْلِ الحَرامِ، وما يَسْتَنِدُ إلى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ عِنْدَهم لا يَكُونُ قَبِيحًا ولا مُرْتَكِبُهُ مُسْتَحِقًّا ذَمًّا وعِقابًا، قالُوا: إنَّ الرِّزْقَ هو الحَلالُ، والحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجَصّاصُ مِنّا في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ، وعِنْدَنا الكُلُّ مِنهُ وبِهِ وإلَيْهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وإلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُور والذَّمُّ والعِقابُ لِسُوءِ مُباشَرَةِ الأسْبابِ بِالِاخْتِيارِ، نَعَمِ الأدَبُ مِن خَيْرِ رَأْسِ مالِ المُؤْمِنِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا الأفْضَلُ، فالأفْضَلُ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فالحَرامُ رِزْقٌ في نَفْسِ الأمْرِ، لَكِنّا نَتَأدَّبُ في نِسْبَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، والدَّلِيلُ عَلى شُمُولِ الرِّزْقِ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «(جاءَ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ، فَلا أُرانِي أُرْزَقُ إلّا مِن دُفِّي بِكَفِّي، فَأْذَنْ لِي في الغِنى مِن غَيْرِ فاحِشَةٍ، فَقالَ ﷺ: لا إذَنَ لَكَ، ولا كَرامَةَ، ولا نِعْمَةَ، كَذَبْتَ، أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى رِزْقًا حَلالًا طَيِّبًا فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن حَلالِهِ)،» وحَمْلُهُ عَلى المُشاكَلَةِ كالقَوْلِ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (فاخْتَرْتَ) إلَخْ، كَوْنَهُ رِزْقًا لِمَن أُحِلَّ لَهُ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ، خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ إنْ قَدَحَ في الِاسْتِدْلالِ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ دَلِيلٌ، والطَّعْنُ في السَّنَدِ لا يُقْبَلُ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ، وهو مَناطُ الثُّرَيّا، كَما لا يَخْفى، والِاسْتِدْلالُ عَلى هَذا المَطْلَبِ كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَمْ يَكُنِ المُتَغَذِّي
صفحة 118
بِهِ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَخُصُّوا الرِّزْقَ بِالغِذاءِ، بَلْ يَكْتَفُوا بِمُطْلَقِ الِانْتِفاعِ دُونَ الِانْتِفاعِ بِالفِعْلِ، بَلِ التَّمَكُّنِ فِيهِ، فَلا يَتِمُّ الدَّلِيلُ إلّا إذا فُرِضَ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَمْ يَنْتَفِعْ مِن وقْتِ وفاتِهِ إلى وقْتِ مَوْتِهِ بِشَيْءٍ انْتِفاعًا مُحَلّالًا، لا رَضْعَةَ مِن ثَدْيٍ، ولا شَرْبَةَ مِن ماءٍ مُباحٍ، ولا نَظْرَةَ إلى مَحْبُوبٍ، ولا وصْلَةَ إلى مَطْلُوبٍ، بَلْ ولا تَمَكُّنَ مِن ذَلِكَ أصْلًا، والعادَةُ تَقْضِي بِعَدَمِ وُجُودِهِ، ومادَّةُ النَّقْضِ لا بُدَّ مِن تَحَقُّقِها عَلى أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهُ لَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُحَرَّمًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، و﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وأيْضًا لَهم أنْ يَعْتَرِضُوا بِمَن عاشَ يَوْمًا مَثَلًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَتَناوَلَ حَلالًا ولا حَرامًا، وما يَكُونُ جَوابَنا لَهُمْ، يَكُونُ جَوابَهم لَنا، عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ جَمِيعَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَإنَّ الواقِعَ خِلافُهُ بَلْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَسُوقُ الرِّزْقَ، ويُمَكِّنُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا حَصَلَ الإعْراضُ مِنَ الحَلالِ إلى الحَرامِ لَمْ يَقْدَحْ في تَحَقُّقِ رازِقِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا، وأيْضًا قَدْ يُقالُ: مَعْنى الآيَةِ ما مِن دابَّةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالمَرْزُوقِيَّةِ، فَلا تَدْخُلُ مادَّةُ النَّقْضِ لِيَضُرَّ خُرُوجُها، كَما لا يَدْخُلُ السَّمَكُ في قَوْلِهِمْ: كُلُّ دابَّةٍ تُذْبَحُ بِالسِّكِّينِ، أيْ كُلُّ دابَّةٍ تَتَّصِفُ بِالمَذْبُوحَةِ، فالِاتِّصافُ أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ دَلِيلًا، والأحْسَنُ الِاسْتِدْلالُ بِالإجْماعِ قَبْلَ ظُهُورِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ مَن أكَلَ الحَرامَ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقٌ طُولَ عُمْرِهِ ذَلِكَ الحَرامَ، والظَّواهِرُ تَشْهَدُ بِانْقِسامِ الرِّزْقِ إلى طَيِّبٍ وخَبِيثٍ، وهي تَكْفِي في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ، والأصْلُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ قَدْ تَرَكَهُ أهْلُ السُّنَّةِ قاعًا صَفْصَفًا، (والإنْفاقُ) الإنْفادُ يُقالُ: أنْفَقْتُ الشَّيْءَ، وأنْفَدْتُهُ بِمَعْنًى، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، وأصْلُ المادَّةِ تَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ والذَّهابِ، ومِنهُ نافَقَ، والنّافِقاءُ ونَفَقَ، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَعْمُولَ اعْتِناءً بِما خَوَّلَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ، أوْ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الإنْفاقِ في الخارِجِ، ولِتَناسُبِ الفَواصِلِ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هُنا الحَلالُ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ وصْفِ المُتَّقِي، ولا مَدْحَ أيْضًا في إنْفاقِ الحَرامِ، قِيلَ: ولا يُرَدُّ قَوْلُ الفُقَهاءِ إذا اجْتَمَعَ عِنْدَ أحَدٍ مالٌ لا يَعْرِفُ صاحِبَهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإذا وجَدَ صاحِبَهُ دَفَعَ قِيمَتَهُ، أوْ مِثْلَهُ إلَيْهِ، فَهَذا الإنْفاقُ مِمّا يُثابُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمّا فَعَلَهُ بِإذْنِ الشّارِعِ اسْتَحَقَّ المَدْحَ، لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْرِفْ صاحِبَهُ كانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وانْتَقَلَ بِالضَّمانِ إلى مِلْكِهِ، وتَبَدَّلَتِ الحُرْمَةُ إلى ثَمَنِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما لَوْ عَمِلَ الخَيْرَ بِمالٍ مَغْصُوبٍ عُرِفَ صاحِبُهُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ في بَدائِعِ الفَوائِدِ، فَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ إلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِلْغاصِبِ فِيهِ، لِأنَّهُ آثِمٌ ولا لِرَبِّ المالِ، لِأنَّهُ لا نِيَّةَ لَهُ، ولا ثَوابَ بِدُونِها، وإنَّما يُأْخَذُ مِن حَسَناتِ الغاصِبِ بِقَدْرِ مالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ نَفْعٌ حَصَلَ بِمالِهِ، وتَوَلَّدَ مِنهُ، ومِثْلُهُ يُثابُ عَلَيْهِ، كالوَلَدِ الصّالِحِ يُؤْجَرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ أنَّ الغاصِبَ أيْضًا يُؤْجَرُ إذا صَرَفَها بِخَيْرٍ، وإنْ تَعَدَّ واقْتُصَّ مِن حَسَناتِهِ بِسَبَبِ أخْذِهِ لِأنَّهُ لَوْ فَسَقَ بِهِ عُوقِبَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عَلى الغَصْبِ، ومَرَّةً عَلى الفِسْقِ، فَإذا عَمِلَ بِهِ خَيْرًا يَنْبَغِي أنْ يُثابَ عَلَيْهِ، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ولا يَرِدُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِن غُلُولٍ)،» وقَوْلُهُ: «(إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طِيِّبًا)،» لِأنَّ مَآلَ ما ذُكِرَ أنَّ الثَّوابَ عَلى نَفْسِ العُدُولِ مِنَ الصَّرْفِ في المَعْصِيَةِ إلى الصَّرْفِ فِيما هو طاعَةٌ في نَفْسِهِ، لا عَلى نَفْسِ الصَّدَقَةِ مَثَلًا بِالمالِ الحَرامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرامٌ، والفَرْقُ دَقِيقٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقٍ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الإنْفاقِ ها هُنا فَقِيلَ وهو الأوْلى: صَرْفُ المالِ في سُبُلِ الخَيْراتِ، أوِ البَذْلُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وعِلْمٌ لا يُقالُ بِهِ، كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الزَّكاةُ، وعَنْهُ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَفَقَةُ العِيالِ، وعَنِ الضَّحّاكِ التَّطَوُّعُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ أوِ النَّفَقَةُ في الجِهادِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلٌ لِلْمُنْفَقِ لا خِلافَ فِيهِ، وبَعْضُهم جَعَلَها خِلافًا، ورَجَّحَ كَوْنَها الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ بِاقْتِرانِها
صفحة 119
بِأُخْتِها الصَّلاةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ومِنَ التَّبَعُّضِيَّةُ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُسْئَلُ عَنْ سِرِّها، إذِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لا تَكُونُ بِجَمِيعِ المالِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِالإنْفاقِ مُطْلَقَهُ الأعَمَّ مَثَلًا، فَفائِدَةُ إدْخالِها الإشارَةُ إلى أنَّ إنْفاقَ بَعْضِ المالِ يَكْفِي في اتِّصافِ المُنْفِقِ بِالهِدايَةِ والفَلاحِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى إنْفاقِ جَمِيعِ المالِ، وقَوْلُ مَوْلانا البَيْضاوِيِّ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ لِلْكَفِّ عَنِ الإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ مَخْصُوصٌ بِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَلى الفاقَةِ، ويَتَجَرَّعْ مَرارَةَ الإضافَةِ، وإلّا فَقَدْ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِجَمِيعِ مالِهِ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعِلْمِهِ بِصَبْرِهِ واطِّلاعِهِ عَلى ما وقَرَ في صَدْرِهِ، ومِن ها هُنا لَمّا قِيلَ لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ: لا خَيْرَ في الإسْرافِ، قالَ: لا إسْرافَ في الخَيْرِ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في إدْخالِ مِنَ التَّبَعُّضِيَّةِ هي أنَّ الرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَأُدْخِلَتْ إيذانًا بِأنَّ الإنْفاقَ المُعْتَدَّ بِهِ ما يَكُونُ مِنَ الحَلالِ، وهو بَعْضٌ مِنَ الرِّزْقِ، (وما) في الآيَةِ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والأوَّلُ أوْلى، فالعائِدُ مَحْذُوفٌ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ إنْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا يَلْزَمُ اتِّصالُ ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ الرُّتْبَةِ، والِانْفِصالُ في مِثْلِهِ واجِبٌ، وإنْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا امْتَنَعَ حَذْفُهُ، إذْ قَدْ أوْجَبُوا ذِكْرَ المُنْفَصِلِ مُعَلِّلِينَ بِأنَّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ إلّا لِغَرَضٍ، وإذا حُذِفَ فَأتَتِ الدِّلالَةُ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ عَلى اخْتِيارِ كُلٍّ، أمّا الأوَّلُ فَبِأنَّهُ لَمّا اخْتَلَفَ الضَّمِيرانِ جَمْعًا وإفْرادًا جازَ اتِّصالُهُما، وإنِ اتَّحَدا رُتْبَةً كَقَوْلِهِ:
لِوَجْهِكَ في الإحْسانِ بَسْطٌ وبَهْجَةٌ ∗∗∗ أنا لَهُماهُ قَفْوُ أكْرَمِ والِدِ
وأيْضًا يَلْزَمُ مِن مَنعِ ذَلِكَ مَلْفُوظًا بِهِ مَنعُهُ مُقَدَّرًا، لِزَوالِ القُبْحِ اللَّفْظِيِّ، وأمّا الثّانِي فَبِأنَّ الَّذِي يُمْنَعُ حَذْفُهُ ما كانَ مُنْفَصِلًا لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ لا مُطْلَقًا، كَما قالَ ابْنُ هِشامٍ في الجامِعِ الصَّغِيرِ، وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكُتِبَتْ (مِن) مُتَّصِلَةً (بِما) مَحْذُوفَةَ النُّونِ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَتِ النُّونُ لَفْظًا، فَناسَبَ حَذْفُها في الخَطِّ، قالَهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ صِلاتِ (الَّذِينَ) أفْعالًا مُضارِعَةً، ولَمْ يَجْعَلِ المَوْصُولَ ألْ فَيَصِلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، لِأنَّ المُضارِعَ فِيما ذَكَرَهُ البَعْضُ مُشْعِرٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، مَعَ ما فِيهِ هُنا مِنَ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وهَذِهِ الأوْصافُ مُتَجَدِّدَةٌ في المُتَّقِينَ، واسْمُ الفاعِلِ عِنْدَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، ورُتِّبَتْ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّرْتِيبِ لِأنَّ الأعْمالَ إمّا قَلْبِيَّةٌ وأعْظَمُها اعْتِقادُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والمَعادِ، إذْ لَوْلاهُ كانَتِ الأعْمالُ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، أوْ قالَبِيَّةٌ وأصْلُها الصَّلاةُ لِأنَّها الفارِقَةُ بَيْنَ الكُفْرِ والإسْلامِ، وهي عَمُودُ الدِّينِ ومِعْراجُ المُوَحِّدِينَ، والأُمُّ الَّتِي يَتَشَعَّبُ مِنها سائِرُ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، ولِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها الإيمانَ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أوْ مالِيَّةٌ وهي الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهي الَّتِي إذا وُجِدَتْ عُلِمَ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَفاوِتَةُ الرُّتَبِ، فَرَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ مُقَدِّمًا الأهَمَّ فالأهَمَّ، والألْزَمَ فالألْزَمَ، لِأنَّ الإيمانَ لازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ في كُلِّ آنٍ، والصَّلاةَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، والنَّفَقَةَ في بَعْضِ الحالاتِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
البقرة 2:4
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ مَفْصُولًا ومَوْصُولًا، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أُنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وحَيْثُ إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ العَطْفِ أنَّ الإيمانَ بِكُلٍّ مِنَ المُنَزَّلَيْنِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ، لِأنَّ إيمانَ غَيْرِهِمْ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الإجْمالِ والتَّبَعِ لِلْإيمانِ بِالقُرْآنِ، لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ والأحادِيثُ عَلى أنَّ لِأهْلِ الكِتابِ أجْرَيْنِ بِواسِطَةِ ذَلِكَ، وبِهَذا غايَرُوا مَن قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بِاعْتِبارِ أنَّ الإيمانَ الأوَّلَ بِالعَقْلِ، وهَذا بِالنَّقْلِ، أوْ بِأنَّ ذاكَ بِالغَيْبِ، وهَذا بِما عَرَفُوهُ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَأُولَئِكَ عَلى هُدًى حِينَئِذٍ إشارَةً إلى الطّائِفَةِ الأُولى، لِأنَّ إيمانَهم بِمَحْضِ الهِدايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
صفحة 120
إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِفَوْزِهِمْ بِما كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، أوْ بِأنَّ أُولَئِكَ مِن حَيْثُ المَجْمُوعُ كانَ فِيهِمْ شِرْكٌ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُشْرِكُوا، ولَمْ يُنْكِرُوا، وقِيلَ التَّغايُرُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ والتَّخْصِيصُ هُنا بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِلْإشارَةِ إلى الأفْضَلِيَّةِ مِن حَيْثِيَّةِ إنَّهم يُعْطَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبُ أهْلِ الكِتابِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَؤُلاءِ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، وتَوْسِيطُ العَطْفِ جارٍ في الأسْماءِ والصِّفاتِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ المَفْهُوماتِ، ويَكُونُ بِالواوِ، والفاءِ، وثُمَّ بِاعْتِبارِ تَعاقُبِ الِانْتِقالِ في الأحْوالِ، والجَمْعُ المُسْتَفادُ مِنَ الواوِ هُنا واقِعٌ بَيْنَ مَعانِي الصِّفاتِ المَفْهُومَةِ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والإيمانُ الَّذِي مَعَ أوَّلِهِما إجْمالِيٌّ وعَقْلِيٌّ، ومَعَ ثانِيها تَفْصِيلِيٌّ ونَقْلِيٌّ، وإعادَةُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَتَيْنِ، وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ، وقَدْ يُعْطَفُ عَلى المُتَّقِينَ، والمَوْصُولُ غَيْرُ مَفْصُولٍ، لِما يَلْزَمُ عَلى الوَصْلِ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهِ، والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّغايُرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، وبِالمَعْطُوفِ مَن آمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هُمُ الأوَّلُونَ، وتَوَسُّطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفاتِ بِأنَّ الإيمانَ بِالمُنَزَّلَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قاطِبَةً، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ فَقَدْ أفْرَدَ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ ولَمْ يَقْتَضِ الإيمانُ بِها عَلى الِانْفِرادِ، وبِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْجِيلِ، ودِينُهم مَنسُوخٌ بِهِ، وبِأنَّ الصِّفاتِ السّابِقَةَ ثابِتَةٌ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فالتَّخْصِيصُ بِمَن عَداهم تَحَكُّمٌ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا يُلائِمُ المَقامَ.
وأُجِيبُ، أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ السِّياقِ الإيمانُ بِالِاسْتِقْلالِ لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما جاءَ أنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، والخِطابُ في الآيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَقُولُوا دُفْعَةً، ولَمْ يَعُدْ فِيها الإيمانُ والمُؤْمِنُ فَلا تُرَدُّ نَقْضًا، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابِ بِكُلِّ وحْيٍ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِمْ، فاليَهُودُ اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى القُرْآنِ، والتَّوْراةِ، والنَّصارى اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى الإنْجِيلِ أيْضًا، ويَكْفِي هَذا في تَوْجِيهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ شاهَدُوا نُزُولَ الوَحْيِ، ولا يُرْغَبُ عَنْهُ إذا أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ، وكَوْنُ المَفْهُومِ المُتَبادِرِ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِكُلِّ واحِدٍ إنْ سُلِّمَ لا يَرُدُّهُ، ولا يَرُدُّ أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْمِنُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّوْراةِ، وإلّا لَتَنَصَّرُوا لِأنَّ فِيها نُبُوَّةَ عِيسى، كَما فِيها نُبُوَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ قَدْ ورَدَ فِيها: إنَّ اللَّهَ جاءَ مِن طُورِ سَيْناءَ، وظَهَرَ بِساعِيرَ، وعَلَنَ بِفارانَ، وساعِيرُ بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ عِيسى، وفارانُ جِبالُ مَكَّةَ الَّتِي كانَتْ مَظْهَرَ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، وتَأوَّلُوا ما دَلَّ مِنها عَلى نُبُوَّةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَعْضٌ أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ رَأْسًا، ورَمَوْهُ بِما رَمَوْهُ، وحاشاهُ، وهُمُ الكَثِيرُونَ، وبَعْضٌ كالعِنانِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى المُخْلِصِينَ العارِفِينَ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، وهَؤُلاءِ قَلِيلُونَ مُخالِفُونَ لِسائِرِ اليَهُودِ في السَّبْتِ والأعْيادِ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى أكْلِ الطَّيْرِ، والظِّباءِ، والسَّمَكِ، والجَرادِ، وهَذا الإيمانُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نافِعًا في النَّجاةِ مِنَ النّارِ، إلّا أنَّهُ يُقَلِّلُ الشَّرَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ بِالتَّوْراةِ وإنْكارِها بِالكُلِّيَّةِ مَعَ الكُفْرِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُبَّما يُمْدَحُونَ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الإيمانِ بِها، وإنْ ذُمُّوا بِحَيْثِيَّةٍ أُخْرى، وكَأنَّهُ لِهَذا يُكْتَفى مِنهم بِالجِزْيَةِ، ولَمْ يَكُونُوا طُعْمَةً لِلسُّيُوفِ مُطْلَقًا، والقَوْلُ بِأنَّهم مُدِحُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ بِالإيمانِ بِالتَّوْراةِ نَظَرًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ بِها إيمانًا صَحِيحًا عَلى وجْهِها، كَما أنَّهم ذُمُّوا بِما صَنَعَ آباؤُهم عَلى عَهْدِهِ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا مَعْنى لِإيتائِهِمْ
صفحة 121
أجْرَيْنِ حِينَئِذٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ واضِحٌ، ثُمَّ النَّسْخُ الَّذِي ادَّعاهُ المُرَجِّحُ خِلافُ ما ذَكَرَهُ الشَّهْرَسْتانِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الإنْجِيلَ لَمْ يُبَيِّنْ أحْكامًا، ولا اسَتَبْطَنَ حَلالًا وحَرامًا، ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ، والأحْكامُ مُحالَةٌ إلى التَّوْراةِ، وقَدْ قالَ المَسِيحُ: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها، وهَذا خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ ثُبُوتَ الصِّفاتِ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَضُرُّنا، لِأنَّها مَذْكُورَةٌ في الأوَّلِ صَرِيحًا، وفي الثّانِي التِزامًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العَطْفَ لا يُلائِمُ المَقامَ، فَنِكاتُ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا تَخْفى كَثْرَتُها عَلى ذَوِي الأفْهامِ، فَدَعْ ما مَرَّ، وخُذْ ما حَلا، وعِنْدِي بَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، لَكِنَّ الرِّوايَةَ دَعَتْ إلى ذَلِكَ، ولَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، عَلى أنَّ الدِّرايَةَ قَدْ تُساعِدُهُ كَما قِيلَ، بِناءً عَلى أنَّ إعادَةَ المَوْصُولِ وتَوْصِيفِهِ بِالإيمانِ بِالمُنَزَّلَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِ بَيْنَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، واشْتِمالِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يُرادَ بِهِ مَن لَهم نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِالصِّلَةِ، وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ كانُوا مُطالَبِينَ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ خُصُوصًا، قالَ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مُؤْمِنِينَ بِالكُتُبِ اسْتِقْلالًا في الجُمْلَةِ بِخِلافِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِن أهْلِ الكِتابِ أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وحَمْلُهُ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ خاصَّةً، وقَدْ آمَنَ مِنهم أرْبَعُونَ واثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ، لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ ولا دِرايَةٌ كَما لا يَخْفى، والإنْزالُ الإيصالُ والإبْلاغُ، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مِن أعْلى خِلافًا لِمَنِ ادَّعاهُ نَحْوَ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ وصَلَ وحَلَّ، وإنْزالُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قَدْ مَرَّ في المُقَدِّماتِ ما يُطْلِعُكَ إلى مَعارِجِهِ، وذُكِرَ أنَّ مَعْنى إنْزالِ القُرْآنِ أنَّ جِبْرِيلَ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَنَزَلَ بِهِ، أوْ أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ كِتابَةً فَحَفِظَهُ المَلَكُ، وذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ، وقالَ الحُكَماءُ: إنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قُدْسِيَّةٌ، فَتَقْوى عَلى الِاتِّصالِ بِالمَلَإ الأعْلى، فَيَنْتَقِشُ فِيها مِنَ الصُّوَرِ ما يَنْتَقِلُ إلى القُوَّةِ المُتَخَيَّلَةِ والحِسِّ المُشْتَرَكِ، فَيَرى كالمُشاهِدِ، وهو الوَحْيُ، ورُبَّما يَعْلُو فَيَسْمَعُ كَلامًا مَنظُومًا، ويُشْبِهُ أنَّ نُزُولَ الكُتُبِ مِن هَذا، وعِنْدِي أنَّ هَذا قَدْ يَكُونُ لِأرْبابِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، والأرْواحِ الإنْسِيَّةِ، إلّا أنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ وراءُ، وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ.
وفِعْلا الإنْزالِ مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأهُما النَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ شاذًّا: (بِما أُنْزِلَّ إلَيْكَ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ أسْكَنَ لامَ (أُنْزِلَ)، ثُمَّ حَذَفَ هَمْزَةَ (إلى) ونَقَلَ كَسْرَتَها إلى اللّامِ، فالتَقى المِثْلانِ فَأُدْغِمَ، وضَمِيرُ الفاعِلِ قِيلَ: اللَّهُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ فِيهِ التِفاتًا لِتَقَدُّمِ ”مِمّا رَزَقْناهم“ فَخَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولَوْ جَرى عَلى الأوَّلِ لَجاءَ: بِما أنْزَلْنا إلَيْكَ، وما أنْزَلْنا مِن قَبْلِكَ، وأتى سُبْحانَهُ بِصِلَةِ (ما) الأُولى فِعْلًا ماضِيًا، مَعَ أنَّ المُرادَ بِالمُنَزَّلِ جَمِيعُهُ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ، والسِّباقِ لَهُ مِن تَرَتُّبِ الهُدى والفَلاحِ الكامِلَيْنِ عَلَيْهِ، ولِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ ما أُنْزِلَ قَبْلُ، ولِاقْتِضاءِ (يُؤْمِنُونَ) المُنْبِئِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والجَمِيعُ لَمْ يَنْزِلْ وقْتَ تَنَزُّلِ الآيَةِ لِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ إنَّهُ تَغْلِيبٌ لِما وُجِدَ نُزُولُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ، فَهو مِن قَبِيلِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، والثّانِي تَشْبِيهُ جَمِيعِ المُنَزَّلِ بِشَيْءٍ نَزَلَ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، لِأنَّ بَعْضَهُ نَزَلَ وبَعْضَهُ سَيَنْزِلُ قَطْعًا، فَيَصِيرُ إنْزالُ مَجْمُوعِهِ مُشَبَّهًا بِإنْزالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ، فَتُسْتَعارُ صِيغَةُ الماضِي مِن إنْزالِهِ لِإنْزالِ المَجْمُوعِ، هَذا ما حَقَّقَهُ مَن يُعْقَدُ عِنْدَ ذِكْرِهِمُ الخَناصِرُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ كُبْرى، وأهْوَنُ مِنهُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هُنا لِلْمُشاكَلَةِ لِوُقُوعِ غَيْرِ المُتَحَقِّقِ في صُحْبَةِ المُتَحَقِّقِ، وأهْوَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ المُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ الماضِي، ويَدُلُّ عَلى الإيمانِ بِالمُسْتَقْبَلِ بِدِلالَةِ النَّصِّ، وما قِيلَ مِن أنَّ الإيمانَ بِما سَيَنْزِلُ لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا أنَّ حَمْلَهُ عَلى الجَمِيعِ أكْمَلُ، فَلِذا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، لا وجْهَ لَهُ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ يَلْزَمُ المُؤْمِنَ أنْ يُؤْمِنَ بِما
صفحة 122
نَزَلَ، وبِأنَّ كُلَّ ما سَيَنْزِلُ حَقٌّ، وإنْ لَمْ يَجِبْ تَفْصِيلُهُ وتَعْيِينُهُ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ الإيمانَ إجْمالًا بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مُطْلَقًا فَرْضُ عَيْنٍ، وتَفْصِيلًا بِالقُرْآنِ المُتَعَبَّدِ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضُ كِفايَةٍ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضَ عَيْنٍ أدّى إلى الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، والدِّينُ يُسْرٌ لا عُسْرٌ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، حَتّى قالَ الدَّوانِيُّ: يَجِبُ عَلى الكِفايَةِ تَفْصِيلُ الدَّلائِلِ الأُصُولِيَّةِ بِحَيْثُ يُتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن إزالَةِ الشُّبَهِ، وإلْزامِ المُعانِدِينَ، وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، وذَكَرَ الفُقَهاءُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في كُلِّ حَدٍّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ويُسَمّى المَنصُوبَ لِلذَّبِّ، ويَحْرُمُ عَلى الإمامِ إخْلاؤُها مِن ذَلِكَ، كَما يَحْرُمُ إخْلاؤُها عَنِ العالِمِ بِالأحْكامِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها العامَّةُ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن شَخْصٍ كَذَلِكَ في كُلِّ إقْلِيمٍ، وقِيلَ: يَكْفِي وُجُودُهُ في جَمِيعِ البِلادِ المَعْمُورَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولَعَلَّ هَذا التَّنَزُّلَ لِنُزُولِ الأمْرِ، وقِلَّةِ عُلَماءِ الدِّينِ في الدُّنْيا، بِهَذا العَصْرِ.
أمْسَتْ يَبابًا وأمْسى أهْلُها احْتَمَلُوا أخْنى عَلَيْها الَّذِي أخْنى عَلى لُبَدِ
وإلى اللَّهِ تَعالى المُشْتَكى وإلَيْهِ المُلْتَجى
إلى اللَّهِ أشْكُو إنَّ في القَلْبِ حاجَةً ∗∗∗ تَمُرُّ بِها الأيّامُ وهي كَما هَيا
(والآخِرَةُ) تَأْنِيثُ الآخِرِ اسْمِ فاعِلٍ مِن أخَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَأخَّرَ وإنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، كَما أنَّ الآخَرَ بِفَتْحِ الخاءِ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنهُ، وهي صِفَةٌ في الأصْلِ كَما في الدّارِ الآخِرَةِ، ويُنْشِيءُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، ثُمَّ غَلَبَتْ كالدُّنْيا، والوَصْفُ الغالِبُ قَدْ يُوصَفُ بِهِ دُونَ الِاسْمِ الغالِبِ، فَلا يُقالُ: قَيْدٌ أدْهَمُ، لِلُزُومِ التَّكْرارِ في المَفْهُومِ، وهو وإنْ كانَ مِنَ الدُّهْمَةِ إلّا أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ مَن لا تَخْطُرُ بِبالِهِ أصْلًا، فافْهَمْ، وقَدْ تُضافُ الدّارُ لَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيْ دارُ الحَياةِ الآخِرَةِ، وقَدْ يُقابَلُ بِالأُولى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى هُنا الدّارُ الآخِرَةُ أوِ النَّشْأةُ الآخِرَةُ، والجُمْهُورُ عَلى تَسْكِينِ لامِ التَّعْرِيفِ، وإقْرارِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَها لِلْقَطْعِ، ووَرْشٌ يَحْذِفُ، ويَنْقُلُ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، (والإيقانُ) التَّحَقُّقُ لِلشَّيْءِ كَسُكُونِهِ ووُضُوحِهِ، يُقالُ: يَقَنَ الماءُ إذا سَكَنَ وظَهَرَ ما تَحْتَهُ، وهو واليَقِينُ بِمَعْنًى خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقِينُ العِلْمُ وزَوالُ الشَّكِّ، يُقالُ مِنهُ: يَقِنْتُ بِالكَسْرِ يَقِينًا، وأيْقَنْتُ واسْتَيْقَنْتُ كُلُّها بِمَعْنًى، وذَهَبَ الواحِدِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ ما يَكُونُ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ فَلا يُوصَفُ بِهِ البَدِيهِيُّ، ولا عِلْمُ اللَّهِ تَعالى.
وذَهَبَ الإمامُ النَّسَفِيُّ وبَعْضُ الأئِمَّةِ إلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وعَدَمُ وصْفِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، سَواءٌ كانَ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ اليَقِينَ مِن صِفَةِ العِلْمِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ، والدِّرايَةِ، وأخَواتِها، يُقالُ: عِلْمُ يَقِينٍ، ولا يُقالُ: مَعْرِفَةُ يَقِينٍ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ مَعَ ثَباتِ الحُكْمِ، وفي (الإحْياءِ)، والقَلْبُ إلَيْهِ يَمِيلُ، أنَّ اليَقِينَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ عَدَمُ الشَّكِّ فَيُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما لا شَكَّ فِيهِ، سَواءٌ حَصَلَ بِنَظَرٍ، أوْ حِسٍّ، أوْ غَرِيزَةِ عَقْلٍ، أوْ بِتَواتُرٍ، أوْ دَلِيلٍ، وهَذا لا يَتَفاوَتُ، الثّانِي وهو ما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ والصُّوفِيَّةُ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو ما لا يُنْظَرُ فِيهِ إلى التَّجْوِيزِ، والشَّكِّ بَلْ إلى غَلَبَتِهِ عَلى القَلْبِ حَتّى يُقالَ: فُلانٌ ضَعِيفُ اليَقِينِ بِالمَوْتِ، وقَوِيُّ اليَقِينِ بِإثْباتِ الرِّزْقِ، فَكُلُّ ما غَلَبَ عَلى القَلْبِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ فَهو يَقِينٌ، وتَفاوُتُ هَذا ظاهِرٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوقِنُونَ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ، وهي مُبْدَلَةٌ مِنها، لِأنَّهُ مِن أيْقَنَ، وقَرَأ النُّمَيْرِيُّ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَدَلَ الواوِ، وشاعَ عِنْدَهم أنَّ الواوَ إذا ضُمَّتْ ضَمَّةً غَيْرَ عارِضَةٍ كَما فُصِّلَ في العَرَبِيَّةِ يَجُوزُ إبْدالُها هَمْزَةً كَما قِيلَ في وُجُوهٍ جَمْعِ وجْهٍ أجُوهٌ، فَلَعَلَّ الإبْدالَ هُنا لِمُجاوَرَتِها لِلْمَضْمُومِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، وقَدْ يُؤْخَذُ الجارُ بِظُلْمِ الجارِ، وغايَرَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الإيمانِ بِالمُنَزَّلِ والإيمانِ بِالآخِرَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: وبِالآخِرَةِ هم يُؤْمِنُونَ، دَفْعًا لِكُلْفَةِ التَّكْرارِ أوْ لِكَثْرَةِ غَرائِبِ مُتَعَلِّقاتِ الآخِرَةِ، وما أُعِدَّ فِيها مِنَ الثَّوابِ،
صفحة 123
والعِقابِ، وتَفْصِيلِ أنْواعِ التَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، ونَشْأةِ أصْحابِهِما عَلى خِلافِ النَّشْأةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مَعَ إثْباتِ المَعادِ الجِسْمانِيِّ كَيْفَما كانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو أغْرَبُ مِنَ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، حَتّى أنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وخَلا عَنْ تَفاصِيلِهِ عَلى ما عِنْدَنا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَلَيْسَ في الأوَّلِ عَلى ما في شَرْحِ الطَّوالِعِ ذِكْرُ المَعادِ الجِسْمانِيِّ، وإنَّما ذُكِرَ في كُتُبِ حِزْقِيلَ وأشْعِياءَ، والمَذْكُورُ في الإنْجِيلِ إنَّما هو المَعادُ الرُّوحانِيُّ، فَناسَبَ أنَّ يَقْرِنَ هَذا الأمْرَ المُهِمَّ الغَرِيبَ الَّذِي حارَتْ عُقُولُ الكَثِيرِينَ في إثْباتِهِ، وتَهافَتُوا عَلى إنْكارِهِ تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ بِالإيقانِ، وهو هو إظْهارًا لِكَمالِ المَدْحِ وإبْداءً لِغايَةِ الثَّناءِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إيقانَهم مَقْصُورٌ عَلى حَقِيقَةِ الآخِرَةِ لا يَتَعَدّاها إلى خِلافِ حَقِيقَتِها مِمّا يَزْعُمُهُ اليَهُودُ مَثَلًا، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وزَعَمُوا أنَّهم يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّسِيمِ، والأرْواحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ، وفي بَناءِ (يُوقِنُونَ) عَلى (هُمْ) إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِقادَ مُقابِلِيهِمْ في الآخِرَةِ جَهْلٌ مَحْضٌ وتَخْيِيلٌ فارِغٌ، ولَيْسُوا مِنَ اليَقِينِ في ظِلٍّ ولا فَيْءٍ.
البقرة 2:5
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جُمْلَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ عَلى الخَبَرِيَّةِ، فَإنْ جُعِلَ المَوْصُولُ الأوَّلُ مَفْصُولًا عَلى أكْثَرِ التَّقادِيرِ في الثّانِي ويَتْبَعُهُ فَصْلُهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، إذْ لا يُقْطَعُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ دُونَ المَعْطُوفِ، فالخَبَرِيَّةُ لَهُ، وإنْ جُعِلَ مَوْصُولًا، وأُرِيدَ بِالثّانِي طائِفَةٌ مِمّا تَقَدَّمَهُ وجُعِلَ هو مَفْصُولًا، كانَ الإخْبارُ عَنْهُ، وذِكْرُ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُما في الحُكْمِ السّابِقِ أعْنِي ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ إفْرادِهِ بِالحُكْمِ عَنِ العامِّ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي، وجُمْلَةُ الخَبَرِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ المَوْصُوفِينَ بِـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ والجُمْلَةُ الأُولى، وإنْ كانَتْ مَسُوقَةً لِمَدْحِ الكِتابِ، والثّانِيَةُ لِمَدْحِ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ إلّا أنَّ مَدْحَهم لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ الكِتابِ، فَهُما مُتَناسِبَتانِ بِاعْتِبارِ إفادَةِ مَدْحِهِ، وفائِدَةُ جَعْلِ المَدْحِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ تَرْغِيبُ أمْثالِهِمْ، والتَّعْرِيضُ عَلى ما قِيلَ بِمَن لَيْسَ عَلى صِفَتِهِمْ، والتَّخْصِيصُ المُسْتَفادُ مِنَ المَعْطُوفِ بِالقِياسِ إلى مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِأوْصافِهِمْ، فَلا يُنافِي ما اسْتُفِيدَ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مِن ثُبُوتِ الهُدى لِلْمُتَّقِينَ مُطْلَقًا، نَعَمْ لَيْسَ هَذا الوَجْهُ في البَلاغَةِ بِمَرْتَبَةِ فَصْلِ المَوْصُولِ الأوَّلِ فَهو أوْلى، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُشِيرَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ، إمّا عَنِ الحُكْمِ، أيْ إنَّ المُتَّقِينَ هَلْ يَسْتَحِقُّونَ ما أُثْبِتَ لَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالهُدى؟ أوْ عَنِ السَّبَبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما سَبَبُ اخْتِصاصِهِمْ؟ أوْ عَنْ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أيْ هَلْ هم أحِقّاءُ بِذَلِكَ؟ وما السَّبَبُ فِيهِ حَتّى يَكُونُوا كَذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَؤُلاءِ لِأجْلِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مُتَمَكِّنُونَ عَلى الهُدى الكامِلِ الَّذِي مَنَحَهم إيّاهُ رَبُّهم تَعالى بِكِتابِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِلَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، فَيَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلِاخْتِصاصِ، فالجَوابُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحُكْمِ المَطْلُوبِ مَعَ تَلْخِيصِ مُوجِبِهِ، وضَمُّ نَتِيجَةِ الهُدى تَقْوِيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها تَنْكِيرُ هُدًى، أوْ تَحْقِيقًا لِلْحُكْمِ بِالبُرْهانِ الآتِي أيْضًا، ولِذا اسْتَغْنى عَنْ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، أوِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُؤَكِّدَةٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بَيَّنَ الجَوابَ مُرَتِّبًا عَلَيْهِ مُسَبَّبَيْهِ أعْنِي الهُدى والفَلاحَ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْصَلُ إلى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى التَّأْكِيدِ، والأمْرُ عَلى التَّقْدِيرِ، الثّالِثُ ظاهِرٌ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ مُشِيرَةً إلى الجَوابِ عَلى احْتِمالِ وصْلِ الأوَّلِ وفَصْلِ الثّانِي مِمّا لا يَخْفى انْفِصالُهُ عَنْ ساحَةِ القَبُولِ، وإذا وصَلَ الأوَّلَ وعَطَفَ الثّانِيَ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا، والفَصْلُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، إذْ هي كالنَّتِيجَةِ لِلصِّفاتِ السّابِقَةِ، أوْ بَيانِيًّا، والفَصْلُ لِكَوْنِها كالمُتَّصِلَةِ، فَكَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: ما لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ اخْتُصُّوا بِالهُدى؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ سَبَبَ اخْتِصاصِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ في الأزَلِ سَعادَتَهم وهِدايَتَهُمْ، فَجِبِلَّتُهم مَطْبُوعَةٌ عَلى الهِدايَةِ، والسَّعِيدُ سَعِيدٌ في بَطْنِ أُمِّهِ، لا سِيَّما إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الفَلاحُ الأُخْرَوِيُّ الَّذِي هو أعْظَمُ المَطالِبِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الجَوابَ بِشَرْحِ
صفحة 124
ما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُهم إجْمالًا مِن نُعُوتِ الكَمالِ، وبَيانِ ما تَسْتَدْعِيهِ مِنَ النَّتِيجَةِ، أيِ الَّذِينَ هَذِهِ شُؤُونُهم أحِقّاءُ بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وهَذا المَسْلَكُ يُسَلَكُ تارَةً بِإعادَةِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ، كَأحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ زَيْدٌ حَقِيقٌ بِالإحْسانِ، وأُخْرى بِإعادَةِ صِفَتِهِ كَأحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ صَدِيقِكَ القَدِيمِ، أهْلٌ لِذَلِكَ، وهَذا أبْلَغُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ إعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِها، وانْتِظامِهِ لِذاكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ مَعَ الإيماءِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ، وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، هَذا وجَعْلُ (أُولَئِكَ) وحْدَهُ خَبَرًا، و﴿عَلى هُدًى﴾ حالٌ بَعِيدٌ كَجَعْلِهِ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ) والظَّرْفِ خَبَرًا، وإنَّما كَتَبُوا واوًا في (أُولَئِكَ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلَيْكَ الجارِّ والمَجْرُورِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُشارًا بِهِ لِجَمْعِ المُذَكَّرِ وكانَ مَبْنِيًّا ومُبايِنًا لِلشّائِعِ مِن صِيَغِ الجُمُوعِ جُبِرَ في الجُمْلَةِ بِكِتابَةِ حَرْفٍ يَكُونُ في الجَمْعِ في بَعْضِ الآياتِ، ومِنَ المَشْهُورِ: رَدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿عَلى هُدًى﴾ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَتْ حالَ أُولَئِكَ، وهي تَمَكُّنُهم مِنَ الهُدى واسْتِقْرارُهم عَلَيْهِ، وتَمَسُّكُهم بِهِ بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْحالِ الَّتِي هي المُشَبَّهُ المَتْرُوكُ كَلِمَةُ الِاسْتِعْلاءِ المُسْتَعْمَلَةُ في المُشَبَّهِ بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّعْدُ، وأنْكَرَ السَّيِّدُ اجْتِماعَ التَّمْثِيلِيَّةِ والتَّبَعِيَّةِ لِأنَّ كَوْنَها تَبَعِيَّةً يَقْتَضِي كَوْنَ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَعْنًى مُفْرَدًا، لِأنَّ المَعانِيَ الحَرْفِيَّةَ مُفْرَدَةٌ، وكَوْنُها تَمْثِيلِيَّةً يَسْتَدْعِي انْتِزاعَهُما مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَرَكُّبَهُ.
وأبْدى قُدِّسَ سَرُّهُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مُفْرَدَةٌ بِأنْ شَبَّهَ تَمَسُّكَ المُتَّقِينَ بِالهُدى بِاسْتِعْلاءِ الرّاكِبِ عَلى مَرْكُوبِهِ في التَّمَكُّنِ والِاسْتِقْرارِ فاسْتُعِيرَ لَهُ الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِلِاسْتِعْلاءِ، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِنَ المُتَّقِي، والهُدى، وتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ الرّاكِبِ والمَرْكُوبِ، واعْتِلائِهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَرَكَّبَ كُلٌّ مِن طَرَفَيْها، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي بِإزاءِ المُشَبَّهِ بِهِ إلّا بِكَلِمَةِ (عَلى) فَإنَّ مَدْلُولَها هو العُمْدَةُ في تِلْكَ الهَيْئَةِ، وما عَداهُ تابِعٌ لَهُ مُلاحَظٌ في ضِمْنِ ألْفاظٍ مَنوِيَّةٍ، وإنْ لَمْ تُقَدَّرْ في نَظْمِ الكَلامِ، فَلَيْسَ في (عَلى) اسْتِعارَةٌ أصْلًا، بَلْ هي عَلى حالِها، قَبْلَ الِاسْتِعارَةِ، كَما إذا صَرَّحَ بِتِلْكَ الألْفاظِ كُلِّها، الثّالِثُ أنْ يُشَبِّهَ الهُدى بِالمَرْكُوبِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، وتُجْعَلُ كَلِمَةٌ عَلى قَرِينَةٍ لَها عَلى عَكْسِ الوَجْهِ الأوَّلِ، وهَذا الخِلافُ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا سارَتْ بِهِ الرُّكْبانُ وعُقِدَتْ لَهُ المَجالِسُ، وصُنِّفَتْ فِيهِ الرَّسائِلُ، وأوَّلُ ما وقَعَ بَيْنَهُما في مَجْلِسِ تَيْمُورٍ، وكانَ الحَكَمُ نُعْمانَ الخَوارِزْمِيَّ المُعْتَزِلِيَّ، فَحَكَمَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لِأمْرٍ ما لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ، والعُلَماءُ إلى اليَوْمِ فَرِيقانِ في ذَلِكَ، ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ مَعَ السَّعْدِ، وأجابُوا عَنْ شُبْهَةِ السَّيِّدِ بِأنَّ انْتِزاعَ شَيْءٍ مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَكُونُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، فَقَدْ يَكُونُ مِن مَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمُورِ كالوَحْدَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ مِن أمْرٍ بِالقِياسِ إلى آخَرَ، كالإضافاتِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ مِن أمْرٍ وبَعْضُهُ مِن آخَرَ، وعَلى الأوَّلَيْنِ لا يَقْتَضِي تَرْكِيبُهُ بَلْ تَعَدُّدُ مَأْخَذِهِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ المَدْلُولُ الحَرْفِيُّ لِكَوْنِهِ أمْرًا إضافِيًّا كالِاسْتِعْلاءِ حالَةً مُنْتَزَعَةً مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَلِجَرَيانِها في الحَرْفِ تَكُونُ تَبَعِيَّةً، ولِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ حالَةً إضافِيَّةً مُنْتَزَعَةً مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَمْثِيلِيَّةً، ولَعَلَّ اخْتِيارَ القَوْمِ في تَعْرِيفِ التَّمْثِيلِيَّةِ لَفْظَ الِانْتِزاعِ دُونَ التَّرْكِيبِ يُرْشِدُ المُنْصِفَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ التَّرْكِيبِ في طَرَفَيْهِ، وإلّا لَكانَ الأظْهَرُ لَفْظُ التَّرْكِيبِ، وقَدْ أشْبَعْنا القَوْلَ في ذَلِكَ، وذَكَرْنا ما لَهُ، وما عَلَيْهِ في كِتابِنا (الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ)، وفي هَذا القَدْرِ هُنا كِفايَةٌ، وفي تَنْكِيرُ (هُدًى) إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِ فَلا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، ومِقْدارَهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، وإنَّما ذُكِرَ الرَّبُّ مَعَ أنَّ الهُدى لا يَكُونُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفِيهِ مُناسَبَةٌ واضِحَةٌ، إذْ حَيْثُ كانَ رَبُّهم ناسَبَ أنْ يُهَيِّئَ لَهم أسْبابَ السَّعادَتَيْنِ، ويَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِمَصْلَحَةِ الدّارَيْنِ، وقَدْ تَكُونُ
صفحة 125
ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ (عَلى هُدًى) أيْ هُدًى، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلْإفْرادِ أيْ عَلى هُدًى واحِدٍ، إذْ لا هُدى إلّا هُدى ما أُنْزِلَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِنَسْخِهِ ما قَبْلَهُ، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن هُدى رَبِّهِمْ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو المُوَفِّقُ لَهُمْ، والمُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن بِحارِ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ، وإنْ تَوَسَّطَتْ هُناكَ أسْبابٌ عادِيَّةٌ، ووَسائِطُ صُورِيَّةٌ، عَلى أنَّ تِلْكَ الوَسائِطَ قَدْ تَرْتَفِعُ مِنَ البَيْنِ، فَيَتَبَلَّجُ صُبْحُ العِيانِ لِذِي عَيْنَيْنِ، وقَدْ قَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (مِن رَبِّهُمْ) بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ سائِرُ هاآتِ جَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ عَلى الأصْلِ مِن غَيْرِ أنْ يُراعِيَ فِيها سَبْقَ كَسْرٍ أوْ ياءً، وأدْغَمَ النُّونَ في الرّاءِ بِلا غُنَّةٍ الجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ العَمَلُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الأداءِ إلى الإدْغامِ مَعَ الغُنَّةِ، ورَوَوْهُ عَنْ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبَ، وأظْهَرَ النُّونَ أبُو عَوْنٍ، عَنْ قالُونَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ، وهَذِهِ الأوْجُهُ جارِيَةٌ أيْضًا في النُّونِ والتَّنْوِينِ، إذا لاقَتْ لامًا.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفَلاحُ الفَوْزُ والظَّفَرُ بِإدْراكِ البُغْيَةِ، وأصْلُهُ الشَّقُّ والقَطْعُ، ويُشارِكُهُ في مَعْنى الشَّقِّ مُشارِكُهُ في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوُ: فَلى، وفَلَقَ، وفَلَذَ، وفي تَكْرارِ اسْمِ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الِاسْتِقْلالَ بِالتَّمَكُّنِ في الهُدى، والِاسْتِبْدادَ بِالفَلاحِ، والِاخْتِصاصَ بِكُلٍّ مِنهُما، ولَوْلاهُ لَرُبَّما فُهِمَ اخْتِصاصُهم بِالمَجْمُوعِ، فَيُوهِمُ تَحَقُّقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالِانْفِرادِ، فِيمَن عَداهُمْ، وإنَّما دَخَلَ العاطِفُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لِكَوْنِهِما واقِعَتَيْنِ بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ، لِأنَّهُما وإنْ تَناسَبا مُخْتَلِفانِ مَفْهُومًا ووُجُودًا، فَإنَّ الهُدى في الدُّنْيا والفَلاحَ في الآخِرَةِ، وإثْباتُ كُلٍّ مِنهُما مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ، وبِهَذا فارَقا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ﴾ فالثّانِيَةُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، إذْ لا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ إلّا بِالأنْعامِ المُبالِغَةِ في الغَفْلَةِ، فَلا مَجالَ لِلْعَطْفِ بَيْنَهُما و(هُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، أوْ بَدَلًا، فَيَكُونَ (المُفْلِحُونَ) خَبَرًا عَنْ (أُولَئِكَ)، أوْ مُبْتَدَأً، و(المُفْلِحُونَ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرَ (أُولَئِكَ)، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا تَخْلُو عَنْ إفادَةِ الحَصْرِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اللّامَ في (المُفْلِحُونَ) حَرْفُ تَعْرِيفٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ الثَّباتُ عَلى الفَلاحِ، فَهو حِينَئِذٍ مِمّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ، أوِ أُلْحِقَّ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَهي إمّا لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم مُفْلِحُونَ في العُقْبى، وضَمِيرُ الفَصْلِ إمّا لِلْقَصْرِ أوْ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، ولا اسْتِبْعادَ في جَرَيانِ القَصْرِ قَلْبًا أوْ تَعْيِينًا، بَلْ إفْرادًا أيْضًا، أوْ لِلْجِنْسِ، فَتُشِيرُ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن هَذا المَفْهُومِ، فَإنْ أُرِيدَ القَصْرُ كانَ الفَصْلُ لِتَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، ولِتَأْكِيدِ الِاخْتِصاصِ أيْضًا، وإنْ أُرِيدَ الِاتِّحادُ كانَ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، وتَشَبَّثَ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِخُلُودِ تارِكِ الواجِبِ في العَذابِ، لِأنَّ قَصْرَ جِنْسِ الفَلاحِ عَلى المَوْصُوفِينَ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الفَلاحِ عَنْ تارِكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَيَكُونُ مُخَلَّدًا في العَذابِ، وهَذا أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، فَلا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ، لِأنَّ الفَلاحَ عَدَمُ الدُّخُولِ، أوْ لِأنَّ انْتِفاءَ كَمالِ الفَلاحِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، والسِّباقُ لا يَقْتَضِي انْتِفاءَهُ مُطْلَقًا، ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ المُتَّقِينَ عَلى المُجْتَنِبِينَ لِلشِّرْكِ، لِيَدْخُلَ العاصِي فِيهِمْ، لِأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ إلَيْهِمْ فَقَطْ، فَلا يُجْدِي نَفْعًا، كَكَوْنِ الصِّفَةِ مادِحَةً كَما لا يَخْفى، وها هُنا سِرٌّ دَقِيقٌ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى في مُفْتَتَحِ كِتابِهِ الكَرِيمِ مَدْحَ العَبْدِ لِبارِيهِ بِسَبَبِ إحْسانِهِ إلَيْهِ، وتَرَقّى فِيهِ، ثُمَّ مَدَحَ البارِي هُنا عَبْدَهُ بِسَبَبِ هِدايَتِهِ لَهُ، وتَرَقّى فِيهِ، عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ماجِدٍ كَمْ أسْدى جَمِيلًا، وأعْطى جَزِيلًا، وشُكِرَ قَلِيلًا، فَلَهُ الفَضْلُ بِلا عَدٍّ، ولَهُ الحَمْدُ بِلا حَدٍّ.
البقرة 2:6
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ حالُ الكَفَرَةِ
صفحة 126
الغُواةِ المَرَدَةِ العُتاةِ، سِيقَ إثْرَ بَيانِ بَدِيعِ أحْوالِ أضْدادِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِنُعُوتِ الكَمالِ الفائِزِينَ بِمَطالِبِهِمْ في الحالِ والمَآلِ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى سابِقِيهِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ بَيانُ اتِّصافِ الكِتابِ بِغايَةِ الكَمالِ في الهِدايَةِ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ يَقِينًا، لا مَجالَ لِلشَّكِّ فِيهِ، ومِن هَذا بَيانُ اتِّصافِ الكُفّارِ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والضَّلالِ، بِحَيْثُ لا يُجْدِي فِيهِمُ الإنْذارُ، والقَوْلُ: إنَّهُما مَسُوقانِ لِبَيانِ حالِ الكِتابِ، وأنَّهُ هُدًى لِقَوْمٍ، ولَيْسَ هُدًى لِآخَرِينَ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ هُدًى لَهم مَفْهُومٌ تَبَعًا، لا مَقْصُودٌ أصالَةً، عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِهِ صِفَةُ كَمالٍ لَهُ يُؤَيِّدُ ما سَبَقَ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وإعْلاءِ مَكانِهِ بِخِلافِ عَدَمِ الِانْتِفاعِ، وقِيلَ: إنَّ تَرْكَ العَطْفِ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ ثانِيًا: ما بالُ غَيْرِهِمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم لِإعْراضِهِمْ، وزَوالِ اسْتِعْدادِهِمْ لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ دَعْوَةُ الكِتابِ إلى الإيمانِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ بَعْدَ ما تَقَرَّرَ أنَّ تِلْكَ الأوْصافَ المُخْتَصَّةَ هي المُقْتَضِيَةُ لَمْ يَبْقَ لِهَذا السُّؤالِ وجْهٌ، وأغْرَبُ مِن هَذا تَخَيُّلُ أنَّ التَّرْكَ لِغايَةِ الِاتِّصالِ زَعْمًا أنَّ شَرْحَ تَمَرُّدِ الكُفّارِ يُؤَكِّدُ كَوْنَ الكِتابِ كامِلًا في الهِدايَةِ، نَعَمْ يُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ أنَّ وجْهَ السُّؤالِ بِأنْ يُقالَ: لَوْ كانَ الكِتابُ كامِلًا لَكانَ هُدًى لِلْكُفّارِ أيْضًا، فَيُجابُ بِأنَّ عَدَمَ هِدايَتِهِ إيّاهم لِتَمَرُّدِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ، لا لِقُصُورٍ في الكِتابِ.
والنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصارُ رُؤْيَتَهُ والذَّنَبُ لِلطَّرْفِ لا لِلنَّجْمِ في الصِّغَرِ
والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لِاتِّحادِ الجامِعِ إذِ الجُمْلَةُ الأُولى مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ثَوابِ الأخْيارِ، والثّانِيَةُ لِذِكْرِ جَزاءِ الأشْرارِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ التَّرْصِيعِ، والتَّقابُلِ، وقَدْ عُدَّ التَّضادُّ وشِبْهُهُ جامِعًا، يَقْتَضِي العَطْفَ، لِأنَّ الوَهْمَ يُنْزِلُ المُتَضادَّيْنِ مَنزِلَةَ المُتَضايِفَيْنِ، فَيُجْتَهَدُ في الجَمْعِ بَيْنَهُما في الذِّهْنِ حَتّى قالُوا: إنَّ الضِّدَّ أقْرَبُ خُطُورًا بِالبالِ مَعَ الضِّدِّ مِنَ الأمْثالِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِإنَّ، اعْتِناءً بِمَضْمُونِها، وقَدْ تُصَدَّرُ بِها الأجْوِبَةُ لِأنَّ السّائِلَ لِكَوْنِهِ مُتَرَدِّدًا يُناسِبُهُ التَّأْكِيدُ، وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ إمّا لِلْعَهْدِ، والمُرادُ مَن شافَهَهم ﷺ بِالإنْذارِ في عَهْدِهِ، وهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، أوْ لِلْجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ويَسْعى إذا أبْنِي لِيَهْدِمَ صالِحِي ∗∗∗ ولَيْسَ الَّذِي يَبْنِي كَمَن شَأْنُهُ الهَدْمُ
فَهُوَ حِينَئِذٍ عامٌّ خَصَّهُ العَقْلُ بِغَيْرِ المُصِرِّينَ، والإخْبارُ بِما ذُكِرَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، أوِ المُخَصِّصُ عَوْدُ ضَمِيرٍ خاصٍّ عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ، لا الخَبَرُ نَفْسُهُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ فِيما إذا عادَ ضَمِيرٌ خاصٌّ عَلى العامِّ، فَقِيلَ: يُخَصِّصُهُ، وقِيلَ: لا، وقِيلَ: بِالوَقْفِ، ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ في بُعُولَتِهِنَّ لِلرَّجْعِيّاتِ فَقَطْ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُخَصِّصَ هُنا الخَبَرُ أوْرَدَ عَلَيْهِ إنَّ تَعَيُّنَ المُخْبَرِ عَنْهُ بِمَفْهُومِ الخَبَرِ يُنافِي ما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا عِنْدَ المُخاطَبِ، قَبْلَ وُرُودِ الخَبَرِ، فَلَوْ تَوَقَّفَ تَعَيَّنَ المُخْبَرُ عَنْهُ عَلى الخَبَرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، والكُفْرُ بِالضَّمِّ مُقابِلُ الإيمانِ، وأصْلُهُ المَأْخُوذُ مِنهُ الكَفْرُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّتْرِ، يُقالُ: كَفَرَ يَكْفُرُ مِن بابِ قَتَلَ، وما في الصِّحاحِ مِن أنَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ في القامُوسِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في سَتْرِ النِّعْمَةِ خاصَّةً، وفي مُقابِلِ الإيمانِ، لِأنَّ فِيهِ سَتْرَ الحَقِّ، ونِعَمِ الفَيْضِ المُطْلَقِ، وقَدْ صَعُبَ عَلى المُتَكَلِّمِينَ تَعْرِيفُ الكُفْرِ الشَّرْعِيِّ الغَيْرِ التَّبَعِيِّ، واخْتَلَفُوا في تَعْرِيفِهِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في تَعْرِيفِ الإيمانِ، إلّا أنَّ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ
صفحة 127
رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْكارُ ما عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ مِمّا اشْتُهِرَ حَتّى عَرَفَهُ الخَواصُّ والعَوامُّ، فَلا يَكْفُرُ جاحِدُ المُجْمَعِ عَلَيْهِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ مَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، وهو مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِها سائِرُ النّاسِ كالصَّلاةِ، وتَحْرِيمِ الخَمْرِ، ومَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا يُعَرِّفُهُ إلّا الخَواصُّ كاسْتِحْقاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ فَلَيْسَ بِكافِرٍ، ومَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ظاهِرًا لا نَصَّ فِيهِ، فَفي الحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلافٌ، وأمّا ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَلَمْ يَشْتَرِطُوا في الإكْفارِ سِوى القَطْعِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ لا بُلُوغُ العِلْمِ بِهِ حَدَّ الضَّرُورَةِ، وهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ ابْنُ الهُمامِ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما إذا عَلِمَ المُنْكِرُ ثُبُوتَهُ قَطْعًا، لِأنَّ مَناطَ التَّكْفِيرِ التَّكْذِيبُ أوِ الِاسْتِخْفافُ، ولا يَرِدُ عَلى أخْذِ الإنْكارِ في التَّعْرِيفِ أنَّ أهْلَ الشَّرْعِ حَكَمُوا عَلى بَعْضِ الأفْعالِ والأقْوالِ بِأنَّها كُفْرٌ، ولَيْسَتْ إنْكارًا مِن فاعِلِها ظاهِرًا، لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّها لَيْسَتْ كُفْرًا، وإنَّما هي دالَّةٌ عَلَيْهِ، فَأُقِيمَ الدّالُّ مَقامَ مَدْلُولِهِ حِمايَةً لِحَرِيمِ الدِّينِ وصِيانَةً لِشَرِيعَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، ولَيْسَتْ بَعْضُ المَنهِيّاتُ الَّتِي تَقْتَضِيها الشَّهْوَةُ النَّفْسانِيَّةُ كَذَلِكَ، فَلا يَبْطُلُ الطَّرْدُ بِغَيْرِ الكُفْرِ مِنَ الفِسْقِ، فَلَيْسَ شِعارُ الكُفّارِ مَثَلًا لَيْسَ في الحَقِيقَةِ كُفْرًا كَما قالَهُ مَوْلانا الإمامُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ لِكَوْنِهِ عَلامَةً ظاهِرَةً عَلى أمْرٍ باطِنٍ، وهو التَّكْذِيبُ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يُصَدِّقُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْتِي بِهِ، فَحَيْثُ أتى بِهِ دَلَّ عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى ما يُنافِي تِلْكَ الدِّلالَةَ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ لُبْسَ شِعارِ الكَفَرَةِ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ، وهَزْلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ، وقالَ مَوْلانا الشِّهابُ: ولَيْسَ بِبَعِيدٍ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، وأنا أقُولُ: إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى غَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ السُّخْرِيَةِ والهَزْلِ، لا كُفْرَ بِهِ أيْضًا كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ مَنِ ادَّعى العِلْمَ اليَوْمَ، ولَيْسَ مِنهُ في قَبِيلٍ ولا دَبِيرٍ، ولا في العِيرِ ولا النَّفِيرِ، ثُمَّ الإنْكارُ هُنا بِمَعْنى الجُحُودِ، ولا يَرِدُ أنَّ مَن تَشَكَّكَ أوْ كانَ خالِيًا عَنِ التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، ولا جاحِدٍ وأنَّهُ قَوْلٌ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، وهو باطِلٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ الشّاكِّ والخالِي، لِأنَّ تَرْكَهُما الإقْرارَ مَعَ السَّعَةِ والأعْمالَ بِالكُلِّيَّةِ دَلِيلٌ كَما قالَهُ السّالَكُوتِيُّ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما أنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ دَلِيلٌ عَلى التَّصْدِيقِ، وقِيلَ: هو ها هُنا مِن أنْكَرْتُ الشَّيْءَ جَهِلْتُهُ، فَلا وُرُودَ أيْضًا، وفِيهِ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى الجَهْلِ يُقابِلُ المَعْرِفَةَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ العارِفُ الغَيْرُ المُصَدِّقِ كَأحْبارِ اليَهُودِ واسِطَةً، فالمَحْذُورُ باقٍ بِحالِهِ، وعُرِّفَ في المَواقِفِ الكُفْرُ بِأنَّهُ عَدَمُ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، ولَعَلَّهُ أيْضًا يَقُولُ بِإقامَةِ بَعْضِ الأفْعالِ، والأقْوالِ مَقامَ عَدَمِ التَّصْدِيقِ، واعْتُرِضَ عَلى أخْذِ الضَّرُورَةِ بِأنَّ ما ثَبَتَ بِالإجْماعِ قَدْ يَخْرُجُ مِنَ الضَّرُورِيّاتِ، وكَذا بَراءَةُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثَبَتَتْ بِالقُرْآنِ، وأدِلَّتُهُ اللَّفْظِيَّةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ، فَتَخْرُجُ عَنِ الضَّرُورِيّاتِ أيْضًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ خُرُوجَ ما ثَبَتَ بِالإجْماعِ عَنِ الضَّرُورِيّاتِ مَمْنُوعٌ، والدِّلالَةُ اللَّفْظِيَّةُ تُفِيدُ العِلْمَ بِانْضِمامِ القَرائِنِ، وهي مَوْجُودَةٌ في بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ولَقَدْ عَدَّ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في بابِ الإكْفارِ أشْياءَ كَثِيرَةً لا أُراها تُوجِبُ إكْفارًا، والإخَراجُ عَنِ المِلَّةِ أمْرٌ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فَيَنْبَغِي الِاتِّئادُ في هَذا البابِ، مَهْما أمْكَنَ، وقَوْلُ ابْنِ الهُمامِ: ارْفُقْ بِالنّاسِ، وفي أبْكارِ الأفْكارِ في هَذا البَحْثِ ما يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، ولا أرْغَبُ في طُولٍ بِلا طَوْلٍ، وفُضُولٍ بِلا فَضْلٍ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوَها عَلى حُدُوثِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِاسْتِدْعاءِ صِدْقِ الإخْبارِ بِمِثْلِ هَذا الماضِي سابِقَةَ المُخْبَرِ عَنْهُ، أعْنِي النِّسْبَةَ بِالزَّمانِ، وكُلُّ مَسْبُوقٍ بِالزَّمانِ حادِثٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ سَبْقَ المُخْبَرِ عَنْهُ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ كَلامِهِ الأزَلِيِّ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ، فاللّازِمُ سَبْقُ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى التَّعَلُّقِ، وحُدُوثِهِ، وهو لا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الكَلامِ، كَما في عِلْمِهِ تَعالى بِوُقُوعِ الأشْياءِ، فَإنَّ لَهُ تَعَلُّقًا حادِثًا مَعَ عَدَمِ حُدُوثِهِ، أوْ يُقالُ: إنَّ ذاتَهُ تَعالى وصِفاتِهِ
صفحة 128
لَمّا لَمْ تَكُنْ زَمانِيَّةً يَسْتَوِي إلَيْها جَمِيعُ الأزْمِنَةِ اسْتِواءَ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فالأنْواعُ كُلٌّ مِنها حاضِرٌ عِنْدَهُ في مَرْتَبَتِهِ، واخْتِلافُ التَّعْبِيراتِ بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِ الزَّمانِيِّ رِعايَةً لِلْحِكْمَةِ في بابِ التَّفْهِيمِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ ما يُفِيدُكَ ذِكْرُهُ هُنا، فَتَذَكَّرْ، (وسَواءٌ) اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وهو لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدِ اسْتَغْنَوْا عَنْ تَثْنِيَتِهِ بِتَثْنِيَةِ سِيٍّ إلّا شُذُوذًا، وكَأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، كَما قالَهُ الرَّضِيُّ، ورُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الأمْرانِ سَواءٌ، ثُمَّ بَيَّنَ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أوْ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ، أيْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ، وهو المَشْهُورُ عَلى ألْسِنَةِ الطَّلَبَةِ في مِثْلِهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أُمُورٌ، الأوَّلُ أنَّ الفِعْلَ لا يُسْنَدُ إلَيْهِ، الثّانِي أنَّهُ مُبْطِلٌ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ، الثّالِثُ أنَّ الهَمْزَةَ وأمْ مَوْضُوعانِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وكُلُّ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِواءِ لا يُسْنَدُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، فَلِذا يُقالُ: اسْتَوى وُجُودُهُ وعَدَمُهُ، ولا يُقالُ: أوْ عَدَمُهُ، الرّابِعُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا، يَلْزَمُ أنْ لا يَصِحَّ تَقْدِيمُهُ لِالتِباسِ المُبْتَدَإ بِالفاعِلِ، ويُجابُ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ المَهْجُورِ فِيهِ جانِبُ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، والعَرَبُ تَمِيلُ في مَواضِعَ مِن كَلامِهِمْ مَعَ المَعانِي مَيْلًا بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، أيْ لا يُمْكِنُ مِنكَ أكْلُ السَّمَكِ وشُرْبُ اللَّبَنِ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى ظاهِرِهِ لَزِمَ عَطْفُ الِاسْمِ المَنصُوبِ عَلى الفِعْلِ، بَلِ المُفْرَدِ عَلى جُمْلَةٍ لا مَحَلَّ لَها، ودَعْوى البَيْضاوِيِّ بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ في جُزْءِ مَعْناهُ، وهو الحَدَثُ تَجَوُّزًا، فَلِذا صَحَّ الإخْبارُ عَنْهُ، كَما يَجُوزُ الإخْبارُ عَمّا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ لَفْظِهِ، كَضَرَبَ ماضٍ مَفْتُوحُ الباءِ عَلى ما فِيها، لا تَتَأتّى فِيما إذا كانَ المُعادَلانِ أوْ أحَدُهُما بَعْدَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ويَدْخُلُ في المَيْلِ مَعَ المَعْنى مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ عَنِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جِنِّي عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ تَقَعُ مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِأنَّ، إذا انْتَصَبَ وانْصَرَفَ القَوْلُ بِهِ، والرَّأْيُ فِيهِ إلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ ألا تَرى أنَّ الفاءَ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، وهي تَصْرِفُ الفِعْلَ بَعْدَها إلى الِانْتِصابِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ، والفِعْلُ المَنصُوبُ مَصْدَرٌ لا مَحالَةَ، حَتّى كَأنَّهُ قالَ: أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَرُؤْيَتُهُ، وهَلْ بَيْنَكم شَرِكَةٌ فاسْتِواءٌ، وأمّا عَنِ الثّانِي والثّالِثِ فَبِأنَّ الهَمْزَةَ، وأمِ انْسَلَخا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، ولَمّا كانا مُسْتَوِيَيْنِ في عِلْمِ المُسْتَفْهِمِ جُعِلا مُسْتَوِيَيْنِ في تَعَلُّقِ الحُكْمِ بِكِلَيْهِما، ولِهَذا قِيلَ: تُجُوِّزَ بِهِما عَنْ مَعْنى الواوِ العاطِفَةِ الدّالَّةِ عَلى اجْتِماعِ مُتَعاطِفَيْها في نِسْبَةٍ ما، مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ تَقَدُّمٍ أوْ تَأخُّرٍ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا المَعْنى، وإنْ كانَ مُرادًا، إلّا أنَّهُ لا يُلاحَظُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ بَعْدَ السَّبْكِ، كَما لا يُلاحَظُ مَعْنى العاطِفِ، فَلا يُقالُ في التَّرْجَمَةِ هُنا إلّا: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّساوِي، حَتّى يُقالَ: إذا كانَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَإ المُتَساوِيانِ يَلْغُو حَمْلُ سَواءٍ عَلَيْهِ، فَيُدْفَعُ بِما يُدْفَعُ، وقَدْ قالَ الإمامُ الآقُسْرائِيُّ: إنْ أنْذَرَتَهم إلَخِ، انْتَقَلَ عَنْ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ أحَدَهُما إلى أنْ يَكُونَ المُرادُ كِلَيْهِما، وهَذا مَعْنى الِاسْتِواءِ المَوْجُودِ فِيهِ، وأمّا الحُكْمُ بِالِاسْتِواءِ في عَدَمِ النَّفْعِ، فَلَمْ يَحْصُلْ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وذُكِرَ أنَّهُ ظَفِرَ بِمِثْلِهِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وكَلامُ المَوْلى الفَنارِيِّ يَحُومُ حَوْلَ هَذا الحِمى، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّهُما في الأصْلِ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، وهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ المُسْتَفْهِمِ، وقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الِاسْتِواءُ هُنا إذْ سُلِخَ عَنْهُما الِاسْتِفْهامُ، وبَقِيَ الِاسْتِواءُ في العِلْمِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: الهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ، فَيَكُونُ الحاصِلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ المُتَساوِيانِ في عِلْمِكَ، مُسْتَوِيانِ في عَدَمِ
صفحة 129
الجَدْوى، وهَذا عَلى ما فِيهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذَكَرْناهُ، ومِثْلُهُ ما ذَكَرَ العامِلِيُّ مِن أنَّ تَمامَ مَعْناهُما الِاسْتِواءُ، والِاسْتِفْهامُ مَعًا، فَجُرِّدا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وصارَ المُجَرَّدُ الِاسْتِواءَ، ولِتَكَرُّرِ الحُكْمِ بِالِاسْتِواءِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَحْصُلُ التَّأْكِيدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، وهو بَعِيدٌ عَنْ ساحَةِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى، ويُوهِمُ قَوْلُهم بِالتَّجْرِيدِ أنْ هُناكَ مَجازًا مُرْسَلًا اسْتُعْمِلَ فِيهِ الكُلُّ في جُزْئِهِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ بَعْدَ سَواءٍ بَأوْ، إنْ كانَ هُناكَ هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ حَتّى قالَ في المُغْنِي: إنَّهُ مِن لَحْنِ الفُقَهاءِ، وفي شَرْحِ الكِتابِ لِلسِّيرافِيِّ: (سَواءٌ) إذا دَخَلَتْ بَعْدَها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ لَزِمَتْ (أمْ)، كَسَواءٍ عَلَيَّ أقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، فَإذا عُطِفَ بَعْدَها أحَدُ اسْمَيْنِ عَلى آخَرَ عُطِفَ بِالواوِ لا غَيْرُ، نَحْوُ: سَواءٌ عِنْدِي زَيْدٌ وعَمْرٌو، فَإذا كانَ بَعْدَها فِعْلانِ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بَأوْ، كَقَوْلِكَ: سَواءٌ عَلَيَّ قُمْتَ أوْ قَعَدْتَ، فَإنْ كانَ بَعْدَها مَصْدَرانِ، مِثْلُ: سَواءٌ عَلَيَّ قِيامُكَ وقُعُودُكَ، فَلَكَ العَطْفُ بِالواوِ وبَأوْ، وإنَّما دَخَلَتْ في الفِعْلَيْنِ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ لِما في ذَلِكَ مِن مَعْنى المُجازاةِ، فَتَقْدِيرُ المِثالِ: إنْ قُمْتَ أوْ قَعَدْتَ فَهُما عَلَيَّ سَواءٌ، والظّاهِرُ مِن هَذا بَيانُ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ لِسَواءٍ، ولَمْ يَحُكَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ شُذُوذًا، فَقِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ مِن طَرِيقِ الزَّعْفَرانِيِّ: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أنْذَرْتَهم أوْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) شاذَّةٌ رِوايَةً فَقَطْ، لا اسْتِعْمالًا، كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ فافْهَمْ هَذا المَقامَ، فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ، وأمّا عَنِ الرّابِعِ فَبِأنَّ النُّحاةَ قَدْ صَرَّحُوا بِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ دُونَ الصِّفَةِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ، فَلا يُقَدَّمُ لِالتِباسِ المُبْتَدَإ بِالفاعِلِ حِينَئِذٍ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْ في صَرِيحِ الصِّفَةِ، فَعَدَمُ امْتِناعِهِ هُنا أوْلى عَلى ما قِيلَ، وإنَّما عَدَلَ سُبْحانَهُ عَنِ المَصْدَرِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلى الأصْلِ لِوَجْهَيْنِ، لَفْظِيٍّ، وهو حُسْنُ دُخُولِ الهَمْزَةِ وأمْ، لِأنَّهُما في الأصْلِ لِلِاسْتِفْهامِ، وهو بِالفِعْلِ أوْلى، ومَعْنَوِيٍّ، وهو إيهامُ التَّجَدُّدِ نَظَرًا لِظاهِرِ الصِّيغَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدَثَ ذَلِكَ، وأوْجَدَهُ، فَأدّى الأمانَةَ، وبَلَّغَ الرِّسالَةَ، وإنَّما لَمْ يُؤْمِنُوا لِسَبْقِ الشَّقاءِ ودَرْكِ القَضاءِ، لا لِتَقْصِيرٍ مِنهُ، وحاشاهُ، فَهو وإنْ أفادَ اليَأْسَ، فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، (وعَلى) هُنا بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ”اسْتَوى عَلى العَرْشِ“ وقِيلَ بِمَعْنى عِنْدَ، فَفي المُغْنِي: (عَلى) تُجَرَّدُ لِلظَّرْفِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّها هُنا لِلْمَضَرَّةِ كَدُعاءٍ عَلَيْهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ (سَواءً) تُسْتَعْمَلُ مَعَ (عَلى) مُطْلَقًا فَيُقالُ: مَوَدَّتِي دائِمَةٌ سَواءٌ عَلَيَّ أزُرْتَ أمْ لَمْ تَزُرْ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ مُطْلَقًا، أوِ الإبْلاغُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في تَخْوِيفِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ فالمَفْعُولُ الثّانِي هُنا مَحْذُوفٌ، أيِ العَذابَ ظاهِرًا ومُضْمَرًا، واسْتُحْسِنَ أنْ لا يُقَدَّرَ لِيَعُمَّ، وفي البَحْرِ: الإنْذارُ الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ في مُدَّةٍ تَسَعُ التَّحَفُّظَ مِنَ المُخَوِّفِ، فَإنْ لَمْ تَسْعَ، فَهو إشْعارٌ وإخْبارٌ، لا إنْذارٌ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ البِشارَةَ لِأنَّها تُفْهَمُ بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ لِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القَلْبِ، وأشَدُّ تَأْثِيرًا، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ كانَتِ البِشارَةُ بِعَدَمِ النَّفْعِ أوْلى، وقِيلَ: لا مَحَلَّ لِلْبِشارَةِ هُنا، لِأنَّ الكافِرَ لَيْسَ أهْلًا لَها، وقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِإجْمالِ ما قَبْلَها، مِمّا فِيهِ الِاسْتِواءُ، والكُفْرُ وعَدَمُ نَفْعِ الإنْذارِ في الماضِي بِحَسَبِ الظّاهِرِ مَسْكُوتٌ فِيهِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، و﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ دالٌّ عَلَيْهِ ومُبَيِّنٌ لَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ هَذا بِالنَّظَرِ إلى مَفْهُومِ اللَّفْظِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ المُصِرِّينَ، وهي حِينَئِذٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كَما هو شَأْنُ الجُمَلِ المُفَسِّرَةِ، وعِنْدَ الشَّلَوْبِينِ: لَها مَحَلٌّ لِأنَّها عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلَها، وصاحِبُ الحالِ ضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) أوْ (أنْذَرْتَهُمْ)، ولَيْسَ هَذا كَــزَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، لِفَقْدِ ما يُشْتَرَطُ في هَذا النَّوْعِ ها هُنا، وأنْ
صفحة 130
تَكُونَ بَدَلًا، إمّا بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِ عَدَمِ نَفْعِ ما مَرَّ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، أوْ بَدَلَ كُلٍّ لِأنَّهُ عَيَّنَهُ بِحَسَبِ المَآلِ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، أوْ خَبَرَ إنَّ، والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ، وفي التَّسْهِيلِ: الِاعْتِراضِيَّةُ هي المُفِيدَةُ تَقْوِيَةً، وهي هُنا كالعِلَّةِ لِلْحُكْمِ لِدِلالَتِها عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وعَدَمِ تَأثُّرِها بِالإنْذارِ، وهو مُقْتَضٍ لِعَدَمِ الإيمانِ، وحَيْثُ إنَّ المَوْضُوعَ دالٌّ عَلى عَدَمِ الإيمانِ في الماضِي، والمَحْمُولُ عَلى اسْتِمْرارِهِ في المُسْتَقْبَلِ، انْدَفَعَ تَوَهُّمُ عَدَمِ الفائِدَةِ في الإخْبارِ، وجَعْلُ الجُمْلَةَ دُعائِيَّةً بَعِيدٌ وأبْعَدُ مِنهُ ما رُوِيَ أنَّ الوَقْفَ عَلى: أمْ لَمْ تُنْذِرْ، والِابْتِداءُ بِـ: هم لا يُؤْمِنُونَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (سَواءٌ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، فَيَجُوزُ أنَّهُ أخَلَصَ الواوَ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، أيْ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قَرَأ: (سُوءٌ عَلَيْهِمْ) بِضَمِّ السِّينِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، فَهو عُدُولٌ عَنْ مَعْنى المُساواةِ إلى السَّبِّ والقُبْحِ، وعَلَيْهِ لا تَعَلُّقَ إعْرابِيًّا لَهُ بِما بَعْدَهُ، كَما في البَحْرِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ ذَكْوانَ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ: (أأنْذَرْتَهُمْ) بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وهو الأصْلُ، وأهْلُ الحِجازِ لا يَرَوْنَ الجَمْعَ بَيْنَهُما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ، فَقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى، وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو، وقالُونَ، وإسْماعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ، وهِشامٍ يُدْخِلُونَ بَيْنَهُما ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ لا يُدْخِلُ، ورُوِيَ تَحْقِيقُهُما عَنْ هِشامٍ مَعَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، ورُوِيَ عَنْ ورْشٍ كابْنِ كَثِيرٍ وكَقالُونَ إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ألِفًا، فَيَلْتَقِي ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ذَلِكَ لَحْنٌ، وخُرُوجٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، الثّانِي أنَّ طَرِيقَ تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ المُتَحَرِّكَةِ المَفْتُوحِ ما قَبْلَها هو بِالتَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، لا بِالقَلْبِ ألِفًا، لِأنَّهُ طَرِيقُ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وما قالُوهُ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيُّونَ أجازُوا الجَمْعَ عَلى غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي أجازَهُ البَصْرِيُّونَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مِن قَبِيلِ الأداءِ، ورِوايَةُ المِصْرِيِّينَ عَنْ ورْشٍ وأهْلِ بَغْدادَ يَرْوُونَ التَّسْهِيلَ بَيْنَ بَيْنَ كَما هو القِياسُ، فَلا يَكُونُ الطَّعْنُ فِيها طَعْنًا فِيما هو مِنَ السَّبْعِ المُتَواتِرِ، إلّا أنَّ المُعْتَزِلِيَّ أساءَ الأدَبَ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مَن قالَ بِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ لِذاتِهِ بِناءً عَلى أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ، وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأمَرَهم بِالإيمانِ، وهو مُمْتَنِعٌ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَما لَزِمَ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، لَكِنَّهُ لازِمٌ إذْ لَوْ آمَنُوا انْقَلَبَ خَبَرُهُ كَذِبًا، وشَمِلَ إيمانَهُمُ الإيمانُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لِكَوْنِهِ مِمّا جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيمانُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَرْعُ اتِّصافِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ، فَيَلْزَمُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ، وعَدَمِ الإيمانِ، فَيَجْتَمِعُ الضِّدّانِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مِنِ انْقِلابِ خَبَرِهِ تَعالى كَذِبًا، واجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وما يَسْتَلْزِمُ المُحالَ مُحالٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ إيمانَهم لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ، لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وبِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ لا يَخْرُجُ مِنَ الإمْكانِ، غايَتُهُ أنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا بِالغَيْرِ، واسْتِلْزامُ وُقُوعِهِ الكَذِبَ أوِ اجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ بِالنَّظَرِ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ إخْبارَهُ تَعالى بِوُقُوعِ الشَّيْءِ، أوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ، ولا يُخْرِجُهُ مِنَ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لِامْتِناعِ الِانْقِلابِ، وإنَّما يَنْفِي عَدَمَ وُقُوعِهِ، أوْ وُقُوعَهُ، فَيَصِيرُ مُمْتَنِعًا بِالغَيْرِ، واللّازِمُ لِلْمُمْكِنِ أنْ لا يَلْزَمَ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ نَظَرًا إلى ذاتِهِ مُحالٌ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى امْتِناعِهِ بِالغَيْرِ، فَقَدْ يَسْتَلْزِمُ المُمْتَنِعُ بِالذّاتِ كاسْتِلْزامِ عَدَمِ المَعْلُولِ الأوَّلِ عَدَمَ الواجِبِ، وقِيلَ في بَيانِ اسْتِحالَةِ إيمانِهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالنَّقِيضَيْنِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ في الإخْبارِ لا يُصَدِّقُونَهُ في شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ في ذَلِكَ، والتَّكْلِيفُ بِالشَّيْءِ تَكْلِيفٌ بِلَوازِمِهِ، وقُوبِلَ بِالمَنعِ لا سِيَّما اللَّوازِمُ العَدَمِيَّةُ.
وقِيلَ: لِأنَّ تَصْدِيقَهم في أنْ لا يَصْدِّقُوهُ، يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يُصَدِّقُوهُ، وما يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ عَدَمَهُ مُحالٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِلْزامُ
صفحة 131
لِامْتِناعِهِ بِالغَيْرِ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ إذْعانَ الشَّخْصِ بِخِلافِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مُحالٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ بِتَصْدِيقِهِ، فَيُصَدِّقُهُ في أنْ لا يُصَدِّقَهُ، نَعَمْ إنَّهُ خِلافُ العادَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ بِالذّاتِ، كَذا قِيلَ، ولا يَخْلُو المَقامُ بَعْدُ عَنْ شَيْءٍ، وأيُّ شَيْءٍ والبَحْثُ طَوِيلٌ، واسْتِيفاؤُهُ هُنا كالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، وسَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
ثُمَّ فائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُثْمِرُ اسْتِخْراجَ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ في المُكَلَّفِينَ، ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أدْخَلَ ابْتِداءً كُلًّا دارَهُ الَّتِي سَبَقَ العِلْمُ بِأنَّها دارُهُ، لَكانَ شَأْنُ المُعَذَّبِ مِنهم ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ فَأرْسَلَ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، لِيَسْتَخْرِجَ ما في اسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ، ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ، وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الآخَرِينَ، إذْ بَعْدَ الذِّكْرى وتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ تَتَحَرَّكُ الدَّواعِي لِلطَّوْعِ والإباءِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أوِ التَّرْكُ بِالمَشِيئَةِ السّابِقَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ لِلْمَعْلُومِ الثّابِتِ الأزَلِيِّ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وإنَّما قامَتِ الحُجَّةُ عَلى الكافِرِ لِأنَّ ما امْتَنَعَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ مِنَ الإيمانِ لَوْ كانَ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ مُطْلَقًا لَما وقَعَ مِن أحَدٍ، لَكِنَّهُ قَدْ وقَعَ، فَعَلِمَ أنَّ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ كانَ عَنْ إباءٍ ناشِئٍ مِنِ اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ بِاخْتِيارِهِ السَّيِّئِ، وإنْ كانَ إباؤُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِهِ فَإنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِعِلْمِهِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ، والمَعْلُومُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ الأزَلِيُّ غَيْرُ مَجْعُولٍ، فَتَعَلَّقَ العِلْمُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، ثُمَّ الإرادَةُ تَعَلَّقَتْ بِتَخْصِيصِ ما سَبَقَ العِلْمُ بِهِ مِن مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ، فَأبْرَزَتْهُ القُدْرَةُ عَلى طِبْقِ الإرادَةِ قالَ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ، إذْ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ العِلْمُ لِكَوْنِهِ كاشِفًا لِلْمَعْلُومِ، وما في اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ، فالمَعْلُومُ المُسْتَعِدُّ لِلْهِدايَةِ في نَفْسِهِ كَشَفَهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن قَبُولِهِ لَها، والمُسْتَعِدُّ لِلْغَوايَةِ تَعَلَّقَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ لَها، فَلَمْ يَشَأْ إلّا ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ مِن مُقْتَضَياتِ الِاسْتِعْدادِ، فَلَمْ تَبْرُزِ القُدْرَةُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَصَحَّ أنَّ لِلَّهِ الحُجَّةَ البالِغَةَ سُبْحانَهُ، إذا نُوزِعَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ وما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ وما نَقَصَ مِنهُ شَيْئًا، ولِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ)،» فَإنَّ اللَّهَ مُتَفَضِّلٌ بِالإيجادِ، لا واجِبَ عَلَيْهِ، «(ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ)،» لِأنَّهُ ما أبْرَزَ قُدْرَتَهُ بِجُودِهِ ورَحْمَتِهِ مِمّا اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ لَهُ، إلّا لِكَوْنِهِ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، ونَعُوذُ بِهِ مِن أحْوالِ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلَيْكَ، لِأنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ لَيْسا سَواءً لَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِفَضِيلَةِ الإنْذارِ الواجِبِ عَلَيْهِ، عَلى تَرْكِهِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ ناسٌ مُعَيَّنُونَ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفٌ عَهْدِيٌّ كَما مَرَّ، كانَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِإخْبارِهِ بِالغَيْبِ، وهو مَوْتُ أُولَئِكَ عَلى الكُفْرِ، كَما كانَ،
البقرة 2:7
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى بُرْهانٍ لَمِّيٍّ لِلْحُكْمِ السّابِقِ، كَما أنَّ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اعْتِراضًا بُرْهانٌ إنِّيٌّ، فالخَتْمُ والتَّغْشِيَةُ مُسَبَّبانِ عَنْ نَفْسِ الكُفْرِ، واقْتِرافُ المَعاصِي سَبَبانِ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، أوْ لِاسْتِواءِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ، فالقَطْعُ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ الحُكْمِ، والخَتْمُ الوَسْمُ بِطابَعٍ، ونَحْوِهِ، والأثَرُ الحاصِلُ، ويُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ تارَةً في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَّيْءِ، والمَنعِ مِنهُ اعْتِبارًا بِما يَحْصُلُ مِنَ المَنعِ بِالخَتْمِ عَلى الكُتُبِ والأبْوابِ، وتارَةً في تَحْصِيلِ أثَرٍ عَنْ أثَرٍ اعْتِبارًا بالنَّقْشِ الحاصِلِ، وتارَةً يُعْتَبَرُ مَعَهُ بُلُوغُ الآخِرِ، ومِنهُ خَتَمْتُ القُرْآنَ، والغِشاوَةُ عَلى ما عَلَيْهِ السَّبْعَةُ بِكَسْرِ الغَيْنِ
صفحة 132
المُجَمَّعَةِ مِن غَشّاهُ إذا غَطّاهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ إلّا يائِيٌّ، فالواوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ عِنْدَهُ، أوْ يُقالُ: لَعَلَّ لَهُ مادَّتَيْنِ، وفِعالَةٌ عِنْدَ الزَّجّاجِ لِما اشْتَمَلَ عَلى شَيْءٍ، كاللِّفافَةِ، ومِنهُ أسْماءُ الصِّناعاتِ كالخِياطَةِ لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيها، وكَذَلِكَ ما اسْتَوْلى عَلى شَيْءٍ، كالخِلافَةِ، وعِنْدَ الرّاغِبِ: هي لِما يُفْعَلُ بِهِ الفِعْلُ كاللَّفِّ في اللِّفافَةِ، فَإنِ اسْتُعْمِلَتْ في غَيْرِهِ فَعَلى التَّشْبِيهِ، وبَعْضُهم فَرَّقَ بَيْنَ ما فِيهِ هاءُ التَّأْنِيثِ وبَيْنَ ما لَيْسَ فِيهِ، فالأوَّلُ اسْمٌ لِما يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ، كالآلَةِ نَحْوِ حِزامٍ، وإمامٍ، والثّانِي لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ، ويُحِيطُ بِهِ، وحَمَلَ الظّاهِرِيُّونَ الخَتْمَ والتَّغْشِيَةَ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفَوَّضُوا الكَيْفِيَّةَ إلى عِلْمِ مَن لا كَيْفِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ضُمَّ مِنَ القَلْبِ هَكَذا، وضَمَّ الخِنْصَرَ، ثُمَّ إذا أذْنَبَ ضُمَّ هَكَذا، وضَمَّ البِنْصَرَ، وهَكَذا إلى الإبْهامِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الخَتْمُ والطَّبْعُ والرَّيْنُ، وهو عِنْدِي غَيْرُ مَعْقُولٍ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ الخَتْمَ اسْتُعِيرَ مِن ضَرْبِ الخاتَمِ عَلى نَحْوِ الأوانِي لِإحْداثِ هَيْئَةٍ في القَلْبِ والسَّمْعِ مانِعَةٍ مِن نُفُوذِ الحَقِّ إلَيْهِما، كَما يَمْنَعُ نَقْشُ الخاتَمِ تِلْكَ الظُّرُوفَ مِن نُفُوذِ ما هو بِصَدَدِ الِانْصِبابِ فِيها، فَيَكُونُ اسْتِعارَةَ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ بِجامِعٍ عَقْلِيٍّ، وهو الِاشْتِمالُ عَلى مَنعِ القابِلِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَهُ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنَ الخَتْمِ خَتَمَ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، وأمّا الغِشاوَةُ، فَقَدِ اسْتُعِيرَتْ مِن مَعْناها الأصْلِيِّ لِحالَةٍ في أبْصارِهِمْ مُقْتَضِيَةٍ لِعَدَمٍ إجْتَلائِها الآياتِ، والجامِعُ ما ذُكِرَ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ إذا أوَّلْتَ الغِشاوَةَ بِمُشْتَقٍّ، أوْ جَعَلْتَ اسْمَ آلَةٍ عَلى ما قِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ يُقالَ: شُبِّهَتْ حالُ قُلُوبِهِمْ وأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ مَعَ الهَيْئَةِ الحادِثَةِ فِيها المانِعَةِ مِنَ الِاسْتِنْفاعِ بِها بِحالِ أشْياءَ مُعَدَّةٍ لِلِانْتِفاعِ بِها في مَصالِحَ مُهِمَّةٍ مَعَ المَنعِ مِن ذَلِكَ بِالخَتْمِ والتَّغْطِيَةِ، ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلْمُشَبَّهِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مُرَكَّبًا، والجامِعُ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِما أُعِدَّ لَهُ، بِسَبَبِ عُرُوضٍ مانِعٍ يُمْكِنُ فِيهِ، كالمانِعِ الأصْلِيِّ، وهو أمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِن تِلْكَ العُدَّةِ، ثُمَّ إنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِاعْتِبارِ الخَلْقِ، والذَّمُّ، والتَّشْنِيعُ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ مُسَبَّبًا عَمّا كَسَبَهُ الكُفّارُ مِنَ المَعاصِي كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ وإلّا أشْكَلَ التَّشْنِيعُ والذَّمُّ عَلى ما لَيْسَ فِعْلَهُمْ، كَذا قالَهُ مُفَسِّرُو أهْلِ السُّنَّةِ عَنْ آخِرِهِمْ فِيما أعْلَمُ، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا رَأوْا أنَّ الآيَةَ يَلْزَمُ مِنها أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ مانِعًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وسَماعِهِ بِالخَتْمِ، وهو قَبِيحٌ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى عَلى قاعِدَتِهِمُ التَزَمُوا لِلْآيَةِ تَأْوِيلاتٍ، ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ جُمْلَةً مِنها حَتّى قالَ: الشَّيْطانُ هو الخاتَمُ في الحَقِيقَةِ، أوِ الكافِرُ، إلّا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا كانَ هو الَّذِي أقْدَرَهُ أوْ مَكَّنَهُ أُسْنِدَ الخَتْمُ إلَيْهِ، كَما يُسْنَدُ إلى السَّبَبِ نَحْوَ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، وناقَةٌ حَلُوبٌ، وأنا أقُولُ: إنْ ماهِيّاتِ المُمْكِناتِ مَعْلُومَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ أزَلًا، فَهي مُتَمَيِّزَةٌ في أنْفُسِها تَمَيُّزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِتَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ، وإنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ أيْضًا، مُخْتَلِفَةَ الِاقْتِضاءاتِ، والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها، عَلى ما هي عَلَيْهِ، في أنْفُسِها مِنِ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، واخْتِلافِ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ، فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ
صفحة 133
الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنِ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ الخَيْرَ والشَّرَّ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، فَيَصِيرُ مُرادُهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، فاخْتِيارُهُ الأزَلِيُّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، وإنَّ اخْتِيارَهُ فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِ لِما اخْتارَهُ، فالعِبادُ مُنْساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بالإكْراهِ والجَبْرِ، ولَيْسُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ، لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ، والجَبْرُ تَبَعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ، فَما مِن شَيْءٍ يُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ويُفِيضُهُ عَلى المُمْكِناتِ إلّا وهو مَطْلُوبُها بِلِسانِ اسْتِعْدادِها، وما حَرَمَها سُبْحانَهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيِ الثّابِتَ لَهُ في الأزَلِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الغَيْرُ المَجْعُولِ، وإنْ كانَتِ الصُّوَرُ الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ مَجْعُولَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيِ الثّابِتَيْنِ لَها في نَفْسِ الأمْرِ، والكُلُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَلَقَهُ حَسَنٌ لِكَوْنِهِ بارِزًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِن صانِعٍ مُطْلَقٍ لا حاكِمَ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ و﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ ومُفاضٌ مِنهُ، وإنْ تَفاوَتَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وافْتَرَقَ عِنْدَ إضافَةِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَتْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دَلِيلًا عَلى سَواءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ، بَلْ هَذا الخَتْمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الِاسْتِعْدادِ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إيجادُهُ، وإظْهارُ يَقِينِهِ طِبْقَ ما عَلِمَهُ فِيهِمْ أزَلًا، حَيْثُ لا جَعَلَ، وما ظَلَمَهم اللَّهُ تَعالى في إظْهارِهِ إذْ مِن صِفَتِهِ سُبْحانَهُ إفاضَةُ الوُجُودِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ حَيْثُ كانَتْ مُسْتَعِدَّةً بِذاتِها لِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الإيجادِ حَقِيقَةٌ، ويَحْسُنُ الذَّمُّ لَهم بِهِ مِن حَيْثُ دِلالَتُهُ عَلى سُوءِ الِاسْتِعْدادِ وقُبْحِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ذَواتُهم في ذَلِكَ النّادِّ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ وأمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن أنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الخَلْقِ فَمُسَلَّمٌ، لا كَلامَ لَنا فِيهِ، وأمّا إنَّ الذَّمَّ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ مُسَبَّبًا عَمّا كَسَبَهُ الكُفّارُ إلَخْ، فَنَقُولُ فِيهِ: إنْ أرادُوا بِالكَسْبِ ما شاعَ عِنْدَ الأشاعِرَةِ مِن مُقارَنَةِ الفِعْلِ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ أصْلًا، وإنَّما المُؤَثِّرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَعَ مُخالَفَتِهِ لِمَعْنى الكَسْبِ، وكَوْنِهِ ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ لا يَشْفِي عَلِيلًا، ولا يَرْوِي غَلِيلًا، إذْ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: أيُّ مَعْنًى لِذَمِّ العَبْدِ بِشَيْءٍ لا مَدْخَلَ لِقُدْرَتِهِ فِيهِ، إلّا كَمَدْخَلِ اليَدِ الشَّلّاءِ فِيما فَعَلَتْهُ الأيْدِي السَّلِيمَةُ، وحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما قالَهُ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في هَذا البابِ: كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ بِالإيمانِ، وقَدْ مَنَعَهُ مِنهُ، ويَنْهاهُ عَنِ الكُفْرِ، وقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ يَصْرِفُهُ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ويَخْلُقُ فِيهِمُ الإفْكَ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وأنْشَأ فِيهِمُ الكُفْرَ ثُمَّ يَقُولُ لِمَ تَكْفُرُونَ؟ وخَلَقَ فِيهِمْ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ وصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ وذَهَبَ بِهِمْ عَنِ الرُّشْدِ، ثُمَّ قالَ: وأيْنَ تَذْهَبُونَ، وأضَلَّهم عَنِ الدِّينِ حَتّى أعْرَضُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ! فَإنْ أجابُوا بِأنَّ لِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، ولا يَتَعَرَّضُ لِلِاعْتِراضِ عَلَيْهِ المُعْتَرِضُونَ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ قُلْنا لَهم: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ، ورَوْضَةُ صِدْقٍ، ولَكِنْ لَيْسَ لَكم مِنها حاصِلٌ، لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ لَيْسَ إلّا لِأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ ما عَنْهُ يُسْألُ، وإذا قُلْتُمْ: لا أثَرَ لِلْقُدْرَةِ الحادِثَةِ في مَقْدُورِها، كَما لا أثَرَ لِلْعِلْمِ في مَعْلُومِهِ فَوَجْهُ مُطالَبَةِ
صفحة 134
العَبْدِ بِأفْعالِهِ كَوَجْهِ مُطالَبَتِهِ بِأنْ يُثَبِّتَ في نَفْسِهِ ألْوانًا وإدْراكاتٍ، وهَذا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ إلى التِزامِ الباطِلِ والمُحالِ، وفِيهِ إبْطالُ الشَّرائِعِ العِظامِ، ورَدُّ ما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ أرادُوا بِالكَسْبِ فِعْلَ العَبْدِ اسْتِقْلالا ما يُرِيدُهُ هُوَ، وإنْ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ تَعالى، فَهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفِيهِ الخُرُوجُ عَمّا دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، واقْتِحامُ ورَطاتِ الضَّلالِ، وسُلُوكُ مَهامِّهِ الوَبالُ.
مَساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ
وإنْ أرادُوا بِهِ تَحْصِيلَ العَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الحادِثَةِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ المُؤَثِّرَةِ لا مُسْتَقِلًّا، بَلْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، فَنِعْمَتِ الإرادَةُ وحَبَّذا السُّلُوكُ في هَذِهِ الجادَّةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُها، وإقامَةُ الأدِلَّةِ عَلى صِحَّتِها، وإماطَةُ الأذى عَنْ طَرِيقِها، إلّا أنَّ أشاعِرَتَنا اليَوْمَ لا يَشْعُرُونَ، وإنَّهم لَيَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ.
ما في الدِّيارِ أخُو وجْدٍ نُطارِحُهُ ∗∗∗ حَدِيثَ نَجْدٍ ولا خِلٌّ نُجارِيهِ
وأمّا ما ذَكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما عَلّامَتُهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَيْسَ أوَّلَ عَشْواءَ خَبَطُوها، وفي مَهْواةٍ مِنَ الأهْواءِ أُهْبِطُوها، ولَكَمْ نَزَلُوا عَنْ مِنَصَّةِ الإيمانِ بِالنَّصِّ إلى حَضِيضِ تَأْوِيلِهِ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ، واسْتِيفاءً لِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِحْنَةِ، وطالَما اسْتَوْخَمُوا مِنَ السُّنَّةِ المَناهِلَ العِذابَ، ووَرَدُوا مِن حَمِيمِ البِدْعَةِ مَوارِدَ العَذابِ، والشُّبْهَةُ الَّتِي تُدَنْدِنُ هُنا حَوْلَ الحِمى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى لَما نَعاها عَلى عِبادِهِ، ولا عاقَبَهم بِها، ولا قامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وهي أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ، وقَدْ عَلِمْتَ جَوابَها مِمّا قَدَّمْناهُ لَكَ، ولْيَكُنْ عَلى ذُكْرٍ مِنكَ، عَلى أنّا نَرْجِعُ فَنَقُولُ: إنْ أسْنَدُوا المُلازَمَةَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، إلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ، وقالُوا: مُعاقَبَةُ الإنْسانِ مَثَلًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ قَبِيحَةٌ في الشّاهِدِ، لا سِيَّما إذا كانَتْ مِنَ الفاعِلِ، فَيَلْزَمُ طَرْدُ ذَلِكَ غائِبًا، قِيلَ: ويَقْبُحُ في الشّاهِدِ أيْضًا أنْ يُمَكِّنَ الإنْسانُ عَبْدَهُ مِنَ القَبائِحِ والفَواحِشِ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ، ثُمَّ يُعاقِبَهُ عَلى ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى رَدْعِهِ ورَدِّهِ مِنَ الأوَّلِ عَنْها، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها يَخْلُقُ العَبْدُ الفَواحِشَ لِنَفْسِهِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى عِلْمٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، أنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ بِها لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَهو بِمَثابَةِ إعْطاءِ سَيْفٍ باتِرٍ لِفاجِرٍ يُعْلَمُ أنَّهُ يَقْطَعُ بِهِ السَّبِيلَ ويَسْبِي بِهِ الحَرِيمَ، وذَلِكَ في الشّاهِدِ قَبِيحٌ جَزْمًا، فَإنْ قالُوا: ثَمَّ حِكْمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِها، فَرَّقَتْ بَيْنَ الغائِبِ والشّاهِدِ، فَحَسُنَ مِنَ الغائِبِ ذَلِكَ التَّمْكِينُ ولَمْ يَحْسُنْ في الشّاهِدِ، (قُلْنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ، والمُوافَقَةِ لِبَعْضِ النّاسِ) ما المانِعُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأفْعالُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى، ويُعاقِبُ العَبْدَ عَلَيْها لِمَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ اسْتَأْثَرَ بِها كَما فَرَغْتُمْ مِنهُ الآنَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ؟ عَلى أنَّ في كَوْنِ الخاتَمِ في الحَقِيقَةِ هو الشَّيْطانُ مِمّا لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ حَتّى الشَّيْطانُ، ألا تَسْمَعُهُ كَيْفَ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولْيَكُنْ هَذا المِقْدارُ كافِيًا في هَذا المَقامِ، ولِشَحْرُورِ القَلَمِ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، عَلى كُلِّ بانَةٍ تَغْرِيدٌ بِأحْسَنِ مَقامٍ، (والقُلُوبُ) جَمْعُ قَلْبٍ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الجِسْمُ الصَّنَوْبَرِيُّ المُودَعُ في التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ، وهو مَشْرِقُ اللَّطِيفَةِ الإنْسانِيَّةِ، ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ اللَّطِيفَةِ النُّورانِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ العالِمَةِ الَّتِي هي مَهْبِطُ الأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ، وبِها يَكُونُ الإنْسانُ إنْسانًا، وبِها يَسْتَعِدُّ لِاكْتِسابِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ الزَّواجِرِ، وهي خُلاصَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنَ الرُّوحِ الرُّوحانِيِّ، ويُعَبِّرُ عَنْها الحَكِيمُ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، ولِكَوْنِها هَدَفَ سِهامِ القَهْرِ واللُّطْفِ ومَظْهَرَ الجَمالِ والجَلالِ ومَنشَأ البَسْطِ والقَبْضِ، ومَبْدَأ المَحْوِ والصَّحْوِ، ومَنبَعَ الأخْلاقِ المَرْضِيَّةِ والأحْوالِ الرَّدِيَّةِ، وقَلَّما تَسْتَقِرُّ عَلى حالٍ، وتَسْتَمِرُّ عَلى مِنوالٍ، سُمِّيَتْ قَلْبًا، فَهي مُتَقَلِّبَةٌ في أمْرِهِ، ومُنْقَلِبَةٌ
صفحة 135
بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَدَرِهِ، وفي الحَدِيثِ: «(إنَّ القَلْبَ كَرِيشَةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ، تُقَلِّبُها الرِّياحُ)،» وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
قَدْ سُمِّيَ القَلْبُ قَلْبًا مِن تَقَلُّبِهِ ∗∗∗ فاحْذَرْ عَلى القَلْبِ مِن قَلْبٍ وتَحْوِيلِ
وتَسْمِيَةُ الجِسْمِ المَعْرُوفِ قَلْبًا إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ لَيْسَ إلّا لِتَقَلُّبِ هاتِيكَ اللَّطِيفَةِ المُشْرِقَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ العُضْوُ الرَّئِيسُ الَّذِي هو مَنشَأُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ المُمِدَّةِ لِلْجَسَدِ كُلِّهِ، ويُكَنّى بِصَلاحِهِ وفَسادِهِ عَنْ صَلاحِ هاتِيكَ اللَّطِيفَةِ وفَسادِها، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الَّذِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ)،» وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّ تِلْكَ المُضْغَةِ هي مَحَلُّ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدِّماغِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، وبُنِيَ ذَلِكَ عَلى إثْباتِ الحَواسِّ الباطِنَةِ، والكَلامُ فِيها مَشْهُورٌ، ومَن راجَعَ وجَدَ أنَّهُ أدْرَكَ أنَّ بَيْنَ الدِّماغِ والقَلْبِ رابِطَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، ومُراجَعَةٌ سِرِّيَّةٌ لا يُنْكِرُها مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مُتَعَزِّزَةٌ كَما هي مُتَعَذِّرَةٌ، والإشارَةُ إلى كُنْهِ ما هُنالِكَ عَلى أرْبابِ الحَقائِقِ، وأصْحابِ الدَّقائِقِ مُتَعَسِّرَةٌ، ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، والعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ، والسَّمْعُ مَصْدَرُ سَمِعَ سَمْعًا وسَماعًا، ويُطْلَقُ عَلى قُوَّةٍ مُودَعَةٍ في العَصَبِ المَفْرُوشِ أوِ المُبْطَلِ في الأُذُنِ تُدْرَكُ بِها الأصْواتُ، ويُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنْ نَفْسِ الأُذُنِ، وأُخْرى عَنِ الفِعْلِ، نَحْوَ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو في الأصْلِ بِمَعْنى إدْراكِ العَيْنِ، وإحْساسِها، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ القُوَّةِ المُودَعَةِ في مُلْتَقى العَصَبَتَيْنِ المُجَوَّفَتَيْنِ الواصِلَتَيْنِ مِنَ الدِّماغِ إلى الحَدَقَتَيْنِ الَّتِي مِن شَأْنِها إدْراكُ الألْوانِ والأشْكالِ بِتَفْصِيلٍ مَعْرُوفٍ في مَحَلِّهِ، وعَنِ العَيْنِ الَّتِي هي مَحَلُّهُ، وشاعَ هَذا حَتّى صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِتَبادُرِهِ، وهو المُناسِبُ لِلْغِشاوَةِ لِتَعَلُّقِها بِالأعْيانِ، ويُناسِبُ الخَتْمَ ما يُناسِبُ الغِشاوَةَ، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ الخَتْمَ عَلى القُلُوبِ هُنا لِأنَّ الآيَةَ تَقْرِيرٌ لِعَدَمِ الإيمانِ، فَناسَبَ تَقْدِيمَ القُلُوبِ لِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ، والسَّمْعُ والأبْصارُ طُرُقٌ وآلاتٌ لَهُ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِالمَواعِظِ، ولِذا جاءَتِ الفاصِلَةُ ”أفَلا تَذْكُرُونَ“ فَكانَ المُناسِبُ هُناكَ تَقْدِيمُ السَّمْعِ، وأعادَ جَلَّ شَأْنُهُ الجارَّ لِتَكُونَ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ، فَإنَّ ما يُوضَعُ في خِزانَةٍ إذا خُتِمَتْ خِزانَتُهُ وخُتِمَتْ دارُهُ كانَ أقْوى مِنَ المَنعِ عَنْهُ، وأظْهَرَ في الِاسْتِقْلالِ لِأنَّ إعادَةَ الجارِّ تَقْتَضِي مُلاحَظَةَ مَعْنى الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِهِ حَتّى كَأنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، ولِذا قالُوا فِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرٍو، مُرُورٌ واحِدٌ، وفِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وبِعَمْرٍو، مُرُورانِ، والعَطْفُ وإنْ كانَ في قُوَّةِ الإعادَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ ظاهِرًا مِثْلَها في الإفادَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاحْتِمالِ، ووَحَّدَ السَّمْعَ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ في الواقِعِ، ومُقْتَضى الِانْتِظامِ بِالسِّباقِ واللَّحاقِ أنْ يَجْرِيَ عَلى نَمَطِهِما لِلِاخْتِصارِ والتَّفَنُّنِ مَعَ الإشارَةِ إلى نُكْتَةٍ هي أنَّ مُدْرَكاتِهِ نَوْعٌ واحِدٌ ومُدْرَكاتِهِما مُخْتَلِفَةٌ، وكَثِيرًا ما يَعْتَبِرُ البُلَغاءُ مِثْلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ وحْدَةَ اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى وحْدَةِ مُسَمّاهُ، وهو الحاسَّةُ، ووَحْدَتُها تَدُلُّ عَلى قِلَّةِ مُدْرَكاتِها في بادِئِ النَّظَرِ، فَهُناكَ دِلالَةُ التِزامٍ، ويَكْفِي مِثْلُ ما ذُكِرَ في اللُّزُومِ عُرْفًا، ومِنهُ يُتَنَبَّهُ لِوَجْهِ جَمْعِ القُلُوبِ كَثْرَةِ الأبْصارِ قِلَّةً، وإنْ كانَ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ في اسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ في جَمِيعِها عَلى أنَّ الأسْماعَ قَلَّما قَرَعَ السَّمْعَ، ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ في الشَّواذِّ (وعَلى أسْماعِهِمْ)، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ
صفحة 136
قالَتْ ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنا ∗∗∗ مَهْلًا لَقَدْ أبْلَغْتَ أسْماعِي
والقَوْلُ بِأنَّهُ وحْدَةٌ لِلْأمْنِ عَنِ اللَّبْسِ كَما في قَوْلِهِ:
كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ
ولِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، فَرُوعِيَ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مُصَحِّحٌ لا مُرَجِّحٌ، وأدْنى مِن هَذا عِنْدِي تَقْدِيرُ مُضافٍ مِثْلِ: (وحَواسِّ سَمْعِهِمْ)، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الوَقْفِ عَلى (سَمْعِهِمْ)، وظاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعْدَهُ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى (عَلى قُلُوبِهِمْ) وهَذا أوْلى مِن كَوْنِهِ هُوَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرًا مُقَدَّمًا، لِغِشاوَةٍ أوْ عامِلانِ فِيهِ عَلى التَّنازُعِ، وإنِ احْتَمَلَتْهُ الآيَةُ لِتَعَيُّنِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولِأنَّ السَّمْعَ كالقَلْبِ يُدْرِكُ ما يُدْرِكُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ فَناسَبَ أنْ يُقْرَنَ مَعَهُ بِالخَتْمِ الَّذِي يَمْنَعُ مِن جَمِيعِها، وإنِ اخْتَصَّ وُقُوعُهُ بِجانِبٍ، إلّا أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ، ولَمّا كانَ إدْراكُ البَصَرِ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِالمُحاذاةِ والمُقابَلَةِ جُعِلَ المانِعُ ما يَمْنَعُ مِنها، وهو الغِشاوَةُ، لِأنَّها في الغالِبِ كَذَلِكَ، كَغاشِيَةِ السَّرْجِ، ومِثْلُ هَذا يَكْفِي في النِّكاتِ، ولا يَضُرُّهُ سَتْرُهُ لِجَمِيعِ الجَوانِبِ كالإزارِ، وما في الكَشْفِ مِن أنَّ الوَجْهَ أنَّ الغِشاوَةَ مَشْهُورَةٌ في أمْراضِ العَيْنِ، فَهي أنْسَبُ بِالبَصَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِما تَكَلَّفُوهُ، يَكْشِفُ عَنْ حالِهِ النَّظَرُ في المَعْنى اللُّغَوِيِّ مِمَّنْ لا غِشاوَةَ عَلى بَصَرِهِ، ولَعَلَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ مُشارَكَتُهُ لِلْقَلْبِ في التَّصَرُّفِ في الجِهاتِ السِّتِّ مِثْلَهُ دُونَ البَصَرِ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنَ الحَواسِّ ضَرُورِيٌّ في مَوْضِعِهِ، ومَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا، وتَفْضِيلُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ، وقَدْ قُرِئَ بِإمالَةِ (أبْصارِهِمْ) ووَجْهُ الإمالَةِ مَعَ أنَّ الصّادَ حَرْفٌ مُسْتَعْلٍ وهو مُنافٍ لَها لِاقْتِضائِها لِتَسَفُّلِ الصَّوْتِ، مُناسَبَةُ الكَسْرَةِ، واعْتُبِرَتْ عَلى الرّاءِ دُونَ غَيْرِها لِمُناسَبَةِ الإمالَةِ التَّرْقِيقَ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الرّاءِ لِئَلّا يَقَعَ التَّقْرِيرُ، فَإنَّهُ مُضِرٌّ في الأداءِ حَتّى سَمِعْتُ مِن بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ مَن كَرَّرَ الرّاءَ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاتُهُ، والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (عَلى أبْصارِهِمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِــ(غِشاوَةٌ)، والتَّقْدِيمُ مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُطابَقَةَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، لِأنَّهُ تَقَدُّمُ الجُزْءِ المَحْكُومِ بِهِ فِيها، وهَذا كَذَلِكَ، فَفي الآيَةِ جُمْلَتانِ خَبَرِيَّتانِ فِعْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، واسْمِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ، حَتّى كَأنَّ الغِشاوَةَ جِبِلِّيَّةٌ فِيهِمْ، وكَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ دُعائِيَّتَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَقْدِيمِ الفِعْلِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وفُرِغَ مِنهُ، ونَصَبَ المُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ، وإسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ (غِشاوَةً)، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن مَعْنى خَتَمَ، لِأنَّ مَعْناهُ غَشّى وسَتَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَغْشِيَةً، عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قُلُوبُهُمْ، وسَمْعُهُمْ، وأبْصارُهم مَخْتُومًا عَلَيْها مُغَشّاةً، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ خَتَمَ، والظُّرُوفُ أحْوالٌ، أيْ خَتْمَ غِشاوَةٍ كائِنَةٍ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لِئَلّا يُتَصَرَّفَ بِها بِالرَّفْعِ والإزالَةِ، وفي كُلٍّ ما لا يَخْفى، فَقِراءَةُ الرَّفْعِ أوْلى، وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّ الغَيْنِ، ورَفْعِهِ، وبِفَتْحِ الغَيْنِ ونَصْبِهِ، وقُرِئَ (غِشْوَةٌ)، بِكَسْرِ المُعْجَمَةِ مَرْفُوعًا، وبِفَتْحِها مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا، و(غَشْيَةٌ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ، و(عَشاوَةٌ) بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ، والرَّفْعِ، وجُوِّزَ فِيهِ الكَسْرُ والنَّصْبُ مِنَ الغَشا
صفحة 137
بِالفَتْحِ والقَصْرِ، وهو الرُّؤْيَةُ نَهارًا لا لَيْلًا، والمَعْنى أنَّهم يُبْصِرُونَ إبْصارَ غَفْلَةٍ لا إبْصارَ عِبْرَةٍ، أوْ أنَّهم لا يَرَوْنَ آياتِ اللَّهِ تَعالى في ظُلُماتِ كُفْرِهِمْ، ولَوْ زالَتْ أبْصَرُوها، وقالَ الرّاغِبُ العَشا ظُلْمَةٌ تَعْرِضُ لِلْعَيْنِ، وعَشى عَنْ كَذا عَمِيَ، قالَ تَعالى ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ فالمَعْنى حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والتَّنْوِينُ لِلْإشارَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ الأغْطِيَةِ غَيْرِ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ غِشاوَةٌ أيُّ غِشاوَةٍ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِحَمْلِهِ عَلى النَّوْعِيَّةِ، والتَّعْظِيمِ مَعًا كَما حُمِلَ عَلى التَّكْثِيرِ والتَّعْظِيمِ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ واللّامُ في (لَهُمْ) لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وفي المُغْنِي: لامُ الِاسْتِحْقاقِ هي الواقِعَةُ بَيْنَ مَعْنًى وذاتٍ، وهُنا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الخَبَرَ اسْتِحْسانًا، لِأنَّ المُبْتَدَأ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ولَوْ أُخِّرَ جازَ كَـ ”أجَل مُسَمّى عِنْدَهُ“ ويَجُوزُ كَما قِيلَ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ لِلتَّخْصِيصِ، فَلا يُعَذَّبُ عَذابَهم أحَدٌ ولا يُوثَقُ وثاقَهم أحَدٌ، وكَوْنُ اللّامِ لِلنَّفْعِ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّهَكُّمِ، مِمّا لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّها إنَّما تَقَعُ لَهُ في مُقابَلَةِ (عَلى) في الدُّعاءِ، وما يُقارِبُهُ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ هُنا، ولا يُقالُ عَلَيْهِمُ العَذابُ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُساقَةٌ لِبَيانِ إصْرارِهِمْ بِأنَّ مَشاعِرَهم خُتِمَتْ، وإنَّ الشِّقْوَةَ عَلَيْهِمْ خُتِمَتْ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا، ولا حالًا، وقالَ السّالَكُوتِيُّ: عُطِفَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والجامِعُ أنَّ ما سَبَقَ بَيانُ حالِهِمْ، وهَذا بَيانُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ، والجامِعُ الشَّرِكَةُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعَ تَناسُبِ مَفْهُومِ المُسْنَدَيْنِ، وجَعْلِ ذَلِكَ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ عَلى كُفْرِهِمْ، لِأنَّهُ بِخَتْمِ اللَّهِ تَعالى وتَغْشِيَتِهِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ كَما لا يَخْفى، والعَذابُ في الأصْلِ الِاسْتِمْرارُ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ، فَسُمِّيَ بِهِ كُلُّ اسْتِمْرارِ ألَمٍ، واشْتَقُّوا مِنهُ فَقالُوا: عَذَّبَتُهُ أيْ داوَمْتُ عَلَيْهِ الألَمَ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وعَنِ الخَلِيلِ، وإلَيْهِ مالَ كَثِيرٌ أنَّ أصْلَهُ المَنعُ، يُقالُ: عَذَبَ الفَرَسُ إذا امْتَنَعَ عَنِ العَلَفِ، ومِنهُ العَذْبُ لِمَنعِهِ مِنَ العَطَشِ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ مُؤْلِمٍ شاقٍّ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مانِعًا ورادِعًا، ولِهَذا كانَ أعَمَّ مِنَ النَّكالِ، لِأنَّهُ ما كانَ رادِعًا كالعِقابِ، وقِيلَ: العِقابُ ما يُجازى بِهِ كَما في الآخِرَةِ، وشَمَلَ البَيانُ عَذابَ الأطْفالِ والبَهائِمِ وغَيْرِهِما، وخَصَّ السَّجاوَنْدِيُّ العَذابَ بِإيصالِ الألَمِ إلى الحَيِّ مَعَ الهَوانِ، فَإيلامُ الأطْفالِ والبَهائِمِ لَيْسَ بِعَذابٍ عِنْدَهُ، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ مَأْخُوذٌ في الأصْلِ مِنَ التَّعْذِيبِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإيلامِ مُطْلَقًا، وأصْلُ التَّعْذِيبِ عَلى ما قِيلَ: إكْثارُ الضَّرْبِ بِعَذْبَةِ السَّوْطِ، وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ مِنَ العَذْبِ فَعَذَّبْتُهُ أزَلْتَ عَذْبَ حَياتِهِ، عَلى بِناءِ مَرَّضْتُهُ وقَذَّيْتُهُ، والتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ لَهم في الآخِرَةِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ في عَذابِ الدُّنْيا، وحَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ يَسْتَدْعِي حَمْلَ ما يُسْتَفادُ مِنَ الوَصْفِ عَلى التَّأْكِيدِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، والعَظِيمُ الكَبِيرُ، وقِيلَ: فَوْقَ الكَبِيرِ، لَأنَّ الكَبِيرَ يُقابِلُهُ الصَّغِيرُ، والعَظِيمَ يُقابِلُهُ الحَقِيرُ، والحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ، فالصَّغِيرُ والحَقِيرُ خَسِيسانِ، والحَقِيرُ أخَسُّهُما، والعَظِيمُ والكَبِيرُ شَرِيفانِ، والعَظِيمُ أشْرَفُهُما، فَتَوْصِيفُ العَذابِ بِهِ أكْثَرُ في التَّهْوِيلِ مِن تَوْصِيفِهِ بِالكَبِيرِ، كَما ذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِمَّنْ شاعَ فَضْلُهُ، إذِ العادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّ الأخَسَّ يُقابَلُ بِالأشْرَفِ، والخَسِيسَ بِالشَّرِيفِ، فَما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ نَقِيضَ الأخَصِّ أعَمُّ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ هُنا، نَعَمْ يُشْكِلُ عَلى دَعْوى أنَّ العَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «(الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظَمَةُ إزارِي)» حَيْثُ جَعَلَ سُبْحانَهُ الكِبْرِياءُ مَقامَ الرِّداءِ والعَظْمَةَ مَقامَ الإزارِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرِّداءَ أرْفَعُ مِنَ الإزارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ صِفَةُ الكِبْرِ أرْفَعُ مِنَ العَظَمَةِ، ويُقالُ: إنَّ الكَبِيرَ هو الكَبِيرُ في ذاتِهِ سَواءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أمْ لا، وأمّا العَظَمَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، فالصِّفَةُ الأُولى عَلى هَذا ذاتِيَّةٌ وأشْرَفُ مِنَ الثّانِيَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَلى بُعْدٍ بِأنَّ ما ذَكَرُوهُ خاصٌّ بِما إذا اسْتُعْمِلَ الكَبِيرُ والعَظِيمُ في غَيْرِهِ تَعالى، أوْ فِيما إذا خَلا الكَلامُ عَنْ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي العَكْسَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ العَظَمَةَ وهي أشْرَفُ مِنَ الكِبْرِياءِ إزارًا لِقِلَّةِ العارِفِينَ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ بِالنَّظَرِ إلى العارِفِينَ
صفحة 138
بِعُنْوانِ الكِبْرِياءِ، فَلِقِلَّةِ أُولَئِكَ كانَتْ إزارًا، ولِكَثْرَةِ هَؤُلاءِ كانَتْ رِداءًا، وسُبْحانَ الكَبِيرِ العَظِيمِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ عَظُمَ الرَّجُلُ كِبَرَ عَظْمُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ كَبِيرٍ وأُجْرِيَ مَجْراهُ مَحْسُوسًا كانَ أوْ مَعْقُولًا مَعْنًى كانَ أوْ عَيْنًا، والعَظِيمُ إذا اسْتُعْمِلَ في الأعْيانِ فَأصْلُهُ أنْ يُقالَ في الأجْزاءِ المُتَّصِلَةِ، والكَبِيرُ يُقالُ في المُنْفَصِلَةِ، وقَدْ يُقالُ فِيها أيْضًا عَظِيمٌ، وهو بِمَعْنى كَبِيرٍ كَجَيْشٍ عَظِيمٍ، وعِظَمُ العَذابِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَّخَلُّلِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَذابانِ كَسَوادَيْنِ أحَدُهُما أشَبْعُ مِنَ الآخَرِ، وقَدْ تَخَلَّلَ الآخَرَ ما لَيْسَ بِسَوادٍ، وقَدْ ذَهَبَ المُسْلِمُونَ إلى أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها شَواهِدُ صِدْقٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَحْسُنُ، وذَكَرُوا دَلائِلَ عَقْلِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، فَقالُوا: التَّعْذِيبُ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ المَنفَعَةِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، والعَبْدُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، ولَوْ سُلِّمَ انْتِفاعُهُ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ النَّفْعَ مِن غَيْرِ عَذابٍ، والضَّرَرُ الخالِي عَنِ النَّفْعِ قَبِيحٌ بَدِيهَةً، وأيْضًا أنَّ الكافِرَ لا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا العِصْيانُ، فَتَكْلِيفُهُ مَتى حَصَلَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ العَذابُ، وما كانَ مُسْتَعْقِبًا لِلضَّرَرِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ قَبِيحٌ، فَإمّا أنْ يُقالَ: لا تَكْلِيفَ، أوْ تَكْلِيفٌ ولا عَذابَ، وأيْضًا هو الخالِقُ لِداعِيَةِ المَعْصِيَةِ، فَيَقْبُحُ أنْ يُعاقِبَ عَلَيْها، وقالُوا أيْضًا هَبْ أنّا سَلَّمْنا العِقابَ فَمِن أيْنَ القَوْلُ بِالدَّوامِ وأقْسى النّاسِ قَلْبًا إذا أخَذَ مَن بالَغَ في الإساءَةِ إلَيْهِ وعَذَّبَهُ، وبالَغَ فِيهِ، وواظَبَ عَلَيْهِ لامَهُ كُلُّ أحَدٍ، وقِيلَ لَهُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهُ وتُرِيحَهُ، وإمّا أنْ تَعْفُوَ عَنْهُ، فَإذا قَبُحَ هَذا مِن إنْسانٍ يَلْتَذُّ بِالِانْتِقامِ فالغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الدَّوامُ؟ وأيْضًا مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أفَتَرى أنَّ هَذا الكَرَمَ العَظِيمَ يَذْهَبُ في الآخِرَةِ أوْ تُسْلَبُ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَتُوبُونَ، أوْ يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ في الدُّنْيا ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، وفي الآخِرَةِ لا يُجِيبُ دُعاءَهم إلّا ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾
* * *
بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي لا تُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا تُعارِضُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ المُفِيدَةَ لَهُ، عَلى أنّا نَدَّعِي أنَّ أخْبارَ الوَعِيدِ في الكُفّارِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا صَرِيحًا كَما قالَ ذَلِكَ فِيها مَن جَوَّزَ العَفْوَ عَنِ الفُسّاقِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الجُمَلُ دُعائِيَّةً، أوْ أنَّها إخْبارِيَّةٌ، لَكِنَّ الإخْبارَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ لا عَنِ الوُقُوعِ نَفْسِهِ، وهَذا خُلاصَةُ ما ذُكِرَ في هَذا البابِ، وبَسَطَ الإمامُ الرّازِيُّ الكَلامَ فِيهِ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِما يَشْرَحُ الفُؤادَ، ويُبَرِّدُ الأكْبادَ، وتِلْكَ شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ، ولَعَمْرِي إنَّها شُبَهٌ تَمَكَّنَتْ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَتْ لَهُمُ الخَنّاسَ الوَسْواسَ، فَخَلَعُوا رِبْقَةَ التَّكْلِيفِ، وانْحَرَفُوا عَنِ الدِّينِ الحَنِيفِ، وهي عِنْدَ المُؤْمِنِينَ المُتَمَكِّنِينَ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، فَأقُولُ، وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ: نَفْيُ العَذابِ مُطْلَقًا مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، حَتّى أنَّ المَجُوسَ لا يَقُولُونَهُ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا مِنَ الهَذَيانِ أقْصاهُ، فَإنَّ عُقَلاءَهم والعَقْلُ بِمَراحِلَ عَنْهم زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ سُلْطانِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَزْحَفُ حَتّى رَأى النُّورَ، فَوَثَبَ، فَصارَ في سُلْطانِ اللَّهِ تَعالى، وأُدْخِلَ مَعَهُ الآفاتُ والشُّرُورُ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذا العالَمَ شَبَكَةً لَهُ، فَوَقَعَ فِيها، فَصارَ لا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلى سُلْطانِهِ، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا يُرْمى بِالآفاتِ، فَمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى أماتَهُ، ومَن أصَحَّهُ أسْقَمَهُ، ومَن أسَرَّهُ أحْزَنَهُ، وكُلَّ يَوْمٍ يَنْقُصُ سُلْطانُهُ، فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وزالَتْ قُوَّتُهُ طَرَحَهُ اللَّهُ تَعالى في الجَوِّ، وحاسَبَ أهْلَ الأدْيانِ، وجازاهم عَلى طاعَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، وعِصْيانِهِمْ لَهُ، نَعَمِ المَشْهُورُ عَنْهم أنَّ الآلامَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَبِيحَةٌ لِذاتِها، ولا تَحْسُنُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهي صادِرَةٌ عَنِ الظُّلْمَةِ دُونَ النُّورِ، وبُطْلانُ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَقُولُ ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ، وغالِبُ الأدِلَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ في هَذا البابِ مَبْنِيٌّ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ نَفاهُما أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وأقامُوا الأدِلَّةَ عَلى بُطْلانِهِما، وشُيُوعُ ذَلِكَ
صفحة 139
فِي كُتُبِ الكَلامِ يَجْعَلُ نَقْلُهُ هُنا مِن لَغْوِ الكَلامِ عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى صِفَتَيْ لُطْفٍ وقَهْرٍ، ومِنَ الواجِبِ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ لا سِيَّما مَلِكُ المُلُوكِ كَذَلِكَ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مِن أوْصافِ الكَمالِ، ولا يَقُومُ أحَدُهُما مَقامَ الآخَرِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كابَرَ، وقَدْ مُدِحَ في الشّاهِدِ ذَلِكَ، كَما قِيلَ:
يَداكَ يَدٌ خَيْرُها يُرْتَجى وأُخْرى لِأعْدائِها غائِظَةْ
فَلَمّا نَظَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى ما عَلِمَهُ مِنَ الماهِيّاتِ الأزَلِيَّةِ، والأعْيانِ الثّابِتَةِ ورَأى فِيها مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْخَيْرِ، وطَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، ومَنِ اسْتَعَدَّ لِلشَّرِّ، وطَلَبَهُ كَذَلِكَ أفاضَ عَلى كُلٍّ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ ما اسْتَعَدَّ لَهُ، وأعْطاهُ ما طَلَبَهُ مِنهُ، ثُمَّ كَلَّفَهُ ورَغَّبَهُ ورَهَّبَهُ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ، وإظْهارًا لِلْحُجَّةِ، إذْ لَوْ عَذَّبَهُ وأظْهَرَ فِيهِ صِفَةَ قَهْرِهِ قَبْلَ أنْ يُنْذِرَهُ لَرُبَّما قالَ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ فالتَّعْذِيبُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِالمَعْنى المَأْلُوفِ، لَكِنَّهُ مِن آثارِ القَهْرِ، ووُقُوعُ فَرِيقٍ في طَرِيقِ القَهْرِ ضَرُورِيٌّ في حِكْمَتِهِ تَعالى، وكُلُّ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى وكَمالُهُ حَسَنٌ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّ صِفَتَيِ اللُّطْفِ والقَهْرِ مِن مُسْتَتْبَعاتِ ذاتِهِ الَّتِي هي في غايَةِ الكَمالِ، ولَهُما مُتَعَلِّقاتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُسْتَعِدَّةٌ لَهُما في الأزَلِ اسْتِعْدادًا غَيْرَ مَجْعُولٍ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ في الأزَلِ التَّعَلُّقاتِ والمُتَعَلِّقاتِ فَظَهَرَتْ طِبْقَ ما عَلِمَ، ولَوْ لَمْ تَظْهَرْ كَذَلِكَ لَزِمَ انْقِلابُ الحَقائِقِ، وهو مُحالٌ، فالإيمانُ والكُفْرُ في الحَقِيقَةِ لَيْسا سَبَبًا حَقِيقِيًّا، وعِلَّةً تامَّةً لِلتَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، وإنَّما هُما عَلامَتانِ لَهُما، دَعَتْ إلَيْهِما الحِكْمَةُ، والرَّحْمَةُ، وهَذا مَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ: «(اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ)،» أمّا مَن كانَ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ المُسْتَعِدَّةِ لَها ذاتُهُ فَسَيُيَسَّرُ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، لِأنَّ شَأْنَهُ تَعالى الإفاضَةُ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ، وأمّا مَن كانَ في الأزَلِ والعِلْمِ القَدِيمِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لِماهِيَّتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ أزَلًا، فَسَيُيَسَّرُ بِمُقْتَضى القَهْرِ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ، وفي ذَلِكَ تَظْهَرُ المِنَّةُ، وتَتِمُّ الحُجَّةُ، ولا يُرَدُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ لِأنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ لِنَفْيِ المَشِيئَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، والعِلْمُ تابِعٌ لِثُبُوتِ المَعْلُومِ في نَفْسِ الأمْرِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في المُسْتَحِيلِ الغَيْرِ الثّابِتِ في نَفْسِهِ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ وحَيْثُ لا ثُبُوتَ لِلْهِدايَةِ في نَفْسِها لا تَعَلُّقَ لِلْعِلْمِ بِها، وحَيْثُ لا تَعَلُّقَ لا مَشِيئَةَ، فَسَبَبُ نَفْيِ إيجادِ الهِدايَةِ نَفْيُ المَشِيئَةِ، وسَبَبُ نَفْيِ المَشِيئَةِ تَقَرُّرُ عَدَمِ الهِدايَةِ في نَفْسِها، فَيَئُولُ الأمْرُ إلى أنَّ سَبَبَ نَفْيِ إيجادِ الهِدايَةِ انْتِفاؤُها في نَفْسِ الأمْرِ، وعَدَمُ تَقَرُّرِها في العِلْمِ الأزَلِيِّ، ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ فَإذا انْتَقَشَ هَذا عَلى صَحِيفَةِ خاطِرِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُمُ الضَّرَرُ الخالِي عَنِ النَّفْعِ قَبِيحٌ بَدِيهَةً، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ذَلِكَ الضَّرَرَ مِن آثارِ القَهْرِ التّابِعِ لِلذّاتِ الأقْدَسِ، ومَتى خَلا عَنِ القَهْرِ كانَ عَزَّ شَأْنُهُ عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ كالأقْطَعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ إلّا يَدٌ واحِدَةٌ بَلْ مَن أنْصَفَهُ عَقْلُهُ يَعْلَمُ أنَّ الخُلُوَّ عَنْ صِفَةِ القَهْرِ يُخِلُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ويَسْلُبُ إزارَ العَظَمَةِ، ويَحُطُّ شَأْنَ المِلْكِيَّةِ، إذْ لا يُرْهَبُ مِنهُ حِينَئِذٍ، فَيَخْتَلُّ النِّظامُ، ويَنْحَلُّ نُبَذُ هَذا الِانْتِظامِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ إيلامِ الحَيَوانِ في هَذِهِ النَّشْأةِ لا سِيَّما البَهائِمُ والأطْفالُ الَّذِينَ لا يَنالُهم مِن هَذِهِ الآلامِ نَفْعٌ بِالكُلِّيَّةِ لا عاجِلًا ولا آجِلًا، مَعَ أنّا نُشاهِدُ وُقُوعَ ذَلِكَ أكْثَرَ مِن نُجُومِ السَّماءِ فَما هو جَوابُهم عَنْ هَذِهِ الآلامِ مِنهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ، مَعَ أنَّهُ لا نَفْعَ لَهُ مِنها بِوَجْهٍ، فَهو جَوابُنا عَنِ التَّعْذِيبِ في تِلْكَ النَّشْأةِ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ الكافِرَ لا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا العِصْيانُ، فَتَكْلِيفُهُ مَتى حَصَلَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ العَذابُ إلْخَ، فَفِيهِ أنَّ الكافِرَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ مُتَعَشِّقٌ لِلنّارِ تَعْشُّقَ الحَدِيدِ لِلْمِغْناطِيسِ، وإنْ نَفَرَ عَنْها نافِرٌ عَنِ الجَنَّةِ نُفُورَ الظُّلْمَةِ عَنِ النُّورِ، وإنْ تَعَشَّقَها فَهو إنْ كُلِّفَ وإنْ لَمْ يُكَلَّفْ لا بُدَّ وأنْ يُعَذَّبَ فِيها، ولَكِنَّ التَّكْلِيفَ لِاسْتِخْراجِ ما في اسْتِعْدادِهِ مِن الإباءِ لِإظْهارِ الحُجَّةِ، والكُفْرُ مُجَرَّدُ عَلامَةٍ، ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
صفحة 140
، وقَوْلُهُمْ: هو سُبْحانَهُ الخالِقُ لِداعِيَةِ المَعْصِيَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ خَلَقَها وأظْهَرَها طِبْقَ ما دَعا إلَيْهِ الِاسْتِعَدادُ الذّاتِيُّ الَّذِي لا دَخْلَ لِلْقُدْرَةِ إلّا في إيجادِهِ، وأيُّ قُبْحٍ في إعْطاءِ الشَّيْءِ ما طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، وإنَّ أضَرَّ بِهِ، ولا يَلْزَمُ اللَّهَ تَعالى عَقْلًا أنْ يَتْرُكَ مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ويُبْطِلَ شَأْنَ رُبُوبِيَّتِهِ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِخِلافِ ما اقْتَضاهُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ، وقَوْلُهُمْ: هَبْ أنّا سَلَّمَنا العِقابَ فَمِن أيْنَ الدَّوامُ إلَخْ، قُلْنا: الدَّوامُ مِن خُبْثِ الذّاتِ، وقُبْحِ الصِّفاتِ الثّابِتَيْنِ فِيما لَمْ يَزَلِ، الظّاهِرَيْنِ فِيما لا يَزالُ بِالإباءِ بَعْدَ التَّكْلِيفِ، مَعَ مُراعاةِ الحِكْمَةِ، وهَذا الخُبْثُ دائِمٌ فِيهِمْ ما دامَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى الذّاتِيَّةُ وذَواتُهم كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ويَدُومُ المَعْلُولُ ما دامَتْ عِلَّتُهُ، أوْ يُقالُ: العَذابُ وهو في الحَقِيقَةِ البُعْدُ مِنَ اللَّهِ لازِمٌ لِلْكُفْرِ، والمَلْزُومُ لا يَنْفَكُّ مِنَ اللّازِمِ، وأيْضًا الكُفْرُ مَعَ ظُهُورِ البُرْهانِ في الأنْفُسِ والآفاقِ بِمَن لا تَتَناهى كِبْرِياؤُهُ ولا تَنْحَصِرُ عَظَمَتُهُ أمْرٌ لا يُحِيطُ نِطاقُ الفِكْرِ بِقُبْحِهِ، وإنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّ الغَيْرَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَرْتَضِيهِ، وإنْ أفاضَتْهُ القُدْرَةُ الأزَلِيَّةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يَطْلُبُ عَذابًا أبَدِيًّا، وعِقابًا سَرْمَدِيًّا، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، ولا يُقاسِ هَذا بِما ضَرَبَهُ مِنَ المِثالِ، إذْ أيْنَ ذِلَّةُ التُّرابِ مِن عِزَّةِ رَبِّ الأرْبابِ، ولَيْسَ مَوْرِدُ المَسْألَتَيْنِ مَنهَلًا واحِدًا، وقَوْلُهُمْ: مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أفَتَرى أنَّ هَذا الكَرَمَ العَظِيمَ يَذْهَبُ في الآخِرَةِ أوْ تُسْلَبُ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ، فَلا يَتُوبُونَ إلَخْ، فَفِيهِ أنَّ مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ فَقَدْ أبْدَلَ القَبِيحَ بِضِدِّهِ، وأظْهَرَ سُبْحانَهُ مُقْتَضى ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ المَعْلُومَةِ لَهُ حَسَبَ عِلْمِهِ، فَهُناكَ حِينَئِذٍ كُفْرٌ قَبِيحٌ زائِلٌ، وإيمانٌ حَسَنٌ ثابِتٌ، وقَدِ انْضَمَّ إلى هَذا الإيمانِ نَدَمٌ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ في دارٍ يَنْفَعُ فِيها تَدارُكُ ما فاتَ، والنَّدَمُ عَلى الهَفَواتِ، فَيَصِيرُ الكُفْرُ بِهَذا الإيمانِ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إذْ يُقابَلُ القَبِيحُ بِالحَسَنِ، ويَبْقى النَّدَمُ، وهو رُكْنُ التَّوْبَةِ مَكْسَبًا، عَلى أنَّ ظُهُورَ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ دَلِيلٌ عَلى نَجابَةِ الذّاتِ في نَفْسِها، وطَهارَتِها في مَعْلُومِيَّتِها، والأعْمالُ بِالخَواتِيمِ، فَلا بِدْعَ في مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ جُودًا وكَرَمًا، ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وإنْ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِبَعْضِ اعْتِباراتِها إلّا أنَّها خَصَّتِ المُتَّقِينَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهي كَمَعِيَّتِهِ سُبْحانَهُ الغَيْرِ المُكَيَّفَةِ، ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعالى مَرَّةً: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ وتارَةً: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وكَرَّةً: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ وطَوْرًا: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ ولا يُنافِي كَوْنَ الرَّحْمَةِ أوْسَعَ دائِرَةً مِنَ الغَضَبِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ أنَّ الكُفّارَ المُعَذَّبِينَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُنَعَّمِينَ، كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وكَذا حَدِيثُ البَعْثِ، لِأنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَنِي آدَمَ وهم قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ، والحُورِ، والغِلْمانِ، ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَيَكُونُ أهْلُ الرَّحْمَةِ أكْثَرَ مِن أهْلِ الغَضَبِ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ مَرْحُومُونَ في عَذابِهِمْ، وما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ شَيْءٍ لا يَتَناهى، وبَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، وهم مُخْتَلِفُونَ في العَذابِ، وبَيْنَ عَذابِ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وإنْ ظَنَّ كُلٌّ مِن أهْلِها أنَّهُ أشَدُّ النّاسِ عَذابًا، لَكِنَّ الكَلامَ في الواقِعِ بَلْ مِنهم مَن هو مُلْتَذٌّ بِعَذابِهِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، ومِنهم غَيْرُ ذَلِكَ، نَعَمْ فِيهِمْ مَن عَذابُهُ مَحْضٌ لا لَذَّةَ لَهم فِيهِ، ومَعَ هَذا يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّها هي الَّتِي اسْتَعَدَّتْ لِذَلِكَ، فَفاضَ عَلَيْها ما فاضَ مِن جانِبِ المَبْدَإ الفَيّاضِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ ومَن غَفَلَ مِنهم عَنْ ذَلِكَ نَبَّهَهُ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ولا تَنْفَعُهُمُ التَّوْبَةُ هُناكَ، كَما تَنْفَعُهم هُنا، إذْ قَدِ اخْتَلَفَتِ الدّارانِ، وامْتازَ الفَرِيقانِ، وانْتَهى الأمَدُ المَضْرُوبُ
صفحة 141
لَها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ رَأيْنا في الشّاهِدِ أنَّ لِنَفْعِ الدَّواءِ وقْتًا مَخْصُوصًا، إذا تَعَدّاهُ رُبَّما يُؤَثِّرُ ضَرَرًا، ومِنَ الكُفّارِ مَن يَعْرِفُ أنَّهُ قَدْ مَضى الوَقْتُ، وانْقَضى ذَلِكَ الزَّمانُ، وأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما كانَتْ في الدّارِ الدُّنْيا، ولِهَذا قالَ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا طَلَبَ عارِفٍ مِن وجْهِ جاهِلٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مُقابَلَتِهِ: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ ولَمْ يُغْلِظْ عَلَيْهِ كَما أغْلَظَ عَلى مَن قالَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ حَيْثُ صَدَرَ عَنْ جَهْلٍ مَحْضٍ، فَأجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَمّا اخْتَلَفَ الطَّلَبُ اخْتَلَفَ الجَوابُ، ولَيْسَ كُلُّ دُعاءٍ يُسْتَجابُ، كَما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألْبابِ، وقَوْلُهُمْ: بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي لا تُفِيدُ اليَقِينَ فَلا تُعارِضُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ المُفِيدَةَ لَهُ، فَيُقالُ فِيهِ: إنْ أرادُوا إنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ مُفِيدَةٌ لِلْيَقِينِ فَقَدْ عَلِمْتَ حالَها، وأنَّها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، ولَيْتَها أفادَتْ ظَنًّا، وإنْ أرادُوا مُطْلَقَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنها، عَلى أنَّ كَوْنَ الدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لا تُفِيدُ اليَقِينَ إنَّما هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وجُمْهُورِ الأشاعِرَةِ، والحَقُّ أنَّها قَدْ تُفِيدُ اليَقِينَ بِقَرائِنَ مُشاهَدَةٍ، أوْ مُتَواتِرَةٍ تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الِاحْتِمالاتِ، ومِن صِدْقِ القائِلِ يُعْلَمُ عَدَمُ المُعارِضِ العَقْلِيِّ، فَإنَّهُ إذا تَعَيَّنَ المَعْنى وكانَ مُرادًا لَهُ، فَلَوْ كانَ هُناكَ مُعارِضٌ عَقْلِيٌّ لَزِمَ كَذِبُهُ، نَعَمْ في إفادَتِها اليَقِينَ في العَقْلِيّاتِ نَظَرٌ، لِأنَّ كَوْنَها مُفِيدَةً لِلْيَقِينِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِها والنَّظَرِ فِيها - وكَوْنِ قائِلِها صادِقًا - الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ؟ وأنَّهُ هَلْ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي تُشاهَدُ أوْ تُنْقَلُ تَواتُرًا مَدْخَلٌ في ذَلِكَ الجَزْمِ؟ وحُصُولُ ذَلِكَ الجَزْمِ بِمُجَرَّدِها، ومَدْخَلِيَّةُ القَرِينَةِ فِيهِ مِمّا لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِأحَدِ طَرَفَيْهِ، الإثْباتِ والنَّفْيِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ إفادَتُها اليَقِينَ في العَقْلِيّاتِ مَحَلَّ نَظَرٍ وتَأمُّلٍ، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ صِدْقُ القائِلِ مَجْزُومًا بِهِ لَزِمَ مِنهُ الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ في العَقْلِيّاتِ، كَما لَزِمَ مِنهُ في الشَّرْعِيّاتِ، وإلّا احْتَمَلَ كَلامُهُ الكَذِبَ فِيهِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما.
قُلْتُ: أجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ المُرادَ بِالشَّرْعِيّاتِ أُمُورٌ يَجْزِمُ العَقْلُ بِإمْكانِها ثُبُوتًا وانْتِفاءً، ولا طَرِيقَ إلَيْها، وبِالعَقْلِيّاتِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وحِينَئِذٍ جازَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَنِعاتِ، فَلِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ رُبَّما لَمْ يَحْصُلِ الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ لِلدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ في العَقْلِيّاتِ، وإنْ حَصَلَ الجَزْمُ بِهِ في الشَّرْعِيّاتِ، وذَلِكَ بِخِلافِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ في العَقْلِيّاتِ، فَإنَّها بِمُجَرَّدِها تُفِيدُ الجَزْمَ بِعَدَمِ المُعارِضِ، لِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ عُلِمَ بِالبَدِيهَةِ صِحَّتُها، أوْ عُلِمَ بِالبَدِيهَةِ لُزُومُها، مِمّا عُلِمَ صِحَّتُهُ بِالبَدِيهَةِ، وحِينَئِذٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ ما يُعارِضُها، لِأنَّ أحْكامَ البَدِيهَةِ لا تَتَعارَضُ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ أصْلًا.
هَذا، وقالَ الفاضِلُ الرُّومِيُّ: ها هُنا بَحْثٌ مَشْهُورٌ، وهو أنَّ المَعْنى بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ في الشَّرْعِيّاتِ صِدْقُ القائِلِ، وهو قائِمٌ في العَقْلِيّاتِ أيْضًا، وما لا يَحْكُمُ العَقْلُ بِإمْكانِهِ ثُبُوتًا أوِ انْتِفاءً، لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَنِعاتِ لِجَوازِ إمْكانِهِ الخافِي مِنَ العَقْلِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كُلُّ ما عُلِمَ أنَّ الشَّرْعَ نَطَقَ بِهِ عَلى هَذا القِسْمِ، لِئَلّا يَلْزَمَ كَذِبُهُ وإبْطالُ قَطْعِ العَقْلِ بِصِدْقِهِ، فالحَقُّ أنَّ النَّقْلِيَّ يُفِيدُ القَطْعَ في العَقْلِيّاتِ أيْضًا، ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ نَفْسِها والقَرائِنِ في الشَّرْعِيّاتِ يُفِيدُ الجَزْمَ بِعَدَمِ المُعارِضِ لِأجْلِ إفادَةِ الإرادَةِ مِنَ القائِلِ الصّادِقِ جَزْمًا، وفي العَقْلِيّاتِ إفادَتُهُ الجَزْمَ بِعَدَمِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، بِناءً عَلى أنَّ إفادَتَهُ الإرادَةَ مُحْتَمَلَةٌ انْتَهى، وقَدْ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ عَلى العَقْلِيِّ، فَقالَ في البابِ الثّانِي والسَّبْعِينَ والأرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الفُتُوحاتِ:
عَلى السَّمْعِ عَوَّلْنا فَكُنّا أُولِي النُّهْى ∗∗∗ ولا عِلْمَ فِيما لا يَكُونُ عَنِ السَّمْعِ
وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ والثَّلَثِمِائَةٍ:
كَيْفَ لِلْعَقْلِ دَلِيلٌ والَّذِي ∗∗∗ قَدْ بَناهُ العَقْلُ بِالكَشْفِ انْهَدَمْ
فَنَجاةُ النَّفْسِ في الشَّرْعِ فَلا ∗∗∗ تَكُ إنْسانًا رَأى ثُمَّ حُرِمْ
صفحة 142
واعْتَصِمْ بِالشَّرْعِ في الكَشْفِ فَقَدْ ∗∗∗ فازَ بِالخَيْرِ عَبِيدٌ قَدْ عُصِمْ
أهْمِلِ الفِكْرَ فَلا تَحْفُلْ بِهِ ∗∗∗ واتْرُكَنَّهُ مِثْلَ لَحْمٍ في وضَمْ
إنَّ لِلْفِكْرِ مَقامًا فاعْتَضِدْ ∗∗∗ بِهِ فِيهِ تَكُ شَخْصًا قَدْ رُحِمْ
كُلُّ عِلْمٍ يَشْهَدُ الشَّرْعُ لَهُ ∗∗∗ هو عِلْمٌ فِيهِ فَلْتَعْتَصِمْ
وإذا خالَفَهُ العَقْلُ فَقُلْ ∗∗∗ طَوْرَكَ الزَمْ ما لَكم فِيهِ قَدَمْ
ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلْعَقْلِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، كَما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: ولا تَسْتَبْعِدْ أيُّها المُعْتَكِفُ في عالَمِ العَقْلِ أنْ يَكُونَ وراءَ العَقْلِ طَوْرٌ آخَرُ يَظْهَرُ فِيهِ ما لا يَظْهَرُ في العَقْلِ، كَما لا تَسْتَبْعِدُ أنْ يَكُونَ العَقْلُ طَوْرًا وراءَ التَّمْيِيزِ والإحْساسِ، يَنْكَشِفُ فِيهِ عَوالِمُ وعَجائِبُ يَقْصُرُ عَنْها الإحْساسُ، والتَّمْيِيزُ إلى آخِرِ ما قالَ، فَفِيما نَحْنُ فِيهِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ ما لا يُحْصى مِمّا يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ في النّارِ، وفي العَذابِ دِلالَةٌ واضِحَةٌ لا خَفاءَ فِيها، فَتَأْوِيلُها كُلُّها بِمُجَرَّدِ شُبَهٍ أضْعَفُ مِن حِبالِ القَمَرِ، والعُدُولُ عَنْها إلى القَوْلِ بِنَفْيِ العَذابِ أوِ الخُلُودِ فِيهِ مِمّا لا يَنْبَغِي، لا سِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي فِيها النّاسُ كَما تَرى، عَلى أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةُ الدُّعاءِ مِن رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ أمْ كَيْفَ يَكُونُ التَّعْلِيقُ بَعْدَ النَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أمْ كَيْفَ يُقْبَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ دُونَ الوُقُوعِ عَلى ما فِيهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ و﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وأمّا ما يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصّالِحِ، وكَذا عَنْ حَضْرَةِ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ، ومَن حَذا حَذْوَهُ مِنَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ الخُلُودِ فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مَشْرَبٍ آخَرَ، وتَجَلٍّ لَمْ يَنْكَشِفْ لَنا، والكَثِيرُ مِنهم قَدْ بَنى كَلامَهُ عَلى اصْطِلاحاتٍ، ورُمُوزٍ، وإشاراتٍ، قَدْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ فَهْمِها العَوائِقُ الدُّنْيَوِيَّةُ، والعَلائِقُ النَّفْسانِيَّةُ، ولَعَلَّ قَوْلَ مَن قالَ بِعَدَمِ الخُلُودِ مِمَّنْ لَمْ يَسَلُكْ مَسْلَكَ أهْلِ السُّلُوكِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ خُلُودِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ النّارِ، وهُمُ العُصاةُ بِما دُونَ الكُفْرِ، وإنْ وقَعَ إطْلاقُ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ حُمِلَ عَلى مَعْنًى آخَرَ، كَما حُمِلَ عَلى رَأْيٍ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ)،» عَلى أنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ، كَمْ وكَمْ صَرَّحَ في كُتُبِهِ بِالخُلُودِ، فَقالَ في عَقِيدَتِهِ الصُّغْرى: أوَّلَ الفُتُوحاتِ: والتَّأْبِيدُ لِأهْلِ النّارِ في النّارِ حَقٌّ، وفي البابِ الرّابِعِ والسِّتِّينَ في بَحْثِ ذَبْحِ المَوْتِ ونِداءِ المُنادِي: «(يا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ ولا خُرُوجَ)،» ما نَصُّهُ: ويَغْتَمُّ أهْلُ النّارِ أشَدَّ الغَمِّ، لِذَلِكَ ثُمَّ تُغْلَقُ أبْوابُ النّارِ غَلْقًا لا فَتْحَ بَعْدَهُ، وتَنْطَبِقُ النّارُ عَلى أهْلِها، ويَدْخُلُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، لِيَعْظُمَ انْضِغاطُهم فِيها، ويَرْجِعَ أعْلاها أسْفَلَها، وأسْفَلُها أعْلاها، ويُرى النّاسُ والجِنُّ فِيها مِثْلَ قِطَعِ اللَّحْمِ في القِدْرِ الَّتِي تَحْتَها النّارُ العَظِيمَةُ تَغْلِي كَغَلْيِ الحَمِيمِ، فَتَدُورُ في الخَلْقِ عُلُوًّا وسُفْلًا، ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ وذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالإنْسانِ الكَبِيرِ، وفي شَرْحٍ لِبابِ الأسْرارِ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ مُرادَ القَوْمِ بِأنَّ أهْلَ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنها هم عُصاةُ المُوَحِّدِينَ، لا الكُفّارُ، وقالَ: إيّاكَ أنْ تَحْمِلَ كَلامَ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِانْتِهاءِ مُدَّةِ أهْلِ النّارِ مِنَ العُصاةِ عَلى الكُفّارِ، فَإنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وخَطَأٌ، وإذا احْتَمَلَ الكَلامُ وجْهًا صَحِيحًا، وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، انْتَهى، نَعَمْ، قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ: فَإذا وقَعَ الجِدارُ، وانْهَدَمَ الصُّورُ وامْتَزَجَتِ الأنْهارُ والتَقى البَحْرانِ، وعُدِمَ البَرْزَخُ صارَ العَذابُ نَعِيمًا، وجَهَنَّمُ جَنَّةً ولا عَذابَ، ولا عِقابَ، إلّا نَعِيمٌ وأمانٌ بِمُشاهَدَةِ العِيانِ إلَخْ، وهَذا وأمْثالُهُ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى
صفحة 143
صَحِيحٍ، يَعْرِفُهُ أهْلُ الذَّوْقِ لا يُنافِي ما ورَدَتْ بِهِ القَواطِعُ، وقُصارى ما يَخْطُرُ لِأمْثالِنا فِيهِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مَسْكَنِ عُصاةِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ النّارِ، وفِيهِ يَضَعُ الجَبّارُ قَدَّمَهُ، ويَتَجَلّى بِصِفَةِ القَهْرِ عَلى النّارِ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، ولا تُطِيقُ تَجَلِّيهِ، فَتَخْمُدُ، ولا بُعْدَ أنْ تَلْحَقَ بَعْدُ بِالجَنَّةِ، وإيّاكَ أنْ تَقُولَ بِظاهِرِهِ، مَعَ ما أنْتَ عَلَيْهِ، وكُلَّما وجَدْتَ مِثْلَ هَذا لِأحَدٍ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى فَسَلِّمْهُ لَهم بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ مِمّا لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، ولا أنا، لا بِالمَعْنى الَّذِي يَنْقَدِحُ في عَقْلِكَ المَشُوبِ بِالأوْهامِ، فالأمْرُ واللَّهِ وراءَ ذَلِكَ، والأخْذُ بِظَواهِرِ هَذِهِ العِباراتِ النّافِيَةِ لِلْخُلُودِ في العَذابِ، وتَأْوِيلُ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى الخُلُودِ في النّارِ بِأنْ يُقالَ الخُلُودُ فِيها لا يَسْتَلْزِمُ الخُلُودَ في العَذابِ، لِجَوازِ التَّنَعُّمِ فِيها، وانْقِلابِ العَذابِ عُذُوبَةً مِمّا يَجُرُّ إلى نَفْيِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَعْطِيلِ النُّبُوّاتِ، وفَتْحِ بابٍ لا يُسَدُّ، وإنْ سَوَّلَتْ نَفْسُكَ لَكَ ذَلِكَ قَلَّبْنا البَحْثَ مَعَكَ، ولَنَأْتِيَنَّكَ بِجُنُودٍ مِنَ الأدِلَّةِ لا قِبَلَ لَكَ بِها، وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، ولا يُوقِعَنَّكَ في الوَهْمِ أنَّ الخُلُودَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَناهِي التَّجَلِّياتِ، فاللَّهُ تَعالى هو اللَّهُ وكُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ، ولا أظُنُّكَ تَجِدُ هَذا التَّحْقِيقَ مِن غَيْرِنا، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البقرة 2:8
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى آخِرِ القِصَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مَسُوقٌ لِغَرَضٍ، إلّا أنَّ فِيهِما مِنَ النَّعْيِ عَلى أهْلِ الضَّلالِ ما لا يَخْفى، وقَدْ سِيقَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً لِنَعْيِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ سَتَرُوا الكُفْرَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، فَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ أعْظَمُ جُرْمًا مِن سائِرِ الكُفّارِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ والنّاسُ أصْلُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أُناسٌ، وهو جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِإنْسانٍ، وقَدْ حُذِفَتْ فاؤُهُ تَخْفِيفًا، فَوَزْنُهُ فُعالٌ، ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ إنْسانٌ، وإنْسٌ وأناسِيُّ، ونَقْصُهُ وإتْمامُهُ جائِزانِ، إذا نُكِّرَ، فَإذا عُرِّفَ بِألْ فالأكْثَرُ نَقْصُهُ، ومَن عَرَّفَ خَصَّ بِالبَلاءِ، ويَجُوزُ إتْمامُهُ عَلى قِلَّةٍ كَما في قَوْلِهِ:
إنَّ المَنايا يَطَّلِعْنَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينا
وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُنْسِ ضِدَّ الوَحْشَةِ لِأُنْسِهِ بِجِنْسِهِ، لِأنَّهُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومِن هُنا قِيلَ:
وما سُمِّيَ الإنْسانُ إلّا لِأُنْسِهِ ∗∗∗ ولا القَلْبُ إلّا أنَّهُ يَتَقَلَّبُ
أوْ مِن آنَسَ أيْ أبْصَرَ، قالَ تَعالى: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ وجاءَ بِمَعْنى سَمِعَ وعَلِمَ، وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ ظاهِرٌ مَحْسُوسٌ، وذَهَبَ السَّكّاكِيُّ إلى أنَّهُ اسْمٌ تامٌّ، وعَيْنُهُ واوٌ مِن نَوَسَ، إذا تَحَرَّكَ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى نُوَيْسٍ، فَوَزْنُهُ فَعْلٌ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ مِنَ المُصَغَّرِ الآتِي عَلى خِلافِ مُكَبَّرِهِ، كَأُنَيْسِيانٍ ورُوَيْجِلٍ، وقِيلَ: مِن نَسِيَ بِالقَلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَوَزْنُهُ حِينَئِذٍ فَلْعٌ، ولا يُسْتَعْمَلُ في الغالِبِ إلّا في بَنِي آدَمَ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ ناسٍ مِنَ العَرَبِ: أُناسٌ مِنَ الجِنِّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مَجازٌ، وإذا أُخِذَ مِن نَوَسَ يَكُونُ صِدْقُ المَفْهُومِ عَلى الجِنِّ ظاهِرًا لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ النَّوْسَ تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ جَزَمَ بِأنَّ كُلًّا مِن ناسٍ وأُناسٍ مادَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ واللّامُ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَمِن نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَوْصُولَةٌ مُرادًا بِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأشْياعُهُ، وجَوَّزَ ابْنُ هِشامٍ وجَماعَةٌ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ الجِنْسِ، ومَوْصُوفَةً عَلى تَقْدِيرِ العَهْدِ لِأنَّ بَعْضَ الجِنْسِ قَدْ يَتَعَيَّنُ بِوَجْهٍ ما وبَعْضَ المُعَيَّنِينَ قَدْ يُجْهَلُ، بِاعْتِبارِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، كَأهْلِ مَحَلَّةٍ مَحْصُورِينَ فِيهِمْ قاتِلٌ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ كَوْنُهُ قاتِلًا، وإنْ عُرِفَ شَخْصُهُ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّ التَّخْصِيصَ هو الأنْسَبُ، لِأنَّ المُعَرَّفَ بِلامِ الجِنْسِ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ فِيهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وبَعْضُ النَّكِرَةِ نَكِرَةٌ، فَناسَبَ مِنَ المَوْصُوفَةِ لِلطِّباقِ، والأمْرُ بِخِلافِهِ في العَهْدِ، وعَلى هَذا الأُسْلُوبِ
صفحة 144
ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾ ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ لِأنَّهُ أُرِيدَ في الأوَّلِ الجِنْسُ وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في الثّانِي طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ في الآيَةِ تَفْصِيلٌ مَعْنَوِيٌّ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الكافِرِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بِالمُنافِقِينَ، فَصارَ نَظِيرًا لِلتَّفْصِيلِ اللَّفْظِيِّ، وفي قُوَّةِ تَفْصِيلِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، ومُنافِقٍ - تَضَمُّنُ الإخْبارِ عَمَّنْ يَقُولُ بِأنَّهُ مِنَ النّاسِ - فائِدَةٌ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَهُ عَلى مَعْنى: مَن يَخْتَفِي مِنَ المُنافِقِينَ مَعْلُومٌ لَنا، ولَوْلا أنَّ السَّتْرَ مِنَ الكَرَمِ فَضَحْتُهُ، فَيَكُونُ مُفِيدًا أيْضًا، ومُلَوِّحًا إلى تَهْدِيدٍ ما، وقِيلَ: المُرادُ بِكَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ أنَّهم لا صِفَةَ لَهم تُمَيِّزُهم سِوى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، أوِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ تُنافِي الإنْسانِيَّةَ، فَيُتَعَجَّبُ مِنها، أوْ مَناطُ الفائِدَةِ الوُجُودُ أيْ إنَّهم مَوْجُودُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، أوْ إنَّهم مِنَ النّاسِ لا مِنَ الجِنِّ، إذْ لا نِفاقَ فِيهِمْ، أوِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ، والمَعْنى أنَّهم يُعَدُّونَ مُسْلِمِينَ، أوْ يُعامَلُونَ مُعامَلَتَهم فِيما لَهم وعَلَيْهِمْ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الكَلَفِ والتَّكَلُّفِ، ولِكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَةٌ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ هُنا أنْ تَكُونَ (مِن) مَوْصُولَةً، مُدَّعِيًا أنَّها إنَّما تَكُونُ مَوْصُوفَةً إذا وقَعَتْ في مَكانٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ في الأكْثَرِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قَلِيلٌ حَتّى أنَّ السَّكّاكِيَّ عَلى عُلُوِّ كَعْبِهِ أنْكَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولا يَرِدُ عَلى إرادَةِ العَهْدِ أنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ المُنافِقُونَ مُطْلَقًا في الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ المَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالخَتْمِ، وإنَّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الآيَةَ، وقَعَ عَدِيلًا لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَيانًا لِلْقِسْمِ الثّالِثِ المُذَبْذَبِ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالمُنافِقِينَ المُصَمِّمُونَ مِنهُمُ، المَخْتُومُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ لا مُطْلَقُ المُنافِقِينَ، ولِأنَّ اخْتِصاصَهم بِخَلْطِ الخِداعِ، والِاسْتِهْزاءِ مَعَ الكُفْرِ لا يُنافِي دُخُولَهم تَحْتَ الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارُوا قِسْمًا ثالِثًا، فالقِسْمَةُ ثُنائِيَّةٌ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ، ثُلاثِيَّةٌ بِالِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (يَقُولُ) (وآمَنّا) مُراعاةً لِلَفْظِ (مِن) ومَعْناها، ولَوْ راعى الأوَّلَ فَقَطْ لَقالَ: آمَنتُ، أوِ الثّانِيَ فَقَطْ لَقالَ: يَقُولُونَ، ولَمّا رُوعِيا جَمِيعًا حَسُنَ مُراعاةُ اللَّفْظِ أوَّلًا، إذْ هو في الخارِجِ قَبْلَ المَعْنى، والواحِدُ قَبْلَ الجَمْعِ، ولَوْ عُكِسَ جازَ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ مِن جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
لَسْتُ مِمَّنْ يَكِعُّ أوْ يَسْتَكِينُونَ ∗∗∗ إذا كافَحَتْهُ خَيْلُ الأعادِي
واقْتَصَرَ مِن مُتَعَلِّقِ الإيمانِ عَلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، مَعَ أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِأفْواهِهِمْ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُما المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الإيمانِ، إذْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ آمَنَ بِكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، وشَرائِعِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّهُ إلَيْهِ المَصِيرُ اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِدَعْوى حِيازَةِ الإيمانِ بِطَرَفَيْهِ المَبْدَإ والمَعادِ، وما طَرِيقُهُ العَقْلُ والسَّمْعُ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ فِيما لَيْسُوا فِيهِ مُنافِقِينَ في الجُمْلَةِ، لِأنَّ القَوْمَ في المَشْهُورِ كانُوا يَهُودًا، وهم مُخْلِصُونَ في أصْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ عَلى ظَنِّهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يُنافِقُونَ في كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِما، ويَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّ إيمانَهم بِهِما مِثْلُ إيمانِهِمْ فَكَيْفَ فِيما يَقْصِدُونَ بِهِ النِّفاقَ المَحْضَ ولَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ أصْلًا، كَنُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقُرْآنِ، أوْ أنَّهم قَصَدُوا بِتَخْصِيصِ الإيمانِ بِهِما التَّعَرُّضَ بِعَدَمِ الإيمانِ بِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما بَلَّغَهُ، فَفي ذَلِكَ بَيانٌ لِمَزِيدِ خُبْثِهِمْ، وهَذا لَوْ قُصِدَ حَقِيقَتُهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ إيمانًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفَ وهو مُخادَعَةٌ وتَلْبِيسٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهُمُ المُبالَغَةَ في خُلُوصِ إسْلامِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا عَقائِدَهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في المَبْدَإ والمَعادِ، واعْتَرَفُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ، خَصُّوا إيمانَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِسائِرِ الأُصُولِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَ في الإيمانِ بِها اعْتِرافٌ بِذَلِكَ وأيْضًا، تَرْكُ
صفحة 145
الرّاسِخِ في القَلْبِ مِمّا عَلَيْهِ الإباءُ بِتَرْكِ الإيمانِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسَلَّماتِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِمّا لا شُبْهَةَ في أنَّهم مُعْتَقِدُونَ لَهُ بَعْدَ اعْتِقادِهِمْ ما هو أشَدُّ مِنهُ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ: ﴿بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلى القَسَمِ مِنهم عَلى الإيمانِ سَمِجٌ بِاللَّهِ، وأسْمَجُ مِنهُ بِمَراتِبِ حَمْلِهِ عَلى القَسَمِ مِنهُ تَعالى عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِتَقْدِيرِ، ما آمَنُوا وما هم بِمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الباءُ صِلَةَ الإيمانِ، وكُرِّرَتْ مُبالَغَةً في الخَدِيعَةِ والتَّلْبِيسِ بِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم تَفْصِيلِيٌّ مُؤَكَّدٌ قَوِيٌّ، واليَوْمُ الآخِرُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ الدّائِمُ مِنَ الحَشْرِ بِحَيْثُ لا يَتَناهى، أوْ ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ إلى اسْتِقْرارِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فِيما أُعِدَّ لَهُ، وسُمِّيَ آخِرًا، لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ، والأشْبَهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ إطْلاقَ اليَوْمِ شائِعٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، ولِأنَّ الإيمانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالثّانِي، لِدُخُولِهِ فِيهِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، نَعَمِ المُناسِبُ لِلَّفْظِ اليَوْمُ لُغَةً، هو الثّانِي، لِمَحْدُودِيَّتِهِ، وهو عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُغايِرٌ لِما عِنْدَ النّاسِ لِأنَّ اليَوْمَ عُرْفًا مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وشَرْعًا عَلى الصَّحِيحِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى الغُرُوبِ، واصْطِلاحًا مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ، والأمْرُ وراءَ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ الفاعِلَ وأُولى حَرْفِ النَّفْيِ رَدٌّ لِدَعْوى أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِأنَّ انْخِراطَهم في سِلْكِ المُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ ثُبُوتِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ لَهُمْ، وانْتِفاءُ اللّازِمِ أعْدَلُ شاهِدٍ عَلى انْتِفاءِ المَلْزُومِ، وقَدْ بُولِغَ في نَفْيِ اللّازِمِ بِالدِّلالَةِ عَلى دَوامِهِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ حُدُوثِ المَلْزُومِ مُطْلَقًا، وأكَّدَ ذَلِكَ النَّفْيُ بِالباءِ أيْضًا، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنِ الرَّدِّ بِما آمَنُوا المُطابِقِ لِصَدْرِ الكَلامِ، وبَعْضُهم يُجْرِي الكَلامَ عَلى التَّخْصِيصِ، وأنَّ الكُفّارَ لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ وادَّعَوْا مُوافَقَتَهُمْ، قِيلَ في جَوابِهِمْ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَصْرِ الإفْرادِ، والذَّوْقُ يُبْعِدُهُ، وإطْلاقُ الوَصْفِ لِلْإشارَةِ إلى العُمُومِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِما قُيِّدَ بِهِ سابِقُهُ لِأنَّهُ واقِعٌ في جَوابِهِ، إلّا أنَّ نَفْيَ المُطْلَقِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُقَيَّدِ فَهو أبْلَغُ وأوْكَدُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وأمّا عَلى أنَّ مَن أقَرَّ بِلِسانِهِ، ولَيْسَ في قَلْبِهِ ما يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَلا لِوُجُودِ المُنافِي في المُنافِقِ هُنا، لِأنَّهُ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قَلْبِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهُ، ولَيْسَ إلّا لِعَدَمِ مُطابَقَةِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ لِلِّسانِيِّ، كَذا قِيلَ، ودَقَّقَ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ مَن يَجْعَلُ الإيمانَ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ سَواءً يَشْتَرِطُ الخُلُوَّ عَنِ الإنْكارِ والتَّكْذِيبِ أمْ لا يَشْتَرِطُ أنْ يَكُونَ الإقْرارَ بِالشَّهادَتَيْنِ، ولا يَكْفِي عِنْدَهُ نَحْوَ: آمَنتُ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّ المَدارَ عَلى النُّطْقِ بِهِما كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ حَتّى اشْتَرَطَ بَعْضُهم لَفْظَ أشْهَدُ، والِاسْمَ الخاصَّ بِهِ تَعالى، واسْمَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ الكَرامِيَّةِ بِوَجْهٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.