Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:9 – البقرة 2:37
المحتويات
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:32
- البقرة 2:33
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:37
البقرة 2:9
﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أصْلُ الخَدْعِ بِفَتْحِ الخاءِ، وكَسْرِها الإخْفاءُ والإيهامُ وقِيلَ: بِالكَسْرِ اسْمُ مَصْدَرٍ، ومِنهُ المَخْدَعُ لِلْخِزانَةِ والأخْدَعانِ لِعِرْقَيْنِ خَفِيَّيْنِ في مَوْضِعِ المَحْجَمَةِ، وخَدَعَ الضَّبُّ إذا تَوارى واخْتَفى، ويُسْتَعْمَلُ في إظْهارِ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ، وإبْطالِ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، كَما قالَهُ الإمامُ، وقالَ السَّيِّدُ: هو أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ، وتُصِيبَهُ بِهِ، وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ الخَدْعَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ قائِمَةٌ بِالنَّفْسِ عَقِيبَ اسْتِحْضارِ مُقَدِّماتٍ في الذِّهْنِ مُتَوَصِّلٍ بِها تَوَصُّلًا
صفحة 146
يُسْتَهْجَنُ شَرْعًا أوْ عَقْلًا أوْ عادَةً إلى اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِن نَيْلِ مَعْرُوفٍ لِنَفْسِهِ أوْ إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ، مَعَ خَفائِهِما عَلى المُوَجَّهِ نَحْوَهُ القَصْدُ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى ذَلِكَ النَّيْلُ أوِ الإصابَةُ بِدُونِهِ، أوْ لَوْ تَأتّى لَزِمَ فَوْتُ غَرَضٍ آخَرَ حَسَبَ تَصَوُّرِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ: (الحَرْبُ خُدْعَةٌ) مَجازًا، ولا تَخْفى غَرابَتُهُ، والمُخادَعَةُ مُفاعَلَةٌ، والمَعْرُوفُ فِيها أنْ يَفْعَلَ كُلُّ أحَدٍ بِالآخَرِ مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ بِهِ، فَيَقْتَضِي هُنا أنْ يَصْدُرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ المُنافِقِينَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وظاهِرُ هَذا مُشْكِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَخْدَعُ، ولا يُخْدَعُ، أمّا عَلى التَّحْقِيقِ، فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ نَيْلٍ وإصابَةٍ واسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ لِنَفْسِهِ، وهو أيْضًا مُتَعالٍ عَلى التَّعَمُّلِ، واسْتِحْضارِ المُقَدِّماتِ، ولِأنَّهُ جَلَّ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَ سُرادِقاتِ جَلالِهِ نَقْصُ الِانْفِعالِ وخَفاءٌ مَعْلُومٌ ما عَلَيْهِ، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فَلِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أجَلُّ مِن أنْ تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أوْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُنافِقِينَ أنْ يَخْدَعُوهُ، ويُوقِعُوا في عِلْمِهِ خِلافَ ما يُرِيدُونَ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُصِيبُونَهُ بِهِ مَعَ أنَّهم لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والعاقِلُ لا يَقْصِدُ ما تَحَقَّقَ لَدَيْهِ امْتِناعُهُ، وأمّا أنَّهُ لا يُخْدَعُ، فَلِأنَّهُ وإنْ جازَ عِنْدَنا أنْ يُوقَعَ سُبْحانَهُ في أوْهامِ المُنافِقِينَ خِلافُ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكارِهِ لِيَغْتَرُّوا، ثُمَّ يُصِيبُهم بِهِ، لَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ لِما يُوهِمُهُ مِن أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَنْ عَجْزٍ عَنِ المُكافَحَةِ، وإظْهارِ المَكْتُومِ، لِأنَّهُ المَعْهُودُ مِنهُ في الإطْلاقِ، كَما في الِانْتِصافِ، ولِذا زِيدَ في تَفْسِيرِهِ مَعَ اسْتِشْعارِ خَوْفٍ، أوِ اسْتِحْياءٍ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ، وإنْ جازَ أنْ يَخْدَعُوا إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا خُدَعَ المُنافِقِينَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مَذْمُومٌ مُسْتَهْجَنٌ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنِّفاقِ، وهم في غِنًى عَنْهُ، عَلى أنَّ الِانْخِداعَ المُتَمَدَّحَ بِهِ، هو التَّخادُعُ بِمَعْنى إظْهارِ التَّأثُّرِ دُونَهُ كَرَمًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «(المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ)،» لا الِانْخِداعُ الدّالُّ عَلى البَلَهِ، ولِذا قالَتْ عائِشَةُ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كانَ أعْقَلَ مِن أنْ يَخْدَعَ، وأفْضَلَ مِن أنْ يُخْدَعَ، ويُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ صُورَةَ صَنِيعِهِمْ مَعَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ وهم كافِرُونَ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وهم عِنْدَهُ أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وصُورَةُ صَنِيعِ المُؤْمِنِينَ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، فَأجْرَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، تُشْبِهُ صُورَةَ المُخادَعَةِ، فَفي الكَلامِ إمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في يُخادِعُونَ وحْدَهُ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ في الجُمْلَةِ، وحَيْثُ إنَّ ابْتِداءَ الفِعْلِ في بابِ المُفاعَلَةِ مِن جانِبِ الفاعِلِ صَرِيحًا، وكَوْنَ المَفْعُولِ آتِيًا بِمِثْلِ فِعْلِهِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مِن عَرْضِ الكَلامِ حَسُنَ إيرادُ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ صَرِيحًا، وكَوْنُ مُقْتَضى المَقامِ إيرادَ حالِهِمْ خاصَّةً كَما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ مِمّا لا يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ الحَسَنَ، أوْ يُجابُ كَما قِيلَ: بِأنَّ المُرادَ مُخادَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سَلَّمَ، وأُوقِعَ الفِعْلُ عَلى غَيْرِ ما يُوقَعُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما، وهي الخِلافَةُ، فَهُناكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في النِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يَكْتَفِي بِالمُلابَسَةِ بَيْنَ ما هو لَهُ، وغَيْرِ ما هو لَهُ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَعْتَبِرُ مُلابَسَةَ الفِعْلِ بِغَيْرِ ما هو لَهُ بِأنْ يَكُونَ مِن مَعْمُولاتِهِ فَلا، عَلى أنَّهُ يَبْقى مِنَ الإشْكالِ أنْ لا خَدْعَ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ولا مَجالَ لِأنْ يَكُونَ الخَدْعُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ حَقِيقَةً، ومِنَ الآخَرِ مَجازًا، لِاتِّحادِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ المُجِيبَ إمّا قائِلٌ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ غَيْرُ قائِلٍ بِامْتِناعِ صُدُورِ الخَدْعِ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ حَتّى يَتَأتّى لَهم ما يُرِيدُونَ مِن إعْلاءِ الدِّينِ، ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ (يَخْدَعُونَ)، والجَوابُ عَمّا يَلْزَمُ هو الجَوابُ فِيما لَزِمَ، وقَدْ تَأتّى
صفحة 147
فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، كَعافانِي اللَّهُ تَعالى وعاقَبْتُ اللِّصَّ فَلا بُعْدَ في حَمْلِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُ إيثارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في الكَيْفِيَّةِ، فَإنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ بُولِغَ بِهِ، أوْ في الكَمِّيَّةِ، كَما في المُمارَسَةِ والمُزاوَلَةِ، فَإنَّهم كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الخَدْعِ (ويُخادِعُونَ) إمّا بَيانٌ لِـ(يَقُولُ) لا عَلى وجْهِ العَطْفِ إذْ لا يَجْرِي عَطْفُ البَيانِ في الجُمَلِ عِنْدَ النُّحاةِ، وإنْ أوْهَمَهُ كَلامُ أهْلِ المَعانِي، وإمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ وماذا نَفَعَهُمْ؟ فَقِيلَ: يُخادِعُونَ إلَخْ، وهَذا في المَآلِ كالأوَّلِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن صِلَةِ (مَن) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَقُولُ)، أيْ مُخادِعِينَ، وأبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (مُؤْمِنِينَ)، ولَعَلَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ لِلْمُقارَنَةِ، لا لِنَفْسِ الحالِ، كَما فِي: ما جاءَنِي زَيْدٌ، وقَدْ طَلَعَ الفَجْرُ، ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ قَدْ تُجْعَلُ الحالُ ونَحْوُها في مِثْلِ ذَلِكَ قَيْدًا لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ كَما قَرَّرُوهُ في لَمْ أُبالِغْ في اخْتِصارِهِ تَقْرِيبًا، وجَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعٌ لِمَكانِ النَّفْيِ والقَيْدِ، ولَيْسَتْ حالُ الصِّفَةِ كَصِفَةِ الحالِ، فَلا عَجَبَ في تَجْوِيزِ إحْداهُما، ومَنعِ الأُخْرى، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ في بَحْرِهِ، نَعَمِ التَّعَجُّبُ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِلتَّعَجُّبِ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الغَرَضَ مِن مُخادَعَةِ هَؤُلاءِ لِمَن خادَعُوهُ كالغَرَضِ مِن نِفاقِهِمْ طِبْقَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَقَدْ قَصَدُوا تَعْظِيمَهم عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، والتَّطَلُّعَ عَلى أسْرارِهِمْ لِيُفْشُوها، ورَفْعَ القَتْلِ عَنْهُمْ، أوْ ضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، والفَوْزَ بِسَهْمٍ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وثَمَرَةُ مُخادَعَةِ مَن خادَعُوهُ إيّاهم إنْ كانَتْ حِكَمًا إلَهِيَّةً ومَصالِحَ دِينِيَّةً رُبَّما يُؤَدِّي تَرْكُها إلى مَفاسِدَ لا تُحْصى، ومَحاذِيرَ لا تُسْتَقْصى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو (وما يُخادِعُونَ) وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (وما يَخْدَعُونَ)، وقَرَأ الجارُودُ وأبُو طالُوتَ (وما يُخْدَعُونَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: (وما يُخادَعُونَ) بِفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا، وقَرَأ قَتادَةُ والعِجْلِيُّ: (وما يُخَدِّعُونَ) مِن خَدَّعَ، مُضاعَفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبَعْضُهم بِفَتْحِ الياءِ، والخاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المَكْسُورَةِ، وما عَدا القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ شاذَّةٌ وعَلَيْهِما نُصِبَ (أنْفُسَهُمْ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ الصِّرْفَةِ، أوْ مَعَ الفاعِلِيَّةِ مَعْنًى، وأمّا عَلى قِراءَةِ بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَهو إمّا عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوِ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ عَلى زَعْمِ بَعْضِهِمْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَضْمِينِ الفِعْلِ يَتَنَقَّصُونَ مَثَلًا، ولا يُشْكِلُ عَلى قِراءَةِ (يُخادِعُونَ) أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ حَصْرُ الخِداعِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والمُؤْمِنِينَ، وقَدْ أُثْبِتَ أوَّلًا، وإنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ في الظّاهِرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يُخادِعُ أحَدٌ نَفْسَهُ، لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ أنَّ دائِرَةَ الخِداعِ راجِعَةٌ إلَيْهِمْ، وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، فالخِداعُ هُنا هو الخِداعُ الأوَّلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ ضَرَرَهُ عائِدٌ إلى أنْفُسِهِمْ، فَتَكُونُ العِبارَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ انْحِصارِ ضَرَرِها فِيهِمْ، أوْ نَجْعَلُ لَفْظَ الخِداعِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ ضَرَرِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وكَوْنُهُ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ كَما قالَهُ السَّعْدُ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم خَدَعُوا أنْفُسَهم لَمّا غَرُّوها بِذَلِكَ، وخَدَعَتْهم حَيْثُ حَدَّثَتْهم بِالأمانِي الخالِيَةِ، فالمُرادُ بِالخِداعِ غَيْرُ الأوَّلِ، والمُخادِعُ والمُخادَعُ مُتَغايِرانِ بِالِاعْتِبارِ، فالخِداعُ عَلى هَذا مَجازٌ عَنْ إيهامِ الباطِلِ، وتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وحَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ بَعِيدٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ:
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مالٌ فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ
لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، كالقَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ المُبالَغَةِ في امْتِناعِ خِداعِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ كَما لا يَخْفى خِداعُ المُخادِعِ لِنَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ خِداعُهُ لَها، يَمْتَنِعُ خِداعُ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ، والمُؤْمِنُونَ لِاطِّلاعِهِمْ بِإعْلامِهِ تَعالى، أوِ الكِنايَةُ عَنْ أنَّ مُخالَفَتَهم ومُعاداتَهم لِلَّهِ تَعالى وأحْبابِهِ مُعامَلَةٌ مَعَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى والمُؤْمِنِينَ يَنْفَعُونَهم كَأنْفُسِهِمْ،
صفحة 148
وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّعْبِيرَ هُنا بِالمُخادَعَةِ لِلْمُشاكَلَةِ، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُشاكِلِ والمُشاكَلِ مَجازًا، وكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، (والنَّفْسُ) حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وعَيْنُهُ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ البُخارِيِّ اللَّطِيفِ الحامِلِ لِقُوَّةِ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ، وسَمّاها الحَكِيمُ الرُّوحَ الحَيَوانِيَّةَ، وأوَّلُ عُضْوٍ تَحُلُّهُ القَلْبُ، إذْ هو أوَّلُ ما يُخْلَقُ عَلى المَشْهُورِ، ومِنهُ تَفِيضُ إلى الدِّماغِ، والكَبِدِ، وسائِرِ الأعْضاءِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنبَتَ الأعْصابِ، إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ العُضْوُ المُسْتَفِيدُ مُنْبِتًا لِآلَةِ الِاسْتِفادَةِ، وقِيلَ: الدِّماغُ، لِأنَّهُ المَنبَتُ ولَمْ تَقُمْ دِلالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ، كَما في شَرْحِ القانُونِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ، وكَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ المُجَرَّدِ المُتَعَلِّقِ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ، وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ، المُرادَّةُ فِيمَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، وتُسَمّى النَّفْسَ النّاطِقَةَ وبِتَنَوُّعِ صِفاتِها تَخْتَلِفُ أسْماؤُها، وأحْظى الأعْضاءِ بِإشْراقِ أنْوارِها المَعْنَوِيَّةِ القَلْبُ أيْضًا، ولِذَلِكَ الشَّرَفِ قَدْ يُسَمّى نَفْسًا، وبَعْضُهم يُسَمِّي الرَّأْيَ بِها، والظّاهِرُ في الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: المَعْنى الأوَّلُ، إذِ المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ ضَرَرَ مُخادَعَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، ولا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ كَما لا يَخْفى، وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ سَتَسْمَعُها مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَفْعُولُ (يَشْعُرُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ: وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يَخْدَعُونَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، أوْ إطْلاعَ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خِداعِهِمْ وكَذِبِهِمْ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَلاكَ أنْفُسِهِمْ، وإيقاعَها في الشَّقاءِ الأبَدِيِّ بِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أوِ المُرادُ: لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم غَيْرَ شاعِرِينَ بِذَلِكَ، ولَوْ شَعَرُوا لَما خادَعُوا، والشُّعُورُ الإدْراكُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ قالَ الرّاغِبُ: شَعَرْتُ كَذا، يُسْتَعْمَلُ بِوَجْهَيْنِ، بِأنْ يُؤْخَذَ مِن مَسِّ الشَّعْرِ ويُعَبَّرَ عَنْهُ عَنِ اللَّمْسِ، ومِنهُ اسْتُعْمِلَ المَشاعِرُ لِلْحَواسِّ، فَإذا قِيلَ: فُلانٌ لا يَشْعُرُ، فَذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، لِأنَّ حِسَّ اللَّمْسِ أعَمُّ مِن حِسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتارَةً يُقالُ: شَعَرْتُ كَذا، أيْ أدْرَكْتُ شَيْئًا دَقِيقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَعَرْتُهُ أيْ أصَبْتُ شَعْرَهُ نَحْوَ أذَنْتُهُ، ورَأسْتُهُ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَشُقُّ الشَّعْرَ، إذا دَقَّ النَّظَرُ، ومِنهُ أُخِذَ الشّاعِرُ لِإدْراكِ دَقائِقِ المَعانِي انْتَهى، والآيَةُ تَحْتَمِلُ نَفْيَ الشُّعُورِ بِمَعْنى العِلْمِ، فَمَعْنى ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لا يَعْلَمُونَ، وكَثِيرًا ما ورَدَ بِهَذا المَعْنى، وفي اللَّحاقِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ نَفْيُهُ بِمَعْنى الإدْراكِ بِالحَواسِّ، فَيُجْعَلُ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ كالمَحْسُوسِ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى فاقِدِ الحَواسِّ، ونَفْيُ ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، لِأنَّ مَن لا يَشْعُرُ بِالبَدِيهِيِّ المَحْسُوسِ مَرْتَبَتُهُ أدْنى مِن مَرْتَبَةِ البَهائِمِ، فَهم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، مَعَ الدِّلالَةِ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ كَما لا يَخْفى
البقرة 2:10
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ المَرَضُ بِفَتْحِ الرّاءِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِسُكُونِها كَما قَرَأ الأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عُمَرَ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ حالَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الطَّبْعِ، ضارَّةٌ بِالفِعْلِ، وعِنْدَ الأطِبّاءِ، يُقابِلُ الصِّحَّةَ، وهي الحالَةُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْها الأفْعالُ سَلِيمَةً، والمُرادُ مِنَ الأفْعالِ ما هو مُتَعارَفٌ، وهي إمّا طَبِيعِيَّةٌ كالنُّمُوِّ، أوْ حَيَوانِيَّةٌ كالنَّفْسِ، أوْ نَفْسانِيَّةٌ كَجَوْدَةِ الفِكْرِ، فالحَوْلُ والحَدَبُ مَثَلًا مَرَضٌ عِنْدَهم دُونَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ المَرَضُ لُغَةً عَلى أثَرِهِ، وهو الألَمُ، كَما قالَهُ جَمْعٌ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، وعَلى الظُّلْمَةِ كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 149
فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَما يُحَسُّ بِها نَجْمٌ ولا قَمَرُ
وعَلى ضَعْفِ القَلْبِ، وفُتُورِهِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى ما يُعَرِّضُ المَرْءَ مِمّا يُخِلُّ بِكَمالِ نَفْسِهِ كالبَغْضاءِ، والغَفْلَةِ، وسُوءِ العَقِيدَةِ والحَسَدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَوانِعِ الكَمالاتِ المُشابِهَةِ لِاخْتِلالِ البَدَنِ، المانِعِ عَنِ المَلاذِّ، والمُؤَدِّيَةِ إلى الهَلاكِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الهَلاكِ الجِسْمانِيِّ، والمَنقُولُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وسائِرِ السَّلَفِ الصّالِحِ حَمْلُ المَرَضِ في الآيَةِ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ قُلُوبَ المُنافِقِينَ كانَتْ مَلْأى مِن تِلْكَ الخَبائِثِ الَّتِي مَنَعَتْهم مِمّا مَنَعَتْهُمْ، وأوْصَلَتْهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ولا مانِعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ أيْضًا عَلى حَقِيقَتِهِ الَّذِي هو الظُّلْمَةُ، ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ وكَذا عَلى الألَمِ، فَإنَّ في قُلُوبِ أُولَئِكَ ألَمًا عَظِيمًا بِواسِطَةِ شَوْكَةِ الإسْلامِ وانْتِظامِ أُمُورِهِمْ غايَةَ الِانْتِظامِ، فالآيَةُ عَلى هَذا مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، ونَصْبُ القَرِينَةِ المانِعَةِ في المَجازِ إنَّما يُشْتَرَطُ في تَعْيِينِهِ دُونَ احْتِمالِهِ، فَإذا تَضَمَّنَ نُكْتَةً ساوى الحَقِيقَةَ، فَيُمْكِنُ الحَمْلُ عَلَيْهِما نَظَرًا إلى الأصالَةِ، والنُّكْتَةِ، إلّا أنَّهُ يَرِدُ هُنا أنَّ الألَمَ مُطْلَقًا لَيْسَ حَقِيقَةَ المَرَضِ، بَلْ حَقِيقَتُهُ الألَمُ لِسُوءِ المِزاجِ، وهو مَفْقُودٌ في المُنافِقِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ حالَهُمُ الَّتِي هم عَلَيْها تُفْضِي إلَيْهِ في غايَةِ الرَّكاكَةِ، عَلى أنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ لَوْ كانَتْ مَرِيضَةً لَكانَتْ أجْسامُهم كَذَلِكَ، أوْ لَكانَ الحِمامُ عاجَلَهُمْ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ والقانُونُ الطِّبِّيُّ، أمّا الأوَّلُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ: «(إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً)» الحَدِيثَ، وأمّا الثّانِي، فَلِأنَّ الحُكَماءَ بَعْدَ أنْ بَيَّنُوا تَشْرِيحَ القَلْبِ قالُوا: إذا حَصَلَتْ فِيهِ مادَّةٌ غَلِيظَةٌ، فَإنْ تَمَكَّنَتْ مِنهُ ومِن غُلافِهِ، أوْ مِن أحَدِهِما، عاجَلَتِ المَنِيَّةُ صاحِبَهُ، وإنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ تَأخَّرَتِ الحَياةُ مُدَّةً يَسِيرَةً، ولا سَبِيلَ إلى بَقائِها مَعَ مَرَضِ القَلْبِ، فالأوْلى دِرايَةً ورِوايَةً حَمْلُهُ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، ومِنهُ الجُبْنُ، والخَوَرُ، وقَدْ داخَلَ ذَلِكَ قُلُوبَ المُنافِقِينَ حِينَ شاهَدُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ما شاهَدُوا، والتَّنْوِينُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ نَوْعٌ غَيْرُ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ الأمْراضِ، ولَمْ يُجْمَعْ كَما جُمِعَ القُلُوبُ، لِأنَّ تَعْدادَ المَحالِّ يَدُلُّ عَلى تَعْدادِ الحالِّ عَقَلًا، فاكْتَفى بِجَمْعِها عَنْ جَمْعِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ المُوجِبِ لِخِداعِهِمْ، وما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِما يُفِيدُهُ ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ مِنِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم لا يُؤْمِنُونَ؟ فَقالَ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِعَدَمِ الشُّعُورِ، وإنْ كانَ سَبِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ سَبِيلَ الِاعْتِراضِ عَلى ما قِيلَ، وجُمْلَةُ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ إمّا دُعائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُعْتَرِضَةُ قَدْ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ:
واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّما قَدِرا
كَما صَرَّحَ في التَّلْوِيحِ وغَيْرِهِ نَقْلًا عَنِ النُّحاةِ، أوْ إخْبارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، وعَطْفُ الماضِي عَلى الِاسْمِيَّةِ لِنُكْتَةٍ، إنْ أُرِيدَ في الأُولى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ غَضًّا طَرِيًّا إلى زَمَنِ الإخْبارِ، وفي الثّانِيَةِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِازْدِيادِ مَرَضِهِمُ المُحَقَّقِ، إذْ لَوْلا تَدَنُّسُ فِطْرَتِهِمْ لازْدادُوا بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ شِفاءً، ولا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ لِلْفَرْقِ بَيْنَ زِيادَةِ المَرَضِ، وزِيادَةِ الطُّغْيانِ، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن زِيادَةِ التَّوْكِيدِ مَعَ بُعْدِ المَسافَةِ، وأيْضًا الدُّعاءُ إنْ لَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى لِسانِ العِبادِ، أوْ مُرادًا بِهِ مُجَرَّدُ السَّبِّ، والتَّنْقِيصِ يَكُونُ إيجابًا مِنهُ سُبْحانَهُ، فَيُؤَوَّلُ إلى ما آلَ إلَيْهِ الإخْبارُ، وزِيادَةُ اللَّهِ تَعالى مَرَضَهُمْ، إمّا بِتَضْعِيفِ حَسَدِهِمْ بِزِيادَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ ظُلْمَةِ قُلُوبِهِمْ بِتَجَدُّدِ كُفْرِهِمْ بِما يُنْزِلُهُ سُبْحانَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، فَهم في ظُلُماتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، أوْ بِتَكْثِيرِ خَوْفِهِمْ ورُعْبِهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرْكُ مُجاهَرَتِهِمْ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ
صفحة 150
إمْدادِ اللَّهِ تَعالى الإسْلامَ، ورَفْعِ أعْلامِهِ عَلى أعْلامِ الإعْزازِ والِاحْتِرامِ، أوْ بِإعْظامِ الألَمِ بِزِيادَةِ الغُمُومِ، وإيقادِ نِيرانِ الهُمُومِ.
والغَمُّ يَخْتَرِمُ النُّفُوسَ نَحافَةً ∗∗∗ ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ
ويَكُونُ ذَلِكَ بِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى لَهُمُ المُتَجَدِّدَةِ، وفِعْلِهِمْ لَها مَعَ كُفْرِهِمْ بِها، وبِتَكْلِيفِ النَّبِيِّ ﷺ لَهم بِبَعْضِ الأُمُورِ، وتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ الجالِبِ لِما يَكْرَهُونَهُ مِن لَوْمِهِمْ، وسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ، فَيَغْتَمُّونَ إنْ فَعَلُوا، وإنْ تَرَكُوا، ونِسْبَةُ الزِّيادَةِ إلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، ولَوْ فُسِّرَتْ بِالطَّبْعِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ بِالأسْبابِ، وبِغَيْرِها، ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإسْنادَ مَجازًا في بَعْضِ الوُجُوهِ، ولَعَلَّهُ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وأغْرَبَ بَعْضُهم فَقالَ: الإسْنادُ مَجازِيٌّ، كَيْفَما كانَ المَرَضُ، وحُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَيْسَ هُنا مَن يَزِيدُهم مَرَضًا حَقِيقَةً، عَلى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في أنَّهُ لا يَلْزَمُ في الإسْنادِ المَجازِيِّ أنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ فاعِلٌ يَكُونُ الإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقَةً مِثْلَ:
يَزِيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا ∗∗∗ إذا ما زِدْتَهُ نَظَرًا
فَتَدَبَّرْ، وإنَّما عَدّى سُبْحانَهُ الزِّيادَةَ إلَيْهِمْ لا إلى القُلُوبِ، فَلَمْ يَقُلْ: فَزادَها، إمّا ارْتِكابًا لِحَذْفِ المُضافِ أيْ فَزادَ اللَّهُ قُلُوبَهم مَرَضًا، أوْ إشارَةً إلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ مَرَضٌ لِسائِرِ الجَسَدِ، أوْ رَمْزًا إلى أنَّ القَلْبَ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ولَوْلاها ما كانَ الإنْسانُ إنْسانًا، وإعادَةُ مَرَضٍ مُنَكَّرًا لِكَوْنِهِ مُغايِرًا لِلْأوَّلِ، ضَرُورَةَ أنَّ المَزِيدَ يُغايِرُ المَزِيدَ عَلَيْهِ، وتَوَهَّمَ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والألِيمُ فَعِيلٌ مِنَ الألَمِ، بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ألِمَ الثُّلاثِيِّ كَوَجِيعٍ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ عَلى حَدِّ جَدَّ جِدُّهُ، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وجُعِلَ بَدِيعُ السَّماواتِ، مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ، وسَمِيعٌ في قَوْلِهِ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
بِمَعْنى سامِعٍ، أيْ أمِن رَيْحانَةَ داعٍ مِن قَلْبِي سامِعٌ لِدُعاءِ داعِيها، بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، فَإنَّ أكْثَرَ القَلَقِ والأرَقِ إنَّما يَكُونُ مِن دَواعِي النَّفْسِ، وأفْكارِها، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِمُؤْلِمٍ اسْمِ فاعِلٍ بَيانًا لِحاصِلِ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ (ألِيمٌ)، فَهو مُوجِعٌ، وقَدْ جُمِعَ لِلْمُنافِقِينَ نَوْعانِ مِنَ العَذابِ، عَظِيمٌ وألِيمٌ، وذَلِكَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ هُنا، والِانْدِراجِ مَعَ الكُفّارِ هُناكَ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيانِ وعِيدِ النِّفاقِ والخِداعِ، والباءُ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ، (وما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرِ كانَ إنْ كانَ، أوْ بِمَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ الخَبَرِ، كالكَذِبِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ واسْتَظْهَرَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الضَّمِيرَ المُقَدَّرَ عائِدٌ عَلى ما أوْرَدَهُ في البَحْرِ، بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ مُقَدَّرٌ بَلْ مَن قَرَأ: (يَكْذِبُونَ) بِالتَّخْفِيفِ، وهُمُ الكُوفِيُّونَ، فالفِعْلُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، ومَن قَرَأ: بِالتَّشْدِيدِ، كَنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عُمَرَ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ بِكَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما جاءَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُشَدَّدُ في مَعْنى المُخَفَّفِ لِلْمُبالَغَةِ في الكَيْفِ كَما قالُوا، فِي: بانَ الشَّيْءُ، وبَيَّنَ، وصَدَقَ وصَدَّقَ، وقَدْ يَكُونُ التَّضْعِيفُ لِلزِّيادَةِ في الكَمِّ، كَمَوَّتَتِ الإبِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ الوَحْشُ إذا جَرى ووَقَفَ لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ، وتِلْكَ حالُ المُتَحَيِّرِ، وهي حالُ المُنافِقِ، فَفي الكَلامِ حِينَئِذٍ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ: «(مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العاثِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تُعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً)،» والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِعَذابٍ، لا لِألِيمٍ، كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ لِأنَّ الأصْلَ في الصِّفَةِ أنْ لا تُوصَفَ، والكَذِبُ هو الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ النِّسْبَةِ أوِ المَوْضُوعِ عَلى خِلافِ
صفحة 151
ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ عِنْدَنا، وفي الِاعْتِقادِ عِنْدَ النِّظامِ، وفِيهِما عِنْدَ الجاحِظِ، وكُلٌّ مَقْصُودٌ مَحْمُودٌ يُمْكِنُ التَّواصُلُ إلَيْهِ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ جَمِيعًا، فالكَذِبُ فِيهِ حَرامٌ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنْ إلّا بِالكَذِبِ، فالكَذِبُ فِيهِ مُباحٌ، إنْ كانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُباحًا، وواجِبٌ إنْ كانَ واجِبًا، وصُرِّحَ في الحَدِيثِ بِجَوازِهِ في ثَلاثِ مَواطِنَ، في الحَرْبِ، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وكَذِبِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ لِيُرْضِيَها، ولا حَصْرَ، ولِهَذا جازَ تَلْقِينُ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالحُدُودِ الرُّجُوعَ عَنِ الإقْرارِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ الكَذِبِ والمَفْسَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَإنْ كانَتِ المَفْسَدَةُ في الصِّدْقِ أشَدَّ ضَرَرًا فَلَهُ الكَذِبُ، وإنْ كانَ عَكْسُهُ أوْ شَكَّ حَرُمَ عَلَيْهِ، فَما قالَهُ الإمامُ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ الكَذِبَ حَرامٌ كُلُّهُ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَها فِيهِ، وفي الآيَةِ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ تَرَتُّبَ العَذابِ عَلى الكَذِبِ دُونَ النِّفاقِ الَّذِي هو هو تَخَيَّلَ في نَفْسِهِ تَغْلِيظَ اسْمِ الكَذِبِ، وتَصَوَّرَ سَماجَتَهُ، فانْزَجَرَ عَنْهُ أعْظَمَ انْزِجارٍ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، ويُمْكِنُ في غَيْرِها أيْضًا، لِأنَّ نِسْبَةَ الصّادِقِ إلى الكَذِبِ كَذِبٌ، وكَذا كَثْرَتُهُ، وإنْ تُكِلِّفَ في المَعْنى الأخِيرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن (كَذَّبَ) المُتَعَدِّي، كَأنَّهُ يُكَذِّبُ رَأْيَهُ، فَيَقِفُ لِيَنْظُرَ، لَكِنْ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في هَذا المَعْنى، وكانَتْ حالَةُ المُنافِقِ شَبِيهَةً بِهَذا جازَ أنْ يُسْتَعارَ مِنهُ لَها، أمْكَنَ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ ذَلِكَ التَّحْرِيضُ، ولا يَرِدُ عَلى تَحْرِيمِ الكَذِبِ في بَعْضِ وُجُوهِهِ ما رُوِيَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَقُولُ: «(لَسْتُ لَها، إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ)،» وعَنى كَما في رِوايَةِ أحْمَدَ: (إنِّي سَقِيمٌ) و(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)، وقَوْلُهُ لِلْمَلِكِ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ امْرَأتِهِ سارَةَ: (هِيَ أُخْتِي)، حِينَ أرادَ غَصْبَها، وكانَ مِن طَرِيقِ السِّياسَةِ التَّعَرُّضُ لِذاتِ الأزْواجِ دُونَ غَيْرِهِنَّ بِدُونِ رِضاهُنَّ، فَإنَّها إنْ كانَتْ مِنَ الكَذِبِ المُحَرَّمِ، فَأيْنَ العِصْمَةُ، وهو أبُو الأنْبِياءِ! وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَدْ أخْبَرَ يَوْمَ القِيامَةِ بِخِلافِ الواقِعِ، وحاشاهُ، حَيْثُ إنَّ المَفْهُومَ مِن ذَلِكَ الكَلامِ: أنِّي أذْنَبْتُ فَأسْتَحِي أنْ أشْفَعَ، وهَلْ يَسْتَحِي مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، ولِقُوَّةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَطَعَ الرّازِيُّ بِكَذِبِ الرِّوايَةِ صِيانَةً لِساحَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعارِيضِ، وفِيها مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وقَدْ صَدَرَتْ مِن سَيِّدِ أُولِي العِصْمَةِ ﷺ كَقَوْلِهِ مِمّا في حَدِيثِ الهِجْرَةِ، وتَسْمِيَتُهُ كَذِبًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلِاشْتِراكِ في الصُّورَةِ، فَهي مِنَ المَعارِيضِ الصّادِقَةِ كَما سَتَراهُ بِأحْسَنِ وجْهٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعِهِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى لِينِ العَرِيكَةِ مَعَ الأعْداءِ، ومِثْلُهُ مِمَّنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِحِمايَتِهِ يُناسِبُهُ المُبارَزَةُ فَلِعُدُولِهِ عَنِ الأوْلى بِمَقامِهِ عَدَّ ذَلِكَ في ذَلِكَ المَقامِ ذَنْبًا، وسَمّاهُ كَذِبًا لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ، وما وقَعَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في مِثْلِ هَذا المَقامِ حَتّى يَسْتَحْيِيَ مِنهُ، فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّها لَوْ كانَتْ كَذِبًا حَقِيقَةٌ لا ضَرَرَ فِيها، ولا اسْتِحْياءَ مِنها، كَيْفَ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ما مِنها كَذْبَةٌ إلّا جادَلَ بِها عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى)» فَهي مِنَ الكَذِبِ المُباحِ، لَكِنْ لَمّا كانَ مَقامُ الشَّفاعَةِ هو المَقامُ المَحْمُودُ المَخْبُوءُ لِلْحَبِيبِ لا الخَلِيلِ أظْهَرَ الِاسْتِحْياءَ لِلدَّفْعِ عَنْهُ بِما يَظُنُّ أنَّهُ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ، وهو لا يُوجِبُهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ، وإظْهارِ العَجْزِ، والدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِمّا لا يَخْفى، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا لا آمَنُ مِنَ العِتابِ عَلى كَذِبٍ مُباحٍ، فَكَيْفَ لِي بِالشَّفاعَةِ لَكم في هَذا المَقامِ، فَلْيُحْفَظْ، ثُمَّ إنَّ الإتْيانَ بِالأفْعالِ المُضارِعَةِ في أخْبارِ الأفْعالِ الماضِيَةِ النّاقِصَةِ أمْرٌ مُسْتَفِيضٌ كَأصْبَحَ يَقُولُ كَذا، وكادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، ومَعْناهُ أنَّهُ في الماضِي كانَ مُسْتَمِرًّا مُتَجَدِّدًا بِتَعاقُبِ الأمْثالِ، والمُضِيِّ، والِاسْتِقْبالِ بِالنِّسْبَةِ لِزَمانِ الحُكْمِ، وقَدْ عُدَّ الِاسْتِمْرارُ مِن مَعانِي (كانَ)، فَلا إشْكالَ في ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ حَيْثُ دَلَّتْ (كانَ) عَلى انْتِسابِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ في الماضِي، ويَكْذِبُونَ عَلى انْتِسابِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ
صفحة 152
والزَّمانُ فِيهِما مُخْتَلِفٌ، ودَفْعُهُ بِأنَّ (كانَ) دالَّةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، (ويُكَذِّبُونَ) دَلَّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ الدّاخِلِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ عَلى عِلّاتِهِ، يُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأمالَ حَمْزَةُ (فَزادَهُمْ) في عَشَرَةِ أفْعالٍ، ووافَقَهُ ابْنُ ذَكْوانَ في إمالَةِ جاءَ، وشاءَ، وزادَ هَذِهِ، وعَنْهُ خِلافٌ في (زادَ) غَيْرِها، والإمالَةُ لِتَمِيمٍ، والتَّفْخِيمُ لِلْحِجازِ، وقَدْ نَظَمَ أبُو حَيّانَ تِلْكَ العَشَرَةَ فَقالَ:
وعَشَرَةُ أفْعالٍ تُمالُ لِحَمْزَةَ ∗∗∗ فَجاءَ وشاءَ ضاقَ رانَ وكَمَّلا
بِزادَ وخابَ طابَ خافَ مَعًا وحا ∗∗∗ قَ زاغَ سِوى الأحْزابِ مَعَ صادِها فَلا
البقرة 2:11
﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَكْذِبُونَ)، لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِيُفِيدَ تَسَبُّبَهُ لِلْعَذابِ أيْضًا، ولِيُؤْذِنَ أنَّ صِفَةَ الفَسادِ يُحْتَرَزُ مِنها كَما يُحْتَرَزُ عَنِ الكَذِبِ، ووَجْهُ إفادَتِهِ لِتَسَبُّبِ الفَسادِ لِلْعَذابِ أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولِ الواقِعِ سَبَبًا، إذِ المَعْنى في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إنْكارٌ لِادِّعائِهِمْ أنَّ ما نُسِبَ لَهم مِنهُ صَلاحٌ، وهو عِنادٌ وإصْرارٌ عَلى الفَسادِ، والإصْرارُ عَلى ذَلِكَ فَسادٌ وإثْمٌ، وهَذا الَّذِي مالَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ضَمِيرٍ في الجُمْلَةِ يَعُودُ إلى (ما)، فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وإلّا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِالَّذِي كانُوا إذا قِيلَ لَهم إلَخْ، وهو غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وكَأنَّ مَن يَجْعَلُ (ما) مَصْدَرِيَّةً يَجْعَلُ الوَصْلَ (بِكانَ) حَيْثُ لَمْ يُعْهَدْ وصْلُها بِالجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، نَعَمْ يَرِدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كَذِبٌ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى اسْتِحْقاقِ العَذابِ بِالكَذِبِ، وعَطْفُ التَّفْسِيرِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ، والِاسْتِعْمالُ، ومِن هُنا قِيلَ: بِأنَّ هَذا العَطْفَ وجِيهٌ عَلى قِراءَةِ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، عَلى أحَدِ احْتِمالاتِهِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ ذَمِّهِمْ بِالكَذِبِ، والتَّكْذِيبِ، وقَوْلُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في الِاعْتِراضِ: أنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّعْلِيلِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِأوْصافٍ ظاهِرَةِ العِلِّيَّةِ مُسَلَّمَةِ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ، لِشُهْرَةِ الِاتِّصافِ بِها عِنْدَ السّامِعِ، أوْ لِسَبْقِ الذِّكْرِ صَرِيحًا، أوِ اسْتِلْزامًا، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِانْتِسابِ بِوَجْهٍ حَتّى تَسْتَحِقَّ الِانْتِظامَ في سِلْكِ التَّعْلِيلِ، لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أمْعَنَ النَّظَرَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَقُولُ)، لِسَلامَتِهِ مِمّا في ذَلِكَ العَطْفِ مِنَ الدَّغْدَغَةِ، ولِتَكُونَ الآياتُ حِينَئِذٍ عَلى نَمَطِ تَعْدِيدِ قَبائِحِهِمْ، وإفادَتُها اتِّصافَهم بِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأوْصافِ اسْتِقْلالًا وقَصْدًا، ودِلالَتُها عَلى لُحُوقِ العَذابِ بِسَبَبِ كَذِبِهِمُ الَّذِي هو أدْنى أحْوالِهِمْ، فَما ظَنُّكَ بِسائِرِها، ولِكَوْنِ هَذا الماضِي لِمَكانِ إذا مُسْتَقْبَلًا حَسُنَ العَطْفُ، وفِيهِ أنَّ مَآلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَذِبُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَلا تَغايُرَ سابِقُها، ولَوْ سُلِّمَ التَّغايُرُ بِالِاعْتِبارِ وضَمِّ القُيُودِ فَهي جُزْءُ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةُ وكِلاهُما يَقْتَضِي عَدَمَ الِاسْتِقْلالِ، وأيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ الكَذِبِ أدْنى أحْوالِهِمْ لا يُقْبَلُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، عَلى أنَّ تَخَلُّلَ البَيانِ والِاسْتِئْنافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِهْجانٍ، فالَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ وأُعَوِّلُ دُونَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ ما اخْتارَهُ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ، وقَرِيبٌ مِنهُ كَلامُ أبِي حَيّانَ في البَحْرِ، أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ لِبَيانِ حالِهِمْ في ادِّعاءِ الإيمانِ، وكَذِبِهِمْ فِيهِ أوَّلًا، ثُمَّ بَيانِ حالِهِمْ في انْهِماكِهِمْ في باطِلِهِمْ، ورُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، والفَسادِ صَلاحًا ثانِيًا، ويُجْعَلُ المُعْتَمَدُ بِالعِطْفِ مَجْمُوعَ الأحْوالِ، وإنْ لَزِمَ فِيهِ عَطْفُ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، فَهو أرْجَحُ بِحَسَبِ السِّياقِ، ونَمَطِ تَعْدِيدِ القَبائِحِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُعْتَدُّ بِهِ، وإنْ تُوُهِّمَ كَوْنُهُ أوْفى بِتَأْدِيَةِ هَذِهِ المَعانِي، وذَلِكَ لِعَدَمِ دِلالَتِهِ عَلى انْدِراجِ هَذِهِ الصِّفَةِ وما بَعْدَها في قِصَّةِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ أحْوالِهِمْ، إذْ لا يَحْسُنُ حِينَئِذٍ عَوْدُ الضَّمائِرِ
صفحة 153
الَّتِي فِيها إلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سَلامَةُ الفِطْرَةِ لِمَن لَهُ أدْنى دُرْبَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ، كَلامٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سَلامَةُ الفِطْرَةِ مِن داءِ التَّعَصُّبِ، والِاعْتِسافِ، فَإنَّ عَوْدَ الضَّمائِرِ رابِطٌ لِلصِّفاتِ بِهِمْ، وسَوْقُ الكَلامِ مُنادٍ عَلَيْهِ، وقَدْ يَأْتِي في القِصَّةِ الواحِدَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِغَيْرِ عَطْفٍ، فَإذا لَمْ يُنافِهِ الِاسْتِئْنافُ رَأْسًا كَيْفَ يُنافِيهِ العَطْفُ عَلى أوَّلِهِ المُسْتَأْنَفِ، والعَطْفُ إنَّما يَقْتَضِي مُغايَرَةَ الأحْوالِ لا مُغايَرَةَ القِصَصِ وأصْحابِها، وما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ أهْلَ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، لَيْسَ المُرادُ بِهِ أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، كَما يُشْعِرُ بِهِ الظّاهِرُ، بَلْ إنَّها لا تَخْتَصُّ بِمَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ، وإنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، إذْ خُصُوصُ السَّبَبِ لا يُنافِي عُمُومَ النَّظْمِ، ثُمَّ القائِلُ لِلْمُنافِقِينَ في عَصْرِ النُّزُولِ هَذا القَوْلَ إمّا النَّبِيُّ ﷺ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ المُخْبِرِ لَهُ بِنِفاقِهِمْ، أوْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلَغَهُ عَنْهم ذَلِكَ، ولَمْ يَقْطَعْ بِهِ، فَنَصَحَهُمْ، فَأجابُوهُ بِما أجابُوهُ، أوْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ الظّانِّينَ بِهِمُ المُتَفَرِّسِينَ بِنُورِ الإيمانِ فِيهِمْ، أوْ بَعْضُ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ، فَلا يَقْبَلُهُ مِنهم لِأمْرٍ ما، فَيَنْقَلِبُ واعِظًا لَهُمْ، قائِلًا: لا تُفْسِدُوا، والفَسادُ التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ، ونَقِيضُهُ الصَّلاحُ، والمَعْنى: لا تَفْعَلُوا ما يُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وهو هُنا الكُفْرُ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المَعاصِي كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوِ النِّفاقُ الَّذِي صافَوْا بِهِ الكُفّارَ، فَأطْلَعُوهم عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي ولَوْ بِالوَسائِطِ إلى خَرابِ الأرْضِ، وقِلَّةِ الخَيْرِ، ونَزْعِ البَرَكَةِ، وتَعَطُّلِ المَنافِعِ، وإذا كانَ القائِلُ بَعْضَ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ، فَلا يَقْبَلُهُ مِمَّنْ شارَكَهم في الكُفْرِ، يُحْمَلُ الفَسادُ عَلى هَيْجِ الحُرُوبِ والفِتَنِ المُوجِبِ لِانْتِفاءِ الِاسْتِقامَةِ، ومَشْغُولِيَّةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَيُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِخَوَرٍ، أوْ تَأمُّلٍ في العاقِبَةِ، وإراحَةِ النَّفْسِ عَمّا ضَرَرُهُ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِ، مِمّا تَمِيلُ إلَيْهِ الحُذّاقُ، عَلى أنَّ في أذْهانِ كَثِيرٍ مِنَ الكُفّارِ إذْ ذاكَ تَوَقُّعَ ما يُغْنِي عَنِ القِتالِ، مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِالمُؤْمِنِينَ، ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ جِنْسُها، أوِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، والحَمْلُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ تَعْرِيفُ المُفْرَدِ يُفِيدُ اسْتِيعابَ الأفْرادِ لا الأجْزاءِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَعْتَبِرَ كُلَّ بُقْعَةٍ أرْضًا، لَكِنْ يَبْقى أنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في فَرْدٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذِكْرُ الأرْضِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، بَلْ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفَسادَ واقِعٌ في دارٍ مَمْلُوكَةٍ لِمُنْعِمٍ أسْكَنَكم بِها، وخَوَّلَكم بِنِعَمِها.
وأقْبَحُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ عاصِيًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ
(وإنَّما) لِلْحَصْرِ كَما جَرى عَلَيْهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وأهْلُ الأُصُولِ، واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ الحَصْرَ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ وضْعًا، وجَعْلُ القَوْلِ بِكَوْنِها مُرَكَّبَةً مِن (ما) النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها (إنَّ) الَّتِي لِلْإثْباتِ، فَأفادَتِ الحَصْرَ قَوْلًا رَكِيكًا، صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، ومَعْنى ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ مَقْصُورُونَ عَلى الإصْلاحِ المَحْضِ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الفَسادِ، وقَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ، والقَصْرُ إمّا قَصْرُ إفْرادٍ أوْ قَلْبٍ، وهَذا إمّا ناشِئٌ عَنْ جَهْلٍ مُرَكَّبٍ، فاعْتَقَدُوا الفَسادَ صَلاحًا، فَأصَرُّوا، واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا.
يُقْضى عَلى المَرْءِ في أيّامِ مِحْنَتِهِ ∗∗∗ حَتّى يَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ
وإمّا جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الكَذِبِ وقَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، وقَرَأ هِشامٌ، والكِسائِيُّ (قِيلَ) بِإشْمامِ الضَّمِّ لِيَكُونَ دالًّا عَلى الواوِ المُنْقَلِبَةِ، (وقُوْلٌ): بِإخْلاصِ الضَّمِّ، وسُكُونِ الواوِ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها.
البقرة 2:12
﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ رَدٌّ لِدَعْواهُمُ المَحْكِيَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، حَيْثُ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِئْنافِ المُؤَدِّي إلى زِيادَةِ تَمَكُّنِ الحُكْمِ في ذِهْنِ السّامِعِ، مَعَ تَأْكِيدِ الحُكْمِ، وتَحْقِيقِهِ (بِأنَّ، وألا) بِناءً
صفحة 154
عَلى تَرَكُّبِها مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي هو نَفْيُ مَعْنى (ولا) النّافِيَةِ، فَهو نَفْيٌ، فَيُفِيدُ الإثْباتَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ أبْلَغَ مِن غَيْرِهِ، ولِإفادَتِها التَّحْقِيقَ كَما قالَ ناصِرُ الدِّينِ: لا يَكادُ تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَدَّرَةً بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ (كانَ، واللّامُ، وحَرْفُ النَّهْيِ)، والَّذِي ارْتَضاهُ الكَثِيرُ أنَّها بَسِيطَةٌ لا لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى (أنَّ) المُشَدَّدَةِ ولا النّافِيَةِ لا تَدْخُلُ عَلَيْها، إذْ قَدْ يُقالُ: انْفَسَخَ بَعْدَ التَّرْكِيبِ حُكْمُها الأصْلِيُّ، بَلْ لِأنَّ الأصْلَ البَساطَةُ، ودَعْوى لا يَكادُ إلَخْ لا تَكادُ تَسْلَمُ كَيْفَ، وقَدْ دَخَلَتْ عَلى رُبَّ وحَبَّذا، ويا النِّداءِ، فِي: ألا رُبَّ يَوْمٍ صالِحٍ لَكَ مِنهُما، وألا حَبَّذا هِنْدُ وأرْضٌ بِها هِنْدُ، وألا يا قَيْسُ والضَّحّاكُ سِيرا، وضَمَّ إلى ذَلِكَ تَعْرِيفَ الخَبَرِ، وتَوْسِيطَ الفَصْلِ، وأشارَ بِـ(لا يَشْعُرُونَ) عَلى وجْهٍ إلى أنَّ كَوْنَهم مِنَ المُفْسِدِينَ قَدْ ظَهَرَ ظُهُورَ المَحْسُوسِ بِالمَشاعِرِ، وإنْ لَمْ يُدْرِكُوهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِالِاسْتِدْراكِ هُنا ولَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَ المُخادَعَةِ، لِأنَّ المُخادَعَةَ هُناكَ لَمْ يَتَقَدَّمْها ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الشُّعُورُ تَوَهُّمًا يَقْتَضِي تَعْقِيبَهُ بِالرَّفْعِ، بِخِلافِ ما هُنا، فَإنَّهم لَمّا نُهُوا عَمّا تَعاطَوْهُ مِنَ الفَسادِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ذَوِي العُقُولِ، فَأجابُوهُ بِادِّعاءِ أنَّهم عَلى خِلافِهِ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِفَسادِهِمْ، كانُوا حَقِيقِينَ بِالعِلْمِ بِهِ، مَعَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَكانَ مَحَلًّا لِلِاسْتِدْراكِ، وما يُقالُ: مِن أنَّهُ لا ذَمَّ عَلى مَن أفْسَدَ، ولَمْ يَعْلَمْ، وإنَّما الذَّمُّ عَلى مَن أفْسَدَ عَنْ عِلْمٍ، يَدْفَعُهُ أنَّ المُقَصِّرَ في العِلْمِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنهُ مَذْمُومٌ بِلا رَيْبٍ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِن غَيْرِهِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا بِأنَّهم مُفْسِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّ وبالَ ذَلِكَ الفَسادِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، أوْ أنّا نَعْلَمُ أنَّهم مُفْسِدُونَ، ويَكُونُ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ لِإفادَةِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ بِناءً عَلى أنَّهم عالِمُونَ بِالخَبَرِ جاحِدُونَ لَهُ، كَما هو عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ، ويَبْعُدُ هَذا إذا كانَ المُنافِقُونَ أهْلَ كِتابٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُنْوى مَحْذُوفٌ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، وفِيهِ مَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُ ﷺ إذْ مَن كانَ مِن أهْلِ الجَهْلِ لا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ أنْ يَكْتَرِثَ بِمُخالَفَتِهِ، وفي التَّأْوِيلاتِ لِعَلَمِ الهُدى، إنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَتَوَجَّهُ بِدُونِ العِلْمِ بِالمُكَلَّفِ بِهِ، وأنَّ الحُجَّةَ لا تَلْزَمُ بِدُونِ المَعْرِفَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ ما صَنَعُوا مِنَ النِّفاقِ إفْسادٌ مِنهم مَعَ عَدَمِ العِلْمِ، فَلَوْ كانَ حَقِيقَةُ العِلْمِ شَرْطًا لِلتَّكْلِيفِ ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، لَمْ يَكُنْ صَنِيعُهم إفْسادًا، لِأنَّ الإفْسادَ ارْتِكابُ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ قائِمًا عَلَيْهِمْ عَنِ النِّفاقِ، لَمْ يَكُنْ فِعْلُهم إفْسادًا فَحَيْثُ كانَ إفْسادًا دَلَّ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ قِيامَ آلَةِ العِلْمِ، والتَّمَكُّنَ مِنَ المَعْرِفَةِ لا حَقِيقَةَ المَعْرِفَةِ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى مَسْألَةِ مُقارَنَةِ القُدْرَةِ لِلْفِعْلِ وعَدَمِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَعَ قِيامِ الِاحْتِمالِ يَقْعُدُ عَلى العَجْزِ الِاسْتِدْلالُ.
البقرة 2:13
﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، كَما أنْ ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ولِذا قُدِّمَ، ولَيْسَ هُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ داخِلَةٌ في كَمالِ الإيمانِ، أوْ في حَقِيقَتِهِ، كَما قِيلَ لِأنَّ اعْتِبارَ تَرْكِ الفَسادِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّكْذِيبِ المُنافِي لِلْإيمانِ، وحُذِفَ المُؤْمِنُ بِهِ لِظُهُورِهِ، أوْ أُرِيدَ: افْعَلُوا الإيمانَ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وأكْثَرُ النُّحاةِ يَجْعَلُونَها نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا، كَما آمَنَ النّاسُ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُوفِ، وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ في هَذا المَوْضِعِ، ويَجْعَلُها مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِنَ المَصْدَرِ المُضْمَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ولَمْ تُجْعَلْ مُتَعَلِّقَةً (بِآمِنُوا)، والظَّرْفُ لَغْوٌ بِناءً عَلى أنَّ الكافَ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، (وما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ، ولَمْ تُجْعَلْ مَوْصُولَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمَعْنى عَلى المَصْدَرِيَّةِ: آمِنُوا إيمانًا مُشابِهًا لِإيمانِ النّاسِ، وعَلى الكَفِّ: حَقِّقُوا إيمانَكم كَما تَحَقَّقَ إيمانُ النّاسِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، كَما أخْرَجَهُابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهم نُصْبَ عَيْنِ أُولِي الغَيْنِ، ومُلْتَفَتُ
صفحة 155
خَواطِرِهِمْ، لِتَأمُّلِهِمْ مِنهُمْ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهم أيْضًا، لِدُخُولِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا في الَّذِينَ آمَنُوا، فالعَهْدُ خارِجِيٌّ، أوْ خارِجِيٌّ ذِكْرى، أوْ مَن آمَنَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِن وُجُوهِ الصَّحابَةِ، أوِ المُرادُ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ الَّذِينَ يُعَدُّ مَن عَداهم في عِدادِ البَهائِمْ في فَقْدِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فاللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإلّا لَمْ يُفِدِ التَّقْيِيدَ، وكَوْنُهُ لِلتَّرْغِيبِ يَأْباهُ إيرادُهُمُ التَّشْبِيهَ في الجَوابِ، والجَوابِ عَنْهُ، بَعْدَ إمْكانِ مُعارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ إطْلاقِ الإيمانِ عَلى التَّصْدِيقِ اللِّسانِيِّ، لَكِنْ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرْجَمَةٌ عَمّا في القَلْبِ، أُقِيمَ مَقامَهُ، إنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ مُسَمّى الإيمانِ في نَفْسِهِ، ووَضْعِ الشّارِعِ إيّاهُ لَهُ مَعَ النَّظَرِ عَمّا في الضَّمِيرِ عَلى ما بُيِّنَ لَكَ في مَحَلِّهِ، ولَمّا طُلِبَ مِنَ المُنافِقِ الإيمانُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ.
فَإنْ لا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ أخُوها غَذَّتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها
نَعَمْ إنْ كانَ مَعْرُوفًا بِالزَّنْدَقَةِ داعِيًا إلَيْها، ولَمْ يَتُبْ قَبْلَ الأخْذِ قُتِلَ كالسّاحِرِ، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ كَما أفْتى بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ أرادُوا لا يَكُونُ ذَلِكَ أصْلًا، فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ الإبْطالِيِّ، وعَنَوْا بِالسُّفَهاءِ إمّا أُولَئِكَ النّاسَ المُتَقَدِّمِينَ، أوِ الجِنْسَ بِأسْرِهِ، وأُولَئِكَ الكِرامُ والعُقَلاءُ الفِخامُ داخِلُونَ فِيهِ بِزَعْمِهِمُ الفاسِدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ اللّامَ لِلصِّفَةِ الغالِبَةِ كَما في العَيُّوقِ، لِأنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ هَذا الوَصْفُ عَلى أُناسٍ مَخْصُوصِينَ إلّا أنْ يُدَّعى غَلَبَتُهُ فِيما بَيْنَهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، والسَّفَهُ الخِفَّةُ والتَّحَرُّكُ والِاضْطِرابُ، وشاعَ في نُقْصانِ العَقْلِ والرَّأْيِ، وإنَّما سَفَّهُوهم جَهْلًا مِنهم حَيْثُ اشْتَغَلُوا بِما لا يُجْدِي في زَعْمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّجَلُّدِ حَذَرًا مِنَ الشَّماتَةِ إنَّ فُسِّرَ النّاسُ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ، واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ الآيَةَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، بِأنَّهُ إذا كانَ القائِلُ المُؤْمِنِينَ كَما هو الظّاهِرُ والمُجِيبُ المُنافِقِينَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَأيْنَ النِّفاقُ وهو المَفْهُومُ مِنَ السِّباقِ والسِّياقِ؟ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الجَوابَ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ الجَوابُ ما يُقالُ مُواجَهَةً فَقَطْ، فَقَدِ اسْتَفاضَ مِنَ الخَلَفِ إطْلاقُ لَفْظِ الجَوابِ عَلى رَدِّ كَلامِ السَّلَفِ مَعَ بُعْدِ العَهْدِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وقِيلَ: إذا هُنا بِمَعْنى لَوْ تَحْقِيقًا لِإبْطانِهِمُ الكُفْرَ، وأنَّهم عَلى حالٍ تَقْتَضِي أنَّهم لَوْ قِيلَ لَهم كَذا قالُوا كَذا، كَما قِيلَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ بِحَضْرَةِ المُسْلِمِينَ لَكِنْ مُسارَرَةً بَيْنَهُمْ، وأظْهَرَهُ عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى، وقِيلَ: كانَ عِنْدَ مَن لَمْ يُفْشِ سِرَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لِقَرابَةٍ أوْ لِمَصْلَحَةٍ ما، وذَكَرَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهم هَذا وإنْ صَدَرَ بِمَحْضِرٍ مِنَ النّاصِحِينَ لا يَقْتَضِي كَوْنَهم مِنَ المُجاهِرِينَ، فَإنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الكُفْرِ أنِيقٌ، وفَنٌّ في النِّفاقِ عَرِيقٌ، لِأنَّهُ كَلامٌ مُحْتَمَلٌ لِلشِّرْكِ، كَما ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ، ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى ادِّعاءِ الإيمانِ كَإيمانِ النّاسِ، وإنْكارِ ما اتُّهِمُوا بِهِ مِنَ النِّفاقِ عَلى مَعْنى: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والمَجانِينُ الَّذِينَ لا اعْتِدادَ بِإيمانِهِمْ، لَوْ آمَنُوا، ولا نُؤْمِنُ كَإيمانِ النّاسِ حَتّى تَأْمُرُونا بِذَلِكَ، وقَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ مُرائِينَ لِإرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ، وهم مُعَوِّلُونَ عَلى الأوَّلِ، والشَّرْعُ يَنْظُرُ لِلظّاهِرِ، وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى عِلْمُ السَّرائِرِ، ولِهَذا سَكَتَ المُؤْمِنُونَ، ورَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يُسِرُّونَ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ إيمانِهِمْ، ولْيَكُنْ في قَلْبِ تِلْكَ الكِنايَةِ نِكايَةٌ، فَهو عَلى مُشاكَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ في احْتِمالِ الشَّرِّ والخَيْرِ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وجَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ تَعالى في الحِكايَةِ عَنْهم ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ مِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا، وإلى ذَلِكَ مالَ مَوْلانا الشِّهابُ الخَفاجِيُّ وادَّعى أنَّهُ مِن بَناتِ أفْكارِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ: ﴿أنُؤْمِنُ﴾ لِإنْكارِ الفِعْلِ في الحالِ، وقَوْلَهُمْ: ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي صَرِيحٌ
صفحة 156
فِي نِسْبَتِهِمُ السَّفاهَةَ إلى المُؤْمِنِينَ لِإيمانِهِمْ، فَلا تَوْرِيَةَ، ولا نِفاقَ، ولَعَلَّهُ لَمّا رَأى صِيغَةَ الماضِي زادَ في بَيانِ المَعْنى لَوْ آمَنُوا، ولا أدْرِي مِن أيْنَ أتى بِهِ.
ولا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ
فالأهْوَنُ بَعْضُ هاتِيكَ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: إنَّ إبْرازَ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِ المُتَحاوِرَيْنِ في الخَلاءِ في مَعْرِضِ ما جَرى بَيْنَهُما في مَقامِ المُحاوَرَةِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في الكَلامِ، فَضْلًا عَمّا هو في مَنصِبِ الإعْجازِ لا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى مُحاوَراتِ النّاسِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ .
﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ رَدٌّ وأشْنَعُ تَجْهِيلٍ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا: لا يَعْلَمُونَ، وهُناكَ: لا يَشْعُرُونَ، لِأنَّ المُثْبَتَ لَهم هُناكَ هو الإفْسادُ، وهو مِمّا يُدْرَكُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ولا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ فِكْرٍ، فَنَفى عَنْهم ما يُدْرَكُ بِالمَشاعِرِ مُبالَغَةً في تَجْهِيلِهِمْ، والمُثْبَتُ هُنا السَّفَهُ، والمُصَدَّرُ بِهِ الأمْرُ بِالإيمانِ، وذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ تامٍّ يُفْضِي إلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، ولَمْ يَقَعْ مِنهُمُ المَأْمُورُ بِهِ فَناسَبَ ذَلِكَ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهُمْ، ولِأنَّ السَّفَهَ خِفَّةُ العَقْلِ، والجَهْلُ بِالأُمُورِ عَلى ما قِيلَ، فَيُناسِبُهُ أتَمَّ مُناسَبَةٍ نَفْيُ العِلْمِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو الظّاهِرُ في المَفْعُولِ، وعَلى غَيْرِ الظّاهِرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ إذا التَقَتِ الهَمْزَتانِ والأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ نَحْوِ السُّفَهاءِ، ألا فَفي ذَلِكَ أوْجُهُ تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ، وتَحْقِيقُ الأُولى وتَخْفِيفُ الثّانِيَةِ بِإبْدالِها واوًا، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو، وتَسْهِيلُ الأُولى بِجَعْلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ وتَحْقِيقُ الثّانِيَةِ وتَسْهِيلُ الأُولى، وإبْدالُ الثّانِيَةِ واوًا، وأجازَ قَوْمٌ جَعْلَ الهَمْزَتَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ ومَنَعَهُ آخَرُونَ.
البقرة 2:14
﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ بَيانٌ لِدَأْبِ المُنافِقِينَ، وأنَّهم إذا اسْتَقْبَلُوا المُؤْمِنِينَ دَفَعُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا اسْتِهْزاءً، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ أوَّلِ القِصَّةِ، لِأنَّهُ إبْداءٌ لِخُبْثِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وكَشْفٌ عَنْ إفْراطِهِمْ في الدَّعارَةِ، وادِّعاءِ أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ، وأنَّهم أحاطُوهُ مِن جانِبَيْهِ، عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ تَكْرارٌ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يَتَفَوَّهُ بِالإيمانِ نِفاقًا لِلْخِداعِ، وذَلِكَ التَّفَوُّهُ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّكْرارِ بِشَيْءٍ، لِما فِيهِ مِنَ التَّقْيِيدِ وزِيادَةِ البَيانِ، وأنَّهم ضَمُّوا إلى الخِداعِ الِاسْتِهْزاءَ، وأنَّهم لا يَتَفَوَّهُونَ بِذَلِكَ، إلّا عِنْدَ الحاجَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ (بِـآمَنّا) أوَّلًا الإخْبارُ عَنْ إحْداثِ الإيمانِ، وهُنا عَنْ إحْداثِ إخْلاصِ الإيمانِ مِمّا ارْتَضاهُ الإمامُ، ولا أقْتَدِي بِهِ، وتَأْيِيدُهُ لَهُ بِأنَّ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ كانَ مَعْلُومًا مِنهم غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وإنَّما المَشْكُوكُ الإخْلاصُ القَلْبِيُّ فَيَجِبُ إرادَتُهُ، يَدْفَعُهُ النَّظَرُ مِن ذِي ذَوْقٍ، فِيما حَرَّرْناهُ، واللِّقاءُ اسْتِقْبالُ الشَّخْصِ قَرِيبًا مِنهُ، وهو أحَدُ أرْبَعَةَ عَشَرَ مَصْدَرًا لِلَقِيَ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ (لاقَوْا) وجَعَلَهُ في البَحْرِ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ في (آمَنّا) قِيلَ: اكْتِفاءً بِالتَّقْيِيدِ قَبْلَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: المُرادُ آمَنّا بِما آمَنتُمْ بِهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: أرادُوا الإيمانَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ غَيْرِهِ، وحَذَفُوا تَوْرِيَةً مِنهُمْ، وإيهامًا، هَذا، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ ومَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، وغَيْرُهم فَهو مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، وهو كَذّابٌ، وتِلْكَ السِّلْسِلَةُ سِلْسِلَةُ الكَذِبِ لا سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ، وآثارُ الوَجْهِ لائِحَةٌ عَلى ما ذَكَرُوهُ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُلْتَفَتُ بِوَجْهٍ إلَيْهِ، ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ مِن خَلَوْتُ بِهِ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: اطْلُبِ الأمْرَ وخَلاكَ ذَمٌّ، أيْ عَداكَ، ومَضى عَنْكَ، ومِنهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وعَلى الثّانِي المَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا مَحْذُوفٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ، أيْ إذا خَلَّوْهُمْ، وتَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي (إلى) لِما في المُضِيِّ عَنِ الشَّيْءِ مَعْنى الوُصُولِ إلى الآخَرِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ مِن خَلَوْتُ بِهِ أيْ سَخِرْتُ مِنهُ فَمَعْنى الآيَةِ إذا أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ مَعَهم
صفحة 157
وحَدَّثُوهم كَما يُقالُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ، وإنْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُما، إذْ لَمْ يَقَعْ صَرِيحًا (خَلا) بِمَعْنى سَخِرَ في كَلامِ مَن يُوثَقُ بِهِ، وقَوْلُهم: خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ يَعْبَثُ بِهِ، لَيْسَ بِالصَّرِيحِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ بِمَعْنى تَمَكَّنَ مِنهُ عَلى ما قِيلَ، والدّالُّ عَلى السُّخْرِيَةِ يَعْبَثُ بِهِ، وزَعَمَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنَّ (إلى) هُنا بِمَعْنى مَعَ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كالقَوْلِ بِأنَّها بِمَعْنى الباءِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلَ لا يَقُولانِ بِنِيابَةِ الحَرْفِ عَنِ الحَرْفِ، نَعَمْ، إنَّ الخَلْوَةَ كَما في التّاجِ تَسْتَعْمِلُ إلى والباءَ ومَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ أصْلَ مَعْنى الخُلُوِّ فَراغُ المَكانِ والحَيِّزِ عَنْ شاغِلٍ، وكَذا الزَّمانُ، ولَيْسَ بِمَعْنى المُضِيِّ، وإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ كانَ مَجازًا، وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِهِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ. وضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا.
والمُرادُ بِـ(شَياطِينِهِمْ) مَن كانُوا يَأْمُرُونَهم بِالتَّكْذِيبِ مِنَ اليَهُودِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ كَهَنَتُهُمْ، كَما قالَهُ الضَّحّاكُ وجَماعَةٌ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَمَرُّدِهِمْ، وتَحْسِينِهِمُ القَبِيحَ وتَقْبِيحِهُمُ الحَسَنَ، أوْ لِأنَّ قُرَناءَهُمُ الشَّياطِينُ إنْ فُسِّرُوا بِالكَهَنَةِ، وكانَ عَلى عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيرٌ مِنهُمْ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، وأبِي بُرْدَةَ مِن بَنِي أسْلَمَ، وعَبْدِ الدّارِ في جُهَيْنَةَ، وعَوْفِ بْنِ عامِرٍ في بَنِي أسَدٍ، وابْنِ السَّوْداءِ في الشّامِ.
وحَمْلُهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ كَما قالَهُ الكَلْبِيُّ مِمّا لا يَخْتَلِجُ بِقَلْبِي، والشَّياطِينُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وإجْراؤُهُ مَجْرى الصَّحِيحِ كَما في بَعْضِ الشَّواذِّ (تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطُونَ) لُغَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، والمُفْرَدُ شَيْطانٌ، وهو فَيْعالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، فَنُونُهُ أصْلِيَّةٌ مِن شَطَنَ أيْ بَعُدَ لِبُعْدِهِ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَشَيْطَنَ، وإلّا لَسَقَطَتْ، واحْتِمالُ أخْذِهِ مِنَ الشَّيْطانِ لا مِن أصْلِهِ عَلى أنَّ المَعْنى فَعَلَ فِعْلَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ وزْنُهُ فَعْلانُ فَنُونُهُ زائِدَةٌ مِن شاطَ يَشِيطُ إذا هَلَكَ أوْ بَطَلَ أوِ احْتَرَقَ غَضَبًا، والأُنْثى شَيْطانَةٌ.
وأنْشَدَ في البَحْرِ:
هِيَ البازِلُ الكَوْماءُ لا شَيْءَ غَيْرُها وشَيْطانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنها جُفُونُها
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّيْطانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والدَّوابِّ.
﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ مَعِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي مُساواتُهم لَهم في اعْتِقادِ اليَهُودِيَّةِ، وهو أُمُّ الخَبائِثِ، وأتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ مَعَ تَرْكِ التَّأْكِيدِ فِيما أُلْقِيَ عَلى المُؤْمِنِينَ المُنْكِرِينَ لِما هم عَلَيْهِ، أوِ المُتَمَرِّدِينَ، وبِالجُمْلَةِ الثُّبُوتِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ فِيما أُلْقِيَ إلى شَياطِينِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، لِأنَّهم في الأوَّلِ بِصَدَدِ دَعْوى إحْداثِ الإيمانِ، ولَمْ يَنْظُرُوا هُنا لِإنْكارِ أحَدٍ، وتَرَدُّدِهِ إيهامًا مِنهم أنَّهم بِمَرْتَبَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَرَدَّدَ في إيمانِهِمْ، لِيُؤَكِّدُوا لَعَلَّهُ أنْ يَتِمَّ لَهم مَرامُهم بِذَلِكَ في زَعْمِهِمْ، وفي الثّانِي بِصَدَدِ إفادَةِ الثَّباتِ دَفْعًا لِما يَخْتَلِجُ بِخَواطِرِ شَياطِينِهِمْ مِن مُخالَطَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُخاطَبَتِهِمْ بِالإيمانِ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْكِيدَ كَما يَكُونُ لِإزالَةِ الإنْكارِ والشَّكِّ يَكُونُ لِصِدْقِ الرَّغْبَةِ، وتَرْكُهُ كَما يَكُونُ لِعَدَمِ ذَلِكَ يَكُونُ لِعَدَمِ اعْتِناءِ المُتَكَلِّمِ، فَلِلرَّغْبَةِ أكَّدُوا ولِعَدَمِها تَرَكُوا، أوْ لِأنَّهم لَوْ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ كانَ ادِّعاءً لِكَمالِ الإيمانِ، وثَباتِهِ، وهو لا يَرُوجُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الرَّزانَةِ، وحِدَّةِ الذَّكاءِ، ولا كَذَلِكَ شَياطِينُهُمْ، وعِنْدِي أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ، إذْ يَرُدُّ عَلى الأخِيرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما حَكى عَنْهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم أظْهَرُوا الرَّغْبَةَ هُناكَ، وتَبالَهُوا عَنْ عَدَمِ الرَّواجِ لِغَرَضٍ ما مِنَ الأغْراضِ، والأحْوالُ شَتّى، والعَوارِضُ كَثِيرَةٌ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّهم لِلتَّقِيَّةِ والخِداعِ ودَعْوى أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ لِيُجْرُوا عَلَيْهِمْ أحْكامَهم ويَعْفُوهم عَنِ المُحارَبَةِ، أكَّدُوا بِالباءِ فِيما تَقَدَّمَ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ آيَةِ الشَّهادَةِ وآيَةِ الإيمانِ هَنا ظاهِرٌ، لِأنَّهم لَوْ قالُوا: إنّا لَمُؤْمِنُونَ لَكانُوا مُلْتَزِمِينَ أمْرَيْنِ رِسالَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووُجُوبَ إيمانِهِمْ بِهِ، بِخِلافِ آيَةِ الشَّهادَةِ، فَإنَّ فِيها التِزامَ الأوَّلِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الرَّغْبَةِ في أمْرَيْنِ عَدَمُها في أحَدِهِما ظاهِرُ الرَّكاكَةِ لِلْمُنْصِفِينَ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ
صفحة 158
الجُمْهُورُ (مَعَكُمْ) بِتَحْرِيكِ العَيْنِ، وقُرِئَ شاذًّا بِسُكُونِها وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ وغَنْمٍ، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الِاسْتِهْزاءُ الِاسْتِخْفافُ والسُّخْرِيَةُ واسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ تَقُولُ: هَزَأْتُ بِهِ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ الِاسْتِحْقارُ والِاسْتِهانَةُ، والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ، والنَّقائِصِ عَلى وجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالمُحاكاةِ في الفِعْلِ والقَوْلِ وبِالإشارَةِ والإيماءِ، وأرادُوا مُسْتَخِفُّونَ بِالمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ هَذِهِ المادَّةِ الخِفَّةُ يُقالُ: ناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ وتَخِفُّ، وقَوْلُ الرّازِيِّ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ مُوافَقَةٍ مَعَ إبْطالِ ما يَجْرِي مَجْرى السُّوءِ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، غَيْرُ مُوافِقٍ لِلُّغَةِ والعُرْفِ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهم لَمّا قالُوا إنّا مَعَكُمْ، إنَّ صَحَّ ذَلَكَ فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ، فَأجابُوا بِذَلِكَ، أوْ بَدَلٌ مِن: (إنّا مَعَكُمْ)، وهَلْ هو بَدَلُ اشْتِمالِ أوْ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ، خِلافٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ ما تُفِيدُهُ الأُولى، وهو الثَّباتُ عَلى اليَهُودِيَّةِ لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ، وزِيادَةٍ وهو تَعْظِيمُ الكُفْرِ المُفِيدِ لِدَفْعِ شُبْهَةِ المُخالَطَةِ وتَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ، فَيَكُونُ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وأمّا الثّانِي وبِهِ قالَ السَّعْدُ: فَلِلتَّساوِي مِن حَيْثُ الصِّدْقُ، ولا يَقْتَضِي التَّساوِيَ مِن حَيْثُ المَدْلُولُ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَهم مَعَهم عامٌّ في المَعِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، أوْ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ بِأنْ يُقالَ: إنَّ مُدَّعاهم بِأنّا مَعَكُمُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ لِاسْتِلْزامِهِ رَدَّ الإسْلامِ، ونَفْيُهُ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِلثَّباتِ عَلَيْهِ، إذْ رَفْعُ نَقِيضِ الشَّيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ ارْتِفاعُ النَّقِيضَيْنِ، أوْ يُقالُ: يَلْزَمُ: إنّا مَعَكم إنّا نُوهِمُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيمانَ فَيَكُونُ الِاسْتِخْفافُ بِهِمْ، وبِدِينِهِمْ تَأْكِيدًا بِاعْتِبارِ ذَلِكَ اللّازِمِ، وأوْلى الأوْجُهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ الِاسْتِئْنافُ، لَوْلا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ مَوْضُوعَ إنَّما أنْ تَجِيءَ لِخَبَرٍ لا يَجْهَلُهُ المُخاطَبُ ولا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ تَقْدِيرَ السُّؤالِ هُنا أمْرٌ مَرْجُوحٌ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وقُرِئَ (مُسْتَهْزِءُونَ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وبِقَلْبِها ياءً مَضْمُومَةً، ومِنهم مَن يَحْذِفُ الياءَ، فَتُضَمُّ الزّايُ.
البقرة 2:15
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حَمَلَ أهْلُ الحَدِيثِ وطائِفَةٌ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ الِاسْتِهْزاءَ مِنهُ تَعالى عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُسْتَهْزِئُ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقالُوا: إنَّهُ التَّحْقِيرُ عَلى وجْهٍ مِن شَأْنِهِ أنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُ مِنهُ، ويَضْحَكُ، ولا اسْتِحالَةَ في وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنَعَهُ مِن قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وذَهَبَ أكْثَرُ النّاسِ إلى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ جَلَّ وعَلا حَقِيقَةً، لِما فِيهِ مِن تَقْرِيرِ المُسْتَهْزَإ بِهِ عَلى الجَهْلِ الَّذِي فِيهِ، ومُقْتَضى الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ أنْ يُرِيَهُ الصَّوابَ، فَإنْ كانَ عِنْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ، فَهو لَعِبٌ لا يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ تَعالى، فالآيَةُ عَلى هَذا مُؤَوَّلَةٌ إمّا بِأنْ يُرادَ بِالِاسْتِهْزاءِ جَزاؤُهُ لِما بَيْنَ الفِعْلِ وجَزائِهِ مِن مُشابَهَةٍ في القَدْرِ، ومُلابَسَةٍ قَوِيَّةٍ، ونَوْعِ سَبَبِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ المُشاكَلَةِ المُحَسِّنَةِ ها هُنا، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وإمّا بِأنْ يُرادَ بِهِ إنْزالُ الحَقارَةِ والهَوانِ فَهو مَجازٌ عَمّا هو بِمَنزِلَةِ الغايَةِ لَهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ نَظَرًا إلى التَّصَوُّرِ، وبِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الوُجُودِ، وإمّا بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ الِاسْتِهْزاءِ لَهُ تَخْيِيلًا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا، ولا يَصِحُّ قَصْدًا، ولَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُطْلِقَ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ ما يَشاءُ تَفْهِيمًا لِلْعِبادِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ: أمّا في الدُّنْيا بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ، واسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وأمّا في الآخِرَةِ بِأنْ يَفْتَحَ لِأحَدِهِمْ بابًا إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ، فَإذا جاءَ أُغْلِقَ دُونَهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ آخَرُ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ فَإذا أتاهُ أُغْلِقَ دُونَهُ، فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لِيُفْتَحُ لَهُ بابٌ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِيهِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ جَيِّدِ الإسْنادِ في
صفحة 159
المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاسِ، وأسْنَدَ سُبْحانَهُ الِاسْتِهْزاءَ إلَيْهِ مُصَدِّرًا الجُمْلَةَ بِذِكْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالمُنافِقِينَ هو الِاسْتِهْزاءُ الأبْلَغُ الَّذِي لا اعْتِدادَ مَعَهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ يَضْمَحِلُّ عِلْمُهم وقُدْرَتُهم في جانِبِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى كَفى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ، وانْتَقَمَ لَهُمْ، وما أحْوَجَهم إلى مُعارَضَةِ المُنافِقِينَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، لِأنَّهم ما اسْتُهْزِئَ بِهِمْ إلّا فِيهِ، ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَرَكَ العَطْفَ لِأنَّهُ الأصْلُ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ما يَصِحُّ عَطْفُ هَذا القَوْلِ عَلَيْهِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ وبُعْدٍ، وقِيلَ: لِيَكُونَ إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم في مُقابَلَةِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَوُلُهم ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ ما حُكِيَ مِنَ الشَّناعَةِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي ظُهُورَ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْألُ كُلُّ واحِدٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لِوُرُودِ هَذا القَوْلِ بِالعَطْفِ، ولَوْ عَلى مَحْذُوفٍ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ - كَهم مُسْتَهْزِءُونَ – بِالمُؤْمِنِينَ لَأفادَ أنَّ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ، فَلا يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ مُطْلَقًا، وأنَّهُ تَوَلّى مُجازاتَهم مُطْلَقًا، بَلْ يُوهِمُ تَخْصِيصَ التَّوَلِّي بِهَذِهِ المُجازَةِ، وأيْضًا لِكَوْنِ اسْتِهْزاءِ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ إلى حَيْثُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما، يَكُونُ العَطْفُ كَعَطْفِ أمْرَيْنِ غَيْرِ مُتَناسِبَيْنِ، وبَعْضُهم رَتَّبَ الفائِدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْناهُما في الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى عَلى الِاسْتِئْنافِ مُدَّعِيًا أنَّهُ لَوْ عُطِفَ ولَوْ بِحَسَبِ التَّوَهُّمِ عَلى مُقَدَّرٍ بِأنْ يُقالَ: المُؤْمِنُونَ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ، واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لَفاتَتِ الفائِدَتانِ، هَذا ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وأبْعَدُ عَنْ مَظانِّ الِاسْتِشْكالِ، فَتَدَبَّرْ، وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنِ: اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمُ، المُطابِقِ لِقَوْلِهِمْ: إلى قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ الِاسْتِمْرارِيَّ، وهو أبْلَغُ مِنِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ الَّذِي تُفِيدُهُ الِاسْمِيَّةُ لِأنَّ البَلاءَ إذا اسْتَمَرَّ قَدْ يَهُونُ، وتَأْلَفُهُ النَّفْسُ كَما قِيلَ:
خُلِقْتُ ألُوفًا لَوْ رَجَعَتْ إلى الصِّبا لَفارَقُتُ شَيْبِي مُوجَعَ القَلْبِ باكِيا
وقَدْ كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونُزُولُ الآياتِ في شَأْنِهِمْ أمْرًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الأدْنى، ولِعَذاب الآخِرَة أُشْدُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وصَرَّحَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هُنا لِيَكُونَ الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ نَصًّا، وإنَّما تَرَكَهُ المُنافِقُونَ فِيما حُكِيَ عَنْهم خَوْفًا مِن وُصُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَأبْقَوُا اللَّفْظَ مُحْتَمِلًا لِيَكُونَ لَهم مَجالٌ في الذَّبِّ، إذا حَوْقَقُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ كالبَيانِ لَهُ عَلى رَأْيٍ، والمَدُّ مِن مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ بِمَعْنًى أيْ ألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، وقِيلَ: مَدَّ زادَ مِنَ الجِنْسِ، وأمَدَّ زادَ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، وقِيلَ: مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، عَكْسُ وعَدَ وأوْعَدَ، وإذا اسْتُعْمِلَ أمَدَّ في الشَّرِّ فَلَعَلَّهُ مِن بابِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وقَدْ ورَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ المادَّةِ بِمَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما ما ذَكَرْنا، وثانِيهُما الإمْهالُ ومِنهُ مَدُّ العُمْرِ، والواقِعُ هُنا مِنَ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ (يُمِدُّهُمْ) بِالضَّمِّ مِنَ المَزِيدِ، وهو لَمْ يُسْمَعْ في الثّانِي، والثّانِي أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، والآخَرُ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ، والحَذْفُ والإيصالُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُرْتَكَبُ بِغَيْرِ داعٍ، فَمَعْنى يَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَزِيدُهُمْ، ويُقَوِّيهِمْ فِيهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ الإمْهالَ هُنا مُحْتَمَلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وابْنُ كَيْسانَ، والوَجْهانِ مَخْدُوشانِ، فَقَدْ ورَدَ عِنْدَ مَن يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ كُلٌّ مِنهُما ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا، ومُعَدًّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وكِلاهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، ومَعْناهُما يَرْجِعُ إلى الزِّيادَةِ، كَمًّا أوْ كَيْفًا، وفي الصِّحاحِ مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِهِ ومَدَّهُ في غَيِّهِ أمْهَلَهُ، وطَوَّلَ لَهُ
صفحة 160
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَدَّ اللَّهِ تَعالى في طُغْيانِهِمُ التَّمْكِينُ مِنَ العِصْيانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الإمْلاءُ، ونِسْبَةُ المَدِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِأيِّ مَعْنًى كانَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ حَقِيقَةٌ إذْ هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُوجِدُ لِلْأشْياءِ، المُنْفَرِدُ بِاخْتِراعِها عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ ورَفَعَتْ لَهُ أكُفَّها الِاسْتِعْداداتُ، ونِسْبَتُهُ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ نِسْبَةُ التَّوَفِّي إلى المَلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ أنَّ الزِّيادَةَ في الطُّغْيانِ والتَّقْوِيَةِ فِيهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى مَحامِلَ أُخَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يُوهِنُ مَذْهَبَهُمْ، فَلْنَطْوِهِ هُنا عَلى ما فِيهِ، والطُّغْيانُ بِضَمِّ الطّاءِ عَلى المَشْهُورِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقَدْ سُمِعا في مَصْدَرِ اللِّقاءِ، وقَدْ أمالَهُ الكِسائِيُّ، وأصْلُهُ تَجاوُزُ المَكانِ الَّذِي وقَفْتَ فِيهِ، ومَن أخَلَّ بِما عُيِّنَ مِنَ المَواقِفِ الشَّرْعِيَّةِ والمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ فَلَمْ يَرْعَها فَقَدْ طَغى، ومِنهُ طَغى الماءُ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ المَعْرُوفَ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ فِعْلُهُمُ الصّادِرُ مِنهم بِقُدَرِهِمُ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فالِاخْتِصاصُ المُشْعِرَةُ بِهِ الإضافَةُ إنَّما هو بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّيَّةِ، والِاتِّصافِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضافَةِ، ولا بِاعْتِبارِ الإيجادِ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى إذْنِ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، فَإنَّهُ اعْتِبارٌ عَلَيْهِ غُبارٌ بَلْ غُبارٌ لَيْسَ لَهُ اعْتِبارٌ، فَلا تَهُولَنَّكَ جَعْجَعَةُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وقَعْقَعَتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصاصُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ طُغْيانَ غَيْرِهِمْ في جَنْبِهِمْ، كَلا شَيْءٍ لِادِّعاءِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ، ولَيْسَ بِالمُنْحَرِفِ عَنْ سُنَنِ البَلاغَةِ، (والعَمَهُ) التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ، ويُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ خاصَّةً، والعَمى فِيهِ وفي البَصَرِ، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ في الِاسْتِعْمالِ، وإنَّ تَغايَرا في أصْلِ الوَضْعِ، واخْتَصَّ العَمى بِالبَصَرِ عَلى ما قِيلَ، وأصْلُهُ الأصِيلُ عَدَمُ الإماراتِ في الطَّرِيقِ الَّتِي تُنْصَبُ لِتَدُلَّ مِن حِجارَةٍ وتُرابٍ ونَحْوِهِما، وهي المَنارُ، ويُقالُ: عَمِهَ يَعْمَهُ كَتَعِبَ يَتْعَبُ عَمَهًا وعَمَهانًا، فَهو عَمِهٌ وعامِهٌ وعَمْهاءُ، فَمَعْنى يَعْمَهُونَ عَلى هَذا يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: العَمَةُ العَمى عَنِ الرُّشْدِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يَكُبَّ رَأْسَهُ فَلا يُبْصِرُ ما يَأْتِي، فالمَعْنى يَعْمُونَ عَنْ رُشْدِهِمْ أوْ يَكُبُّونَ رُؤُوسَهم فَلا يُبْصِرُونَ، وكَأنَّ هَذا أقْرَبَ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا مُتَرَدِّدِينَ في الكُفْرِ بَلْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهُ الحَقُّ، وما سِواهُ باطِلٌ، إلّا أنْ يُقالَ: التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ في أمْرٍ آخَرَ، لا في الكُفْرِ، وجُمْلَةُ يَعْمَهُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ، وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ في طُغْيانِهِمْ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وفي طُغْيانِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَمُدُّهُمْ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَعْمَهُونَ، وجازَ عَلى خِلافِ كَوْنٍ في طُغْيانِهِمْ ويَعْمَهُونَ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ،
البقرة 2:16
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ الجامِعِينَ لِلْأوْصافِ الذَّمِيمَةِ مِن دَعْوى الصَّلاحِ، وهُمُ المُفْسِدُونَ، ونِسْبَةِ السَّفَهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهُمُ السُّفَهاءُ، والِاسْتِهْزاءِ وهُمُ المُسْتَهْزَأُ بِهِمْ، ولِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ وسُوءِ الحالِ أشارَ إلَيْهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، والكَلامُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ السّامِعَ بَعْدَ سَماعِ ذِكْرِهِمْ وإجْراءِ تِلْكَ الأوْصافِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ يَسْألُ: مِن أيْنَ دَخَلَ عَلى هَؤُلاءِ هَذِهِ الهَيْئاتُ؟ فَيُجابُ بِأنَّ أُولَئِكَ المُسْتَبْعَدِينَ إنَّما جَسَرُوا عَلَيْها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى حَتّى خَسِرَتْ صَفْقَتُهُمْ، وفَقَدُوا الِاهْتِداءَ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، ووَقَعُوا في تِيهِ الحَيْرَةِ والضَّلالِ، وقِيلَ: هو فَذْلَكَةٌ وإجْمالٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ، والمَدَّ في الطُّغْيانِ، أوْ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وفِيهِ حَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، لِكَوْنِ تَعْرِيفِ المَوْصُولِ لِلْجِنْسِ بِمَنزِلَةِ تَعْرِيفِ اللّامِ الجِنْسِيِّ، وهو ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ الِاشْتِراءِ
صفحة 161
وإنْ كانَ الكُفّارُ الآخَرُونَ مُشارِكِينَ لَهم في ذَلِكَ لِجَمْعِهِمْ هاتِيكَ المَساوِيَ الشَّنِيعَةَ والخِلالَ الفَظِيعَةَ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ صَحَّ تَخْصِيصُهم بِذَلِكَ، والضَّلالَةُ الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ، والهُدى التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، ويُطْلَقانِ عَلى العُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، والِاشْتِراءُ كالشِّراءِ اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ أخْذُها بِهِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ مِنَ الأضْدادِ، لِأنَّ المُتَبايِعَيْنِ تَبايَعا الثَّمَنَ والمُثَمَّنَ، فَكُلٌّ مِنَ العِوَضَيْنِ مُشْتَرًى مِن جانِبٍ مَبِيعٌ مِن جانِبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى أخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما، أوْ مَعْنًى، وهَذا يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي مَجْرى الثَّمَنِ وهو الهُدى حاصِلًا لِهَؤُلاءِ قَبْلُ، ولا رَيْبَ أنَّهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاشْتِراءَ مَجازٌ عَنِ الأخْيارِ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لِلشَّيْءِ مُخْتارٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، ولِكَوْنِ الِاسْتِبْدالِ مَلْحُوظًا جِيءَ بِالباءِ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ التَّوافُقَ مَعْنًى لا يَقْتَضِي التَّوافُقَ مُتَعَلِّقًا، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا الحَمْلِ كَوْنُهُ مُخِلًّا بِالتَّرْشِيحِ الآتِي كَما زَعَمَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِأنَّ التَّرْشِيحَ المَذْكُورَ يَكْفِي لَهُ وُجُودُ لَفْظِ الِاشْتِراءِ، وإنْ كانَ المَعْنى المَقْصُودُ غَيْرَ مُرَشَّحٍ كَما هو العادَةُ في أمْثالِهِ، أوْ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى، بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ، بِتَعاضُدِ الأسْبابِ، وبِأخْذِ المُقَدِّماتِ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى، ولا مِرْيَةَ في أنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، والإرْشادِ العَظِيمِ والنُّصْحِ والتَّعْلِيمِ، لَكِنَّهم نَبَذُوا ذَلِكَ، فَوَقَعُوا في مَهاوِي المَهالِكِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ بِالهُدى الهُدى الجِبِلِّيُّ، وقَدْ كانَ حاصِلًا لَهم حَقِيقَةً، فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، وقَوْلُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: إنَّ حَمْلَ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ أنَّ إضاعَتَها غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَؤُلاءِ، ولَئِنْ حُمِلَتْ عَلى الإضاعَةِ التّامَّةِ الواصِلَةِ إلى حَدِّ الخَتْمِ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ، فَلَيْسَ في إضاعَتِها فَقَطْ مِنَ الشَّناعَةِ ما في إضاعَتِها مَعَ ما يُؤَيِّدُها مِنَ المُؤَيِّداتِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى كَوْنِ ما فَصَلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ضائِعًا، كَلامٌ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الإشارَةِ، فَإنَّها تَقْتَضِي مُلاحَظَتَهم بِجَمِيعِ ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ، والمَعْنى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالنِّفاقِ المَذْكُورِ هُمُ الَّذِينَ ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ أشَدَّ تَضْيِيعٍ بِتَهْوِيدِ الآباءِ، ثُمَّ بَعْدَ ما ظَفِرُوا بِها أضاعُوها بِالنِّفاقِ مَعَ تَحْرِيضِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ، والنُّصْحِ شِفاهًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْرِيفُ أوْ يُقالُ: هَذِهِ تَرْجَمَةٌ عَنْ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، والمُرادُ بِالهُدى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِبَعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحَقِّيَّةِ دِينِهِ بِما وجَدُوهُ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ ويَدْعُونَ بِحُرْمَتِهِ، ويُهَدِّدُونَ الكُفّارَ بِخُرُوجِهِ، ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ وأمّا حَمْلُ الهُدى عَلى ما كانَ عِنْدَهم ظاهِرًا مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهادَةِ وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والصَّوْمِ والغَزْوِ فَمِمّا لا يَرْتَضِيهِ مَن هُدِيَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والمَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وبِهِ أقُولُ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا، والكُلُّ عِنْدِي بَعِيدٌ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن قالَ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ بِظاهِرِ مَفْهُومِها تُصَدِّقُ عَلى مَن أرادُوا لا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ إسْحاقَ (اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ) بِالكَسْرِ لِأنَّهُ الأصْلُ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأبُو السِّماكِ: (اشْتَرَوْا) بِالفَتْحِ إتْباعًا لِما قَبْلُ، وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الهُدى، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وعَدَمُ الإمالَةِ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وأتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تَعَقُّبِ نَفْيِ الرِّبْحِ لِلشِّراءِ، وأنَّهُ بِنَفْسِ ما وقَعَ الشِّراءُ تَحَقَّقَ عَدَمُ الرِّبْحِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الجَزاءِ لِمَكانِ
صفحة 162
المَوْصُولِ، فَهو عَلى حَدِّ: الَّذِي يَدْخُلُ الدّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا لَيْسَ بِمُبْتَدَإٍ كَما في المِثالِ بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وما بَعْدَ الفاءِ لَيْسَ بِخَبَرٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَهو صِلَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ مُبْتَدَأً، و﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ لِعَدَمِ الرّابِطِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ولِتَحَقُّقِ مَعْنى الصِّلَةِ، وإذا كانَتِ الصِّلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في خَبَرِ مَوْصُولِها، ولا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ بَدَلًا مِنهُ، والجُمْلَةُ خَبَرًا، لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدْخُلُ الخَبَرَ لِعُمُومِ المَوْصُولِ، والمُبْدَلُ مِنَ المَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ، فالحَقُّ ما ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ لَيْسَ غَيْرُ، كَما في البَحْرِ، والتِّجارَةُ التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، ولا يَكادُ يُوجَدُ تاءٌ أصْلِيَّةٌ بَعْدَها جِيمٌ إلّا نَتَجَ، وتَجِرَ ورَتَجَ، وأرْتَجَ، وأمّا تُجاهَ، ونَحْوُهُ فَأصْلُها الواوُ، والرِّبْحُ تَحْصِيلُ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، وشاعَ في الفَضْلِ عَلَيْهِ، والمُهْتَدِي اسْمُ فاعِلٍ مِنَ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولا يَكُونُ افْتَعَلَ المُطاوِعُ إلّا مِنَ المُتَعَدِّي، وأمّا قَوْلُهُ:
حَتّى إذا اشْتالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرِ كَشُعْلَةِ القابِسِ تَرْمِي بِالشَّرَرِ
فافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنى فَعَلَ، تَقُولُ: شالَ يَشُولُ، واشْتالَ يَشْتالُ بِمَعْنًى، وفي الآيَةِ تَرْشِيحٌ لِما سَمِعْتَ مِنَ المَجازِ فِيما قَبْلَها، والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ تَصْوِيرُ خَسارَهم بِفَوْتِ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الهُدى الَّتِي هي كالرِّبْحِ، وإضاعَةِ الهُدى الَّذِي هو كَرَأْسِ المالِ بِصُورَةِ خَسارَةِ التّاجِرِ الفائِتِ لِلرِّبْحِ المُضَيِّعِ لِرَأْسِ المالِ، حَتّى كَأنَّهُ هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مُبالَغَةٌ في تَخْسِيرِهِمْ، ووُقُوعِهِمْ في أشْنَعِ الخَسارِ الَّذِي يَتَحاشى عَنْهُ أُولُو الأبْصارِ، وإسْنادُ الرِّبْحِ إلى التِّجارَةِ، وهو لِأرْبابِها مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وكَنّى في مَقامِ الذَّمِّ بِنَفْيِ الرِّبْحِ عَنِ الخُسْرانِ لِأنَّ فَوْتَ الرِّبْحِ يَسْتَلْزِمُهُ في الجُمْلَةِ، ولا أقَلَّ مِن قَدْرِ ما يُصْرَفُ مِنَ القُوَّةِ، وفائِدَةُ الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِانْتِفاءِ مَقْصِدِ التِّجارَةِ مَعَ حُصُولِ ضِدِّهِ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: خَسِرَتْ تِجارَتُهُمْ، فَلا يُتَوَهَّمُ إنَّ نَفْيَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ إنَّما يُوجِبُ إثْباتَ الآخَرِ، إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، فَإنَّ التّاجِرَ قَدْ لا يَرْبَحُ، ولا يَخْسَرُ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ المَحَلُّ قابِلًا لِلْكُلِّ، كَما في التِّجارَةِ الحَقِيقِيَّةِ، أمّا إذا كانَ لا يَقْبَلُ إلّا اثْنَيْنِ مِنها فَنَفْيُ أحَدِهِما يَكُونُ إثْباتًا لِلْآخَرِ، والرِّبْحُ والخُسْرانُ في الدِّينِ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، عَلى أنَّهُ قَدْ قامَتِ القَرِينَةُ هُنا عَلى الخُسْرانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ وقَدْ جَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ إضاعَةِ رَأْسِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ بِطُرُقِ التِّجارَةِ تَكْثُرُ الآفاتُ عَلى أمْوالِهِ، واخْتِيرَ طَرِيقُ الكِنايَةِ نِكايَةً لَهم بِتَجْهِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِهِمْ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ النَّفْيُ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ، أيْ لا مَنارَ فَيُهْتَدى بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تِجارَةَ، ولا رِبْحَ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ لِلْقُرْبِ مَعَ التَّناسُبِ والتَّفَرُّعِ بِاعْتِبارِ المَعْنى الكِنائِيِّ، وبِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ أنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءَ قَدْ فُهِمَ مِمّا قَبْلُ، فَيَكُونُ تَكْرارًا لِما مَضى، وهو إمّا مِن بابِ التَّكْمِيلِ، والِاحْتِراسِ كَقَوْلِهِ:
فَسَقى دِيارَكَ غَيْرَ مُفْسِدِها صَوْبُ ∗∗∗ الغَمامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي
أوْ مِن بابِ التَّنْعِيمِ كَقَوْلِهِ:
كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبائِنا ∗∗∗ وأرْحُلِنا الجَزْعُ الَّذِي لَمْ يُثْقَبِ
وقالَ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ العَطْفَ عَلى ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ أوْلى، لِأنَّ عَطْفَهُ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ يُوجِبُ تَرَتُّبَهُ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُهُ عَنْهُ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، إلّا أنْ يُقالَ: تَرْتِيبُهُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ، والإخْبارِ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى (اشْتَرَوْا) كانَ الظّاهِرُ تَقْدِيمُهُ لِما في التَّأْخِيرِ مِنَ الإيهامِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الأحْسَنُ تَرْكَ العَطْفِ احْتِياطًا، كَما ذُكِرَ في نَحْوِ قَوْلِهِ:
صفحة 163
وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها ∗∗∗ بَدَلًا أُراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
عَلى أنَّ بَيْنَ مَعْنى اشْتَرَوْا إلَخْ، ومَعْنى وما كانُوا إلَخْ، تَقارُبًا يَمْنَعُ حُسْنَ العَطْفِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يُضِعْ فِطْرَتَهُ السَّلِيمَةَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، ولا يَخْفى سُوءُ حالِهِ عَلى مَن حَسُنَ تَمْيِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تِجاراتُهُمْ) عَلى الجَمْعِ ووَجْهُهُ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ تِجارَةً، ووَجْهُ الإفْرادِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهْمُ المَعْنى مَعَ الإشارَةِ أنَّ تِجاراتِهِمْ، وإنْ تَعَدَّدَتْ فَهي مِن سُوقٍ واحِدَةٍ، وهم شُرَكاءُ فِيها،
البقرة 2:17
﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِجُمْلَةِ قِصَّةِ المُنافِقِينَ، المَسْرُودَةِ إلى هُنا، فَلِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها، ولَمّا كانَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى ما فِيهِ مِنَ اسْتِعاراتٍ وتَجَوُّزاتٍ مَجْرى الصِّفاتِ الكاشِفَةِ عَنْ حَقِيقَةِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ أحْوالِهِمْ عَقَّبَهُ بِبَيانِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ، وإبْرازِها في صُورَةِ المُشاهَدِ، بِضَرْبِ المَثَلِ تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ، فَلِضَرْبِ المَثَلِ شَأْنٌ لا يَخْفى، ونُورٌ لا يُطْفى، يَرْفَعُ الأسْتارَ عَنْ وُجُوهِ الحَقائِقِ، ويُمِيطُ اللِّثامَ عَنْ مُحَيّا الدَّقائِقِ ويُبْرِزُ المُتَخَيَّلَ في مَعْرِضِ اليَقِينِ، ويَجْعَلُ الغائِبَ كَأنَّهُ شاهِدٌ، ورُبَّما تَكُونُ المَعانِي الَّتِي يُرادُ تَفْهِيمُها مَعْقُولَةً صِرْفَةً، فالوَهْمُ يُنازِعُ العَقْلَ في إدْراكِها حَتّى يَحْجُبَها عَنِ اللُّحُوقِ بِما في العَقْلِ، فَبِضَرْبِ الأمْثالِ تَبْرُزُ في مَعْرِضِ المَحْسُوسِ، فَيُساعِدُ الوَهْمُ العَقْلَ في إدْراكِها، وهُناكَ تَنْجَلِي غَياهِبُ الأوْهامِ، ويَرْتَفِعُ شَغَبُ الخِصامِ، ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقِيلَ: الأشْبَهُ أنْ تُجْعَلَ مُوَضِّحَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ إلَخْ، ولا بُعْدَ فِيهِ، والحَمْلُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعِيدٌ، لا سِيَّما والأمْثالُ تُضْرَبُ لِلْكَشْفِ، والبَيانِ، والمَثَلُ بِفَتْحَتَيْنِ كالمَثَلِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، والمَثِيلُ في الأصْلِ النَّظِيرُ، والشَّبِيهُ، والتَّفْرِقَةُ لا أرْتَضِيها، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُثُولِ، وهو الِانْتِصابُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «(مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ)،» ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الكَلامِ البَلِيغِ الشّائِعِ الحَسَنِ المُشْتَمِلِ إمّا عَلى تَشْبِيهٍ بِلا شَبِيهٍ، أوِ اسْتِعارَةٍ رائِقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ وغَيْرِها، أوْ حِكْمَةٍ ومَوْعِظَةٍ نافِعَةٍ، أوْ كِنايَةٍ بَدِيعَةٍ، أوْ نَظْمٍ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ المُوجَزِ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مُرَكَّبَةً خِلافًا لِمَن وهِمَ، بَلْ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، وهَذِهِ أمْثالُ العَرَبِ أُفْرِدَتْ بِالتَّآلِيفِ، وكَثُرَتْ فِيها التَّصانِيفُ، وفِيها الكَثِيرُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، ولِكَوْنِهِ فَرِيدًا في بابِهِ، وقَدْ قُصِدَ حِكايَتُهُ لَمْ يُجَوِّزُوا تَغْيِيرَهُ لِفَواتِ المَقْصُودِ، وتَفْسِيرُهُ بِالقَوْلِ السّائِرِ المُمَثِّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أمْثالُ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأها، ولَيْسَ لَها مَوْرِدٌ مِن قَبْلُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا اصْطِلاحٌ جَدِيدٌ، أوْ أنَّ الأغْلَبَ في المَثَلِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ أوْ قِصَّةٍ أوْ صِفَةٍ لَها شَأْنٌ، وفِيها غَرابَةٌ، ومِن ذَلِكَ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وهو المُرادُ هُنا في المَثَلِ دُونَ التَّمْثِيلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالكافِ، والمَعْنى حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا إلَخْ، فِيما سَيُكْشَفُ عَنْ وجْهِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فالكافُ حَرْفُ تَشْبِيهٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرٍ عَنِ المُبْتَدَإ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها اسْمٌ مِثْلُها في قَوْلِ الأعْشى:
أيَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ
وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ الحَسَنِ، ولَيْسَ بِالحَسَنِ إلّا في الضَّرُورَةِ، والقَوْلِ بِالزِّيادَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَصِيرُوا مِثْلَ ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ زِيادَةً في الجَهْلِ، والَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَ الَّذِينَ إنْ كانَ ضَمِيرَ (بِنُورِهِمْ) راجِعًا إلَيْهِ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، إذْ لا ضَيْرَ في تَشْبِيهِ حالِ الجَماعَةِ بِحالِ الواحِدِ، وجازَ هُنا وضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ، وقَدْ مَنَعَهُ الجُمْهُورُ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا إقامَةَ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ، لِأنَّ هَذا مُخالِفٌ لِغَيْرِهِ، لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْهُ، فَإنَّهُ إنَّما وُضِعَ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، فَلَمّا لَمْ يُقْصَدْ لِذاتِهِ تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولِأنَّهُ مَعَ صِلَتِهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وعَلامَةُ الجَمْعِ لا تَقَعُ حَشْوًا فَلِذا لَمْ
صفحة 164
يُلْحِقُوها بِهِ، ووَضَعُوهُ لِما يَعُمُّ، كَمَنَ وما، والَّذِينَ لَيْسَ جَمْعًا لَهُ، بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَزِيدًا فِيهِ لِزِيادَةِ المَعْنى، وقُصِدَ التَّصْرِيحُ بِها، ولِذا لَمْ يُعَرَّفْ بِالحُرُوفِ كَغَيْرِهِ عَلى الأفْصَحِ، ولِأنَّهُ اسْتَطالَ بِالصِّلَةِ، فاسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتّى بُولِغَ فِيهِ إلى أنِ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في نَحْوِ اسْمِ الفاعِلِ، قالَهُ القاضِي وغَيْرُهُ، ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، لا سِيَّما الوَجْهُ الأخِيرُ، وما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ مِن جَوازِ حَذْفِ نُونِ الَّذِينَ، لَيْسَ بِالمَرْضِيِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، ولَئِنْ تَنَزَّلَ يَلْتَزِمُ عَوْدُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ عَلى وجْهٍ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
يا رَبَّ عِيسى لا تُبارِكْ في أحَدْ
فِي قائِمٍ مِنهم ولا فِيمَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
وإفْرادُ الضَّمِيرِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ كالمَلْفُوظِ، فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ نَظَرٌ إلى ما في الَّذِي مِن مَعْنى الجِنْسِيَّةِ العامَّةِ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ مُسْتَوْقَدٌ مَخْصُوصٌ، ولا جَمِيعُ أفْرادِ المُسْتَوْقِدِينَ، والمَوْصُولُ كالمُعَرَّفِ بِاللّامِ يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي فِيهِ، واسْمُ الجِنْسِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، كَـ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ وقَوْلِهِمُ: الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ لَهُ مَوْصُوفٌ مُفْرَدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، كالفَوْجِ، والفَرِيقِ، فَيَحْسُنُ النِّظامُ ويُلاحَظُ في ضَمِيرِ (اسْتَوْقَدَ) لَفْظُ المَوْصُوفِ، وفي ضَمِيرِ (بِنُورِهِمْ) مَعْناهُ، واسْتَوْقَدُوا بِمَعْنى أوْقَدُوا، فَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ: أوْقَدَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنًى، كَأجابَ واسْتَجابَ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ، وجَعْلُ الِاسْتِيقادِ بِمَعْنى طَلَبِ الوَقُودِ، وهو سُطُوعُ النّارِ، كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ مُحْوِجٌ إلى حَذْفٍ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: طَلَبُوا نارًا واسْتَدْعَوْها، فَأوْقَدُوها، فَلَمّا أضاءَتْ لِأنَّ الإضاءَةَ لا تَتَسَبَّبُ عَنِ الطَّلَبِ، وإنَّما تَتَسَبَّبُ عَنِ الإيقادِ، والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ، واشْتِقاقُها مِن نارَ يَنُورُ نُورًا، إذا نَفَرَ، لِأنَّ فِيها عَلى ما تُشاهِدُ حَرَكَةً، واضْطِرابًا لِطَلَبِ المَرْكَزِ، وكَوْنُهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، كَأنَّهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، نَعَمْ أوْرَدَ عَلى التَّعْرِيفِ أنَّ الإضاءَةَ لا تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها، ولَيْسَتْ شامِلَةً لِما ثَبَتَ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ أنَّ النّارَ الأصْلِيَّةَ حَيْثُ الأثِيرُ شَفّافَةٌ لا لَوْنَ لَها، وكَذا يُقالُ في الإحْراقِ، والجَوابُ أنَّ تَخْصِيصَ الأسْماءِ لِأعْيانِ الأشْياءِ حَسْبَما تُدْرَكُ، أوْ لِلْمَعانِي الذِّهْنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنها، وأمّا اعْتِبارُ لَوازِمِها وذاتِيّاتِها فَوَظِيفَةُ مَن أرادَ الوُقُوفَ عَلى حَقائِقِها، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِ أكْثَرِ النّاسِ، والنّاسُ يُدْرِكُونَ مِنَ النّارِ الَّتِي عِنْدَهُمُ الإضاءَةَ والإحْراقَ، ويَجْعَلُونَهُما أخَصَّ أوْصافِها، والتَّعْرِيفُ لِلْمُتَعارَفِ، وعَدَمُ الإحْراقِ لِمانِعٍ لا يَضُرُّ عَلى أنَّ كَوْنَ النّارِ الَّتِي تَحْتَ الفَلَكِ هادِيَةٌ غَيْرُ مُحْرِقَةٍ وإنْ زَعَمَهُ بَعْضُ النّاسِ أبْطَلَهُ الشَّيْخُ، واحْتِراقُ الشُّهُبِ عَلى مَن يُنْكِرُ الإحْراقَ، وأغْرَبُ مِن هَذا نَفْيُ النّارِ الَّتِي عِنْدَ الأثِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الهَواءِ الحارِّ جِدًّا، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (كَمَثَلِ الَّذِينَ) عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا، وقُصارى ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِها أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ عَلى ما عُهِدَ في لِسانِ العَرَبِ مِنَ التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ نَطَقَ بِمَنِ الَّذِي لَها لَفْظًا، ومَعْنًى، كَما جَزَمَ بِالَّذِي عَلى تَوَهُّمٍ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ:
كَذاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلى النّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعَ
أوْ أنَّهُ اكْتَفى بِالإفْرادِ عَنِ الجَمْعِ، كَما يُكْتَفى بِالمُفْرَدِ الظّاهِرِ عَنْهُ، فَهو كَقَوْلِهِ:
وبِالبَدْوِ مِنّا أُسْرَةٌ يَحْفَظُونَها ∗∗∗ سِراعٌ إلى الدّاعِي عِظامٌ كَراكِرُهُ
أيْ كَراكِرُهُمْ، أوْ أنَّ الفاعِلَ في اسْتَوْقَدَ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ عَلى وجْهٍ، والعائِدُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، أيْ لَهُمْ، أوْ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ الأُولى اكْتِفاءً بِالضَّمِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ، وفي القَلْبِ مِن كُلٍّ شَيْءٌ، ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أوْ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، أوْ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، أوْ إذْ، والإضاءَةُ جَعْلُ
صفحة 165
الشَّيْءِ مُضِيئًا نَيِّرًا، أوِ الإشْراقُ وفَرْطُ الإنارَةِ، وأضاءَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، فَعَلى الأوَّلِ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، والظَّرْفُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وهي المَفْعُولُ، والفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وعَلى الثّانِي فَما كَذَلِكَ، وهي الفاعِلُ، وأُنِّثَ فِعْلُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُؤَنَّثٍ، كالأمْكِنَةِ والجِهاتِ، أوِ الفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وما زائِدَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ولا يَجِبُ التَّصْرِيحُ بِفي حِينَئِذٍ كَما تُوُهِّمَ، لِأنَّ الحَقَّ أنَّ ما المَوْصُولَةَ أوِ المَوْصُوفَةَ إذا جُعِلَتْ ظَرْفًا، فالمُرادُ بِها الأمْكِنَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالمُسْتَوْقِدِ، وهي الجِهاتُ السِّتُّ، وهي مِمّا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ قِياسًا مُطَّرِدًا، فَكَذا ما عُبِّرَ بِهِ عَنْها، وأوْلى الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ أضاءَتْ مُتَعَدِّيَةً، وما مَوْصُولَةً، إذْ لا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى الحَمْلِ عَلى المَعْنى، ولا ارْتِكابَ ما قَلَّ اسْتِعْمالُهُ، لا سِيَّما زِيادَةُ ما هُنا، حَتّى ذَكَرُوا أنَّها لَمْ تُسْمَعْ هُنا، ولَمْ يُحْفَظْ مِن كَلامِ العَرَبِ: جَلَسْتُما، مَجْلِسًا حَسَنًا، ولا: قُمْتُما يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي، مِن أيْنَ أخَذَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَيْفَ تَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ ؟! وإذا جُعِلَ الفاعِلُ ضَمِيرَ النّارِ، والفِعْلُ لازِمٌ يَكُونُ الإسْنادُ إلى السَّبَبِ، لِأنَّ النّارَ لَمْ تُوجَدْ حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، ووُجِدَ ضَؤْوُها، فَجُعِلَ إشْراقُ ضَوْئِها حَوْلَهُ، بِمَنزِلَةِ إشْراقِها نَفْسِها، عَلى ما قِيلَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ إذا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ قاصِرٍ لَهُ أثَرٌ مُتَعَدٍّ يُشْتَرَطُ في تَحَقُّقِ النِّسْبَةِ الظَّرْفِيَّةُ لِلْأثَرِ، والمُؤَثِّرِ، فَلا بُدَّ في إشْراقٍ كَذا في كَذا مِن كَوْنِ الإشْراقِ والمُشْرِقِ فِيهِ، وهَذا كَما إذا تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفِعْلٍ قاصِرٍ، كَقامَ زَيْدٌ في الدّارِ، فَإنَّ زَيْدًا، والقِيامَ فِيها، ذاتًا وتَبَعًا، وإلى ذَلِكَ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اكْتَفى بِوُجُودِ الأثَرِ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدِ المُؤَثِّرُ فِيهِ بِذاتِهِ كَما في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، فَأضاءَتِ الشَّمْسُ في الأرْضِ حَقِيقَةٌ عَلى هَذا، مَجازٌ عَلى الأوَّلِ، وحَوْلَ ظَرْفُ مَكانٍ، مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، والإضافَةِ، ويُثَنّى ويُجْمَعُ، فَيُقالُ: حَوْلَيْهِ، وأحْوالَهُ، وحَوالَ مِثْلُهُ، فَيُثَنّى عَلى حَوالَيْ، ولَمْ نَظْفَرْ بِجَمْعِهِ فِيما حَوْلَنا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، ولا تَقُلْ: حَوالِيهِ بِكَسْرِ اللّامِ، كَما في الصِّحاحِ، ولَعَلَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ مَعَ ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ حَوْلَ وكَذا حَوالَ بِمَعْنى الجَوانِبِ وهي مُسْتَغْرِقَةٌ لَيْسا حَقِيقَيْنِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ تَقْسِيمِ الدّائِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ المَوْلى عاصِمٌ أفَنْدِي في تَرْجَمَةِ القامُوسِ بِالرُّومِيَّةِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مَوْضُوعٌ لِلطَّوافِ والإحاطَةِ كالحَوْلِ لِلسَّنَةِ، فَإنَّهُ يَدُورُ مِن فَصْلٍ، أوْ يَوْمٍ إلى مِثْلِهِ، ولَمّا لَزِمَهُ الِانْتِقالُ والتَّغَيُّرُ اسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبارِهِ كالِاسْتِحالَةِ، والحَوالَةُ وإنْ خَفِيَ في نَحْوِ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ، وقِيلَ: أصْلُهُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ، وانْفِصالُهُ، (وذَهَبَ) إلَخْ، جَوابٌ (لَمّا)، والسَّبَبِيَّةُ ادِّعائِيَّةٌ، فَإنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ إذْهابُ النُّورِ عَلى الإضاءَةِ بِلا مُهْلَةٍ جُعِلَ كَأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ يَكْفِي في الشَّرْطِ مُجَرَّدُ التَّوَقُّفِ نَحْوُ: إنْ كانَ لِي مالٌ حَجَجْتُ، والإذْهابُ مُتَوَقِّفٌ عَلى الإضاءَةِ، والضَّمِيرُ في (بِنُورِهِمْ) لِلَّذِي أوْ لِمَوْصُوفِهِ، وجَمْعِهِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتارَ النُّورَ عَلى النّارِ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِها، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ سِباقًا ولِحاقًا، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَمّا لَهُمْ، شُبِّهْتْ حالُهم بِذَلِكَ، أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ لِلْبَيانِ، والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ أيْ خَمَدَتْ نارُهم فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ، ومِثْلُهُ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾، وحَذْفُهُ لِلْإيجازِ، وأمْنِ الإلْباسِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن لَهُ أدْنى إنْصافٌ، وإنِ ارْتَضاهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، ويَجِلُّ عَنْ مِثْلِ هَذا الإلْغازِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، فَهو سُبْحانَهُ الفَعّالُ المُطْلَقُ الَّذِي بِيَدِهِ التَّصَرُّفُ في الأُمُورِ كُلِّها بِواسِطَةٍ، وبِغَيْرِ واسِطَةٍ، ولا يُعْتَرَضُ عَلى الحَكِيمِ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ النّارِ عَلى نارٍ لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى إيقادَها، إمّا مَجازِيَّةٌ كَنارِ الفِتْنَةِ، والعَداوَةِ لِلْإسْلامِ، أوْ حَقِيقِيَّةٌ أوْقَدَها الغُواةُ لِلْفَسادِ، أوِ الإفْسادِ، فَحِينَئِذٍ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إطْفاؤُها، وإلّا يُرْتَكَبُ المَجازُ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِزالٌ، وإيقادُ نارِ الغَوايَةِ والإضْلالِ، وعُدِّيَ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ لِما في المَثَلِ السّائِرِ: أنَّ ذَهَبَ بِالشَّيْءِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ وأمْسَكَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحالَةِ الأُولى، ولا كَذَلِكَ أذْهَبَهُ، فالباءُ والهَمْزَةُ وإنِ اشْتَرَكا في مَعْنى التَّعْدِيَةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَنْظُرَ صاحِبُ المَعانِي إلى مَعْنى الهَمْزَةِ والباءِ الأصْلِيَّيْنِ أعْنِي الإزالَةَ
صفحة 166
والمُصاحَبَةَ، والإلْصاقَ، فَفي الآيَةِ لُطْفٌ لا يُنْكَرُ، كَيْفَ والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى القَوِيُّ العَزِيزُ الَّذِي لا رادَّ لِما أخَذَهُ، ولا مُرْسِلَ لِما أمْسَكَهُ، وذَكَرَ أبُو العَبّاسِ: أنَّ ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، يَقْتَضِي ذَهابَ المُتَكَلِّمِ مَعَ زَيْدٍ دُونَ أذْهَبْتُهُ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّ ما في الآيَةِ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ، بِحَيْثُ لا يُرَدُّ، أوْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالذَّهابِ عَلى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِالمَجِيءِ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، فَكِلاهُما لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ عِنْدَهُ بِلا فَرْقٍ، فَلِذا لا يُجْمَعُ بَيْنَهُما، والنُّورُ مَنشَأُ الضِّياءِ ومَبْدَؤُهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ حَيْثُ أضافُوا الضِّياءَ إلَيْهِ كَما قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ويَظْهَرُ في البِلادِ ضِياءُ نُورٍ
وقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
وأنْتَ لَمّا ظَهَرْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ ∗∗∗ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ النُّورَ دُونَ الضِّياءِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى نَفْيِ الضِّياءِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، بِنَفْيِ النُّورِ وإذْهابِهِ، لِأنَّهُ أصْلُهُ، وبِنَفْيِ الأصْلِ يَنْتَفِي الفَرْعُ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الَّذِي ارْتَضاهُ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ وصْفِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ والشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ بِالضِّياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجامِعِ الفارِقِ، ومَزِيَّتِهِ عَلى أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ إلّا بِالفَرْقِ، ولِفَرْقِ ما بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ:
وكُلُّ آيٍ أتى الرُّسْلُ الكِرامُ بِها ∗∗∗ فَإنَّما اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمْ
وكَذا وجْهُ وصْفِ الصَّلاةِ النّاهِيَةِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ بِالنُّورِ والصَّبْرِ بِالضِّياءِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّهُ أقْوى مِنَ الضِّياءِ، كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالضِّياءِ كَما جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنُّورِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ، فَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِـ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ دُونَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ دَفْعًا لِاحْتِمالِ إذْهابِ ما في الضَّوْءِ مِنَ الزِّيادَةِ، وبَقاءِ ما يُسَمّى نُورًا، مَعَ أنَّ الغَرَضَ إزالَةُ النُّورِ رَأْسًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كُلًّا مِنَ الضَّوْءِ والنُّورِ يُطْلَقُ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَهُما كالمُتَرادِفَيْنِ، والفَرْقُ إنَّما نَشَأ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أوِ الِاصْطِلاحِ لا مِن أصْلِ الوَضْعِ، واللُّغَةِ، ومِن هُنا قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الضَّوْءَ ما يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ، والنُّورَ ما يَكُونُ مِن غَيْرِهِ، واسْتُعْمِلَ الضَّوْءُ لِما فِيهِ حَرارَةٌ حَقِيقَةً كالَّذِي في الشَّمْسِ، أوْ مَجازًا كالَّذِي ذُكِرَ فِيما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا فِيهِ شِدَّةٌ، ومَزِيدُ كُلْفَةٍ، ومِنهُ: «(الصَّبْرُ ضِياءٌ)،» ومَعْلُومٌ أنَّهُ كاسْمِهِ، والنُّورُ لِما لَيْسَ كَذَلِكَ، كالَّذِي في القَمَرِ، وفِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ البَيْضاءِ، ومِنهُ: «(الصَّلاةُ نُورٌ)،» ولا شَكَّ أنَّها قُرَّةُ العَيْنِ، وراحَةُ القَلْبِ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» «و(أرِحْنا يا بِلالُ)،» واسْتُعْمِلَ النُّورُ لِما يَطْرَأُ في الظُّلْمِ كَما ورَدَ: «(كانَ النّاسُ في ظُلْمَةٍ فَرَشَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ)،» وقَوْلُ الشّاعِرِ:
بِتْنا وعُمْرُ اللَّيْلِ في غَلْوائِهِ ∗∗∗ ولَهُ بِنُورِ البَدْرِ فَرْعٌ أشْمَطُ
والضَّوْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ الضِّياءَ يُطْلَقُ عَلى النُّورِ القَوِيِّ
صفحة 167
وعَلى شُعاعِ النُّورِ المُنْبَسِطِ، فَهو بِالمَعْنى الأوَّلِ أقْوى، وبِالمَعْنى الثّانِي أدْنى، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ عِبارَةٌ، ولا حَجْرَ عَلى البَلِيغِ في اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ في بَعْضِ المَقاماتِ لِنُكْتَةٍ اعْتَبَرَها ومُناسَبَةٍ لاحَظَها، وآيَةُ الشَّمْسِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ أيْنَما وقَعَ، فاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، وشاعَ إطْلاقُ النُّورِ عَلى الذَّواتِ المُجَرَّدَةِ دُونَ الضَّوْءِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ انْسِياقَ العَرَضِيَّةِ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أسْرَعُ مِنِ انْسِياقِها مِنَ النُّورِ إلَيْهِ، فَقَدِ انْتَشَرَ أنَّهُ عَرَضٌ، وكَيْفِيَّةٌ مُغايِرَةٌ لِلَّوْنِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ أوْ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ مِنَ المُضِيءِ فَتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ مِمّا بَيِّنٌ بُطْلانُهُ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ، وإنْ قالَ بِكُلٍّ بَعْضٌ مِنَ الحُكَماءِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالنُّورِ هُنا دُونَ الضَّوْءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسِرٍّ غَيْرِ ما انْقَدَحَ في أذْهانِ النّاسِ، وهو كَوْنُهُ أنْسَبَ بِحالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حُرِمُوا الِانْتِفاعَ، والإضاءَةَ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِمّا سَمّاهُ سُبْحانَهُ نُورًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ﴾ فَكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ أمْسَكَ عَنْهُمُ النُّورَ وحَرَمَهُمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ولَمْ يُسَمِّهِ سُبْحانَهُ ضَوْءًا لِتَتَأتّى هَذِهِ الإشارَةُ، لَوْ قالَ هُنا ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ بَلْ كَساهُ مِن حُلَلِ أسْمائِهِ، وأفاضَ عَلَيْهِ مِن أنْوارِ آلائِهِ، فَهو المَظْهَرُ الآتَمُّ، والرِّداءُ المُعَلَّمُ، هَذا، وإضافَةُ النُّورِ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، لِأنَّهُ لِلنّارِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنْ لَمّا كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، صَحَّ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (فَلَمّا ضاءَتْ)، ثُلاثِيًّا، وتَخْرِيجُها يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ)، وفِيها تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.
﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وهو أوْفى بِتَأْدِيَةِ المُرادِ، فَيُسْتَفادُ مِنهُ التَّقْرِيرُ لِانْتِفاءِ النُّورِ بِالكُلِّيَّةِ تَبَعًا لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ الظُّلْمَةِ، وجَمْعُها وتَنْكِيرُها وإيرادُ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ وجَعْلُ الواوِ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، مَعَ ما فِيهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الظُّلْمَةِ قَبْلَ ذَهابِ النُّورِ، ومَعَهُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّرْكُ في المَشْهُورِ طَرْحُ الشَّيْءِ، كَتَرْكِ العَصا مِن يَدِهِ، أوْ تَخْلِيَتِهِ مَحْسُوسًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ، كَتَرْكِ وطَنِهِ ودِينِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: تَرْكُ الشَّيْءِ رَفْضُهُ قَصْدًا واخْتِيارًا أوْ قَهْرًا، واضْطِرارًا، ويُفْهَمُ مِنَ المِصْباحِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في مُفارَقَةِ المَحْسُوساتِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في المَعانِي، وفي كَوْنِ الفِعْلِ مِنَ النَّواسِخِ النّاصِبَةِ لِلْجُزْأيْنِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرَ، أمْ لا، خِلافٌ، والكُلُّ هُنا مُحْتَمَلٌ، فَعَلى الأوَّلِ (هُمْ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، و(فِي ظُلُماتٍ) مَفْعُولُهُ الثّانِي، و(لا يُبْصِرُونَ) صِفَةٌ (لِظُلُماتٍ) بِتَقْدِيرِ فِيها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، أوْ مِن (هُمْ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِي ظُلُماتٍ) حالًا و(لا يُبْصِرُونَ) مَفْعُولًا ثانِيًا، لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ أنْ لا يَكُونَ مُؤَكَّدًا، وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، وعَلى الثّانِي (هُمْ) مَفْعُولُهُ و(فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)، حالانِ مُتَرادِفانِ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ مُتَداخِلانِ، فالأوَّلُ مِنَ المَفْعُولِ، والثّانِي مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، و(فِي ظُلُماتٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَرَكَهُمْ) و(لا يُبْصِرُونَ) حالٌ، والظُّلْمَةُ في المَشْهُورِ عَدَمُ الضَّوْءِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَضِيئًا، فالتَّقابُلُ بَيْنَها وبَيْنَ الضَّوْءِ تَقابُلُ العَدَمِ والمِلْكَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظُّلْمَةَ كَيْفِيَّةٌ مَحْسُوسَةٌ ولا شَيْءَ مِنَ العَدَمِ كَذَلِكَ، وبِأنَّها مَجْعُولَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ والمَجْعُولُ لا يَكُونُ إلّا مَوْجُودًا، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِمَنعِ الصُّغْرى، فَإنّا إذا غَمَّضْنا العَيْنَ لا نُشاهِدُ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، كَذَلِكَ إذا فَتَحْنا العَيْنَ في الظُّلْمَةِ، وعَنِ الثّانِي بِالمَنعِ أيْضًا، فَإنَّ الجاعِلَ كَما يَجْعَلُ المَوْجُودَ يَجْعَلُ العَدَمَ الخاصَّ كالعَمى والمُنافِي لِلْمَجْعُولِيَّةِ هو العَدَمُ الصِّرْفُ، وقِيلَ: كَيْفِيَّةٌ مانِعَةٌ مِنَ الإبْصارِ، فالتَّقابُلُ تَقابُلُ التَّضادِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَتْ كَيْفِيَّةً لَما اخْتَلَفَ حالُ مَن في الغارِ المُظْلِمِ ومَن هو في الخارِجِ في الرُّؤْيَةِ، وعَدَمِها، إلّا أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّها كَيْفِيَّةٌ مانِعَةٌ مِن إبْصارِ ما فِيها، فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ عَنْهُ، ورُبَّما يُرَجَّحُ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ قَدْ يُصَدِّقُ عَلى الظُّلْمَةِ الأصْلِيَّةِ السّابِقَةِ عَلى وُجُودِ العالَمِ دُونَهُ، كَما قِيلَ، وقِيلَ: التَّقابُلُ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ إمّا لِتَعَدُّدِها في الواقِعِ، سَواءٌ رَجَعَ ضَمِيرُ الجَمْعِ إلى المُسْتَوْقِدِينَ، أوِ المُنافِقِينَ، أوْ لِأنَّها في الحَقِيقَةِ، وإنْ
صفحة 168
كانَتْ ظُلْمَةً واحِدَةً لَكِنَّها لِشِدَّتِها اسْتُعِيرَ لَها صِيغَةُ الجَمْعِ مُبالَغَةً كَما قِيلَ: رَبٌّ واحِدٌ يَعْدِلُ ألْفًا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ ظُلْمَةٌ تَخُصُّهُ جُمِعَتْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، كَذا قالُوا، ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ الظُّلْمَةَ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ وقَعَتْ مَجْمُوعَةً، والنُّورُ حَيْثُما وقَعَ وقَعَ مُفْرَدًا، ولَعَلَّ السَّبَبَ هو أنَّ الظُّلْمَةَ وإنْ قَلَّتْ تُسْتَكْثَرُ، والنُّورَ وإنْ كَثُرَ يُسْتَقَلُّ ما لَمْ يَضُرَّ، وأيْضًا كَثِيرًا ما يُشارُ بِهِما إلى نَحْوِ الكُفْرِ والإيمانِ، والقَلِيلُ مِنَ الكُفْرِ كَثِيرٌ، والكَثِيرُ مِنَ الإيمانِ قَلِيلٌ، فَلا يَنْبَغِي الرُّكُونُ إلى قَلِيلٍ مِن ذاكَ، ولا الِاكْتِفاءِ بِكَثِيرٍ مِن هَذا، وأيْضًا مَعْدِنُ الظُّلْمَةِ بِهَذا المَعْنى قُلُوبُ الكُفّارِ ”تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبَهم شَتّى“ ومَشْرِقُ النُّورِ بِذَلِكَ المَعْنى قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، وهي كَقَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، وأيْضًا النُّورُ المُفاضُ هو الوُجُودُ المُضافُ، وهو واحِدٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفي الظُّلْمَةِ لا يُرى مِثْلُ هَذا، وأيْضًا الظُّلْمَةُ يَدُورُ أصْلُ مَعْناها عَلى المَنعِ، فَلِذا أُخِذَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما مَنَعَكَ، وفي مُثَلَّثاتِ ابْنِ السَّيِّدِ: الظَّلْمُ بِفَتْحِ الظّاءِ شَخْصُ كُلِّ شَيْءٍ يَسُدُّ بَصَرَ النّاظِرِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ أوَّلَ ذِي ظَلْمٍ، أيْ أوَّلَ شَخْصٍ يَسُدُّ بَصَرِي، وزُرْتُهُ واللَّيْلُ ظَلْمٌ، أيْ مانِعٌ مِنَ الزِّيارَةِ، فَكَأنَّها سُمِّيَتْ ظُلْمَةً لِأنَّها تَسُدُّ في المَشْهُورِ، وتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، فَبِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المَوانِعِ جُمِعَتْ، ولَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُ هَذا في أصْلِ مَعْنى النُّورِ، فَلَمْ يُجْمَعْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما نُكِّرَتْ ظُلُماتٌ هُنا، ولَمْ تُضَفْ إلى ضَمِيرِهِمْ كَما أُضِيفَ النُّورُ اخْتِصارًا لِلَّفْظِ، واكْتِفاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، كَيْفَما فَسَّرْتَ الظُّلْمَةَ عَلى بَعْضِ الآراءِ: و(لا يُبْصِرُونَ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِطَرْحِ المَفْعُولِ نَسْيًا مَنسِيًّا، ولِعَدَمِ القَصْدِ إلى مَفْعُولٍ دُونَ مَفْعُولٍ، فَيُفِيدُ العُمُومَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِي ظُلُماتٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والحَسَنُ وأبُو السِّماكِ بِسُكُونِها، وقَوْمٌ بِفَتْحِها، والكُلُّ جَمْعُ ظُلْمَةٍ.
وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ ظُلُماتٍ بِالفَتْحِ جَمْعُ ظُلَمٍ جَمْعِ ظُلْمَةٍ، فَهي جَمْعُ الجَمْعِ، والعُدُولُ إلى الفَتْحِ تَخْفِيفًا مَعَ سَماعِهِ في أمْثالِهِ أسْهَلُ مِنَ ادِّعاءِ جَمْعِ الجَمْعِ، إذْ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ، ولا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَيْهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (فِي ظُلْمَةٍ)، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَشْبِيهِ إجْراءِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَةِ مَن ذُكِرَ، والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا يَمْنَعُ مِن قَتْلِهِمْ، ويَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ مِن نَحْوِ الأمْنِ والمَغانِمِ، وعَدَمِ إخْلاصِهِمْ لِما أظْهَرُوهُ بِالنِّفاقِ الضّارِّ في الدِّينِ بِإيقادِ نارٍ مُضِيئَةٍ لِلِانْتِفاعِ بِها أطْفَأها اللَّهُ تَعالى فَهَبَّتْ عَلَيْهِمُ الرِّياحُ، والأمْطارُ وصَيَّرَتْ مُوقِدَها في ظُلْمَةٍ وحَسْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرُوا الضَّلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَّمْثِيلِ لِتَشْبِيهِ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنّارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَّلالَةِ الَّتِي اشَتَرَوْها، وطَبَعَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى قُلُوبِهِمْ بِذَهابِ اللَّهِ تَعالى بِنُورِهِمْ، وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُّلُماتِ، والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ لِلْإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِاجْتِناءِ ثَمَراتِهِ بِنارٍ ساطِعَةِ الأنْوارِ مُوقَدَةٍ لِلِانْتِفاعِ والِاسْتِبْصارِ، ولِذَهابِ أثَرِهِ وانْطِماسِ نُورِهِ بِإهْلاكِهِمْ، وإفْشاءِ حالِهِمْ بِإطْفاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاها، وإذْهابِ نُورِها، ويَشْتَمِلُ التَّشْبِيهُ وُجُوهًا أُخَرَ، (ومِنَ البُطُونِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ساداتُنا الصُّوفِيَّةُ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ) أنَّ الآيَةَ مِثْلُ مَن دَخَلَ طَرِيقَةَ الأوْلِياءِ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالتَّحْقِيقِ، فَعَمِلَ عَمَلَ الظّاهِرِ، وما وجَدَ حَلاوَةَ الباطِنِ، فَتَرَكَ الأعْمالَ بَعْدَ فِقْدانِ الأحْوالِ، أوْ مِثْلُ مَنِ اسْتَوْقَدَ نِيرانَ الدَّعْوى ولَيْسَ عِنْدَهُ حَقِيقَةٌ، فَأضاءَتْ ظَواهِرُهُ بِالصِّيتِ، والقَبُولِ، فَأفْشى اللَّهُ تَعالى نِفاقَهُ بَيْنَ الخَلْقِ حَتّى نَبَذُوهُ في الآخِرِ، ولا يَجِدُ مَناصًا مِنَ الفَضِيحَةِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الوَرّاقُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن لَمْ يُصَحِّحْ أحْوالَ الإرادَةِ، فارْتَقى مِن تِلْكَ الأحْوالِ بِالدَّعاوى إلى أحْوالِ الأكابِرِ، فَكانَ يُضِيءُ عَلَيْهِ أحْوالُ إرادَتِهِ لَوْ صَحَّحَها بِمُلازَمَةِ آدابِها، فَلَمّا مَزَجَها بِالدَّعاوى أذْهَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الأنْوارَ، وبَقِيَ في ظُلُماتِ دَعاوِيهِ لا يُبْصِرُ طَرِيقَ الخُرُوجِ مِنها، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ونَعُوذُ بِهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ،
البقرة 2:18
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ الأوْصافُ جُمُوعُ كَثْرَةٍ عَلى وزْنِ
صفحة 169
فُعْلٍ، وهو قِياسٌ في جَمْعِ فَعْلاءَ وأفْعَلَ الوَصْفَيْنِ سَواءٌ تَقابَلا كَأحْمَرَ وحَمْراءَ، أمِ انْفَرادا لِمانِعٍ في الخِلْقَةِ، كَغُرْلٍ ورُتْقٍ، فَإنْ كانَ الوَصْفُ مُشْتَرَكًا، ولَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلا عَلى نِظامِ أحْمَرَ وحَمْراءَ كَرَجُلٍ ألِيٌّ، وامْرَأةٌ عَجْزاءُ، فالوَزْنُ فِيهِ سَماعِيٌّ، والصَّمَمُ داءٌ في الأُذُنِ، يَمْنَعُ السَّمَعَ، وقالَ الأطِبّاءُ: هو أنْ يُخْلَقَ الصِّماخُ بِدُونِ تَجْوِيفٍ يَشْتَمِلُ عَلى الهَواءِ الرّاكِدِ الَّذِي يُسْمَعُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ فِيهِ، أوْ بِتَجْوِيفٍ لَكِنَّ العَصَبَ لا يُؤَدِّي قُوَّةَ الحِسِّ، فَإنْ أدّى بِكُلْفَةٍ سُمِّيَ عِنْدَهم طَرَشًا، وأصْلُهُ مِنَ الصَّلابَةِ، أوِ السَّدِّ، ومِنهُ قَوْلُهم قَناةٌ صَمّاءُ، وصُمِّمَتِ القارُورَةُ، والبُكْمُ الخُرْسُ وزْنًا ومَعْنًى، وهو داءٌ في اللِّسانِ يَمْنَعُ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: الأبْكَمُ هو الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَفْهَمُ شَيْئًا، ولا يَهْتَدِي إلى الصَّوابِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ داءٌ في الفُؤادِ لا في اللِّسانِ، والعَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ بَصِيرًا وقِيلَ: ظُلْمَةٌ في العَيْنِ تَمْنَعُ مِن إدْراكِ المُبْصَراتِ، ويُطْلَقُ عَلى عَدَمِ البَصِيرَةِ مَجازًا عِنْدَ بَعْضٍ وحَقِيقَةً عِنْدَ آخَرِينَ، وهي أخْبارٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ المُنافِقِينَ، أوْ خَبَرٌ واحِدٌ، وتَؤُولُ إلى عَدَمِ قَبُولِهِمُ الحَقَّ وهم وإنْ كانُوا سُمَعاءَ الآذانِ فُصَحاءَ الألْسُنِ، بُصَراءَ الأعْيُنِ إلّا أنَّهم لَمّا لَمْ يُصِيخُوا لِلْحَقِّ، وأبَتْ أنْ تَنْطِقَ بِسائِرِهِ ألْسِنَتُهُمْ، ولَمْ يَتَلَمَّحُوا أدِلَّةَ الهُدى المَنصُوبَةَ في الآفاقِ، والأنْفُسِ، وُصِفُوا بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
أعْمى إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
وأُصِمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ أُذُنِي وما في سَمْعِها وقْرُ
وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حُكْمًا، وذِكْرُهُما قَصْدًا، حُكْمًا أوْ حَقِيقَةً مانِعٌ عَنِ الِاسْتِعارَةِ عِنْدَهُمْ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ، وآخَرُونَ إلى جَوازِ الأمْرَيْنِ، وهَذا أمْرٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ، لَيْسَ لِتَقْرِيرِهِ هُنا كَثِيرُ جَدْوى، غَيْرَ أنَّهم ذَكَرُوا هُنا بَحْثًا، وهو أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ التَّقْدِيرَ هم صُمٌّ إلَخْ، لَكِنْ لَيْسَ المُسْتَعارُ لَهُ حِينَئِذٍ مَذْكُورًا، لِأنَّهُ لِبَيانِ أحْوالِ مَشاعِرِ المُنافِقِينَ لِأذْواتِهِمْ، فَفي هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ إلّا أنْ يُقالَ تَشْبِيهُ ذَواتِ المُنافِقِينَ بِذَواتِ الأشْخاصِ الصُّمِّ مُتَفَرِّعٌ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِمْ بِالصَّمَمِ، فالقَصْدُ إلى إثْباتِ هَذا الفَرْعِ أقْوى، وأبْلَغُ، وكَأنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ الحالَيْنِ تَعَدَّتْ إلى الذّاتَيْنِ، فَحُمِلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّشْبِيهِ بِرِعايَةِ المُبالَغَةِ، أوْ يُقالُ: ولَعَلَّهُ أوْلى، إنَّ (هُمُ) المُقَدَّرَ راجِعٌ لِلْمُنافِقِينَ السّابِقِ حالُهم وصِفاتُهم وتَشْهِيرُهم بِها، حَتّى صارُوا مَثَلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بِما تَرى صُمٌّ عَلى أنَّ المُسْتَعارَ لَهُ ما تَضَمَّنَهُ الضَّمِيرُ الَّذِي جُعِلَ عِبارَةً عَنِ المُتَّصِفِينَ بِما مَرَّ، والمُسْتَعارُ ما تَضَمَّنَ الصُّمَّ، وأخَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ: صُمٌّ إلَخْ، فَقَدِ انْكَشَفَ المُغَطّى، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ جِدًّا، والآيَةُ فَذْلَكَةُ ما تَقَدَّمَ ونَتِيجَتُهُ إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ و﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ أنَّهم صُمٌّ عُمْيٌ، ومِن كَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ أنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، فَهم كالبُكْمِ، ومِن كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُهْتَدِينَ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وقَدَّمَ الصَّمَمَ لِأنَّهُ إذا كانَ خِلْقِيًّا يَسْتَلْزِمُ البُكْمَ وأخَّرَ العَمى لِأنَّهُ كَما قِيلَ: شامِلٌ لِعَمى القَلْبِ الحاصِلِ مِن طُرُقِ المُبْصِراتِ والحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُتَأخِّرٌ، لِأنَّهُ مَعْقُولٌ صِرْفٌ، ولَوْ تَوَسَّطَ حَلَّ بَيْنَ العَصا ولِحائِها، ولَوْ قُدِّمَ لَأوْهَمَ تَعَلُّقُهُ بِـ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ أوِ التَّرْتِيبَ عَلى وفْقِ حالِ المُمَثَّلِ لَهُ، لِأنَّهُ يَسْمَعُ أوَّلًا دَعْوَةَ الحَقِّ، ثُمَّ يُجِيبُ، ويَعْتَرِفُ، ثُمَّ يَتَأمَّلُ، ويَتَبَصَّرُ، ومِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ورَدَتْ تارَةً بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وأُخْرى بِدُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ لِأنَّ اسْتِلْزامَ ما قَبْلَها، وتَضَمُّنَهُ لَها بِالقُوَّةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المُتَّحِدِ مَعَهُ، فَيُتْرَكُ العَطْفُ، ومُغايَرَتُها لَهُ، وتَرَتُّبُها عَلَيْهِ تَرَتُّبَ النِّتاجِ والفَرْعِ عَلى أصْلِهِ يَقْتَضِي الِاقْتِرانَ بِالفاءِ، وهو الشّائِعُ المَعْرُوفُ، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، فَلا يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّجَوُّزِ، ويَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ، وأنْ
صفحة 170
امْتَنَعَ عادَةً كَما في قَوْلِهِ:
أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْ ∗∗∗ نَ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدْ
فَيُفْرَضُ هُنا حُصُولُ الصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى لِمَن وقَعَ في هاتِيكَ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُطْبِقَةِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ فَقْدُ الحَواسِّ مِمَّنْ وقَعَ في ظُلُماتٍ مُخَوِّفَةٍ هائِلَةٍ، إذْ رُبَّما يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى المَوْتِ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَها تَتِمَّتَهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا) بِالنَّصْبِ، فَإنَّ الأوْصافَ حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا (لِتَرَكَ)، (وفِي ظُلُماتٍ) مُتَعَلِّقًا بِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، (ولا يُبْصِرُونَ) حالًا أوْ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ (تَرَكَهُمْ) مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوْ لِواحِدٍ، أوْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أعْنِي أعْنِي، والقَوْلُ بِأنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (لا يُبْصِرُونَ) جَهْلٌ بِالحالِ، وقَرِيبٌ مِنهُ في الذَّمِّ مَن نَصَبَ عَلى الذَّمِّ، إذْ ذاكَ إنَّما يَحْسُنُ حَيْثُ يُذْكَرُ الِاسْمُ السّابِقُ، وأمّا جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ دُعائِيَّةً، وفِيها إشارَةٌ إلى ما يَقَعُ في الآخِرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ مَنِ ارْتِكابِ مِثْلِهِ، ونَعُوذُ بِهِ مِن عَمى قائِلِهِ وجَهْلِهِ، ومِثْلُهُ بَلْ أدْهى وأمَرُّ القَوْلُ بِأنَّ جُمْلَةَ (لا يَرْجِعُونَ) كَذَلِكَ، ومُتَعَلِّقُ (لا يَرْجِعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، أوْ عَنِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنِ اشَتَرَوْها، وقَدْ لا يُقَدَّرُ شَيْءٌ ويُتْرَكُ عَلى الإطْلاقِ.
والوَجْهانِ الأوَّلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ في التَّمْثِيلِ مُسْتَنْبَطٌ مِن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ إلَخْ، والأخِيرُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِن ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ إلَخْ، بِأنْ يُرادَ بِهِ أنَّهم غَبُّ الإضاءَةِ خَبَطُوا في ظُلْمَةٍ وتَوَرَّطُوا في حَيْرَةٍ، فالمُرادُ هُنا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا جامِدِينَ في مَكاناتِهِمْ، لا يَبْرَحُونَ، ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ، أمْ يَتَأخَّرُونَ، وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى حَيْثُ ابْتَدَؤُوا مِنهُ، والأعْمى لا يَنْظُرُ طَرِيقًا، وأبْكَمُ لا يَسْألُ عَنْها، وأصَمُّ لا يَسْمَعُ صَوْتًا، مِن صَوْبِ مَرْجِعِهِ فَيَهْتَدِي بِهِ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِما تَقَدَّمَ سَبَبٌ لِتَحَيُّرِهِمْ، واحْتِباسِهِمْ كَيْفَ ما كانُوا.
(ومِنَ البُطُونِ) صُمٌّ آذانُ أسْماعِ أرْواحِهِمْ عَنْ أصْواتِ الوَصْلَةِ وحَقائِقِ إلْهامِ القُرْبَةِ، بُكْمٌ عَنْ تَعْرِيفِ عِلَلِ بَواطِنِهِمْ عِنْدَ أطِبّاءِ القُلُوبِ عَجَبًا، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ أنْوارِ جَمالِ الحَقِّ في سِيماءِ أوْلِيائِهِ: وقالَ سَيِّدِي الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: صَمُّوا عَنْ فَهْمِ ما سَمِعُوا، وأبْكَمُوا عَنْ عِبارَةِ ما عَرَفُوا، وعَمُوا عَنِ البَصِيرَةِ فِيما إلَيْهِ دُعُوا.
البقرة 2:19
﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ شُرُوعٌ في تَمْثِيلٍ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ وبَيانٍ لِكُلِّ دَقِيقٍ مِنها، وجَلِيلٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ الَّذِينَ تَفَنَّنُوا فِيهِ، وتَفَيَّؤُوا ظِلالَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ طارُوا إلَيْهِ بِقُدّامَيِ النِّفاقِ وخَوافِيهِ، فَحَقِيقٌ أنْ تُضْرَبَ في بَيْداءِ بَيانِ أحْوالِهِمُ الوَخِيمَةِ خَيْمَةُ الأمْثالِ، وتُمَدُّ أطْنابُ الإطْنابِ في شَرْحِ أفْعالِهِمْ، لِيَكُونَ أفْعى لَهُمْ، ونَكالًا بَعْدَ نَكالٍ، وكُلُّ كَلامِ لَهُ حَظٌّ مِنَ البَلاغَةِ، وقِسْطٌ مِنَ الجَزالَةِ والبَراعَةِ، لا بُدَّ أنْ يُوَفّى فِيهِ حَقُّ كُلٍّ مِن مَقامَيِ الإطْنابِ والإيجازِ، فَماذا عَسى أنْ يُقالَ فِيما بَلَغَ الذُّرْوَةَ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ والإعْجازِ، ولَقَدْ نَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ في هَذا التَّمْثِيلِ تَفاصِيلَ جِناياتِهِمُ العَدِيمَةِ المَثِيلِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ ويَكُونُ النَّظْمُ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، فَيَظْهَرُ مَرْجِعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ فِيما بَعْدُ، وتَحْصُلُ المُلائَمَةُ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُشَبَّهِ، و(أوْ) عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَلَّدُ مِنهُ في الخَبَرِ الشَّكُّ والإبْهامُ، والتَّفْصِيلُ عَلى حَسَبِ اعْتِباراتِ المُتَكَلِّمِ، وفي الإنْشاءِ
صفحة 171
الإباحَةُ والتَّخْيِيرُ كَذَلِكَ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ، ولا الحَقِيقَةُ والمَجازُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها بِاعْتِبارِ الأصْلِ مَوْضُوعَةً لِلتَّساوِي في الشَّكِّ، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها، فَجاءَتْ لِلتَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، عَلى رَأْيٍ، إذِ المَعْنى مَثِّلْ بِأيِّ القِصَّتَيْنِ شِئْتَ فَهُما سَواءٌ في التَّمْثِيلِ، ولا بَأْسَ لَوْ مَثَّلْتَ بِهِما جَمِيعًا، وإنْ كانَ التَّشْبِيهُ الثّانِي أبْلَغَ لِدِلالَتِهِ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ، وشِدَّةِ الأمْرِ، وفَظاعَتِهِ، ولِذا أُخِّرَ لِيَتَدَرَّجَ مِنَ الأهْوَنِ إلى الأهْوَلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوْ) هُنا بِمَعْنى الواوِ، وما في الآيَتَيْنِ تَمْثِيلٌ واحِدٌ وقِيلَ: بِمَعْنى بَلْ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمِ اخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها لِلتَّفْصِيلِ، وكَأنَّ مَن نَظَرَ إلى حالِهِمْ مِنهم مَن يُشَبِّهُهُ بِحالِ المُسْتَوْقِدِ، ومِنهم مَن يُشَبِّهُهُ بِحالِ ذَوِي صَيِّبٍ، مُدَّعِيًا أنَّ الإباحَةَ وكَذا التَّخْيِيرُ لا يَكُونانِ إلّا في الأمْرِ، أوْ ما في مَعْناهُ، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلى مَن نَظَرَ في مَعْناهُ، وحَقَّقَ ما مَعْناهُ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ داخِلٌ في الشِّقِّ الثّانِي، عَلى أنَّ دَعْوى الِاخْتِصاصِ مِمّا لَمْ يُجْمِعْ عَلَيْهِ الخَواصُّ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ أكْثَرَ وُرُودِ (أوْ) لِلْإباحَةِ في التَّشْبِيهِ نَحْوَ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ والتَّقْدِيرُ نَحْوُ: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ والصَّيِّبُ في المَشْهُورِ المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ، إذا نَزَلَ وهو المَرْوِيُّ هُنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وغَيْرِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويُطْلَقُ عَلى السَّحابِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ:
حَتّى عَفاها صَيِّبٌ ودَقَّهُ دانِي النَّواحِي مُسْبِلٌ هاطِلُ
ووَزْنُهُ فَيْعِلٌ، بِكَسْرِ العَيْنِ، عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهو مِنَ الأوْزانِ المُخْتَصَّةِ بِالمُعْتَلِّ العَيْنِ إلّا ما شَذَّ مِن صَيْقِلٍ بِكَسْرِ القافِ عَلَمٌ لِامْرَأةٍ، والبَغْدادِيُّونَ يَفْتَحُونَ العَيْنَ، وهو قَوْلٌ تُسَدُّ الأُذُنُ عَنْهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ أصْلَهُ فَعِيلٌ كَطَوِيلٍ فَقُلِبَ، وهَلْ هو اسْمُ جِنْسٍ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى نازِلٍ، أوْ مُنَزَّلٍ، قَوْلانِ أشْهَرُهُما الأوَّلُ، وأكْثَرُ نَظائِرِهِ في الوَزْنِ مِنَ الثّانِي، وقُرِئَ (أوْ كَصائِبٍ)، وصَيِّبٌ أبْلَغُ مِنهُ، والتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ، والتَّعْظِيمِ، والسَّماءُ كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ ونَحْوِهِ، والمَعْرُوفَةُ عِنْدَ خَواصِّ أهْلِ الأرْضِ، والمَرْئِيَّةُ عِنْدَ عَوامِّهِمْ، وأصْلُها الواوُ مِنَ السُّمُوِّ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وقَدْ تُذَكَّرُ، كَما في قَوْلِهِ:
فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ
وتَلْحَقُها هاءُ التَّأْنِيثِ فَتَصِحُّ الواوُ حِينَئِذٍ كَما قالَهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّها بُنِيَتْ عَلَيْها الكَلِمَةُ، فَيُقالُ: سَماوَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى سَماواتٍ، وأسْمِيَةٍ، وسَمائِيٍّ، والكُلُّ كَما في البَحْرِ شاذٌّ، لِأنَّها اسْمُ جِنْسٍ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وجَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ خالٍ عَنْ شَرْطِ ما يُجْمَعُ بِهِما قِياسًا، وجَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ لَيْسَ مِمّا يَنْقاسُ في المُؤَنَّثِ، وعَلى فَعائِلَ لا يَنْقاسُ في فَعالٍ، والمُرادُ بِالسَّماءِ هُنا الأُفُقُ، والتَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ لا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، كَما يَنْساقُ لِبَعْضِ الأذْهانِ، فَيُفِيدُ أنَّ الغَمامَ آخِذٌ بِالآفاقِ كُلِّها، فَيُشْعِرُ بِقُوَّةِ المُصِيبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَمْهِيدِ الظُّلْمَةِ، ولِهَذا القَصْدِ ذَكَرَها، وعِنْدِي أنَّ الذِّكْرَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أيْضًا لِلتَّهْوِيلِ، والإشارَةِ إلى أنَّ ما يُؤْذِيهِمْ جاءَ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإيذاءِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ وكَثِيرًا ما نَجِدُ أنَّ المَرْءَ يَعْتَنِي بِحِفْظِ رَأْسِهِ أكْثَرَ مِمّا يَعْتَنِي بِحِفْظِ سائِرِ أطْرافِهِ، حَتّى أنَّ المُسْتَطِيعَ مِنَ النّاسِ يَتَّخِذُ طَيْلَسانًا لِذَلِكَ، والعِيانُ والوِجْدانُ أقْوى شاهِدٍ عَلى ما قُلْنا، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن أمْطارِ السَّماءِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ تُبْطِلُ ما قِيلَ: إنَّ المَطَرَ مِن أبْخِرَةٍ مُتَصاعِدَةٍ مِنَ السُّفْلِ، وهو مِن أبْخِرَةِ الجَهْلِ، إذْ لَيْسَ في الآيَةِ سِوى أنَّ المَطَرَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وهو غَيْرُ مُنافٍ لِما ذُكِرَ، كَيْفَ والمُشاهَدَةُ تَقْضِي بِهِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي مَن بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ أنَّهم شاهَدُوا وهم فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ سَحابًا
صفحة 172
يُمْطِرُ أسْفَلَهُمْ، وشاهَدُوا تاراتِ أبْخِرَةٍ تَتَصاعَدُ مِن نَحْوِ الجِبالِ، فَتَنْعَقِدُ سَحابًا، فَيُمْطِرُ، فَإيّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ لِبَرْقِ كَلامٍ خَلِبٍ، ولا تَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ، فالجَهْلُ مِنهُ أصْوَبُ، ثُمَّ حَمْلُ الصَّيِّبِ هُنا عَلى السَّحابِ، وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ بُعْدَ الغَمامِ، وكَذا حَمْلُ السَّماءِ عَلَيْهِ، ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ أيْ مَعَهُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ وإذا حَمَلْتَ في عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما هو الشّائِعُ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ، احْتِيجَ إلى حَمْلِ المُلابَسَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ عَلى مُطْلَقِ المُلابَسَةِ الشّامِلَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُجاوَرَةِ، وغَيْرِهِما، فَفِيهِ بِذَلِكَ المَعْنى ظُلُماتٌ ثُلاثٌ ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِهِ، وظُلْمَةُ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الَّتِي يَسْتَشْعِرُها الذَّوْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ وكَذا فِيهِ رَعْدٌ وبَرْقٌ لِأنَّهُما في مَنشَئِهِ، ومَحَلٌّ يَنْصَبُّ مِنهُ، وقِيلَ: فِيهِ، وهو كَما قالَ الشِّهابُ: وهْمٌ نَشَأ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالصَّيِّبِ السَّحابَ، فَأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ أظْهَرُ، والظُّلُماتُ حِينَئِذٍ ظُلْمَةُ السُّحْمَةِ والتَّطْبِيقِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُضِيءٌ، ولَمْ يُجْمَعِ الرَّعْدُ والبَرْقُ، وإنْ كانا قَدْ جُمِعا في لِسانِ العَرَبِ، وبِهِ تَزْدادُ المُبالَغَةُ وتَحْصُلُ المُطابَقَةُ مَعَ الظُّلُماتِ والصَّواعِقِ، لِأنَّهُما مَصْدَرانِ في الأصْلِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِما العَيْنانِ هُنا، كَما هو الظّاهِرُ، والأصْلُ في المَصْدَرِ أنْ لا يُجْمِعَ عَلى أنَّهُ لَوْ جُمِعا لَدَلَّ ظاهِرًا عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ، كَما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنَ الرَّعْدِ، والبَرْقِ نَوْعٌ واحِدٌ، وذَكَرَ الشِّهابُ مُدَّعِيًا أنَّهُ مِمّا لَمَعَتْ بِهِ بِوارِقُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ الخَواطِرِ نُكْتَةً سِرِّيَّةً في إفْرادِهِما هُنا، وهي أنَّ الرَّعْدَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وجَرَتْ بِهِ العادَةُ يَسُوقُ السَّحابَ مِن مَكانٍ لِآخَرَ، فَلَوْ تَعَدَّدَ لَمْ يَكُنِ السَّحابُ مُطْبِقًا، فَتَزُولُ شِدَّةُ ظُلْمَتِهِ، وكَذا البَرْقُ لَوْ كَثُرَ لَمَعانُهُ لَمْ تُطْبِقِ الظُّلْمَةُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ فَإفْرادُهُما مُتَعَيِّنٌ هُنا، وعِنْدِي وهو مِن أنْوارِ العِنايَةِ المُشْرِقَةِ عَلى آفاقِ الأسْرارِ أنَّ النُّورَ لَمّا لَمْ يُجْمَعْ في آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لِما تَقَدَّمَ، لَمْ يُجْمَعِ البَرْقُ، إذْ لَيْسَ هو بِالبَعِيدِ عَنْهُ، كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾ والرَّعْدُ مُصاحِبٌ لَهُ فانْعَكَسَتْ أشِعَّتُهُ عَلَيْهِ.
أوَما تَرى الجَلْدَ الحَقِيرَ مُقْبِلًا ∗∗∗ بِالثَّغْرِ لَمّا صارَ جارَ المُصْحَفِ
وارْتِفاعُ ظُلُماتٍ، إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى المَوْصُوفِ، أوْ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، وجَعْلُ الظَّرْفِ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ المُخَصَّصَةِ، وظُلُماتٍ فاعِلَهُ، لا يَخْلُو عَنْ ظُلْمَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، ولِلنّاسِ في الرَّعْدِ والبَرْقِ أقْوالٌ: والَّذِي عُوِّلَ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ صَوْتُ زَجْرِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ، والثّانِيَ لَمَعانُ مَخارِيقِهِ الَّتِي هي مِن نارٍ، والَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ اليابِسَةِ حَلَّلَتْ مِنها أجْزاءً نارِيَّةً يُخالِطُها أجْزاءٌ أرْضِيَّةٌ، فَيُرَكَّبُ مِنهُما دُخانٌ ويَخْتَلِطُ بِالبُخارِ، وهو الحادِثُ بِسَبَبِ الحَرارَةِ السَّماوِيَّةِ، إذا أثَّرَتْ في البَلَّةِ، ويَتَصاعَدانِ مَعًا إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ، ويَنْعَقِدُ ثَمَّةَ سَحابٌ، ويَحْتَقِنُ الدُّخانُ فِيهِ، ويَطْلُبُ الصُّعُودَ إنْ بَقِيَ عَلى طَبْعِهِ الحارِّ، والنُّزُولَ إنْ ثَقُلَ، وبَرُدَ، وكَيْفَ كانَ يُمَزِّقُ السَّحابَ بِعُنْفِهِ، فَيَحْدُثُ مِنهُ الرَّعْدُ، وقَدْ تَشْتَعِلُ مِنهُ لِشِدَّةِ حَرَكَتِهِ، ومُحاكَّتِهِ نارٌ لامِعَةٌ، وهي البَرْقُ إنْ لَطُفَتْ، والصّاعِقَةُ إنْ غَلُظَتْ، ورُبَّما كانَ البَرْقُ سَبَبًا لِلرَّعْدِ، فَإنَّ الدُّخانَ المُشْتَعِلَ يَنْطَفِئُ في السَّحابِ، فَيُسْمَعُ لِانْطِفائِهِ صَوْتٌ كَما إذا أطْفَأْنا النّارَ بَيْنَ أيْدِينا، والرَّعْدُ والبَرْقُ يَكُونانِ مَعًا، إلّا أنَّ البَرْقَ يُرى في الحالِ، لِأنَّ الإبْصارَ لا يَحْتاجُ إلّا إلى المُحاذاةِ مِن غَيْرِ حِجابٍ، والرَّعْدُ يُسْمَعُ بَعْدُ لِأنَّ السَّماعَ إنَّما يَحْصُلُ بِوُصُولِ تَمَوُّجِ الهَواءِ إلى القُوَّةِ السّامِعَةِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي زَمانًا، كَذا قالُوهُ، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في ذِهْنِكَ قُرْبُ هَذا، ولا تَدْرِي ماذا تَصْنَعُ بِما ورَدَ عَنْ حَضْرَةِ مَن أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا، بِلا رَعْدٍ ولا بَرْقٍ عَلى ظَهْرِ البُراقِ، وعُرِجَ إلى ذِي المَعارِجِ حَيْثُ لا زَمانَ ولا مَكانَ، فَرَجَعَ وهو أعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأنا بِحَوْلِ مَن عَزَّ حَوْلَهُ، وتَوْفِيقِ مَن غَمَرَنِي فَضْلُهُ أُوَفِّقُ لَكَ بِما يُزِيلُ الغَيْنَ عَنِ العَيْنِ ويُظْهِرُ سِرَّ جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَها سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 173
فَأقُولُ: قَدْ صَحَّ عِنْدَ أساطِينِ الحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ مِمّا شاهَدُوهُ في أرْصادِهِمُ الرُّوحانِيَّةِ في خَلَواتِهِمْ، ورِياضاتِهِمْ، وكَذا عِنْدَ سائِرِ المُتَألِّهِينَ الرَّبّانِيِّينَ مِن حُكَماءِ الإسْلامِ والفُرْسِ، وغَيْرِهِمْ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ جِسْمانِيٍّ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ ومُرَكَّباتِها رَبًّا هو نُورٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ، قائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُدَبِّرٌ لَهُ، حافِظٌ إيّاهُ، وهو المُنَمِّي، والغاذِي، والمُوَلِّدُ، في النَّباتِ، والحَيَوانِ، والإنْسانِ، لِامْتِناعِ صُدُورِ هَذِهِ الأفْعالِ المُخْتَلِفَةِ في النَّباتِ والحَيَوانِ عَنْ قُوَّةٍ بَسِيطَةٍ لا شُعُورَ لَها، وفِينا عَنْ أنْفُسِنا، وإلّا لَكانَ لَنا شُعُورٌ بِها، فَجَمِيعُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ الأرْبابِ، وإلى تِلْكَ الأرْبابِ، أشارَ صاحِبُ الرِّسالَةِ العُظْمى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: (وإنَّ «لِكُلِّ شَيْءٍ مَلَكًا)» حَتّى قالَ: «(إنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِنَ القَطَراتِ يَنْزِلُ مَعَها مَلَكٌ)،» وقالَ: «(أتانِي مَلَكُ الجِبالِ، ومَلَكُ البِحارِ)،» وحَكى أفْلاطُونُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ خَلَعَ الظُّلُماتِ النَّفْسانِيَّةَ، والتَّعَلُّقاتِ البَدَنِيَّةَ وشاهَدَها، وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ القُونَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ الفاتِحَةَ أنَّهُ ما ثَمَّ صُورَةٌ إلّا ولَها رُوحٌ، وأطالَ أهْلُ اللَّهِ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا فَلا بُعْدَ في أنْ يُقالَ: أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَلِكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ في بَيانِ الرَّعْدِ هو هَذا الرَّبُّ المُدَبِّرُ الحافِظُ، وبِزَجْرِهِ تَدْبِيرُهُ لَهُ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ، وقابِلِيَّتِهِ، وأرادَ بِصَوْتِ ذَلِكَ الزَّجْرِ ما يَحْدُثُ عِنْدَ الشَّقِّ بِالأبْخِرَةِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ، وأرادَ بِالمَخارِيقِ في بَيانِ البَرْقِ، وهي جَمْعُ مِخْراقٍ، وهو في الأصْلِ ثَوْبٌ يُلَفُّ، وتَضْرِبُ بِهِ الصِّبْيانُ بَعْضُهم بَعْضًا الآلَةَ الَّتِي يَحْصُلُ بِواسِطَتِها الشَّقُّ، ولا شَكَّ أنَّها كَما قَرَّرْنا مِن نارٍ أشْعَلَتْها شِدَّةُ الحَرَكَةِ والمُحاكَّةِ، فَظَهَرَتْ كَما تَرى، وحَيْثُ فَتَحْنا لَكَ هَذا البابَ، قَدَرْتَ عَلى تَأْوِيلِ كَثِيرٍ مِمّا ورَدَ مِن هَذا القَبِيلِ، حَتّى قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّعْدَ نُطْقُ المَلِكِ، والبَرْقَ ضَحِكُهُ، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِمّا يُضْحَكُ مِنهُ، ولَمْ أرَ أحَدًا وفَّقَ فَوُفِّقَ، وتَحَقَّقَ فَحَقَّقَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ، ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ﴾ الضَّمائِرُ عائِدَةٌ عَلى المَحْذُوفِ المَعْلُومِ، فِيما قَبْلُ، وكَثِيرًا ما يَلْتَفِتُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمُ الهائِلَةِ: فَماذا يَصْنَعُونَ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الشِّدَّةِ؟ فَقالَ: يَجْعَلُونَ إلَخْ، وجَوَّزُوا وُجُوهًا أُخَرَ كَكَوْنِها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُقَدَّرِ، وجُوِّزَ فِيها وفي (يَكادُ) كَوْنُها صِفَةَ صَيِّبٍ بِتَأْوِيلٍ، نَحْوِ: لا يُطِيقُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرٍ فِيهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أوِ اللّامُ نائِبَةٌ عَنْهُ، أيْ صَواعِقُهُ، والجَعْلُ في الأصْلِ الوَضْعُ، والأصابِعُ جَمْعُ إصْبَعٍ، وفِيهِ تِسْعُ لُغاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ أحْوالِ الهَمْزَةِ الثَّلاثِ في أحْوالِ الباءِ كَذَلِكَ، وحَكَوْا عاشِرَةً، وهي أُصْبُوعٌ بِضَمِّها، مَعَ واوٍ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وكَذا سائِرُ أسْمائِها، إلّا الإبْهامَ، فَبَعْضُ بَنِي أسَدٍ يَذْكُرُها، والتَّأْنِيثُ أجْوَدُ، وفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ في فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ، وكَمالِ حَيْرَتِهِمْ، كَما في الفَرائِدِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها نِسْبَةُ الجَعْلِ إلى كُلِّ الأصابِعِ، وهو مَنسُوبٌ إلى بَعْضِها، وهو الأنامِلُ، وثانِيها مِن حَيْثُ الإبْهامُ في الأصابِعِ، والمَعْهُودُ إدْخالُ السَّبّابَةِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ يُدْخِلُونَ أيَّ أُصْبُعٍ كانَتْ، ولا يَسْلُكُونَ المَسْلَكَ المَعْهُودَ، وثالِثُها في ذِكْرِ الجَعْلِ مَوْضِعَ الإدْخالِ، فَإنَّ جَعْلَ شَيْءٍ في شَيْءٍ أدَلُّ عَلى إحاطَةِ الثّانِي بِالأوَّلِ، مِن إدْخالِهِ فِيهِ، وهَلْ هَذا مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ لِتَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ، أوْ لِلتَّجَوُّزِ في الجَعْلِ، أوْ هو مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ، بِأنْ يُنْسَبَ الجَعْلُ لِلْأصابِعِ وهو لِلْأنامِلِ؟ فِيهِ خِلافٌ، والمَشْهُورُ هو الأوَّلُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وابْنُ مالِكٍ، وجَماعَةٌ عَلى الأخِيرِ ظَنًّا مِنهم أنَّ المُبالَغَةَ في الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِماعِ الصّاعِقَةِ، إنَّما يَكُونُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكْتَفُوا فِيها بِتَبادُرِ الذِّهْنِ إلى أنَّ الكُلَّ أُدْخِلَ في الأُذُنِ قَبْلَ النَّظَرِ لِلْقَرِينَةِ، وقِيلَ: لا مَجازَ هُنا أصْلًا، لِأنَّ نِسْبَةَ بَعْضِ الأفْعالِ إلى ذِي أجْزاءٍ تَنْقَسِمُ يَكْفِي فِيهِ تَلَبُّسُهُ بِبَعْضِ أجْزائِهِ، كَما يُقالُ: دَخَلْتُ البَلَدَ، وجِئْتُ لَيْلَةَ الخَمِيسِ
صفحة 174
ومَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ مَعَ أنَّ الدُّخُولَ والمَجِيءَ والمَسْحَ في بَعْضِ البَلَدِ، واللَّيْلَةِ، والمِندِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ مِثْلِ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ ظاهِرٌ، (ومِن) تَعْلِيلِيَّةٌ تُغْنِي غِناءَ اللّامِ في المَفْعُولِ لَهُ، وتَدْخُلُ عَلى الباعِثِ المُتَقَدِّمِ، والغَرَضِ المُتَأخِّرِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(يَجْعَلُونَ)، وتَعَلُّقُها بِالمَوْتِ بَعِيدٌ، أيْ يَجْعَلُونَ مِن أجْلِ الصَّواعِقِ، وهي جَمْعُ صاعِقَةٍ، ولا شُذُوذَ، والظّاهِرُ أنَّها في الأصْلِ صِفَةٌ مِنَ الصَّعْقِ، وهو الصُّراخُ وتاؤُها لِلتَّأْنِيثِ، إنْ قَدَّرْتَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ إنْ لَمْ تُقَدِّرْ، كَراوِيَةٍ، أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كَحَقِيقَةٍ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، والعاقِبَةِ، وهي اسْمٌ لِكُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ أوْ مُشاهَدٍ، والمَشْهُورُ أنَّها الرَّعْدُ الشَّدِيدُ مَعَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَهُ جِرْمٌ حَجَرِيٌّ أوْ حَدِيدِيٌّ، وسَدُّ الآذانِ، إنَّما يَنْفَعُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وقَدْ يُرادُ المَعْنى الثّانِي، ويَكُونُ في الكَلامِ إشارَةٌ إلى مُبالَغَةٍ أُخْرى في فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ، حَيْثُ يَظُنُّونَ ما لا يَنْفَعُ نافِعًا، وقَرَأ الحَسَنُ (مِنَ الصَّواقِعِ)، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، كَما في قَوْلِهِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ المُجْرِمِينَ أصابَهم ∗∗∗ صَواقِعُ لا بَلْ هُنَّ فَوْقَ الصَّواقِعِ
ولَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ عَلى الأصَحِّ، إذْ عَلامَتُهُ كَوْنُ أحَدِ البِناءَيْنِ فائِقًا لِلْآخَرِ بِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصْرِيفِ، والبِناءانِ هُنا مُسْتَوِيانِ في التَّصْرِيفِ، (وحَذَرَ المَوْتِ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ لِـ(يَجْعَلُونَ)، وإنْ كانَ مِنَ الصَّواعِقِ في المَعْنى مَفْعُولًا لَهُ، كانَ هُناكَ نَوْعانِ مَنصُوبٌ ومَجْرُورٌ، ولُزُومُ العَطْفِ في مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ خِلافًا لِمَن زَعْمَهُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ، مَعَ عِلَّتِهِ، كَما أنَّ مِنَ الصَّواعِقِ عِلَّةٌ لَهُ نَفْسِهِ، ووَرَدَ مَجِيءُ المَفْعُولِ لَهُ مَعْرِفَةً، وإنْ كانَ قَلِيلًا كَما في قَوْلِهِ:
وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما
وجَعْلُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ يَحْذَرُونَ حَذَرَ المَوْتِ بَعِيدٌ، وقَرَأ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: (حِذارَ)، وهو كَـ(حَذَرَ) شِدَّةُ الخَوْفِ، والمَوْتُ في المَشْهُورِ زَوالُ الحَياةِ عَمّا يَتَّصِفُ بِها بِالفِعْلِ، وإطْلاقُهُ عَلى العَدَمِ السّابِقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ مَجازٌ، ولا يَرُدُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ المَوْتَ﴾ إذِ الخَلْقُ فِيهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وتَعْيِينِ المِقْدارِ بِوَجْهٍ، وهو مِمّا يُوصَفُ بِهِ المَوْجُودُ والمَعْدُومُ، لِأنَّ العَدَمَ كالوُجُودِ، لَهُ مُدَّةٌ ومِقْدارٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِخَلْقِ المَوْتِ إحْداثُ أسْبابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العَدَمُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا، إلّا أنَّ إعْدامَ المَلَكاتِ مَخْلُوقَةٌ لِما فِيها مِن شائِبَةِ التَّحَقُّقِ بِمَعْنى أنَّ اسْتِعْدادَ المَوْضُوعِ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِها، وهو أمْرٌ وُجُودِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ تَعَلُّقُ الخَلْقِ، والإيجادِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، وصَحَّحَ مُحَقِّقُو أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ المَوْتَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَياةِ، ولِهَذا يَظْهَرُ كَما في الحَدِيثِ: (يَوْمَ تَتَجَسَّدُ المَعانِي، كَما قالَ أهْلُ اللَّهِ تَعالى، بِصُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ)، ويَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا إذْ يُذْبَحُ بِمُدْيَةِ الحَياةِ الَّتِي لا يَنْتَهِي أمَدُها، ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ المُحِيطَ، فَإحاطَتْهُ تَعالى بِهِمْ مَجازٌ تَشْبِيهًا لِحالِ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ الَّتِي لا يَفُوتُها المَقْدُورُ أصْلًا بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ، بِحَيْثُ لا يَفُوتُهُ، فَيَكُونُ في الإحاطَةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وإنْ شَبَّهَ حالَهُ تَعالى ولَهُ المَثَلُ الأعْلى مَعَهُمْ، بِحالِ المُحِيطِ مَعَ المُحاطِ، بِأنْ تُشَبَّهَ هَيْئَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ بِمِثْلِها، كانَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لا تَصَرُّفَ في مُفْرَداتِها، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِالعُمْدَةِ مِنها وقَدَّرَ الباقِيَ فافْهَمْ.
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ في مُحِيطٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُهْلِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أوْ عالِمٌ عِلْمَ مُجازاةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ وكُلُّ هَذا مِنَ الظّاهِرِ، ولِأهْلِ الشُّهُودِ كَلامٌ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ، ولا حالِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ مِن قِصَّةٍ واحِدَةٍ، وفِيها تَتْمِيمٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ التَّمْثِيلِ
صفحة 175
بِما تُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ، لِأنَّ الكافِرِينَ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وعُبِّرَ بِهِ إشْعارًا بِاسْتِحْقاقِ ذَوِي الصَّيِّبِ ذَلِكَ العَذابَ لِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ فَإنَّ التَّشْبِيهَ بِحَرْثِ قَوْمٍ كَذَلِكَ لا يَخْفى حُسْنُهُ، لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأبْلَغُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما صَنَعُوهُ مِن سَدِّ الآذانِ بِالأصابِعِ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، وقَدْ أحاطَ بِهِمُ الهَلاكُ، ولا يَدْفَعُ الحَذَرُ القَدَرَ، وماذا يَصْنَعُ مَعَ القَضاءِ تَدْبِيرُ البَشَرِ، وجُعِلَ الِاعْتِراضُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ، ولا مَحِيصَ لَهم عَنْ عَذابِ الدّارَيْنِ، ووَسَّطَ بَيْنَ أحْوالِ المُشَبَّهِ بِهِ، لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُشَبَّهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ،
البقرة 2:20
﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقالَ: يَكادُ إلَخْ، وفي البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِذَوِي المَحْذُوفَةِ فِيما تَقَدَّمَ، (ويَكادُ) مُضارِعُ (كادَ) مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وتَدُلُّ عَلى قُرْبِ وُقُوعِ الخَبَرِ، وأنَّهُ لَمْ يَقَعْ، والأوَّلُ لِوُجُودِ أسْبابِهِ، والثّانِي لِمانِعٍ، أوْ فَقْدِ شَرْطٍ عَلى ما تَقْضِي العادَةُ بِهِ، والمَشْهُورُ أنَّها إنْ نُفِيَتْ أُثْبِتَتْ، وإنْ أُثْبِتَتْ نَفَتْ وألْغَزُوا بِذَلِكَ، ولَمْ يَرْتَضِ هَذا أبُو حَيّانَ، وصَحَّحَ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ في أنَّ نَفْيَها نَفْيٌ وإثْباتَها إثْباتٌ، واللّامُ في البَرْقِ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، نَكِرَةٌ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى البَرْقِ الَّذِي مَعَ الصَّواعِقِ، أيْ بَرْقُها وهو كَما تَرى، وإسْنادُ الخَطْفِ وهو في الأصْلِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ أوِ الِاسْتِلابُ إلَيْهِ، مِن بابِ إسْنادِ الإحْراقِ إلى النّارِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا، والشّائِعُ في خَبَرِ كادَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا، غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، أمّا المُضارِعُ فَلِدِلالَتِهِ عَلى الحالِ المُناسِبِ لِلْقُرْبِ، حَتّى كَأنَّهُ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ وقَعَ، وأمّا أنَّهُ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِأنْ فَلِمُنافاتِها لِما قَصَدُوا، ونَحْوُ: وأُبْتُ إلى فَهْمٍ، وما كِدْتُ آيِبًا، وكادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، وقَدْ كادَ مِن طُولِ البِلى أنْ يُمَحِّصا، قَلِيلٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ (يَخْطِفُ) بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (يَخْتَطِفُ)، وعَنِ الحَسَنِ (يَخَطِّفُ) بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ، وأصْلُهُ يَخْتَطِفُ فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ، وعَنْ عاصِمٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ أيْضًا (يَخِطِّفُ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا، والأعْمَشِ (يِخِطِّفُ) بِكَسْرِ الثَّلاثَةِ، والتَّشْدِيدِ، وعَنْ زَيْدٍ (يُخَطِّفُ) بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الخاءِ، وكَسْرِ الطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وهو تَكْثِيرُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَسْرُ الطّاءِ في الماضِي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ.
﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّهم مُبْتَلَوْنَ بِاسْتِمْرارِ تَجَدُّدِ خَطْفِ الأبْصارِ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم مَشْغُولُونَ بِفِعْلِ ما يَحْتاجُ إلى الإبْصارِ ساعَةً فَساعَةً، وإلّا لَغَطَّوْها كَما سَدُّوا الآذانَ، فَسُئِلَ وقِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في حالَتَيْ ومِيضِ البَرْقِ وعَدَمِهِ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ كُلَّما أضاءَ لَهُمُ اغْتَنَمُوهُ، ومَشَوْا، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ تَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ، وكُلَّما في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وناصِبُها (ما) هو جَوابٌ مَعْنًى، و(ما) حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ أوِ اسْمٌ نَكِرَةٌ بِمَعْنى وقْتٍ، فالجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وجُعِلَتْ شَرْطًا لِما فِيها مِن مَعْناهُ، وهي لِتَقْدِيرِ ما بَعْدَها بِنَكِرَةٍ تُفِيدُ عُمُومًا بَدَلِيًّا، ولِهَذا أفادَتْ كُلَّما التَّكْرارَ، كَما صَرَّحَ بِهِ الأُصُولِيُّونَ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ، واللُّغَوِيِّينَ، واسْتِفادَةُ التَّكْرارِ مِن (إذا) وغَيْرِها مِن أدَواتِ الشَّرْطِ مِنَ القَرائِنِ الخارِجِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا وجَدْتُ أُوارَ الحُبِّ مِن كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ
وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّكْرارَ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ وغَيْرُهم في كُلَّما إنَّما جاءَ مِن عُمُومِ كُلٍّ، لا مِن وضْعِها، وهو مُخالِفٌ لِلْمَنقُولِ، والمَعْقُولِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هُنا في لازِمِ مَعْناها كِنايَةً أوْ مَجازًا، وهو الحِرْصُ والمَحَبَّةُ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ
صفحة 176
ولِذا قالَ مَعَ الإضاءَةِ كُلَّما، ومَعَ الإظْلامِ إذا، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ التَّكْرارَ مَتى فُهِمَ مِن كُلَّما هُنا لَزِمَ مِنهُ التَّكْرارُ في إذا، إذِ الأمْرُ دائِرٌ بَيْنَ إضاءَةِ البَرْقِ والإظْلامِ، ومَتّى وُجِدَ ذا فُقِدَ ذا، فَلَزِمَ مِن تَكْرارِ وُجُودِ ذا تَكْرارُ عَدَمِ ذا غَفْلَةً عَمّا أرادُوهُ مِن هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ والمَجازِيِّ، وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ كَما في قَوْلِهِ:
أعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّما ∗∗∗ أضاءَتْ لَكَ النّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا
والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ كُلَّما أضاءَ لَهم مَمْشًى مَشَوْا فِيهِ، وسَلَكُوهُ، وإمّا لازِمٌ، ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافانِ أيْ كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ ضَوْئِهِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إذْ لَيْسَ المَشْيُ في البَرْقِ، بَلْ في مَحَلِّهِ ومَوْضِعِ إشْراقِ ضَوْئِهِ، وكَوْنُ (فِي) لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى مَشَوْا لِأجْلِ الإضاءَةِ فِيهِ، يَتَوَقَّفُ فِيهِ مَن لَهُ ذَوْقٌ في العَرَبِيَّةِ، ويُؤَيِّدُ اللُّزُومَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ (ضاءَ) ثُلاثِيًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَلَ ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ مَضَوْا فِيهِ، ولِلْإشارَةِ إلى ضَعْفِ قُواهم لِمَزِيدِ خَوْفِهِمْ ودَهْشَتِهِمْ، لَمْ يَأْتِ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ، ولَمّا حَذَفَ مَفْعُولَ أضاءَ، وكانَتِ النَّكِرَةُ أصْلًا أشارَ إلى أنَّهم لِفَرْطِ الحَيْرَةِ كانُوا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ، ويَمْشُونَ كُلَّ مَمْشًى، ومَعْنى ﴿أظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ اخْتَفى عَنْهُمْ، والمَشْهُورُ اسْتِعْمالُ أظْلَمَ لازِمًا، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ وناهِيكَ بِهِ في التَّهْذِيبِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أوْصافِ الظُّلْمِ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وعَلى احْتِمالِ التَّعَدِّي هُنا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ قُطَيْبٍ والضَّحّاكِ (أُظْلِمَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ اتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى أنَّ المُطَّرِدَ بِناءُ المَجْهُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، أيْ إذا أظْلَمَ البَرْقُ بِسَبَبِ خَفائِهِ مُعايَنَةَ الطَّرِيقِ قامُوا، أيْ وقَفُوا عَنِ المَشْيِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الكَسادِ، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: مَشَتِ الحالُ، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، ولَمْ يَجْعَلُوها مَعْطُوفَةً عَلى الأقْرَبِ، ومِن تَتِمَّتِهِ لِخُرُوجِها عَنِ التَّمْثِيلِ، وعَدَمِ صَلاحِيَّتِها لِلْجَوابِ، وعَطْفُ ما لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى الجَوابِ لَيْسَ بِصَوابٍ، وجَوَّزَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إذْ لا بَأْسَ بِأنْ يُزادَ في الجَوابِ ما يُناسِبُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَخْلٌ فِيهِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ، إذا اقْتَضاهُ المَقامُ كَما في ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ الآيَةَ، وكَوْنُها اعْتِراضِيَّةً أوْ حالِيَّةً مِن ضَمِيرِ قامُوا، بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ، أوْ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الأُولى مَعَ تَخَلُّلِ الفَواصِلِ اللَّفْظِيَّةِ والمُقَدَّرَةِ فُضُولٌ عِنْدَ ذَوِي الفَضْلِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أتى بِها لِتَوْبِيخِ المُنافِقِينَ حَيْثُ لَمْ يَنْتَهُوا، لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ قَصِيفِ الرَّعْدِ ووَمِيضِهِ، وإعْدامِهِما قادِرٌ عَلى إذْهابِ سَمْعِهِمْ، وأبْصارِهِمْ، أفَلا يَرْجِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ مَحَلٌّ لِلتَّوْبِيخِ، إذْ لا يَصِحُّ عَطْفُ المُمَثَّلِ بِهِ، ومَفْعُولُ شاءَ هُنا مَحْذُوفٌ وكَثِيرًا ما يُحْذَفُ مَفْعُولُها إذا وقَعَتْ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، ولَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرَبًا، والمَعْنى ولَوْ أرادَ اللَّهُ إذْهابَ سَمْعِهِمْ بِقَصِيفِ الرَّعْدِ وأبْصارَهم بِوَمِيضِ البَرْقِ لَذَهَبَ، ولِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلى التَّقْيِيدِ مِن (يَجْعَلُونَ) (ويَكادُ) قَوِيَ دِلالَةُ السِّياقِ عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِنَ الغَرابَةِ، ولَكَ أنْ لا تُقَيِّدَ ذَلِكَ المَفْعُولَ، وتُقَيِّدَ الجَوابَ كَما صَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ لا تُقَيِّدَ أصْلًا، ويَكُونُ المَعْنى لَوْ أرادَ اللَّهُ إذْهابَ هاتِيكَ القُوى أذْهَبَها مِن غَيْرِ سَبَبٍ، فَلا يُغْنِيهِمْ ما صَنَعُوهُ، والمَشِيئَةُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ كالإرادَةِ سَواءٌ، وقِيلَ: أصْلُ المَشِيئَةِ إيجادُ الشَّيْءِ، وإصابَتُهُ وإنِ اسْتُعْمِلَ عُرْفًا في مَوْضِعِ الإرادَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (لَأذْهَبَ اللَّهُ بِأسْماعِهِمْ)، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى زِيادَةِ الباءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ أوْ عَلى أنَّ أذْهَبَ لازِمٌ بِمَعْنى ذَهَبَ، كَما قِيلَ بِنَحْوِهِ في ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ إذِ الجَمْعُ بَيْنَ أداتِي تَعْدِيَةٍ لا يَجُوزُ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ لَهُ مَفْعُولًا أيْ لَأذْهَبَهُمْ، فَيُهَوِّنُ الأمْرَ، وكَلِمَةُ (لَوْ) لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ ماضٍ هو الجَزاءُ، بِحُصُولِ أمْرٍ مَفْرُوضٍ، هو الشَّرْطُ لِما بَيْنَهُما مِنَ
صفحة 177
الدَّوَرانِ حَقِيقَةً، أوِ ادِّعاءً، ومِن قَضِيَّةٍ مَفْرُوضَةٍ الشَّرْطُ دِلالَتُها عَلى انْتِفائِهِ قَطْعًا، والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ، وأمّا دِلالَتُها عَلى انْتِفاءِ الجَزاءِ فَقَدْ قِيلَ وقِيلَ، والحَقُّ أنَّهُ إنْ كانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ قَدْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِهِ، فَهي دالَّةٌ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ مَدْلُولِها ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ العِلَّةِ لِانْتِفاءِ المَعْلُولِ، أمّا في الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ وقَوْلِكَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، فَظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُساقُ الكَلامُ لِتَعْلِيلِ انْتِفاءِ الجَزاءِ بِانْتِفاءِ الشَّرْطِ كَما في المِثالَيْنِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ في لَوْ، ولِذا قِيلَ: إنَّها لِامْتِناعِ الثّانِي لِامْتِناعِ الأوَّلِ، وقَدْ يُساقُ لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الثّانِي لِكَوْنِهِ ظاهِرًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ بِعَكْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ واللُّزُومُ في الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ، وفي الثّانِي ادِّعائِيٌّ، وكَذا انْتِفاءُ المَلْزُومَيْنِ، ولَيْسَ هَذا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الخارِجِيَّةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى سَبَبِيَّةِ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الثّانِي لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ زَعَمَ أنَّهُ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي، وأمّا في مادَّةِ الدَّوَرانِ الجُزْئِيِّ كَما في قَوْلِكَ: لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ، فَلِأنَّ الجَزاءَ المَنُوطَ بِالشَّرْطِ لَيْسَ وُجُودٌ أيْ ضَوْءٌ بَلْ وُجُودُ الضَّوْءِ الخاصِّ النّاشِئِ مِنَ الطُّلُوعِ، ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ بِانْتِفائِهِ، هَذا إذا بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ الدَّوَرانِ، وإنْ بُنِيَ عَلى عَدَمِهِ، فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ لَهُ، أوْ لا، فَإنِ اعْتُبِرَ فالدِّلالَةُ تابِعَةٌ لِحالِ ذَلِكَ المَدارِ، فَإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاءِ الأوَّلِ مُنافاةٌ تَعَيَّنَ الدِّلالَةُ، كَما إذا قُلْتَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ، فَإنَّ وُجُودَ الضَّوْءِ مُعَلَّقٌ في الحَقِيقَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ هو المَدارُ، ووُضِعَ عَدَمُ الطُّلُوعِ مَوْضِعَهُ لِكَوْنِهِ كاشِفًا عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ بِالقَمَرِ مَثَلًا.
ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الجَزاءَ مُنْتَفٍ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ لِاسْتِحالَةِ الضَّوْءِ القَمَرِيِّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةً تَعَيَّنَ عَدَمُ الدِّلالَةِ، كَحَدِيثِ: «(لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي ما حَلَّتْ لِي إنَّها لابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ)،» فَإنَّ المَدارَ المُعْتَبَرَ في ضِمْنِ الشَّرْطِ أعْنِي كَوْنَها ابْنَةَ الأخِ غَيْرُ مُنافٍ لِانْتِفائِهِ الَّذِي هو كَوْنُها رَبِيبَتَهُ، بَلْ مُجامِعٌ لَهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ مُجامَعَةُ أثَرَيْهِما، أعْنِي الحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن هَذا وهَذا، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ بَلْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ فَلا دِلالَةَ لَها عَلى ذَلِكَ أصْلًا، ومَساقُ الكَلامِ حِينَئِذٍ لِبَيانِ ثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى كُلِّ حالٍ بِتَعْلِيقِهِ بِما يُنافِيهِ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُقُوعِ ما لا يُنافِيهِ بِالأوْلى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ قَدْ نِيطَ بِما يُنافِيهِ إيذانًا بِأنَّهُ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ ثُبُوتُهُ مَعَ فَرْضِ انْتِفاءِ سَبَبِهِ، أوْ تَحَقُّقِ سَبَبِ انْتِفائِهِ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ لَوِ الوَصْلِيَّةِ، «(ونِعَمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ)،» إنْ حُمِلَ عَلى تَعْلِيقِ عَدَمِ العِصْيانِ في ضِمْنِ عَدَمِ الخَوْفِ بِمَدارٍ آخَرَ كالحَياءِ مِمّا يُجامِعُ الخَوْفَ كانَ مِن قَبِيلِ حَدِيثِ الرَّبِيبَةِ، وإنْ حُمِلَ عَلى بَيانِ اسْتِحالَةِ عِصْيانِهِ مُبالَغَةً كانَ مِن هَذا القَبِيلِ، والآيَةُ الكَرِيمَةُ وارِدَةٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ مُفِيدَةٌ لِفَظاعَةِ حالِهِمْ وهَوْلِ ما دَهَمَهُمْ، وأنَّهُ قَدْ بَلَغَ الأمْرُ إلى حَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِإزالَةِ قُواهم لَزالَتْ لِتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا، وقِيلَ: كَلِمَةُ لَوْ فِيها، لِرَبْطِ جَزائِها بِشَرْطِها مُجَرَّدَةً عَنِ الدِّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ أحَدِهِما لِانْتِفاءِ الآخَرِ بِمَنزِلَةِ أنْ، ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، وأظُنُّهُ قَدْ أصابَ الغَرَضَ، إلّا أنَّ كَلامَ مَوْلانا السّالِيكُوتِيِّ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ أنَّ (لَوْ) مَوْضُوعَةٌ لِمُجَرَّدِ تَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ في الماضِي بِحُصُولِ أمْرٍ آخَرَ فِيهِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ، أوِ الثّانِي، أوْ عَلى اسْتِمْرارِ الجَزاءِ
صفحة 178
بَلْ جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ خارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِها، مُسْتَفادَةٌ بِمَعُونَةِ القَرائِنِ كَيْلا يَلْزَمَ القَوْلُ بِالِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ مِن أنَّها لِلدِّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي مِن لَوازِمِ هَذا المَفْهُومِ، وكَوْنُهُ لازِمًا لا يَسْتَلْزِمُ الإرادَةَ في جَمِيعِ المَوارِدِ، فَإنَّ الدِّلالَةَ غَيْرُ الإرادَةِ، وذَكَرَ أنَّ ما قالُوهُ مِن أنَّها لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ في الماضِي بِحُصُولِ أمْرٍ آخَرَ فَرْضًا مَعَ القَطْعِ بِانْتِفائِهِ، فَيَلْزَمُ لِأجَلِ انْتِفائِهِ انْتِفاءُ ما عُلِّقَ بِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ انْتَفاءَ الثّانِي في الخارِجِ، إنَّما هو بِسَبَبِ انْتِفاءِ الأوَّلِ فِيهِ، مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلى كَوْنِ انْتِفاءِ الأوَّلِ مَأْخُوذًا في مَدْخُولِها، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ خِلافَ الأصْلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُسْتَفادَ مِنَ التَّعْلِيقِ عَلى أمْرٍ مَفْرُوضِ الحُصُولِ إبْداءُ المانِعِ مِن حُصُولِ المُعَلِّقِ في الماضِي، وأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ العَدَمِ الأصْلِيِّ إلى حَدِّ الوُجُودِ، وبَقِيَ عَلى حالِهِ لِارْتِباطِ وُجُودِهِ بِأمْرٍ مَعْدُومٍ، وأمّا أنَّ انْتِفاءَهُ سَبَبٌ لِانْتِفائِهِ في الخارِجِ فَكَلّا، كَيْفَ والشَّرْطُ النَّحْوِيُّ قَدْ يَكُونُ مُسَبَّبًا مُضافًا لِلْجَزاءِ، نَعَمْ أنَّ هَذا مُقْتَضى الشَّرْطِ الِاصْطِلاحِيِّ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى إفادَتِها السَّبَبِيَّةَ الخارِجِيَّةَ مِن قَوْلِ الحَماسِيِّ:
ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
لِأنَّ اسْتِثْناءَ المُقَدَّمِ لا يَنْتُجُ، فَفِيهِ أنَّ اللّازِمَ مِمّا ذُكِرَ أنْ لا تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ عَلى انْتِفاءِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ، لِإفادَةِ إبْداءِ المانِعَ مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي، كَيْفَ ولَوْ كانَ مَعْناها إفادَةَ سَبَبِيَّةِ الِانْتِفاءِ كانَ الِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدًا وإعادَةً، بِخِلافِ ما إذا كانَ مَعْناها مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ، فَإنَّهُ يَكُونُ إفادَةً وتَأْسِيسًا، وهَذا مُحَصَّلُ ما قالُوهُ، رَدًّا وقَبُولًا، وزُبْدَةُ ما ذَكَرُوهُ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، ومُعْظَمُ مُفْتِي أهْلِ العَرَبِيَّةِ أفْتَوْا بِما قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، ولا أُوجِبُ عَلَيْكَ التَّقْلِيدَ، فالأقْوالُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فاخْتَرْ مِنها ما تُرِيدُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلشَّرْطِيَّةِ، والتَّقْرِيرِ لِمَضْمُونِها النّاطِقِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إذْهابِ ما ذَكَرَ، لِأنَّ القادِرَ عَلى الكُلِّ قادِرٌ عَلى البَعْضِ، والشَّيْءُ لُغَةً ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويُخْبَرَ عَنْهُ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو شامِلٌ لِلْمَعْدُومِ والمَوْجُودِ، الواجِبِ والمُمْكِنِ، وتَخْتَلِفُ إطْلاقاتُهُ، ويُعْلَمُ المُرادُ مِنهُ بِالقَرائِنِ، فَيُطْلَقُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بِقَرِينَةِ إحاطَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالواجِبِ، والمُمْكِنِ، المَعْدُومِ والمَوْجُودِ، والمُحالِ المَلْحُوظِ، بِعُنْوانٍ ما، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ مُطْلَقًا كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَرِينَةِ القُدْرَةِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُمْكِنِ، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ الخارِجِيُّ المَوْجُودُ في الذِّهْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا مَشِيئًا فِعْلُهُ غَدًا، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ المَعْدُومُ الثّابِتُ في نَفْسِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بِقَرِينَةِ إرادَةِ التَّكْوِينِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالمَعْدُومِ، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المَوْجُودُ الخارِجِيُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أيْ مَوْجُودًا خارِجِيًّا لِامْتِناعِ أنْ يُرادَ نَفْيُ كَوْنِهِ شَيْئًا بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ الأعَمِّ الشّامِلِ لِلْمَعْدُومِ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهو في الأزَلِ شَيْءٌ، أيْ مَعْدُومٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإطْلاقُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ قَدْ قُرِّرَ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا لِصارِفٍ ولا صارِفَ، وشُيُوعُ اسْتِعْمالِهِ في المَوْجُودِ لا يَنْتَهِضُ صارِفًا إذْ ذاكَ، إنَّما هو لِكَوْنِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ في المُحاوَراتِ بِأحْوالِ المَوْجُوداتِ أكْثَرَ لا لِاخْتِصاصِهِ بِهِ لُغَةً، وما ذَكَرَهُ مَوْلانا البَيْضاوِيُّ مِنِ اخْتِصاصِهِ بِالمَوْجُودِ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ شاءَ، أُطْلِقَ بِمَعْنى شاءَ تارَةً، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ البارِيَ تَعالى، وبِمَعْنى مُشِيءٍ أُخْرى، أيْ مُشِيءٍ وُجُودَهُ، إلَخْ، فَفِيهِ مَعَ ما فِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ اسْتِعْمالُ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَعْنى الشّائِيِ
صفحة 179
لا يَشْمَلُ نَحْوَ الجَماداتِ عِنْدَهُ، وإذا كانَ بِمَعْنى المُشِيءِ وُجُودَهُ، لا يَشْمَلُ الواجِبَ تَعالى شَأْنُهُ، وفي اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ خِلافٌ، ولا خِلافَ في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى، وأمّا ما ذُكِرَ في شَرْحَيِ المَواقِفِ والمَقاصِدِ فَجَعْجَعَةٌ ولا أرى طَحْنًا، وقَعْقَعَةٌ ولا أرى سِلاحًا تَقِنًا، وقَدْ كَفانا مُؤْنَةَ الإطالَةَ في رَدِّهِ مَوْلانا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ، والنِّزاعُ في هَذا، وإنْ كانَ لَفْظِيًّا، والبَحْثُ فِيهِ مِن وظِيفَةِ أصْحابِ اللُّغَةِ، إلّا أنَّهُ يَبْتَنِي عَلى النِّزاعِ في أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ ثابِتٌ أوَّلًا، وهَذا بَحْثٌ طالَما تَحَيَّرَتْ فِيهِ أقْوامٌ، وزَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ.
والحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ العارِفُونَ الأوَّلُ، لِأنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ أيْ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ يُتَصَوَّرُ ويُرادُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، وكُلُّ ما هو كَذَلِكَ فَهو مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ فَرْضِ الذِّهْنِ، وكُلُّ ما هو كَذَلِكَ فَهو ثابِتٌ ومُتَقَرِّرٌ في خارِجِ أذْهانِنا مُنْفَكًّا عَنِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، فَما هو إلّا في نَفْسِ الأمْرِ، والمُرادُ بِهِ عِلْمُ الحَقِّ تَعالى بِاعْتِبارِ عَدَمِ مُغايَرَتِهِ لِلذّاتِ الأقْدَسِ، فَإنَّ لِعِلْمِ الحَقِّ تَعالى اعْتِبارَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ غَيْرًا، الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ عَيْنًا، ولا يُقالُ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ العِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ نِسْبَةٌ تَقْتَضِي مُتَمايِزَيْنِ، ولَوِ اعْتِبارًا، ولا تَمايُزَ عِنْدَ عَدَمِ المُغايَرَةِ، ويُقالُ ذَلِكَ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي لِلتَّمايُزِ النِّسْبِيِّ المُصَحِّحِ لِلتَّبَعِيَّةِ، والمَعْلُومُ الَّذِي يَتْبَعُهُ العِلْمُ هو ذاتُ الحَقِّ تَعالى بِجَمِيعِ شُئُونِهِ، ونِسَبِهِ، واعْتِباراتِهِ، ومِن هُنا قالُوا: عِلْمُهُ تَعالى بِالأشْياءِ أزَلًا عَيْنُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن نِسَبِ عِلْمِهِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ، فَإذا عَلِمَ الذّاتَ بِجَمِيعِ نِسَبِها فَقَدْ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِن عَيْنِ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الشَّرِيكُ مِن نِسَبِ العِلْمِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ إذْ لا ثُبُوتَ لَهُ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ فَرْضٍ، إذِ الثّابِتُ كَذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى لا شَرِيكَ لَهُ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي ابْتِداءً، ومَتى كانَ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالأشْياءِ أزَلِيًّا لَمْ تَكُنْ أعْدامًا صِرْفَةً، إذْ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ طَرَفًا، إذْ لا تَمايُزَ، فَإذا لَها تَحَقُّقٌ بِوَجْهٍ ما، فَهي أزَلِيَّةٌ بِأزَلِيَّةِ العِلْمِ، فَلِذا لَمْ تَكُنِ الماهِيّاتُ بِذَواتِها مَجْعُولَةً لِأنَّ الجَعْلَ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ، التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ، الثّابِتِ، فالثُّبُوتُ مُتَقَدِّمٌ عَلى الجَعْلِ بِمَراتِبَ، فَلا تَكُونُ مِن حَيْثُ الثُّبُوتُ أثَرًا لِلْجَعْلِ، وإلّا لَدارَ، وإنَّما هي مَجْعُولَةٌ في وُجُودِها لِأنَّ العالَمَ حادِثٌ، وكُلُّ حادِثٍ مَجْعُولٌ، ولَيْسَ الوُجُودُ حالًّا حَتّى لا تَتَعَلَّقَ بِهِ القُدْرَةُ، ويَلْزَمَ أنْ لا يَكُونَ البارِي تَعالى مُوجِدًا لِلْمُمْكِناتِ، ولا قادِرًا عَلَيْها، لِأنَّهُ قَدْ حُقِّقَ أنَّ الوُجُودَ بِمَعْنًى ما، بِانْضِمامِهِ إلى الماهِيّاتِ المُمْكِنَةِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارُها المُخْتَصَّةُ بِها مَوْجُودٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كُلَّ مَفْهُومٍ مُغايِرٌ لِلْوُجُودِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا بِأمْرٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ، وهو الوُجُودُ، فَهو مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ، لا بِأمْرٍ زائِدٍ، وإلّا لَتَسَلْسَلَ، وامْتِيازُهُ عَمّا عَداهُ بِأنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ زائِدًا عَلى ذاتِهِ، وأمّا ثانِيًا، فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ أصْلًا، لِأنَّ الماهِيَّةَ المُمْكِنَةَ قَبْلَ انْضِمامِ الوُجُودِ مُتَّصِفَةٌ بِالعَدَمِ الخارِجِيِّ، فَلَوْ كانَ الوُجُودُ مَعْدُومًا كانَ مِثْلَها مُحْتاجًا لِما تَحْتاجُهُ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الماهِيَّةِ بِضَمِّهِ آثارُها، لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَعْدُومًا لَيْسَ فِيهِ بَعْدَ العَدَمِ إلّا افْتِقارُهُ إلى الوُجُودِ، وهَذا بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ في الماهِيَّةِ قَبْلَ الضَّمِّ، فَلا يَحْدُثُ لَها بِالضَّمِّ وصْفٌ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ هَذا الوُجُودُ المُفْتَقِرُ مُفِيدًا لِتَرَتُّبِ الآثارِ لَكانَتِ الماهِيَّةُ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الوُجُودِ حالَ افْتِقارِها إلَيْهِ، واللّازِمُ باطِلٌ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الوُجُودُ مَوْجُودًا بِوُجُودٍ هو نَفْسُهُ، وإلّا لَتَسَلْسَلَ أوِ انْتَهى إلى وُجُودٍ مَوْجُودٍ بِنَفْسِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ والثّانِي قاضٍ بِالمَطْلُوبِ، نَعَمِ الوُجُودُ بِمَعْنى المَوْجُودِيَّةِ حالٌ، لِأنَّهُ صِفَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، لَيْسَتْ بِعَرَضٍ، ولا سَلْبٍ، ومَعَ هَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَعْلُ، لَكِنْ لا ابْتِداءَ، بَلْ بِضَمِّ حِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المَوْجُودِ إلى الماهِيَّةِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُ الماهِيَّةِ بِالمَوْجُودِيَّةِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالوُجُودِ بِمَعْنى المَوْجُودِيَّةِ ابْتِداءً أنْ لا تَتَعَلَّقَ بِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وإذا تَبَيَّنَ
صفحة 180
أنَّ الماهِيّاتِ مَجْعُولَةٌ في وُجُودِها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنَ حَقِيقَتِهِ، بِمَعْنى أنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ هو بِعَيْنِهِ ما صَدَقَ عَلَيْهِ وُجُودُهُ، ولَيْسَ لَهُما هُوِيَّتانِ مُتَمايِزَتانِ في الخارِجِ كالسَّوادِ والجِسْمِ، إذِ الوُجُودُ إنْ قامَ بِالماهِيَّةِ مَعْدُومَةً لَزِمَ التَّناقُضُ، ومَوْجُودَةً لَزِمَ وُجُودانِ مَعَ الدَّوْرِ، أوِ التَّسَلْسُلِ، والقَوْلُ بِأنَّ الوُجُودَ يَنْضَمُّ إلى الماهِيَّةِ مِن حَيْثُ هي لا تَحْقِيقَ فِيهِ، إذْ تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ أنَّ الماهِيَّةَ قَبْلَ عُرُوضِ الوُجُودِ مُتَّصِفَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ بِالعَدَمِ قَطْعًا، لِاسْتِحالَةِ خُلُوِّها عَنِ النَّقِيضَيْنِ فِيهِ، غايَةُ الأمْرِ أنّا إذا لَمْ نَعْتَبِرْ مَعَها العَدَمَ لا يُمْكِنُ أنْ نَحْكُمَ عَلَيْها بِأنَّها مَعْدُومَةٌ، وعَدَمُ اعْتِبارِنا العَدَمَ مَعَها حِينَ عُرُوضِ الوُجُودِ لا يَجْعَلُها مُنْفَكَّةً عَنْهُ في نَفْسِ الأمْرِ، وإنَّما يَجْعَلُها مُنْفَكَّةً عَنْهُ بِاعْتِبارِنا، وضَمُّ الوُجُودِ أمْرٌ يَحْصُلُ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِ الأمْرِ، لا مِن حَيْثُ اعْتِبارُنا، فَخُلُوُّها عَنِ العَدَمِ بِاعْتِبارِنا لا يُصَحِّحُ اتِّصافَها بِالوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي في نَفْسِ الأمْرِ سالِمًا عَنِ المَحْذُورِ، فَإذًا لَيْسَ هُناكَ هُوِيَّتانِ تَقُومُ إحْداهُما بِالأُخْرى، بَلْ عَيْنُ الشَّخْصِ في الخارِجِ عَيْنُ تَعَيُّنِ الماهِيَّةِ فِيهِ، وهو عَيْنُ الماهِيَّةِ فِيهِ أيْضًا، إذْ لَيْسَ التَّعَيُّنُ أمْرًا وُجُودِيًّا مُغايِرًا بِالذّاتِ لِلشَّخْصِ مُنْضَمًّا لِلْماهِيَّةِ في الخارِجِ مُمْتازًا عَنْهُما فِيهِ مُرَكَّبًا مِنها، ومِنَ الفَرْدِ، بَلْ لا وُجُودَ في الخارِجِ إلّا لِلْأشْخاصِ، وهي عَيْنُ تَعْيِيناتِ الماهِيَّةِ وعَيْنُ الماهِيَّةِ في الخارِجِ لِاتِّحادِهِما فِيهِ، وعَلى هَذا، فَلا شَكَّ في مَقْدُورِيَّةِ المُمْكِنِ إذْ جَعْلُهُ بِجَعْلِ حِصَّتِهِ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المَوْجُودِ في الخارِجِ مُقْتَرِنَةٌ بِأعْراضٍ وهَيْئاتٍ يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُ حِصَّتِهِ مِنَ الماهِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ، فَيَكُونُ شَخْصًا، وإيجادُ الشَّخْصِ مِنَ الماهِيَّةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ عَيْنُ إيجادِ الماهِيَّةِ، لِأنَّهُما مُتَّحِدانِ في الخارِجِ جَعْلًا ووُجُودًا، مُتَمايِزانِ في الذِّهْنِ فَقَطْ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِمُ: المَجْعُولُ هو الوُجُودُ الخاصُّ ولا يَسْتَعِدُّ مَعْدُومٌ لِعُرُوضِهِ إلّا إذا كانَ لَهُ ثُبُوتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، إذْ ما لا ثُبُوتَ لَهُ، وهو المَنفِيُّ لا اقْتِضاءَ فِيهِ لِعُرُوضِ الوُجُودِ بِوَجْهٍ، وإلّا لَكانَ المُحالُ مُمْكِنًا، واللّازِمُ باطِلٌ فالثُّبُوتُ الأزَلِيُّ لِماهِيَّةِ المُمْكِنِ هو المُصْطَلَحُ لِعُرُوضِ الإمْكانِ المُصَحِّحُ لِلْمَقْدُورِيَّةِ، لا أنَّهُ المانِعُ كَما تَوَهَّمُوهُ، هَذا والبَحْثُ طَوِيلٌ، والمَطْلَبُ جَلِيلٌ، وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ عَلى وجْهٍ رَدَدْنا فِيهِ كَلامَ المُعْتَرِضِينَ المُخالِفِينَ، لَمّا تَبِعْنا فِيهِ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ تَنْفَعُكَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فاحْفَظْها، فَلا أظُنُّكَ تَجِدُها في تَفْسِيرٍ، وحَيْثُ كانَ الشَّيْءُ عامًّا لُغَةً واصْطِلاحًا عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ أيْضًا، فَلا بُدَّ في مِثْلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلِ العَقْلِ بِالمُمْكِنِ.
والقُدْرَةُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ ذاتُ إضافَةٍ تَقْتَضِي التَّمَكُّنَ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والإبْقاءِ لا نَفْسَ التَّمَكُّنِ، لِأنَّهُ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ، ولا نَفْيَ العَجْزِ عَنْهُ تَعالى لِأنَّهُ مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، ولَعَلَّ مَنِ اخْتارَ ذَلِكَ اخْتارَهُ تَقْلِيلًا لِلصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، أوْ نَفْيًا لَها، والقادِرُ هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، ولِكَوْنِ المَشِيئَةِ عِنْدَنا صِفَةً مُرَجِّحَةً لِأحَدِ طَرَفَيِ المَقْدُورِ، وعِنْدَ الحُكَماءِ العِنايَةَ الأزَلِيَّةَ، ساغَ لَنا أنْ نُعَرِّفَهُ بِما ذُكِرَ دُونَهم خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، والقَدِيرُ هو الفَعّالُ لِما يَشاءُ عَلى قَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وقَلَّما يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى، والمُقْتَدِرُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ تَعالى فَمَعْناهُ القَدِيرُ أوْ في البَشَرِ فَمَعْناهُ المُتَكَلِّفُ والمُكْتَسِبُ لِلْقُدْرَةِ، واشْتِقاقُ القُدْرَةِ مِنَ القَدْرِ بِمَعْنى التَّحْدِيدِ، والتَّعْيِينِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُمْكِنَ الحادِثَ حالَ بَقائِهِ مَقْدُورٌ، لِأنَّهُ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِهِ مَقْدُورًا أنَّ الفاعِلَ إنْ شاءَ أعْدَمَهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يُعْدِمْهُ، واحْتِياجُ المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ إلى المُؤَثِّرِ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ مَن قالَ: إنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ ضَرُورَةَ أنَّ الإمْكانَ لازِمٌ لَهُ حالَ البَقاءِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ الحُدُوثُ وحْدَهُ، أوْ مَعَ الإمْكانِ قالَ بِاسْتِغْنائِهِ إذْ لا حُدُوثَ حِينَئِذٍ، وتَمَسَّكَ في ذَلِكَ بِبَقاءِ البِناءِ بَعْدَ فَناءِ البِناءِ، ولَمّا رَأى بَعْضُهم شَناعَةَ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ الجَواهِرَ لا تَخْلُو عَنِ الأعْراضِ، وهي لا تَبْقى زَمانَيْنِ، فَلا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ القادِرِ سُبْحانَهُ بِحالٍ، وهَذا مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الأشْعَرِيُّ
صفحة 181
ولِما فِيهِ مِن مُكابَرَةِ الحِسِّ ظاهِرًا أنْكَرَهُ أهْلُ الظّاهِرِ، نَعَمْ يُسَلِّمُهُ العارِفُونَ مِن أهْلِ الشُّهُودِ، وناهِيكَ بِهِمْ، حَتّى إنَّهم زادُوا عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: إنَّ الجَواهِرَ لا تَبْقى زَمانَيْنِ أيْضًا، والنّاسُ في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ، وأنا أُسَلِّمُ ما قالُوا، وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَقَيَّدُ بِشَأْنٍ، وقَدْ كانَ ولا شَيْءَ مَعَهُ، وهو الآنَ عَلى ما عَلَيْهِ كانَ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَشْبِيهُ حالِ المُنافِقِينَ في الشِّدَّةِ، ولِباسِ إيمانِهِمُ المُبَطَّنِ بِالكُفْرِ المُطَرَّزِ بِالخِداعِ حَذَرَ القَتْلِ بِحالِ ذَوِي مَطَرٍ شَدِيدٍ فِيهِ ما فِيهِ، يُرَقِّعُونَ خُرُوقَ آذانِهِمْ بِأصابِعِهِمْ حَذَرَ الهَلاكِ إلى آخِرِ ما عُلِمَ مِن أوْصافِهِمْ، ووَجْهُ الشَّبَهِ وُجْدانُ ما يَنْفَعُ ظاهِرُهُ، وفي باطِنِهِ بَلاءٌ عَظِيمٌ، وقِيلَ: شَبَّهَ سُبْحانَهُ المُنافِقِينَ بِأصْحابِ الصَّيِّبِ وإيمانَهُمُ المَشُوبَ بِصَيِّبٍ فِيهِ ما تَلى مِن حَيْثُ إنَّهُ وإنْ كانَ نافِعًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمّا وُجِدَ كَذا، عادَ نَفْعُهُ ضُرًّا، ونِفاقُهم حَذَرًا عَنِ النِّكايَةِ بِجَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ مِمّا دَها حَذَرَ المَوْتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَرُدُّ مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، وتَحَيُّرَهم لِشِدَّةِ ما عَنى، وجَهْلَهم بِما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ بِأنَّهم كُلَّما صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً انْتَهَزُوها فُرْصَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطِفَ أبْصارَهُمْ، فَخَطَوْا يَسِيرًا، ثُمَّ إذا خَفِيَ بَقُوا مُتَقَيِّدِينَ لا حِراكَ لَهُمْ، وقِيلَ: جَعَلَ الإسْلامَ الَّذِي هو سَبَبُ المَنافِعِ في الدّارَيْنِ كالصَّيِّبِ الَّذِي هو سَبَبُ المَنفَعَةِ، وما في الإسْلامِ مِنَ الشَّدائِدِ، والحُدُودِ بِمَنزِلَةِ الظُّلُماتِ والرَّعْدِ، وما فِيهِ مِنَ الغَنِيمَةِ والمَنافِعِ بِمَنزِلَةِ البَرْقِ، فَهم قَدْ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِن سَماعِ شَدائِدِهِ، وإذا لَمَعَ لَهم بَرْقُ غَنِيمَةٍ مَشَوْا فِيهِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ بِالشَّدائِدِ قامُوا مُتَحَيِّرِينَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وما تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ وتَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ، إذا لَمَعَتْ بَوارِقُ العِنايَةِ لَدَيْكَ، (ومِنَ البُطُونِ) تَشْبِيهُ مَن ذُكِرَ في التَّشْبِيهِ الأوَّلِ بِذَوِي صَيِّبٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ﴾ إلَخْ، إشارَةً إلى أنَّهم كُلَّما وجَدُوا مِن طاعَتِهِمْ حَلاوَةً وعَرَضًا عاجِلًا مَشَوْا فِيهِ، وإذا حُبِسَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الكَراماتِ تَرَكُوا الطّاعاتِ، وقالَ الحُسَيْنُ: إذا أضاءَ لَهم مُرادُهم مِنَ الدُّنْيا في الدِّينِ أكْثَرُوا مِن تَحْصِيلِهِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا مُتَحَيِّرِينَ،
البقرة 2:21
﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ، وقَسَّمَهم إلى مُؤْمِنِينَ، وكُفّارٍ، ومُذَبْذَبِينَ، وقالَ في الطّائِفَةِ الأُولى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، وفي الثّانِيَةِ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ، وفي الثّالِثَةِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ، وشَرَحَ ما تَرْجِعُ إلَيْهِ أحْوالُهم دُنْيا وأُخْرى، فَقالَ سُبْحانَهُ في الأُولى: ”أُولَئِكَ عَلى هُدى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هم المُفْلِحُونَ“ وفي الثّانِيَةِ: ”خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ولهِمَ عَذاب عَظِيم“ وفي الثّالِثَةِ: ”في قُلُوبِهِمْ مَرَض ولِهمَ عَذاب ألِيم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ“ أقْبَلَ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي، وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذِيذِ المُخاطَبَةِ، ويَكْفِي لِلنُّكْتَةِ الوُجُودُ في البَعْضِ، و(يا) حَرْفٌ لا اسْمُ فِعْلٍ عَلى الصَّحِيحِ، وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ، وقِيلَ: لِمُطْلَقِ النِّداءِ أوْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أقْسامِهِ، وعَلى الأوَّلِ يُنادى بِها القَرِيبُ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ، إمّا لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ المُنادِي، أوِ المُنادى، وقَدْ يُنْزِلُ غَفْلَةَ السّامِعِ وسُوءَ فَهْمِهِ مَنزِلَةَ بُعْدِهِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ المَدْعُوِّ لَهُ، والحَثِّ عَلَيْهِ، لِأنَّ نِداءَ البَعِيدِ وتَكْلِيفَهُ الحُضُورَ لَأمْرٌ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والحَثَّ، فاسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في الحَرْفِ، أوْ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وهو مَعَ المُنادى المَنصُوبِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا بِهِ لِنِيابَتِهِ عَنْ نَحْوِ نادَيْتُ الإنْشائِيِّ أوْ بِنادَيْتُ اللّازِمِ الإضْمارِ، لِظُهُورِ مَعْناهُ مَعَ قَصْدِ الإنْشاءِ، كَلامٌ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، كَما يَحْسُنُ في نَحْوِ لا ونَعَمْ، وأيْ لَها مَعانٍ شَهِيرَةٌ، والواقِعَةُ في النِّداءِ نَكِرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِبَعْضٍ مِن كُلٍّ، ثُمَّ تَعَرَّفَتْ بِالنِّداءِ، وتُوُصِّلَ بِها لِنِداءِ ما فِيهِ ألْ، (يا) لا يَدْخُلُ عَلَيْها في غَيْرِ اللَّهِ إلّا شُذُوذًا لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّعْرِيفِ، فَإنَّهُما كَمِثْلَيْنِ، وهُما لا يَجْتَمِعانِ إلّا فِيما شَذَّ مِن نَحْوِ:
فَلا واللَّهِ لا يَلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ
صفحة 182
وأُعْطِيَتْ حُكْمَ المُنادى، وجُعِلَ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ وصْفًا لَها، والتُزِمَ فِيهِ هَذِهِ الحَرَكَةُ الخاصَّةُ المُسَمّاةُ بِالضَّمَّةِ خِلافًا لِلْمازِنِيِّ، فَإنَّهُ أجازَ نَصْبَهُ، ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفٌ، ولا خَلَفٌ، لِمُخالَفَتِهِ لِلْمَسْمُوعِ، وإنَّما التَزَمَ ذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ، ولا يُنافِي هَذا كَوْنَ الوَصْفِ تابِعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَتْبُوعِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الوَضْعِ الأصْلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما يَجْعَلُهُ مَقْصُودًا في حَدِّ ذاتِهِ، كَكَوْنِهِ مُفَسِّرًا لِمُبْهَمٍ، ومِن هُنا لَمْ يَشْتَرِطُوا في هَذا الوَصْفِ الِاشْتِقاقَ مَعَ أنَّ النَّحْوِيِّينَ إلّا النَّذْرَ كابْنِ الحاجِبِ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ في النُّعُوتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، و(ها) التَّنْبِيهِيَّةُ زائِدَةٌ لازِمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْوِيضِ عَمّا تَسْتَحِقُّ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ ما في حُكْمِهِ مِنَ التَّنْوِينِ كَما في ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾ وإنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ هُنا مُضافًا أصْلًا، وكَثُرَ النِّداءُ في الكِتابِ المَجِيدِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ الَّذِي كَثِيرًا ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ بِتَكَرُّرِ الذِّكْرِ، والإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّأْكِيدِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ واجْتِماعِ التَّعْرِيفَيْنِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ وقَطَعَ الأخْفَشُ لِضَعْفِ نَظَرِهِ بِأنَّ أيًّا الواقِعَةَ في النِّداءِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها وُجُوبًا لِمُناسَبَةِ التَّخْفِيفِ لِلْمُنادى، وأُيِّدَ بِكَثْرَةِ وُقُوعِها في كَلامِهِمْ مَوْصُولَةً، ونُدْرَةِ وُقُوعِها مَوْصُوفَةً، واعْتَذَرَ عَنْ عَدَمِ نَصْبِها حِينَئِذٍ مَعَ أنَّها مُضارِعَةٌ لِلْمُضافِ بِأنَّهُ إذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها كانَ الأغْلَبُ فِيها البِناءُ عَلى الضَّمِّ، فَحَرْفُ النِّداءِ عَلى هَذا يَكُونُ داخِلًا عَلى مَبْنِيٍّ عَلى الضَّمِّ، ولَمْ يُغَيِّرْهُ، وإنْ كانَ مُضارِعًا لِلْمُضافِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الحَذْفِ، وصِدْقُ تَعْرِيفِ النَّعْتِ، والمُوافَقَةُ مَعَ هَذا، وأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْصُولَةٌ لَجازَ أنْ تُوصَلَ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ أوْ ظَرْفِيَّةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يَقْطَعُ المُنْصِفُ مَعَهُ بِأرْجَحِيَّةِ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، نَعَمْ أُورِدَ عَلَيْهِ إشْكالٌ اسْتَصْعَبَهُ بَعْضٌ مِن سَلَفَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وقالَ: إنَّهُ لا جَوابَ لَهُ، وهو أنَّ ما ادَّعَوْا كَوْنَهُ تابِعًا مُعْرَبٌ بِالرَّفْعِ، وكُلُّ حَرَكَةٍ إعْرابِيَّةٍ إنَّما تَحْدُثُ بِعامِلٍ، ولا عامِلَ يَقْتَضِي الرَّفْعَ هُناكَ، لِأنَّ مَتْبُوعَهُ مَبْنِيٌّ لَفْظًا، ومَنصُوبٌ مَحَلًّا، فَلا وجْهَ لِرَفْعِهِ، وأقُولُ: إنَّ هَذا مِنَ الأبْحاثِ الواقِعَةِ بَيْنَ أبِي نِزارٍ وابْنِ الشَّجَرِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ سُؤالٌ عَنْ ضَمَّةِ هَذا التّابِعِ، فَكَتَبَ أبُو نِزارٍ أنَّها ضَمَّةُ بِناءٍ، ولَيْسَتْ ضَمَّةَ إعْرابٍ، لِأنَّ ضَمَّةَ الإعْرابِ لا بُدَّ لَها مِن عامِلٍ يُوجِبُها، ولا عامِلَ هُنا يُوجِبُ هَذِهِ الضَّمَّةَ، وكَتَبَ الشَّيْخُ مَنصُورٌ مَوْهُوبُ بْنُ أحْمَدَ أنَّها ضَمَّةُ إعْرابٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ضَمَّةَ بِناءٍ، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنِ الصَّوابِ، وذَلِكَ لِأنَّ الواقِعَ عَلَيْهِ النِّداءُ أيُّ المَبْنِيُّ عَلى الضَّمِّ، لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الحَرْفِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدُ وإنْ كانَ مَقْصُودًا بِالنِّداءِ إلّا أنَّهُ صِفَةُ أيُّ، فَمُحالٌ أنْ يُبْنى أيْضًا، لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ رَفْعًا صَحِيحًا، ولِهَذا أجازَ فِيهِ المازِنِيُّ النَّصْبَ عَلى المَوْضِعِ كَما يَجُوزُ في يا زَيْدُ الظَّرِيفَ، وعِلَّةُ الرَّفْعِ أنَّهُ لَمّا اسْتَمَرَّ الضَّمُّ في كُلِّ مُنادًى مَعْرِفَةٍ أشْبَهَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ، فَأُجْرِيَتْ صِفَتُهُ عَلى اللَّفْظِ، فَرُفِعَتْ، وأجابَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ بِما أجابَ بِهِ الشَّيْخُ، وكَتَبَ أنَّها ضَمَّةُ إعْرابٍ، لِأنَّ ضَمَّةَ المُنادى المُفْرَدِ لَها بِاطِّرادِها مَنزِلَةٌ بَيْنَ مَنزِلَتَيْنِ، فَلَيْسَتْ كَضَمَّةِ حَيْثُ، لِأنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ لِعَدَمِ اطِّرادِ العِلَّةِ الَّتِي أوْجَبَتْها، ولا كَضَمَّةِ زَيْدٍ في نَحْوِ: خَرَجَ زَيْدٌ، لِأنَّها حَدَثَتْ بِعامِلٍ لَفْظِيٍّ، ولَمّا اطَّرَدَتِ الضَّمَّةُ في نَحْوِ: يا زَيْدُ، يا عَمْرُو، وكَذَلِكَ اطَّرَدَتْ في نَحْوِ: يا رَجُلُ، يا غُلامُ، إلى ما لا يُحْصى نَزَلَ الِاطِّرادُ فِيها مَنزِلَةَ العامِلِ المَعْنَوِيِّ الواقِعِ لِلْمُبْتَدَإ مِن حَيْثُ اطَّرَدَتِ الرِّفْعَةُ في كُلِّ اسْمٍ ابْتُدِئَ بِهِ مُجَرَّدًا عَنْ عامِلٍ لَفْظِيٍّ، وجِيءَ لَهُ بِخَبَرٍ، كَـعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، وزَيْدٌ ذاهِبٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ ضَمَّةُ المُنادى في مُعْظَمِ الأسْماءِ كَما اسْتَمَرَّتْ في الأسْماءِ المُعْرَبَةِ الضَّمَّةُ الحادِثَةُ عَنِ الِابْتِداءِ شَبَّهَتْها العَرَبُ بِضَمَّةِ المُبْتَدَإ، فَأتْبَعَتْها ضَمَّةَ الإعْرابِ في صِفَةِ المُنادى في نَحْوِ: يا زَيْدُ الطَّوِيلُ، وجَمَعَ بَيْنَهُما أيْضًا أنَّ الِاطِّرادَ مَعْنًى كَما أنَّ الِابْتِداءَ كَذَلِكَ، ومِن شَأْنِ العَرَبِ أنْ تَحْمِلَ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مَعَ حُصُولِ أدْنى مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، حَتّى أنَّهم قَدْ حَمَلُوا أشْياءَ عَلى نَقائِضِها، ألا تَرى أنَّهم أتْبَعُوا حَرَكَةَ الإعْرابِ حَرَكَةَ البِناءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدُ لُلَّهِ) بِضَمِّ اللّامِ، وكَذَلِكَ أتْبَعُوا حَرَكَةَ البِناءِ
صفحة 183
حَرَكَةَ الإعْرابِ في نَحْوِ: يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، في قَوْلِ مَن فَتَحَ الدّالَ مِن زَيْدٍ انْتَهى مُلَخَّصًا، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ في أمالِيهِ، وأكْثَرَ في الحَطِّ عَلى ابْنِ نِزارٍ، وبَيَّنَ ما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مُشافَهَةً، ولَوْلا مَزِيدُ الإطالَةِ لَذَكَرْتُهُ بِعُجَرِهِ وبُجَرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الوَهَنِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الحَقَّ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ ومُناسَبَةٍ لِضَمَّةِ المُنادى كَكَسْرِ المِيمِ مِن غُلامِي، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الإشْكالُ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الكَمالِ.
بَقِيَ الكَلامُ في اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى هَذا النَّعْتِ هَلْ هي لِلتَّعْرِيفِ أمْ لا؟ والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو المَشْهُورُ أنَّها لِلتَّعْرِيفِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ولَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أبُو نِزارٍ قالَ: إنَّها هُناكَ لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ في ثالِثٍ، واللّامُ فِيما نَحْنُ فِيهِ داخِلَةٌ في اسْمِ المُخاطَبِ، ثُمَّ قالَ: والصَّحِيحُ إنَّها دَخَلَتْ بَدَلًا مِن يا وأيُّ، وإنْ كانَ مُنادًى إلّا أنَّ نِداءَهُ لَفْظِيٌّ، والمُنادى عَلى الحَقِيقَةِ هو المَقْرُونُ بِألْ، ولَمّا قَصَدُوا تَأْكِيدَ التَّنْبِيهِ، وقَدَّرُوا تَكْرِيرَ حَرْفِ النِّداءِ، كَرِهُوا التَّكْرِيرَ، فَعَوَّضُوا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ ثانِيًا (ها) وثالِثًا (ألْ)، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ قائِلًا: إنَّ هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ بَلِ اللّامُ هُناكَ لِتَعْرِيفِ الحُضُورِ، كالتَّعْرِيفِ في قَوْلِكَ: جاءَ هَذا الرَّجُلُ مَثَلًا، ولَكِنَّها لَمّا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ المُخاطَبِ صارَ الحُكْمُ لِلْخِطابِ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُنا: يا أيُّها الرَّجُلُ مَعْناهُ: يا رَجُلُ، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ هو المُخاطَبُ في المَعْنى، غَلَبَ حُكْمُ الخِطابِ، فاكْتَفى بِاثْنَيْنِ لِأنَّ أسْماءَ الخِطابِ لا تَفْتَقِرُ في تَعْرِيفِها إلى حُضُورِ ثالِثٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: خَرَجْتُ يا هَذا، وانْطَلَقْتُ وأكْرَمْتُكَ، لا حاجَةَ بِهِ إلى ثالِثٍ، ولَيْسَ كُلُّ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ في ثالِثٍ، فَإنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ في أنا، خَرَجَتْ مُعَرَّفَةً إجْماعًا، ولا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُهُ عَلى حُضُورِ ثالِثٍ، وأيْضًا ما قُصَّ مِن حَدِيثِ التَّعْوِيضِ يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ أصْلُ يا أيُّها الرَّجُلُ مَثَلًا، (يا أيُّ يا يا رَجُلُ)، وأنَّهم عَوَّضُوا مِن يا الثّانِيَةِ ها، ومِنَ الثّالِثَةِ الألِفَ واللّامَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْلِ الجَماعَةِ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ يَمُجُّهُ السَّمْعُ ويُنْكِرُهُ الطَّبْعُ فَلْيُفْهَمْ.
(والنّاسُ) اسْمُ جَمْعٍ عَلى ما حَقَّقَهُ جَمْعٌ، والجُمُوعُ وأسْماؤُها المُحَلّاةُ بِالعُمُومِ حَيْثُ لا عَهْدٌ خارِجِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ الِاسْتِثْناءِ، والأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالُ، وهو يَقْتَضِي الدُّخُولَ يَقِينًا، ولا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالعُمُومِ، ونَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا إلّا رَأْسَهُ، وصُمْتُ رَمَضانَ إلّا عُشْرَهُ الأخِيرَ، عامٌّ تَأْوِيلًا، وكَذا التَّأْكِيدُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عُمُومٌ كانَ التَّأْكِيدُ تَأْسِيسًا، والِاتِّفاقُ عَلى خِلافِهِ، وشُيُوعُ اسْتِدْلالِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالعُمُومِ كَما في حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وهم أئِمَّةُ الهُدى، ثُمَّ هَذا الخِطابُ في نَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ، يُسَمّى بِالخِطابِ الشِّفاهِيِّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، قالُوا: ولَيْسَ عامًّا لِمَن بَعْدَ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ الوَحْيِ، أوْ لِمَن بَعْدَ الحاضِرِينَ مَهابِطَ الوَحْيِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ، وإنَّما يَثْبُتُ حُكْمُهُ لَهم بِدَلِيلٍ آخَرَ مِن نَصٍّ أوْ قِياسٍ أوْ إجْماعٍ، وأمّا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ فَلا، وقالَتِ الحَنابِلَةُ: بَلْ هو عامٌّ لِمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَدَلَّ الأوَّلُونَ بِأنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَعْدُومِينَ نَحْوُ يا أيُّها النّاسُ، قالَ العَضُدُ: وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ، وبِأنَّهُ امْتَنَعَ خِطابُ الصَّبِيِّ، والمَجْنُونُ بِنَحْوِهِ، وإذا لَمْ نُوَجِّهْهُ نَحْوَهم مَعَ وُجُودِهِمْ لِقُصُورِهِمْ عَنِ الخِطابِ فالمَعْدُومُ أجْدَرُ أنْ يُمْنَعَ، لِأنَّ تَناوُلَهُ أبْعَدُ، واسْتَدَلَّ الآخَرُونَ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ ﷺ مُخاطِبًا بِهِ لِمَن بَعْدَهُمْ، لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ، وبِأنَّهُ لَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يَحْتَجُّونَ عَلى أهْلِ الأعْصارِ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهو إجْماعٌ عَلى العُمُومِ لَهم.
وأُجِيبَ: أمّا عَنِ الأوَّلِ، فَبِأنَّ الرِّسالَةَ إنَّما تَسْتَدْعِي التَّبْلِيغَ في الجُمْلَةِ، وهو لا يَتَوَقَّفُ عَلى المُشافَهَةِ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ حُصُولُهُ لِلْبَعْضِ شِفاهًا، ولِلْبَعْضِ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ والأماراتِ، عَلى أنَّ حُكْمَهم حُكْمُ الَّذِينَ شافَهَهُمْ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَناوُلِهِ لَهُمْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ حُكْمَهُ ثابِتٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وفِي شَرْحِ العَلّامَةِ الثّانِي لِلشَّرْحِ العَضُدِيِّ، أنَّ القَوْلَ بِعُمُومِ الشِّفاهِيِّ وإنْ نُسِبَ إلى الحَنابِلَةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وقالَ بَعْضُ
صفحة 184
أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ المَشْهُورُ، حَتّى قالُوا: إنَّ الحَقَّ أنَّ العُمُومَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، وهو الأقْرَبُ، وقَوْلُ العَضُدِ: إنَّ إنْكارَهُ مُكابَرَةٌ حَقٌّ، لَوْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْدُومِينَ خاصَّةً، أمّا إذا كانَ لِلْمَوْجُودِينَ والمَعْدُومِينَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، فَلا، ومِثْلُهُ فَصِيحٌ شائِعٌ، وكُلُّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ ضَعِيفٌ انْتَهى، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ عَلى أنَّهُ عِنْدَهم عامٌّ، بِحاقِّ لَفْظِهِ ومَنطُوقِهِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن قَبِيلِ الخِطابِ العامِّ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا
هَذا، وعَلى كُلِّ حالٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ: يا أيُّها النّاسُ، مَكِّيٌّ، ويا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، مَدَنِيٌّ، إنَّ صَحَّ، ولَمْ يُؤَوَّلْ، لا يُوجِبُ تَخْصِيصَ هَذا العامِّ بِوَجْهٍ بِالكُفّارِ، بَلْ هم أيْضًا داخِلُونَ فِيهِ، ومَأْمُورُونَ بِأداءِ العِبادَةِ كالِاعْتِقادِ، والأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وكَوْنُ الإيمانِ أصْلَ العِباداتِ، ولَوْ وجَبَ بِوُجُوبِها انْقَلَبَ الأصْلُ تَبَعًا، مَرْدُودٌ بِأنَّ الأصالَةَ بِحَسَبِ الصِّحَّةِ لا تُنافِي التَّبَعِيَّةَ في الوُجُوبِ، عَلى أنَّهُ واجِبٌ اسْتِقْلالًا أيْضًا، والعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَ عَلى مَشايِخِ سَمَرْقَنْدَ ! وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ العِراقِيُّونَ، والشّافِعِيَّةُ، ويُؤَيِّدُهُ ظَواهِرُ الآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وذَهَبَ البُخارِيُّونَ إلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ في حَقِّ الِاعْتِقادِ فَقَطْ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَنُصَّ ظاهِرًا عَلى شَيْءٍ في المَسْألَةِ، لَكِنْ في كَلامِ صاحِبِهِ الثّانِي ما يَدُلُّ عَلَيْها، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ الإمامِ، لِأنَّهُ لا ثَمَرَةَ لِلْخِلافِ في الدُّنْيا، لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّهم ما دامُوا كُفّارًا يَمْتَنِعُ مِنهُمُ الإقْدامُ عَلَيْها، ولا يُؤْمَرُونَ بِها، وإذا أسْلَمُوا لَمْ يَجِبْ قَضاؤُها عَلَيْهِمْ، وإنَّما ثَمَرَتُهُ في الآخِرَةِ، وهو أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلى تَرْكِها، كَما يُعَذَّبُونَ عَلى تَرْكِ الإيمانِ عِنْدَ مَن قالَ بِوُجُوبِها عَلَيْهِمْ، وعَلى تَرْكِ الإيمانِ فَقَطْ عِنْدَ مَن لَمْ يَقُلْ، وهَذا في غَيْرِ العُقُوباتِ والمُعامَلاتِ، أمّا هي فَمُتَّفَقٌ عَلى خِطابِهِمْ بِها، والأمْرُ بِالعِبادَةِ هُنا لِلطَّوائِفِ الثَّلاثِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها الشّامِلُ لِإيجادِ أصْلِها، والزِّيادَةُ والثَّباتُ، (فاعْبُدُوا) يَدُلُّ عَلى طَلَبٍ في الحالِ لِعِبادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وهي مِنَ الكُفّارِ ابْتِداءً عِبادَةٌ، ومِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ زِيادَةٌ، ومِن آخَرِينَ مُواظَبَةٌ، ولَيْسَ الِابْتِداءُ والزِّيادَةُ والمُواظَبَةُ داخِلًا في المَفْهُومِ وضْعًا، فَلا مَحْذُورَ في شَيْءٍ أصْلًا خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، فَتَكَلَّفَ في دَفْعِهِ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ الرَّبَّ لِيُشِيرَ إلى أنَّ المُوجِبَ القَرِيبَ لِلْعِبادَةِ هي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ، وإنْ كانَتْ عِبادَةُ الكامِلِينَ لِذاتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أصْلًا، سِوى أنَّهُ هو هُوَ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ، ما أعْظَمَهُ، ومِن رَبٍّ ما أكْرَمَهُ.
﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ المَوْصُولُ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلرَّبِّ، وفِيها أيْضًا تَعْلِيلُ العِبادَةِ، أوِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى ما قِيلَ، فَإنْ كانَ الخِطابُ في (رَبِّكُمْ) شامِلًا لِلْفِرَقِ الثَّلاثِ، فَذاكَ، وإنْ خُصَّ بِالمُشْرِكِينَ، وأُرِيدَ بِالرَّبِّ ما تُعُورِفَ بَيْنَهم مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ مُقَيِّدَةً إنْ حُمِلَتِ الإضافَةُ عَلى الجِنْسِ، ومُوَضِّحَةً إنْ حُمِلَتْ عَلى العَهْدِ، ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ مادِحَةً لِأنَّ المُطْلَقَ يَتَبادَرُ مِنهُ رَبُّ الأرْبابِ، إلّا أنَّ جَعْلَها لِلتَّقْيِيدِ والتَّوْضِيحِ أظْهَرُ بِناءً عَلى ما كانُوا فِيهِ، وتَعْرِيضًا بِما كانُوا عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ الأصْلُ، فَلا يُتْرَكُ إلّا بِدَلِيلٍ، والخَلْقُ الِاخْتِراعُ بِلا مِثالٍ، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وعَلى الأوَّلِ لا يَتَّصِفُ بِهِ سِواهُ سُبْحانَهُ، وعَلى الثّانِي قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ، ومِنهُ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ وقَوْلُ زُهَيْرٍ:
ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
ومِنَ العَجَبِ أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيَّ أُسْتاذَ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ قالَ: إطْلاقُ الخالِقِ عَلَيْهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ
صفحة 185
يَسْتَدْعِي الفِكْرَ والحُسْبانَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى القائِلِ: ”هو الخالِقُ البارئ“ وبِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أقُولُ، والمَوْصُولُ الثّانِي عَطْفٌ عَلى المَنصُوبِ في (خَلَقَكُمْ)، وقَبْلُ، ظَرْفُ زَمانٍ بِكَثْرَةٍ، ومَكانٍ بِقِلَّةٍ، ويُتَجَوَّزُ بِها عَنِ التَّقَدُّمِ بِالشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، والخِطابُ إنْ شَمِلَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهُمْ، فالمُرادُ بِالَّذِينِ قَبْلَهم مَن تَقَدَّمَهم في الوُجُودِ، ومَن هو مَوْجُودٌ، وهو أعْلى مَنزِلَةً مِنهُمْ، وفي هَذا تَذْكِيرٌ لِكَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ، وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ أمْرِ العِبادَةِ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ التَّنْبِيهَ عَلى خَلْقِهِمْ، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا بِالزَّمانِ لِأنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أظْهَرُ، ولِأنَّهُمُ المُواجَهُونَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، فَتَنْبِيهُهم أوَّلًا عَلى أنْفُسِهِمْ آكَدُ، وأهَمُّ، وأتى بِالخَلْقِ صِلَةً والصِّلاتُ لا بُدَّ مِن كَوْنِها مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ عِنْدَ المُخاطَبِ، ولِذا يُعْرَفُ المَوْصُولُ عِنْدَهُ بِما فِيها مِنَ العَهْدِ، واشْتُرِطَتْ خَبَرِيَّتُها إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ في المُخاطَبِينَ مَن يُنْكِرُ كَوْنَ الخالِقِ هو اللَّهُ تَعالى، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ أوْ ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وانْفِهامُ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِناءً عَلى ما قالُوا، الإخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، والأوْصافُ قَبْلَ العِلْمِ بِها إخْبارٌ مِمّا قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وإنْ كانَ هُناكَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُهُ وخالِقُ مَن قَبْلَهُ احْتِيجَ إلى ادِّعاءِ التَّغْلِيبِ أوْ تَنْزِيلِ غَيْرِ العالِمِ مَنزِلَةَ العالِمِ، لِوُضُوحِ البَراهِينِ، فَتَخْرُجُ الجُمْلَةُ مَخْرَجَ المَعْلُومِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (وخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ) وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (والَّذِينَ مَن قَبْلَكُمْ) بِفَتْحِ المِيمِ، واسْتُشْكِلَ لِتَوالِي مَوْصُولَيْنِ، والصِّلَةُ واحِدَةٌ، وخُرِّجَتْ عَلى جَعْلِ (مَن) تَأْكِيدًا (لِلَّذِينِ)، فَلا يَحْتاجُ إلى صِلَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:
مَنِ النَّفَرُ اللّائِي الَّذِينَ إذا هم ∗∗∗ تَهابُ اللِّئامُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعُوا
واعْتُرِضَ بِأنَّ الحَرْفَ لا يُؤَكَّدُ بِدُونِ إعادَةِ ما اتَّصَلَ بِهِ، فالمَوْصُولُ أوْلى بِذَلِكَ، إذْ يَكادُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدُهُ كَتَأْكِيدِ بَعْضِ الِاسْمِ، فَمَن حِينَئِذٍ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، وهي خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُقَدَّرٍ، وما بَعْدَها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وهي مَعَ المُقَدَّرِ صِلَةُ المَوْصُولِ الأوَّلِ، ويَكُونُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَظِيرُ: فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ.
وتَخْرِيجُ البَيْتِ عَلى نَحْوِ هَذا وقِيلَ: (مَن)، زائِدَةٌ، وقَدْ أجازَ بَعْضُ النُّحاةِ زِيادَةَ الأسْماءِ، والكِسائِيُّ زِيادَةَ (مَنِ) المَوْصُولَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ:
وكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرِنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا
وبَعْضُهُمُ اسْتَشْكَلَ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ أيْضًا بِأنَّ الَّذِينَ أعْيانٌ، و﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾، ناقِصٌ لَيْسَ في الإخْبارِ بِهِ عَنْها فائِدَةٌ، فَكَذَلِكَ الوَصْلُ بِهِ إلّا عَلى تَأْوِيلٍ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ إذا وُصِفَ لَفْظًا، أوْ تَقْدِيرًا مَعَ القَرِينَةِ صَحَّ الإخْبارُ، والوَصْلُ بِهِ، تَقُولُ نَحْنُ في يَوْمٍ طَيِّبٍ، وما هُنا في تَقْدِيرِ: والَّذِينَ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكُمْ، وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ: والَّذِينَ خَلَقَهم مِن قَبْلِ خَلْقِكُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ الَّذِي هو صِلَةٌ، وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ فَتَدَبَّرْ، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ لَعَلَّ في المَشْهُورِ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّرَجِّي، وهو الطَّمَعُ في حُصُولِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ مُمْكِنِ الوُقُوعِ، والإشْفاقُ وهو تَوَقُّعُ مَخُوفٍ مُمْكِنٍ، والظّاهِرُ التَّقابُلُ، فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً، وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّها لِلتَّرَجِّي، وهو ارْتِقابُ شَيْءٍ لا وُثُوقَ بِحُصُولِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّمَعُ والإشْفاقُ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، إنَّها لِإنْشاءِ تَوَقُّعِ أمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ، إمّا مَحْبُوبٌ فَيُسَمّى رَجاءً، أوْ مَكْرُوهٌ فَيُسَمّى إشْفاقًا، وذَلِكَ قَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالفِعْلِ، إمّا مِن جِهَةِ المُتَكَلِّمِ وهو الشّائِعُ، لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ، وإمّا مِن جِهَةِ المُخاطَبِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُتَكَلِّمِ في التَّلَبُّسِ التّامِّ بِالكَلامِ الجارِي بَيْنَهُما، ومِنهُ ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ في نَفْسِهِ مَئِنَّةٌ لِلتَّوَقُّعِ مُتَّصِفٌ بِحَيْثِيَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَوَقُّعٌ بِالفِعْلِ مِن مُتَوَقِّعٍ أصْلًا، فَفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إنْ جَعَلْتَ الجُمْلَةَ حالًا
صفحة 186
مِن مَفْعُولِ (خَلَقَكُمْ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، لِأنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالعِبادَةِ امْتَنَعَ حَمْلُ لَعَلَّ عَلى حَقِيقَتِها لا بِالنَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ لِاسْتِحالَةِ التَّرَجِّي عَلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الفاعِلِ لِما يَشاءُ، ولا بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِينَ لِأنَّهم حِينَ الخَلْقِ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الرَّجاءُ مِنهُمْ؟! ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ المُقَدَّرَ حالَ الخَلْقِ التَّقْوى لا رَجاؤُها، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ بِأنْ يُشَبِّهَ طَلَبَ التَّقْوى مِنهم بَعْدَ اجْتِماعِ أسْبابِهِ ودَواعِيهِ بِالتَّرَجِّي في أنَّ مُتَعَلِّقَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ مَعَ رُجْحانِ ما بِجانِبِ الفِعْلِ، فَيَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ لَعَلَّ المَوْضُوعَ لَهُ فِيهِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً أوْ تُشَبُّهُ صُورَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِن حالِ خالِقِهِمْ بِالقِياسِ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ مَكَّنَهم عَلى التَّقْوى، وتَرَكَها مَعَ رُجْحانِها مِنهم بِحالِ المُرْتَجِي بِالقِياسِ إلى المُرْتَجى مِنهُ القادِرِ عَلى المُرْتَجى وتَرْكِهِ مَعَ رُجْحانِ وُجُودِهِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ ما هو العُمْدَةُ فِيهِ أعْنِي كَلِمَةَ لَعَلَّ، أوْ تُشَبَّهَ ذَواتُهم بِمَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى فَيُثْبِتُ لَهُ بَعْضَ لَوازِمِهِ أعْنِي الرَّجاءَ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، وجَعْلُ المُشَبَّهِ إرادَتَهُ تَعالى في الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ مُؤَسَّسَةٌ عَلى القاعِدَةِ القائِلَةِ بِجَوازِ تَخَلُّفِ المُرادِ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وبَعْضُهم قالَ بِالتَّرَجِّي هُنا إلّا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ، ولا مِنَ المُخاطَبِ، بَلْ مِن غَيْرِهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا وُلِدَ كُلُّ مَوْلُودٍ عَلى الفِطْرَةِ كانَ بِحَيْثُ إنَّ تَأمُّلَهُ مُتَأمَّلٌ تُوُقِّعَ مِنهُ رَجاءَ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وإنْ جُعِلَتْ حالًا مِن فاعِلِ (خَلَقَكُمُ) امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ أيْضًا، وتَعَيَّنَتْ بَعْضُ الوُجُوهِ، وإنْ جُعِلَتْ حالًا مِن ضَمِيرِ (اعْبُدُوا) جازَ إبْقاءُ التَّرَجِّي عَلى حَقِيقَتِهِ مَصْرُوفًا إلى المُخاطَبِينَ، أيْ راجِينَ التَّقْوى، والمُرادُ بِها حِينَئِذٍ مُنْتَهى دَرَجاتِ السّالِكِينَ، وهو طَرْحُ الهَوى، ونَبْذُ السِّوى، والفَوْزُ بِالمَحْبُوبِ الأعْلى، وفي ذَلِكَ غايَةُ المُبْتَغى، والعُرُوجُ فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقَدْ شاعَ ذَلِكَ عِنْدَ الأقْصى، والأدْنى، وبِذَلِكَ يَصِحُّ التَّرْغِيبُ ويَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ اللّائِقَ بِالبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ أنْ يُعْتَبَرَ مِن أوَّلِ الأمْرِ غايَةُ عِبادَتِهِمْ، وما هو لَذَّةٌ لَهم أعْنِي الثَّوابَ، لا ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وهو التَّقْوى، وإنْ كانَ مُفْضِيًا إلَيْهِ، ووَجْهُ الدَّفْعِ ظاهِرٌ، وما قالَهُ المَوْلى التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ تَقْيِيدَ العِبادَةِ بِتَرَجِّي التَّقْوى لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَعْنًى، إنَّما المُناسِبُ تَقْيِيدُها بِالتَّقْوى، أوِ اقْتِرانُها بِرَجاءِ ثَوابِها، يَدْفَعُهُ أنَّ في التَّرَجِّي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَفْتَرِقَ في عِبادَتِهِ، ويَكُونَ ذا خَوْفٍ ورَجاءٍ، نَعَمْ قالُوا: الحالُ قَيْدٌ لِعامِلِها، وهو هُنا الأمْرُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أعَمُّ مِنَ الوُجُوبِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ، اقْتَضى وُجُوبَ الرَّجاءِ المُقَيَّدِ بِهِ العِبادَةُ المَأْمُورُ بِها، ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ المُقَيِّدِ دُونَ القَيْدِ فِيهِ كَلامٌ في الأُصُولِ لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وما أوْرَدَ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ التَّوَسُّطُ بَيْنَ العَصا ولِحائِها، فَإنَّ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَوْصُولٌ بِرَبِّكم صِفَةٌ لَهُ، يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القَطْعَ يُهَوِّنُ الفَصْلَ، وإنْ كانَ هُناكَ اتِّصالٌ مَعْنَوِيٌّ، وإنْ جَعَلَ (الَّذِي جَعَلَ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ (لا تَجْعَلُوا) كادَ يَزُولُ الإشْكالُ، ويَرْتَفِعُ المَقالُ، ومَعَ هَذا لا شَكَّ في مَرْجُوحِيَّةِ هَذا الوَجْهِ، وإنْ أشْعَرَ كَلامُ مَوْلانا البَيْضاوِيِّ بِأرْجَحِيَّتِهِ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَعْنى في الآيَةِ عَلى التَّعْلِيلِ، إمّا لِأنَّ لَعَلَّ تَجِيءُ بِمَعْنى كَيْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ:
فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ
أوْ لِأنَّها لِلْأطْماعِ، فَيُكَنّى بِهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ عَنْ تَحَقُّقِ ما بَعْدَها عَلى عادَةِ الكُبَراءِ، ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ كُلِّ مُتَحَقِّقٍ
صفحة 187
كَتَحَقُّقِ العِلَّةِ، سَواءٌ كانَ مَعَهُ أطْماعٌ أمْ لا، عَلى ما قِيلَ، ولا يَرِدُ أنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ وهو فِعْلُهُ تَعالى مِمّا لَمْ يُجَوِّزْهُ أكْثَرُ الأشاعِرَةِ، حَيْثُ مَنَعُوا تَعْلِيلَ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ بِالأغْراضِ، لِئَلّا يَلْزَمَ اسْتِكْمالُهُ عَزَّ شَأْنُهُ بِالغَيْرِ، وهو مُحالٌ، لِأنّا نَقُولُ: الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الأصْلَحُ، ومَن أنْكَرَ تَعْلِيلَ بَعْضِ الأفْعالِ لا سِيَّما الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ كالحُدُودِ، فَقَدْ كادَ أنْ يُنْكِرَ النُّبُوَّةَ كَما قالَهُ مَوْلانا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ، والوُقُوفُ عَلى ذَلِكَ في كُلِّ مَحَلٍّ مِمّا لا يَلْزَمُ، عَلى أنَّ بَعْضَهم يَجْعَلُ الخِلافَ في المَسْألَةِ لَفْظِيًّا، لِأنَّ العِلَّةَ إنْ فُسِّرَتْ بِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ويَسْتَكْمِلُ بِهِ الفاعِلُ امْتَنَعَ ذَلِكَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، وإنْ فُسِّرَتْ بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْفِعْلِ ظاهِرًا مَعَ الغِنى الذّاتِيِّ فَلا شُبْهَةَ في وُقُوعِها ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جَهُولٌ أوْ مُعانِدٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في النَّظْمِ (تَعْبُدُونَ)، لِأجْلِ (اعْبُدُوا)، أوِ (اتَّقُوا) لِأجْلِ (تَتَّقُونَ)، لِيَتَجاوَبَ طَرَفاهُ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى صَنْعَةٍ بَدِيعَةٍ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، لِأنَّ التَّقْوى قُصارى أمْرِ العابِدِ، فَيَكُونُ الكَلامُ أبْعَثَ عَلى العِبادَةِ، وأشَدَّ إلْزامًا، كَذا قِيلَ، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وسَبَبُ حَذْفِ مَفْعُولِ (تَتَّقُونَ) مِمّا لا يَخْفى، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُقَدِّرُهُ الشِّرْكَ، والضَّحّاكُ النّارَ، وأظُنُّكَ لا تُقَدِّرُ شَيْئًا، ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ المُكَلَّفِينَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ الواجِدِ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصِّفَةَ آلَةٌ لِتَمْيِيزِ المَوْصُوفِ عَمّا عَداهُ، وأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، أشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ النَّظَرُ في صُنْعِهِ، ولَمّا كانَ التَّرْبِيَةُ والخَلْقُ اللَّذانِ نِيطَ بِهِما العِبادَةُ سابِقَيْنِ عَلى طَلَبِها، فُهِمَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ ثَوابًا حَيْثُ أُنْعِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ العِبادَةِ بِما لا يُحْصى، مِمّا لا تَفِي الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ بِشُكْرِهِ، ولا تُقاوِمُ عِبادَتُهُ عُشْرَ عُشْرِهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ واقِعٌ حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ مَن آمَنَ بِهِ ومَن كَفَرَ، بَعْدَ إخْبارِهِ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّهم عَنْ ضَلالَتِهِمْ لا يَرْجِعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فارْجِعْ إلَيْهِ،
البقرة 2:22
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ المَوْصُولُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتُ (رَبَّكُمْ)، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَقْطُوعٌ بِتَقْدِيرِ أخُصُّ أوْ أمْدَحُ، وكَوْنُهُ مَفْعُولَ (تَتَّقُونَ) كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، إعْرابٌ غَثٌّ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، وكَوْنُهُ نَعْتَ الأوَّلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّعْتَ لا يَنْعَتُ عِنْدَ الجُمْهُورِ إلّا في مِثْلِ يا أيُّها الفارِسُ ذُو الجُمَّةِ، وفِيهِ أيْضًا غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وإمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةٌ، (فَلا تَجْعَلُوا) والفاءُ قَدْ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ بِالماضِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ والِاسْمُ الظّاهِرُ يَقُومُ مَقامَ الرّابِطِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والإنْشاءُ يَقَعُ خَبَرًا بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ الأوْلى تَرْكُ ما أوْجَبَهُ، وأبْرَدُ مِن يَخِ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ: يَرْزُقُ، وجُعِلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ، وقِيلَ: بِمَعْنى أوْجِدْ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ، أيْ أوْجِدِ الأرْضَ حالَةَ كَوْنِها مُفْتَرَشَةً لَكُمْ، فَلا تَحْتاجُونَ لِلسَّعْيِ في جَعْلِها كَذَلِكَ، ومَعْنى تَصْيِيرِها فِراشًا أيْ كالفِراشِ، في صِحَّةِ القُعُودِ والنَّوْمِ عَلَيْها، أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا عَنِ الماءِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى طَبْعِها أنْ يَكُونَ الماءُ بِأعْلاها لِثِقَلِها، وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ، واللِّينِ، لِيَتَيَسَّرَ التَّمَكُّنَ عَلَيْها بِلا مَزِيدِ كُلْفَةٍ، فالتَّصَيُّرُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا كانَتْ قابِلَةً لِما عَدا ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ نُقِلَتْ مِنهُ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، فَدُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِها، ومُدَّتْ، فَأمْرُ التَّصْيِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، إلّا أنَّ كُلَّ النّاسِ غَيْرُ عالِمِينَ بِهِ، والصِّفَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخاطَبِ، والذَّهابُ إلى الطُّوفانِ، واعْتِبارُ التَّصْيِيرِ بِالقِياسِ إلَيْهِ مِنِ اضْطِرابِ أمْواجِ الجَهْلِ، ولا يُنافِي كَرَوِيَّتَها كَوْنُها فِراشًا، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها كالسَّطْحِ في افْتِراشِهِ كَما لا يَخْفى، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ هُنا (بِجَعَلَ)، وفِيما تَقَدَّمَ (بِخَلَقَ) لِاخْتِلافِ المَقامِ أوْ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ
صفحة 188
لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ، أوْ لِلتَّشْوِيقِ إلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ، لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضَلَ تَمَكُّنٍ، أوْ لِما في المُؤَخَّرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن نَوْعِ طُولٍ، فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ، واخْتارَ سُبْحانَهُ لَفَظَ السَّماءِ عَلى السَّماواتِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأرْضِ، ولَيْسَ في التَّصْرِيحِ بِتَعَدُّدِها هَنا كَثِيرُ نَفْعٍ، ومَعَ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها مَجْمُوعُ السَّماواتِ، وكُلُّ طَبَقَةٍ وجِهَةٍ مِنها، والبِناءُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَبْنِيِّ بَيْتًا كانَ، أوْ قُبَّةً، أوْ خِباءً، أوْ طَرَفًا، ومِنهُ بَنى بِأهْلِهِ أوْ عَلى أهْلِهِ، خِلافًا لِلْحَرِيرِيِّ، لِأنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا ضَرَبُوا خِباءً جَدِيدًا لِيَدْخُلُوا عَلى العَرُوسِ فِيهِ، والمُرادُ بِكَوْنِ السَّماءِ بِناءً أنَّها كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، أوْ أنَّها كالسَّقْفِ لِلْأرْضِ، ويُقالُ لِسَقْفِ البَيْتِ بِناءٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ حالَ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها، وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ وأظْهَرُ أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَهم ناسَبَ أنْ يُعْقِبَهُ بِذِكْرِ أوَّلِ ما يَحْتاجُونَهُ بَعْدَهُ، وهو المُسْتَقِرُّ، أوْ لِيَحْصُلَ العُرُوجُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، أوْ لِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، أوْ لِأنَّ الأرْضَ لِكَوْنِها مَسْكَنَ النَّبِيِّينَ ومِنها خُلِقُوا أفْضَلُ مِنَ السَّماءِ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَشْهُورٌ، وقَرَأ يَزِيدُ الشّامِيُّ (بِساطًا) وطَلْحَةُ (مِهادًا)، وهي نَظائِرُ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو لامَ (جَعَلَ) في لامِ (لَكُمْ)، ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (جَعَلَ)، و(مِنَ) الأُولى لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقَةٌ (بِأنْزَلَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّشْوِيقِ عَلى الأوَّلِ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِانْتِظامِ، مَعَ ما بَعْدُ، أوْ لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ، ومَبْدَؤُهُ، ولِتَتَأتّى الحالِيَّةُ عَلى الثّانِي، إذْ لَوْ قُدِّمَ المَفْعُولُ وهو نَكِرَةٌ صارَ الظَّرْفُ صِفَةً، وذُكِرَ في البَحْرِ، أنَّ (مِن) عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، أيْ مِن مِياهِ السَّماءِ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، أوِ السَّحابُ، وإرادَةُ الفَلَكِ المَخْصُوصِ بِناءً عَلى الظَّواهِرِ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، نَظَرًا إلى قُدْرَةِ المَلِكِ القادِرِ جَلَّ جَلالُهُ، وسَمَتْ عَنْ مَدارِكِ العَقْلِ أفْعالُهُ، إلّا أنَّ الشّائِعَ أنَّ الشَّمْسَ إذا سامَتَتْ بَعْضَ البِحارِ والبَرارِي، أثارَتْ مِنَ البِحارِ بُخارًا رَطْبًا، ومِنَ البَرارِي يابِسًا، فَإذا صَعِدَ البُخارُ إلى طَبَقَةِ الهَواءِ الثّالِثَةِ، تَكاثَفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَرْدُ قَوِيًّا اجْتَمَعَ وتَقاطَرَ لِثِقَلِهِ بِالتَّكاثُفِ، فالمُجْتَمِعُ سَحابٌ، والمُتَقاطِرٌ مَطَرٌ، وإنْ كانَ قَوِيًّا كانَ ثَلْجًا وبَرَدًا، وقَدْ لا يَنْعَقِدُ ويُسَمّى ضَبابًا.
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
وعَلى هَذا يُرادُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ نُشُؤُوهُ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، وتَأْثِيراتٍ أثِيرِيَّةٍ، فَهي مَبْدَأٌ مَجازِيٌّ لَهُ، عَلى أنَّ مَنِ انْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ سَحابُ الجَهْلِ، رَأى أنَّ كُلَّ ما في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ نازِلٌ مِن عَرْشِ الإرادَةِ، وسَماءِ القُدْرَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، بِواسِطَةٍ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ بَلْ مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في السَّماءِ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ، وبِالوَصْفِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ تَعالى صَحَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ ما في العالَمِينَ مِن تِلْكَ السَّماءِ، ونِسْبَةُ نُزُولِهِ إلى غَيْرِها أحْيانًا لِاعْتِباراتٍ ظاهِرَةٍ، وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، والماءُ مَعْرُوفٌ وعَرَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ جَوْهَرٌ سَيّالٌ بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، وهَمْزَتُهُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَيْهٌ، ومِياهٌ، وأمْواهٌ، وتَنْوِينُهُ لِلْبَعْضِيَّةِ، وخَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ لِكَثْرَةِ مَنفَعَتِهِ، ومَزِيدِ بَرَكَتِهِ، (ومِنِ) الثّانِيَةُ، إمّا لِلتَّبْعِيضِ، إذْ كَمْ مِن ثَمَرَةٍ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ، (فَرِزْقًا) حِينَئِذٍ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِـأخْرَجَ)، (ولَكُمْ) ظَرْفُ لَغْوٍ، مَفْعُولٌ بِهِ
صفحة 189
(لِرِزْقٍ) أيْ أخْرَجَ شَيْئًا مِنَ الثَّمَراتِ أيْ بَعْضِها، لِأجْلِ أنَّهُ رَزَقَكُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الثَّمَراتِ مَفْعُولَ (أخْرَجَ)، (ورِزْقًا) بِمَعْنى مَرْزُوقًا حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نُصِبا عَلى المَصْدَرِ لِأخْرَجَ، وإمّا لِلتَّبْيِينِ، فَرِزْقٌ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ مَفْعُولٌ (لِـأخْرَجَ)، (ولَكُمْ) صِفَتُهُ، وقَدْ كانَ مِنَ الثَّمَراتِ صِفَتَهُ أيْضًا، إلّا أنَّهُ لَمّا قُدِّمَ صارَ حالًا عَلى القاعِدَةِ في أمْثالِهِ، وفي تَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ خِلافٌ، فَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والكَثِيرُونَ، ومَنَعَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونِ وغَيْرُهُ، واحْتِمالُ جَعْلِها ابْتِدائِيَّةً بِتَقْدِيرِ: مِن ذِكْرِ الثَّمَراتِ، أوْ تَفْسِيرُ الثَّمَراتِ بِالبَذْرِ تَعَسُّفٌ لا ثَمَرَةَ فِيهِ، وألْ في الثَّمَراتِ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ، وجَعَلَها لَهُ، (ومِن) زائِدَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ زِيادَةَ (مِن) في الإيجابِ، وقَبْلَ مَعْرِفَةٍ مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الأخْفَشُ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الثَّمَراتِ الَّتِي أُخْرِجَتْ رِزْقًا لَنا، وكَمْ شَجَرَةٍ أثْمَرَتْ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رِزْقًا، وأتى بِجَمْعِ القِلَّةِ مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ الكَثْرَةِ، فَكانَ المُناسِبُ لِذَلِكَ مِنَ الثِّمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما بَرَزَ في رِياضِ الوُجُودِ بِفَيْضِ مِياهِ الجُودِ كالقَلِيلِ، بَلْ أقَلُّ بِقَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ لِثِمارِ الجَنَّةِ، ولِما ادُّخِرَ في مَمالِكِ الغَيْبِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أجْناسَها مِن حَيْثُ إنَّ بَعْضَها يُؤْكَلُ كُلُّهُ وبَعْضَها ظاهِرُهُ فَقَطْ، وبَعْضَها باطِنُهُ فَقَطِ، المُشِيرُ ذَلِكَ إلى ما يُشِيرُ قَلِيلَةٌ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الكَثْرَةِ، وما ذَكَرَ الإمامُ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ ساغَ هَذا الجَمْعُ هُنا، لِأنَّهُ أرادَ بِالثَّمَراتِ جَمْعَ ثَمَرَةٍ، أُرِيدَ بِها الكَثْرَةُ كالثِّمارِ مِثْلِها في قَوْلِكَ: أدْرَكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِكَ، ولَيْسَتِ التّاءُ لِلْوَحْدَةِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلْ لِلْوَحْدَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْقَعِ (مِنَ الثَّمَرَةِ) أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ﴾ و﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أوْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُحَلّاةً بِاللّامِ، خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ، لا يَخْلُو صَفاؤُهُ عَنْ كَدَرٍ، كَما يُسْفِرُ عَنْهُ كَلامُ الشِّهابِ، وإذا قِيلَ: بِأنَّ جَمْعَ السَّلامَةِ المُؤَنَّثَ والمُذَكَّرَ مَوْضُوعٌ لِلْكَثْرَةِ، أوْ مُشْتَرَكٌ والمَقامُ يُخَصِّصُهُ بِها، انْدَفَعَ السُّؤالُ وارْتَفَعَ المَقالُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مِنَ النّاسِ إلّا قَلِيلٌ، والباءُ مِن (بِهِ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ أنَّها سَبَبِيَّةٌ عادِيَّةٌ في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ، فَلا تَأْثِيرَ لِلْماءِ عِنْدَهم أصْلًا في الإخْراجِ، بَلْ ولا في غَيْرِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ هو اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، لِحَدِيثِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ قالُوا: ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ قُوَّةَ الرَّيِّ في الماءِ مَثَلًا فَهو فاسِقٌ، وفي كُفْرِهِ قَوْلانِ، وجُمِعَ عَلى كُفْرِهِ كَمَن قالَ: إنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ فَيَجِبُ عِنْدَهم أنْ يَعْتَقِدَ المُكَلَّفُ أنَّ الرَّيَّ جاءَ مِن جانِبِ المَبْدَإ الفَيّاضِ بِلا واسِطَةٍ، وصادَفَ مَجِيئُهُ شُرْبَ الماءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ دَخْلٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُوافَقَةِ الصُّورِيَّةِ، والفَقِيرُ لا أقُولُ بِذَلِكَ، ولَكِنِّي أقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَبَطَ الأسْبابَ بِمُسَبَّباتِها شَرْعًا، وقَدَرًا، وجَعَلَ الأسْبابَ مَحَلَّ حِكْمَتِهِ في أمْرِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ، وأمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ، ومَحَلَّ مُلْكِهِ وتَصَرُّفِهِ، فَإنْكارُ الأسْبابِ والقُوى جَحْدٌ لِلضَّرُورِيّاتِ، وقَدْحٌ في العُقُولِ والفِطَرِ، ومُكابَرَةٌ لِلْحِسِّ، وجَحْدٌ لِلشَّرْعِ والجَزاءِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مَصالِحَ العِبادِ في مَعاشِهِمْ، ومَعادِهِمْ، والثَّوابِ، والعِقابِ، والحُدُودِ، والكَفّاراتِ، والأوامِرِ، والنَّواهِي، والحِلِّ، والحُرْمَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِالأسْبابِ، قائِمًا بِها، بَلِ العَبْدُ نَفْسُهُ وصِفاتُهُ، وأفْعالُهُ، سَبَبٌ لِما يَصْدُرُ عَنْهُ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن إثْباتِ الأسْبابِ، ولَوْ تَتَبَّعْنا ما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لَزادَ عَلى عَشَرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ حَقِيقَةً، لا مُبالَغَةً، ويالِلَّهِ تَعالى العَجَبُ، إذا كانَ اللَّهُ خالِقَ السَّبَبِ، والمُسَبَّبِ، وهو الَّذِي جَعَلَ هَذا سَبَبًا لِهَذا، والأسْبابُ والمُسَبَّباتُ طَوْعُ مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ مُنْقادَةٌ، فَأيُّ قَدْحٍ يُوجِبُ
صفحة 190
ذَلِكَ في التَّوْحِيدِ، وأيُّ شِرْكٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؟ ! نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى مِمّا يَقُولُونَ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ مَعَ غِناهُ عَنْها، كَما صَحَّ أنْ يَفْعَلَ عِنْدَها لا بِها، وحَدِيثُ الِاسْتِكْمالِ يَرُدُّهُ أنَّ الِاسْتِكْمالَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ تَوَقَّفَ الفِعْلُ عَلى ذَلِكَ السَّبَبِ حَقِيقَةً، واللّازِمُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالأسْبابُ مُؤَثِّرَةٌ بِقُوى أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها، ولَكِنْ بِإذْنِهِ، وإذا لَمْ يَأْذَنْ وحالَ بَيْنَها وبَيْنَ التَّأْثِيرِ لَمْ تُؤَثِّرْ، كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأسْبابِ قُوًى أوْدَعَها العَزِيزُ الحَكِيمُ لَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ إذْ ما الفائِدَةُ في القَوْلِ، وهي لَيْسَ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ، وإنَّما الإحْراقُ مِنهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرُوا لَكانَ لِلنّارِ أنْ تَقُولَ: إلَهِي، ما أوْدَعَتَنِي شَيْئًا ولا مَنَحْتَنِي قُوَّةً، وما أنا إلّا كَيَدٍ شَلّاءَ صَحِبَتْها يَدٌ صَحِيحَةٌ تَعْمَلُ الأعْمالَ، وتَصُولُ وتَجُولُ في مَيْدانِ الأفْعالِ، أفَيُقالُ لِلْيَدِ الشَّلّاءِ لا تَفْعَلِي، وفي ذَلِكَ المَيْدانِ لا تَنْزِلِي، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلْيَدِ الفَعّالَةِ، وهي الحَرِيَّةُ بِتِلْكَ المَقالَةِ، ولا أظُنُّ الأشاعِرَةَ يَسْتَطِيعُونَ لِذَلِكَ جَوابًا، ولا أُراهم يُبْدُونَ فِيهِ خِطابًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ وتَلَقّاهُ أهْلُ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ، ولا يُوقِعَنَّكَ في شَكٍّ مِنهُ نِسْبَتُهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أفَتَشُكُّ فِيها، لِأنَّهم قالُوها مَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّعَصُّبِ، فالحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اعْبُدُوا﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا وجَبَ عَلَيْكم عِبادَةُ رَبِّكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا، وأفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، إذْ لا رَبَّ لَكم سِواهُ، وإيقاعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ بِالذّاتِ، بَعْدَ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ الواحِدانِيَّةِ، واسْتِحالَةِ الشَّرِكَةِ والإيذانِ بِاسْتِتْباعِها لِسائِرِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: لَفْظُ الرَّبِّ مُسْتَعْمَلٌ في المَفْهُومِ الكُلِّيِّ، واللَّهُ عَلَمٌ لِلْجُزْئِيِّ الحَقِيقِيِّ الواجِبِ الوُجُودِ تَعالى شَأْنُهُ، فَلا يَكُونُ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَيْثُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، فالمُناسِبُ الفاءُ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ حَيْثُ عَلَّقَ العِبادَةَ وعَدَمَ الشِّرْكِ بِذاتِهِ تَعالى، فالمُناسِبُ الواوُ، فَلا يَرُدُّ أنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا الواوُ، كَما في الآيَةِ الثّانِيَةِ، أوْ نَفْيُ مَنصُوبٍ بِإضْمارِ أنَّ، جَوابٌ لِلْأمْرِ كَما قالَهُ مَوْلانا البَيْضاوِيُّ: واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ، إنَّ ذَلِكَ فِيما يَكُونُ الأوَّلُ سَبَبًا لِلثّانِي، ولا رَيْبَ في أنَّ العِبادَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُها ومَنشَؤُها، وأُجِيبَ بِأنَّ عِبادَتَهُ تَعالى أساسُها التَّوْحِيدُ وعَدَمُ الإشْراكِ بِهِ، وأمّا عِبادَةُ الرَّبِّ، فَلَيْسَ أصْلُها عَدَمَ الإشْراكِ بِذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن مُتَفَرِّعاتِهِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ عِبادَةَ رَبٍّ مَوْصُوفٍ بِما يَجْعَلُهُ كالمُشاهِدِ مِن خَلْقِهِ لَهُمْ، ولِأُصُولِهِمْ، وإبْداعُ الكائِناتِ العَظِيمَةِ، والتَّفَضُّلُ بِإفاضَةِ النِّعَمِ الجَسِيمَةِ فَدَلَّتْ عَلَيْهِ دِلالَةً عَرَّفَتْهم بِهِ، فَمُحَصَّلُها اعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ مَعْرِفَةً لا مِرْيَةَ فِيها، ولا شَكَّ في أنَّ العِبادَةَ والمَعْرِفَةَ سَبَبٌ لِعَدَمِ الإشْراكِ، إذْ مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى لا يُسَوِّي بِهِ سِواهُ، فالَّذِي سَوَّلَ لِلْمُعْتَرِضِ النَّظَرُ لِلْعِبادَةِ وقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ المَعْرِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِلَعَلَّ، فَيُنْصَبُ الفِعْلُ نَصْبَ (فَأطَّلِعَ) عَلى قِراءَةِ جَعْفَرٍ مِن ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ إلَخْ، عَلى رَأْيٍ إلْحاقًا بِالأشْياءِ السِّتَّةِ، لِأنَّها غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِحُصُولِ ما يَتَضَمَّنُها، فَتَكُونُ كالشَّرْطِ في عَدَمِ التَّحَقُّقِ، والقَوْلُ بِالإلْحاقِ لَها بَلَيْتَ تَنْزِيلًا لِلْمَرْجُوِّ مَنزِلَةَ المُتَمَنّى في عَدَمِ الوُقُوعِ، يَؤُولُ إلى هَذا، إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ في حالِ الحُكْمِ لا اسْتِحالَتِهِ، والمَعْنى خَلَقَكم لِتَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ
صفحة 191
فَلا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، فافْهَمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً مُشْعِرَةً بِالسَّبَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ النَّهِي، بِتَأْوِيلِ القَوْلِ خَبَرٌ عَنِ الَّذِي عَلى جَعْلِهِ مُبْتَدَأً، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالَّذِي، والفاءُ جَزاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: هو الَّذِي جَعَلَ لَكم ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ المُتَكاثِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا تَجْعَلُوا إلَخْ، والجَعْلُ هُنا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، وهو كَما يَكُونُ بِالفِعْلِ نَحْوَ صَيَّرْتُ الحَدِيدَ سَيْفًا، ومِنهُ ما تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ بِالقَوْلِ والعَقْدِ، والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ كَعِدْلٍ وأعْدالٍ، أوْ نَدِيدٍ كَيَتِيمٍ وأيْتامٍ، والنِّدُّ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُضادُّهُ، ويُخالِفُهُ في أُمُورِهِ، ويُنافِرُهُ ويَتَباعَدُ عَنْهُ، ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ عَلى الأصَحِّ، وأصْلُهُ مِن نَدَّ نُدُودًا، إذا نَفَرَ، وقِيلَ: النِّدُّ المُشارِكُ في الجَوْهَرِيَّةِ فَقَطْ، والشَّكْلُ المُشارِكُ في القَدْرِ والمِساحَةِ، والشَّبَهُ المُشارِكُ في الكَيْفِيَّةِ فَقَطْ، والمُساوِي في الكِمِّيَّةِ فَقَطْ، والمِثْلُ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ، وفي تَسْمِيَةِ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، والحالُ أنَّهم ما زَعَمُوا أنَّها تُماثِلُهُ في ذاتِهِ تَعالى وصَفاتِهِ ولا تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ، وإنَّما عَبَدُوها لِتُقَرِّبَهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، إشارَةٌ إلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ حَيْثُ اسْتُعِيرَ النَّظِيرُ المُصادِرُ لِلْمُناسِبِ المُقَرَّبِ كَما اسْتُعِيرَ التَّبْشِيرُ لِلْإنْذارِ، والأسَدُ لِلْجَبانِ، وإنْ أُرِيدَ بِالنِّدِّ النَّظِيرُ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَضادٌّ، وإنَّما هو مِنِ اسْتِعارَةِ أحَدِ المُتَشابِهَيْنِ لِلْآخَرِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا الأصْنامَ بِحَسَبِ أفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ مُماثِلَةً لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وهي خُطَّةٌ شَنْعاءُ، وصِفَةٌ حَمْقاءُ، في ذِكْرِها ما يَسْتَلْزِمُ تَحْمِيقَهم والتَّهَكُّمَ بِهِمْ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وفي الإتْيانِ بِالجَمْعِ تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ، ولِلَّهِ دَرُّ مُوَحِّدِ الفَتْرَةِ زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ نُفَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ يَقُولُ في ذَلِكَ:
أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ
تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ
﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لا تَجْعَلُوا) والمَفْعُولُ مَطْرُوحٌ أيْ وحالُكم أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والنَّظَرِ وإصابَةِ الرَّأْيِ، فَإذا تَأمَّلْتُمْ أدْنى تَأمُّلٍ عَلِمْتُمْ وُجُودَ صانِعٍ يَجِبُ تَوْحِيدُهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَلِيقُ أنْ يُعْبَدَ سِواهُ، أوْ مُقَدَّرٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ، أوْ أنَّها لا تُماثِلُهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ، والحالُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لِلتَّوْبِيخِ، أوِ التَّقْيِيدِ، إذِ العِلْمُ مَناطُ التَّكْلِيفِ، ولا تَكْلِيفَ عِنْدَ عَدَمِ الأهْلِيَّةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِلتَّوْبِيخِ لا غَيْرُ، لِأنَّ قَيْدَ الحُكْمِ تَعْلِيقُ العِلْمِ بِالمَفْعُولِ، ومَناطُ التَّكْلِيفِ العِلْمُ فَقَطْ، والتَّوْبِيخُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِ المُخاطَبِينَ بِالنَّهْيِ بِناءً عَلى عُمُومِ الخِطابِ حَسْبَما مَرَّ في الأمْرِ، فَلا يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ الخِطابِ بِالكَفَرَةِ، عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّخْصِيصِ بِهِمْ أمْرًا ونَهْيًا، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أوْلى لِلْخَلاصِ مِنَ التَّكَلُّفِ وحُسْنِ الِانْتِظامِ، إذْ لا مَحِيصَ في ظاهِرِ آيَةِ التَّحَدِّي مِن تَجْرِيدِ الخِطابِ، وتَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِباءِ مَحَلِّ المُؤْمِنِينَ، ورَفْعِ شَأْنِهِمْ عَنْ حِينِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الكَفَرَةِ اللِّئامِ، والإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ مُسْتَغْنُونَ في ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن بَدائِعِ الصَّنْعَةِ ودَقائِقِ الحِكْمَةِ، وظُهُورِ البَراهِينِ ما اقْتَضى أنَّهُ تَعالى المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ، ولا تَرْزُقُ، ولَيْسَ لَها نَفْعٌ ولا ضُرٌّ، ”ألّا لِلَّهِ الخُلُق والأمْر“
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى مَثَّلَ البَدَنَ بِالأرْضِ، والنَّفْسَ بِالسَّماءِ، والعَقْلَ بِالماءِ، وما أفاضَ عَلى القَوابِلِ مِنَ الفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ المُحَصَّلَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ والحِسِّ وازْدِواجِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ بِالثَّمَراتِ المُتَوَلِّدَةِ مِنِ ازْدِواجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الفاعِلَةِ والأرْضِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ بِإذْنِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُمْ، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ذَكَرَ ما يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ، فَجَعَلَ الأرْضَ الَّتِي هي فِراشٌ مِثْلَ الأُمِّ الَّتِي يَفْتَرِشُها الرَّجُلُ، وهي أيْضًا تُسَمّى فِراشًا، وشَبَّهَ السَّماءَ الَّتِي عَلَتْ عَلى الأرْضِ بِالأبِ الَّذِي يَعْلُو عَلى الأُمِّ، ويَغْشاها، وضَرَبَ
صفحة 192
الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ مَثَلًا لِلنُّطْفَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مِن صُلْبِ الأبِ، وضَرَبَ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِنَ الثَّمَراتِ مَثَلًا لِلْوَلَدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأُمِّ، كُلُّ ذَلِكَ لِيُؤْنِسَ عُقُولَهُمْ، ويُرْشِدَها إلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ التَّخْلِيقِ، ويُعَرِّفَها أنَّهُ الخالِقُ لِهَذا الوَلَدِ، والمُخْرِجُ لَهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، كَما أنَّهُ الخالِقُ لِلثَّمَراتِ ومُخْرِجُها مِن بُطُونِ أشْجارِها، ومُخْرِجُ أشْجارِها مِن بَطْنِ الأرْضِ، فَإذا وضَحَ ذَلِكَ لَهُمْ، أفْرَدُوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، وخَصُّوهُ بِالعِبادَةِ، وحَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ:
تَأمَّلْ في رِياضِ الأرْضِ وانْظُرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ
عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ ∗∗∗ عَلى أهْدابِها ذَهَبٌ سَبِيكُ
عَلى قُضْبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
البقرة 2:23
﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أمْرَ تَوْحِيدِهِ بِأحْسَنِ أُسْلُوبٍ عَقَّبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّوْحِيدُ والتَّصْدِيقُ تَوْأمانِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فالآيَةُ وإنْ سِيقَتْ لِبَيانِ الإعْجازِ إلّا أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إثْباتُ النُّبُوَّةِ، وفي التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلى التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَفادَةً مِن مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، والحَشْوِيَّةِ القائِلِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ إلّا مِنَ القُرْآنِ، والإخْبارُ والعَطْفُ إمّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أوْ عَلى (لا تَجْعَلُوا)، وتَوْجِيهُ الرَّبْطِ بِأنَّهُ لَمّا أوْجَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى العِبادَةَ ونَفى الشِّرْكَ بِإزاءِ تِلْكَ الآياتِ، والِانْقِيادُ لَها لا يُمْكِنُ بِدُونِ التَّصْدِيقِ بِأنَّها مِن عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، أرْشَدَهم بِما يُوجِبُ هَذا العِلْمَ، ولِذا لَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن رِسالَةِ عَبْدِنا غَيْرَ وجِيهٍ، إذْ يَصِيرُ عَلَيْهِ البُرْهانُ العَقْلِيُّ سَمْعِيًّا، ولَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكَفى (اعْبُدُوا)، ولا تُشْرِكُوا، مِن دُونِ تَفْصِيلِ الأدِلَّةِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هُنا لِلْكُفّارِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ لِلْيَهُودِ: لِما أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم قالُوا هَذا الَّذِي يَأْتِينا بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُشْبِهُ الوَحْيَ، وإنّا لَفي شَكٍّ مِنهُ، وقِيلَ: هو عَلى نَحْوِ الخِطابِ في (اعْبُدُوا)، وكَلِمَةُ (إنْ) إمّا لِلتَّوْبِيخِ عَلى الِارْتِيابِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لِاشْتِمالِ المَقامِ عَلى ما يُزِيلُهُ، أوْ لِتَغْلِيبِ مَن لا قَطْعَ بِارْتِيابِهِمْ عَلى مَن سِواهُمْ، أوْ لِأنَّ البَعْضَ لَمّا كانَ مُرْتابًا والبَعْضَ غَيْرُ مُرْتابٍ جَعَلَ الجَمِيعَ كَأنَّهُ لا قَطْعَ بِارْتِيابِهِمْ، ولا بِعَدَمِهِ، وجَعَلَها بِمَعْنى إذْ، كَما ادَّعاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ خِلافَ مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ، وإيرادُ كَلِمَةِ (كانَ) لِإبْقاءِ مَعْنى المُضِيِّ، فَإنَّها لِتَمَحُّضِها لِلزَّمانِ لا تَقْلِبُها (إنْ) إلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، ومُوافِقُوهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم بَيْنَها وبَيْنَ إنْ يَكُنْ، أوْ تَبَيَّنَ مَثَلًا، ولا يَمِيلُ إلَيْهِ الفُؤادُ، وتَنْكِيرُ الرَّيْبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ إنْ كانَ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا قَلِيلًا لِسُطُوعِ ما يَدْفَعُهُ، وقُوَّةِ ما يُزِيلُهُ، وجَعَلَهُ ظَرْفًا بِتَنْزِيلِ المَعانِي مَنزِلَةَ الأجْرامِ، واسْتِقْرارُهم فِيهِ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ، لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ لا قُوَّتُهُ وكَثْرَتُهُ، (ومِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (رَيْبٍ)، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وحَمْلُها عَلى السَّبَبِيَّةِ رُبَّما يُوهِمُ كَوْنَ المُنَزِّلِ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ، وحاشاهُ، (وما) مَوْصُولَةٌ كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ، وقِيلَ: عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبْعاضِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ في رَيْبٍ مِنهُ ارْتِيابُهم في كَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، والتَّضْعِيفُ في نَزَّلْنا، لِلنَّقْلِ، وهو المُرادِفُ لِلْهَمْزَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ قُطَيْبٍ: (أنْزَلْنا)، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ هُنا دالًّا عَلى نُزُولِهِ مُنَجَّمًا، لِيَكُونَ إيثارُهُ عَلى الإنْزالِ لِتَذْكِيرِ مَنشَإ ارْتِيابِهِمْ، فَقَدْ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ وبِناءُ التَّحَدِّي عَلَيْهِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ مِمَّنْ يُعْقَدُ عِنْدَ
صفحة 193
ذِكْرِهِمُ الخَناصِرُ، لِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ بِدِلالَةِ التَّضْعِيفِ عَلى التَّكْثِيرِ، وهو إنَّما يَكُونُ غالِبًا في الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ التَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيَةً نَحْوَ: فَتَحْتُ وقَطَعْتُ، ونَزَّلْنا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا قَبْلُ، وأيْضًا التَّضْعِيفُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ إنَّما يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ، وأمّا عَلى أنَّهُ يَجْعَلُ اللّازِمَ مُتَعَدِّيًا فَلا، والفِعْلُ هُنا كانَ لازِمًا، فَكَوْنُ التَّعَدِّي مُسْتَفادًا مِنَ التَّضْعِيفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لِلنَّقْلِ لا لِلتَّكْثِيرِ، وأيْضًا لَوْ كانَ نَزَّلَ مُفِيدًا لِلتَّنْجِيمِ لاحْتاجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى تَأْوِيلٍ لِمُنافاةِ العَجُزِ الصَّدْرَ، وكَذا مِثْلُ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ و﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ في كَثِيرٍ مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ التَّنْجِيمُ والتَّكْثِيرُ، وجُعِلَ هَذا غَيْرَ التَّكْثِيرِ المَذْكُورِ في النَّحْوِ، وهو التَّدْرِيجُ بِمَعْنى الإتْيانِ بِالشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا كَما ذَكَرُوهُ في تَسَلَّلُوا، حَيْثُ فَسَّرُوهُ بِأنَّهم يَتَسَلَّلُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا، قالُوا: ونَظِيرُهُ تَدَرَّجَ، وتَدَخَّلَ، ونَحْوُهُ رَتَّبَهُ، أيْ أتى بِهِ رُتْبَةً رُتْبَةً، ولَمْ يُوجَدْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ صِيغَةُ فَعَّلَ بَعْدَ كَوْنِها لِلنَّقْلِ دالَّةً عَلى هَذا المَعْنى، إمّا مَجازًا أوِ اشْتِراكًا، فَلا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ بَعِيدٌ لا سِيَّما مَعَ خَفاءِ القَرِينَةِ، وفي تَعَدِّي نَزَّلَ بِعَلى إشارَةٌ إلى اسْتِعْلاءِ المُنَزِّلِ عَلى المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وتَمَكُّنِهِ مِنهُ وأنَّهُ صارَ كاللّابِسِ لَهُ بِخِلافِ إلى، إذْ لا دِلالَةَ لَها عَلى أكْثَرِ مِنَ الِانْتِهاءِ والوُصُولِ، وفي ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ، وفي ذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي
وقُرِئَ (عِبادِنا) فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُمَتُّهُ، لِأنَّ جَدْوى المُنَزَّلِ والهِدايَةِ الحاصِلَةِ بِهِ لا تَخْتَصُّ بَلْ يَشْتَرِكُ فِيها المَتْبُوعُ والتّابِعُ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الوَحْيُ والرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلُ مَقْصُودٍ، وأسْبَقُ داخِلٍ، لِأنَّهُ الَّذِي طَلَبَ مُعانِدُوهُ بِالتَّحَدِّي في كِتابِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الِارْتِيابَ فِيهِ ارْتِيابٌ فِيما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ، لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهُ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم جَعَلَ الخِطابَ عَلى هَذا لِمُنْكِرِي النُّبُوّاتِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإلّا لَقالَ سُبْحانَهُ: مِمّا نَزَّلَ عَلى عَبْدِهِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِلْمُنَزَّلِ أوِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ أتى بِنا المُشْعِرَةِ بِالتَّعْظِيمِ التّامِّ، وتَفْخِيمِ الأمْرِ رِعايَةً لِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ مِن (فَأْتُوا) جَوابِيَّةٌ وأمْرُ السَّبَبِيَّةِ ظاهِرٌ، والأمْرُ مِن بابِ التَّعْجِيزِ، وإلْقامِ الحَجَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهو مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المَجِيءِ بِسُهُولَةٍ كَيْفَما كانَ، ويُقالُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والأعْيانِ والأعْراضِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الفِعْلِ، والتَّعاطِي كَـ ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ وأصْلُ فَأْتُوا فَأْتِيُوا، فَأُعِلَّ الإعْلالَ المَشْهُورَ، وأتى شُذُوذًا حَذْفُ الفاءِ فَقِيلَ: تِ، وتَوًّا، والتَّنْوِينُ في سُورَةٍ لِلتَّنْكِيرِ، أيِ ائْتُوا بِسُورَةٍ ما، وهي القِطْعَةُ مِنَ القُرْآنِ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وفِيهِ مِنَ التَّبْكِيتِ والتَّخْجِيلِ لَهم في الِارْتِيابِ ما لا يَخْفى.
(ومِن مِثْلِهِ) إمّا أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِسُورَةٍ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إمّا (لِما) الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ المُنَزَّلِ، أوْ لِلْعَبْدِ، وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ، والأخْفَشُ يُجَوِّزُ زِيادَتَها في مِثْلِهِ، والمَعْنى بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ في البَلاغَةِ والأُسْلُوبِ المُعْجِزِ، وهَذا عَلى الأخِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وإمّا عَلى التَّبْعِيضِ، فَلِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِالمِثْلِ مِثْلٌ مُحَقَّقٌ مُعَيَّنٌ لِلْقُرْآنِ، بَلْ ما يُماثِلُهُ فَرْضًا، كَما قِيلَ: في مِثْلِكَ لا يُجْهَلُ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضِيَّتَها لِلْمُماثِلِ الفَرْضِيِّ لازِمَةٌ
صفحة 194
لِمُماثَلَتِها لِلْقُرْآنِ، فَذَكَرَ اللّازِمَ، وأُرِيدَ المَلْزُومُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ الكِنايَةِ مَعَ ما في لَفْظِ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القِلَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ التَّحَدِّي، وبِهَذا رَجَّحَ بَعْضُهُمُ التَّبْعِيضَ عَلى التَّبْيِينِ مَعَ ما في التَّبْيِينِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِما عُلِمَ ضِمْنًا، حَيْثُ إنَّ المُماثَلَةَ لِلْقُرْآنِ تُفْهَمُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالسُّورَةِ، إلّا أنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِما يَأْتِي، وعَلى الثّانِي يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلِابْتِداءِ مِثْلُها في ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ ويَمْتَنِعُ التَّبْعِيضُ والتَّبْيِينُ والزِّيادَةُ امْتِناعَ الِابْتِداءِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا أنْ تَكُونَ صِلَةَ فَأْتُوا.
والشّائِعُ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْعَبْدِ، لِأنَّ (مِن) لا تَكُونُ بَيانِيَّةً إذْ لا مُبْهَمَ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا أبَدًا، لا تَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ لَغْوًا، ولا تَبْعِيضِيَّةً، وإلّا لَكانَ الفِعْلُ واقِعًا عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَما فِي: أخَذْتُ مِنَ الدَّراهِمِ، ولا مَعْنى لِإتْيانِ البَعْضِ، بَلِ المَقْصِدُ الإتْيانُ بِالبَعْضِ، ولا مَجالَ لِتَقْدِيرِ الباءِ مَعَ وُجُودِ (مِن)، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِسُورَةٍ ضائِعًا، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجِبُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْعَبْدِ لا لِلْمُنَزَّلِ، وجَعْلُ المُتَكَلِّمِ مَبْدَأً عُرْفًا لِلْإتْيانِ بِالكَلامِ مِنهُ مَعْنًى، حَسَنٌ مَقْبُولٌ بِخِلافِ جَعْلِ الكُلِّ مَبْدَأً لِلْإتْيانِ بِبَعْضٍ مِنهُ، فَإنَّهُ لا يَرْتَضِيهِ ذُو فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، وأيْضًا المُعْتَبَرُ في مَبْدَإ الفِعْلِ هو المَبْدَأُ الفاعِلِيُّ، أوِ المادِّيُّ، أوِ الغائِيُّ، أوْ جِهَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها، ولَيْسَ الكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى الجُزْءِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ اعْتِبارُ مُماثَلَةِ المَأْتِيِّ بِهِ لِلْقُرْآنِ في البَلاغَةِ مُسْتَفادًا مِن لَفْظِ السُّورَةِ، ومَساقُ الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى (مِن) لا يَنْحَصِرُ فِيما ذُكِرَ فَقَدْ تَجِيءُ لِلْبَدَلِ نَحْوَ ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ ”وجَعَلَنا مِنكم مَلائِكَةً“ ولِلْمُجاوَزَةِ: كَعُذْتُ مِنهُ، فَعَلى هَذا، لَوْ عُلِّقَ (مِن مِثْلِهِ) بـِ(فَأْتُوا)، وحُمِلَ (مِن) عَلى البَدَلِ، أوِ المُجاوَزَةِ، ومِثْلُ عَلى المُقْحَمِ، ورَجَعَ الضَّمِيرُ إلى (ما أنْزَلَنا) عَلى مَعْنى (فَأْتُوا) بَدَلَ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ شَأْنُهُ الواضِحِ بُرْهانُهُ أوْ مُجاوِزِينَ مِن هَذا الكِتابِ مَعَ فَخامَةِ أثَرِهِ، وجَلالَةِ قَدْرِهِ بِسُورَةٍ فَذَّةٍ لَكانَ أبْلَغَ في التَّحَدِّي، وأظْهَرَ في الإعْجازِ، عَلى أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ شَيْءٍ مِمّا اعْتُبِرَ في المَبْدَإ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ المُلابَسَةَ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ أقْوى مِنها بَيْنَ المَكانِ والمُتَمَكِّنِ، فَكَما يَجُوزُ جَعْلُ المَكانِ مَبْدَأ الفِعْلِ المُتَمَكِّنِ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكُلُّ مَبْدَأً لِلْإتْيانِ بِالبَعْضِ، ولَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ لَمْ يَطْرُقْ سَمْعَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وبِمَنزِلَةِ المَكانِ ما لَيْسَ بِمَكانٍ، ولا زَمانٍ نَحْوُ: قَرَأْتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها، وأعْطَيْتُكَ مِن دِرْهَمٍ إلى دِينارٍ، وأيْضًا فالإتْيانُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ تَفْرِيقُهُ مِنهُ، ولا يُسْتَرابُ أنَّ الكُلَّ مَبْدَأُ تَفْرِيقِ البَعْضِ مِنهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ التَّحَدِّي، وتَعْجِيزُ بُلَغاءِ العَرَبِ المُرْتابِينَ فِيهِ عَنِ الإتْيانِ بِما يُضاهِيهِ، فَمُقْتَضى المَقامِ أنْ يُقالَ لَهم: مَعاشِرَ الفُصَحاءِ المُرْتابِينَ في أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ائْتُوا بِمِقْدارِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِن كَلامِ البَشَرِ مُحَلّاةٍ بِطِرازِ الإعْجازِ ونَظْمِهِ، وما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى هَذا، إذا كانَ (مِن مِثْلِهِ) صِفَةَ سُورَةٍ، سَواءٌ كانَ الضَّمِيرُ لِما، أوْ لِلْعَبْدِ، لِأنَّ مَعْناهُ: ائْتُوا بِمِقْدارِ سُورَةٍ تُماثِلُهُ في البَلاغَةِ كائِنَةٍ مِن كَلامِ أحَدٍ مِثْلِ هَذا العَبْدِ في البَشَرِيَّةِ، فَهو مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، أوْ ائْتُوا بِمِقْدارِ سُورَةٍ مِن كَلامٍ هو مِثْلُ هَذا المُنَزَّلِ، ومِثْلُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، فَهو مِن كَلامِ البَشَرِ أيْضًا، فَإذا تَعَلَّقَ ورَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ، فَمَعْناهُ أيْضًا ائْتُوا مِن مِثْلِ هَذا العَبْدِ في البَشَرِيَّةِ بِمِقْدارِ سُورَةٍ تُماثِلُهُ، فَيُفِيدُ ما ذَكَرْنا، ولَوْ رَجَعَ عَلى هَذا لَما كانَ مَعْناهُ ائْتُوا مِن مِثْلِ هَذا المُنَزَّلِ بِسُورَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ (مِن) لَيْسَتْ بَيانِيَّةً لِأنَّها لا تَكُونُ لَغْوًا، ولا تَبْعِيضِيَّةً لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، فَهي ابْتِدائِيَّةٌ، والمَبْدَأُ لَيْسَ فاعِلِيًّا، بَلْ مادِّيًّا، فَحِينَئِذٍ المَثَلُ الَّذِي السُّورَةُ بَعْضٌ مِنهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالإتْيانِ بِهِ، فَلا يَخْلُو مِن أنْ يُدَّعى وُجُودُهُ، وهو خِلافُ الواقِعِ، وابْتِناؤُهُ عَلى الزَّعْمِ أوِ الفَرْضِ تَعَسُّفٌ بِلا مُقْتَضٍ، أوَّلًا ولا يَلِيقُ بِالتَّنْزِيلِ، وكَيْفَ يَأْتُونَ بِبَعْضٍ مِن شَيْءٍ لا وُجُودَ لَهُ ! والحَقُّ عِنْدِي أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى كُلٍّ مِنَ العَبْدِ و(ما) عَلى تَقْدِيرِي: اللَّغْوُ والِاسْتِقْرارُ
صفحة 195
أمْرٌ مُمْكِنٌ، ودائِرَةُ التَّأْوِيلِ واسِعَةٌ، والِاسْتِحْسانُ مُفَوَّضٌ إلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ، والَّذِي يُدْرِكُهُ ذَوْقِي، ولا أُزَكِّي نَفْسِي، أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ يَكُونُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى العَبْدِ أحْلى، والبَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ مَشْهُورٌ، وقَدْ جَرى فِيهِ بَيْنَ العَضُدِ والجارَبَرْدِيِّ ما أدّى إلى تَأْلِيفِ الرَّسائِلِ في الِانْتِصارِ لِكُلٍّ، وقَدْ وُفِّقْتُ لِلْوُقُوفِ عَلى كَثِيرٍ مِنها، والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَقَلْتُ نُبْذَةً مِنها في الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ، ثُمَّ أوْلى الوُجُوهِ هُنا عَلى الإطْلاقِ جَعْلُ الظَّرْفِ صِفَةً لِلسُّورَةِ، والضَّمِيرِ لِلْمُنَزَّلِ، ومِن بَيانِيَّةً، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ المُوافِقُ لِنَظائِرِهِ مِن آياتِ التَّحَدِّي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ فِيها صِفَةٌ لِلْمَأْتِيِّ بِهِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الكَلامَ في المُنَزَّلِ لا المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وذِكْرُهُ إنَّما وقَعَ تَبَعًا، ولَوْ عادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِمُماثَلَةِ السُّورَةِ، وهو عُمْدَةُ التَّحَدِّي، وإنْ فُهِمَ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ أمْرَ الجَمِّ الغَفِيرِ، لِأنْ يَأْتُوا مِن مِثْلِ ما أتى بِهِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِمْ، أبْلَغُ مِن أمْرِهِمْ بِأنْ يَجِدُوا أحَدًا يَأْتِي بِمِثْلِ ما أتى بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ لَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ لَأوْهَمَ أنَّ إعْجازَهُ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَمْ يَدْرُسْ، ولَمْ يَكْتُبْ، لا أنَّهُ في نَفْسِهِ مُعْجِزٌ، مَعَ أنَّ الواقِعَ هَذا، وبَعْضُهم رَجَّحَ رَدَّ الضَّمِيرِ إلى العَبْدِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاشْتِمالِهِ عَلى مَعْنى مُسْتَبْدَعٍ مُسْتَجَدٍّ، وبِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، إذِ التَّوْحِيدُ والتَّصْدِيقُ بِالنُّبُوَّةِ تَوْأمانِ، فالمَقْصُودُ إثْباتُ النُّبُوَّةِ، والحُجَّةُ ذَرِيعَةٌ، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الِافْتِتاحِ بِذِكْرِ (ما نَزَّلْنا)، أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسُوقًا لَهُ، وبِأنَّ التَّحَدِّيَ عَلى ذَلِكَ أبْلَغُ لِأنَّ المَعْنى: اجْتَمِعُوا كُلُّكم وانْظُرُوا هَلْ يَتَيَسَّرُ لَكُمُ الإتْيانُ بِسُورَةٍ مِمَّنْ لَمْ يُمارِسِ الكُتُبَ، ولَمْ يَدْرُسِ العُلُومَ؟! وضَمُّ بَناتِ أفْكارِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُعارَضٌ بِهَذِهِ الحُجَّةِ، بَلْ هي أقْوى في الإفْحامِ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يُعارِضُوهُ بِما يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ عُلَمائِهِمْ مِمّا اشْتَمَلَ عَلى قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المَنقُولَةِ مِنَ الكُتُبِ الماضِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما بَوْنٌ، إذِ الغَرِيقُ يَتَشَبَّثُ بِالحَشِيشِ، وأمّا إذا تَحَدّى بِسُورَةٍ مِن أُمِّيٍّ كَذا وكَذا لَمْ يَبْقَ لِلْعَوارِضِ مَجالٌ، هَذا، ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ، ونُحاسٌ مُمَوَّهٌ، وظاهِرُ السِّياقِ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا، ويُلائِمُهُ ظاهِرًا كَما سَنُبَيِّنُهُ بِمَنِّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ الدُّعاءُ النِّداءُ والِاسْتِعانَةُ، ولَعَلَّ الثّانِيَ مَجازٌ، أوْ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى النِّداءِ، لِأنَّ الشَّخْصَ إنَّما يُنادى لِيُسْتَعانَ بِهِ، ومِنهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ، والشَّهِيدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مَن يُعْتَدُّ بِحُضُورِهِ مِمَّنْ لَهُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولِذا سَمَّوْا غَيْرَهُ مُخَلَّفًا، وجاءَ بِمَعْنى الحاضِرِ والقائِمِ بِالشَّهادَةِ، والنّاصِرِ والإمامِ أيْضًا، ودُونَ ظَرْفُ مَكانٍ، لا يَتَصَرَّفُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمِن كَثِيرًا، وبِالباءِ قَلِيلًا، وخَصَّهُ في البَحْرِ بِمِن (دُونَها)، ورَفْعُهُ في قَوْلِهِ:
ألَمْ تَرَيا أنِّي حَمَيْتُ حَقِيقَتِي ∗∗∗ وباشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ والمَوْتُ دُونُها
نادِرٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ومَعْناها أقْرَبُ مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ، فَهو كَعِنْدَ إلّا أنَّها تُنْبِئُ عَنْ دُنُوٍّ كَثِيرٍ، وانْحِطاطٍ يَسِيرٍ، ومِنهُ دُونَكَ، اسْمُ فِعْلٍ لا تَدْوِينَ الكُتُبِ خِلافًا لِلْبَيْضاوِيِّ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مِنَ الدِّيوانِ، الدَّفْتَرُ ومَحَلُّهُ، وهي فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مِن قَوْلِ كِسْرى إذْ رَأى سُرْعَةَ الكُتّابِ في كِتابِهِمْ وحِسابِهِمْ دِيوانَهُ، وقَدْ يُقالُ: لا بُعْدَ فِيما ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ، ودِيوانٌ مِمّا اشْتَرَكَتْ فِيهِ اللُّغَتانِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في انْحِطاطٍ مَحْسُوسٍ، لا في ظَرْفٍ، كَدُونَ زَيْدٍ في القامَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُتِ في المَراتِبِ المَعْنَوِيَّةِ تَشْبِيهًا بِالمَراتِبِ الحِسِّيَّةِ، كَدُونَ عَمْرٍو شَرَفًا، ولِشُيُوعِ ذَلِكَ اتُّسِعَ في هَذا المُسْتَعارِ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَجاوُزِ حَدٍّ إلى حَدٍّ، ولَوْ مِن دُونِ تَفاوُتٍ وانْحِطاطٍ، وهو بِهَذا المَعْنى قَرِيبٌ مِن غَيْرٍ، فَكَأنَّهُ أداةُ اسْتِثْناءٍ، ومِنَ الشّائِعِ دُونٌ بِمَعْنى خَسِيسٍ، فَيَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، ويُعَرَّفُ بِألْ، ويُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ∗∗∗ ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا
وما في القامُوسِ مِن أنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ مِن دُونٍ، ولا يُقالُ: دُونٌ، مُخالِفٌ لِلدِّرايَةِ والرِّوايَةِ، ولَيْسَ عِنْدِي
صفحة 196
وجْهٌ وجِيهٌ في تَوْجِيهِهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا فُعِلَ، وقِيلَ يُقالُ: دانَ يَدِينُ مِنهُ، واسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى فَضْلًا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
الوُدُّ لِلْقُرْبى ولَكِنَّ عُرْفَهُ ∗∗∗ لِلْأبْعَدِ الأوْطانِ دُونَ الأقْرَبِ
لَمْ يُسَلِّمْهُ أرْبابُ التَّنْقِيرِ، نَعَمْ قالُوا: يَكُونُ بِمَعْنى وراءَكَ أمامَ وبِمَعْنى فَوْقَ ونَقِيضًا لَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ (بِادْعُوا) ودُونَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّجاوُزِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ادْعُوا إلى المُعارَضَةِ مَن يَحْضُرُكُمْ، أوْ مَن يَنْصُرُكم بِزَعْمِكم مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في الدُّعاءِ بِأنْ لا تَدْعُوهُ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ والإرْشادِ، أوِ ادْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن يُقِيمُ لَكُمُ الشَّهادَةَ بِأنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مُماثِلُهُ، فَإنَّهم لا يَشْهَدُونَ، ولا تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى لِلشَّهادَةِ، بِأنْ تَقُولُوا: اللَّهُ تَعالى شاهِدٌ، وعالِمٌ بِأنَّهُ مِثْلُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ العَجْزِ والِانْقِطاعِ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ، والأمْرُ حِينَئِذٍ لِلتَّبْكِيتِ، والشَّهِيدُ الأوَّلُ بِمَعْنى الحاضِرِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى النّاصِرِ، وعَلى الثّالِثِ بِمَعْنى القائِمِ بِالشَّهادَةِ، قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإمامِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّهَداءِ الآلِهَةَ الباطِلَةَ، لِأنَّ الأمْرَ بِدُعاءِ الأصْنامِ لا يَكُونُ إلّا تَهَكُّمًا، ولَوْ قِيلَ: ادْعُوا الأصْنامَ ولا تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى، ولا تَسْتَظْهِرُوا بِهِ لانْقَلَبَ الأمْرُ مِنَ التَّهَكُّمِ إلى الِامْتِحانِ، إذْ لا دَخْلَ لِإخْراجِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الدُّعاءِ في التَّهَكُّمِ، وفِيهِ أنَّ أيَّ تَهَكُّمٍ وتَحْمِيقٍ أقْوى مِن أنْ يُقالَ لَهُمُ اسْتَعِينُوا بِالجَمادِ، ولا تَلْتَفِتُوا نَحْوَ رَبِّ العِبادِ، ولا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ تُجْعَلَ دُونَ بِمَعْنى القُدّامِ، إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: ادْعُوها بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في القِيامَةِ لِلِاسْتِظْهارِ بِها في المُعارَضَةِ الَّتِي في الدُّنْيا، وجَوَّزُوا أنْ تَتَعَلَّقَ (مِن) بِـ(شُهَداءَكُمْ)، وهي لِلِابْتِداءِ أيْضًا، ودُونَ بِمَعْنى التَّجاوُزِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِن إضافَةِ الشُّهَداءِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، والمَعْنى: ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وزَعَمْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أمامَ حَقِيقَةً أوْ مُسْتَعارًا مِن مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يُناسِبُهُ، أعْنِي بِهِ أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ، وهو ظَرْفُ لَغْوٍ مَعْمُولٌ لِشُهَداءَ، ويَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِمادِ، ولا إلى تَقْدِيرِ لِيَشْهَدُوا، (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ، كَما قالُوا في (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ)، لِأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ في بَعْضِ الجِهَتَيْنِ، وظاهِرُ كَلامِ الدَّمامِينِيِّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّها زائِدَةٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ مالِكٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى زَعْمِكُمْ، والأمْرُ لِلتَّهَكُّمِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنامِ بِالشُّهَداءِ تَرْشِيحٌ لَهُ بِتَذْكِيرِ ما اعْتَقَدُوهُ مِن أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ، وأنَّها تَنْفَعُهم بِشَهادَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ عُدَّتُكُمْ، ومَلاذُكُمْ، فادْعُوهم لِهَذِهِ العَظِيمَةِ النّازِلَةِ بِكُمْ، فَلا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ، وما وراءَ عَبّادانَ قَرْيَةٌ، ولَمْ تُجْعَلْ دُونَ بِمَعْنى التَّجاوُزِ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَ شَرِكَتَهُ تَعالى مَعَ الأصْنامِ في الشَّهادَةِ، فَلا وجْهَ لِلْإخْراجِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ والظَّرْفُ حالٌ، ويُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ مُضافٌ، والمَعْنى: ادْعُوا شُهَداءَكم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، وهم أوْلِياءُ الأصْنامِ مُتَجاوِزِينَ في ذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّكم أتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ، والمَقْصُودُ بِالأمْرِ حِينَئِذٍ إرْخاءُ العِنانِ والِاسْتِدْراجُ إلى غايَةِ التَّبْكِيتِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكَنا إلْزامَكم بِشُهَداءِ الحَقِّ إلى شُهَدائِكُمُ المَعْرُوفِينَ بِالذَّبِّ عَنْكُمْ، فَإنَّهم أيْضًا لا يَشْهَدُونَ لَكم حِذارًا مِنَ اللّائِمَةِ وأنَفَةً مِنَ الشَّهادَةِ البَتَّةِ البُطْلانِ، كَيْفَ لا، وأمْرُ الإعْجازِ قَدْ بَلَغَ مِن الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلٌ، وإخْراجُ اللَّهِ تَعالى عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ لِتَأْكِيدِ تَناوُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِجَمِيعِ ما عَداهُ لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ لِإيهامِهِ إنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ، وعَلى بَعْضٍ لِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُهم في عُرْوَةِ المُحادَّةِ والمُشاقَّةِ لَهُ قاصِرِينَ اسْتِظْهارَهم عَلى ما سِواهُ، والِالتِفاتُ إمّا لِإدْخالِ الرَّوْعِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ أوْ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، حَيْثُ آثَرُوا عَلى عِبادَةِ مَن لَهُ الأُلُوهِيَّةُ الجامِعَةُ عِبادَةَ مَن لا أحْقَرَ مِنهُ، والصِّدْقُ مُطابَقَةُ الواقِعِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَشْهُورَةٌ، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ
صفحة 197
لِدِلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو جَوابًا لَهُما، وكَذا مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بِزَعْمِكم في أنَّهُ كَلامُ البَشَرِ، أوْ في أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى مُعارَضَتِهِ، فَأْتُوا، وادْعُوا، فَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وهَذا كالتَّكْرِيرِ لِلتَّحَدِّي والتَّأْكِيدِ لَهُ، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ، وجُعِلَ المُتَعَلِّقُ الِارْتِيابَ لِتَقَدُّمِهِ، مِمّا لا ارْتِيابَ في تَأخُّرِهِ، لِأنَّ الِارْتِيابَ مِن قَبِيلِ التَّصَوُّرِ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في احْتِمالِ أنَّهُ كَذا، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ الِاحْتِمالَ شَكٌّ أيْضًا، ومِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ قَوْلُ الشِّهابِ: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ التَّرَقِّي في إلْزامِ الحُجَّةِ وتَوْضِيحِ المَحَجَّةِ، فالمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ فَأْتُوا بِنَظِيرِهِ لِيَزُولَ رَيْبُكُمْ، ويَظْهَرَ أنَّكم أصَبْتُمْ فِيما خَطَرَ عَلى بالِكُمْ، وحِينَئِذٍ فَإنْ صَدَقَتْ مَقالَتُكم في أنَّهُ مُفْتَرًى فَأظْهِرُوها، ولا تَخافُوا، هَذا ووَجْهُ مُلائَمَةِ الآيَةِ لِما قُلْناهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ إمّا حَقِيقَةً أوْ تَهَمُّكًا، بِكُلِّ ما يُعِينُهم بِالأمْدادِ في الإتْيانِ في المِثْلِ، أوْ بِالشَّهادَةِ، عَلى أنَّ المَأْتِيَّ بِهِ مِثْلٌ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُلائِمُ إذا كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإتْيانِ بِالمِثْلِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المَأْمُورُ واحِدًا مِنهُمْ، فَإنَّهم باعِثُونَ لَهُ عَلى الإتْيانِ، فالمُلائِمُ حِينَئِذٍ نِسْبَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِ، لِأنَّهم شُهَداءُ لَهُ، وإنْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مُشارَكَتِهِمْ إيّاهُ في تِلْكَ الدَّعْوى بِالتَّحْرِيكِ، والحَثِّ، والقَوْلُ بِأنَّهم مُشارِكُونَ لِلْمَأْتِيِّ مِنهُ في دَعْوى المُماثَلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ شَهادَةٌ عَلى المُماثَلَةِ، ثُمَّ تَرْجِيحُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمُنَزَّلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ كَوْنِ الظَّرْفِ صِفَةً لِلسُّورَةِ أيْضًا، وقَدْ أُورِدَ ها هُنا أُمُورٌ طَوِيلَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها.
البقرة 2:24
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، فَلِذا أتى بِالفاءِ أيْ إذا بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزْتُمْ في الحَدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، مُتَشَبِّثِينَ بِالذُّيُولِ، راكِبِينَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وعَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وما يُدانِيهِ في أُسْلُوبِهِ وفَضْلِهِ ظَهَرَ أنَّهُ مُعْجِزٌ، والتَّصْدِيقُ بِهِ لازِمٌ، فَآمِنُوا واتَّقُوا النّارَ، وأتى بِأنْ، والمَقامُ لِإذا، لِاسْتِمْرارِ العَجْزِ، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، تَهَكُّمًا بِهِمْ كَما يَقُولُ الواثِقُ بِالغَلَبَةِ لِخَصْمِهِ: إنْ غَلَبْتُكَ لَمْ أُبْقِ عَلَيْكَ، وتَحْمِيقًا لَهم لِشَكِّهِمْ في المُتَيَقَّنِ الشَّدِيدِ الوُضُوحِ، فَفي الآيَةِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَرْفِيَّةٌ، أوْ حَقِيقَةٌ وكِنايَةٌ كَسائِرٍ ما جاءَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وقَدْ يُقالُ: عَبَّرَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِحالِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ العَجْزَ كانَ قَبْلَ التَّأمُّلِ، كالمَشْكُوكِ فِيهِ لَدَيْهِمْ لِاتِّكالِهِمْ عَلى فَصاحَتِهِمْ، (وتَفْعَلُوا) مَجْزُومٌ بِلَمْ، ولا تَنازُعَ بَيْنَها وبَيْنَ إنْ، وإنْ تُخِيِّلَ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بَيْنَ الحُرُوفِ، لِأنَّها لا دِلالَةَ لَها عَلى الحَدَثِ، حَتّى تَطْلُبَ المَعْمُولاتِ، إلّا أنَّ ابْنَ العِلْجِ أجازَهُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ورَدَّ بِأنَّ إنْ تَطْلُبُ مُثْبَتًا، ولَمْ مَنفِيًّا، وشَرْطُ التَّنازُعِ الِاتِّحادُ في المَعْنى، فَإنْ هُنا داخِلَةٌ عَلى المَجْمُوعِ عامِلَةٌ في مَحَلِّهِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ فَيُفِيدُ الكَلامُ اسْتِمْرارَ عَدَمِ الإتْيانِ المُحَقَّقِ في الماضِي، وبِهَذا ساغَ اجْتِماعُهُما، وإلّا فَبَيْنَ مُقْتَضاهُما الِاسْتِقْبالُ والمُضِيُّ تَنافٍ، نَعَمْ قِيلَ في ذَلِكَ إشْكالٌ لَمْ يُحَرَّرْ دَفْعُهُ بَعْدُ بِما يَشْفِي العَلِيلَ: وهو أنَّ المَحَلَّ إنْ كانَ لِلْفِعْلِ وحْدَهُ لَزِمَ تَوارُدُ عامِلَيْنِ في نَحْوِ: إنْ لَمْ يَقُمْنَ، وإنْ كانَ لِلْجُمْلَةِ يَرُدُّ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوها مِمّا لَها مَحَلٌّ، أوْ لِلْمَحَلِّ مَعَ الفِعْلِ، فَلا نَظِيرَ لَهُ، فَلَعَلَّهم يَتَصَيَّدُونَ فِعْلًا مِمّا بَعْدَها ويَجْزِمُونَهُ بِها، وهو كَما تَرى، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنِ الفِعْلِ الخاصِّ حَيْثُ كانَ الظّاهِرُ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، بِالفِعْلِ المُطْلَقِ العامِّ ظاهِرًا لِإيجازِ القَصْرِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيفِ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ، لا تَحْصِيلُ المَفْعُولِ ضَرُورَةَ اسْتِحالَتِهِ، وإنَّ مَناطَ الجَوابِ في الشَّرْطِيَّةِ أعْنِي الأمْرَ بِالِاتِّقاءِ هو عَجْزُهم عَنْ إيقاعِهِ لا فَوْتُ حُصُولِ المَقْصُودِ، وقِيلَ: أُطْلِقَ الفِعْلُ وأُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ، مَعَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ اللّازِمِ، وإرادَةِ المَلْزُومِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ المُصَحِّحِ لِلِانْتِفالِ بِمَعُونَةِ قَرائِنِ الحالِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ
صفحة 198
عَنِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بِالضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها حَذَرًا مِنَ التَّكْرِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ فِيما عَبَّرَ عَنْهُ إيجازًا، وكِنايَةً، وإيهامَ نَفْيِ الإتْيانِ بِالمِثْلِ، وما يُدانِيهِ، بَلْ وغَيْرَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادًا، (ولَنْ) كَلّا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وإنْ فارَقَتْها بِالِاخْتِصاصِ بِالمُضارِعِ وعَمَلِ النَّصْبِ، إلّا فِيما شَذَّ مِنَ الجَزْمِ بِها في قَوْلِهِ:
لَنْ يَخِبِ الآنَ مَن رَجاكَ ومَن حَرَّكَ مِن دُونِ بابِكَ الحَلْقَةْ
ولا تَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، وإنْ أفادَتِ التَّأْكِيدَ والتَّشْدِيدَ، ولا طُولَ مُدَّةٍ أوْ قِلَّتَها خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، ولَيْسَ أصْلُها (لا أنْ)، كَما رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ: فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَتِها، وسَقَطَتِ الألِفُ لِلسّاكِنَيْنِ، وتَغَيَّرَ الحُكْمُ وصارَ (لَنْ) تَضْرِبُ كَلامًا تامًّا دُونَ أنْ ومَصْحُوبِها، وقِيلَ بِهِ لِقَوْلِهِ:
يُرَجِّي المَرْءُ ما لا أنْ يُلاقِيَهُ ∗∗∗ ويَعْرِضَ دُونَ أقْرَبِهِ الخُطُوبُ
واحْتِمالُ زِيادَةِ (أنْ) يُوهِنُ الِاحْتِجاجَ، ولا لا، كَما عِنْدَ الفَرّاءِ، فَأُبْدِلَتْ ألِفُهُ نُونًا، إذْ لا داعِيَ إلى ذَلِكَ، وهو خِلافُ الأصْلِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْئَيِ الشَّرْطِيَّةِ ظاهِرًا، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها، ومُؤَكِّدٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِتالِيها، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ حَيْثُ أخْبَرَ بِالغَيْبِ الخاصِّ عِلْمَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ وقَعَ الأمْرُ كَذَلِكَ كَيْفَ لا، ولَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ يُدانِيهِ لِتَناقَلَهُ الرُّواةُ، لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي، وما أتى بِهِ نَحْوُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابِ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى، لَمْ يَقْصِدْ بِهِ المُعارَضَةَ، وإنَّما ادَّعاهُ وحْيًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: فاتَّقُوا، جَوابٌ لِلشَّرْطِ، عَلى أنَّ التِقاءَ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ إعْجازِهِ المُقْتَضِي لِلتَّصْدِيقِ والإيمانِ بِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ نَفْسِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ اتِّقاءَ النّارِ لازِمٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَما مَعْنى التَّعْلِيقِ، وأيْضًا الشَّرْطُ سَبَبٌ أوْ مَلْزُومٌ لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ عَدَمُ الفِعْلِ سَبَبًا لِلِاتِّقاءِ، ولا مَلْزُومًا لَهُ، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لَهُ؟ وبَعْضُهم قَدَّرَ لِذَلِكَ جَوابًا، والتِزامُهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لِأنَّ الإنْشائِيَّةَ لا تَقَعُ جَزاءً كَما لا تَقَعُ خَبَرًا، إلّا بِتَأْوِيلٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ لا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيها، لِعَدَمِ الحَمْلِ المُقْتَضِي لَهُ، والوَقُودُ بِالفَتْحِ كَما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ ما يُوقَدُ بِهِ النّارُ، وكَذا كُلُّ ما كانَ عَلى فَعُولٍ، اسْمٌ لِما يُفْعَلُ بِهِ في المَشْهُورِ، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا عِنْدَ بَعْضٍ، وحَكَوْا ولُوعًا، وقَبُولًا، ووَضُوءًا، وطَهُورًا، ووَزُوعًا، ولَغُوبًا، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وقِيدُها)، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ (وقُودُها) بِالضَّمِّ، فَإنْ كانَ اسْمًا لِما يُوقَدُ بِهِ، كالمَفْتُوحِ فَذاكَ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا كَما قِيلَ في سائِرِ ما كانَ عَلى فَعُولٍ فَحَمْلُهُ عَلى النّارِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِلتَّجَوُّزِ فِيهِ، أوْ في التَّشْبِيهِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوَّلًا كَذُو وقُودِها، أوْ ثانِيًا كاحْتِراقٍ، وهو نَفْسُهُ خارِجًا غَيْرُهُ مَفْهُومًا، وذاكَ مِصْداقُ الحَمْلِ، وحُكِيَ إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ المَفْتُوحَ مَصْدَرًا، والمَضْمُومَ اسْمًا، فَيَنْعَكِسُ الحالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ، والحِجارَةُ كَحِجارٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِحَجَرٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ أحْجارٌ، وجَمْعُ فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى فِعالٍ شاذٌّ، وابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ يَقُولُ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِغَلَبَةِ وزْنِهِ في المُفْرَداتِ، وهو الظّاهِرُ، والمُرادُ بِها عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ حُكْمُ الرَّفْعِ حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وفِيها مِن شِدَّةِ الحَرِّ وكَثْرَةِ الِالتِهابِ، وسُرْعَةِ الإيقادِ، ومَزِيدِ الِالتِصاقِ بِالأبْدانِ، وإعْدادُ أهْلِ النّارِ أنْ يَكُونُوا حَطَبًا مَعَ نَتْنِ رِيحٍ وكَثْرَةِ دُخانٍ ووُفُورِ كَثافَةٍ ما نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِشَأْنِ النّارِ وتَنْفِيرٌ عَمّا يَجُرُّ إلَيْها بِما هو مَعْلُومٌ في الشّاهِدِ، وإنْ كانَ الأمْرُ وراءَ ذَلِكَ فالعالَمُ وراءَ هَذا العالَمِ، وعَيْلَمُ قُدْرَةِ الجَبّارِ سُبْحانَهُ وتَعالى يَضْمَحِلُّ فِيهِ هَذا العَيْلَمُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي يَنْحِتُونَها، وقَرَنَها بِهِمْ في الآخِرَةِ زِيادَةً لِتَحَسُّرِهِمْ حَيْثُ بَدا لَهم نَقِيضُ ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ، وهُناكَ يَتِمُّ لَهم نَوْعانِ مِنَ العَذابِ، رُوحانِيٌّ وجِسْمانِيٌّ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
صفحة 199
وحَمْلُها عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ لِأنَّهُما يُسَمَّيانِ حَجَرًا كَما في القامُوسِ دُونَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، الأصَحُّ أوَّلُهُما عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، وثانِيهُما عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وألْ فِيها عَلى كُلٍّ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لَهُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ النّارَ الَّتِي وُعِدُوا بِها صالِحَةٌ لِأنْ تَحْرِقَ ما أُلْقِيَ فِيها مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ صَلاحِيَّتِها، واسْتِعْدادِها بِالأمْرِ المُحَقَّقِ، وذَكَرَ النّاسَ والحِجارَةَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ جَهَنَّمَ، وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ وقُودِها لِيَقَعَ ذَلِكَ مِنَ النُّفُوسِ أعْظَمَ مَوْقِعٍ، ويَحْصُلَ بِهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَقِيقَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمُتَبادِرِ مِنَ الآياتِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ سُوءُ ظَنٍّ بِالقُدْرَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ أنْ لا يَكُونَ في النّارِ غَيْرُهُما بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كَوْنِ الجِنِّ والشَّياطِينِ فِيها أيْضًا، نَعَمْ قالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهم لَهَبُها، وأُولَئِكَ جَمْرُها، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالنّاسِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ الآلامَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ إيقادًا مِنَ الجَمادِ، لِما فِيهِمْ مِنَ الجُلُودِ واللُّحُومِ والشُّحُومِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ مَزِيدَ التَّخْوِيفِ، وإنَّما عَرَّفَ النّارَ وجَعَلَ الجُمْلَةَ صِلَةً، وأنَّها يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً، لِأنَّ المُنْكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ نَزَلَ أوَّلًا، فَسَمِعُوهُ بِصِفَتِهِ، فَلَمّا نَزَلَ هَذا بَعْدُ جاءَ مَعْهُودًا، فَعُرِّفَ وجُعِلَتْ صِفَتُهُ صِلَةً، وكَوْنُ الصِّفَةِ كَذَلِكَ الخَطْبُ فِيهِ هَيِّنٌ لِما أنَّ المُخاطَبَ هُناكَ المُؤْمِنُونَ، وظاهِرٌ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إلّا أنَّ في كَوْنِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ نَزَلَتْ أوَّلًا مَقالًا فَتَأمَّلْ، ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ قُطِعَ عَمّا قَبْلَهُ، مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى الصِّلَةِ السّابِقَةِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، بِجَعْلِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بِالإفادَةِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ، وجَعْلُهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِأنْ يُقَدَّرَ: لِمَن أُعِدَّتْ؟ أوْ لِمَ كانَ وقُودُها؟ كَذا، وكَذا فَمَعَ عَدَمِ مُساعَدَةِ عَطْفِ بَشَرٍ الآتِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْجَوابِ، إلّا أنْ يُقالَ المَعْطُوفُ عَلى الِاسْتِئْنافِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا يَأْبى عَنْهُ الذَّوْقُ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ السِّياقَ لا يَقْتَضِيهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَقْصِدَ مِنَ الصِّلَةِ التَّهْوِيلُ، فالسُّؤالُ بِلِمَ كانَ شَأْنُ النّارِ كَذا، مِمّا لا مَعْنى لَهُ، والجَوابُ غَيْرُ وافٍ بِهِ، وجَعَلَهُ حالًا مِنَ النّارِ بِإضْمارِ قَدْ، والخَبَرُ مِن أجْزاءِ الصِّلَةِ لِذِي الحالِ، لا مِن ضَمِيرِ وقُودِها لِلْجُمُودِ، أوْ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بِالخَبَرِ الأجْنَبِيِّ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يَحْسُنُ التَّقْيِيدُ بِهَذِهِ الحالِ، إلّا أنْ يُقالَ إنَّها لازِمَةٌ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، فَيُفِيدُ المَعْنى الَّذِي تُفِيدُهُ الصِّلَةُ، ولِذا قِيلَ: إنَّها صِلَةٌ بَعْدَ صِلَةٍ، وتَعَدُّدُ الصِّلاتِ كالصِّفاتِ، والأخْبارِ كَثِيرٌ بِعاطِفٍ وبِدُونِهِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ، وإنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ السَّعْدُ، أوْ مَعْطُوفٌ بِحَذْفِ الحَرْفِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ، وجَعَلَهُ صِلَةً، (ووَقُودُها النّاسُ) إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ حالٌ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، ومَعْنى (أُعِدَّتْ) هُيِّئَتْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اعْتَدَّتْ) مِنَ العَتادِ، بِمَعْنى العُدَّةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ) والمُرادُ إمّا جِنْسُهُمْ، والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ هم خاصَّةً، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ حِينَئِذٍ لِذَمِّهِمْ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ، وكَوْنُ الإعْدادِ لِلْكافِرِينَ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ فِيها عَلى جِهَةِ التَّطَفُّلِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ نارَ العُصاةِ غَيْرُ نارِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَكانِها في واسِعِ مُلْكِهِ، وجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ لِتَحَقُّقِهِ ماضِيًا، كَنُفِخَ في الصُّوَرِ، والإعْدادُ مِثْلُهُ في ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا﴾ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ خِلافَ الظّاهِرِ، والَّذِي ذَهَبَ أهْلُ الكَشْفِ إلَيْهِ أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرَ أنَّها لَمْ تَتِمَّ، وهي الآنَ عِنْدَهم دارٌ حَرَّرُوها، هَواءٌ مُحْتَرِقٌ لا جَمْرَ لَها البَتَّةَ، ومَن فِيها مِنَ الزَّبانِيَةِ في رَحْمَةٍ مُنَعَّمُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى لا يَفْتَرُونَ، وتَحْدُثُ فِيها الآلامُ بِحُدُوثِ أعْمالِ الإنْسِ والجِنِّ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها، ولِذا يَخْتَلِفُ عَذابُ داخِلِيها وحْدَها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحِسابِ، ودُخُولِ
صفحة 200
أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ مِن مُقَعَّرِ فَكِّ الثَّوابِتِ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، فَلِهَذا كُلِّهِ يُزادُ إلى ما هو الآنَ، ولِذا كانَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إذا رَأى البَحْرَ: يا بَحْرُ مَتّى تَعُودُ نارًا، وكانَ يَكْرَهُ الوُضُوءَ بِمائِهِ، ويَقُولُ: التَّيَمُّمُ أحَبُّ إلَيَّ مِنهُ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أيْ أُجِّجَتْ، ولَيْسَ لِلْكُفّارِ اليَوْمَ مُكْثٌ فِيها، وإنَّما يُعْرَضُونَ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وهي نارانِ حِسِّيَّةٌ مُسَلَّطَةٌ عَلى ظاهِرِ الجِسْمِ، والإحْساسِ، والحَيَوانِيَّةِ، ومَعْنَوِيَّةٌ وهي الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، وبِها يُعَذَّبُ الرُّوحُ المُدَبَّرُ لِلْهَيْكَلِ الَّذِي أُمِرَ فَعَصى، والمُخالَفَةُ وهي عَيْنُ الجَهْلِ بِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ أشَدُّ العَذابِ، وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ، وأتَوْا بِالعَجَبِ العُجابِ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ عِنْدِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا شَيْءَ أحْسَنُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفِيَّةُ ما في تِلْكَ النَّشْأةِ الأُخْرَوِيَّةِ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ تُعْلَمَ كَما يَنْبَغِي لِمَن غَرِقَ في بِحارِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وماذا عَلَيَّ إذا آمَنتُ بِما جاءَ مِمّا أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ مِنَ الأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ مِمّا لا يَسْتَحِيلُ عَلى ما جاءَ، وفَوَّضْتُ الأمْرَ إلى خالِقِ الأرْضِ والسَّماءِ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنا عَلى دِينِهِ،
البقرة 2:25
﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما تَقَدَّمَ الكُفّارَ وما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الآخِرَةِ، وكانَ في ذَلِكَ أبْلَغُ التَّخْوِيفِ والإنْذارِ عَقَّبَ بِالمُؤْمِنِينَ، وما لَهم جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ والوَعْدِ بِالوَعِيدِ، لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يُجْدِيهِ التَّخْوِيفُ ولا يُجْدِيهِ ويَنْفَعُهُ اللُّطْفُ، ومِنهم عَكْسُ ذَلِكَ، فَكَأنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّناسُبُ بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَيانٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ، وكَشْفٌ عَنِ الوَصْفَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ، وهَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى (وإنْ كُنْتُمْ) إلى (أُعِدَّتْ) أوْ عَلى ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ الآيَةَ؟ قَوْلانِ، اخْتارَ السَّيِّدُ أوَّلَهُما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ، وأدْعى لِتَلائُمِ النَّظْمِ، لِأنَّ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، (وإنْ كُنْتُمْ) إلَخْ، مُخْتَصٌّ بِالمُخالِفِ، ومَضْمُونُهُ الإنْذارُ، (وبَشِّرْ) إلَخْ، مُخْتَصٌّ بِالمُوافِقِ، ومَضْمُونُهُ البِشارَةُ، كَأنَّهُ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلى عِبادَتِهِ، ثُمَّ أُمِرَ أنْ يُنْذِرَ مَن عانَدَ، ويُبَشِّرَ مَن صَدَّقَ، والسَّعْدُ اخْتارَ ثانِيَهُما، لِأنَّ السَّوْقَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ، ووَصْفِ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (فاتَّقُوا)، وتَغايُرُ المُخاطَبِينَ لا يَضُرُّ كَـ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي﴾، وتَرَتُّبُهُ عَلى الشَّرْطِ بِحُكْمِ العَطْفِ بِاعْتِبارِ أنَّ (اتَّقُوا) إنْذارٌ وتَخْوِيفٌ لِلْكُفّارِ، (وبَشِّرْ) تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكُلٌّ مِنهُما مُتَرَتِّبٌ عَلى عَدَمِ المُعارَضَةِ بِعَدَمِ التَّحَدِّي، لِأنَّ عَدَمَ المُعارَضَةِ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَ إعْجازِهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ اسْتِيجابَ مُنْكِرِهِ العِقابَ، ومُصَدِّقِهِ الثَّوابَ، لِأنَّ الحُجَّةَ تَمَّتْ، والدَّعْوَةَ كَمُلَتْ، واسْتِيجابُهُما إيّاهُما يَقْتَضِي الإنْذارَ، والتَّبْشِيرَ، فَتَرَتُّبُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبُ الأُولى عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الجَزاءَ (فَآمِنُوا) مَحْذُوفًا، والمَذْكُورُ قائِمٌ مَقامَهُ، فالمَعْنى: إنْ لَمْ تَأْتُوا بِكَذا فَآمِنُوا وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ فَلْيُوجَدْ إيمانٌ مِنهُمْ، وبِشارَةٌ مِنكَ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى الإيمانِ، ولَعَلَّهُ أقَلُّ مُؤْنَةً، واخْتارَ صاحِبُ الإيضاحِ عَطْفَهُ عَلى (أنْذِرْ) مُقَدَّرًا بَعْدَ جُمْلَةِ (أُعِدَّتْ)، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (قُلْ) قَبْلَ ”وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا“ وتَقْدِيرُهُ: قَبْلَ (ياأيُّها النّاسُ) يُحْوِجُ إلى إجْراءِ ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ العُظَماءِ، أوْ تَقْدِيرِ: قالَ اللَّهُ بَعْدَ قُلْ، والبِشارَةُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ اسْمٌ مِن بَشَرَ بِشْرًا وبُشُورًا، وتُفْتَحُ الباءُ فَتَكُونُ بِمَعْنى الجَمالِ، وفي الفِعْلِ لُغَتانِ التَّشْدِيدُ، وهي العُلْيا، والتَّخْفِيفُ وهي لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وقُرِئَ بِهِما في المُضارِعِ في مَواضِعَ، والتَّكْثِيرُ في المُشَدَّدِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّ واحِدًا كانَ فِعْلٌ فِيهِ مُغْنِيًا عَنْ فِعْلٍ، وفَسَّرُوها في المَشْهُورِ، وصُحِّحَ بِالخَبَرِ السّارِّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ المُخْبَرِ عِلْمٌ بِهِ، واشْتَرَطَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ صِدْقًا، وعَنْ سِيبَوَيْهِ إنَّها خَبَرٌ يُؤَثِّرُ في البَشَرَةِ حُزْنًا أوْ سُرُورًا، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وصَحَّحَهُ في البَحْرِ، ”وبَشَّرَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ ظاهِرٌ عَلَيْهِ، ومِن بابِ التَّهَكُّمِ
صفحة 201
عَلى الأوَّلِ، والمَأْمُورُ بِالتَّبْشِيرِ البَشِيرُ النَّذِيرُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ)،» الحَدِيثَ، فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِعَظَمَتِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَوَلّى التَّبْشِيرَ بِهِ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ هُناكَ مَجازٌ إنْ كانَ الضَّمِيرُ مَوْضُوعًا لِجُزْئِيٍّ بِوَضْعٍ كُلِّيٍّ، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ والمَجازِ كَلامٌ في مَحَلِّهِ، ولَمْ يُخاطَبِ المُؤْمِنُونَ كَما خُوطِبَ الكَفَرَةُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وإيذانًا تامًّا بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُبَشَّرُوا، ويُهَنَّئُوا بِما أُعِدَّ لَهُمْ، وقِيلَ: تَغْيِيرٌ لِلْأُسْلُوبِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ، وعِنْدِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَسى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُلَّةَ عُبُودِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ ناسَبَ أنْ يُطَرِّزَها بِطِرازِ التَّكْلِيفِ بِما يَزِيدُ حُبَّ أحْبابِهِ لَهُ، فَيَزْدادُوا إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِهِمْ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وبُشِّرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أُعِدَّتْ) كَما اشْتُهِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، فَتَوافَقَ القِراءَتانِ مَعْنًى وعَطْفًا، وتَعْلِيقُ التَّبْشِيرِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لَكِنْ لا لِذاتِهِما، بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ، ومُقْتَضى وعْدِهِ، وجَعَلَ صِلَتَهُ فِعْلًا مُفِيدًا لِلْحُدُوثِ بَعْدَ إيرادِ الكُفّارِ بِصِيغَةِ الفاعِلِ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ بِالِاتِّقاءِ عَلى إحْداثِ الإيمانِ، وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ مَناطِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، لا يَقْتَضِي انْتِفاءَ البِشارَةِ عِنْدَ انْتِفائِهِ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَدْخُلَ بِالإيمانِ المُجَرَّدِ الجَنَّةَ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ ظَنِّيٌّ لا يُعارِضُ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ الجَنَّةَ جَزاءُ مُجَرَّدِ الإيمانِ، ومُتَعَلِّقُ (آمَنُوا) مِمّا لا يَخْفى، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والصّالِحاتُ جَمْعُ صالِحَةٍ، وهي في الأصْلِ مُؤَنَّثُ الصّالِحِ اسْمِ فاعِلٍ مِن صَلَحَ صُلُوحًا، وصَلاحًا خِلافُ فَسَدَتْ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلى ما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ وحَسَّنَهُ، وأُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ الجامِدَةِ في عَدَمِ جَرْيِها عَلى المَوْصُوفِ، وغَيْرِهِ، وتَأْنِيثُها عَلى تَقْدِيرِ الخَلَّةِ، ولِلْغَلَبَةِ تُرِكَ، ولَمْ تُجْعَلِ التّاءُ لِلنَّقْلِ لِعَدَمِ صَيْرُورَتِها اسْمًا، وألْ فِيها لِلْجِنْسِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ تَحَقُّقُهُ في الأفْرادِ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِ المُكَلَّفِ، ولَوْ أُرِيدَ التَّوْزِيعُ يَلْزَمُ كِفايَةُ عَمَلٍ واحِدٍ، بَلْ في البَعْضِ الَّذِي يَبْقى مَعَ إرادَتِهِ مَعْناهُ الأصْلِيَّ الجِنْسِيَّةُ مَعَ الجَمْعِيَّةِ، وهو الثَّلاثَةُ أوِ الِاثْنانِ، والمُخَصَّصُ حالُ المُؤْمِنِ فَما يَسْتَطِيعُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَعْدَ حُصُولِ شَرائِطِهِ هو المُرادُ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ أصْلًا، أوْ عَمِلَ عَمَلًا واحِدًا غَيْرُ داخِلٍ في الآيَةِ، ومَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مُبَشِّرًا مِن مَواقِعَ أُخَرَ، وبَعْضُهم جَعَلَ فِيها شائِبَةَ التَّوْزِيعِ بِأنْ يَعْمَلَ كُلَّ ما يَجِبُ مِنَ الصّالِحاتِ، إنْ وجَبَ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وأُدْخِلَ مَن أسْلَمَ وماتَ قَبْلَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ وجَبَ شَيْءٌ واحِدٌ، ولَيْسَ هَذا تَوْزِيعًا في المَشْهُورِ، كَرَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهُمْ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى مُقابَلَةِ أشْياءَ بِأشْياءَ أخَذَ كُلٌّ مِنها ما يَخُصُّهُ سَواءٌ الواحِدُ الواحِدُ كالمِثالِ أوِ الجَمْعُ الواحِدُ كَدَخَلَ الرِّجالُ مَساجِدِ مَحَلّاتِهِمْ، أوِ العَكْسُ كَلَبِسَ القَوْمُ ثِيابَهُمْ، ومِنهُ ”واغسلوا وُجُوهكم وأيْدِيكم“ والسَّيِّدُ يُسَمِّي هَذا شائِبَةَ التَّوْزِيعِ، ﴿أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أرادَ سُبْحانَهُ بِأنَّ لَهم إلَخْ لِتَعَدِّي البِشارَةِ بِالباءِ، فَحُذِفَ لِاطِّرادِ حَذْفِ الجارِّ مَعَ أنَّ، وأنَّ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِطُولِهِما بِالصِّلَةِ، ومَعَ غَيْرِهِما فِيهِ خِلافٌ مَشْهُورٌ، وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ قَوْلانِ، النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ، والجَرُّ لِأنَّ الجارَّ بَعْدَ الحَذْفِ قَدْ يَبْقى أثَرُهُ، ولامُ الجَرِّ لِلِاسْتِحْقاقِ، وكَيْفِيَّتُهُ مُسْتَفَداةٌ مِن خارِجٍ، ولا اسْتِحْقاقَ بِالذّاتِ، فَهو بِمُقْتَضى وعْدِ الشّارِعِ الَّذِي لا يُخْلِفُهُ، فَضْلًا وكَرَمًا، لَكِنْ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الإيمانِ، والجَنَّةُ في الأصْلِ المَرَّةُ مِنَ الجَنِّ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى السَّتْرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِها البُسْتانُ الَّذِي سَتَرَتْ أشْجارُهُ أرْضَهُ، أوْ كُلُّ أرْضٍ فِيها شَجَرٌ ونَخْلٌ
صفحة 202
فَإنْ كَرْمٌ فَفِرْدَوْسٌ، وأُطْلِقَتْ عَلى الأشْجارِ نَفْسِها، ووَرَدَتْ في شِعْرِ الأعْشى بِمَعْنى النَّخْلِ خاصَّةً، ثُمَّ نُقِلَتْ، وصارَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً في دارِ الثَّوابِ، إذْ فِيها مِنَ النَّعِيمِ (ما لا، ولا) مِمّا هو مُغَيَّبٌ الآنَ عَنّا، وجُمِعَتْ جَمْعَ قِلَّةٍ في المَشْهُورِ لِقِلَّتِها عَدَدًا كَقِلَّةِ أنْواعِ العِباداتِ، ولَكِنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَراتِبُ شَتّى، ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ، والعُمّالِ، وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها سَبْعٌ لَمْ يَقِفْ عَلى ثُبُوتِهِ الحُفّاظِ، وتَنْوِينُها إمّا لِلتَّنْوِيعِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِقُرْبِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، وهو أسْرٌ لِلسّامِعِ، والشّائِعُ التَّقْدِيمُ إذا كانَ الِاسْمُ نَكِرَةً كَـ ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا﴾ وتَحْتَ، ظَرْفُ مَكانٍ لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مِن، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، والضَّمِيرُ لِلْجَنّاتِ، فَإنْ أُرِيدَ الأشْجارُ فَذاكَ مَعَ ما فِيهِ قَرِيبٌ في الجُمْلَةِ، وإنْ أُرِيدَ الأرْضُ قِيلَ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، أوْ عادَ عَلَيْها بِاعْتِبارِ الأشْجارِ اسْتِخْدامًا، ونَحْوِهِ، وقِيلَ: إنَّ تَحْتَ بِمَعْنى جانِبٍ كَدارِي تَحْتَ دارِ فُلانٍ، وضُعِّفَ كالقَوْلِ: مِن تَحْتِ أوامِرِ أهْلِها، وقِيلَ: مَنازِلُها، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ، كَما قِيلَ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ، والوارِدُ في الأثَرِ الصَّحِيحِ عَنْ مَسْرُوقٍ: إنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ، وهَذا في أرْضٍ حَصْباؤُها الدُّرُّ والياقُوتُ أبْلَغُ في النُّزْهَةِ، وأحْلى في المَنظَرِ، وأبْهَجُ لِلنَّفْسِ
وتَحَدَّثَ الماءُ الزُّلالُ مَعَ الحَصى فَجَرى النَّسِيمُ عَلَيْهِ يَسْمَعُ ما جَرى
والأنْهارُ جَمْعُ نَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ، وسُكُونِها، والفَتْحُ أفْصَحُ، وأصْلُهُ الشَّقُّ، والتَّرْكِيبُ لِلسَّعَةِ، ولَوْ مَعْنَوِيَّةً كَنَهْرِ السّائِلِ، بِناءً عَلى أنَّهُ الزَّجْرُ البَلِيغُ، فَأُطْلِقَ عَلى ما دُونَ البَحْرِ وفَوْقَ الجَدْوَلِ، وهَلْ هو نَفْسُ مَجْرى الماءِ، أوِ الماءُ في المَجْرى المُتَّسِعِ؟ قَوْلانِ: أشْهَرُهُما الأوَّلُ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِياهُها، أوْ ماؤُها، وتَأْنِيثُ تَجْرِي رِعايَةً لِلْمُضافِ إلَيْهِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ، وفي الكَلامِ مَجازٌ في النَّقْصِ، أوْ في الظَّرْفِ، (أوْ لا، ولا)، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وألْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ قِيلَ: أوِ الخارِجِيِّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الأنْهارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ﴾ الآيَةَ، فَإنَّها مَكِّيَّةٌ عَلى الأصَحِّ، وذِي مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَها، واسْتَبْعَدَهُ السَّيِّدُ والسَّعْدُ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ أنْهارُها، وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ عَلى مَعْنى: يَجْرِي تَحْتَ الأشْجارِ جَمِيعُ أنْهارِ الجَنَّةِ، فَهو وصْفٌ لِدارِ الثَّوابِ بِأنَّ أشْجارَها عَلى شَواطِئِ الأنْهارِ، وأنْهارَها تَحْتَ ظِلالِ الأشْجارِ أبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ، ولا يَخْفى الكَلامُ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ.
﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَنّاتٍ، أُخِّرَتْ عَنِ الأُولى لِأنَّ جَرَيانَ الأنْهارِ مِن تَحْتِها وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ ذاتِها، وهَذا بِاعْتِبارِ سُكّانِها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمْ، والقَرِينَةُ ذِكْرُهُ في السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِبَيانِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَةُ حَذْفِ هَذا المُبْتَدَإ تَحَقُّقُ التَّناسُبِ بَيْنَ الجُمَلِ الثَّلاثَةِ، صُورَةً لِاسْمِيَّتِها، ومَعْنًى لِكَوْنِها جَوابَ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم في تِلْكَ الجَنّاتِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ لَهم فِيها ثِمارًا لَذِيذَةً عَجِيبَةً، وأزْواجًا نَظِيفَةً، وهم فِيها خالِدُونَ، وتَقْدِيرُ المُبْتَدَإ هو أوْ هي لِلشَّأْنِ، أوِ القِصَّةِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ، وإذا لَمْ تَدْخُلْهُ النَّواسِخُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُفَسِّرُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، نَعَمْ جازَ تَقْدِيرُ هي لِلْجَنّاتِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ، إلّا أنَّ التَّناسُبَ أنْسَبُ، أوْ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، كَأنَّهُ لَمّا وصَفَ الجَنّاتِ بِما ذَكَرَ، وقَعَ في الذِّهْنِ أنَّ ثِمارَها كَثِمارِ جَنّاتِ الدُّنْيا أوَّلًا، فَبَيَّنَ حالَها، ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ﴾ زِيادَةٌ في الجَوابِ، ولَوْ قُدِّرَ السُّؤالُ نَحْوُ ألَهم في الجَنّاتِ لَذّاتٌ كَما في هَذِهِ الدّارِ؟ أمْ أتَمُّ وأزْيَدُ؟ كانَ أصَحَّ وأوْضَحَ
صفحة 203
وأجازَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالًا مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِن جَنّاتٍ، لِوَصْفِها، وهي حِينَئِذٍ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والأصْلُ فِيها المُصاحَبَةُ، والقَوْلُ: بِأنَّها صِفَةٌ مَقْطُوعَةٌ دَعْوى مَوْصُولَةٌ بِالجَهْلِ بِشَرْطِ القَطْعِ، وهو عِلْمُ السّامِعِ بِاتِّصافِ المَنعُوتِ بِذَلِكَ النَّعْتِ، وإلّا لاحْتاجَ إلَيْهِ، ولا قَطْعَ مَعَ الحاجَةِ، (وكُلَّما) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِـ(قالُوا)، (ورِزْقًا) مَفْعُولٌ ثانٍ، لِـ(رُزِقُوا)، كَرَزَقَهُ مالًا، أيْ أعْطاهُ، ولَيْسَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُؤَكِّدًا لِعامِلِهِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى المَرْزُوقِ أعْرَفُ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ مَعَ اقْتِضاءِ ظاهِرِ ما بَعْدَهُ لَهُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّنْوِيعِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ نَوْعًا لَذِيذًا غَيْرَ ما تَعْرِفُونَهُ، (ومِنَ) الأُولى والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ، قُصِدَ بِهِما مُجَرَّدُ كَوْنِ المَجْرُورِ بِهِما مَوْضِعًا انْفَصَلَ عَنْهُ الشَّيْءُ، ولِذا لا يَحْسُنُ في مُقابَلَتِها نَحْوَ إلى، وهُما ظَرْفانِ مُسْتَقِرّانِ واقِعانِ حالًا عَلى التَّداخُلِ، وصاحِبُ الأُولى (رِزْقًا)، والثّانِيَةِ ضَمِيرُهُ المُسْتَكِنُّ في الحالِ، والمَعْنى: كُلَّ حِينٍ رُزِقُوا مَرْزُوقًا مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرِهِ، والشّائِعُ كَوْنُهُما لَغْوًا، والرِّزْقُ قَدِ ابْتَدَأ مِنَ الجَنّاتِ، والرِّزْقُ مِنَ الجَنّاتِ قَدِ ابْتَدَأ مِن ثَمَرَةٍ، وجُعِلَ بِمَنزِلَةِ أنْ تَقُولَ: أعْطانِي فُلانٌ، فَيُقالُ: مِن أيْنَ؟ فَتَقُولُ: مِن بُسْتانِهِ، فَيَقُولُ: مِن أيِّ ثَمَرَةٍ؟ فَتَقُولُ: مِنَ الرُّمّانِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ (رُزِقُوا) جُعِلَ مُطْلَقًا مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ ثُمَّ جُعِلَ مُقَيَّدًا بِالِابْتِداءِ مِن ذَلِكَ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرَةٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ، لا يَرِدُ أنَّهم مَنَعُوا تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيِ اللَّفْظِ والمَعْنى بِعامِلٍ واحِدٍ، والآيَةُ تُخالِفُهُ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ذاكَ إذًا تَعَلَّقا بِهِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِلْإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، والمُرادُ مِنَ الثَّمَرَةِ - عَلى هَذا - النَّوْعُ كالتُّفّاحِ والرُّمّانِ، لا الفَرْدُ، لِأنَّ ابْتِداءَ الرِّزْقِ مِنَ البُسْتانِ مِن فَرْدٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ قِطْعَةً مِنهُ، لا جَمِيعَهُ، وهو رَكِيكٌ جِدًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ مُبَيِّنَةً لِلْمَرْزُوقِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ لَغْوٌ، والثّانِي مُسْتَقِرٌّ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، وقَعَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها، ولِتَقَدُّمِها تَقْدِيرًا جازَ تَقْدِيمُ المُبَيَّنِ عَلى المُبْهَمِ، والثَّمَرَةُ يَجُوزُ حَمْلُها عَلى النَّوْعِ، وعَلى الجَنْأةِ الواحِدَةِ، ولَمْ يَلْتَفِتِ المُحَقِّقُونَ إلى جَعْلِ الثّانِيَةِ تَبْعِيضِيَّةً في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، ورِزْقًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ، مِن (رِزْقًا) لِبُعْدِهِ مَعَ أنَّ الأصْلَ التَّبْيِينُ، والِابْتِداءُ، فَلا يُعْدَلُ عَنْهُما إلّا لِداعٍ، عَلى أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها، أوْ ما بَعْدَها جُزْأً لِمَجْرُورِها، لا جُزْئِيًّا، فَتَأْتِيَ الرَّكاكَةُ ها هُنا، وجَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ (مِنها) و(مِن ثَمَرَةٍ)، ولَمْ يَقُلْ: مِن ثَمَرِها، بَدَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ تَعَلُّقَ (مِنها) يُفِيدُ أنَّ سُكّانَها لا تَحْتاجُ لِغَيْرِها، لِأنَّ فِيها كُلَّ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَعَلُّقُ (مِن ثَمَرَةٍ) يُفِيدُ أنَّ المُرادَ بَيانُ المَأْكُولِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ الثَّمَراتِ دُونَ بَقِيَّةِ اللَّذّاتِ المَعْلُومَةِ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ، وهَذا إشارَةٌ إلى نَوْعِ ما رُزِقُوا، ويَكْفِي إحْساسُ أفْرادِهِ، وهَذا كَقَوْلِكَ مُشِيرًا إلى نَهَرٍ جارٍ: هَذا الماءُ لا يَنْقَطِعُ، أوْ إلى شَخْصِهِ، والإخْبارِ عَنْهُ (بِـالَّذِي) إلَخْ، عَلى جَعْلِهِ عَيْنَهُ مُبالَغَةً، أوْ تَقْدِيرِ: مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ، أيْ في الدُّنْيا، والحِكْمَةُ في التَّشابُهِ أنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلى ما يُسْتَطابُ، وتَطْلُبُ زِيادَتَهُ.
أعِدْ ذِكْرَ نُعْمانَ لَنا إنَّ ذِكْرَهُ ∗∗∗ هو المِسْكُ ما كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
وهَذا مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ الأحْوالِ والمَقاماتِ، أوْ لِتَبْيِينِ المِرْيَةِ، وكُنْهُ النِّعْمَةِ فِيما رُزِقُوهُ هُناكَ، إذْ لَوْ كانَ جِنْسًا لَمْ يُعْهَدْ ظُنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، أوْ في الجَنَّةِ، والتَّشابُهُ في الصُّورَةِ إمّا مَعَ الِاخْتِلافِ في الطَّعْمِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (إنَّ أحَدَهم يُؤْتى بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها ثُمَّ يُؤْتى بِأُخْرى فَيَراها مِثْلَ الأُولى فَيَقُولُ: ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ، فاللَّوْنُ واحِدٌ والطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ)، أوْ مَعَ التَّشابُهِ في الطَّعْمِ أيْضًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِيَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ لِيَأْكُلَها، فَما هي واصِلَةٌ إلى فِيهِ حَتّى يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَها مِثْلَها)،» فَلَعَلَّهم إذا رَأوْها عَلى الهَيْئَةِ الأُولى، قالُوا ذَلِكَ، والدّاعِي لَهم لِهَذا القَوْلِ فَرْطُ اسْتِغْرابِهِمْ، وتَبَجُّحُهم بِما وجَدُوا مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ
صفحة 204
والمَشْهُورُ أنَّ كَوْنَ المُرادِ بِالقَبْلِيَّةِ في الدُّنْيا أوْلى مِمّا يُقَدَّمُ في الآخِرَةِ، لِأنَّ (كُلَّما) تُفِيدُ العُمُومَ، ولا يُتَصَوَّرُ قَوْلُهم ذَلِكَ في أوَّلِ ما قُدِّمَ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: كَوْنُ المُرادِ بِها في الآخِرَةِ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ انْحِصارُ ثِمارِ الجَنَّةِ في الأنْواعِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا مَعَ أنَّ فِيها ما عَلِمْتَ، وما لَمْ تَعْلَمْ، عَلى أنَّ فِيهِ تَوْفِيَةً بِمَعْنى حَدِيثِ تَشابُهِ ثِمارِ الجَنَّةِ، ومُوافَقَتَهُ لِمُتَشابِهِها، بَعْدُ فَإنَّهُ في رِزْقِ الجَنَّةِ أظْهَرُ، وإعادَةُ الضَّمِيرِ إلى المَرْزُوقِ في الدّارَيْنِ تَكَلُّفٌ، وسَتَسْمَعُهُ بِمَنِّهِ تَعالى، وفي الآيَةِ مَحْمَلٌ آخَرُ يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، بِأنْ يَكُونَ ما رُزِقُوهُ قَبْلُ هو الطّاعاتُ والمَعارِفُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها أصْحابُ الفِطْرَةِ والعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وهَذا جَزاءٌ مُشابِهٌ لَها فِيما ذُكِرَ مِنَ اللَّذَّةِ، كالجَزاءِ الَّذِي في ضِدِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَهُ، فالَّذِي رُزِقْناهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ جَزائِهِ بِإطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجَنَّةَ وما فِيها مِن فُنُونِ الكَراماتِ مِنَ الجَزاءِ كَما لا يَخْفى، أوْ هو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الثِّمارِ والفَواكِهِ بِالطّاعاتِ والمَعارِفِ، فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: أرْضُ الجَنَّةِ قِيعانٌ يَظْهَرُ فِيها أعْمالُ الدُّنْيا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ، فَثَمَرَةُ النَّعِيمِ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا، فَتَدَبَّرْ، ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِما يَشْتَمِلُ عَلى مَعْناهُ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والحالِيَّةَ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، وهو شائِعٌ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو ظاهِرًا الخَدَمُ والوِلْدانُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ هارُونَ، والعَتَكِيِّ: (وأتَوْا) عَلى الفاعِلِ، وفِيها إضْمارٌ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وقَدْ أُظْهِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ إمّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُرادَ مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، فَراجِعٌ إلى المَفْهُومِ الواحِدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اللَّفْظانِ، هَذا والَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ، وهو المَرْزُوقُ في الدّارَيْنِ أيْ أُتُوا بِمَرْزُوقِ الدّارَيْنِ مُتَشابِهًا بَعْضُهُ بِالبَعْضِ، ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ بِالكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ، ولَوْ رَجَعَ إلى المَلْفُوظِ لَقِيلَ: بِهِما، وعَبَّرَ عَمّا بَعْضُهُ ماضٍ وبَعْضُهُ مُسْتَقْبَلٌ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَرْزُوقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ الجِنْسُ الصّالِحُ التَّناوُلِ لِكُلٍّ مِنهُما، لا المُقَيَّدُ بِهِما، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُرادَ في الجَنَّةِ، فَراجِعٌ إلى الرِّزْقِ، أيْ أُتُوا بِالمَرْزُوقِ في الجَنَّةِ مُتَشابِهَ الأفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: والظّاهِرُ هَذا، لِأنَّ مَرْزُوقَهم في الآخِرَةِ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ، والمُشَبَّهُ بِالَّذِي رُزِقُوهُ مِن قَبْلُ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنَّما جاءَتْ مُحَدَّثًا بِها عَنِ الجَنَّةِ، وأحْوالها، وكَوْنُهُ يُخْبِرُ عَنِ المَرْزُوقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ مُتَشابِهٌ لَيْسَ مِن حَدِيثِ الجَنَّةِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ، ولا يُعَكِّرُ عَلى دَعْوى مُتَشابِهٍ، ما في الدّارَيْنِ، ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِن أطْعِمَةِ الدُّنْيا إلّا الأسْماءُ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهو حاصِلٌ في الصُّورَةِ الَّتِي هي مَناطُ الِاسْمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في المِقْدارِ والطَّعْمِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ إطْلاقَ الأسْماءِ عَلَيْها لِكَوْنِها عَلى الِاسْتِعارَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ فِيما هو مَناطُها، وهو الصُّورَةُ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّشابُهُ بَيْنَهُما، فالمُسْتَثْنى في الأثَرِ الأسْماءُ، وما هو مَناطُها، بِدِلالَةِ العَقْلِ، ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، ورابِعَةٌ لِلْجَنّاتِ، وأُورِدَتِ الأوَّلِيَّتانِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ، وهاتانِ بِالِاسْمِيَّةِ، لِإفادَةِ الدَّوامِ، وتُرِكَ العاطِفُ في البَعْضِ مَعَ إيرادِهِ في البَعْضِ قِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ في الصِّفاتِ، واخْتَصَّ كُلٌّ بِما اخْتَصَّ بِهِ لِمُناسَبَةٍ لا تَخْفى، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَتانِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (لَهُمْ)، والعامِلُ فِيها مَعْنًى الِاسْتِقْرارُ، والأزْواجُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ زِوَجَةٌ، كَعَوْدٍ وعِوَدَةٍ، ولَمْ يَكْثُرِ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ، قِيلَ: ولِهَذا اسْتُغْنَيَ عَنْهُ بِجَمْعِ القِلَّةِ تَوَسُّعًا، وقَدْ ورَدَ في الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأزْواجِ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ويُقالُ: الزَّوْجُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، ويَكُونُ لِأحَدِ المُزْدَوِجَيْنِ، ولَهُما مَعًا، ويُقالُ لِلْأُنْثى: زَوْجَةٌ في لُغَةِ تَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِن قَيْسٍ، والمُرادُ هُنا بِالأزْواجِ النِّساءُ اللّاتِي تَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ، لا يَشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، ولَيْسَ في المَفْهُومِ اعْتِبارُ التَّوالُدِ الَّذِي هو مَدارُ بَقاءِ
صفحة 205
النَّوْعِ حَتّى لا يَصِحَّ إطْلاقُهُ عَلى أزْواجِ الجَنَّةِ لِخُلُودِهِمْ فِيها، واسْتِغْنائِهِمْ عَنِ الأوْلادِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم صَحَّحَ التَّوالُدَ فِيها، ورَوى آثارًا في ذَلِكَ، لَكِنْ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الأوْلادَ رُوحانِيُّونَ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ، ومَعْنى كَوْنِها مُطَهَّرَةً أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَزَّهَهُنَّ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُهُنَّ، فَإنْ كُنَّ مِنَ الحُورِ كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَعْنى التَّطَهُّرِ خَلَقَهُنَّ عَلى الطَّهارَةِ لَمْ يَعْلَقْ بِهِنَّ دَنَسٌ ذاتِيٌّ ولا خارِجِيٌّ، وإنْ كُنَّ مِن بَنِي آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: مِن عَجائِزِكُمُ الرُّمْصِ الغُمْصِ يَصِرْنَ شَوابَّ، فالمُرادُ إذْهابُ كُلِّ شَيْنٍ عَنْهُنَّ، مِنَ العُيُوبِ الذّاتِيَّةِ وغَيْرِها، والتَّطْهِيرُ كَما قالَ الرّاغِبُ يُقالُ فِي: الأجْسامِ والأخْلاقِ والأفْعالِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ عامًّا هُنا بِقَرِينَةِ مَقامِ المَدْحِ لا مُطْلَقًا مُنْصَرِفًا إلى الكامِلِ، وكَمالُ التَّطْهِيرِ إنَّما يَحْصُلُ بِالقِسْمَيْنِ، كَما قِيلَ، فَإنَّ المَعْهُودَ مِن إرادَةِ الكَمالِ إرادَةُ أعْلى أفْرادِهِ، لا الجَمِيعُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطَهَّراتٌ) بِناءً عَلى طُهِّرْنَ، لا طَهُرَتْ، كَما في الأُولى، ولَعَلَّها أوْلى اسْتِعْمالًا، وإنْ كانَ الكُلُّ فَصِيحًا، لِأنَّهم قالُوا: جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ قِلَّةٍ، أوْ كَثْرَةٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ كَثْرَةٍ فَمَجِيءُ الضَّمِيرِ عَلى حَدِّ ضَمِيرِ الواحِدَةِ أوْلى مِن مَجِيئِهِ عَلى حَدِّ ضَمِيرِ الغائِباتِ، وإنْ كانَ جَمْعَ قِلَّةٍ فالعَكْسُ، وكَذَلِكَ إذا كانَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى جَمْعِ العاقِلاتِ الأوْلى فِيهِ النُّونُ دُونَ التّاءِ، ”كَبَلَغْنَ أجْلَهُنَّ“، ”ويُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ“ ولَمْ يُفَرِّقُوا في هَذا بَيْنَ جَمْعِ القِلَّةِ، والكَثْرَةِ، ومَجِيءُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ، ولَمْ تَأْتِ طاهِرَةً وصْفٌ مِن طَهَرَ بِالفَتْحِ عَلى الأفْصَحِ، أوْ طَهُرَ بِالضَّمِّ، وعَلى الأوَّلِ قِياسٌ وعَلى الثّانِي شاذٌّ لِلتَّفْخِيمِ، لِأنَّهُ أفْهَمَ أنَّ لَها مُطَهِّرًا، ولَيْسَ سِوى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ يَصِفُ الواصِفُونَ مَن طَهَّرَهُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ! وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (مُطَّهِّرَةٌ) وأصْلُهُ مُتَطَهِّرَةٌ، فَأُدْغِمَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ، ومَطْعَمَهُمْ، ومَنكَحَهُمْ، وكانَتْ هَذِهِ المَلاذُّ لا تَبْلُغُ دَرَجَةَ الكَمالِ مَعَ خَوْفِ الزَّوالِ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يُزِيلُ ما يُنَغِّصُ إنْعامَهُ مِن ذِكْرِ الخُلُودِ في دارِ الكَرامَةِ، والخُلُودُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ البَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، وعِنْدَنا البَقاءُ الطَّوِيلُ انْقَطَعَ أوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، واسْتِعْمالُهُ في المُكْثِ الدّائِمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُكْثٌ طَوِيلٌ لا مِن حَيْثُ خُصُوصُهُ حَقِيقَةً، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ شَهِدَتْ لَهُ الآياتُ والسُّنَنُ، والجَهْمِيَّةُ يَزْعُمُونَ أنَّ الجَنَّةَ وأهْلَها يَفْنَيانِ، وكَذا النّارُ وأصْحابُها، والَّذِي دَعاهم إلى هَذا أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ، والأوَّلِيَّةُ تَقَدُّمُهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، والآخِرِيَّةُ تَأخُّرُهُ، ولا يَكُونُ إلّا بِفِناءِ السِّوى، ولَوْ بَقِيَتِ الجَنَّةُ وأهْلُها كانَ فِيهِ تَشْبِيهٌ لِمَن لا شَبِيهَ لَهُ سُبْحانَهُ، وهو مُحالٌ، ولِأنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أنْفاسَ أهْلِ الجَنَّةِ كانَ جاهِلًا تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وإنْ عَلِمَ لَزِمَ الِانْتِهاءُ، وهو بَعْدُ الفَناءُ، ولَنا النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى التَّأْيِيدِ، والعَقْلُ مَعَها، لِأنَّها دارُ سَلامٍ وقُدْسٍ لا خَوْفٍ ولا حُزْنٍ، والمَرْءُ لا يَهْنَأُ بِعَيْشٍ يَخافُ زَوالَهُ، بَلْ قِيلَ: البُؤْسُ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلٍ، والكُفْرُ جَرِيمَةٌ خالِصَةٌ فَجَزاؤُها عُقُوبَةٌ خالِصَةٌ لا يَشُوبُها نَقْصٌ، ومَعْنى الأوَّلِ والآخِرِ لَيْسَ كَما في الشّاهِدِ، بَلْ بِمَعْنى لا ابْتِداءَ ولا انْتِهاءَ لَهُ في ذاتِهِ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ لِغَيْرِهِ، فَهو الواجِبُ القِدَمِ المُسْتَحِيلُ العَدَمِ، والخَلْقُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَأيْنَ الشَّبَهُ، والعِلْمُ لا يَتَناهى، فَيَتَعَلَّقُ بِما لا يَتَناهى، وما أنْفاسُ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا كَمَراتِبِ الأعْدادِ ! أفَيُقالُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُها، أوْ يُقالُ إنَّها مُتَناهِيَةٌ، تَبًّا لِلْجَهْمِيَّةِ ما أجْهَلَهُمْ، وأجْهَلُ مِنهم مَن قالَ: إنَّ الأبْدانَ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الأجْزاءِ المُتَضادَّةِ في الكَيْفِيَّةِ، مُعَرَّضَةٌ لِلِاسْتِحالاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِانْحِلالِ والِانْفِكاكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّأْبِيدُ؟ وذَلِكَ لِأنَّ مَدارَ هَذا عَلى قِياسِ هاتِيكَ النَّشْأةِ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، كَيْفَ يُقاسُ ذَلِكَ العالَمُ الكامِلُ عَلى عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ! عَلى أنَّهُ إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا، ولا فاعِلَ في الوُجُودِ إلّا هُوَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ الأبْدانَ بِحَيْثُ لا تَتَحَلَّلُ، أوْ إنْ تَحَلَّلَتْ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ بَدَلَ
صفحة 206
ما تَحَلَّلَ دائِمًا أبَدًا، وسُبْحانَ القادِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ،
البقرة 2:26
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى الأمْثالَ في كِتابِهِ بِالعَنْكَبُوتِ والذُّبابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَحْقَرُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعَزُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِمِثْلِ هَذِهِ المُحَقَّراتِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما تَقَدَّمَ عَلى هَذا، وكانَ المُناسِبُ عَلَيْهِ أنْ تُوضَعَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ مَثَلًا، أنَّها جَوابٌ عَنْ شُبْهَةٍ تُورَدُ عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ، فَهي مِنَ الرَّيْبِ الَّذِي هو في غايَةِ الِاضْمِحْلالِ، فَكانَ ذِكْرُها هُنا أنْسَبَ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، قالُوا لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المَثَلَ بِالمُسْتَوْقِدِ والصَّيِّبِ: اللَّهُ تَعالى أعْلى وأعْظَمُ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا بالَ لَها، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، فَإنَّها لِلذَّبِّ عَنِ التَّمْثِيلاتِ السّابِقَةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وأبْلَغِهِ، وقِيلَ: إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ ﴿لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ لِهَذِهِ الأنْدادِ، وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلدُّنْيا وأهْلِها، فَإنَّ البَعُوضَةَ تَحْيا ما جاعَتْ، وإذا شَبِعَتْ ماتَتْ، كَذَلِكَ أهْلُ الدُّنْيا، إذا امْتَلَؤُوا مِنها هَلَكُوا، أوْ مَثَلٌ لِأعْمالِ العِبادِ، وأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَذْكُرَ مِنها ما قَلَّ أوْ كَثُرَ، لِيُجازِيَ عَلَيْهِ ثَوابًا وعِقابًا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا ارْتِباطَ لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها، بَلْ هي ابْتِداءُ كَلامٍ: وهَذا وإنْ جازَ لا أقُولُ بِهِ، إذِ المُناسِبُ بِكُلِّ آيَةٍ أنْ تَرْتَبِطَ بِما قَبْلَها، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى حُسْنِ التَّمْثِيلِ، كَيْفَ واللَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عَظَمَتِهِ، وبالِغِ حِكْمَتِهِ لَمْ يَتْرُكْهُ، ولَمْ يَسْتَحِ مِنهُ. وما انْفَكَّتِ الأمْثالُ في النّاسِ سائِرَةً.
والحَياءُ كَما قالَ الرّاغِبُ: انْقِباضُ النَّفْسِ عَنِ القَبائِحِ، وهو مُرَكَّبٌ مِن جُبْنٍ وعِفَّةٍ، ولَيْسَ هو الخَجَلُ، بَلْ ذاكَ حَيْرَةُ النَّفْسِ لِفَرْطِ الحَياءِ، فَهُما مُتَغايِرانِ، وإنْ تَلازَما، وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَجَلُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ صُدُورِ أمْرٍ زائِدٍ، لا يُرِيدُهُ القائِمُ بِهِ، بِخِلافِ الحَياءِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمّا لَمْ يَقَعْ فَيُتْرَكُ لِأجْلِهِ، وما في القامُوسِ خَجِلَ اسْتَحْيى تَسامَحَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَياةِ، لِأنَّهُ يُؤَثِّرُ في القُوَّةِ المُخْتَصَّةِ بِالحَيَوانِ، وهي قُوَّةُ الحِسِّ والحَرَكَةِ، والآيَةُ تُشْعِرُ بِصِحَّةِ نِسْبَةِ الحَياءِ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ في العُرْفِ لا يُسْلَبُ الحَياءُ إلّا عَمَّنْ هو شَأْنُهُ، عَلى أنَّ النَّفْيَ داخِلٌ عَلى كَلامٍ فِيهِ قَيْدٌ، فَيَرْجِعُ إلى القَيْدِ، فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أصْلِ الفِعْلِ، أوْ إمْكانَهُ، لا أقَلَّ، وأمّا في الأحادِيثِ فَقَدْ صُرِّحَ بِالنِّسْبَةِ، ولِلنّاسِ في ذَلِكَ مَذْهَبانِ، فَبَعْضٌ يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ، إذِ الِانْقِباضِ النَّفْسانِيِّ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَ حَظائِرِ قُدْسِهِ سُبْحانَهُ، فالمُرادُ بِالحَياءِ عِنْدَهُ التَّرْكُ اللّازِمُ لِلِانْقِباضِ، وجُوِّزَ جَعْلُ (ما) هُنا بِخُصُوصِهِ، مِن بابِ المُقابَلَةِ لِما وقَعَ في كَلامِ الكَفَرَةِ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا: ما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، وبَعْضٌ، وأنا والحَمْدُ لِلَّهِ مِنهُمْ، لا يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ، بَلْ يُمِرُّ هَذا وأمْثالَهُ مِمّا جاءَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في الآياتِ والأحادِيثِ عَلى ما جاءَتْ، ويَكِلُ عِلْمَها بَعْدَ التَّنْزِيهِ عَمّا في الشّاهِدِ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْتَحْيِي)، بِياءَيْنِ، والماضِي اسْتَحْيا، وجاءَ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلْإغْناءِ عَنِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ كاسْتَأْثَرَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ وقَلِيلُونَ بِياءٍ واحِدَةٍ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وهَلِ المَحْذُوفُ اللّامُ، فالوَزْنُ يَسْتَفْعُ، أوِ العَيْنُ، فالوَزْنُ يَسْتَفِلُ، قَوْلانِ: أشْهَرُهُما الثّانِي، وهَذا الفِعْلُ مِمّا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وبِالحَرْفِ فَيُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ، واسْتَحَيْتُ مِنهُ، والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، والضَّرْبُ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، وضَرْبُ المَثَلِ مِن ضَرْبِ الدَّراهِمِ، وهو ذِكْرُ شَيْءٍ يَظْهَرُ أثَرُهُ في غَيْرِهِ، فَمَعْنى يَضْرِبُ هُنا، يَذْكُرُ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ، وقِيلَ: يَضَعُ، مِن ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (وما) اسْمٌ بِمَعْنى شَيْءٍ، يُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ لِمَزِيدِ الإبْهامِ، ويَسُدُّ طُرُقَ التَّقْيِيدِ، وقَدْ يُفِيدُ التَّحْقِيرَ أيْضًا، كَأعْطِهِ شَيْئًا ما، والتَّعْظِيمَ، كَــ: الأمْرُ ما جُدِعَ قَصِيرٌ أنْفُهُ، والتَّنْوِيعَ، كَــ: اضْرِبْهُ ضَرْبًا ما، وقَدْ تُجْعَلُ سَيْفَ خَطِيبٍ، والقُرْآنُ أجَلُّ مِن أنْ يُلْغى فِيهِ شَيْءٌ، وبَعُوضَةٌ، إمّا صِفَةٌ لِما، أوْ بَدَلٌ مِنها، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، إنْ قِيلَ بِجَوازِهِ في النَّكِراتِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَثَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، إنْ قِيلَ ما زائِدَةٌ، أوْ مَفْعُولٌ
صفحة 207
ومَثَلًا حالٌ، وهي المَقْصُودَةُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: ما مِن بَعُوضَةٍ فَما فَوْقَها، كَما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ، والفاءُ بِمَعْنى إلى، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ أوَّلُ، بِناءً عَلى تَضَمُّنِ الضَّرْبِ مَعْنى الجَعْلِ، ولا يَرُدُّ عَلى إرادَةِ العُمُومِ أنَّ مِثالَ المَعْنى عَلى المَشْهُورِ أنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ أيَّ مَثَلٍ كانَ، فَيَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ الأمْثالِ مَضْرُوبَةٌ في كَلامِهِ، فَأيْنَ هِيَ، لِأنَّ المَنفِيَّ لَيْسَ مُطْلَقَ التَّرْكِ، بَلِ التَّرْكُ لِأجْلِ الِاسْتِحْياءِ، فالمَعْنى: لا يَتْرُكُ مَثَلًا ما اسْتِحْياءً، وإنْ تَرَكَهُ لِأمْرٍ آخَرَ أرادَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ: (بَعُوضَةٌ) بِالرَّفْعِ، والشّائِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، واخْتَلَفُوا فِيما يَكُونُ عَنْهُ خَبَرًا، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ هِيَ، أوْ هو بَعُوضَةٌ، والجُمْلَةُ صِلَةُ ما، عَلى جَعْلِها مَوْصُولَةً، وهو تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ لِحَذْفِ صَدْرِ الصِّلَةِ مِن غَيْرِ طُولٍ، وقِيلَ: (ما) بِناءً عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، واخْتارَ في البَحْرِ أنْ تَكُونَ (ما) صِلَةً، أوْ صِفَةً، (وهِيَ بَعُوضَةٌ) جُمْلَةً، كالتَّفْسِيرِ لِما انْطَوى عَلَيْهِ الكَلامُ، وقِيلَ: بَعُوضَةٌ مُبْتَدَأٌ، (وما) نافِيَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَتْرُوكَةٌ لِدِلالَةِ ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ عَلَيْهِ.
والبَعُوضَةُ واحِدُ البَعُوضِ، وهو طائِرٌ مَعْرُوفٌ، وفِيهِ مِن دَقِيقِ الصُّنْعِ وعَجِيبِ الإبْداعِ ما يَعْجَزُ الإنْسانُ أنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهِ، ولا يُنْكِرَ ذَلِكَ إلّا نُمْرُودٌ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ، كالقَطُوعِ، ولِذا سُمِّيَ في لُغَةِ هُذَيْلٍ خَمُوشٌ، فَغَلَبَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البَعْضِ بِمَعْنى القَطْعِ، ﴿فَما فَوْقَها﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ تَرْتِيبِيَّةٌ (وما) عَطْفٌ عَلى بَعُوضَةٍ، أوْ (ما) إنْ جُعِلَ اسْمًا، والتَّفْصِيلُ وما فِيهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ، إمّا الزِّيادَةُ في حَجْمِ المُمَثَّلِ بِهِ، فَهو تَرَقٍّ مِنَ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الزِّيادَةُ في المَعْنى الَّذِي وقَعَ التَّمْثِيلُ فِيهِ، وهو الصِّغَرُ، والحَقارَةُ، فَهو تَنَزُّلٌ مِنَ الحَقِيرِ لِلْأحْقَرِ، وهَذانِ الوَجْهانِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَقَدْ قالُوا: إنْ جُعِلَتْ (ما) مَوْصُولَةً فَفِيهِ الوَجْهانِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّ العِظَمَ مُبْتَدَأٌ مِنَ البَعُوضَةِ إذْ ذاكَ، وقِيلَ: أرادَ ما فَوْقَها، وما دُونَها، فاكْتَفى بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَنِ الآخَرِ، عَلى حَدِّ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ فافْهَمْ
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ إلَخْ، مِن أنَّهُ وقَعَ فِيهِ ارْتِيابٌ بَيْنَ التَّحْقِيقِ، والِارْتِيابِ، أوْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ مِنَ الحُكْمِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ ما قَبْلَها، وكَأنَّهُ قِيلَ كَما قِيلَ، فَيَضْرِبُهُ (فَأمّا الَّذِينَ) إلَخْ، وتَقْدِيمُ بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِشَرَفِهِ، وأمّا عَلى ما عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ حَرْفٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا لَزِمَتْها الفاءُ غالِبًا، وتُفِيدُ مَعَ هَذا تَأْكِيدَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ، وتَكُونُ لِتَفْصِيلٍ مُجْمَلٍ تَقَدَّمَها صَرِيحًا، أوْ دِلالَةً، أوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، لَكِنَّهُ حاضِرٌ في الذِّهْنِ، ولَوْ تَقْدِيرًا، ولَمّا كانَ هَذا خِلافَ الظّاهِرِ في كَثِيرٍ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِها جَعَلَهُ الرَّضِيُّ والمُرْتَضى مِنَ المُحَقِّقِينَ أغْلَبِيًّا، وفَسَّرَ سِيبَوَيْهِ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَزَيْدٌ ذاهِبٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ أنَّها مُرادِفَةٌ لِذَلِكَ الِاسْمِ، والفِعْلِ، إذْ لا نَظِيرَ لَهُ، بَلِ المُرادُ أنَّها لَمّا أفادَتِ التَّأْكِيدَ وتَحَتُّمَ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ كانَ مَآلُ المَعْنى ذَلِكَ، ولَمّا أشْعَرَتْ بِالشَّرْطِيَّةِ قُدِّرَ شَرْطٌ يَدُلُّ عَلى تَحَتُّمِ الوُقُوعِ، وهو وُجُودُ شَيْءٍ ما في الدُّنْيا، إذْ لا تَخْلُو عَنْهُ، فَما عُلِّقَ عَلَيْهِ مُحَقَّقٌ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، ومَهْما مُبْتَدَأٌ والِاسْمِيَّةُ لازِمَةٌ لَهُ، ويَكُنْ فِعْلُ شَرْطٍ والفاءُ لازِمَةٌ تَلِيهِ غالِبًا، وقامَتْ أمّا ذَلِكَ المَقامُ لَزِمَها الفاءُ، ولُصُوقُ الِاسْمِ إقامَةٌ لِللّازِمِ مَقامَ المَلْزُومِ وإبْقاءً لِأثَرِهِ في الجُمْلَةِ، وكانَ الأصْلُ دُخُولَ الفاءِ عَلى الجُمْلَةِ فِيما ذُكِرَ، لِأنَّها الجَزاءُ، لَكِنْ كَرِهُوا إيلاءَها حَرْفَ الشَّرْطِ، فَأدْخَلُوا الخَبَرَ وعَوَّضُوا المُبْتَدَأ عَنِ الشَّرْطِ لَفْظًا، وقَدْ يُقَدَّمُ عَلى الفاءِ، كَما في الرَّضِيِّ مِن أجْزاءِ الجَزاءِ المَفْعُولُ بِهِ، والظَّرْفُ والحالُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا عَدُّوهُ عَلى ما فِيهِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِها مِنَ الإحْمادِ والذَّمِّ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ كَما أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِيَ فَرِيقُ الكَفَرَةِ الطّاغِينَ، لا مَن يُؤْمِنُ بِضَرْبِ المَثَلِ، ومَن يَكْفُرُ بِهِ، لِاخْتِلالِ المَعْنى، والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) لِلْمَثَلِ، وهو أقْرَبُ
صفحة 208
أوْ لِضَرْبِهِ المَفْهُومِ مِن أنْ يَضْرِبَ، وقِيلَ: لِتَرْكِ الِاسْتِحْياءِ المُنْقَدِحِ مِمّا مَرَّ، وقِيلَ: لِلْقُرْآنِ، والحَقُّ خِلافُ الباطِلِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ حَقَّ يَحِقُّ مِن بابَيْ ضَرَبَ وقَتَلَ إذا وجَبَ أوْ ثَبَتَ، وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ المُطابَقَةُ والمُوافَقَةُ، ويَكُونُ بِمَعْنى المُوجَدِ بِحَسَبِ الحِكْمَةِ، والمُوجَدِ عَلى وفْقِها، والِاعْتِقادِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحُكْمُ المُطابِقُ، ويُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ، والعَقائِدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُفَرَّقْ في المَشْهُورِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّدْقِ، إلّا أنَّهُ شاعَ في العَقْدِ المُطابِقُ، والصِّدْقُ في القَوْلِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ مِن جانِبِ الواقِعِ، وفي الصِّدْقِ مِن جانِبِ الحُكْمِ، وتَعْرِيفُهُ هُنا إمّا لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ كَما يُقالُ: هَذا هو الحَقُّ، أوْ لِدَعْوى الِاتِّحادِ، ويَكُونُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مُسَلَّمَ الِاتِّصافِ، (ومِن رَبِّهِمْ) إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الحَقِّ، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وبِما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي مِن أجْلِها نُزُولُ هَذا الكِتابِ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ وأمّا الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِجَلالِهِ المُتَّخِذُونَ غَيْرَهُ مِنَ الأرْبابِ فاللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ، ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ: في ذَلِكَ مَعَ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ تَشْرِيفٌ وإيذانٌ بِأنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَرْبِيَةٌ لَهُمْ، وإرْشادٌ إلى ما يُوصِلُهم إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ يَعْلَمُونَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ومَسَدَّ الأوَّلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، أيْ فَيَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَهُ ثابِتَةً.
﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَعْلَمُونَ لِيُقابِلَ سابِقَهُ لِما في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ، والتَّنْبِيهِ بِأحْسَنِ وجْهٍ عَلى كَمالِ جَهْلِهِمْ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إمّا لِعَدَمِ العِلْمِ أوْ لِلْإنْكارِ، وكُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلى الجَهْلِ دِلالَةً واضِحَةً
ومَن قالَ لِلَمْسِكِ أيْنَ الشَّذا يُكَذِّبُهُ رِيحُهُ الطَّيِّبُ
قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ هُناكَ: وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَقُولُونَ إلَخْ، إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ اكْتَفَوْا بِالخُضُوعِ والطّاعَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّكَلُّمِ، والكافِرُونَ لِخُبْثِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يُطِيقُونَ الأسْرارَ، لِأنَّهُ كَإخْفاءِ الجَمْرِ في الحَلْفاءِ، وقِيلَ: إنَّ – يَقُولُونَ - لا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى العِلْمِ، وهو المَقْصُودُ، والكافِرُونَ مِنهُمُ الجاهِلُ والمُعانِدُ فَيَقُولُونَ إلَخْ، أشْمَلُ وأجْمَعُ، (وماذا) لَها سِتَّةُ أوْجُهٍ في اسْتِعْمالِهِمُ الأوَّلُ، أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وذا بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُهُ، وأُخْبِرَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ هُنا بِناءً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في جَوازِهِ في أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ، وغَيْرُهُ يَجْعَلُ النَّكِرَةَ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، الثّانِي أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّها اسْتِفْهامًا مَفْعُولًا لِأرادَ، وهَذانِ الوَجْهانِ فَصِيحانِ، اعْتَبَرَهُما سائِرُ المُفَسِّرِينَ والمُعْرِبِينَ في الآيَةِ، والِاسْتِفْهامُ يَحْتَمِلُ الِاسْتِغْرابَ والِاسْتِبْعادَ والِاسْتِهْزاءَ، ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ الثّالِثُ أنْ يُجْعَلَ ما اسْتِفْهامِيَّةً، وذا صِلَةً لا إشارَةً ولا مَوْصُولَةً، الرّابِعُ أنْ يُجْعَلا مَعًا مَوْصُولًا كَقَوْلِهِ: دَعِي ماذا عَلِمْتِ سَأتَّقِيهِ، الخامِسُ أنْ يُجْعَلا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وقَدْ جُوِّزَ في المِثالِ السّادِسِ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً، وذا اسْمَ إشارَةٍ، خَبَرٌ لَهُ.
(والإرادَةُ)، كَما قالَهُ الرّاغِبُ: مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ، وهي في الأصْلِ قُوَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن شَهْوَةٍ وخاطِرٍ وأمَلٍ، وجُعِلَ اسْمًا لِنُزُوغِ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ مَعَ الحُكْمِ فِيهِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ أوْ لا يُفْعَلَ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ مَرَّةً في المَبْدَإ، وهو نُزُوغُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، وتارَةً في المُنْتَهى، وهو الحُكْمُ فِيهِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي إلَخْ، وإرادَةُ المَعْنى مِنَ اللَّفْظِ مُجَرَّدُ القَصْدِ، وهو اسْتِعْمالٌ آخَرُ، ولَسْنا بِصَدَدِهِ، وبَيْنَ الإرادَةِ والشَّهْوَةِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، لِأنَّها قَدْ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِها بِخِلافِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِاللَّذّاتِ، والإنْسانُ قَدْ يُرِيدُ الدَّواءَ البَشِعَ ولا يَشْتَهِيهِ ويَشْتَهِي اللَّذِيذَ ولا يُرِيدُهُ إذا عَلِمَ فِيهِ هَلاكَهُ، وقَدْ يَشْتَهِي ويُرِيدُ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ أهْلِ الحَقِّ وغَيْرِهِمْ في تَفْسِيرِها مَذاهِبُ، فالكَلْبِيُّ والنَّجّارُ وغَيْرُهُما عَلى
صفحة 209
أنَّ إرادَتَهُ سُبْحانَهُ لِأفْعالِهِ أنَّهُ يَفْعَلُها عالِمًا بِها، وبِما فِيها مِنَ المَصْلَحَةِ، ولِأفْعالِ غَيْرِهِ أنَّهُ أمَرَ بِها، وطَلَبَها، فالمَعاصِي إذًا لَيْسَتْ بِإرادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ونَحْوَ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وارِدٌ عَلَيْهِمْ، والجاحِظُ وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ والحُكَماءِ عَلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى شَأْنُهُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، وبِأنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نِظامُ الوُجُودِ حَتّى يَكُونَ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، ويَكْفِيهِ صُدُورُهُ عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ المَوْجُودُ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ عَلى أحْسَنِ النِّظامِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وطَلَبٍ شَوْقِيٍّ، ويُسَمُّونَ هَذا العِلْمَ عِنايَةً، وذَهَبَ الكَرامِيَّةُ وأبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ إلى أنَّها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، إلّا أنَّها حادِثَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ عِنْدَ الكَرامِيَّةِ، ومَوْجُودَةٌ لا في مَحَلٍّ عِنْدَ الأبَوَيْنِ، والمَذْهَبُ الحَقُّ أنَّها ذاتِيَّةٌ قَدِيمَةٌ وُجُودِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، ومُغايِرَةٌ لَهُ، ولِلْقُدْرَةِ، مُخَصِّصَةٌ لِأحَدِ طَرَفَيِ المَقْدُورِ بِالوُقُوعِ، وكَوْنُها نَفْسَ التَّرْجِيحِ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الأفْعالِ كَما قالَ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، وفي كَلِمَةِ هَذا اسْتِحْقارٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ، مِثْلُها في ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ وقَدْ تَكُونُ لِلتَّعْظِيمِ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، (ومَثَلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ نِسْبَةِ الِاسْتِغْرابِ، ونَحْوِهِ إلى المُشارِ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ واسْمَ الإشارَةِ إذا كانا مُبْهَمَيْنِ يَجِيءُ التَّمْيِيزُ عَنْهُما، والعامِلُ هُما، لِتَمامَيْهِما بِنَفْسِهِما، حَيْثُ يَمْتَنِعُ إضافَتُهُما، وإذا كانَ مَعْلُومَيْنِ فالتَّمْيِيزُ عَنِ النِّسْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن هَذا، أيْ مُمَثِّلًا، أوْ مُمَثَّلًا بِهِ، أوْ بِضَرْبِهِ.
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جُمْلَتانِ جارِيَتانِ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ (بِأمّا)، إذْ يَشْتَمِلانِ عَلى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، وعَلى أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مِنَ الهُدى الَّذِي يَزْدادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ نُورًا إلى نُورِهِمْ، والجَهْلُ بِمَوْقِعِهِ مِنَ الضَّلالَةِ الَّتِي يَزْدادُ بِها الجُهّالُ خَبْطًا في ظُلْمَتِهِمْ، وهاتانِ يَزِيدانِ ما تَضَمَّنَتاهُ وُضُوحًا، أوْ أنَّهُما جَوابٌ لِدَفْعِ ما يَزْعُمُونَهُ مِن عَدَمِ الفائِدَةِ في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالمُحَقَّراتِ، بِبَيانِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكْمَةٍ جَلِيلَةٍ وغايَةٍ جَمِيلَةٍ، هي كَوْنُهُ وسِيلَةً إلى هِدايَةِ المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ، وإضْلالِ المُنْهَمِكِينَ في الغَوايَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُما جَوابٌ لِماذا، ووُضِعَ الفِعْلانِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ لِلْإشْعارِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، والمُضارِعُ يُسْتَعْمَلُ لَهُ كَثِيرًا، فَفي التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا إشارَةٌ إلى أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ لا يَزالانِ يَتَجَدَّدانِ ما تَجَدَّدَ الزَّمانُ، قِيلَ: ووَضْعُهُما مَوْضِعَ الفِعْلِ الواقِعِ في الِاسْتِفْهامِ مُبالَغَةٌ في الدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما، فَإنَّ إرادَتَهُما دُونَ وُقُوعِهِما بِالفِعْلِ، وتَجافِيًا عَنْ نَظْمِ الإضْلالِ مَعَ الهِدايَةِ في سِلْكِ الإرادَةِ لِإيهامِهِ تَساوِيَهُما في التَّعَلُّقِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن ضَرْبِ المَثَلِ هو التَّذْكِيرُ، والِاهْتِداءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وأمّا الإضْلالُ فَعارِضٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقُدِّمَ في النَّظْمِ الإضْلالُ عَلى الهِدايَةِ مَعَ سَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ، وتَقَدُّمُها بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ لِأنَّ قَوْلَهم ناشِئٌ مِنَ الضَّلالِ مَعَ أنَّ كَوْنَ ما في القُرْآنِ سَبَبًا لَهُ أحْوَجُ لِلْبَيانِ، لِأنَّ سَبَبِيَّتَهُ لِلْهُدى في غايَةِ الظُّهُورِ، فالِاهْتِمامُ بِبَيانِهِ أوْلى، ووُصِفَ كُلٌّ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ بِالكَثْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى أنْفُسِهِمْ، وإلّا فالمُهْتَدُونَ قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الضَّلالِ، وبَعِيدٌ حَمْلُ كَثْرَةِ المُهْتَدِينَ عَلى الكَثْرَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِجَعْلِ كَثْرَةِ الخَصائِصِ اللَّطِيفَةِ بِمَنزِلَةِ كَثْرَةِ الذَّواتِ الشَّرِيفَةِ كَما قِيلَ:
ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَفاوَتَتْ ∗∗∗ لَدى المُجِدِّ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ
لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ مَعَها الكَثْرَةُ الحَقِيقِيَّةُ، هَذا وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَثَلٍ، فَهو مِن كَلامِ الكَفّارِ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ المُماشاةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، إذْ هم لَيْسُوا بِمُعْتَرِفِينَ بِأنَّ هَذا المَثَلَ يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وأغْرَبُ مِن هَذا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ مِن كَلامِ
صفحة 210
الكُفّارِ، وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهو إلْباسٌ في التَّرْكِيبِ، وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُهُ فَلا التِفاتَ إلى ما في الكَشّافِ لِأنَّهُ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْمَثَلِ، أوْ لِضَرْبِهِ في المَوْضِعَيْنِ، وقِيلَ في الأوَّلِ لِلتَّكْذِيبِ، وفي الثّانِي لِلتَّصْدِيقِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قُوَّةُ الكَلامِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يُضَلُّ) هُنا، وفِيما يَأْتِي، (ويُهْدى)، بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في الثَّلاثَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ورَفَعا الفاسِقِينَ خَفَضَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أوْ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ بِناءً عَلى قَوْلِ مَن جَوَّزَهُ، وقِيلَ: حالٌ، ومَنَعَ السّالِيكُوتِيُّ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ قائِلًا: لِأنَّهُ لا يَصِحُّ كَوْنُهُ جَوابًا وبَيانًا، وأجازَهُ بَعْضُهم تَكْمِلَةً لِلْجَوابِ وزِيادَةَ تَعْيِينٍ لِمَن أُرِيدَ إضْلالُهم بِبَيانِ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ، وإشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إضْلالًا ابْتِدائِيًّا، بَلْ هو تَثْبِيتٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن فُنُونِ الضَّلالِ، وزِيادَةٌ فِيهِ، (والفاسِقِينَ) جَمْعُ فاسِقٍ مِنَ الفِسْقِ وهو شَرْعًا خُرُوجُ العُقَلاءِ عَنِ الطّاعَةِ، فَيَشْمَلُ الكُفْرَ ودُونَهُ مِنَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، واخْتَصَّ في العُرْفِ والِاسْتِعْمالِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ، فَلا يُطْلَقُ عَلى ارْتِكابِ الآخَرَيْنِ إلّا نادِرًا بِقَرِينَةٍ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَ الرُّطَبُ إذا خَرَجَ مِن قِشْرِهِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ولَمْ يُسْمَعِ الفِسْقُ وصْفًا لِلْإنْسانِ في كَلامِ العَرَبِ، ولَعَلَّهُ أرادَ في كَلامِ الجاهِلِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وإلّا فَقَدْ قالَ رُؤْبَةُ وهو شاعِرٌ إسْلامِيٌّ يُسْتَدَلُّ بِكَلامِهِ
يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ أغائِرًا ∗∗∗ فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا
عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمْ يَخْرُجِ الفِسْقُ في البَيْتِ عَنِ الوَضْعِ لِأنَّهُ وضْعًا خُرُوجُ الأجْرامُ وبُرُوزُ الأجْسامِ مِن غَيْرِ العُقَلاءِ، وما فِيهِ خُرُوجُ الإبِلِ، وهي لا تَعْقِلُ، والمُرادُ بِالفاسِقِينَ هُنا الخارِجُونَ عَنْ حُدُودِ الإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإضْلالِ بِهِمْ مُرَتَّبًا عَلى صِفَةِ الفِسْقِ، وما أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَبائِحِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي أعَدَّهم لِلْإضْلالِ، وأدّى بِهِمْ إلى الضَّلالِ، فَإنَّ كُفْرَهم وعُدُولَهم عَنِ الحَقِّ وإصْرارَهم عَلى الباطِلِ صَرَفَتْ وُجُوهَ أنْظارِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ، والتَّأمُّلِ حَتّى رَسَخَتْ جَهالَتُهُمْ، وازْدادَتْ ضَلالَتُهُمْ، فَأنْكَرُوا، وقالُوا ما قالُوا، ونَصْبُ الفاسِقِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (يُضِلُّ)، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ أحَدًا، ولا تَفْرِيغَ، كَما في قَوْلِهِ:
نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنُ سَيْفٍ ومِئْزَرا
ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، ولَعَلَّهُ مَحْجُوجٌ بِالبَيْتِ،
البقرة 2:27
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ، والأوَّلُ إمّا عَلى الإتْباعِ أوِ القَطْعِ، أيْ أذُمُّ، والثّانِي إمّا عَلى الثّانِي مِنِ احْتِمالَيِ الأوَّلِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ كَأنَّها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لا تَعَلُّقَ لَها إلّا عَلى بُعْدٍ، والنَّقْصُ فَسْخُ التَّرْكِيبِ، وأصْلُهُ يَكُونُ في الحَبْلِ، ونَقِيضُهُ الإبْرامُ، وفي الحائِطِ ونَحْوِهِ، ونَقِيضُهُ البِناءُ، وشاعَ اسْتِعْمالُ النَّقْضِ في إبْطالِ العَهْدِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن حَيْثُ تَسْمِيَتُهُمُ العَهْدَ بِالحَبْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِما فِيهِ مِن ثَباتِ الوَصْلَةِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ، وهَذا مِن أسْرارِ البَلاغَةِ ولَطائِفِها، أنْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ المُسْتَعارِ، ثُمَّ يُرْمَزُ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن رَوادِفِهِ، فَيُنَبِّهُوا بِتِلْكَ الرَّمْزَةِ عَلى مَكانِهِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: عالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنهُ النّاسُ، وشُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ.
والحاصِلُ أنَّ في الآيَةِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، والنَّقْضُ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ إبْطالَ العَهْدِ بِإبْطالِ
صفحة 211
تَأْلِيفِ الجِسْمِ، وأطْلَقَ اسْمَ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، لَكِنَّها إنَّما جازَتْ وحَسُنَتْ بَعْدَ اعْتِبارِ تَشْبِيهِ العَهْدِ بِالحَبْلِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ قَرِينَةً عَلى اسْتِعارَةِ الحَبْلِ لِلْعَهْدِ، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ المَكْنِيَّةَ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ التَّخْيِيلِيَّةِ، وأنَّ قَرِينَتَها قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً، وتَحْقِيقُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ، والعَهْدُ المَوْثِقُ، وعَهِدَ إلَيْهِ في كَذا، إذا أوْصاهُ، ووَثَّقَهُ عَلَيْهِ، واسْتَعْهَدَ مِنهُ إذا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ، واسْتَوْثَقَ مِنهُ، والمُرادُ بِالعَهْدِ ها هُنا إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ، وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ تَعالى الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدَتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، وفي نَقْضِها لَهم ما لا يَخْفى مِنَ الذَّمِّ، لِأنَّهم نَقَضُوا ما أبْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَها عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وبَعَثَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْزَلَ الكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَها، والنّاقِضُونَ عَلى هَذا جَمِيعُ الكُفّارِ، وأمّا المَأْخُوذُ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ، واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ، وذِكْرُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ، والنّاقِضُونَ حِينَئِذٍ أهْلُ الكِتابِ والمُنافِقُونَ مِنهُمْ، حَيْثُ نَبَذُوا كُلَّ ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وبَدَّلُوا تَبْدِيلًا، والنَّقْضُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ أشْنَعُ مِنهُ عَلى الأوَّلِ، وعَكَسَ بَعْضٌ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وقِيلَ: الأمانَةُ الَّتِي حَمَلَها الإنْسانُ بَعْدَ إباءِ السَّماواتِ والأرْضِ، عَنْ أنْ يَحْمِلْنَها، وقِيلَ: هو ما أُخِذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهُمْ، ولا يُخْرِجُوا أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الِاخْتِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ، والظّاهِرُ العُمُومُ، (ومِن) لِلِابْتِداءِ، وكَوْنُ المَجْرُورِ بِها مَوْضِعًا انْفَصَلَ عَنْهُ الشَّيْءُ، وخَرَجَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ النَّقْضَ حَصَلَ عَقِيبَ تَوَثُّقِ العَهْدِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى عَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِالعَهْدِ، فَأثَرُ ما اسْتَوْثَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهم نَقَضُوهُ، وقِيلَ: صِلَةٌ، وهو بَعِيدٌ، والمِيثاقُ مِفْعالٌ، وهو في الصِّفاتِ كَثِيرٌ كَمِنحارٍ، ويَكُونُ مَصْدَرًا عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والزَّمَخْشَرِيِّ، كَمِيعادٍ، بِمَعْنى الوَعْدِ، وأنْكَرَهُ جَماعَةٌ، وقالُوا هو اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ:
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
ويَكُونُ اسْمَ آلَةٍ كَمِحْراثٍ، ولَمْ يَشِعْ هَذا، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، والمُرادُ بِهِ ما وثَّقَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَهْدَهُ مِنَ الآياتِ والكُتُبِ، أوْ ما وثَّقُوهُ بِهِ مِنَ القَبُولِ والِالتِزامِ، والضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُجَوِّزْهُ السّالِيكُوتِيُّ لِأنَّ المَعْنى لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِبارِ العَهْدِ، فَهو أهَمُّ مِن ذِكْرِ الفاعِلِ، ولِأنَّ الرُّجُوعَ إلى المُضافِ خِلافُ الأصْلِ، وأفْهَمَ كَلامُ أبِي البَقاءِ أنَّ المِيثاقَ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْثِقَةِ، وفي الضَّمِيرِ الِاحْتِمالانِ، فَإنْ عادَ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، وإنْ إلى العَهْدِ كانَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَدِيثُ الرُّجُوعِ إلى المُضافِ خَصَّهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في غَيْرِ الإضافَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وأمّا فِيها فَمُطَّرِدٌ كَثِيرٌ، وما نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ، فَيَكُونُ كَقَوْلِكَ: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ وهو قائِمٌ، والوَجْهُ أنَّها في نِيَّةِ الِانْفِصالِ، ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ (ما) المَقْطُوعَةُ مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، وفي المُرادِ بِها أقْوالٌ، الأوَّلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ (ما) لِمَن يَعْقِلُ، بَلْ سَيِّدِ العُقَلاءِ بَلِ العَقْلِ، الثّانِي القَوْلُ فَإنَّهُ تَعالى أمَرَ أنْ يُوصَلَ بِالعَمَلِ، فَلَمْ يَصِلُوهُ، ولَمْ يَعْمَلُوا، وظاهِرُ هَذا أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، الثّالِثُ التَّصْدِيقُ بِالأنْبِياءِ، أُمِرُوا بِوَصْلِهِ، فَقَطَعُوهُ، بِتَكْذِيبِ بَعْضٍ وتَصْدِيقِ بَعْضٍ، الرّابِعُ الرَّحِمُ والقَرابَةُ قالَهُ قَتادَةُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ كُفّارَ قُرَيْشٍ وأشْباهَهُمُ، الخامِسُ الأمْرُ الشّامِلُ لِما ذُكِرَ مِمّا يُوجِبُ قَطْعُهُ قَطْعَ الوَصْلَةِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العَبْدِ المَقْصُودَةِ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ، ولَعَلَّ هَذا هو الأوْجَهُ، لِأنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى مَدْلُولِهِ
صفحة 212
مِنَ العُمُومِ، ولا دَلِيلَ واضِحٌ عَلى الخُصُوصِ، ورَجَّحَ بَعْضُهم ما قَبْلَهُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا تَوْصِيفٌ لِلْفاسِقِينَ بِأنَّهم يُضَيِّعُونَ حَقَّ الخَلْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِتَضْيِيعِ حَقِّ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وتَضْيِيعُ حَقِّهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ، وحَقِّ خَلْقِهِ بِتَقْطِيعِ أرْحامِهِمْ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، والأمْرُ القَوْلُ الطّالِبُ لِلْفِعْلِ، مَعَ عُلُوٍّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، أوِ اسْتِعْلاءٍ عِنْدَ أبِي الحُسَيْنِ، ويُفْسِدُهُما ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ويُطْلَقُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ وعَلى نَفْسِها، وفي مُوجَبِها خِلافٌ، وهَذا هو الأمْرُ الطَّلَبِيُّ، وقَدْ نُقِلَ إلى الأمْرِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الشَّخْصِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ داعِيَةٍ تُشْبِهُ الأمْرَ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ، كَما سُمِّيَ الخَطْبُ والحالُ العَظِيمَةُ شَأْنًا، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ بِمَعْنى القَصْدِ، وسُمِّيَ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْصَدَ، وذَهَبَ الفُقَهاءُ إلى أنَّ الأمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِثْلَ ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (وأنْ يُوصَلَ) يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والخَفْضَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (ما) أوْ مِن ضَمِيرِهِ، والثّانِي أوْلى لِلْقُرْبِ، ولِأنَّ قَطْعَ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ أبْلَغُ مِن قَطْعِ وصْلِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسُهُ، واحْتِمالُ الرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ، أوِ النَّصْبِ بِالبَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ المَجْرُورِ أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ أوْ كَراهِيَةَ أنْ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إفْسادُهم بِاسْتِدْعائِهِمْ إلى الكُفْرِ، والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وحَمْلِ النّاسِ عَلَيْهِ، أوْ بِإخافَتِهِمُ السُّبُلَ، وقَطْعِهِمُ الطُّرُقَ عَلى مَن يُرِيدُ الهِجْرَةَ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ بِأنَّهم يَرْتَكِبُونَ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَعَدّى ضَرَرُها ويَطِيرُ في الآفاقِ شَرَرُها، ولَعَلَّ هَذا أوْلى، وذُكِرَ في الأرْضِ إشارَةً إلى أنَّ المُرادَ فَسادٌ يَتَعَدّى دُونَ ما يَقِفُ عَلَيْهِمْ، (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الفاسِقِينَ بِاعْتِبارِ ما فَصَّلَ مِن صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهم في المَرْتَبَةِ البَعِيدَةِ مِنَ الذَّمِّ، وحَصْرُ الخاسِرِينَ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ كَمالِهِمْ في الخُسْرانِ، حَيْثُ أهْمَلُوا العَقْلَ عَنِ النَّظَرِ، ولَمْ يَقْتَنِصُوا المَعْرِفَةَ المُفِيدَةَ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والمَسَرَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، واشْتَرَوُا النَّقْضَ بِالوَفاءِ، والفَسادَ بِالصَّلاحِ، والقَطِيعَةَ بِالصِّلَةِ، والثَّوابَ بِالعِقابِ، فَضاعَ مِنهُمُ الطَّلِبَتانِ، رَأْسُ المالُ والرِّبْحُ، وحَصَلَ لَهُمُ الضَّرَرُ الجَسِيمُ، وهَذا هو الخُسْرانُ العَظِيمُ، وفي الآيَةِ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها الآياتُ السّابِقَةُ، فافْهَمْ.
البقرة 2:28
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ عَدَّدَ قَبائِحَهُمُ المُسْتَدْعِيَةَ لِمَزِيدِ سُخْطِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، والإنْكارُ إذا وُجِّهَ إلى المُخاطَبِ كانَ أبْلَغَ مِن تَوْجِيهِهِ إلى الغائِبِ، وأرْدَعَ لَهُ لِجَوازِ أنْ لا يَصِلَهُ (وكَيْفَ) اسْمٌ إمّا ظَرْفٌ وعُزِيَ إلى سِيبَوَيْهِ فَمَحَلُّها نَصْبٌ دائِمًا، أوْ غَيْرُ ظَرْفٍ، وعُزِيَ إلى الأخْفَشِ فَمَحَلُّها رَفْعٌ مَعَ المُبْتَدَإ، ونَصْبٌ مَعَ غَيْرِهِ، وادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ أحَدًا لَمْ يَقُلْ بِظَرْفِيَّتِها، إذْ لَيْسَتْ زَمانًا ولا مَكانًا لَكِنْ لِكَوْنِها تُفَسَّرُ بِقَوْلِكَ عَلى أيِّ حالٍ، أُطْلِقَ اسْمُ الظَّرْفِ عَلَيْها مَجازًا، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ هِشامٍ، ودُخُولُ الجَرِّ عَلَيْها شاذٌّ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ اسْتِفْهامًا، والشَّرْطُ بِها قَلِيلٌ، والجَزْمُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وأجازَهُ قِياسًا الكُوفِيُّونَ، وقُطْرُبٌ، والبَدَلُ مِنها أوِ الجَوابُ إذا كانَتْ مَعَ فِعْلٍ مُسْتَغْنٍ مَنصُوبٍ، ومَعَ ما لا يُسْتَغْنى مَرْفُوعٌ إنْ كانَ مُبْتَدَأً ومَنصُوبٌ إنْ كانَ ناسِخًا، وزَعَمَ ابْنُ مَوْهَبٍ أنَّها تَأْتِي عاطِفَةً، ولَيْسَ بِشَيْءٍ وهي هُنا لِلِاسْتِخْبارِ مُنْضَمًّا إلَيْهِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ لِكُفْرِهِمْ بِإنْكارِ الحالِ الَّذِي لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِها، وهي العِلْمُ بِالصّانِعِ، والجَهْلُ بِهِ، ألا يَرى أنَّهُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبارِهِما فَيُقالُ: كافِرٌ مُعانِدٌ وكافِرٌ جاهِلٌ، فالمَعْنى: أفِي حالِ العِلْمِ تَكْفُرُونَ أمْ في حالِ الجَهْلِ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ، وهو يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ
صفحة 213
بِصانِعٍ مَوْصُوفٍ بِصِفاتِ الكَمالِ مُنَزَّهٍ عَنِ النُّقْصانِ، وهو صارِفٌ قَوِيٌّ عَنِ الكُفْرِ، وصُدُورُ الفِعْلِ عَنِ القادِرِ مَعَ الصّارِفِ القَوِيِّ مَظِنَّةُ تَعْجِيبٍ وتَوْبِيخٍ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم عَنْ عِنادٍ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا ما لَيْسَ في (أتَكْفُرُونَ) لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو نَفْيٌ قَدْ تَوَجَّهَ لِلْحالِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُ صاحِبِها، بِطَرِيقِ البُرْهانِ، وإنْ شِئْتَ عَمَّمْتَ الحالَ، وإنْكارُ أنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حالٌ يُوجَدُ عَلَيْها مَعَ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ يَسْتَدْعِي إنْكارَ وُجُودِ الكُفْرِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، ولا يَرُدُّ أنَّ الِاسْتِخْبارَ مُحالٌ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ عَزَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى طَلَبِ الخَبَرِ، فَلا نُسَلِّمُ المُحالِيَّةَ، إذْ قَدْ يَكُونُ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِ، وتَوْبِيخِهِ، ولا يَقْتَضِي جَهْلَ المُسْتَخْبِرِ، ولا يَلْزَمُ مِن ضَمِّ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ إلَيْهِ، وهُما مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ لِلِاسْتِفْهامِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، إنْ كانَ الِاسْتِخْبارُ حَقِيقَةً لِلصِّيغَةِ، وبَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ إنْ كانَ مَجازًا، لِأنَّ الِانْفِهامَ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ واللُّزُومِ لا مِن حاقَ الوَسَطُ، أوْ أنَّهُ تَجَوُّزٌ عَلى تَجَوُّزٍ لِشُهْرَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الِاسْتِخْبارِ حَتّى كَأنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَنَقُولُ: لا قَدْحَ في صُدُورِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، لِأنَّهُ كَما في الإتْقانِ: طَلَبُ الفَهْمِ، أمّا فَهْمُ المُسْتَفْهَمِ، وهو مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ وُقُوعُ فَهْمِهِ مِمَّنْ لا يَفْهَمُ كائِنًا مَن كانَ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ مِنهُ تَعالى، وكَذا لا اسْتِحالَةَ في وُقُوعِ التَّعْجِيبِ مِنهُ تَعالى، بَلْ قالُوا: إذا ورَدَ التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا لَمْ يَلْزَمْ مَحْذُورٌ، إذْ يُصْرَفُ إلى المُخاطَبِ، أوْ يُرادُ غايَتُهُ، أوْ يُرْجَعُ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ، وأتى سُبْحانَهُ بِتَكْفُرُونَ، ولَمْ يَأْتِ بِالماضِي، وإنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ وقَعَ مِنهُمْ، لِأنَّ الَّذِي أُنْكِرَ الدَّوامُ والمُضارِعُ هو المُشْعِرُ بِهِ، ولِئَلّا يَكُونَ في الكَلامِ تَوْبِيخٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ الكُفْرُ، مِمَّنْ آمَنَ كَأكْثَرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ما قَبْلَ ثُمَّ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَكْفُرُونَ)، بِتَقْدِيرِ قَدْ لا مَحالَةَ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ، وقَدْ خَلَقَكُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الخَلْقِ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَرْكُوزًا في الطِّباعِ، ومَخْلُوقًا في العُقُولِ أنْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، كانَتْ حالًا تَقْتَضِي أنْ لا تُجامِعَ الكُفْرَ، والجُمَلُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالحالِ، ولِذا غايَرَتْ ما قَبْلَها بِالحَرْفِ والصِّيغَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جَمِيعَ الجُمَلِ مُنْدَرِجَةً في الحالِ، وهو في الحَقِيقَةِ العِلْمُ بِالقِصَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ وبِأوَّلِها وآخِرِها، فَلا يَضُرُّ اشْتِمالُها عَلى ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ حالًا، ورَجَّحَ هَذا جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، والحَياةُ قُوَّةٌ تَتْبَعُ الِاعْتِدالَ النَّوْعِيَّ، ويَفِيضُ مِنها سائِرُ القُوى، وقِيلَ: القُوَّةُ الحَسّاسَةُ والعُضْوُ المَفْلُوجُ حَيٌّ، وإلّا لَتَسارَعَ إلَيْهِ الفَسادُ، وعَدَمُ الإحْساسِ بِالفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ القُوَّةِ، لِجَوازِ فِقْدانِ الأثَرِ لِمانِعٍ، وكَأنَّهم أرادُوا مِن ذَلِكَ قُوَّةَ اللَّمْسِ، لِأنَّ مُغايَرَةَ الحَياةِ لِما عَداهُ مِنَ الحَواسِّ ظاهِرَةٌ، فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِعُضْوٍ دُونَ عُضْوٍ، وأنَّها مَفْقُودَةٌ في بَعْضِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الحَياةِ بِالنَّوْعِ في شَخْصٍ واحِدٍ، إنْ قِيلَ بِكَوْنِ الحَياةِ كُلَّ واحِدٍ مِنها، وتَرْكُّبِها في الخارِجِ إنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُها، وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى القُوَّةِ النّامِيَةِ لِأنَّها مِن طَلائِعِها ومُقَدِّماتِها، وعَلى ما يَخُصُّ الإنْسانَ مِنَ الفَضائِلِ كالعَقْلِ والعِلْمِ، والإيمانِ مِن حَيْثُ أنَّها كَمالُها وغايَتُها، والمَوْتُ مُقابِلٌ لَها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ، والكُلُّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وحَياتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِحَّةُ اتِّصافِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، أوْ مَعْنًى قائِمٌ بِذاتِهِ تَعالى يَقْتَضِي ذَلِكَ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، ثُمَّ إنَّ لِلنّاسِ في المُرادِ بِما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالًا شَتّى، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ
صفحة 214
ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ الأوَّلِ العَدَمُ السّابِقُ، والإحْياءِ الأوَّلِ الخَلْقُ، والمَوْتِ الثّانِي المَعْهُودُ في الدّارِ الدُّنْيا، والحَياةِ الثّانِيَةِ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ وإسْنادُهُ آخِرَ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا يُقَوِّيهِ، واخْتارَ آخَرُونَ أنَّ كَوْنَهم أمْواتًا هو مِن وقْتِ اسْتِقْرارِهِمْ نُطَفًا في الأرْحامِ إلى تَمامِ الأطْوارِ بَعْدَها، وأنَّ الحَياةَ الأُولى نَفْخُ الرُّوحِ بَعْدَ تِلْكَ الأطْوارِ، والإماتَةُ هي المَعْهُودَةُ، والإحْياءُ بَعْدَها هو البَعْثُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، وإطْلاقُ الأمْواتِ عَلى تِلْكَ الأجْسامِ مَجازٌ، إنْ فُسِّرَ المَوْتُ بِعَدَمِ الحَياةِ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ، وحَقِيقَةٌ إنْ فُسِّرَ بِعَدَمِ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ قالَهُ السّالِيكُوتِيُّ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلى مَعْنى كالأمْواتِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي، وإنْ فُسِّرَ بِعَدَمِ الحَياةِ مُطْلَقًا كانَ حَقِيقَةً، وهو المَشْهُورُ، وأبْعَدُ الأقْوالِ عِنْدِي حَمْلُ المَوْتِ الأوَّلِ عَلى المَعْهُودِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، والإحْياءِ الأوَّلِ عَلى ما يَكُونُ لِلْمَسْألَةِ في القَبْرِ، فَيَكُونُ قَدْ وضَعَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ثُمَّ لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى المُخْتارِ لِنَفْيِ عَذابِ القَبْرِ، إذْ نِهايَةُ ما فِيها عَدَمُ ذِكْرِ الإحْياءِ المُصَحِّحِ لَهُ، ونَحْنُ لا نَسْتَدِلُّ لَها بِذَلِكَ الوَجْهِ عَلَيْهِ، ولَنا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ المَطْلَبِ أدِلَّةٌ شَتّى، وكَذا لا دَلِيلَ لِلْمُجَسِّمَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ تَعالى في مَكانٍ في ”وإلَيْهِ تَرْجِعُونَ“ لِأنَّ المُرادَ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ الجَمْعُ في المَحْشَرِ حَيْثُ لا يَتَوَلّى الحُكْمَ سِواهُ، والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، ووَراءَ هَذا مِنَ المَقالِ ما لا يَخْفى عَلى العارِفِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى (تُرْجَعُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دُونَ يُرْجِعُكُمُ المُناسِبِ لِلسِّياقِ مُراعاةً لِتُناسِبَ رُءُوسِ الآيِ مَعَ وُجُودِ التَّناسُبِ المَعْنَوِيِّ لِلسِّياقِ، ولِهَذا قِيلَ إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أفْصَحُ مِن قِراءَةِ يَعْقُوبَ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ (تَرْجِعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ولا يَرُدُّ أنَّ الآيَةَ إذا كانَتْ خِطابًا لِلْكُفّارِ، ومَعْنى العِلْمِ مُلاحَظٌ فِيها، امْتَنَعَ خِطابُهم مِمّا بَعْدَ ثُمَّ، وثُمَّ مِنَ الفِعْلَيْنِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ تَمَكُّنَهم مِنَ العِلْمِ لِوُضُوحِ الأدِلَّةِ آفاقِيَّةً وأنْفُسِيَّةً، وسُطُوعِ أنْوارِها عَقْلِيَّةً ونَقْلِيَّةً مُنَزَّلٌ مَنزِلَ العِلْمِ في إزاحَةِ العُذْرِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ أيْضًا ما قِيلَ هم شاكُّونَ في نِسْبَةِ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَتَأتّى ذَلِكَ الخِطابُ بِهِ؟ ويَحْتَمِلُ كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الآيَةِ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إلى ﴿فَلا تَجْعَلُوا)،﴾ ودَلائِلَ النُّبُوَّةِ مِن (وإنْ كُنْتُمْ) إلى (إنْ كُنْتُمْ)، وأوْعَدَ بِــ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآيَةَ ووَعَدَ بِـ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ العامَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلى ﴿هم فِيها خالِدُونَ)،﴾ والخاصَّةَ مِن ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى ﴿ما نَنْسَخْ)،﴾ واسْتَقْبَحَ صُدُورَ الكُفْرِ مَعَ تِلْكَ النِّعَمِ مِنهم تَوْبِيخًا لِلْكافِرِ، وتَقْرِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، وعَدَّ الإماتَةَ نِعْمَةً لِأنَّها وصْلَةٌ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، واجْتِماعِ المُحِبِّ بِالحَبِيبِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المَعْدُودَ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ، هو المَعْنى المُنْتَزَعُ مِنَ القِصَّةِ بِأسْرِها.
ومِنَ الإشارَةِ قَوْلُ ابْنِ عَطاءٍ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ بِالظّاهِرِ ﴿فَأحْياكُمْ﴾ بِمُكاشَفَةِ الأسْرارِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عَنْ أوْصافِ العُبُودِيَّةِ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بِأوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ فارِسٌ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ بِشَواهِدِكم ﴿فَأحْياكُمْ﴾ بِشَواهِدِهِ، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عَنْ شاهِدِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بِقِيامِ الحَقِّ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عَنْ جَمِيعِ ما لَكم فَتَكُونُونَ لَهُ.
البقرة 2:29
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ﴾ وتَرَكَ الحَرْفَ إمّا لِكَوْنِهِ كالنَّتِيجَةِ لَهُ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ في إفادَةِ ما أفادَهُ، وذَكَرَ أنَّهُ بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُتَرَتِّبَةٍ عَلى الأُولى، وأُرِيدَ بِتَرَتُّبِها أنَّ الِانْتِفاعَ بِها يَتَوَقَّفُ عَلَيْها، فَإنَّ النِّعْمَةَ إنَّما تُسَمّى نِعْمَةً مِن حَيْثُ الِانْتِفاعُ بِها، (وهُوَ) لِغَيْرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ
صفحة 215
وفِيهِ لُغاتٌ: تَخْفِيفُ الواوِ مَفْتُوحَةً وحَذْفُها في الشِّعْرِ، وتَشْدِيدُها لِهَمْدانَ، وتَسْكِينُها لِأسَدٍ وقَيْسٍ، (وهُوَ) عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى يُنْبِئُ عَنْ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ المَخْصُوصَةِ المُبَرَّأةِ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الكَثْرَةِ، وهو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن حَرْفَيْنِ الهاءِ والواوِ، والهاءُ أصْلٌ، والواوُ زائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِها في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَلَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا حَرْفٌ واحِدٌ دالٌّ عَلى الواحِدِ الفَرْدِ الَّذِي لا مَوْجُودَ سِواهُ، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، ولِمَزِيدِ ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ اتَّخَذَهُ الأجِلَّةُ مَدارًا لِذِكْرِهِمْ، وسِراجًا لِسِرِّهِمْ، وهو جارٍ مَعَ الأنْفاسِ، ومُسَمّاهُ غائِبٌ عَنِ الحَدْسِ والقِياسِ، وفي جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولِ خَبَرًا مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الجَلالَةِ ما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والِانْتِفاعِ أيْ خَلَقَ لِأجْلِكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ في أُمُورِ دُنْياكم بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، وفي أُمُورِ دِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ، والِاعْتِبارِ، واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ بِالآيَةِ عَلى إباحَةِ الأشْياءِ النّافِعَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ، واخْتارَهُ الإمامُ في المَحْصُولِ والبَيْضاوِيُّ في المِنهاجِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّامَ تَجِيءُ لِغَيْرِ النَّفْعِ، كَـ ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ وأُجِيبَ بِأنَّها مَجازٌ لِاتِّفاقِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلى أنَّها لِلْمِلْكِ، ومَعْناهُ الِاخْتِصاصُ النّافِعُ وبِأنَّ المُرادَ النَّفْعُ بِالِاسْتِدْلالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِن نَفْسِهِ، فَيُحْمَلُ عَلى غَيْرِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ قَبْلَ الحَظْرِ، وقالَ قَوْمٌ بِالوَقْفِ لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ عِنْدَهُمْ، واسْتَدَلَّتِ الإباحِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى مُدَّعاهم قائِلِينَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في الأرْضِ جَمِيعًا خُلِقَ لِلْكُلِّ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ اخْتِصاصٌ بِشَيْءٍ أصْلًا، ويَرُدُّهُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ لِلْكُلِّ، ولا يُنافِي اخْتِصاصُ البَعْضِ بِالبَعْضِ لِمُوجِبٍ، فَهُناكَ شِبْهُ التَّوْزِيعِ، والتَّعْيِينُ يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا يَلْزَمُ اخْتِصاصُ كُلِّ شَخْصٍ بِشَيْءٍ واحِدٍ كَما ظَنَّهُ السّالِيكُوتِيُّ، وما تَعُمُّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ لِأنْفُسِها، إذْ لا يَكُونُ الشَّيْءُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يُرادَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ، كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، ويَكْفِي في التَّحَدُّرِ العَرْشُ المُحِيطُ، أوْ تُجْعَلُ الجِهَةُ اعْتِبارِيَّةً، نَعَمْ قِيلَ: تَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ ضَرُوراتِها ما فِيها ضَرُورَةُ وُجُودِ الجُزْءِ في الكُلِّ، والمُغايَرَةُ اعْتِبارِيَّةٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ أيْ خَلَقَ ما في الأرْضِ، والأرْضَ، لا أرْضى بِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، واسْتَغْنى بِتَقَدُّمِ الِامْتِنانِ بِالأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”وجَعَلَ لَكم الأرْضَ فِراشًا“ (وجَمِيعًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن كَلِمَةِ (ما)، ولا دِلالَةَ لَهُما كَما ذَكَرَهُ البَعْضُ عَلى الِاجْتِماعِ الزَّمانِيِّ، وهَذا بِخِلافِ مَعًا، وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ لَكم يُضْعِفُهُ السِّياقُ، لِأنَّهُ لِتِعْدادِ النِّعَمِ دُونَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ مَقامَ الِامْتِنانِ يُناسِبُهُ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ النِّعَمِ، ولِاعْتِبارِ المُبالَغَةِ لَمْ يَجْعَلُوهُ حالًا مِنَ الأرْضِ أيْضًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ عَلا إلَيْها وارْتَفَعَ مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ ولا تَحْدِيدٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ أوْ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ قَصْدًا سَوِيًّا بِلا صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِي عَلى شَيْءٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: اسْتَوْلى، ومَلَكَ كَما في قَوْلِهِ:
فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمْ تَرَكْناهم صَرْعى لِنَسْرٍ وكاسِرِ
وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ لِاقْتِضائِهِ كَوْنَ إلى بِمَعْنى عَلى، وأيْضًا الِاسْتِيلاءُ مُؤَخَّرٌ عَنْ وُجُودِ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ، فَيَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اسْتَوْلى عَلى إيجادِ السَّماءِ، فَلا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الوُجُودِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، أوْ جِهَةُ العُلُوِّ، وثُمَّ، قِيلَ: لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، وقِيلَ: لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ، وفُضِّلَ خَلْقُ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في خَلْقِ السَّماءِ، وما فِيها، والأرْضِ وما فِيها، بِاعْتِبارِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، لِتَعارُضِ الظَّواهِرِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى تَقَدُّمِ خَلْقِ السَّماواتِ لِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 216
﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ وجَمَعَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِدَحاها، أيْ بَسَطَها مُبَيِّنٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، فَيَكُونُ تَأخُّرُها لَيْسَ بِمَعْنى تَأخُّرِ ذاتِها، بَلْ بِمَعْنى تَأخُّرِ خَلْقِ ما فِيها، وتَكْمِيلِهِ وتَرْتِيبِهِ بَلْ خَلْقِ التَّمَتُّعِ والِانْتِفاعِ بِهِ، فَإنَّ البَعْدِيَّةَ كَما تَكُونُ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الشَّيْءِ تَكُونُ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ الأخِيرِ وقَيْدِهِ المَذْكُورِ، كَما لَوْ قُلْتَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ رَسُولًا، ثُمَّ كُنْتَ بَعَثْتَ فُلانًا لِيَنْظُرَ ما يُبَلِّغُهُ، فَبَعْثُ الثّانِي وإنْ تَقَدَّمَ لَكِنْ ما بُعِثَ لِأجْلِهِ مُتَأخِّرٌ، فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُتَأخِّرًا، وما رَواهُ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ يُشِيرُ إلى هَذا، ولا يُعارِضُهُ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وصَحَّحُوهُ عَنْهُ أيْضًا، «(إنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِنَ المَنافِعِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ إلى ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ)،» لِجَوازِ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ مادَّةَ ذَلِكَ، وأُصُولَهُ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ المَدائِنُ والعُمْرانُ والخَرابُ قَبْلُ، فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ قَرِينَةً لِذَلِكَ، واسْتِشْكالُ الإمامِ الرّازِيِّ تَأخُّرَ التَّدْحِيَةِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ بِأنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ فامْتَنَعَ انْفِكاكُ خَلْقِها عَنِ التَّدْحِيَةِ، فَإذا كانَتِ التَّدْحِيَةُ مُتَأخِّرَةً كانَ خَلْقُها أيْضًا مُتَأخِّرًا، مَبْنِيٌّ كَما قِيلَ: عَلى الغَفْلَةِ لِأنَّ مَن يَقُولُ بِتَأخُّرِ دَحْوِها عَنْ خَلْقِها لا يَقُولُ بِعِظَمِها ابْتِداءً، بَلْ يَقُولُ: إنَّها في أوَّلِ الخَلْقِ كانَتْ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، ثُمَّ دُحِيَتْ، فَيَتَحَقَّقُ الِانْفِكاكُ، ويَصِحُّ تَأخُّرُ دَحْوِها عَنْ خَلْقِها، وقَوْلُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ خَلْقَ الأشْياءِ في الأرْضِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَتْ مَدْحُوَّةً لا يَخْفى دَفْعُهُ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ خَلْقُ المَوادِّ، والأُصُولِ، لا خَلْقُ الأشْياءِ فِيها، كَما هو اليَوْمَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ أوْ مُؤَخَّرٌ، نَقَلَ الإمامُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ الأوَّلَ، واخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِمّا تَرى مُؤَخَّرٌ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُجْعَلُ الخَلْقُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، لا الإيجادِ، أوْ بِمَعْناهُ، ويُقَدِّرُ الإرادَةَ، ويَكُونُ المَعْنى: أرادَ خَلْقَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا لَكم عَلى حَدِّ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ و﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ ولا يُخالِفُهُ، ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَإنَّ المُتَقَدِّمَ عَلى خَلْقِ السَّماءِ إنَّما هو تَقْدِيرُ الأرْضِ، وجَمِيعُ ما فِيها، أوْ إرادَةُ إيجادِها، والمُتَأخِّرُ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ إيجادُ الأرْضِ، وجَمِيعُ ما فِيها، فَلا إشْكالَ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فَعَلى تَقْدِيرِ الإرادَةِ، والمَعْنى: أرادَ خَلْقَ الأرْضِ، وكَذا ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أرادَ أنْ يَجْعَلَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ: ائْتِيا في الوُجُودِ، ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً سابِقَةً لَما صَحَّ هَذا، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي أرادَ إيجادَ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الرَّواسِي والأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ قَصَدَ إلى السَّماءِ، فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ السَّماءِ والأرْضِ فَأطاعا بِأمْرِ التَّكْوِينِ، فَأوْجَدَ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وأوْجَدَ الأرْضَ، وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
بَقِيَ ها هُنا بَيانُ النُّكْتَةِ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ، حَيْثُ قَدَّمَ في الظّاهِرِ ها هُنا، وفي (حم السَّجْدَةِ) خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها
صفحة 217
عَلى خَلْقِ السَّماواتِ، وعَكَسَ في النّازِعاتِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَقامَ في الأوَّلَيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو نِعْمَةٌ نَظَرًا إلى المُخاطَبِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: هو الَّذِي دَبَّرَ أمْرَكم قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ، والمَقامُ في الثّالِثَةِ مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ عَلى كَمالِها، هَذا والَّذِي يُفْهَمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ المُحَدَّدَ، ويُقالُ لَهُ سَماءٌ أيْضًا مَخْلُوقٌ قَبْلَ الأرْضِ وما فِيها، وأنَّ الأرْضَ نَفْسَها خُلِقَتْ بَعْدُ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِها خُلِقَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ، ثُمَّ بَعْدَ السَّبْعِ خُلِقَ ما في الأرْضِ مِن مَعادِنَ ونَباتٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عالَمُ الحَيَوانِ، ثُمَّ عالَمُ الإنْسانِ، فَمَعْنى ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ حِينَئِذٍ قَدَّرَهُ، أوْ أرادَ إيجادَهُ، أوْ أوْجَدَ مَوادَّهُ، ومَعْنى ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ إلَخْ، في الآيَةِ الأُخْرى عَلى نَحْوِ هَذا، وخَلْقُ الأرْضِ فِيها عَلى ظاهِرِهِ، ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا﴾ إلَخْ، لِجَوازِ حَمْلِهِ عَلى مَعْنى ائْتِيا بِما خَلَقْتُ فِيكُما مِنَ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ وإبْرازِ ما أوْدَعْتُكُما مِنَ الأوْضاعِ المُخْتَلِفَةِ، والكائِناتِ المُتَنَوِّعَةِ، أوْ إتْيانُ السَّماءِ حُدُوثُها، وإتْيانُ الأرْضِ أنْ تَصِيرَ مَدْحُوَّةً، أوْ لِيَأْتِ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى في حُدُوثِ ما أُرِيدَ تَوْلِيدُهُ مِنكُما، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا يَخْلُو البَحْثُ مِن صُعُوبَةٍ، ولا زالَ النّاسُ يَسْتَصْعِبُونَهُ مِن عَهْدِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ إلى الآنَ، ولَنا فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَوْدَةٌ بَعْدَ عَوْدَةٍ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ، ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ، إنْ فُسِّرَتْ بِالأجْرامِ، وجازَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها بِناءً عَلى أنَّها جَمْعٌ، أوْ مُؤَوَّلَةٌ بِهِ، وإلّا فَمُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ عَلى حَدِّ نِعْمَ رَجُلًا، وفِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّشْوِيقِ والتَّمْكِينِ في النَّفْسِ ما لا يَخْفى، وفي نَصْبِ ﴿سَبْعَ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: البَدَلُ مِنَ المُبْهَمِ أوِ العائِدِ إلى السَّماءِ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ سَوّى مِنهُنَّ، أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِسَوّى بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى صَيَّرَ، ولَمْ يَثْبُتْ، والبَدَلِيَّةُ أرْجَحُ لِعَدَمِ الِاشْتِقاقِ، وبَعْدَها الحالِيَّةُ كَما في البَحْرِ، وأُرِيدَ بِسَوّاهُنَّ، أتَمَّهُنَّ وقَوَّمَهُنَّ، وخَلَقَهُنَّ ابْتِداءً مَصُوناتٍ عَنِ العِوَجِ، والفُطُورِ، لا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَوّاهُنَّ بَعْدُ، إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ضَيِّقْ فَمَ البِئْرِ ووَسِّعِ الدّارَ، وفي مُقارَنَةِ التَّسْوِيَةِ والِاسْتِواءِ حُسْنٌ لا يَخْفى، لا يُقالُ: إنَّ أرْبابَ الأرْصادِ أثْبَتُوا تِسْعَةَ أفْلاكٍ وهَلْ هي إلّا سَماواتٌ، لِأنّا نَقُولُ: هم شاكُّونَ إلى الآنَ في النُّقْصانِ والزِّيادَةِ، فَإنَّ ما وجَدُوهُ مِنَ الحَرَكاتِ يُمْكِنُ ضَبْطُها بِثَمانِيَةٍ وسَبْعَةٍ، بَلْ بِواحِدٍ، وبَعْضُهم أثْبَتُوا بَيْنَ فَلَكِ الثَّوابِتِ والأطْلَسِ كُرَةً لِضَبْطِ المَيْلِ الكُلِّيِّ، وقالَ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي إلى الآنَ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ أوْ كُراتٌ مُنْطَوِيَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وأطالَ الإمامُ الرّازِيُّ الكَلامَ في ذَلِكَ وأجادَ، عَلى أنَّهُ إنْ صَحَّ ما شاعَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزَّوائِدِ بِناءً عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ مِن أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِهِ يُشِيرُ إلَيْهِ خِلافًا لِما في مِنهاجِهِ المُوافِقِ لِما عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ، ونَقَلَهُ عَنْهُ الغَزالِيُّ في المَنخُولِ، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّ الحَقَّ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وإذا قُلْنا بِكَرَوِيَّةِ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ لَمْ يَبْقَ كَلامٌ.
﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها، عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ، والأُسْلُوبِ الغَرِيبِ، ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرَ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ وفي عَلِيمٍ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في عالِمٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ راجِعًا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ، لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى واحِدٌ لا تَكَثُّرَ فِيهِ، لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ بِالكُلِّيِّ والجُزْئِيِّ والمَوْجُودِ والمَعْدُومِ والمُتَناهِي وغَيْرِ المُتَناهِي وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِما دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ، والشَّيْءُ هُنا عامٌّ باقٍ عَلى عُمُومِهِ، لا تَخْصِيصَ فِيهِ بِوَجْهٍ خِلافًا لِمَن ضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(عَلِيمٍ)، وإنَّما تَعَدّى بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مِن عَلِمَ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، والتَّقْوِيَةُ تَكُونُ بِاللّامِ لِأنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ
صفحة 218
كَما قالُوا: خالَفَتْ أفْعالها، لِأنَّها أشْبَهَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهُ في التَّعْدِيَةِ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ فِعْلُهُ مُتَعَدِّيًا، فَإنْ أفْهَمَ عِلْمًا أوْ جَهْلًا تَعَدّى بِالباءِ، كَأعْلِمْ بِهِ، وأجْهِلْ بِهِ، وعَلِيمٍ بِهِ، وجَهُولٍ بِهِ، وأعْلَمَ مَن يَضِلُّ عَلى التَّأْوِيلِ، وإلّا تَعَدّى بِاللّامِ: كَأضْرَبَ لِزَيْدٍ، و﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، وإلّا تَعَدّى بِما يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُهُ: كَأصْبَرَ عَلى النّارِ، وصَبُورٍ عَلى كَذا، ولَعَلَّ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ، إذْ يُقالُ: رَحِيمٌ بِهِ، فافْهَمْ،
البقرة 2:30
﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ لَمّا امْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى مَن تَقَدَّمَ بِما تَقَدَّمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةٍ عامَّةٍ، وكَرامَةٍ تامَّةٍ، والإحْسانُ إلى الأصْلِ إحْسانٌ إلى الفَرْعِ، والوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، وإذْ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي مَبْنِيٌّ لِشَبَهِهِ بِالحَرْفِ وضْعًا وافْتِقارًا، ويَكُونُ ما بَعْدَها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أوِ اسْمِيَّةً، ويُسْتَفادُ الزَّمانُ مِنها بِأنْ يَكُونَ ثانِي جُزْأيْها فِعْلًا، أوْ يَكُونَ مَضْمُونُها مَشْهُورًا بِالوُقُوعِ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ قَلَبَتْهُ إلى الماضِي، وهي مُلازِمَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، إلّا أنْ يُضافَ إلَيْها زَمانٌ، وفي وُقُوعِها مَفْعُولًا بِهِ، أوْ حَرْفَ تَعْلِيلٍ أوْ مُفاجَأةٍ، أوْ ظَرْفَ مَكانٍ، أوْ زائِدَةً، خِلافٌ، وفي البَحْرِ إنَّها لا تَقَعُ، وإذا اسْتُفِيدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَمِنَ المَقامِ، واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ فِيها هُنا، فَقِيلَ: زائِدَةٌ، وبِمَعْنى قَدْ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيِ ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُقَدَّرٍ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقُكُمْ، أوْ أحْياكم إذْ، ويُعْتَبَرُ وقْتًا مُمْتَدًّا لا حِينَ القَوْلِ، ويُقالُ: بَعْدَها، ومَعْمُولُ (لِخَقَلَكُمُ) المُتَقَدِّمُ، والواوُ زائِدَةٌ، والفَصْلُ بِما يَكادُ أنْ يَكُونَ سُورَةً، ومُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ ظَرْفِيَّةُ المَفْعُولِ كَرَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ، وهَذِهِ عِدَّةُ أقْوالٍ بَعْضُها غَيْرُ صَحِيحٍ، والبَعْضُ فِيهِ تَكَلُّفٌ، فاللّائِقُ أنْ تُجْعَلَ مَنصُوبَةً بِقالُوا الآتِي، وبَيْنَهُما تَناسُبٌ ظاهِرٌ، والجُمْلَةُ بِما فِيها عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ القَوْلُ الأخِيرُ، ولَعَلَّهُ الأوْلى، فَتَدَبَّرْ، ولا يَخْفى لُطْفُ الرَّبِّ هُنا، مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ بِطَرِيقِ الخِطابِ، وكانَ في تَنْوِيعِهِ والخُرُوجِ مِن عامِّهِ إلى خاصِّهِ رَمْزًا إلى أنَّ المُقْبَلَ عَلَيْهِ بِالخِطابِ لَهُ الحَظُّ الأعْظَمُ والقِسْمُ الأوْفَرُ مِنَ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِيقَةِ الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ في الخَلِيقَةِ، والإمامُ المُقَدَّمُ في الأرْضِ والسَّماواتِ العُلى، ولَوْلاهُ ما خُلِقَ آدَمُ، بَلْ (ولا ولا) ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ سَيِّدِي ابْنِ الفارِضِ حَيْثُ يَقُولُ عَنْ لِسانِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ:
وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي
واللّامُ الجارَّةُ لِلتَّبْلِيغِ، (والمَلائِكَةُ) جَمْعُ مَلْئَكٍ عَلى وزْنِ شَمائِلَ وشَمْألٍ، وهو مَقْلُوبُ مَأْلَكٍ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وهو مُخْتارُ الجُمْهُورِ مِنَ الألُوكَةِ، وهي الرِّسالَةُ، فَهم رُسُلٌ إلى النّاسِ، وكالرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: لا قَلْبَ، فابْنُ كَيْسانَ إلى أنَّهُ فَعالٌ مِنَ المَلَكِ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ، لِأنَّهُ مالِكٌ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، أوْ لِقُوَّتِهِ، فَإنَّ (م ل ك) يَدُورُ مَعَ القُوَّةِ والشِّدَّةِ يُقالُ: مَلَكْتُ العَجِينَ شَدَدْتَ عَجْنَهُ، وهو اشْتِقاقٌ بَعِيدٌ، وفَعالٌ قَلِيلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّهُ مَفْعَلٍ مِن لاكَ، إذا أرْسَلَ، مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أوِ اسْمُ مَكانٍ عَلى المُبالَغَةِ، وهو اشْتِقاقٌ بَعِيدٌ أيْضًا، ولَمْ يَشْتَهِرْ لاكَ، وكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ الكُنِّيِّ إلَيْهِ، أيْ كُنْ لِي رَسُولًا، ولَمْ يَجِئْ سِوى هَذِهِ الصِّيغَةِ فاعْتَبِرْهُ مَهْمُوزَ العَيْنِ، وأنَّ أصْلَهُ: ألاكَنِي، وبَعْضٌ جَعَلَهُ أجْوَفَ مِن لاكَ، يَلُوكُ، والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وقِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، ولَمْ يُجْعَلْ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كالظُّلْمَةِ لِاعْتِبارِهِمُ التَّأْنِيثَ المَعْنَوِيَّ في كُلِّ جَمْعٍ حَيْثُ قالُوا: كُلُّ جَمْعٍ مُؤَنَّثٌ بِتَأْوِيلِ الجَماعَةِ، وقَدْ ورَدَ بِغَيْرِ تاءٍ في قَوْلِهِ: أبا خالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلائِكُ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في حَقِيقَتِها بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها مَوْجُودَةٌ سَمْعًا أوْ عَقْلًا، فَذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ نُورانِيَّةٌ، وقِيلَ: هَوائِيَّةٌ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ والظُّهُورِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ النَّصارى: إنَّها الأنْفُسُ النّاطِقَةُ المُفارِقَةُ لا بُدَّ أنَّها الصّافِيَةُ الخَيِّرَةُ، والخَبِيثَةُ عِنْدَهم شَياطِينُ، وقالَ عَبَدَةُ الأوْثانِ: إنَّها هَذِهِ الكَواكِبُ السُّعُدُ مِنها مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والنَّحُسُ مَلائِكَةُ العَذابِ، والفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ: إنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ
صفحة 219
النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّها العُقُولُ العَشَرَةُ، والنُّفُوسُ الفَلَكِيَّةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الأفْلاكَ، وهي عِنْدَنا مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ، قِسْمٌ شَأْنُهُمُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ والتَّنَزُّهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، وهُمُ العِلِّيُّونَ، والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، وقِسْمٌ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وجَرى بِهِ القَلَمُ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، فَمِنهم سَماوِيَّةٌ، ومِنهم أرْضِيَّةٌ، ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، وفي الخَبَرِ: «(أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ)،» وهم مُخْتَلِفُونَ في الهَيْئاتِ، مُتَفاوِتُونَ في العِظَمِ، لا يَراهم عَلى ما هم عَلَيْهِ إلّا أرْبابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، وقَدْ يَظْهَرُونَ بِأبْدانٍ يَشْتَرِكُ في رُؤْيَتِها الخاصُّ والعامُّ، وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ حَتّى قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ ظُهُورِهِ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُفارِقْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ومِثْلُهُ يَقَعُ لِلْكُمَّلِ مِنَ الأوْلِياءِ، وهَذا ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ، وأنا بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللَّهِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ أوَّلَ مَظْهَرٍ لِلْحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ العَما، ولَمّا انْصَبَغَ بِالنُّورِ فَتَحَ فِيهِ صُوَرَ المَلائِكَةِ المُهِيمِينَ الَّذِينَ هم فَوْقَ عالَمِ الأجْسادِ الطَّبِيعِيَّةِ، ولا عَرْشَ، ولا مَخْلُوقَ تَقَدَّمَهُمْ، فَلَمّا أوْجَدَهم تَجَلّى لَهم بِاسْمِهِ الجَمِيلِ، فَهامُوا في جَلالِ جَمالِهِ، فَهم لا يُفِيقُونَ، فَلَمّا شاءَ أنْ يَخْلُقَ عالَمَ التَّدْوِينِ والتَّسْطِيرِ عَيَّنَ واحِدًا مِن هَؤُلاءِ، وهو أوَّلُ مَلَكٍ ظَهَرَ عَنْ مَلائِكَةِ ذَلِكَ النُّورِ، سَمّاهُ العَقْلَ والقَلَمَ، وتَجَلّى لَهُ في مَجْلى التَّعْلِيمِ الوَهْبِيِّ بِما يُرِيدُ إيجادَهُ مِن خَلْقِهِ لا إلى غايَةٍ، فَقَبِلَ بِذاتِهِ عِلْمَ ما يَكُونُ، وما لِلْحَقِّ مِنَ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الطّالِبَةِ صُدُورَ هَذا العالَمِ الخُلُقِيِّ، فاشْتَقَّ مِن هَذا العَقْلِ ما سَمّاهُ اللَّوْحَ، وأمَرَ القَلَمَ أنْ يَتَدَلّى إلَيْهِ، ويُودِعَ فِيهِ ما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا غَيْرُ، فَجَعَلَ لِهَذا العِلْمِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ سِنًّا مِن كَوْنِهِ قَلَمًا، ومِن كَوْنِهِ عَقْلًا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ تَجَلِّيًا، أوْ رَقِيقَةً، كُلُّ سِنٍّ أوْ رَقِيقَةٍ تَفْتَرِقُ مِن ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ صِنْفًا مِنَ العُلُومِ الإجْمالِيَّةِ في فَصْلِها في اللَّوْحِ، وأوَّلُ عِلْمٍ حَصَلَ فِيهِ عِلْمُ الطَّبِيعَةِ فَكانَتْ دُونَ النَّفْسِ، وهَذا كُلُّهُ في عالَمِ النُّورِ الخالِصِ، ثُمَّ أوْجَدَ سُبْحانَهُ الظُّلْمَةَ المَحْضَةَ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ هَذا النُّورِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ المُطْلَقِ، المُقابِلِ لِلْوُجُودِ المُطْلَقِ، فَأفاضَ عَلَيْها النُّورَ إفاضَةً ذاتِيَّةً بِمُساعَدَةِ الطَّبِيعَةِ، فَلَأمَ شَعَثَها ذَلِكَ النُّورُ، فَظَهَرَ العَرْشُ فاسْتَوى عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَنِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ، فَهو أوَّلُ ما ظَهَرَ مِن عالَمِ الخَلْقِ، وخَلَقَ مِن ذَلِكَ النُّورِ المُمْتَزِجِ المَلائِكَةَ الحافِّينَ، ولَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا كَوْنُهم حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ، ثُمَّ أوْجَدَ الكُرْسِيَّ في جَوْفِ هَذا العَرْشِ، وجَعَلَ فِيهِ مَلائِكَةً مِن جِنْسِ طَبِيعَتِهِ، فَكُلُّ فَلَكٍ أصْلٌ لِما خُلِقَ فِيهِ مِن عُمّارِهِ، كالعَناصِرِ فِيما خَلَقَ فِيها مِن عُمّارِها، وقَسَّمَ في هَذا الكُرْسِيِّ الكَلِمَةَ إلى خَبَرٍ، وحِكَمٍ، وهُما القَدَمانِ اللَّتانِ تَدَلَّتا لَهُ مِنَ العَرْشِ، كَما ورَدَ في الخَبَرِ، ثُمَّ خَلَقَ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ الأفْلاكَ فَلَكًا في جَوْفِ فَلَكٍ، وخَلَقَ في كُلِّ فَلَكٍ عالَمًا مِنهُ يُعَمِّرُونَهُ، وزَيَّنَها بِالكَواكِبِ، وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها، إلى أنْ خَلَقَ صُوَرَ المُوَلَّداتِ، وتَجَلّى لِكُلِّ صِنْفٍ مِنها، بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ، فَتَكَوَّنَ مِن ذَلِكَ أرْواحُ الصُّوَرِ، وأمَرَها بِتَدْبِيرِها، وجَعَلَها غَيْرَ مُنْقَسِمَةٍ، بَلْ ذاتًا واحِدَةً، ومَيَّزَ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ، فَتَمَيَّزَتْ، وكانَ تَمْيِيزُها بِحَسَبِ قَبُولِ الصُّوَرِ مِن ذَلِكَ التَّجَلِّي، وهَذِهِ الصُّوَرُ في الحَقِيقَةِ كالمَظاهِرِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، ثُمَّ أحْدَثَ سُبْحانَهُ الصُّوَرَ الجَسَدِيَّةَ الخَيالِيَّةَ بِتَجَلٍّ آخَرَ، وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الأرْواحِ والصُّوَرِ غِذاءً يُناسِبُهُ، ولا يَزالُ الحَقُّ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ مِن أنْفاسِ العالَمِ مَلائِكَةً ما دامُوا مُتَنَفِّسِينَ، وسُبْحانَ مَن يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ،
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المَلائِكَةِ المَقُولِ لَهُمْ، فَقِيلَ: كُلُّهم لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعَدَمِ المُخَصَّصِ، فَشَمِلَ المُهِيمِينَ، وغَيْرَهُمْ، وقِيلَ: مَلائِكَةُ الأرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّ الكَلامَ في خِلافَةِ الأرْضِ، وقِيلَ: إبْلِيسُ، ومَن كانَ مَعَهُ في مُحارَبَةِ الجِنِّ
صفحة 220
الَّذِينَ أُسْكِنُوا الأرْضَ دَهْرًا طَوِيلًا فَفَسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ أيْضًا، وهم خُزّانُ الجَنَّةِ، اشْتُقَّ لَهُمُ اسْمٌ مِنها، فَطَرَدُوهم إلى شُعُوبِ الجِبالِ والجَزائِرِ، والَّذِي عَلَيْهِ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّهم ما عَدا العالَمِينَ مِمَّنْ كانَ مُودَعًا شَيْئًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأنَّ العالَمِينَ غَيْرُ داخِلِينَ في الخِطابِ، ولا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ، لِاسْتِغْراقِهِمْ، وعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِسِوى الذّاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى:﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وجَعَلُوا مِن أُولَئِكَ المَلَكَ المُسَمّى بِالرُّوحِ وبِالقَلَمِ الأعْلى، وبِالعَقْلِ الأوَّلِ، وهو المِرْآةُ لِذاتِهِ تَعالى، فَلا يَظْهَرُ بِذاتِهِ إلّا في هَذا المَلَكِ، وظُهُورُهُ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إنَّما هو بِصِفاتِهِ، فَهو قُطْبُ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وقُطْبُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، وأهْلِ الكَثِيبِ والأعْرافِ، وما مِن شَيْءٍ إلّا ولِهَذا المَلَكِ فِيهِ وجْهٌ يَدُورُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ عَلى وجْهِهِ فَهو قُطْبُهُ، وهو قَدْ كانَ عالِمًا بِخَلْقِ آدَمَ، ورُتْبَتِهِ، فَإنَّهُ الَّذِي سَطَّرَ في اللَّوْحِ ما كانَ، وما يَكُونُ، واللَّوْحُ قَدْ عَلِمَ عِلْمَ ذَوْقٍ ما خَطَّهُ القَلَمُ فِيهِ، وقَدْ ظَهَرَ هَذا المَلَكُ بِكَمالِهِ في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ ولِهَذا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، بَلْ هو الخَلِيفَةُ عَلى الحَقِيقَةِ في السَّبْعِ الطِّباقِ، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ، فَلْيُفْهَمْ.
(وجاعِلٌ) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الجَعْلِ، بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والأوَّلُ هُنا خَلِيفَةٌ، والثّانِي في الأرْضِ، أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلِيفَةٍ، وقُدِّمَ لِلتَّشْوِيقِ، وعَمَلِ الوَصْفِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ومُعْتَمِدٌ عَلى مُسْنَدٍ إلَيْهِ، ورَجَّحَ في البَحْرِ كَوْنَهُ بِمَعْنى الخَلْقِ، لِما في المُقابِلِ، ويَلْزَمُ عَلى كَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ ذِكْرُ خَلِيفَةٍ، أوْ تَقْدِيرُهُ فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ إمّا كُلُّها، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، أوْ أرْضُ مَكَّةَ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، وإلّا لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الأرْضَ لِأنَّها مِن عالَمِ التَّغْيِيرِ، والِاسْتِحالاتِ، فَيَظْهَرُ بِحُكْمِ الخِلافَةِ فِيها حُكْمُ جَمِيعِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي طَلَبَ الحَقُّ ظُهُورَهُ بِها، بِخِلافِ العالَمِ الأعْلى، والخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ، ويَنُوبُ عَنْهُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المُوافِقُ لِلرِّوايَةِ، ولِإفْرادِ اللَّفْظِ، ولِما في السِّياقِ، ونِسْبَةُ سَفْكِ الدَّمِ والفَسادِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ، أوِ المُرادُ بِمَن يُفْسِدُ إلَخْ، مَن فِيهِ قُوَّةُ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنِهِ خَلِيفَةً أنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ، وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ اسْتَخْلَفَهم في عِمارَةِ الأرْضِ، وسِياسَةِ النّاسِ، وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ، وتَنْفِيذِ أمْرِهِ فِيهِمْ لا لِحاجَةٍ بِهِ تَعالى، ولَكِنْ لِقُصُورِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ، لِما أنَّهُ في غايَةِ الكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ الجِسْمانِيَّةِ، وذاتُهُ تَعالى في غايَةِ التَّقَدُّسِ، والمُناسَبَةُ شَرْطٌ في قَبُولِ الفَيْضِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ، فَلا بُدَّ مِن مُتَوَسِّطٍ ذِي جِهَتَيْ تَجَرُّدٍ وتَعَلُّقٍ لِيَسْتَفِيضَ مِن جِهَةٍ ويَفِيضَ بِأُخْرى، وقِيلَ: هو وذُرِّيَّتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَإلْزامُهم حِينَئِذٍ بِإظْهارِ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ الأصْلَ المُسْتَتْبِعَ مَن عَداهُ، وهَذا كَما يُسْتَغْنى بِذِكْرِ أبِي القَبِيلَةِ عَنْهُمْ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الأبِ بِالعَلَمِ، وما هُنا بِالوَصْفِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ خُلَفاءَ أنَّهم يَخْلُفُونَ مَن قَبْلَهم مِنَ الجِنِّ بَنِي الجانِّ، أوْ مِن إبْلِيسَ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المَبْعُوثِينَ لِحَرْبِ أُولَئِكَ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ، أوْ أنَّهُ يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وعِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى المُرادُ بِالخَلِيفَةِ آدَمُ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى، وأبُو الخُلَفاءِ، والمُجَلِّي لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والجامِعُ لِصِفَتَيْ جَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِهَذا جُمِعَتْ لَهُ اليَدانِ، وكِلْتاهُما يَمِينٌ، ولَيْسَ في المَوْجُوداتِ مَن وسِعَ الحَقَّ سِواهُ، ومِن هُنا قالَ الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ، أوْ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ)،» وبِهِ جُمِعَتِ الأضْدادُ، وكَمُلَتِ النَّشْأةُ، وظَهَرَ الحَقُّ، ولَمْ تَزَلْ تِلْكَ الخِلافَةُ في الإنْسانِ الكامِلِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وساعَةِ القِيامِ، بَلْ مَتى فارَقَ هَذا
صفحة 221
الإنْسانُ العالَمَ ماتَ العالَمُ، لِأنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، فَهو العِمادُ المَعْنَوِيُّ لِلسَّماءِ، والدّارُ الدُّنْيا جارِحَةٌ مِن جَوارِحِ جَسَدِ العالَمِ الَّذِي الإنْسانُ رُوحُهُ، ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ الجامِعُ قابَلَ الحَضْرَتَيْنِ بِذاتِهِ صَحَّتْ لَهُ الخِلافَةُ، وتَدْبِيرُ العالَمِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ، ولا فاعِلَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، وفي المَقامِ ضِيقٌ، والمُنْكِرُونَ كَثِيرُونَ، ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى هَذا لِلْمَلائِكَةِ تَعْلِيمُ المُشاوَرَةِ، لِأنَّ هَذِهِ المُعامَلَةُ تُشْبِهُها، أوْ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمْ، لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ، لِأنَّهُ باطِنٌ عَنِ الصُّورَةِ الكَوْنِيَّةِ بِما عِنْدَهُ مِنَ الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ، وما يَعْرِفُهُ لِبُطُونِهِ مِنَ المَلَإ الأعْلى، إلّا اللَّوْحُ والقَلَمُ، وكانَ هَذا القَوْلُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في دَوْلَةِ السُّنْبُلَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ مِن عُمْرِ الدُّنْيا، ومِن عُمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَهُ في الدَّوامِ ثَمانِيَةِ آلافِ سَنَةٍ، ومِن عُمْرِ العالَمِ الطَّبِيعِيِّ المُفِيدِ بِالزَّمانِ المَحْصُورِ بِالمَكانِ إحْدى وسَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ المَعْرُوفَةِ الحاصِلَةِ أيّامُها مِن دَوْرَةِ الفَلَكِ الأوَّلِ، وهو يَوْمٌ وخُمْسا يَوْمٍ مِن أيّامِ ذِي المَعارِجِ، ولِلَّهِ تَعالى الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (خَلِيقَةً) بِالقافِ، والمَعْنى واضِحٌ، ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ اسْتِكْشافٌ عَنِ الحِكْمَةِ الخَفِيَّةِ، وعَمّا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ نَفْسِ الجَعْلِ والِاسْتِخْلافِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوهُ قَبْلُ، فالمَسْؤُولُ عَنْهُ هو الجَعْلُ، ولَكِنْ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ حِكْمَتِهِ، ومُزِيلِ شُبْهَتِهِ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن أنْ يُسْتَخْلَفَ لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها مَن يُفْسِدُ فِيها، أوْ يُسْتَخْلَفُ مَكانَ أهْلِ الفَسادِ مِثْلُهُمْ، أوْ مَكانَ أهْلِ الطّاعَةِ أهْلُ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ حُذِفَ فِيهِ المُعادِلُ، أيْ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ أمْ تَجْعَلُ مَن لا يُفْسِدُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، أيْ أتَجْعَلُ فِيها كَذا، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، أمْ نَتَغَيَّرُ، واخْتارَ ذَلِكَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ، والأدَبُ يُسْكِتُنِي عَنْهُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، كَما زَعَمَتْهُ الحَشْوِيَّةُ مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ لِاعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وطَعْنِهِمْ في بَنِي آدَمَ، ومِنَ العَجِيبِ أنَّ مَوْلانا الشَّعَرانِيَّ وهو مِن أكابِرِ أهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ مِن مَشايِخِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الخَواصِّ أنَّهُ خَصَّ العِصْمَةَ بِمَلائِكَةِ السَّماءِ، مُعَلِّالًا لَهُ بِأنَّهم عُقُولٌ مُجَرَّدَةٌ بِلا مُنازِعٍ ولا شَهْوَةٍ، وقالَ: إنَّ المَلائِكَةَ الأرْضِيَّةَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ، ولِذَلِكَ وقَعَ إبْلِيسُ فِيما وقَعَ، إذْ كانَ مِن مَلائِكَةِ الأرْضِ السّاكِنِينَ بِجَبَلِ الياقُوتِ بِالمَشْرِقِ عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، فَعَلَيْهِ لا يَبْعُدُ الِاعْتِراضُ مِمَّنْ كانَ في الأرْضِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ القائِلِينَ كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ نارٌ فَأحْرَقَتْهُمْ، وعِنْدِي أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ إبْلِيسُ، وقَدْ كانَ إذْ ذاكَ مَعْدُودًا في عِدادِ المَلائِكَةِ، ويَكُونُ نِسْبَةُ القَوْلِ إلَيْهِمْ عَلى حَدِّ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، والوَجْهُ ما قَرَّرْنا، وتَكْرارُ الظَّرْفِ لِلدِّلالَةِ عَلى الإفْراطِ في الفَسادِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ بَعْدُ لِلِاكْتِفاءِ مَعَ ما في التَّكْرارِ مِمّا لا يَخْفى، (والسَّفْكُ) الصَّبُّ والإراقَةُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الدَّمِ، أوْ فِيهِ وفي الدَّمْعِ، والعَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ بِها تَتَلاشى الهَياكِلُ الجِسْمانِيَّةُ، (والدِّماءُ) جَمْعُ دَمٍ لامُهُ ياءٌ، أوْ واوٌ، وقَصْرُهُ وتَضْعِيفُهُ مَسْمُوعانِ، وأصْلُهُ فَعْلٌ، أوْ فَعَلٌ، والمُرادُ بِها المُحَرَّمَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقِيلَ: الِاسْتِغْراقُ، فَيَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أنْواعِها مِنَ المَحْظُورِ وغَيْرِهِ، والمَقْصُودُ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بَيْنَها، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (يَسْفُكُ) بِضَمِّ الفاءِ، ويُسْفِكُ مَن أسْفَكَ وبِالتَّضْعِيفِ مِن سَفَكَ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنَصْبِ الكافِ، وخُرِّجَ عَلى النَّصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والرّاجِعُ إلى مَن حِينَئِذٍ سَواءٌ جُعِلَ مَوْصُولًا أوْ مَوْصُوفًا
صفحة 222
مَحْذُوفٌ، أيْ فِيهِمْ، وحُكْمُ المَلائِكَةِ بِالإفْسادِ والسَّفْكِ عَلى الإنْسانِ بِناءً عَلى بَعْضِ هاتِيكَ الوُجُوهِ لَيْسَ مِنَ ادِّعاءِ عِلْمِ الغَيْبِ أوِ الحُكْمِ بِالظَّنِّ والتَّخْمِينِ، ولَكِنْ بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُصَّ عَلَيْنا فِيما حَكى عَنْهُمُ اكْتِفاءً بِدِلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ لِلْإيجازِ، كَما هو عادَةُ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ، أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ قالُوا: وما يَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ؟ قالَ: تَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: رَبَّنا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ، وقِيلَ: عَرَفُوا ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ عِلْمِ الجَوابِ، ويَحْتاجُ الجَوابُ إلى تَكَلُّفٍ، وقِيلَ: عَرَفُوهُ اسْتِنْباطًا عَمّا رَكَزَ في عُقُولِهِمْ مِن عَدَمِ عِصْمَةِ غَيْرِهِمُ المُفْضِي إلى العِلْمِ بِصُدُورِ المَعْصِيَةِ عَمَّنْ عَداهُمُ المُفْضِي إلى التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، إذْ مَن لا يَرْحَمُ نَفْسَهُ لا يَرْحَمُ غَيْرَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى الفَسادِ وسَفْكِ الدِّماءِ، وقِيلَ: قِياسًا لِأحَدِ الثَّقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ بِجامِعِ اشْتِراكِهِما في عَدَمِ العِصْمَةِ، ولا يَخْفى ما في القَوْلَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِهِ خَلِيفَةً، لِأنَّ الخِلافَةَ تَقْتَضِي الإصْلاحَ وقَهْرَ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ فَسادٌ، إمّا في ذاتِهِ، بِمُقْتَضى الشَّهْوَةِ، أوْ في غَيْرِهِ مِنَ السَّفْكِ، أوْ لِأنَّها مَجْلى الجَلالِ كَما أنَّها مَجْلى الجَمال، ولِكُلٍّ آثارٌ، والإفْسادُ والسَّفْكُ مِن آثارِ الجَلالِ، وسَكَتُوا عَنْ آثارِ الجَمالِ إذْ لا غَرابَةَ فِيها، وهم عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ما قَدَرُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ قَدْرِهِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿أتَجْعَلُ﴾ وفِيها تَقْرِيرٌ لِجِهَةِ الإشْكالِ، والمَعْنى: تَسْتَخْلِفُ مَن ذُكِرَ ونَحْنُ المَعْصُومُونَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إلّا الِاسْتِفْسارَ عَنِ المُرَجِّحِ لا العَجَبَ والتَّفاخُرَ، حَتّى يَضُرَّ بِعِصْمَتِهِمْ، كَما زَعَمَتِ الحَشْوِيَّةُ، ولُزُومُ الضَّمِيرِ، وتَرْكُ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إذا وقَعَتْ حالًا مُؤَكِّدَةً غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلِاخْتِصاصِ، ومِنَ الغَرِيبِ جَعْلُ الجُمْلَةِ اسْتِفْهامِيَّةً حُذِفَ مِنها الأداةُ، وكَذا المُعادِلُ، والتَّسْبِيحُ في الأصْلِ مُطْلَقُ التَّبْعِيدِ، والمُرادُ بِهِ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، ويُعَدّى بِاللّامِ إشْعارًا بِأنَّ إيقاعَ الفِعْلِ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وخالِصًا لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ، فالمَفْعُولُ المُقَدَّرُ ها هُنا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِاللّامِ عَلى وفْقِ قَرِينَةٍ، وأنْ يَكُونَ بِدُونِهِ كَما هو أصْلُهُ، (وبِحَمْدِكَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والباءُ لِاسْتِدامَةِ الصُّحْبَةِ والمَعِيَّةِ، وإضافَةُ الحَمْدِ إمّا إلى الفاعِلِ، والمُرادُ لازِمُهُ مَجازًا مِنَ التَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، أوْ إلى المَفْعُولِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِنا لَكَ عَلى ما وفَّقْتَنا لِتَسْبِيحِكَ، وفي ذَلِكَ نَفْيُ ما يُوهِمُهُ الإسْنادُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ تَسْبِيحٌ خاصٌّ، وهُوَ: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، سُبْحانَ ذِي العَظَمَةِ والجَبَرُوتِ، سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، ويُعْرَفُ هَذا بِتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ، أوْ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وفي حَدِيثٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: أيُّ الكَلامِ أفْضَلُ؟ قالَ: (ما اصْطَفى اللَّهُ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ، أوْ لِعِبادِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ)،» أيْ وبِحَمْدِهِ نُسَبِّحُ، والتَّقْدِيسُ في المَشْهُورِ كالتَّسْبِيحِ مَعْنًى، واحْتاجُوا لِدَفْعِ التَّكْرارِ إلى أنَّ أحَدَهُما بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ والآخَرَ بِاعْتِبارِ الِاعْتِقاداتِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والتَّقْدِيسُ تَنْزِيهُهُ في ذاتِهِ عَمّا لا يَراهُ لائِقًا بِنَفْسِهِ، فَهو أبْلَغُ، ويَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ حَيْثُ جُمِعَ بَيْنَهُما أُخِّرَ، نَحْوُ: سَبُّوحٍ قُدُّوسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّطْهِيرِ، والمُرادُ نُسَبِّحُكَ ونُطَهِّرُ أنْفُسَنا مِنَ الأدْناسِ أوْ أفْعالَنا مِنَ المَعاصِي، فَلا نَفْعَلُ فِعْلَهم مِنَ الإفْسادِ والسَّفْكِ، أوْ نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ، ولامُ (لَكَ) إمّا لِلْعِلَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نُقَدِّسُ)، والحَمْلُ عَلى التَّنازُعِ مِمّا فِيهِ تَنازُعٌ، أوْ مُعَدِّيَةٌ لِلْفِعْلِ كَما فِي: سَجَدْتُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْبَيانِ كَما في سَفَهًا لَكَ، فَمُتَعِلِّقُها حِينَئِذٍ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زائِدَةٌ، والمَفْعُولُ هو المَجْرُورُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ قائِلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قائِلُ الجُمْلَةِ الأُولى، وأغْرَبَ الشَّيْخُ
صفحة 223
صَفِيُّ الدِّينِ الخَزْرَجِيُّ في كِتابِهِ (فَكِّ الأزْرارِ) فَجَعَلَ القائِلَ مُخْتَلِفًا، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ المَلائِكَةَ كانُوا حِينَ وُرُودِ الخِطابِ عَلَيْهِمْ مُجْمَلِينَ، وكانَ إبْلِيسُ مُنْدَرِجًا في جُمْلَتِهِمْ، فَوَرَدَ الجَوابُ مِنهم مُجْمَلًا، فَلَمّا انْفَصَلَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَتِهِمْ بِإبائِهِ انْفَصَلَ الجَوابُ إلى نَوْعَيْنِ، فَنَوْعٌ الِاعْتِراضُ مِنهُ، ونَوْعٌ التَّسْبِيحُ والتَّقْدِيسُ مِمَّنْ عَداهُ، فانْقَسَمَ الجَوابُ إلى قِسْمَيْنِ، كانْقِسامِ الجِنْسِ إلى جِنْسَيْنِ، وناسَبَ كُلُّ جَوابٍ مَن ظَهَرَ عَنْهُ، فالكَلامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ وهو تَأْوِيلٌ، لا تَفْسِيرٌ، ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِنَ الحِكَمِ في ذَلِكَ ما أنْتُمْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ، وقِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ عِلْمَهُ بِمَعْصِيَةِ إبْلِيسَ، وطاعَةِ آدَمَ، وقِيلَ: بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءُ وصالِحُونَ، وقِيلَ: الأحْسَنُ أنْ يُفَسَّرَ هَذا المُبْهَمُ بِما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عَنْهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ الحِكْمَةِ في الخِلافَةِ عَلى أدَقِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: أُرِيدُ الظُّهُورَ بِأسْمائِي وصِفاتِي، ولَمْ يَكْمُلْ ذَلِكَ بِخَلْقِكُمْ، فَإنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ لِقُصُورِ اسْتِعْدادِكُمْ، ونُقْصانِ قابِلِيَّتِكُمْ، فَلا تَصْلُحُونَ لِظُهُورِ جَمِيعِ الأسْماءِ، والصِّفاتِ فِيكُمْ، فَلا تَتِمُّ بِكم مَعْرِفَتِي، ولا يَظْهَرُ عَلَيْكم كَنْزِي، فَلا بُدَّ مِن إظْهارِ مَن تَمَّ اسْتِعْدادُهُ، وكَمُلَتْ قابِلِيَّتُهُ، لِيَكُونَ مَجْلًى لِي، ومِرْآةً لِأسْمائِي وصِفاتِي، ومَظْهَرًا لِلْمُتَقابِلاتِ فِيَّ، ومَظْهَرًا لِما خَفِيَ عِنْدِي، وبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي وبِي، وبَعْدَ ذاكَ يَرِقُّ الزُّجاجُ، والخَمْرُ، وإلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ يَرْجِعُ الأمْرُ، (وأعْلَمُ) فِعْلٌ مُضارِعٌ، واحْتِمالُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما لا يَخْفى،
البقرة 2:31
﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ عَطْفٌ عَلى (قالَ)، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ الِابْتِداءِ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَحْضِرٍ مِنهُ، بِأنْ قِيلَ: إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً، فَقَبْلَ ما قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ فَخَلَقَ وعَلَّمَ، أوْ فَخَلَقَهُ، وسَوّاهُ، ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وعَلَّمَ، أوْ فَجَعَلَ في الأرْضِ خَلِيفَةً وعَلَّمَ، وإبْرازُ اسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، والتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ، ( وآدَمُ ) صَرَّحَ الجَوالِيقِيُّ، وكَثِيرُونَ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، ووَزْنُهُ أفْعَلُ مِنَ الأُدْمَةِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ السُّمْرَةُ، وياما أحَيْلاها في بَعْضٍ، وفَسَّرَها أُناسٌ بِالبَياضِ، أوِ الأدَمَةِ بِفَتْحَتَيْنِ الأُسْوَةِ والقُدْوَةِ، أوْ مِن أدِيمِ الأرْضِ ما ظَهَرَ مِنها، وقَدْ أخْرَجَأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ (أنَّهُ تَعالى قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ سَهْلِها وحَزَنِها، فَخَلَقَ مِنها آدَمَ )، فَلِذَلِكَ تَأْتِي بَنُوهُ أخْيافًا، أوْ مِنَ الأُدْمِ أوِ الأُدْمَةِ المُوافَقَةِ والأُلْفَةِ، وأصْلُهُ أآدَمُ، بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِسُكُونِها بَعْدَ فَتْحَةٍ، ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنِ الفِعْلِ، وقِيلَ: أعْجَمِيٌّ ووَزْنُهُ فاعَلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ويَكْثُرُ هَذا في الأسْماءِ، كَشالِخَ وآزَرَ، ويَشْهَدُ لَهُ جَمْعُهُ عَلى أوادِمَ بِالواوِ، لا أآدِمَ بِالهَمْزَةِ، وكَذا تَصْغِيرُهُ عَلى أُوَيْدِمٍ لا أُؤَيْدِمٍ، واعْتَذَرَ عَنْهُ الجَوْهَرِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهَمْزَةِ أصْلٌ في البِناءِ مَعْرُوفٌ، فَجُعِلَ الغالِبُ عَلَيْها الواوَ، ولَمْ يُسَلِّمُوهُ لَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَجْرِي الِاشْتِقاقُ فِيهِ لِأنَّهُ مِن تِلْكَ اللُّغَةِ لا نَعْلَمُهُ، ومِن غَيْرِها لا يَصِحُّ، والتَّوافُقُ بَيْنَ اللُّغاتِ بَعِيدٌ، وإنْ ذُكِرَ فِيهِ فَذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ مُلْحَقٌ بِكَلامِهِمْ، وهو اشْتِقاقٌ تَقْدِيرِيٌّ اعْتَبَرُوهُ لِمَعْرِفَةِ الوَزْنِ، والزّائِدِ فِيهِ مِن غَيْرِهِ، ومَن أجْراهُ فِيهِ حَقِيقَةً كَمَن جَمَعَ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، والأسْماءُ جَمْعُ اسْمٍ، وهو بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، واسْتُعْمِلَ عُرْفًا في المَوْضُوعِ
صفحة 224
لِمَعْنًى مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا، أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما، وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ، والعِلْمُ بِالألْفاظِ المُفْرَدَةِ والمُرَكَّبَةِ تَرْكِيبًا خَبَرِيًّا، أوْ إنْشائِيًّا يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالمَعانِي التَّصْوِيرِيَّةِ والتَّصْدِيقِيَّةِ، وإرادَةُ المَعْنى المُصْطَلَحِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ القُرْآنِ، وقالَ الإمامُ: المُرادُ بِالأسْماءِ صِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها، لِأنَّها عَلاماتٌ دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَجازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها بِالأسْماءِ، وفِيهِ كَما قالَ الشِّهابُ نَظَرٌ إذْ لَمْ يُعْهَدْ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلى مِثْلِهِ حَتّى يُفَسَّرَ بِهِ النَّظْمُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها أسْماءُ ما كانَ، وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعُزِيَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: اللُّغاتُ، وقِيلَ: أسْماءُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: أسْماءُ النُّجُومِ، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: أسْماؤُهُ تَعالى، وقِيلَ، وقِيلَ، وقِيلَ، والحَقُّ عِنْدِي ما عَلَيْهِ أهْلُ اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الخِلافَةِ الَّذِي عَلِمْتَ، وهو أنَّها أسْماءُ الأشْياءِ عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً جَوْهَرِيَّةً أوْ عَرَضِيَّةً، ويُقالُ لَها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهم بِاعْتِبارِ دِلالَتِها عَلَيْهِ، وظُهُورُهُ فِيها غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِها، ولِهَذا قالُوا: إنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يَبْرُزُ لِلْوُجُودِ مِن خَبايا الجُودِ إلّا وهو اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وشَأْنٌ مِن شُئُونِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وهو الأوَّلُ، والآخِرُ، والظّاهِرُ، والباطِنُ، ومِن هُنا قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ:
إنَّ الوُجُودَ وإنْ تَعَدَّدَ ظاهِرًا وحَياتِكم ما فِيهِ إلّا أنْتُمُ
لَكِنْ لِلْفَرْقِ مَقامٌ، ولِلْجَمْعِ مَقامٌ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولَوْلا المَراتِبُ لَتَعَطَّلَتِ الأسْماءُ والصِّفاتُ، وتَعْلِيمُها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا ظُهُورُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا فِيهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ والتَّشْبِيهِ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ المُتَقابِلَةِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الجامِعِ بِحَيْثُ عَلِمَ وجْهَ الحَقِّ في تِلْكَ الأشْياءِ وعَلِمَ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ، وفَهِمَ ما أشارَتْ إلَيْهِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، ولَمْ يَبْقَ مِن أسْرارِها باقِيَةٌ، فَيالِلَّهِ هَذا الجِرْمُ الصَّغِيرُ كَيْفَ حَوى هَذا العِلْمَ الغَزِيرَ، واخْتَلَفَ الرَّسْمِيُّونَ بَيْنَهم في كَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ أنْ فُسِّرَ بِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ غالِبًا، وبَعْدَ حُصُولِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ المُتَعَلِّمِ، كاسْتِعْدادِهِ لِقَبُولِ الفَيْضِ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَةِ المُعَلِّمِ، لا تَخَلُّفَ، فَقِيلَ: بِأنْ خَلَقَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِتِلْكَ الأسْماءِ، وبِمَدْلُولاتِها، وبِدِلالَتِها، ووَجْهِ دِلالَتِها، وقِيلَ: بِأنْ خَلَقَهُ مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقُوًى مُتَبايِنَةٍ مُسْتَعِدًّا لِإدْراكِ أنْواعِ المُدْرَكاتِ، وألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ ذَواتِ الأشْياءِ، وأسْمائِها، وخَواصِّها، ومَعارِفِها، وأُصُولِ العِلْمِ، وقَوانِينِ الصِّناعاتِ، وتَفاصِيلِ آلاتِها، وكَيْفِيّاتِ اسْتِعْمالاتِها، فَيَكُونُ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ: بِأنَّ التَّعْلِيمَ عَلى ظاهِرِهِ، وكانَ بِواسِطَةِ مَلَكٍ غَيْرُ داخِلٍ في عُمُومِ الخِطابِ بِــ(أنْبِؤُونِي)، مِمّا لا أرْتَضِيهِ، اللَّهُمَّ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ في ذَلِكَ، ومَعَ هَذا أقُولُ: لِلْخَبَرِ مَحْمَلٌ غَيْرُ ما يَتَبادَرُ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْلِيمَ لا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ لُغَةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ كَما زَعَمَهُ أبُو هاشِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ رُدَّتْ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، إذْ لَوِ افْتَقَرَ لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ أوْ دارَ، والإمامُ الأشْعَرِيُّ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الواضِعَ لِلُّغاتِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، ويَجُوزُ حُدُوثُ بَعْضِ الأوْضاعِ مِنَ البَشَرِ كَما يَضَعُ الرَّجُلُ عِلْمَ ابْنِهِ، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: الواضِعُ مِنَ البَشَرِ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ ويُسَمّى مَذْهَبَ الِاصْطِلاحِ، وقِيلَ: وضَعَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَها، ووَضَعَ الباقِيَ البَشَرُ، وهو مَذْهَبُ التَّوْزِيعِ، وبِهِ قالَ الأُسْتاذُ، والمَسْألَةُ مُفَصَّلَةٌ بِأدِلَّتِها، وما لَها، وما عَلَيْها في أُصُولِ الفِقْهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (وعُلِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفي البَحْرِ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، وهي بِهِ سَماعِيَّةٌ، وقِيلَ: قِياسِيَّةٌ، والحَرِيرِيُّ في شَرْحِ لَمْحَتِهِ يَزْعُمُ أنَّ عَلِمَ المُتَعَدِّيَ لِاثْنَيْنِ يَتَعَدّى بِهِ إلى ثَلاثَةٍ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيِ المُسَمَّياتِ المَفْهُومَةَ مِنَ الكَلامِ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ لِتَغْلِيبِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُقَلاءِ، ولِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم في رَأْيٍ عَلى البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأسْماءِ بِاعْتِبارِ أنَّها المُسَمَّياتُ مَجازًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، ومَن قالَ: الِاسْمُ عَيْنُ المُسَمّى قالَ: الأسْماءُ هي المُسَمَّياتُ
صفحة 225
والضَّمِيرُ لَها بِلا تَكَلُّفٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْضَ لِلسُّؤالِ عَنْ أسْماءِ المَعْرُوضاتِ لا عَنْ نَفْسِها، وإلّا لَقِيلَ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْرُوضُ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ، فَلا يَكُونُ نَفْسَ الأسْماءِ، ومَعْنى عَرْضِ المُسَمَّياتِ تَصْوِيرُها لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ أوْ إظْهارُها لَهم كالذَّرِّ، أوْ إخْبارُهم بِما سَيُوجِدُهُ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إجْمالًا، وسُؤالُهم عَمّا لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِنَ العُلُومِ والصَّنائِعِ الَّتِي بِها نِظامُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ إجْمالًا أيْضًا، وإلّا فالتَّفْضِيلُ لا يُمْكِنُ عِلْمُهُ لِغَيْرِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: سَأُوجِدُ كَذا وكَذا، فَأخْبِرُونِي بِما لَهم وما عَلَيْهِمْ، وما أسْماءُ تِلْكَ الأنْواعِ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ أمْرِي عَلى فُلانٍ فَقالَ لِي كَذا، فَلا يَرُدُّ أنَّ المُسَمَّياتِ عِنْدَ بَعْضٍ أعْيانٌ ومَعانٍ، وكَيْفَ تُعْرَضُ المَعانِي كالسُّرُورِ والحُزْنِ والجَهْلِ والعِلْمِ؟ وعِنْدِي أنَّ عَرْضَ المُسَمَّياتِ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ اطِّلاعِهِمْ عَلى الصُّوَرِ العِلْمِيَّةِ والأعْيانِ الثّابِتَةِ الَّتِي قَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها في هَذِهِ النَّشْأةِ بَعْضُ عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُجَرَّدِينَ، أوْ إظْهارُ ذَلِكَ لَهم في عالَمٍ تَتَجَسَّدُ فِيهِ المَعانِي، وهَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، بَلْ إنَّ المَعانِيَ الآنَ مُتَشَكِّلَةٌ في عالَمِ المَلَكُوتِ، بِحَيْثُ يَراها مَن يَراها، وما أحاطَ خُبْرًا بِعالَمِ المِثالِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم شَهِدُوا تِلْكَ المُسَمَّياتِ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المُرادُ بِعَرْضِها.
وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ
وقَرَأ أُبَيٌّ (ثُمَّ عَرَضَها) وعَبْدُ اللَّهِ (عَرَضَهُنَّ)، والمَعْنى: عَرَضَ مُسَمَّياتِها، أوْ مُسَمَّياتِهِنَّ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ.
﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ تَعْجِيزٌ لَهُمْ، ولَيْسَ مِنَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ عَلى ما وُهِمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ الخِلافَةِ والتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ وإقامَةِ المَعْدَلَةِ بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ ومَقادِيرِ الحُقُوقِ مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ، فَكَيْفَ يَرُومُ الخِلافَةَ مَن لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، أوْ مَن لا يَعْرِفُ الألْفاظَ أنْفُسَها ! هَيْهاتَ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، وأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُّوقِ، وعِنْدِي أنَّ المُرادَ إظْهارُ عَجْزِهِمْ، وقُصُورِ اسْتِعْدادِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِلافَةِ الجامِعَةِ لِلظّاهِرِ والباطِنِ، بِأمْرِهِمْ بِالإنْباءِ بِتِلْكَ الأسْماءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ مِنها، والعاجِزُ عَنْ نَفْسِ الإنْباءِ أعْجَزُ عَنِ التَّحَلِّي المَطْلُوبِ في ذَلِكَ المَنصِبِ المَحْبُوبِ.
كَيْفَ الوُصُولُ إلى سُعادَ ودُونَها ∗∗∗ قُلَلُ الجِبالِ ودُونَهُنَّ حُتُوفُ
الرِّجْلُ حافِيَةٌ وما لِي مَرْكَبٌ ∗∗∗ والكَفُّ صِفْرٌ والطَّرِيقُ مَخُوفُ
والإنْباءُ في الأصْلِ مُطْلَقُ الإخْبارِ وهو الظّاهِرُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى الإخْبارِ بِما فِيهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، ويَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ، أوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ إخْبارٌ فِيهِ إعْلامٌ، ولِذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى كُلٍّ مِنهُما، وأخْتارُهُ هُنا عَلى ما قِيلَ لِلْإيذانِ بِرِفْعَةِ شَأْنِ الأسْماءِ، وعِظَمِ خَطَرِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ النَّبَأ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ الخَطِيرِ، والأمْرِ العَظِيمِ، وفي اسْتِعْمالِ (ثُمَّ) فِيما تَقَدَّمَ، والفاءِ هُنا ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَدَمِهِ في شَأْنِهِمْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (أنْبِئُونِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ فِيما اخْتَلَجَ في خَواطِرِكم مِن أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا أنْتُمْ أعْلَمُ مِنهُ، وأفْضَلُ، وهَذا هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى خَلْقًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنّا، ولا أعْلَمَ، وفي الكَلامِ دِلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ ونَحْنُ نُسَبِّحُ إلَخْ، يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّتِهِمْ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيسُهُ أوْ تَقْدِيسُهم أنْفُسَهم يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم أنَّكم أحَقُّ بِالِاسْتِخْلافِ، أوْ في أنَّ اسْتِخْلافَهم لا يَلِيقُ، فَأثْبِتُوهُ بِبَيانِ ما فِيكم مِنَ الشَّرائِطِ السّابِقَةِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَعْصِيَةِ في شَيْءٍ، لِأنَّهُ شُبْهَةٌ اخْتَلَجَتْ، وسَألُوا عَمّا يُزِيحُها، ولَيْسَ بِاخْتِيارِي، ولا يَرِدُ
صفحة 226
أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالخَبَرِ، وهُمُ اسْتَخْبَرُوا، ولَمْ يُخْبِرُوا لِأنّا نَقُولُ: هُما يَتَطَرَّقانِ إلى الإنْشاءاتِ بِالقَصْدِ الثّانِي، ومِن حَيْثُ ما يَلْزَمُ مَدْلُولَها، وإنْ لَمْ يَتَطَرَّقا إلَيْها بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ومِن حَيْثُ مَنطُوقُها، وجَوابُ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجُهْمُورِ البَصْرِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ، وهو هُنا (أنْبِئُونِي)، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ أنَّ الجَوابَ هو المُتَقَدِّمُ، وهَذا هو النَّقْلُ الصَّحِيحُ عَمَّنْ ذَكَرَ في المَسْألَةِ، ووَهِمَ البَعْضُ فَعَكَسَ الأمْرَ، ومَن زَعَمَ أنَّ (إنْ) هُنا بِمَعْنى إذا الظَّرْفِيَّةِ، فَلا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، فَقَدْ وهِمَ، وكَأنَّهُ لَمّا رَأى عِصْمَةَ المَلائِكَةِ وظَنَّ مِنَ الآيَةِ ما يُخِلُّ بِها، ولَمْ يَجِدْ لَها مَحْمَلًا مَعَ إبْقاءِ (إنْ) عَلى ظاهِرِها افْتَقَرَ إلى ذَلِكَ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أغْنانا مِن فَضْلِهِ، ولَمْ يُحْوِجْنا إلى هَذا، وإلى القَوْلِ بِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ التَّوْكِيدُ لِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ، فَحاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ: أخْبِرُونِي، ولا تَقُولُوا إلّا حَقًّا كَما قالَ الإمامُ.
البقرة 2:32
﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا إذْ ذاكَ: هَلْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ ما كُلِّفُوهُ، أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا إلَخْ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الجُمَلَ المُفْتَتَحَةَ بِالقَوْلِ إذا كانَتْ مُرَتَّبًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في المَعْنى فالأصَحُّ أنْ لا يُؤْتى فِيها بِحَرْفٍ اكْتِفاءً بِالتَّرْتِيبِ المَعْنَوِيِّ، وقَدْ جاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ بَلِ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنهُ، (وسُبْحانَ) قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ، وفِعْلُهُ سَبَحَ مُخَفَّفًا بِمَعْنى نَزُهَ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا، إمّا لِلْمَفْعُولِ، أوِ الفاعِلِ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ وُجُوبًا، وقَوْلُهُ:
سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجَمَدُ
شاذٌّ كَقَوْلِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذا السُّبْحانِ، ومَجِيئُهُ مُنادًى مِمّا زَعَمَهُ الكِسائِيُّ ولا حُجَّةَ لَهُ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ، لا مَصْدَرُ سَبَّحَ بِمَعْنى قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ، ولِأنَّ مَدْلُولَ ذَلِكَ لَفْظٌ، ومَدْلُولَ هَذا مَعْنًى، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
إذْ لَوْلا أنَّهُ عَلَمٌ لَوَجَبَ صَرْفُهُ، لِأنَّ الألِفَ والنُّونَ في غَيْرِ الصِّفاتِ إنَّما تَمْنَعُ مَعَ العَلَمِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سُبْحانَ فِيهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ سُبْحانَ اللَّهِ، وهو مُرادٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، وأُبْقِيَ المُضافُ عَلى حالِهِ مُراعاةً لِأغْلَبِ أحْوالِهِ، وهو التَّجَرُّدُ عَنِ التَّنْوِينِ، وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ والإضافَةُ لِما بَعْدَها عَلى التَّهَكُّمِ، والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُ بَعْضٍ: إنَّ مَعْنى سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَكَ بَعْدَ تَنْزِيهٍ، كَما قالُوا في لَبَّيْكَ إجابَةً بَعْدَ إجابَةٍ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا ظاهِرًا أنْ يَكُونَ مُثَنًّى، ومُفْرَدُهُ سُبْحًا، وأنْ لا يَكُونَ مَنصُوبًا بَلْ مَرْفُوعٌ، وأنَّهُ لَمْ تَسْقُطِ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وإنَّما التُزِمَ فَتْحُها، ويا سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى لِمَن يَقُولُ ذَلِكَ، والغَرَضُ مِن هَذا الجَوابِ الِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ عَنْ أمْرِ الخِلافَةِ، والقُصُورِ عَنْ مَعْرِفَةِ الأسْماءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهم قالُوا: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمَتْنا، ولَمْ تُعَلِّمْنا الأسْماءَ فَكَيْفَ نَعْلَمُها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ سُؤالَهم لَمْ يَكُنْ إلّا اسْتِفْسارًا إذْ لا عِلْمَ لَهم إلّا مِن طَرِيقِ التَّعْلِيمِ، ومِن جُمْلَتِهِ عِلْمُهم بِحِكْمَةِ الِاسْتِخْلافِ مِمّا تَقَدَّمَ فَهو بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ أيْضًا، فالسُّؤالُ المُتَرَتِّبُ هو عَلَيْهِ سُؤالُ مُسْتَفْسِرٍ لا مُعْتَرِضٍ، وثَناءٌ عَلَيْهِ تَعالى بِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ التَّواضُعِ، ومُراعاةِ الأدَبِ، وتَرْكِ الدَّعْوى، ولِهَذا كُلِّهِ لَمْ يَقُولُوا لا عِلْمَ لَنا بِالأسْماءِ، مَعَ أنَّهُ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ عَدَمَ العِصْمَةِ جَعَلَ هَذا تَوْبَةً، والإنْصافُ أنَّهُ يُشْبِهُها، ولَكِنْ
صفحة 227
لا عَنْ ذَنْبٍ مُخِلٍّ بِالعِصْمَةِ، بَلْ عَنْ تَرْكٍ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ، ورِفْعَةِ مَقامِهِمْ، إذِ اللّائِقُ بِحالِهِمْ عَلى العِلّاتِ أنْ يَتْرُكُوا الِاسْتِفْسارِ ويَقِفُوا مُتَرَصِّدِينَ، لِأنْ يَظْهَرَ حَقِيقَةُ الحالِ، (وما) عِنْدَ الجُمْهُورِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وهي إمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ، أوْ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّهْراوِيِّ أنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِعَلَّمَتْنا)، ويَتَكَلَّفُ لِتَوْجِيهِهِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ فَإلّا بِمَعْنى لَكِنْ، وما شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهم نَفَوْا أوَّلًا سائِرَ العُلُومِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكُوا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ، أيُّ شَيْءٍ عَلَّمَهم عَلِمُوهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَرْكِ الدَّعْوى كَما لا يَخْفى، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ولَمّا نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ أثْبَتُوهُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أكْمَلِ أوْصافِهِ وأرْدَفُوهُ بِالوَصْفِ بِالحِكْمَةِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهم ما تَبَيَّنَ، وأصْلُ الحِكْمَةِ المَنعُ ومِنهُ حَكَمَةُ الدّابَّةِ لِأنَّها تَمْنَعُها عَنِ الِاعْوِجاجِ، ويُقالُ لِلْعِلْمِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ ارْتِكابِ الباطِلِ، ولِإتْقانِ الفِعْلِ لِمَنعِهِ عَنْ طُرُقِ الفَسادِ والِاعْتِراضِ، وهو المُرادُ ها هُنا، لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، فَمَعْنى الحَكِيمِ ذُو الحِكْمَةِ، وقِيلَ: المُحْكِمُ لِمُبْدَعاتِهِ، قالَ في البَحْرِ: وهو عَلى الأوَّلِ صِفَةُ ذاتٍ، وعَلى الثّانِي صِفَةُ فِعْلٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَلِيمُ كانَ مِن صِفاتِ الذّاتِ، أوِ الفاعِلِ لِما لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ كانَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فافْهَمْ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الوَصْفَ بِالعِلْمِ عَلى الوَصْفِ بِالحِكْمَةِ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ مِن (أنْبِئُونِي)، و(لا عِلْمَ لَنا)، ولِأنَّ الحِكْمَةَ لا تَبْعُدُ عَنِ العِلْمِ، ولِيَكُونَ آخِرُ مَقالَتِهِمْ مُخالِفًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن أوَّلِها، (وأنْتَ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لا مَحَلَّ لَهُ عَلى المَشْهُورِ، يُفِيدُ تَأْكِيدَ الحُكْمِ، والقَصْرَ المُسْتَفادَ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ، وقِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِتَقْرِيرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، ويَسُوغُ في التّابِعِ ما لا يَسُوغُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، (والحَكِيمُ) إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ نَعْتٌ لَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُما لِإفادَةِ العُمُومِ، وقَدْ خَصَّهُما بَعْضٌ فَقالَ: العَلِيمُ بِما أمَرْتَ ونَهَيْتَ، الحَكِيمُ فِيما قَضَيْتَ وقَدَّرْتَ، والعُمُومُ أوْلى.
البقرة 2:33
﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ نادى سُبْحانَهُ آدَمَ بِاسْمِهِ العَلَمِ كَما هو عادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ، مَعَ أنْبِيائِهِ ما عَدّا نَبِيَّنا ﷺ حَيْثُ ناداهُ بِـ يا أيُّها النَّبِيُّ، ويا أيُّها الرَّسُولُ، لِعُلُوِّ مَقامِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ، إذْ هو الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ، والسِّرُّ في إيجادِ آدَمَ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنْبِئْنِي كَما وقَعَ في أمْرِ المَلائِكَةِ مَعَ حُصُولِ المُرادِ مَعَهُ أيْضًا، وهو ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ إبانَةً لِما بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، وإنْباءً لِلْمَلائِكَةِ بِأنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحٌ، لا يَحْتاجُ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الِامْتِحانِ، وأنَّهُ حَقِيقٌ أنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ، أوْ لِتَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَّةُ التَّعْلِيمِ كامِلَةً حَيْثُ أُقِيمَ مَقامَ المُفِيدِ، وأُقِيمُوا مَقامَ المُسْتَفِيدِينَ مِنهُ، أوْ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الهَيْبَةُ فَإنَّ إنْباءَ العالِمِ لَيْسَ كَإنْباءِ غَيْرِهِ، والمُرادُ بِالإنْباءِ هُنا الإعْلامُ لا مُجَرَّدُ الإخْبارِ كَما تَقَدَّمَ.
وفِيهِ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتُهم تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ومَنَعَ قَوْمٌ ذَلِكَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ، وحَمَلَ عَلَيْهِ ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وأفْهَمَ كَلامُ البَعْضِ مَنعَ حُصُولِ العِلْمِ المُرَقِّي لَهُمْ، فَلَعَلَّ ما يَحْصُلُ عِلْمٌ قالَ: لا حالٌ، والفَرْقُ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ ذَوْقٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (أنْبِئْهِمْ) بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ، و(أنْبِيهِمْ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقَرَأ الحَسَنُ (أنْبِهِمْ) كَأعْطِهِمْ، والمُرادُ بِالأسْماءِ ما عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها، واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِها، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَعْرُوضِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ، ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ فَأنْبَأهم بِها، فَلَمّا أنْبَأهم إلَخْ، وحُذِفَتْ لِفَهْمِ المَعْنى، وإظْهارُ الأسْماءِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبَأهم بِها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ دُونَ الإجْمالِ، وعَلَّمَهم بِصِدْقِهِ مِنَ القَرائِنِ المُوجِبَةِ لَهُ، والأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولا يَبْعُدُ إنْ عَرَّفَهم سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم لُغَةٌ أوْ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ حَضَرَ جَمِيعُهم
صفحة 228
فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إصابَتَهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَعِيدٌ.
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ جَوابٌ (لِما)، وتَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ، واسْتِحْضارٌ لَهُ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ مِن ذَلِكَ، وأشْرَحَ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الإيجازِ، إذْ كانَ الظّاهِرُ: أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وشَهادَتَهُما، وأعْلَمُ ما كُنْتُمْ تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، وما سَتُبْدُونَ وتَكْتُمُونَ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَصَرَ عَلى غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنهُ شَهادَتَهُما بِالأوْلى، واقْتَصَرَ مِنَ الماضِي عَلى المَكْتُومِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنهُ البادِيَ كَذَلِكَ، وعَلى المَبْدَإ مِنَ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ قَبْلَ الوُقُوعِ خَفِيَ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن خَفِيّاتِهِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وتَكْتُمُونَ، لَعَلَّهُ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ الكِتْمانِ، فالمَعْنى: أعْلَمُ ما تُبْدُونَ قَبْلَ أنْ تُبْدُوهُ، وأعْلَمُ ما تَسْتَمِرُّونَ عَلى كِتْمانِهِ، وذَكَرالسّالِيكُوتِيُّ أنَّ كَلِمَةً (كانَ) صِلَةٌ غَيْرُ مُفِيدَةٍ لِشَيْءٍ إلّا مَحْضَ التَّأْكِيدِ المُناسِبِ لِلْكِتْمانِ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ العُمُومُ، ومَعَ ذَلِكَ (ما لا تَعْلَمُونَ) أعَمُّ مَفْهُومًا لِشُمُولِهِ غَيْبَ الغَيْبِ الشّامِلِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وخَصَّها قَوْمٌ فَمِن قائِلٍ: غَيْبُ السَّماواتِ أكْلُ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وغَيْبُ الأرْضِ قَتْلُ قابِيلَ هابِيلَ، ومِن قائِلٍ: الأوَّلُ ما قَضاهُ مِن أُمُورِ خَلْقِهِ، والثّانِي ما فَعَلُوهُ فِيها بَعْدَ القَضاءِ، ومِن قائِلٍ: الأوَّلُ ما غابَ عَنِ المُقَرَّبِينَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى مِن أسْرارِ المَلَكُوتِ الأعْلى، والثّانِي ما غابَ عَنْ أصْفِيائِهِ مِن أسْرارِ المُلْكِ الأدْنى، وأُمُورِ الآخِرَةِ والأُولى، وما أبْدَوْهُ قَبْلَ قَوْلِهِمْ: أتَجْعَلُ فِيها، وما كَتَمُوهُ، قَوْلُهم: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنّا، وقِيلَ: ما أظْهَرُوهُ بَعْدُ مِنَ الِامْتِثالِ، وقِيلَ: ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ، وإسْنادُ الكَتْمِ إلى الجَمِيعِ حِينَئِذٍ مِن بابِ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، مَعْنى الكَتْمِ عَلى كُلِّ حالٍ عَدَمُ إظْهارِ ما في النَّفْسِ لِأحَدٍ مِمَّنْ كانَ في الجَمْعِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم كَتَمُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئًا بِزَعْمِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ حَتّى مِن إبْلِيسَ، وأبْدى سُبْحانَهُ العامِلَ في ما تَبْدُونَ إلَخِ، اهْتِمامًا بِالإخْبارِ بِذَلِكَ المُرْهِبِ لَهُمْ، والظّاهِرُ عَطْفُهُ عَلى الأوَّلِ، فَهو داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ ذَلِكَ القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ أقُلْ﴾ فَلا يَدْخُلُ حِينَئِذٍ تَحْتَهُ.
البقرة 2:34
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كانْقادُوا، وأطاعُوا، والعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وفي كُلٍّ تَعْدادُ النِّعْمَةِ مَعَ أنَّ الأوَّلَ تَحْقِيقٌ لِلْفَضْلِ، وهَذا اعْتِرافٌ بِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُ الظَّرْفِ عَلى الظَّرْفِ بِناءً عَلى اللّائِقِ الَّذِي قَدَّمْناهُ لِاخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ، وجُوِّزَ عَلى أنَّ نَصْبَ السّابِقِ بِمُقَدَّرٍ، والسُّجُودُ في الأصْلِ تَذَلُّلٌ مَعَ انْخِفاضٍ بِانْحِناءٍ، وغَيْرِهِ، وفي الشَّرْعِ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ، وفي المَعْنى المَأْمُورِ بِهِ هُنا خِلافٌ فَقِيلَ: المَعْنى الشَّرْعِيُّ والمَسْجُودُ لَهُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وآدَمُ إمّا قَبْلَهُ أوْ سَبَبٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما امْتَنَعَ إبْلِيسُ، وبِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الكَعْبَةَ لَيْسَتْ بِأكْرَمَ مِمَّنْ سَجَدَ إلَيْها؟ وأُجِيبَ بِالتِباسِ الأمْرِ عَلى إبْلِيسَ، وبِأنَّ التَّكْرِيمَ يَجْعَلُهُ جِهَةً لِهَذِهِ العِبادَةِ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ الشَّأْنِ، كَما في جَعْلِ الكَعْبَةِ قِبْلَةً مِن بَيْنِ سائِرِ الأماكِنِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المَسْجُودِ لَهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً، مُدَّعِيًا أنَّ السُّجُودَ لِلْمَخْلُوقِ إنَّما مُنِعَ في شَرْعِنا، وفِيهِ أنَّ السُّجُودَ الشَّرْعِيَّ عِبادَةٌ، وعِبادَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ شِرْكٌ مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ والأزْمانِ، ولا أُراها حَلَّتْ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، وقِيلَ: المَعْنى اللُّغَوِيُّ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وضْعُ
صفحة 229
الجِباهِ، بَلْ كانَ مُجَرَّدَ تَذَلُّلٍ، وانْقِيادٍ، فاللّامُ إمّا باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها، وإمّا بِمَعْنى إلى، مِثْلُها في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ
أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وحِكْمَةُ الأمْرِ بِالسُّجُودِ إظْهارُ الِاعْتِرافِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاعْتِذارُ عَمّا قالُوا فِيهِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الأُسْتاذِ عَلى مَن عَلَّمَهُ حَقٌّ عَظِيمٌ، وغَيَّرَ سُبْحانَهُ الأُسْلُوبَ حَيْثُ قالَ أوَّلًا: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ وهُنا ﴿وإذْ قُلْنا﴾ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ، لِأنَّ في الأوَّلِ خَلْقَ آدَمَ واسْتِخْلافَهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى أحَبِّ خُلَفائِهِ إلَيْهِ، وهُنا المَقامُ مَقامُ إيرادِ أمْرٍ يُناسِبُ العَظَمَةَ، وأيْضًا في السُّجُودِ تَعْظِيمٌ، فَلَمّا أمَرَ بِفِعْلِهِ لِغَيْرِهِ أشارَ إلى كِبْرِيائِهِ الغَنِيَّةِ عَنِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ تاءِ المَلائِكَةِ إتْباعًا لِضَمِّ الجِيمِ، وهي لُغَةُ أزْدِشَنُوأةَ، وهي لُغَةٌ غَرِيبَةٌ عَرَبِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِخَطَإٍ كَما ظَنَّ الفارِسِيُّ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ امْرَأةً رَأتْ بَناتِها مَعَ رَجُلٍ، فَقالَتْ: أفِي السَّوْأةِ تَنْتُنَّهْ، تُرِيدُ أفِي السَّوْأةِ أنْتُنَّهْ.
﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ الفاءُ لِإفادَةِ مُسارَعَتِهِمْ في الِامْتِثالِ وعَدَمِ تَثَبُّطِهم فِيهِ، (وإبْلِيسُ) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، والعُجْمَةِ، ووَزْنُهُ فِعْلِيلٌ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادِ مِنَ الخَيْرِ، أوِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ووَزْنُهُ عَلى هَذا مِفْعِيلٌ، ومَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ لا نَظِيرَ لَهُ في الأسْماءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ الصَّرْفِ مَعَ أنَّ لَهُ نَظائِرَ، كَإحْلِيلٍ وإكْلِيلٍ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، إذْ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ مِنَ الجِنِّ؟ فَذَهَبَ إلى الثّانِي جَماعَةٌ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ وبِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْتَكْبِرُونَ وهو قَدِ اسْتَكْبَرَ، وبِأنَّ المَلائِكَةَ كَما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وخُلِقَ الجِنُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وهو قَدْ خُلِقَ مِمّا خُلِقَ الجِنُّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وعُدَّ تَرْكُهُ السُّجُودَ إباءً، واسْتِكْبارًا حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهُ كانَ ناشِئًا بَيْنَ المَلائِكَةِ مَغْمُورًا بِالأُلُوفِ مِنهم فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، وتَناوَلَهُ الأمْرُ، ولَمْ يَمْتَثِلْ، أوْ لِأنَّ الجِنَّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ مَعَ المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ لِمَزِيدِ شَرَفِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الجِنِّ، أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ مَأْمُورًا صَرِيحًا لا ضِمْنًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ وضَمِيرُ ﴿فَسَجَدُوا﴾ راجِعٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى الأوَّلِ، مُسْتَدِلِّينَ بِظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ، وتَصْحِيحُهُ بِما ذُكِرَ تَكَلُّفٌ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ واحِدًا مِنهم لَكِنْ كانَ رَئِيسَهُمْ، ورَأْسَهم كَما نَطَقْتْ بِهِ الآثارُ، فَلَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بَيْنَهُمْ، ولِأنَّ صَرْفَ الضَّمِيرِ إلى مُطْلَقِ المَأْمُورِينَ مَعَ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لَمْ يَثْبُتْ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ الجِنَّ سَجَدُوا لِآدَمَ سِوى إبْلِيسَ، وكَوْنُهُ مَأْمُورًا صَرِيحًا الآيَةُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِيهِ، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، واقْتِضاءُ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ كَوْنَهُ مِن جِنْسِ الجِنِّ مَمْنُوعٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ كَوْنُهُ مِنهم فِعْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَفَسَقَ﴾ كالبَيانِ لَهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ، كَما رُوِيَ أنَّهُ مُسِخَ بِسَبَبِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، فَصارَ جِنِّيًّا، كَما مُسِخَ اليَهُودُ، فَصارُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، سَلَّمْنا، لَكِنْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ جِنًّا، وكَوْنِهِ مَلَكًا، فَإنَّ الجِنَّ كَما يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ المَلَكَ يُقالُ عَلى نَوْعٍ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكانُوا خَزَنَةَ الجَنَّةِ، أوْ صاغَةَ حُلِيِّهِمْ، وقِيلَ: صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ، لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ مِثْلَنا، أوْ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ جِنٌّ أيْضًا كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ لِاجْتِنانِهِمْ واسْتِتارِهِمْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، وبِذَلِكَ
صفحة 230
فَسَرَّ بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ووَرَدَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، فَقَدْ قالَ الأعْشى في سَيِّدِنا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً ∗∗∗ قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ
وكَوْنُ المَلائِكَةِ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وهو قَدِ اسْتَكْبَرَ لا يَضُرُّ، إمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، وإنْ كانَ الغالِبُ فِيهِمُ العِصْمَةَ عَلى العَكْسِ مِنّا، وفي عَقِيدَةِ أبِي المُعِينِ النَّسَفِيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ إبْلِيسَ سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةَ، وألْبَسَهُ ثِيابَ الصِّفاتِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَعَصى عِنْدَ ذَلِكَ، والمَلَكُ ما دامَ مَلَكًا لا يَعْصِي.
ومَن ذا الَّذِي يا مَيُّ لا يَتَغَيَّرُ
وكَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِن نارٍ وهم مَخْلُوقُونَ مِن نُورٍ غَيْرُ ضارٍّ أيْضًا، ولا قادِحٍ في مَلَكِيَّتِهِ، لِأنَّ النّارَ والنُّورَ مُتَّحِدا المادَّةِ بِالجِنْسِ، واخْتِلافُهُما بِالعَوارِضِ عَلى أنَّ ما في أثَرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن خَلْقِ المَلائِكَةِ مِنَ النُّورِ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، وإلّا خالَفَهُ كَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الآثارِ، إذْ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ مَلائِكَةً مِن نارٍ، ومَلائِكَةً مِن ثَلْجٍ، ومَلائِكَةً مِن هَذا، وهَذِهِ، ووَرَدَ أنَّ تَحْتَ العَرْشِ نَهْرًا إذا اغْتَسَلَ فِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وانْتَفَضَ يُخْلَقُ مِن كُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ مَلَكٌ، وأفْهَمَ كَلامُ البَعْضِ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ ضَرْبًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يُخالِفُ الشَّياطِينَ بِالذّاتِ، وإنَّما يُخالِفُهم بِالعَوارِضِ والصِّفاتِ، كالبَرَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، يَشْمَلُهُما، وكانَ إبْلِيسُ مِن هَذا الصِّنْفِ، فَعُدَّهُ ما شِئْتَ مِن مَلَكٍ وجِنٍّ وشَيْطانٍ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأقْوالِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ومُنْقَطِعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وقَدْ عَلِمْتَ تَكَلُّفَهم لِاتِّصالِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالثّانِي، وقَدْ شاعَ عِنْدَ النُّحاةِ، والأُصُولِيِّينَ أنَّ المُنْقَطِعَ هو المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والمُتَّصِلَ هو المُسْتَثْنى مِن جِنْسِهِ، قالَ القَرافِيُّ في العِقْدِ المَنظُومِ: وهو غَلَطٌ فِيهِما، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ و﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ مَعَ أنَّ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ، فَيَبْطُلُ الحَدّانِ، والحَقُّ أنَّ المُتَّصِلَ ما حُكِمَ فِيهِ عَلى جِنْسِ ما حَكَمْتَ عَلَيْهِ أوَّلًا بِنَقِيضِ ما حَكَمْتَ بِهِ، ولا بُدَّ مِن هَذَيْنِ القَيْدَيْنِ، فَمَتى انْخَرَمَ أحَدُهُما فَهو مُنْقَطِعٌ بِأنْ كانَ غَيْرَ الجِنْسِ سَواءٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِهِ أوْ لا، نَحْوَ: رَأيْتُ القَوْمَ إلّا فَرَسًا، فالمُنْقَطِعُ نَوْعانِ، والمُتَّصِلُ نَوْعٌ واحِدٌ، ويَكُونُ المُنْقَطِعُ كَنَقِيضِ المُتَّصِلِ، فَإنَّ نَقِيضَ المُرَكَّبِ بِعَدَمِ أجْزائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ إلَخْ، مُنْقَطِعٌ بِسَبَبِ الحُكْمِ بِغَيْرِ النَّقِيضِ لِأنَّ نَقِيضَهُ ذاقُوهُ فِيها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ لِأنَّها لا تُؤْكَلُ بِالباطِلِ، بَلْ بِحَقٍّ، وكَذَلِكَ ﴿إلا خَطَأً﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ القَتْلُ مُطْلَقًا، وإلّا لَكانَ مُباحًا، فَتَنَوَّعَ المُنْقَطِعُ حِينَئِذٍ إلى ثَلاثَةٍ، الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ بِغَيْرِ النَّقِيضِ، والحُكْمِ عَلى غَيْرِهِ بِهِ، أوْ بِغَيْرِهِ، والمُتَّصِلُ نَوْعٌ واحِدٌ، فَهَذا هو الضّابِطُ، وقِيلَ: العِبْرَةُ بِالِاتِّصالِ، والِانْفِصالُ الدُّخُولُ في الحُكْمِ وعَدَمِهِ، لا في حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وعَدَمِهِ، فَتَأمَّلْ تَرْشَدْ.
وأفْهَمَ كَلامُ القَوْمِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ عُلْوِيَّها وسُفْلِيَّها سَعِيدَها وشَقِيَّها مَخْلُوقٌ مِنَ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ النّابُلْسِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ دافِعًا ما يَرُدُّ عَلى الظّاهِرِ:
طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ ∗∗∗ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا
وفِي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَلائِكَةَ العَلَوِيِّينَ خُلِقُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ الجَمالُ، وإبْلِيسُ مِن حَيْثُ الجَلالُ، ويُؤَوَّلُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ إبْلِيسَ مَظْهَرُ جَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِهَذا كانَ مِنهُ ما كانَ، ولَمْ يَجْزَعْ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَطْلُبِ المَغْفِرَةَ لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ، وأنَّ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي
صفحة 231
تَقْتَضِيهِ الحَقائِقُ، فَلا سَبِيلَ إلى تَغْيِيرِها وتَبْدِيلِها، واسْتُشْعِرَ ذَلِكَ مِن نِدائِهِ بِإبْلِيسَ ولَمْ يَكُنِ اسْمَهُ مِن قَبْلُ، بَلْ كانَ اسْمُهُ عَزازِيلَ، أوِ الحَرْثَ، وكُنْيَتُهُ أبا مُرَّةَ، ووَراءَ ذَلِكَ ما لَمْ يُمْكِنْ كَشْفُهُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ إلى بَعْضِ ما ذُكِرَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافُ جَوابٍ لِمَن قالَ: ما فَعَلَ؟ وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ آبِيًا مُسْتَكْبِرًا، ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، وقِيلَ: الجُمَلُ الثَّلاثُ تَذْيِيلٌ بَعْدَ تَذْيِيلٍ، والإباءُ الِامْتِناعُ مَعَ الأنَفَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، ولِهَذا كانَ قَوْلُكَ: أبى زَيْدٌ الظُّلْمَ أبْلَغَ مِن: لَمْ يُظْلَمْ، ولِإفادَةِ الفِعْلِ النَّفْيَ صَحَّ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ كَـ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وقَوْلِهِ:
أبى اللَّهُ إلّا عَدْلَهُ ووَفاءَهُ ∗∗∗ فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ
والفِعْلُ مِنهُ أبى بِالفَتْحِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ يَأْبى قِياسِيًّا، وقَدْ سُمِعَ أبِيَ كَرَضِيَ، فالمُضارِعُ حِينَئِذٍ قِياسِيٌّ، والمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ، أيِ السُّجُودَ، والِاسْتِكْبارُ التَّكَبُّرُ، وهو مِمّا جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى تَفَعَّلَ وقِيلَ: التَّكَبُّرُ أنْ يَرى الشَّخْصُ نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ، وهو مَذْمُومٌ، وإنْ كانَ أكْبَرَ في الواقِعِ، والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ ذَلِكَ بِالتَّشَبُّعِ، وقُدِّمَ الإباءُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في الرُّتْبَةِ، لِأنَّهُ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، بِخِلافِ الِاسْتِكْبارِ، فَإنَّهُ نَفْسانِيٌّ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ خالَفَ حالُهُ حالَ المَلائِكَةِ، فَناسَبَ أنْ يَبْدَأ أوَّلًا بِتَأْكِيدِ ما حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ في الِاسْتِثْناءِ أوْ بِإنْشاءِ الإخْبارِ عَنْهُ بِالمُخالَفَةِ، فَبَدَأ بِذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وكانَ عَلى بابِها، والمَعْنى: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكافِرِينَ، أوْ كانَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، وقِيلَ: بِمَعْنى صارَ، وهو مِمّا أثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ ابْنُ فُورَكَ: وتَرُدُّهُ الأُصُولُ، ولِأنَّهُ كانَ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ، فَكانَ بِالفاءِ، ثُمَّ أنَّ كُفْرَهُ لَيْسَ لِتَرْكِ الواجِبِ كَما زَعَمَ الخَوارِجُ مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يُوجِبُ ذَلِكَ في مِلَّتِنا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ القَواطِعُ، وإيجابُهُ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، بَلْ بِاسْتِقْباحِهِ أمْرَ اللَّهِ تَعالى بِالسُّجُودِ لِمَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ، وأفْضَلُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الإباءُ والِاسْتِكْبارُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى مِنَ الكافِرِينَ، مِنَ العاصِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ كُفْرَهُ كانَ عَنْ جَهْلٍ، بِأنِ اسْتَرَدَّ سُبْحانَهُ مِنهُ ما أعارَهُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي كانَ مُرْتَدِيًا بِهِ، حِينَ كانَ طاوُسَ المَلائِكَةِ، وأظافِيرُ القَضاءِ إذا حَكَّتْ أدْمَتْ، وقِسِيُّ القَدَرِ إذا رَمَتْ أصَمَّتْ.
وكانَ سِراجُ الوَصْلِ أزْهَرَ بَيْنَنا ∗∗∗ فَهَبَّتْ بِهِ رِيحٌ مِنَ البَيْنِ فانْطَفى
وقِيلَ: عَنْ عِنادٍ حَمَلَهُ عَلَيْهِ حُبُّ الرِّياسَةِ والإعْجابُ بِما أُوتِيَ مِنَ النَّفاسَةِ، ولَمْ يَدْرِ المِسْكِينُ أنَّهُ لَوِ امْتَثَلَ ارْتَفَعَ قَدْرُهُ، وسَما بَيْنَ المَلَإ الأسْمى فَخْرُهُ، ولَكِنْ:
إذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتى ∗∗∗ فَأوَّلُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ
وكَمْ أدَقَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ جُفُونًا، وأراقَتْ مِنَ العُيُونِ عُيُونًا، فَإنَّ إبْلِيسَ كانَ مُدَّةً في دَلالِ طاعَتِهِ يَخْتالُ في رِداءِ مُرافَقَتِهِ، ثُمَّ صارَ إلى ما تَرى، وجَرى ما بِهِ القَلَمُ جَرى
وكُنّا ولَيْلى في صُعُودٍ مِنَ الهَوى ∗∗∗ فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتَ وزَلَّتِ
ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيَّةُ والأشْعَرِيَّةُ وبِقَوْلِهِمْ أقُولُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: إنَّ العِبْرَةَ بِالإيمانِ الَّذِي يُوافِي العَبْدُ عَلَيْهِ، ويَأْتِي مُتَّصِفًا بِهِ في آخِرِ حَياتِهِ، وأوَّلِ مَنازِلِ آخِرَتِهِ، ولِذا يَصِحُّ أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِالشَّكِّ، ولَكِنْ لَيْسَ في الإيمانِ النّاجِزِ بَلْ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ المُعْتَبَرِ عِنْدَ المَوْتِ، وخَتْمِ الأعْمالِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما أوْرَدَهُ الزُّرْقانِيُّ: إنَّ مِن تَمامِ إيمانِ العَبْدِ أنْ يَسْتَثْنِيَ، إذْ عَواقِبُ المُؤْمِنِينَ مُغَيَّبَةٌ عِنْدَهُمْ، ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾
صفحة 232
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ جابِرٍ كانَ ﷺ يُكْثِرُ مِن قَوْلِهِ: «(يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ)،» وخَبَرُ «(مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الإسْلامِ نَصِيبٌ)» مَوْضُوعٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ، وأنا مُؤْمِنٌ بِغَيْرِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، هَذا واعْلَمْ أنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وكَذا الَّتِي في الأعْرافِ، وبَنِي إسْرائِيلَ، والكَهْفِ وطه، أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ الوارِدِ بَعْدَ خَلْقِهِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ والعَقْلُ، إلّا أنَّ ما في الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ وكَذا ما في ص، تَسْتَدْعِي ظاهِرًا تَرَتُّبَهُ عَلى ما فِيها مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ الخَلْقِ، وتَوابِعِهِ، وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وحُمِلَ ما في تِلْكَ الآياتِ مِنَ الأمْرِ عَلى حِكايَةِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ إجْمالًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ في حُكْمِ التَّنْجِيزِ، و(ثُمَّ) في آيَةِ الأعْرافِ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، أوِ التَّراخِي في الإخْبارِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ التَّعْلِيقِيَّ لَمّا كانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ في عَدَمِ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ، فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ، ولَمّا رَأى بَعْضُهم أنَّ هَذا مُؤَدٍّ إلى أنَّ ما جَرى في شَأْنِ الخِلافَةِ، وما قالُوا، وما سَمِعُوا، إنَّما جَرى بَعْدَ السُّجُودِ المَسْبُوقِ بِمَعْرِفَةِ جَلالَةِ قَدْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخُرُوجِ إبْلِيسَ مِنَ البَيْنِ بِاللَّعْنِ، وبَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِكُلِّ ذَلِكَ، وهو خَرْقٌ لِقَضِيَّةِ النَّقْلِ، بَلْ خَرْقٌ في العَقْلِ، اضْطُرَّ إلى القَوْلِ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ مَرَّتَيْنِ، وهَيْهاتَ لا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ، فالحَقُّ الحَقِيقُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هاتِيكَ الآياتُ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُخالِفُ لا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا، لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ قَيْدًا لِلْجَزاءِ كانَ مَعْناهُ عَلى تَقْدِيرِ: صَدَقَ، إذا سَوَّيْتَهُ أطْلَبَ بِناءً، عَلى أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ لِلطَّلَبِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ مَعْنى قَوْلِنا: إنْ جاءَكَ زَيْدٌ، فَأكْرِمْهُ، أيْ عَلى تَقْدِيرِ: صَدَقَ إنْ جاءَكَ زَيْدٌ أطْلُبُ مِنكَ إكْرامَهُ، وإنْ كانَ الحُكْمُ بَيْنَ الشَّرْطِ، والجَزاءِ فالجَزاءُ الطَّلَبِيُّ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِالخَبَرِ، أيْ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ أكْرِمْهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ كانَ مَدْلُولُ ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ طَلَبًا اسْتِقْبالِيًّا لا حالِيًّا، فَلا يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الأمْرِ بِالسُّجُودِ قَبْلَ التَّسْوِيَةِ، نَعَمْ لَوْ كانَ الشَّرْطُ قَيْدًا لِلْمَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ، يَكُونُ المَعْنى طَلَبٌ في الحالِ لِلسُّجُودِ وقْتَ التَّسْوِيَةِ، فَيُفِيدُ تَقَدُّمَ الأمْرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وقَوْلُ مَوْلانا الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ الآيَةَ كَما تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ الأمْرِ بِالسُّجُودِ عَلى التَّسْوِيَةِ تُفِيدُ أنَّ التَّعْلِيمَ والإنْباءَ كانَ بَعْدَ السُّجُودِ، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما صارَ حَيًّا صارَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، لِأنَّ الفاءَ في (فَقَعُوا) لِلتَّعْقِيبِ لا يَخْفى ما فِيهِ، لِأنَّ الفاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، لا لِلْعَطْفِ، وهو لا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ نَفْخَ الرُّوحِ في الآيَةِ عَلى التَّعْلِيمِ لِما اشْتُهِرَ أنَّ العِلْمَ حَياةٌ، والجَهْلَ مَوْتٌ، وأنْتَ في غِنًى عَنْهُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البقرة 2:35
﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”إذ قُلْنا“ بِتَقْدِيرِ إذْ، أوْ بِدُونِهِ، أوْ عَلى (قُلْنا)، والزَّمانُ مُمْتَدٌّ واسِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِتَنْبِيهِ المَأْمُورِ لِما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ، وتَحْرِيكِهِ لِما يُخاطَبُ بِهِ، إذْ هو مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْها، (واسْكُنْ)، أمْرٌ مِنَ السُّكْنى، بِمَعْنى اتِّخاذِ المَسْكَنِ، لا مِنَ السُّكُونِ تَرْكِ الحَرَكَةِ إذْ يُنافِيهِ ظاهِرًا (حَيْثُ شِئْتُما)، وذُكِرَ مُتَعَلِّقُهُ بِدُونِ (فِي) ولَيْسَ بِمَكانٍ مُبْهَمٍ، (وأنْتَ) تَوْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في (اسْكُنْ)، والمَقْصِدُ مِنهُ بِالذّاتِ صِحَّةُ العَطْفِ، إذْ لَوْلاهُ لَزِمَ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِلا فَصْلٍ، وهو مُمْتَنِعٌ في الفَصِيحِ عَلى الصَّحِيحِ، وإفادَةُ تَقْرِيرِ المَتْبُوعِ مَقْصُودَةٌ تَبَعًا، وصَحَّ العَطْفُ مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ لا يُباشِرُهُ فِعْلُ الأمْرِ، لِأنَّهُ وقَعَ تابِعًا، ويُغْتَفَرُ فِيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ: هُناكَ تَغْلِيبانِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ، والمُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، ولِكَوْنِ
صفحة 233
التَّغْلِيبِ مَجازًا، ومَعْنى السُّكُونِ والأمْرِ مَوْجُودًا فِيهِما حَقِيقَةً خَفِيَ الأمْرُ، فَأمّا أنْ يَلْتَزِمَ أنَّ التَّغْلِيبَ قَدْ يَكُونُ مَجازًا غَيْرَ لُغَوِيٍّ بِأنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لُغَوِيٌّ، لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ هُنا لِلْمُخاطَبِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ في الأعَمِّ، ولِلتَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ بِتَقْدِيرِ: فَلْيَسْكُنْ، وفِيهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَلا وجْهَ لِلتَّأْكِيدِ، والأمْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلْإباحَةِ كاصْطادُوا، وأنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ كَما أنَّ النَّهْيَ فِيما بَعْدُ لِلتَّحْرِيمِ، وإيثارُهُ عَلى اسْكُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَقْصِدُ بِالحُكْمِ في جَمِيعِ الأوامِرِ، وهي تَبَعٌ لَهُ، كَما أنَّها في الخِلْقَةِ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَصِحُّ إيرادُ زَوْجِكَ بِدُونِ العَطْفِ، بِأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والجَنَّةُ في المَشْهُورِ دارُ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّها المُتَبادِرَةُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِها في السُّورَةِ، وفي ظَواهِرِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنها ما في الصَّحِيحِ مِن مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهي إذَنْ في السَّماءِ، حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنها، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ، وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وأُناسٌ إلى أنَّها جَنَّةٌ أُخْرى خَلَقَها اللَّهُ تَعالى امْتِحانًا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ بُسْتانًا في الأرْضِ بَيْنَ فارِسَ وكِرْمانَ، وقِيلَ: بِأرْضِ عَدَنٍ، وقِيلَ: بِفِلَسْطِينَ، كُورَةٌ بِالشّامِ، ولَمْ تَكُنِ الجَنَّةَ المَعْرُوفَةَ، وحَمَلُوا الهُبُوطَ عَلى الِانْتِقالِ مِن بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ، كَما في ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أوْ عَلى ظاهِرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، قالُوا: لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ في الأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ في القِصَّةِ أنَّهُ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، ولَوْ كانَ نَقَلَهُ إلَيْها لَكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في شَأْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ وأهْلِها ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ و﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقَدْ لَغا إبْلِيسُ فِيها، وكَذَبَ، وأُخْرِجَ مِنها آدَمُ وحَوّاءُ مَعَ إدْخالِهِما فِيها عَلى وجْهِ السُّكْنى لا كَإدْخالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ المِعْراجِ، ولِأنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ دارٌ لِلنَّعِيمِ، وراحَةٌ، ولَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ، وقَدْ كُلِّفَ آدَمُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ولِأنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، وقَدْ دَخَلَها لِلْوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَتْ دارَ الخُلْدِ ما دَخَلَها، ولا كادَ، لِأنَّ الأكابِرَ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِالكافِرِ إلى بابِ الجَنَّةِ لَتَمَزَّقَ، ولَمْ يَدْخُلْها، لِأنَّهُ ظُلْمَةٌ، وهي نُورٌ، ودُخُولُهُ مُسْتَتِرًا في الجَنَّةِ عَلى ما فِيهِ، لا يُفِيدُ، ولِأنَّها مَحَلُّ تَطْهِيرٍ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَقَعَ فِيها العِصْيانُ والمُخالَفَةُ، ويَحِلَّ بِها غَيْرُ المُطَهَّرِينَ؟ ولِأنَّ أوَّلَ حَمْلِ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ اللَّطِيفَ يَتَوَلَّدُ مِنهُ نُطْفَةُ هَذا الجَسَدِ الكَثِيفِ، والتِزامُ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، والتِزامُ ما لا يَلْزَمُ، وما في حَيِّزِ المُحاجَّةِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذِهِ الجَنَّةِ، وكَوْنُ حَمْلِها عَلى ما ذُكِرَ يَجْرِي مَجْرى المُلاعَبَةِ بِالدِّينِ، والمُراغَمَةِ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقِيلَ: كانَتْ في السَّماءِ، ولَيْسَتْ دارَ الثَّوابِ بَلْ هي جَنَّةُ الخُلْدِ، وقِيلَ: كانَتْ غَيْرَهُما، ويَرُدُّ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ في السَّماءِ بَساتِينَ غَيْرَ بَساتِينِ الجَنَّةِ المَعْرُوفَةِ، واحْتِمالُ أنَّها خُلِقَتْ إذْ ذاكَ، ثُمَّ اضْمَحَلَّتْ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مُنْصِفٌ، وقِيلَ: الكُلُّ مُمْكِنٌ، واللَّهُ تَعالى عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، والأدِلَّةُ مُتَعارِضَةٌ، فالأحْوَطُ والأسْلَمُ هو الكَفُّ عَنْ تَعْيِينِها، والقَطْعُ بِهِ، وإلَيْهِ مالَ صاحِبُ التَّأْوِيلاتِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّها في الأرْضِ عِنْدَ جَبَلِ الياقُوتِ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، ويُسَمُّونَها جَنَّةَ البَرْزَخِ، وهي الآنَ مَوْجُودَةٌ، وإنَّ العارِفِينَ يَدْخُلُونَها اليَوْمَ بِأرْواحِهِمْ لا بِأجْسامِهِمْ، ولَوْ قالُوا: إنَّها جَنَّةُ المَأْوى ظَهَرَتْ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَيْفَ شاءَ، كَما ظَهَرَتْ لِنَبِيِّنا عَلى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ في عَرْضِ حائِطِ المَسْجِدِ، لَمْ يَبْعُدْ عَلى مَشْرَبِهِمْ، ولَوْ أنَّ قائِلًا قالَ بِهَذا، لَقُلْتُ بِهِ، لَكِنْ لِلتَّفَرُّدِ في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ آفاتٌ، وكَما اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجَنَّةِ اخْتُلِفَ في وقْتِ خَلْقِ زَوْجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْرَجَ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، وأسْكَنَها آدَمَ بَقِيَ فِيها وحْدَهُ، وما كانَ مَعَهُ مَن يَسْتَأْنِسُ بِهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ثُمَّ أخَذَ ضِلَعًا مِن جانِبِهِ الأيْسَرِ، ووَضَعَ مَكانَهُ لَحْمًا، وخَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ وجَدَها
صفحة 234
عِنْدَ رَأْسِهِ قاعِدَةً، فَسَألَها: مَن أنْتِ؟ قالَتِ: امْرَأةٌ، قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالَتْ: لِتَسْكُنَ إلَيَّ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ تَجْرِبَةً لِعِلْمِهِ: مَن هَذِهِ؟ قالَ: امْرَأةٌ، قالُوا: لِمَ سُمِّيَتِ امْرَأةً قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ المِراءِ، فَقالُوا: ما اسْمُها؟ قالَ: حَوّاءُ، قالُوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاءَ؟ قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ، وقالَ كَثِيرُونَ ولَعَلِّي أقُولُ بِقَوْلِهِمْ: إنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ودَخَلا مَعًا، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُشِيرُ إلَيْهِ، وإلّا تَوَجَّهَ الأمْرُ إلى مَعْدُومٍ، وإنْ كانَ في عِلْمِهِ تَعالى مَوْجُودًا، وأيْضًا في تَقْدِيمِ (زَوْجِكَ) عَلى الجَنَّةِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ، وفي المَثَلِ: الرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وأيْضًا هي مَسْكَنُ القَلْبِ، والجَنَّةُ مَسْكَنُ البَدَنِ، ومِنَ الحِكْمَةِ تَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي، وأثَرُ السُّدِّيِّ عَلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكم مُعارَضٌ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بَعَثَ اللَّهُ جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَحَمَلُوا آدَمَ وحَوّاءَ عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، كَما تُحْمَلُ المُلُوكُ، ولِباسُهُما النُّورُ، حَتّى أدْخَلُوهُما الجَنَّةَ، فَإنَّهُ كَما تَرى يَدُلُّ عَلى خَلْقِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ، ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْجَنَّةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن مَطاعِمِها مِن ثِمارٍ وغَيْرِها، فَلَمْ يَحْظُرْ عَلَيْهِما شَيْئًا إلّا ما سَيَأْتِي، وأصْلُ (كُلا) أُأْكُلا، بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى لِلْوَصْلِ، والثّانِيَةُ فاءُ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ حَذْفَ شُذُوذٍ، وأُتْبِعَتْ بِالأُولى لِفَواتِ الغَرَضِ، وقِيلَ: حُذِفا مَعًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، والرَّغَدُ بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ بِسُكُونِها، الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، أوِ الواسِعُ، يُقالُ: رَغُدَ عَيْشُ القَوْمِ، ورَغِدَ بِكَسْرِ الغَيْنِ، وضَمِّها، كانُوا في رِزْقٍ واسِعٍ كَثِيرٍ، وأرْغَدَ القَوْمُ أخْصَبُوا وصارُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا رَغَدًا، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّهُ حالٌ بِتَأْوِيلِ راغِدِينَ مُرَفَّهِينَ، (وحَيْثُ) ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ لازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، وإعْرابُها لُغَةُ بَنِي فَقْعَسٍ، ولا تَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، ولا يَجْزِمُ بِها دُونَ (ما) خِلافًا لِلْفَرّاءِ، ولا تُضافُ لِلْمُفْرَدِ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ حَيْثُ عَمْرٌو، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، ويَعْتَقِبُ عَلى آخِرِها الحَرَكاتُ الثَّلاثُ مَعَ الياءِ والواوِ والألِفِ، ويُقالُ: حايِثُ عَلى قِلَّةٍ، وهي هُنا مُتَعَلِّقَةٌ (بِكُلا)، والمُرادُ بِها العُمُومُ لِقَرِينَةِ المَقامِ، وعَدَمِ المُرَجِّحِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما، وأباحَ لَهُما الأكْلَ كَذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ في التَّناوُلِ مِمّا حَظَرَ، ولَمْ تُجْعَلْ مُتَعَلِّقَةً بِـ(اسْكُنْ) لِأنَّ عُمُومَ الأمْكِنَةِ مُسْتَفادٌ مِن جَعْلِ الجَنَّةِ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ مَعَ أنَّ التَّكْرِيمَ في الأكْلِ مِن كُلِّ ما يُرِيدُ مِنها، لا في عَدَمِ تَعْيِينِ السُّكْنى، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ يَسْتَدْعِي ما ذَكَرْنا، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ظاهِرُ هَذا النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، والمَنهِيُّ عَنْهُ الأكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ نَهى عَنْ قُرْبانِها مُبالَغَةً، ولِهَذا جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ العِصْيانَ المُرَتَّبَ عَلى الأكْلِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ، وعَدَلَ عَنْ فَتَأْثَما، إلى التَّعْبِيرِ بِالظُّلْمِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلى الكَبائِرِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِأنْ يَقُولَ: ظالِمِينَ، بَلْ قالَ: مِنَ الظّالِمِينَ، بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العالِمِينَ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِجَعْلِهِ غَرِيقًا في العِلْمِ أبًا عَنْ جَدٍّ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ (تَكُونا) دالَّةٌ عَلى الدَّوامِ ازْدادَتِ المُبالَغَةُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا تَقْرَبْ، بِفَتْحِ الرّاءِ نَهْيٌ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ، وبِضَمِّها بِمَعْنى لا تَدْنُ مِنهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَرُبَ بِالضَّمِّ يَقْرُبُ قُرْبانًا، وقَرِبْتُهُ بِالكَسْرِ قُرْبانًا دَنَوْتُ مِنهُ، والتّاءُ في الشَّجَرَةِ لِلْوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وهو اللّائِقُ بِمَقامِ الإزاحَةِ، وجازَ أنْ يُرادَ النَّوْعُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ لِلْجِنْسِ، كَما في الكَشْفِ، ووَقَعَ خِلافٌ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: الحِنْطَةُ، وقِيلَ: النَّخْلَةُ، وقِيلَ: شَجَرَةُ الكافُورِ، ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: التِّينُ، وقِيلَ: الحَنْظَلُ، وقِيلَ: شَجَرَةُ المَحَبَّةِ، وقِيلَ: شَجَرَةُ الطَّبِيعَةِ والهَوى، وقِيلَ، وقِيلَ، والأوْلى عَدَمُ القَطْعِ والتَّعْيِينِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَيِّنْها
صفحة 235
بِاسْمِها في الآيَةِ، ولا أرى ثَمَرَةً في تَعْيِينِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، ويُقالُ فِيها: شِجَرَةٌ، بِكَسْرِ الشِّينِ، وشَيَرَةٌ بِإبْدالِ الجِيمِ ياءً مَفْتُوحَةً مَعَ فَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، وبِكُلٍّ قَرَأ بَعْضٌ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَرِهَ شَيَرَةً قائِلًا: إنَّ بَرابِرَ مَكَّةَ وسُودانَها يَقْرَؤُونَ بِها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، والشَّجَرُ ما لَهُ ساقٌ أوْ كُلُّ ما تَفَرَّعَ لَهُ أغْصانٌ وعِيدانٌ، أوْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونا﴾ إمّا مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ مَعْطُوفًا عَلى ﴿تَقْرَبا﴾ فَيَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، وكانَ عَلى أصْلِ مَعْناها، أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ والنَّصْبُ بِإضْمارِ أنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وبِالفاءِ نَفْسِها عِنْدَ الجَرْمِيِّ، وبِالخِلافِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، (وكانَ) حِينَئِذٍ بِمَعْنى صارَ، وأيًّا ما كانَ مِن تَفَهُّمِ سَبَبِيَّةِ ما تَقَدَّمَ، لِكَوْنِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ أوْ نَقَصُوا حُظُوظَهم بِمُباشَرَةِ ما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ، أوْ تَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ القُرْبانَ المَنهِيَّ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِلظُّلْمِ المُخِلِّ بِالعِصْمَةِ، هو ما لا يَكُونُ مَصْحُوبًا بِعُذْرٍ كالنِّسْيانِ هُنا مَثَلًا المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَلا يَسْتَدْعِي حَمْلُ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ، والظُّلْمِ المَقُولِ بِالتَّشْكِيكِ عَلى ارْتِكابِ المَعْصِيَةِ عَدَمَ عِصْمَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأكْلِ المَقْرُونِ بِالنِّسْيانِ، وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ نَظَرًا إلى أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ولِلسَّيِّدِ أنْ يُخاطِبَ عَبْدَهُ بِما شاءَ، نَعَمْ لَوْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِعُذْرٍ كانَ ارْتِكابُهُ حِينَئِذٍ مُخِلًّا، ودُونَ إثْباتِ هَذا خَرْطُ القَتادِ، فَإذًا لا دَلِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عَدَمِ العِصْمَةِ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ: إنَّ ما وقَعَ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا بَعْدَها كَما يَدَّعِيهِ المُعْتَزِلَةُ، القائِلُونَ بِأنَّ ظُهُورَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالأسْماءِ مُعْجِزَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ إذْ ذاكَ، وصُدُورُ الذَّنْبِ قَبْلَها جائِزٌ عِنْدَ أكْثَرِ الأصْحابِ، وهو قَوْلُ أبِي هُذَيْلٍ وأبِي عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ولا إلى حَمْلِ النَّهْيِ عَلى التَّنْزِيهِ، والظُّلْمِ عَلى نَقْصِ الحَظِّ مَثَلًا، والتَزَمَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقُرِئَ (تِقْرَبا) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (هَذِي) بِالياءِ،
البقرة 2:36
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ أيْ حَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها، وتَحْقِيقُهُ أصْدَرَ زَلَّتَهُما عَنْها، وعَنْ هَذِهِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ والضَّمِيرُ عَلى هَذا لِلشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أزَلَّهُما أيْ أذْهَبَهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ (فَأزالَهُما)، وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ أزَلَّ يَقْتَضِي عَثْرَةً مَعَ الزَّوالِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلْجَنَّةِ، وعَوْدُهُ إلى الشَّجَرَةِ بِتَجَوُّزٍ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مَحَلِّها، أوْ إلى الطّاعَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ بَعِيدٌ، وإزْلالُهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إيّاهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِما، ومُقاسَمَتِهِ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، وفي كَيْفِيَّةِ تَوَسُّلِهِ إلى ذَلِكَ أقْوالٌ، فَقِيلَ: دَخَلَ الجَنَّةَ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ، فَناداهُما، وأفْسَدَ حالَهُما، وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ، فَدَخَلَ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ، وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ إلَيْهِما، وقِيلَ: بَيْنَما هُما يَتَفَرَّجانِ في الجَنَّةِ، إذْ راعَهُما طاوُسٌ تَجَلّى لَهُما عَلى سُورِ الجَنَّةِ، فَدَنَتْ حَوّاءُ مِنهُ، وتَبِعَها آدَمُ، فَوَسْوَسَ لَهُما مِن وراءِ الجِدارِ، وقِيلَ: تَوَسَّلَ بِحَيَّةٍ تَسَوَّرَتِ الجَنَّةَ، ومَشْهُورٌ حِكايَةُ الحَيَّةِ، وهَذانِ الأخِيرانِ يُشِيرُ أوَّلُهُما عِنْدَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ إلى تَوَسُّلِهِ مِن قِبَلِ الشَّهْوَةِ خارِجَ الجَنَّةِ، وثانِيهُما إلى تَوَسُّلِهِ بِالغَضَبِ، وتَسَوُّرُ جِدارِ الجَنَّةِ عِنْدَهم إشارَةٌ إلى أنَّ الغَضَبَ أقْرَبُ إلى الأُفُقِ الرُّوحانِيِّ، والحَيِّزِ القَلْبِيِّ مِنَ الشَّهْوَةِ، وقِيلَ: تَوَسُّلُهُ إلى ما تَوَسَّلَ إلَيْهِ إذْ ذاكَ مِثْلُ تَوَسُّلِهِ اليَوْمَ إلى إذْلالِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وإضْلالِهِ، ولا نَعْرِفُ مِن ذَلِكَ إلّا الهَواجِسَ، والخَواطِرَ الَّتِي تُفْضِي إلى ما تُفْضِي، ولا جَزْمَ عِنْدَ كَثِيرٍ في دُخُولِ الشَّيْطانِ في القَلْبِ، بَلْ لا يَعْقِلُونَهُ، ولِهَذا قالُوا: خَبَرُ (إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِن بَنِي آدَمَ مَجْرى الدَّمِ)، مَحْمُولٌ عَلى الكِنايَةِ عَنْ مَزِيدِ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ، وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ هَذا القَوْلَ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: لَيْسَ لَنا البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولا نَقْطَعُ القَوْلَ بِلا دَلِيلٍ، وهَذا مِنَ الإنْصافِ بِمَكانٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ
صفحة 236
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها)، والضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلشَّجَرَةِ لا غَيْرُ، وعَوْدُهُ إلى الجَنَّةِ بِتَضْمِينِ الإذْهابِ ونَحْوِهِ بَعِيدٌ، ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أيْ مِنَ النَّعِيمِ، والكَرامَةِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ، والأوَّلُ جارٍ عَلى تَقْدِيرِ رُجُوعِ ضَمِيرِ (عَنْها) إلى الشَّجَرَةِ أوِ الجَنَّةِ، والثّانِي مَخْصُوصٌ بِالتَّقْدِيرِ الأوَّلِ، لِئَلّا يَسْقُطَ الكَلامُ، وقِيلَ: أخْرَجَهُما مِن لِباسِهِما الَّذِي كانا فِيهِ، لِأنَّهُما لَمّا أكَلا تَهافَتْ عَنْهُما، وفي الكَلامِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الهُبُوطُ النُّزُولُ، وعَيْنُ المُضارِعِ تُكْسَرُ وتُضَمُّ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو الخُرُوجُ مِنَ البَلَدِ، والدُّخُولُ فِيها، مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ، والبَعْضُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القَطْعِ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، وهو كَكُلٍّ مُلازِمٌ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ نِيَّةً، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ، ويَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، والعَدُوُّ مِنَ العَداوَةِ مُجاوَزَةِ الحَدِّ أوِ التَّباعُدِ أوِ الظُّلْمِ، ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ، ومَن عَداهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُقالُ: أعْداءٌ وعَدَوَةٌ، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِتَنْزِيلِهِما مَنزِلَةَ البَشَرِ كُلِّهِمْ، ولَمّا كانَ في الأمْرِ بِالهُبُوطِ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ لَمْ يَفْتَتِحْهُ بِالنِّداءِ كَما افْتَتَحَ الأمْرَ بِالسُّكْنى، واخْتارَ الفَرّاءُ أنَّ المُخاطَبَ هُما وذُرِّيَّتُهُما، وفِيهِ خِطابُ المَعْدُومِ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ وكَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ هُما وإبْلِيسُ، واعْتُرِضَ بِخُرُوجِهِ قَبْلَهُما، وأُجِيبَ بِأنَّ الإخْبارَ عَمّا قالَ لَهم مُفَرَّقًا عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: هم والحَيَّةُ، واعْتُرِضَ بِعَدَمِ تَكْلِيفِها، وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ تَكْوِينِيٌّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ، والحُكْمُ بِاعْتِبارِ الذُّرِّيَّةِ، وإذا دَخَلَ إبْلِيسُ والحَيَّةُ كانَ الأمْرُ أظْهَرَ، ولا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يُقَيَّدُ الأمْرُ بِالتَّعادِي، وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، لِأنّا نَقُولُ بِصَرْفِ تَوَجِّهِ النَّظَرِ عَنِ القَيْدِ، كَوْنَ العَداوَةِ طَبِيعِيَّةً، والأُمُورُ الطَّبِيعِيَّةُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِها، وإنْ كُلِّفَ فَبِالنَّظَرِ إلى أسْبابِها، وإذا جُعِلَ الأمْرُ تَكْوِينِيًّا زالَ الإشْكالُ، إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ فِرارًا عَنْ هَذا السُّؤالِ مَعَ ما في الِاكْتِفاءِ بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ مِنَ المَقالِ، حَتّى ذَهَبَ الفَرّاءُ إلى شُذُوذِهِ، وإنْ كانَ التَّحْقِيقُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ مِن سَبَبِ ذِي الحالِ، أوْ أجْنَبِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مِن سَبَبِهِ لَزِمَها العائِدُ، والواوُ، كَجاءَ زَيْدٌ وأبُوهُ مُنْطَلِقٌ، إلّا ما شَذَّ مِن نَحْوِ: كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى فِي، وإنْ أجْنَبِيَّةً لَزِمَتْها الواوُ نائِبَةً عَنِ العائِدِ، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُما، كَقَدِمَ بِشْرٌ وعَمْرٌو قادِمٌ إلَيْهِ، وقَدْ جاءَتْ بِلا، ولا، كَقَوْلِهِ:
ثُمَّ انْتَصَبْنا جِبالَ الصَّغْدِ مُعْرِضَةً عَنِ اليَسارِ وعَنْ أيْمانِنا جُدَدُ
وقَدْ تَكُونُ صِفَةَ ذِي الحالِ، كَـ ﴿تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهَذِهِ يَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ بِاطِّرادٍ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، فَتَدَبَّرْ.
وإفْرادُ العَدُوِّ، إمّا لِلنَّظَرِ إلى لَفْظِ البَعْضِ، وإمّا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانُ المَصْدَرِ كالقَبُولِ، وبِهِ تَعَلَّقَ ما قَبْلَهُ، واللّامُ كَما في البَحْرِ مُقَوِّيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وبِهَذا الأمْرِ نُسِخَ الأمْرُ والنَّهْيُ السّابِقانِ، ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أرادَ بِالأرْضِ مَحَلَّ الإهْباطِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصَهُ الَّذِي هو لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْضِعٌ بِجَبَلِ سَرَنْدِيبَ، ولِحَوّاءَ مَوْضِعٌ بِجُدَّةَ، ولِإبْلِيسَ مَوْضِعٌ بِالإبُلَّةَ، ولِصاحِبَتِهِ مَوْضِعٌ بِنُصَيْبِينَ، أوْ أصْبَهانَ، أوْ سِجِسْتانَ، والمُسْتَقَرُّ اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ كَوْنُهُ اسْمَ مَفْعُولٍ بِمَعْنى ما اسْتَقَرَّ مُلْكُكم عَلَيْهِ، وتَصَرُّفُكم فِيهِ، وأبْعَدُ مِنهُ احْتِمالُ كَوْنِهِ اسْمَ زَمانٍ
صفحة 237
وهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَكُمْ)، وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ، والمَتاعُ البُلْغَةُ مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الِانْتِفاعِ المُمْتَدِّ وقْتُهُ، ولا يَخْتَصُّ بِالحَقِيرِ، والحِينُ مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، والمُرادُ هُنا إلى وقْتِ المَوْتِ، وهو القِيامَةُ الصُّغْرى، وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ الكُبْرى، وعَلَيْهِ تُجْعَلُ السُّكْنى في القَبْرِ تَمَتُّعًا في الأرْضِ، أوْ يُجْعَلُ الخِطابُ شامِلًا لِإبْلِيسَ، ويُرادُ الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَتاعٍ، قِيلَ: أوْ بِهِ، وبِمُسْتَقَرٍّ، عَلى التَّنازُعِ، أوْ بِمِقْدارِ صِفَةٍ لِمَتاعٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها، اسْتِئْنافًا وحالِيَّةً.
البقرة 2:37
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ المُرادُ بِتَلَقِّي الكَلِماتِ اسْتِقْبالُها بِالأخْذِ، والقَبُولِ، والعَمَلِ بِها، فَهو مُسْتَعارٌ مِنَ اسْتِقْبالِ النّاسِ بَعْضَ الأحِبَّةِ، إذا قَدِمَ بَعْدَ طُولِ الغَيْبَةِ، لِأنَّهم لا يَدَعُونَ شَيْئًا مِنَ الإكْرامِ إلّا فَعَلُوهُ، وإكْرامُ الكَلِماتِ الوارِدَةِ مِنَ الحَضْرَةِ الأخْذُ والقَبُولُ والعَمَلُ بِها، وفي التَّعْبِيرِ بِالتَّلَقِّي إيماءٌ إلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ في مَقامِ البُعْدِ، (ومِن رَبِّهِ) حالٌ مِن كَلِماتٍ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَلَقّى)، وهي مِن تَلَقّاهُ مِنهُ، بِمَعْنى تَلَقَّنَهُ، ولَوْلا خُلُوُّهُ عَمّا في الأوَّلِ مِنَ اللَّطافَةِ لَتَلَقَّيْناهُ بِالقَبُولِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ، ورَفْعِ كَلِماتٍ، عَلى مَعْنى اسْتَقْبَلَتْهُ، فَكَأنَّها مُكَرِّمَةٌ لَهُ لِكَوْنِها سَبَبَ العَفْوِ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِقْبالُ مَجازًا عَنِ البُلُوغِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والمَرْوِيُّ في المَشْهُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، وقِيلَ: رَأى مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَفَّعْ بِهِ، وإذا أُطْلِقَتِ الكَلِمَةُ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْتُطْلَقِ الكَلِماتُ عَلى الرُّوحِ الأعْظَمِ والحَبِيبِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَما عِيسى بَلْ وما مُوسى بَلْ وما وما إلّا بَعْضٌ مِن ظُهُورِ أنْوارِهِ، وزَهْرَةٌ مِن رِياضِ أنْوارِهِ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ التَّوْبَةُ أصْلُها الرُّجُوعُ، وإذا أُسْنِدَتْ إلى العَبْدِ كانَتْ كَما في الإحْياءِ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: عِلْمٍ، وهو مَعْرِفَةُ ضَرَرِ الذَّنْبِ، وكَوْنِهِ حِجابًا عَنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ، وحالٍ، يُثَمِّرُهُ ذَلِكَ العِلْمُ وهو تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ، ونُسَمِّيهِ نَدَمًا، وعَمَلٍ، يُثَمِّرُهُ الحالُ، وهو التَّرْكُ والتَّدارُكُ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وكَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى النَّدَمِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ لازِمًا لِلْعِلْمِ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَمَلِ، وفي الحَدِيثِ: «(النَّدَمُ تَوْبَةٌ)» وطَرِيقُ تَحْصِيلِها تَكْمِيلُ الإيمانِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وضَرَرِ المَعاصِي فِيها، وإذا أُسْنِدَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كانَتْ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ، والعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ، ونَحْوِهِ، أوِ التَّوْفِيقِ لَها والتَّيْسِيرِ لِأسْبابِها بِما يُظْهِرُ لِلتّائِبِينَ مِن آياتِهِ، ويُطْلِعُهم عَلَيْهِ مِن تَخْوِيفاتِهِ حَتّى يَسْتَشْعِرُوا الخَوْفَ، فَيَرْجِعُوا إلَيْهِ، وتَرْجِعُ في الآخِرَةِ إلى مَعْنى التَّفَضُّلِ والعَطْفِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِعَلى، وأتى سُبْحانَهُ بِالفاءِ لِأنَّ تَلَقِّيَ الكَلِماتِ عَيْنُ التَّوْبَةِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَها، ولا شَكَّ أنَّ القَبُولَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، فَهي إذًا لِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّوْبَةَ لَمّا دامَ عَلَيْها صَحَّ التَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ آخِرِها، إذْ لا فاصِلَ حِينَئِذٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُما بَكَيا مِائَتَيْ سَنَةٍ عَلى ما فاتَهُما، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: فَتابَ عَلَيْهِما، لِأنَّ النِّساءَ تَبَعٌ يُغْنِي عَنْهُنَّ ذِكْرُ المَتْبُوعِ، ولِذا طَوى ذِكْرَهُنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ما يُقَوِّي رَجاءَ المُذْنِبِينَ ويَجْبُرُ كَسْرَ قُلُوبِ الخاطِئِينَ، حَيْثُ افْتَتَحَها (بِـإنَّ) وأتى بِضَمِيرِ الفَصْلِ، وعَرَّفَ المُسْنَدَ، وأتى بِهِ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ إشارَةً إلى قَبُولِهِ التَّوْبَةَ كُلَّما تابَ العَبْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَن يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وجَمَعَ بَيْنَ وصْفَيْ كَوْنِهِ تَوّابًا وكَوْنِهِ رَحِيمًا
صفحة 238
إشارَةً إلى مَزِيدِ الفَضْلِ، وقَدَّمَ التَّوّابَ لِظُهُورِ مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ في ذِكْرِ الرَّحِيمِ بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ والتَّفَضُّلِ، وأنَّهُ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، فَيَرْحَمُ عَبْدَهُ في عَيْنِ غَضَبِهِ، كَما جَعَلَ هُبُوطَ آدَمَ سَبَبَ ارْتِفاعِهِ، وبَعْدَهُ سَبَبَ قُرْبِهِ فَسُبْحانَهُ مِن تَوّابٍ، ما أكْرَمَهُ، ومِن رَحِيمٍ ما أعْظَمَهُ، وإذا فُسِّرَ التَّوّابُ بِالرَّجّاعِ إلى المَغْفِرَةِ كانَ الكَلامُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أوْ بِالَّذِي يُكْثِرُ الإعانَةَ عَلى التَّوْبَةِ، كانَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ﴾ إلَخْ، وقَرَأ نَوْفَلٌ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهُ