Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — آل عمران 3:156 – آل عمران 3:200

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. آل عمران 3:156
  2. آل عمران 3:157
  3. آل عمران 3:158
  4. آل عمران 3:159
  5. آل عمران 3:160
  6. آل عمران 3:161
  7. آل عمران 3:162
  8. آل عمران 3:163
  9. آل عمران 3:164
  10. آل عمران 3:165
  11. آل عمران 3:166
  12. آل عمران 3:167
  13. آل عمران 3:168
  14. آل عمران 3:169
  15. آل عمران 3:170
  16. آل عمران 3:171
  17. آل عمران 3:172
  18. آل عمران 3:173
  19. آل عمران 3:174
  20. آل عمران 3:175
  21. آل عمران 3:176
  22. آل عمران 3:177
  23. آل عمران 3:178
  24. آل عمران 3:179
  25. آل عمران 3:180
  26. آل عمران 3:181
  27. آل عمران 3:182
  28. آل عمران 3:183
  29. آل عمران 3:184
  30. آل عمران 3:185
  31. آل عمران 3:186
  32. آل عمران 3:187
  33. آل عمران 3:188
  34. آل عمران 3:189
  35. آل عمران 3:190
  36. آل عمران 3:191
  37. آل عمران 3:192
  38. آل عمران 3:193
  39. آل عمران 3:194
  40. آل عمران 3:195
  41. آل عمران 3:196
  42. آل عمران 3:197
  43. آل عمران 3:198
  44. آل عمران 3:199
  45. آل عمران 3:200

آل عمران 3:156

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ، وإنَّما ذُكِرَ في صَدْرِ الجُمْلَةِ كُفْرُهم تَصْرِيحًا بِمُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَنْفِيرًا عَنْ مُماثَلَتِهِمْ وهم هم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ كَما يَقُولُهُ الكَرّامِيَّةُ، وإلّا لَما سُمِيَّ المُنافِقُ كافِرًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا سائِرُ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ، أيْ لا تَكُونُوا كالكَفَرَةِ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ في المَذْهَبِ أوِ النَّسَبِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ بِمَعْنى عَنْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُخاطَبَةَ الإخْوانِ كَما هو المُتَبادَرُ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلى أنَّهم كانُوا غائِبِينَ حِينَ هَذا القَوْلِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَعَلَ القَوْلَ لِإخْوانِهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ الحاضِرِينَ، والضَّرْبُ الآتِي لِضَرْبٍ آخَرَ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ سِوى كَثْرَةِ الفُضُولِ. ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ أيْ سافَرُوا فِيها لِتِجارَةٍ أوْ طَلَبِ مَعاشٍ فَماتُوا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأصْلُ الضَّرْبِ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ واسْتُعْمِلَ في السَّيْرِ لِما فِيهِ مِن ضَرْبِ الأرْضِ بِالرِّجْلِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقِيلَ: أصْلُ الضَّرْبِ في الأرْضِ الإبْعادُ في السَّيْرِ وهو مَمْنُوعٌ، وخَصَّ الأرْضَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أكْثَرَ أسْفارِهِمْ كانَ في البَرِّ، وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الأرْضِ مُرادًا بِها البَرُّ عَنْ ذِكْرِ البَحْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجِيءَ بِإذا، وحَقُّ الكَلامِ إذْ كَما قالُوا لَقالُوا الدّالُّ بِهَيْئَةٍ عَلى الزَّمانِ المُنافِي لِلزَّمانِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ صفحة 100 (إذا) مُراعاةً لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ نَفْسَكَ كَأنَّكَ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ الماضِي أوْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَّمانَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ الآنَ وهَذا كَقَوْلِكَ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ يَضْرِبُونَ، والمَعْنى حِينَ ضَرَبُوا إلّا أنَّكَ جِئْتَ بِلَفْظِ المُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ ضَرْبِهِمْ في الأرْضِ، واعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ حِكايَةَ الحالِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ يُؤْتى بِصِيغَةِ الحالِ وهَذِهِ صِيغَةُ اسْتِقْبالٍ لِأنَّ مَعْنى ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ حِينَ يَضْرِبُونَ فِيما يُسْتَقْبَلُ، الثّانِي أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانُوا عِنْدَنا إنَّما هو بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ. وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ في مَعْنى الِاسْتِمْرارِ كَما في ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُفْسِدُ الِاسْتِحْضارَ نَظَرًا لِلْحالِ، وعَنِ الثّانِي بِأنْ ﴿قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ في مَوْقِعِ جَزاءِ الشَّرْطِ مِن جِهَةِ المَعْنى فَيَكُونُ المَعْنى لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا، وإذا ضُرِبَ إخْوانُهم فَماتُوا ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ فَقُتِلُوا قالُوا ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ فالضَّرْبُ والقَتْلُ كِلاهُما في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالضَّرْبِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ وهو المَوْتُ، والقَتْلُ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظًا لِدَلالَةِ ما في القَوْلِ عَلَيْهِ فَهو مُرادٌ مَعْنًى، والمُعْتَبَرُ المُقارَنَةُ عُرْفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ وكَقَوْلِكَ: إذا طَلَعَ هِلالُ المُحَرَّمِ؛ أتَيْتُكَ في مُنْتَصَفِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (إذا) هُنا تَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ وما يُسْتَقْبَلُ يَعْنِي أنَّها لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ أوْ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنْ لا يُجْعَلَ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ ظَرْفًا لِقالُوا، بَلْ ظَرْفٌ لِما يَحْصُلُ لِلْإخْوانِ حِينَ يُقالُ لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: قالُوا لِأجْلِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْإخْوانِ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ بِمَعْنى حِينَ كانُوا يَضْرِبُونَ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَجْرِيدَ (إذا) عَنْ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وجَعْلَها بِمَعْنى الوَقْتِ مُطْلَقًا كافٍ في تَوْجِيهِ الآيَةِ مُزِيلٌ لِإشْكالِها، وقَصْدُ الِاسْتِمْرارِ مِنها لا يَدْفَعُ الِاعْتِراضَ عَنْ ذَلِكَ التَّوْجِيهِ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ لِلِاسْتِمْرارِ تَشْمَلُ الماضِي فَلا تَكُونُ لِحِكايَةِ الحالِ، وكَذا إذا كانَ قالُوا جَوابًا إذْ يَصِيرُ مُسْتَقْبَلًا فَلا تَتَأتّى فِيهِ الحِكايَةُ المَذْكُورَةُ أيْضًا، ويَرُدُّ عَلى ما اقْتَضاهُ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ دُونَ إثْباتِ صِحَّةِ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ خَرْطَ القَتادِ، وأقْعَدُ مِنهُ - وإنْ كانَ بَعِيدًا - ما قالَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّهُ يُمْكِنُ إقْرارُ (إذا) عَلى الِاسْتِقْبالِ بِأنْ يُقَدَّرَ العامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا لا مَعْنًى عَلى حَدِّ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، والتَّقْدِيرُ (وقالُوا) مَخافَةَ هَلاكِ إخْوانِهِمْ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا﴾ أيْ إخْوانُنا الآخَرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ مَوْتُهم وقَتْلُهم ﴿عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ فَتَكُونُ هَذِهِ المَقالَةُ تَثْبِيطًا لِإخْوانِهِمُ الباقِينَ عَنِ السَّفَرِ والغَزْوِ لِئَلّا يُصِيبَهم ما أصابَ الأوَّلِينَ، وإنَّما لَمْ يَحْمِلُوا (إذا) هُنا عَلى الحالِ كَما قِيلَ بِحَمْلِها عَلَيْهِ بَعْدَ القَسَمِ نَحْوِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ لِتَصْفُوَ لَهم دَعْوى حِكايَةِ الحالِ عَنِ الكَدَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هُناكَ، فَقَدْ صَحَّحُوا فِيهِ بَقاءَها عَلى الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ مَحْذُورٍ، وجُوِّزَ في الآيَةِ كَوْنُ قالُوا بِمَعْنى يَقُولُونَ، وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ومِنهُ قَوْلُهُ: وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ وكَذا جُوِّزَ بَقاؤُهُ عَلى مَعْناهُ وحَمْلُ (إذا) عَلى الماضِي فَإنَّها تَجِيءُ لَهُ كَما جاءَتْ إذْ لِلْمُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ البَعْضِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقَوْلِهِ: ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا ∗∗∗ سَقَيْتُ (إذا) تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ بَيْنَ زَمانَيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ، والجُمْلَةُ المُعَيِّنَةُ لِوَجْهِ الشَّبَهِ والمُماثِلَةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها هي الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والمَعْنى لا تَتَشَبَّهُوا بِالكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لِإخْوانِهِمْ إذا سافَرُوا ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ صفحة 101 جَمْعُ غازٍ كَعافٍ وعُفًّى وهو مِن نَوادِرِ الجَمْعِ في المُعْتَلِّ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ومُغْبَرَّةِ الآفاقِ خاشِعَةِ الصُّوى ∗∗∗ لَها قَلْبٌ عُفّى الحِياضِ أجْوَنُ ويُجْمَعُ عَلى غُزاةٍ كَقاضٍ وقُضاةٍ، وعَلى غَزِي مِثْلِ حاجٍّ وحَجِيجٍ وقاطِنٍ وقَطِينٍ، وعَلى غُزّاءٍ مِثْلِ فاسِقٍ وفُسّاقٍ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ تَأبَّطَ شَرًّا. فَيَوْمًا بِغُزّاءٍ ويَوْمًا بِسُرْيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمًا بِخَشْخاشٍ مِنَ الرَّجْلِ هَيْضَلِ وعَلى غازُونَ مِثْلِ ضارِبٍ وضارِبُونَ، وهو مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذْ أصْلُهُ غَزُوا تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْلَهُ غُزّاةً فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا لِأنَّ التّاءَ دَلِيلُ الجَمْعِ، وقَدْ حَصَلَ مِن نَفْسِ الصِّيغَةِ. والثّانِي أنَّهُ أُرِيدَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَحُذِفَتْ إحْدى الزّاءَيْنِ كَراهِيَةَ التَّضْعِيفِ، وذُكِرَ هَذا الشِّقُّ مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في المَقامِ وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّرْبِ في الأرْضِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ السَّفَرُ البَعِيدُ فَبُيِّنَ الضَّرْبُ عَلى هَذا، وكَوْنُهم غُزاةً عُمُومٌ مِن وجْهٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أوْ غَزْوًا لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ اتِّصافِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ غُزاةً أوْ لِانْقِضاءِ ذَلِكَ، أيْ كانُوا غُزاةً فِيما مَضى. ﴿لَوْ كانُوا﴾ مُقِيمِينَ ﴿عِنْدَنا﴾ بِأنْ لَمْ يُسافِرُوا أوْ يَغْزُوا ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ بَلْ كانُوا يَبْقَوْنَ زِيادَةً عَلى ما بَقُوا، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ لِقالُوا ودَلِيلٌ عَلى أنَّ في الكَلامِ السّابِقِ مُضْمَرًا قَدْ حُذِفَ أيْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ فَقُتِلُوا، وتَقْدِيرُ فَماتُوا، أوْ قَتَلُوا في كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ومِن جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِقادِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم في القَوْلِ الباطِلِ والمُعْتَقَدِ الفاسِدِ المُؤَدِّيَيْنِ إلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ والدَّمارِ في العاقِبَةِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ وأبِي عَلِيٍّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِلا تَكُونُوا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ فَهو خارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، لَكِنَّ القَوْلَ والمُعْتَقَدِ داخِلانِ فِيهِ، أيْ لا تَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ واعْتِقادِهِ لِيَجْعَلَ انْتِفاءَ كَوْنِكم مَعَهم في ذَلِكَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَوْلٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ جَعْلَ الحَسْرَةِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ، إنَّما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ امْتِثالِ النَّهْيِ، وهو انْتِفاءُ المُماثِلَةِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الِانْتِفاءِ والمُخالَفَةِ فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ يَحْصُلُ عَنْهُ ما يَغِيظُهم ويَغُمُّهم، إذْ لَمْ يُوافِقُوهم فِيما قالُوهُ واعْتَقَدُوهُ، فَيُتْرَكُ الضَّرْبُ في الأرْضِ والغَزْوِ، وكَأنَّ القائِلَ التَبَسَ عَلَيْهِ اسْتِدْعاءُ انْتِفاءِ المُماثِلَةِ بِحُصُولِ الِانْتِفاءِ، وفَهْمُ هَذا فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ. وتَعَقَّبَهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الِاعْتِراضِ أنْ لا يَجُوزَ نَحْوُ لا تَعْصِ لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وكَذا لا يَجُوزُ أطِعِ اللَّهَ تَعالى لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِها، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ والمَأْمُورِ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ الكَفَّ عَنِ الفِعْلِ أوِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ ونَحْوِهِ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ بِلا تَكُونُوا، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، والكُلُّ خارِجٌ عَنِ المُشَبَّهِ بِهِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ (وقالُوا) ابْتِداءَ كَلامٍ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّراتٍ شَتّى كَما يَقْتَضِيهِ أقْوالُ المُنافِقِينَ وأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم عَمَّ جَمِيعَ ما يَتَّصِلُ بِهِمْ مِنَ الرَّذائِلِ، وخُصَّ المَذْكُورُ لِكَوْنِهِ أشْنَعَ وأبِينَ لِنِفاقِهِمْ أيْ أنَّهم أعْداءُ الدِّينِ صفحة 102 لَمْ يُقَصِّرُوا في المَضارَةِ والمُضادَّةِ، بَلْ فَعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ وقالُوا كَذا وكَذا، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في تِلْكَ المُقَدَّراتِ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الأوْجِهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في قُلُوبِهِمْ عائِدًا إلى الكافِرِينَ، وذَكَرَ القُلُوبَ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيها لِإرادَةِ التَّمَكُّنِ والإيذانِ بِعَدَمِ الزَّوالِ. وجَوَّزَ ابْنُ تَمْجِيدٍ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى المُؤْمِنِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا حِينَئِذٍ لا غَيْرَ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ. ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ أيْ واللَّهُ هو المُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ لا الإقامَةُ أوِ السَّفَرُ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما مَوارِدَ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ وإنْ كانا تَحْتَ ظِلالِ النَّعِيمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُوجِدُ الحَياةَ والمَماتَ وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ فِيهِ ولا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ، وإنَّما الكَلامُ في إحْداثِ ما يُؤَثِّرُهُما، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُحْيِي ويُمِيتُ في السَّفَرِ والحَضَرِ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ، ولا مُؤَخِّرَ لِما قَدَّمَ، ولا مُقَدِّمَ لِما أخَّرَ، ولا رادَّ لِما قَضى، ولا مَحِيصَ عَمّا قَدَّرَ، وفِيهِ مَنعُ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّخَلُّفِ في الجِهادِ لِخَشْيَةِ القَتْلِ، والواوُ لِلْحالِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ الإخْبارِ عَلى الإنْشاءِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (156) تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ، أوْ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوا الكُفّارَ؛ لِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى كَعِلْمِهِ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ لِلْمُجازاةِ عَلى المَرْئِيِّ كالمَعْلُومِ، والمُؤْمِنُونَ وإنْ لَمْ يُماثِلُوهم فِيما ذُكِرَ، لَكِنْ نَدَمُهم عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ يَقْتَضِيهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ - غَيْرُ عاصِمٍ - يَعْمَلُونَ بِالياءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ حِينَئِذٍ لِلْكُفّارِ، والعَمَلُ عامٌّ مُتَناوِلٌ لِلْقَوْلِ المَذْكُورِ ولِمُنْشِئِهِ الَّذِي هو الِاعْتِقادُ الفاسِدُ ولِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ البَصَرِ لا لِعُنْوانِ السَّمْعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ وكَذا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ. * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿وكَأيِّنْ﴾ وكَمْ ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ مُرْتَفِعِ القَدْرِ جَلِيلِ الشَّأْنِ وهو في الأنْفُسِ الرُّوحُ القُدُسِيَّةِ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى أعْنِي النَّفْسَ الأمّارَةَ ﴿رِبِّيُّونَ﴾ مُتَخَلِّقُونَ بِأخْلاقِ الرَّبِّ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطَرِيقُ الوُصُولِ إلَيْهِ مِن تَعَبِ المُجاهَداتِ ﴿وما ضَعُفُوا﴾ في طَلَبِ الحَقِّ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ وما خَضَعُوا لِلسِّوى ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ في جِهادِ النَّفْسِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ اسْتُرُ لَنا وُجُوداتِنا بِإفاضَةِ أنْوارِ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ عَلَيْنا ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ أيْ تَجاوُزَنا حُدُودَ ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ صَدَماتِ التَّجَلِّياتِ ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ في مَواطِنِ حُرُوبِ أنْفُسِنا ﴿وانْصُرْنا﴾ بِتَأْيِيدِكَ وإمْدادِكَ ﴿عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ السّاتِرِينَ لِرُبُوبِيَّتِكَ. ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ بِألْسِنَةِ الِاسْتِعْداداتِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ تَعالى ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ وهو مَرْتَبَةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وتَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وهو مَقامُ تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ في الطَّلَبِ الَّذِينَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الأغْيارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ النُّفُوسُ الكافِرَةُ وصِفاتُها ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وهو سَجِينُ البَهِيمِيَّةِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ تَرْجِعُوا القَهْقَرى ﴿خاسِرِينَ﴾ أنْفُسَكم. ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ لِمَن عَوَّلَ عَلَيْهِ وقَطَعَ نَظَرَهُ عَمَّنْ سِواهُ. ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيِ الخَوْفَ ﴿بِما أشْرَكُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ ﴿بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أيْ بِوُجُودِهِ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً إذْ لا حُجَّةَ عَلى وُجُودِهِ حَتّى يُنْزِلَها لِتَحَقُّقِ عَدَمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ صفحة 103 لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ عِنْدَ تَنُّورِها بِنُورِ القَلْبِ المُنَوَّرِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً حَقِيقِيَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ، وأمّا المُشْرِكُ فَمَحْجُوبٌ عَنْ مَنبَعِ القُوَّةِ بِما أشْرَكَ ما لا وُجُودَ ولا ذاتَ في الحَقِيقَةِ لَهُ فَهو ضَعِيفٌ عاذَ بَقَرْمَلَةٍ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَبَدُوا أسْماءً سَمَّوْها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ. ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ المَشْرُوطَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أيْ تَقْتُلُونَ جُنُودَ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ قَتْلًا ذَرِيعًا ﴿بِإذْنِهِ﴾ وأمْرِهِ لا عَلى وفْقِ الطَّبْعِ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُمْ عِنْدَ تَجَلِّي الجِلالِ ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ وخالَفْتُمْ في أمْرِ الطَّلَبِ ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ المُرْشِدَ المُرَبِّي ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ مِنَ الفَوْزِ بِأنْوارِ الحَضْرَةِ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ لِطُولِ باعِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ عَنْ أعْداءِ نُفُوسِكم وجُنُودِها ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ يَمْتَحِنَكم بِالسَّتْرِ بَعْدَ التَّجَلِّي بِأنْوارِ المُشاهِداتِ والصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ بِأقْداحِ الوارِداتِ والفِطامِ بَعْدَ إرْضاعِ ألْبانِ المُلاطَفاتِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ الجَلالُ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ فانْقَطَعْتُمْ إلَيْهِ كَما هو مُقْتَضى الجَمالِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ في طَوْرَيِ التَّقْرِيبِ والإبْعادِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ مَن قالَ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ في جَبَلِ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ولا تَلْوُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتُونَ ﴿عَلى أحَدٍ﴾ مِنَ الأمْرَيْنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿والرَّسُولُ﴾ أيْ رَسُولُ الوارِداتِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَجازاكم بَدَلَ غَمِّ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِغَمِّ طَلَبِ الحَقِّ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾ مِن صَدَماتِ تَجَلِّي القَهْرِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْرَبُ إلَيْكم مِنكم. ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ أيْ وارِادًا مِن ألْطافِهِ ظَهَرَ في صُورَةِ النُّعاسِ وهو السِّكِّينَةُ الرَّحْمانِيَّةُ ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ وهُمُ الصّادِقُونَ في الطَّلَبِ ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ وهم أرْبابُ النُّفُوسِ فَإنَّهم لا هَمَّ لَهم سِوى حَظِّ نُفُوسِهِمْ واسْتِيفاءِ لَذّاتِها ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ بِمُقْتَضى سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ﴾ أيْ إنَّ الخَلْقَ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَ التَّدْبِيرِ ولَوْ لَمْ يَحُولُوا لَفَعَلْنا ما بِهِ صَلاحُنا ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فَهو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ فَلا تَدْبِيرَ مَعَ تَدْبِيرِهِ، ولا وُجُودَ لِأحَدٍ سِواهُ ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ الخَبِيثَةِ ﴿ما لا يُبْدُونَ﴾ بِزَعْمِهِمْ لَكَ أيُّها المُرْشِدُ الكامِلُ ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا﴾ بِسَيْفِ الشَّهَواتِ ( ﴿ها هُنا﴾ ) أيْ في هَذِهِ النَّشْأةِ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ وهي مَنازِلُ العَدَمِ الأصْلِيِّ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِناتِ ﴿لَبَرَزَ﴾ عَلى حَسَبِ العِلْمِ ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ في لَوْحِ الأزَلِ ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ وهي بَيْداءُ الشَّهَواتِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ نُظْهِرَها بِهَذا التَّعَيُّنِ، وإنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ لِحِكَمٍ شَتًّى ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ لِيَمْتَحِنَ ما في اسْتِعْدادِكم مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأخْلاقِ ويُخْرِجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ يُخَلِّصَ ما بَرَزَ مِن مَكْمَنِ الصَّدْرِ إلى مَخْزَنِ القَلْبِ مِن غِشِّ الوَساوِسِ وخَواطِرِ النَّفْسِ، فَإنَّ البَلاءَ سَوْطٌ يَسُوقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأوْلِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: لِلَّهِ دَرُّ النّائِباتِ فَإنَّها ∗∗∗ صَدَأُ اللِّئامِ وصَيْقَلُ الأحْرارِ ما كُنْتُ إلّا زُبْرَةً فَطَبَعْنَنِي ∗∗∗ سَيْفًا وأطْلَعَ صَرْفَهُنَّ غِرارِي صفحة 104 وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ يَنْقَطِعُونَ إلى الحَقِّ، ولا يَظْهَرُ عَلى كُلٍّ مِنهم إلّا ما في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ كَما قِيلَ: عِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، والخِطابُ في كِلا المَوْضِعَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِلْمُنافِقِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّ الصُّدُورَ بِالأوَّلِينَ لِأنَّ الصَّدْرَ مَعْدِنُ الغِلِّ والوَسْوَسَةِ فَهو أوْفَقُ بِحالِ المُنافِقِينَ، وخَصَّ القُلُوبَ بِالآخَرِينَ لِأنَّ القَلْبَ مَقَرُّ الإيمانِ والِاطْمِئْنانِ وهو أوْفَقُ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ نِسْبَةَ الإسْلامِ بِاللِّسانِ إلى الإيمانِ بِالجَنانِ كَنِسْبَةِ الصَّدْرِ إلى القَلْبِ قِيلَ: ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ التَّرْهِيبُ والتَّحْذِيرُ عَنِ الِاتِّصالِ بِما لا يَرْضى مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَكُونُ الصَّدْرُ مَكْمَنًا لَها. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ الرُّوحِ وقُواها وجَمْعُ النَّفْسِ وقُواها ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الذُّنُوبِ لِأنَّها تُورِثُ الظُّلْمَةَ، والشَّيْطانُ لا مَجالَ لَهُ عَلى ابْنِ آدَمَ بِالتَّزْيِينِ والوَسْوَسَةِ إلّا إذا وجَدَ ظُلْمَةً في القَلْبِ، ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الجَمْعَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما وباقِي الإشارَةِ بِحالِهِ ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ حِينَ اسْتَنارَتْ قُلُوبُهم بِنُورِ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وبِمُقْتَضى ذَلِكَ ظَهَرَتِ المُخالَفاتُ وأُرْدِفَتْ بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِرْآةً لِظُهُورِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. ومِن هُنا جاءَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأتى اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغْفَرُ لَهم» . وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرَ لَيْلَةً في الطَّوافِ مِن قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الذُّنُوبِ، فَسَمِعَ هاتِفًا مَن قَلْبِهِ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ أنْتَ تَسْألُهُ العِصْمَةَ، وكُلُّ عِبادِهِ يَسْألُونَهُ العِصْمَةَ، فَإذا عَصَمَكم عَلى مَن يَتَفَضَّلُ وعَلى مَن يَتَكَرَّمُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ واعْتِقادِ تَأْثِيرِ السِّوى، وقالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ إذا فارَقُوهم بِتَرْكِ ما هم عَلَيْهِ وسافَرُوا في أرْضِ نُفُوسِهِمْ وسَلَكُوا سَبِيلَ الرَّشادِ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ أيَّ مُجاهِدِينَ مَعَ أعْدى أعْدائِهِمْ وهي نُفُوسُهُمُ الَّتِي بَيْنَ جُنُوبِهِمْ وقُواها وجُنُودُها مِنَ الهَوى والشَّيْطانِ ﴿لَوْ كانُوا﴾ مُقِيمِينَ ﴿عِنْدَنا﴾ مُوافِقِينَ لَنا ﴿ما ماتُوا﴾ بِمُقاساةِ الرِّياضَةِ ﴿وما قُتِلُوا﴾ بِسَيْفِ المُجاهِدَةِ، ولاسْتَراحُوا مِن هَذا النَّصَبِ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم ﴿حَسْرَةً﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ حِينَ يَرَوْنَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَكم واللَّهُ يُحْيِي مَن يَشاءُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ويُمِيتُ مَن يَشاءُ بِمَوْتِ الجَهْلِ والبُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ المَيْلِ إلى قَوْلِ المُنْكِرِينَ واعْتِقادِهِمْ

آل عمران 3:157

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ ﴿أوْ مُتُّمْ﴾ حَتْفَ الأنْفِ وأنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ فِعْلًا أوْ نِيَّةً. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (157) أيِ الكُفّارُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا ولَذّاتِها مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، وهَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجِهادِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ تَعْزِيَةٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ مِمّا أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إثْرَ إبْطالِ ما عَسى أنْ يُثَبِّطَهم عَنْ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، واللّامُ الأُولى هي مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والثّانِيَةُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ووَفائِهِ بِمَعْناهُ، ومَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِها ورَمْزًا إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِها، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ أُخْرى أيْ لَمَغْفِرَةٌ لَكم مِنَ اللَّهِ، وحُذِفَتْ صِفَةُ رَحْمَةٍ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها، والتَّنْوِينُ فِيهِما لِلتَّقْلِيلِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ الوَصْفُ، وثُبُوتُ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ لِما يَجْمَعُهُ الكُفّارُ كَما يَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الَّذِي يَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِنَ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ صفحة 105 عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْرٌ، وجُوِّزَ في (ما) أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ويَكُونُ المَفْعُولُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفًا أيْ مِن جَمْعِهِمُ المالَ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ الكُوفَةِ - غَيْرُ عاصِمٍ – (مِتُّمْ) بِالكَسْرِ، ووافَقَهم حَفْصٌ في سائِرِ المَواضِعِ إلّا هَهُنا، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ وهو عَلى الأوَّلِ مِن ماتَ يَماتُ مِثْلُ خِفْتُمْ مَن خافَ يَخافُ، وعَلى الثّانِي مِن ماتَ يَمُوتُ مِثْلُ كُنْتُمْ مَن كانَ يَكُونُ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (يَجْمَعُونَ) بِالياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ (تَجْمَعُونَ) بِالتّاءِ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ، والضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدَّمَ القَتْلَ عَلى المَوْتِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ثَوابًا وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَتَرَتُّبُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِ أقْوى.

آل عمران 3:158

وعَكَسَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (158) لِأنَّ المَوْتَ أكْثَرُ مِنَ القَتْلِ وهُما مُسْتَوَيانِ في الحَشْرِ، والمَعْنى أنَّكم بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ هَلاكُكم تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ فَيَجْزِي كُلًّا مِنكم كَما يَسْتَحِقُّ فَيُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ والمُسِيءَ عَلى إساءَتِهِ، ولَيْسَ غَيْرُهُ يُرْجى مِنهُ ثَوابٌ أوْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ دَفْعُ عِقابٍ، فَآثِرُوا ما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ ويَجُرُّ لَكم رِضاهُ مِنَ العَمَلِ بِطاعَتِهِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ ولا تَرْكَنُوا إلى الدُّنْيا، ومِمّا يُنْسَبُ لِلْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَإنْ تَكُنِ الأبْدانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ واللَّهِ أفْضَلُ والكَلامُ في اللّامَيْنِ كالكَلامِ في أُخْتَيْهِما بِلامَيْنِ، وإدْخالُ لامِ القَسَمِ عَلى المَعْمُولِ المُقَدَّمِ مُشْعِرٌ بِتَأْكِيدِ الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ بِأنَّ أُلُوهِيَّتَهُ تَعالى هي الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيمَ هَذا المَعْمُولَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ويَزِيدُهُ حُسْنًا وُقُوعُ ما بَعْدَهُ فاصِلَةً، وما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، قالُوا: ولَوْلا هَذا التَّقْدِيمُ لَوَجَبَ تَوْكِيدُ الفِعْلِ بِالنُّونِ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا وجَبَ تَوْكِيدُهُ مَعَ اللّامِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ حَيْثُ يُجَوِّزُونَ التَّعاقُبَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشْعِرُ بِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُقَدَّرًا بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ، أيْ ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَعَلَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أوْلى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ في الآيَةِ تَقْسِيمَ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ إلى ثَلاثِ أقْسامٍ، فَمَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى خَوْفًا مِن نارِهِ آمَنَهُ مِمّا يَخافُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ومَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى شَوْقًا إلى جَنَّتِهِ أنالَهُ ما يَرْجُو وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ لِأنَّ الرَّحْمَةَ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ، ومَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى شَوْقًا إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ لا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَهو العَبْدُ المُخْلِصُ الَّذِي يَتَجَلّى عَلَيْهِ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ في دارِ كَرامَتِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ مِن بابِ التَّأْوِيلِ لا مِن قَبِيلِ التَّفْسِيرِ.

آل عمران 3:159

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الكَلامِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ مِنِ اسْتِحْقاقِ الفارِّينَ المَلامَةَ والتَّعْنِيفَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَيْثُ صَدَرُوا عَنْهُ وحِياضُ الأهْوالِ مُتْرَعَةٌ، وشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ والحَرْبُ قائِمَةٌ عَلى ساقٍ، أوْ مِن سَعَةِ فَضاءِ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلِنْتَ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وما: مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وهو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ، وحَكى الزَّجّاجُ الإجْماعَ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنى شَيْءٍ، (ورَحْمَةٍ) بَدَلٌ مِنها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ فَبِأيِّ رَحْمَةٍ لِنْتَ لَهم، والتَّنْوِينُ في رَحْمَةٍ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلتَّفْخِيمِ، (ومِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها أيْ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُنْتَ لَيِّنَ الجانِبِ لَهم ولَمْ تُعَنِّفْهم، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ رَبْطُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى جَأْشِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصِهِ لَهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وجُعِلَ الرِّفْقُ ولِينُ الجانِبِ مُسَبِّبًا عَنْ رَبْطِ صفحة 106 الجَأْشِ؛ لِأنَّ مَن مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ كانَ كامِلَ الشَّجاعَةِ. قِيلَ: وأفادَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما ما يَدُلُّ عَلى شَجاعَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والثّانِيَةُ ما يَدُلُّ عَلى رِفْقِهِ فَهو مِن بابِ التَّكْمِيلِ، وقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هاتانِ الصِّفَتانِ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ ثَبَتَ حَتّى كَرَّ عَلَيْهِ أصْحابُهُ مَعَ أنَّهُ عَراهُ ما عَراهُ ثُمَّ ما زَجَرَهم ولا عَنَّفَهم عَلى الفِرارِ، بَلْ آساهم في الغَمِّ ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أيْ خَشِنَ الجانِبِ شَرِسَ الأخْلاقِ جافِيًا في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ أيْ قاسِيَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فَظًّا﴾ في الأقْوالِ ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ في الأفْعالِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الفَظَّ سَيِّئُ الخُلُقِ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، و﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ السَّيِّئَ في الأُمُورِ الباطِنَةِ، والثّانِي سَبَبٌ لِلْأوَّلِ، وقُدِّمَ المُسَبِّبُ لِظُهُورِهِ إذْ هو الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ لَوْ كُنْتَ عَلى خِلافِ تَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ المُعَبَّرُ عَنْهُما بِالرَّحْمَةِ وهو التَّهَوُّرُ المُشارُ إلَيْهِ بِالفَظاظَةِ وسُوءِ الأخْلاقِ المَرْمُوزِ إلَيْهِ بِغِلَظِ القَلْبِ، فَإنَّ قَساوَةَ القَلْبِ وعَدَمَ تَأثُّرِهِ يَتْبَعُها كُلُّ صِفَةٍ ذَمِيمَةٍ، ولِهَذا ورَدَ: «أبْعَدُ القُلُوبِ عَنِ اللَّهِ تَعالى القُلُوبُ القاسِيَةُ» . وكَأنَّهُ لِبُعْدِهِ صُدِّرَ بِيُمْكِنُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ فَلَمْ تَلِنْ لَهم وأغْلَظْتَ عَلَيْهِمْ ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ أيْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ونَفَرُوا مِنكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ وتَرَدَّوْا في مُهاوِي الرَّدى ولَمْ يَنْتَظِمْ أمْرُ ما بُعِثْتَ بِهِ مِن هِدايَتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى الصِّراطِ. ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاعْفُ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِكَ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اللَّهَ تَعالى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ وإكْمالًا لِلتَّرْبِيَةِ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ في الحَرْبِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ، وهو المُناسِبُ لِلْمَقامِ، أوْ فِيهِ وفي أمْثالِهِ مِمّا تَجْرِي فِيهِ المُشاوَرَةُ عادَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، واخْتُلِفَ في مُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في أمْرِ الدِّينِ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ فَمَن أبى الِاجْتِهادَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِها، ومَن لا يَأْباهُ - وهو الأصَحُّ - ذَهَبَ إلى جَوازِها، وفائِدَتُها الِاسْتِظْهارُ بِرَأْيِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ”لَوِ اجْتَمَعْتُما في مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»“ أوِ التَّطْيِيبُ لِأنْفُسِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُشاوِرَ أصْحابَهُ في الأُمُورِ وهو يَأْتِيهِ وحْيُ السَّماءِ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ القَوْمِ، أوْ أنْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدَهُ لِأُمَّتِهِ»، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ما بِهِ إلَيْهِمْ حاجَةٌ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَن بَعْدَهُ، ويُؤَيِّدَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي، فَمَنِ اسْتَشارَ مِنهم لَمْ يَعْدَمْ رَشَدًا، ومَن تَرَكَها لَمْ يَعْدَمْ غَيًّا»“ . وقِيلَ: فائِدَةُ ذَلِكَ أنْ يَمْتَحِنَهم فَيَتَمَيَّزَ النّاصِحُ مِنَ الغاشِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى الجَصّاصُ أنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِالمُشاوَرَةِ عَلى جِهَةِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ مَثَلًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم أنَّهم إذا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهم في اسْتِنْباطِ الصَّوابِ عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ، بَلْ فِيهِ إيحاشُهم بِأنَّ آراءَهم غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ولا مُعَوَّلٌ عَلَيْها، وجَزَمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِمُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم فائِدَةٌ صفحة 107 هِيَ الِاسْتِظْهارُ بِما عِنْدَهم، وأنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَهم ضَرْبٌ مِنَ الِاجْتِهادِ، فَما وافَقَ رَأْيَهُ عَمِلَ بِهِ، وما خالَفَهُ تُرِكَ مِن غَيْرِ لَوْمٍ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلِاجْتِهادِ وجَوازِهِ بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشْعارٌ بِمَنزِلَةِ الصَّحابَةِ وأنَّهم كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ، وأنَّ باطِنَهم مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى انْتَهى. وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا خَفاءَ عَلى مَن راجَعَ وِجْدانَهُ أنَّ في قَوْلِ الكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ماذا تَرى في أمْرِ كَذا وماذا عِنْدَكَ فِيهِ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ وتَنْشِيطًا لَها لِاكْتِسابِ الآراءِ وإعْمالِ الفِكْرِ لا سِيَّما إذا صادَفَ رَأْيُهُ رَأْيَ الكَبِيرِ أحْيانًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ بِرَأْيِهِ المُوافِقِ، بَلِ العَمَلُ بِالرَّأْيِ المُوافِقِ، وما ادَّعاهُ مِن أنَّ الرَّأْيَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ كانَ فِيهِ إيحاشٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ لِعِلْمِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِعُلُوِّ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنَّ عُقُولَهم بِالنِّسْبَةِ إلى عَقْلِهِ الشَّرِيفِ كالسُّها بِالنِّسْبَةِ إلى شَمْسِ الضُّحى، عَلى أنَّ مَن قالَ: إنَّ فائِدَةَ المُشاوَرَةِ تَطْيِيبُ النَّفْسِ أشارَ إلى أنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِ فَهو غَنِيٌّ عَنْها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَصْدُ التَّطْيِيبِ أتَمَّ وأظْهَرَ لِما في المُشاوَرَةِ إذْ ذاكَ مِن تَعْرِيضِهِمْ لِما يُمْكِنُ أنْ يُوافِقَ الوَحْيَ، والإيحاشُ بِعَدَمِ العَمَلِ هُنا أبْعَدُ لِأنَّ مُسْتَنَدَهُ اتِّباعُ الوَحْيِ، ومَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ أنَّهُ أوْلى بِالِاتِّباعِ لِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ في ذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ أمْرَ السُّلْطانِ مَثَلًا لِعامِلِهِ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ بَلَدِهِ في أُمُورِهِ لا يَسْتَدْعِي أنْ يُشاوِرَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا أصْلًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ الآراءِ مِنهم والمُتَدَرِّبِينَ فِيهِمْ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ أوَّلُ المُدَّعى، ودُونَ إثْباتِهِ وقْعَةُ الجَمَلِ وحَرْبُ صِفِّينَ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الصَّحابَةِ المَأْمُورُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُشاوَرَتِهِمْ أهْلُ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ لا مُطْلَقًا بِما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، ومِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِما، نَعَمْ لَوْ كانَتِ المُشاوَرَةُ لِمُجَرَّدِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ دُونَ الِاسْتِظْهارِ كانَ لِمُشاوَرَةِ أيِّ واحِدٍ مِنهم، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أرْبابِ الرَّأْيِ وجْهٌ، لَكِنَّ الجَصّاصَ لَمْ يَبْنِ كَلامَهُ عَلى ذَلِكَ. بَقِيَ أنَّ بَيْنَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْعُمَرَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوِ اجْتَمَعْتُما عَلى مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»، وما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: «أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي» تَنافِيًا إلّا أنْ يُحْمَلَ خَبَرُ عَدَمِ مُخالَفَتِهِما لَوِ اجْتَمَعا عَلى الإشارَةِ إلى رِفْعَةِ قَدْرِهِما وعُلُوِّ شَأْنِهِما، وأنَّ اجْتِماعَهُما عَلى أمْرٍ لا يَكُونُ إلّا مُوافِقًا لِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي عَلَيْهِ المُعَوَّلُ وبِهِ العَمَلُ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما خالَفْتُكُما دُونَ لَعَمِلْتُ بِقَوْلِكُما مَثَلًا نَوْعُ إشْعارٍ بِما قُلْنا فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْهُ ﴿وشاوِرْهم فِي﴾ بَعْضِ ﴿الأمْرِ﴾ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ أيْ إذا عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلى الفِعْلِ وإمْضائِهِ بَعْدَ المُشاوَرَةِ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ فاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وثِقْ بِهِ وفَوَّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ فَإنَّهُ الأعْلَمُ بِما هو الأصْلَحُ، وأصْلُ التَّوَكُّلِ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلى الغَيْرِ والِاكْتِفاءُ بِهِ في فِعْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وهو عِنْدَنا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي مُراعاةَ الأسْبابِ، بَلْ يَكُونُ بِمُراعاتِها مَعَ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ، و(اعْقِلْها وتَوَكَّلْ) يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، وعِنْدَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ هو إهْمالُ التَّدْبِيرِ بِالكُلِّيَّةِ، وعَنْ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ (فَإذا عَزَمْتُ) بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى فَإذا قَطَعْتُ لَكَ بِشَيْءٍ وعَيَّنْتُهُ لَكَ فَتَوَكُّلْ عَلَيَّ ولا تُشاوِرْ بِهِ أحَدًا، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ والأمْرِ صفحة 108 بِهِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَلامِ مُسْتَدْعٍ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ والأمْرِ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ عَلَيْهِ الواثِقِينَ بِهِ المُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ فَيَنْصُرُهم ويُرْشِدُهم إلى ما هو خَيْرٌ لَهم كَما تَقْتَضِيهِ المُحِبَّةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ رُوعِيَ في الآيَةِ حُسْنُ التَّرْتِيبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرَ أوَّلًا بِالعَفْوِ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى هَذا المَقامِ أُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى لِتَنْزاحَ عَنْهُمُ التَّبِعَتانِ، فَلَّما صارُوا إلى هُنا أُمِرَ بِأنْ يُشاوِرَهم في الأمْرِ إذْ صارُوا خالِصِينَ مِنَ التَّبِعَتَيْنِ مُصَفَّيْنَ مِنهُما، ثُمَّ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِانْقِطاعِ إلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ السَّنَدُ الأقْوَمُ والمَلْجَأُ الأعْظَمُ الَّذِي لا تُؤَثِّرُ الأسْبابُ إلّا بِهِ، ولا تَنْقَضِي الحاجُ إلّا عِنْدَ بابِهِ.

آل عمران 3:160

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها النُّصْرَةَ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها الخِذْلانَ، أيْ إنْ يُرِدْ نَصْرَكم كَما أرادَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم عَلى طَرِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ بِجَمِيعِ أفْرادِ الغالِبِ ذاتًا وصِفَةً، فَهو أبْلَغُ مِن لا يَغْلِبُكم أحَدٌ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى نَفْيِ الصِّفَةِ فَقَطْ. ثُمَّ المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وإنْ كانَ نَفْيُ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ أيْضًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، لَكِنَّ المَفْهُومَ مِنهُ فَهْمًا قَطْعِيًّا هو نَفْيُ المُساواةِ وإثْباتُ الغالِبِيَّةِ لِلْمُخاطَبِينَ، فَإذا قُلْتُ: لا أكْرَمَ مِن فُلانٍ ولا أفْضَلَ مِنهُ، فالمَفْهُومُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، ولا اخْتِصاصَ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مُطَّرِدٌ فِيما ورَدَ عَلى طَرِيقٍ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن أظْلِمُ مِمَّنْ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ) في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَبْحَثِ فِيما تَقَدَّمَ. ﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أيْ وإنْ يُرِدْ خِذْلانُكم ويَمْنَعْكم مَعُونَتَهُ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ. وقُرِئَ ( يَخْذُلُكم ) مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًا. ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ عَلى نَحْوِ انْتِفاءِ الغالِبِ، وقِيلَ: وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ في الأوَّلِ صَرِيحَ النَّفْيِ، ولَمْ يَجِئْ في الثّانِي كَذَلِكَ تَلَطُّفًا بِالمُؤْمِنِينَ حَيْثُ صَرَّحَ لَهم بِعَدَمِ الغَلَبَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، وإنْ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لَهُ. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ فَعَلى الأوَّلِ – بَعْدَ - ظَرْفُ زَمانٍ وهو الأصْلُ فِيها، وعَلى الثّانِي مُسْتَعارٌ لِلْمَكانِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ (160) المُرادُ بِهِمْ إمّا جِنْسُ المُؤْمِنِينَ، والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا المُخاطَبُونَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن تَشْرِيفِ المُخاطَبِينَ مَعَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَحَتُّمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، والفاءُ كَما قالُوا: لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما مَرَّ مِن غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ ومَغْلُوبِيَّتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم وخِذْلانِهِ إيّاهم، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي قَصْرَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ.

آل عمران 3:161

﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في صفحة 109 خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - والصِّيغَةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إخْبارٌ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ رَمْزٍ إلى نَهْيٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ في تِلْكَ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ خَبَرٌ أُجْرِيَ مَجْرى الطَّلَبِ، وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾، و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، و﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكَذا لِلِامْتِناعِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، و﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي تَوْجِيهِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ماضِيهِ أغْلَلْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الغُلُولِ كَما تَقُولُ أكْفَرْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الكُمَيْتُ: وطائِفَةٌ قَدْ (أكْفَرَتْنِي) بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالَتْ مُسِيءٌ ومُذْنِبُ والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَنْسِبَهُ أحَدٌ إلى الغُلُولِ، وثانِيها أنْ يَكُونَ مِن أغْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ غالًّا كَقَوْلِهِمْ أحَمَدْتُهُ وأبْخَلْتُهُ وأجْبَنْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ كَذَلِكَ، والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يُوجَدَ غالًّا، وثالِثُها أنَّهُ مِن غُلٍّ إلى أنَّ المَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ غَيْرُهُ أيْ يَخُونُهُ ويَسْرِقُ مِن غَنِيمَتِهِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يَغُلَّ غَيْرُهُ مِن إمامٍ أوْ أمِيرٍ إمّا لِعِظَمِ خِيانَتِهِ أوْ لِأنَّهُ القائِمُ بِأمْرِ الغَنائِمِ، فَإذا حَرُمَتِ الخِيانَةُ عَلَيْهِ وهو صاحِبُ الأمْرِ فَحُرْمَتُها عَلى غَيْرِهِ أوْلى كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ التَّخْصِيصِ بِما ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِفاتِ إلى سَبَبِ النُّزُولِ والنَّظَرِ إلى ما سَيَأْتِي بَعْدُ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ فَسَألُوهُ أنْ يُطْوى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّهُ بِعِيدٌ جِدًّا، ولا أدْرِي كَيْفَ سَنَدُ صفحة 110 هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا أظُنُّ الخَبَرَ إلّا مَوْضُوعًا، ويَزِيدُهُ بُعْدًا بَلْ لا يَكادُ يُجَوِّزُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهو جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي غَلَّهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ في حالِ عَلِمَ الغالُّ بِعُقُوبَةِ الغُلُولِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإتْيانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ ثُمَّ قالَ: ألا لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَها حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغَتْكَ» . والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنْ يُفْضَحَ بِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ زِيادَةً في عُقُوبَتِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَقْلًا. والِاسْتِبْعادُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَدْ وقَعَ ما يُشْعِرُ بِالِاسْتِبْعادِ قَدِيمًا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ أوْ مِائَتَيْ بَعِيرٍ كَيْفَ يَصْنَعُ بِها ؟ ! قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ، وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلُ مِثْلَ هَذا. ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الإتْيانَ بِالغُلُولِ مِنَ النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في الآيَةِ حَذْفٌ أيْ يَأْتِ بِما غَلَّ مِنَ النّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعُ خَلِفاتٍ، فَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: الإتْيانُ بِهِ مَجازٌ عَنِ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما عَمِلَ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ أيْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ، واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَتْهُ الأخْبارُ جاءَ عَلى وجْهِ المَثَلِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى إذْ فَضَحَ الغالَّ وعاقَبَهُ العُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ جَرى مَجْرى أنْ يَكُونَ آتِيًا بِهِ وحامِلًا لَهُ ولَهُ صَوْتٌ، ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ أبِي هُرَيْرَةَ لِلرَّجُلِ يَأْبى هَذا التَّأْوِيلَ. وقِيلَ: إنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ في صُوَرٍ جُسْمانِيَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ خَبَرُ مَجِيءِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ، وتَلَقِّي القُرْآنِ صاحِبَهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يَبْعُدُ ظُهُورُ الأعْمالِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي بِصُوَرٍ تُناسِبُها فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْصِيَةَ كُلِّ غالٍّ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ غُلُولِهِ، فَيَأْتِي بِها هُناكَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الأخْبارُ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ التَّمْثِيلِ، وجَوابُ أبِي هُرَيْرَةَ لا يَأْباهُ، وإلْقاؤُهُ في النّارِ أيْضًا غَيْرُ مُشْكِلٍ، وأهْلُ الظّاهِرِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ يُلْقى مِن غَيْرِ تَعْذِيبٍ، وبِتَقْدِيرِهِ لا مَحْذُورَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ خَلْقًا حِينَ قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ فَيَضَعُهم فِيها، ومَعَ هَذا وتَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ بَعْضِ الغُلُولِ عَنِ الإلْقاءِ إذْ قَدْ يَكُونُ الغُلُولُ مُصْحَفًا ولا أظُنُّ أحَدًا يَتَجاسَرُ عَلى القَوْلِ بِإلْقائِهِ. صفحة 111 ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُعْطى كُلُّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تامًّا وافِيًا، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أوْ أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ، وفي تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِكُلِّ مَكْسُوبٍ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الغالِّ عِنْدَ إتْيانِهِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ اليَوْمِ والمُبالَغَةِ في بَيانِ فَظاعَةِ حالِ الغالِّ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وإنْ كانَ جُرْمُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن نَحْوِ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَرادُ ثُمَّ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ لَها حَقٌّ في تِلْكَ الغَنِيمَةِ ما كَسَبَتْ مِن نُقْصانِ حَقِّها مِن غُلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّظْمُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حَمْلِهِ ما غَلَّ وبَيْنَ جَزائِهِ، أوْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أيْ بَعْدِ حَمْلِهِ ما غَلَّهُ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وجَعَلَهُ مُنْتَظَرًا فِيما بَيْنَ النّاسِ مُفْتَضَحًا حامِلًا ما غَلَّهُ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا يُصانُ عَنْهُ كَلامُ المَلِكِ المُتَعالِ، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ هو القَوْلُ الأوَّلُ المُتَضَمِّنُ لِنُكْتَةِ العُدُولِ، وأمْرُ (ثُمَّ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الإتْيانَ بِما غَلَّ عِنْدَ قِيامِهِ مِنَ القَبْرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والجَزاءُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ جَزاءَ الغالِّ وعُقُوبَتَهُ أشَدُّ فَظاعَةً مِن حَمْلِ ما غَلَّهُ والفَضِيحَةُ بِهِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَمْلُ كالعِلاوَةِ عَلى الحَمْلِ، بَلْ يَكادُ أنْ يَكُونَ نَعِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْقى بَعْدُ، والجُمْلَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. ﴿وهُمْ﴾ أيْ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ عِقابُ عاصِيهِمْ.

آل عمران 3:162

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ كَمَن باءَ أيْ رَجَعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ أيْ غَضَبٍ عَظِيمٍ جِدًّا وهو بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ ويُقالُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ رَجَعَ مُصاحِبًا لِسَخَطٍ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ كائِنٌ مِنهُ تَعالى. وفِي المُرادِ مِنَ الآيَةِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ المَعْنى ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى في العَمَلِ بِالطّاعَةِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ في العَمَلِ بِالمَعْصِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ. ثانِيها: أنَّ مَعْناهُ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِفِعْلِ الغُلُولِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ. ثالِثُها: أنَّ المُرادَ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ في الفِرارِ عَنْهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: وهو المُطابِقُ لِما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى أُحُدٍ قَعَدَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ - وفِيهِ بُعْدٌ - وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مَصِيرُهُ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِ مَن باءَ بِسَخَطٍ، ويُفْهَمُ مِن مُقابِلِهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ كانَ مَأْواهُ الجَنَّةُ، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وقِيلَ: لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الرِّضْوانِ الجَنَّةُ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ نَعِيمٍ، وكَوْنُ السَّخَطِ مُسْتَلْزِمًا لِكُلِّ عِقابٍ فَيَقْتَضِي أنْ تُذْكُرَ مَعَهُ جَهَنَّمُ في حَيِّزِ المَنعِ لِسَبْقِ الجَمالِ الجَلالِ فافْهَمْ، والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ صفحة 112 فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ إمّا تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ بِتَقْدِيرٍ، ويُقالُ: في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ، و(المَصِيرُ) اسْمُ مَكانٍ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ بِأنَّ المَصِيرَ يَقْتَضِي مُخالَفَةَ ما صارَ إلَيْهِ مِن جَهَنَّمَ لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الصَّيْرُورَةَ تَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى كَصارَ الطِّينُ خَزَفًا، والمَرْجِعُ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ: مَرْجِعُ ابْنِ آدَمَ إلى التُّرابِ، وأمّا قَوْلُهم مَرْجِعُ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى فَبِاعْتِبارِ أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى حالٍ لا يَمْلِكُونَ فِيها لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا كَما كانَ قَبْلَ ما مَلَكُوا.

آل عمران 3:163

﴿هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَرَجاتٌ﴾ خَبَرُهُ، والمُرادُ هم مُتَفاوِتُونَ إطْلاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، أوْ شَبَّهَهم بِالدَّرَجِ في تَفاوُتِهِمْ عُلُوًّا وسُفْلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الدَّرَجاتِ مُبالَغَةً في التَّفاوُتِ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا بِحَذْفِ الأداةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا تَشْبِيهَ أيْ (هُمْ) ذَوُو دَرَجاتٍ أيْ مَنازِلَ أوْ أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: لَهم دَرَجاتٌ، وذَهَبُ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ الدَّرَجاتِ عَلى الدِّرْكاتِ، إذِ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ، والثّانِي لِلثّانِي. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِدَرَجاتٍ عَلى المَعْنى، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ ودَرَجاتِها فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِها، والبَصِيرُ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هو الَّذِي يُشاهِدُ ويَرى حَتّى لا يَعْزُبُ عَنْهُ ما تَحْتَ الثَّرى، وإبْصارُهُ أيْضًا مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَدَقَةٍ وأجْفانٍ، ومُقَدَّسٌ عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى انْطِباعِ الصُّوَرِ والألْوانِ في ذاتِهِ كَما يَنْطَبِعُ في حَدَقَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّأثُّرِ المُقْتَضِي لَلْحَدَثانِ، وإذا نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كانَ البَصَرُ في حَقِّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي يَنْكَشِفُ بِها كَمالُ نُعُوتِ المُبْصَراتِ، وذَلِكَ أوْضَحَ وأجْلى مِمّا نَفْهَمُهُ مِن إدْراكِ البَصَرِ القاصِرِ عَلى ظَواهِرِ المَرْئِيّاتِ انْتَهى. ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّ البَصَرَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنّا، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ والكَرّامِيَّةِ قالُوا: لِأنّا إذا عَلِمْنا شَيْئًا عِلْمًا جَلِيًّا ثُمَّ أبْصَرْناهُ نَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالبَدِيهَةِ، وإنَّ في الحالَةِ الثّانِيَةِ حالَةً زائِدَةً هي الإبْصارُ. وقالَ الفَلاسِفَةُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ والغَزالِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ وادَّعى أنَّ كَلامَهُ هَذا مُشِيرٌ إلَيْهِ أنَّ بَصَرَهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُبْصَراتِ، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ في السَّمْعِ، والحَقُّ أنَّهُما زائِدانِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ، وأنَّهُما لا يُكَيَّفانِ ولا يُحَدّانِ، والإقْرارُ بِهِما واجِبٌ كَما وصَفَ بِهِما سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ وإلَيْهِ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ.

آل عمران 3:164

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ أنْعَمَ وتَفَضَّلَ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ، وسُمِّيَتِ النِّعْمَةُ مِنَّةً لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِها عَنِ البَلِيَّةِ، وكَذا الِاعْتِدادُ بِالصَّنِيعَةِ مَنًّا لِأنَّهُ قَطْعٌ لَها عَنْ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ أوْ مِنَ العَرَبِ مُطْلَقًا أوْ مِنَ الإنْسِ - وخَيْرُ الثَّلاثَةِ الوَسَطُ - وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً - والأوَّلُ خَيْرٌ مِنَ الثّالِثِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِهِمْ عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ: المُؤْمِنُونَ مِن هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الَّذِينَ آلَ أمْرُهم إلى الإيمانِ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾ أيْ بَيْنَهم ﴿رَسُولا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم أوْ مِن بَنِي آدَمَ لا مَلِكًا ولا جِنِّيًّا، و(إذْ) ظَرْفٌ لِمَنَّ، وهو وإنْ صفحة 113 كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ، لَكِنْ وقَعَ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَقِّقِينَ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ ( بِبَعَثَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِرَسُولًا - والِامْتِنانُ بِذَلِكَ إمّا لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ فَيَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، وإمّا لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَفْتَخِرُوا عَلى سائِرِ أصْنافِ نَوْعِ بَنِي آدَمَ، وإمّا لِيَفْهَمُوا ويَفْتَخِرُوا ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لِمَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِمْ بِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وقُرِئَ (لِمِن مَنِّ اللَّهِ) بِمِنِ الجارَّةِ ومَنَّ المُشَدِّدَةِ النُّونِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلِ مَنُّهُ أوْ بَعْثُهُ، وحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتُ بَعْثِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ (إذْ) مُبْتَدَأً والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، (وقَدِ اعْتُرِضَ ذَلِكَ) بِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالَ بِوُقُوعِ إذْ كَذَلِكَ، وما في المِثالِ إذا لا إذْ، وهي أيْضًا فِيهِ لَيْسَتْ مُبْتَدَأً أصْلًا، وإنَّما جَوَّزُوا فِيها وجْهَيْنِ: النَّصْبَ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّهُ، والرَّفْعَ عَلى أنَّها هي الخَبَرُ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ: جَدَّ جَدُّهُ لِأنَّ الأمِيرَ أخْطَبُ في حالِ القِيامِ لا كَوْنُهُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وجَوَّزَ الثّانِي عَبْدُ القاهِرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالرَّفْعِ، فَكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قاسَ إذْ عَلى إذا والمُبْتَدَأ عَلى الخَبَرِ. وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي النُّحاةِ بِخُرُوجِ إذْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وبَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ، وهَذا في قُوَّةِ تَصْرِيحِهِمْ بِوُقُوعِها مُبْتَدَأً وخَبَرًا مَثَلًا، إذْ هو قَوْلٌ بِتَصَرُّفِها، ومَتى قِيلَ بِهِ كانَتْ جَمِيعُ الأحْوالِ مُسْتَوِيَةً في جَوازِ الإقْدامِ عَلَيْها مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ حالٍ وحالٍ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ الحالِ فِيها وفي غَيْرِها مِن سائِرِ الأسْماءِ، وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ، نَعَمْ حَكى الشَّلُوبِينُ في شَرْحِ الجَزُولِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَأْخَذَ التَّصَرُّفِ في الظُّرُوفِ هو السَّماعُ، فَإنْ كانَ هَذا حُكْمَ أصْلِ التَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ أنْواعِهِ ارْتَفَعَ الغُبارُ عَمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا بِلا خَفاءٍ، وإنْ كانَ حُكْمُ الأنْواعِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُقْدَمُ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ المَفْعُولِيَّةِ، ولا عَلى الِابْتِدائِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ الخَبَرِيَّةِ مَثَلًا إلّا بِوُرُودِ سَماعٍ في ذَلِكَ، فَفي صِحَّةِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرَدُّدٌ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ تَصْرِيحِهِمْ حِينَئِذٍ بِوُقُوعٍ إذْ مَفْعُولًا وبَدَلًا، وبِوُقُوعِ إذا خَبَرًا مَثَلًا لا يُجْدِي نَفْعًا لِجَوازِ وُرُودِ السَّماعِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ كَما لا يَخْفى. وفِي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلَيْها وسَلَّمَ (مِن أنْفَسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ وبُطُونِها وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ. وقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: هَلِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَرًا ومِنَ العَرَبِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟ فَأجابَ بِأنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ شَخْصٌ: أُومِنُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ لَكِنْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ البَشَرِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ أوْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ العَرَبِ أوِ العَجَمِ ؟ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ لِتَكْذِيبِهِ القُرْآنَ وجَحْدِهِ ما تَلَقَّتْهُ قُرُونُ الإسْلامِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وصارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، فَلَوْ كانَ غَبِيًّا لا يَعْرِفُ ذَلِكَ وجَبَ تَعْلِيمُهُ إيّاهُ، فَإنْ جَحَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمْنا بِكُفْرِهِ انْتَهى، وهَلْ يُقاسُ اعْتِقادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ والبُطُونِ عَلى ذَلِكَ، فَيَجِبُ ذَلِكَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، أوْ لا يُقاسُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ إيمانُ مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ صفحة 114 مُنَزِّهٌ تِلْكَ السّاحَةَ العَلِيَّةَ عَنْ كُلِّ وصْمَةٍ ؟ فِيهِ تَأمُّلٌ، والظّاهِرُ الثّانِي وهو الأوْفَقُ بِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ أيْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، أوْ بَعْدَ ما كانَ بَعْضُهم كَذَلِكَ وبَعْضُهم مُتَشَوِّقًا إلَيْهِ حَيْثُ أخْبَرَ كِتابُهُ الَّذِي بِيَدِهِ بِنُزُولِهِ وبَشَّرَ بِهِ. ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يَدْعُوهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ زاكِينَ طاهِرِينَ مِمّا كانَ فِيهِمْ مِن دَنَسِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن خَبائِثِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ كالِاعْتِقاداتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُشْرِكُو العَرَبِ وأهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ يَشْهَدُ بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ الفَرّاءُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ القَرِيبُ إلَيْهِ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. وهَذا التَّعْلِيمُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى التِّلاوَةِ، وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ عَدُّ الجَمِيعِ نِعْمَةً واحِدَةً وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالآياتِ تارَةً، وبِالكِتابِ والحِكْمَةِ أُخْرى، رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن تِلاوَةِ الآياتِ تِلاوَةُ ما يُوحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ومِنَ التَّزْكِيَةِ الدُّعاءُ إلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ ولِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالرِّسالَةِ، وبِتَعْلِيمِ الكِتابِ تَعْلِيمُ ألْفاظِ القُرْآنِ وكَيْفِيَّةُ أدائِهِ لِيَتَهَيَّأ لَهم بِذَلِكَ إقامَةُ عِمادِ الدِّينِ، وبِتَعْلِيمِ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى الأسْرارِ المَخْبُوءَةِ في خَزائِنِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ أمْرُ تَرْتِيبِ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ ظاهِرٌ، إذْ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُمَهِّدُ سُبُلَ التَّوْحِيدِ ويَدْعُو إلَيْهِ ويَعْلَمُ ما يَلْزَمُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، ويَزِيدُ عَلى الزَّبَدِ شَهْدًا، فَتَقْدِيمُ التِّلاوَةِ لِأنَّها مِن بابِ التَّمْهِيدِ، ثُمَّ التَّزْكِيَةُ لِأنَّها بَعْدَهُ وهي أوَّلُ أمْرٍ يَحْصُلُ مِنهُ صِفَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها المُؤْمِنُونَ وهي مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ المُقَدَّمَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، ثُمَّ التَّعْلِيمُ لِأنَّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ، بَقِيُ أمْرُ تَقْدِيمِ التَّعْلِيمِ عَلى التَّزْكِيَةِ في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ إيذانًا بِشَرافَةِ التَّحْلِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُناكَ فَتَأمَّلْ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (164) ظاهِرٍ (وإنْ) هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، والمَعْنى إنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَ مِثْلَهُ مَكِّيٌّ إلّا أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ، فَجُعِلَ اسْمُها ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المُؤْمِنِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وكِلا الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ، وإنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ ويَكُونُ حالَها، وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ. والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ لا في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا مَلْفُوظٍ ولا مُقَدَّرٍ البَتَّةَ، فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَصْحُوبَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ فَتَقُولُ: إنَّ زَيْدٌ لِقائِمٌ ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن نَواسِخِ الِابْتِداءِ، وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ. صفحة 115 وأجابَ الحَلَبِيُّ عَمَّنْ قَدَّرَ الشَّأْنَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا بَيانُ إعْرابٍ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ مَن قالَ: إنَّ الشَّأْنَ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَلْ جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْتَلِفَ زَمانُ الحالِ، والعامِلُ فَإنَّ زَمانَ الكَوْنِ في ضَلالٍ مُبِينٍ قَبْلَ زَمانِ التَّعْلِيمِ لَكِنْ كَوْنُ القِصَّةِ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ شائِعٌ مَشْهُورٌ في الحالِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ زَمانُ تَحَقُّقِهِ زَمانَ تَحَقُّقِ العامِلِ فاحْفَظْهُ ولا تَلْفِظْهُ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الحَلَبِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَلامُ عِصامِ المِلَّةِ مَنظُورٌ فِيهِ لِأنَّ المُناسِبَ لِما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَيُّنِهِ تَقْدِيرَ الشَّأْنِ قَبْلَ - أنْ - لا بَعْدَها كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والأكْثَرُونَ عَلى الحالِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ وتَمامِها.

آل عمران 3:165

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ بَعْضِ ما نَشَأ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ إثْرَ إبْطالِ بَعْضٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها، و(لَمّا) ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّرْطِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وناصِبُها (قُلْتُمْ) وهو الجَزاءُ و﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ - لِمُصِيبَةٍ - وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والمُرادُ بِالمُصِيبَةِ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم - وبِمِثْلَيْها - ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَيْنِ بِجَعْلِ الأسْرِ كالقَتْلِ أوْ لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى القَتْلِ وكانَ مَرْضى اللَّهِ تَعالى، فَعَدَمُهُ كانَ مِن عِنْدِهِمْ، فَتَرْكُهُ مَعَ القُدْرَةِ لا يُنافِي الإصابَةَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمِثْلَيْنِ المِثْلانِ في الهَزِيمَةِ لا في عَدَدِ القَتْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَزَمُوهم أيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ أوَّلَ الأمْرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصِيبَةِ هَزِيمَةُ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ فارَقُوا المَرْكَزَ، و﴿أنّى هَذا﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُقَدِّمَةُ الخَبَرِ، والمَعْنى مِن أيْنَ هَذا لا كَيْفَ هَذا لِدَلالَةِ الجَوابِ مَفْعُولِ القَوْلِ، وقِيلَ (أنّى) مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لَأصابَنا- المُقَدَّرُ، و(هَذا) فاعِلٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قُلْتُمْ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمْزَةِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ والمَعْطُوفُ بِالواوِ حَقِيقَةً لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، فَإنَّ فِعْلَ القَبِيحِ في غَيْرِ وقْتِهِ أقْبَحُ. والإنْكارُ عَلى فاعِلِهِ أدْخَلُ، والمَعْنى أحِينَ نالَكم مِنَ المُشْرِكِينَ نِصْفُ ما قَدْ نالَهم مِنكم قَبْلَ ذَلِكَ رَجَعْتُمْ وقُلْتُمْ مِن أيْنَ هَذا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وفِينا رَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، أوْ قَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ ؟ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّقْرِيعِ إلى صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْهم في ذَلِكَ الوَقْتِ خاصَّةً بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لَهُ داعِيًا إلَيْهِ، بَلْ عَلى كَوْنِهِ داعِيًا إلى عَدَمِهِ، فَإنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ عَدُوِّهِمْ مِثْلَيْ مُصِيبَتِهِمْ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ ويُورِثُ السَّلْوَةَ، أوْ أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والإلْحاحِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمّا أصابَتْكم غائِلَةُ ذَلِكَ قُلْتُمْ (أنّى هَذا) وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ لِاسْتِبْعادِهِمُ الحادِثَةَ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِسَبَبِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ القَوْلُ إشارَةً إلى أنَّ قَوْلَهم كانَ غَيْرَ واحِدٍ بَلْ قالُوا أقْوالًا لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوها. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى ( لَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وعْده ) إلى هُنا، ولِلتَّعَلُّقِ بِقِصَّةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُما أجْنَبِيٌّ لِيَكُونَ القَوْلُ بِذَلِكَ بَعِيدًا كَما ادَّعاهُ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ حِينَئِذٍ مُتَخالَّةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِمَعْنى التَّثْبِيتِ أوِ الحَمْلِ عَلى الإقْرارِ والتَّقْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ المَعْطُوفِ، والمَعْنى أكانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى الوَعْدُ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَحِينَ فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ وعَصَيْتُمْ وأصابَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَكم ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ صفحة 116 والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، والواوَ أصْلُها التَّقْدِيمُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها واخْتارَ هَذا في البَحْرِ، وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ مَجازٌ، وإلى المُخاطَبِينَ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يُؤْتَ بِالِاسْنادَيْنِ مِن بابٍ واحِدٍ زِيادَةً في التَّقْرِيعِ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ في ﴿أنّى هَذا﴾ مُراعاةً لِمَعْنى المُصِيبَةِ المُشارِ إلَيْها وهو المَشْهُورُ، أوْ لِما أنَّ إشارَتَهم لَيْسَتْ إلّا لِما شاهَدُوهُ في المَعْرَكَةِ مِن حَيْثُ هو هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ تَسْمِيَتُهُ بِاسْمٍ ما، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ المُصِيبَةِ، وإنَّما هي عِنْدَ الحِكايَةِ، وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: جَوابٌ ضِمْنِيٌّ عَنِ اسْتِبْعادِهِمْ تِلْكَ الإصابَةَ، يَعْنِي أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَدُومُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا أصَبْتُمْ مِنهم مِثْلَ ما أصابُوا مِنكم وزِيادَةً، فَما وجْهُ الِاسْتِبْعادِ ؟ لَكِنْ صَرَّحَ بِجَوابٍ آخَرَ يُبْرِئُ العَلِيلَ ويَشْفِي الغَلِيلَ، وتَطَأْطَأُ مِنهُ الرُّءُوسُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ سُؤالِهِمُ الفاسِدِ ﴿هُوَ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أصابَكم كائِنٌ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ أنَّها السَّبَبُ لَهُ حَيْثُ خالَفَ الرُّماةُ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ وحَرَصُوا عَلى الغَنِيمَةِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ حَيْثُ إنَّكم قَدِ اخْتَرْتُمْ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ مِنكم سَبْعُونَ في مُقابَلَةِ الفِداءِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِن أُسارى بَدْرٍ، وعُزِيَ هَذا إلى الحَسَنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وآخَرُونَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَرِهَ ما فَعَلَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتَضْرِبَ أعْناقَهم، وإمّا أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتَلَ مِنهم عِدَّتُهم، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا عِدَّتُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ، أوْ حَيْثُ اخْتَرْتُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ ولَمْ تَبْقَوْا حَتّى تُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ فِيها»، قالَهُ الرَّبِيعُ وغَيْرُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلُهم، فَقالَ لَهُ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نَقْتُلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَضَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأمْرٍ وعَرَضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ فَقُلْ لَهُ أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ، فَقالَ لَهُ: إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟ قالَ: سَتَرَوْنَها»، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ الوَعْدَ بِالنَّصْرِ كانَ بَعْدَ اخْتِيارِ الخُرُوجِ، وأنَّ عَمَلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِمُوجَبِهِ قَدْ رَفَعَ الخَطَرَ عَنْهُ، وخَفَّفَ جِنايَتَهم فِيهِ عَلى أنَّ اخْتِيارَ الخُرُوجِ والإصْرارَ عَلَيْهِ كانَ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ، وأيْنَ هم مِنَ التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّ الإباءَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ المَنعِ كَيْفَ والنَّصْرُ المَوْعُودُ كانَ مَشْرُوطًا بِما يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ حُصُولِهِ، وبِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ قَدْ عَمِلَ بِمُوجَبِهِ، لَكِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ الكَرِيمَةُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُنْبَسِطَةً لِذَلِكَ، ولا قَلْبُهُ الشَّرِيفُ مائِلًا إلَيْهِ، وكَأنَّ سِهامَ الأقْدارِ نَفَذَتْ حِينَ خالَفُوا رَأْيَهُ السّامِيَ، وعَدَلُوا عَنِ الوُرُودِ مِن عَذْبِ بَحْرِ عَقْلِهِ الطّامِيِّ كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ: ”وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ“ وقَوْلُهُ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ عَنْها: خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟ ”سَتَرَوْنَها“ فَإنَّ ذَلِكَ كالصَّرِيحِ في عَدَمِ الرِّضا والفَصِيحِ في اسْتِيجابِ ذَلِكَ الِاخْتِيارِ نُزُولَ القَضاءِ، وبِأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ المُتَسَبِّبِينَ هُمُ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ صفحة 117 الكَلِمَةِ لِيَضُرَّ اسْتِشْهادُ المُخْتارِينَ لِلْخُرُوجِ في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِقَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ فُلانًا، والقاتِلُ مِنهم أُناسٌ مَخْصُوصُونَ لَمْ يُوجَدُوا وقْتَ الخِطابِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في المُحاوَراتِ، عَلى أنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ المُتَفَوِّهِينَ هي قَتْلُ أُولَئِكَ المُسْتَشْهَدِينَ نَصٌّ في التَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، فَيُناسِبُهُ التَّعْرِيضُ بِهِمْ بِنِسْبَةِ القُصُورِ إلَيْهِمْ لِيَهُونَ هَذا التَّأسُّفُ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ شُؤْمَ الِانْحِرافِ عَنْ سَمْتِ إرادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُمُّ الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ اسْتِشْهادَ أُولَئِكَ المُصِرِّينَ شاهِدٌ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في تِلْكَ المُصِيبَةِ، ولِهَذا اسْتَشُهِدُوا لِيَذْهَبُوا إلى رَبِّهِمْ عَلى أحْسَنِ حالٍ. هَذا ولا يَخْفى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الذّاهِبِينَ إلى تَفْسِيرِ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ وتَبَعِيَّةِ أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ جَماعَةٌ أجِلّاءُ يَبْعُدُ نِسْبَةُ الغَلَطِ إلَيْهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَدَبَّرْ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (165) ومِن جُمْلَتِهِ النَّصْرُ عِنْدَ المُوافَقَةِ، والخِذْلانُ عِنْدَ المُخالَفَةِ، وحَيْثُ خالَفْتُمْ أصابَكم سُبْحانَهُ بِما أصابَكم، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها داخِلٌ تَحْتِ الأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنها تَطْيِيبُ أنْفُسِهِمْ ومَزْجُ مَرارَةِ التَّقْرِيعِ بِحَلاوَةِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى نُصْرَتِكم بَعْدُ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، فَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ، واعْتِناءً بِشَأْنِ التَّطْيِيبِ وإرْشادًا لَهم إلى حَقِيقَةِ الحالِ فِيما سَألُوا عَنْهُ، وبَيانًا لِبَعْضِ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ.

آل عمران 3:166

ورَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ الجَوابِ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ بِرَفْعِ الواسِطَةِ وجَوابِ سُؤالِهِمْ بِأبْسَطِ عِبارَةٍ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أصابَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّكْبَةِ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنكم ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيُّ جَمْعُكم وجَمْعُ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ أُحُدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ - لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ أُحُدٍ، ويَوْمُ بَدْرٍ - بَعِيدٌ جِدًّا ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: بِتَخْلِيَتِهِ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (أصابَكُمْ) صِلَتُهُ، وبِإذْنِ اللَّهِ: خَبَرُهُ. والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ يَكُونُ ويَحْصُلُ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، ووَجْهُ السَّبَبِيَّةِ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذِ الإصابَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْإرادَةِ ولا لِلتَّخْلِيَةِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَهو مِن قَبِيلِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَيْدَ الأوامِرِ قَدْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ وقَدْ يَكُونُ لِلطّالِبِ، وكَذا الإخْبارُ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا أيْ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، ودُخُولُ الفاءِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مُشْكِلٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ زائِدَةً في الخَبَرِ إلّا بِشُرُوطٍ، مِنها أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مُسْتَقْبَلَةً في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ لِلشَّبَهِ بِالشَّرْطِ، والشَّرْطُ إنَّما يَكُونُ في الِاسْتِقْبالِ لا في الماضِي، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي أتانِي أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ، و(أصابَكُمْ) هُنا ماضٍ مَعْنًى كَما أنَّهُ ماضٍ لَفْظًا؛ لِأنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْمَلُ عَلى التَّبَيُّنِ أيْ وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم فَهو بِإذْنِ اللَّهِ كَما تَأوَّلُوا ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وإذا صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَلْيُجْعَلْ (ما) هُنا شَرْطًا صَرِيحًا، وتَكُونُ الفاءُ داخِلَةً وُجُوبًا لِكَوْنِها واقِعَةً جَوابًا لِلشَّرْطِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ (166) عَطْفٌ عَلى بِإذْنِ اللَّهِ، مِن عَطْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمُرادُ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ويَثْبُتَ لَدَيْهِمْ إيمانُ المُؤْمِنِ.

آل عمران 3:167

صفحة 118 ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِهِ، وإعادَةُ الفِعْلِ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، أوْ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الِانْتِظامِ في قَرْنِ المُنافِقِينَ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ العِلْمِ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِالفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ تَعَلُّقِهِ السّابِقِ، وبِالمُنافِقِينَ عَلى نَهْجٍ جَدِيدٍ وهو السِّرُّ - كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - في إيرادِ الأوَّلِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والآخِرِينَ بِمَوْصُولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ نِفاقًا خاصًّا أظْهَرُوهُ في ذَلِكَ المَقامِ. وقِيلَ: ابْتِداءُ كَلامٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ وبَيَّنَ أنَّ الدّائِرَةَ إنَّما كانَتْ لِلِابْتِلاءِ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إصابَةِ المُؤْمِنِينَ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْرَدَ قِصَّةً مِن قَصَصِهِمْ مُناسِبَةً لِهَذا المَقامِ مُسْتَطْرَدَةً، وجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِأصْلِ الكَلامِ، والنِّفاقُ عَلى هَذا مُطْلَقٌ مُتَعارَفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ أوْ عَدَمِ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ. وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، القائِلُ إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الأصَمُّ، وإمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، ومَقُولُ القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهم خُيِّرُوا بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِدَفْعِ الكُفّارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ دَفْعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قاتِلُوا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلنِّفاقِ الدّافِعِ عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم، وتُرِكَ العاطِفُ الفاءُ أوِ الواوُ بَيْنَ (تَعالَوْا)، و(قاتِلُوا) لِما أنَّ المَقْصُودَ بِهِما واحِدٌ وهو الثّانِي، وذُكِرَ الأوَّلُ تَوْطِئَةً لَهُ وتَرْغِيبًا فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ، وقِيلَ: تُرِكَ العاطِفُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: الأمْرُ الثّانِي حالٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما صَنَعُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكم، ولَكِنْ لا نَرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ. أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وقِيلَ: أرادُوا إنّا لا نُحْسِنُ القِتالَ ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ لِأنَّ العِلْمَ بِالفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْيِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوا نَفْيَ عِلْمِ القِتالِ كِنايَةً عَنْ أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ قِتالًا بِناءً عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ القِتالَ يَسْتَدْعِي التَّكافُؤَ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ رَجاءِ مُدافَعَةٍ أوْ مُغالَبَةٍ، ومَتى لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ كانَ إلْقاءُ الأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ لاتَّبَعْناكم، أوْ لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا مَعَنا لاتَّبَعْناكم، لَكِنْ لَيْسَ لِلْمُخالِفِ مَعَنا مُضادَّةٌ ولا قَصْدٌ لَهُ إلّا مَعَكم، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ يَصْلُحُ وُقُوعُهُ جَوابًا لِما قِيلَ لَهم عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ يَصْلُحُ هَذا جَوابًا لَهُ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الثّانِي، إذْ عَدَمُ المَعْرِفَةِ بِالقِتالِ لا يَكُونُ عُذْرًا في عَدَمِ تَكْثِيرِ السَّوادِ إلّا عَلى بُعْدٍ، ومِن كَلامِهِمْ: إنْ لَمْ تُقاتِلْ يا جَبانُ فَشَجِّعْ. والمُرادُ بِالِاتِّباعِ إمّا الذَّهابُ لِلْقِتالِ ولَمْ يُعَبِّرُوا بِهِ لِأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَمالِ تَثَبُّطِ قُلُوبِهِمْ عَنْهُ لا تُساعِدُهم عَلى الإفْصاحِ بِهِ، وأمّا الذَّهابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لِلْقِتالِ أوْ لِلدَّفْعِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ وحَمْلُهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ قِتالًا لامْتَثَلْنا أمْرَكم لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ. صفحة 119 ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ أيْ هم يَوْمَ إذْ قالُوا ﴿لَوْ نَعْلَمُ﴾ إلَخْ أقْرَبُ لِلْكُفْرِ مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ لِظُهُورِ أمارَتِهِ عَلَيْهِمْ بِانْخِذالِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ واعْتِذارِهِمْ لَهم عَلى وجْهِ الدَّغَلِ والِاسْتِهْزاءِ. والظُّرُوفُ كُلُّها في المَشْهُورِ عِنْدَ المُعَرِّبِينَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأقْرَبَ، ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ حَرْفا جَرٍّ أوْ ظَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ إلّا في ثَلاثِ صُوَرٍ: إحْداها أنْ يَتَعَلَّقَ أحَدُهُما بِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الآخَرُ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالأوَّلِ، وثانِيَتُها أنْ يَكُونَ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ بِبَدَلِيَّةٍ ونَحْوِها، وثالِثَتُها أنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ لِتَضَمُّنِهِ الفاضِلَ والمَفْضُولَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِ المُتَعَلِّقِ كَما في المُقَيَّدِ والمُطْلَقِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ قُرْبُهم مِنَ الكُفْرِ يَزِيدُ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ الإيمانِ، واللّامُ الجارَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى إلى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ صِلَةَ القُرْبِ تَكُونُ مِن وإلى لا غَيْرَ، تَقُولُ: قَرُبَ مِنهُ وإلَيْهِ، ولا تَقُولُ لَهُ، أوْ عَلى حالِها بِناءً عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ القُرْبَ الَّذِي هو ضِدُّ البُعْدِ يَتَعَدّى بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ: اللّامُ وإلى ومِن، وقِيلَ: إنَّ (أقْرَبَ) هُنا مِنَ القَرْبِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو طَلَبُ الماءِ ومِنهُ القارِبُ لِسَفِينَتِهِ، ولَيْلَةُ القَرْبِ أيِ الوُرُودِ، والمَعْنى هم أطْلُبُ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يُتَعَدّى بِاللّامِ اتِّفاقًا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللّامَ هُنا لِلتَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ هم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ (أقْرَبُ) مِنَ الكافِرِينَ مِنهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِمَزِيدِ بُعْدِهِ ورَكاكَةِ نَظْمِهِ لَوْ صَرَّحَ بِما حُذِفَ فِيهِ. وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مُضافٌ وهو أهْلٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَمْيِيزٍ مَحْذُوفٍ وهو نُصْرَةٌ، والمَعْنى هم لِأهْلِ الكُفْرِ (أقْرَبُ) نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا لِزَيْدٍ أشَدُّ ضَرْبًا مِنِّي لِعَمْرٍو، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ عَدَمِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أيْضًا، وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الآتِيَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لا يُكَفَّرُ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُظْهِرِ القَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: (أقْرَبُ) فَهو لِلْيَقِينِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهم مَعَ هَذا لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُعامَلُوا بِذَلِكَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ ولَعَلَّهُ لِأمْرٍ آخَرَ. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ مُطْلَقًا لا في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَطْ ولِذا فُصِّلَتْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (أقْرَبُ) وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالأفْواهِ إمّا بَيانٌ لِأنَّهُ كَلامٌ لَفْظِيٌّ لا نَفْسِيٌّ، وإمّا تَأْكِيدٌ عَلى حَدِّ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ والقُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ وتَوْضِيحٌ لِمُخالَفَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ، وإنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ إمّا نَفْسُ الكَلامِ الظّاهِرِ في اللِّسانِ تارَةً، وفي القَلْبِ أُخْرى، فالمُثْبَتُ والمَنفِيُّ مُتَّحِدانِ ذاتًا وصِفَةً، وإنِ اخْتَلَفا مَظْهَرًا، وإمّا القَوْلُ المَلْفُوظُ فَقَطْ فالمَنفِيُّ حِينَئِذٍ مَنشَؤُهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ القَوْلُ أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِن شَدَّةِ الِاتِّصالِ، والمَعْنى يَتَفَوَّهُونَ بِقَوْلٍ لا وُجُودَ لَهُ أوْ لِمَنشَئِهِ في قُلُوبِهِمْ أصْلًا مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَكى عَنْهم آنِفًا، فَإنَّهم أظْهَرُوا فِيهِ أمْرَيْنِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُما، أحَدُهُما عَدَمُ العِلْمِ بِالقِتالِ، والآخَرُ الِاتِّباعُ عَلى تَقْدِيرِ العِلْمِ بِهِ، وقَدْ كَذَبُوا فِيهِما كَذِبًا بَيِّنًا، حَيْثُ كانُوا عالِمِينَ بِهِ مُصِرِّينَ مَعَ ذَلِكَ عَلى الِانْخِذالِ عازِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ (ما) عِبارَةً عَنِ القَوْلِ المَلْفُوظِ، ومَعْنى كَوْنِهِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لَهم ولا مُتَصَوَّرٍ عِنْدَهم إلّا كَتَصَوُّرِ زَوْجِيَّةِ الثَّلاثَةِ مَثَلًا، والحُكْمُ عامٌّ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ ما تَفَوَّهُوا بِهِ مِن مَجْمُوعِ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لا خُصُوصَ المُقَدَّمِ فَقَطْ، ولا خُصُوصَ صفحة 120 التّالِي فَقَطْ، ولا الأمْرانِ مَعًا دُونَ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ في القَضِيَّةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أوْلى. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ بِبَيانِ اشْتِغالِ قُلُوبِهِمْ بِما يُخالِفُ أقْوالَهم مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ إثْرَ بَيانِ خُلُّوِهِمْ عَمّا يُوافِقُها، والمُرادُ أعْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ، والمُؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ النِّفاقُ، وأنَّ المُرادَ أعْلَمُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ نَتِيجَةَ أسْرارِهِمْ وآمالِهِمْ.

آل عمران 3:168

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ يَكْتُمُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُ الَّذِينَ قالُوا، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قُلْ فادْرَءُوا بِحَذْفِ العائِدِ أيْ قُلْ لَهم إلَخْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ، وجاءَ إبْدالُ المُظْهَرِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ بِجَرِّ حاتِمٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ جُودِهِ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ، والمَعْنى يَقُولُونَ بِأفْواهِ الَّذِينَ قالُوا، أوْ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا، والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المَطِيَّ ولا ∗∗∗ يَشْرَبُ كَأْسًا مِن كَفِّ مَن بَخِلا والقائِلُ كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ لِذَوِي قَرابَتِهِمْ أوْ لِمَن هو مِن جِنْسِهِمْ ﴿وقَعَدُوا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقَدْ مُرادُهُ أيْ قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قالُوا ومَعْمُولِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في تَرْكِ القِتالِ ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ألْفِ رَجُلٍ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَّما خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السَّلَمِيُّ يَدْعُوهم، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالُوا لَهُ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا»، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَعْيَ قَوْلِهِمْ لَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( الَّذِينَ قالُوا ) إلَخْ، وبَعْضُهم حَمَلَ القُعُودَ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ المُقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعَلَ الإطاعَةَ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ - ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ - بَلْ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًا بِهِمْ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُشاوَرَةِ. ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ فادْفَعُوا عَنْها ذَلِكَ وهو جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (168) عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ شَرْطُ حَذْفِ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ﴿فادْرَءُوا﴾ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ لَمْ يَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم مِن أنَّ سَبَبَ نَجاتِهِمُ القُعُودُ عَنِ القِتالِ، والمُرادُ أنَّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ سَبَبَ النَّجاةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، ولَوْ فُرِضَ اسْتِقامَتُهُ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ غايَتُهُ أنَّ القُعُودَ صفحة 121 والنَّجاةَ وُجِدا مَعًا وهو لا يَدُلُّ عَلى السَّبَبِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَهْرُوبَ عَنْهُ بِالذّاتِ هو المَوْتُ الَّذِي القَتْلُ أحَدُ أسْبابِهِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ في إمْكانِ المُدافِعَةِ بِالحِيَلِ وامْتِناعِها سَواءٌ، وأنْفُسَكم أعَزُّ عَلَيْكم، وأمْرَها أهَمُّ لَدَيْكم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ ما صُرِّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿فادْرَءُوا﴾ إلَخِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ ﴿فادْرَءُوا﴾ جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا كَما دَرَأْتُمْ بِزَعْمِكم هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، وفي الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِنهم سَبْعُونَ مُنافِقًا بِعَدَدِ مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ.

آل عمران 3:169

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى لَنا» وفي لَفْظٍ: «قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا أنَّنا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ يا جابِرُ ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا ؟ فَقُلْتَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا، فَقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أباكَ ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا وقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ. قالَ: أيْ رَبِّي فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ "» . ولا تَنافِيَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كِلا الأمْرَيْنِ قَدْ وقَعَ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ لَهُما، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى نُزُولِها في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «حَدَّثَنِي أنَسٌ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بِئْرِ مَعُونَةَ وساقَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ - إلى أنْ قالَ - وحَدَّثَنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلَخْ» . ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وادَّعى العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، وأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ هي النّازِلَةُ فِيهِمْ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ مِنهُ لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلى الخِطابِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: ( لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ) وإنَّما عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِالظَّنِّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وقُرِئَ ( يَحْسَبَنَّ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يُحْسَبُ عَلى طَرَزِ ما ذُكِرَ في الخِطابِ، وقِيلَ: إلى الَّذِينَ قُتِلُوا والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسُهم أمْواتًا. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ هَذا الحَذْفَ لَكِنَّهُ عِنْدَهم عَزِيزٌ جِدًّا، ومَنَعَهُ إبْراهِيمُ بْنُ مَلَكُونَ الإشْبِيلِيُّ البَتَّةَ، وما كانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا عِنْدَ الجُمْهُورِ يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّعَصُّبِ لِأنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في بابِ الحُسْبانِ لا يَمْنَعُ اخْتِصارًا صفحة 122 عَلى الصَّحِيحِ بَلِ اقْتِصارًا، و(ما) هُنا مِنَ الأوَّلِ فَيَجُوزُ مَعَ أنَّهُ جَوَّزَ الِاقْتِصارَ بَعْضُهم ويَكْفِي لِلتَّخْرِيجِ مِثْلُهُ. وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في هَذا البابِ مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وظاهِرُ صَنِيعِ البَعْضِ يُفْهَمُ مِنهُ تَقْدِيرُهُ مُضْمَرًا، أيْ ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، والمُرادُ لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهم، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِشَيْءٍ آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لَيْسَ هَذا مِنها، ورَدَّهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا مِنها، لَكِنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الفاعِلِ لَفْظًا جائِزٌ، لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ مَعْنًى، وتَعَدِّي أفْعالِ القُلُوبِ إلى ضَمِيرِ الفاعِلِ جائِزٌ، وقَدْ ظَنَّ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُ عَلى جَوازِ ظَنِّهِ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا وظَنَّهُما الزَّيْدانِ مُنْطَلِقَيْنِ، وهَذا نَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ هَذا البَعْضُ، فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغَرابَةِ، ثُمَّ المُرادُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلى المَقْتُولِينَ تَنْبِيهُ السّامِعِينَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَسَلَّوْا بِذَلِكَ، ويُبَشَّرُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، لَكِنْ لا في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ، بَلْ عِنْدَ ابْتِداءِ القَتْلِ، إذْ بَعُدَ تَبَيُّنِ حالِهِمْ لَهم لا تَبْقى لِاعْتِبارِ تَسْلِيَتِهِمْ وتَبْشِيرِهِمْ فائِدَةٌ، ولا لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ وتَذْكِيرِهِمْ وجْهٌ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. وقِيلَ: هو نَهْيٌ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ، وإنْ قَلَّ، أوْ هو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانِهِمْ أنْفُسَهم أمْواتًا في وقْتٍ ما، وإنْ كانُوا وقْتَ الخِطابِ عالِمِينَ بِحَياتِهِمْ، وقُرِئَ (ولا تَحْسِبَنَّ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ. ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ بَلِ احْسَبْهم أحْياءً، ورَدَّهُ الفارِسِيُّ بِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ فَلا يُؤْمَرُ فِيهِ بِحُسْبانٍ، وإضْمارُ غَيْرِ فِعْلِ الحُسْبانِ كاعْتَقِدْهم أوِ اجْعَلْهم ضَعِيفٌ إذْ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ اجْعَلْهم قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ البَتَّةَ سَواءٌ جَعَلْتَهُ بِمَعْنى أخْلَقَهم أوْ صَيَّرَهم أوْ سَمَّهم أوْ ألَّفَهم، نَعَمْ قالَ السَّفاقُسِيُّ: يَصِحُّ إذا كانَ بِمَعْنى اعْتَقِدْهم، لَكِنْ يَبْقى حَدِيثُ عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى حالِهِ، وأجابَ الجَلَبِيُّ بِأنَّ عَدَمَ الدَّلالَةِ اللَّفْظِيَّةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ إذا أرْشَدَ المَعْنى إلى شَيْءٍ قُدِّرَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وإنْ كانَتْ دَلالَةُ اللَّفْظِ أحْسَنَ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: لا مَنعَ مِنَ الأمْرِ بِالحُسْبانِ لِأنَّهُ ظَنٌّ لا شَكٌّ، والتَّكْلِيفُ بِالظَّنِّ واقِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ أمْرًا بِالقِياسِ وتَحْصِيلِ الظَّنِّ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ اليَقِينُ، ويُقَدَّرُ أحْسَبُهم لِلْمُشاكَلَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَعَسُّفٌ؛ لِأنَّ الحَذْفَ في المُشاكَلَةِ لَمْ يُعْهَدْ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، أوْ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، و(عِنْدَ) هُنا لَيْسَتْ لِلْقُرْبِ المَكانِيِّ لِاسْتِحالَتِهِ ولا بِمَعْنى في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذا لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ، بَلْ بِمَعْنى القُرْبِ والشَّرَفِ أيْ ذَوُو زُلْفى ورُتْبَةٍ سامِيَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُناسِبٌ لِلْمَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّحَقُّقِ، أيْ أنَّ حَياتَهم مُتَحَقِّقَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها، ولا يَخْفى أنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ، فَتَفْسِيرُ العِنْدِيَّةِ بِالقُرْبِ أنْسَبُ بِهِ. وفِي الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى التَّحَقُّقِ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لَهم. ﴿يُرْزَقُونَ﴾ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ في الظَّرْفِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حَياتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَوْلُ بِأنَّ أرْواحَهم تَتَعَلَّقُ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ فَتَلْتَذُّ بِذَلِكَ وتَكْتَسِبُ زِيادَةَ كَمالٍ قَوْلٌ هابِطٌ إلى الثَّرى، ولا أظُنُّ القائِلَ بِهِ قَرَعَ سَمْعَهُ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ والأخْبارُ الصَّرِيحَةُ، بَلْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، ولا تَراءى لَهُ مَنهَجُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ، وخَبَرُ القَنادِيلِ لا يُنَوِّرُ كَلامَهُ، ولا يُزِيلُ ظَلامَهُ. صفحة 123 فَلَعَمْرِي إنَّ حالَ الشُّهَداءِ وحَياتَهم وراءَ ذَلِكَ.

آل عمران 3:170

﴿فَرِحِينَ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُرْزَقُونَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، وأنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، أوِ الوَصْفِيَّةِ لِأحْياءٍ في قِراءَةِ النَّصْبِ ومَعْناهُ مَسْرُورِينَ. ﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الدُّنْيا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتاهم، و(مِن) إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ بِما آتاهُمُوهُ حالَ كَوْنِهِ كائِنًا بَعْضُ فَضْلِهِ. والمُرادُ بِهَذا المُؤْتى ضُرُوبُ النِّعَمِ الَّتِي يَنالُها الشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ بَعْدَ الشَّهادَةِ، أوْ نَفْسُ الفَوْزِ بِالشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ، وأصْلُ الِاسْتِبْشارِ طَلَبُ البِشارَةِ وهو الخَبَرُ السّارُّ إلّا أنَّ المَعْنى هُنا عَلى السُّرُورِ اسْتِعْمالًا لِلَّفْظِ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو اسْتِئْنافٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى فَرِحِينَ لِتَأْوِيلِهِ بِيَفْرَحُونَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وهم يَسْتَبْشِرُونَ فَتَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فَرِحِينَ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في آتاهم، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جَعْلِها حالًا لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا كانَ حالًا لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا، والمَعْنى أنَّهم بَقُوا بَعْدَهم وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يَلْحَقُوا أيْ لَمْ يَلْحَقُوهم مُتَخَلِّفِينَ عَنْهم باقِينَ بَعْدُ في الدُّنْيا. ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حُسْنِ حالِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهم أحْياءً، وهو أنَّهم عِنْدَ قَتْلِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَفُوزُونَ كَما فازُوا، ويَحُوزُونَ مِنَ النَّعِيمِ كَما حازُوا، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ لِئَلّا، أوْ بِأنْ لا وهو مَعْمُولٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِقُدُومِ إخْوانِهِمُ الباقِينَ بَعْدَهم إلَيْهِمْ لِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ إلَخْ، فالِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالأحْوالِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ يُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا، فَضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ عَلى هَذا راجِعٌ إلى (الَّذِينَ) الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ إلى الثّانِي. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ - الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا - بِالمُتَخَلِّفِينَ في الفَضْلِ عَنْ رُتْبَةِ الشُّهَداءِ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُقْتَلُوا بَلْ بَقُوا حَتّى ماتُوا في مَضاجِعِهِمْ، فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَنالُوا مَراتِبَ الشُّهَداءِ إلّا أنَّ لَهم أيْضًا فَضْلًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ لِمَزِيدِ فَضْلِ الجِهادِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، وإنْ كانَ فَضْلُ الغُزاةِ وإنْ لَمْ يُقْتَلُوا مِمّا لا يَتَناطَحُ فِيهِ كَبْشانِ. و(أنْ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هي المُخَفَّفَةُ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، والمَعْنى (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فِيمَن خَلَّفُوهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم. ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى ما خَلَّفُوا مِن أمْوالِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجْزَلَ لَهُمُ العِوَضَ، أوْ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فِيما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَحَّصَ ذُنُوبَهم بِالشَّهادَةِ، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى مُفارَقَةِ الدُّنْيا فَرَحًا بِالآخِرَةِ، أوْ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ فَإنَّهُ عَيْنُ الحَياةِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُرْغَبَ فِيها فَضْلًا عَنْ أنْ يُخافَ ويُحْذَرَ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى المُفارَقَةِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا هَذَيْنِ المَنفِيَّيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَخافُونَ وُقُوعَ مَكْرُوهٍ مِن أهْوالِها، ولا يَحْزَنُونَ صفحة 124 مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ مِن نَعِيمِها وهو وجْهٌ وجِيهٌ. والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ ذَلِكَ لا بِيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، فَإنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وقَدْ تَقَدَّمْتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

آل عمران 3:171

﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ (171) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ غَمٌّ يَلْحَقُ الإنْسانَ مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِنَ السُّوءِ، والحُزْنَ غَمٌّ يَلْحَقُهُ مِن فَواتِ نافِعٍ أوْ حُصُولِ ضارٍّ، فَمَن كانَ مُتَقَلِّبًا في نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٍ مِنهُ سُبْحانَهُ فَلا يَحْزَنُ أبَدًا، ومَن جُعِلَتْ أعْمالُهُ مَشْكُورَةً غَيْرَ مُضَيَّعَةٍ فَلا يَخافُ العاقِبَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانُ ذَلِكَ النَّفْيِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ مِن غَيْرِ ضَمِّ ما بَعْدَهُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الِاسْتِبْشارُ الأوَّلُ بِدَفْعِ المَضارِّ ولِذا قُدِّمَ، والثّانِي بِوُجُودِ المَسارِّ، أوِ الأوَّلُ لِإخْوانِهِمْ والثّانِي لَهم أنْفُسُهم، ومِنَ النّاسِ مَن أعْرَبَ ( يَسْتَبْشِرُونَ ) بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ولِذا لَمْ تَدْخُلْ واوُ العَطْفِ عَلَيْهِ، و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِنِعْمَةٍ - مُؤَكَّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وجُمِعَ الفَضْلُ والنِّعْمَةُ مَعَ أنَّهُما كَثِيرًا ما يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ ما خَصَّهم بِهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ نِعْمَةً عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ مِن غَيْرِ مُضاعَفَةِ سُرُورٍ ولَذَّةٍ، بَلْ زائِدٌ عَلَيْها مُضاعِفٌ فِيها ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وعَطَفَ وأنَّ عَلى ( فَضْلٍ ) أوْ عَلى (نِعْمَةٍ) وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَضْمُونُ ما بَعْدَها داخِلٌ في المُسْتَبْشَرِ بِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْصُولَ الآتِيَ تابِعٌ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِسُمُوِّ مَرْتَبَةِ الإيمانِ وكَوْنِهِ مَناطًا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ، وإمّا كافَّةُ المُؤْمِنِينَ، وذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ المُسْتَبْشَرِ بِهِ عَلى ما اقْتَضاهُ العَطْفُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ كَثِيرٌ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَمَعَتِ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم سِوى الشُّهَداءِ، وقَلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الأنْبِياءَ وثَوابًا أعْطاهم إلّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعْطى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِهِمْ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ وأُجُورُهُ مُضَيَّعَةٌ.

آل عمران 3:172

﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ أطاعُوا ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ بِامْتِثالِ الأوامِرِ ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ أيْ نالَهُمُ الجِراحُ يَوْمَ أُحُدٍ، والمَوْصُولُ في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هم، أوْ مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (172) قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وهو الأشْبَهُ. و(مِنهُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْسَنُوا) و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم - وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلْبَيانِ، فالكَلامُ حِينَئِذٍ فِيهِ تَجْرِيدٌ جَرَّدَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ المُحْسِنَ المُتَّقِيَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ؛ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنهُ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأنْ لا يَخْرُجَ مَعَنا أحَدٌ إلّا أحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ صفحة 125 أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ وقالَ: يا بُنَيَّ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأقامَ بِها يَوْمَ الإثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ مَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ، وكانَتْ خُزاعَةُ مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِتِهامَةَ صَفْقَتُهم مَعَهُ لا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كانَ بِها، ومَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أما واللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنا ما أصابَكَ في أصْحابِكَ ولَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عافاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِحَمْراءِ الأسَدِ حَتّى لَقِيَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِالرَّوْحاءِ، وقَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وقالُوا: أصَبْنا أجَلَّ أصْحابِهِ وقادَتَهم وأشْرافَهم ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهم لَنَكُرَّنَّ عَلَيْهِمْ فَلَنَفْرَغَنَّ مِنهم، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ وهم يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم تَحَرُّقًا، وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ في يَوْمِكم، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ عَلَيْكم شَيْءٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ. قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ ؟ قالَ: ما أرى واللَّهِ أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ. قالَ: فَواللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم. قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِمْ أبْياتًا مِنَ الشِّعْرِ. قالَ: وما قُلْتَ ؟ قالَ قُلْتُ: كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْمِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلَّتْ عَدْوًا كَأنَّ الأرْضَ مائِلَةٌ ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ وقُلْتُ ويْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِن لِقائِهِمْ ∗∗∗ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاءُ بِالخَيْلِ إنِّي نَذِيرٌ لِأهْلِ النَّبْلِ ضاحِيَةً ∗∗∗ لِكُلِّ آرِبَةٍ مِنهم ومَعْقُولِ مِن خَيْلِ أحْمَدَ لا وخْشًا تَنابِلَةً ∗∗∗ ولَيْسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بِالقِيلِ فَثَنى عِنْدَ ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، ومَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ ؟ قالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ. قالَ: ولِمَ ؟ قالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ. قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسالَةً أُرْسِلُكم بِها إلَيْهِ وأحْمِلُ هَذِهِ لَكم غَدًا زَبِيبًا بِعُكاظٍ إذا وافَيْتُمُوهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: إذا وافَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُوهُ أنْ قَدْ أجْمَعْنا السَّيْرَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ هِشامٍ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أرادَ الرُّجُوعَ إلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: لا تَفْعَلُوا فَإنَّ القَوْمَ قَدْ جَرَّبُوا، وقَدْ خَشِينا أنْ يَكُونَ لَهم قِتالٌ غَيْرَ الَّذِي كانَ فارْجِعُوا إلى مَحالِّكم، فَرَجَعُوا، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ أنَّهم هَمُّوا بِالرَّجْعَةِ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَوَّمْتُ لَهم حِجارَةً لَوْ صَبَّحُوا بِها لَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ»، وإلى هَذا ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

آل عمران 3:173

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ( ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ ) أوْ صِفَةٌ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ: الأوَّلُ: رَكْبُ عَبْدِ قَيْسٍ، ومِنَ الثّانِي: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، فَألْ فِيهِما لِلْعَهْدِ، والنّاسُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ. صفحة 126 ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: والخَبَرُ مُتَداخِلٌ، «نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ ما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِن ناحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرانِ، وقِيلَ: بَلَغَ عُسْفانَ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الرُّعْبَ فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذِهِ عامُ جَدْبٍ، ولا يَصْلُحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي، وأكْرَهُ أنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ ولا أخْرُجُ أنا فَيَزِيدُهم ذَلِكَ جُرْأةً، فالحَقِ المَدِينَةَ فَتُثَبِّطُهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ أضَعُها عَلى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى نُعَيْمٌ المَدِينَةَ فَوَجَدَ النّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ فَقالَ لَهم: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأْيُكم أتَوْكم في دِيارِكم وقَرارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم إلّا شَرِيدٌ، فَتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا إلَيْهِمْ وقَدْ جَمَعُوا لَكم عِنْدَ المَوْسِمِ، فَواللَّهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَكَرِهَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الخُرُوجَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي، فَخَرَجَ ومَعَهُ سَبْعُونَ راكِبًا يَقُولُونَ: (حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ) حَتّى وافى بَدْرًا فَأقامَ بِها ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ فَسَمّاهم أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ يُرِيدُونَ أنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا سِوى شُرْبِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَكَرَّ راجِعًا إلى المَدِينَةِ»، وفي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ أوْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وعَدْنا أبا سُفْيانَ وعْدًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعادِهِ صِدْقًا وما كانَ وافِيا فَأُقْسِمُ لَوْ وافَيْتَنا فَلَقِيتَنا ∗∗∗ لَأُبْتَ ذَمِيمًا وافْتَقَدْتَ المَوالِيا تَرَكْنا بِهِ أوْصالَ عُتْبَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ وعَمْرًا أبا جَهْلٍ تَرَكْناهُ ثاوِيا عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكم ∗∗∗ وأمْرِكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي كانَ غاوِيا وإنِّي وإنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقائِلٌ ∗∗∗ فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أهْلِي ومالِيا أطَعْناهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينا بِغَيْرِهِ ∗∗∗ شِهابًا لَنا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هادِيا فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ النّاسِ الأوَّلُ نُعَيْمٌ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَما يُطْلَقُ الجَمْعُ واسْمُ الجَمْعِ المُحَلّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مَجازًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُذِيعِينَ لَهُ كالقائِلِينَ لَهم لَكِنْ في كَوْنِ القائِلِ نُعَيْمًا مَقالٌ. وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ القائِلِينَ أُناسٌ مِن عَبْدِ قَيْسٍ. ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرٍ قالَ: أوْ لِفاعِلِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، أوْ لِلَّهِ تَعالى، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا النُّطْقُ بِهِ لا هو في نَفْسِهِ، وكَذا الثّالِثُ بِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظُ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ لا عَلى المُفْرَدِ فَيُقالُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ: مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقُهُ شابَ، وفي كِلا التَّعْقِيبَيْنِ نَظَرٌ، أمّا الأوَّلُ فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ بِأنَّ المَقُولَ هو الَّذِي في الحَقِيقَةِ حَصَلَ بِهِ زِيادَةُ الإيمانِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ جَوازُهُ بِناءً عَلى ما عُلِمَ مِنِ اسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فِيما لَهُ لَفْظٌ ولَهُ مَعْنًى مِنِ اعْتِبارِ اللَّفْظِ تارَةً والمَعْنى أُخْرى. والمُرادُ أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ تَعالى، وازْدادُوا طُمَأْنِينَةً وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ. صفحة 127 واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وهَذا ظاهِرٌ إنْ جُعِلَتِ الطّاعَةُ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ، وأمّا إنْ جُعِلَ الإيمانُ نَفْسَ التَّصْدِيقِ والِاعْتِقادِ فَقَدْ قالُوا في ذَلِكَ: إنَّ اليَقِينَ مِمّا يَزْدادُ بِالأُلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ بِلا رَيْبٍ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، ومَن جَعَلَ الإيمانَ نَفْسَ التَّصْدِيقِ وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ يُؤَوِّلُ ما ورَدَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ زِيادَتَهُ مَجازٌ عَنْ زِيادَةِ ثَمَرَتِهِ وظُهُورِ آثارِهِ وإشْراقِ نُورِهِ وضِيائِهِ في القَلْبِ، ونُقْصانُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الزِّيادَةَ هُنا مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ الحَمِيَّةِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يُثَبِّطُهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ هُنا خَفِيٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لِلْقَوْمِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عِنْدَ ذَلِكَ القَوْلِ شَيْءٌ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَوُجُوبِ صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ مَثَلًا لِيُقالَ: إنَّ زِيادَةَ إيمانِهِمْ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ المُتَعَلِّقِ، وكَذا التِزامُ التَّأْوِيلِ الثّانِي في الآياتِ والآثارِ الَّتِي لَمْ تَكَدْ تَتَمَنطَقُ بِمِنطَقَةِ الحَصْرِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ. فالأوْلى القَوْلُ بِقَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ نَفْسُ التَّصْدِيقِ، وكَوْنُهُ إذا نَقَصَ يَكُونُ ظَنًّا أوْ شَكًّا، ويَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ إيمانًا وتَصْدِيقًا مِمّا لا ظَنَّ ولا شَكَّ في أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ مَمْنُوعٌ. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ التَّصْدِيقُ بِمَرْتَبَةٍ إذا نَزَلَ عَنْها يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وذاكَ مِمّا لا نِزاعَ لِأحَدٍ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ النُّقْصانَ مَعَ بَقاءِ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وإلى هَذا أشارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ مُحْسِبُنا وكافِينا مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ حَسْبَ بِمَعْنى مُحْسِبٌ اسْمُ فاعِلٍ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ في هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَلَوْلا أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَإضافَةِ المَصْدَرِ ما صَحَّ كَوْنُهُ صِفَةً لِرَجُلٍ كَذا قالُوا، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ بِاسْمِ الفاعِلِ لَهُ حُكْمُهُ في الإضافَةِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (172) أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ تَعالى، والظّاهِرُ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها، والواوُ إمّا مِنَ الحِكايَةِ أوْ مِنَ المَحْكِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وقُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لِكَوْنِهِما حِينَئِذٍ في حُكْمِ المُفْرَدَيْنِ، فَأمْرُ العَطْفِ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ التَّأْوِيلِ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ. (قالُوا) لَكِنَّ القَوْلَ بِجَوازِ هَذا العَطْفِ بِدُونِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَمْنُوعٌ لا بُدَّ لَهُ مِن شاهِدٍ ولَمْ يَثْبُتْ. وإنْ كانَ الثّانِي وقُلْنا بِجَوازِ عِطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُطْلَقًا - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّفّارُ - أوْ قُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ أعْنِي عَطْفَ حاصِلِ مَضْمُونِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَلى حاصِلِ مَضْمُونِ الأُخْرى مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اللَّفْظِ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ العَلّامَةُ الثّانِي - فالأمْرُ أيْضًا ظاهِرٌ، وإنْ قُلْنا: بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ إمّا في جانِبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوْ في جانِبِ المَعْطُوفِ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً صُورَةٌ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنها إنْشاءُ التَّوَكُّلِ أوِ الكِفايَةُ لا الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى كافٍ في نَفْسِ الأمْرِ، والذّاهِبُونَ إلى الثّانِي اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قَدَّرَ قُلْنا أيْ - وقُلْنا نِعْمَ الوَكِيلُ -. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا يَنْساقُ الذِّهْنُ إلَيْهِ، ولا دَلالَةَ لِلْقَرِينَةِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يُوجَدُ بَيْنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيهِمْ والإخْبارِ بِأنَّهم قالُوا - نِعْمَ الوَكِيلُ - مُناسَبَةٌ مُعْتَدٌّ بِها يَحْسُنُ بِسَبَبِها العَطْفُ بَيْنَهُما، ومِنهم مَن جَعَلَ مَدْخُولَ الواوِ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ إمّا مُؤَخَّرًا لِتَناسُبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ (حَسْبُنا) خَبَرٌ، و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومَجِيءِ حَذْفِهِ في الِاسْتِعْمالِ وانْتِقالِ الذِّهْنِ إلَيْهِ، وإمّا مُقَدَّمًا رِعايَةً لِقُرْبِ المَرْجِعِ مَعَ ما سَبَقَ. صفحة 128 واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ - نِعْمَ الوَكِيلُ - بِمَقُولٍ في حَقِّهِ ذَلِكَ تَكُونُ الجُمْلَةُ أيْضًا إنْشائِيَّةً، إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي خَبَرُها إنْشاءٌ إنْشائِيَّةٌ كَما أنَّ الَّتِي خَبَرُها فِعْلٌ فِعْلِيَّةٌ بِحَسَبِ المَعْنى، كَيْفَ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وزَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلِ، في أنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنهُما نِسْبَةٌ غَيْرُ مُحْتَمِلَةٍ لِلصِّدْقِ والكَذِبِ، وبَعْدَ التَّأْوِيلِ لا يَكُونُ المَعْطُوفُ جُمْلَةَ (نِعْمَ الوَكِيلِ)، بَلْ جُمْلَةَ مُتَعَلِّقِ خَبَرِها (نِعْمَ الوَكِيلُ) والإشْكالُ إنَّما هو في عَطْفِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) إلّا أنْ يُقالَ يُخْتارُ هَذا، ويُقالُ: الجَوابُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ يَكُونُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وإبْداءِ شَيْءٍ آخَرَ، وقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وما هَهُنا مِنَ الثّانِي، فَمِن حَيْثُ الظّاهِرُ المَعْطُوفُ هو جُمْلَةُ (نِعْمَ الوَكِيلُ) فَيَعُودُ الإشْكالُ، ومِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ هو جُمْلَةُ هو مَقُولٌ، فَلا إشْكالَ، لَكِنْ يُرَدُّ أنَّهُ بَعْدَ التَّأْوِيلِ يَفُوتُ إنْشاءُ المَدْحِ العامِّ الَّذِي وُضِعَ أفْعالُ المَدْحِ لَهُ، بَلْ يَصِيرُ لِلْإخْبارِ بِالمَدْحِ الخاصِّ، وهو أنَّهُ مَقُولٌ في حَقِّهِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) وأيْضًا مَقُولِيَّةُ المَقُولِ المَذْكُورِ فِيهِ إنَّما تَكُونُ بِطَرِيقِ الحَمْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِنِعَمَ الوَكِيلِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَقُولٍ في حَقِّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَلْزَمُ تَقْدِيراتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وكَأنَّهُ لِهَذا لَمْ يُؤَوِّلِ الجُمْهُورُ الإنْشاءَ الواقِعَ خَبَرًا بِذَلِكَ، وإنَّما هو مُخْتارُ السَّعْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ مِنَ المَحْكِيِّ عَطَفَ (نِعْمَ الوَكِيلُ) عَلى (حَسْبُنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى الفِعْلِ كَما عُطِفَ (جَعَلَ) عَلى (فالِقُ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ عَلى رَأْيٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ خَبَرٌ عَنِ المُفْرَدِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لا مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، وهَذا وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لا غُبارَ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الرَّضِيُّ مِن أنَّ نِعْمَ الرَّجُلُ بِمَعْنى المُفْرَدِ وتَقْدِيرُهُ أيْ رَجُلٌ جَيِّدٌ، أظْهَرُ، كَما لا يَخْفى. ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ الآيَةَ شاهِدٌ عَلى جَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ بِناءً عَلى أنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا غَيْرَ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الواوِ كَذَلِكَ فِيها لا تَصْلُحُ شاهِدًا عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ (قالُوا) مُقَدَّرًا في المَعْطُوفِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ كَما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في الآيَةِ عَطْفٌ عَلى الإخْبارِ، وفِيهِ الخِلافُ الَّذِي عَرَفْتَ، كَذَلِكَ يَقْتَضِي عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وفِيهِ أيْضًا خِلافٌ مَشْهُورٌ كَعَكْسِهِ، ومِمّا ذَكَرْنا في أمْرِ الإنْشاءِ والإخْبارِ يُسْتَخْرَجُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ أطالَ العُلَماءُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وما ذَكَرْناهُ قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ووَشْلٌ مِن غَدِيرٍ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ آخِرَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَبْدِ الرَّزّاقِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " «إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ».

آل عمران 3:174

﴿فانْقَلَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ ورَجَعُوا ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (انْقَلَبُوا)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ، والتَّنْوِينُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ (بِنِعْمَةٍ) عَظِيمَةٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُها، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِنِعْمَةٍ مُؤَكِّدَةٌ صفحة 129 لِفَخامَتِها، والمُرادُ مِنها السَّلامَةُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ إذْلالُهم أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى بُعْدٍ كَما قِيلَ، أوْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى ما نَقُولُ. ﴿وفَضْلٍ﴾ وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ فَذَلِكَ الفَضْلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «أعْطى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ أصْحابَهُ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها في المَوْسِمِ فَأصابُوا تِجارَةً» . وعَنْ مُجاهِدٍ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ. ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ أيْ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَبْرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (انْقَلَبُوا)، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (بِنِعْمَةٍ) إذا كانَ حالًا، والمَعْنى (فانْقَلَبُوا) مُنَعَّمِينَ مُبَرَّئِينَ مِنَ السُّوءِ، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ إذا كانَ فِعْلُها مُضارِعًا مَنفِيًّا بِلَمْ، وفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ جازَ فِيها دُخُولُ الواوِ وعَدَمُهُ. ﴿واتَّبَعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى انْقَلَبُوا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدِ اتَّبَعُوا في كُلِّ ما أُوتُوا، أوْ في الخُرُوجِ إلى لِقاءِ العَدُوِّ، ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ كُلِّ خَيْرٍ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (174) حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِما تَفَضَّلَ، وفِيما تَقَدَّمَ مَعَ تَذْيِيلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِاسْمِ الكَرِيمِ الجامِعِ وإسْنادِ (ذُو فَضْلٍ) إلَيْهِ ووَصْفِ الفَضْلِ بِالعِظَمِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَخَلِّفِينَ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرًا عَظِيمًا لا يُكْتَنُهُ كُنْهُهُ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا عَلَيْهِ تَحَسُّرًا لَيْسَ بَعْدَهُ.

آل عمران 3:175

﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ الإشارَةُ إلى المُثَبِّطِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ﴾ بِمَعْنى إبْلِيسَ لِأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ خَبَرُهُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ، أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا حَيْثُ جَعَلَهُ هو ويُخَوِّفُ هو الخَبَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذا إشارَةً إلى قَوْلِ المُثَبِّطِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَوْلُ الشَّيْطانِ، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ أيْضًا، ولا تَجَوُّزَ فِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، وإنَّما التَّجَوُّزُ في الإضافَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ بِوَسْوَسَتِهِ وسَبَبِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ قَوْلُهُ، والمُسْتَكِنُّ في (يُخَوِّفُ) إمّا لِلْمُقَدَّرِ وإمّا لِلشَّيْطانِ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ أيْ يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِيُخَوِّفُ مَحْذُوفٌ أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ بِأنْ يُعَظِّمَهم في قُلُوبِكم، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ وبِذِكْرِ هَذا المَفْعُولِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأُ بَعْضُهم يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، وعَلى هَذا المَعْنى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ الَّذِينَ خَوَّفَكم إيّاهم ﴿وخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا المُتَخَلِّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأوْلِياءَهُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي إمّا مَتْرُوكٌ أوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ يُوقِعُهم في الخَوْفِ، أوْ يُخَوِّفُهم مِن أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ ﴿تَخافُوهُمْ﴾ إلى الأوْلِياءِ بَلْ هو راجِعٌ إلى النّاسِ. الثّانِي كَضَمِيرِ –اخْشَوْهم - فَهو رَدٌّ لَهُ أيْ فَلا تَخافُوا النّاسَ وتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا ﴿وخافُونِ﴾ فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ النَّظْمَ يُساعِدُ عَلَيْهِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ صفحة 130 والمُتَخَلِّفِينَ، والقَصْدُ التَّعْرِيضُ بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَها، و﴿أوْلِياءَهُ﴾ إذْ ذاكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم هَذا القِيلَ مُطْلَقًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ الخارِجِينَ لَمْ يَخافُوا إلّا اللَّهَ تَعالى. ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قِيامَ احْتِمالِ التَّعْرِيضِ يُمْرِضَ هَذا التَّعْلِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ المُخَوِّفِ شَيْطانًا أوْ قَوْلًا لَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ (وخافُونِ) وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا، والباقُونَ يَحْذِفُونَها مُطْلَقًا وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (175) إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ لِلْخارِجِينَ كانَ مُساقًا لِلْإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لَهم لِتَحَقُّقِ إيمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، وأيًّا ما كانَ فالجَزاءُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنْ كانَ الخِطابُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى الجَزاءِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ لِلْآخَرِينَ افْتُقِرَ إلَيْهِ، وكَأنَّ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَخافُونِي وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ. * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في الآياتِ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِسَيْفِ المَحَبَّةِ ﴿أوْ مُتُّمْ﴾ بِالمَوْتِ الِاخْتِبارِيِّ ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سَتْرٌ لِوُجُودِكم ﴿مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ﴾ مِنهُ تَعالى بِتَحَلِّيكم بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ أهْلُ الكَثْرَةِ. ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بِاتِّصافِكَ بِرَحْمَةٍ رَحِيمِيَّةٍ أيْ رَحْمَةٍ تابِعَةٍ لِوُجُودِكَ المَوْهُوبِ الإلَهِيِّ لا الوُجُودِ البَشَرِيِّ ﴿لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ النَّفْسِ كالفَظاظَةِ والغِلَظِ ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ ولَمْ يَتَحَمَّلُوا مُؤْنَةَ ذَلِكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ لَمْ تَغْلِبْ صِفاتُ الجَمالِ فِيكَ عَلى نُعُوتِ الجَلالِ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَما صَبَرُوا مَعَكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ سَقَيْتَهم صَرْفَ شَرابِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مَمْزُوجٍ بِما فِيهِ لَهم حَظٌّ لَتَفَرَّقُوا هائِمِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ غَيْرَ مُطِيقِينَ الوُقُوفَ مَعَكَ لَحْظَةً، أوْ يُقالُ: لَوْ كُنْتَ مُدَقِّقًا عَلَيْهِمْ أحْكامَ الحَقائِقِ لَضاقَتْ صُدُورُهم ولَمْ يَتَحَمَّلُوا أثْقالَ حَقِيقَةِ الآدابِ في الطَّرِيقِ، ولَكِنْ سامَحْتَهم بِالشَّرِيعَةِ والرُّخَصِ. ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِكَ مِن تَقْصِيرِهِمْ مَعَكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكَوْنِكَ لا تَرى في الوُجُودِ غَيْرَ اللَّهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِاعْتِذارِهِمْ أوِ اسْتَغْفِرْ لَهم ما يَجْرِي في صُدُورِهِمْ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالمَعْرِفَةِ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ إذا كُنْتَ في مَقامِ الفِعْلِ اخْتِبارًا لَهم وامْتِحانًا لِمَقامِهِمْ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ وذَلِكَ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُشاهِدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والخُرُوجِ مِنَ التَّفْرِقَةِ إلى الجَمْعِ، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ حَسْبُكَ فِيما يُرِيدُ مِنكَ وتُرِيدُ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ الخِطابِ مَعَ الرُّوحِ الإنْسانِيِّ، وأنَّهُ لِأنَّ لِصِفاتِ النَّفْسِ وقُواها الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ لِتَسْتَوْفِيَ حَظَّها، ويَرْتَبِطُ بِذَلِكَ بَقاءُ النَّسْلِ وصَلاحُ المَعاشِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ القُوى وتَلاشَتْ واخْتَلَّتِ الحِكْمَةُ وفُقِدَتِ الكِمالاتُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِها. ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّوَكُّلِ والتَّوْحِيدِ في الأفْعالِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، فَنَصْرُهُ المُرِيدِينَ بِتَوْفِيقِهِمْ لِقَمْعِ الشَّهَواتِ، ونَصْرُهُ المُحِبِّينَ بِنَعْتِ المُداناتِ، ونَصْرُهُ العارِفِينَ بِكَشْفِ المُشاهِداتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ في جَمِيعِ أسْبابِهِ، ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ لِكَمالِ قُدُسِهُ وغايَةِ أمانَتِهِ فَلَمْ يُخْفِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِبادِهِ، وأعْطى عِلْمَ الحَقِّ لِأهْلِ الحَقِّ، ولَمْ يَضَعْ أسْرارَهُ إلّا عِنْدَ الأُمَناءِ مِن أمَتِّهِ. ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيِ النَّبِيِّ في مَقامِ الرِّضْوانِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ، لِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ صفحة 131 اللَّهِ تَعالى ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو الغالُّ المُحْتَجِبُ بِصِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ وهي أسْفَلُ حَضِيضِ النَّفْسِ المُظْلِمَةِ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا والسُّخْطِ مُتَفاوِتُونَ في المَراتِبِ حَسْبَ الِاسْتِعْداداتِ. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ﴾ إذْ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ يَتَجَلّى مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَوْ تَجَلّى لَهم صِرْفًا لاحْتَرَقُوا بِأوَّلِ سَطَواتِ عَظَمَتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (مِن أنْفُسِهِمْ) كَوْنُهُ في لِباسِ البَشَرِ ظاهِرًا بِالصُّورَةِ الَّتِي هم عَلَيْها، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العارِفِينَ، والرَّسُولُ عَلى الرُّوحِ الإنْسانِيِّ المُنَوَّرِ بِنُورِ الأسْماءِ والصِّفاتِ المَبْعُوثِ لِإصْلاحِ القُوى غَيْرُ بَعِيدٍ في مَقامِ الإشارَةِ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ في أثْناءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى وهي مُصِيبَةُ الفَتْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم ﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ قُوى النَّفْسِ ﴿مِثْلَيْها﴾ مَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ومَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿قُلْتُمْ أنّى﴾ أصابَنا هَذا ونَحْنُ في بَيْداءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّهُ بَقِيَ فِيها بَقِيَّةٌ ما مِن صِفاتِها، ولا يُنافِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ السَّبَبَ الفاعِلَ في الجَمِيعِ هو الحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ، والسَّبَبَ القابِلِيَّ أنْفُسُهم، ولا يَفِيضُ مِنَ الفاعِلِ إلّا ما يَلِيقُ بِالِاسْتِعْدادِ، ويَقْتَضِيهِ، فَبِاعْتِبارِ الفاعِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِاعْتِبارِ القابِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ ما يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ أيْضًا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا إلى التَّوْحِيدِ إذْ لا غَيْرَ ثَمَّةَ. ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَواءٌ قُتِلُوا بِالجِهادِ الأصْغَرِ وبَذْلِ الأنْفُسِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالجِهادِ الأكْبَرِ وكَسْرِ النَّفْسِ وقَمْعِ الهَوى بِالرِّياضَةِ ﴿أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ مُقَرَّبِينَ في حَضْرَةِ القُدُسِ ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنَ الأرْزاقِ المَعْنَوِيَّةِ وهي المَعارِفُ والحَقائِقُ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجُوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَدُورُ في أنْهارِ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ»، ونَقَلَ ذَلِكَ بِهَذا اللَّفْظِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وجَعَلَ الطَّيْرَ الخُضْرَ إشارَةً إلى الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، والقَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى الكَواكِبِ، وأنْهارَ الجَنَّةِ مَنابِعَ العُلُومِ ومَشارِعَها، وثِمارَها الأحْوالَ والمَعارِفَ. والمَعْنى أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّيِّراتِ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بِنَزاهَتِها، وتَرِدُ مَشارِعُ العُلُومِ وتَكْتَسِبُ هُناكَ المَعارِفَ والأحْوالَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَلْيُجْعَلِ الطَّيْرُ إشارَةً إلى الصُّوَرِ الَّتِي تَظْهَرُ بِها الأرْواحُ بِناءً عَلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ، وأُطْلِقَ اسْمُ الطَّيْرِ عَلَيْها إشارَةً إلى خِفَّتِها ووُصُولِها بِسُرْعَةٍ حَيْثُ أذِنَ لَها. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ: ”«الأطْفالُ هم دَعامِيصُ الجَنَّةِ“» والدَّعامِيصُ جَمْعُ دُعْمُوصٍ وهي دُوْيَّبَةٌ تَكُونُ في مُسْتَنْقَعِ الماءِ كَثِيرَةُ الحَرَكَةِ لا تَكادُ تَسْتَقِرُّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأطْفالَ لَيْسُوا تِلْكَ الدُّوْيَّبَةَ في الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الإخْبارَ بِأنَّهم سَيّاحُونَ في الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ووَصْفُ الطَّيْرِ بِالخُضْرِ إشارَةٌ إلى حُسْنِها وطَراوَتِها، ومِنهُ خَبَرُ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» . وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ الغَزْوَ حُلْوٌ خَضِرٌ. ومِن أمْثالِهِمُ: النَّفْسُ خَضْراءُ، وقَدْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّها تَمِيلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وتَشْتَهِيهِ، وأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ سَهْلٌ، وباقِي ما فِيهِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مُؤَوَّلٌ، وعَلى الثّانِي يُرادُ مِنَ الجَنَّةِ الجَنَّةُ المَنَوِيَّةُ وهي جَنَّةُ الذّاتِ والصِّفاتِ، ومِن أنْهارِها ما يَحْصُلُ مِنَ التَّجَلِّياتِ، ومِن ثِمارِها ما يُعَقِّبُ تِلْكَ التَّجَلِّياتِ مِنَ الآثارِ، ومِنَ القَنادِيلِ المُعَلَّقَةِ في ظِلِّ العَرْشِ مَقاماتٌ لا تَكْتَنِهُ مُعَلَّقَةٌ في ظِلِّ عَرْشِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُحِيطِ، وكَوْنُها مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى عَظَمَتِها، وأنَّها لا تُنالُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ. صفحة 132 وحاصِلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قَتَلَهُمُ الشَّوْقُ إلَيْهِ -عَزَّ شَأْنُهُ- تَتَمَثَّلُ صُوَرًا حَسَنَةً ناعِمَةً طَرِيَّةً يَسْتَحْسِنُها مَن رَآها، تَطِيرُ بِجَناحِيِ القَبُولِ والرِّضا في أنْواعِ التَّجَلِّياتِ الإلَهِيَّةِ، وتَكْتَسِبُ بِذَلِكَ أنْواعًا مِنَ اللَّذائِذِ المَعْنَوِيَّةِ، الَّتِي لا يُقَدِّرُ قَدْرَها، ويَتَجَدَّدُ لَها في مِقْدارِ كَلِّ لَيْلَةٍ مَقامٌ جَلِيلٌ، لا يُنالُ إلّا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ هو النَّعِيمُ المُقِيمُ، والفَوْزُ العَظِيمُ، وكَأنَّ مَن أوَّلَ هَذا الخَبَرَ وأمْثالَهُ قَصَدَ سَدَّ بابِ التَّناسُخُ، ولَعَلَّهُ بِالمَعْنى الَّذِي يَقُولُ بِهِ أهْلُ الضَّلالِ غَيْرُ لازِمٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِنَ الكَرامَةِ والنِّعْمَةِ والزُّلْفى عِنْدَهُ، ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ، أوِ السّالِكُونَ المُجاهِدُونَ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهم إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِفَوْزِهِمْ بِالمَأْمَنِ الأعْظَمِ، والحَبِيبِ الأكْرَمِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عَظِيمَةٍ، وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ ﴿وفَضْلٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَلَيْها، وهي جَنَّةُ الذّاتِ، ومَعَ ذَلِكَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ﴾ أجْرَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو جَنَّةُ الأفْعالِ، وثَوابُ الأعْمالِ، ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ بِالفَناءِ بِالوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، والقِيامِ بِحَقِّ الِاسْتِقامَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ أيْ: كَسْرُ النَّفْسِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَقامِ المُشاهِدَةِ وأتْقَنُوا النَّظَرَ إلى نُفُوسِهِمْ لَهم ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وراءَ أجْرِ الإيمانِ، ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ المُنْكِرُونَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المُشاهَدَةِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وتَحَشَّدُوا لِلْإنْكارِ عَلَيْكم ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾، واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿فَزادَهُمْ﴾ ذَلِكَ القَوْلُ ﴿إيمانًا﴾، أيْ يَقِينًا وتَوْحِيدًا بِنَفْيِ الغَيْرِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، وتَوَصَّلُوا بِنَفْيِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلى إثْباتِهِ ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ فَشاهَدُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إلى تَفاصِيلِ الصِّفاتِ بِالِاسْتِقامَةِ، وقالُوا: نِعْمَ الوَكِيلُ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ أيْ: رَجَعُوا بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ في جَنَّةِ الصِّفاتِ والذّاتِ ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ؛ إذْ لا أحَدَ إلّا الأحَدُ، ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في حالِ سُلُوكِهِمْ حَتّى فازُوا بِجَنَّةِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ المَحْجُوبِينَ بِأنْفُسِهِمْ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ المُنْكِرِينَ ﴿وخافُونِ﴾؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِوايَ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ تَوْحِيدًا حَقِيقِيًّا، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ

آل عمران 3:176

﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِالتَّسْلِيَةِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ الرَّئِيسُ المُعْتَنى بِشُئُونِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ: إمّا المُنافِقُونَ المُتَخَلِّفُونَ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وإمّا قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ لِمُقارَبَةِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وإمّا المُنافِقُونَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، ومَعْنى ( يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ) يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، وشَدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ؛ ولِتَضَمُّنِ المُسارَعَةِ مَعْنى الوُقُوعِ تَعَدَّتْ ”بِفِي“ دُونَ ”إلى“، الشّائِعُ تَعْدِيَتُها بِها كَما في ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ وغَيْرِهِ وأُوثِرَ ذَلِكَ؛ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ، ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَأِ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ ”إلى“ في آيَتِها؛ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارِعَةِ وغايَتُها، والمَوْصُولُ فاعِلُ (يَحْزُنُكَ)، ولَيْسَتِ الصِّلَةُ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ، كَما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ هو الأمْرُ اللّائِقُ؛ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، يَجِبُ أنْ يَحْزَنَ مِن مُشاهَدَتِهِ، فَلا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ مِن ذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ هُنا صفحة 133 ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ المُسارَعَةِ مِن مُراغَمَةِ المُؤْمِنِينَ، وإيصالِ المَضَرَّةِ إلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ. والمُرادُ: لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ، ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ويَدُلَّ عَلى ذَلِكَ إيلاءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ رَدًّا وإنْكارًا لِظَنِّ الخَوْفِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ أوْلِياءُ اللَّهِ؛ مَثَلًا لِلْقَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ عَلَيْهِ، وفي حَذْفِ ذَلِكَ، وتَعْلِيقِ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ. ( وشَيْئًا ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ ضَرَرًا ما، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ ما أصْلًا، وتَأْوِيلُ يَضُرُّوا بِما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَدْعُو إلى خِلافِهِ، وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فَإنَّهُ فَتَحَها، وضَمَّ الزّايَ، وقَرَأ الباقُونَ كَما قَرَأ نافِعٌ في المُسْتَثْنى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَكْسَ ما قَرَأ نافِعٌ، والماضِي عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ حَزِنَ، وعَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مِن أحْزَنَ، ومَعْناهُما واحِدٌ إلّا أنَّ حَزَنَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقِيلَ: حَزَنْتُهُ بِمَعْنى أحْدَثْتُ لَهُ حُزْنًا، وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى عَرَّضْتُهُ لِلْحُزْنِ، وقالَ الخَلِيلُ: خَزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا، كَدَهَنْتُهُ بِمَعْنى: جَعَلْتُ فِيهِ دُهْنًا وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُهُ حَزِينًا، وقُرِئَ: (يُسْرِعُونَ) بِغَيْرِ ألْفٍ مِن أسْرَعِ، ويُسارِعُونَ بِالإمالَةِ والتَّفْخِيمِ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُوجِبِ لِمُسارَعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مَعَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم نَصِيبًا ما مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو يُرِيدُ ذَلِكَ مِنهم، فَكَيْفَ لا يُسارِعُونَ ؟ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ عاقَبَ فاعِلَهُ وذَمَّهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي إفاضَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في ذِكْرِ الإرادَةِ إيذانًا بِكَمالِ خُلُوصِ الدّاعِي إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ، حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِما إرادَةُ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لَمْ يُرِدْ كُفْرَهم، ولا رَمَزَ إلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمَرارِها، ويَرْجِعُ إلى دَوامِ واسْتِمَرارِ مَنشَأِ هَذا المُرادِ، وهو الكُفْرُ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُهْلَكُوا فِيهِ، ولَهم مَعَ هَذا الحِرْمانِ مِنَ الثَّوابِ بِالكُلِّيَّةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ. نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وجَلالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ المُسارِعِ وصِفَ عَذابُهُ بِالعِظَمِ؛ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى حَقارَةِ ما سارَعُوا فِيهِ وخَساسَتِهِ في نَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ عَلى عِظَمِ قَدْرِ مَن قَصَدُوا إضْرارَهُ وُصِفَ العَذابُ بِالعِظَمِ؛ إيذانًا بِأنَّ قَصْدَ إضْرارِ العَظِيمِ أمْرٌ عَظِيمٌ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العَذابُ العَظِيمُ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”لَهُمْ“ أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ مُعَدًّا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وإمّا مُبْتَدَأةً لِحَظِّهِمْ مِنَ العَذابِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الثَّوابِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ؛ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وأنَّ المَعْنى: ولا يَحْزُنُكَ أنَّهم يُسارِعُونَ في إعْلاءِ الكُفْرِ وهَدْمِ الإسْلامِ لا خَوْفًا عَلى الإسْلامِ ولا تَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى هَدْمِ دِينِهِ الَّذِي يُرِيدُ إعْلاءَهُ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى إرادَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ. وأسْتَأْنِسُ لَهُ بِأنَّهُ كَثِيرًا ما وقَعَ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ إيقاعِهِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ في المَشَقَّةِ لِهِدايَتِهِمْ صفحة 134 وعَنْ كَوْنِهِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ لِكُفْرِهِمْ، وخُوطِبَ بِأنَّهُ: ( ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ )، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

آل عمران 3:177

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾، أيْ: أخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ رَغْبَةً فِيما أخَذُوا، وإعْراضًا عَمّا تَرَكُوا؛ ولِهَذا وضَعَ ”اشْتَرَوْا“ مَوْضِعَ ”بَدَّلُوا“ فَإنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ في الرَّغْبَةِ، وأدُلُّ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وفِيهِ هُنا تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ؛ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ هُنا ما أُرِيدَ مِنهُ هُناكَ، والتَّكْرِيرُ؛ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِكَوْنِهِ عِلْمًا في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ. والحِرْمانُ الأبَدِيُّ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، ودالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمَ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ تَكَفَّلَ سُبْحانَهُ لَهم بِالنَّصْرِ ؟ وهي أعَزُّ مِن جَلِيمَةَ وأمْنَعُ مِن لَهاةِ اللَّيْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ هُنا عامٌّ، ويُرادَ بِهِ هُناكَ خاصٌّ، وهو ما عَدا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ فِيهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَقْرِيرُ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عامًّا لِلْكَفّارِ، وهَذا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أشَدُّ مِنهم في الضَّرَرِ والكَيْدِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إرادَةَ العامِّ هُناكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارِعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحُزْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالَهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإسْنادُ المُسارِعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ واعْتِبارُ كَوْنِها مِن مَبادِئِ حُزْنِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا وجْهَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلَ بِالعُمُومِ في الأوَّلِ لَمْ يُرِدْ بِالكُفّارِ مُقابِلَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا، وعَلى أيِّ حالٍ وُجِدُوا، بَلْ ما يَشْمَلُ المُتَخَلِّفِينَ والمُرْتَدِّينَ مَثَلًا مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ إضْرارُهم لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ هَذا الِاعْتِراضُ. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ المُنافِقُونَ، أوْ مَنِ ارْتَدُّوا مِمّا هُنا اليَهُودُ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ إمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالفِعْلِ -كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ- أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما شَأْنُ اليَهُودِ مَثَلًا، وإمّا الإيمانُ الِاسْتِعْدادِيُّ، الحاصِلُ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ والدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفَسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الجَمِيعِ كَما هو دَأْبُ الجَمِيعِ؛ فَتَفَطَّنْ. ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الجُمْلَةُ الأُولى، قِيلَ: لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ، وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةٌ، وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةٌ وُصِفَ عَذابُهم بِالإيلامِ؛ مُراعاةً لِذَلِكَ، نَقَلَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.

آل عمران 3:178

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، ”وأنَّ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَعَلُّقُ أفْعالِ القُلُوبِ بِنِسْبَةٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وعِنْدَ الأخْفَشِ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ”وما“ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وكانَ حَقُّها في الوَجْهَيْنِ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، لَكِنَّها كُتِبَتْ في ”الإمامِ“ مَوْصُولَةً، واتِّباعُ ”الإمامِ“ لازِمٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ مُشاكَلَةُ ما بَعْدَهُ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ فِيها، ”وخَيْرٌ“ خَبَرٌ، وقُرِئَ: (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ لِأنْفُسِهِمْ هو الخَبَرُ، ”ولَهُمْ“ تَبْيِينٌ أوْ حالٌ مِن خَيْرٍ، والإمْلاءُ في الأصْلِ إطالَةُ المُدَّةِ، والمَلَأُ: الحِينُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ المَلَوانُ صفحة 135 لِلَّيْلِ والنَّهارِ لِطُولِ تَعاقُبِهِما، وأمّا إمْلاءُ الكِتابِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُولِ المُدَّةِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ. وقِيلَ: الإمْلاءُ التَّخْلِيَةُ، والشَّأْنُ يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ. وحاصِلُ التَّرْكِيبِ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم، أوْ أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم، أوْ خَيْرِيَّةَ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةٌ أوْ واقِعَةٌ، ومَآلُ ذَلِكَ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إطالَةِ اللَّهِ تَعالى أعْمارَهم وإمْهالَهم عَلى ما هم فِيهِ، أوْ بِتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم، وتَحْسِيرِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ سِرٌّ بَحْتٌ، وضَرَرٌ مَحْضٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بِالتّاءِ والخِطابُ: إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ؛ إذْ حَسِبُوا ما ذُكِرَ. وإمّا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، ( وأنَّما نُمْلِي ) إلَخْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو البَدَلُ، وكانَ هُنا مِمّا يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جازَ الِاقْتِصارُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإلّا فالِاقْتِصارُ لَوْلا ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى الصَّحِيحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما نُمْلِي مَفْعُولًا ثانِيًا، إلّا أنَّهُ لِكَوْنِهِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الذَّواتِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ؛ أمّا في الأوَّلِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وشَأْنَهم، وأمّا في الثّانِي أيْ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحاب (أنَّما نُمْلِي لَهُمْ) إلَخْ، وإنَّما قَيَّدَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِأنْفُسِهِمْ ) لِأنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ، ومَن جَعَلَ خَيْرًا -فِيما نَحْنُ فِيهِ- أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وجَعَلَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ التَّفْضِيلَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِبارِ الزَّعْمِ والمُماشاةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهو المُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ في قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، والقائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَتِهِ تَعالى يُجَوِّزُونَ التَّعْلِيلَ بِمِثْلِ هَذا إمّا لِأنَّهُ غَرَضٌ، وإمّا لِأنَّهُ مُرادٌ مَعَ الفِعْلِ، فَيُشْبِهُ العِلَّةَ عِنْدَ مَن لَمْ يُجِزْ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ بِالأغْراضِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم وإنْ قالُوا بِتَعْلِيلِها لَكِنَّ القَبِيحَ لَيْسَ مُرادًا لَهُ تَعالى عِنْدَهم ومَطْلُوبًا وغَرَضًا، ولِهَذا جَعَلُوا ازْدِيادَ الإثْمِ هُنا باعِثًا نَحْوَ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لا غَرَضًا يُقْصَدُ حُصُولُهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الِازْدِيادُ مُتَقَدِّمًا عَلى الإمْلاءِ هُنا، والباعِثُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا جَعَلُوهُ اسْتِعارَةً بِناءً عَلى أنَّ سَبْقَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الَّذِي لا يَجُوزُ تَخَلُّفُ المَعْلُومِ عَنْهُ شَبَّهَهُ بِتَقَدُّمِ الباعِثِ في الخارِجِ، ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ الأسْهَلَ القَوْلُ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ أقَلَّ تَكَلُّفًا إلّا أنَّ القَوْلَ بِها غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، فَلَوْ كانَ الإمْلاءُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ الفاسِدُ القَبِيحُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ولَمْ يَصْلُحْ هَذا تَعْلِيلًا؛ لِنَهْيِهِمْ عَنْ حُسْبانِ الإمْلاءِ لَهم خَيْرًا، فَتَأمَّلْ. قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ (أنَّما) هَذِهِ، وكَسْرِ الأُولى، وبِياءِ الغَيْبَةِ في (يَحْسَبَنَّ) عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلُ يَحْسَبَنَّ، وأنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا قائِمٌ مَقامَ مَفْعُولَيِ الحُسْبانِ، والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ، بَلْ لِلتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ، وتَدارُكِ ما فاتَ، وإنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ، ومَعْناهُ: أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لَهم إنِ انْتَبَهُوا، وتابُوا. والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ: أنَّ الإمْلاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِإرادَةِ التَّوْبَةِ، والإمْلاءَ لِلِازْدِيادِ مَنفِيٌّ، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى هو مُثْبَتٌ، والآخَرُ مَنفِيٌّ ضِمْنًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ يَجُوزُ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما، ولا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ؛ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ كَما عَلِمْتَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ جُمْلَةَ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾ إلَخْ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ في هَذِهِ الحالَةِ هَذا، وهَذِهِ الحالَةُ مُنافِيَةٌ لَهُ صفحة 136 ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ حالٍ مِنَ الواوِ، أيْ: لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ في القِراءَةِ الأخِيرَةِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ؛ لِيَكُونَ مَضْمُونُ ذَلِكَ داخِلًا في حَيِّزِ النَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: لِيَزْدادُوا إثْمًا، ولِيَكُونَ لَهم عَذابٌ، وجَعَلَها بَعْضُهم مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةَ لِيَزْدادُوا، بِأنْ يَكُونَ عَذابٌ مُهِينٌ فاعِلَ الظَّرْفِ، بِتَقْدِيرٍ: ويَكُونُ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، نَعَمْ قِيلَ: بِجَوازِ كَوْنِها اعْتِراضِيَّةً، ولَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، هَذا وإنَّما وصَفَ عَذابَهم بِالإهانَةِ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمَتُّعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا، وزِينَتِها، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ، والتَّجَبُّرَ وصَفَهُ بِهِ؛ لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًا، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رَدِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنشَأً لِحُسْبانِهِمْ، وهو أنَّهم أعِزَّةٌ لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ الإشارَةِ إلى رَدِّهِ بِنَوْعٍ آخَرَ.

آل عمران 3:179

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالإمْلاءِ لِازْدِيادِ الآثامِ، وفي هَذا الوَعْدِ والوَعِيدِ أيْضًا ما لا يُخْفى مِنَ التَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما في الكَلامِ السّابِقِ، وقِيلَ: الآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانٍ شِرْيَتِهِ لَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أقْرَبُ، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، والخِطابُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ، والمُنافِقِينَ؛ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أكْثَرُهم: إنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ لَيْسَ إلّا، فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ لِلْكَفّارِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ المُنافِقُونَ، وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا، واللّامُ في ﴿لِيَذَرَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو الخَبَرُ لِكانَ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةً بَعْدَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ أيْ ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها، والخَبَرُ هو الفِعْلُ، ولا يُقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها؛ إذِ الزّائِدُ قَدْ يَعْمَلُ، كَما في حُرُوفِ الجَرِّ المَزِيدَةِ، فَلا ضَعْفَ في مَذْهَبِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَما وُهِمَ، وأصْلُ ”يَذَرَ“ يَوْذَرَ فَحُذِفَتِ الواوُ مِنها؛ تَشْبِيهًا لَها ”بِيَدَعَ“، ولَيْسَ لِحَذْفِها عِلَّةٌ هُناكَ؛ إذْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، ولا ما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ ”يَدَعَ“ فَإنَّ الأصْلَ ”يَوْدَعَ“ فَحُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ الياءِ وما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، وإنَّما فُتِحَتِ الدّالُ؛ لِأنَّ لامَهُ حَرْفٌ حَلْقِيٌّ فَيُفْتَحُ لَهُ ما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَقَعُ. ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا مِن ”يَذْرُ“ ماضِيًا ولا مَصْدَرًا، ولا اسْمَ فاعِلٍ مَثَلًا اسْتِغْناءً بِتَصَرُّفِ مُرادِفِهِ، وهو يَتْرُكُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةً لِما يُفْهِمُهُ النَّفْيُ السّابِقُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهم عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ ولَيْسَ غايَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ نَفْسِهِ؛ إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، ويُفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ السَّمِينُ: إنَّهُ إذا وُجِدَتِ الغايَةُ تَرَكَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ؛ تَسْجِيلًا عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وأفْرَدَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ؛ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ صفحة 137 إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِما وتَعَدُّدَ آحادِهِما، وتَعْلِيقَ المَيْزِ بِالخَبِيثِ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ -مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ- تَعْلِيقُهُ بِهِمْ، وإفْرازُهم عَنِ المُنافِقِينَ؛ لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما هو بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ، وتَغْيِيرُهم مَن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن أصْلِ الإيمانِ وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وتَغْيِيرُهم مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِتارِ، وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ الخَبِيثَ عَلى الطِّيِّبِ، وعَلَّقَ بِهِ فِعْلَ المَيْزِ؛ إشْعارًا بِمَزِيدِ رَداءَةِ ذَلِكَ الجِنْسِ، فَإنَّ المُلْقى مِنَ الشَّيْئَيْنِ هو الأدْوَنُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يُمَيِّزُ“ بِالتَّشْدِيدِ وماضِيهِ مَيَّزَ، وماضِيَ المُخَفَّفِ مازَ، وهُما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِتَعَدِّ الفِعْلَ، كَما في فَرِحَ وفَرَّحَ؛ لِأنَّ مازَ ومَيَّزَ يَتَعَدِّيانِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عاضَ وعَوَّضَ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”يُمِيزَ“ بِضَمِّ أوَّلِهِ، مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن أمازَ بِمَعْنى مَيَّزَ، واخْتُلِفَ بِمَ يَحْصُلُ هَذا المَيْزُ، فَقِيلَ: بِالمِحَنِ والمَصائِبِ، كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: بِإعْلاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ وكَسْرِ شَوْكَةِ المُخالِفِينَ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ إلى النَّبِيِّ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ، ومِن هُنا جَعَلَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ما قَبْلَ الِاسْتِدْراكِ تَمْهِيدًا لِبَيانِ المَيْزِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى طَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ لِلْمُخْلِصِينَ؛ تَشْرِيفًا لَهم والِاسْتِدْراكِ إشارَةً إلى كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأنَّ المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ المُخَلِّصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ، بَلْ يُرَتِّبُ المَبادِئَ حَتّى يُخْرِجَ المُنافِقِينَ مِن بَيْنِهِمْ، وما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإطْلاعِكم عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُوحِي إلى رَسُولِهِ، فَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وبِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ حَسْبَما حَكى عَنْهم بَعْضَهُ فِيما سَلَفَ فَيَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُخَلِّصُكم مِمّا تَكْرَهُونَ، وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيِّبِ بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم بَدَلَ الأرْواحِ في الجِهادِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم وشاهِدًا بِضَمائِرِكم حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم بِما في قَلْبِ بَعْضِ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ الِاسْتِدَراكَ -بِاجْتِباءِ الرُّسُلِ المُنْبِئَ عَنْ مَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ،وفَضْلِ مَعْرِفَتِهِمْ عَلى الخَلْقِ إثْرَ بَيانِ قُصُورِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ الوُقُوفِ عَلى خَفايا السَّرائِرِ- صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ إظْهارُ تِلْكَ السَّرائِرِ، أُثِرَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ، بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ أسْرارِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخَفاءِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ دَعْوى أنَّ الِاسْتِدْراكَ صَرِيحٌ -فِيما ادَّعاهُ- مِنَ المُرادِ مِمّا لا يَكادُ يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى لَيْسَ لَكم رُتْبَةُ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما لَكم رُتْبَةُ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ الحاصِلِ مِن نَصْبِ العَلاماتِ والأدِلَّةِ، واللَّهُ تَعالى سَيَمْنَحُكم بِذَلِكَ، فَلا تَطْمَعُوا في غَيْرِهِ؛ فَإنَّ رُتْبَةَ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لِمَن شاءَ مِن رُسُلِهِ، وأيْنَ أنْتُمْ مِن أُولَئِكَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ!؟ نَعَمْ ما ذَكَرَهُ هَذا المَوْلى أظْهَرُ وأوْلى، وقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾: إمّا لِيُؤْتى أحَدُكم عِلْمَ الغَيْبِ، فَيُطْلَعَ عَلى ما في القُلُوبِ، أوْ لِيُطْلِعَ جَمِيعَكم، أيْ: أنَّهُ تَعالى لا يُطْلِعُ جَمِيعَكم عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ مَن أرادَ، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أكْثَرُ مُلاءَمَةً لَهُ صفحة 138 فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ» . ونَقَلَ الواحِدِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي في صُوَرِها، كَما عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ فاسْتَهْزَءُوا، وقالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومَن يَكْفُرُ، ونَحْنُ مَعَهُ، ولا يَعْرِفُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وقالَ الكَلْبِيُّ: «قالَتْ قُرَيْشٌ: ”تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ، أنَّ مَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ، واللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ غَضْبانُ، وأنَّ مَن تَبِعَكَ عَلى دِينِكَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، واللَّهُ تَعالى عَنْهُ راضٍ؛ فَأخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ، ومَن لا يُؤْمِنُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“»، وأُيِّدَ الثّانِي بِأنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِيهِ قِيلَ: والحَقُّ اتِّباعُ السَّوْقِ، ويَكْفِي أدْنى مُناسَبَةٍ بِالقِصَّةِ في كَوْنِها سَبَبًا لِلنُّزُولِ، عَلى أنَّ في سَنَدِ هَذِهِ الآثارِ مَقالًا، حَتّى قالَ بَعْضُ الحُفّاظِ في بَعْضِها: إنِّي لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ ما يُخالِفُها، وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا أنْ يُعْطَوْا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ. والِاجْتِباءُ: الِاسْتِخْلاصُ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مالِكٍ، ويُؤَوَّلُ إلى الِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ، وهو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِهِ، ويُقالُ جَبَوْتُ المالَ، وجَبَيْتُهُ بِالواوِ والياءِ، فَياءُ يَجْتَبِي هُنا إمّا عَلى أصْلِها، أوْ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، وعَبَّرَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ، واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا البابِ أمْرٌ مُبَيَّنٌ، لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ الإطْلاعُ عَلى المُغَيَّباتِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، وفي بَعْضِ الأوْقاتِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُسَلَّمٌ، وأمّا كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الرُّسُلِ فَفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ. ولَعَلَّ الصَّوابَ خِلافُهُ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ بَعْضَ أهْلِ الكَشْفِ ذَوِي الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ لا اسْتِقْلالًا، وهم يَقُولُونَ: إنَّ المُخْتَصَّ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو الثّانِي، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ ما أيَّدَهُ السَّوْقُ بَعْدَ هَذا الِاسْتِشْكالِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ومَثَلُهُ عَلى ما قِيلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ والمُرادُ آمَنُوا بِصِفَةِ الإخْلاصِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ الخِطابِ عامًّا لِلْمُنافِقِينَ وهم مُؤْمِنُونَ ظاهِرًا. وتَعْمِيمُ الأمْرِ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَعْلَمُوهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ. ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ أنْ يَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبِينَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَقُولُونَ إلّا ما يُوحى إلَيْهِمْ في أمْرِ الشَّرائِعِ، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتْرُكُ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ بِنَصْبِ العَلاماتِ، وتَحْصِيلِ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ بِمَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ. ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ الإيمانُ بِأنَّهُمُ المُتَرَشِّحُونَ لِلْإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لا غَيْرَهم بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى. ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ صفحة 139 حَقَّ الإيمانِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ المُخالَفَةَ في الأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ تَتَّقُوا النِّفاقَ ﴿فَلَكُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُكْتَنَهُ ولا يُحَدُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

آل عمران 3:180

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في دَعْواهم خَيْرِيَّتَهُ حَسْبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها وقِيلَ: وجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى؛ لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ، وفِعْلُ الحُسْبانِ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المَفْعُولَ في هَذا البابِ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ العامِلِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ أحَدَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَلَمّا تَكَرَّرَ طَلَبَهُ امْتُنِعَ حَذْفُهُ، ونَقْضُ ذَلِكَ بِخَبَرِ كانَ فَإنَّهُ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ أيْضًا، ولا خِلافَ في جَوازِ حَذْفِهِ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولىْ حَسِبَ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ فاعِلُ حَسِبَ ومَفْعُولاهُ شَيْئًا واحِدًا في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِأنْ يُقالَ: ( إنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الفاعِلُ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى البُخْلِ كانَ في حُكْمِ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ كَنّى عَنْ قُوَّةِ القَرِينَةِ بِالِاتِّحادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ، والصَّحِيحُ أنَّ مَدارَ صِحَّةِ الحَذْفِ القَرِينَةُ، فَمَتى وُجِدَتْ جازَ الحَذْفُ، ومَتى لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ. والقَوْلُ بِأنَّ هو ضَمِيرُ رَفْعٍ اسْتُعِيرَ في مَكانِ المَنصُوبِ، وهو راجِعٌ إلى البُخْلِ أوِ الإيتاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلًا تَعَسُّفٌ جِدًّا، لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ، -وإنْ جَوَّزَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ تَبَعًا لِأبِي البَقاءِ- حَتّى قالَ في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ غَلَطٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، لا تَوْكِيدٌ لِلْمُظْهَرِ كَما تُوِهِّمَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ، والثّانِي: خَيْرًا كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ. وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ بَيْنَ الباءِ ومَجْرُورِها مُضافٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ، أوْ ( لا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِإنْفاقِ أوْ زَكاةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو صِفَةٌ حَسَنَةٌ ( أوْ خَيْرًا ) لَهم مِنَ الإنْفاقِ ﴿بَلْ هو شَرٌّ﴾ عَظِيمٌ ﴿لَهُمْ﴾، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرْيَتِهِ لَهم، والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والكَلامُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إمّا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَقُولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”. وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ، فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ»، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ صفحة 140 وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: يُجْعَلُ ما بَخِلُوا بِهِ طَوْقًا مِن نارٍ في أعْناقِهِمْ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، والمَعْنى كَما قالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ مِن أمْوالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ عُقُوبَةً لَهم، فَلا يَأْتُونَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ عَلى أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما، ومِن أمْثالِهِمْ تُقَلِّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ، وكَيْفَما كانَ فالآيَةُ نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، وخَلْقٍ آخَرِينَ، وهو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونُبُوَّتَهُ، الَّتِي نَطَقَتْ بِها التَّوْراةُ، فالمُرادُ بِالبُخْلِ: كِتْمانُ العِلْمِ، وبِالفَضْلِ: التَّوْراةُ الَّتِي أُوتُوها، ومَعْنى ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، أوِ المُرادُ أنَّهم يُطَوَّقُونَ طَوْقًا مِنَ النّارِ جَزاءَ هَذا الكِتْمانِ. فالآيَةُ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى ما انْجَرَّ مِنهُ الكَلامُ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وذَلِكَ هو شَرْحُ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ، قِيلَ: ويُعَضِّدُهُ أنَّ كَثِيرًا مِن آياتِ بَقِيَّةِ السُّورَةِ فِيهِمْ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ -اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا- ما في السَّمَواتِ والأرْضِ مِمّا يُتَوارَثُ مِن مالِ وغَيْرِهِ، كالأحْوالِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ كالرِّسالاتِ الَّتِي يَتَوارَثُها أهْلُ السَّماءِ مَثَلًا فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، فالمِيراثُ مَصْدَرٌ كالمِيعادِ، وأصْلُهُ مِوْراثٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءًا لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، والمُرادُ بِهِ: ما يُتَوارَثُ، والكَلامُ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مَجازَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّهُ تَعالى يَرِثُ مِن هَؤُلاءِ ما في أيْدِيهِمْ مِمّا بَخِلُوا بِهِ ويَنْتَقِلُ مِنهم إلَيْهِ حِينَ يُهْلِكُهم ويُفْنِيهِمْ وتَبْقى الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلَيْهِمْ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا مَجازٌ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِي أهْلَهُما فَيَبْقَيانِ بِما فِيهِما لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مِلْكٌ، فَخُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ مِيراثًا مِلْكًا لَهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَنعِ والبُخْلِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّ تَهْدِيدَ العَظِيمِ بِالمُواجَهَةِ أشَدُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةِ والكِسائِيُّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءُ عَلى الغِيبَةِ.

آل عمران 3:181

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”«دَخَلَ أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم، يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويَحُكُّ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ تَعالى، وأسْلِمْ، فَواللَّهِ، إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ، فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما تُضِرِّعَ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا، كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، وأنَّهُ يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَ وجْهْ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى، فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنَهُ فَقِيرٌ، وهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ تَعالى صفحة 141 مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ، فَقالَ: ما قَلْتُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْزَلَ في أبِي بَكْرٍ، وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا، إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ. وأخْرَجَ الضِّياءُ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَقِيرٌ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ "، والجَمْعُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالسَّماعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ السَّماعَ لازِمُ العِلْمِ بِالمَسْمُوعِ، وهو لازِمُ الوَعِيدِ في هَذا المَقامِ؛ فَهو سَماعُ ظُهُورٍ وتَهْدِيدٍ لا سَماعَ قَبُولٍ ورِضًا -كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهْ- وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماحَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، ولِهَذا أنْكَرُوهُ، ولِكَوْنِ إنْكارِهِمُ القَوْلَ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ السَّمْعِ أكَّدَهُ تَعالى بِالتَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، والعامِلُ في مَوْضِعٍ إنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ، قالُوا: فَهي المَحْكِيَّةُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْمُولًا لِقَوْلِ المُضافِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ في إعْمالِ الأوَّلِ، وهو أصْلٌ ضَعِيفٌ، ويَزْدادُ هُنا ضَعْفًا بِأنَّ الثّانِي فِعْلُ والأوَّلَ مَصْدَرٌ وإعْمالُ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ أقْوى أوْلى. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ سَنَكْتُبُهُ في صَحائِفِ الكَتَبَةِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والكِتابَةُ حَقِيقَةٌ، أوْ سَنَحْفَظُهُ في عِلْمِنا ولا نُهْمِلُهُ، فالإسْنادُ حَقِيقَةٌ، والكِتابَةُ مَجازٌ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَنْ يَفُوتَنا أبَدًا تَدْوِينُهُ وإثْباتُهُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ، كَيْفَ لا وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ عَنِ اعْتِقادٍ، أوِ اسْتِهْزاءٍ بِالقُرْآنِ ! وهو الظّاهِرُ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ إخْوانٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها ومَعْصِيَةٍ اسْتَباحُوها، وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعْتِقادِهِ أيْضًا، كَما هو في نَفْسِ الأمْرِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذا القَوْلِ، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِاعْتِبارِ الرِّضا بِفِعْلِ القاتِلِينَ مِن أسْلافِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَنَجْمَعُ ما قالُوا ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ في مَقامِ العَذابِ ونَجْزِيهِما جَزاءً مُماثِلًا لِتَشارُكِهِما في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما إبْطالًا لِما جاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ. ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: ونَنْتَقِمُ مِنهم بِواسِطَةِ هَذا القَوْلِ الَّذِي لا يُقالُ إلّا وقَدْ وُجِدَ العَذابُ. والحَرِيقُ بِمَعْنى المُحْرَقِ، وإضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ مِنَ الإضافَةِ البَيانِيَّةِ، أيِ العَذابُ الَّذِي هو المُحْرِقُ؛ لِأنَّ المُعَذِّبَ هو اللَّهُ تَعالى لا الحَرِيقُ أوِ الإفاضَةُ لِلسَّبَبِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةِ الفاعِلِ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، -والذَّوْقُ - كَما قالَ الرّاغِبُ، وجَوْدُ الطَّعْمِ في الفَمِ، وأصْلُهُ فِيما يَقِلُّ تَناوُلُهُ دُونَ ما يَكْثُرُ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: أكْلٌ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ؛ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هُنا -كَما قالَ ناصِرُ الدِّينِ -لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ البُخْلِ والتَّهالُكِ عَلى المالِ وغالِبِ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ؛ لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ، ومُعْظَمُ بُخْلِهِ لِلْخَوْفِ مِن فُقْدانِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا ما قالُوا، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا فَقَدْ أذاقُوا المُسْلِمِينَ وأتْباعَ الأنْبِياءِ غُصَصًا صفحة 142 وشَبُّوا في أفْئِدَتِهِمْ نارَ الغَيْرَةِ والأسَفَ، وأحْرَقُوا قُلُوبَهم بِلَهَبِ الإيذاءِ والكَرْبِ فَعُوِّضُوا هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ، وقِيلَ لَهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ كَما أذَقْتُمْ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا ما يَكْرَهُونَ، والقائِلُ لَهم ذَلِكَ -كَما قالَ الضَّحّاكُ- خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فالإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ وفي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغاتٌ في الوَعِيدِ حَيْثُ ذُكِرَ فِيها العَذابُ والحَرِيقُ والذَّوْقُ المُنْبِئُ عَنِ اليَأْسِ، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: ذُقْ كَلِمَةٌ تُقالُ لِمَن أيِسَ عَنِ العَفْوِ، أيْ: ذُقْ ما أنْتَ فِيهِ، فَلَسْتَ بِمُتَخَلِّصٍ مِنهُ، والمُؤْذِنُ بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ يَعْقُبُهُ ما هو أشَدُّ مِنهُ وأدْهى، والقَوْلُ لِلتَّشَفِّي المُنْبِئُ عَنْ كَمالِ الغَيْظِ والغَضَبِ، وفِيما قَبْلَها ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ المُبالَغاتِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وقَتْلُهُمْ) بِالرَّفْعِ، ويَقُولُ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ.

آل عمران 3:182

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المُحَقَّقِ المُنْزَلِ مَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، ولِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ أتى بِاسْمِ الإشارَةِ مَقْرُونًا بِاللّامِ والكافِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها؛ كَقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرُنَّ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ الأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّعْبِيرُ بِها عَنْها مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ، يَجُوزُ أنْ لا يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي بَلْ يُجْعَلُ تَقْدِيمُها الَّذِي هو عَمَلُها عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي أكْثَرُها أوِ الكَثِيرُ مِنها يُزاوَلُ بِاليَدِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ فَهو داخِلٌ تَحْتِ حُكْمِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِي إثابَةَ المُحْسِنِ، ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ، -وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُحُولُ مِنَ المُفَسِّرِينَ- وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحَقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ. وخُلاصَتُهُ المُعارَضَةُ بِطَرِيقِ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا لَكانَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ بِظُلْمٍ، فَنَفْيُ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَنشَأ هَذا الِاعْتِراضِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ والعِلَّةِ المُوجِبَةِ، والفَرْقُ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، فَإنَّ السَّبَبَ وسِيلَةٌ مَحْضَةٌ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُسَبِّبِ كَما أنَّ القَلَمَ -سَبَبُ الكِتابَةِ- غَيْرُ مُوجِبٍ إيّاها، والعَدْلُ اللّازِمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّ وإنْ لَمْ يُوجِبْهُ. فالِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ الإيجابِ عَلى عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فاسِدٌ جِدًّا، وأمّا قَوْلُهم في العَدْلِ المُقْتَضِي إلَخْ فَهو بَيانٌ لِمُقْتَضاهُ إذا خَلى وطَبْعَهُ، وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إيجابُ الإثابَةِ والمُعاقَبَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وخُلاصَةُ هَذا أنَّ المُلازِمَةَ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ مَمْنُوعَةٌ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا، ويَكُونَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا بِأنْ يَكُونَ السَّبَبُ سَبَبًا غَيْرَ مُوجِبٍ ولا مَحْذُورٍ حِينَئِذٍ. لا يُقالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ذَلِكَ الِاعْتِراضِ عَلى المَفْهُومِ المُعْتَبَرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لا عَلى كَوْنِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِأنّا نَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالمَفْهُومِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: حاصِلُهُ أنَّ العَدْلَ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّينَ، والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّ العَدْلَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ، وهو مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا نِزاعَ فِيهِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِنا سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ كَوْنُهُ تَعالى غَيْرُ ظالِمٍ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُعَذِّبْهم لَكانَ ظالِمًا، فَنَقُولُ: هو مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِياقِ كَلامِ المُعْتَرِضِ مِن قُبَيْلِ الِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ السَّبَبِ عَلى انْتِفاءِ المُسَبِّبِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالسَّبَبِ السَّبَبُ المُوجِبُ كَما قُلْنا ويُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ، ولا يَكُونُ مِن بابِ المَفْهُومِ في شَيْءٍ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُ هَذا وذاكَ فَلْيُبَيَّنْ حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ حاصِلَ مَعْنى الآيَةِ وقْعُ العَذابِ صفحة 143 عَلَيْكم ولَمْ يُتْرَكْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهو بِمَنطُوقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، بَلْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، وهو لُطْفُهُ تَعالى فَلا يُرَدُّ الِاعْتِراضُ، وأنْتَ تَعْلَمُ بِأنَّ هَذا ذُهُولٌ عَنْ مَقْصُودِ المُعْتَرِضِ أيْضًا، فَإنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، وعَدَمَها خارِجٌ عَنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِ عَلى ما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِ كَلامِهِ، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالسَّبَبِ السَّبَبَ المُوجِبَ عَلى ما هو مَبْنى كَلامِ ذَلِكَ المَوْلى، فَدَلالَتُهُ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ وُجُودَ السَّبَبِ المُوجِبِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ المُسَبِّبِ يَكُونُ عَدَمُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ -كَما في طُلُوعِ الشَّمْسِ ووُجُودِ النَّهارِ، فالعَدْلُ أعْنِي نَفْيَ الظُّلْمِ إذا كانَ سَبَبًا لِتَعْذِيبِ المُسْتَحِقِّ يَكُونُ عَدَمُهُ أعْنِي الظُّلْمَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمْتُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ. وتَعَقَّبَهُ أيْضًا مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، بَلْ وُقُوعُهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ في كَلامِ القِيلِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّ يُعَذِّبَهم، والمَعْنى أنَّ ذِكْرَ هَذا القَيْدِ رَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لِاحْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ فَإنَّهُ أمْرٌ حَسَنٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وقَوْلُهُ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ إلَخْ، أرادَ بِهِ أنَّ تَعَيُّنَهُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا القَيْدِ إذْ بِإمْكانِ تَعْذِيبِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ إرادَةَ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ، فَيَكُونُ حاصِلُ مَعْنى الآيَةِ إنَّ عَذابَكم هَذا إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكم لا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ تَزْيِيفَ المَوْلى كَلامَ صاحِبِ القِيلِ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِهِ؛ فَإنَّ كَلامَهُ لَيْسَ في مُنافاةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما، بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُخاطَبِينَ وتَبْكِيتِهِمْ في الِاعْتِرافِ بِتَقْصِيراتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ. فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ وعَدَمُهُ في صُورَةٍ رَكِيكٌ جِدًّا، ثُمَّ إنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ هَذا القِيلِ، وبَيْنَ ما نُقِلَ أوَّلًا عَنْ فُحُولِ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ جُعِلَ المَعْطُوفُ هُناكَ سَبَبًا وهَهُنا قَيْدًا لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسَّبَبِ الوَسِيلَةُ المَحْضَةُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَهو وسِيلَةٌ سَواءٌ اعْتُبِرَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، أوْ قَيْدًا لِلسَّبَبِ، نَعَمْ بَيْنَهُما عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَدافُعٌ يَتَراءى مِن وجْهٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ كَما سَنُحَقِّقُهُ بِحَوْلِهِ تَعالى. والحاصِلُ أنَّ العَطْفَ هُنا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو الظّاهِرُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ- ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ -وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ - (أنْ) وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تِذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تُقَرِّرُ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظالِمًا بالِغًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، ومِن هُنا يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ نَفْسِ الظُّلْمِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ كَثْرَتِهِ، ونَفْيَ الكَثْرَةِ لا يَنْفِي أصْلَهُ، بَلْ رُبَّما يُشْعَرُ بِوُجُودِهِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ نَفْيٌ لِأصِلِ صفحة 144 الظُّلْمِ وكَثْرَتِهِ بِاعْتِبارِ آحادِ مَن ظُلِمَ، فالمُبالَغَةُ في ( ظَلّامٍ ) بِاعْتِبارِ الكِمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، وبِأنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى القَلِيلُ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمْ يَظْلِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تُرِكَ كَثِيرُهُ مَعَ زِيادَتِهِ نَفَعَهُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ كانَ لِقَلِيلِهِ مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهِ أكْثَرُ تَرْكًا، وبِأنَّ ( ظَلّامٍ ) لِلنَّسَبِ كَعَطّارٍ، أيْ: لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الظُّلْمُ أصْلًا، وبِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَهُ تَعالى في أكْمَلِ المَراتِبِ، فَلَوْ كانَ تَعالى ظالِمًا سُبْحانَهُ لَكانَ ظَلّامًا، فَنَفْيُ اللّازِمِ لِنَفْيِ المَلْزُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ صِفاتِهِ تَعالى في أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ كَوْنَ المَفْرُوضِ ثُبُوتَهُ كَذَلِكَ، بَلِ الأصْلُ في صِفاتِ النَّقْصِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا فُرِضَ ثُبُوتُ صِفَةٍ لَهُ تَعالى تُفْرَضُ بِما يَلْزَمُها مِنَ الكَمالِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا في صِفاتِ الكَمالِ دُونَ صِفاتِ النَّقْصِ إنَّما يُوجِبُ عَدَمَ ثُبُوتِها لا ثُبُوتُها ناقِصَةً، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

آل عمران 3:183

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ نُصِبَ أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ. والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ، وفِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا هَذا القَوْلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا ﴿ألا نُؤْمِنَ﴾ أيْ: بِأنْ لا نُصَدِّقَ، ونَعْتَرِفَ ﴿لِرَسُولٍ﴾ يَدَّعِي الرِّسالَةَ إلَيْنا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ﴾ وهو ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نِعَمٍ وغَيْرِها كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقُرِئَ (بِقُرُبانٍ) بِضَمَّتَيْنِ ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ أُرِيدَ بِهِ نارٌ بَيْضاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولَها دَوِيٌّ، والمُرادُ مِن أكْلِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إحالَتُها إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ، واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، أوِ المَجازِ المُرْسَلِ، وقَدْ كانَ أمْرُ إحْراقِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إذا قُبِلَ شائِعًا في زَمَنِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، إلّا أنَّ دَعْوى أُولَئِكَ اليَهُودِ هَذا العَهْدُ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ؛ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَرامُهم مِن هَذا الكَلامِ الباطِلِ عَدَمَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَدَمِ إتْيانِهِ بِما قالُوا، ولَوْ تَحَقَّقَ الإتْيانُ بِهِ لَتَحَقَّقَ الإيمانُ بِزَعْمِهِمْ رَدِّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاءِ القائِلِينَ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ﴾ كَثِيرَةُ العَدَدِ كَبِيرَةُ المِقْدارِ مِثْلَ زَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرِهِمْ ﴿مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ والحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وصِحَّةِ رِسالَتِهِمْ، وحَقِيَةِ قَوْلِهِمْ كَما كُنْتُمْ تَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمْ، وتَطْلُبُونَ مِنهم ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ بِعَيْنِهِ وهو القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، أيْ: فَما لَكم لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى قَتْلِهِمْ، مَعَ أنَّهم جاءُوا بِما قُلْتُمْ مَعَ مُعْجِزاتٍ أُخَرَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكم مِن أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِرَسُولٍ يَأْتِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، والخِطابُ لِمَن في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأسْلافِهِمْ لِرِضاهم بِهِ -عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ - وإنَّما لَمْ يَقْطَعْ سُبْحانَهُ عُذْرَهم بِما سَألُوهُ مِنَ القُرْبانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ في الإتْيانِ بِهِ مَفْسَدَةً لَهم، والمُعْجِزاتِ تابِعَةٌ لِلْمَصالِحِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ هَكَذا: مَن جاءَ يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا أتَياكم فَآمِنُوا بِهِما؛ فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ ثُبُوتِ هَذا الشَّرْطِ أصْلًا.

آل عمران 3:184

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما جِئْتَهم بِهِ صفحة 145 ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ جاءُوا بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِها الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، فَإنَّهُ لِتَسْلِيَتِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ واليَهُودِ لَهُ، واقْتَصَرَ مُجاهِدٌ عَلى الثّانِي، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا تَحْزَنْ وتَسَلْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ مَحْذُوفًا، وهَذا تَعْلِيلًا لَهُ، ومَثَلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والقَوْلِ بِالحَذْفِ إذِ المَعْنى إنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَكْذِيبُكُ تَكْذِيبُ رُسُلٍ مِن قَبْلِكَ حَيْثُ أخْبَرُوا بِبَعْثَتِكَ وفي ذَلِكَ كَمالُ تَوْبِيخِهِمْ وتَوْضِيحُ صِدْقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ لَيْسَ فَوْقَها تَسْلِيَةٌ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّسْلِيَةَ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ- أتَمُّ إذْ عَلَيْهِ تَكُونُ المُشارَكَةُ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ شِفاهًا وصَرِيحًا، وعَلى الثّانِي لا شَرِكَةَ إلّا في التَّكْذِيبِ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شِفاهِيٌّ وصَرِيحٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المُرْسَلِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولا شَكَّ لِذِي ذَوْقٍ أنَّ الأوَّلَ أبْلَغُ في التَّسْلِيَةِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ في (مِن) أنْ تَتَعَلَّقَ -بِكُذِّبَ- وأنْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً –لِرُسِلٍ- أيْ كائِنَةً مِن قَبْلِكَ. وعَلى الثّانِي يَتَعَيَّنُ الثّانِي، ويُشْعِرُ بِالأوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وصْفُ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ الباهِراتِ ﴿والزُّبُرِ﴾ جَمْعُ زَبُورٍ، كالرَّسُولِ والرُّسُلِ، وهو الكِتابُ المَقْصُورُ عَلى الحُكْمِ مِن زَبَرْتُهُ بِمَعْنى حَسَّنْتُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الزُّبُرُ المَواعِظُ والزَّواجِرُ مِن زَبَرْتُهُ إذا زَجَرْتُهُ، ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيِ المُوَضِّحِ أوِ الواضِحِ المُسْتَنِيرِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ القُرْآنُ، ومَعْنى مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ مَجِيئُهم بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ عَلى وجْهٍ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ الزُّبُرُ والشَّيْءُ يُضاعَفُ بِالِاعْتِبارِ، وهو واحِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ وهو في عُرْفِ القُرْآنُ ما يَتَضَمَّنُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، ولِذَلِكَ جاءَ هو والحِكْمَةُ مُتَعاطِفَيْنِ في عامَّةِ المَواقِعِ، ووَجْهُ إفْرادِ الكِتابِ بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، ولَعَلَّ وجْهَ إفْرادِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ الثّانِي والثّالِثِ، وإنْ أُرِيدَ مِنهُ الجِنْسُ الصّادِقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ الرَّمْزُ إلى أنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ وإنْ تَعَدَّدَتْ فَهي مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَشَيْءٍ واحِدٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وبِالزُّبُرِ) بِإعادَةِ الجارِّ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُغايِرَةٌ لِلْبَيِّناتِ بِالذّاتِ بِأنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتِ غَيْرِ الكُتُبِ؛ لِأنَّ إعادَةَ العامِلِ تَقْتَضِي المُغايِرَةَ ولَوْلاها لَجازَ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. ومِنَ الغَرِيبِ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ الحُرُوفُ بِاعْتِبارِ أسْمائِها كَألِفٍ ولامٍ، وبِالزُّبُرِ الحُرُوفُ بِاعْتِبارِ مُسَمَّياتِها ورَسْمِها، كَأبٍ، وبِالكُتّابِ الحُرُوفُ المُجْتَمِعَةُ المُتَلَفَّظُ بِها كَلِمَةً وكَلامًا. وادَّعى أهْلُ هَذا القَوْلِ: إنَّ لِكُلٍّ مِن ذَلِكَ مَعانِيَ وأسْرارًا لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ، فَهم يَبْحَثُونَ عَنِ الكَلِمَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وبِاعْتِبارِ كُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِها المَرْسُومَةِ، وبِاعْتِبارِ اسْمِ كُلِّ حَرْفٍ مِنها الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا اصْطِلاحٌ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ. والظّاهِرُ مِن تَتَبُّعِ الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ الشّارِعِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ، ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ المَوْتُ الأحْمَرُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ نازِلٌ بِها لا مَحالَةَ، فَكَأنَّها ذائِقَتُهُ وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ تَذَكُّرَ المَوْتِ واسْتِحْضارَهُ مِمّا يُزِيلُ صفحة 146 الهُمُومَ والأشْجانَ الدُّنْيَوِيَّةَ. وفِي الخَبَرِ: «أكْثِرُوا ذِكْرُ هاذِمِ اللَّذّاتِ فَإنَّهُ ما ذُكِرَ في كَثِيرٍ إلّا وقَلَّلَهُ، ولا في قَلِيلٍ إلّا وكَثَّرَهُ» . وكَذا العِلْمُ بِأنَّ وراءَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَرى كُلٌّ مِنهُما جَزاءَ عَمَلِهِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ الكُلِّيَّةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى عُمُومِها لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ وإذا أُرِيدَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ كَثُرَتِ المُسْتَثْنَياتُ جِدًّا، وهَلْ تَدْخُلُ المَلائِكَةُ في هَذا العُمُومِ ؟ قَوْلانِ، والجُمْهُورُ عَلى دُخُولِهِمْ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: ماتَ أهْلُ الأرْضِ فَلَمّا نَزَلَ.

آل عمران 3:185

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا. ووُقُوعُ المَوْتِ لِلْأنْفُسِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الحَيَوانِيَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الحُكَماءَ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحَياةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ. ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ، فَإذا قَلَّتِ الرُّطُوبَةُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ، ولا تَزالُ هَذِهِ الحالُ مُسْتَمِرَّةً إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ الأرْواحَ المُجَرَّدَةَ لا تَمُوتُ ولا يُتَصَوَّرُ مَوْتُها إذْ لا حَرارَةَ هُناكَ ولا رُطُوبَةَ، وقَدْ ناقَشَهُمُ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ والمَدارُ عِنْدَهم عَلى الحَرارَةِ الكافُ ورُطُوبَةُ النُّونِ، ولَعَلَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَوْتٍ ومَوْتٍ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ باقِيَةٌ بَعْدَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الذّائِقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ المَذُوقِ فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: (ذائِقَةً المَوْتَ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ المَوْتِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ذائِقَةَ المَوْتَ) بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرًا لِلَّهِ إلّا قَلِيلا وعَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ (كُلُّ نَفْسٍ) مُبْتَدَأٌ وجازَ ذَلِكَ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، و(ذائِقَةُ) الخَبَرُ، وأُنِّثَ عَلى مَعْنى (كُلُّ) لِأنَّ (كُلُّ نَفْسٍ) نُفُوسٌ، ولَوْ ذُكِرَ في غَيْرِ القُرْآنِ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) جازَ. ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ تُعْطَوْنَ أجْزِيَةَ أعْمالِكم وافِيَةً تامَّةً ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وقْتَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، فالقِيامَةُ مَصْدَرٌ والوَحْدَةُ لِقِيامِهِمْ دَفْعَةً واحِدَةً، وفي لَفْظِ التَّوْفِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ أُجُورِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تَصِلُ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ»، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَزاءُ بِبَعْضِ الأعْمالِ في الدُّنْيا، ولَعَلَّ مَن يُنْكِرُ عَذابَ القَبْرِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ هَذِهِ النُّكْتَةُ. ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ أيْ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ عَنْ نارِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ الزَّحْزَحَةِ تَكْرِيرُ الزَّحِّ، وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وقَدْ أُرِيدَ هُنا المَعْنى اللّازِمُ ﴿وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ أيْ سَعِدَ ونَجا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُ الفَوْزِ الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَعْضُ النّاسِ قَدَّرَ لَهُ هُنا مُتَعَلِّقًا أيْ فازَ بِالنَّجاةِ ونِيلِ المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حُذِفَ لِلْعُمُومِ أيْ بِكُلِّ ما يُرِيدُ، وفي الخَبَرِ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ». وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ». وذِكْرُ دُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ البُعْدِ عَنِ النّارِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ البُعْدِ عَنْها دُخُولُ الجَنَّةِ كَما هو ظاهِرٌ. ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ لِذاتِها وشَهَواتِها وزِينَتِها ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ (185) المَتاعُ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ صفحة 147 بِهِ مِمّا يُباعُ ويَشْتَرى، وقَدْ شَبَّهَها سُبْحانَهُ بِذَلِكَ المَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَيِّرُ حَتّى يَشْتَرِيَهُ إشارَةً إلى غايَةِ رَداءَتِها عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيها: إذا امْتَحَنَ الدُّنْيا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ∗∗∗ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ في ثِيابِ صَدِيقِ وعَنْ قَتادَةَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها، فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إنِ اسْتَطَعْتُمْ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: هي لَيِّنٌ مَسُّها، قاتِلٌ سُمُّها. وقِيلَ: الدُّنْيا ظاهِرُها مَظِنَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ بِالنِّسْبَةِ لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بِلاغٍ. وفِي الخَبَرِ: «" نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ». والغُرُورُ مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.

آل عمران 3:186

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَتُخْتَبَرُنَّ، والمُرادُ لَتُعامَلُنَّ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ لِيَظْهَرَ ما عِنْدَكم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والأفْعالِ الحَسَنَةِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الِابْتِلاءِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ مُحالٌ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ كَما مَرَّ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لَهم مَعَهُ ﷺ، وإنَّما أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِما سَيَقَعُ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ويُقابِلُوهُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والثَّباتِ، فَإنَّ هُجُومَ البَلاءِ مِمّا يَزِيدُ في اللَّأْواءِ والِاسْتِعْدادِ لِلْكَرْبِ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ، ولِتَحْقِيقِ مَعْنى الِابْتِلاءِ لِهَذا التَّهْوِينِ أتى بِالتَّأْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: أتى بِهِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ، وعَلى أيِّ وجْهٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جِهَةِ أعْدائِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَسْلِيَتِهِمْ عَمّا وقَعَ مِنهم، وقِيلَ: إنَّما سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ الدُّنْيا دارُ مِحْنَةٍ وابْتِلاءٍ، وأنَّها إنَّما زُوِيَتْ عَنِ المُؤْمِنِينَ لِيَصْبِرُوا فَيُؤْجَرُوا إثْرَ بَيانِ أنَّها (مَتاعُ الغُرُورِ)، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى كَما لا يَخْفى، والواوُ المَضْمُومَةُ ضَمِيرُ الرَّفْعِ، ولامُ الكَلِمَةِ مَحْذُوفَةٌ لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، وإنَّما حُرِّكَتْ هَذِهِ الواوُ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الحاصِلِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكانَ ذَلِكَ بِالضَّمِّ لِيَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ في الجُمْلَةِ، ولَمْ تُقْلَبِ الواوُ ألِفًا مَعَ تَرْكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها لِعُرُوضِ ذَلِكَ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِالفَرائِضِ فِيها والجَوائِحِ، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الثّانِي مُدَّعِيًا أنَّ الأوَّلَ المُمَثَّلَ في كَلامِهِمْ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والزَّكاةُ لا يَلِيقُ نَظْمُهُ في سِلْكِ الِابْتِلاءِ لِما أنَّهُ مِن بابِ الإضْعافِ لا مِن قَبِيلِ الإتْلافِ، وفِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، والأوْلى القَوْلُ بِالعُمُومِ (و) في (أنْفُسِكُمْ) بِالقَتْلِ والجِراحِ والأسْرِ والأمْراضِ وفَقْدِ الأقارِبِ وسائِرِ ما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ، وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ لِلتَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إيتائِكُمُ القُرْآنَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ إمّا لِلْإشْعارِ بِمَدارِ الشِّقاقِ، والإيذانِ بِأنَّ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم مُسْتَنِدٌ عَلى زَعْمِهِمْ إلى الكِتابِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِنهم، وشِدَّةِ وقْعِهِ عَلى الأسْماعِ حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ صَدَرَ مِمَّنْ لا يُتَوَقَّعُ صُدُورُهُ مِنهُ لِوُجُودِ زاجِرٍ عَنْهُ مَعَهُ، وهو إيتاؤُهُ الكِتابَ كَما قِيلَ، والتَّصْرِيحُ بِالقَبْلِيَّةِ إمّا لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ وتَقْوِيَةِ المَدارِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِ الزّاجِرِ عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِن أُولَئِكَ المُسْمِعِينَ. ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وهم كُفّارُ العَرَبِ ﴿أذًى كَثِيرًا﴾ كالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّشْبِيبِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ صفحة 148 عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ عِنْدَ وُرُودِها ﴿وتَتَّقُوا﴾ أيْ تَتَمَسَّكُوا بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي عِنْدَكم وُصُولُ المَحْبُوبِ ولِقاءُ المَكْرُوهِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ ضِمْنًا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إمّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ صَرِيحًا عَلى ما قِيلَ، أوْ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِما. وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ اعْتِناءً بِشَأْنِ المُخاطَبِ بِهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالخِطابِ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (186) أيِ الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَعْزِمَها كُلُّ أحَدٍ لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ والعِزِّ، أوْ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالعَزْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَعْزُومِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ الأمْرَ - كَما نَقَلَهَ الرّاغِبُ - والأشْهَرُ: عَزَمْتُ عَلى الأمْرِ، ودَعْوى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ سِواهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ كَدَعْوى عَدَمِ صِحَّةِ نِسْبَةِ العَزْمِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وعَقْدُ القَلْبِ عَلى ما يُرى فِعْلُهُ وهو مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى، ومِمّا يُؤَيِّدُ صِحَّةُ النِّسْبَةِ أنَّهُ قُرِئَ: (فَإذا عَزَمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإرادَةِ والإيجابِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «نُهِينا عَنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا»، وما في حَدِيثٍ آخَرَ يُرَغِّبُنا في قِيامِ رَمَضانَ مِن غَيْرِ عَزِيمَةٍ. وقَوْلُهم: عَزَماتُ اللَّهِ تَعالى - كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ - ومِن هَذا البابِ قَوْلُ الفُقَهاءِ: تَرْكُ الصَّلاةِ زَمَنَ الحَيْضِ عَزِيمَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجَوابٍ واقِعٍ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ) أوْ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ، أوْ نَحْوُهُما ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ إلَخْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَبْرِ المُخاطَبِينَ وتَقْواهم، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ بِنَفْسِها جَوابَ الشَّرْطِ، وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ القِتالِ، وبِنُزُولِها نُسِخَ ذَلِكَ، وصُحِّحَ عَدَمُ النَّسْخِ وأنَّ الأمْرَ بِما ذُكِرَ كانَ مِن بابِ المُداراةِ الَّتِي لا تُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلٍ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ أخْبَرَهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلى حِمارٍ عَلى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وأرْدَفَ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وسارَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ في بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ حَتّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ، فَإذا في المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وفي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَلَمّا غَشّى المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ ثُمَّ قالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ وقَفَ فَنَزَلَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أيُّها المَرْءُ إنَّهُ لا أحْسَنُ مِمّا تَقُولُ إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا، ارْجِعْ إلى رَحْلِكَ فَمَن جاءَكَ فاقْصُصْ عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فاغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ، واسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتّى كادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دابَّتَهُ فَسارَ حَتّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ فَقالَ لَهُ: يا سَعْدُ ألَمْ تَسْمَعْ ما قالَ أبُو حُبابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قالَ: كَذا وكَذا ؟ فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ اللَّهُ تَعالى بِالحَقِّ الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْكَ، وقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويَعْصِبُوهُ بِالعِصابَةِ، فَلَمّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَهُ شَرِقَ فَغَصَّ بِذَلِكَ، فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» . صفحة 149 ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ كانَ شاعِرًا وكانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في شِعْرِهِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُها أخْلاطٌ، مِنهُمُ المُسْلِمُونَ ومِنهُمُ المُشْرِكُونَ ومِنهُمُ اليَهُودُ، فَأرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَسْتَصْلِحَهم كُلَّهم، فَكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ يُؤْذُونَهُ ويُؤْذُونَ أصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَتَسْمَعُنَّ﴾ الآيَةَ. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الزَّهْرِيِّ «أنَّ كَعْبًا هَذا كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﷺ: " مَن لِي بِابْنِ الأشْرَفِ ؟ فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَخَرَجَ هو ورَضِيعُهُ أبُو نائِلَةَ مَعَ جَماعَةٍ فَقَتَلُوهُ غِيلَةً، وأتَوْا بِرَأْسِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ آخِرَ اللَّيْلِ وهو قائِمٌ يُصَلِّي» .

آل عمران 3:187

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بَعْضَ أذِيّاتِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والمُرادُ بِهِمْ إمّا أحْبارُ اليَهُودِ خاصَّةً - وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ - وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وإمّا ما يَشْمَلُهم وأحْبارَ النَّصارى - وهو المَرْوِيُّ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عَلْقَمَةَ - وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وقِيلَ: رَمْزًا إلى أنْ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في كِتابِهِمُ الَّذِي أُوتُوهُ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: وإذْ أخَذَ رَبَّكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهم. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ جَوابُ مِيثاقٍ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَسَمِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ أيْ بِاللَّهِ لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ، وظاهِرُ كَلامِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَدْ قَرَّرَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ أنَّكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ يَمِينِ حُلِفَ بِها فَلَكَ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحُدُها: أنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الغائِبِ كَأنَّكَ تُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ كَأنْ تَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَيَقُومَنَّ. الثّانِي: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ الحاضِرِ تُرِيدُ اللَّفْظَ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَتَقُولُ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَتَقُومَنَّ كَأنَّكَ قُلْتَ: قُلْتُ لَهُ: لَتَقُومَنَّ. الثّالِثُ: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ المُتَكَلِّمِ فَتَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَأقُومَنَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ، ولَوْ كانَ تَقاسَمُوا أمْرًا لَمْ يَجِئْ فِيهِ الياءُ التَّحْتِيَّةُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِغائِبٍ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، وإنَّما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالنُّونِ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا، وقالَ أبُو البَقاءِ: اكْتِفاءً بِالتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ الأوَّلِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إمّا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ الواوِ، أيْ وأنْتُمْ لا تَكْتُمُونَهُ، وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ دُخُولَ الواوِ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ عِنْدَ وُقُوعِهِ حالًا أيْ لَتُظْهِرُنَّهُ غَيْرَ كاتِمِينَ، والنَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ - أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالبَيانِ المَأْمُورِ بِهِ ذِكْرُ الآياتِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ، وبِالكِتْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلْغاءُ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ والشُّبَهاتِ الباطِلَةِ كَما قِيلَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُفَسِّرُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ بِقَوْلِهِ لَتَتَكَلَّمَنَّ بِالحَقِّ ولَتَصْدُقَنَّهُ بِالعَمَلِ، وأمْرُ النَّهْيِ بَعْدَ الأمْرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ أيْضًا، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أفْيَدُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومَن مَعَهُ ولا يَكْتُمُونَهُ بِالياءِ كَما في سابِقِهِ ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أيْ طَرَحُوا ما أُخِذَ مِنهم مِنَ المِيثاقِ ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ أصْلًا، فَإنَّ النَّبْذَ وراءَ الظَّهْرِ تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِتَرْكِ الِاعْتِدادِ وعَدَمِ صفحة 150 الِالتِفاتِ وعَكْسُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ نُصْبَ العَيْنِ ومُقابِلَها. ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى أخَذُوا بَدَلَهُ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا الفانِيَةِ وأغْراضِها الفاسِدَةِ ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (187) أيْ بِئْسَ شَيْئًا يَشْتَرُونَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ، فَما نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، وجُمْلَةُ يَشْتَرُونَهُ صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فاعِلُ بِئْسَ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شِراؤُهم هَذا الشِّراءَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِهِ العَذابَ الألِيمَ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ إظْهارِ العِلْمِ وحُرْمَةِ كِتْمانِ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ واسْتِجْلابٍ لِمَسارِهِمْ واسْتِجْذابٍ لِمَبارِّهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الخَبَرِ: ”«مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ“». ورَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ قالَ: أتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أنْ تَرَكَ الحَدِيثَ فَألْفَيْتُهُ عَلى بابِهِ فَقُلْتُ: إنْ رَأيْتَ أنْ تُحَدِّثَنِي ؟ فَقالَ: أما عَلِمْتَ أنِّي تَرَكْتُ الحَدِيثَ ؟ فَقُلْتُ: إمّا إنْ تُحَدِّثَنِي، وإمّا أنْ أُحَدِّثَكَ، فَقالَ: حَدِّثْنِي، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ نَجْمٍ الخَرّازِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَعْلَمُوا، قالَ: فَحَدَّثَنِي أرْبَعِينَ حَدِيثًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الحَسَنِ: لَوْلا المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ العِلْمِ ما حَدَّثْتُكم بِكَثِيرٍ مِمّا تَسْألُونَ عَنْهُ. ويُؤَيِّدُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى قَوْمٍ في المَسْجِدِ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ كَعْبًا يُقْرِئُكُمُ السَّلامَ ويُبَشِّرُكم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ. لَيْسَتْ فِيكم، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وأنْتَ فَأقْرِئْهُ السَّلامَ أنَّها نَزَلَتْ - وهو يَهُودِيٌّ - وأرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ كَعْبًا لَمْ يَعْرِفْ ما أشارَتْ إلَيْهِ وإنْ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ.

آل عمران 3:188

﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أيْ لا تَظُنَّنَّ. ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ بِما فَعَلُوا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، وقُرِئَ: (بِما آتَوْا) و(بِما أُوتُوا) ورُوِيَ الثّانِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ أيْ أنْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ، وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ: هم أهْلُ الكِتابِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ وحَرَّفُوا الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا ﴿أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ“». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم (يَفْرَحُونَ) بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي نَطَقَ بِها كُتّابُهم ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المَذْكُورِينَ سابِقًا الَّذِينَ أخَذَ مِيثاقَكم، وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، وسِيقَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ ما يَسْتَتْبِعُ أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةَ مِنَ العَذابِ صفحة 151 إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وفَضائِحِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى القَبِيحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْرَجَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مَخْرَجَ المَعْلُومِ إيذانًا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنْ أُناسٍ مُنافِقِينَ وهم طائِفَةٌ مَعْهُودُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا ﴿أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كافَّةً، وقَدْ كانَ أكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأنْسَبُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَنزِلٍ، وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ وإنْ سُلِّمَ كَوْنُهُ أنْسَبَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيما نَعْلَمُ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ، ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا عَلى أنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ بِأنَّ انْتِظامَ المَعْهُودِينَ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أوَّلِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلّا إذا عُمِّمَ ما في ﴿بِما أتَوْا﴾ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَسَناتِ الحَقِيقِيَّةَ وغَيْرَها، أمّا إذا خُصَّ بِالحَسَناتِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ هَذا القَوْلِ فَلا يُسَلَّمُ الِانْتِظامُ لِأنَّ أُولَئِكَ الفَرِحِينَ لَمْ يَأْتُوا بِحَسَنَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ لِيَفْرَحُوا بِها فَرَحَ إعْجابٍ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا سَهْلٌ، نَعَمْ يَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكم ولِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأوْلى إجْراءَ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ لَأجْراهُ حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمانُ القُرْآنِ، وأزالَ الإشْكالَ بِتَقْيِيدِ الفَرَحِ بِفَرَحِ الإعْجابِ كَما فَعَلَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَلامِ الحَبْرِ عَلى هَذا عَدَمُ حُرْمَةِ الفَرَحِ فَرَحَ إعْجابٍ، وحُبُّ الحَمْدِ بِما لَمْ يَفْعَلْ بِالمَرَّةِ، بَلْ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ مَفادَ الآيَةِ - كَما قِيلَ - وهو لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ كَوْنِهِ مَفادَ شَيْءٍ أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا بِعَدَمِ الحُرْمَةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ ناطِقٌ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّهُ البَعْضُ مِنَ الكَبائِرِ ؟! فَلْيُفْهَمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ – لِتَحْسَبَنَّ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والعَرِبُ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إذا أطالَتِ القِصَّةَ تُعِيدُ حَسِبْتَ وما أشْبَهَها إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي جَرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ وتَوْكِيدٌ لَهُ فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا فَيُفِيدُ لا تَظُنَّنَّ تَوْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والفاءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: فَإذا هَلَكْتُ (فَعِنْدَ) ذَلِكَ فاجْزَعِي والمَفْعُولُ الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الفَوْزِ، والتّاءُ لَيْسَتْ لِلْوَحْدَةِ لِبِناءِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، و(مِنَ العَذابِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ اسْمَ مَكانٍ أيِّ مَحَلَّ فَوْزٍ ونَجاةٍ، صفحة 152 وأنْ يُسْتَعارَ مِنَ المَفازَةِ لِلْقَفْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ العَذابِ صِفَةً لَهُ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ خاصًّا أيْ مُنْجِيَةٍ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ وتَقْدِيرُهُ عامًّا - أيْ بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المَفازَةَ لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيرَهُ خاصًّا مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، وبِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ في القِراءَتَيْنِ كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الفِعْلِ الأوَّلِ، وبِالياءَ وضَمِّ الباءِ في الفِعْلِ الثّانِي عَلى أنَّ فاعِلَ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ) بَعْدَهُ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، وفاعِلَ مُؤَكِّدِهِ ضَمِيرُ المَوْصُولِ ومَفْعُولاهُ ضَمِيرُهم، و(بِمَفازَةٍ) أيْ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) فَلا (يَحْسَبُنَّ) أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ – لِلا يَحْسَبَنَّ - مَحْذُوفًا، والمَفْعُولُ الثّانِي مَذْكُورًا أيْ أعْنِي (بِمَفازَةٍ) أنَّ (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) أنْفُسَهم فائِزِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) مُؤَكِّدٌ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، وأنْ يَكُونَ كِلا مَفْعُولَيْ (لا يَحْسَبَنَّ) مَذْكُورًا، الأوَّلُ ضَمِيرَهُمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ الثّانِي، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ التَّأْكِيدِ هو الفِعْلُ والفاعِلُ فَقَطْ عَلى ما هو الأنْسَبُ، إذْ لَيْسَ المَذْكُورُ سابِقًا سِواهُما، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ اتِّصالَ ضَمِيرِ المَفْعُولِ بِغَيْرِ عامِلِهِ أوْ فاعِلِهِ المُتَّصِلِ بِعامِلِهِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ فِيهِ تَحاشٍ عَنِ الحَذْفِ في هَذا البابِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ بِجَوازٍ ذَلِكَ، وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بِالتَّدْوِينِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الأوَّلُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ كُلِّ حاسِبٍ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَدَمِ حُسْبانِ كُلِّ حاسِبٍ، ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ و﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّم َفَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ ﷺ . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَعْلِيلَ التَّصْدِيرِ بِما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ عَلى ما مَرَّ غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ. ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ (188) بَيانٌ لِثُبُوتِ فَرْدٍ مِنَ العَذابِ لا غايَةً لَهُ في المُدَّةِ والشَّدَّةِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ، والوَصْفُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُحْمَلُ نَفْيُ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى نَفْيِ العَذابِ العاجِلِ، وهو كَوْنُهم مَذْمُومِينَ مَرْدُودِينَ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ لِأنَّ لِباسَ الزُّورِ لا يَبْقى ويَنْكَشِفُ حالُ صاحِبِهِ ويَفْتَضِحُ.

آل عمران 3:189

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ لِلَّهِ وحْدَهُ السُّلْطانَ القاهِرَ في جَمِيعِ العالَمِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، تَعْذِيبًا وإثابَةً، ومَن هو كَذَلِكَ فَهو مالِكُ أمْرِهِمْ لا رادَّ لَهُ عَمّا أرادَ بِهِمْ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (189) تَقْرِيرٌ إثْرَ تَقْرِيرٍ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ، فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ والرَّمْزِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالتَّقْرِيرِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِ اليَهُودِ السّابِقِ ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ صفحة 153 وضُعِّفَ بِالبُعْدِ - ولَوْ قِيلَ -: وفِيهِ رَدٌّ لَهانَ الأمْرُ. * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ أوْ لِشِدَّةِ الغَيْرَةِ ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ لِحِجابِهِمُ الأصْلِيِّ وظُلْمَتِهِمُ الذّاتِيَّةِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فَإنَّ ساحَةَ الكِبْرِياءِ مُقَدَّسَةٌ عَنْ هُجُومِ ظِلالِ الضَّلالِ، أوِ المُرادُ لَنْ يَضُرُّوكَ أيُّها المُظْهِرُ الأعْظَمُ إلّا أنَّهُ تَعالى أقامَ نَفْسَهُ تَعالى مَقامَ نَفْسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ والجَمْعِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إظْهارًا لِصِفَةِ قَهْرِهِ ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لِعِظَمِ حِجابِهِمْ ونَظَرِهِمْ إلى الأغْيارِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ﴾ وأخَذُوهُ بِالإيمانِ بَدَلَهُ لِقُبْحِ اسْتِعْدادِهِمْ وسُوءِ اخْتِيارِهِمُ الغَيْرِ المَجْعُولِ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ ولَكِنْ يَضُرُّونَ أنْفُسَهم لِحِرْمانِها تَجَلِّي الجَمالِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِكَوْنِهِمْ غَدَوْا بِذَلِكَ مَظْهَرَ الجَلالِ. ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ ونَزِيدُ في مَدَدِهِمْ ﴿خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في القُرْبِ إلَيْنا ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِازْدِيادِهِمْ حِجابًا عَلى حِجابٍ وبُعْدًا عَلى بُعْدٍ ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ مَنبَعِ العِزِّ. ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِن ظاهِرِ الإسْلامِ وتَصْدِيقِ اللِّسانِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ﴾ مِن صِفاتِ النَّفْسِ وحُظُوظِ الشَّيْطانِ ودَواعِي الهَوى ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وهو صِفاتُ القَلْبِ كالإخْلاصِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ ومُشاهَدَةِ الرُّوحِ ومُناغاةِ السِّرِّ ومُسامَراتِهِ، وذَلِكَ بِوُقُوعِ الفِتَنِ والمَصائِبِ بَيْنَكم ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ أيْ غَيْبِ وُجُودِكم مِنَ الحَقائِقِ الكامِنَةِ فِيكم بِلا واسِطَةِ الرَّسُولِ لِلْبُعْدِ وعَدَمِ المُناسِبَةِ وانْتِفاءِ اسْتِعْدادِ التَّلَقِّي مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مِن يَشاءُ﴾ فَيُطْلِعُهُ عَلى ذَلِكَ ويَهْدِيكم إلى ما غابَ عَنْكم مِن كُنُوزِ وجُودِكم وأسْرارِهِ لِلْجِنْسِيَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّمَسُّكِ بِالشَّرِيعَةِ لِيُمْكِنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهم ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الحاصِلِ بِالسُّلُوكِ والمُتابَعَةِ في الطَّرِيقَةِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الحُجُبَ والمَوانِعَ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مِن كَشْفِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى غُيُوبًا: غَيْبَ الظّاهِرِ وغَيْبَ الباطِنِ وغَيْبَ الغَيْبِ وسِرَّ الغَيْبِ وغَيْبَ السِّرِّ، فَغَيْبُ الظّاهِرِ هو ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وغَيْبُ الباطِنِ هو غَيْبُ المَقْدُوراتِ المَكْنُونَةِ عَنْ قُلُوبِ الأغْيارِ، وغَيْبُ الغَيْبِ هو سِرُّ الصِّفاتِ في الأفْعالِ، وسِرُّ الغَيْبِ هو نُورُ الذّاتِ في الصِّفَةِ، وغَيْبُ السِّرِّ هو غَيْبُ القِدَمِ وسِرِّ الحَقِيقَةِ والِاطِّلاعِ بِالواسِطَةِ عَلى ما عَدا الأخِيرِ واقِعٌ لِلسّالِكِينَ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا الِاطِّلاعُ عَلى الأخِيرِ فَغَيْرُ واقِعٍ لِأحَدٍ أصْلًا، فَإنَّ الأزَلِيَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الإدْراكٍ وخاصَّةٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِن ذَلِكَ المَعْنى رُؤْيَتُهُ بِنَعْتِ الكَشْفِ لَهُ وابْتِسامِ صَباحِ الأزَلِ في وجْهِهِ لا بَنَعْتِ الإحاطَةِ والإدْراكِ. ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِنَ المالِ أوِ العِلْمِ أوِ القُدْرَةِ أوِ النَّفْسِ فَلا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ أوِ المُسْتَعِدِّينَ أوِ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ في الذَّبِّ عَنْهم، أوْ في الفَناءِ في اللَّهِ تَعالى ﴿هُوَ خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِهِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ويُلْزَمُونَ وبالَهُ ويَبْقى ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ البُخْلِ كَتْمَ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها وعَدَمَ إظْهارِ مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُرِيدِينَ وإبْقائِهِمْ في مَهامِهِ الطَّرِيقِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن إرْشادِهِمْ ويُقالُ: إنَّ مَبْنى الطَّرِيقِ عَلى السَّخاءِ، وإنَّ السَّخاءَ بِالمالِ وصْفُ المُرِيدِينَ، والسَّخاءَ بِالنَّفْسِ وصْفُ المُحِبِّينَ، وبِالرُّوحِ وصْفُ العارِفِينَ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: السَّخاءُ بَذْلُ النَّفْسِ والسِّرِّ والرُّوحِ والكُلِّ، ومَن بَخِلَ في طَرِيقِ الحَقِّ بِمالِهِ حُجِبَ وبَقِيَ صفحة 154 مَعَهُ، ومَن نَظَرَ إلى الغَيْرِ حُرِمَ فَوائِدَ الحَقِّ وسَواطِعَ أنْوارِ القُرْبِ. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ وهُمُ اليَهُودُ حَيْثُ سَمِعُوا الِاسْتِقْراضَ ولَمْ يَفْهَمُوا سِرَّهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا وقالُوا ما قالُوا، وهَذا القَوْلَ إنَّما يَجُرُّ إلَيْهِ الطُّغْيانُ وغَلَبَةُ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ واسْتِيلاءُ سُلْطانِ الهَوى عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، فَتَطْلُبُ حِينَئِذٍ الِارْتِداءَ بِرِداءِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومِن هُنا تَقُولُ: (أنا رَبُّكُمُ الأعْلى) أحْيانًا مَعَ حِجابِها وبُعْدِها عَنِ الحَضْرَةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ رُوِيَ «أنَّ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ مُعْجِزَتُهم أنْ يَأْتُوا بِقُرْبانٍ فَيَدْعُوا اللَّهَ تَعالى فَتَأْتِيَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، وتَأْوِيلُهُ أنْ يَأْتُوا بِنُفُوسِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ تَعالى ويُدْعَوْنَ بِالزُّهْدِ والعِبادَةِ فَتَأْتِي نارُ العِشْقِ مِن سَماءِ الرُّوحِ فَتَأْكُلُهُ وتُفْنِيهِ في الوَحْدَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ تَصِحُّ نُبُوَّتُهم وتَظْهَرُ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عَوامُّ بَنِي إسْرائِيلَ اعْتَقَدُوا ظاهِرَهُ المُمْكِنَ في عالَمِ القُدْرَةِ فاقْتَرَحُوا عَلى كُلِّ نَبِيٍّ تِلْكَ الآيَةَ إلى أنَّ جاءَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ، ونَقَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَنا ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ»، وأوْلى مِن هَذا في بابِ التَّأْوِيلِ أنَّ يَهُودَ صِفاتِ النَّفْسِ البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ قالُوا لِرَسُولِ الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ لا نَنْقادُ لَكَ ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ﴾ هو الدُّنْيا وما فِيها تَجْعَلُها نَسِيكَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَأْكُلُها نارُ المَحَبَّةِ ﴿قُلْ﴾ يا وارِدَ الحَقِّ ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي﴾ أيْ وارِداتُ الحَقِّ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالحُجَجِ الباهِرَةِ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ وهو جَعْلُ الدُّنْيا وما فِيها قُرْبانًا ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ غَلَبْتُمُوهم ومَحَوْتُمُوهم حَتّى لَمْ تُبْقُوا أثَرًا لِتِلْكَ الوارِداتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِمَن يَأْتِيكم بِذَلِكَ. ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْعَوامِّ ﴿والزُّبُرِ﴾ لِلْمُتَوَسِّطِينَ ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ لِلْخَواصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ إشارَةً إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والثّانِي إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والثّالِثُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولِهَذا أتى بِالكِتابِ مُفْرَدًا ووَصَفَهُ بِالمُنِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْوارِدِ الرَّحْمانِيِّ والرُّسُلِ إشارَةً إلى الوارِداتِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنَوِّعَةِ. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ حُكْمٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأنْفُسِ مُجَرَّدَةً كانَتْ أوْ بَسِيطَةً بِحَمْلِ المَوْتِ عَلى ما يَشْمَلُ المَوْتَ الطَّبِيعِيَّ والفَناءَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ثُمَّ ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ عَلى اخْتِلافِها يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ أيْ نارِ الحِجابِ أوْ ما يَعُمُّها والنّارَ المَعْرُوفَةَ ﴿وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾ المُتَنَوِّعَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوِ الجَنَّةَ بِالمَعْنى الأعَمِّ ﴿فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ولَذّاتُها الفانِيَةُ ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ لِأنَّها الحِجابُ الأعْظَمُ لِمَن نَظَرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ لَتُخْتَبَرُنَّ في أمْوالِكم بِإيجابِ إنْفاقِها مَعَ مَيْلِكم إلَيْها، وأنْفُسِكم بِتَعْرِيضِها لِما يَكادُ يَجُرُّ إلى إتْلافِها مَعَ حُبِّكم لَها. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ النَّفْسَ وزَيَّنَها بِكِسْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَلَأها بِاللُّطْفِ والقَهْرِ وكَساها زِينَةَ المُلْكِ مِنَ الأمْوالِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، فَمَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ زِينَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَنِيَتْ نَفْسُهُ فِيها ونَطَقَ لِسانُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنهُ وصارَ كَشَجَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ نَطَقَ الحَقُّ مِنها، وذَلِكَ مِثْلُ الحَلّاجِ القائِلِ: أنا الحَقُّ، ومَن نَظَرَ إلى زِينَةِ الأمْوالِ الَّتِي هي زِينَةُ المُلْكِ صارَ حالُهُ كَحالِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ يَنْظُرُ إلى عِظَمِ جَلالِ المَوْلى مِن خِلالِ تِلْكَ الزِّينَةِ، ومَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّها نَفْسُهُ واغْتَرَّ بِالسَّرابِ ولَمْ يُحَقِّقْ بِالذَّوْقِ ما عِنْدَهُ صارَ حالُهُ كَحالِ فِرْعَوْنَ إذْ نادى ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾، ومَن نَظَرَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وحَسا كَأْسَ شَهَواتِها وسَكِرَ بِها صارَ كَبِلْعامَ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وهَذا وجْهُ الِابْتِلاءِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وأيُّ ابْتِلاءٍ أعْظَمُ مِن رُؤْيَةِ المَلِكِ ورُؤْيَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في الكَوْنِ الَّذِي هو مَحَلُّ الِالتِباسِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ صفحة 155 وهم أهْلُ مَقامِ الجَمْعِ ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وهم أهْلُ الكَثْرَةِ ﴿أذًى كَثِيرًا﴾ لِنُطْقِهِمْ بِما يُخالِفُ مَشْرَبَكم والخِطابُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ مِنَ السّالِكِينَ، فَإنَّهم يُنْكِرُونَ عَلى أهْلِ مَقامِ الجَمْعِ وعَلى أهْلِ الكَثْرَةِ جَمِيعًا ما دامُوا غَيْرَ واصِلِينَ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ وغَيْرِ كارِعِينَ مِن بِحارِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى مُجاهَدَةِ أنْفُسِكم ﴿وتَتَّقُوا﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المَطْلُوبَةِ الَّتِي تَجُرُّ إلى المَقْصُودِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ. ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ الظّاهِرُ هُنا عَدَمُ صِحَّةِ إرادَةِ المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكُتّابَ آنِفًا، ومَن حَمَلَهُ عَلَيْهِ تَكَلَّفَ جِدًّا، فَلَعَلَّهُ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ أنَّهُ إشارَةٌ إلى العُلَماءِ مُطْلَقًا وضَمِيرُ ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ إلَخْ راجِعٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ فَتَدَبَّرْ. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ يَعْجَبُونَ بِما فَعَلُوا مِن طاعَةٍ ويُحْجَبُونَ بِرُؤْيَتِهِ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ أيْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ فَهم مَحْجُوبُونَ بِغَرَضِ الحَمْدِ والثَّناءِ مِنَ النّاسِ، أوْ أنْ يَكُونُوا مَحْمُودِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ بَلْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أيْدِيهِمْ إذْ لا فِعْلَ حَقِيقَةً إلّا لِلَّهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ. ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما شَيْءٌ وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وفِيما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَعْجَبُ مِن ظَهَرَ عَلى يَدِهِ فِعْلٌ بِما ظَهَرَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يَقْدِرُ سِواهُ عَلى فِعْلٍ ما حَتّى يُحْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ.

آل عمران 3:190

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ وإقامَةُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، وأتى بِكَلِمَةِ إنَّ اعْتِناءً بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: إنَّ في إيجادِهِما وإنْشائِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ تَعاقُبُها ومَجِيءُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفَ الآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعِينَ لِسِباحَتِها في بَحْرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ حَسَبَ إرادَتِهِ، وخَبَرُ الخَرَزَتَيْنِ خارِجٌ عَنْ سِلْكِ القَبُولِ وبِفَرْضِ نَظْمِهِ فِيهِ مُؤَوَّلٌ، وثُقْبُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ تابِعًا لِحَرَكَةِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ - كَما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ - مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ مِن سُكُونِ السَّمَواتِ وتَحَرُّكِ النُّجُومِ أنْفُسِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هو مَذْهَبُ الحُكَماءِ المَشْهُورُ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما يُخالِفُهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذِهِ السَّمَواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها نُجُومًا تَسْبَحُ بِها وجَعَلَ لَها في سِباحَتِها حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها تَسِيرُ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ بِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، وجَعَلَ أصْحابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِلْأفْلاكِ تَرْتِيبًا مُمْكِنًا في حُكْمِ العَقْلِ، وجَعَلُوا الكَواكِبَ في الأفْلاكِ كالشّاماتِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ، وكُلُّ ما قالُوهُ يُعْطِيهِ مِيزانَ حَرَكاتِها، وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرُوهُ لَكانَ السَّيْرُ السَّيْرَ بِعَيْنِهِ، ولِذَلِكَ يُصِيبُونَ في عِلْمِ الكُسُوفاتِ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ السَّمَواتِ كالأُكُرِ وأنَّ الأرْضَ في جَوْفِها، وذَلِكَ كُلُّهُ تَرْتِيبٌ وضْعِيٌّ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ وهم مُصِيبُونَ في الأوْزانِ مُخْطِئُونَ في أنَّ الأمْرَ كَما رَتَّبُوهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا عَلى ما ذَكَرْناهُ شُهُودًا انْتَهى. ويُؤَيِّدُ دَعْوى أنَّهُ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الزِّيجِ الجَدِيدِ مِن أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ لا تَتَحَرَّكُ أصْلًا وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وأنَّ الأرْضَ وكَذا سائِرُ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ تَتَحَرَّكُ عَلَيْها، وأقامُوا عَلى ذَلِكَ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ صفحة 156 بِزَعْمِهِمْ، وبَنَوْا عَلَيْهِ الكُسُوفَ والخُسُوفَ ونَحْوَهُما، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا قَطْعَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الهَيْئَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن قُطْبِ الشَّمالِ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولِيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرَيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا، وفي بَعْضِها صَباحًا، وفي بَعْضِها ظُهْرًا أوْ عَصْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أيْضًا - ولَيْسَ بِالبَعِيدِ - بَلِ اخْتِلافُ الأوْقاتِ في الأماكِنِ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في كُرَيَّةِ الأرْضَ اخْتِلافًا، فَقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ خَلَقَ الفَلَكَ المُكَوْكَبَ في جَوْفِ الفَلَكِ الأطْلَسِ خَلَقَ الأرْضَ سَبْعَ طَبَقاتٍ، وجَعَلَ كُلَّ أرْضٍ أصْغَرَ مِنَ الأُخْرى لِيَكُونَ عَلى كُلِّ أرْضٍ قُبَّةُ سَماءٍ، فَلَمّا تَمَّ خَلْقُها وقُدِّرَ فِيها أقْواتُها واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ البُخارِ الَّذِي هو الدُّخانُ فَتَقَ ذَلِكَ الدُّخانُ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقًا وأجْسامًا شَفّافَةً، وجَعَلَها عَلى الأرَضِينَ كالقِبابِ عَلى كُلِّ أرْضٍ سَماءٌ أطْرافُها عَلَيْها نِصْفُ كُرَةٍ، وكُرَةُ الأرْضِ لَها كالبِساطِ فَهي مَدْحِيَّةٌ دَحاها مِن أجْلِ السَّماءِ أنْ تَكُونَ عَلَيْها، وجَعَلَ في كُلِّ سَماءٍ مِن هَذِهِ واحِدَةً مِنَ الجَوارِي عَلى التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ انْتَهى، والقَلْبُ يَمِيلُ إلى الكُرَيَّةِ، واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أمْرٌ شُهُودِيٌّ وفِيهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَدِّثِينَ، وأكْثَرُ عُلَماءِ الدِّينِ. والَّذِي قَطَعَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَرْفُوعَةِ ما يُفَصِّلُ أمْرَ السَّمَواتِ والأرْضِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ، إذْ لَيْسَتِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ في نَظَرِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُهِمُّ في نَظَرِهِ مِنها واضِحٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وسُبْحانَ مَن لا يَتَعاصى قُدْرَتَهُ شَيْءٌ، واللَّيْلُ واحِدٌ بِمَعْنى جَمْعٍ وواحِدُهُ لَيْلَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وقَدْ جُمِعَ عَلى لَيالٍ فَزادُوا فِيها الياءَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ونَظِيرُهُ أهْلٍ وأهالٍ، ويُقالُ: كانَ الأصْلُ فِيها لَيْلاةً فَحُذِفَتْ لِأنَّ تَصْغِيرَها لُيَيْلِيَةٌ كَذا في الصِّحاحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي. ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَلى وحْدَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو اسْمُ إنَّ وقَدْ دَخَلَهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الآياتِ الظّاهِرَةَ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً في نَفْسِها إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ في جَنْبِ ما خَفِيَ مِنها في خَزائِنِ العِلْمِ ومَكامِنِ الغَيْبِ ولَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ، ومِنهُ خَبَرُ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنِّي بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمُ الرَّحِمَ وطَعْنِهِمْ في ألْبابِ الإبِلِ»“ أيْ خالِصِ إبِلِهِمْ وكَرائِمِها، ويُقالُ: لَبَّ يَلَبُّ كَعَضَّ يَعَضُّ إذا صارَ لَبِيبًا وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: لَبَّ يَلِبُّ كَفَرَّ يَفِرُّ، ويُقالُ: لَبِبَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ يَلَبُّ بِالفَتْحِ إذا صارَ ذا لُبٍّ، وحُكِيَ لَبُبَ بِالضَّمِّ وهو نادِرٌ لا نَظِيرَ لَهُ في المُضاعَفِ. ووَجْهُ دَلالَةِ المَذْكُوراتِ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لِتَغَيُّرِها المُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِها واسْتِنادِها إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، ومَتى دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ مِنهُ الوَحْدَةُ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى ما بَعْدُ أنَّها في غايَةِ الإتْقانِ ونِهايَةِ الإحْكامِ صفحة 157 لِمَن تَأمَّلَ فِيها، وتَفَكَّرَ في ظاهِرِها وخافِيها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ كَما لا يَخْفى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما طَرِيقُ التَّغَيُّرِ، والثّانِي طَرِيقُ الإمْكانِ، والأكْثَرُونَ عَلى تَرْجِيحٍ الثّانِي، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ. وإنَّما اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ هُنا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ ما زادَهُ في البَقَرَةِ لِأنَّ الآياتِ عَلى كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ والمُرَكَّبَةِ مِنهُما، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِخَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وإلى الثّالِثَةِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُما مِن دَوَرانِ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ، أوْ لِأنَّهُما بِواسِطَةِ مُفِيضٍ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وهو الجِرْمُ العُلْوِيُّ، وقابِلٌ لِلْإفاضَةِ وهو الجِرْمُ السُّفْلِيُّ القابِلُ لِلظُّلْمَةِ والضِّياءِ قالَهُ بَعْضُهم، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَعَرِّضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها، أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ في إثْباتِ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، فَلا يُناسِبُ تَخْرِيجَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ولَعَلَّ الأوْلى مِن هَذا وذاكَ ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ، والثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ مُعْظَمُ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ فاكْتَفى بِها، وأمّا هُناكَ فَقَدْ قَصَدَ في ضِمْنِ بَيانٍ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانَ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِّمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المَذْكُوراتِ مُعْظَمَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟ قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟ قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ عَطاءٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَتْ: وأيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا ؟! إنَّهُ أتانِي لَيْلَةً فَدَخَلَ مَعِي في لِحافِي ثُمَّ قالَ ذَرِينِي أتَعَبَّدُ لِرَبِّي، فَقامَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَبَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ عَلى صَدْرِهِ ثُمَّ رَكَعَ فَبَكى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ بِلالٌ فَأذَّنَهُ بِالصَّلاةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يُبْكِيكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ؟ قالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ولِمَ لا أفْعَلُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ تَسَوَّكَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الأواخِرَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَ» .

آل عمران 3:191

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ (لِأُولِي) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ يَقُولُونَ ( رَبَّنا آمِنًا ) بَعِيدٌ لِما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ صفحة 158 النَّظْمِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ أُولُو الألْبابِ ؟ قالُوا: أيُّ أُولِي الألْبابِ تُرِيدُ ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلَخْ. عَقَدَ لَهم لِواءً فاتَّبَعَ القَوْمُ لِواءَهم وقالَ لَهُمُ ادْخُلُوها خالِدِينَ» . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ لَكِنْ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ إذْ لا تُمْدَحُ بِالذِّكْرِ بِدُونِهِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِذاكِرٍ غافِلٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ، وعَدَّ ابْنُ جُرَيْجٍ قِراءَةَ القُرْآنِ ذِكْرًا فَلا تُكْرَهُ لِلْمُضْطَجِعِ القادِرِ، نَعَمْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى كَراهَتِها لَهُ إذا غَطّى رَأسَهُ لِلنَّوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ذِكْرَهُ تَعالى مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ والأفْعالِ، وسَواءٌ قارَنَهُ ذِكْرُ اللِّسانِ أوَّلًا، والمَعْنى عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ، وعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ ما حُكِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى أقْدامِهِمْ عَلى أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لِلْآيَةِ في ضِمْنِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَها وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإلّا لاضْطَجَعُوا وذَكَرُوا أيْضًا لِيَتِمَّ التَّفْسِيرُ وتَحْقِيقُ المِصْداقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: إنَّما هَذا في الصَّلاةِ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبٍ. وكَذَلِكَ أمَرَ ﷺ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وكانَتْ بِهِ بَواسِيرُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ - وبِهَذا الخَبَرِ احْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِمِ بَدَنِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَلْقِيَ عَلى ظَهْرِهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعَلَ الآيَةَ حُجَّةً عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا حَصَرَ أمْرَ الذّاكِرِ في الهَيْئاتِ المَذْكُورَةِ دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَها لَيْسَ مِن هَيْئَتِهِ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وتَخْصِيصُ ابْنِ مَسْعُودٍ الذِّكْرَ بِالصَّلاةِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وسِباقِهِ. والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ - كَنِيامٍ ورُقُودٍ جَمْعُ نائِمٍ وراقِدٍ - وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يذَكرُونَ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ مُؤَوَّلَيْنِ بِقائِمِينَ وقاعِدِينَ لِتَتَأتّى الحالِيَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الحالِ أيْ وكائِنَيْنِ عَلى جُنُوبِهِمْ أيْ مُضْطَجِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المُتَعَلِّقُ المَعْطُوفُ خاصًّا أيْ ومُضْطَجِعِينَ عَلى جُنُوبِهِمْ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الإشارَةُ إلى الدَّوامِ وانْفِهامِهِ مِنها عُرْفًا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولَيْسَ المُرادُ الدَّوامَ الحَقِيقِيَّ لِاسْتِحالَتِهِ، بَلْ في غالِبِ أحْوالِهِمْ، وبَعْضُهم يَأْخُذُ الدَّوامَ مِنَ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا. ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يَذْكُرُونَ ) وعَطْفُهُ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وتَقْدِيمُ الذِّكْرِ في تِلْكَ الحالاتِ عَلى التَّفَكُّرِ لِما أنَّ فِيهِما الِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، والعَبْدُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ الباطِنَةِ والبَدَنِ الظّاهِرِ، وفي الأوَّلِ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الثّانِي، وفي الثّانِي إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّفَكُّرَ إنَّما يَكُونُ بِالقَلْبِ والرُّوحِ، وفي بَيانِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وقِيلَ: قَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الأنْفُسِ، وأخَّرَ الثّانِي لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الآفاقِ ولا شُبْهَةَ في تَقَدُّمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي، وصَرَّحَ مَوْلاناشَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ صفحة 159 هَذا بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في أفْعالِهِ تَعالى، وما تَقَدَّمَ بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّصَ التَّفَكُّرَ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ، وقَدْ ورَدَ هَذا النَّهْيُ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والأصْبِهانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ وهم يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ». وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: ”تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ»“ . وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللَّهِ تَعالى - إلى غَيْرِ ذَلِكَ - فَفي كَوْنِ الأوَّلِ بَيانًا لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ نَظَرٌ عَلى أنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ التَّفَكُّرَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ لِما أنَّهُ يَسْتَدْعِي الإحاطَةَ بِمَن هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: قَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّفَكُّرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يَفِي بِالهِدايَةِ ما لَمْ يَتَنَوَّرْ بِنُورِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ، فَلا بُدَّ لِلْمُتَفَكِّرِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى ورِعايَةِ ما شُرِعَ لَهُ، وأنَّ العَقْلَ المُخالِفَ لِلشَّرْعِ لَبِسَ الضَّلالَ ولا نَتِيجَةَ لِفِكْرِهِ إلّا الضَّلالُ، و(الخَلْقُ) إمّا بِمَعْنى المَخْلُوقِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى في أيْ يَتَفَكَّرُونَ فِيما خَلَقَ في السَّمَواتِ والأرْضِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ فِيهِما، أوْ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ أيْ في المَخْلُوقِ الَّذِي هو السَّمَواتُ والأرْضُ، وإمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ في إنْشائِهِما وإبْداعِهِما بِما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ ودَقائِقِ الأسْرارِ ولَطائِفِ الحِكَمِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ الذّاتِيَّةِ وأنَّهُ المَلِكُ القاهِرُ والعالِمُ القادِرُ والحَكِيمُ المُتْقِنُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ويَجُرُّهم ذَلِكَ إلى مَعْرِفَةِ صَدْقِ الرُّسُلِ وحَقِيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وتَحْقِيقِ المَعادِ وثُبُوتِ الجَزاءِ، ولِشَرافَةِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التَّفَكُّرِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأعْمالِ المَخْصُوصَةِ بِالقَلْبِ البَعِيدَةِ عَنْ مَظانِّ الرِّياءِ كانَ مِن أفْضَلِ العِباداتِ، وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً». وعَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ يَنْظُرُ إلى النُّجُومِ وإلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ لَكِ رَبًّا وخالِقًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ أُمَّ الدَّرْداءِ، ما كانَ أفْضَلُ عِبادَةِ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ - لا اثْنَيْنِ ولا ثَلاثَةً - مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: إنَّ ضِياءَ الإيمانِ - أوْ نُورَ الإيمانِ - التَّفَكُّرُ، واقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى ذِكْرِ التَّفَكُّرِ ﴿فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِإدْراجِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في ذَلِكَ السِّلْكِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيما سَلَفَ - وشَرَفُ التَّفَكُّرِ فِيهِ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «تَفَكُّرُ ساعَةٍ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ ثَمانِينَ سَنَةً» - إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِ انْدِراجِ ذَلِكَ فِيما ذُكِرَ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ مِنَ الأحْوالِ التّابِعَةِ لِأحْوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَةِ المَذْكُورِينَ إلى الحُكْمِ بِالنَّتِيجَةِ لِمُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ في بَعْضِ الآياتِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها في إثْباتِ المَطْلُوبِ. ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ الإشارَةُ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ لِما أنَّهُما بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِما في مَعْنى صفحة 160 المَخْلُوقِ، أوْ إلى الخَلْقِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إلَيْهِما بِاعْتِبارِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، وعَلى كُلٍّ فَأمْرُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ واضِحٌ والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مَخْلُوقاتٌ عَجِيبَةٌ يَجِبُ أنْ يُعْتَنى بِكَمالِ تَمْيِيزِها اسْتِعْظامًا لَها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ والباطِلُ العَبَثُ وهو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وقِيلَ: الذّاهِبُ الزّائِلُ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ وصَلابَةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لا قُوَّةَ لَهُ ولا صَلابَةَ، وهو إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلْقًا باطِلًا أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. والمَعْنى رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ أوِ المُتَفَكَّرَ فِيهِ العَظِيمَ الشَّأْنِ عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ خالِيًا عَنِ المَصْلَحَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أوْضاعُ الغافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ العادِمِينَ مِن جَناحِ النَّظَرِ قُدّاماهُ وخَوافِيهِ، بَلْ خَلَقْتَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ جَلِيلَةٍ مُنْتَظِمًا لِمَصالِحَ عَظِيمَةٍ تَقِفُ الأفْكارُ حَسْرى دُونَ الإحاطَةِ بِها، وتَكِلُّ أقْدامُ الأذْهانِ دُونَ الوُقُوفِ عَلَيْها بِأسْرِها، ومِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَدارًا لِمَعايِشِ العِبادِ ومَنارًا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُكَ وجاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ. والجُمْلَةُ بِتَمامِها في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَقُولُونَ ( رَبَّنا ) إلَخْ، وجُمْلَةُ القَوْلِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( يَتَفَكَّرُونَ ) أيْ يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ لِما أنَّ (ما) في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما هو قَيْدٌ لَهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِئِ الحُكْمِ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى المَوْصُولِ ودَواعِي ثُبُوتِهِ لَهُ كَذِكْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مِمّا يُؤَدِّي إلى اجْتِلاءِ تِلْكَ الآياتِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى المَطْلُوبِ، ولا رَيْبَ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَبادِئِ الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بَلْ مِن نَتائِجِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، فاعْتِبارُهُ قَيْدًا لِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، فاللّائِقُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ القَوْلِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِنَتِيجَةِ التَّفَكُّرِ، ومَدْلُولُ الآياتِ ناشِئًا مِمّا سَبَقَ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ سَماعِ تَخْصِيصِ الآياتِ المَنصُوبَةِ في خَلْقِ العالَمِ - بِأُولِي الألْبابِ - ثُمَّ وصْفُهم بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في مَجالِ تِلْكَ الآياتِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِما يَظْهَرُ مِنهم مِن آثارِها وأحْكامِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ تَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّتِيجَةِ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ الخَلْقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ وحَقِّيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مَوْصُولًا نَعْتًا (لِأُولِي)، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَفْصُولًا مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ مَثَلًا فَتَأْتِي الحالِيَّةُ مِن ذَلِكَ إذْ لا اشْتِباهَ في أنَّ قَوْلَهم هَذا مِن مَبادِئِ مَدْحِهِمْ ومَحاسِنِ مَناقِبِهِمْ، ويَكُونُ في إبْرازِ هَذا القَوْلِ في مَعْرِضِ الحالِ إشْعارٌ بِمُقارَنَتِهِ لِتَفَكُّرِهِمْ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وتَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ انْتَهى، وهو كَلامٌ تَلُوحُ عَلَيْهِ أماراتُ التَّحْقِيقِ ومَخايِلُ التَّدْقِيقِ. والقَوْلُ بِأنَّ الحالِيَّةَ تَجْتَمِعُ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ مِنَ النَّتائِجِ لا يَخْفى ما فِيهِ، ثُمَّ كَوْنُ هَذا القَوْلِ مِن نَتائِجِ التَّفَكُّرِ مِمّا لا يَكادُ يُنْكِرُهُ ذُو فِكْرٍ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ - عَلى رَأْيٍ - أنَّ القَوْمَ لَمّا تَفَكَّرُوا في مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ ولا سِيَّما السَّمَواتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والأرْضِ، وما عَلَيْها مِنَ البِحارِ والجِبالِ والمَعادِنِ، عَرَفُوا أنَّ لَها رَبًّا وصانِعًا فَقالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا في أنَّ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ حِكَمًا ومَقاصِدَ وفَوائِدَ لا تُحِيطُ بِتَفاصِيلِها الأفْكارُ قالُوا: ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وقاسُوا أحْوالَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ إلى صانِعِها رَأوْا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الصّانِعُ مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنها، فَإذَنْ هو لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ ولا في حَيِّزٍ ولا بِمُفْتَقِرٍ (ولا ولا ...) فَقالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِكَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَغْرَقُوا في بِحارِ العَظَمَةِ والجَلالِ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الأعْظَمَ صفحة 161 وتَحَقَّقُوا أنَّ مِن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْشاءِ بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ أوْ قانُونٍ يَنْتَحِيهِ واتُّصِفَ بِالقُدْرَةِ الشّامِلَةِ والحِكْمَةِ الكامِلَةِ كانَ عَلى إعادَةِ مَن نَطَقَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِإعادَتِهِ أقْدَرَ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ هي جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِحَسْبِ اسْتِحْقاقِهِمُ المَنُوطِ بِأعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ طَلَبُوا النَّجاةَ مِمّا يَحِيقُ بِالمُقَصِّرِينَ ويَلِيقُ بِالمُخِلِّينَ فَقالُوا: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (191) أيْ فَوَفِّقْنا لِلْعَمَلِ بِما فَهِمْنا مِنَ الدَّلالَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرَتُّبِ الدُّعاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ النّارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ مِن وُجُوبِ الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَنَحْنُ نُطِيعُكَ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ الَّتِي هي جَزاءُ مَن عَصاكَ و(سُبْحانَكَ) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَأْكِيدِهِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُها مُؤَكِّدَةً لِنَفْيِ العَبَثِ عَنْ خَلْقِهِ. وبَعْضُهم قالَ: بِهَذا التَّأْكِيدِ ولَمْ يَقُلْ بِالِاعْتِراضِ وجَعَلَ ما بَعْدَ الفاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى التَّنْزِيهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِسُبْحانِكَ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ لِانْدِراجِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ رَدِّ سُؤالِ الخاضِعِينَ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ فِيهِ، ولا يَخْفى تَفَرُّعُ المَسْألَةِ عَلى التَّنْزِيهِ عَنْ خَيْبَةِ رَجاءِ الرّاجِينَ وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ إذا نَزَّهْناكَ أوْ وحَّدْناكَ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ الَّذِي هو جَزاءُ الَّذِينَ لَمْ يُنَزِّهُوا أوْ لَمْ يُوَحِّدُوا، واسْتَدَلَّ الطَّبَرْسِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والضَّلالَ والقَبائِحَ لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ بِالإجْماعِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ رُضِي قَوْلُهم بِأنَّهُ لا باطِلَ فِيما خَلَقَهُ سُبْحانَهُ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ القَطْعُ بِأنَّ القَبائِحَ كُلَّها لَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنفِيَّةٌ عَنْهُ خَلْقًا وإيجادًا، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الأشْياءَ كُلَّها سَواءٌ مِن حَيْثُ أنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلَةٌ عَلى المَصالِحِ والحِكَمِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وتَفاوُتِها إنَّما هو بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ وكَوْنِ بَعْضِها مُتَعَلِّقَ الأمْرِ والبَعْضِ الآخَرِ مُتَعَلِّقَ النَّهْيَ مَثَلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِ البَعْضِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكْمَةِ، والبَعْضِ الآخَرِ عارِيًا عَنْها، فالقَبائِحُ مِن حَيْثُ إنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ باطِلَةً لِأنَّ الباطِلَ كَما عَلِمْتَ هو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وهي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاشْتِمالِها في أنْفُسِها عَلى الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَبْعُدُ قَصْدُ اللَّهِ تَعالى لَها مَعَ غِناهُ الذّاتِيِّ عَنْها، ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُ تِلْكَ الفَوائِدِ لِمَن صَدَرَتْ عَلى يَدِهِ وإلّا لَزِمَ خُلُوُّ كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ تَعالى عَنِ الفَوائِدِ وتَسْمِيَتِها قَبائِحَ إنَّما هي بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ لِحِكْمَةٍ أيْضًا، وهو لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها خالِيَةً عَنِ الحِكْمَةِ بَلْ قُصارى ذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِها شَرْعًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِلْعِقابِ عَلَيْها بِسَبَبِ أنَّ إفاضَتَها كانَتْ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ فَدَعْوى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ - باطِلَةٌ كَدَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وكَأنَّ القائِلَ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى الباطِلِ فَقالَ ما قالَ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم أيْضًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ وهو مَبْنِيٌّ ظاهِرًا عَلى أنَّ الباطِلَ العَبَثُ بِالمَعْنى الثّالِثِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى العَبَثِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيهِ وبِفَرْضِ الحَصْرِ لا بَأْسَ بِهَذا القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، لَكِنْ مَعَ القَوْلِ بِالغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في البَقَرَةِ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِها عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ وأوْدَعَ فِيها قُوًى مَخْصُوصَةً وجَعَلَها بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِن حَرَكاتِها، واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ مَصالِحَ في هَذا العالَمِ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَتْ باطِلَةً، ولا يُمْكِنُ أنْ تُقْصَرَ مَنافِعُها عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ فَقَطْ لِأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الماءِ والهَواءِ يُشارِكُها في ذَلِكَ فَلا تَبْقى لِخُصُوصِيّاتِها فائِدَةٌ وهو خِلافُ النَّصِّ، وناقَشَهُمُ المُتَكَلِّمُونَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفَلَكِيّاتُ أسْبابًا عادِيَّةً لِلْأرْضِيّاتِ لا حَقِيقِيَّةً، وأنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها ويَكْفِي ذَلِكَ فائِدَةً لِخَلْقِها. صفحة 162 وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِإيداعِ القُوى في الفَلَكِيّاتِ بَلْ وفي جَمِيعِ الأسْبابِ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هو المَذْهَبُ المَنصُورُ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وحَقَّقْناهُ فِيما قَبْلُ، وهو لا يُنافِي اسْتِنادَ الكُلِّ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ ولا يُزاحِمُ جَرَيانَ الأُمُورِ كُلِّها بِقَضائِهِ وقَدَرَهِ تَعالى شَأْنُهُ، نَعَمِ القَوْلُ بِأنَّ الفَلَكِيّاتِ ونَحْوَها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها ولَوْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى ضَلالٌ واعْتِقادُهُ كُفْرٌ، وعَلى ذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في الخَبَرِ: «مَن قالَ: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومَن قالَ: أُمْطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى كافِرٌ بِالكَوْكَبِ». فَلْيُحْفَظْ.

آل عمران 3:192

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِالنِّداءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الرَّبِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ الإظْهارَ كَمالُ اليَقِينِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ، وذُكِرَ الإدْخالُ في مَوارِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ والإخْزاءِ - كَما قالَ الواحِدِيُّ - جاءَ لِمَعانٍ مُتَقارِبَةٍ، فَعَنِ الزَّجّاجِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ أيْ أبْعَدَهُ، وقِيلَ: أهانَهُ وقِيلَ: فَضَحَهُ وقِيلَ: أهْلَكَهُ، ونُقِلَ هَذا عَنِ المُفَضَّلِ، وقِيلَ: أحَلَّهُ مَحَلًّا وأوْقَفَهُ مَوْقِفًا يَسْتَحِي مِنهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ في اللُّغَةِ الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمُرادُ فَقَدْ أخْزَيْتُهُ خِزْيًا لا غايَةَ وراءَهُ، ومِنَ القَواعِدِ المُقَرِّرَةِ أنَّهُ إذا جُعِلَ الجَزاءُ أمْرًا ظاهِرَ اللُّزُومِ لِلشَّرْطِ سَواءٌ كانَ اللُّزُومُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ، أوْ بِالِاسْتِلْزامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ يُحْمَلُ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وأخَصِّها لِتَرْبِيَةِ الفائِدَةِ، ولِهَذا قُيِّدَ الخِزْيُ بِما قُيِّدَ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أقْوى مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ رُتِّبَ فِيها العَذابُ الرُّوحانِيُّ وهو الإخْزاءُ بِناءً عَلى أنَّهُ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ عَلى الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو إدْخالُ النّارِ وجُعِلَ الثّانِي شَرْطًا والأوَّلُ جَزاءً، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الجَزاءُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ أقْوى وأفْظَعُ وإلّا لَعُكِسَ، كَما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ - وأيْضًا المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وقِنا عَذاب النّارِ ) طَلَبُ الوِقايَةِ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: رَبَّنا إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ طَلَبَ الوِقايَةَ مِنَ المَذْكُورِ لِتَرَتُّبِ الخِزْيِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ يُخافُ مِنهُ - كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - واحْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أخْزاهُ، والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أنْ لا يَكُونَ مَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْزِيًا أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهُ وهو مُؤْمِنٌ كَذَلِكَ، وأيْضًا الآيَةُ لَيْسَتْ عامَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَتُحْمَلُ عَلى مَن أُدْخِلَ النّارَ لِلْخُلُودِ وهُمُ الكُفّارُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مَن يَدْخُلُها مُخْزًى حالَ دُخُولِهِ وإنْ كانَتْ عاقِبَةُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنهُمُ الخُرُوجَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي﴾ إلَخْ، نَفْيُ الخِزْيِ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ وهو نَفْيُ الخِزْيِ المُخَلَّدِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الإخْزاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّخْجِيلِ والإهْلاكِ، والمُثْبَتُ هو الأوَّلُ والمَنفِيُّ هو الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ التَّنافِي، واحْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ بِها عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ إلَخْ، والمُدْخَلُ في النّارِ مُخْزًى لِهَذِهِ الآيَةِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ المُقَدِّماتِ بِأسْرِها، صفحة 163 أمّا الأُولى فَبِاحْتِمالِ أنْ لا يُسَمّى بَعْدَ القَتْلِ مُؤْمِنًا، وإنْ كانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا، وأمّا الأُخْرَيانِ فَبِخُصُوصِ المَحْمُولِ وجُزْئِيَّةِ المَوْضُوعِ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ (192) أيْ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنهم ناصِرٌ يَنْصُرُهُ ويُخَلِّصُهُ مِمّا هو فِيهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلُ لِإظْهارِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِدْعاءِ، ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمُ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، وتَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِنَفْيِ الأنْصارِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِسائِرِ المُدْخَلِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّالِمَ عَلى الإطْلاقِ هو الكافِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقِيلَ: نَفِيُ النّاصِرِ لا يَمْنَعُ نَفْيَ الشَّفِيعِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقُوَّةٍ، والشَّفاعَةُ تَخْلِيصٌ بِخُضُوعٍ وتَضَرُّعٍ ولَهُ وجْهٌ، والقَوْلُ: بِأنَّ العُرْفَ لا يُساعِدُهُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ. وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا ناصِرَ لَهُ مِن دُخُولِها، أمّا إنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ مِنَ الخُرُوجِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلا، وذَلِكَ لِأنَّهُ عامٌّ في نَفْيِ الإفْرادِ مُهْمَلٌ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، والظّاهِرُ التَّقْيِيدُ بِما يَطْلُبُ النَّصْرَ أوَّلًا لِأجْلِهِ كَمَن أُخِذَ يُعاقَبُ فَقُلْتَ: ما لُهُ مَن ناصِرٍ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّ العِقابَ لا يَنْتَهِي بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ بَعْدَ العِقابِ لَمْ يُشَفَّعْ، بَلْ فُهِمَ مِنهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أحَدٌ مِمّا حَلَّ بِهِ، ثُمَّ إنْ سَلِمَ التَّساوِي لَمْ يَدُلَّ عَلى النَّفْيِ، وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الظّالِمِ وعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّصْرِ والشَّفاعَةِ بِأنَّ الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى الشَّفاعَةِ وهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى مُخَصَّصَةٌ لِلْعُمُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا.

آل عمران 3:193

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْضًا وهو كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى تَفَكُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ مُسْتَدْعٍ في الجُمْلَةِ لِهَذا القَوْلِ، وفي تَصْدِيرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ إشارَةٌ إلى كَمالِ تَوَجُّهِهِمْ إلى مَوْلاهم وعَدَمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ مَعَ إظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ والإفْضالِ، وفي التَّأْكِيدِ إيذانٌ بِصُدُورٍ ذَلِكَ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ ومَزِيدِ العِنايَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالمُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وهو المَحْكِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وقَتادَةَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ يَسْمَعُ كُلُّ واحِدٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا يَراهُ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ باقٍ عَلى مَمَرِّ الأيّامِ والدُّهُورِ يَسْمَعُهُ مَن أدْرَكَ عَصْرَ نُزُولِهِ ومَن لَمْ يُدْرِكْ، ولِأهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولُوا: مَن بَلَغَهُ بِعْثَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَعْوَتُهُ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا مُنادِيًا وإنْ كانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّجَوُّزِ، وأيْضًا المُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ، ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشْهَرُ وأظْهَرُ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ وهي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةٌ وإلى القُرْآنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: تُنادِيكَ أجْداثٌ وهُنَّ صُمُوتٌ وسُكّانُها تَحْتَ التُّرابِ سُكُوتُ والتَّنْوِينُ في المُنادى لِلتَّفْخِيمِ، وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى القَرِيبِ والبَعِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ كانَ شَأْنُهُ الرَّفِيعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخُطَبِ ذَلِكَ الرَّفْعَ حَقِيقَةً، فَفي الخَبَرِ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكم ومَسّاكم». ولَمّا كانَ النِّداءُ مَخْصُوصًا بِما يُؤَدِّي لَهُ ومُنْتَهِيًا إلَيْهِ تَعَدّى بِاللّامِ وإلى تارَةً، وتارَةً فاللّامُ في لِلْإيمانِ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى أوِ الباءِ، ولا إلى جَعْلِها بِمَعْنى العِلَّةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ - وجُمْلَةُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ مِن تَعَدِّي سَمِعَ هَذِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا حَذْفَ في الكَلامِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ قالَ صفحة 164 فِي أمالِيهِ: وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ السَّماعَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى والاسْتِعْمالِ، أمّا المَعْنى فَلِتَوَقُّفِهِ عَلى مَسْمُوعٍ، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ ذَلِكَ وسَمِعْتُهُ قائِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَكْفِي في تَعَلُّقِهِ المَسْمُوعُ دُونَ المَسْمُوعِ مِنهُ، وإنَّما المَسْمُوعُ مِنهُ كالمَشْمُومِ مِنهُ، فَكَما أنَّ الشَّمَّ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ فَكَذَلِكَ السَّماعُ فَهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ويُذْكَرُ بَعْدَهُ حالٌ تُبَيِّنُهُ ويُقَدَّرُ في ﴿يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَسْمَعُونَ أصْواتَكُمُ انْتَهى. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ المَسْمُوعَ صِفَةً بَعْدَ النَّكِرَةِ وحالًا بَعْدَ المَعْرِفَةِ وهو الظّاهِرُ، وادْعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأوْفَقَ بِالمَعْنى فِيما جَعَلَهُ حالًا أوْ وصْفًا أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا بِتَأْوِيلِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما يَراهُ بَعْضُ النُّحاةِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ فَلِذا أُوثِرَتِ الوَصْفِيَّةُ أوِ الحالِيَّةُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّماعَ إذا وقَعَ عَلى غَيْرِ الصَّوْتِ فَلا بُدَّ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلى الصَّوْتِ ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ - وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُقُوعِ الظَّرْفِ واسْمِ الفاعِلِ كَما سَمِعْتَهُ، وفي تَعْلِيقِ السَّماعِ بِالذّاتِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِهِ، والإيذانِ بِوُقُوعِهِ بِلا واسِطَةٍ عِنْدَ صُدُورِ المَسْمُوعِ عَنِ المُتَكَلِّمِ، وفي إطْلاقِ المُنادِي أوَّلًا حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مُنادِيًا﴾ ولَمْ يَذْكُرْ ما دُعِيَ لَهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ بَعْدَ: ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُنادِي والمُنادى لَهُ، ولَوْ قِيلَ مِن أوَّلِ الأمْرِ (مُنادِيًا لِلْإيمانِ) لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِيُنادِي إيذانًا بِالعُمُومِ أيْ يُنادِي كُلَّ واحِدٍ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم أيْ أنْ آمِنُوا بِهِ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ بِأنْ آمِنُوا عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وعَلى الأوَّلِ فَآمِنُوا تَفْسِيرٌ لِيُنادِي لِأنَّ نِداءَهُ عَيَّنَ قَوْلَهُ: آمِنُوا والتَّقْدِيرُ يُنادِي لِلْإيمانِ أيْ يَقُولُ: آمِنُوا ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإيمانِ كَما تُوُهِّمَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ بِأنْ آمِنُوا مُتَعَلِّقًا بِـ (يُنادِي) لِأنَّهُ المُنادى بِهِ ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى احْتِمالِ المَصْدَرِيَّةِ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ يَأْبى التَّفْسِيرِيَّةَ لِما فِيها مِنَ التَّكَلُّفِ، ومَنِ اخْتارَها قالَ: إنَّ المَصْدَرِيَّةَ تَسْتَدْعِي التَّأْوِيلَ بِالمَصْدَرِ وهو مُفَوِّتٌ لِمَعْنى الطَّلَبِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُقَدَّرُ الطَّلَبُ في التَّأْوِيلِ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى الأمْرِ، وكَذا يُقَدَّرُ ما يُناسِبُ الماضِي والمُسْتَقْبَلَ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِما، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الحاصِلُ مِنَ الكُلِّ بِمُجَرَّدِ مَعْنى المَصْدَرِ لِئَلّا يَفُوتَ المَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ وأخَوَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ورَمْزٌ إلى نِعْمَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى المُخاطَبِينَ لِيَذْكُرُوها فَيُسارِعُوا إلى امْتِثالِ الأمْرِ، وفي إطْلاقِ الإيمانِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ ( فَآمَنّا ) عَطْفٌ عَلى ( سَمْعِنا )، والعَطْفُ بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ وتَسَبُّبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ مُهْلَةِ، والمَعْنى فَآمَنّا بِرَبِّنا لَمّا دُعِينا إلى ذَلِكَ قالَ أبُو مَنصُورٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ كَما قِيلَ لِلتَّضَرُّعِ وإظْهارٍ لِكَمالِ الخُضُوعِ وعَرْضٍ لِلِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى مَعَ الإيمانِ بِهِ. ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ أيْ فاسْتُرْ لَنا ﴿ذُنُوبَنا﴾ أيْ كَبائِرِنا ﴿وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ صَغائِرِنا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعاصِي، ومِنَ السَّيِّئاتِ ما تَأخَّرَ مِنها، وقِيلَ: الأوَّلُ ما أتى بِهِ الإنْسانُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، والثّانِي ما أتى بِهِ مِنَ الجَهْلِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأُيِّدَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلُّغَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّنَبِ بِمَعْنى الذَّيْلِ فاسْتَعْمِلَ فِيما تُسْتَوْخَمُ عاقِبَتُهُ وهو الكَبِيرَةُ لِما يُعْقِبُها مِنَ الإثْمِ العَظِيمِ، ولِذَلِكَ تُسَمّى تَبِعَةً اعْتِبارًا بِما يَتْبَعُها مِنَ العِقابِ كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَمِنَ السُّوءِ وهو المُسْتَقْبَحُ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالحَسَنَةِ فَتَكُونُ أخَفَّ، وتَأْيِيدُهُ بِأنَّ الغُفْرانَ مُخْتَصٌّ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى صفحة 165 والتَّكْفِيرُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في فِعْلِ العَبْدِ كَما يُقالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أخَفَّ مِنَ الأوَّلِ عَلى تَحَمُّلِ ما فِيهِ، إنَّما يَقْتَضِي مُجَرَّدَ الأخَفِّيَةِ، وأمّا كَوْنُ الأوَّلِ الكَبائِرَ والثّانِي الصَّغائِرَ بِالمَعْنى المُرادِ فَلا يَجُوزُ يُرادُ بِالأوَّلِ والثّانِي ما ذُكِرَ في القَوْلِ الثّالِثِ، فَإنَّ الأخَفِّيَةَ وعَدَمَها فِيهِ مِمّا لا سُتْرَةَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَثِيرٍ مِن عِباراتِ اللُّغَوِيِّينَ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الغُفْرانِ والتَّكْفِيرِ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ. وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى زائِدٌ وهو التَّغْطِيَةُ لِلْأمْنِ مِنَ الفَضِيحَةِ وقِيلَ: إنَّهُ كَثِيرًا ما يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنى الإذْهابِ والإزالَةِ ولِهَذا يُعَدّى بِعْنَ والغُفْرانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ذِكْرِ (لَنا) و(عَنّا) في الآيَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ ذُنُوبَنا وكَفِّرْ سَيِّئاتِنا لَأفادَ المَقْصُودَ إيماءً إلى وُفُورِ الرَّغْبَةِ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّوْبَةِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِمَغْفِرَةِ الكَبائِرِ، وأنَّ الدُّعاءَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِتَفْكِيرِ الصَّغائِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَغْفِرَةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ، وأنْ بَعْضَهُمُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ التَّوْبَةِ بَلْ بِدُونِ التَّوْبَةِ بِدَلالَةِ فاءَ التَّعْقِيبِ كَذا قِيلَ وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ما فِيهِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ مَخْصُوصِينَ بِالِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ والعَدِّ مِن زُمْرَتِهِمْ، ولا مَجالَ لِكَوْنِ المَعِيَّةِ زَمانِيَّةً إذْ مِنهم مَن ماتَ قَبْلُ، ومَن يَمُوتُ بَعْدُ، وفي طَلَبِهِمُ التَّوَفِّيَ وإسْنادِهِمْ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى إشْعارٌ بِأنَّهم يُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ. والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ كَأرْبابٍ جَمْعُ رَبٍّ وقِيلَ: جَمْعُ بارٍّ كَأصْحابٍ جَمْعُ صاحِبٍ، وضُعِّفَ بِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وأصْحابٌ جَمْعُ صَحْبٍ بِالسُّكُونِ، أوْ صَحِبٍ بِالكَسْرِ مُخَفَّفُ صاحِبٍ بِحَذْفِ الألِفِ. وبَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أثْبَتَهُ وجَعَلَهُ نادِرًا، ونُكْتَةُ قَوْلِهِمْ مَعَ (الأبْرارِ) دُونَ أبْرارًا التَّذَلُّلُ، وأنَّ المُرادَ لَسْنا بِأبْرارٍ فَأسْلِكْنا مَعَهم واجْعَلْنا مِن أتْباعِهِمْ، وفي الكَشْفِ إنَّ في ذَلِكَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وحُسْنَ أدَبٍ مَعَ إدْماجِ مُبالَغَةٍ لِأنَّهُ مِن بابِ هو مِنَ العُلَماءِ بَدَلَ عالِمٍ.

آل عمران 3:194

﴿رَبَّنا وآتِنا﴾ أيْ بَعْدِ التَّوَفِّي ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْ بِهِ أوْ إيّاهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الثَّوابُ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَعْدِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقٍ أوِ امْتِثالِ رُسُلِكَ وهو كَما يُقالُ - وعَدَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ، وعَلى الثّانِي وعَدْتَنا وعْدًا كائِنًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ عَلى تَقْدِيرِ الألْسِنَةِ بِالوَعْدِ أيْضًا فَتَخِفَّ مُؤْنَةُ الحَذْفِ، وتَعَلُّقُهُ بِآتِنا كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ. وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَوَّزَ التَّعَلُّقَ بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ هو حالٌ مِن (ما) أيْ مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ . واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا مُقَيَّدًا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وأيْضًا الظَّرْفُ هُنا حالٌ وهو إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً يَتَعَلَّقُ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا مُقَيَّدٍ، وأُجِيبَ بِمَنعِ انْحِصارِ التَّعَلُّقِ في كَوْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ أوْ بِمُقَيَّدٍ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولا يَخْفى مَتانَةُ الجَوابِ، وأنَّ إنْكارَ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنٍ مُقَيَّدٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ عَلى بِمَعْنى مَعَ، وأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِنا، ولا حَذْفَ لِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ آتِنا مَعَ رُسُلِكَ وشارِكْهم مَعَنا في أجْرِنا، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وفائِدَةُ طَلَبِ تَشْرِيكِهِمْ مَعَهم أداءُ حَقِّهِمْ وتَكْثِيرُ فَضِيلِهِمْ بِبَرَكَةِ مُشارَكَتِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ، بَلْ ولا كَلامُ أحَدٍ مِن صفحة 166 فُصَحاءِ العَرَبِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمَعَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو واحِدُ الآحادِ ﷺ وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ لا سِيَّما عَلى مِنبَرِ التَّوْحِيدِ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ فَتَصْدِيقُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى لِسانِهِمْ، وإيثارُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في تَيّارِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلٍ أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولٍ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ، وتَأْخِيرُ هَذا الدُّعاءِ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ، ويَكادُ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ ظاهِرًا لِأنَّ الأمْرَ أُخْرَوِيٌّ. وأمّا إذا فُسِّرَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما قِيلَ، فَتَأْخِيرُهُ عَمّا قَبْلَهُ إمّا لِأنَّهُ مِن بابِ التَّحْلِيَةِ والآخَرَ مِن بابِ التَّخْلِيَةِ، والتَّحْلِيَةُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ، وإمّا لِأنَّ الأوَّلَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَقُّقِهِ النَّجاةَ في العُقْبى، وعَلى عَدَمِهِ الهَلاكَ فِيها، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى فَيَكُونُ دُونَهُ، فَلِهَذا أُخِّرَ عَنْهُ، وأيَّدَ كَوْنَ المُرادِ النَّصْرَ لا الثَّوابَ الأُخْرَوِيَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ طَلَبَ الثَّوابِ يُغْنِي عَنْ هَذا الدُّعاءِ لِأنَّ الثَّوابَ مَتى حَصَلَ كانَ الخِزْيُ عَنْهم بِمَراحِلَ، وهَذا بِخِلافٍ ما إذا كانَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ بَلْ في الجَمْعِ بَيْنَ الدُّعاءَيْنِ حِينَئِذٍ لَطافَةٌ إذْ مَآلُ الأوَّلِ (لا تُخْزِنا) في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ عَلَيْنا فَكَأنَّهم قالُوا: لا تُخْزِنا في الدُّنْيا ولا تُخْزِنا في الآخِرَةِ، وغايَرُوا في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرُوا في طَلَبِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِعِبارَةٍ لِلِاخْتِلافِ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ أنْفُسِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ التَّعْقِيبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهم طَلَبُوا ثَوابًا كامِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِزْيٌ ووُقُوعٌ في بَلاءٍ، وكَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ما هو المُتَمَنّى الأعْظَمُ وغايَةُ ما يَرْجُوهُ الرّاجُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأيْوَمِ وهو الثَّوابُ التَفَتُوا إلى طَلَبِ ما يَعْظُمُ بِهِ أمْرُهُ ويَرْتَفِعُ بِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَدْرُهُ وهو تَرْكُ العَذابِ بِالمَرَّةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم طَلَبُوا الثَّوابَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ العَذابَ الجُسْمانِيَّ ثُمَّ طَلَبُوا دَفْعَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ بِناءً عَلى أنَّ الخِزْيَ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا ادْفَعْ عَنّا العَذابَ الجُسْمانِيَّ وادْفَعْ عَنّا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، وإنْ أنْتَ أبَيْتَ هَذا وذاكَ وادَّعَيْتَ التَّلازُمَ بَيْنَ الثَّوابِ وتَرْكِ الخِزْيِ فَلَنا أنْ نَقُولَ: إنَّ القَوْمَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في النَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الأهْوالُ وتَشِيبُ فِيهِ الأطْفالُ لَمْ يَكْتَفُوا بِأحَدِ الدُّعاءَيْنِ وإنِ اسْتَلْزَمَ الآخَرَ بَلْ جَمَعُوا بَيْنَهُما لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الإلْحاحِ - واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ – فَهو أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، وقَدَّمُوا الأوَّلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ صِيغَةً، ومِنَ النّاسِ مَن يُؤَوِّلُ هَذا الدُّعاءَ بِأنَّهُ طَلَبُ العِصْمَةِ عَمّا يَقْتَضِي الإخْزاءَ، وجُعِلَ خَتْمَ الأدْعِيَةِ لِيَكُونَ خِتامُها مِسْكًا لِأنَّ المَطْلُوبَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ مَعْنًى ولَفْظًا، ويَجِبُ ذَلِكَ قَطْعًا إنْ كانَ الكَلامُ مُؤَوَّلًا، أوْ كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ، ويَتَرَجَّحُ بَلْ يَكادُ يَجِبُ أيْضًا إذا كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ الثَّوابِ واحْتِمالِ أنَّهُ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ (آتِنا ﴿ولا تُخْزِنا﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هو كَما تَرى. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ (194) تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبِلَ الأخِيرِ اللّازِمِ لَهُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأجْهُورِيُّ، و(المِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ، وقَيَّدَهُ الكَثِيرُ هُنا بِالإثابَةِ والإجابَةِ وهو الظّاهِرُ، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَصَحِيحٌ لِأنَّهُ مِيعادُ النّاسِ لِلْجَزاءِ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وتَرْكُ العَطْفِ صفحة 167 فِي هَذِهِ الأدْعِيَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها، وقَدْ أشَرْنا إلى سِرِّ تَكْرارِ النِّداءِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ مَرَّةً: يا رَبِّ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَعَجِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ أهَذا لِي خاصَّةً ؟ فَقالَ: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أحْزَنَهُ أمْرٌ فَقالَ: رَبَّنا رَبَّنا خَمْسَ مَرّاتٍ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَقُولُ يا رَبِّ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا نَظَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَذُكِرَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: أما تَقْرَأِ القُرْآنَ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ إلَخْ. فَإنْ قُلْتَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى واجِبُ الوُقُوعِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ سُبْحانَهُ إجْماعًا فَكَيْفَ طَلَبَ القَوْمُ ما هو واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ قُلْتُ: أُجِيبَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى لَهم لَيْسَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ بَلْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، فالمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ التَّوْفِيقُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَصِيرُونَ بِها أهْلًا لِحُصُولِ المَوْعُودِ، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الِاسْتِكانَةِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وبِهَذا يَلْتَئِمُ التَّذْيِيلُ أتَمَّ التِئامٍ، واخْتارَ هَذا الجُبّائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى، أوِ الدُّعاءُ تَعَبُّدِيٌّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُونِي﴾ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِواجِبِ الوُقُوعِ، وما يَسْتَحِيلُ خِلافُهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَوْعُودَ بِهِ هو النَّصْرُ لا غَيْرُ، والقَوْمُ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يُوَقَّتْ لَهم في الوَعْدِ لِيَعْلَمُوهُ فَرَغِبُوا إلى اللَّهِ تَعالى في تَعْجِيلِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ السُّرُورِ بِالظَّفَرِ، فالمَوْعُودُ غَيْرُ مَسْؤُولٍ والمَسْؤُولُ غَيْرُ مَوْعُودٍ، فَلا إشْكالَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن هاجَرَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بَعْدَ أنْ وُعِدُوا بِهِ وقالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى أناتِكَ وحِلْمِكَ، وقَوِيَ بِما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وكَلامُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ يُشِيرُ إلى هَذا أيْضًا وفِيهِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ دُعاءٌ حَقِيقَةً بَلِ الكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ المَسْألَةِ، والمُرادُ مِنهُ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، ويَزِيدُهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ.

آل عمران 3:195

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ الإجابَةُ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الإجابَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَوابِ ولَوْ بِالرَّدِّ، والِاسْتِجابَةُ الجَوابُ بِحُصُولِ المُرادِ لِأنَّ زِيادَةَ السِّينِ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ هو لِطَلَبِ الجَوابِ، والمَطْلُوبُ ما يُوافِقُ المُرادَ لا ما يُخالِفُهُ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وهو الشّائِعُ، وقَدْ تَتَعَدّى بِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ وغَيْرُهُ: في التَّعْدِيَةِ إلى الدّاعِي، وأمّا إلى الدُّعاءِ فَشائِعٌ بِدُونِ اللّامِ مِثْلُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ، والفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هُنا لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلَخْ. وإنْ قُدِّرَ ذَلِكَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا فَهو عَطْفٌ عَلى (يَتَفَكَّرُونَ) بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( رَبَّنا ) إلَخْ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الِانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ صفحة 168 وأمّا عَلى كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًا لِأُولِي الألْبابِ فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ لِما عَرَفْتَ سابِقًا، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والمَشْهُورُ العَطْفُ عَلى المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وهو المُنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا مُضافًا ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا أسْمَعُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»، فَقالَتِ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا. ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها نَزَلَتْ تَتِمَّةً لِما قَبْلَها. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ . ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَخَرَّجَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَضِيعُ عَمَلٌ عامِلٌ مِنهم أيْ سُنَّتُهُ السُّنِّيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وجُعِلَ التَّكَلُّمُ في ( أنِّي ) والخِطابُ في ( مِنكم ) مِن بابِ الِالتِفاتِ، والنُّكْتَةُ الخاصَّةُ فِيهِ إظْهارُ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفُ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ السَّبَبِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِجابَةِ، والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدَ الدُّعاءِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا إمّا مِن فاعِلِ (اسْتَجابَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) والتَّقْدِيرُ مُخاطِبًا لَهم بِأنِّي، أوْ مُخاطَبِينَ بِأنِّي إلَخْ، وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَجابَ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وفِيها يَتَعَيَّنُ إرادَةُ القَوْلِ ومَوْقِعُهُ الحالُ أيْ قائِلًا إنِّي أوْ مَقُولًا لَهم (إنِّي) إلَخْ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ خَيْرٌ مِن تَخالُفِهِما، وهَذا التَّوافُقُ ظاهِرٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصاحِبُ القِيلِ وإنِ اخْتُلِفَ فِيهِما شِدَّةً وضَعْفًا، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ فالظُّهُورُ لا يَكادُ يَظْهَرُ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (لا أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَعْدِ العامِلِينَ عَلى العُمُومِ مَعَ الرَّمْزِ إلى وعِيدِ المُعْرِضِينَ غايَةُ اللُّطْفِ بِحالِ هَؤُلاءِ الدّاعِينَ لا سِيَّما وقَدْ عَبَّرَ هُناكَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةِ حَقِيقَةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، ولَكِنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الإثابَةِ حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعالى - كَذا قِيلَ - والمَشْهُورُ أنَّ الإضاعَةَ في الأصْلِ الإهْلاكُ ومِثْلُها التَّضْيِيعُ، ويُقالُ: ضاعَ يَضِيعُ ضَيْعَةً وضَياعًا بِالفَتْحِ إذا هَلَكَ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا بِمَعْنى الإبْطالِ أيْ لا أُبْطِلُ عَمَلَ عامِلٍ كائِنٍ مِنكم ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ، وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ إمّا عَلى مَعْنى شَخْصٍ عامِلٍ أوْ عَلى التَّغْلِيبِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مِنكم بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إذْ هُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن أصْلِ بَعْضٍ، أوْ بِدُونِهِ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، وإمّا اتِّصالِيَّةٌ والِاتِّصالُ إمّا بِحَسَبِ اتِّحادِ الأصْلِ، أوِ المُرادُ بِهِ الِاتِّصالُ في الِاخْتِلاطِ أوِ التَّعاوُنِ، أوِ الِاتِّحادُ في الدِّينِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِن أُخُوَّةِ الإسْلامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الدُّخُولِ مَعَ الرِّجالِ في الوَعْدِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أوْ صِفَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ، وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ مَعَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ. صفحة 169 وأصْلُ المُهاجِرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّرْكُ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المُهاجَرَةِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أيْ تَرْكُ الأُولى لِلثّانِيَةِ مُطْلَقًا، أوْ لِلدِّينِ عَلى ما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ، والمُتَبادِرُ في الآيَةِ هو هَذا المَعْنى، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ المُهاجَرَةَ كانَتْ عَنْ قَسْرٍ واضْطِرارٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ آذَوْهم وظَلَمُوهم حَتّى اضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هاجَرُوا الشِّرْكَ وتَرَكُوهُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿وأُخْرِجُوا﴾ إلَخْ تَأْسِيسًا ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ بِسَبَبِ طاعَتِي وعِبادَتِي ودِينِي وذَلِكَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الإيذاءِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا كانَ يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ ﴿وقاتَلُوا﴾ أيَّ الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وقُتِلُوا﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ، ولا إشْكالَ فِيها لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا، وقُدِّمَ القَتْلُ لِفَضْلِهِ بِالشَّهادَةِ هَذا إذا كانَ القَتْلُ والمُقاتَلَةُ مِن شَخْصٍ واحِدٍ، أمّا إذا كانَ المُرادُ قُتِلَ بَعْضٌ وقاتَلَ بَعْضٌ آخَرَ ولَمْ يَضْعُفُوا بِقَتْلِ إخْوانِهِمْ فاعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها أيْضًا لا يَضُرُّ، وصَحَّحَ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها، أوْ بِأكْثَرَ فَحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ التَّوْزِيعِ أيْ مِنهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا ومِنهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا، أوْ بِطْرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ - كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ - أيْ والَّذِينَ قُتِلُوا والَّذِينَ قاتَلُوا، ويُؤَيِّدُ كَوْنُ المَعْنى عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتُّصِفَ بِالبَعْضِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ قُتِلُوا وقَدْ قاتَلُوا فَقَدْ مُضْمَرَةٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ الكَلامُ الجَلِيلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وزَعَمَ ثَعْلَبٌ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَقَعُ خَبَرًا ووَجَّهَهُ أنَّ الخَبَرَ لَهُ مَحَلٌّ وجَوابَ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ - وهو الثّانِي - فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ لَهُ مَحَلًّا مِن جِهَةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِن جِهَةِ الجَوابِيَّةِ، أوِ الَّذِي لا مَحَلَّ لَهُ الجَوابُ والخَبَرُ مَجْمُوعُ القَسَمِ وجَوابِهِ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ إنْشائِيَّةً لِتَأْوِيلِها بِالخَبَرِ أوْ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في أمْثالِهِ، والتَّكْفِيرُ في الأصْلِ السِّتْرُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِاقْتِضائِهِ بَقاءَ الشَّيْءِ المَسْتُورِ - وهو لَيْسَ بِمُرادٍ - فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالمَحْوِ، والمُرادُ مِن مَحْوِ السَّيِّئاتِ مَحْوُ آثارِها مِنَ القَلْبِ، أوْ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وإثْباتُ الطّاعَةِ مَكانَها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والمُرادُ مِنَ السَّيِّئاتِ فِيما نَحْنُ فِيهِ الصَّغائِرُ لِأنَّها الَّتِي تُكَفَّرُ بِالقُرُباتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ العُلَماءِ، لَكِنْ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» . وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ الصَّغائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِمُجَرَّدِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ ولا دَخْلَ لِلْقُرُباتِ في تَكْفِيرِها، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وحَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلى مَعْنى نُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم بِحَسَناتِكم وأوْرَدُوا عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفارَّةُ سَنَتَيْنِ»، «وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفارَّةُ سَنَةٍ» . ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرٌ، فَإذا كانَ صفحة 170 مُجَرَّدُ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُكَفِّرًا فَما الحاجَةُ لِمَقاساتِ هَذا الصَّوْمِ مَثَلًا ؟ وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السَّيِّئاتُ عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ لِأنَّها لا بُدَّ لَها مِنَ التَّوْبَةِ ولا تُكَفِّرُها القُرُباتُ أصْلًا في المَشْهُورِ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلى الخاصَّةِ والعامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ ويَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الكَبائِرِ بِغَيْرِها بُطْلانُ فَرْضِيَّتِها وهو خِلافُ النَّصِّ. وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ: قَدْ يُكَفِّرُ بَعْضُ القُرُباتِ كالصَّلاةِ مَثَلًا بَعْضَ الكَبائِرِ إذا لَمْ يَكُنْ صَغِيرَةٌ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الطّاعاتِ لا تُكَفِّرُ الكَبائِرَ لَكِنْ قَدْ تُخَفِّفُها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ القُرْبَةَ تَمْحُو الخَطِيئَةَ سَواءٌ كانَتْ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتْبِعِ السَّيِّئاتِ الحَسَنَةَ تَمْحُها» . وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الحَسَنَةُ في الآيَةِ والحَدِيثِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ إنْ أُخِذَتِ السَّيِّئَةُ عامَّةً. ولا يُمْكِنُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَمْلُها عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ السَّيِّئَةَ حِينَئِذٍ تَشْمَلُ حُقُوقَ العِبادِ والإجْماعِ عَلى أنَّ الحَسَناتِ لا تُذْهِبُها وإنَّما تُذْهِبُها التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها المُعْتَبَرَةِ المَعْلُومَةِ، وأيْضًا لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِ الحُكْمِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَسادُ مِن عَدَمِ خَوْفٍ في المَعادِ عَلى أنَّ في سَبَبِ النُّزُولِ ما يُرْشِدُ إلى تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعاهُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً يا رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً». ووَجْهُ الإرْشادِ إمّا إلى تَخْصِيصِ الحَسَنَةِ بِالتَّوْبَةِ فَهو أنَّهُ جاءَهُ تائِبًا ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ حَسَنَةٌ أُخْرى، وإمّا عَلى تَخْصِيصِ السَّيِّئَةِ بِالصَّغِيرَةِ فَلِأنَّ ما وقَعَ مِنهُ كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ تَقْبِيلَ الأجْنَبِيَّةِ مِنَ الصَّغائِرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الحَسَنَةَ تُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ ما لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها سَواءٌ فَعَلَ الكَبِيرَةَ أمْ لا مَعَ القَوْلِ الأصَحِّ بِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغِيرَةِ واجِبَةٌ أيْضًا، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِكَبِيرَةٍ لِجَوازِ تَعْذِيبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وقِيلَ: الواجِبُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ أوْ بِمُكَفِّرِها مِنَ الحَسَنَةِ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ. ولَعَلَّ التَّوْبَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُفْضِي إلى إتْمامِهِ، هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ حَمْلَ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ سائِغٌ بِناءً عَلى أنَّ المُهاجَرَةَ تَرْكُ الشِّرْكِ وهو إنَّما يَكُونُ بِالإسْلامِ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ في السَّيِّئاتِ شَبَهُ التَّوْزِيعِ بِأنْ يُؤْخَذَ مِن أنْواعِ مَدْلُولِها مَعَ كُلِّ وصْفٍ ما يُناسِبُهُ، ويَكُونُ هَذا تَصْرِيحًا بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ بِالخُصُوصِ بَعْدَ ما وُعِدَ ذَلِكَ بِالعُمُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا، وفِيهِ خِلافٌ، فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ الإسْلامَ المُقارِنَ لِلنَّدَمِ إنَّما يُكَفِّرُ وِزْرَ الكُفْرِ لا غَيْرَ، وأمّا غَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي فَلا يُكَفَّرُ إلّا بِتَوْبَةٍ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، واسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنْ أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بِالأوَّلِ ولا بِالآخِرِ، وإنْ أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بِالأوَّلِ والآخِرِ». ولَوْ كانَ الإسْلامُ يُكَفِّرُ سائِرَ المَعاصِي لَمْ يُؤاخَذْ بِها إذا أسْلَمَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن شَبَهِ التَّوْزِيعِ يُهَوَّنُ أمْرُ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ. ﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ رَمْزٌ إلى ما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عَلى القَوْلِ الآخَرِ ﴿ثَوابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ لَأُثِيبَنَّهم بِذَلِكَ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ الإثابَةِ وإنْ كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِما يُثابُ بِهِ كالعَطاءِ لِما يُعْطى، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن جَنّاتٍ لِوَصْفِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ مُثابًا بِها أوْ مُثابِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن جَنّاتٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّهُ مَنصُوبٌ صفحة 171 عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِثَوابًا وهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ الثَّوابَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ تَعْظِيمًا لِلثَّوابِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ كَيْفَ يَكُونُ مُؤَكِّدًا، لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الوَصْفَ المُؤَكِّدَ لا يُنافِي كَوْنَ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا. وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِثَوابًا بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (195) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( عِنْدَهُ ) و(حُسْنُ الثَّوابِ) مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ قَوْلِ الرَّجُلِ: عِنْدِي ما تُرِيدُ يُرِيدُ اخْتِصاصَهُ بِهِ وتَمَلُّكَهُ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ مَعْنًى عِنْدَهُ ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أنَّ الثَّوابَ بِحَضْرَتِهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ عَلى ما هو حَقِيقَةُ لَفْظِ عِنْدَهُ، بَلْ مَثَّلَ هُناكَ كَوْنَهُ بِقُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَّعِيهِ لِغَيْرِهِ، والِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ حَتّى لَوْ لَمْ يُجْعَلْ ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كانَ الِاخْتِصاصُ بِحالِهِ، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ مَزِيدَ فَضْلِ المُهاجِرِينَ ورِفْعَةَ شَأْنِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لَفُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ إذا أُمِرُوا سَمِعُوا وأطاعُوا، وإنْ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنهم حاجَةٌ إلى السُّلْطانِ لَمْ تُقْضَ حَتّى يَمُوتَ وهي في صَدْرِهِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو يَوْمَ القِيامَةِ الجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزَخْرَفَتِها وزِينَتِها فَيَقُولُ: أيْنَ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي وجاهَدُوا في سَبِيلِي، ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَدْخُلُونَها بِغَيْرِ عَذابٍ ولا حِسابٍ، وتَأْتِي المَلائِكَةُ فَيَسْجُدُونَ ويَقُولُونَ: رَبَّنا نَحْنُ نُسَبِّحُ لَكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ونُقَدِّسُ لَكَ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرْتَهم عَلَيْنا ؟ فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي، فَتَدْخُلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .

آل عمران 3:196

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، وكَثِيرًا ما يُخاطَبُ سَيِّدُ القَوْمِ بِشَيْءٍ ويُرادُ أتْباعُهُ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ ﷺ عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَكُونُ مِنهُ تَزَلْزُلٌ حَتّى يُؤْمَرَ بِالثَّباتِ - وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى - والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ أيْ لا تَغْتَرَّ بِما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ ووُفُورِ الحَظِّ، وإنَّما جُعِلَ النَّهْيُ ظاهِرًا لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، فَإنَّ تَغْرِيرَ التَّقَلُّبِ لِلْمُخاطَبِ سَبَبٌ واغْتِرارَهُ بِهِ مُسَبَّبٌ، فَمَنَعَ السَّبَبَ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ الَّذِي هو اغْتِرارُ المُخاطَبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ عَلى طَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وهو أبْلَغُ مِن وُرُودِ النَّهْيِ عَلى المُسَبَّبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالُوا: وهَذا عَلى عَكْسِ قَوْلِ القائِلِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا فَإنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنِ المُسَبَّبِ وهو الرُّؤْيَةُ لِيَمْتَنِعَ السَّبَبُ وهو حُضُورُ المُخاطَبِ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الغارِّيَّةَ والمَغْرُورِيَّةَ مُتَضايِفانِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ القَطْعَ والِانْقِطاعَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَثَلًا مُتَضايِفانِ، وحُقِّقَ أنَّ المُتَضايِفَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَبَبًا لِلْآخَرِ بَلْ هُما مَعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: عُلِّقَ النَّهْيُ بِكَوْنِ التَّقَلُّبِ غارًّا لِيُفِيدَ نَهْيَ المُخاطَبِ عَنِ الِاغْتِرارِ لِأنَّ نَفْيَ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الآخَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما لَمْ يَقَعِ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ النَّظَرَ الصّائِبَ يَقْضِي بِخِلافِهِ، وفُسِّرَ المَوْصُولُ بِالمُشْرِكِينَ صفحة 172 مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ «أنَّهم كانُوا في رَخاءٍ ولِينٍ مِنَ العَيْشِ وكانُوا يَتَّجِرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، وبَعْضٌ فَسَرَّهُ بِاليَهُودِ، وحَكى أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ويُصِيبُونَ الأمْوالَ والمُؤْمِنُونَ في عَناءٍ فَنَزَلَتْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ بِبَيانِ قُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما سَيَنالُونَهُ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ وزَيْدٍ (ولا يَغَرُنَّكَ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

آل عمران 3:197

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يَعْنِي: تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقُلْتُهُ إمّا بِاعْتِبارِ قَصْرِ مُدَّتِهِ أوْ بِالقِياسِ إلى ما فاتَهم مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ، وفِيما رَواهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَ تَرْجِعُ» . وقِيلَ: إنَّ وصْفَ ذَلِكَ المَتاعِ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى مُؤْنَةِ السَّعْيِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فَضْلًا عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ في دارِ الثَّوابِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾ أيْ مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِيها. ﴿جَهَنَّمُ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ (197) أيْ بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ وفَرَشُوا جَهَنَّمُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَصِيرَهم إلى تِلْكَ الدّارِ مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ.

آل عمران 3:198

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. ﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى. أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في صفحة 173 الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ بِفَضْلِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّزُلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، وعَلَيْهِ تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وهو كَما تَرى، نَعَمْ فِيهِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ ضُيُوفُ اللَّهِ تَعالى وفي ذَلِكَ كَمالُ اللُّطْفِ بِهِمْ. ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ (198) مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ لِقِلَّتِهِ وزَوالِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِمّا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّ فِيهِ إيذانًا بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ والقُرْبِ الَّذِي لا يُوازِيهِ شَيْءٌ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، و﴿لِلأبْرارِ﴾ صِفَةُ (خَيْرٌ) . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لِلْأبْرارِ) خَبَرًا، والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ أيْ والَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأبْرارِ، و(خَيْرٌ) عَلى هَذا خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ (لِلْأبْرارِ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، و(خَيْرٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِحالٍ لِغَيْرِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِ الحالِ غَيْرُ المُبْتَدَأِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الِاخْتِيارِ.

آل عمران 3:199

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ: ”اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَنْ أخٍ لَكم، فَخَرَجَ فَصَلّى بِنا فَكَبَّرَ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا جَمِيعًا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن مَعَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وأشْهَرُ الرِّواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ - وهو بِفَتْحِ النُّونِ عَلى المَشْهُورِ - كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ. ونَقَلَ ابْنُ السَّيِّدِ كَسْرَها - وعَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ - وفَتْحُ الجِيمِ مُخَفَّفَةً - وتَشْدِيدُها غَلَطٌ - وآخِرُهُ ياءٌ ساكِنَةٌ وهو الأكْثَرُ رِوايَةً لِأنَّها لَيْسَتْ لِلنِّسْبَةِ، ونَقَلَ ابْنُ الأثِيرِ تَشْدِيدَها، ومِنهم مَن جَعَلَهُ غَلَطًا - وهو لَقَبُ كُلِّ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ - واسْمُهُ أصْحَمَةُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ وحاءٍ مُهْمَلَةٍ - والحَبَشَةُ يَقُولُونَهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ عِنْدَهم عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وذَكَرَ مُقاتِلٌ في نَوادِرِ التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَهُ مَكْحُولُ بْنُ صَعْصَعَةَ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وقَدْ تُوُفِّيَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ صِفاتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ، وفِيها أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ صفحة 174 الَّذِينَ هم أقْبَحُ أصْنافِ الكُفّارِ، وبِهَذا يَحْصُلُ رَبْطٌ بَيْنَ الآيَةِ وما قَبْلَها مِنَ الآياتِ، وإذا لاحَظْتَ اشْتِراكَ هَؤُلاءِ مَعَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ قَوِيَتِ المُناسِبَةُ، وإذا لاحَظَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مَدْحَ المُهاجِرِينَ وفي هَذا مَدْحًا لِلْمُهاجِرِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ الأُولى كانَتْ إلَيْهِمْ كانَ أمْرُ المُناسَبَةِ أقْوى، وإذا اعْتُبِرَ تَفْسِيرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ بِاليَهُودِ زادَتْ قُوَّةُ بَعْدَ ولامُ الِابْتِداءِ داخِلَةٌ عَلى اسْمِ إنَّ وجازَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ. ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ أوْ مِنهُما، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّ القُرْآنَ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيمانَهم بِذَلِكَ إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ إذْ لا عِبْرَةَ بِما في الكِتابَيْنِ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقُرْآنِ ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَ الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ تَعْجِيلًا لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِالثّانِي الإيمانُ بِهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا كَتْمٍ كَما هو شَأْنُ المُحَرِّفِينَ والكاتِمِينَ واتِّباعِ كُلٍّ مِنَ العامَّةِ. ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ أيْ خاضِعِينَ لَهُ سُبْحانَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خائِفِينَ مُتَذَلِّلِينَ، وقالَ الحَسَنُ: الخُشُوعُ الخَوْفُ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُ) وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى بَعْدَ ما حَمَلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ إلَيْهِمْ وهو أقْرَبُ لَفْظًا فَقَطْ، وجِيءَ بِالحالِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِخاشِعِينَ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَنفِيِّ بَعْدَهُ وهو في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ أوْلى، وفي هَذا النَّفْيِ تَصْرِيحٌ بِمُخالَفَتِهِمْ لِلْمُحَرِّفِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، والمَعْنى لا يَأْخُذُونَ عِوَضًا يَسِيرًا عَلى تَحْرِيفِ الكِتابِ وكِتْمانِ الحَقِّ مِنَ الرِّشا والمَآكِلِ كَما فَعَلَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ وصَفَهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ، ووَصْفُ الثَّمَنِ بِالقَلِيلِ إمّا لِأنَّ كُلَّ ما يُؤْخَذُ عَلى التَّحْرِيفِ كَذَلِكَ ولَوْ كانَ مِلْءِ الخافِقَيْنِ، وإمّا لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيضِ بِالآخِذِينَ ومَدْحِهِمْ بِما ذُكِرَ لَيْسَ مِن حَيْثُ عَدَمُ الأخْذِ فَقَطْ بَلْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ إظْهارَ ما في الآياتِ مِنَ الهُدى وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمْ وأجْرُ طاعَتِهِمْ، والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيِ الأجْرُ المُخْتَصُّ بِهِمُ المَوْعُودُ لَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وفي الكَلامِ أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ فَقَدْ قالُوا: إنَّ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، وأجْرُهم مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وأجْرُهم مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ﴿أجْرُهُمْ﴾ . وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ لَهم أنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم مُبْتَدَأً، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) خَبَرَهُ، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والثُّبُوتِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الظَّرْفِ، والأوْجَهُ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ هو الشّائِعُ عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ (199) إمّا كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى بِمَقادِيرِ الأُجُورِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وأنَّهُ يُوَفِّيها كُلَّ عامِلٍ عَلى ما يَنْبَغِي وقَدْرِ ما يَنْبَغِي وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أوْ تَذْيِيلًا لِبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ المُفادِ بِما ذُكِرَ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِ الأجْرِ المَوْعُودِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَها فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ صفحة 175 كَأنَّهُ قِيلَ: (لَهم أجْرٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) عَنْ قَرِيبٍ، وفُصِلَتْ لِأنَّ الحُكْمَ بِقُرْبِ الأجْرِ مِمّا يُؤَكِّدُ ثُبُوتَهُ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في تَضاعِيفِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

آل عمران 3:200

ما بَيَّنَ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ وشَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما قاساهُ المُؤْمِنُونَ الكِرامُ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ مِنَ الآلامِ - خَتَمَ السُّورَةَ بِما يَضُوعُ مِنهُ مِسْكُ التَّمَسُّكِ بِما مَضى، ويَضِيعُ بِامْتِثالِ ما فِيهِ مَكايِدُ الأعْداءِ ولَوْ ضاقَ لَها الفَضا، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيِ احْبِسُوا نُفُوسَكم عَنِ الجَزَعِ مِمّا يَنالُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِما يَعُمُّ أقْسامَ الصَّبْرِ الثَّلاثَةَ المُتَفاوِتَةَ في الدَّرَجَةِ الوارِدَةَ في الخَبَرِ، وهو الصَّبْرُ عَلى المُصِيبَةِ، والصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ، والصَّبْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ﴿وصابِرُوا﴾ أيِ اصْبِرُوا عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى صَبْرًا أكْثَرَ مِن صَبْرِهِمْ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ العامِّ لِأنَّهُ أشَدُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ فالعَطْفُ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، (والصَّلاةِ الوُسْطى) (عَلى الصَّلَواتِ) وهَذا وإنْ آلَ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ ﴿ورابِطُوا﴾ أيْ أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خُيُولَكم فِيها حابِسِينَ لَها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِالِغِينَ في ذَلِكَ المَبْلَغِ الأوْفى أكْثَرَ مِن أعْدائِكم، والمُرابَطَةُ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الصَّبْرِ فالعَطْفُ هُنا كالعَطْفِ السّابِقِ. وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى آمِنًا مِنَ الفَزَعِ ”» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“ «مَن رابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ سَبْعَ خَنادِقَ كُلُّ خَنْدَقٍ كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «الصَّلاةُ بِأرْضِ الرِّباطِ بِألْفِ ألْفَيْ صَلاةٍ» . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرِّباطَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ لِأنَّهُ حَقْنُ دِماءِ المُسْلِمِينَ، والجِهادُ سَفْكُ دِماءِ المُشْرِكِينَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ ما مَرَّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (200) أيْ لِكَيْ تَظْفَرُوا وتَفُوزُوا بِنِيلِ المُنْيَةِ ودَرْكِ البُغْيَةِ والوُصُولِ إلى النُّجْحِ في الطِّلْبَةِ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الفَلاحِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يُرْشِدُ المُؤْمِنَ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ والدُّنْيا ويَرْقى بِهِ إلى الذُّرْوَةِ العُلْيا، وقَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: الأوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، والثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ مَعَ أهْلِ المَنزِلِ والمَدِينَةِ، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ - نَظَرًا إلى الأوَّلِ - بِالصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ، والصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها ومَخاوِفِها، وأمَرَ - نَظَرًا إلى الثّانِي- بِالمُصابَرَةِ ويَدْخُلُ فِيها تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَةِ مِنَ الأقارِبِ والأجانِبِ، وتَرْكُ الِانْتِقامِ مِنهم، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والجِهادُ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ بِاللِّسانِ والسِّنانِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ تَكْلِيفُ الإنْسانِ بِما ذُكِرَ لا بُدَّ لَهُ مِن إصْلاحِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الباعِثَةِ عَلى أضْدادِ ذَلِكَ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُرابِطَةِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ مُرابَطَةَ ثَغْرٍ أوْ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مُلاحَظَةُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا لا بُدَّ مِنها في جَمِيعِ الأعْمالِ والأقْوالِ حَتّى يَكُونَ مُعْتَدًّا بِها أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى، ثُمَّ لَمّا تَمَّتْ وظائِفُ العُبُودِيَّةِ خَتَمَ الكَلامَ بِوَظِيفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو رَجاءُ الفَلاحِ مِنهُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ وتَعَسُّفٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ العامِّ أوَّلًا لِأنَّهُ كَما في الخَبَرِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ وهو مِفْتاحُ الفَرَجِ. صفحة 176 وقالَ بَعْضُهم: لِكُلِّ شَيْءٍ جَوْهَرٌ، وجَوْهَرُ الإنْسانِ العَقْلُ، وجَوْهَرُ العَقْلِ الصَّبْرُ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمِيعَ المَراتِبِ العَلِيَّةِ والمَراقِي السَّنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لا تُنالُ إلّا بِالصَّبْرِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لَأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أُدْرِكَ المُنى فَما انْقادَتِ الآمالُ إلّا لِصابِرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ ثانِيًا بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الصَّبْرِ وهي المُجاهِدَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها النَّفْعُ العامُّ والعِزُّ التّامُّ، وقَدْ جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا تَرَكْتُمُ الجِهادَ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكم» . ثُمَّ تَرَقّى إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ هو أعْلى وأغْلى وهو المُرابَطَةُ الَّتِي هي الإقامَةُ في ثَغْرٍ لِدَفْعِ سُوءٍ مُتَرَقَّبٍ مِمَّنْ وراءَهُ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ آخِرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى العامَّةِ إذْ لَوْلاها لَأوْشَكَ أنْ يُخالِطَ تِلْكَ الأشْياءَ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُفْسِدُها، وبِهَذا تَمَّ المَعْجُونُ الَّذِي يُبْرِئُ العِلَّةَ ورُوِّقَ الشَّرابُ الَّذِي يَرْوِي الغُلَّةَ. ومِن هُنا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: أقَبْلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي يا ابْنَ أخِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ إلَخْ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: أمّا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيها، فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ أيِ ﴿اصْبِرُوا﴾ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ﴿وصابِرُوا﴾ أنْفُسَكم وهَواكم ﴿ورابِطُوا﴾ في مَساجِدِكم ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما عَلَّمَكم ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» . ولَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى مَعَ ما في الحُكْمِ فِيها بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ مِنَ البُعْدِ بَلْ لا يَكادُ يَسْلَمُ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً لا تُنافِي التَّفْسِيرَ المَشْهُورَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ اللّامُ في الرِّباطِ فِيها لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الرِّباطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» مِن قَبِيلِ زَيْدٌ أسَدٌ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالرِّباطِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا عَدُوَّكم، ورابِطُوا عَلى دِينِكم. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى المُصِيبَةِ، وصابِرُوا عَلى الصَّلَواتِ، ورابِطُوا في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وصابِرُوا أهْلَ الضَّلالِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ أوْلى. * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ الظُّلْمَةِ والنُّورِ ﴿لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ وهُمُ النّاظِرُونَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وقُعُودًا﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ تَقَلُّباتِهِمْ في مَكامِنِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ، وقالَ بَعْضُهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا﴾ أيْ قائِمِينَ بِاتِّباعِ أوامِرِهِ ﴿وقُعُودًا﴾ أيْ قاعِدِينَ عَنْ زَواجِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ ومُجْتَنِبِينَ مُطالَعاتِ المُخالَفاتِ بِحالٍ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ﴾ بِألْبابِهِمُ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَلِكَ التَّفَكُّرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ الأوَّلُ طَلَبُ غَيْبَةِ القُلُوبِ في الغُيُوبِ الَّتِي هي كُنُوزُ أنْوارِ الصِّفاتِ لِإدْراكِ أنْوارِ القُدْرَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ الشّاهِدَ إلى المَشْهُودِ، والثّانِي جَوَلانُ القُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفَكُّرِ صفحة 177 فِي إبْداعِ المُلْكِ طَلَبًا لِمُشاهَدَةِ المَلِكِ في المُلْكِ فَإذا شاهَدُوا قالُوا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ بَلْ هو مَرايا لِأسْمائِكَ ومَظاهِرٌ لِصِفاتِكَ، ويُفْصِحُ بِالمَقْصُودِ قَوْلُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ سِواكَ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وهي نارُ الِاحْتِجابِ بِالأكْوانِ عَنْ رُؤْيَةِ المُكَوِّنِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾ وتَحْجُبُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ وأذْلَلْتَهُ بِالبُعْدِ عَنْكَ ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا وُجُودَ لَهُ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ ﴿مِن أنْصارٍ﴾ لِاسْتِيلاءِ التَّجَلِّي القَهْرِيِّ عَلَيْهِمْ. ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا﴾ بِأسْماعِ قُلُوبِنا ﴿مُنادِيًا﴾ مِن أسْرارِنا الَّتِي هي شاطِئُ وادِي الرُّوحِ الأيْمَنِ ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ العِيانِيِّ ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ شاهِدُوا رَبَّكم فَشاهَدْنا، أوْ ﴿إنَّنا سَمِعْنا﴾ في المَقامِ الأوَّلِ ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ والمُرادُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ لَهم إلى الإيمانِ ﴿فَآمَنّا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهم: (بَلى) حِينَ شاهَدُوهُ هُناكَ سُبْحانَهُ ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ ذُنُوبَ صِفاتِنا بِصِفاتِكَ ﴿وكَفِّرْ عَنّا﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا بِرُؤْيَةِ أفْعالِكَ ﴿وتَوَفَّنا﴾ عَنْ ذَواتِنا بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ ﴿مَعَ الأبْرارِ﴾ وهُمُ القائِمُونَ عَلى حَدِّ التَّفْرِيدِ والتَّوْحِيدِ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى﴾ ألْسِنَةِ ﴿رُسُلِكَ﴾ بِقَوْلِكَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾، ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِأنْ تَحْجُبَنا بِنِعْمَتِكَ عَنْكَ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ لِكَمالِ رَحْمَتِهِ ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ﴾ القَلْبُ وعَمَلُهُ مِثْلُ الإخْلاصِ واليَقِينِ ﴿أوْ أُنْثى﴾ النَّفْسُ وعَمَلُها إذا تَرَكَتِ المُجاهَداتِ والطّاعاتِ القالَبِيَّةِ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ إذْ يَجْمَعُكم أصْلٌ واحِدٌ وهو الرُّوحُ الإنْسانِيَّةُ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وهي مَأْلُوفاتُ أنْفُسِهِمْ ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ بِما قاسَوْا مِنَ المُنْكِرِينَ، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّ القَوْمَ إذا لَمْ يَذُوقُوا مَرارَةَ إيذاءِ المُنْكِرِينَ لَمْ يَفُوزُوا بِحَلاوَةِ كَأْسِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا قالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: جَزى اللَّهُ تَعالى إخْوانَنا عَنّا خَيْرًا رَدُّونا بِجَفائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وقاتَلُوا أنْفُسَهم فِيَّ وهي أعْدى أعْدائِهِمْ، وقُتِلُوا بِسَيْفِ الفَناءِ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ مِن بَقايا صِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ ﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ﴾ ثَلاثٌ وهي جَنَّةُ الأفْعالِ، وجَنَّةُ الصِّفاتِ، وجَنَّةُ الذّاتِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أنْهارُ العُلُومِ والتَّجَلِّياتِ ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ فَلا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِهِ ثَوابٌ أصْلًا. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ حُجِبُوا عَنِ التَّوْحِيدِ ﴿فِي البِلادِ﴾ في المَقاماتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأحْوالِ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الحِرْمانُ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ الَّذِي اخْتارُوهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بِأنْ تَجَرَّدُوا كَمالَ التَّجَرُّدِ ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾ ثَلاثٌ عِوَضُ ذَلِكَ ﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُعَدًّا لَهم ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن نِعَمِ المُشاهِدَةِ ولِطائِفِ القُرْبَةِ وحَلاوَةِ الوُصْلَةِ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ويُحَقِّقُ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِن عِلَمِ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ونَيْلِ الدَّرَجاتِ ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ لِلتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وما تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِشَيْءٍ إلّا خَضَعَ لَهُ ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَعالى وهي تَجَلِّياتُ صِفاتِهِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهي تِلْكَ الجَنّاتُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُوصِلُ إلَيْهِمْ أجْرَهم بِلا إبْطاءٍ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَنِ المَعاصِي ﴿وصابِرُوا﴾ عَلى الطّاعاتِ ﴿ورابِطُوا﴾ الأرْواحَ بِالمُشاهَدَةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن مُشاهَدَةِ الأغْيارِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ هُمُومِكم وخَطَراتِكم، أوْ ﴿اصْبِرُوا﴾ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ ﴿وصابِرُوا﴾ في مَقامِ القَلْبِ مَعَ التَّجَلِّياتِ ﴿ورابِطُوا﴾ صفحة 178 فِي مَقامِ الرُّوحِ ذَواتِكم حَتّى لا تَعْتَرِيَكم فَتْرَةٌ أوْ غَفْلَةٌ واتَّقُوا اللَّهَ عَنِ المُخالَفَةِ والإعْراضِ والجَفاءِ لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ الحَقِيقِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفى مِنِ امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. وهَذِهِ الآياتُ العَشْرُ كانَ يَقْرَؤُها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُثْمانَ قالَ: مَن قَرَأ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في لَيْلَةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قِيامَ لَيْلَةٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَجِبَ الشَّمْسُ» . وخَبَرُ - «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» - مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ عابُوا عَلى مَن أوْرَدَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنِ الزَّلَلِ ويَحْفَظَنا مِنَ الخَطَأِ والخَطَلِ، إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ولْيَكُنْ هَذا خاتِمَةَ ما أمْلَيْتُهُ مِن تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ والزَّهْراوَيْنِ، وأنا أرْغَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ أنْ يُوصِلَنِي إلى تَفْسِيرِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وهو الجِلْدُ الأوَّلُ مِن رُوحِ المَعانِي ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجِلْدُ الثّانِي وكانَ الفَراغُ مِنهُ في غُرَّةِ مُحَرَّمِ الحَرامِ سَنَةَ 1254 ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. آمِينَ.