Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — آل عمران 3:97 – آل عمران 3:155

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. آل عمران 3:97
  2. آل عمران 3:98
  3. آل عمران 3:99
  4. آل عمران 3:100
  5. آل عمران 3:101
  6. آل عمران 3:102
  7. آل عمران 3:103
  8. آل عمران 3:104
  9. آل عمران 3:105
  10. آل عمران 3:106
  11. آل عمران 3:107
  12. آل عمران 3:108
  13. آل عمران 3:109
  14. آل عمران 3:110
  15. آل عمران 3:111
  16. آل عمران 3:112
  17. آل عمران 3:113
  18. آل عمران 3:114
  19. آل عمران 3:115
  20. آل عمران 3:116
  21. آل عمران 3:117
  22. آل عمران 3:118
  23. آل عمران 3:119
  24. آل عمران 3:120
  25. آل عمران 3:121
  26. آل عمران 3:122
  27. آل عمران 3:123
  28. آل عمران 3:124
  29. آل عمران 3:125
  30. آل عمران 3:126
  31. آل عمران 3:127
  32. آل عمران 3:128
  33. آل عمران 3:129
  34. آل عمران 3:130
  35. آل عمران 3:131
  36. آل عمران 3:132
  37. آل عمران 3:133
  38. آل عمران 3:134
  39. آل عمران 3:135
  40. آل عمران 3:136
  41. آل عمران 3:137
  42. آل عمران 3:138
  43. آل عمران 3:139
  44. آل عمران 3:140
  45. آل عمران 3:141
  46. آل عمران 3:142
  47. آل عمران 3:143
  48. آل عمران 3:144
  49. آل عمران 3:145
  50. آل عمران 3:146
  51. آل عمران 3:147
  52. آل عمران 3:148
  53. آل عمران 3:149
  54. آل عمران 3:150
  55. آل عمران 3:151
  56. آل عمران 3:152
  57. آل عمران 3:153
  58. آل عمران 3:154
  59. آل عمران 3:155

آل عمران 3:97

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ كَإهْلاكِ مَن قَصَدَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِسُوءٍ كَأصْحابِ الفِيلِ وغَيْرِهِمْ وعَدَمِ تَعَرُّضِ ضَوارِي السِّباعِ لِلصُّيُودِ فِيهِ، وعَدَمِ نَفْرَةِ الطَّيْرِ مِنَ النّاسِ هُناكَ، وإنَّ أيَّ رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ وقَعَ الغَيْثُ في مُقابَلَتِهِ كانَ الخِصْبُ فِيما يَلِيهِ مِنَ البِلادِ، فَإذا وقَعَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ اليَمانِي كانَ الخِصْبُ بِاليَمَنِ، وإذا كانَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ الشّامِيِّ كانَ الخِصْبُ بِالشّامِ، وإذا عَمَّ البَيْتَ كانَ في جَمِيعِ البُلْدانِ، وكَقِلَّةِ الجَمَراتِ عَلى كَثْرَةِ الرُّماةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدُّوا مِنهُ انْحِرافَ الطَّيْرِ عَنْ مُوازاتِهِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وفِيهِ كَلامٌ لِلْمُحْدَثِينَ لِأنَّ مِنها ما يَعْلُوهُ، وقِيلَ: لا يَعْلُوهُ إلّا ما بِهِ عِلَّةٌ لِلِاسْتِشْفاءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العِقابَ عِلَّتُهُ لِأخْذِ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ المُهْدَرَ دَمُها تَعْلُوهُ، والحَمامُ مَعَ كَثْرَتِهِ لا يَعْلُوهُ، وبِهِ جَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الكَلامَيْنِ - ومَعَ هَذا في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ - فَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ النّاسِ أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الطَّيْرَ مُطْلَقًا تَعْلُوهُ في بَعْضِ الأحايِينِ صفحة 6 والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى البَيْتِ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ عَدُّ هَذِهِ الآياتِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها بَيانًا وتَفْسِيرًا لِلْهُدى، وإمّا حالٌ أُخْرى، ولا بَأْسَ في تَرْكِ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَةِ الحالِيَّةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ عَبْدُ القاهِرِ وغَيْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في العالَمِينَ، والعامِلُ فِيهِ هُدًى، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُبارَكًا ) وهو العامِلُ فِيها، أوْ يَكُونُ صِفَةً لِهُدى كَما أنَّ العالَمِينَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ أيْ مِنها أوْ أحَدِها مَقامُ إبْراهِيمَ، واخْتارَ الحَلَبِيُّ الأخِيرَ، وقِيلَ: بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ وإلَيْهِ ذَهَبٌ أبُو مُسْلِمٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وصَحَّ بَيانُ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ بِناءً عَلى اشْتِمالِ المَقامِ عَلى آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِأنَّ أثَرَ القَدَمَيْنِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُما فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ هَذا النَّوْعِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ عَلى مَمَرِّ الزَّمانِ آيَةٌ، وحِفْظَهُ مِنَ الأعْداءِ آيَةٌ، أوْ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الواحِدَةَ لِظُهُورِ شَأْنِها وقُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ ) بِالتَّوْحِيدِ، وفِيهِ أنَّ هَذا وإنْ ساغَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ( آياتٌ ) نَكِرَةٌ، و( مَقامُ إبْراهِيمَ ) مَعْرِفَةٌ، وقَدْ صَرَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّخالُفُ في عَطْفِ البَيانِ بِإجْماعِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ثُمَّ إنَّ سَبَبَ هَذا الأثَرِ في هَذا المَقامِ ما ورَدَ في الأثَرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ في ذَلِكَ أيْضًا ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ بِمَعْنى الحَرَمِ كُلِّهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لا مَوْضِعَ القَدَمَيْنِ فَقَطْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِخْدامٌ. وقالَ الجَصّاصُ: أوْرَدَ الآياتِ المَذْكُوراتِ في الحَرَمِ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾ إلَخْ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الحَرَمِ، والجُمْلَةُ إمّا ابْتِدائِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ عَطْفٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى ( مَقامُ ) لِأنَّهُ في المَعْنى أمْنُ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أوْ ثانِيها أمْنُ مَن دَخَلَهُ أوْ - فِيهِ آياتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ - وأمْنُ مَن دَخَلَهُ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى ما تُكَلِّفَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِيَّةِ؛ لِأنَّ الآيَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجُمْلَةِ كالثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةٌ عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، ومِثْلُ هَذا الطَّيِّ واقِعٌ في الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ والأشْعارِ العَرَبِيَّةِ، فالأوَّلُ كَرِوايَةِ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» . عَلى ما هو الشّائِعُ، وإنْ صَحَّحُوا عَدَمَ ذِكْرِ ثَلاثٍ، وأمّا الثّانِي فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: كانَتْ حَنِيفَةُ (أثْلاثًا) فَثُلْثُهم مِنَ العَبِيدِ (وثُلْثٌ مِن مَوالِيها ) و( مَن ) إمّا لِلْعُقَلاءِ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشَ والطَّيْرَ بَلْ والنَّباتَ، فَحِينَئِذٍ يُرادُ بِالأمْنِ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الجَمِيعِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأمْنِ الأمْنُ في الدُّنْيا مِن نَحْوِ القَتْلِ والقَطْعِ وسائِرِ العُقُوباتِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَيْلَقاهُ ابْنُ المَقْتُولِ أوْ أبُوهُ فَلا يُحَرِّكُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ فِيهِ قاتِلَ الخَطّابِ ما مَسِسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ عُمَرَ في الحَرَمِ ما هِجْتُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ أبِي في الحَرَمِ لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ. ومَذْهَبُهُ في ذَلِكَ أنَّ مَن قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ فَإنَّهُ لا يُجالَسُ ولا يُكَلَّمُ صفحة 7 ولا يُؤْذى، ولَكِنَّهُ يُناشَدُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ ما جَرَّ، فَإنْ قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ في الحَرَمِ، والرِّواياتُ عَنْهُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وأمّا أنْ يُرادَ بِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْنُ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن دَخَلَ البَيْتَ دَخَلَ في حَسَنَةٍ، وخَرَجَ مِن سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَهُ»، ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمَنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ»، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن قُبِرَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجُوزُ إرادَةُ العُمُومِ بِأنْ يُفَسَّرَ بِالأمْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ. ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ المُبْتَدَأُ فِيها حِجُّ والخَبَرُ ( لِلَّهِ ) و( عَلى النّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( عَلى النّاسِ ) خَبَرًا و( لِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في النّاسِ لِأنَّ العامِلَ في الحالِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنًى، والحالُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ مالِكٍ إذا كانَ الحالُ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ وعامِلُهُ كَذَلِكَ بِخِلافِ الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ فَإنَّهُما لا يَتَقَدَّمانِ عَلى عامِلِهِما المَعْنَوِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَرْتَفِعَ الحَجُّ بِالجارِّ الأوَّلِ أوِ الثّانِي وهو في اللُّغَةِ مُطْلَقُ القَصْدِ أوْ كَثْرَتُهُ إلى مَن يُعَظِّمُ، والمُرادُ بِهِ هُنا قَصْدٌ مَخْصُوصٌ غَلَبَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وألْ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ( حِجُّ ) بِالكَسْرِ كَعِلْمٍ وهو لُغَةُ نَجْدٍ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ والضَّمِيرُ في البَدَلِ مُقَدَّرٌ أيْ مِنهم، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ خاصٌّ ولا يَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم مَنِ اسْتَطاعَ أوِ الواجِبُ عَلَيْهِ مَنِ اسْتَطاعَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ أعْنِي أعْنِي، وأنْ يَكُونَ فاعِلُ المَصْدَرِ وهو مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ أيْ - ولِلَّهِ عَلى النّاسِ أنَّ يَحُجَّ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهُمُ البَيْتَ - وفِيهِ مُناقَشَةٌ مَشْهُورَةٌ و( مَن ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَوْصُولَةٌ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، أوْ هو نَفْسُهُ عَلى الخِلافِ المُقَرَّرِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ ( عَلى النّاسِ ) والتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم إلَيْهِ سَبِيلًا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ أنَّ يَحُجَّ، ويَتَرَجَّحُ هَذا بِمُقابَلَتِهِ بِالشَّرْطِ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَيْتِ أوْ لِلْحَجِّ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبِيلِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والِاسْتِطاعَةُ في الأصْلِ اسْتِدْعاءُ طَواعِيَةِ الفِعْلِ وتَأتِّيهِ، والمُرادُ بِالِاسْتِدْعاءِ الإرادَةُ وهي تَقْتَضِي القُدْرَةُ فَأُطْلِقَتْ عَلى القُدْرَةِ مُطْلَقًا أوْ بِسُهُولَةٍ فَهي أخَصُّ مِنها وهو المُرادُ هُنا، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والقُدْرَةُ إمّا بِالبَدَنِ أوْ بِالمالِ أوْ بِهِما، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ فَيَجِبُ الحَجُّ عِنْدَهُ عَلى مَن قَدَرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، ولِذا أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمِنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ، وإلى الثّالِثِ ذَهَبَ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: السَّبِيلُ أنْ يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ ويَكُونَ لَهُ ثَمَنَ زادٍ وراحِلَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يُجْحَفَ بِهِ. واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ صفحة 8 هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ ؟ قالَ: الزّادُ والرّاحِلَةُ». ورُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ شَتّى وهو ظاهِرٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ حَيْثُ قَصَرَ الِاسْتِطاعَةَ عَلى المالِيَّةِ دُونَ البَدَنِيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ مُخالَفَةً ظاهِرَةً، وأمّا إمامُنا فَيُؤَوِّلُ ما وقَعَ فِيهِ بِأنَّهُ بَيانٌ لِبَعْضِ شُرُوطِ الِاسْتِطاعَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ فُقِدَ أمْنُ الطَّرِيقِ مَثَلًا لَمْ يَجِبِ الحَجُّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ البَدَنِ لِظُهُورِ الأمْرِ، كَيْفَ لا والمُفَسَّرُ في الحَقِيقَةِ هو السَّبِيلُ المُوَصِّلُ لِنَفْسِ المُسْتَطِيعِ إلى البَيْتِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الصِّحَّةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ ما في الحَدِيثِ بَيانٌ لِبَعْضِ الشُّرُوطِ أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدٍ مِمّا فِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقالَ: أنْ تَجِدَ ظَهْرَ بَعِيرٍ» ولَمْ يَذْكُرِ الزّادَ. هَذا واسْتُدِّلَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، وفَسادُ القَوْلِ بِأنَّها مَعَهُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ الَّتِي نَدَّعِي أنَّها مَعَ الفِعْلِ هي حَقِيقَةُ القُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفِعْلُ وتُطْلَقُ الِاسْتِطاعَةُ عَلى مَعْنًى آخَرَ هو سَلامَةُ الأسْبابِ والآلاتِ والجَوارِحِ، أيْ كَوْنُ المُكَلَّفِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ أسْبابُهُ وآلاتُهُ وجَوارِحُهُ، ولا نِزاعَ لَنا في أنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ وهي مَناطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وما في الآيَةِ بِهَذا المَعْنى كَذا قالُوا. وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما قالُوا: إنَّ المَشْهُورَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى أنَّها تُوجَدُ حالَ حُدُوثِهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ في هَذِهِ الحالِ، ولا تُوجَدُ قَبْلَهُ فَضْلًا عَنْ تَعَلُّقِها بِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ كالنَّجّارِ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى وابْنِ الرّاوَنْدِيِّ وأبِي عِيسى الوَرّاقِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: القُدْرَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وتَتَعَلَّقُ بِهِ حِينَئِذٍ، ويَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُها بِهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في بَقاءِ القُدْرَةِ فَمِنهم مَن قالَ: بِبَقائِها حالَ وُجُودِ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ القُدْرَةُ الباقِيَةُ قُدْرَةً عَلَيْهِ، ومِنهم مَن نَفاهُ، ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ بِالفِعْلِ مَعْناهُ الإيجادُ، وإيجادُ المَوْجُودِ مُحالٌ لِأنَّهُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيجادُ قَبْلَ الوُجُودِ، ولِهَذا صَحَّ أنْ يُقالَ: أوْجَدَهُ فَوُجِدَ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ مُؤَثِّرَةٌ وهو مَمْنُوعٌ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُقالُ: إيجادُ المَوْجُودِ بِذَلِكَ الوُجُودِ الَّذِي هو أثَرُ ذَلِكَ الإيجادِ جائِزٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوُجُودُ الَّذِي هو بِهِ مَوْجُودٌ في زَمانِ الإيجادِ مُسْتَنِدًا إلى المُوجِدِ ومُتَفَرِّعًا عَلى إيجادِهِ، والمُسْتَحِيلُ هو إيجادُ المَوْجُودِ بِوُجُودِ آخَرَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ التَّأْثِيرَ مَعَ حُصُولِ الأثَرِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الذّاتِ وهَذا التَّقَدُّمِ هو المُصَحِّحُ لِاسْتِعْمالِ الفاءِ بَيْنَهُما. الثّانِي: إنْ جازَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ حالَ الحُدُوثِ يَلْزَمُ القُدْرَةَ عَلى الباقِي حالَ بَقائِهِ والتّالِي باطِلٌ، بَيانُ المُلازِمَةِ أنَّ المانِعَ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ، والحادِثُ حالَ حُدُوثِهِ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ أيْضًا، وأُجِيبَ بِأنّا نَلْتَزِمُهُ لِدَوامِ وجُودِهِ بِدَوامِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ أوْ نُفَرِّقُ بِما يَبْطُلُ بِهِ المُلازَمَةُ مِنِ احْتِياجِ المَوْجُودِ عَنْ عَدَمِهِ إلى المُقْتَضِي دُونَ الباقِي، فَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقِ القُدْرَةُ بِالأوَّلِ لَبَقِيَ عَلى عَدَمِهِ، وقَدْ فَرَضَ وُجُودُهُ هَذا خُلْفً، ولَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالثّانِي لَبَقِيَ عَلى الوُجُودِ وهو المُطابِقُ لِلْواقِعِ، أوْ نَنْقُضُ الدَّلِيلَ أوَّلًا بِتَأْثِيرِ العِلْمِ أوِ العالَمِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ حالَ حُدُوثِ الفِعْلِ دُونَ بَقائِهِ، وثانِيًا بِتَأْثِيرِ الفِعْلِ في كَوْنِ الفاعِلِ فاعِلًا، فَإنَّ الفِعْلَ مُؤَثِّرٌ في ذَلِكَ حالَ الحُدُوثِ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِ الفِعْلِ باقِيًا لا يُؤَثِّرُ حالَ البَقاءِ، وثالِثًا بِمُقارَنَةِ الإرادَةِ إذْ يُوجِبُونَها حالَ الحُدُوثِ دُونَ البَقاءِ فَكَذا الحالُ في القُدْرَةِ. صفحة 9 الثّالِثُ: أنَّ كَوْنَ القُدْرَةِ مَعَ الفِعْلِ يُوجِبُ حُدُوثَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قِدَمَ مَقْدُورِهِ، وكِلاهُما باطِلانِ، بَلْ قُدْرَتُهُ أزَلِيَّةٌ وتَعَلُّقُها في الأزَلِ بِمَقْدُوراتِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِمَقْدُوراتِها قَبْلَ الحُدُوثِ، ولَوْ كانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ الحادِثَةِ لَكانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ القَدِيمَةِ ولَيْسَ فَلَيْسَ، وأُجِيبَ بِأنَّ القُدْرَةَ القَدِيمَةَ الباقِيَةَ مُخالِفَةٌ في الماهِيَّةِ لِلْقُدْرَةِ الحادِثَةِ الَّتِي لا يَجُوزُ بَقاؤُها عِنْدَنا، فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ جَوازُ تَقَدُّمِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ القَدِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجُودُ الفِعْلِ، ولَها تَعَلُّقٌ آخَرُ بِهِ حالَ حُدُوثِهِ مُوجِبٌ لِوُجُودِهِ فَلا يَلْزَمُ مِن قِدَمِها مَعَ تَعَلُّقِها المَعْنَوِيِّ قِدَمُ آثارِها. الرّابِعُ: أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ الكافِرُ في زَمانِ كُفْرِهِ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: يَلْزَمُ أنْ لا يُتَصَوَّرَ عِصْيانٌ مِن أحَدٍ إذْ مَعَ الفِعْلِ لا عِصْيانَ، وبِدُونِهِ لا قُدْرَةَ، فَلا تَكْلِيفَ فَلا عِصْيانَ، وأيْضًا أقْوى أعْذارِ المُكَلَّفِ الَّتِي يَجِبُ قَبُولُها لِدَفْعِ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ هو كَوْنُ ما كُلِّفَ بِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ وجَبَ رَفْعُ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ بِعَدَمِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ بِهِ وهو باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وأيْضًا لَوْ جازَ تَكْلِيفُ الكافِرِ بِالإيمانِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ فَلْيَجُزْ تَكْلِيفُهُ بِخَلْقِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ المُحالِ عِنْدَنا فَيَلْتَزِمُ جَوازَ التَّكْلِيفِ بِالخَلْقِ المَذْكُورِ، ولَنا أنْ نُفَرِّقَ بِأنَّ تَرْكَ الإيمانِ إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ بِخِلافِ عَدَمِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُ أصْلًا فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّكْلِيفِ بِالإيمانِ جَوازُ التَّكْلِيفِ بِخَلْقِها، وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ الشَّيْءِ مَقْدُورًا الَّذِي هو شَرْطُ التَّكْلِيفِ عِنْدَنا أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أوْ ضِدُّهُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وهَذا حاصِلٌ في الإيمانِ لِأنَّ تَرْكَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِضِدِّهِ مَقْدُورٌ لَهُ حالَ كُفْرِهِ بِخِلافِ إحْداثِ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا لا فِعْلًا ولا تَرْكًا، فَلا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن قَضِيَّةِ الأعْذارِ ووُجُوبِ قَبُولِها فَمَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُقِيمَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِما في مَحَلِّهِ كَذا في المَواقِفِ وشَرْحِهِ. ودَلِيلُ ما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ قِيلَ: هو أنَّ القُدْرَةَ عَرْضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في الحَيَوانِ يَفْعَلُ بِهِ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقارَنَةً لِلْفِعْلِ بِالزَّمانِ لا سابِقَةً عَلَيْهِ، وإلّا لَزِمَ وُقُوعُ الفِعْلِ بِلا قُدْرَةٍ لِما بَرْهَنَ عَلَيْهِ مِنِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ؛ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِما في أدِلَّةِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ مِنَ النَّظَرِ القَوِيِّ، وأنَّهُ قَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الِامْتِناعِ المَذْكُورِ لا نِزاعَ في إمْكانِ تَجَدُّدِ الأمْثالِ عَقِيبَ الزَّوالِ، فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلِ بِدُونِ القُدْرَةِ ؟ وأُجِيبَ بِأنّا إنَّما نَدَّعِي لُزُومَ ذَلِكَ إذا كانَتِ القُدْرَةُ الَّتِي بِها الفِعْلُ هي القُدْرَةُ السّابِقَةُ، وأمّا إذا جَعَلْتُمُوها المِثْلَ المُتَجَدِّدَ المُقارَنَ فَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها الفِعْلُ لا تَكُونُ إلّا مُقارَنَةً، ثُمَّ إنِ ادْعَيْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن أمْثالٍ تَقَعُ حَتّى لا يُمْكِنَ الفِعْلُ بِأوَّلِ ما يَحْدُثُ مِنَ القُدْرَةِ فَعَلَيْكُمُ البَيانُ. وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ نَفْيَ وُجُودِ المِثْلِ السّابِقِ لَيْسَ داخِلًا في دَعْوى الأشْعَرِيِّ وهو خِلافُ ما عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، وذَكَرَ في المَواقِفِ دَلِيلًا آخَرَ لِلْأشْعَرِيِّ عَلى ما ادَّعاهُ ونَظَرَ فِيهِ أيْضًا - هَذا كَلامُهم - والحَقُّ عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةُ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ انْضِمامِ الإرادَةِ التّابِعَةِ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وإيضاحُهُ أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنِ العالَمِينَ كَذَلِكَ حَكِيمٌ جَوادٌ، وكَما أنَّ غِناهُ الذّاتِيَّ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ كَذَلِكَ مُقْتَضى جُودِهِ ورَحْمَتِهِ مُراعاةً ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ العَضُدُ في عُيُونِ الجَواهِرِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ في شِفاءِ العَلِيلِ. صفحة 10 ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ ويُنْهِي عَنْهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِاجْتِنابِ، فَلا بُدَّ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي رَعاها سُبْحانَهُ فِيما خَلَقَ وأمَرَ فَضْلًا ورَحْمَةً أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةَ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً إذا انْضَمَّ إلَيْها الإرادَةُ، وهَذِهِ قَبْلَ الفِعْلِ والقُدْرَةِ الَّتِي هي مَعَ الفِعْلِ هي القُدْرَةُ المُسْتَجْمِعَةُ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها انْضِمامُ الإرادَةِ إلَيْها، وبِهَذا جَمَعَ الإمامُ الرّازِيُّ - كَما في المَواقِفِ - بَيْنَ مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّها قَبْلَهُ، وقالَ: لَعَلَّ الأشْعَرِيَّ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ بِأنَّها مَعَ الفِعْلِ وأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ، والمُعْتَزِلَةَ أرادُوا بِالقُدْرَةِ مُجَرَّدَ القُوَّةِ العَضَلِيَّةِ فَلِذَلِكَ قالُوا بِوُجُودِها قَبْلَ الفِعْلِ وتَعَلُّقِها بِالأُمُورِ المُتَضادَّةِ، وهو جَمْعٌ صَحِيحٌ، وقَوْلُ السَّيِّدِ قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَوْجِيهِ البَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المَواقِفِ فِيهِ بِأنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً عِنْدَ الشَّيْخِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ - مَدْفُوعٌ بِما تَبَيَّنَ في الإبانَةِ الَّتِي هي آخِرُ مُصَنَّفاتِهِ. والمُعْتَمَدِ مِن كُتُبِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَساكِرَ والمُجِدُّ بْنُ تَيْمِيَّةَ وغَيْرُهُما أنَّ الشَّيْخَ قائِلٌ بِالتَّأْثِيرِ لِلْقُدْرَةِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلشَّرائِطِ لَكِنْ لا اسْتِقْلالًا كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وهو مَعْنى الكَسْبِ عِنْدَهُ، وأمّا قَوْلُهُ في شَرْحِ المَواقِفِ: إنَّ أفْعالَ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَها لَيْسَ لِقُدْرَتِهِمْ تَأْثِيرٌ فِيها بَلِ اللَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ يُوجِدَ في العَبْدِ قُدْرَةً واخْتِيارًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مانِعٌ أوْجَدَ فِيهِ فِعْلَهُ المَقْدُورَ مُقارِنًا لَهُما، فَيَكُونُ فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى إبْداعًا وإحْداثًا ومَكْسُوبًا لِلْعَبْدِ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ مُقارَنَتُهُ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مِنهُ تَأْثِيرٌ ومَدْخَلٌ في وُجُودِهِ سِوى كَوْنِهِ مَحَلًّا لَهُ، وهو مَذْهَبُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ فَفِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ. ( أمّا أوَّلًا ) فَلِأنَّ هَذا لَيْسَ مَذْهَبَ الشَّيْخِ المَذْكُورِ في آخِرِ تَصانِيفِهِ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الِاعْتِمادُ، وذِكْرُهُ في غَيْرِهِ إنْ سُلِّمَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا مَرْجُوعًا عَنْهُ. ( وأمّا ثانِيًا ) فَلِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ أمْرًا أوْ نَهْيًا بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ أنْفُسِها لا بِمُقارَنَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ لَها، فَمَكْسُوبُ العَبْدِ نَفْسُ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ تَحْصِيلُهُ إيّاهُ بِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا مُسْتَقِلًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِكَسْبِ العَبْدِ لِلْفِعْلِ هو مُقارَنَةُ الفِعْلِ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لا يُوافِقُ ما اقْتَضاهُ صَرائِحُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ونُصُوصُ الإبانَةِ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها» . الحَدِيثَ. فَإنَّهُ صَرِيحٌ بِأنَّ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ ما يُطِيقُونَهُ مِن نَفْسِ الأعْمالِ وهو نَفْسُ الصَّلاةِ وأخَواتِها لا مُقارَنَتُها لِقُدْرَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ، وأقَرَّهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. ( وأما ثالِثًا ) فَلِأنَّ مُقارَنَةَ الفِعْلِ لِقُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها، ولَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا؛ لِأنَّ المُقارَنَةَ أمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أيْ عَلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ مُقارِنًا لَهُما، وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الشَّيْءِ مَقْدُورًا لَهُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنَ الإيقاعِ بِقُدْرَتِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ المُوافَقَةِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى كَما هو واضِحٌ مِن حَدِيثِ «مَن كَظَمَ غَيْظَهُ وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ» وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ بِهَذا المَعْنى إذْ لَوْ كانَ مَقْدُورًا لَهُ ابْتِداءً صفحة 11 لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِواسِطَةٍ لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ هَذا مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، واللّازِمُ باطِلٌ بِشِقَّيْهِ بَعْدَ القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ أصْلًا، فَكَذا المَلْزُومُ. ( وأمّا رابِعًا ) فَلِأنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، فَلَوْ كانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها لاسْتَوى بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ التَّكْلِيفُ بِأشَقِّ الأعْمالِ والتَّكْلِيفُ بِأسْهَلِها، مَعَ أنَّ نَصَّ الكِتابِ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ونَصُّ السُّنَّةِ أنَّ المَمْلُوكَ لا يُكَلَّفُ إلّا ما يُطِيقُ، شاهِدانِ عَلى التَّفاوُتِ كَما أنَّ البَدِيهَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، واعْتُرِضَ هَذا مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ يَقْتَضِي أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ لا بُدَّ فِيها مِن حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ المَصْلَحَةُ لَنا، إذِ الحَكِيمُ لا يَلْزَمُهُ إطْلاعُ مَن دُونَهُ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ - كَما قالَهُ القَفّالُ في مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ - وحِينَئِذٍ فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ هُناكَ مَصْلَحَةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْها، ويُجابُ بِأنّا لَمْ نَدَّعِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ راعى الحِكْمَةَ فِيما أمَرَ وخَلَقَ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا، وهَذا ثابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وبِالإجْماعِ المَعْصُومُ عَنِ الخَطَأِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ لا يُطْلَبَ حُصُولُ شَيْءٍ إلّا مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ، ولَمْ نَدَّعِ وُجُوبَ ظُهُورِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ ولا ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وبَيانُ وجْهِ الحِكْمَةِ لِحُكْمٍ واحِدٍ لا يَسْتَلْزِمُ دَعْوى الكُلِّيَّةِ، ويَؤُولُ هَذا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعْنا عَلى الحِكْمَةِ في هَذا مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ إلَخْ، فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُطْلَقُ المُقارِنَةِ بَلِ المُقارَنَةُ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّقِ، فالكَسْبُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ كَما في عِبارَةِ غَيْرِ واحِدٍ، فالأوامِرُ والنَّواهِي مُتَعَلِّقَةٌ بِالأفْعالِ الَّتِي هي اخْتِيارِيَّةٌ في الظّاهِرِ بِاعْتِبارِ هَذا التَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ وادِّعاءُ أنَّها صَرائِحُ في التَّعَلُّقِ مَعَ التَّأْثِيرِ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُحْتَمَلَةٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّها ظاهِرَةٌ في التَّأْثِيرِ، فالظّاهِرُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ لِدَلِيلِ خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نَفْهَمُ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ إلّا تَأْثِيرَها وإلّا فَلَيْسَتْ بِقُدْرَةٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْقُدْرَةِ تَعَلُّقٌ بِلا تَأْثِيرٍ، سُؤالٌ مَشْهُورٌ ( وجَوابُهُ ) ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ مِن تَوابِعِ القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْفَكُّ عَنْها، ويُجابُ بِأنَّ تَفْسِيرَ الكَسْبِ - بِالتَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ مُرادًا بِهِ التَّحْصِيلُ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ فَقَطْ - مُصادِمٌ لِلنُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِن إيجادِ أفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ولا دَلِيلَ عَلى خِلافِهِ يُوجِبُ العُدُولَ، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يُنافِي التَّأْثِيرَ بِالإذْنِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، وتَعَلُّقُها عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجَلالِ الدَّوانِيِّ في بَيانِ مَبادِي الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُوَضِّحُهُ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِنَ الإحْياءِ، وأمّا ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ القُدْرَةِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإنَّما الإنْكارُ عَلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِما ذَكَرَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الِاقْتِصادِ مِن أنَّ القُدْرَةَ الأزَلِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالحادِثِ ولا حادِثَ فَصَحَّ التَّعَلُّقُ ولا تَأْثِيرَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ الحادِثَةُ كَذَلِكَ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى وفْقِ الإرادَةِ، والإرادَةُ تَعَلَّقَتْ أزَلًا بِإيجادِ الأشْياءِ بِالقُدْرَةِ في أوْقاتِها اللّائِقَةِ بِها في الحِكْمَةِ، فَعَدَمُ تَأْثِيرِها قَبْلَ الوَقْتِ لِكَوْنِها مُؤَثِّرَةً عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يَجِبُ تَأْثِيرُها قَبْلَ الوَقْتِ، ويَجِبُ تَأْثِيرُها فِيهِ، والقُدْرَةُ الحادِثَةُ عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِها بِالكُلِّيَّةِ لا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها تُؤَثِّرُ وفْقَ الإرادَةِ فَلا يَصِحُّ قِياسُها عَلى القَدِيمَةِ، صفحة 12 والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَعَلُّقٍ لِلْقَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ التَّأْثِيرُ في وقْتِهِ بِخِلافِ الحادِثَةِ فَإنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَها أصْلًا عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنْها كُلِّيًّا فَلا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّأْثِيرِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ. والثّالِثُ: أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا إلَخْ يُقالُ عَلَيْهِ: نَلْتَزِمُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ قَدْ حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الإمامَ الأشْعَرِيَّ لَمْ يَنُصَّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ أخْذُهُ مِن كَلامِهِ، فالتِزامُ وُقُوعِهِ عِنْدَهُ التِزامُ ما لَمْ يَقُلْ بِهِ لا صَرِيحًا ولا التِزامًا، والقَوْلُ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ، إنَّما يَصِحُّ بِالنَّظَرِ إلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ تَعالى جَوادٌ حَكِيمٌ فالتِزامُهُ مُصادَمَةٌ لِلنَّصِّ وأيُّ مَحْذُورٍ أشْنَعَ مِن هَذا. والرّابِعُ: أنَّ القَوْلَ هُناكَ أيْضًا أنَّ المُقارَنَةَ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها غَيْرُ لازِمٍ، فَإنَّ الكَسْبَ يُطْلَقُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى المَفْعُولِ أيِ المَكْسُوبِ وهو نَفْسُ الأمْرِ لا الكَسْبُ بِمَعْنى المُقارَنَةِ أوْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالفِعْلِ، فَمَعْنى كَسْبٌ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِالفِعْلِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: قارَنَتْ قُدْرَتُهُ الفِعْلَ فَكانَ الفِعْلُ مَكْسُوبًا وهو المُكَلَّفُ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّ الكَسْبَ الحَقِيقِيَّ الوارِدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعْناهُ تَحْصِيلُ العَبْدِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ التّابِعَةُ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِهِ، وإنَّ مَكْسُوبَهُ ما حَصَّلَهُ بِقُدْرَتِهِ المَذْكُورَةِ فَمَعْنى كَوْنُ الفِعْلِ المَكْسُوبِ مُكَلَّفًا بِهِ هو أنَّ العَبْدَ المُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ مِنهُ تَحْصِيلُهُ بِالكَسْبِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ؛ لِأنَّ المَكْسُوبَ هو الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ فَإذا كانَ المَكْسُوبُ مُكَلَّفًا بِهِ كانَ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مُكَلَّفًا بِهِ قَطْعًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ المَكْسُوبِ مِن غَيْرِ قِيامِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ بِالمُكَلَّفِ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ عِنْدَ انْتِفاءِ قِيامِ المَصْدَرِ بِالمُكَلَّفِ فَظَهَرَتِ المُلازِمَةُ في الشَّرْطِيَّةِ. ( والخامِسُ ) أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ أنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها أمْرًا مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ إلَخْ، فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِ المُقارَنَةِ هي المُكَلَّفُ بِها وبَيْنَ عَدَمِ الِاخْتِلافِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ أحْوالِ الشَّخْصِ عِنْدَها، فَتارَةً يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ صَبْرًا وعَزْمًا وتارَةً جَزَعًا وفُتُورًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى سَلامَةِ البِنْيَةِ ومُقابِلِهِ، أوْ غَيْرَهُما مِنَ الأعْراضِ والأحْوالِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى ويُصَرِّفُ عَبْدَهُ فِيها كَيْفَ شاءَ، مِمّا يُوجِبُ ألَمًا أوْ لَذَّةً. الثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ، إذْ يُقالُ: إذا كانَتْ قُدْرَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَبِأيِّ وجْهٍ وقَعَ الِاخْتِلافُ حَتّى كانَ هَذا سَهْلًا وهَذا صَعْبًا، وكِلاهُما مَقْدُورٌ، وهُما مُتَساوِيانِ في الإمْكانِ ؟ ويُجابُ: أمّا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَدَمِ اخْتِلافِها مُتَحَقِّقٌ لِأنَّها إذا كانَتِ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ كانَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَكْسُوبِ، والتَّحْصِيلُ لِكَوْنِهِ قائِمًا بِالمُكَلَّفِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهُ صُعُوبَةً وسُهُولَةً قَطْعًا، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ ”». والمُقارِنَةُ لِكَوْنِها أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ قائِمَةً بِالعَبْدِ فَلا تَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْلًا، والإيرادُ بِتَجْوِيزِ اخْتِلافِها بِكَوْنِ بَعْضِها بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ صَبْرًا في العَبْدِ إلَخْ خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ العِبارَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ اخْتِلافِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً لا مُطْلَقَ الِاخْتِلافِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ القُوَّةِ والبَطْشِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ وبِاخْتِلافِ دَرَجاتِ ذَلِكَ في الأقْوِياءِ التّابِعِ لِاسْتِعْداداتِهِمُ الذّاتِيَّةِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ، وقَعَ الِاخْتِلافُ في الأعْمالِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن كُتُبِ ساداتِنا قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم، وجَعَلَ أعْلى الفِرْدَوْسِ قَرارَهم، صفحة 13 وإنَّما اسْتَطْرَدْتُ هَذا المَبْحَثَ هُنا مَعَ تَقَدُّمِ إشاراتٍ جُزْئِيَّةٍ إلى بَعْضٍ مِنهُ لِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا لا تَنْبَغِي الغَفْلَةُ عَنْهُ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِن بَناتِ الحِقاقِ لا مِن حَوانِيتِ الأسْواقِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لا رَبَّ غَيْرُهُ. ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ (79) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِمَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ بِالكُفْرِ تَغْلِيظًا وتَشْدِيدًا عَلى تارِكِهِ، كَما وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“ مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ أوْ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالَةٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» . ومِثْلُهُ ما رُوِيَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبْعَثَ رِجالًا إلى هَذِهِ الأمْصارِ فَلْيَنْظُرُوا كُلَّ مَن كانَ لَهُ جُدَّةٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ ما هم بِمُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ " أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ الآيَةَ. قالَ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا، فَنَزَلَ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الآيَةَ» . ومِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ المِلَلِ مُشْرِكِي العَرَبِ والنَّصارى واليَهُودَ والمَجُوسَ والصّابِئِينَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا البَيْتَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ إلّا المُسْلِمُونَ، وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصْلِي إلَيْهِ ولا نَسْتَقْبِلُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ إلَخْ» . وإلى إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ﴿ومِن كَفْرٍ﴾ ) بِالحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تَرَكَهُ كَفَرَ ؟ قالَ: مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذاكَ». وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ كافِرٌ، و ( مَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ اسْتَغْنى فِيما بَعْدَ الفاءِ عَنِ الرّابِطِ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، إذِ الأصْلُ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم. ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الجَمْعُ عَلى عُمُومِهِ، ويُكْتَفى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاسْتِغْناءُ في هَذا المَقامِ كِنايَةٌ عَنِ السُّخْطِ عَلى ما قِيلَ، ولِهَذا صَحَّ جَعْلُهُ جَزاءً وإنْ أبَيْتَ فَهو دَلِيلُهُ، وفي الآيَةِ كَما قالُوا فُنُونٌ مِنَ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ إيثارَ صِيغَةِ الخَبَرِ وإبْرازَها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في ذِمَمِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا، وتَخْصِيصُهُ ثانِيًا، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ والعالَمِينَ. وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ في تَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ إلّا بِمَعْبُودٍ جامِعٍ لِلْكِمالاتِ بِأسْرِها، وأنَّ في إقامَةِ المُظْهَرِ وهو البَيْتُ مَقامَ المُضْمَرِ بَعْدَ سَبْقِهِ مُنْكَرًا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ أقْصى الغايَةِ، كَأنَّهُ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وكَذا في ذِكْرِ النّاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مُعَرَّفًا الإشْعارُ بِعِلْيَةِ الوُجُوبِ وهو كَوْنُهم ناسًا، وفي تَذْيِيلِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ لِأنَّها في المَعْنى تَأْكِيدُ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الإيمانُ عَلى الحَقِيقَةِ وهو النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وأنَّ مُباشِرَهُ مُسْتَأْهِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِجَلالَتِهِ وعَظَمَتِهِ يَرْضى عَنْهُ رِضًا كامِلًا، كَما كانَ ساخِطًا عَلى تارِكِهِ سُخْطًا عَظِيمًا، وفي تَخْصِيصِ هَذِهِ العِبادَةِ وكَوْنِها مُبَيِّنَةً لِمِلَّةِ صفحة 14 إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ فِيما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعُودِ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ خَطْبٍ جَلِيلٍ وشَأْنٍ خَطِيرٍ لِتِلْكَ العِبادَةِ العَظِيمَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم لِكَوْنِهِ عِبادَةً عَظِيمَةً بِأنَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الهِنْدِ ماشِيًا، وأنَّ جِبْرِيلَ قالَ لَهُ: إنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذا البَيْتِ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، وادَّعى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا حَجَّ، والَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا حَجَّ خِلافًا لِمَنِ اسْتَثْنى هُودًا وصالِحًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي وُجُوبِهِ عَلى مَن قَبْلَنا وجْهانِ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلّا عَلَيْنا واسْتُغْرِبَ، وادَّعى جَمْعٌ أنَّهُ أفْضَلُ العِباداتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المالِ والبَدَنِ، وفي وقْتِ وُجُوبِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: أوَّلَ سِنِيها وهَكَذا إلى العاشِرَةِ، وصَحَّحَ أنَّهُ في السّادِسَةِ، نَعَمْ حَجَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وقَبْلَ الهِجْرَةِ حِجَجًا لا يُدْرى عَدَدُها والتَّسْمِيَةُ مَجازِيَّةٌ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ بَلْ قِيلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في التّاسِعَةِ، لَكِنَّ الوَجْهَ خِلافُهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُؤْمَرُ إلّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ، وكَذا يُقالُ في الثّامِنَةِ الَّتِي أُمِّرَ فِيها عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ أمِيرُ مَكَّةَ، وبَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الوَداعِ لا غَيْرَ.

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ خاطَبَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والإشارَةِ إلى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ إقامَةِ العُذْرِ في كُفْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: هاتُوا عُذْرَكم إنْ أمْكَنَكم. والمُرادُ مِنَ الآياتِ مُطْلَقُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصِدْقِ مُدَّعاهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحَجُّ وأمْرُهُ بِهِ، وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها، وسَبَبُ نُزُولِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «مَرَّ شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَّغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ لَهم عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن أُلْفَتِهِمْ وجَماعَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ واللَّهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتًى شابًّا مَعَهُ مِن يَهُودَ فَقالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ فاجْلِسْ مَعَهم ثُمَّ ذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثَ وما كانَ قَبْلَهُ وأنْشِدْهم بَعْضَ ما كانُوا تَقاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأشْعارِ، وكانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظُّفْرُ فِيهِ لِلْأوْسِ عَلى الخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وتَنازَعُوا وتَفاخَرُوا حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُّكَبِ - أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهَبّارُ بْنُ صَخْرٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ - فَتَقاوَلا ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ وغَضِبَ الفَرِيقانِ جَمِيعًا وقالُوا قَدْ فَعَلْنا السِّلاحَ السِّلاحَ مَوْعِدُكُمُ الظّاهِرَةُ - والظّاهِرَةُ الحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إلَيْها وانْضَمَّتِ الأوْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ والخَزْرَجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِهِ حَتّى جاءَهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اللَّهَ اللَّهَ أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ هَداكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ وأكْرَمَكم بِهِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ واسْتَنْقَذَكم بِهِ مِنَ الكُفْرِ وألَّفَ بِهِ بَيْنَكم تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفّارًا، فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ لَهم مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ مِن أيْدِيهِمْ وبَكَوْا وعانَقَ الرِّجالُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أطْفَأ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى شَمّاسٍ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ شَمّاسٍ وما صَنَعَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: صفحة 15 ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وأنْزَلَ في أوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وهَبّارٍ ومَن كانَ مَعَهُما مِن قَوْمِهِما الَّذِينَ صَنَعُوا ما صَنَعُوا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا﴾ الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن أهْلِ الكِتابِ ظاهِرًا اليَهُودُ. وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ( 98 ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ العامِلُ فِيها تَكْفُرُونَ، وهي مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، والشَّهِيدُ العالِمُ المُطَّلِعُ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وجَعْلُ الشَّهِيدِ بِمَعْنى الشّاهِدَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، و( ما ) إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ، وإمّا عَلى عُمُومِها وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ، والحالُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعُ أعْمالِكم وهو مُجازِيكم عَلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذا مِمّا يَسُدُّ عَلَيْكم طُرُقَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ويَقْطَعُ أسْبابَ ذَلِكَ أصْلًا.

آل عمران 3:99

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ أيْ تَصْرِفُونَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِهِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ ﴿مَن آمَنَ﴾ أيْ بِاللَّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ أوْ مَن صَدَّقَ بِتِلْكَ السَّبِيلِ وآمَنَ بِذَلِكَ الدِّينِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ بِأنْ أرادَ ذَلِكَ وصَمَّمَ عَلَيْهِ وهو مَفْعُولٌ لِتَصُدُّونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ( ﴿تَبْغُونَها﴾ ) أيِ السَّبِيلَ. ( ﴿عِوَجًا﴾ ) أيِ اعْوِجاجًا ومَيْلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، ويَسْتَعْمِلُ مَكْسُورَ العَيْنِ في الدِّينِ والقَوْلِ والأرْضِ، ومِنهُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ويُسْتَعْمَلُ المَفْتُوحُ في مَيْلِ كُلِّ شَيْءٍ مُنْتَصِبٍ كالقَناةِ والحائِطِ مَثَلًا، وهو أحَدُ مَفْعُولَيْ: تَبْغُونَ، فَإنَّ بَغى يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما بِنَفْسِهِ والآخَرُ بِاللّامِ كَما صَرَّحَ بِهِ اللُّغَوِيُّونَ، وتَعْدِيَتُهُ لِلْهاءِ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ تَبْغُونَ لَها كَما في قَوْلِهِ: فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارا أرادَ أصِيدُ لَكم، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الأحْسَنُ جَعْلُ الهاءِ مَفْعُولًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ الجارِّ، و( عِوَجًا ) حالٌ وقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ مُبالَغَةً كَأنَّهم طَلَبُوا أنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ القَوِيمَةُ نَفْسَ المُعْوَجِّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ فِيهِ نَظَرًا إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا عَلى أنْ يَكُونَ ( عِوَجًا ) هو المَفْعُولُ بِهِ لِأنَّهُ مَطْلُوبُهم فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الجارِّ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: ( عِوَجًا ) حالٌ مِن فاعِلِ تَبْغُونَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في سابِقِهِ، وجُمْلَةُ: تَبْغُونَ - عَلى كُلِّ حالٍ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِنَ – السَّبِيلِ - وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها كالبَيانِ لِذَلِكَ الصَّدِّ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ بِالتَّحْرِيشِ والإغْراءِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِما تَقَدَّمَ، وإعادَةُ الخِطابِ والِاسْتِفْهامِ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم عَلى قَبائِحِهِمْ وتَفْصِيلِها ولَوْ قِيلَ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ التَّوْبِيخَ عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا وكانَ صَدُّهم عَنِ السَّبِيلِ بَهْتَهم وتَغْيِيرَهم صِفَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعَنِ السُّدِّيِّ كانُوا إذا سَألَهم أحَدٌ هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكم ؟ قالُوا: لا، فَيَصُدُّونَهُ عَنِ الإيمانِ بِهِ وهَذا ذَمٌّ لَهم بِالإضْلالِ إثْرَ ذَمِّهِمْ بِالضَّلالِ. وقُرِئَ ( تَصُدُّونَ ) مَن أصُدُّ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ إمّا مِن فاعِلِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِن فاعِلِ ( تَبْغُونَ )، والِاسْتِئْنافُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ هَذا وأنْتُمْ عُلَماءُ عارِفُونَ بِتَقَدُّمِ البِشارَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطَّلِعُونَ صفحة 16 عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أوْ وأنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا وصِفَتُكم هَذِهِ تَقْتَضِي خِلافَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ( 99 ) تَهْدِيدٌ لَهم عَلى ما صَنَعُوا قِيلَ: لَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ناسَبَ ذِكْرَ الشَّهادَةِ مَعَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّها تَكُونُ لِما يَظْهَرُ ويُعْلَمُ، أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ - وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - وما مَعَهُ لَمّا كانَ بِالمَكْرِ والحِيلَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَرُوجُ عَلى الغافِلِ ناسَبَ ذِكْرَ الغَفْلَةِ مَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَلِهَذا خَتَمَ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ بِما خَتَمَ.

آل عمران 3:100

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ( 100 ) خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ اللَّفْظِ، وخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُكَلِّمَهم فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ المُخاطَبُ الرَّسُولُ بِتَقْدِيرِ قُلْ لَهم. والمُرادُ مِنَ الفَرِيقِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أوْ هو شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وفي الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ؛ ولِهَذا عَلى ما قِيلَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى مَعْنى إنْ تُطِيعُوهم في قَبُولِ قَوْلِهِمْ بِإحْياءِ الضَّغائِنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَكم في الجاهِلِيَّةِ، و( كافِرِينَ ) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرُدُّوكم عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، قالُوا: والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وبَعْدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكم، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِكافِرِينَ، وإيرادُهُ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإغْناءِ ما في الخِطابِ عَنْهُ، واسْتِحالَةِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَنصُوبَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ، وغايَةُ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفي ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ تَوْبِيخَ الكُفّارِ عَلى هَذا الخِطابِ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

آل عمران 3:101

﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ عَلى أيِّ حالٍ يَقَعُ مِنكُمُ الكُفْرُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعْلِمُكُمُ الكِتاب والحِكْمَة ويُزَكِّيكم بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإزاحَةِ الشُّبَهِ، والجُمْلَةُ وقَعَتْ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ( تَكْفُرُونَ ) والمُرادُ اسْتِبْعادُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ وعِنْدَهم ما يَأْباهُ. وقِيلَ: المُرادُ التَّعْجِيبُ أيْ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَكْفُرُوا في سائِرِ الأحْوالِ لا سِيَّما في هَذِهِ الحالِ الَّتِي فِيها الكُفْرُ أفْظَعُ مِنهُ في غَيْرِها؛ ولَيْسَ المُرادُ إنْكارَ الواقِعِ كَما في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِكُفْرِهِمْ فِعْلُهم أفْعالَ الكَفَرَةِ كَدَعْوى الجاهِلِيَّةِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الواقِعِ، والأوَّلُ أوْلى، وفي الآيَةِ تَأْيِيسٌ لِلْيَهُودِ مِمّا رامُوهُ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِ هَذا الخِطابِ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنهم، ومِنهم مَن جَعَلَهُ عامًا لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعِ الأُمَّةِ، وعَلَيْهِ مَعْنى كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ، إنَّ آثارَهُ وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ فِيهِمْ؛ لِأنَّها باقِيَةٌ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، ولَمْ يُسْنِدْ سُبْحانَهُ التِّلاوَةَ إلى رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في البابِ، وإيذانًا بِأنَّ التِّلاوَةَ كافِيَةٌ في الغَرَضِ مِن أيِّ تالٍ كانَتْ. صفحة 17 ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ إمّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ومَن يَعْتَصِمْ بِدِينِ اللَّهِ، والِاعْتِصامُ بِمَعْنى التَّمَسُّكِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وإمّا أنْ لا يُقَدَّرَ فَيُجْعَلُ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ اسْتِعارَةً لِلِالتِجاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ، أيْ والحالُ أنَّ القُرْآنَ يُتْلى عَلَيْكم وأنْتُمْ عالِمُونَ بِحالِ المُعْتَصَمِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَهم لِما تَخافُونَ مِن شُرُورِهِمْ ومَكايِدِهِمْ فَلا تَخافُوهم والتَجِئُوا إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ شُرُورِهِمْ ولا تُطِيعُوهم، أما عَلِمْتُمْ أنَّ مَنِ التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى كَفاهُ شَرَّ ما يَخافُهُ فَعَلى الأوَّلِ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِإنْكارِ الكُفْرِ مَعَ هَذا الصّارِفِ القَوِيِّ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّانِي لِلْحَثِّ عَلى الِالتِجاءِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأوَّلِ التَّذْيِيلُ، وعَلى الثّانِي الحالُ أيْضًا فافْهَمْ، و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ( 101 ) جَوابُ الشَّرْطِ، ولِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعَ قَدْ أفادَ الكَلامُ تَحَقُّقَ الهُدى حَتّى كَأنَّهُ قَدْ حَصَلَ، قِيلَ: والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ووَصْفُ الصِّراطِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَبْغُونَ لَهُ عِوَجًا، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ وإنْ كانَ هو الدِّينَ الحَقَّ في الحَقِيقَةِ، والِاهْتِداءُ إلَيْهِ هو الِاعْتِصامُ بِهِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبارانِ وكانَ العُنْوانُ الأخِيرُ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الجَوابِ لِلْحَثِّ والتَّرْغِيبِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ الإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّمَسُّكَ بِدِينِهِ كَما قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مِنهُ الثِّقَةَ بِاللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والِالتِجاءَ إلَيْهِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ فَيَبْعُدُ الِاحْتِياجُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مَنَ الِاهْتِداءِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ النَّجاةَ والظَّفَرَ بِالمَخْرَجِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما مِن عَبْدٍ يَعْتَصِمُ بِي مِن دُونِ خَلْقِي وتَكِيدُهُ السَّمَواتُ والأرْضُ إلّا جَعَلْتُ لَهُ مِن ذَلِكَ مَخْرَجًا، وما مِن عَبْدٍ يَعْتَصِمُ بِمَخْلُوقٍ مِن دُونِي إلّا قَطَعْتُ أسْبابَ السَّماءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ.

آل عمران 3:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَرَّرَ الخِطابَ بِهَذا العُنْوانِ تَشْرِيفًا لَهم ولا يَخْفى ما في تَكْرارِهِ مِنَ اللُّطْفِ بَعْدَ تَكْرارِ خِطابِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ حَقَّ تَقْواهُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا: «هُوَ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ» . وادَّعى كَثِيرٌ نَسْخَ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى. ومِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ. وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَن قالَ بِالنَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ المُرادَ مِن حَقِّ تُقاتِهِ ما يَحِقُّ لَهُ ويَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن قالَ بِعَدَمِ النَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ ( حَقَّ ) مِن حَقَّ الشَّيْءُ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، وأنَّ الأصْلَ اتَّقُوا اللَّهَ اتْقاءً حَقًّا أيْ صفحة 18 ثابِتًا وواجِبًا عَلى حَدِّ ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ تُرِيدُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وادَّعى أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ باطِلٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ بَعْضِ المَعاصِي، وتَعَقَّبَهُ الرُّمّانِيُّ بِأنَّهُ إذا وُجِّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى أنْ يَقُومُوا بِالحَقِّ في الخَوْفِ والأمْنِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ أباحَ تَرْكَ الواجِبِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَخْطِرُ بِالبالِ حَتّى يُجابَ عَنْهُ إذا فُسِّرَ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ بِما فَسَّرَهُ هو بِهِ مِن تَرْكِ جَمِيعِ المَعاصِي ونَحْوِهِ، وإنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ بَلْ فُسِّرَ بِما جَنَحَ إلَيْهِ القائِلُ بِالنَّسْخِ فَلا يَكادُ يَخْطِرُ ما ذَكَرَهُ بِبالٍ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ، نَعَمْ يَكُونُ القَوْلُ بِإنْكارِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ مَبْنِيًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِنِ امْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ ابْتِداءً كَما لا يَخْفى، وأصْلُ ( تُقاةٍ ) وُقَيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهَمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًا، وأجازَ فِيها الزَّجّاجُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: تُقاةٌ ووِقاةٌ وإقاةٌ. ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (201) أيْ مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِسِواهُ أصْلًا، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإسْلامَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُرادُ بِهِ الأعْمالُ بَلِ الإيمانُ القَلْبِيُّ؛ لِأنَّ الأعْمالَ حالَ المَوْتِ مِمّا لا تَكادُ تَتَأتّى، ولِذا ورَدَ في دُعاءِ صَلاةِ الجِنازَةِ: «اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن أمَتَّهُ مِنّا فَأمِتْهُ عَلى الإيمانِ». فَأخَذَ الإسْلامَ أوَّلًا والإيمانَ ثانِيًا لِما أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالِ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ ( إلّا ) بَعْدَ النَّقْضِ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى حالٍ غَيْرِ حالِ الإسْلامِ عِنْدَ المَوْتِ، ويُؤَوَّلُ إلى إيجابِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، إلّا أنَّهُ وجَّهَ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْهُ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهم حَتّى يَنْهَوْا عَنْهُ، وفي التَّحْبِيرِ لِلْإمامِ السُّيُوطِيِّ: ومِن عَجِيبِ ما اشْتُهِرَ في تَفْسِيرِ ( مُسْلِمُونَ ) قَوْلُ العَوامِّ: أيْ مُتَزَوِّجُونَ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ لَهُ أصْلٌ، ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمُجَرَّدِ ما يُحَدَّثُ في النَّفْسِ أوْ يُسْمَعُ مِمَّنْ لا عُهْدَةَ عَلَيْهِ انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مُسْلِمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ مُسْتَسْلِمُونَ لِما أتى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْقادُونَ لَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ أهْلِ الكِتابِ.

آل عمران 3:103

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أيِ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ». وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ؛ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ» . ووَرَدَ بِمَعْنى ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِحَبْلِ اللَّهِ الطّاعَةُ والجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ثابِتِ بْنِ قُطْنَةَ المُزَنِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِالطّاعَةِ والجَماعَةِ، فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبِي العالِيَةِ: أنَّهُ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وعَنِ الحَسَنِ صفحة 19 أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَتِ الحالَةَ الحاصِلَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ اسْتِظْهارِهِمْ بِأحَدِ ما ذَكَرَ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، واسْتُعِيرَ ما يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الألْفاظِ لِلْمُشَبَّهِ، وقَدْ يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَتانِ مُتَرادِفَتانِ بِأنْ يُسْتَعارَ الحَبَلُ لِلْعَهْدِ مَثَلًا اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً أصْلِيَّةً، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، ويُسْتَعارُ الِاعْتِصامُ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ والتَّمَسُّكِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ، والقَرِينَةُ اقْتِرانُها بِالِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ يَكُونُ في ( اعْتَصَمُوا ) مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وقَدْ يَكُونُ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ لِأجْلِ إرْسالِ المَجازِ، وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ فَقَطْ ويَكُونُ الِاعْتِصامُ باقِيًا عَلى مَعْناهُ تَرْشِيحًا لَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَرِينَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالتَّصَرُّفِ، فَبِاعْتِبارٍ قَدْ تَكُونُ مانِعَةً، وبِاعْتِبارٍ آخَرَ قَدْ لا تَكُونُ، فَلا يَرِدُ أنَّ احْتِمالَ المَجازِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى قَرِينَةٍ مانِعَةٍ عَنْ إرادَةِ المَوْضِعِ لَهُ، فَمَعَ وُجُودِها كَيْفَ يَتَأتّى إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِيَصِحَّ الأمْرانِ في ( اعْتَصَمُوا ) وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَتانِ غَيْرُ مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ مَكْنِيَّةً، وفي الِاعْتِصامِ تَخْيِيلِيَّةً؛ لِأنَّ المَكْنِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّخْيِيلِيَّةِ، قالَهُ الطِّيبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ. وقَدْ ذَكَرْنا في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ ما يَرُدُّ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مَعَ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ. ( ﴿جَمِيعًا﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( اعْتَصِمُوا ) كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ تَأْكِيدًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالِاعْتِصامِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يَقَعُ بَيْنَكم شِقاقٌ وحُرُوبٌ كَما هو مُرادُ المُذَكِّرِينَ لَكم بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ الماكِرِينَ بِكم، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ جِنْسَها، ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ والتَّوْفِيقُ لِلْإسْلامِ المُؤَدِّي إلى التَّآلُفِ وزَوالِ الأضْغانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ما بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ أيْ في الجاهِلِيَّةِ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِالإسْلامِ، و( نِعْمَةَ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و( عَلَيْكم ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ، و( إذْ ) إمّا ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ في ( عَلَيْكم ) إذا جَعَلْتَهُ حالًا، قِيلَ: وأرادَ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَ ما كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنَ الحُرُوبِ الَّتِي تَطاوَلَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ ألَّفَ سُبْحانَهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ فَزالَتِ الأحْقادُ - قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وكانَ يَوْمُ بُعاثَ آخَرَ الحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في الكامِلِ، وقِيلَ: أرادَ ما كانَ بَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ مِنَ التَّنازُعِ الطَّوِيلِ والقِتالِ العَرِيضِ، ومِنهُ حَرْبُ البَسُوسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ أيْ فَصِرْتُمْ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ الَّتِي هي ذَلِكَ التَّأْلِيفُ مُتَحابِّينَ، فَأصْبَحَ ناقِصَةٌ، و( إخْوانًا ) خَبَرُهُ، وقِيلَ: ( أصْبَحْتُمْ ) أيْ دَخَلْتُمْ في الصَّباحِ، فالباءُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وكَذا إخْوانًا أيْ فَأصْبَحْتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِنِعْمَتِهِ حالَ كَوْنِكم إخْوانًا، والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ وأكْثَرُ ما يُجْمَعُ أخُو الصَّداقَةِ عَلى ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ، وفي الإتْقانِ الأخُ في النَّسَبِ جَمْعُهُ إخْوَةٌ وفي الصَّداقَةِ إخْوانٌ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ - وخالَفَهُ غَيْرُهُ - وأوْرَدَ في الصَّداقَةِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ وفي النَّسَبِ: ( أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم ) . ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ صفحة 20 أيْ وكُنْتُمْ عَلى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِن جَهَنَّمَ، إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَها إلّا المَوْتُ، وتَفْسِيرُ الشَّفا بِالطَّرَفِ مَأْثُورٌ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ ووارِدٌ عَنِ العَرَبِ، ويُثَنّى عَلى شَفَوانِ، ويُجْمَعُ عَلى أشْفاءٍ، ويُضافُ إلى الأعْلى كَـ ( شَفا جُرْفٍ هارٍ ) وإلى الأسْفَلِ قِيلَ: كَما هُنا وكَوْنُ المُرادِ مِنَ النّارِ ما ذَكَرْنا هو الظّاهِرُ وحَمْلُها عَلى نارِ الحَرْبِ بَعِيدٌ. ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إمّا عَلى النّارِ أوْ عَلى ( حُفْرَةٍ ) أوْ عَلى ( شَفا ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ بَعْضًا مِنهُ أوْ فِعْلًا لَهُ أوْ صِفَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأوَّلِ، ومَن أطْلَقَ لَزِمَهُ جَوازُ قامَتْ غُلامُ هِنْدٍ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِاحْتِمالَ الأخِيرَ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الحُفْرَةِ أتَمُّ لِأنَّها الَّتِي يُمْتَنُّ بِالإنْقاذِ مِنها حَقِيقَةً، وأمّا الِامْتِنانُ بِالإنْقاذِ مِنَ الشَّفا قَلَّما يَسْتَلْزِمُهُ الكَوْنُ عَلى الشَّفا غالِبًا مِنَ الهَوى إلى الحُفْرَةِ فَيَكُونُ الإنْقاذُ مِنَ الشَّفا إنْقاذًا مِنَ الحُفْرَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ الهَوى فِيها، فَإضافَةُ المِنَّةِ إلى الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ أبْلَغُ وأوْقَعُ مَعَ أنَّ اكْتِسابَ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ قَدْ عَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ في التَّعالِيقِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ خِلافَ رَأْيِهِ في الإيضاحِ، وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الشَّفا إلّا أنَّهُ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَكُونُوا في الحُفْرَةِ حَتّى يَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم كانُوا صائِرِينَ إلَيْها لَوْلا الإنْقاذُ الرَّبّانِيُّ فَبُولِغَ في الِامْتِنانِ بِذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«الرّاتِعُ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ“»، وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فانْظُرُ كَيْفَ جَعَلَ تَعالى كَوْنَ البُنْيانِ عَلى الشَّفا سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلى انْهِيارِهِ في نارِ جَهَنَّمَ مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( هارٍ ) انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ أبِي حَيّانَ مِن أنَّهُ لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا إلى الشَّفا؛ لِأنَّ كَيْنُونَتَهم عَلَيْهِ هو أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ، فالضَّمِيرُ لا يَعُودُ إلّا إلَيْهِ لا عَلى الحُفْرَةِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحَدَّثٍ عَنْها، ولا عَلى النّارِ لِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِها لِتَخْصِيصِ الحُفْرَةِ. وأيْضًا فالإنْقاذُ مِنَ الشَّفا أبْلَغُ مِنَ الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ، والإنْقاذُ مِنهُما لا يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الشَّفا فَعَوْدُهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومِن حَيْثُ المَعْنى، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ عَوْدَهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ إذا صَلَحَ لِكُلٍّ مِنهُما ولَوْ بِتَأْوِيلٍ، إلّا أنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ ذَلِكَ فَيَعُودُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ إمّا مُطْلَقًا - كَما هو قَوْلُ ابْنِ المُنِيرِ - أوْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ بَعْضَهُ أوْ كَبَعْضِهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ. أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي فَإنَّ مَرَّ السِّنِينَ مِن جِنْسِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، والشَّرْطُ مَوْجُودٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ. ( ﴿كَذَلِكَ﴾ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواضِحِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيْ دَلائِلَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ (103) أيْ لِكَيْ تَدُومُوا عَلى الهُدى، وازْدِيادُكم فِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ الِافْتِعالُ.

آل عمران 3:104

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ لِيَكُونُوا هادِينَ مَهْدِيِّينَ عَلى ضِدِّ أعْدائِهِمْ، فَإنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ فِيما سَبَقَ بَدُلُّ عَلى أنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ، وتَكُنْ إمّا مِن كانَ التّامَّةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) فاعِلًا، وجُمْلَةُ ( يَدْعُونَ ) صِفَتُهُ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِتَكُنْ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِأُمَّةٍ - قُدِّمَ صفحة 21 عَلَيْها فَصارَ حالًا، وإمّا مِن كانَ النّاقِصَةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) اسْمَها و( يَدْعُونَ ) خَبَرَها، و( مِنكم ) إمّا حالٌ مِن أُمَّةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ النّاقِصَةِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّ أيْ تَقْصِدُ لِأمْرٍ ما، وتُطْلَقُ عَلى أتْباعِ الأنْبِياءِ لِاجْتِماعِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ وعَلى القُدْوَةِ، ومِنهُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وعَلى الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وعَلى الزَّمانِ، ومِنهُ ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِيها، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ، فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إيذانًا بِمَزِيدِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَذا قِيلَ، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ البابِ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ العامِّ جَمِيعَ ما يَتَناوَلُهُ إذِ الخَيْرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ إمّا فِعْلٌ مَأْمُورٌ أوْ تَرْكٌ مَنهِيٌّ لا يَعْدُو واحِدًا مِن هَذَيْنِ حَتّى يَكُونَ تَخْصِيصُهُما بِتَمَيُّزِهِما عَنْ بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ فائِدَةُ هَذا التَّخْصِيصِ ذِكْرُ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ عامًّا ثُمَّ مُفَصَّلًا، وفي تَثْنِيَةِ الذِّكْرِ عَلى وجْهَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ عُرْفٌ يَخُصُّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِبَعْضِ أنْواعِ الخَيْرِ وحِينَئِذٍ يَتَّمُ ما ذَكَرَ، وما أرى هَذا العُرْفَ ثابِتًا انْتَهى، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لَوْ فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ أُمُورَ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها أمْرٌ أوْ نَهْيٌ كانَ أعَمَّ مِن فَرْضِ الكِفايَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ ثُمَّ قالَ: الخَيْرُ اتِّباعُ القُرْآنِ وسُنَّتِي» وهَذا يَدُلُّ أنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لا يَشْمَلُ الدُّعاءَ إلى أُمُورِ الدُّنْيا. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الخَيْرَ بِمَعْرُوفٍ خاصٍّ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْرُوفَ في الآيَةِ ما عَداهُ مِنَ الطّاعاتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَيْرَ الإسْلامُ، والمَعْرُوفَ طاعَةُ اللَّهِ، والمُنْكَرَ مَعْصِيَتُهُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإعْلامِ بِظُهُورِهِ، أيْ يَدْعُونَ النّاسَ ولَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، وإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ عَلى حَدِّ: فُلانٌ يُعْطِي، أيْ يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ والأمْرَ والنَّهْيَ ويُوقِعُونَها، والخِطابُ قِيلَ مُتَوَجِّهٌ إلى مَن تُوَجِّهَ الخِطابُ الأوَّلُ إلَيْهِ في رَأْيٍ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً وهُمُ الرُّواةُ، والأكْثَرُونَ عَلى جَعْلِهِ عامًّا، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذَكَرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و( مِن ) هُنا قِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلتَّبْيِينِ، وهي تَجْرِيدِيَّةٌ كَما يُقالُ لِفُلانٍ مِن أوْلادِهِ جُنْدٌ، ولِلْأمِيرِ مِن غِلْمانِهِ عَسْكَرٌ، يُرادُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأوْلادِ والغِلْمانِ. ومَنشَأُ الخِلافِ في ذَلِكَ أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا النَّزْرُ، ومِنهُمُ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ مِنَ الإمامِيَّةِ قالُوا: إنَّها مِن فُرُوضِ الأعْيانِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الواجِبَ عَلى الكِفايَةِ هَلْ هو واجِبٌ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ويَسْقُطُ عَنْهم بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ أوْ هو واجِبٌ عَلى البَعْضِ، ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ إلى الثّانِي لِلِاكْتِفاءِ بِحُصُولِهِ مِنَ البَعْضِ، ولَوْ وجَبَ عَلى الكُلِّ لَمْ يَكْتَفِ بِفِعْلِ البَعْضِ، إذْ يُسْتَبْعَدُ سُقُوطُ الواجِبِ عَلى المُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ نَصِّ الإمامِ الشّافِعِيِّ في الأُمِّ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِإثْمِ الجَمِيعِ بِتَرْكِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ لَما أثِمُوا بِالتَّرْكِ. وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ إثْمَهم بِالتَّرْكِ لِتَفْوِيتِهِمْ ما قُصِدَ حُصُولُهُ مِن جِهَتِهِمْ في الجُمْلَةِ لا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ أعْنِي إثْمَ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ. صفحة 22 والجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ الإسْقاطُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِفِعْلِهِمْ أوْلى مِن تَأْثِيمِ غَيْرِهِمْ بِتَرْكِهِمْ يُقالُ فِيهِ: بَلْ هو أوْلى لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَظِيرُهُ شَرْعًا مِن إسْقاطِ ما عَلى زَيْدٍ بِأداءِ عَمْرٍو، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ آخَرَ فَيَتِمُّ ما قالَهُ الجُمْهُورُ. واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوِ ارْتَبَطَ التَّكْلِيفُ في الظّاهِرِ بِتِلْكَ الطّائِفَةِ الأُخْرى بِعَيْنِها وحْدَها لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ الأمْرِ لَهُما وتَعَلُّقِهِ بِهِما مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِإحْداهُما عَلى الأُخْرى، فَلَيْسَ في التَّأْثِيمِ المَذْكُورِ تَأْثِيمُ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ، إذْ كَوْنُ الأُخْرى كُلِّفَتْ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ كُلٍّ أنْ تَكُونَ مُكَلَّفَةً بِهِ، فالِاسْتِبْعادُ المَذْكُورُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، عَلى أنَّهُ إذا قُلْنا بِما اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ المَذْهَبِ الثّانِي مِن أنَّ البَعْضَ مُبْهَمُ آلَ الحالُ إلى أنَّ المُكَلَّفَ طائِفَةٌ لا بِعَيْنِها، فَيَكُونُ المُكَلَّفُ القَدْرُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ الطَّوائِفِ، الصّادِقُ بِكُلِّ طائِفَةٍ، فَجَمِيعُ الطَّوائِفِ مُسْتَوِيَةٌ في تَعَلُّقِ الخِطابِ بِها بِواسِطَةِ تَعَلُّقِهِ بِالقَدْرِ المُشْتَرِكِ المُسْتَوِي فِيها فَلا إشْكالَ في اسْمِ الجَمِيعِ، ولا يَصِيرُ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ لَفْظِيًّا حَيْثُ إنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ عَمَّ الجَمِيعَ عَلى القَوْلَيْنِ، وكَذا الإثْمُ عِنْدَ التَّرْكِ لِما أنَّ في أحَدِهِما دَعْوى التَّعْلِيقِ بِكُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، وفي الآخَرِ دَعْوى تَعَلُّقِهِ بِكُلٍّ بِطْرِيقِ السِّرايَةِ مَن تُعَلِّقِهِ بِالمُشْتَرِكِ، وثَمَرَةُ ذَلِكَ أنَّ مَن شَكَّ أنَّ غَيْرَهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ الواجِبَ لا يَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالسِّرايَةِ، ويَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالابْتِداءِ، ولا يَسْقُطُ عَنْهُ إلّا إذا ظَنَّ فِعْلَ الغَيْرِ، ومِن هُنا يَسْتَغْنِي عَنِ الجَوابِ عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ، فَلا يَضُرُّنا ما قِيلَ فِيهِ، عَلى أنَّهُ يُقالُ عَلى ما قِيلَ: لَيْسَ الدَّيْنُ نَظِيرَ ما نَحْنُ فِيهِ كُلِّيًّا؛ لِأنَّ دَيْنَ زَيْدٍ واجِبٌ عَلَيْهِ وحْدَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ؛ فَلِذا صَحَّ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِأداءِ غَيْرِهِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَأْثَمَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ أدائِهِ، بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ نِسْبَةَ الواجِبِ في الظّاهِرِ إلى كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ عَلى السَّواءِ فِيهِ، فَجازَ أنْ يَأْثَمَ كُلُّ طائِفَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِها لِتَعَلُّقِ الوُجُوبِ بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ واسْتِوائِها مَعَ غَيْرِها في التَّعَلُّقِ. وأمّا قَوْلُهم: ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِأداءِ آخَرَ فَهو لا يُطابِقُ البَحْثَ إذْ لَيْسَ المُدَّعى تَأْثِيمَ أحَدٍ بِأداءِ غَيْرِهِ، بَلْ تَأْثِيمُهُ بِتَرْكٍ، فالمُطابِقُ، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ أداءِ آخَرَ، ويُتَخَلَّصُ مِنهُ حِينَئِذٍ بِأنَّ التَّعَلُّقَ في الظّاهِرِ مُشْتَرِكٌ في سائِرِ الطَّوائِفِ، فَيَتِمُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ - وهو مُخْتارُ ابْنِ السُّبْكِيِّ - خِلافًا لِأبِيهِ، إذا تَحَقَّقَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ البَعْضُ قالُوا: إنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وأنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ الكُلُّ قالُوا: إنَّها لِلتَّبْيِينِ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أثْبَتَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لِكُلِّ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الدُّعاءِ فَرْضَ عَيْنٍ، فَإنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ بِالإجْماعِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالخِطاباتِ العامَّةِ فَتَأمَّلْ. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ. ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (104) أيِ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، وبِهَذا صَحَّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الطَّرَفَيْنِ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ قالَتْ: ”«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن خَيْرُ النّاسِ ؟ قالَ: آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ تَعالى وأوْصَلَهم لِلرَّحِمِ“». ورَوى الحَسَنُ: مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ، - ورُوِيَ -: «لَتَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُّنَ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم سُلْطانًا ظالِمًا لا يُجِلُّ كَبِيرَكم ولا يَرْحَمُ صَغِيرَكم، ويَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهم، وتَسْتَنْصِرُونَ فَلا تُنْصَرُونَ». والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ يَكُونُ واجِبًا ومَندُوبًا عَلى حَسَبِ ما يُؤْمَرُ بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ كَذَلِكَ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَكْرُوهَ مُنْكَرٌ شَرْعًا، وأمّا إنْ فُسِّرَ صفحة 23 بِما يَسْتَحِقُّ العِقابَ عَلَيْهِ كَما أنَّ المَعْرُوفَ ما يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ إلّا واجِبًا، وبِهِ قالَ بَعْضُهم إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّهُما لَيْسا عَلى طَرَفَيْ نَقِيضٍ، والأظْهَرُ أنَّ العاصِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُ كُلِّ فاعِلٍ، وتَرْكُ نَهْيِ بَعْضٍ وهو نَفْسُهُ لا يُسْقِطُ عَنْهُ وُجُوبَ نَهْيِ الباقِي، وكَذا يُقالُ في جانِبِ الأمْرِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَنْ عَدَمِ الفِعْلِ لا عَنِ القَوْلِ، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّ التَّوْبِيخَ إنَّما هو عَلى نِسْيانِ أنْفُسِهِمْ لا عَلى أمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا. نَعَمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مَعْرُوفَةٌ مَحَلُّها، والأصْلُ فِيهِما افْعَلْ كَذا ولا تَفْعَلْ كَذا، والقِتالُ لِيَمْتَثِلَ المَأْمُورُ والمَنهِيُّ أمْرَ وراءِ ذَلِكَ، ولَيْسَ داخِلًا في حَقِيقَتِهِما، وإنْ وجَبَ عَلى بَعْضٍ كالأُمَراءِ في بَعْضِ الأحْيانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» .

آل عمران 3:105

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإحْدى وسَبْعُونَ في النّارِ وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن هم ؟ قالَ: الجَماعَةُ». وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ كُلُّها في النّارِ إلّا واحِدَةً». وفِي رِوايَةٍ لَهُ أُخْرى عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقَتْ إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ فِرْقَةً، وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً تَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ» . ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ؛ لِأنَّ الِافْتِراقَ حَصَلَ لِمَن حَصَلَ عَلى طِبْقِ ما وقَعَ فِيها في بَعْضِ الأوْقاتِ وهو يَكْفِي لِلصِّدْقِ وإنْ زادَ العَدَدُ أوْ نَقَصَ في وقْتٍ آخَرَ. ( ﴿واخْتَلَفُوا﴾ ) في التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وأحْوالِ المَعادِ، قِيلَ: وهَذا مَعْنى تَفَرَّقُوا وكَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالعَداوَةِ، والِاخْتِلافُ بِالدِّيانَةِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الآياتُ والحُجَجُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِاتِّحادِ الكَلِمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: التَّوْراةُ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو أُمامَةَ: القُرْآنُ. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (501) لا يَكْتَنِهُ عَلى تَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمُ المَذْكُورُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ لِلْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ لِأنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الغَضَبَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ مَحْمُولٌ كَما قِيلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ، ويُؤْخَذُ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ شامِلٌ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ لِما نَرى مِنِ اخْتِلافِ أهْلِ السُّنَّةِ فِيها - كالماتُرِيدِيِّ والأشْعَرِيِّ - فالمُرادُ حِينَئِذٍ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلافِ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلافِ فِيما ورَدَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الشّارِعِ أوْ أجْمَعَ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ. واسْتُدِلَّ عَلى عَدَمِ المَنعِ مِنَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»، وبِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَهْما أُوتِيتُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فالعَمَلُ بِهِ لا عُذْرَ لِأحَدٍ في تَرْكِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ صفحة 24 اللَّهِ تَعالى فَسُنَّةٌ مِنِّي ماضِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَما قالَ أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، فَأيُّما أخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، واخْتَلافُ أصْحابِي لَكم رَحْمَةٌ». وأرادَ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَواصَّهُمُ البالِغِينَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ، والمَقْصُودُ بِالخِطابِ مَن دُونَهم فَلا إشْكالَ فِيهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ، والرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةٌ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ بِلَفْظِ: كانَ اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً لِلنّاسِ، وفي المَدْخَلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: ما سَرَّنِي لَوْ أنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ. واعْتَرَضَ الإمامُ السُّبْكِيُّ بِأنَّ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ ولَمْ أقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مَوْضُوعٍ، ولا أظُنُّ لَهُ أصْلًا إلّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النّاسِ، بِأنْ يَكُونَ أحَدٌ قالَ: ”اخْتِلافُ الأُمَّةِ رَحْمَةٌ“ فَأخَذَهُ بَعْضُهم فَظَنَّهُ حَدِيثًا فَجَعَلَهُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ، وما زِلْتُ أعْتَقِدُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا أصْلَ لَهُ، واسْتَدِلَّ عَلى بُطْلانِهِ بِالآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ النّاطِقَةِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِلافِ، والآياتُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ومِنَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّما هَلَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكم“» وهو وإنْ كانَ وارِدًا في تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، وأنَّ الِاخْتِلافَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها في الأُصُولِ ولا شَكَّ أنَّهُ ضَلالٌ وسَبَبُ كُلِّ فَسادٍ وهو المُشارُ إلَيْهِ في القُرْآنِ، والثّانِي في الآراءِ والحُرُوبِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ «قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: ”تَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا“»، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّهُ حَرامٌ لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والثّالِثُ في الفُرُوعِ كالِاخْتِلافِ في الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِهِما، والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنهُ أيْضًا لَكِنْ هَلْ هو ضَلالٌ كالقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ أمْ لا ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَكَلامُ ابْنِ حَزْمٍ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهُ مِمَّنْ يَمْنَعُ التَّقْلِيدَ يَقْتَضِي الأوَّلَ، وأمّا نَحْنُ فَإنّا نُجَوِّزُ التَّقْلِيدَ لِلْجاهِلِ والأخْذَ عِنْدَ الحاجَةِ بِالرُّخْصَةِ مِن أقْوالِ بَعْضِ العُلَماءِ مِن غَيْرِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ وهو يَقْتَضِي الثّانِي، ومِن هَذا الوَجْهِ قَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الِاخْتِلافُ رَحْمَةٌ، فَإنَّ الرُّخَصَ مِنها بِلا شُبْهَةٍ، وهَذا لا يُنافِي قَطْعًا القَطْعَ بِأنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ تَخْتَلِفُ، وجِهَةَ الرَّحْمَةِ تَخْتَلِفُ، فالخَيْرِيَّةُ في العِلْمِ بِالدِّينِ الحَقِّ الَّذِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ وهو الصَّوابُ عِنْدَهُ، والرَّحْمَةُ في الرُّخْصَةِ لَهُ وإباحَةُ الإقْدامِ بِالتَّقْلِيدِ عَلى ذَلِكَ، ورَحْمَةٌ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ لا تَقْتَضِي العُمُومُ فَيَكْتَفِي في صِحَّتِهِ أنْ يَحْصُلَ في الِاخْتِلافِ رَحْمَةٌ ما في وقْتٍ ما في حالَةٍ ما عَلى وجْهٍ ما، فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَدِيثًا فَيُخَرَّجُ عَلى هَذا، وكَذا إنْ لَمْ يَكُنْهُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا نَقُولُ إنَّ الِاخْتِلافَ مَأْمُورٌ بِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاتِّفاقَ مَأْمُورٌ بِهِ يَلْتَفِتُ إلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُصِيبَ واحِدٌ وهو الصَّحِيحُ فالحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ واحِدٌ، والنّاسُ كُلُّهم مَأْمُورُونَ بِطَلَبِهِ واتِّفاقِهِمْ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ، والِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وإنْ عُذِرَ المُخْطِئُ وأُثِيبَ عَلى اجْتِهادِهِ وصَرْفِ وُسْعِهِ لِطَلَبِ الحَقِّ. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ“» وكَذَلِكَ إذا قُلْنا بِالشَّبَهِ كَما هو قَوْلُ بَعْضِ الأُصُولِيِّينَ، وأمّا إذا قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَكُلُّ أحَدٍ مَأْمُورٌ بِالِاجْتِهادِ، وبِاتِّباعِ ما غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا كُلَّهم مَأْمُورِينَ بِالِاتِّفاقِ ولا أنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُهم مَنهِيًّا عَنْهُ، وإطْلاقُ الرَّحْمَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صفحة 25 فِي الِاخْتِلافِ أقْوى مِن إطْلاقِها عَلى قَوْلِنا: المُصِيبُ واحِدٌ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الِاخْتِلافَ في الخَبَرِ عَلى الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ، وأمّا إذا قُلْنا المُرادُ الِاخْتِلافُ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يُطْلَبُ مِنَ العَبْدِ شُكْرُها كَما قالَ الحَلِيمِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، لَكِنْ كانَ المُناسِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ اخْتِلافُ النّاسِ رَحْمَةٌ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِلْأُمَّةِ بِذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ الأُمَمِ مُخْتَلِفُونَ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ لا هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَطْ، فَلا بُدَّ لِتَخْصِيصِ الأُمَّةِ مِن وجْهٍ، ووَجَّهَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّ المَراتِبَ والمَناصِبَ الَّتِي أُعْطِيَتْها أُمَّتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ تُعْطَها أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَهي مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم وفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُ لا يَسْبِقُ مِن لَفْظِ الِاخْتِلافِ إلى ذَلِكَ ولا إلى الصَّنائِعِ والحِرَفِ، فالحِرْفَةُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ، وتَأْوِيلُ الخَبَرِ بِما تَقَدَّمَ. هَذِهِ خُلاصَةُ كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمْ كَوْنُ الحَدِيثِ لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ أصْلًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ عَزاهُ الزَّرْكَشِيُّ في الأحادِيثِ المُشْتَهِرَةِ إلى كِتابِ الحُجَّةِ لِنَصْرٍ المَقْدِسِيِّ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ ولا صِحَّتَهَ، لَكِنْ ورَدَ ما يُقَوِّيهِ في الجُمْلَةِ مِمّا نُقِلَ مِن كَلامِ السَّلَفِ، والحَدِيثُ الَّذِي أوْرَدْناهُ قَبْلُ وإنْ رَواهُ الطَّبَرِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّهُ يَكْفِي في هَذا البابِ الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ اخْتِلافُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن شارَكَهم في الِاجْتِهادِ كالمُجْتَهِدِينَ المُعْتَدُّ بِهِمْ مِن عُلَماءِ الدِّينِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمُبْتَدِعِينَ وكَوْنُ ذَلِكَ رَحْمَةً لِضُعَفاءِ الأُمَّةِ، ومَن لَيْسَ في دَرَجَتِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ ولا يَتَنازَعَ فِيهِ اثْنانِ فَلْيُفْهَمْ.

آل عمران 3:106

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ عَذابٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ وقِيلَ: عَظِيمٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ عَظَمَتِهِ بِهَذا ولا مَعْنى لَهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ إذا عَظُمَ فِيهِ، وفِيهِ كُلُّ عَظِيمٍ، فَفي غَيْرِهِ أوْلى إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِمُرادٍ، والمُرادُ بِالبَياضِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ أوْ لازِمُهُ مِنَ السُّرُورِ والفَرَحِ، وكَذا يُقالُ في السَّوادِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ قالُوا: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ وإشْراقِ البَشَرَةِ تَشْرِيفًا لَهم وإظْهارًا لِآثارِ أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ويُوسَمُ أهْلُ الباطِلِ بِضِدِّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ يَكُونُ لِجَمِيعِ الجَسَدِ إلّا أنَّهُما أُسْنِدا لِلْوُجُوهِ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ. واخْتُلِفَ في وقْتِ ذَلِكَ فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ، وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ، وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ وقِيلَ: وقْتَ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ في كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى حَدٍّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ، إذِ البَياضُ والسَّوادُ مِنَ المُشَكَّكِ دُونَ المُتَواطِئِ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ - تَبْيِضُّ وتَسْوِدُّ - بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وهي لُغَةٌ - وتَبْياضُّ وتَسْوادُّ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ وابْتَدَأ بِحالِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِمُجاوَرَتِهِ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ولِيَكُونَ الِابْتِداءُ والِاخْتِتامُ بِما يَسُرُّ الطَّبْعَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ المَقْرُونِ بِالفاءِ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، وحَذْفُ القَوْلِ واسْتِتْباعُ الفاءِ لَهُ في الحَذْفِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وإنَّما المَمْنُوعُ حَذْفُها وحْدَها في جَوابِ أمّا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والكَلامُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم فَلا التِفاتَ فِيهِ خِلافًا لِلسَّمِينِ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ أنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ صفحة 26 كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الإيمانِ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ. وقِيلَ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ بِالقُوَّةِ والفِطْرَةِ، وكُفْرُ جَمِيعِ الكُفّارِ كانَ بَعْدَ هَذا الإيمانِ لِتَمَكُّنِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أُعْطُوا كَلِمَةَ الإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ وأنْكَرُوها بِقُلُوبِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فالإيمانُ عَلى هَذا مَجازِيٌّ، وقِيلَ: إنَّهم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأبِي أُمامَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ المَعْهُودَ المَوْصُوفَ بِالعِظَمِ، والأمْرُ لِلْإهانَةِ لِتُقَرُّرِ المَأْمُورِ بِهِ وتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ تَسْخِيرٍ بِأنْ يَذُوقَ العَذابَ كُلُّ شَعَرَةٍ مِن أعْضائِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِهِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأمْرَ بِذَوْقِ العَذابِ مُتَرَتِّبٌ عَلى كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: لِلْمُقابَلَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّسَبُّبِ ولَيْسَتْ بِمَعْنى اللّامِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ ( بَعْدَ إيمانِكم ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ أوْ عَلى مُضِيِّهِ في الدُّنْيا.

آل عمران 3:107

﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيِ الجَنَّةِ، فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالحالِ عَنِ المَحَلِّ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وقَدْ يُرادُ بِها الثَّوابُ، فالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجازِيَّةٌ كَما يُقالُ: في نَعِيمٍ دائِمٍ وعَيْشٍ رَغْدٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَتِهِ وشُمُولِهِ لِلْمَذْكُورِينَ شُمُولَ الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما هو صِفَةٌ لَهُ تَعالى؛ إذْ لا يَصِحُّ فِيها الظَّرْفِيَّةُ ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ مُقابَلَتُها بِالعَذابِ ومُقارَنَتُها لِلْخُلُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ (107) وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إشْعارًا بِأنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ولِهَذا ورَدَ في الخَبَرِ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: حَتّى أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ». وجُمْلَةُ ( هم فِيها خالِدُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَأُجِيبَ بِما تَرى، وفِيها تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّحْمَةِ، ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ جَعْلُهُ لِلدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ خِلافًا لِمَن قالَ بِهِ، وجَعَلَ الكَلامَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنِ مُقابِلِهِمْ في العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا خالِدِينَ في الخَيْراتِ، وقُرِئَ: ابْياضَّتْ واسْوادَّتْ.

آل عمران 3:108

( ﴿تِلْكَ﴾ ) أيِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَؤُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ إذِ التّالِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي عُدُولِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِتِلْكَ، و( آياتُ ) بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ ( يَتْلُوها ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. ( ﴿بِالحَقِّ﴾ ) أيْ مُتَلَبِّسَةً أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالصِّدْقِ أوْ بِالعَدْلِ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ ونَطَقَتْ بِهِ، فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكَّدَةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (801) بِأنْ يُحِلَّهم مِنَ العِقابِ صفحة 27 ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ عَدْلًا أوْ يَنْقُصَهم مِنَ الثَّوابِ عَمًّا اسْتَحَقُّوهُ فَضْلًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ نَكَّرَ ظُلْمًا ووَجَّهَ النَّفْيَ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الِانْتِفاءِ، وعَلَّقَ الحُكْمَ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والتَفَتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ أوْ تَرْكُ الواجِبِ وهو يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ، فَقَدْ يُنْفى المُسْتَحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ ما هو ظُلْمٌ مِنَ العِبادِ فِيما بَيْنَهم لا أنَّ كَلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنهُ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ أنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ولا يُهْمِلُ الكافِرَ ويُجازِيهِ بِكُفْرِهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا لا يُسْتَفادُ هَذا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:109

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وخَلْقًا وتَصَرُّفًا، والتَّعْبِيرِ بِـ ( ما ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ غَيْرَ العُقَلاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ كَغَيْرِهِمْ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (901) أيْ أُمُورُهم فَيُجازِي كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْحَصْرِ أيْ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ لا إلى غَيْرِهِ شَرِكَةً أوِ اسْتِقْلالًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما ورَدَ في جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ( تَرْجِعُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

آل عمران 3:110

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا خِطاباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ مِن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ومَن يَسْوَدُّ، وشَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ تَحْرِيضًا عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ، وكانَ ناقِصَةٌ ولا دَلالَةَ لَها في الأصْلِ عَلى غَيْرِ الوُجُودِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْقِطاعٍ أوْ دَوامٍ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْأزَلِيَّةِ كَما في صِفاتِهِ تَعالى نَحْوَ ( وكانَ الله بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا ) وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلُزُومِ الشَّيْءِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ نَحْوَ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّها تَدُلُّ بِحَسَبِ الوَضْعِ عَلى الِانْقِطاعِ كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، والمُصَحَّحُ هو الأوَّلُ وعَلَيْهِ لا تُشْعِرُ الآيَةُ بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ لَيْسُوا خَيْرَ أُمَّةٍ الآنَ، وقِيلَ: المُرادُ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ أيْ في عِلْمِهِمْ كَذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيادَةَ كانَ وهي لا تُزادُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ. ( ﴿أُخْرِجَتْ﴾ ) أيْ أُظْهِرَتْ وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ ( ﴿لِلنّاسِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِخَيْرِ أُمَّةٍ، وجُمْلَةُ ( أُخْرِجَتْ ) صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، وقِيلَ: لِـ ( خَيْرِ )، والأوَّلُ أوْلى، والخِطابُ قِيلَ: لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبُ الضَّحّاكُ، وقِيلَ: لِلْمُهاجِرِينَ مِن بَيْنِهِمْ وهو أحَدُ خَبَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي آخَرَ أنَّهُ عامٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ التُّرابُ لِي طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ“». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، صفحة 28 وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ خاصًّا بِمَن شاهَدَ الوَحْيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، لَكِنَّ حُكْمَهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلْكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما حَكى قَتادَةُ: ”يا أيُّها النّاسُ مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن تِلْكُمُ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ تَعالى مِنها“ وأشارَ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِأُمَّةٍ عَلى ما قِيلَ إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ الشَّرْطِيَّةُ، والمُتَبادِرُ مِنَ المَعْرُوفِ الطّاعاتُ، ومِنَ المُنْكَرِ المَعاصِي الَّتِي أنْكَرَها الشَّرْعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ أنَّ المَعْنى تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِمْ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ هو أعْظَمُ المَعْرُوفِ، وتَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ والمُنْكَرِ هو التَّكْذِيبُ وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ، وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَمَلَ المُطْلَقَ عَلى الفَرْدِ الكامِلِ، وإلّا فَلا قَرِينَةَ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِالإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ ويَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ إيمانٌ إذا آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ، وحَقِيقَةُ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَلَوْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْقِيبُ بِنَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ في الجُمْلَةِ، وأيْضًا المَقامُ مَقامُ مَدْحٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ ( ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها المُعَلِّلِ لِلْخَبَرِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يُرِدِ الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، فَلا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ والعَطْفِ يَقْتَضِيهِ، وإنَّما أخَّرَ الإيمانَ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًا ورُتْبَةً كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ دُونَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهُما أظْهَرُ في الدَّلالَةِ عَلى الخَيْرِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ قَدَّمَهُما عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وكَوْنِ سَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِما، وأمّا ذِكْرُهُ فَكالتَّتْمِيمِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَدْوى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الدِّينِ أظْهَرُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مِن وظِيفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَوْ قِيلَ قُدِّما - وأُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ ولِيَرْتَبِطَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لَمْ يَبْعُدْ، أيْ لَوْ آمَنُوا إيمانًا كَما يَنْبَغِي لَكانَ ذَلِكَ الإيمانُ ( خَيْرًا لَهم ) مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا لِدَفْعِ القَتْلِ والذُّلِّ عَنْهم، والآخِرَةِ لِدَفْعِ العَذابِ المُقِيمِ، وقِيلَ: لَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنَ الإيمانِ بِمُوسى وعِيسى فَقَطْ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُفَضَّلُ عَلَيْهِ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فالخَيْرِيَّةُ إنَّما هي بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِها عَلى مَعْنى ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ كَما آمَنتُمْ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ كَما أمَرْتُمْ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ كَما نَهَيْتُمْ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ . ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأخِيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ. ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ (110) أيِ الخارِجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَبَّرَ عَنِ الكُفْرِ بِالفِسْقِ إيذانًا بِأنَّهم خَرَجُوا عَمّا أوْجَبَهُ كِتابُهم، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في – الكُفّارِ - بِمَنزِلَةِ الكُفّارِ في العُصاةِ لِخُرُوجِهِمْ إلى الحالِ الفاحِشَةِ الَّتِي هي مِنهم أشْنَعُ وأفْظَعُ.

آل عمران 3:111

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الأذى بِمَعْنى الضَّرَرِ اليَسِيرِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَواقِعُ الِاسْتِعْمالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ ضَرَرًا ما إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الأذى صفحة 29 لَيْسَ بِضَرَرٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والآيَةُ كَما قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ لَمّا عَمَدَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبٍ وأبِي رافِعٍ وأبِي ياسِرٍ وكِنانَةَ وابْنِ صُورِيّا إلى مُؤْمِنِيهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وآذَوْهم لِإسْلامِهِمْ وكانَ إيذاءً قَوْلِيًّا عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَهُ الحَسَنُ. ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ يَنْهَزِمُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْفَرُوا مِنكم بِشَيْءٍ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الِانْهِزامِ مَعْرُوفَةٌ. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (111) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ و( ثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ والتَّراخِي الإخْبارِيِّ أيْ لا يَكُنْ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ ثُمَّ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ إنْ قاتَلُوكم أوْ لَمْ يُقاتِلُوكم، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ. وقُرِئَ: ( ثُمَّ لا يُنْصَرُوا ) والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ، و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ لا في الزَّمانِ لِمُقارَنَتِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وآخِرِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ أبْلَغُ لِخُلُوِّها عَنِ القَيْدِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِكَوْنِها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي وافَقَهُ الواقِعُ؛ لِأنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَهُودَ خَيْبَرَ حارَبُوا المُسْلِمِينَ ولَمْ يَثْبُتُوا، ولَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِنهم، ولَمْ تَخْفُقْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ رايَةٌ ولَمْ يَسْتَقِمْ أمْرٌ ولَمْ يَنْهَضُوا بِجَناحٍ.

آل عمران 3:112

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أيْ ذِلَّةُ هَدْرِ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، وقِيلَ: ذِلَّةُ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ وإعْطاءِ الجِزْيَةِ، قالَ الحَسَنُ: أذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَلا مَنَعَةَ لَهم، وجَعَلَهم تَحْتَ أقْدامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن ضَرْبِ الخِيامِ والقِبابِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قِيلَ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُشَبَّهُ إحاطَهُ الذِّلَّةِ واشْتِمالِها عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الضَّرِيبَةَ عَلى عَبْدِهِ أيْ ألْزَمَها إيّاهُ، فالمَعْنى ألْزَمُوا الذِّلَّةَ وثَبَتَتْ فِيهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنها ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أيْ وُجِدُوا، وقِيلَ: أُخِذُوا وظُفِرَ بِهِمْ، و( أيْنَما ) شَرْطٌ، و( ما ) زائِدَةٌ، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أوْ هو بِنَفْسِهِ عَلى رَأْيٍ. ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والمَعْنى عَلى النَّفْيِ أيْ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كِتابِهِ الَّذِي أتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم بِذَلِكَ يَسْلَمُونَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ واسْتِئْصالِ الأمْوالِ. وقِيلَ: أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ عَنْهم ذُلُّ التَّمَسُّكِ والإعْطاءِ. ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ واسْتِيجابِهِمْ إيّاهُ مِن قَوْلِهِمْ باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا صارَ حَقِيقًا أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فالمُرادُ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ سُبْحانَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ. ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ فَهم في الغالِبِ مَساكِينُ وقَلَّما يُوجَدُ يَهُودِيٌّ يُظْهِرُ الغِنى. ( ﴿ذَلِكَ﴾ ) أيِ المَذْكُورُ مِنَ المَذْكُوراتِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أصْلًا، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ أسْلافِهِمْ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ( 211 ) إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ القُرْبُ فَلا تَكْرارَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ وما يَلِيهِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهم فَهو مُعَلَّلٌ صفحة 30 بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي والمُضارِعِ لِما مَرَّ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ ) وكَذا جُمْلَةُ ( ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ ) وما عَطْفٌ عَلَيْها وارِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِذا لَمْ يُعْطَفا عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ قَبْلَهُما، وإنَّما لَمْ يَعْطِفِ الِاسْتِطْرادَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِتَباعُدِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نَوْعًا مِنَ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مَعَ ما بَعْدَهُما مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ المَفْرُوضَ إيمانُ الجَمِيعِ، وإلّا فَبَعْضُهم مُؤْمِنُونَ رَفْعًا لِسُوءِ الظَّنِّ بِالبَعْضِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ بَيانٌ لِما هو خَيْرٌ لَهم وهو أنَّهم لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُبْتَلَوْنَ بِمَشَقَّةِ التَّدْبِيرِ لِإضْرارِكم وبِالحُزْنِ عَلى الخَيْبَةِ وتَدْبِيرِ الغَلَبَةِ عَلَيْكم بِالمُقابَلَةِ والغَلَبَةِ لَكم، وفي طَلَبِ الرِّياسَةِ بِمُخالَفَتِكم، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لِتِلْكَ المُخالَفَةِ، وفي طَلَبِ المالِ بِأخْذِ الرِّشْوَةِ بِتَحْرِيفِ كِتابِهِمْ وضَرْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةَ، ولَوْ آمَنُوا لَنَجَوْا مِن جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ وتَحَمُّلِ بُعْدِهِ لا يَأْبى القَوْلَ بِالِاسْتِطْرادِ لِأنَّهُ أنْ يُذْكَرَ في أثْناءِ الكَلامِ ما يُناسِبُهُ ولَيْسَ السِّياقُ لَهُ، وإنَّما يَأْبى الِاعْتِراضَ ولا نَقُولُ بِهِ فَتَأمَّلْ. * * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ الَّذِي هو القُرْبُ مِنَ اللَّهِ ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أيْ بَعْضَهُ، والإشارَةُ بِهِ إلى النَّفْسِ فَإنَّها إذا أنْفَقَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ زالَ الحِجابُ الأعْظَمُ وهانَ إنْفاقُ كُلٍّ بَعْدَها ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيَنْبَغِي تَحَرِّي ما يُرْضِيهِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المُنْفِقُونَ عَلى أقْسامٍ: فَمِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُلاحَظَةِ الجَزاءِ والعِوَضِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُراقَبَةِ رَفْعِ البَلاءِ والمِحَنِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ اكْتِفاءً بِعِلْمِهِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: ويَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ في طَلَبِ العُلا لِتُذْكَرَ يَوْمًا عِنْدَ سَلْمى شَمائِلُهْ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾ قِيلَ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَعْلِيمُ أهْلِ المَحَبَّةِ أنْ يَتْرُكُوا ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الأطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ واللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو الكَعْبَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَظاهِرِ لَهُ تَعالى حَتّى قالُوا: إنَّها لِلْمُحَمِّدِيِينَ كالشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( ﴿مُبارَكًا﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ ذاتِهِ ( ﴿وهُدًى﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ ( ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ ) عَلى حَسْبِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّضا والتَّسْلِيمِ والِانْبِساطِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ والخُلَّةِ والفُتُوَّةِ، أوِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والفَناءِ والبَقاءِ والسُّكْرِ والصَّحْوِ، أوْ جَمِيعِ ذَلِكَ. ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِن غَوائِلِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَقامُ التَّمْكِينِ ( وتَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الأنْفُسِ ) أنَّ البَيْتَ إشارَةٌ إلى القَلْبِ الحَقِيقِيِّ، ويُحْمَلُ ما ورَدَ أنَّ البَيْتَ أوَّلُ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وخُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى وجْهِ الماءِ فَدَحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ عَلى ذَلِكَ، وظُهُورُهُ عَلى الماءِ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُهُ بِالنُّطْفَةِ عِنْدَ خَلْقِ سَماءِ الرُّوحِ الحَيَوانِ وأرْضِ البَدَنِ، وخَلْقُهُ قَبْلَ الأرْضِ إشارَةٌ إلى قِدَمِهِ وحُدُوثِ البَدَنِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِألْفَيْ عامٍ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِهِ عَلى البَدَنِ بِطَوْرَيْنِ طَوْرِ النَّفْسِ وطَوْرِ القَلْبِ تَقَدُّمًا بِالرُّتْبَةِ، إذِ الألْفُ رُتْبَةٌ تامَّةٌ، وكَوْنُهُ زُبْدَةً بَيْضاءَ إشارَةً إلى صَفاءِ جَوْهَرِهِ، ودَحْوُ الأرْضِ تَحْتَهُ إشارَةً إلى تَكَوُّنِ البَدَنِ مِن تَأْثِيرِهِ، وكَوْنِ أشْكالِهِ وصُوَرِ أعْضائِهِ تابِعَةً لِهَيْئاتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مَحَلَّ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ واتِّصالِ القَلْبِ الحَقِيقِيِّ بِهِ أوَّلًا هو القَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ وهو أوَّلُ ما يَتَكَوَّنُ مِنَ الأعْضاءِ، وأوَّلُ عُضْوٍ يَتَحَرَّكُ، وآخِرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ، فَيَكُونُ صفحة 31 ﴿أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الصَّدْرُ صُورَةٌ، أوْ أوَّلُ مُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لَهم لِلْقَلْبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو بِبَكَّةَ الصَّدْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ مَقامٍ في النَّفْسِ ومَوْضِعِ ازْدِحامِ القُوى إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُبارَكًا ) أنَّهُ ذُو بَرَكَةٍ إلَهِيَّةٍ بِسَبَبِ فَيْضِ الخَيْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ ( هُدًى ) أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى –والآياتُ - الَّتِي فِيهِ هي العُلُومُ والمَعارِفُ والحِكَمُ والحَقائِقُ، و﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مَقامُ قَدَمِ إبْراهِيمَ الرُّوحِ يَعْنِي مَحَلَّ اتِّصالِ نُورِهِ مِنَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنْ مَن دَخَلَ ذَلِكَ ( كانَ آمِنًا ) مِن أعْداءِ سِعالى المُتَخَيَّلَةِ وعَفارِيتِ أحادِيثِ النَّفْسِ واخْتِطافِ شَياطِينِ الوَهْمِ وجِنِّ الخَيالاتِ واغْتِيالِ سِباعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وصِفاتِها. ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ وهم أهْلُ مَعْرِفَتِهِ عَزِّ شَأْنُهُ، وأمّا الجاهِلُونَ بِهِ فَلا قامُوا ولا قَعَدُوا، يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلشِّبْلِيِّ: إنِّي حَجَجْتُ فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: اغْتَسَلْتُ وأحْرَمْتُ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ولَبَّيْتُ، فَقالَ لِي: عَقَدْتَ بِهِ الحَجَّ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدْتَ مُنْذُ خُلِقْتَ مِمّا يُضادُّ هَذا العَقْدَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَما عَقَدْتَ، ثُمَّ قالَ: نَزَعْتَ ثِيابَكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: تَجَرَّدْتَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما نَزَعْتَ، فَقالَ: تَطَهَّرْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أزَلْتَ عَنَّكَ كُلَّ عِلَّةٍ ؟ فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَما تَطَهَّرْتَ، قالَ: لَبَّيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: وجَدْتَ جَوابَ التَّلْبِيَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما لَبَّيْتَ، قالَ: دَخَلْتَ الحَرَمَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: اعْتَقَدْتَ بِدُخُولِكَ تَرْكَ كُلِّ مُحَرَّمٍ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: أشْرَفْتَ عَلى مَكَّةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: أشْرَفَ عَلَيْكَ حالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما أشْرَفْتَ. قالَ: دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: دَخَلْتَ الحَضْرَةَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ، قالَ: رَأيْتَ الكَعْبَةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ ما قَصَدْتَ لَهُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَأيْتَ الكَعْبَةَ، قالَ: رَمَلْتَ وسَعَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبْتَ مِنَ الدُّنْيا ووَجَدْتَ أمْنًا مِمّا هَرَبْتَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما فَعَلْتَ شَيْئًا، قالَ: صافَحْتَ الحَجَرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: مَن صافَحَ الحَجَرَ فَقَدْ صافَحَ الحَقَّ، ومَن صافَحَ الحَقَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ الأمْنِ أفَظَهَرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما صافَحْتَ، قالَ: أصْلَيْتَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أوَجَدْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما صَلَّيْتَ، قالَ: خَرَجْتَ إلى الصَّفا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أكَبَّرْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقالَ: أصَفا سِرُّكَ وصَغُرَتْ في عَيْنِكَ الأكْوانُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ ولا كَبَّرْتَ، قالَ: هَرْوَلْتَ في سَعْيِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبَتْ مِنهُ إلَيْهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما هَرْوَلْتَ، قالَ: وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ نُزُولَ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ وأنْتَ عَلَيْها ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ، قالَ: خَرَجْتَ إلى مِنًى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أعْطَيْتَ ما تَمَنَّيْتَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ، قالَ: دَخَلْتَ مَسْجِدَ الخَيْفِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: تَجَدَّدَ لَكَ خَوْفٌ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: مَضَيْتَ إلى عَرَفاتٍ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَرَفْتَ الحالَ الَّذِي خُلِقْتَ لَهُ والحالَ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ ؟ وهَلْ عَرَفْتَ مَن رَبَّكَ ما كُنْتَ مُنْكِرًا لَهُ ؟ وهَلْ تَعْرِفُ الحَقَّ إلَيْكَ بِشَيْءٍ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما مَضَيْتَ، قالَ: نَفَرْتَ إلى المَشْعَرِ الحَرامِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ ذِكْرًا أنْساكَ ذِكْرَ ما سِواهُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما نَفَرْتَ، قالَ: ذَبَحْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أفْنَيْتَ شَهَواتِكَ وإراداتِكَ في رِضاءِ الحَقِّ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما ذَبَحْتَ، قالَ: رَمَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَمَيْتَ جَهْلَكَ مِنكَ بِزِيادَةِ عِلْمٍ ظَهَرَ عَلَيْكَ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَمَيْتَ، قالَ: زُرْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: كُوشِفْتَ عَنِ الحَقائِقِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما زُرْتَ، قالَ: أحْلَلْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَزَمْتَ عَلى الأكْلِ مِنَ الحَلالِ قَدْرَ ما تَحْفَظُ بِهِ نَفْسَكَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: ما أحْلَلْتَ، قالَ: ودَّعْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: خَرَجْتَ مِن نَفْسِكَ ورُوحِكَ بِالكُلِّيَّةِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ما ودَّعْتَ ولا حَجَجْتَ وعَلَيْكَ العَوْدُ إنْ أحْبَبْتَ وإذا حَجَجْتَ فاجْتَهِدْ أنْ تَكُونَ كَما وصَفْتُ لَكَ انْتَهى. صفحة 32 فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الشِّبْلِيُّ هو الحَجُّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ حَجٌّ، ولِلَّهِ تَعالى عِبادٌ أهَّلَهم لِذَلِكَ وأقْدَرَهم عَلى السُّلُوكِ في هاتِيكَ المَسالِكِ فَحَجُّهم في الحَقِيقَةِ مِنهُ إلَيْهِ ولَهُ فِيهِ، فَمَطافُهم حَظائِرُ القَرْيَةِ عَلى بِساطِ الحِشْمَةِ ومَوْقِفُهم عَرَفَةُ العِرْفانِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ، لَيْسَ لَهم غَرَضٌ في الجُدْرانِ والأحْجارِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ ما غَرَضُ المَجْنُونِ مِنَ الدِّيارِ إلّا الدِّيارُ، ومِن كَفَرَ وأعْرَضَ عَنِ المَوْلى بِهَوى النَّفْسِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَهو سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ. ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ إذْ هو أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالإنْكارِ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ بِإيرادِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ عالِمُونَ بِأنَّها حَقٌّ لا اعْوِجاجَ فِيها ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ خَوْفًا مِن إنْكارِهِمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِيقَةِ والطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ الرّاسِخِ فِيكم ﴿كافِرِينَ﴾ لِأنَّ إنْكارَ الحَقِيقَةِ كُفْرٌ كَإنْكارِ الشَّرِيعَةِ، ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ مَن يَعْتَصِمْ بِهِ مِنهُ فَقَدَ اهْتَدى إلَيْهِ بِهِ، قالَ الواسِطِيُّ: ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ بِهِ مِن غَيْرِهِ فَقَدْ جَهِلَ عَظَمَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وحَقِيقَةُ الِاعْتِصامِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْجِذابُ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هي الأصْنامُ المَعْنَوِيَّةُ والتَّبَرِّي إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: الِاعْتِصامُ لِلْمُحِبِّينَ هو اللَّجَأُ بِطَرْحِ السَّوِيِّ، ولِأهْلِ الحَقائِقِ رَفْعُ الِاعْتِصامِ لِمُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بِصَوْنِ العُهُودِ وحِفْظِ الحُدُودِ والخُمُودِ تَحْتَ جَرَيانِ القَضاءِ بِنَعْتِ الرِّضا، وقِيلَ: حَقُّ التَّقْوى عَدَمُ رُؤْيَةِ التَّقْوى ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ لا تَمُوتُنَّ إلّا عَلى حالِ إسْلامِ الوُجُودِ لَهُ أيْ لِيَكُنْ مَوْتُكم هو الفَناءَ في التَّوْحِيدِ. ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو عَهْدُهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى العِبادِ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ بِاخْتِلافِ الأهْواءِ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ المُفِيدِ لِلْمَحَبَّةِ في القُلُوبِ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ لِاحْتِجابِكم بِالحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ والغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِالتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى لِتَنَوُّرِها بِنُورِهِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾ عَلَيْكم ﴿إخْوانًا﴾ في الدِّينِ ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ وهي مَهْوى الطَّبِيعَةِ الفاسِقَةِ وجَهَنَّمُ الحِرْمانِ ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ بِالتَّواصُلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَكم إلى سِدْرَةِ مَقامِ الرُّوحِ ورُوحِ جَنَّةِ الذّاتِ. ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ كالعُلَماءِ العارِفِينَ أرْبابِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أيْ يُرْشِدُونَ النّاسَ إلى الكَمالِ المُطْلَقِ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَعالى والوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ المُقَرَّبِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ المُبْعِدِ عَنْهُ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ لَهم حِجابٌ وهم خُلَفاءُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ. ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ واتَّبَعُوا الأهْواءَ والبِدَعَ ﴿واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلِاتِّحادِ واتِّفاقِ الكَلِمَةِ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ مِنَ الحَضْرَةِ. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قالُوا: ابْيِضاضُ الوَجْهِ عِبارَةٌ عَنْ تَنَوُّرِ وجْهِ القَلْبِ بِنُورِ الحَقِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ النَّفْسانِيَّةِ المُظْلِمَةِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، واسْوِدادُهُ ظُلْمَةُ وجْهِ القَلْبِ بِالإقْبالِ عَلى النَّفْسِ الطّالِبَةِ لِحُظُوظِها والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ النُّورانِيَّةِ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فَيُقالُ لَهم ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ أيِ احْتَجَبْتُمْ عَنِ الحَقِّ بِصِفاتِ النَّفْسِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ تَنَوُرِّكم بِنُورِ الِاسْتِعْدادِ وصَفاءِ الفِطْرَةِ وهِدايَةِ العَقْلِ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ عَنِ الحَقِّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِهِ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الخاصَّةِ الَّتِي هي شُهُودُ الجَمالِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ باقُونَ بَعْدَ الفَناءِ. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ مِن مَكانِ الأزَلِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ لِنَفْعِهِمْ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ المُوصِلِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ ﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ وهو القَوْلُ بِتَحَقُّقِ الكَثْرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ. ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ كَإيمانِكم صفحة 33 ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا هم عَلَيْهِ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَإيمانِكم ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ الخارِجُونَ عَنْ حَرَمِ الحَقِّ. ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ وهو الإنْكارُ عَلَيْكم بِالقَوْلِ ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ الإيذاءِ ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ ولا يَنالُونَ مِنكم شَيْئًا لِقُوَّةِ بَواطِنِكم وضَعْفِهِمْ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ لا يَنْصُرُهم أحَدٌ أصْلًا بَلْ يَبْقُونَ مَخْذُولِينَ لِعَدَمِ ظُهُورِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

آل عمران 3:113

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أخَرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِن يَهُودَ مَعَهم فَآمَنُوا وصَدَّقُوا ورَغِبُوا في الإسْلامِ، قالَتْ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ الكُفْرِ مِنهم: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وتَبِعَهُ إلّا أشْرارُنا، ولَوْ كانُوا مِن خِيارِنا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ وذَهَبُوا إلى غَيْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ تَمْهِيدٌ لِتَعْدادِ مَحاسِنِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعًا لا لِلْفاسِقِينَ خاصَّةً وهو اسْمُ – لَيْسَ - و( سَواءً ) خَبَرُهُ، وإنَّما أُفْرِدَ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ مَصْدَرًا، والوَقْفُ هُنا تامٌّ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ بِنَفْيِ المُساواةِ نَفْيُ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِالقَبائِحِ لا نَفْيَ المُساواةِ في الِاتِّصافِ بِمَراتِبِها مَعَ تَحَقُّقِ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ التَّساوِي ومُزِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ مَعَ الأوَّلِ كَلامٌ واحِدٌ، وجَعَلَ ( أُمَّةٌ ) اسْمَ - لَيْسَ - والخَبَرُ ( سَواءً ) فَهو عَلى حَدِّ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقِيلَ: ( أُمَّةٌ ) مَرْفُوعٌ – بِسَواءً - وضَعْفُ كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ، ووَضْعُ ( أهْلِ الكِتابِ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِمْ والِاعْتِناءِ بِهِمْ – والقائِمَةُ - مِن قامَ اللّازِمِ بِمَعْنى اسْتَقامَ أيْ ( أُمَّةٌ ) مُسْتَقِيمَةٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثابِتَةٌ عَلى أمْرِهِ لَمْ تَنْزِعْ عَنْهُ وتَتْرُكْهُ كَما تَرَكَهُ الآخَرُونَ وضَيَّعُوهُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ ذُو أُمَّةٍ قائِمَةٍ أيْ ذُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ( أهْل الكِتابِ ) عامًّا لِلْيَهُودِ والنَّصارى، وعُدَّ مِنَ الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ نَحْوِ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ النَّصارى ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ بَعْدَ وصْفِها بِقائِمَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( قائِمَةٌ ) أوْ مِنَ الأُمَّةِ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبْرًا عَنْها، والمُرادُ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتِهِ، وواحِدُهُ أنى بِوَزْنِ عَصا، وقِيلَ: أنى كَمَعا، وقِيلَ: أنى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ، وحَكى الأخْفَشُ أنْوٌ كَجَرْوٍ؛ فالهَمْزَةُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ أوْ واوٍ وهو مُتَعَلِّقٌ - بِيَتْلُونَ – أوْ بِـ (قائِمَةٌ) – ومَنَعَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِالثّانِي بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَلا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الصِّفَةِ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ( 311 ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتْلُونَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ وهم يُصَلُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا قِراءَةَ في السُّجُودِ وكَذا الرُّكُوعُ بَلْ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها فِيهِما كَما في الخَبَرِ، والمُرادُ بِصَلاتِهِمْ هَذِهِ التَّهَجُّدُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وعُلِّلَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في المَدْحِ وفِيهِ تَتَيَسَّرُ لَهُمُ التِّلاوَةُ؛ لِأنَّها في المَكْتُوبَةِ وظِيفَةُ الإمامِ، واعْتِبارُ حالِهِمْ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلى الِانْفِرادِ يَأْباهُ مَقامُ المَدْحِ وهو الأنْسَبُ بِالعُدُولِ عَنْ إيرادِها بِاسْمِ الجِنْسِ المُتَبادِرِ مِنهُ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ وقْتِها بِالآناءِ المُبْهَمَةِ، وإنَّما لَمْ يُعَبِّرْ عَلى هَذا بِالتَّهَجُّدِ دَفْعًا لِاحْتِمالِ المَعْنى صفحة 34 اللُّغَوِيِّ الَّذِي لا مَدْحَ فِيهِ، والَّذِي عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّها صَلاةُ العَتَمَةِ. واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِ حَسَنٍ، واللَّفْظُ لِلْأخِيرَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أما إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ: وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾» وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ يَتْلُونَ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، ويَكُونُ المَدْحُ لَهم بِذَلِكَ لِتَمَيُّزِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِتِلْكَ الصَّلاةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي لَمْ يَتَشَرَّفُ بِأدائِها أهْلُ الكِتابِ كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ، بَلْ ولا سائِرُ الأُمَمِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ، وأنَّهُ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ هُنَيْهَةٌ أوْ ساعَةٌ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: أما إنَّكم لَنْ تَزالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها ثُمَّ قالَ: أما إنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلِّها أحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ»، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ هَذا الحُكْمِ عَلى الحُكْمِ بِالإيمانِ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التِّلاوَةَ لا تَتَيَسَّرُ لَهم إلّا بِصَلاتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، ولا تُمْدَحُ في الِانْفِرادِ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الواقِعِ مِن حالِ القَوْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الخِبْرانِ لِأنَّهُ لَمْ تُقَيَّدِ التِّلاوَةُ فِيهِ بِالصَّلاةِ، وإنَّما يَلْزَمُ التَّقْيِيدَ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ كَما سَبَقَ ولَيْسَ فَلَيْسَ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالسُّجُودِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ الخُضُوعِ وهو سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَن طَلَبَ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ رَفِيقَهُ في الجَنَّةِ؛ لِفَرْطِ حُبِّهِ لَهُ وخَوْفِ حَيْلُولَةِ الفِراقِ يَوْمَ القِيامَةِ «أعْنِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، وكَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلاةُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ وهي المُسَمّاةُ بِصَلاةِ الغَفْلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ، وقِيلَ: الخُضُوعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واخْتِيرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُرِّرَ الإسْنادُ تَقْوِيَةً لِلْحُكْمِ وتَأْكِيدًا لَهُ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.

آل عمران 3:114

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُمَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها وإنْ شِئْتَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ: اسْتَأْنَفَتْها، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ الآخِرَ بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِسائِرِ اليَهُودِ فِيما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مُشارَكَتَهم لَهم فِيهِ لِأنَّهم يَدَّعُونَ أيْضًا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ( ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ) وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمُ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُصْطَفَوِيَّةِ جُعِلَ هو والعَدَمُ سَواءً ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ إشارَةٌ إلى وُفُورِ نَصِيبِهِمْ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ الإشارَةِ إلى وُفُورِهِ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ النَّفْسِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُداهِنِينَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ خَوْفَ الفَواتِ بِالمَوْتِ مَثَلًا، أوْ يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ راغِبِينَ فِيها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ لِعِلْمِهِمْ بِجَلالَةِ مَوْقِعِها وحُسْنِ عاقِبَتِها، وهَذِهِ صِفَةٌ جامِعَةٌ لِفُنُونِ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، وفي ذِكْرِها تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ وتَثاقُلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ المُسارِعَةِ المُبادَرَةُ وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعَجَلَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ السُّرْعَةِ، فَإنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيما يَجُوزُ أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهي مَحْمُودَةٌ وضِدُّها الإبْطاءُ وهو مَذْمُومٌ، والعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ صفحة 35 وهِيَ مَذْمُومَةٌ وضِدَّها الأناةُ وهي مَحْمُودَةٌ، وإيثارُ ( في ) عَلى – إلى - وكَثِيرًا ما تَتَعَدّى المُسارِعَةُ بِها لِلْإيذانِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ لا أنَّهم خارِجُونَ مُنْتَهُونَ إلَيْها؛ وصِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ هُنا تُغْنِي عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ كَما لا يَخْفى. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيَّةِ الشَّأْنِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن عِدادِ الَّذِينَ صَلَحَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حالُهم، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِهِ آلا شِرارُنا. وقَدْ ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّ في الآيَةِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ ومِنهم مَن لَيْسُوا كَذَلِكَ.

آل عمران 3:115

﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ طاعَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ أوْ سارِيَةٍ ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ يُحْرَمُوا ثَوابَهُ البَتَّةَ، وأصِلُ الكُفْرِ السَّتْرُ، ولِتَفْسِيرِهِ بِما ذَكَرْنا تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والخِطابُ قِيلَ: لِهَذِهِ الأُمَّةِ وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وجَمِيعُ ما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ التِفاتٌ؛ ونُكْتَتُهُ الخاصَّةُ هُنا الإشارَةُ إلى أنَّهم لِاتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ المَزايا أهْلٌ لِأنَّ يُخاطَبُوا، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ بِالياءِ في الفِعْلَيْنِ، والباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما غَيْرُ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِهِما، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ ما أُرِيدَ مِن نَظائِرِهِ فِيما قَبْلُ، ويَكُونُ الكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ العُدُولُ إلى الغَيْبَةِ مُراعاةً لِلْأُمَّةِ كَما رُوعِيَتْ أوَّلًا في التَّعْبِيرِ –بِأُخْرِجَتْ - دُونَ أُخْرِجْتُمْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ( 511 ) أيْ بِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ وهَذا تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا عامٌّ ويَدْخُلُ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا خاصٌّ بِالمُتَقَدِّمِينَ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانٌ بِالعِلَّةِ، وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:

آل عمران 3:116

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ ولِهَذا فَصْلٌ. والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا سائِرُ الكُفّارِ فَإنَّهم فاخَرُوا بِالأمْوالِ والأوْلادِ حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما تَرى عَلَيْهِمْ، وإمّا بَنُو قُرَيْظَةَ وبَنُو النَّضِيرِ حَيْثُ كانَتْ مُعالَجَتُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ( وقِيلَ: وقِيلَ: ) ولَعَلَّ مِن أدْعى العُمُومِ - وهو الظّاهِرُ - قالَ: بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ الإغْناءِ الدَّفْعُ، ويُقالُ: أغْنى عَنْهُ إذا دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا لَوْلاهُ لَنَزَلَ بِهِ، أيْ لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْوالُهُمُ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها في المُهِمّاتِ ولا مَن هو أرْجى مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ عِنْدَهم وهم أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى لَهم شَيْئًا يَسِيرًا مِنهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالإغْناءِ الإجْزاءُ، ويُقالُ: ما يُغْنِي عَنْكَ هَذا أيْ ما يُجْزِي عَنْكَ وما يَنْفَعُكَ، و( مِن ) لِلْبَدَلِ أوِ الِابْتِداءِ، و( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لَنْ يُجْزِيَ عَنْهم ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإجْزاءِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْإغْناءِ وجَعْلِ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيًّا لَهُ دُونَهُ يُقالُ بِالتَّضْمِينِ، وأمْرُ المَفْعُولِيَّةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمُوها وهو مَعْنى الأصْحابِ عُرْفًا. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ ( 611 ) تَأْكِيدٌ لِما يُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلى، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِالدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، صفحة 36 وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُحافَظَةً عَلى رُؤْسِ الآيِ.

آل عمران 3:117

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كالدَّلِيلِ لِعَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ، ولَعَلَّ عَدَمَ بَيانِ إغْناءِ الأوْلادِ ظاهِرٌ لِأنَّهم إنْ كانُوا كُفّارًا - وهو الظّاهِرُ - كانَ حُكْمُهم حُكْمَهم وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ كانُوا عَلَيْهِمْ لا لَهم في الدُّنْيا، وبُغْضُهم لَهم في الآخِرَةِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾، و﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وتَبِرِّيهِمْ مِنهم حِينَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أُمِّهِ وأبِيهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُنْفِقُونَهُ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ تَمْثِيلُ جَمِيعِ صَدَقاتِ الكُفّارِ ونَفَقاتِهِمْ كَيْفَ كانَتْ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ - وقِيلَ: مَثَلٌ لِما يُنْفِقُهُ الكُفّارُ مُطْلَقًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ لَمّا تَظاهَرُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ سِفْلَةُ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ أيْ حالَ ذَلِكَ وقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصِّرُّ صَوْتُ لَهِيبِ النّارِ وقَدْ كانَتْ في تِلْكَ الرِّيحِ، وقِيلَ: أصْلُ الصِّرُّ كالصَّرْصَرِ؛ الرِّيحُ البارِدَةُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنى النَّظْمِ رِيحٌ فِيها رِيحٌ بارِدَةٌ، وهو كَما تَرى مُحْتاجٌ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ وارِدٌ عَلى التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ولَوْلا ذاكَ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْرِي وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ أيْ هو كافٍ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَهُ في الأصْلِ الرِّيحَ البارِدَةَ وإنَّما هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البَرْدِ كَما قالَ الحَبْرُ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ ولَيْسَ بِمُرادٍ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى بارِدٍ إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ أيْ بَرْدٌ بارِدٌ فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ - وفِيهِ بُعْدٌ - لَأنَّ المَعْرُوفَ في مِثْلِهِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ، وأمّا حَذْفُهُ وتَقْدِيرُهُ فَلَمْ يُعْهَدْ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ صَوْتُ الرِّيحِ البارِدَةِ مِن صَرِّ القَلَمِ والبابِ صَرِيرًا إذا صَوَّتَ، أوْ مِنَ الصَّرَّةِ الضَّجَّةِ والصَّيْحَةِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا عَلى أصْلِهِ، وفِيهِ أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا لَمْ يُعْهَدْ في الِاسْتِعْمالِ، والرِّيحُ واحِدَةُ الرِّياحِ، وفي الصِّحاحِ والأرْياحِ، وقَدْ تُجْمَعُ عَلى أرْواحٍ لِأنَّ أصْلَها الواوُ، وإنَّما جاءَتْ بِالياءِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَإذا رَجَعُوا إلى الفَتْحِ عادَتْ إلى الواوِ كَقَوْلِكَ: أرْوَحَ الماءُ وتَرَوَّحَتْ بِالمِرْوَحَةِ، ويُقالُ أيْضًا: رِيحٌ ورِيحَةٌ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ مِنَ الكَلامِ في هَذا المُقامِ، وأفْرَدَ الرِّيحَ لِما في البَحْرِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، والجَمْعُ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا. ﴿أصابَتْ حَرْثَ﴾ أيْ زَرْعَ. ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِما قِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأفْظَعُ أوْ لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو إنَّما يَكُونُ في هَلاكِ مالِ الكافِرِ، وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُثابُ عَلى ما هَلَكَ لَهُ لِصَبْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزِّراعَةِ وفي غَيْرِ وقْتِها ( ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ ) عَنْ آخِرِهِ ولَمْ تَدَعْ لَهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عُقُوبَةً لَهم عَلى مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ: تَأْدِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي هو حَقُّهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الزُّبْدَةُ مِنَ الخُلاصَةِ والمَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ما يَلِي الأداةُ هو المُشَبَّهُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: كَمَثَلِ حَرْثٍ لِأنَّهُ المُشَبَّهُ بِهِ المُنْفَقُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِثْلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمِثْلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ مِثْلِ ما يُنْفِقُونَ كَمَهْلَكِ رِيحٍ، والمَهْلَكُ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الحَرْثُ، والوَجْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا قِلَّةُ الجَدْوى والضَّياعُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَيُشَبَّهُ إهْلاكُ اللَّهِ تَعالى بِإهْلاكِ الرِّيحِ، والمُنْفَقِ صفحة 37 بِالحَرْثِ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا بِما في الرِّيحِ البارِدَةِ مِن جَعْلِهِ حُطامًا، وقُرِئَ - تُنْفِقُونَ - بِالتّاءِ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُنْفِقِينَ أيْ ما ظَلَمَهم بِضَياعِ نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ المُعْتَدِّ بِهِ، وإمّا لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ أيْ ما ظَلَمَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( 711 ) تَأْكِيدًا لِما فُهِمَ مِن قَبْلُ إشْعارًا وتَصْرِيحًا، وقُرِئَ ( ولَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أنْفُسَهُمُ اسْمُها، وجُمْلَةَ ( يَظْلِمُونَ ) خَبَرُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يَظْلِمُونَها ولَيْسَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا كَما في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقُ وتَعَيَّنَ حَذْفُهُ فِيهِ لِمَكانِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي لا تَدْخُلُ عَلَيْها النَّواسِخُ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى الفِعْلِ لِلْفاصِلَةِ لا لِلْحَصْرِ وإلّا لا يَتَطابَقُ الكَلامُ لِأنَّ مُقْتَضاهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ هم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا أنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا غَيْرَهم وهو في الحَصْرِ لازِمٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.

آل عمران 3:118

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مَن يَهُودَ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الجِوارِ والحِلْفِ في الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ يَنْهاهم عَنْ مُباطَنَتِهِمْ تُخَوِّفُ الفِتْنَةَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، نُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَتَوَلَّوْهم، وظاهِرُ ما يَأْتِي يُؤَيِّدُهُ، والبِطانَةُ خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ أمْرَهُ مَأْخُوذٌ مِن بِطانَةِ الثَّوْبِ لِلْوَجْهِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ لِقُرْبِهِ وهي نَقِيضُ الظِّهارَةِ ويُسَمّى بِها الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لا تَتَّخِذُوا ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبِطانَةٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، و–دُونَ - إمّا بِمَعْنى غَيْرِ أوْ بِمَعْنى الأدْوَنِ والدَّنِيءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى ( لا تَتَّخِذُوا ) الكافِرِينَ كاليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْلِياءَ وخَواصَّ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ مَنزِلَتُهُ مَنزِلَتَكم في الشَّرَفِ والدِّيانَةِ، والحُكْمُ عامٌّ، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ خاصًّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُخالِفِ ولِيًّا مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ والفَسادِ، ولِهَذا ورَدَ تَفْسِيرُ هَذِهِ البِطانَةِ بِالخَوارِجِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا، ولا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: نَعَمْ لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا تَسْتَسِرُّوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكم، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أصْلُ الألْوِ التَّقْصِيرُ يُقالُ: ألا كَغَزا يَأْلُو ألْوًا إذا قَصَّرَ وفَتَرَ وضَعُفَ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وما المَرْءُ ما دامَتْ حَشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكٍ أطْرافَ الخُطُوبِ ولا (آلى) أرادَ ولا مُقَصِّرٌ في الطَّلَبِ وهو لازِمٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالحَرْفِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أيْ لا أمْنَعُكَ ذَلِكَ، وقَدْ يُجْعَلُ بِمَنعِ التَّرْكِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وفي القامُوسِ: ما ألَوْتَ الشَّيْءَ أيْ ما تَرَكْتَهُ، والخَبالُ في الأصْلِ الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرابًا كالمَرَضِ والجُنُونِ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الشَّرِّ والفَسادِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ والشَّرِّ بَلْ يَجْهَدُونَ في مَضَرَّتِكم، وعَلَيْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ مَنصُوبَيْنِ بِنَزْعِ الخافِضِ صفحة 38 وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الثّانِي مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ مُخْبَلِينَ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا إبْهامَ في نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ إلى الفاعِلِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ فاعِلًا إلّا عَلى اعْتِبارِ الإسْنادِ المَجازِيِّ والنَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، ووُقُوعُ المَصْدَرِ حالًا لَيْسَ بِقِياسٍ إلّا فِيما يَكُونُ المَصْدَرُ نَوْعًا مِنَ العامِلِ نَحْوَ أتانِي سُرْعَةً وبُطْئًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، واعْتَمَدَهُ السَّيالَكُوتِي، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّمْيِيزَ هُنا مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ نَحْوَ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ فَمِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ لِيُحَوَّلَ عَنْهُ ؟! ومُلاحَظَةُ تَعِدِّيهِ إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ الحَرْفِ قَوْلٌ بِالنَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ. وأُجِيبَ بِالتِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الحالِيَّةِ أوْ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى النَّزْعِ مَعَ القَوْلِ بِالسَّماعِ هُنا والمَعْنى عَلى الثّانِي لا يَمْنَعُونَكم خَبالًا أيْ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَكم ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ، ولا يُبْقُونَ عِنْدَهم شَيْئًا مِنهُ في حَقِّكم وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والتَّضْمِينُ قِياسِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ والخِلافُ فِيهِ واهٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والمَعْنى والإعْرابُ عَلى الثّالِثِ ظاهِرانِ بَعْدَ الإحاطَةِ بِما تَقَدَّمَ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ أحَبُّوا عَنَتَكم أيْ مَشَقَّتَكُمُ الشَّدِيدَةَ وضَرَرَكم. وقالَ السُّدِّيُّ: تَمَنَّوْا ضَلالَتَكم عَنْ دِينِكم، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ ظَهَرَتْ أماراتُ العَداوَةِ لَكم مِن فَلَتاتِ ألْسِنَتِهِمْ وفَحْوى كَلِماتِهِمْ لِأنَّهم لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَكم لا يَمْلِكُونَ أنْفُسَهم ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَحْفَظُوا ألْسِنَتَهم، وقالَ قَتادَةُ: ظُهُورُ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم حَيْثُ أبْدى كُلٌّ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى بُغْضِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِأخِيهِ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يُناسِبُهُ ما بَعْدَهُ، والأفْواهُ جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ، فَلامُهُ هاءٌ، والجُمُوعُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا تَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ بَدا البَغْضاءُ ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ مِنَ البَغْضاءِ ( ﴿أكْبَرُ﴾ ) أيْ أعْظَمُ مِمّا بَدا لِأنَّهُ كانَ عَنْ فَلْتَةٍ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ أظْهَرْنا لَكُمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ قَدْ أظْهَرْنا لَكُمُ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الوَلِيُّ مِنَ العَدُّوِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (811) أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الفَضْلَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُّوِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى ومَنافِعَها، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمَلَ ما عَدا ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ لِأنَّها حالٌ لا غَيْرَ جاءَتْ مُسْتَأْنَفاتٌ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنِ النَّهْيِ، وتَرْكُ العَطْفِ بَيْنَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعٍ النَّعْتِ – لِبِطانَةٍ - إلّا ( قَدْ بَيَّنّا ) لِظُهُورِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِما في الِاسْتِئْنافِ مِنَ الفَوائِدِ، وفي الصِّفاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ المَقْصُودِ أوْ إيهامِهِ لا أقَلَّ وهو تَقْيِيدُ النَّهْيِ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وما عَدا ذَلِكَ مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ بِأنْ يَكُونَ اللّاحِقُ عِلَّةً لِلسّابِقِ إلى أنْ تَكُونَ الأُولى عِلَّةً لِلنَّهْيِ، ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِالمَجْمُوعِ أيْ لا تَتَّخِذُوهم بِطانَةً لِأنَّهم لا يَأْلُونَكم خَبالًا لِأنَّهم يَوَدُّونَ شِدَّةَ ضَرَرِكم بِدَلِيلِ أنَّهم قَدْ تَبْدُو البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ، وإنْ كانُوا يُخْفُونَ الكَثِيرَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِنِ اسْتِثْناءِ ( قَدْ بَيَّنّا ) إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِبُدُوِّ البَغْضاءِ، ويَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ فافْهَمْ.

آل عمران 3:119

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ مُخْطِئُونَ في اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَذاهِبُ لِلنَّحْوِيِّينَ، فَقالَ الأزْهَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وجَماعَةٌ: إنَّ ( ها ) لِلتَّنْبِيهِ، و( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ صفحة 39 وجُمْلَةُ ( تُحِبُّونَهم ) خَبَرٌ، و( أُولاءِ ) مُنادى أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاخْتِصاصُ لا يَكُونُ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ و( أُولاءِ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قالَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن: ها أنا ذا أفْعَلُ، وها أنْتَ ذا تَفْعَلُ، تَعْرِيفُ نَفْسِكَ أوِ المُخاطَبِ، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ بَلِ اسْتِغْرابُ وُقُوعِ مَضْمُونِ وُقُوعِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لازِمَةٌ لِبَيانِ الحالِ المُسْتَغْرَبَةِ ولا مَحَلَّ لَها إذْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ ها أنْتَ ذا قائِلًا، والحالُ هَهُنا لازِمَةٌ لِأنَّ الفائِدَةَ مَعْقُودَةٌ بِها وبِها تَتِمُّ، والعامِلُ فِيها حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ. واعْتَرَضَهُ الرَّضِيُّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحالِ إذْ لَيْسَ المَعْنى أنْتَ المُشارُ إلَيْهِ في حالِ فِعْلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ ما قالَهُ البَصْرِيُّونَ هو الظّاهِرُ مِن كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: ها أنْتَ ذا قائِمًا فَصَرَّحُوا بِالحالِيَّةِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى الإخْبارِ بِالحالِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِبْعادِ، ومَدْلُولُ الضَّمِيرِ واسْمُ الإشارَةِ مُتَّحِدٌ، واعْتِبارُ مَعْنى الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ تَصْحِيحِ العَمَلِ لا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَحْثُ الرَّضِيُّ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، و( تُحِبُّونَهم ) في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و( أُولاءِ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وتُحِبُّونَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، وقِيلَ: إنَّ ( أُولاءِ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ ما بَعْدَهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: ( أُولاءِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ فاسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَأنَّهُ ازْدَرى بِهِمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ. والمُرادُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمُ المَحَبَّةُ العادِيَةُ النّاشِئَةُ مِن نَحْوِ الإحْسانِ والصَّداقَةِ، ومِثْلُها وإنْ كانَ غَرِيبًا يُلامُ عَلَيْهِ إذا وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَقِّ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمْ رَيْبَ المَنُونِ، لَكِنْ لا يَصِلُ إلى الكُفْرِ، وإنَّما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ لا يَكادُ يَقَعُ مِن أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ المُرادُ (تُحِبُّونَهُمْ) لِأنَّكم تُرِيدُونَ الإسْلامَ لَهم وتَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ، ولا يُحِبُّونَكم لِأنَّهم يُرِيدُونَ لَكُمُ الكُفْرَ والضَّلالَ وفي ذَلِكَ الهَلاكُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أيِ الجِنْسِ كُلِّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ أنْتَ الرَّجُلُ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ، ويَكُونُ الكِتابُ حِينَئِذٍ إشارَةً إلى القُرْآنِ تَعَسُّفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ( لا يُحِبُّونَكم ) واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ ولِهَذا تَأوَّلُوا - قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَيْهِ - عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَيْهِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ وإنْ جاءَ هُنا أيْ ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى تُحِبُّونَهم أُولى لِسَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ، وفِيهِ أنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ كُلِّهِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ، والحَمْلُ - عَلى أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ إيمانَهم كَلا إيمانٍ فَلا يُجامِعُ المُحِبَّةَ - سَدِيدٌ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ دُونَ العِطْفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ مِنَ الِاعْتِذارِ، والمَعْنى يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكم. ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا ﴿وإذا خَلَوْا﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿الأنامِلَ﴾ أيْ أطْرافَ الأصابِعِ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ لِأجْلِ الغَضَبِ والحَنَقِ لِما يَرَوْنَ مِنِ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ ونُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِحَيْثُ عَجَزَ أعْداؤُهم عَنْ أنْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلى التَّشَفِّي واضْطَرُّوا إلى مُداراتِهِمْ، وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ الأسِيفِ العاجِزِ، ولِهَذا أُشِيرَ بِهِ إلى حالِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هُناكَ عَضًّا بِالفِعْلِ صفحة 40 ( قُلْ ) يا مُحَمَّدُ بِلِسانِكَ، وقِيلَ: المُرادُ حَدِّثْ نَفْسَكَ بِإذْلالِهِمْ وإعْزازِ الإسْلامِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى عَداوَتِهِمْ وحَثٌّ لَهم عَلى خِطابِهِمْ خِطابَ الخُصَماءِ، فَإنَّهُ لا أقْطَعَ لِلْمَحَبَّةِ مِن جِراحَةِ اللِّسانِ، فالمَقْصُودُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ مُجَرَّدُ الخِطابِ بِما يُكْرِهُونَهُ، والصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهم أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ خَفاءٌ، إذْ لا يُخاطَبُ المَدْعُوُّ عَلَيْهِ بَلِ اللَّهُ تَعالى، ويُسْألُ مِنهُ ابْتِلاؤُهُ لا خَفاءَ في خَفائِهِ وأنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قاتَلَكَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلِهِمْ: دُمْ بِعِزٍّ، وبِتْ قَرِيرَ عَيْنٍ، وغَيْرِهِ مِمّا لا يُحْصى، والمُرادُ كَما قِيلَ: الدُّعاءُ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ، وهَذا عِنْدَ العَلّامَةِ الثّانِي مِن كِنايَةِ الكِنايَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِدُعاءِ مَوْتِهِمْ بِالغَيْظِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو دُعاءُ ازْدِيادِ غَيْظِهِمْ إلى حِينِ الهَلاكِ وبِهِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزُّ اسْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ أوِ ازْدِيادِهِ لَيْسَ مِمّا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ ويُدْعى بِهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَجازَ مَذْكُورٌ، وأمّا الكِنايَةُ عَلى الكِنايَةِ فَنادِرَةٌ وقَدْ صَرَّحَ بِها السُّبْكِيُّ في قَواعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ ونَقَلَ فِيها خِلافًا، ومَعَ هَذا الفَرْقِ بَيْنَ الكِنايَةِ بِالوَسائِطِ والكِنايَةِ عَلى الكِنايَةِ مِمّا يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ الصّادِقِ، ولَعَلَّهُ فَرْقٌ اعْتِبارِيٌّ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ إلَخْ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُحَسِّنُ لِذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَمِّهِمْ حَيْثُ إنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا المَوْتَ الفَظِيعَ والحالَ الشَّنِيعَ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (911) أيْ بِما خَفِيَ فِيها، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ أيْ قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ إذا خَلَوْتُمْ فَيُجازِي بِهِ، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ، أيْ قُلْ لَهم ما تَقَدَّمَ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَجُّبِ حِينَئِذٍ إمّا خارِجٌ مَخْرَجَ العادَةِ مَجازًا بِناءً عَلى أنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وإمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقِفُ عَلى هَذا الخِطابِ، فَلا إشْكالَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ في ذَلِكَ.

آل عمران 3:120

﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم كالأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ تُحْزِنْهم وتُغِظْهم ﴿وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ مِحْنَةٌ كَإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم واخْتِلافِ الكَلِمَةِ فِيما بَيْنَكم ﴿يَفْرَحُوا﴾ أيْ يَبْتَهِجُوا ( بِها ) وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ الحَسَدِ والشَّماتَةِ، والمَسُّ قِيلَ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ فَهُما هُنا بِمَعْنى، وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ وبِالإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأحْسَنُ والأنْسَبُ بِالمَقامِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِأنَّ المَسُّ أقَلُّ مِنَ الإصابَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرٍ نالَهم فَغَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثى لَهُ الشّامِتُ ويَرِقُّ الحاسِدُ فَغَيْرُهُ أوْلى، فَهم لا تُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟! والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ الخَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم خَيْرٌ قَلِيلٌ، وما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئَةِ بِالنِّسْبَةِ لِما يُقابَلُ بِهِ مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ عَظِيمٌ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى أذاهم أوْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ومَضَضِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْكم ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ صفحة 41 أيْ مَكْرُهم، وأصْلُ الكَيْدِ المَشَقَّةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمُّ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِاتِّباعِ ضَمَّةِ الضّادِ كَما في الأمْرِ المُضاعَفِ المَضْمُومِ العَيْنِ كَمُدَّ، والجَزْمُ مُقَدَّرٌ، وجَوَّزُوا في مَثَلِهِ الفَتْحَ لِلْخِفَّةِ والكَسْرِ لِأجْلِ تَحْرِيكِ السّاكِنِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ الفاءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ) مِنَ الضَّرَرِ لا كَثِيرًا ولا قَلِيلًا بِبَرَكَةِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِكَوْنِهِما مِن مَحاسِنِ الطّاعاتِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَن تَحَلّى بِذَلِكَ كانَ في كَنَفِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتِهِ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُ عَدُوٍّ، وقِيلَ: ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم ) لِأنَّهُ أحاطَ بِكم فَلَكُمُ الأجْرُ الجَزِيلُ، إنْ بَطَلَ فَهو النِّعْمَةُ الدُّنْيا فَأنْتُمْ لا تُحْرَمُونَ الحُسْنى عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكَيْدِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حاتِمٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى ( ﴿مُحِيطٌ﴾ ) عِلْمًا أوْ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ فَيُعاقِبُهم بِهِ أوْ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ.

آل عمران 3:121

﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ خَرَجْتَ غَدْوَةً ( ﴿مِن﴾ ) عِنْدِ ( ﴿أهْلِكَ﴾ ) والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وعَدَ مِنَ النَّجاةِ عَنْ مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ تُوطِنُهم قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: تُنْزِلُهم، وقِيلَ: تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ – لِلْمُؤْمِنِينَ - إذْ لَيْسَ مَحَلُّ التَّقْوِيَةِ والزِّيادَةِ غَيْرَ فَصِيحَةٍ ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواقِفَ ومَقاماتٍ لَهُ، وأصْلُ المَقْعَدِ والمَقامِ مَحَلُّ القُعُودِ والقِيامِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ بِطَرِيقِ المَجازِ عَلى المَكانِ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ وقُعُودٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن بِهِ كَقَوْلِهِمُ المَجْلِسُ السّامِيُّ والمَقامُ الكَرِيمُ، وجُمْلَةُ ( ﴿تُبَوِّئُ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( ﴿غَدَوْتَ﴾ ) ولِكَوْنِ المَقْصُودِ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِيًا وقاصِدًا لِلتَّبْوِئَةِ، و( مَقاعِدَ ) مَفْعُولٌ ثانٍ – لِتُبَوِّئُ - والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، ولا يَجُوزُ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَكانُ وهو لا يَعْمَلُ. رَوى ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى والحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِمْ، وكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الحَدِيثِ " «أنَّهُ لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ بَعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَتْ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم يَوْمَ بَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ أخْيارَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ بِهِ ثَأْرَنا بِمَن أصابَ مِنّا فَفَعَلُوا، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَرَجَتْ بِجِدِّها وجَدِيدِها وأحابِيشِها ومَن تابَعَها مِن بَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وخَرَجُوا مَعَهم بِالظَّعْنِ التِماسَ الحَفِيظَةِ وأنْ لا يَفِرُّوا، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ وهو قائِدُ النّاسِ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وخَرَجَ آخَرُونَ بِنِساءٍ أيْضًا، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِن قَناةٍ عَلى شَفِيرِ الوادِي مُقابِلَ المَدِينَةِ، فَلَمّا سَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي رَأيْتُ صفحة 42 بَقَرًا تُنْحَرُ، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا، ورَأيْتُ أنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدْعُوهم حَيْثُ نَزَلُوا، فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ، وإنْ هم دَخَلُوا عَلَيْنا قاتَلْناهم فِيها، وكانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرى رَأْيَهُ في ذَلِكَ أنْ لا يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ الخُرُوجَ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْرُهم مِمَّنْ كانَ فاتَهُ يَوْمُ بَدْرٍ: اخْرُجْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ إلى أعْدائِنا لا يَرَوْنَ أنا جَبُنّا عَنْهم وضَعُفْنا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ لا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ لَنا قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَدَعْهم، يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ كَما جاءُوا، فَلَمْ يَزَلِ النّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كانَ مِن أمْرِهِمْ حُبُّ لِقاءِ القَوْمِ حَتّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَةَ حَرْبِهِ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ نَدِمَ النّاسُ وقالُوا: اسْتَكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمْ يَكُنْ لَنا ذَلِكَ، فَإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ، فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِألْفٍ مِن أصْحابِهِ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ أنْ يَصْبِرُوا، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ حَتّى إذا كانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ انْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بِثُلُثِ النّاسِ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا أيُّها النّاسُ، فَرَجَعَ بِمَن تَبِعَهُ مِن قَوْمِهِ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ أخُو بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمِ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ تَعالى أنْ تَخْذُلُوا قَوْمَكم ونَبِيَّكم عِنْدَ ما حَضَرَ مِن عَدُوِّهِمْ، قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَما أسْلَمْناكم، ولَكِّنا لا نَرى أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وأبَوْا إلّا الِانْصِرافَ، قالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى أعْداءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْكم نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى سَلَكَ في حَرَّةِ بَنِي حارِثَةَ فَذَبَّ فَرَسٌ بِذَنَبِهِ فَأصابَ كُلابَ سَيْفٍ فاسْتَلَّهُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ يُحِبُّ الفَأْلَ ولا يَعْتافُ لِصاحِبِ السَّيْفِ: شُمَّ سَيْفَكَ فَإنِّي أرى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ اليَوْمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مِن عَدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وقالَ: لا يُقاتِلُ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وتَعَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقِتالِ ومَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القَدَحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ: تَأخَّرْ، وهو في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وهو مُعَلَّمٌ يَوْمَئِذَ بِثِيابٍ بِيضٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا وقالَ: انْضَحِ الخَيْلَ عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مَن خَلْفِنا إنْ كانَ عَلَيْنا أوْ لَنا فاثْبُتْ مَكانَكَ لا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلَكَ، وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وتَعَبَّأتْ قُرَيْشٌ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ فِيهِمْ مِائَتا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوها، ووَقَعَ القِتالُ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ وكانَ ما كانَ، وأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا اليَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ»، والقَوْلُ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ كَقَوْلِ مُقاتِلٍ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ الأحْزابِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ، ويَدْخُلُ ما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأقْوالِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَلِيمٌ﴾ (121) بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، ومِنها ما في ضَمائِرِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ، صفحة 43 والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ رَأوْا غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ: قَدْ غَنِمَ أصْحابُنا ونَبْقى نَحْنُ بِلا غَنِيمَةٍ وجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ رَجُلًا فَرَجُلًا حَتّى أخْلَوْا مَراكِزَهم ولَمْ يَبْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ سِوى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَ إيصاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِثُبُوتِهِمْ مَكانَهم.

آل عمران 3:122

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا – لِتُبَوِّئُ – أوْ – لِغَدَوْتَ – أوْ – لِسَمِيعٌ عَلِيمٌ - عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ أوْ لَهُما مَعًا في رَأْيٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ كَوْنِهِ سَمِيعًا عَلِيمًا بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ فِرْقَتانِ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَمَّتْ طائِفَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وطائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ تَضْعُفا وتَجْبُنا حِينَ رَأوُا انْخِذالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ مَن مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّتْ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ أيْ هَمَّتْ بِالفَشَلِ، وكانَ المُرادُ بِهِ هُنا لازِمَهُ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الهَمُّ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ عَلى مُخالَفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُفارَقَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنٍ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ حَدِيثِ نَفْسٍ ووَسْوَسَةٍ كَما في قَوْلِهِ: أقُولُ لَها إذا جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿هَمَّتْ﴾ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( ﴿تَفْشَلا﴾ ) مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( واللَّهُ ولِيُّهم ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى حَدِّ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ . ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ( 221 ) أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذَنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ والتَّعْلِيلِ وألْ في ( المُؤْمِنُونَ ) لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي هَذا العُنْوانِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّوَكُّلِ لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْ لِيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ جَلِيلِها وحَقِيرِها سَهْلِها وحَزَنِها.

آل عمران 3:123

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ بَيانٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى إثْرَ بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما، أوْ مُساقَةٌ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، وبَدْرٌ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ بِئْرٌ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وقالَ الواقِدِيُّ: اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وقِيلَ: لِلْوادِي وكانَتْ كَما قالَ عِكْرِمَةُ: مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ بَدْرًا ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ التَقى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُشْرِكُونَ، وكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والباءُ بِمَعْنى في؛ أيْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في بَدْرٍ، ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَصَرَكم ) و( أذِلَّةٌ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِذَلِيلٍ، واخْتِيرَ عَلى ذَلائِلَ لِيَدُلَّ عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ، والمُرادُ بِها عَدَمُ العُدَّةِ لا الذُّلُّ المَعْرُوفُ، فَلا يَشْكُلُ صفحة 44 دُخُولُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا الخِطابِ إنْ قُلْنا بِهِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ المَعْنى المَعْرُوفُ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في أعْيُنِ غَيْرِكم وإنْ كُنْتُمْ أعِزَّةً في أنْفُسِكم، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عَدَدِهِمْ وعَدَدِ المُشْرِكِينَ إذْ ذاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ والصَّبْرِ عَلى طاعَتِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ اكْتِفاءً بِما سَبَقَ وما لَحِقَ مَعَ الإشْعارِ - عَلى ما قِيلَ - بِشَرَفِ التَّقْوى وأصالَتِها وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيها اللّازِمَةِ لَها، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِها عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إعْلامٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ( 321 ) لَعَلَّكم تَقُومُونَ بِشُكْرِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ القَرِيبِ بِسَبَبِ تَقْواكم إيّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ نَيْلِ نِعْمَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الشُّكْرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَنالُونَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى فَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ومُسْتَعِدٌّ إيّاهُ.

آل عمران 3:124

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم، والمُرادُ بِهِ وقْتٌ مُمْتَدٌّ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وقِيلَ: بَدَلٌ ثانٍ مِن ( إذْ غَدَوْتَ ) وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِبَدْرٍ، وعَلى ذَلِكَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهم يَوْمَ بَدْرٍ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلَخْ، فَبَلَغَتْ كُرْزًا الهَزِيمَةُ فَلَمْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ القَوْلُ بِأُحُدٍ، وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ ولَمْ يُوجِدا مِنهم فَلَمْ يَمُدُّوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الحاجَةِ وفَوْقَها الغِنى بِناءً عَلى أنَّهُ الزِّيادَةُ عَلى نَفْيِ الحاجَةِ، والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ويُقالُ مَدَّ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وامْتَدَّ بِهِمُ السَّيْرُ إذا طالَ واسْتَمَرَّ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ما كانَ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ، يُقالُ فِيهِ أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ مَدًّا، وقِيلَ: يُقالُ: مَدَّهُ في الشَّرِّ وأمَدَّهُ في الخَيْرِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ لا يَكْفِيَهم ذَلِكَ، وأتى بِلَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ وتَقْوِيَةِ الإنْكارِ و﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فاعِلٌ بِيَكْفِيكم و( مِنَ المَلائِكَةِ ) بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، و( مُنْزِلِينَ ) صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَنَّ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وقَدْ أُنْزِلُوا عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وذَكَرَ سِرَّ ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ، وقُرِئَ ( مُنَزَّلِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْنى ( مُنْزِلِينَ ) الرُّعْبَ في قُلُوبِ أعْدائِكم أوِ النَّصْرَ لَكم، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ أُسْكِنَتْ في الشَّواذِّ، ووُقِفَ عَلَيْها بِإبْدالِها هاءً أيْضًا عَلى أنَّهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ فِيهِما، ويُضَعِّفُ ذَلِكَ أنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.

آل عمران 3:125

( ﴿بَلى﴾ ) إيجابٌ لِما بَعْدَ ( لَنْ ) أيْ بَلى ( يَكْفِيكم ) ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ الزِّيادَةَ بِالشَّرْطِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى مَضَضِ الجِهادِ وما أُمِرْتُمْ بِهِ ( ﴿وتَتَّقُوا﴾ ) رَبَّكم بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ لَهُ ( ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ أوْ أصْحابُ كُرْزٍ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ. صفحة 45 ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أصْلُ الفَوْرِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها ومِنهُ أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَوْرِ جَهَنَّمَ، ويُطْلَقُ عَلى الغَضَبِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ فَوْرَ القِدْرِ وعَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى ويَأْتُوكم في الحالِ، ووُصِفَ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيبِ ونَظْمِ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ ومَدارَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ أسْرَعُوا أوْ أبْطَأُوا إيذانًا بِتَحَقُّقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً، فَمَتى عُلِّقَ بِهِ تَحَقَّقَ الإمْدادُ مَعَ مُنافاتِهِ لَهُ أفادَ تَحَقُّقَهُ لا مَحالَةَ مَعَ ما هو غَيْرُ مُنافٍ لَهُ كَذا قِيلَ، ورُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإمْدادَ المُرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ وقَعَ لَهم وفي ذَلِكَ تَرْدِيدٌ وتَرَدُّدٌ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنْ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ ولا بِمِلْكِ واحِدٍ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ؛ ولِذا وقَعَتِ الهَزِيمَةُ، وإنْ كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ كَما هو المُعْتَمِدُ فَقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في أنَّهم أُمِدُّوا بِهَذِهِ الخَمْسَةِ الآلافِ أوْ لا، فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهم أُمِدُّوا بِغَيْرِها ولَمْ يُمَدُّوا بِها بِناءً عَلى تَعْلِيقِ الإمْدادِ بِها بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الصَّبْرُ والتَّقْوى وإيتاءُ أصْحابِ كُرْزٍ، وقَدْ فُقِدَ الأمْرُ الثّالِثُ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا، فَلَمْ يُوجَدِ المَجْمُوعُ لِانْعِدامِهِ بِانْعِدامِ بَعْضِ أجْزائِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإمْدادُ المَذْكُورُ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، نَعَمْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى خِلافِهِ، ولَعَلَّهُ مَبْنى صاحِبِ القِيلِ، لَكِنْ يَبْقى أنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِما فُسِّرَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا في كَلامِ السَّلَفِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ أنَّهُ بِمَعْنى الغَضَبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَأْتُوكم بِسَبَبِ غَضَبِهِمْ عَلَيْكم، والإشارَةُ إمّا لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الغَضَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدٌ ومُتَمَكِّنٌ في القُلُوبِ، وإمّا لِتَحْقِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ والطَّرِيقِ المَحْمُودِ، فَإنَّهُ إنَّما كانَ عَلى مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ لَهم في الدِّينِ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ وذَمِّ آلِهَتِهِمْ، أوْ عَلى ما أوْقَعُوا فِيهِمْ وحَطَّمُوا رُءُوسَ رُؤَسائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ في أُحُدٍ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَفْسِيرِهِ بِالسَّفَرِ أيْ ويَأْتُوكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ أيْضًا عَلى ما بُنِيَ عَلَيْهِ سابِقُهُ؛ «لِأنَّ الكُفّارَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ نَدِمُوا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْبُرُوا عَلى المَدِينَةِ وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ أصْحابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنْ صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ واتَّقَيْتُمْ وعادُوا إلَيْكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا أمَدَّكُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأخَذُوا في الجِهادِ وخَرَجُوا يَتْبَعُونَ الكُفّارَ عَلى ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحِ، فَأخْبَرَ المُشْرِكِينَ مَن مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ خَرَجَ يَتْبَعُكم فَخافَ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا أنْ تَكُونَ الغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ قَدِ التَأمَ إلَيْهِمْ مَن كانَ تَأخَّرَ عَنْهم وانْضَمَّ إلَيْهِمْ غَيْرُهم، فَدَسُّوا نُعَيْمًا الأشْجَعِيَّ حَتّى يَصُدَّهم بِتَعْظِيمِ أمْرِ قُرَيْشٍ وأسْرَعُوا بِالذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أمْرَهم»، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِالسَّفَرِ مِمّا لَمْ نَظْفَرْ بِهِ فِيما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، فَلَعَلَّ الفَوْرَ بِمَعْنى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها، وهَذا التَّفْسِيرُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وذَهَبَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أنَّ مِن ( ﴿فَوْرِهِمْ﴾ ) بِمَعْنى وجْهِهِمْ، ولَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مُتَأخِّرُو المُفَسِّرِينَ أصْحابُ القِيلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الجِهَةَ الَّتِي يَقْصِدُها المُسافِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وجْهِ الدَّهْرِ صفحة 46 بِمَعْنى أوَّلِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا لَكِنَّهُ ظاهِرٌ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ؛ لِأنَّ كَوْنَ الوَجْهِ بِمَعْنى الجِهَةِ المَذْكُورَةِ، وإنْ جاءَ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الفَوْرِ كَذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مِن وجْهِ الدَّهْرِ بِمَعْنى أوَّلِهِ يَرْجِعُ إلى ما قالُوا فَتَدَبَّرْ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الإمْدادَ وقَعَ تَدْرِيجًا فَكانَ أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ألْفَيْنِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ لا غَيْرَ، فَمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ يُمْدِدُكم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَلائِكَةُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فالمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ أُخَرَ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) (521) مِنَ التَّسْوِيمِ وهو إظْهارُ عَلامَةِ الشَّيْءِ، والمُرادُ مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في ذَلِكَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَتْ عَلَيْهِ عِمامَةٌ صَفْراءُ مُعْتَجِرًا بِها، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمائِمَ بِيضً قَدْ أرْسَلُوها في ظُهُورِهِمْ، ويَوْمَ حُنَيْنَ عَمائِمُ حُمْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: أنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بِعَمائِمَ سُودٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ بِعَمائِمَ حُمْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها، وكانُوا كَما قالَ الرَّبِيعُ: عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهم كانُوا مُسَوَّمِينَ بِالعِهْنِ الأحْمَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا مُعَلَّمِينَ مَجْزُوزَةً أذْنابُ خُيُولِهِمْ ونَواصِيها فِيها الصُّوفُ والعِهْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم وخُيُولَهم أيْضًا، وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) بِكَسْرِ الواوِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ( مُسَوَّمِينَ ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَلَّمِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مُطْلَقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ سائِمَةٌ أيْ مُرْسَلَةٌ في المَرْعى، وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، والمُتَبادَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الإسامَةَ لَهم، وأمّا أنَّها كانَتْ لِخَيْلِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.

آل عمران 3:126

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ المَفْهُومُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذُكِرَ، وما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ بِالإمْدادِ، وقِيلَ: لِلتَّسْوِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ أوْ لِلنَّصْرِ المَفْهُومِ مِن نَصْرِكُمُ السّابِقِ، ومُتَعَلِّقُ البِشارَةِ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِلْإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والبُشْرى إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعَلَ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ أوْ مَفْعُولٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ الِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا البِشارَةَ لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ، وعَلى الثّانِي مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بُشْرى لَكم. والجُمْلَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ بِدُونِ إذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ اسْمُهُ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ووَجَّهَ الخِطابَ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم وإيذانًا بِأنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ لِما ذُكِرَ، وأمّا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَغَنِيٌّ عَنْهُ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الرَّوْحانِيِّ والعِلْمِ الرَّبّانِيِّ. ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ ولِتَسْكُنَ قُلُوبُكم بِالإمْدادِ فَلا تَخافُوا كَثْرَةَ عَدَدِ العَدُوِّ وقِلَّةَ عَدَدِكم، وهَذا إمّا مَعْطُوفٌ عَلى (بُشْرى) بِاعْتِبارِ المَوْضِعِ وهو كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ إلّا أنَّهُ نُصِبَ صفحة 47 الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، ولَمْ يُنْصَبِ الثّانِي لِفُقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًا إلى أصالَتِهِ في العِلِيَّةِ وأهَمِّيَتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ بَشَّرَكم كَما فَعَلَ أبُو البَقاءِ، والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الأوَّلِ. ﴿وما النَّصْرُ﴾ أيْ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المُودِعِ في الأسْبابِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ قُوَّةً لا تَأثَّرُ إلّا بِهِ أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ ولَمْ يُقاتِلُوا، أوْ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم قاتَلُوا بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم فِعْلٌ اسْتِقْلالًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فَعَلُوا، عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قِتالِهِمْ لا يَسْتَدْعِي النَّصْرَ بَلْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ ضَعْفِ المُقابِلِينَ المُقاتِلِينَ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ، فَحَيْثُ أضْعَفَ وقَوّى ومَكَّنَ وما مَكَّنَ وبِهِ حَصَلَ النَّصْرُ، كانَ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والآيَةُ عَلى هَذا لا تَكُونُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المُسَبِّباتِ عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فَتَذَكَّرْ، وكَذا لا دَلِيلَ فِيها عَلى وُقُوعِ قِتالِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ لِاحْتِمالِها الأمْرَيْنِ، وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ. والمُخْتارُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا في غَزَواتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وإنَّما حَضَرُوا في بَعْضِها بِمُقْتَضى ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصْلَحَةِ مِثْلَ حُضُورِهِمْ حِلَقَ أهْلِ الذِّكْرِ، ورُبَّما أعانُوا بِغَيْرِ القِتالِ كَما صَنَعُوا في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى قَوْلٍ، فَعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مالِكٍ كانَ يَرْمِي في غَزْوَةِ أُحُدٍ وفَتًى شابٌّ كانَ يَنْبُلُ لَهُ، كُلَّما فَنِيَ النَّبْلُ أتاهُ بِهِ وقالَ لَهُ: ارْمِ أبا إسْحاقَ، فَلَمّا انْجَلَتِ المَعْرَكَةُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَلَمْ يُعْرَفْ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ كَما فَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، فَإذا حَضَرَ هو مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ، وأيْضًا أيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ مَعَهُ وهو القَوِيُّ الأمِينُ، وأيْضًا إنَّ أكابِرَ الكُفّارِ المَوْجُودِينَ في غَزْوَةِ القِتالِ قاتِلُ كُلٍّ مِنهم مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَ أحَدًا مِنهم، وأيْضًا لَوْ قاتَلُوا فَإمّا أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ أُلُوفًا عَدِيدَةً، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ وهو أيْضًا خِلافُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ ولَوْ كانُوا في غَيْرِ صُورَةِ ابْنِ آدَمَ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ البَتَّةَ، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ حَزُّ الرُّءُوسِ وتَمْزِيقُ البُطُونِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةِ فاعِلٍ لِهَذِهِ الأفْعالِ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ وقَعَ بَيْنَ جَمْعَيْنِ سالِمٍ ومُكَسَّرٍ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَتَواتَرَ ويَشْتَهِرَ لَدى المُوافِقِ والمُخالِفِ، فَحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وأيْضًا أنَّهم لَوْ كانُوا أجْسامًا كَثِيفَةً وجَبَ أنْ يَراهُمُ الكُلُّ، وإنْ كانُوا أجْسامًا لَطِيفَةً هَوائِيَّةً تَعَذَّرَ ثُبُوتُهم عَلى الخَيْلِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ لا يَلِيقُ إيرادُها بِقَوانِينِ الشَّرِيعَةِ ولا بِمَن يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَما كانَ يَلِيقُ بِالأصَمِّ إلّا أنْ يَكُونَ أخْرَسَ عَنْ ذَلِكَ إذْ نَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِالإمْدادِ، ووُرُودُهُ في الأخْبارِ قَرِيبٌ مِنَ المُتَواتِرِ فَكَأنَّ الأصَمَّ أصَمُّ عَنْ سَماعِهِ أوْ أعْمى عَنْ رُؤْيَةِ رَباعِهِ، وقَدْ رَوى عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قالَ: لَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِن أُحُدٍ جَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ في أنْدِيَتِهِمْ بِما ظَفِرُوا ويَقُولُونَ لَمْ نَرَ الخَيْلَ البُلْقَ ولا الرِّجالَ البِيضَ الَّذِينَ كُنّا نَراهم يَوْمَ بَدْرٍ، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ التَّكْلِيفَ يُنافِي الإلْجاءَ، وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى إهْلاكِ جَمِيعِ الكُفّارِ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ بِمَلَكٍ واحِدٍ، بَلْ بِأدْنى مِن ذَلِكَ بَلْ بِلا سَبَبٍ، وكَذا هو قادِرٌ صفحة 48 عَلى أنْ يُجْبِرَهم عَلى الإسْلامِ ويُقْسِرَهم، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ إظْهارَ هَذا الدِّينِ عَلى مَهْلٍ وتَدْرِيجٍ بِواسِطَةِ الدَّعْوَةِ وبِطْرِيقِ الِابْتِلاءِ والتَّكْلِيفِ، فَلا جَرَمَ أجْرى الأُمُورَ عَلى ما أجْرى، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى ما أوْلى، ولَهُ الحُكْمُ في الآخِرَةِ والأُولى، وبِهَذا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِن تِلْكَ الشُّبَهِ، وإهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَكْلِيفِهِمْ وهو حِينَ نُزُولِ البَأْسِ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى القُدْرَةَ وجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وفي غَزْوَةِ أُحُدٍ كانَ الزَّمانُ زَمانَ تَكْلِيفٍ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ الحِكْمَةَ لِيَتَمَيَّزَ المُوافِقُ عَنِ المُنافِقِ، والثّابِتُ عَنِ المُضْطَرِبِ، ولَوْ أجْرى الأمْرَ فِيها كَما أجْرى في بَدْرٍ أشْبَهَ أنْ يُفْضى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، ونافى التَّكْلِيفَ ونَوْطَ الثَّوابِ والعِقابِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ المَلائِكَةَ إمّا أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ، وإمّا أرْواحٌ شَرِيفَةٌ قُدْسِيَّةٌ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَهُمُ الظُّهُورُ في صُوَرِ بَنِي آدَمَ مَثَلًا مِن غَيْرِ انْقِلابِ العَيْنِ وتَبَدُّلِ الماهِيَّةِ، كَما قالَ ذَلِكَ العارِفُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ في ظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ومِثْلُ هَذا مِن وجْهٍ، ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى ما صَحَّ مِن تَجَلِّي اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ المَوْقِفِ بِصُورَةٍ فَيَقُولُ لَهم: أنا رَبُّكم، فَيُنْكِرُونَهُ، فَإنَّ الحُكْمَ في تِلْكَ القَضِيَّةِ صادِقٌ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ وراءَ ذَلِكَ وهو سُبْحانَهُ في ذَلِكَ التَّجَلِّي باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ومَن سَلَّمَ هَذا - ولا يُسَلِّمُهُ إلّا ذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ - لَمْ يَشْكُلْ عَلَيْهِ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ وظُهُورُهم عَلى خُيُولٍ غَيْبِيَّةٍ ثابِتِينَ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الآلِهِيَّةُ والمَصْلَحَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ رُؤْيَةُ كُلِّ ذِي بَصَرٍ لَهم لِجَوازِ إحْداثِ أمْرٍ مانِعٍ عَنْها، إمّا في الرّائِي أوْ في المَرْئِيِّ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم يُرَوْنَ أحْيانًا ويُخْفَوْنَ أحْيانًا، ويُرى البَعْضُ ويُخْفى البَعْضُ، وزِمامُ ذَلِكَ بِيَدِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والشَّيْءُ مَتى أمْكَنَ ووَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَنِ الصّادِقِ وجَبَ قَبُولُهُ، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُجْدِي نَفْعًا، ولَوْ ساغَ التَّأْوِيلُ لِذَلِكَ لَزِمَ تَأْوِيلُ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بَلِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها، ورُبَّما أفْضى ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ، فالواجِبُ تَسْلِيمُ كُلِّ مُمْكِنِ جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْوِيضُ تَفْصِيلِ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ فِيما قَضى بِهِ، وقِيلَ: القادِرُ عَلى انْتِقامِهِ مِنَ الكُفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفي إجْراءِ هَذا الوَصْفِ هُنا عَلَيْهِ تَعالى إيذانًا بِعِلَّةِ اخْتِصاصِ النَّصْرِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿الحَكِيمِ﴾ (126) أيِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها ويَفْعَلُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في سائِرِ أفْعالِهِ، ومِن ذَلِكَ نَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ إنْزالِ المَلائِكَةِ، وفي الإتْيانِ بِهَذا الوَصْفِ رَدٌّ عَلى أمْثالِ الأصَمِّ في إنْكارِهِمْ ما نَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، فَسُبْحانَهُ مِن عَلِيمٍ حَكِيمٍ وعَزِيزٍ حَلِيمٍ.

آل عمران 3:127

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لَحَقِّيَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿إذْ تَقُولُ﴾ ظَرْفًا لِنَصَرَكم لا بَدَلًا مِن ( إذْ غَدَوْت ) لِئَلّا يُفْصَلَ بِأجْنَبِيٍّ، ولِأنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا في شَأْنِ بَدْرٍ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَلا يَقْدَحُ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، والمُعَلَّلُ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا ومَعْناهُ قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ صفحة 49 إلّا قَصْرُ حَقِيقَةِ النَّصْرِ كَما في الأوَّلِ، أوِ النَّصْرُ المَعْهُودُ كَما في الثّانِي عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، أوْ أمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ لِيَقْطَعَ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ، والقَطْعُ الإهْلاكُ، والمُرادُ مِنَ الطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنهم قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ بِالوَسَطِ بَلْ بِالطَّرَفِ لِأنَّ أطْرافَ الشَّيْءِ يُتَوَصَّلُ بِها إلى تَوْهِينِهِ وإزالَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كانُوا أشْرافًا، فَفي الأساسِ هو مِن أطْرافِ العَرَبِ أيْ أشْرافِها، ولَعَلَّ إطْلاقَ الأطْرافِ عَلى الأشْرافِ لِتَقَدُّمِهِمْ في السَّيْرِ، ومِن ذَلِكَ قالُوا: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ، فَلا يَرِدُ أنَّ الوَسَطَ أيْضًا يُشْعِرُ بِالشَّرَفِ، فالمَعْنى لِيُهْلِكَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا ورُؤَساءَهُمُ المُتَقَدِّمِينَ فِيهِمْ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في بَدْرٍ كَما قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، فَقَدْ قُتِلَ مِن أُولَئِكَ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ، واعْتِبارُ ذَلِكَ في أُحُدٍ حَيْثُ قُتِلَ فِيهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن رُؤَسائِهِمْ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقَدِ اسْتَبْعَدُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ يُخْزِيَهم قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ: لَمْ أنْسَ مِن شَجَنٍ لَمْ أنْسَ مَوْقِفَنا في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ ومَكْبُوتِ وقالَ الجُبّائِيُّ والكَلْبِيُّ: أيْ يَرُدُّهم مُنْهَزِمِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ يَلْعَنُهم وأصْلُ الكَبْتِ الغَيْظُ والغَمُّ المُؤَثِّرُ، وقِيلَ: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: إنَّ كَبَتَهُ يَكُونُ بِمَعْنى كَبِدِهِ أيْ أصابَ كَبِدَهُ كَرَآهُ بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأرى عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعَكِ والرَّحِيلُ والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قُرِئَ: أوْ يَكْبِدَهم، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ لِوُقُوعِ الأمْرَيْنِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (127) أيْ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ فالخَيْبَةُ انْقِطاعُ الأمَلِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ اليَأْسِ بِأنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الأمَلِ، واليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَهُ وقَبْلَهُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، ونَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ.

آل عمران 3:128

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ رَباعِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّفْلى اليُمْنى أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ أصابَها عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وشَجَّهُ في وجْهِهِ، فَكانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أوْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَغْسِلُ الدَّمَ، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ إلَخْ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ». وعَنِ الجُبّائِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذِنُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ لَما آذَوْهُ حَتّى إنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَلّى الظَّهْرُ ذَلِكَ اليَوْمَ قاعِدًا مِنَ الجِراحِ وصَلّى المُسْلِمُونَ وراءَهُ قُعُودًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والشَّعْبِيُّ «لَمّا رَأى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ ما فَعَلَ الكُفّارُ بِأصْحابِهِ وبِعَمِّهِ حَمْزَةَ مِن جَدْعِ الأُنُوفِ والآذانِ وقَطْعِ المَذاكِيرِ قالُوا: لَئِنْ أدالَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا بِنا ولَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ قَطُّ، فَنَزَلَتْ» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ عَنْهُ مِن أصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وتابَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . صفحة 50 وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُحُدٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنها أنَّها بِسَبَبِ المُشْرِكِينَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ أرْبَعِينَ، وقِيلَ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قُرّاءِ أصْحابِهِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمُ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو إلى بِئْرِ مَعُونَةَ عَلى رَأْسِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِن أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ القُرْآنَ والعِلْمَ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَبائِلَ مِن سُلَيْمٍ مِن عُصَيَّةَ ورِعْلٍ وذَكْوانَ فَأحاطُوا بِهِمْ في رِحالِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أخا بِنَيِ النَّجّارِ فَإنَّهم تَرَكُوهُ وبِهِ رَمَقٌ، فَلَمّا عَلِمَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَدَ وجْدًا شَدِيدًا وقَنَتَ عَلَيْهِمْ شَهْرًا يَلْعَنُهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ ذَلِكَ»، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ شَيْءٌ وإنْ قَلَّ. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الأمْرِ أوْ عَلى شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ سَلَبَ ما يَتْبَعُ التَّوْبَةَ والتَّعْذِيبَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ القَبُولِ والرَّدِّ والخَلاصِ مِنَ العَذابِ والمَنعِ مِنَ النَّجاةِ. وعَلى الثّانِي سَلَبَ نَفْسَ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أنْ يُجْبِرَهم عَلى التَّوْبَةِ ولا يَمْنَعَهم عَنْها ولا يَقْدِرَ أنْ يُعَذِّبَهم ولا أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، فَإنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي، لَكِنْ في مَجِيءِ مِثْلِ هَذا العَطْفِ بِكَلِمَةِ ( أوْ ) نَظَرٌ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ والإيجابِ أيْ لَيْسَ ما تَأْمُرُهم بِهِ مِن عِنْدِكَ ولَيْسَ الأمْرُ بِيَدِكَ ولا التَّوْبَةُ ولا التَّعْذِيبُ، فَلَيْسَ هُناكَ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وفِيهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّكْلِيفِ تَكَلُّفٌ، والحَمْلَ عَلى الشَّأْنِ أرْفَعُ شَأْنًا. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلّا أنْ، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ فَتَفْرَحَ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ أوْ ما يُشْبِهُها إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِنهُما مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْرِ كُلِّهِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَبْنِيٌّ عَلى سَلْبِهِ عَمَّنْ سِواهُ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما في هَذِهِ الآياتِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى يَنْقَلِبُوا أيْ يَكُونُ ثَمَرَةُ خِزْيِهِمُ انْقِلابَهم خائِبِينَ أوِ التَّوْبَ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبَهم أوْ عَطْفٌ عَلى ( يَكْبِتَهم ) و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُتَعَلِّقِ بِالعاجِلِ والمَعْطُوفِ المُتَعَلِّقِ لِتَحْقِيقٍ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلْمَنصُورِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلنّاصِرِينَ، وتَخْصِيصُ النَّفْيِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِفاءِ مِن غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى، وإنَّما خُصَّ الِاعْتِراضُ بِمَوْقِعِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَطْعِ والكَبْتِ مِن مَظانِّ أنْ يَكُونَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِسائِرِ مُباشِرِي القِتالِ مَدْخَلٌ في الجُمْلَةِ، والمَعْنى إنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ وهو اللَّهُ تَعالى نَصَرَكم عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إنْ أنْتَ إلّا عَبْدٌ مَأْمُورٌ بِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ. والمُرادُ بِتَعْذِيبِهِمُ التَّعْذِيبَ الشَّدِيدَ الأُخْرَوِيَّ المَخْصُوصَ بِأشَدِّ الكَفَرَةِ كُفْرًا، وإلّا فَمُطْلَقُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ مُتَحَقِّقٌ في الفَرِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ بِالأسْرِ واسْتِيلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ خِلافُ المُتَبادَرِ مِنَ التَّعْذِيبِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وكَذا لا يُلائِمُ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ فَإنَّهُ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِهَذا التَّعْذِيبِ. صفحة 51 وأكْثَرُ ما يُعَلَّلُ بِهِ التَّعْذِيبُ الأُخْرَوِيُّ، نَعَمْ حَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ أوْفَقُ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ لِأنَّ التَّشَفِّيَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، ونَظْمُ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلنَّصْرِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ مِن حَيْثُ إنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ فَرْعُ تَحَقُّقِها النّاشِئِ مِن عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَةِ الإسْلامِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ أهْلِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النَّصْرِ الَّذِي هو مِنَ الآياتِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ، وأنَّ تَعْذِيبَهُمُ المَذْكُورَ شَيْءٌ مُسَبَّبٌ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وإنْ فُسِّرَ بِالأسْرِ مَثَلًا كانَ أمْرُ التَّسَبُّبِ مَكْشُوفًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، واسْتَشْكَلَتُ هَذِهِ الآيَةُ بِناءً عَلى أنَّها تَدُلُّ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ فَعَلَ فِعْلًا ومُنِعَ مِنهُ، بِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ مَنَعَهُ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَهو قادِحٌ بِالعِصْمَةِ ومُنافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ ما وقَعَ كانَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والنَّهْيُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ مِن بابِ الإرْشادِ إلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الهَوى في شَيْءٍ، بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَصِحُّ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ ويَعْمَلَ بِما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ المَأْذُونُ بِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ نَفْسُهُ عَنْ وحْيٍ وإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ، وأنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الإذْنِ، وأيًّا ما كانَ لا يُنافِي العِصْمَةَ الثّابِتَةَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ.

آل عمران 3:129

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ اخْتِصاصِ مِلْكِيَّةِ جَمِيعِ الكائِناتِ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ طَرَفٍ مِن ذَلِكَ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ وتَكْمِلَةً لَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْقَصْرِ، (وما) عامَّةٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَغْلِيبًا أيْ لَهُ سُبْحانَهُ ما في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، أوْ ما في هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا واقْتِدارًا لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذَلِكَ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يُعاقِبُهُ عَلى ذَنْبِهِ فَضْلًا مِنهُ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ عَدْلًا مِنهُ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( مَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِصاصِ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بِالعُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى وتَعْذِيبَهُ غَيْرُ مُقَيَّدَيْنِ بِشَيْءٍ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّقْيِيدَ مُنافٍ لِلسَّوْقِ إذْ هو لِإثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لا مانِعَ لَهُ مِن مَشِيئَتِهِ ولَوْ كانَتْ مَغْفِرَتُهُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ، وتَعْذِيبُهُ بِالظُّلْمِ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، بَلْ لِما تَسْتَدْعِيهِ التَّوْبَةُ أوِ الظُّلْمُ، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في نَفْيِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ لِلْمُذْنِبِ ويُعَذِّبَ المُصْلِحَ، وهو مَذْهَبُ الجَماعَةِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ، فَمَن لَمْ يَتُبْ لا يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ لَهُ أصْلًا، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: الآياتُ والأحادِيثُ النّاطِقَةُ بِوَعِيدِ العُصاةِ، الثّانِي: أنَّ المُذْنِبَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي حِكْمَةَ إرْسالِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وحَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّقْيِيدِ وخَصُّوا أمْثالَها مِنَ المُطْلَقاتِ بِالصَّغائِرِ أوِ الكَبائِرِ المَقْرُونَةِ بِالتَّوْبَةِ وقالُوا: إنَّ المُرادَ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ إذا تابَ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ هو السَّبَبُ المُوجِبُ فَلا تَعْذِيبَ بِدُونِهِ، ولا مَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِهِ، فَهو مُفَسِّرٌ ( لِمَن يَشاءُ ) وأيَّدُوا كَوْنَ المُرادِ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا لِلْمُسْتَوْجِبِينَ، وبِما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ﴿يَغْفِرُ لِمَن﴾ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴿ويُعَذِّبُ مَن﴾ لَقِيَهُ ظالِمًا، والجَماعَةُ صفحة 52 تَمَسَّكُوا بِإطْلاقِ الآياتِ، وأجابُوا عَنْ مُتَمَسِّكِ المُخالِفِ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ تِلْكَ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها إنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ دُونَ الوُجُوبِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ كَثْرَةَ النُّصُوصِ في العَفْوِ تُخَصِّصُ المُذْنِبَ المَغْفُورَ عَنْ عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ مُجَرَّدَ جَوازِ العَفْوِ لا يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ العِقابِ فَضْلًا عَنِ الجَزْمِ بِهِ، وكَيْفَ يُوجِبُ جَوازَ العَفْوِ العِلْمُ بِعَدَمِ العِقابِ، والعُمُوماتُ الوارِدَةُ في الوَعِيدِ المَقْرُونَةُ بِغايَةٍ مِنَ التَّهْدِيدِ تُرَجِّحُ جانِبَ الوُقُوعِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ وكَفى بِهِ زاجِرًا، فَكَيْفَ يَكُونُ العِلْمُ بِجَوازِ العَفْوِ تَقْرِيرًا وإغْراءً عَلى الذَّنْبِ مَعَ هَذا الزّاجِرِ. وأيْضًا إنَّ الكَثِيرَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ خَصُّوا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ بِالصَّغائِرِ، فَلَوْ كانَ جَوازُ العَفْوِ مُسْتَلْزِمًا كَما زَعَمُوا لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ العِقابِ لَزِمَ اشْتِراكُ الإلْزامِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ المُرْتَكِبَ لِلصَّغائِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ، وما جَعَلُوهُ قَرِينَةً عَلى التَّقْيِيدِ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ مَعْنًى عَلى قَوْلِهِ جَلَّ اسْمُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ وهو عَلى خِلافِ ما يَقُولُونَ حَيْثُ جَعَلُوا تَصَرُّفَهُ ومَشِيئَتَهُ مُقَيَّدًا بِأنْ يَكُونَ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ والحِكْمَةَ كِلاهُما مِن صِفاتِهِ تَعالى لا تَتْبَعُ إحْداهُما الأُخْرى، وبِتَقْدِيرِ الِاسْتِتْباعِ لا نُسَلِّمُ أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ عَلى أنَّ تَعْقِيبَ ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ الظُّلْمَ مُفْضٍ إلى التَّعْذِيبِ، ومَن يَمْنَعُ الإفْضاءَ، إنَّما المَنعُ عَلى أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا ( لِمَن يَشاءُ ) وأيْنَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ظُلْمٍ كَذَلِكَ ولا عُمُومَ لِلَّفْظِ ولا هو مِن قَبِيلِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِيَصْلُحَ مُتَمَسِّكًا في الجُمْلَةِ، وما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، لا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ أصْلًا، ومَنِ ادَّعاهُ فَلْيَأْتِ بِهِ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ أنَّ فِيهِ حَجْرًا عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وتَضْيِيقَ مَسالِكِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ولا يُظَنُّ بِمِثْلِ الحَسَنِ هَذا القَبِيحُ، سَلَّمْنا الصِّدْقَ وعَدَمَ لُزُومِ ما ذُكِرَ، لَكِنْ قَوْلُ الحَسَنِ ونَحْوُهُ لا يُتْرَكُ لَهُ ظاهِرُ الكِتابِ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ. فَإنْ قالَ الخَصْمُ: نَحْنُ نَتَمَسَّكُ في هَذا المَطْلَبِ بِلُزُومِ الخُلْفِ، قُلْنا: يَكُونُ رُجُوعًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ، وقَدْ أذَقْناكُمُ المَوْتَ الأحْمَرَ فِيهِ لا بِالآياتِ فَتَبْقى دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها وهو مَطْلُوبُنا هُنا، عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في الكُفّارِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، ومُعْتَقَدُ الجَماعَةِ أنَّ المَغْفِرَةَ في حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والرُّجُوعِ إلى الإيمانِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ولَيْسُوا مَحَلَّ خِلافٍ بَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِها مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى غَرَضِهِ الفاسِدِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (129) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ) مَعَ زِيادَةٍ، وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ جِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ، وفِيهِ ما يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الجَماعَةِ. * * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْدادُ وظُهُورُ الحَقِّ فِيهِمْ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الَّذِينَ ظَهَرَتْ فِيهِمْ نُقُوشُ الكِتابِ الآلِهِيِّ الأزَلِيِّ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ بِاللَّهِ تَعالى لَهُ ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ لِلْمُسْتَعِدِّينَ ما فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأسْرارِ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أوْقاتَ لَيْلِ الجَهالَةِ وظُلْمَةِ الحَيْرَةِ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يُخْضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَحْدُثُ فِيهِمُ الأنانِيةَ أنَّهم عالِمُونَ وأنَّ مَن سِواهم جاهِلُونَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ صفحة 53 أيْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ الشَّرْعُ، ولِكَوْنِ ما تَقَدَّمَ نَظَرًا لِلْخُصُوصِ؛ لِأنَّ إيداعَ الأسْرارِ عِنْدَ الأحْرارِ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى العُمُومِ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ أوْسَعُ دائِرَةً مِنَ الحَقِيقَةِ قَدَّمَ وأخَّرَ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ مِن تَكْمِيلِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ يُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فَقَدْ جاءَ: ”«مَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً“» ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّقَوْا ما يَحْجُبُهم عَنْهُ فَيَتَجَلّى لَهم بِقَدْرِ زَوالِ الحِجابِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واحْتَجَبُوا عَنِ الحَقِّ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ وأشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لا وُجُودَ لَهُ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ لَنْ تَدْفَعَ ﴿عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَذابَهُ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الدَّفْعِ؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أصْنامِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ وهي الحِجابُ والبُعْدُ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِاقْتِضاءِ صِفَةِ الجَلالِ مَعَ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ ولَذّاتِها السَّرِيعَةِ الزَّوالِ طَلَبًا لِلشَّهَواتِ ومَحْمَدَةِ النّاسِ لا يَطْلُبُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ عُقُوبَةً لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُلْمِهِمْ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الغَيْرِ المَقْبُولِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ أيْ خاصَّةً تُطْلِعُونَهُ عَلى أسْرارِكم ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ كالمُنْكِرِينَ المَحْجُوبِينَ إذِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لِكَوْنِها ظِلَّ الوَحْدَةِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المَحْجُوبِينَ لِكَوْنِهِمْ في عالَمِ التَّضادِّ والظُّلْمَةِ، ولا يَتَأتّى الصَّفاءُ والوِفاقُ الَّذِي هو ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ في ذَلِكَ العالَمِ، فَلِذا تَرى مَحَبَّةَ غَيْرِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَدُورُ عَلى الأغْراضِ، ومِن هُنا تَتَغَيَّرُ لِأنَّ اللَّذّاتِ النَّفْسانِيَّةَ لا تَدُومُ، فَإذا كانَ هَذا حالُ المَحْجُوبِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَكَيْفَ تَتَحَقَّقُ المَحَبَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن يُخالِفُهم في الأصْلِ والوَصْفِ، وأنّى يَتَجانَسُ النُّورُ والظُّلْمَةُ، وكَيْفَ يَتَوافَقُ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ ؟ ! أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلٌ إذا اسْتَقَلَّ يَمانِي فَفِي الحَقِيقَةِ بَيْنَهُما عَداوَةٌ حَقِيقَةٌ وبُعْدٌ كُلِّيٌّ إلى حَيْثُ لا تَتَراءى ناراهُما، وآثارُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ كَما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ لِامْتِناعِ إخْفاءِ الوَصْفِ الذّاتِيِّ ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ لِأنَّهُ المَنشَأُ لِذَلِكَ فَهو نارٌ وذاكَ شِرارٌ وهو جَبَلٌ والظّاهِرُ غُبارٌ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ وهي العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى المَحَبَّةِ والعَداوَةِ وأسْبابُهُما ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتَفْهَمُونَ مِن فَحْوى الكَلامِ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِمُقْتَضى ما عِنْدَكم مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُحِبُّ النّاسَ كُلَّهم بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، ويَرى الكُلَّ مَظْهَرًا لِحَبِيبِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَيَرْحَمُ الجَمِيعَ، ويَعْلَمُ أنَّ البَعْضَ مِنهم قَدِ اشْتَغَلَ بِباطِلٍ نَظَرًا إلى بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ وابْتُلِيَ بِالقَدَرِ، وهَذا لا يُنافِي ما قَدَّمْنا آنِفًا عِنْدَ التَّأمُّلِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِمُقْتَضى الحِجابِ والظُّلْمَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ جِنْسِهِ ﴿كُلِّهِ﴾ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِذَلِكَ لِلِاحْتِجابِ بِما هم عَلَيْهِ. ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ لِما فِيهِمْ مِنَ النِّفاقِ المُسْتَجْلِبِ لِلْأغْراضِ العاجِلَةِ ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ الكامِنِ في صُدُورِهِمْ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ كَآثارِ تَجَلِّي الجَمالِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ ويَحْزَنُوا لَها ﴿وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَ أنَّهُ سَيِّئَةٌ كَآثارِ تَجَلِّي الجَلالِ ﴿يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى ما ابْتُلِيتُمْ بِهِ وتَثْبُتُوا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الِاسْتِعانَةَ بِالسَّوِيِّ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ لِأنَّ الصّابِرَ عَلى البَلاءِ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَعِينَ بِهِ المُعْرِضَ صفحة 54 عَمَّنْ سِواهُ ظافِرٌ بِطِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ مَحْفُوفٌ مَحْفُوظٌ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَخْذُولُ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ وقَصَدَ سِواهُ، كَما قِيلَ: مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ في طَلَبٍ ∗∗∗ فَإنَّ ناصِرَهُ عَجْزٌ وخِذْلانُ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَكايِدِ ﴿مُحِيطٌ﴾ فَيُبْطِلُها ويُطْفِئُ نارَها. ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى تَحْتَ ظِلِّ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ وبِالشُّكْرِ تُزادُ النِّعَمُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِما رَأيْتَ مِن حالِهِمْ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ السِّكِّينَةَ عَلَيْكم، أوْ (مُنْزَلِينَ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن جانِبِ المَلَكُوتِ إلَيْكم ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى صَدَماتِ تَجَلِّيهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَتَّقُوا﴾ مَن سِواهُ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ بِلا بُطْءٍ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أيْ مُعَلِّمِينَ أرْواحَكم بِعَلائِمِ الطُّمَأْنِينَةِ أوْ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ بِعَمائِمَ بِيضٍ، وهي إشارَةٌ إلى الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ الظّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُ الخَمْسَةِ آلافٍ بِالذِّكْرِ لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى إمْدادِ كُلِّ لَطِيفَةٍ مِنَ اللَّطائِفِ الخَمْسِ بِألْفٍ، والألْفُ إشارَةٌ إلى الإمْدادِ الكامِلِ حَيْثُ إنَّها نِهايَةُ مَراتِبِ الأعْدادِ، وشَرْطُ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى لِأنَّ النَّصْرَ عَلى الأعْداءِ - وأعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ - لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ تَقْوى القَلْبِ، وكَذا سائِرُ جُنُودِ الرُّوحِ، بَلْ والرُّوحُ نَفْسُها أيْضًا بِتَأْيِيدِ الحَقِّ والتَّنُّورِ بِنُورِ اليَقِينِ، فَتَحْصُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ القَلْبِ مَثَلًا وبَيْنَ مَلَكُوتِ السَّماءِ، وبِذَلِكَ التَّناسُبِ يَسْتَنْزِلُ قُواها وأوْصافَها في أفْعالِهِ، ورُبَّما يَسْتَمِدُّ مِن قُوى قَهْرِها عَلى مَن يَغْضَبُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ نُزُولِ المَلائِكَةِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى والتَّقْوى مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الحَقِّ والمَيْلِ إلى نَحْوِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ. وأمّا إذا جَزِعَ وهَلَعَ ومالَ إلى الدُّنْيا فَلا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ حِينَئِذٍ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ وتَحْجُبُهُ بِظُلْمَةِ صِفاتِها عَنِ النُّورِ، فَلَمْ تَبْقَ تِلْكَ المُناسَبَةُ وانْقَطَعَ المَدَدُ ولَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ، ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ فَيَزْدادَ نَشاطُكم في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فَيَتَحَقَّقُ الفَيْضُ بِقَدْرِ التَّصْفِيَةِ ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِنَ المَلائِكَةِ فَلا تَحْتَجِبُوا بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ، وبِالخَلْقِ عَنِ الحَقِّ، فالكُلُّ مِنهُ تَعالى وإلَيْهِ ﴿العَزِيزِ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ الظُّهُورُ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي سَتَرَ نَصْرَهُ بِصُوَرِ المَلائِكَةِ لِحِكْمَةٍ ﴿لِيَقْطَعَ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يُخْزِيَهِمْ ويُذِلَّهم ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِما أمَّلُوا. ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وكُلُّهُ لَكَ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا أسْلَمُوا فَتَفْرَحَ لِأنَّكَ المُظْهِرُ لِلرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ . ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ لِأجْلِكَ فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم خالَفُوا الأمْرَ الَّذِي بُعِثْتَ بِهِ إلى النّاسِ كافَّةً فَإنَّهم ظالِمُونَ بِتِلْكَ المُخالَفَةِ. ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ مِن عالَمِ الأرْواحِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِن عالَمِ الطَّبِيعِيّاتِ يَتَصَرَّفُ فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لِأنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَنا ويَرْحَمَنا.

آل عمران 3:130

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ مُشْتَمِلٍ عَلى أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ تَتْمِيمًا لِما سَلَفَ مِنَ الإرْشادِ إلى ما هو الأصْلَحُ في أمْرِ الدِّينِ وفي بابِ الجِهادِ، ولَعَلَّ إيرادَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِخُصُوصِهِ هُنا لِما أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ الَّذِي عُمْدَتُهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ الجِهادِ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ المالِ، فَكانَ مَظِنَّةَ مُبادَرَةِ النّاسِ إلى طُرُقِ الِاكْتِسابِ ومِن جُمْلَتِها بَلْ أسْهَلُها الرِّبا فَنُهُوا عَنْهُ. صفحة 55 وقَدَّمَهُ عَلى الأمْرِ اعْتِناءً بِهِ ولِيَجِيءَ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ سَدِّ ما يَخْدِشُهُ، وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ أنَّ أكْثَرَ أمْوالِ المُشْرِكِينَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مِنَ الرِّبا، وكانُوا يُنْفِقُونَ تِلْكَ الأمْوالَ عَلى العَساكِرِ، وكانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ كَيْ يَجْمَعُوا الأمْوالَ ويُنْفِقُوها عَلى العَساكِرِ أيْضًا ويَتَمَكَّنُوا مِنَ الِانْتِقامِ مِن عَدُوِّهِمْ، فَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ ولُطْفًا بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ لَهُ التَّعْذِيبَ لِمَن يَشاءُ والمَغْفِرَةَ لِمَن يَشاءُ وصَلَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَمّا لَوْ فَعَلُوهُ لاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ العِقابَ وهو الرِّبا، وخَصَّهُ بِالنَّهْيِ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا إذْ ذاكَ ولِلِاعْتِناءِ بِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِما دَلَّ عَلى تَحْرِيمِهِ مِمّا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَلْ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ، وساقَ الكَلامَ لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ إيذانًا بِشِدَّةِ الحَظْرِ. والمُرادُ مِنَ الأكْلِ الأخْذُ، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ بِهِ ولِشُيُوعِهِ في المَأْكُولاتِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّشْنِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّبا ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا، والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ، وضِعْفاهُ مِثْلاهُ، وأضْعافُهُ أمْثالُهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الضَّعْفُ اسْمُ ما يُضْعِفُ الشَّيْءَ، كالثَّنْيِ اسْمُ ما يُثْنِيهِ، مِن ضَعَفْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مَضْعُوفٌ عَلى ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ بَمَعْنى ضَعَّفْتُهُ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى العَدَدِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ عَدَدٌ آخَرُ فَأكْثَرُ، والنَّظَرُ فِيهِ إلى فَوْقٍ بِخِلافِ الزَّوْجِ فَإنَّ النَّظَرَ فِيهِ إلى ما دُونَهُ فَإذا قِيلَ: ضِعْفُ العَشَرَةِ لَزِمَ أنْ تَجْعَلَها عِشْرِينَ بِلا خِلافٍ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ تَضْعِيفِها، ولَوْ قالَ: لَهُ عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمانِ ضَرُورَةَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، كَما إذا قِيلَ: هو أخُو زَيْدٍ اقْتَضى أنْ يَكُونَ زَيْدٌ أخاهُ، وإذا لَزِمَ المُزاوَجَةُ دَخَلَ في الإقْرارِ، وعَلى هَذا لَهُ ضِعْفا دِرْهَمٍ مُنَزَّلٌ عَلى ثَلاثَةِ دَراهِمَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما يُتَوَهَّمُ أنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مَوْضُوعُهُ مِثْلاهُ وضِعْفَيْهِ ثَلاثَةُ أمْثالِهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ مَوْضُوعَهُ المِثْلَ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ. وهَذا مِعْزى الفُقَهاءِ في الأقارِيرِ والوَصايا، ومِنَ البَيِّنِ أنَّهم ألْزَمُوا في ضِعْفَيِ الشَّيْءِ ثَلاثَةَ أمْثالِهِ، ولَوْ كانَ مَوْضُوعُ الضِّعْفِ المِثْلَيْنِ لَكانَ الضِّعْفانِ أرْبَعَةَ أمْثالٍ، ولَيْسَ مَبْناهُ العُرْفَ العامِّيَّ بَلِ المَوْضُوعَ اللُّغَوِيَّ، كَما قالَ الأزْهَرِيُّ. ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ قالَ: لَهُ عَلَيَّ الضِّعْفانِ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ أوِ الضِّعْفانِ مِنَ الدَّراهِمِ لَمْ يَلْزَمْ إلّا دِرْهَمانِ كَما لَوْ قالَ الأخَوانِ، ثُمَّ قالَ: والحاصِلُ أنَّ تَضْعِيفَ الشَّيْءِ ضَمُّ عَدَدٍ آخَرَ إلَيْهِ، وقَدْ يُزادُ، وقَدْ يُنْظَرُ إلى أوَّلِ مَراتِبِهِ؛ لِأنَّهُ المُتَيَقَّنُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ المُضاعَفُ مَأْخُوذًا مَعَهُ فَيَكُونُ ضِعْفاهُ ثَلاثَةً، وقَدْ لا يَكُونُ فَيَكُونُ اثْنَيْنِ وهَذا كُلُّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ في اللُّغَةِ لا العُرْفِ، ولَيْسَ هَذِهِ الحالُ لِتَقْيِيدِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِيَكُونَ أصْلُ الرِّبا غَيْرَ مَنهِيٍّ بَلْ لِمُراعاةِ الواقِعِ، فَقَدْ رَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُرْبِي إلى أجَلٍ، فَإذا حَلَّ قالَ لِلْمَدِينِ: زِدْنِي في المالِ حَتّى أزِيدَكَ بِالأجَلِ فَيَفْعَلُ وهَكَذا عِنْدَ كُلِّ أجَلٍ، فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الضَّعِيفِ مالَهُ بِالكُلِّيَّةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقُرِئَ – مُضَعَّفَةً - بِلا ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ ومِن جُمْلَتِهِ أكْلُ الرِّبا ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (130) أيْ لِكَيْ تُفْلِحُوا أوْ راجِينَ الفَلاحَ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ في مَوْضِعِ الحالِ قِيلَ: ولا يَخْفى أنَّ اقْتِرانَ الرَّجاءِ بِالتَّخْوِيفِ يُفِيدُ أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ فَهُما جَناحاهُ اللَّذانِ يَطِيرُ بِهِما إلى حَضائِرِ القُدُسِ.

آل عمران 3:131

﴿واتَّقُوا النّارَ﴾ أيِ احْتَرِزُوا عَنْ مُتابَعَةِ المُرابِينَ وتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الرِّبا المُفْضِي إلى دُخُولِ النّارِ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ أيْ هُيِّئَتْ صفحة 56 ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ (131) وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي اشْتَدَّ حَرُّها وتَضاعَفَ عَذابُها وهي غَيْرُ النّارِ الَّتِي يَدْخُلُها عُصاةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها دُونَ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أكَلَةَ الرِّبا عَلى شَفا حُفْرَةِ الكَفَرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ النّارَ مُطْلَقًا مَخْلُوقَةٌ لِلْكافِرِينَ مُعَدَّةٌ لَهم أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرُهم يَدْخُلُها عَلى وجْهِ التَّبَعِ فالصِّفَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ ولَيْسَ بِنَصٍّ في التَّخْصِيصِ.

آل عمران 3:132

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الأمْرِ بِالتَّقْوى السّابِقِ ﴿والرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمُ الدِّينُ وبَلَّغَكُمُ الرِّسالَةَ فَإنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى. ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ( 132 ) أيْ لِكَيْ تَنالُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ راجِينَ رَحْمَتَهُ، وعَقَّبَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم في أُحُدٍ ولَعَلَّهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ فارَقُوا المَرْكَزَ.

آل عمران 3:133

﴿وسارِعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أطِيعُوا أوِ اتَّقُوا. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والعِراقِ أيْ بادِرُوا وسابِقُوا، وقُرِئَ بِالأخِيرِ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ أسْبابِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سارِعُوا إلى أداءِ الفَرائِضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى الإسْلامِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إلى أداءِ الطّاعاتِ، وعَنْ يَمانٍ: إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: إلى الجِهادِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: إلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ ويَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الأنْواعِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها كالسَّبَبِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَغْفِرَةٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ووَصْفُ المَغْفِرَةِ بِكَوْنِها مِنَ الرَّبِّ دُونَ الجَنَّةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ تَلاها عَلَيْهِمْ» . والتَّنْوِينُ في مَغْفِرَةٍ لِلتَّعْظِيمِ ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ، وكَذا في ( جَنَّةٍ ) ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا وصْفُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ والمُرادُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: حَسِبْتُ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ فَإنَّهُ أرادَ كَصَوْتِ عَناقٍ، والعَرْضُ أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ، وفي ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ الطُّولِ مُبالَغَةٌ، وزادَ في المُبالَغَةِ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ وتَقْدِيرِ المُضافِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَحْدِيدَ عَرْضِها حَتّى يَمْتَنِعَ كَوْنُها في السَّماءِ، بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ السَّعَةِ بِما هو في تَصْوِيرِ السّامِعِينَ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَصِفُ الشَّيْءَ بِالعَرْضِ إذا أرادُوا وصْفَهُ بِالسَّعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أعْرَضَ في المَكارِمِ إذا تَوَسَّعَ فِيها، والمُرادُ مِنَ ( السَّمَواتِ والأرْضِ ) السَّمَواتُ صفحة 57 السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها فَوْقَ السَّمَواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: إنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِها في السَّماءِ أنَّها في جِهَةِ العُلُوِّ ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في العُلُوِّ أمْثالَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، ولا يُنافِي هَذا خَبَرَ أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ إنْ صَحَّ ولا ما حُكِيَ عَنِ الأكْثَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكَ: في الدّارِ بُسْتانٌ إذا كانَ لَهُ بابٌ مِنها يَشْرَعُ إلَيْهِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا يُنافِي خُرُوجَ البُسْتانِ عَنْها، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يُنافِي الخَبَرَ أيْضًا كَوْنُ عَرْضِ الجَنَّةِ كَعَرْض السَّماوات والأرْض مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ (السَّمَواتِ) السَّمَواتِ السَّبْعَ كَما قِيلَ بِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ أوِ الرّابِعَةِ إلّا أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها ما يَزِيدُ. وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ قِيلَ: وبِذَلِكَ يُدْفَعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ إذا كانَ عَرْضُ الجَنَّةِ ( كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ ) فَأيْنَ تَكُونُ النّارُ، ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا الآنُ فَهي دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، ويَوْمَ يَثْبُتُ لَها ذَلِكَ لا تَكُونُ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ كَهَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ المُشَبَّهِ بِعَرْضِهِما عَرْضُها، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ: بِالزِّيادَةِ في السَّعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ سَلِمَ إلّا أنَّ كَوْنَها اليَوْمَ دُونَ هَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِكَثِيرٍ في حَيِّزِ المَنعِ ولا يَكادُ يُقْبَلُ، والسُّؤال المَذْكُورُ أجابَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ التَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ «قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابِ هِرَقْلَ وفِيهِ: إنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتِ والأرْضِ فَأيْنَ النّارُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ ؟» ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَوابِ إسْقاطُ المَسْألَةِ وبَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى أنْ يُذْهِبَ اللَّيْلَ حَيْثُ شاءَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النّارَ حَيْثُ شاءَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ خَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ العَرْضَ هَهُنا لَيْسَ مُقابِلَ الطُّولِ بَلْ هو مِن قَوْلِكَ عَرَضْتُ المَتاعَ لِلْبَيْعِ، والمَعْنى أنَّ ثَمَنَها لَوْ بِيعَتْ كَثَمَنِ السَّمَواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِذَلِكَ عِظَمُ مِقْدارِها وجَلالَةُ قَدْرِها، وأنَّهُ لا يُساوِيها شَيْءٌ وإنْ عَظُمَ، فالعَرْضُ بِمَعْنى ما يُعْرَضُ مِنَ الثَّمَنِ في مُقابَلَةِ المَبِيعِ، ورُبَّما يُسْتَغْنى عَلى هَذا عَنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ مِن أنَّ المُرادَ وصْفُها بِأنَّها واسِعَةٌ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لِلْمُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، وأنَّ دُخُولَ غَيْرِهِمْ كَعُصاةِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ والمَجانِينِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وإذا حُمِلَتِ التَّقْوى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا فِيهِ فَبَعِيدٌ عَلى التَّقْوى عَنِ الشِّرْكِ لا ما يَعُمُّهُ وسائِرَ المُحَرَّماتِ لَمْ نَسْتَغْنِ عَنْ هَذا القَوْلِ أيْضًا؛ لِأنَّ المَجانِينَ مَثَلًا لا يَتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى حَقِيقَةً ولَوْ كانَتْ عَنِ الشِّرْكِ كَما لا يَخْفى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ جَنّاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم لا بِالذّاتِ ولا بِالتَّبَعِ، ولَعَلَّها الفِرْدَوْسُ المُصَرَّحُ بِها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فَأسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» وفِيهِ تَأمُّلٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الماضِي، وجَعْلُهُ مِن بابِ ( ونُفِخَ في الصُّورِ ) خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلَيْهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ ( أُعِدَّتْ ) السّابِقُ في حَقِّ النّارِ. صفحة 58 وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ بِناءً عَلى أنَّها تَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ أعْظَمُ مِنهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها فَفِيهِ نَظَرٌ كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَجْنَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنها لِأنَّها قَدْ وصِفَتْ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ وما جاءَ مِن ذَلِكَ مُتَأوَّلٌ عَلى ضَعْفِهِ، والثّانِي أنَّ العَرْضَ هُنا لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ بَلِ المَسافَةُ، والثّالِثُ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها.

آل عمران 3:134

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ مادِحٌ لَهم، وقِيلَ: مُخَصَّصٌ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ أوْ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ( هم ) ومَفْعُولُ ( يُنْفِقُونَ ) مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ المَحْمُودِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي. ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ أيْ في اليُسْرِ والعُسْرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ والِاغْتِمامِ، وقِيلَ: في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِي، وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرِيبِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ، وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ السَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَسُرُّ، والضَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، والمُتَبادِرُ ما قالَهُ الحَبْرُ، والمُرادُ إمّا ظاهِرُهُما أوِ التَّعْمِيمُ كَما عُهِدَ في أمْثالِهِ، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وفي الخَبَرِ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،» «ورُدُوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ». ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أصْلُ الكَظْمِ شَدُّ رَأْسِ القِرْبَةِ عِنْدَ امْتِلائِها، ويُقالُ: فَلا كَظِيمٌ أيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا و( الغَيْظُ ) هَيَجانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُنْكِرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَضَبِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ يَتْبَعُهُ إرادَةَ الِانْتِقامِ البَتَّةَ، ولا كَذَلِكَ الغَيْظُ، وقِيلَ: الغَضَبُ ما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ والبَشَرَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، والغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هُما مُتَلازِمانِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والغَيْظُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ. والمُرادُ والمَتْجَرِّعِينَ لِلْغَيْظِ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنهُ فَلا يُنْفِقُونَ مِمَّنْ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ ولا يُبْدُونَ لَهُ ما يَكْرَهُ، بَلْ يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاذِ والِانْتِقامِ وهَذا هو المَمْدُوحُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ تَعالى قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيِّ الحُورِ شاءَ» وفي الأوَّلِ جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وفي الثّانِي ما هو مِن تَوابِعِهِ، وهَذا الوَصْفُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنْ عُقُوبَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إخْلالٌ بِالدِّينِ، وقِيلَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ إذا أساءُوا، والعُمُومُ أوْلى. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى أجْرٌ فَلا يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا“ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرِفَ لَهُ البُنْيانُ، وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ ويَصِلْ مَن قَطَعَهُ» ”. صفحة 59 وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الآيَةِ:“ إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ " . والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ كانَتِ القِلَّةُ عَلى ظاهِرِها ومُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَوْنُ بَعْضِ الخَصائِصِ كَثِيرًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ لا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلَّفَ في تَوْجِيهِ الحَدِيثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الكاظِمِينَ الغَيْظَ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِغَلَبَةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ السّالِفَةِ لِقِلَّةِ حَمِيَّتِهِمْ ولِذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فِيما بَيْنَهم قَلِيلًا، ولِما تَمَرَّنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى، والتَزَمُوا الِاجْتِنابَ عَنِ المُداهَنَةِ صارَ إنْفاذُ الغَيْظِ عادَتَهم فَلا يَكْظِمُونَ إذا ابْتُلُوا إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فالقَلِيلُ في الخَبَرِ هُمُ الَّذِينَ يَكْظِمُونَ لِقِلَّةِ الحَمِيَّةِ وهُمُ الكَثِيرُونَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلا اخْتِصاصَ لَهم بِمَزِيَّةٍ لِيُتَوَهَّمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ مِمّا تَأْباهُ الإشارَةُ والعِبارَةُ، وأحْسَنُ مِنهُ بَلْ لا نِسْبَةَ أنَّ الكَثْرَةَ نَظَرًا إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ، ولا يَضُرُّ قِلَّةُ وُجُودِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِينا بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الخَلائِقِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ بُعِثَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأسْرِها قَلِيلَةٌ بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ فَضْلًا عَنْ خِيارِها فَتَدَبَّرْ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إشْعارٌ بِكَمالِ حُسْنِ مَوْقِعِ عَفْوِهِ عَلَيْهُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الرُّماةِ، وتَرْكِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُدِبَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَرْكِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن مُجازاةِ المُشْرِكِينَ بِما فَعَلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قالَ حِينَ رَآهُ قَدْ مُثِّلَ بِهِ: «لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ» . ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِصِيغَةِ الفاعِلِ أيْضًا دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ العَفْوَ أشْبَهُ بِالكَظْمِ مِنهُ بِالإنْفاقِ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (134) تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و(ال) إمّا لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ عَلى ما قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الإحْسانُ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ عَلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ عارٍ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في جَمِيعِ تِلْكَ النُّعُوتِ مُحْسِنُونَ إلى الغَيْرِ لا في الإنْفاقِ فَقَطْ. ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الإحْسانِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أنَّ جارِيَةً لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَعَلَتْ تَسْكُبُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَتَهَيَّأ لِلصَّلاةِ فَسَقَطَ الإبْرِيقُ مِن يَدِها فَشَجَّهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ فَقالَ لَها: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي، قالَتْ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ: قَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكِ، قالَتْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:135

ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ عَلى الجِنْسِ بِأنَّهُ أدْخَلُ في المَدْحِ وأنْسَبُ بِذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ ما نَزَلَ حِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا“ إلَخْ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الآيَةِ» . وفِي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ «أنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما فَكانا صفحة 60 لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ مَغازِيهِ وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا فَأدْبَرَ راجِعًا فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى خُنْتَ أمانَتَكَ وعَصَيْتَ رَبَّكَ ولَمْ تَصِلْ إلى حاجَتِكَ، قالَ: ونَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: قُمْ يا فُلانُ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً، فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ فَتَلا: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألِهَذا الرَّجُلِ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» . وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ تَيِّهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، وأيًّا ما كانَ فَبِإطْلاقِ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الرُّماةُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها لَمّا نَزَلَتْ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا ؟ قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ. قالُوا: وما هي ؟ فَأخْبَرَهم، قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم بِذَلِكَ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْصُولٌ عَمّا قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما مُشِيرٌ إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّقْوى أعْلى، وحَظَّهم أوْفى، أوْ عَلى المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ أظْهَرَ وأكْثَرَ، والفاحِشَةُ: الكَبائِرُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغائِرُ قالَهُ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ الهَمْدانِيُّ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الفِعْلِيَّةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ المَعْصِيَةُ القَوْلِيَّةُ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما يَتَعَدّى، ومِنهُ إفْشاءُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ سَبَبُ اجْتِراءِ النّاسِ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِمْ فِيهِ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ كُلُّ ما يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ وتُقالُ لِكُلِّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وكَثِيرًا ما تَرِدُ بِمَعْنى الزِّنا، وأصْلُ الفُحْشِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في السُّوءِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ يَعْنِي الَّذِي جاوَزَ الحَدَّ في البُخْلِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنها هُنا المَعْصِيَةُ البالِغَةَ في القُبْحِ، والظُّلْمُ الذَّنْبُ مُطْلَقًا، وذِكْرُهُ بَعْدَها مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ، وأوْ عَلى الوُجُوهِ لِلتَّنْوِيعِ ولا يَرِدُ أنَّهُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ، وقَدْ تُوُقِّفَ في قَبُولِهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا تَرْدِيدٌ بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ مَن يَسْتَغْفِرُ لِلْفاحِشَةِ ومَن يَسْتَغْفِرُ لِأيِّ ذَنْبٍ صَدَرَ عَنْهُ وكَمْ بَيْنَهُما، وجَوابُ (إذا) قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا حَقَّهُ العَظِيمَ ووَعِيدَهُ، أوْ ذَكَرُوا العَرْضَ عَلَيْهِ، أوْ سُؤالَهُ عَنِ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَهْيِهِ أوْ غُفْرانِهِ، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) جَمالَهُ فاسْتَحْيَوْا، وجَلالَهُ فَهابُوا، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وأحَبُّوا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالمُناسِبَةِ لَهُ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذَّمائِمِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ صفحة 61 ﴿فاسْتَغْفَرُوا﴾ أيْ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ مِنهُ تَعالى ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ كَيْفَما كانَتْ، ومَفْعُولُ ( فاستغفروا ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى أيِ اسْتَغْفَرُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَلْ مَعَ التَّوْبَةِ وإلّا فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ كالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا قالَتْ رابِعَةُ العَدَوِيَّةُ: اسْتِغْفارُنا هَذا يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ أوْ بَيْنَ الحالِ وذِيها، والتَّرْكِيبُ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وأُمُورٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ. أمّا الأوَّلُ فَعَلى وُجُوهٍ: أحَدُها دَلالَةُ اسْمِ الذّاتِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن مَعْنى الغُفْرانِ الواسِعِ، وإيرادُ التَّرْكِيبِ عَلى صِيغَةِ الإنْشاءِ دُونَ الإخْبارِ بِأنْ لَمْ يَقُلْ وما يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ المَعْنى وتَأْكِيدٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَعْرِفُونَ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى غَفْرِ الذُّنُوبِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها سالِفِها وغابِرِها غَيْرَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وثانِيها تَقْدِيمُهُ عَنْ مَكانِهِ وإزالَتِهِ عَنْ مَقَرِّهِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو ( الَّذِينَ ) والخَبَرُ الآتِي، ثُمَّ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوِ الحالِ وصاحِبِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كُلَّما وُجِدَ الِاسْتِغْفارُ لَمْ يَتَخَلَّفِ الغُفْرانَ، وثالِثُها الإتْيانُ بِالجَمْعِ المُحَلّى بِاللّامِ إعْلامًا بِأنَّ التّائِبَ إذا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ يُتَلَقّى بِغُفْرانِ ذُنُوبِهِ كُلِّها فَيَصِيرُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، ورابِعُها دَلالَةُ النَّفْيِ بِالحَصْرِ والإثْباتِ عَلى أنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا كَرَمُهُ وفَضْلُهُ، وذَلِكَ أنَّ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في نَشْرِها كَرَمًا وفَضْلًا، وخامِسُها إسْنادُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وإثْباتُهُ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ بَعْدَ وُجُودِ الِاسْتِغْفارِ وتَنَصُّلِ عَبِيدِهِ يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الوَعْدِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ العَدْلِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ. وأمّا الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ أيْضًا: الأوَّلُ: إنَّ في إبْداءِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ واسْتِعْجالِ المَغْفِرَةِ بِشارَةً عَظِيمَةً وتَطْيِيبًا لِلنُّفُوسِ، والثّانِي: أنَّ العَبْدَ إذا نَظَرَ إلى هَذِهِ العِنايَةِ الشَّدِيدَةِ والِاهْتِمامِ العَظِيمِ في شَأْنِ التَّوْبَةِ يَتَحَرَّكُ نَشاطُهُ ويَهْتَزُّ عَطْفُهُ فَلا يَتَقاعَدُ عَنْها، والثّالِثُ: أنَّ في ضِمْنِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ قَلْعُ اليَأْسِ والقُنُوطِ ولِهَذا عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ . والرّابِعُ: أنَّهُ أُطْلِقَتِ الذُّنُوبُ وعَمَّتْ بَعْدَ ذِكْرِ الفاحِشَةِ وظُلْمِ النَّفْسِ وتَرْكِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ في الغُفْرانِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ وإنْ كَبُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ. والخامِسُ: أنَّ الِاسْمَ الجامِعَ في التَّرْكِيبِ كَما دَلَّ عَلى سِعَةِ الغُفْرانِ بِحَسَبِ المَقامِ يَدُلُّ أيْضًا مَعَ إرادَةِ الحَصْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وكَوْنُهُ حَكِيمًا يَغْفِرُ لِمَن تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ غُفْرانَهُ. وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ ( ألْ ) في (الذُّنُوبِ) لِلْجِنْسِ لِتُفِيدَ الآيَةُ امْتِناعُ صُدُورِ مَغْفِرَةِ فَرْدٍ مِنها مِن غَيْرِهِ تَعالى، وهَذا عَلى ظَنِّهِ لا تُفِيدُهُ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ كُلِّ (الذُّنُوبِ) وحِينَئِذٍ يَزْدادُ أمْرُ المُبالَغَةِ، وأمّا جَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قائِلِينَ ذَلِكَ فَتَعَسُّفٌ يَذْهَبُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ اللَّطِيفَةِ كَما لا يَخْفى، و(مَن) مُبْتَدَأٌ (ويَغْفِرُ) خَبَرُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المَسْتَكِنِ في يَغْفِرُ أوْ فاعِلٌ لَهُ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاسْتَغْفَرُوا﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لَمْ يُقِيمُوا أوْ غَيْرُ مُقِيمِينَ عَلى الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ فاحِشَةً كانَتْ أوْ ظُلْمًا أوْ عَلى فِعْلِهِمْ، وأصْلُ الإصْرارِ الشَّدُّ مِنَ الصَّرِّ، وقِيلَ: الثَّباتُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ الخَيْلَ: عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ غُلالَتَها بِالمُحْصَداتِ (أصَرَّتِ) ويُسْتَعْمَلُ شَرْعًا بِمَعْنى الإقامَةِ عَلى القَبِيحِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ ورُجُوعٍ بِالتَّوْبَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ هَذا صفحة 62 المَعْنى لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ما في المَفْهُومِ مَعَ ما في المَنطُوقِ، فَلَعَلَّهُ فِيهِ بِمَعْنى الإقامَةِ، وإذا حُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى مُجَرَّدِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ فَقَطْ كانَ هَذا مُشِيرًا لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هي مِلاكُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْها في الظّاهِرِ، وإذا حُمِلَ عَلى الحالِ الَّذِي يَنْضَمُّ إلَيْهِ التَّوْبَةُ كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِبَعْضِ ما أُرِيدَ مِنهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ كَما قالُوا في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا:“ كُلُّ ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ " . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكم، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ» . ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ (135) قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا وفِيهِ بُعْدٌ لَفْظِيٌّ، والمَشْهُورُ أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ أصَرُّوا، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُونَ قُبْحَ فِعْلِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الحالَ بَعْدَ الفِعْلِ المَنفِيِّ وكَذا جَمِيعُ القُيُودِ قَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى النَّفْيِ قَيْدًا لَهُ دُونَ المَنفِيِّ، مِثْلُ: ما جِئْتُكَ مُشْتَغِلًا بِأُمُورِكَ بِمَعْنى تَرَكْتُ المَجِيءَ مُشْتَغِلًا بِذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى ما دَخَلَهُ النَّفْيُ مِثْلُ: ما جِئْتُكَ راكِبًا، ولِهَذا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونُ النَّفْيُ راجِعًا إلى القَيْدِ فَقَطْ ويَثْبُتُ أصْلُ الفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى جِئْتُ غَيْرَ راكِبٍ، وثانِيهِما: أنْ يَقْصِدَ نَفْيَ الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا بِمَعْنى انْتِفاءِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ فالمَعْنى في المِثالِ لا مَجِيءَ ولا رُكُوبَ، وقَدْ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ وهم ( يَعْلَمُونَ ) قَيْدًا لِلنَّفْيِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، بَلْ مَعَ الجَهْلِ أوْلى، ولا يَصِحُّ أيْضًا فِيها أنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ فَقَطْ مَعَ إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إثْباتِ الإصْرارِ ونَفْيِ العِلْمِ، وكَذا لا يَصِحُّ تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى نَفْيِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُناسِبَ فِيها تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ، والمُرادُ لَمْ يُصِرُّوا عالِمِينَ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ الإصْرارِ مُتَحَقِّقٌ البَتَّةَ. ولَكَ أنْ تَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ هُنا قَيْدًا لِلنَّفْيِ ويَكُونُ المَعْنى تَرَكُوا الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ الذَّنْبَ قَبِيحٌ؛ فَإنَّ الحالَ قَدْ يَجِيءُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ. وحَدِيثُ إنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ، سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، فَلا دَخْلَ لِمَضْمُونِ الحالِ في إيجابِ الأجْرِ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحالِ تَقْيِيدَ الإصْرارِ بِها لِإيجابِ الأجْرِ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، بَلِ المُرادُ مَدْحُهم بِأنَّ تَرْكَهُمُ الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِأجْلِ أنَّ فِيهِمْ ما هو زاجِرٌ عَنْهُ وهو عِلْمُهم بِقُبْحِ الذَّنْبِ، فَيَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّ مِن صِفاتِهِمُ التَّحَرُّزَ عَنِ القَبائِحِ، وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ تَعَيُّنَ كَوْنِ الحالِ قَيْدًا لِلْمَنفِي وأنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ، والمَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الإصْرارُ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِ الجَزاءِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالقُبْحِ لا يُحْرَمُ الجَزاءَ، وغَيْرَ المُصِرِّ لِكَسالَةٍ أوْ لِعَدَمِ مَيْلِ الطَّبْعِ لا يَبْلُغُهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الكَفِّ لا عَلى العَدَمِ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ أحَدٍ أجِزْيَةٌ لا تَتَناهى لِعَدَمِ فِعْلِ قَبائِحَ لا تَتَناهى لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ: وغَيْرُ المُصِرِّ إلَخْ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجَزاءَ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ، وكَأنَّ مِن جَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا أرادَ الفِرارَ مِن هَذِهِ الدَّغْدَغَةِ، وأنا أقُولُ: إنَّ الحالَ قُيِّدَ لِلنَّفْيِ ومُتَعَلِّقِ العِلْمِ، ولَيْسَ هو القُبْحَ بَلْ إنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، والمَعْنى أنَّهم تَرَكُوا الإقامَةَ عَلى الذَّنْبِ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن عِبادِهِ ويَغْفِرُ لَهم، وهو إيذانٌ بِأنَّهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ صفحة 63 اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَرِدُ عَلى هَذا دَعْوى عَدَمِ الفائِدَةِ كَما أُورِدَ أوَّلًا، إذْ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّ تَرْكَ الإصْرارِ إنَّما يُوجِبُ الأجْرُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَأْسٌ، فَإنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ مَدْحَهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْلى مِن مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ قُبْحَ الفِعْلِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مُعْتَرِضَةً لِذَلِكَ كَما سِيقَتْ كَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ لِما سِيقَتْ لَهُ، وأمّا جَعْلُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ لَمْ يُصِرُّوا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا ولا يَصِحُّ اسْتِقْلالًا فَلَيْسَ بِالَّذِي تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ.

آل عمران 3:136

( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ أخِيرًا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، والبُعْدُ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُعْظَمُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ وهم طائِفَةٌ واحِدَةٌ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَغْفِرَة ) خَبَرُ ( أُولَئِكَ ) أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ ( ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ ) إلَخْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وادَّعى مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِنَظْمِ المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الذَّنْبِ في سِ لْكِ الجَزاءِ إذْ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ( أُولَئِكَ ) إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها كاشِفَةٌ عَنْ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ المُحْسِنِينَ والتّائِبِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما هو مِن أوْصافِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ شائِبَةُ الذَّنْبِ حَتّى يَذْكُرَ في مَطْلَعِ الجَزاءِ الشّامِلِ لَهُما المَغْفِرَةَ، وتَخْصِيصُ الإشارَةِ بِالأخِيرَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِما في حُكْمِ إعْدادِ الجَنَّةِ لَهُما تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى. والَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُلٍ واحِدٍ أحَدُ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ أشارَ إلَيْهِما بَلِ الأوَّلِ مِنهُما، وتَكُونُ هَذِهِ الإشارَةُ كَما قالَ صاحِبُ القِيلِ، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ هي المَغْفِرَةُ الَّتِي أُمِرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن لَهُ ذَنْبٌ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مِنهم بِالمُسارَعَةِ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها، فَلا يَضُرُّ وُقُوعُها في مَطْلَعِ الجَزاءِ ( مِن رَبِّهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمَغْفِرَةِ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ مَعَ التَّشْرِيفِ ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَغْفِرَةٌ ) والمُرادُ بِها جَنّاتٌ في ضِمْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ الَّتِي أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عَرْضَها السَّمَوات والأرْض ولَيْسَ جَنّاتٌ وراءَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ القِيلِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِإعْدادِ ما وُصِفَ أوَّلًا تَنْصِيصًا عَلى وصْفِها بِاشْتِمالِها عَلى ما يَزِيدُها بَهْجَةً مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ بَعْدَ وصْفِها بِالسِّعَةِ، والإخْبارُ بِأنَّها جَزاؤُهم وأجْرُهُمُ الَّذِي لا بُدَّ بِمُقْتَضى الفَضْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا فَوْقَ الإخْبارِ بِالإعْدادِ أوْ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى طُرُزِ ما ذُكِرَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ التَّنْكِيرَ يُشْعِرُ بِكَوْنِها أدْنى مِنَ الجَنَّةِ السّابِقَةِ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَيِّدُ رُجْحانَ الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وفِيهِ تَرَدُّدُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( جَزاؤُهم ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى إذْ هو في قُوَّةِ يَجْزِيهِمُ اللَّهُ جَنّاتٍ خالِدِينَ فِيها، ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ في اللَّفْظِ وهي لِأصْحابِها في المَعْنى إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأُبْرِزَ الضَّمِيرُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ (136) المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الجَنَّةُ، وعَلى ذَلِكَ اقْتَصَرَ مُقاتِلٌ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ ذَلِكَ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ. صفحة 64 وفِي الجُمْلَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وُجُوهٌ مِنَ المُحَسِّناتِ: أحَدُها أنَّها كالتَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَيُفِيدُ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ الوَعْدِ، وثانِيها في إقامَةِ الأجْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الجَزاءِ لِأنَّ الأصْلَ ( ونِعْمَ ) هو أيْ جَزاؤُهم إيجابُ إنْجازِ هَذا الوَعْدِ، وتَصْوِيرُ صُورَةِ العَمَلِ في العِمالَةِ تَنْشِيطًا لِلْعامِلِ، وثالِثُها في تَعْمِيمِ العامِلِينَ وإقامَتِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِ المَطْلُوبِ لِلْمَذْكُورِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ الَّذِي جُعِلَ هَذا كالتَّذْيِيلِ لَهُ إمّا الكَلامُ الَّذِي في شَأْنِ التّائِبِينَ، أوْ جَمِيعُ الكَلامِ السّابِقِ عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قالَ: وكَفاكَ في الفَرْقِ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ وهُما المُتَّقُونَ الَّذِينَ أتَوْا بِالواجِباتِ بِأسْرِها واجْتَنَبُوا المَعاصِيَ بِرُمَّتِها، والمُسْتَغْفِرُونَ لِذُنُوبِهِمْ بَعْدَما أذْنَبُوا وارْتَكَبُوا الفَواحِشَ والظُّلْمَ أنَّهُ تَعالى فَصَّلَ آيَةَ الأوَّلِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفَصَّلَ آيَةَ الآخَرِينَ بِقَوْلِهِ جَلَ وعَلا: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّ هَؤُلاءِ أُجَراءٌ وأنَّ ما أُعْطُوا مِنَ الأجْرِ جَزاءٌ لَتَدارُكِهِمْ بَعْضَ ما فَوَّتُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ وبَعِيدٌ ما بَيْنَ السَّمَكِ والسَّمّاكِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّعْتَيْنِ نَعْتَ رَجُلٍ واحِدٍ كَما حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِيبَ تِلْكَ لِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وأيُّ مانِعٍ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَهم بِهِ ولا بُدَّ وكَوْنَهم إذا أذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا لا يُنافِي كَوْنَهم مُحْسِنِينَ، أمّا إذا أُرِيدَ مِنَ الإحْسانِ الإنْعامُ عَلى الغَيْرِ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، أوْ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، كَما صُرِّحَ بِهِ في الصَّحِيحِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ لَوْ نافى لَزِمَ أنْ لا يَصْدُقَ المُحْسِنُ إلّا عَلى نَحْوِ المَعْصُومِ، ولا يَصْدُقُ عَلى مَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى وأطاعَهُ مُدَّةً مَدِيدَةً عَلى ألْيَقِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ ثُمَّ عَصاهُ لَحْظَةً فَنَدِمَ أشَدَّ النَّدَمِ واسْتَغْفَرَ سَيِّدَ الِاسْتِغْفارِ، ولا أظُنُّ أحَدًا يَقُولُ بِذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ في هَذِهِ الآياتِ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ - دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، مُتَّقِينَ وتائِبِينَ، ومُصِرِّينَ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُصِرِّينَ تُغْفَرُ ذُنُوبُهم ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُصِرِّينَ لا تُغْفَرُ ذُنُوبَهم ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ فَلا لِأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الحُكْمِ لَيْسَ بَيانًا لِحُكْمِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ، ودالٌّ عَلى المُخالَفَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وكَفى في تَحَقُّقِها أنَّهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ وأنَّهم لا يَخْلُونَ عَنْ تَعْنِيفٍ أقَلُّهُ تَعْيِيرُهم بِما أذْنَبُوهُ مُفَصَّلًا – ويا لَهُ مِن فَضِيحَةٍ - وهَذا ما لا بُدَّ مِنهُ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وحِينَئِذٍ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ المَغْفِرَةُ الكامِلَةُ كَما لِلتّائِبِينَ عَلى أنَّ مُقْتَضى ما في الآياتِ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ جَزاءً لِلْمُصِرِّ، وكَذَلِكَ المَغْفِرَةُ، أمّا نَفْيَ التَّفَضُّلِ بِهِما فَلا، وهَذا عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ واضِحٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ وُجُوبًا وعَدَمَ وُجُوبٍ، وأمّا عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ التَّفَضُّلَ قِسْمانِ: قِسْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى العَمَلِ تَرَتُّبَ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ يُسَمّى أجْرًا وجُزْءًا، وقِسْمٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلى العَمَلِ فَمِنهُ ما هو تَتْمِيمٌ لِلْأجْرِ كَمًّا أوْ كَيْفًا كَما وعَدَهُ مِنَ الأضْعافِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما هو مَحْضُ التَّفَضُّلِ حَقِيقَةً واسْمًا كالعَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ ورُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى في دارِ القَرارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ورَدَتْ خِطابًا لِآكِلِي الرِّبا مِنَ المُؤْمِنِينَ ورَدْعًا لَهم عَنِ الإصْرارِ عَلى ما يُؤَدِّيهِمْ إلى دَرَكاتِ الهالِكِينَ مِنَ الكافِرِينَ وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ والمُسارَعَةِ إلى نَيْلِ الدَّرَجاتِ مَعَ الفائِزِينَ مِنَ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، فَإدْراجُ المُصِرِّينَ في هَذا المَقامِ بَعِيدُ المَرْمى لِأنَّهُ إغْراءٌ وتَشْجِيعٌ عَلى الذَّنْبِ، لا زَجْرٌ ولا تَرْهِيبٌ، فَبَيَّنَ بِالآياتِ صفحة 65 مَعْنى المُتَّقِينَ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ومَزِيدَ تَصْوِيرِ مَقاماتِ الأوْلِياءِ ومَراتِبِهِمْ لِيَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ التّائِبِينَ واسْتِغْفارِهِمْ وعَدَمِ الإصْرارِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِهَؤُلاءِ، وجَمِيعُ الفَوائِدِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ تَدْخُلُ في المَعْنى، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ دَلالَةَ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ مَهْجُورَةٌ لِأنَّ مَقامَ التَّحْرِيضِ والحَثِّ أخْرَجَ المُصِرِّينَ، والحاصِلُ أنَّ شَرْطَ دَلالَةِ المَفْهُومِ هُنا مُنْتَفٍ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِذَلِكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أصْلًا.

آل عمران 3:137

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ أيْ وقائِعُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أجْراها اللَّهُ تَعالى حَسَبَ عادَتِهِ، وقالَ المُفَضَّلُ: إنَّ المُرادَ بِها الأُمَمُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنى الأُمَّةِ في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ: ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكم ولا رَأوْا مِثْلَكم في سالِفِ السُّنَنِ وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، فالمَعْنى قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ وأدْيانٌ نُسِخَتْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ هَذا إمّا مُساقٌ لِحَمْلِ المُكَلَّفِينَ أوْ آكِلِي الرِّبا عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ أوْ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ أوْ عَلى كِلَيْهِما بِنَوْعٍ غَيْرِ ما سَبَقَ - كَما قِيلَ - وإمّا عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِي الرَّشَدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ عَلى رَأْيٍ، وذِكْرُ مُضِيِّ الأدْيانِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ ارْتِباطٍ بِذَلِكَ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَهِنُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ أنَّ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْسَخُ ولا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ بَداءٌ، وتَحْرِيضًا لِلْيَهُودِ وحَثًّا عَلى قَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، وإنْذارًا لَهم مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ما وقَعَ عَلى المُكَذِّبِينَ، وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم عَلى المُكَذِّبِينَ، نَعَمْ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى الشَّرِيعَةِ أقْرَبُ مِن إطْلاقِها عَلى الوَقْعَةِ لِأنَّها في الأصْلِ الطَّرِيقَةُ والعادَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( سُنَنٌ ) أيْ سُنَنٌ كائِنَةٌ مِن قَبْلِكم ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ بِأقْدامِكم أوْ بِأفْهامِكم ﴿فانْظُرُوا﴾ أيْ تَأمَّلُوا. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ (137) أيْ آخِرُ أمْرِهِمُ الَّذِي أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم لِأنْبِيائِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِسَبَبِيَّةِ الخُلُوِّ لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوِ الأمْرِ بِهِما، وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ ( فَسِيرُوا ) إلَخْ، والخِطابُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُساقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ النَّقّاشُ: لِلْكُفّارِ - وفِيهِ بُعْدٌ - و( كَيْفَ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ - لِكانَ - مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.

آل عمران 3:138

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (138) الِإشارَةُ إمّا إلى القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وخُدِشَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ، وإمّا إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ الكُفّارِ والمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآيَةُ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى والتَّوْبَةِ - كَما قِيلَ - ووَجْهُ الِاعْتِراضِ لِدَفْعِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ المُعْتَرِضَةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمُعْتَرَضِ فِيهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِآكِلِي الرِّبا، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى التَّرْهِيبِ، ومَعْناهُ راجِعٌ إلى التَّرْغِيبِ بِحَسَبِ التَّضادِّ، كَما أنَّ بَعْضَ الآياتِ الوارِدَةِ في الرَّحْمَنِ لِلْوَعِيدِ تُعَدُّ مِنَ الآلاءِ بِحَسَبِ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي فَيَتَأتّى التَّوْكِيدُ دُونَ نَقْصٍ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعَسُّفٌ، وإمّا إلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قَدْ خَلَتْ ) إلَخْ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والبَلْخِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ – وألْ - في النّاسِ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِبَيانٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ صفحة 66 وقَعَ صِفَةً لَهم أيْ هَذا إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَإنَّ الأمْرَ السّابِقَ وإنْ كانَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى المُخْتارِ، لَكِنَّ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ فَفِيهِ حَمْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أيْضًا عَلى أنْ يَنْظُرُوا في عاقِبَةِ أسْلافِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، والمَوْعِظَةُ ما يُلِينُ القَلْبَ ويَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِما فِيهِ طاعَةٌ، والهُدى بَيانُ طَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيانِ أنَّ الثّانِي إظْهارُ المَعْنى كائِنًا ما كانَ، ولِكَوْنِ المُرادِ بِهِ هُنا ما كانَ عارِيًا عَنِ الهُدى والعِظَةِ خَصَّهُ بِالنّاسِ مَعَ أنَّ ظاهِرَهُ شامِلٌ لِلْمُتَّقِينَ. والمُرادُ بِهِمْ مُقابِلُ المُكَذِّبِينَ وكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى وزِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ لَكم لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ مَدارَ ذَلِكَ كَوْنُهُ هُدًى ومَوْعِظَةً لَهم، إنَّما هو تَقْواهم وعَدَمُ تَكْذِيبِهِمْ، وقَدَّمَ بَيانَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ عَلى بَيانِ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالسِّياقِ لِأنَّ أوَّلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مُشاهَدَةِ آثارِ هَلاكِ أسْلافِهِمْ ظُهُورُ حالِ أخْلافِهِمْ، وأمّا الهُدى فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الأمْرَيْنِ في جانِبِ المُتَّقِينَ مَعَ تَرَتُّبِهِما عَلى البَيانِ لِما أنَّهُما المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، وقِيلَ: ألْ في النّاسِ لِلْجِنْسِ. والمُرادُ بَيانٌ لِجَمِيعِ النّاسِ لَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِهِ المُتَّقُونَ لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَجِعُونَ بِوَعْظِهِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُرادَ مِنَ المُتَّقِينَ الصّائِرُونَ إلى التَّقْوى فَيَبْقى الهُدى والمَوْعِظَةُ بِلا زِيادَةٍ، وإنْ يُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ المُتَّقِينَ بِالفِعْلِ، فَيَحْتاجُ الهُدى وما عُطِفَ عَلَيْهِ إلى اعْتِبارِ ما يَعُمُّ الِابْتِداءَ والزِّيادَةَ فِيهِ، ولا يَخْفى ما في الثّانِي مِن زِيادَةِ البُعْدِ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في مَوْضِعَيْنِ، وأمّا الأوَّلُ فَفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ الِارْتِكابِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو وإنْ شارَكَ ما قُلْناهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، إلّا أنَّ ما ارْتَكَبْناهُ يَهْدِي إلَيْهِ في الجُمْلَةِ التَّنْوِينُ الَّذِي في الكَلِمَةِ ولا كَذَلِكَ ما ارْتَكَبُوهُ، بَلِ اعْتِبارُ الكَمالِ المُشْعِرُ بِهِ الإطْلاقُ رُبَّما يَأْباهُ، ولَعَلَّهُ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ هانَ أمْرُ نَزْعِ الخُفِّ.

آل عمران 3:139

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، اللَّهُمَّ لَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَصَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم» . وعَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِما نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِطَلَبِ القَوْمِ، وقَدْ أصابَهم مِنَ الجِراحِ ما أصابَهم، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا بِالأمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ وأيًّا ما كانَ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( سِيرُوا في الأرْضِ ) بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ومُرْتَبِطَةٌ بِهِ بِحَسَبِ المَعْنى إنْ قُلْنا إنَّهُ عَوْدٌ إلى التَّفْصِيلِ، وبِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ - إنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ - وبِهِ قالَ جَمْعٌ، وجَعَلُوا تَوْسِيطَ حَدِيثِ الرِّبا اسْتِطْرادًا أوْ إشارَةً إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن عَداوَةِ الدِّينِ ومُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ يَظْهَرُ الرَّبْطُ، وقَدْ مَرَّ تَوْجِيهُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ارْتِباطَ هَذِهِ الآيَةِ لَفْظًا بِمَحْذُوفٍ أيْ كُونُوا مُجِدِّينَ ولا تَهِنُوا، ومَضى عَلى الخِلافِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والوَهْنُ الضَّعْفُ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنْ قِتالِ أعْدائِكم والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما أصَبْتُمْ بِهِ مِن قَتْلِ الأعِزَّةِ، وقَدْ قُتِلَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ صفحة 67 ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعُثْمانُ بْنُ شَمّاسٍ، وسَعْدٌ مَوْلى عُتْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وسَبْعُونَ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: ( لا تَحْزَنُوا ) عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ النَّهْيِ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، بَلِ المُرادُ التَّسْلِيَةُ والتَّشْجِيعُ، وإنْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الوَهْنِ والحُزْنِ مِنَ الآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ أيْ لا تَفْعَلُوا ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ أيْ والحالُ أنَّكُمُ ( الأعْلَوْنَ ) الغالِبُونَ دُونَ أعْدائِكم، فَإنَّ مَصِيرَهم مَصِيرُ أسْلافِهِمُ المُكَذِّبِينَ فَهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ الإشْعارِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ. حَكى القُرْطُبِيُّ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أوِ المُرادُ والحالُ أنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِنُصْرَةِ كَلِمَةِ الشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، واشْتِراكُهم عَلى هَذا في العُلُوِّ بِناءً عَلى الظّاهِرِ وزَعْمِهِمْ، وإذا أُخِذَ العُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ لا يَحْتاجُ إلى هَذا لِما أنَّ الحَرْبَ سِجالٌ، وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ حالًا مِنهم حَيْثُ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْبَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وجَعَلَها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ النَّهْيِ المَذْكُورِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (139) لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مَعْنًى، وإنْ كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ ومَزِيدَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى التَّعَلُّقِ مِمّا لا بَأْسَ بِها، لَكِنَّ الحُكْمَ - بِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً - مُعْتَرِضٌ بِالبُعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِالأعْلَوْنَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالنُّصْرَةِ والظَّفَرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ولا اخْتِصاصَ لِهَذا الِاحْتِمالِ بِالِاحْتِمالِ الأخِيرِ مِنِ احْتِمالَيِ التَّعَلُّقِ كَما يُوهِمُهُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّرْطِ هُنا تَحْقِيقُ المُعَلِّقِ بِهِ كَما في قَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي أجْرِي، أوْ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِوَلَدِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَلا تَعْصِنِي، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ لا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا لِإجْلِ كَوْنِكم مُؤْمِنِينَ، أوْ ( وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) لِأجْلِ ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الإيمانِ لَيْسَ لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْمَقامِ.

آل عمران 3:140

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ كالدُّفِّ والدَّفِّ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ، وقالَ الفَرّاءُ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَّمِّ ألَمُها، ويُقْرَأُ بِضَمِّ القافِ والرّاءِ عَلى الإتْباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، والطُّنْبِ والطُّنُبِ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ بِفَتْحِهِما، وهو مَصْدَرُ قَرِحَ يَقْرَحُ إذا صارَ لَهُ قُرْحَةٌ، والمَعْنى إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم قَبْلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفُ ذَلِكَ قُلُوبَهم ولَمْ يُثَبِّطْهم عَنْ مُعاوَدَتِكم بِالقِتالِ وأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَضْعُفُوا؛ فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَرْجُونَ، والمُضارِعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ المَساسَ مَضى، وأمّا اسْتِعْمالُ إنْ فِبَتَقْدِيرِ كانَ أيْ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ، و(إنْ) لا تَتَصَرَّفُ في كانَ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ، أوْ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ( إنْ ) قَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ مِن غَيْرِ نَقْلِ فِعْلِهِ مِنَ الماضِي إلى المُسْتَقْبَلِ، وما وقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِجَوابِ حَقِيقَةٍ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ هَذا الشَّرْطِ، بَلْ دَلِيلُ الجَوابِ، والمُرادُ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ فَذَلِكَ لا يُصَحِّحُ عُذْرَكم وتَقاعُدَكم عَنِ الجِهادِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَسَّ أعْداءَكم صفحة 68 مِثْلُهُ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، أوْ يُقالُ: إنْ مَسَّكم قَرْحٌ فَتَسَلَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ القَتْلى في الجُمْلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَةً وسَبْعِينَ وجَرَحُوا سَبْعِينَ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ القَرْحِ بِمُجَرَّدٍ الِانْهِزامِ دُونَ تَكْثِيرِ القَتْلى فِرارًا مِن هَذا الإيرادِ، وأبْعَدَ بَعْضٌ في تَوْجِيهِ الآيَةِ وحَمَلَها عَلى ما لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: الأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ فَلا تَهِنُوا لِأنَّهُ ﴿مَسَّ القَوْمَ﴾ أيِ الرِّجالَ ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ والقَرْحُ لِلرِّجالِ لا لِلنِّساءِ، فَمَن هو مِن زُمْرَةِ الرِّجالِ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْرِضَ عَمّا هو سَمْتُهُ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى لَهُ، وبِهَذا يَظْهَرُ بَقاءُ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ، وأنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وكَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ قَرْحَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ قَرْحِهِمْ، ولا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الجَوابِ. وقِيلَ: إنْ كِلا المَسَّيْنِ كانَ في أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّهم قَتَلُوا مِنهم نَيِّفًا وعِشْرِينَ رَجُلًا أحَدَهم صاحِبَ لِوائِهِمْ، وجَرَحُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وعَقَرُوا عامَّةَ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَرْحَ الَّذِي مَسَّهم أنَّهم رَجَعُوا خائِبِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى ما بَعْدَهُ كَما في الضَّمائِرِ المُبْهَمَةِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها نَحْوُ - رَبَّهُ رَجُلًا - ومِثْلُهُ يُفِيدُ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ، و( الأيّامُ ) بِمَعْنى الأوْقاتِ لا الأيّامُ العُرْفِيَّةُ، وتَعْرِيفُها لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى أوْقاتِ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ، ويَوْما بَدْرٍ وأُحُدٍ داخِلانِ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ نُصَرِّفُها بَيْنَهم فَنُدِيلُ لِهَؤُلاءِ مَرَّةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَما وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ أُحُدٍ، والمُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا انْتَقَلَ مِن واحِدٍ إلى واحِدٍ، و(النّاسِ) عامٌّ، وفَسَّرَهُ ابْنُ سِيرِينَ بِالأُمَراءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، و(الأيّامُ) خَبَرُهُ، و(نُداوِلُها) في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (الأيّامُ) صِفَةً أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿نُداوِلُها﴾ هو الخَبَرُ، و(بَيْنَ النّاسِ) ظَرْفٌ لِنُداوِلُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ الدّالَّةُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ تِلْكَ المُداوَلَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ قاطِبَةً إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى، ومِن كَلامِهِمُ: الأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، وفي هَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ يُداوِلُها. ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ مُطْلَقِ المُداوَلَةِ المُشارِ إلَيْها فِيما قَبْلُ، وهي المُداوَلَةُ المَعْهُودَةُ الجارِيَةُ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُطْلَقُ مِنَ الفِعْلِ المُقَيَّدِ بِالوُقُوعِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَها مُعْتَبَرَةٍ، إمّا عَلى الخُصُوصِ والتَّعْيِينِ لِلدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿نُداوِلُها﴾ بَيْنَكم وبَيْنَ عَدُوِّكم لِيَظْهَرَ أمْرُكم ولِيُعْلَمَ، وإمّا عَلى العُمُومِ والإبْهامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِلَلَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما عُدَّ مِنَ الأُمُورِ، وأنَّ العَبْدَ يَسْؤُوهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ ولا يَشْعُرُ بِما لِلَّهِ في طَيِّهِ مِنَ الألْطافِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَجْعَلُها دُوَلًا بَيْنَكم لِتَكُونَ حِكَمًا وفَوائِدَ جَمَّةً ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ إلَخْ وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِعِلَّةِ هَذا الفَرْدِ مِن مُطْلَقِ المُداوَلَةِ دُونَ سائِرِ أفْرادِها الجارِيَةِ بَيْنَ بَقِيَّةِ الأُمَمِ تَعْيِينًا أوْ إيهامًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِبَيانِها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المَحْذُوفَ المُبْهَمَ عِبارَةٌ عَنْ عِلَلِ سائِرِ أفْرادِها لِلْإشارَةِ إجْمالًا إلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِها لَهُ عِلَّةٌ داعِيَةٌ في الظّاهِرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: صفحة 69 ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ كافَّةً لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِنَ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى تِلْكَ الإفْرادِ، ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ إلَخْ فاللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِتِلْكَ الأفْرادِ، والثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالفَرْدِ المَعْهُودِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: داوَلَتْ بَيْنَكُمُ الأيّامُ لِأنَّ هَذِهِ عادَتُنا (ولِيَعْلَمَ) إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِهِ مَحْذُوفٌ ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ ( ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) فِعْلَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن زَعَمَ زِيادَةَ الواوِ وهو مِن ضِيقِ المَجالِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، والعِلْمُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ التَّمْيِيزِ مِن بابِ إطْلاقٍ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أيْ لِيَمِيزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ. وحَمْلُ العِلْمِ عَلى التَّمْيِيزِ في حالِ التَّمْثِيلِ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ العِلْمِ عَلى التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزَيِّ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في البَقَرَةِ. وبِالجُمْلَةِ لا يَرِدُ لُزُومُ حُدُوثِ العِلْمِ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى وإطْلاقُ الإيمانِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الرُّسُوخُ والإخْلاصُ فِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اسْمَ الإيمانِ لا يَنْطَلِقُ عَلى غَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّقْدِيرَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنَ مِنَ المُنافِقِ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ صَبْرَ الَّذِينَ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِأنَّ صُدُورَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ مِن أفْعالِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ مَنشَأِ مُعَيَّنٍ مِن صِفاتِهِ الَّتِي اسْتَجْمَعَها هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ مُغايِرٌ لِمَنشَأِ الآخَرِ. ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ جَمْعُ شَهِيدٍ وهو قَتِيلُ المَعْرَكَةِ وأرادَ بِهِمْ شُهَداءَ أُحُدٍ كَما قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، و(مِن): ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَّخِذَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (شُهَداءَ)، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ أيْ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما ظَهَرَ مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ الصِّدْقِ لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، و(مِن) عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ وظِيفَةُ الكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَما أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ، فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بَعِيرٍ، فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ ؟ قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ أخُوها وزَوْجُها أوْ زَوْجُها وابْنُها، فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ قالُوا: حَيٌّ، قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ، ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ وكَنّى بِالِاتِّخاذِ عَنِ الإكْرامِ لِأنَّ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتارَهُ وارْتَضاهُ، فالمَعْنى لِيُكْرِمَ أُناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (140) أيْ يُبْغِضُهم، والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ إمّا المُنافِقُونَ كابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعَهُ الَّذِينَ فارَقُوا جَيْشَ الإسْلامِ عَلى ما نَقَلْناهُ فِيما قَبْلُ فَهم في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ المُفَسَّرُ بِالثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ الَّذِينَ تُوافِقُ ظَواهِرُهم بَواطِنَهم، وإمّا بِمَعْنى الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرٍ مَضْمُونِ ما قَبْلَها، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يُغَلِّبُهُ أحْيانًا اسْتِدْراجًا وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ النُّصْرَةُ دائِمًا لِلْمُؤْمِنِينَ لَكانَ النّاسُ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ عَلى سَبِيلِ اليُمْنِ والفَأْلِ، والمَقْصُودُ غَيْرُ ذَلِكَ.

آل عمران 3:141

﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُصَفِّيَهم مِنَ السَّيِّئاتِ. صفحة 70 وأصْلُ التَّمْحِيصِ كَما قالَ الخَلِيلُ: تَخْلِيصُ الشَّيْءِ مِن كُلِّ عَيْبٍ يُقالُ: مَحَّصْتُ الذَّهَبَ إذا أزَلْتَ خُبْثَهُ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَتَّخِذَ) وتَكْرِيرُ اللّامِ لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ ولِذَلِكَ أظْهَرَ الِاسْمَ الجَلِيلَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ أوْ لِتَذْكِيرِ التَّعْلِيلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالِاعْتِراضِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخَ الإسْلامِ عِلَلٌ لِلْمُداوَلَةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى البَيانِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ العِلَّةِ الأخِيرَةِ عَنِ الِاعْتِراضِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ المُذْنِبِينَ في الظّالِمِينَ، أوْ لِتَقْتَرِنَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ (141) لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنَ التَّمْحِيصِ والمَحْقِ إزالَةٌ إلّا أنَّ في الأوَّلِ إزالَةَ الآثارِ وإزاحَةَ الأوْضارِ، وفي الثّانِي إزالَةَ العَيْنِ وإهْلاكَ النَّفْسِ، وأصْلُ المَحْقِ تَنْقِيصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ المِحاقُ، والمَعْنى: ويُهْلِكَ الكافِرِينَ، ولا يُبْقِيَ مِنهم أحَدًا، يَنْفُخُ النّارَ، وهَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنهم هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَحَقَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّ الكُفّارَ إذا غَلَبُوا أحْيانًا اغْتَرُّوا وأوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ في أوْحالِ الأمَلِ، ووَسْوَسَ لَهم فَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ وخَلَّدَهم في النّارِ.

آل عمران 3:142

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ خِطابٌ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما هي الغايَةُ القُصْوى مِنَ المُداوَلَةِ، والنَّتِيجَةُ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَلِ الثَّلاثِ الأُوَلِ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وكَوْنُها مُتَّصِلَةً، وعَدِيلُها مُقَدَّرٌ تَكَلُّفٌ، والإضْرابُ عَنِ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ العِلَلِ فِيما لَقُوا مِنَ الشِّدَّةِ إلى تَحْقِيقٍ أنَّها مِن مَبادِي الفَوْزِ بِالمَطْلَبِ الأسْنى والمَقامَ الأعْلى، والمَعْنى بَلْ لا يَنْبَغِي مِنكم أنْ تَظُنُّوا أنَّكم تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وتَفُوزُونَ بِنَعِيمِها وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها، ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَدْخُلُوا ) مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ رَجاءَ الأجْرِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ العُقُولِ، ولِهَذا قِيلَ: تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلَكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ ووَرَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ التَّنْجِيزِيِّ كَما مَرَّ في الإثْباتِ عَلى رَأْيٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ مِن لَوازِمِ نَفْيِ التَّحَقُّقِ إذِ التَّحَقُّقُ مَلْزُومُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيُ اللّازِمِ لازِمٌ نَفْيَ المَلْزُومِ، وكَثِيرًا ما يُقالُ: ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى في فُلانٍ خَيْرًا ويُرادُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، وهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ في نَفْيِ عِلْمِنا أمْ لا، فِيهِ تَرَدُّدٌ، والَّذِي قَطَعَ بِهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ الثّانِي، وإيثارُ الكِنايَةِ عَلى التَّصْرِيحِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَعْنى المُرادِ، وهو عَدَمُ تَحَقُّقِ الجِهادِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِلْفَوْزِ الأعْظَمِ مِنهم، لِما أنَّ الكَلامَ عَلَيْها كَدَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ أيْضًا إلى تَرْكِ الرِّياءِ، وأنَّ المَقْصُودَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا النّاسُ، وإنَّما وُجِّهَ النَّفْيُ إلى المَوْصُوفِينَ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ هو الوَصْفُ الَّذِي هو الجِهادُ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ ذَلِكَ، وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ أصْلًا، وكَيْفَ تُحَقَّقُ صِفَةٌ بِدُونِ مَوْصُوفٍ، وفي اخْتِيارِ (لَمّا) عَلى لَمْ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِهادَ مُتَوَقَّعٌ مِنهم فِيما يُسْتَقْبَلُ بِناءً عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( لَمّا ) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها، وقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ إذا قِيلَ: قَدْ فَعَلَ فُلانٌ فَجَوابُهُ: لَمّا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: فَعَلَ ؟ فَجَوابُهُ: لَمْ يَفْعَلْ، فَإذا قِيلَ: لَقَدْ فَعَلَ، فَجَوابُهُ ما فَعَلَ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ فَعَلَ، فَقالَ المُجِيبُ: واللَّهِ صفحة 71 ما فَعَلَ، وإذا قِيلَ: هو يَفْعَلُ يُرِيدُ ما يُسْتَقْبَلُ، فَجَوابُهُ لا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: سَيَفْعَلُ فَجَوابُهُ لَنْ يَفْعَلَ، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ القَوْلَ بِأنْ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ، نَعَمْ هَذا التَّوَقُّعُ هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في تَأْكِيدِ الإنْكارِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمَ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ فَحُذِفَتْ في الدَّرَجِ، وقَدْ أجازُوا حَذْفَها إمّا بِشَرْطِ مُلاقاةِ ساكِنٍ بَعْدَها أوْ مُطْلَقًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا قُلْتُ قَدْنِي قالَ بِاللَّهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لَتُغْنِي عَنِّي ذا أنائِكَ أجْمَعا عَلى رِوايَةِ فَتْحِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّ فَتْحَ المِيمِ لِإتْباعِ اللّامِ لِيَبْقى تَفْخِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ، و(مِن) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ (142) نُصِبَ بِإضْمارِ إنْ، وقِيلَ: بِواوِ الصَّرْفِ، والكَلامُ عَلى طَرْزِ، لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنكُمُ الجِهادُ والصَّبْرُ أيِ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وإيثارُ الصّابِرِينَ عَلى الَّذِينَ صَبَرُوا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعْتَبَرَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الصَّبْرِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ وحُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ والإتْباعِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الحَسَنِ: (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِكَسْرِ المِيمِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ أوْ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ وهو يَعْلَمُ، وصاحِبُ الحالِ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

آل عمران 3:143

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ خِطابٌ لِطائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ لِعَدَمِ ظَنِّهِمُ الحَرْبَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْها، فَلَمّا وقَعَ ما وقَعَ نَدِمُوا فَكانُوا يَقُولُونَ: لَيْتَنا نُقْتَلُ كَما قُتِلَ أصْحابُ بَدْرٍ، ونُسْتَشْهَدَ كَما اسْتَشْهَدُوا، فَلَمّا أشْهَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى أُحُدًا لَمْ يَلْبَثْ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهم. فالمُرادُ بِالمَوْتِ هُنا المَوْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهي الشَّهادَةُ، ولا بَأْسَ بِتَمَنِّيها، ولا يَرِدُ أنَّ في تَمَنِّي ذَلِكَ غَلَبَةَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قَصْدَ المُتَمَنِّي الوُصُولُ إلى نَيْلِ كَرامَةِ الشُّهَداءِ لا غَيْرَ، ولا يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ وهْمُهُ كَما أنَّ مَن يَشْرَبُ دَواءَ النَّصْرانِيِّ مَثَلًا يَقْصِدُ الشِّفاءَ لا نَفْعَهُ ولا تَرْوِيجَ صِناعَتِهِ، وقَدْ وقَعَ هَذا التَّمَنِّي مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْتِ الحَرْبُ فَإنَّها مِن أسْبابِهِ، وبِهِ يُشْعِرُ كَلامُ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ فَحِينَئِذٍ المُتَمَنّى الحَرْبُ لا المَوْتُ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تمنونَ ) مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّمَنِّي أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وأنْ تَلْقَوْهُ حِينَئِذٍ بَدَلٌ مِنَ المَوْتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أيْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ أنْ تَلْقَوْهُ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، وقُرِئَ تَلاقَوْهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وما لَقِيَكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ سافَرْتَ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى العَدُوِّ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ أيْ ما تَمَنَّيْتُمُوهُ مِنَ المَوْتِ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ أوْ أسْبابِهِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَمَنِّيكم ذَلِكَ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وإيثارُ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى انْهِزامِهِمْ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ كَتَقْيِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (143) لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: رَأيْتُهُ ولَيْسَ في عَيْنِي عِلَّةٌ أيْ رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً لا خَفاءَ فِيها ولا شُبْهَةً، وقِيلَ: ( تَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى تَتَأمَّلُونَ وتَتَفَكَّرُونَ أيْ وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ كَيْفَ هي، وقِيلَ: مَعْناهُ ( وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ عِتابُ المُنْهَزِمِينَ صفحة 72 عَلى تَمَنِّيهِمُ الشَّهادَةَ وهم لَمْ يَثْبُتُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أوْ عَلى تَمَنِّيهِمُ الحَرْبَ وتَسَبُّبِهِمْ لَها ثُمَّ جُبْنِهِمْ وانْهِزامِهِمْ لا عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ نَفْسِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا عِتابَ عَلَيْهِ كَما وُهِمَ.

آل عمران 3:144

﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا التَقى الفِئَتانِ يَوْمَ أُحُدٍ وحَمِيَتِ الحَرْبُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " مَن يَأْخُذُ هَذا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ويَضْرِبُ بِهِ العَدُوَّ حَتّى يَنْحَنِيَ ؟ فَأخَذَهُ أبُو دُجانَةَ سِماكُ بْنُ خَرَشَةَ الأنْصارِيُّ، ثُمَّ تَعَمَّمَ بِعِمامَةٍ حَمْراءَ وجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ ويَقُولُ: أنا الَّذِي عاهَدَنِي خَلِيلِي ونَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدى النَّحِيلِ أنْ لا أقُومَ الدَّهْرَ في الكُبُولِ ∗∗∗ أضْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ والرَّسُولِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّها لِمِشْيَةٌ يُبْغِضُها اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَجَعَلَ لا يَلْقى أحَدًا إلّا قَتَلَهُ، وقاتَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قِتالًا شَدِيدًا حَتّى التَوى سَيْفَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ عَلى المُسْلِمِينَ، وأدْبَرَ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا نَظَرَ الرُّماةُ إلى القَوْمِ قَدِ انْكَشَفُوا والمُسْلِمُونَ يَنْتَهِبُونَ الغَنِيمَةَ خالَفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا قَلِيلًا مِنهم فانْطَلَقُوا إلى العَسْكَرِ، فَلَمّا رَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قِلَّةَ الرُّماةِ واشْتِغالَ النّاسِ بِالغَنِيمَةِ ورَأى ظُهُورَهم خالِيَةً صاحَ في خَيْلِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن خَلْفِهِمْ في مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فارِسًا فَفَرَّقُوهم وقَتَلُوا نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ رَجُلًا، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ الكَرِيمَ، وأقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ الرّايَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ. وقِيلَ: إنَّ الرّامِيَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، فَرَجَعَ وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ صارِخٌ لا يُدْرى مَن هو حَتّى قِيلَ: إنَّهُ إبْلِيسٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأ النّاسُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُو: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ ثَلاثُونَ رَجُلًا فَحَمَوْهُ حَتّى كَشَفُوا عَنْهُ المُشْرِكِينَ، ورَمى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ حَتّى انْدَقَّتْ سِيَةُ قَوْسِهِ، ونَثَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كِنانَتَهُ وكانَ يَقُولُ: ارْمِ فِداكَ أبِي وأُمِّي، وأُصِيبَتْ يَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَيَبِسَتْ، وعَيْنُ قَتادَةَ حَتّى وقَعَتْ عَلى وجْنَتِهِ فَأعادَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعادَتْ كَأحْسَنِ ما كانَتْ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ وهو يَقُولُ: لا نَجَوْتَ إنْ نَجَوْتَ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا يَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا، فَقالَ: دَعَوْهُ حَتّى إذا دَنا مِنهُ تَناوَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَرْبَةَ مِنَ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ في عُنُقِهِ وخَدَشَهَ خَدْشَةً فَتَدَهْدى مِن فَرَسِهِ وهو يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ، وكانَ أُبَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ يَلْقى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: عِنْدِي رَمْكَةٌ أعْلِفُها كُلَّ يَوْمٍ فَرَقَ ذُرَةٍ أقْتُلُكَ عَلَيْها، ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ: بَلْ أنا أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فاحْتَمَلَهُ أصْحابُهُ وقالُوا: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ، قالَ: بَلى لَوْ كانَتْ هَذِهِ الطَّعْنَةُ بِرَبِيعَةَ ومُضَرَ لَقَتَلَتْهم، ألَيْسَ قالَ لِي: أقْتُلُكَ فَلَوْ بَزَقَ عَلَيَّ بَعْدَ تِلْكَ المَقالَةِ قَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَوْمًا حَتّى ماتَ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ سَرِفُ، ولَمّا فَشا في النّاسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَيْتَ لَنا رَسُولًا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذَ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وبَعْضُهم جَلَسُوا وألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، وقالَ أُناسٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فالحَقُوا بِدِينِكُمُ الأوَّلِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ صفحة 73 ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا قالَ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ، وأبْرَأُ إلَيْكَ عَمّا قالَ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُنافِقِينَ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ مَن عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ قالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَحْتَ المِغْفَرِ تُزْهِرانِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أبْشِرُوا هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأشارَ إلَيَّ: أنِ اسْكُتْ، فانْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَلامَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الفِرارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأبْنائِنا أتانا الخَبَرُ بِأنَّكَ قُتِلْتَ فَرَعِبَتْ قُلُوبُنا فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، و(مُحَمَّدٌ) عَلَمٌ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن حَمَّدَ المُضاعَفُ لُغَةً سَمّاهُ بِهِ جَدَّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ السّابِعَ وِلادَتَهُ لِمَوْتِ أبِيهِ قَبْلَها، ولَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قالَ لِرُؤْيَةٍ رَآها: رَجَوْتَ أنْ يُحْمَدَ في السَّماءِ والأرْضِ، ومَعْناهُ قَبْلَ النَّقْلِ مَن يُحْمَدُ كَثِيرًا وضِدُّهُ المُذَمَّمُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ صَرَفَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي لَعْنَ قُرَيْشٍ وشَتْمَهم يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ». وقَدْ جَمَعَ هَذا الِاسْمُ الكَرِيمُ مِنَ الأسْرارِ ما لا يُحْصى حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يُشِيرُ إلى عِدَّةِ الأنْبِياءِ كَإشارَتِهِ إلى المُرْسَلِينَ مِنهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَبَّرَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هُنا لِأنَّهُ أوَّلُ أسْمائِهِ وأشْهَرُها وبِهِ صَرَخَ الصّارِخُ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَ إلّا، ولا عَمَلَ لِما بِالِاتِّفاقِ لِانْتِقاضِ نَفْيِهِ بِإلّا، واخْتَلَفُوا في القَصْرِ هَلْ هو قَصْرُ قَلْبٍ أمْ قَصْرُ إفْرادٍ ؟ فَذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّهُ جَعَلَ المُخاطَبُونَ بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النُّكُوصِ عَلى أعْقابِهِمْ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ سائِرِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ في وُجُوبِ اتِّباعِ دِينِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، بَلْ حُكْمُهُ عَلى خِلافِ حُكْمِهِمْ فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُكْمَ مَن سَبَقَ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتِ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ في أنَّهم ماتُوا وبَقِيَ أتْباعُهم مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ ثابِتِينَ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( قَدْ خَلَتْ ) إلَخْ صِفَةً لِرَسُولِ مُنْبِئَةً عَنْ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَرَفِ الخُلُوِّ، فَإنَّ خُلُوَّ مُشارِكِيهِ في مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن شَواهِدِ خُلُوِّهِ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ أمْثالُهُ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، والقَصْرُ مُنْصَبٌّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن قَصْرِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ المُخاطِبُونَ مُنْكِرِينَ لِلرِّسالَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الوَصْفِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في رَسُولٍ، والِانْصِبابُ هو الِانْصِبابُ. وذَهَبَ صاحِبُ المِفْتاحِ إلى أنَّهُ قَصْرُ إفْرادٍ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ اسْتِعْظامِهِمْ عَدَمُ بَقائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنزِلَةَ اسْتِبْعادِهِمْ إيّاهُ وإنْكارِهِمْ لَهُ حَتّى كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ وصْفَيْنِ الرِّسالَةَ والبُعْدَ عَنِ الهَلاكِ فَقُصِرَ عَلى الرِّسالَةِ نَفْيًا لِلْبُعْدِ عَنِ الهَلاكِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى هَذا جَعْلُ جُمْلَةِ ( قَدْ خِلْت ) مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ عَدَمِ البَقاءِ كَسائِرِ الرُّسُلِ إذْ عَلى اعْتِبارِ الوَصْفِ لا يَكُونُ إلّا قَصْرُ قَلْبٍ لِانْصِبابِ القَصْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً بَعِيدٌ لِمُخالَفَتِهِ القاعِدَةَ في الجُمَلِ بَعْدَ النَّكِراتِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوازٍ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْضًا مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى القَصْرِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ في التَّقْدِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( رُسُلٌ ) بِالتَّنْكِيرِ. ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، والِانْقِلابُ عَلى الأعْقابِ في الأصْلِ الرُّجُوعُ القَهْقَرى، وأُرِيدَ بِهِ الِارْتِدادُ والرُّجُوعُ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ في المَشْهُورِ، والغَرَضُ إنْكارِ ارْتِدادِهِمْ عَنِ الدِّينِ بِخُلُوِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَوْتٍ أوْ قَتْلٍ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وبَقاءِ دِينِهِمْ صفحة 74 مُتَمَسَّكًا بِهِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَرْتَدُّوا فَكَيْفَ عَبَّرَ بِالِانْقِلابِ عَلى الأعْقابِ المُتَبادَرُ مِنهُ ذَلِكَ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ارْتِدادًا حَقِيقَةً، وإنَّما هو تَغْلِيظٌ عَلَيْهِمْ فِيما كانَ مِنهم مِنَ الفِرارِ والِانْكِشافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإسْلامِهِمْ إيّاهُ لِلْهَلَكِ، وقِيلَ: الإنْكارُ هُنا بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ولا يَنْبَغِي لا إنْكارًا لِما وقَعَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَمّا وقَعَ لِأهْلِ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْرِيضٌ بِما وقَعَ مِنَ الهَزِيمَةِ لِشَبَهِهِ بِهِ. وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الِانْقِلابَ هُنا عَلى نَقْصِ الإيمانِ لا الكُفْرُ بَعْدَهُ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ يَزْدادُ فَهَلْ يَنْقُصُ ؟ قالَ: أيْ والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ إنَّهُ لَيَنْقُصُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ دَلالَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: نَعَمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾» والِانْقِلابُ نُقْصانٌ لا كُفْرٌ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الخَبَرَ لَيْسَ مِنَ القُوَّةِ إلى حَيْثُ يُحْتَجُّ بِهِ وإنِّي لا أجِدُ عَلَيْهِ طَلاوَةَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الفاءَ مُعَلَّقَةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى التَّسَبُّبِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ ذَلِكَ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِكم عَلى أعْقابِكم بَعْدَ مَوْتِهِ أوْ قَتْلِهِ بَلِ اجْعَلُوهُ سَبَبًا لِلتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ كَما هو حُكْمُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَفي انْقِلابِكم عَلى أعْقابِكم تَعْكِيسٌ لِمُوجَبِ القَضِيَّةِ المُحَقَّقَةِ الَّتِي هي كَوْنُهُ رَسُولًا يَخْلُو كَما خَلَتِ الرُّسُلُ، وإيرادُ المَوْتِ بِكَلِمَةِ (إنْ) مَعَ العِلْمِ البَتَّةَ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِعْظامِهِمْ إيّاهُ، قالَ المَوْلى: وهَكَذا الحالُ في سائِرِ المَوارِدِ فَإنَّ كَلِمَةَ (إنْ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَجْرِي عَلى ظاهِرِها أصْلًا ضَرُورَةُ عِلْمِهِ تَعالى بِالوُقُوعِ أوِ اللّاوُقُوعِ بَلْ تُحْمَلُ عَلى اعْتِبارِ حالِ السّامِعِ، أوْ أمْرٍ آخَرَ يُناسِبُ المَقامَ، والمُرادُ مِنَ المَوْتِ المَوْتُ عَلى الفِراشِ، وبِالقَتْلِ المَوْتُ بِواسِطَةِ نَقْضِ البِنْيَةِ، وقُدِّمَ تَقْدِيرُ المَوْتِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ القَتْلِ هو الَّذِي كادَ يَجُرُّ المَوْتَ الأحْمَرَ، لِما أنَّ المَوْتَ في شَرَفِ الوُقُوعِ، فَزَجْرُ النّاسِ عَنِ الِانْقِلابِ عِنْدَهُ وحَمْلُهم عَلى الثَّباتِ هُناكَ أهَمُّ، ولِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المَوْتُ دُونَ القَتْلِ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ مُسْتَدِلًّا بِما ورَدَ مِن أكْلَةِ خَيْبَرَ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ فِيهِمْ قَتْلٌ ومَوْتٌ، وإنَّما ذَكَرَ القَتْلَ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُقْتَلُ لِتَجْوِيزِ المُخاطَبِينَ لَهُ وآيَةِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِها قَبْلَ أُحُدٍ يَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تَصِلْ هَؤُلاءِ المُنْهَزِمِينَ، وبِتَقْدِيرِ وُصُولِها احْتِمالُ أنْ لا تَحْضُرَهم قائِمٌ في مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ، وقَدْ غَفَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قامَ يَوْمَئِذٍ فَقالَ: إنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُوُفِّيَ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واللَّهِ ما ماتَ ولَكِنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَما ذَهَبَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، فَقَدْ غابَ عَنْ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ قِيلَ: قَدْ ماتَ واللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رَجَعَ مُوسى، فَلْيَقْطَعَنَّ أيْدِي رِجالٍ وأرْجُلَهم زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ماتَ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: عَلى رِسْلِكَ يا عُمَرُ أنْصِتْ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى آخِرِها فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ فَأخَذَها النّاسُ مِن أبِي بَكْرٍ، وقالَ عُمَرُ: فَواللَّهِ ما هو إلّا أنْ سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ تَلاها فَعَقَرْتُ حَتّى صفحة 75 وقَعَتْ إلى الأرْضِ ما تَحْمِلُنِي رِجْلايَ، وعَرَفْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ ماتَ، والِاعْتِذارُ بِاخْتِصاصِ فَهْمِ آيَةِ العِصْمَةِ بِالعُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، وذَوِي البَصِيرَةِ مِنهم مَعَ ظُهُورِ مَعْنى اللَّفْظِ كَما اعْتَذَرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَخْفى ما فِيهِ، وكَوْنُ المُرادِ مِنها العِصْمَةَ مِن فِتْنَةِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ لا يَخْفى بَعْدَهُ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، وإنَّما يَرِدُ مِثْلُهُ في مَعْرِضِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾ بِما فَعَلَ مِنَ الِانْقِلابِ لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) مِنَ الضَّرَرِ وإنْ قَلَّ، وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْطِ والعَذابِ أوْ بِحِرْمانِها مَزِيدَ الثَّوابِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى المَفْعُولِ فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ يَضُرُّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ إلّا نَفْسَهُ ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ (144) أيْ سَيُثِيبُ الثّابِتِينَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، ووَضَعَ الشّاكِرِينَ مَوْضِعَ الثّابِتِينَ لِأنَّ الثَّباتَ عَنْ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَيَقُّنِ حَقِيَّتِهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لَهُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى كُفْرانِ المُنْقَلِبِينَ، وإلى تَفْسِيرِ الشّاكِرِينَ بِالثّابِتِينَ ذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وكانَ يَقُولُ: الثّابِتُونَ هم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ. وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرُ الشّاكِرِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِهِمُ الطّائِعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وإظْهارُ الِاسْمُ الجَلِيلُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإعْلانِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ جَزائِهِمْ، واتِّصالُ هَذا بِما قَبْلَهُ اتِّصالُ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ.

آل عمران 3:145

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِلْحَضِّ عَلى الجِهادِ واللَّوْمِ عَلى تَرْكِهِ خَشْيَةَ القَتْلِ مَعَ قَطْعِ عُذْرِ المُنْهَزِمِينَ خَشْيَةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً عَمّا لَحِقَ النّاسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَغَيْرِهِ لا يَمُوتُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَلا عُذْرَ لِأحَدٍ بِتَرْكِ دِينِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. والمُرادُ بِالنَّفْسِ الجِنْسُ وتَخْصِيصُها بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمَوْتُ هُنا أعَمُّ مِنَ المَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ، والمَوْتِ بِالقَتْلِ كَما سَنُحَقِّقُهُ، و(كانَ) ناقِصَةٌ اسْمُها (أنْ تَمُوتَ) (ولِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَها، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ. وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ بِإذْنِ اللَّهِ خَبَرُ كانَ، و(لِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِها واللّامُ لِلتَّبْيِينِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و(أنْ تَمُوتَ) تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ، وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ وبَعْضٍ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، ثُمَّ قُدِّمَتِ اللّامُ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ أوْهَنُ مِنَ الوَهَنِ لا سِيَّما الأخِيرَ، والمَعْنى ما كانَ المَوْتُ حاصِلًا لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مُطْلَقًا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، والإذْنُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِهِ، وظاهِرُ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْتَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يُقْدَمُ عَلَيْها اخْتِيارًا فَقَدْ شاعَ ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ كَذا فِيما إذا كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ اخْتِيارِيًّا، لَكِنَّ الظّاهِرَ هُنا مَتْرُوكٌ بِأنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِأنَّ صُوَرَ المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّفُوسِ بِصُورَةِ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ الَّذِي لا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا بِالإذْنِ. والمُرادُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِتَنْزِيلِ إقْدامِ النُّفُوسِ عَلى مَبادِيهِ كالقِتالِ مَثَلًا مَنزِلَةَ الإقْدامِ عَلَيْهِ نَفْسَهُ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَرامِ، فَإنَّ مَوْتَها لَمّا اسْتَحالَ وُقُوعُهُ عِنْدَ إقْدامِها عَلَيْهِ أوْ عَلى مَبادِيهِ وسَعْيِها في إيقاعِهِ، فَلِأنْ يَسْتَحِيلَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ أوْلى وأظْهَرُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَبْقى الإذْنُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَفْعُولِهِ مُقَدَّرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمُرادُ صفحة 76 بِإذْنِهِ تَعالى إذْنُهُ لِمَلَكِ المَوْتِ فَإنَّهُ الَّذِي يَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ ذِي رُوحٍ بَشَرًا كانَ أوْ لا شَهِيدًا كانَ أوْ غَيْرَ شَهِيدٍ بَرًّا أوْ بَحْرًا حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ نَفْسِهِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أرْواحَ شُهَداءِ البَحْرِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَقْبِضُها بِلا واسِطَةٍ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جُوَيْبِرٍ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، وفِيهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ انْقِطاعٌ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ مَلَكَ المَوْتِ إنَّما يَقْبِضُ أرْواحَ الثَّقَلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ: إنَّهُ يَقْبِضُ الجَمِيعَ سِوى أرْواحِ البَهائِمِ فَإنَّ أعْوانَهُ هُمُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها، ولا تَعارُضُ بَيْنَ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، و﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الخَلْقِ والإيجادِ الحَقِيقِيِّ، وإلى المَلَكِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لَهُ، وإلى الرُّسُلِ لِأنَّهم أعْوانُهُ المُعالِجُونَ لِلنَّزْعِ مِنَ العَصَبِ والعَظْمِ واللَّحْمِ والعُرُوقِ (كِتابًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ والمَعْنى كُتِبَ ذَلِكَ المَوْتُ المَأْذُونُ فِيهِ كِتابًا ﴿مُؤَجَّلا﴾ أيْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقِيلَ: حُكْمًا لازِمًا مُبْرَمًا وهو صِفَةُ (كِتابًا) ولا يَضُرُّ التَّوْصِيفُ بِكَوْنِ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ولَيْسَ كُلُّ وصْفٍ يَخْرُجُ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَكَ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ أنْ تَجْعَلَ المَصْدَرَ لِوَصْفِهِ مُبَيِّنًا لِلنَّوْعِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُؤَكِّدًا، وجُعِلَ (مُؤَجَّلًا) حالًا مِنَ المَوْتِ لا صِفَةً لَهُ لِبُعْدِ ذَلِكَ غايَةَ البُعْدِ فَتَدَبَّرْ. وقُرِئَ (مُؤَجَّلًا) بِالواوِ بَدَلَ الهَمْزَةِ عَلى قِياسِ التَّخْفِيفِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ إنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ أيْ بِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَجازَ أنْ يَمُوتَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنْ لا يَمُوتَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ بِامْتِدادِ العُمْرِ ولا بِالمَوْتِ بَدَلَ القَتْلِ، إذْ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَتْلِ لا قَطْعَ بِوُجُودِ الأجَلِ وعَدَمِهِ فَلا قَطْعَ بِالمَوْتِ ولا بِالحَياةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فَذَهَبَ الكَعْبِيُّ مِنهم إلى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ لِأنَّ القَتْلَ فِعْلُ العَبْدِ والمَوْتَ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ مَفْعُولُهُ وأثَرُ صِفَتِهِ، وأنَّ لِلْمَقْتُولِ أجَلَيْنِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أجْلِهِ الَّذِي هو المَوْتُ، وذَهَبَ أبُو الهُذَيْلِ إلى أنَّ المَقْتُولَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَماتَ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنهم إلى أنَّ القاتِلَ قَدْ قَطَعَ عَلى المَقْتُولِ أجَلَهُ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أمَدٍ هو أجَلُهُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مَوْتَهُ فِيهِ لَوْلا القَتْلُ، ولَيْسَ النِّزاعُ بَيْنَ الأصْحابِ والجُمْهُورِ لَفْظِيًّا كَما رَآهُ الأُسْتاذُ وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ إذا كانَ الأجَلُ زَمانَ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ بِلا خِلافٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ إذْ هم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو الأجَلُ بِسَبَبِ القَتْلِ، وإنْ قُيِّدَ بُطْلانُ الحَياةِ بِأنْ لا يَتَرَتَّبَ عَلى فِعْلٍ مِنَ العَبْدِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِلا خِلافٍ مِنَ الأصْحابِ فِيهِ إذْ هم يَقُولُونَ بِعَدَمِ كَوْنِ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ غَيْرِ المُرَتِّبِ عَلى فِعْلِ العَبْدِ، لِأنّا نَقُولُ حاصِلُ النِّزاعِ أنَّ المُرادَ بِأجَلِ المَقْتُولِ المُضافِ إلَيْهِ زَمانُ بُطْلانِ حَياتِهِ بِحَيْثُ لا مَحِيصَ عَنْهُ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ويَرْجِعُ الخِلافُ إلى أنَّهُ هَلْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ في حَقِّ المَقْتُولِ أمِ المَعْلُومُ في حَقِّهِ أنَّهُ إنْ قُتِلَ ماتَ وإنْ لَمْ يُقْتَلْ يَعِشْ كَذا في شَرْحِ المَقاصِدِ، ولَعَلَّهُ جَوابٌ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وهو أنَّ المُرادَ زَمانُ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ لا مُطْلَقًا بَلْ عَلى ما عَلِمَهُ تَعالى وقَدَّرَهُ بِطَرِيقِ القَطْعِ، وحِينَئِذٍ يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْخِلافِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في المَقْتُولِ كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ تَخَلُّفُ العِلْمِ عَنِ المَعْلُومِ لِجَوازِ أنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ مَوْتِهِ بِالقَتْلِ مَعَ تَأخُّرِ الأجَلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا بِاخْتِيارِ شِقٍّ ثالِثٍ وهو المُقَدَّرُ بِطَرِيقِ القَطْعِ إذْ لا تَعَرُّضَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ لِلْعِلْمِ، والمُقَدَّرُ أخَصُّ مِنَ الأجَلِ المَعْلُومِ مُطْلَقًا، صفحة 77 والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِهِ جَوابًا بِاخْتِيارِ الأوَّلِ، لَكِنْ لا مُطْلَقًا اعْتِبارُ قَيْدِ العِلْمِ في الأجَلِ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِيارِ الأوَّلِ وعَدَمِ اعْتِبارِهِ فِيهِ عَلى اخْتِيارِ الثّالِثِ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا في الواقِعِ أيْضًا فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ أبا الحُسَيْنِ، ومَن تابَعَهُ يَدَّعُونَ الضَّرُورَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وكَذا الجُمْهُورُ في رَأْيِ البَعْضِ، وعِنْدَ البَعْضِ الآخَرِ هي عِنْدَهُمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ. واحْتَجُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في أنَّ بَعْضَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في العُمُرِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ القاتِلُ ذَمًّا ولا عِقابًا، ولَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ قِصاصٌ ولا غُرْمُ دِيَةٍ ولا قِيمَةٌ في ذَبْحِ شاةِ الغَيْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ أجَلًا، ولَمْ يُحْدِثْ بِفِعْلِهِ مَوْتًا، وبِأنَّهُ رُبَّما يُقْتَلُ في المَلْحَمَةِ والحَرْبِ أُلُوفٌ تَقْضِي العادَةُ بِامْتِناعِ اتِّفاقِ مَوْتِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِآجالِهِمْ، وتَمَسَّكَ أبُو الهُذَيْلِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمُتِ المَقْتُولُ لَكانَ القاتِلُ قاطِعًا لِأجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومُغَيِّرًا لَأمْرٍ عَلِمَهُ وهو مُحالٌ، والكَعْبِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ حَيْثُ جَعَلَ القَتْلَ قَسِيمًا لِلْمَوْتِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَتْلِ المَقْتُولِيَّةُ وأنَّها نَفْسُ بُطْلانِ الحَياةِ، وأنَّ المَوْتَ خاصٌّ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ، ومَتى كانَ المَوْتُ غَيْرَ القَتْلِ كانَ لِلْمَقْتُولِ أجَلانِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسِّكِ الأوَّلِينَ الأوَّلَ بِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ أخْبارُ آحادٍ فَلا تُعارِضُ الآياتِ القَطْعِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أوْ بِأنَّ المُرادَ مِن أنَّ الطّاعَةَ تَزِيدُ في العُمُرِ أنَّها تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنهُ وهو اكْتِسابُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ، وتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، أوْ بِأنَّ العُمُرَ غَيْرُ الأجَلِ لِأنَّهُ لُغَةً الوَقْتُ، وأجَلُ الشَّيْءِ يُقالُ لِجَمِيعِ مُدَّتِهِ ولِآخِرِها كَما يُقالُ أجَلُ الدَّيْنِ شَهْرانِ أوَآخِرُ شَهْرِ كَذا، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ بِالوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ حَياةِ الحَيَوانِ عِنْدَهُ عَلى ما قَرَّرْناهُ. والعُمُرُ لُغَةً مُدَّةُ الحَياةِ كَعُمُرِ زَيْدٍ كَذا، ومُدَّةُ البَقاءِ - كَعُمُرِ الدُّنْيا - وكَثِيرًا ما يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ مُدَّةِ بَقاءِ ذِكْرِ النّاسِ الشَّخْصَ لِلْخَيْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ذِكْرُ الفَتى عُمُرُهُ الثّانِي، ومِن هُنا يُقالُ لِمَن ماتَ وأعْقَبَ ذِكْرًا حَسَنًا وأثَرًا جَمِيلًا: ما ماتَ، فَلَعَلَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ تِلْكَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في هَذا العُمُرِ لِما أنَّها تَكُونُ سَبَبًا لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ ذَلِكَ في الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وكَوْنِهِما مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ثَناءُ النّاسِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ قِيلَ: ولِهَذا لَمْ يَقُلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ إنَّهُ يَزِيدُ في الأجَلِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَذا المُطِيعَ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَذِهِ الطّاعَةَ لَكانَ عُمُرُهُ أرْبَعِينَ مَثَلًا لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُها ويَكُونُ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَنِسْبَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ إلى تِلْكَ الطّاعَةِ بِناءً عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَوْلاها لَما كانَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ، ومُحَصِّلُ هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ عُمُرَهُ سَبْعِينَ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ طاعَتَهُ تَصِيرُ سَبَبًا لِثَلاثِينَ فَتَصِيرُ مَعَ أرْبَعِينَ مِن غَيْرِ الطّاعَةِ سَبْعِينَ، ولَيْسَ مُحَصِّلُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قَدَّرَهُ سَبْعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ وأرْبَعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ حَتّى يَلْزَمَ تَعَدُّدُ الأجَلِ، والأصْحابُ لا يَقُولُونَ بِهِ. والثّانِي بِأنَّ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ وتَوَجُّهَ القِصاصِ أوْ غُرْمَ الدِّيَةِ مَثَلًا عَلى القاتِلِ لَيْسَ بِما يَثْبُتُ في المَحَلِّ مِنَ المَوْتِ، بَلْ هو بِما اكْتَسَبَهُ وارْتَكَبَهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتَ كَما في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ لا سِيَّما عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ البَقاءِ وعَدَمِ ما يُظَنُّ مَعَهُ حُضُورُ الأجَلِ حَتّى لَوْ عُلِمَ مَوْتُ شاةٍ بِإخْبارِ صادِقٍ مَعْصُومٍ، أوْ ظَهَرَتِ الأماراتُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ لَمْ يَضْمَن عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهاءِ، والثّالِثُ بِأنَّ العادَةَ مَنقُوضَةٌ أيْضًا بِحُصُولِ مَوْتِ أُلُوفٍ في وقْتٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ قِتالٍ ولا مُحارِبَةٍ كَما في أيّامِ الوَباءِ مَثَلًا عَلى أنَّ صفحة 78 التَّمَسُّكَ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ في غايَةِ السُّقُوطِ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسَّكِ أبِي الهُذَيْلِ بِأنَّ عَدَمَ القَتْلِ إنَّما يُتَصَوَّرُ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ، وحِينَئِذٍ لا نُسَلِّمُ لُزُومَ المُحالِ، وبِأنَّهُ لا اسْتِحالَةَ في قَطْعِ الأجَلِ المُقَدَّرِ الثّابِتِ لَوْلا القَتْلُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْمَعْلُومِ لا تَغْيِيرٌ لَهُ، وعَنْ مُتَمَسَّكِ الكَعْبِيِّ المُخالِفِ لِلْمُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ في إثْباتِ الأجَلَيْنِ بِأنَّ القَتْلَ قائِمٌ بِالقاتِلِ وحالٌ لَهُ لا لِلْمَقْتُولِ، وإنَّما حالُهُ المَوْتُ وانْزِهاقُ الرُّوحِ الَّذِي هو بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَةِ المَقْتُولِيَّةِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ قَتْلِ القاتِلِ بِالقَتْلِ وهي حالُ المَقْتُولِ، إذْ هي بُطْلانُ الحَياةِ والتَّخْصِيصُ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ. ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ خِلافُ مَذْهَبِهِ مِن إنْكارِ القَضاءِ والقَدَرِ في أفْعالِ العِبادِ إذْ بُطْلانُ الحَياةِ المُتَوَلِّدُ مِن قَتْلِ القاتِلِ أجَلٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَيَّنَهُ وحَدَّدَهُ، ومَعْنى الآيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ: أفِئْنَ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ بِلا سَبَبٍ، أوْ ماتَ بِسَبَبِ القَتْلِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ بُطْلانِ الحَياةِ مَوْتٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ في المَقْتُولِ مَعْنَيَيْنِ قَتْلًا هو مِن فِعْلِ الفاعِلِ، ومَوْتًا هو مِنَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وذَهَبَتِ الفَلاسِفَةُ إلى مِثْلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَعْبِيُّ مِن تَعَدُّدِ الأجَلِ فَقالُوا: إنَّ لِلْحَيَوانِ أجَلًا طَبِيعِيًّا بِتَحَلُّلِ رُطُوبَتِهِ وانْطِفاءِ حَرارَتِهِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ، وآجالًا اخْتِرامِيَّةً تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أسْبابٍ لا تُحْصى مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، وبَيانُهُ أنَّ الجَواهِرَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْها الأجْزاءُ الرَّطْبَةُ رُكِّبَتْ مَعَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَصارَتْ لَها بِمَنزِلَةِ الدُّهْنِ لِلْفَتِيلَةِ المُشْعِلَةِ، وكُلَّما انْتُقِصَتْ تِلْكَ الرُّطُوباتُ تَبِعَتْها الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ في ذَلِكَ حَتّى إذا انْتَهَتْ في الِانْتِقاصِ وتَزايَدَ الجَفافُ انْطَفَأتِ الحَرارَةُ كانْطِفاءِ السِّراجِ عِنْدَ نَفاذِ دُهْنِهِ فَحَصَلَ المَوْتُ الطَّبِيعِيُّ، وهو مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأمْزِجَةِ وهو في الإنْسانِ في الأغْلَبِ تَمامُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقَدْ يَعْرِضُ مِنَ الآفاتِ مِثْلُ البَرْدِ المُجَمِّدِ والحَرْبِ المُذَوِّبِ وأنْواعِ السُّمُومِ وأنْواعِ تَفَرُّقِ الِاتِّصالِ وسُوءِ المِزاجِ ما يُفْسِدُ البَدَنَ ويُخْرِجُهُ عَنْ صَلاحِهِ لِقَبُولِ الحَياةِ إذْ شَرْطُها اعْتِدالُ المِزاجِ فَيَهْلِكُ بِسَبَبِهِ وهَذا هو الأجَلُ الِاخْتِرامِيُّ، ويَرُدُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِهِمْ مِن تَأْثِيرِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ وهو باطِلٌ عِنْدَنا إذْ لا تَأْثِيرَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ الأُمُورُ عِنْدَنا أسْبابٌ عادِيَّةٌ لا عَقْلِيَّةٌ كَما زَعَمُوا، وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النِّزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ كالنِّزاعِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ - عَلى رَأْيٍ الأُسْتاذِ - لَفْظِيٌّ، إذْ هم لا يُنْكِرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ، فالوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ الحَياةِ فِيهِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ واحِدٌ عِنْدَهم أيْضًا، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الأجَلِ الطَّبِيعِيِّ نَحْنُ لا نُنْكِرُهُ أيْضًا، لَكِنَّهم يَجْعَلُونَ اعْتِدالَ المِزاجِ واسْتِقامَةَ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ شُرُوطًا حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً لِبَقاءِ الحَياةِ، ونَحْنُ نَجْعَلُها أسْبابًا عادِيَّةً، وذَلِكَ بَحْثٌ آخَرُ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، إذِ الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ لِأوْقاتِها، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ. ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالغَنِيمَةِ ﴿نُؤْتِهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ﴿مِنها﴾ أيْ شَيْئًا مِن ثَوابِها إنْ شِئْنا فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ وهَذا تَعْرِيضٌ بِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ مَصْلَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ. ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ أيْضًا والذَّبِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ﴿ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها مِنَ النَّعِيمِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ مِن ثَوابِها ما نَشاءُ حَسْبَما جَرى بِهِ قَلَمُ الوَعْدِ الكَرِيمِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَدْحِ الثّابِتِينَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والآيَةُ صفحة 79 وإنْ نَزَلَتْ في الجِهادِ خاصَّةً لَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ. ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (145) يَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمُ المُرِيدُونَ لِلْآخِرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمْ جِنْسُ الشّاكِرِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ووَعْدٌ بِالمَزِيدِ عَلَيْهِ وفي تَصْدِيرِها بِالسِّينِ وإبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ الجَزاءِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ ما لا يَخْفى، وبِذَلِكَ جُبِرَ اتِّحادُ العِبادَتَيْنِ في شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ واتَّضَحَ الفَرْقُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وقُرِئَتِ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ. * * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ إمّا إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ الرِّزْقِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ، أوْ رَمْزٌ إلى الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى عِبادِ اللَّهِ المُحْتاجِينَ مِن غَيْرِ طَلَبِ نَفْعٍ مِنهم، فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ «القَرْضَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ»، أوْ إيماءٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ بِأنْ يَفْعَلَها مَحْضًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن أكْلِ الرِّبا ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ تَفُوزُونَ بِالحَقِّ. ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ اتَّقُونِي في النّارِ لِأنَّ إحْراقَها وعَذابَها مِنِّي، وهَذا سِرُّ عَيْنِ الجَمْعِ قالُوا: ويَرْجِعُ في الحَقِيقَةِ إلى تَجَلِّي القَهْرِ وهو بِظاهِرِهِ تَخْوِيفٌ لِلْعَوامِّ، والتَّخْوِيفُ الأوَّلُ لِلْخَواصِّ وقَلِيلٌ ما هم. ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي سَتْرُ أفْعالِكُمُ الَّتِي هي حِجابُكُمُ الأعْظَمُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ وهي جَنَّةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وهو تَوْحِيدُ عالَمِ المُلْكِ، ولِذا ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، وذَكَرَ العَرْضَ دُونَ الطُّولِ؛ لِأنَّ الأفْعالَ بِاعْتِبارِ السِّلْسِلَةِ العَرْضِيَّةِ وهي تُوقِفُ كُلَّ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ آخَرَ تَنْحَصِرُ في عالَمِ المُلْكِ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أفْهامُ النّاسِ ويُقَدِّرُونَهُ، وأمّا بِاعْتِبارِ الطُّولِ فَلا تَنْحَصِرُ فِيهِ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، إذِ الفِعْلُ مَظْهَرُ الوَصْفِ، والوَصْفُ مَظْهَرُ الذّاتِ، والذّاتُ لا نِهايَةَ لَها ولا حَدَّ. ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ﴾ فالمَحْجُوبُونَ عَنِ الذّاتِ والصِّفاتِ لا يَرَوْنَ إلّا هَذِهِ الجَنَّةَ، وأمّا البارِزُونَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ فَعَرْضُ جَنَّتِهِمْ عَيْنُ طُولِها ولا حَدَّ لِطُولِها فَلا يُقَدَّرُ قَدْرُها طُولًا وعَرْضًا ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ حَجَبَ أفْعالَهم وتَرَكَ نِسْبَةَ الأفْعالِ إلى غَيْرِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا خَلْقَهُ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ إلى فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها فَإنَّ الذَّنْبَ مُخْتَلِفٌ وذَنْبُ المَعْصُومِ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ بِالنَّظَرِ إلى عَظَمَةِ جِمالِهِ وجَلالِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وفِي الخَبَرِ عَنْ سَيِّدِ العارِفِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ» فَما عَرَفَهُ العارِفُونَ مِن حَيْثُ هو، وإنَّما عَرَفُوهُ مِن حَيْثُ هم، وفَرْقٌ بَيْنَ المَعْرِفَتَيْنِ، ولِهَذا قِيلَ: ما عَرَفَ اللَّهَ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى، ودَعاهم أيْضًا إلى ما يَجُرُّهم إلى الجَنَّةِ، والخِطابُ بِذَلِكَ إنْ كانَ لِلْعارِفِينَ فَهو دُعاءٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ لِيَتَجَلّى لَهم بِالوَسائِطِ لِبَقائِهِمْ في المَعْرِفَةِ وفي الحَقِيقَةِ مَعْرِفَتُهُ قُرْبَتُهُ، وجَنَّتُهُ مُشاهَدَتُهُ، وفي حَقِيقَةِ الحَقِيقَةِ هي الذّاتُ الجامِعُ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها الأغْيارُ، ومِن هُنا قِيلَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ الخِطابُ بِالنَّظَرِ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فالمُرادُ بِها أنْواعُ التَّجَلِّياتِ الجَمالِيَّةِ أوْ ظاهِرُها الَّذِي أفْصَحَ بِهِ لِسانُ الشَّرِيعَةِ، ودُعاؤُهم إلَيْهِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ وجَلْبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُفْطَمْ بَعْدُ مِن رَضْعِ ثَدْيِ اللَّذائِذِ إلى ما يُرَغِّبُها في كَسْبِ الكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ والتَّرَقِّي إلى ذُرْوَةِ المَعارِجِ الإلَهِيَّةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ نَفائِسَ نُفُوسِهِمْ لِمَوْلاهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في حالَتَيِ الجَمالِ والجَلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الَّذِينَ لا تَمْنَعُهُمُ الأحْوالُ المُتَضادَّةُ عَنِ الإنْفاقِ فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى لِصِحَّةِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الأفْعالِ مِنهُ. ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وكَظْمُهم لَهُ قَدْ يَكُونُ بِالشَّدِّ عَلَيْهِ بِوِكاءِ التَّسْلِيمِ والرِّضا، وذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَن هو في مَقامِ جَنَّةِ الصِّفاتِ، وأمّا مَن دُونَهم فَكَظْمُهم دُونَ هَذا الكَظْمِ، صفحة 80 وسَبَبُ الكَظْمِ أنَّهم يَرَوْنَ الجِنايَةَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ لِلْخَلْقِ مَدْخَلٌ فِيها. ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ إمّا لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، أوْ لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ حَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الإحْسانِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ كَبِيرَةً مِنَ الكَبائِرِ وهي رُؤْيَةُ أفْعالِهِمُ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ رُؤْيَةِ الأجْنَبِيّاتِ بِشَهْوَةٍ ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِنَقْصِهِمْ حُقُوقَها والتَّثَبُّطِ عَنْ تَكْمِيلِها ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا عَظَمَتَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ لا فاعِلَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ طَلَبُوا سَتْرَ أفْعالِهِمْ عَنْهم بِالتَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلّا بِاللَّهِ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ وهي رُؤْيَةُ الأفْعالِ، أوِ النَّظَرُ إلى سائِرِ الأغْيارِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ وهو المَلِكُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ في غَفْلَتِهِمْ ونَقْصِ حَقِّ نُفُوسِهِمْ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ الأمْرِ وأنْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو سَتْرُهُ لِوُجُودِهِمْ بِوُجُودِهِ وتَرَقِّيهِمْ مِن مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ إلى ما فَوْقَهُ ﴿وجَنّاتٌ﴾ أيْ أشْياءُ خَفِيَّةٌ وهي جَنّاتُ الغَيْبِ وبَساتِينُ المُشاهَدَةِ والمُداناةِ الَّتِي هي عُيُونُ صِفاتِ الذّاتِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ تَجْرِي مِنها أنْهارُ الأوْصافِ الأزَلِيَّةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بِلا مُكْثٍ ولا قَطْعٍ ولا خَطَرِ الزَّمانِ ولا حَجْبِ المَكانِ ولا تَغَيُّرٍ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ومِنهُمُ الواقِفُونَ بِشَرْطِ الوَفاءِ في العِشْقِ عَلى الحَضْرَةِ القَدِيمَةِ بِلا نَقْضٍ لِلْعُهُودِ ولا سَهْوٍ في الشُّهُودِ. ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ بَطَشاتٌ ووَقائِعُ في الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ في دُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ﴿فَسِيرُوا﴾ بِأفْكارِكم ﴿فِي الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ وتَأمَّلُوا في آثارِها لِتَعْلَمُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِهِمْ ونِهايَتُهُ الَّتِي اسْتَدْعاها التَّكْذِيبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِلنُّفُوسِ بِأنْ تَنْظُرَ إلى آثارِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي في أرْضِ الطَّبِيعَةِ لِتَعْلَمَ ماذا عَراها وكَيْفَ انْتَهى حالُها فَلَعَلَّها تَرْقى بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ حَضِيضِ اللُّحُوقِ بِها ﴿هَذا﴾ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ يُبَيِّنُ لَهم حَقائِقَ أُمُورِ الكَوْنَيْنِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ﴾ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهم أهْلُ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتُهُ. واخْتَلَفَ الحالُ لِاخْتِلافِ اسْتِعْدادِ المُسْتَمِعِينَ لِلْكَلامِ إذْ مِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ العُقُولِ، ومِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ الأسْرارِ، وحَظُّ الأوَّلِينَ مِنهُ الِامْتِثالُ والِاعْتِبارُ، وحَظُّ الآخِرِينَ مَعَ ذَلِكَ الكَشْفُ ومُلاحَظَةُ الأنْوارِ، وقَدْ تَجَلّى الحَقُّ فِيهِ لِخَواصِّ عِبادِهِ ومُقْرَبِّي أهْلِ اصْطِفائِهِ، فَشاهَدُوا أنْوارًا تَجَلّى وصِفَةً قَدِيمَةً وراءِ عالَمِ الحُرُوفِ تُتْلى. ﴿ولا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا في الجِهادِ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما فاتَكم مِنَ الفَتْحِ ونالَكم مِن قَتْلِ الإخْوانِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ في الرُّتْبَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ حَيْثُ إنَّ المُوَحِّدَ يَرى الكُلَّ مِن مَوْلاهُ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ الصَّبْرُ. ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ولَمْ يُبالُوا مَعَ أنَّهم دُونَكم ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ أيِ الوَقائِعُ ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ فَيَوْمٌ لِطائِفَةٍ وآخَرُ لِأُخْرى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ التَّفْصِيلِيُّ التّابِعُ لِوُقُوعِ المَعْلُومِ ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَقَّ فَيَذْهَلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأضاعُوا حَقَّها ولَمْ يُكْمِلُوا نَشْأتَها. ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ والغَواشِي الَّتِي تُبْعِدُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالعُقُوبَةِ والبَلِيَّةِ ﴿ويَمْحَقَ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿الكافِرِينَ﴾ بِنارِ أنانِيَّتِهِمْ. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ تَلِجُوا عالَمَ القُدُسِ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم مُجاهَداتٌ تُورِثُ المُشاهَداتِ وصَبْرٌ عَلى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وتَصْفِيَةِ القُلُوبِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ وقانُونِ الطَّرِيقَةِ لِيَتَجَلّى لِلْأرْواحِ أنْوارُ الحَقِيقَةِ. ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيْ مَوْتِ النُّفُوسِ عَنْ صِفاتِها ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ بِالمُجاهَداتِ والرِّياضاتِ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ بِرُؤْيَةِ أسْبابِهِ وهي الحَرْبُ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ صفحة 81 ذَلِكَ الجِهادَ أحَدُ أسْبابِهِ مَوْتُ النَّفْسِ عَنْ صِفاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُوقِنَ إذا لَمْ يَكُنْ يَقِينُهُ مِلْكُهُ تَمَنّى أُمُورًا وادَّعى أحْوالًا حَتّى إذا امْتُحِنَ ظَهَرَ مِنهُ ما يُخالِفُ دَعْواهُ ويُنافِي تَمَنِّيهِ ومِن هُنا قِيلَ: وإذا ما خَلا الجَبانُ بِأرْضٍ طَلَبَ الطَّعْنَ وحْدَهُ والنِّزالا ومَتى رَسَخَ ذَلِكَ اليَقِينُ وتَمَكَّنَ وصارَ مَلَكَةً ومَقامًا ولَمْ يَبْقَ حالًا لَمْ يَخْتَلِفِ الأمْرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِامْتِحانِ، والآيَةُ تُشِيرُ إلى تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ بِأنَّ يَقِينَهم كانَ حالًا ولَمْ يَكُنْ مَقامًا. ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ أنَّهُ بَشَرٌ كَسائِرِ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ فَكَما خَلَوْا مِن قَبْلِهِ سَيَخْلُو هو مِن بَعْدِهِمْ ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ ورَجَعْتُمُ القَهْقَرى، والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى أنَّهُ تَعالى عاتَبَ مِن تَزَلْزَلَ لِذَهابِ الواسِطَةِ العُظْمى عَنِ البَيْنِ وهو مُنافٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ ومُعايَنَتِهِ، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ لِفَنائِهِ الذّاتِيِّ ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ﴾ بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ ﴿الشّاكِرِينَ﴾ بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ بِأداءِ حُقُوقِهِ مِنَ الِائْتِمارِ بِأوامِرِ الشَّرْعِ والِانْتِهاءِ عَنْ نَواهِيهِ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ﴾ هَذا المَوْتَ المَعْلُومَ، أوِ المَوْتَ عَنْ أوْصافِها الدَّنِيَّةِ وأخْلاقِها الرَّدِّيَةِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ومَشِيئَتِهِ أوْ جَذْبِهِ بِإشْراقِ نُورِهِ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ولَعَلَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا الثَّوابَيْنِ ولَمْ يَكُنْ لَهم غَرَضٌ سِوى العُبُودِيَّةِ، وأبْهَمَ جَزاءَهم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ وراءَ العِبارَةِ، ولَعَلَّهُ تَجَلِّي الحَقِّ لَهم، وهَذا غايَةُ مُتَمَنِّي المُحِبِّينَ ونِهايَةُ مَطْلَبِ السّالِكِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ وتَوْفِيقَهُ.

آل عمران 3:146

﴿وكَأيِّنْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَوْبِيخًا لِلْمُنْهَزِمِينَ أيْضًا حَيْثُ لَمْ يَسْتَنُّوا بِسُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ مَعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم أوْلى بِذَلِكَ حَيْثُ كانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: إنَّها بَسِيطَةٌ وُضِعَتْ كَذَلِكَ ابْتِداءً والنُّونُ أصْلِيَّةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهُ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ مُوافِقٌ لِلرَّسْمِ، وقِيلَ وهو المَشْهُورُ: إنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أيٍّ) المُنَوَّنَةِ وكافِ التَّشْبِيهِ، واخْتُلِفَ في (أيٍّ) هَذِهِ فَقِيلَ: هي أيُّ الَّتِي في قَوْلِهِمْ: أيُّ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّها مَصْدَرٌ أوى يَأْوِي إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وأصْلُهُ أوْيٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ وادْغِمَتْ مِثْلَ طَيٍّ وشَيٍّ، وحَدَثَ فِيها بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنى التَّكْثِيرِ المَفْهُومِ مِن كَمْ كَما حَدَثَ في كَذا بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنًى آخَرَ، فَكَمْ وكَأيِّنْ بِمَعْنى واحِدٍ قالُوا: وتُشارِكُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ: الإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ والبِناءُ ولُزُومُ التَّصْدِيرِ، وإفادُهُ التَّكْثِيرِ وهو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ وهو نادِرٌ، ولَمْ يُثْبِتْهُ إلّا ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كائِنٌ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وتُخالِفُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ أيْضًا: أحَدُها أنَّها مُرَكَّبَةٌ في المَشْهُورِ، وكَمْ بَسِيطَةٌ فِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ ألِفُها لِدُخُولِ الجارِ، وسُكِّنَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الكَلِمَةِ بِالتَّرْكِيبِ، والثّانِي أنَّ مُمَيِّزَها مَجْرُورٌ بِمِن غالِبًا حَتّى زَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ لُزُومَ ذَلِكَ، ويَرُدُّهُ نَصُّ سِيبَوَيْهِ عَلى عَدَمِ اللُّزُومِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: اطْرُدِ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكائِنٌ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ والثّالِثُ أنَّها لا تَقَعُ اسْتِفْهامِيَّةً عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِعُ أنَّها لا تَقَعُ مَجْرُورَةً خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ صفحة 82 أجازا بِكايِنٍ تَبِيعُ الثَّوْبَ، والخامِسُ أنَّ خَبَرَها لا يَقَعُ مُفْرَدًا، وقالُوا: إنَّ بَيْنَها وبَيْنَ - كَذا - مُوافَقَةً ومُخالَفَةً أيْضًا، فَتَوافُقُها –كَذا - في أرْبَعَةِ أُمُورٍ: التَّرْكِيبُ والبِناءُ والإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ، وتَخالُفُها في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ أنَّها لَيْسَ لَها الصَّدْرُ تَقُولُ: قَبَضْتُ كَذا وكَذا دِرْهَمًا، الثّانِي أنَّ تَمْيِيزَها واجِبُ النَّصْبِ فَلا يَجُوزُ جَرُّهُ بِمِنِ اتِّفاقًا ولا بِالإضافَةِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ أجازُوا في غَيْرِ تَكْرارٍ ولا عَطْفٍ أنْ يُقالَ: كَذا ثَوْبٍ وكَذا أثْوابٍ قِياسًا عَلى العَدَدِ الصَّرِيحِ، ولِهَذا قالَ فُقَهاؤُهم: إنَّهُ يَلْزَمُ بِقَوْلِ القائِلِ لَهُ عِنْدِي كَذا دِرْهَمٍ مِائَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمٍ ثَلاثَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا كَذا دِرْهَمًا أحَدَ عَشَرَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا وكَذا دِرْهَمًا أحَدٌ وعِشْرُونَ حَمْلًا عَلى المُحَقَّقِ مِن نَظائِرِهِنَّ مِنَ العَدَدِ الصَّرِيحِ، ووافَقَهم عَلى هَذا التَّفْصِيلِ - غَيْرَ مَسْألَتَيِ الإضافَةِ - المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والسِّيرافِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، ووَهِمَ ابْنُ السَّيِّدِ في نَقْلِ الإجْماعِ عَلى إجازَةِ ما أجازَهُ المُبَرِّدُ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، الثّالِثُ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا مَعْطُوفًا عَلَيْها كَقَوْلِهِ: عِدِ النَّفْسَ نُعْمى بَعْدَ بُؤْسِكَ ذاكِرًا ∗∗∗ كَذا وكَذا لُطْفًا بِهِ نُسِيَ الجَهْدُ وزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا كَذا دِرْهَمًا، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ مَسْمُوعٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، ثُمَّ إنَّ إثْباتَ تَنْوِينِ (كَأيِّنْ) عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في الوَقْفِ والخَطِّ عَلى خِلافِ القِياسِ لِما أنَّهُ نَسْخُ أصْلِها، وفِيهِ لُغاتٌ وكُلُّها قَدْ قُرِئَ بِهِ: أحَدُها (كَأيِّنْ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى الأصْلِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، والثّانِيَةُ – كائِنٌ - بِألِفٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ كاعِنٍ كاسْمِ الفاعِلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: وكائِنٌ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ومِنَّةٌ ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِها فَعَنِ المُبَرِّدِ أنَّها اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ يَكُونُ وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ إذْ لا وجْهَ لِبِنائِها حِينَئِذٍ ولا لِإفادَتِها التَّكْثِيرَ، وقِيلَ: أصْلُها المُشَدَّدَةُ فَقُدِّمَتِ الياءُ المُشَدَّدَةُ عَلى الهَمْزَةِ وصارَ – كَيَئِنٍ - بِكافٍ وياءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ووَزْنُهُ كَعَلَفٍ، ونَظِيرُ هَذا التَّصَرُّفِ في المُفْرَدِ تَصَرُّفُهم في المُرَكَّبِ كَما ورَدَ في لُغَةٍ نادِرَةٍ رَعَمْلِي بِتَقْدِيمِ الرّاءِ في لَعَمْرِي ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الأُولى لِلتَّخْفِيفِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها أوْ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِثِقَلِها بِالحَرَكَةِ والتَّضْعِيفِ، وقُلِبَتِ الياءُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما في آيَةٍ، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ إحْدى الياءَيْنِ وقَلْبِ الأُخْرى ألِفًا طائِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى طَيٍّ اسْمِ قَبِيلَةٍ، فَإنَّ أصْلَهُ طَيِّئِيٌّ بِياءَيْنِ مُشَدَّدَتَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ وقُلِبَتِ الأُخْرى، والثّالِثَةُ – كَأْيٍ - بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَجْهُها أنَّها حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ وسُكِّنَتِ الهَمْزَةُ لِاخْتِلاطِ الكَلِمَتَيْنِ وجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما سَكَّنُوا الهاءَ في لَهْوٍ وفَهْوٍ، وحُرِّكَتِ الياءُ لِسُكُونِ ما قَبْلَها، والرّابِعَةُ - كَيْئِنٍ - بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، والخامِسَةُ كَئِنْ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ، ووَزْنُهُ كَعٍ، ووَرَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: كَئِنْ مِن صَدِيقٍ خِلْتُهُ صادِقَ الإخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي إنَّهُ لَمُداهِنُ ووَجْهُهُ أنَّهُ حُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ ثُمَّ حُذِفَتِ الأُخْرى لِلتَّنْوِينِ أوْ حُذِفَتا دُفْعَةً واحِدَةً، واحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمّا امْتَزَجَ الحَرْفانِ والكافُ لا مُتَعَلِّقَ لَها لِخُرُوجِها عَنْ مَعْناها، ومَن قالَ بِهِ كالحَوْفِيِّ فَقَدْ تَعَسَّفَ، ومَوْضِعُهُما رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ تَمْيِيزٌ لَهُ كَتَمْيِيزِ كَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ النَّبِيِّ صفحة 83 هُنا الرَّسُولُ وبِهِ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أيْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، واسْتَشْهَدَ لَهُ كَما رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ بِقَوْلٍ حَسّانَ: وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْـ ∗∗∗ ـدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِبِّيّا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى رِبَّةٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وكَوْنُ الضَّمِّ فِيها لُغَةً غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ - وهي الجَماعَةُ - لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّها الضَّحّاكُ بِألِفٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ العُلَماءُ الفُقَهاءُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضٍا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ - كَرَبّانِيٍّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقِراءَةِ الضَّمِّ، والمُوافِقُ لَهُ الفَتْحُ، وبِهِ قُرِئَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: قُتِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي خَبَرِ المُبْتَدَأِ أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّهُ الفِعْلُ مَعَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ الرّاجِعِ إلى (كَأيِّنْ) أوْ إلى (نَبِيٍّ) وحِينَئِذٍ - فَمَعَهُ رِبِّيُّونَ - جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ مِن (نَبِيٍّ) لِتَخْصِيصِهِ مَعْنًى، أوْ (مَعَهُ) حالٌ، و﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعِلُهُ. وثانِيها أنَّهُ جُمْلَةٌ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ جُمْلَةُ الفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ صِفَةً لِنَبِيٍّ. وثالِثُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ مَضى ونَحْوُهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ صِفَةً لِنَبِيٍّ، و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا لِرِبِّيُّونَ فَلا ضَمِيرَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةً لِنَبِيٍّ. ورابِعُها أنْ يَكُونَ رِبِّيُّونَ مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ فَلا ضَمِيرَ، والجُمْلَةُ هي الخَبَرُ. وقُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وحِينَئِذٍ فَلا ضَمِيرَ في الفِعْلِ لِما في التَّضْعِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ وهو يُنافِي إسْنادَهُ إلى الواحِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُؤَيِّدُ إسْنادَ قُتِلَ إلى الرِّبِّيِّينَ، ويُؤَيِّدُها أيْضًا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ، وقَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في الحَرْبِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّ مَنِ ادَّعى إسْنادَ القَتْلِ إلى النَّبِيِّ وأنَّهُ في الحَرْبِ أيْضًا عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ المَقامَ، حَمَلَ النُّصْرَةَ المَوْعُودَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ عَلى النُّصْرَةِ بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ لا عَلى الأعْداءِ مُطْلَقًا لِئَلّا تَتَنافى الآيَتانِ، وهَذا أحَدُ أجْوِبَةٍ في هَذا المَقامِ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها فَتَذَكَّرْ، والتَّنْوِينُ في نَبِيٍّ لِلتَّعْظِيمِ، وزَعَمَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿فَما وهَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى قاتَلُوا عَلى أنَّ المُرادَ عَدَمُ الوَهْنِ المُتَوَقَّعِ مِنَ القِتالِ والتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يَسْتَدْعِي خِلافَهُ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: صُنْعٌ جَدِيدٌ، ومِن هُنا صَحَّ دُخُولُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وأصْلُ الوَهْنِ الضَّعْفُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ وابْنُ أبِي مالِكٍ هُنا بِالعَجْزِ، والزُّجاجُ بِالجُبْنِ أيْ فَما عَجَزُوا أوْ فَما جَبُنُوا. ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في أثْناءِ القِتالِ وهَذا عِلَّةٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، نَعَمْ يُفْهَمُ المَنفِيُّ مِن تَقْيِيدِ المُثْبَتِ بِهَذا الظَّرْفِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإنْ جُعِلَ الضَّمِيرانِ لِجَمِيعِ الرِّبِّيِّينَ فَهي عِبارَةٌ عَما عَدا القَتْلِ مِن مَكارِهِ الحُرُوبِ الَّتِي تَعْتَرِي الكُلَّ، وإنَّ جُعِلا لِلْبَعْضِ الباقِينَ بَعْدَ قَتْلِ الآخَرِينَ وهو الأنْسَبُ كَما قِيلَ: بِمَقامِ تَوْبِيخِ المُنْخَذِلِينَ بَعْدَ ما اسْتُشْهِدَ الشُّهَداءُ، فَهي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ ما اعْتَراهم بَعْدَ قَتْلِ إخْوانِهِمْ مِن نَحْوِ الخَوْفِ والحُزْنِ، هَذا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي: قُتِلَ وقُتِّلَ، عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً فَقَدْ قالُوا: إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الظّاهِرِ فالضَّمِيرانِ لِلْباقِينَ حَتْمًا والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: قُتِلَ بَنُو فَلانٍ إذا وقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ ولَمْ يَسْتَأْصِلْهم، وإنْ أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ صفحة 84 كَما هو الظّاهِرُ الأنْسَبُ عِنْدَ البَعْضِ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الِانْخِذالِ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وإلَيْهِ ذَهَبُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّدِّيُّ - كَما قِيلَ - فَهُما لِلْباقِينَ أيْضًا إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الرِّبِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّ في القَتْلِ ولِلْجَمِيعِ إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهم مَعَهُ في القِتالِ ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ ما فَتَرَوْا عَنِ الجِهادِ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: ما عَراهم ضَعْفٌ في الدِّينِ بِأنَّ تَغَيَّرَ اعْتِقادُهم لِعَدَمِ النَّصْرِ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ أيْ ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: ما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ اسْتَكانَ بِهَذا المَعْنى، وكَذا بِمَعْنى تَضَرَّعَ، واخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هو مِنَ السُّكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلَ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِمَن خَضَعَ لَهُ فَألِفُهُ لِلْإشْباعِ وهو كَثِيرٌ ولَيْسَ بِخَطَأٍ خِلافًا لِأبِي البَقاءِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ، أوْ مِنَ الكَوْنِ فَوَزْنُهُ اسْتَفْعَلَ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن قَهَرَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالعَدَمِ فَهو يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الوُجُودَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: باتَ فُلانٌ - بِكَيْنَةِ سُوءٍ - أيْ بِحالَةِ سُوءٍ، أوْ مِن - كانَهُ يَكِينُهُ - إذا أذَلَّهُ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى الأزْهَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ، وحِينَئِذٍ فَألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الهاءِ مِن ﴿وهَنُوا﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ والفَتْحُ أشْهَرُ، وقُرِئَ بِإسْكانِها عَلى تَخْفِيفِ المَكْسُورِ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ لا يَخْفى. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ (146) عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكارِهِ في سَبِيلِهِ فَيَنْصُرُهم ويُعَظِّمُ قَدْرَهم. والمُرادُ بِالصّابِرِينَ إمّا الرِّبِّيُّونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

آل عمران 3:147

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في صَلابَتِهِمْ في الدِّينِ وعَدَمِ تَطَرُّقِ الوَهْنِ والضَّعْفِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: كَلامٌ مُبَيِّنٌ لِمَحاسِنِهِمُ القَوْلِيَّةِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِهِمُ الفِعْلِيَّةِ، و(قَوْلَهُمْ) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ واسْمُها المَصْدَرُ المُتَحَصِّلُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما كانَ قَوْلَهم، في ذَلِكَ المَقامِ واشْتِباكِ أسِنَّةِ الشَّدائِدِ والآلامِ ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ صَغائِرَنا ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ أيْ تَجاوُزَنا عَنِ الحَدِّ، والمُرادُ كَبائِرُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: الإسْرافُ تَجاوُزٌ في فِعْلِ ما يَجِبُ، والذَّنْبُ عامٌّ فِيهِ وفي التَّقْصِيرِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقابِلُ الإسْرافَ وكِلاهُما مَذْمُومٌ، وسَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إطْلاقُ الذُّنُوبِ عَلى الكَبائِرِ فافْهَمْ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ حالٌ مِنهُ، وإنَّما أضافُوا ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم بُرَآءُ مِنَ التَّفْرِيطِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ واسْتِقْصارًا لِهَمِّهِمْ وإسْنادًا لِما أصابَهم إلى أعْمالِهِمْ، عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِتِلْكَ الذُّنُوبِ وذَلِكَ الإسْرافِ ما كانَ ذَنْبًا وإسْرافًا عَلى الحَقِيقَةِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقِيلَ: أرادُوا مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ طَلَبَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ حَيْثُ إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وقَدَّمُوا الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ عَلى ما هو الأهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ مِنَ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ أيْ عِنْدِ جِهادِ أعْدائِكَ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا وإمْدادِنا بِالمَدَدِ الرُّوحانِيِّ مِن عِنْدِكَ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ (147) صفحة 85 تَقْرِيبًا لَهُ إلى حَيِّزِ القَبُولِ، فَإنَّ الدُّعاءَ المَقْرُونَ بِالخُضُوعِ الصّادِرَ عَنْ زَكاءٍ وطَهارَةٍ أقْرَبُ إلى الِاسْتِجابَةِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مَن (ثَبِّتْ أقْدامَنا) ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ الحَقِّ فَيَكُونُ تَقْدِيمُ طَلَبِ المَغْفِرَةِ عَلى هَذا التَّثْبِيتِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيةِ، وتَقْدِيمُهُما عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا الغُفْرانَ أوَّلًا لِيَسْتَحِقُّوا طَلَبَ النَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ بِتَرَجُّحِهِمْ بِطَهارَتِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مُحاطُونَ بِالذُّنُوبِ، وفي طَلَبِهِمُ النَّصْرَ مَعَ كَثْرَتِهِمُ المُفْرِطَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ إيذانٌ بِأنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى كَثْرَتِهِمْ ولا يُعَوِّلُونَ عَلَيْها، بَلْ يُسْنِدُونَ ثَباتَ أقْدامِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى ويَعْتَقِدُونَ أنَّ النَّصْرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهُ ما كانَ قَوْلُهم إلّا هَذا دُونَ ما فِيهِ شائِبَةُ جَزَعٍ وخَوَرٍ وتَزَلْزُلٍ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنْهَزِمِينَ ما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما بِرَفْعِ (قَوْلُهُمْ) عَلى أنَّهُ الِاسْمُ والخَبَرُ إنْ وما في حَيِّزِها أيْ ما كانَ قَوْلُهم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ المُنْبِئَ عَنْ أحاسِنِ المَحاسِنِ، قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا كَما تَرى أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِ قَوْلِهِمُ المُطْلَقِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم مُفَصَّلًا كَما تُفِيدُهُ قِراءَتُهُما أكْثَرَ إفادَةً لِلسّامِعِ مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ قَوْلَهم لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحَدَثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمَّ وأكْمَلَ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ سَهْلَةَ الحُضُورِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً إجْمالِيَّةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ لا مَقْصُودًا بِالذّاتِ في بابِ البَيانِ، وإنَّما اخْتارَ الجُمْهُورُ ما اخْتارَ، والقاعِدَةُ صِناعِيَّةٌ هي أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفَتانِ فالأعْرَفُ مِنهُما أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولا رَيْبَ في أعْرَفِيَّةِ (أنْ قالُوا) لِدَلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، ولِأنَّهُ يُشْبِهُ المُضْمَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصِفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، و(قَوْلَهُمْ) مُضافٌ إلى مُضْمَرٍ وهو بِمَنزِلَةِ العِلْمِ فَتَأمَّلِ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: جُعِلَ ما بَعْدَ إلّا اسْمًا لِكانَ، والمَصْدَرُ الصَّرِيحُ خَبَرًا لَها أقْوى مِنَ العَكْسِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ في أنَّهُ لا يُوصَفُ وهو أعْرَفُ، والثّانِي أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) مُثْبَتٌ، والمَعْنى كانَ قَوْلَهم رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إلَخْ دَأْبَهم في الدُّعاءِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: كَأنَّ المَعْنى ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ في ذَلِكَ المَقامِ إلّا هَذا القَوْلُ وكَأنَّ غَيْرَ هَذا القَوْلِ مُنافٍ لِحالِهِمْ، وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ يُفِيدُها إيقاعُ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ اسْمًا لِكانَ، وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ مِن أنَّ فائِدَةَ دُخُولِ (كانَ) المُبالَغَةُ في نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ بِتَعْدِيدِ جِهَةِ فِعْلِهِ عُمُومًا بِاعْتِبارِ الكَوْنِ وخُصُوصًا بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ المَقالِ فَهو نَفْيٌ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا لَوْ جَعَلْتَ رَبَّ الجُمْلَةِ (أنْ قالُوا) واعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ وجَعَلْتَ (قَوْلَهُمْ) كالفَضْلَةِ حَصَلَ لَكَ ما قَصَدْتَهُ، ولَوْ عَكَسْتَ رَكِبْتَ التَّعَسُّفَ، ألا تَرى إلى أبِي البَقاءِ كَيْفَ جَعَلَ الخَبَرَ نَسْيًا مَنسِيًّا في الوَجْهِ الثّانِي واعْتَمَدَ عَلى ما بَعْدَ (إلّا) انْتَهى. ومِنهُ يُعْلَمُ ما في كَلامِ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ فَإنَّهُ مَتى أمْكَنَ اعْتِبارُ جَزالَةِ المَعْنى مَعَ مُراعاةِ القاعِدَةِ الصِّناعِيَّةِ لا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ جَعْلَ الِاسْمِ غَيْرِ الأعْرَفِ ضَعِيفٌ، قالَ في المُغْنِي: واعْلَمْ أنَّهم حَكَمُوا لِأنْ وإنِ المُقَدَّرَتَيْنِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِحُكْمِ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ، كَما أنَّ الضَّمِيرَ أيْضًا كَذَلِكَ فَلِهَذا قَرَأتِ السَّبْعَةُ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا﴾، ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا﴾ والرَّفْعُ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ انْتَهى، وعَلَّلَ بَعْضُهم أعْرَفِيَّةَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِأنَّهُ لا يُنْكَرُ. صفحة 86 وقَدِ اعْتَرَضُوا عَلى كُلٍّ مِن تَعْلِيلَيِ ابْنِ هِشامٍ والبَعْضِ. أمّا الِاعْتِراضُ عَلى الأوَّلِ فَبِأنَّ كَوْنَهُ لا يُوصَفُ لا يَقْتَضِي تَنْزِيلَهُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ فَكَمِ اسْمٌ لا يُوصَفُ بَلْ ولا يُوصَفُ بِهِ ولَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جازَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الِاسْمِ مانِعٌ مِن جَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ لِأنَّ عَدَمَ المانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ المُقْتَضى ولا شَرْطًا في وُجُودِهِ، وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الثّانِي فَبِأنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ قَدْ يُنَكَّرُ كَما في ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ أيِ افْتِراءً قالَهُ الشِّهابُ. وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ لا يُنَكَّرُ أنَّهُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُنَكَّرُ لا أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ لا يُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ أصْلًا، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِتَقْيِيدِ المَصْدَرِ بِالمُعَرَّفِ في عِبارَةِ المُغْنِي حَيْثُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ أنْ وإنْ تارَةً يُقَدَّرانِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ وتارَةً بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ، وأنَّهُما إذا قُدِّرا بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ كانَ لَهُ حُكْمُ الضَّمِيرِ، ومِن هُنا قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ في مَعْنى ذَلِكَ التَّعْلِيلِ: إنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إنِ اخْتُزِلَ عَنِ الإضافَةِ يَبْقى مُنَكَّرًا بِخِلافِ (أنْ قالُوا) بَقِيَ في كَلامِ المُغْنِي أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْيِيدَ بِأنْ وإنْ هَلْ هو اتِّفاقِيٌّ أمِ احْتِرازِيٌّ ؟ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ (الأوَّلُ) احْتِجاجًا بِأنَّهُ أُطْلِقَ في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ وصِلَتَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، ولَمْ يُخَصَّ بِأنْ وإنْ، ولِلذّاهِبِ إلى الثّانِي أنْ يَقُولَ فَرْقٌ بَيْنَ مُطْلَقِ التَّعْرِيفِ وكَوْنِهِ في حُكْمِ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى، وابْنُ هِشامٍ قَدْ أخَذَ المُطْلَقَ في المُطْلَقِ وقَيَّدَ المُقَيَّدَ بِالمُقَيَّدِ فَلا بَأْسَ بِإبْقاءِ كِلا العِبارَتَيْنِ عَلى ما يَتَراءى مِنهُما. (الثّانِي) أنَّهُ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ أنَّ الأداتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتا بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ لا يَكُونُ في حُكْمِ الضَّمِيرِ، وظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَجُوزُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ثُبُوتِ مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ لِذَلِكَ جَوازُ الوَصْفِ، لِأنَّ امْتِناعَ الوَصْفِ أعَمُّ مِن مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ سَواءٌ أُضِيفَ إلى ضَمِيرٍ أوْ غَيْرِهِ بِمَثابَةِ الضَّمِيرِ، ولَمْ يُصَرِّحْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ بِذَلِكَ، لَكِنْ حَيْثُ إنَّ ابْنَ هِشامٍ ثِقَةٌ وإمامٌ في الفَنِّ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أئِمَّتِهِ ما يُخالِفُهُ يُقْبَلُ مِنهُ ما يَقُولُ. الرّابِعُ: أنَّ ما حَكَمَ بِهِ مِن أنَّ الرَّفْعَ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ المَحْضَةِ في بابِ النَّواسِخِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، ويُؤَيِّدُ كَلامَ ابْنِ مالِكٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ وكَأنَّهُ لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ ولِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا في تَحْقِيقِ مَعْنى الآيَةِ، قالَ المَوْلى قُدِّسَ سِرُّهُ: فَتَأمَّلْ فَتَأمَّلْ.

آل عمران 3:148

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أيِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: الفَتْحُ والظُّهُورُ والتَّمَكُّنُ والنَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قِيلَ: وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا لِأنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى طاعَتِهِمْ، وفِيهِ إجْلالٌ لَهم وتَعْظِيمٌ، وقِيلَ: تَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا مَجازٌ لِأنَّهُ يُحاكِيهِ. واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ الإسْلامِ بَلْ كانَتِ الأنْبِياءُ إذا غَنِمُوا مالًا جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَتْهُ فَكَيْفَ تَكُونُ الغَنِيمَةُ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا ولَمْ يَصِلْ لِلْغانِمِينَ مِنها شَيْءٌ ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ المالَ الَّذِي تَأْخُذُهُ النّارُ غَيْرُ الحَيَوانِ، وأمّا الحَيَوانُ فَكانَ يَبْقى لِلْغانِمِينَ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ ذَلِكَ هو الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ. ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ أيْ وثَوابَ الآخِرَةِ الحَسَنَ، وهو عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتُهُ، وعِنْدَ قَتادَةَ هي الجَنَّةُ، وتَخْصِيصُ الحَسَنِ بِهَذا الثَّوابِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ثَوابِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، أوْ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (148) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، واللّامُ صفحة 87 إمّا لِلْعَهْدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن بابِ الإحْسانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِ ما حُكِيَ مِنَ المَناقِبِ الجَلِيلَةِ.

آل عمران 3:149

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شُرُوعٌ في زَجْرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الكُفّارِ بِبَيانِ مَضارِّها إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِبَيانِ فَضائِلِهِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِما في حَيِّزِهِ، ووَصْفُهم بِالإيمانِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِحالٍ يُنافِي تِلْكَ الطّاعَةَ فَيَكُونُ الزَّجْرُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، والمُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إمّا المُنافِقُونَ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ - كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ قَصْدًا إلى مَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنْهم والتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَتِهِمْ، وإمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِإطاعَتِهِمُ الِاسْتِكانَةُ لَهم وطَلَبُ الأمانِ مِنهم، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، وإمّا اليَهُودُ والنَّصارى فالمُرادُ حِينَئِذٍ لا تَنْتَصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَلى دِينِكم ولا تُصَدِّقُوهم بِشَيْءٍ في ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى أنَّهم كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِمُ الشُّبَهَ في الدِّينِ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا حَقًّا لَما غُلِبَ ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ يَوْمًا عَلَيْهِ ويَوْمًا لَهُ، فَنُهُوا عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْها، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ. وذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، وأُتِي بِإنْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإطاعَةَ بَعِيدَةُ الوُقُوعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ يُرْجِعُوكم إلى أوَّلِ أمْرِكم وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والفِعْلُ جَوابُ الشَّرْطِ. وصَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى المَأْثُورِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَعَهُ في قُوَّةٍ ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في قَوْلِهِمُ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ يُدْخِلُوكم في دِينِهِمْ، ويُؤَوَّلُ إلى قَوْلِكَ: إنْ تَدْخُلُوا في دِينِهِمْ تَدْخُلُوا في دِينِهِمْ، وفِيهِ اتِّحادُ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِناءً عَلى أنَّ الِارْتِدادَ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ، ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإطاعَةِ الهَمُّ بِها والتَّصْمِيمُ عَلَيْها أيْ إنْ تُصَمِّمُوا عَلى إطاعَتِهِمْ في ذَلِكَ تُرَدُّوا وتَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا أبْلَغُ في الزَّجْرِ إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْطِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جَوابِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (149) أيْ فَتَرْجِعُوا خاسِرِينَ لِخَيْرِ الدُّنْيا وسَعادَةِ الآخِرَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ الخُسْرانِ.

آل عمران 3:150

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ وتَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، والمَعْنى لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءً فَيُطاعُوا في شَيْءٍ ولا يَنْصُرُونَكم، بَلِ اللَّهُ ناصِرُكم لا غَيْرُهُ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى فَلا تُطِيعُوهم بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ (150) لِأنَّهُ القَوِيُّ الَّذِي لا يُغْلَبُ والنّاصِرُ في الحَقِيقَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُخَصَّ بِالطّاعَةِ والِاسْتِعانَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها. وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الِاسْتِئْنافُ والحالِيَّةُ.

آل عمران 3:151

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالبَيانِ لِما قَبْلُ، وعَبَّرَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الإلْقاءِ، و(الرُّعْبَ) بِسُكُونِ العَيْنِ: الخَوْفُ والفَزَعُ، أيْ سَنَقْذِفُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ ثُمَّ إنَّهم نَدِمُوا فَقالُوا: بِئْسَ ما صَنَعْتُمْ إنَّكم قَتَلْتُمُوهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلّا الشَّرِيدُ صفحة 88 تَرَكْتُمُوهُمُ ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوا، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم بِما قَدْ جَمَعْنا لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ يَذْكُرُ فِيها أمْرَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ»، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ الأحْزابِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلى العَدُوِّ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يُقْذَفُ في قُلُوبِ أعْدائِي» . وقُرِئَ ( سَيُلْقِي ) بِالياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمُّ هو الأصْلُ والسُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ، وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ والضَّمُّ لِلْإتْباعِ. ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِالذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ولِإشْعارِ هَذا الِاسْمِ بِالعَظَمَةِ المُنافِيَةِ لِلشَّرِكَةِ أتى بِهِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَنُلْقِي) دُونَ (الرُّعْبِ) ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَلُّقُ (فِي) بِهِ لِاخْتِلافِ المَعْنى، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وكانَ الإشْراكُ سَبَبًا لِإلْقاءِ الرُّعْبِ لِأنَّهُ مِن مُوجِباتِ خِذْلانِهِمْ ونَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وكِلاهُما مِن دَواعِي الرُّعْبِ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أيْ بِإشْراكِهِ، وقِيلَ: بِعِبادَتِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ مَصْدَرِيَّةً ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً، والإتْيانُ بِها لِلْإشارَةِ بِأنَّ المُتَّبَعَ في بابِ التَّوْحِيدِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِها يُتَقَوّى عَلى الخَصْمِ، ويُتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والنُّونُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: أصْلِيَّةٌ، وذِكْرُ عَدَمِ إنْزالِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تُحَقُّقِها مِن بابِ انْتِفاءِ المُقَيَّدِ لِانْتِفاءِ قَيْدِهِ اللّازِمِ، أيْ لا حُجَّةَ حَتّى يُنْزِلَها، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في وصْفِ مَفازَةٍ: لا يُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ إذِ المُرادُ لا ضَبَّ بِها حَتّى يَنْجَحِرَ، فالمُرادُ نَفْيُهُما جَمِيعًا وهَذا كَقَوْلِهِمُ: السّالِبَةُ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ، وما ذَكَرْنا مِنِ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الحُجَّةِ عَلى الإشْراكِ يَكادُ يَكُونُ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أمّا في الإشْراكِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَظاهِرٌ، إذْ كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِاعْتِقادِ أنَّ خالِقَ العالَمِ اثْنانِ مُشْتَرِكانِ في وُجُوبِ الوُجُودِ والِاتِّصافِ بِكُلِّ كَمالٍ، وأمّا الإشْراكُ في الأُلُوهِيَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلِأنَّهُ يُفْضِي إلى الأمْرِ بِاعْتِقادِ أشْياءَ خِلافَ الواقِعِ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَعْتَقِدُونَهُ في أصْنامِهِمْ، وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُ عِصامِ المِلَّةِ: ونَحْنُ نَقُولُ: الحُجَّةُ عَلى الإشْراكِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى لَوْ شاءَ أنْزَلَها إذْ لَوْ أمَرَ بِإشْراكِ الأصْنامِ بِهِ في العِبادَةِ لَوَجَبَتِ العِبادَةُ لا أراهُ إلّا حَلًّا لِعِصامِ الدِّينِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ المُخاطَبُ بِها الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ تَأْبى إمْكانَ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى المَوْتَ عَلَيْها، ولا جَعَلَنا مِمَّنْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا. ﴿ومَأْواهُمُ﴾ أيْ ما يَأْوُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ﴿النّارُ﴾ لا مَأْوى لَهم غَيْرُها. ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ (151) أيْ مَثْواهم، وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ والإشْعارِ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمَثْوى مَكانُ الإقامَةِ عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ مَن ثَوَيْتُ، ولامُهُ ياءٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ مَثْواهُمُ النّارُ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمَأْوى لِلْإيذانِ بِالخُلُودِ إذِ الإقامَةُ مَأْخُوذَةٌ في المَثْوى دُونَهُ.

آل عمران 3:152

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَما رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صفحة 89 إلى المَدِينَةِ، وقَدْ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ووَعْدَهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِصَدَقَ صَرِيحًا فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ في مِثْلِ هَذا النَّحْوِ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ فَيُقالُ: صَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، والمُرادُ بِهَذا الوَعْدِ ما وعَدَهم سُبْحانَهُ مِنَ النَّصْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ إلَخْ، وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ قالَ لِلرُّماةِ: ”«لا تَبْرَحُوا مَكانَكم فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“» . وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«لا تَبْرَحُوا عَنْ هَذا المَكانِ فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ“» . وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يَمُدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وتَرَكُوا مَصافَّهم، وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم وأرادُوا الدُّنْيا؛ رَفَعَ اللَّهُ تَعالى مَدَدَ المَلائِكَةِ. واخْتارَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ الثّانِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا. والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ ما وعَدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما نَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ في مَوْطِنٍ كَما نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنِي وبَيْنَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ الحَبْرُ بِقَوْلِ عُتْبَةَ اللَّيْثِيِّ: (نَحُسُّهُمْ) بِالبَيْضِ حَتّى كَأنَّنا نَفْلِقُ مِنهم بِالجَماجِمِ حَنْظَلا وبِقَوْلِهِ: ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ (فَحَسَّ) بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ وأصْلُ مَعْنى حَسَّهُ أصابَ حاسَّتَهُ بِآفَةٍ فَأبْطَلَها مِثْلَ كَبِدِهِ، ولِذا عُبِّرَ بِهِ عَنِ القَتْلِ، ومِنهُ جَرادٌ مَحْسُوسٌ وهو الَّذِي قَتَلَهُ البَرْدُ، وقِيلَ: هو الَّذِي مَسَّتْهُ النّارُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الحَسُّ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْصالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿صَدَقَكُمُ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْوَعْدِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، والتَّقْيِيدُ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّ قَتْلَهم بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّصْرِ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ أيْ فَزِعْتُمْ وجَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكم ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ أمْرِ الحَرْبِ أوْ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكم في سَدِّ ذَلِكَ الثَّغْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ إذْ لَمْ تَثْبُتُوا هُناكَ ومِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ مِنِ انْهِزامِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِكم عَلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: نَصَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى رَكِبَ نِساءُ المُشْرِكِينَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وزَلُولٍ ثُمَّ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أقْبَلَ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنِ احْمِلْ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَهَزَمَهُ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ ذَلِكَ انْكَفَأُوا إلّا قَلِيلًا ودَخَلُوا العَسْكَرَ وخالَفُوا الأمْرَ وأخْلَوُا الخَلَّةَ الَّتِي كانُوا فِيها، فَدَخَلَتْ خُيُولُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَضَرَبَ بَعْضُهم بَعْضًا والتَبَسُوا، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أُناسٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ طَمِعُوا في النَّهْبِ وفارَقُوا المَرْكَزَ لَهُ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ أمِيرِ الرُّماةِ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ مُمْتَثِلًا أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى صفحة 90 اسْتُشْهِدَ ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ كَفِّكم عَنْهم حَتّى تَحَوَّلَتِ الحالُ مِنَ الغَلَبَةِ إلى ضِدِّها ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُمْتَحَنُ لِيَبِينَ أمْرُكم وثَباتُكم عَلى الإيمانِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وإلّا فالِامْتِحانُ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي (حَتّى) هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها حَرْفُ جَرٍّ بِمَنزِلَةِ إلى ومُتَعَلِّقُها ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ أوْ ﴿صَدَقَكُمُ﴾ أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دامَ لَكم ذَلِكَ، وثانِيهِما أنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إذا وما بَعْدَها، وجَوابُ (إذا) قِيلَ: ﴿تَنازَعْتُمْ﴾ والواوُ زائِدَةٌ واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: ﴿صَرَفَكُمْ﴾، و(ثُمَّ) زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، والصَّحِيحُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ وعَلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ: بِأنْ أمَرَكم، وأبُو حَيّانَ: انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعَكم نَصْرَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: انْهَزَمْتُمْ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: امْتَحَنَكم، ورُدَّ بِجَعْلِ الِابْتِداءِ غايَةً لِلصَّرْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى مَنعِ النَّصْرِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ ﴿صَرَفَكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: إنَّ (إذا) اسْمٌ كَما في قَوْلِهِمْ: إذا يَقُومُ زَيْدٌ إذا يَقُومُ عَمْرٌو، و(حَتّى) حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنى إلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (صَدَقَكُمْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى النَّصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى وقْتِ فَشَلِكم وتَنازُعِكم إلَخْ، و﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وهاتانِ الجُمْلَتانِ الظَّرْفِيَّتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ أوْ لِما عَلِمَ مِن عَظِيمِ نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِذَلِكَ العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ وهو عامٌّ لِسائِرِ المُنْصَرِفِينَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي بِهِ أنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟ قالَ: نَعَمْ. فَكَبَّرَ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعالَ لِأُخْبِرَكَ ولِأُبَيِّنَ لَكَ عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ، أمّا فِرارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْهُ، وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَتْ مَرِيضَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ. وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَوْ كانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن عُثْمانَ لَبَعَثَهُ مَكانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمانَ فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَ ما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ اليُمْنى وضَرَبَ بِها عَلى يَدِهِ فَقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ اذْهَبْ بِها الآنَ مَعَكَ، وقالَ البَلْخِيُّ: إنَّهُ عَفْوٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّهُ خاصٌّ بِمَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعالى بِانْصِرافِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ يُقالُ: الدّاعِي لِقَوْلِ البَلْخِيِّ: إنَّ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ سَيَأْتِي ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأصْرَحِ وجْهٍ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكَلامُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْ ذَنْبِ الفارِّينَ وهو صَرِيحُ الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ ولَوْ بِالإشْعارِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَفْوِ هُنا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ فَلا أظُنُّ مُنْصِفًا يَدَّعِيهِ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ (152) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ العَفْوَ ولَوْ كانَ بَعْدَ التَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ أيْ شَأْنُهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ أوْ في جَمِيعِ الأحْوالِ أُدِيلَ لَهم أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ، إذِ الِابْتِلاءُ أيْضًا رَحْمَةٌ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا المُخاطَبُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ هُنا وفِيما قَبْلَهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ، وتَخْصِيصُ الفَضْلِ بِالعَفْوِ أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِعَدَمِ الِاسْتِئْصالِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

آل عمران 3:153

﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكم أوْ بِيَبْتَلِيَكم، وتَعَلُّقُهُ بِعَفا كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ تَعَلُّقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ بِعَصَيْتُمْ، صفحة 91 أوْ (تَنازَعْتُمْ) أوْ (فَشِلْتُمْ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرْ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ وفِيهِ خِطابانِ بِدُونِ عَطْفٍ، فالصَّوابُ اذْكُرُوا. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ - بِاذْكُرْ - جِنْسُ هَذا الفِعْلِ فَيُقَدَّرُ – اذْكُرُوا – لا اذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وأجابَ الشِّهابُ بِأنَّ اذْكُرْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ حِينَ يُصْعِدُونَ إلَخْ، ومِثْلُهُ لا مَنعَ فِيهِ كَما تَقُولُ لِزَيْدٍ: أتَقُولُ كَذا، فَإنَّ الخِطابَ المَحْكِيَّ مَقْصُودُ لَفْظِهِ فَلا يُنافِي القاعِدَةَ المَذْكُورَةَ وهم غَفَلُوا عَنْهُ فَتَأمَّلْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والإصْعادُ الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ بِأنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أصْعَدَ وصَعِدَ سِوى أنَّ الهَمْزَةَ في الأوَّلِ لِلدُّخُولِ نَحْوَ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ (تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى صُعُودِ الجَبَلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ وهو إمّا مِن تَصَعَّدَ في السُّلَّمِ إذا رَقى أوْ مِن صَعَّدَ في الوادِي تَصْعِيدًا إذا انْحَدَرَ فِيهِ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ: أصْعَدَ في الأرْضِ إذا مَضى وسارَ وأصْعَدَ في الوادِي وصَعَّدَ فِيهِ إذا انْحَدَرَ وأنْشَدَ: فَإمّا تَرَيْنِي اليَوْمَ مُزْجِي ظَعِينَتِي أُصَعِّدُ طَوْرًا في البِلادِ وأُفْرِعُ وقالَ الشَّمّاخُ: فَإنْ كَرِهْتَ هِجائِي فاجْتَنِبْ سَخَطِي لا ∗∗∗ يَدْهَمَنَّكَ إفْراعِي وتَصْعِيدِي ووَرَدَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ القَوْمَ لِما امْتُحِنُوا ذَهَبُوا فِرارًا في وادِي أُحُدٍ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ صَعَّدَ في السُّلَّمِ صُعُودًا وصَعَّدَ في الجَبَلِ أوْ عَلى الجَبَلِ تَصْعِيدًا ولَمْ يَعْرِفُوا فِيهِ صَعِدَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إذْ تُصْعِدُونَ) في الوادِي وهي تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الإصْعادَ الذَّهابُ في مُسْتَوى الأرْضِ دُونَ الِارْتِفاعِ، وقُرِئَ (يُصْعِدُونَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ إذْ بِاذْكُرْ عَلَيْهِ ظاهِرٌ. ﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ أيْ لا تُقِيمُونَ عَلى أحَدٍ ولا تُعَرِّجُونَ وهو مِن لَوى بِمَعْنى عَطَفَ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى وقَفَ وانْتَظَرَ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُنْتَظِرَ أنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ، وفُسِّرَ أيْضًا بِلا تَرْجِعُونَ وهو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا يُذْكَرُ إلّا في النَّفْيِ فَلا يُقالُ لَوَيْتُ عَلى كَذا، وقَرَأ الحَسَنُ تَلُونُ بِواوٍ واحِدَةٍ بِقَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً وحَذْفِها تَخْفِيفًا. وقُرِئَ ( تَلْوُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مِن ألْوى لُغَةً في لَوى، ويُلْوُونَ بِالياءِ كَيُصْعِدُونَ، قالَ أبُو البَقاءِ ويُقْرَأُ (عَلى أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ وهو الجَبَلُ، والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ أصْحابُ أُحُدٍ أوْ مَكانُ الوَقْعَةِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى إبْعادِهِمْ في اسْتِشْعارِ الخَوْفِ وجَدِّهِمْ في الهَزِيمَةِ حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى نَفْسِ المَكانِ. ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ أيْ يُنادِيكم في ساقَتِكم أوْ جَماعَتِكُمُ الأُخْرى أوْ يَدْعُوكم مِن ورائِكم فَإنَّهُ يُقالُ: جاءَ فَلانٌ في آخِرِ النّاسِ وأخِرَتِهِمْ وأُخْراهم إذا جاءَ خَلْفَهم، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُبالَغَةً في تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ، رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُنادِي: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» . وكانَ ذَلِكَ حِينَ انْهَزَمَ القَوْمُ وجَدُّوا في الفِرارِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى مَدًى لا يُسْمَعُ فِيهِ الصَّوْتُ، فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونادى بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أبْشِرُوا هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صفحة 92 أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ أنْصِتْ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ آخِرَ الأمْرِ حَيْثُ أبْعَدَ المُنْهَزِمُونَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿فَأثابَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿صَرَفَكُمْ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى والتَّعْبِيرُ بِالإثابَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ. تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. أوْ أنَّها مُجازٌ عَنِ المُجازاةِ أيْ فَجازاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما عَصَيْتُمْ ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أيْ كَرْبًا بِكَرْبٍ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الغَمِّ والحُزْنِ، والباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ أيْ جازاكم ﴿غَمًّا﴾ مُتَّصِلًا ﴿بِغَمٍّ﴾، والغَمُّ الأوَّلُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وغَلَبَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، والغَمُّ الثّانِي ما حَصَلَ لَهم مِنَ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَوْتِ الغَنِيمَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ. وقِيلَ: الغَمُّ الثّانِي إشْرافُ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّخْرَةِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ أيْ جازاكم بِغُمُومٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأثابَكم، والغَمُّ الأوَّلُ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالقَتْلِ نَحْوَهُ، والغَمُّ الثّانِي لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ أيْ أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِصْيانِكم لَهُ ومُخالَفَتِكم أمْرَهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: الغَمُّ الأوَّلُ لِلْمُشْرِكِينَ بِما رَأوْا مِن قُوَّةِ المُسْلِمِينَ عَلى طَلَبِهِمْ وخُرُوجِهِمْ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، والغَمُّ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ بِما نِيلَ مِنهم أيْ فَجازاكم بِغَمِّ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ بِسَبَبِ غَمٍّ أذاقُوهُ إيّاكم، وقِيلَ: الباءُ عَلى هَذا لِلْبَدَلِ، وكِلا القَوْلَيْنِ بَعِيدٌ، والعَطْفُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والغَمَّ الثّانِي لِلْمُشْرِكِينَ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ، والمَعْنى فَجازاكم غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِالقَتْلِ والجَرْحِ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما لَحِقَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ إنَّما يُوجِبُ المُجازاةَ بِالكَرامَةِ دُونَ الغَمِّ، وقِيلَ الضَّمِيرُ المَسْتَكِنُّ في أثابَكم لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأثابَكم بِمَعْنى آساكم أيْ جَعَلَكم أُسْوَةً لَهُ مُتَساوِيَيْنِ في الحُزْنِ، فاغْتَمَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما نَزَلَ عَلَيْكم كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَثِرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم وتَنْفِيسًا عَنْكم، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى صَرَفَكم، وعَدَمُ ظُهُورِ التَّرَتُّبِ إلّا بِتَكَلُّفٍ إنْ كانَ العَطْفُ عَلى (يَدْعُوكُمْ) نَعَمِ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ ظاهِرٌ إذِ المَعْنى آساكم بِذَلِكَ لِيَكِلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ ولا ما أصابَكم مِنَ الشَّدائِدِ، وكَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المَغْرِبِيُّ، وأمّا عَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ فالمَعْنى لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا عَلى نَفْعٍ ما فاتَ أوْ ضُرٍّ آتٍ، وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ لِأنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ. وقِيلَ: (لا) زائِدَةٌ والمَعْنى لِكَيْ تَأْسَفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجِراحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكم، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ولا يَخْفى أنَّ تَأْكِيدَ لا وتَكْرِيرَها يُبْعِدُ القَوْلَ بِزِيادَتِها، وقِيلَ: التَّعْلِيلُ عَلى ظاهِرِهِ، و(لا) لَيْسَتْ زائِدَةً، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكم لِئَلّا تَحْزَنُوا إلَخْ، فَإنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَعالى يُذْهِبُ كُلَّ حُزْنٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أمْرَ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا عَلى ما حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ ولا القَوْلِ بِزِيادَةِ – لا - ويُوَضِّحُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أصابَ النّاسَ غَمٌّ وحُزْنٌ عَلى ما أصابَهم في أصْحابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَلَمّا اجْتَمَعُوا في الشِّعْبِ وقَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ صفحة 93 بِبابِ الشِّعْبِ، فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهم أيْضًا فَأصابَهم حُزْنٌ أنْساهم حُزْنَهم في أصْحابِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ إلَخْ، وحَدِيثُ: إنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الإطْلاقِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ غَمٌّ مَخْصُوصٌ سَبَبًا لِزَوالِ غَمٍّ آخَرَ مَخْصُوصٍ أيْضًا بِأنْ يَعْظُمَ الثّانِي فَيُنْسِيَ الأوَّلَ فَتَدَبَّرْ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (153) عَلِيمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها، وفي المَقْصِدِ الأسْنى: الخَبِيرُ بِمَعْنى العَلِيمِ، لَكِنَّ العِلْمَ إذا أُضِيفَ إلى الخَفايا الباطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً، وسُمِّيَ صاحِبُها خَبِيرًا، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.

آل عمران 3:154

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأثابَكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، والمَعْنى ثُمَّ وهَبَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ الَّذِي اعْتَراكم، والتَّصْرِيحُ بِتَأخُّرِ الإنْزالِ عَنْهُ مَعَ دَلالَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ وعَلى تَراخِيهِ عَنْهُ لِزِيادَةِ البَيانِ، وتَذْكِيرِ عِظَمِ المِنَّةِ. ﴿أمَنَةً﴾ مَصْدَرٌ كالمَنَعَةِ وهو مَفْعُولُ (أنْزَلَ) أيْ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم أمْنًا ﴿نُعاسًا﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿نُعاسًا﴾ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، و(أمَنَةً) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ ذا أمَنَةٍ، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِها أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أمَنَةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ. وقِيلَ: إنَّ أمَنَةً مَفْعُولٌ لَهُ لِنُعاسًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ظاهِرِهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، وإنِ التَزَمَ تَقْدِيرُ فِعْلٍ أيْ نَعَسْتُمْ أمَنَةً، ورُدَّ أنَّهُ لَيْسَ لِلْفِعْلِ مَوْقِعٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِأنْزَلَ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِاخْتِلافِ شَرْطِهِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ إذْ فاعِلُ أنْزَلَ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلُ الأمَنَةِ هو المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، ورُدَّ بِأنَّ الأمَنَةَ كَما يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن وقَعَ بِهِ الأمْنُ يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن أوْقَعَهُ، والمُرادُ هُنا الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْكُمُ النُّعاسَ لِيُؤَمِّنَكم بِهِ وحِينَئِذٍ لا شُبْهَةَ في اتِّحادِ الفاعِلِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها لِوُقُوعِها في زَمَنٍ يَسِيرٍ مَرَّةً مِنَ الأمْنِ، فَلا يُنافِي كَوْنُ المَقْصُودِ مُطْلَقَ الأمْنِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وتَخْصِيصِ الخَوْفِ مِن بَيْنِ فُنُونِ الغَمِّ بِالإزالَةِ لِأنَّهُ المُهِمُّ عِنْدَهم في ذَلِكَ المَقامِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ وأمْرِ المُسْلِمِينَ فَواعَدُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَدْرًا مِن قابِلٍ فَقالَ لَهم: نَعَمْ فَتَخَوَّفَ المُسْلِمُونَ أنْ يَنْزِلُوا المَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا فَقالَ: انْظُرْ فَإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ وجَنَّبُوا خُيُولَهم فَإنَّ القَوْمَ ذاهِبُونَ، وإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى خُيُولِهِمْ وجَنَّبُوا أثْقالَهم فَإنَّ القَوْمَ يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واصْبِرُوا، ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ، فَلَمّا أبْصَرَهُمُ الرَّسُولُ قَعَدُوا عَلى الأثْقالِ سِراعًا عِجالًا نادى بِأعْلى صَوْتِهِ بِذَهابِهِمْ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنامُوا، وبَقِيَ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَظُنُّونَ أنَّ القَوْمَ يَأْتُونَهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: آمَنُهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ غَشّاهم، وإنَّما يَنْعَسُ مَن يَأْمَنُ، والخائِفُ لا يَنامُ. وأخْرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ: غَشِيَنا النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ ونَحْنُ في مَصافِّنا، وكُنْتَ مِمَّنْ غَشِيَهُ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي، وآخُذُهُ ويَسْقُطُ وآخُذُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ وما مِنهم مَن أحَدٍ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ - أيْ تُرْسَهُ - مِنَ النُّعاسِ، وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِثْلَهُ. قِيلَ: وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ جَعْلُ النُّعاسِ في الحَرْبِ عَلّامَةً لِلظَّفَرِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في صِفِّينَ، وهو مِنَ الوارِداتِ الرَّحْمانِيَّةِ والسِّكِّينَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُهاجِرُونَ صفحة 94 وعامَّةُ الأنْصارِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لَمْ يَغْشَ الكُلَّ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عُمُومِ الإنْزالِ لِلْكُلِّ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنُعاسًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَغْشى) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِلْأمَنَةِ) والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حُكْمُ هَذِهِ الأمَنَةِ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّها تَغْشى طائِفَةً، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأمَنَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى البَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ، وأنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِالمَفْعُولِ لَهُ، وأنَّ المَعْهُودَ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ ﴿وطائِفَةٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ. ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ جَعَلَتْهم ذَوِي هَمٍّ وأوْقَعَتْهم فِيهِ أوْ ما يُهِمُّهم إلّا أنْفُسُهم لا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا غَيْرُهُ، مِن أهَمَّهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ مُهِمًّا لَهُ ومَقْصُودًا، والحُصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا اللَّفْظَ عَلى الخائِفِ الَّذِي شَغَلَهُ هَمُّ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ، و﴿طائِفَةً﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها نَكِرَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ واوِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا مُحَيّاكِ أخْفى ضَوْءَ كُلِّ شارِقِ أوْ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: إذا مُتُّ كانَ النّاسُ صِنْفانِ شامِتٌ ∗∗∗ وآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي أنا صانِعُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ نَعْتًا لَها والخَبَرُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ أيْ ومَعَكم، أوْ وهُناكَ طائِفَةٌ، وتَقْدِيرُ - ومِنكم طائِفَةٌ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُنافِقُونَ داخِلِينَ في الخِطابِ بِإنْزالِ الأمَنَةِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِفَظاعَةِ الهَوْلِ مُؤَكِّدَةٌ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ في الخَلاصِ عَنْهُ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، فالواوُ إمّا حالِيَّةٌ وإمّا اسْتِئْنافِيَّةٌ، وكَوْنُها بِمَعْنى إذْ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أهَمَّتْهُمْ﴾ لا مِن ﴿طائِفَةً﴾ وإنْ تَخَصَّصَتْ لِما في مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ مِنَ المَقالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ لِطائِفَةٍ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هي الخَبَرُ، و﴿قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ صِفَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وغَيْرَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وهو بِحَسَبِ ما يُضافُ إلَيْهِ أيْ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ وهو الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَوْعِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: (غَيْرَ الحَقِّ)، و(ظَنَّ) مَصْدَرانِ أحَدُهُما لِلتَّشْبِيهِ والآخِرُ تَأْكِيدٌ لِغَيْرِهِ، أيْ يَقُولُونَ غَيْرَ الحَقِّ، ومَفْعُولا (يَظُنُّونَ) مَحْذُوفانِ أيْ يَظُنُّونَ أنَّ إخْلافَ وعْدِهِ سُبْحانَهُ حاصِلٌ، وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ (غَيْرَ الحَقِّ) مَفْعُولًا أوَّلًا أيْ أمْرًا غَيْرَ الحَقِّ، و(بِاللَّهِ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإضافَةُ (ظَنَّ) إلى الجاهِلِيَّةِ قِيلَ: إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى مَصْدَرِ صِفَتِهِ ومَعْناها الِاخْتِصاصُ بِالجاهِلِيَّةِ كَرَجُلِ صِدْقٍ وحاتِمِ الجُودِ، فَهي عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المُخْتَصِّ بِالصِّدْقِ والجُودِ، فالياءُ مَصْدَرِيَّةٌ، والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ لَهُ، وإمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ ظَنَّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أيِ الشِّرْكِ والجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى، وهي اخْتِصاصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أيْضًا. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ﴾ أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ: هَلْ لَنا مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ نَصِيبٌ أيْ لَيْسَ لَنا مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ يَقُولُ صفحة 95 الحاضِرُونَ مِنهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِرْشادِ: هَلْ لَنا مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَعْدِهِ بِالنَّصْرِ شَيْءٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. والجُمْلَةُ قِيلَ: إمّا حالٌ أوْ خَبَرٌ إثْرَ خَبَرٍ، أوْ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِن (يَظُنُّونَ) وهو بَدَلُ الكُلِّ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ (لِيَظُنُّونَ) وتَرْجَمَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لا يَكُونُ تَرْجَمَةً لِلْخَبَرِ كَما لا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: أخْبَرَنِي زَيْدٌ قالَ: لا تَذْهَبْ أوْ أمَرَنِي قالَ: لا تَضْرِبْ، أوْ نَهانِي قالَ: اضْرِبْ، فَإنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ واجِبَةٌ. وحاصِلُ الإشْكالِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ النِّسْبَةُ التَّصْدِيقِيَّةُ فَكَيْفَ يَقَعُ اسْتِفْهامُ تَرْجَمَةٍ لَهُ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ عِلْمٍ فِيما يُشَكُّ ويُظَنُّ، فَجازَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الظَّنَّ أوِ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِما يُقالُ في جَوابِ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما ذُكِرَ في بابِ تَعْلِيقِ أفْعالِ القُلُوبِ بِاسْتِفْهامٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ حَقِيقِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إنْكارِيًّا فَلا إشْكالَ، ولا قِيلَ ولا قالَ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ فَيَتَطابَقُ مَعَ ما قَبْلَهُ في الخَبَرِيَّةِ، وبَعْضُ مَن جَعَلَهُ إنْكارِيًّا ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى إنّا مَنَعْنا تَدْبِيرَ أنْفُسِنا وتَصْرِيفَها بِاخْتِيارِنا فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ أخْبَرَهُ المُنافِقُونَ بِقَتْلِ بَنِي الخَزْرَجِ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قِيلَ: وظَنُّهُمُ السُّوءَ عَلى هَذا تَصْوِيبُهم رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ ومَن تَبِعَهُ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى هَلْ يَزُولُ عَنّا هَذا القَهْرُ فَيَكُونُ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مِنَ) الثّانِيَةُ سَيْفُ خَطِيبٍ، و(شَيْءٌ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وفي خَبَرِهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ: أحَدُهُما (لَنا) فَمِنَ الأمْرِ حالٌ، والثّانِي (مِنَ الأمْرِ) فَلَنا تَبْيِينٌ وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ والغَلَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِحِزْبِ اللَّهِ تَعالى وأوْلِيائِهِ، فَيَنْصُرُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، ويَخْذُلُ أعْداءَهُ ويَقْهَرُهم، وكَنّى بِكَوْنِ الغَلَبَةِ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كَوْنِها لِأوْلِيائِهِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَكانٍ، أوْ أنَّ القَضاءَ أوِ التَّدْبِيرَ لَهُ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويُجْرِي الأُمُورَ حَسْبَما جَرى بِهِ القَلَمُ في سابِقِ القَضاءِ / وعَلى هَذا لا كِنايَةَ في الكَلامِ، وجاءَ مُؤَكِّدًا لِما أنَّ الكَلامَ الَّذِي وقَعَ هو في مُقابَلَتِهِ كَذَلِكَ. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ مِن هَذا الأمْرِ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ فِيما تَقَدَّمَهُ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مَعْناهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ لَمْ يُجابُوا بِإثْباتِ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَ جُمْلَةِ النَّفْيِ جُمْلَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ لِيَكُونَ المَعْنى لَيْسَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلْ لِغَيْرِنا مِمَّنْ حَمَلَنا عَلى الخُرُوجِ وأكْرَهَنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا لِهَذا المُقَدَّرِ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْضًا، أمّا إذا كانَ مُرادُهم نَفْيَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ في هَذا القَوْلِ إثْباتَ ذَلِكَ النَّصْرِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأمّا إذا كانَ مُرادُهم أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ حَيْثُ مُنِعُوا تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ؛ فَلِأنَّ في ذَلِكَ النَّفْيِ إشْعارًا بِأنَّ لَهم تَدْبِيرًا، وأنَّهم لَوْ تُرِكُوا وتَدْبِيرَهم ما غُمِزَتْ قَناتُهم، وهَذا الإثْباتُ مُتَكَفِّلٌ بِرَدِّ ذَلِكَ وإبْطالِهِ عَلى وجْهِ سُتْرَةٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، فَلا أرى التَّقْدِيرَ عَلى ما فِيهِ إلّا مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (كُلُّهُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَكُلَّ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ (إنَّ)، و(لِلَّهِ) خَبَرُها. وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلَّهُ) بَدَلًا مِنَ (الأمْرَ) وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ يُضْمِرُونَ صفحة 96 فِيها أوْ يُسِرُّونَ فِيما بَيْنَهم ﴿ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أيْ ما لا يَسْتَطِيعُونَ إظْهارَهُ لَكَ، والجُمْلَةَ إمّا اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها أيْ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ لِلنَّصْرِ مُبْطِنِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الآيَةِ الأُولى، والذّاهِبُ إلى حَمْلِ الِاسْتِفْهامِ فِيها عَلى الإنْكارِ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ الِاسْتِئْنافُ أوْ يَجُوزُ الخَبَرِيَّةُ ونَحْوُها أيْضًا عَلى ما مَرَّ، والجُمْلَةُ الجَوابِيَّةُ اعْتِراضِيَّةٌ في كُلِّ حالٍ سِوى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، وأمّا جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ (قُلْ) والرّابِطُ لَكَ، فَلا يَخْفى حالُهُ ( يَقُولُونَ ) أيْ في أنْفُسِهِمْ أوْ خِفْيَةً لِبَعْضِهِمْ إذْ لَوْ كانَ القَوْلُ جِهارًا لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، والجُمْلَةُ إمّا بَدَلٌ مِن (يُخْفُونَ) أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي أخْفَوْهُ ؟ فَقِيلَ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةٍ، وبِأنَّ القَوْلَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَتَفاوَتِ القَوْلانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿هَلْ لَنا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ في حالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ كانَ لَنا﴾ لِأصْحابِهِمْ، وبَدَلُ الحالِ حالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الأخِيرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ قَوْلانِ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، وفِيهِ أنَّ زَمانَ الحالِ المُقارَنِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى التَّضْيِيقِ كَما لا يَخْفى، ومِن هُنا عَلَّلَ بَعْضُ الفُضَلاءِ نَفْيَ المُقارَنَةِ بِتَرَتُّبِ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ وعَدَلَ عَنْ هَذا التَّعْلِيلِ، فَإنَّ. ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ عَلى مَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ وادَّعى أنَّ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ ﴿ما قُتِلْنا﴾ فَكَأنَّ هَذا في زَعْمِهِمْ رَدٌّ لِما أُجِيبُوا بِهِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَوْ كانَ لَنا اخْتِيارٌ وتَدْبِيرٌ لَمْ نَبْرَحْ كَما كانَ رَأْيُ ابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، ومَعْنى ﴿ما قُتِلْنا﴾ ما غُلِبْنا لِأنَّ القائِلِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ قُتِلَ لِاسْتِحالَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِإسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، فالمَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّرَتُّبِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ نُزُولِ الآيَةِ الجَوابِيَّةِ وسَماعِهِمْ لَها حَتّى يَتَأتّى القَوْلُ بِزَعْمِ رَدِّها بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الفاسِدَةِ، والظّاهِرُ مِنَ الآثارِ عَدَمُ نُزُولِها إذْ ذاكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لِما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ فَقالَ: إنّا واللَّهِ ما نُؤامِرُ ( ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ ) . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ عَلَيْنا أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا النَّوْمَ فَما مَنّا مِن رَجُلٍ إلّا ذَقْنُهُ في صَدْرِهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلُمِ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ فَحَفِظْتُها مِنهُ، وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْزَلَ إلى (هَهُنا) وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم كالِاسْتِدْلالَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ وقَعَ مِنهُمُ ابْتِداءً وقَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا رادًّا لَهُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا فَفِيهِ خَفاءٌ فَتَأمَّلْ، ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ ذَلِكَ ﴿لَوْ كُنْتُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ومَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ ولَمْ تَخْرُجُوا لِلْقِتالِ بِحَمْلَتِكم ﴿لَبَرَزَ﴾ أيْ لَخَرَجَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى البُرُوزِ ﴿الَّذِينَ كُتِبَ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ قُدِّرَ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ في تِلْكَ المَعْرَكَةِ ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ أيْ مَصارِعِهِمُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ قَتْلَهم فِيها وقُتِلُوا هُناكَ البَتَّةَ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ تَعالى لا يُرَدُّ، صفحة 97 وحُكْمُهُ لا يُعَقَّبُ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في رَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الظّاهِرَ الأبْلَغَ أنْ يُرادَ بِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ الكُفّارُ القاتِلُونَ، أيْ لَخَرَجَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِمْ إلى مَضاجِعِ المَقْتُولِينَ ولَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهم مَعَ تَحَصُّنِهِمْ بِالمَدِينَةِ وتَحَفُّظِهِمْ في بُيُوتِهِمْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، ولِأنَّ الظّاهِرَ مِن (عَلَيْهِمْ) أنَّهم مَقْتُولُونَ لا قاتِلُونَ، وقِيلَ: المَعْنى لَوْ لَزِمْتُمْ مَنازِلَكم أيُّها المُنافِقُونَ والمُرْتابُونَ وتَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لَخَرَجَ إلى البِرازِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ صابِرِينَ مُحْتَسِبِينَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ويَؤُوَّلُ إلى قَوْلِنا: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لا يَتَخَلَّفُ المُؤْمِنُونَ، والمُضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى المَرْقَدِ فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْمَصْرَعِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَحَلِّ امْتِدادِ البَدَنِ مُطْلَقًا لِلْحَيِّ والمَيِّتِ فَهو حَقِيقَةٌ، وقُرِئَ ( كَتَبَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( القَتْلَ )، و(كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ)، و(لَبُرِّزَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِكم بِأعْمالِكم، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْبًا ويُرِيدُ أنْ يَعْلَمَهُ شَهادَةً لِتَقَعَ المُجازاةُ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُمْتَحَنِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ ومَدْخُولُها عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ مَعْطُوفٍ عَلى عِلَلٍ أُخْرى مَطْوِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ﴿ولِيَبْتَلِيَ﴾ إلَخْ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ أيْ، ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ: فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِشَأْنِ أوْلِيائِهِ وأنْصارِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَثَلًا. والعَطْفُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( أنْزَلَ عَلَيْكم ) والفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْتَفَرٌ؛ لِأنَّ الفاصِلَ مِن مُتَعَلِّقاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وقِيلَ: إنَّهُ لا حَذْفَ في الكَلامِ وإنَّما هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ أيْ أثابَكم بِالغَمِّ لِأمْرَيْنِ: عَدَمِ الحُزْنِ والِابْتِلاءِ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَوَسُّطَ تِلْكَ الأُمُورِ مُحْتاجٌ إلى نُكْتَةٍ حِينَئِذٍ وهي غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يُقْبَلُ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولِيَبْتَلِيَ ما في صُدُورِكم، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ وكِلْتا العِلَّتَيْنِ ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ لِنَفاذِ القَضاءِ، أوْ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِلِابْتِلاءِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ يَأْباهُ؛ فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ، وإنَّما جُعِلَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُعْتَدُّ بِهِمْ، ولِأنَّ إظْهارَ حالِهِمْ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: إنَّهُ لَهم ولِلْمُنافِقِينَ أيْ لِيَبْتَلِيَ ما في سَرائِرِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، وقِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً لِأنَّ سَوْقَ الآيَةِ لَهم، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ لِيُخَلِّصَ ما فِيها مِنَ الِاعْتِقادِ مِنَ الوَسْواسِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ لا اعْتِقادَ لَهم لِيُمَحَّصَ مِنَ الوَساوِسِ ويُخَلَّصَ مِنها، ولَعَلَّ القائِلِينَ بِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ أوْ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُفَسِّرُونَ التَّمْحِيصَ بِالكَشْفِ والتَّمْيِيزِ، أيْ لِيَكْشِفَ ما في قُلُوبِكم مِن مُخْفَياتِ الأُمُورِ أوِ النِّفاقِ ويُمَيِّزَها، إلّا أنَّ حَمْلَ التَّمْحِيصِ عَلى هَذا المَعْنى يَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، وإنَّما عَبَّرَ بِالقُلُوبِ هُنا كَما قِيلَ لِأنَّ التَّمْحِيصَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقادِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ القَلْبِ مَعَ ذَلِكَ فَيُقالُ: اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ، ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ اعْتَقَدَ بِصَدْرِهِ أوْ آمَنَ بِصَدْرِهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَتَبَ في صُدُورِهِمُ الإيمانَ، نَعَمْ يُذْكَرُ الصَّدْرُ مَعَ الإسْلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ السّاداتِ: القَلْبُ مَقَرُّ الإيمانِ، والصَّدْرُ مَحَلُّ الإسْلامِ، والفُؤادُ مَشْرِقُ المُشاهَدَةِ، واللُّبُّ مَقامُ التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ، ولَعَلَّ الآيَةَ عَلى هَذا تُؤَوَّلُ إلى قَوْلِنا: لِيَبْتَلِيَ إسْلامَكم ولِيُمَحِّصَ إيمانَكم، ورُبَّما يُقالُ صفحة 98 عَبَّرَ بِذَلِكَ مَعَ التَّعْبِيرِ فِيما قَبْلُ بِالصُّدُورِ لِلتَّفَنُّنِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعَيْنِ واحِدٌ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (154) أيْ بِما في القُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ الضَّمائِرِ الخَفِيَّةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِتَمَكُّنِها مِنَ الصُّدُورِ جُعِلَتْ كَأنَّها مالِكَةٌ لَها، فَذاتُ بِمَعْنى صاحِبَةٌ لا بِمَعْنى ذاتِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ أوْ أحَدُهُما فَقَطْ عَلى الخِلافِ في الخِطابِ، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِابْتِلاءِ، وإنَّما يُبْرِزُ صُورَةَ الِابْتِلاءِ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها كَتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ إظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ، واخْتارَ الصُّدُورَ هَهُنا لِأنَّ الِابْتِلاءَ الغَنِيَّ عَنْهُ سُبْحانَهُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِما فِيها، والتَّمْحِيصُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ تَصْفِيَةٌ وتَطْهِيرٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا تُشْعِرُ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وإنَّما فَعَلَهُ لِحِكْمَةٍ، نَعَمْ إذا أُرِيدَ بِهِ الكَشْفُ والتَّمْيِيزُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ أيْضًا. ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَها حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ، أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ لِلِابْتِلاءِ والكَشْفِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْهُما مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنِ الإسْرارِ والخَفِيّاتِ بِذاتِ الصُّدُورِ دُونَ ذاتِ القُلُوبِ، مَعَ أنَّ التَّعْبِيرَ الثّانِيَ أوْلى بِها لِأنَّ القُلُوبَ مَحَلُّها بِلا واسِطَةٍ، ومَحَلِّيَّةُ الصُّدُورِ لَها بِحَسَبِ الظّاهِرِ بِواسِطَةِ القُلُوبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاتَ الصُّدُورِ بِمَعْنى الأشْياءِ الَّتِي لا تَكادُ تُفارِقُ الصُّدُورَ لِكَوْنِها حالَّةً فِيها بَلْ تَلازُمُها وتُصاحُبُها أشْمَلُ مِن ذاتِ القُلُوبِ لِصِدْقِ الأُولى عَلى الأسْرارِ الَّتِي في القُلُوبِ وعَلى القُلُوبِ أنْفُسِها، لِأنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُلازِمٌ لِلصُّدُورِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حالًّا فِيها دُونَ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّها لا تَصْدُقُ إلّا عَلى الأسْرارِ لِأنَّها الحالَّةُ فِيها دُونَ الصُّدُورِ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِن ذاتِ الصُّدُورِ هَذا المَعْنى الشّامِلُ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِها لِذَلِكَ.

آل عمران 3:155

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ الدُّبُرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ، أوْ إنَّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنكم إلى المَدِينَةِ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ وهُما جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَمْعُ أبِي سُفْيانَ. ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ ودَعاهم إلَيْهِ ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ يَعْنِي إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كانَ السَّبَبُ في تَوْلِيَتِهِمْ أنَّهم كانُوا أطاعُوا الشَّيْطانَ فاقْتَرَفُوا ذُنُوبًا فَمُنِعُوا مِنَ التَّأْيِيدِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ حَتّى تَوَلَّوْا، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الزَّلَلُ هو التَّوَلِّي بَلِ الذُّنُوبُ المُفْضِيَةُ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الزَّلَلُ الَّذِي أوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ فِيهِ ودَعاهم إلَيْهِ هو التَّوَلِّيَ نَفْسَهُ، وحِينَئِذٍ يُرادُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا إمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ، ومَعْنى السَّبَبِيَّةِ انْجِرارُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ الذَّنْبَ كَما أنَّ الطّاعَةَ تَجُرُّ الطّاعَةَ، وإمّا قَبُولُ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الهَزِيمَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا مُخالَفَةُ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالثَّباتِ في المَرْكَزِ فَجَرَّهم ذَلِكَ إلى الهَزِيمَةِ، وإمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ لا بِطْرِيقِ الِانْجِرارِ بَلْ لِكَراهَةِ الجِهادِ مَعَها، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الشَّيْطانَ ذَكَّرَهم خَطايا لَهم كَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَها فَأخَّرُوا الجِهادَ وتَوَلَّوْا حَتّى يُصْلِحُوا أمْرَهم ويُجاهِدُوا عَلى حالٍ مَرْضِيَّةٍ، والتَّرْكِيبُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ ولَيْسَ مِن بابِ أنَّ الصِّفَةَ عِلَّةٌ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ لِأنَّ ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ يَأْباهُ ويُحَقِّقُ التَّحْقِيقَ، وهو أيْضًا مِن بابِ التَّرْدِيدِ لِلتَّعْلِيقِ كَقَوْلِهِ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها ∗∗∗ لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ لَأنَّ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ﴾ إلَخْ خَبَرُ إنَّ، وزِيدَ إنَّ للتَّوْكِيدِ وطُولِ الكَلامِ، وما لِتَكُفَّها عَنِ العَمَلِ، صفحة 99 وأصْلُ التَّرْكِيبِ: إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما تَوَلَّوْا لِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَزَلَّهم بِبَعْضِ إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي أكْرَمَكَ إنَّما أكْرَمَكَ لِأنَّكَ تَسْتَحِقُّهُ، وذِكْرُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في كَسْبِهِمْ ما هو طاعَةٌ لا يُوجِبُ الِاسْتِزْلالِ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّ ما كَسَبُوا لِأنَّ الكُلَّ يَسْتَدْعِي زِيادَةً عَلَيْها لَكِنَّهُ تَعالى مَنَّ بِالعَفْوِ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَفْوِ تَأْكِيدًا لِطَمَعِ المُذْنِبِينَ فِيهِ ومَنعًا لَهم عَنِ اليَأْسِ وتَحْسِينًا لِلظُّنُونِ بِأتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ يُقالُ: هَذا تَأْسِيسٌ لا تَأْكِيدٌ فَتَذَكَّرْ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ صَغائِرِها وكَبائِرِها ﴿حَلِيمٌ﴾ (155) لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ المُذْنِبِ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَفْوِ عَنْ هَؤُلاءِ المُتَوَلِّينَ وكانُوا أكْثَرَ القَوْمِ، فَقَدْ ذَكَرَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا؛ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ وطِلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، ومِن مَشاهِيرِ المُنْهَزِمِينَ: عُثْمانُ ورافِعُ بْنُ المُعَلّى وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وسَعْدٌ وعُقْبَةُ ابْنا عُثْمانَ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي زُرَيْقٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وعَنْ غَيْرِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ في الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم بالَغُوا في الفِرارِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلّا بَعْدَ مُضِيِّ وقْتٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَرْجِعْ إلّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِها عَرِيضَةً، وأمّا سائِرُ المُنْهَزِمِينَ فَقَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الجَبَلِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مِن هَذا الصِّنْفِ كَما في خَبَرِ ابْنِ جَرِيرٍ خِلافًا لِلشِّيعَةِ، وبِفَرْضِ التَّسْلِيمِ لا تَعْيِيرَ بَعْدَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجَمِيعِ، ونَحْنُ لا نَدَّعِي العِصْمَةَ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولا نَشْتَرِطُها في الخِلافَةِ.