Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النساء 4:31 – النساء 4:91

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النساء 4:31
  2. النساء 4:32
  3. النساء 4:33
  4. النساء 4:34
  5. النساء 4:35
  6. النساء 4:36
  7. النساء 4:37
  8. النساء 4:38
  9. النساء 4:39
  10. النساء 4:40
  11. النساء 4:41
  12. النساء 4:42
  13. النساء 4:43
  14. النساء 4:44
  15. النساء 4:45
  16. النساء 4:46
  17. النساء 4:47
  18. النساء 4:48
  19. النساء 4:49
  20. النساء 4:50
  21. النساء 4:51
  22. النساء 4:52
  23. النساء 4:53
  24. النساء 4:54
  25. النساء 4:55
  26. النساء 4:56
  27. النساء 4:57
  28. النساء 4:58
  29. النساء 4:59
  30. النساء 4:60
  31. النساء 4:61
  32. النساء 4:62
  33. النساء 4:63
  34. النساء 4:64
  35. النساء 4:65
  36. النساء 4:66
  37. النساء 4:67
  38. النساء 4:68
  39. النساء 4:69
  40. النساء 4:70
  41. النساء 4:71
  42. النساء 4:72
  43. النساء 4:73
  44. النساء 4:74
  45. النساء 4:75
  46. النساء 4:76
  47. النساء 4:77
  48. النساء 4:78
  49. النساء 4:79
  50. النساء 4:80
  51. النساء 4:81
  52. النساء 4:82
  53. النساء 4:83
  54. النساء 4:84
  55. النساء 4:85
  56. النساء 4:86
  57. النساء 4:87
  58. النساء 4:88
  59. النساء 4:89
  60. النساء 4:90
  61. النساء 4:91

النساء 4:31

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا جانِبًا ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُﷺ –عَنْهُ، أيْ: عَنِ ارْتِكابِهِ مِمّا ذُكِرَ، ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ: (كَبِيرَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، فَيُطابِقُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكَ ﴿نُكَفِّرْ﴾ أيْ: نَغْفِرُ ونَمْحُو، واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ الغُفْرانِ، وقُرِئَ: (يُغْفَرْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿عَنْكُمْ﴾ أيُّها المُجْتَنِبُونَ ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: صَغائِرَكُمْ، كَما قالَ السُّدِّيُّ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ. والثّانِي: أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ، وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ. والثّالِثُ: أنَّها كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ. والرّابِعُ: أنَّها كُلُّ جَرِيرَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ، ورِقَّةِ الدِّيانَةِ، وبِهِ قالَ الإمامُ. والخامِسُ: أنَّها ما أوْجَبَ الحَدَّ، أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ، وبِهِ قالَ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ. والسّادِسُ: أنَّها كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ في مَحَلِّهِ عَنِ الحَلِيمِيِّ. والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ، وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنِ العِبادِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ، وساعَةِ الإجابَةِ، انْتَهى. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزَيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ، أوْ أكْثَرُ مِن مَفْسَدَتِهِ، أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارَ أصْغَرِ الكَبائِرِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِذَلِكَ، كَما لَوْ قَتَلَ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ، أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ، وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ؟! وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى ضَبْطِها بِالعَدِّ مِن غَيْرِ ضَبْطِها بِحَدٍّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هُنا، وقِيلَ: هي سَبْعٌ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» وفي رِوايَةِ لَهُما: ««الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» زادَ البُخارِيُّ: صفحة 18 «واليَمِينُ الغَمُوسُ»، ومُسْلِمٌ بَدَّلَها: «وقَوْلُ الزُّورِ»» والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَهُ قَصْدًا لِبَيانِ المُحْتاجِ مِنها وقْتَ الذِّكْرِ، لا لِحَصْرِهِ الكَبائِرَ فِيهِ. ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – وعَطاءٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وقِيلَ: تِسْعٌ؛ لِما أخْرَجَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّهُ قالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «هُنَّ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلْحادُ بِالبَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا»». ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها ثَلاثٌ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلِ الكَبائِرُ سَبْعٌ؟ فَقالَ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ، ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ، غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّ في الذُّنُوبِ صَغِيرَةً، وقالُوا: بَلْ سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ، بَلْ حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الأشاعِرَةِ، واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ، فَقالَ: مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وأوَّلَ الآيَةَ بِما يَنْبُو عَنْهُ ظاهِرُها، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الذُّنُوبُ عَلى ضَرْبَيْنِ: صَغائِرُ وكَبائِرُ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، انْتَهى. ورُبَّما ادَّعى في بَعْضِ المَواضِعِ اتِّفاقَ الأصْحابِ عَلى ما ذَكَرَهُ، واعْتَمَدَ ذَلِكَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ: إنَّها صَغِيرَةٌ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويُوافِقُ هَذا القَوْلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ - أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: «كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ»، وفي رِوايَةٍ: «كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ» قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وذَكَرَ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى الِانْقِسامِ، وأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقُ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ، ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها، وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى صَغِيرَةً؛ نَظَرًا إلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ، وإجْلالًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ تَسْمِيَةِ مَعْصِيَتِهِ صَغِيرَةً؛ لِأنَّها إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ تَعالى كَبِيرَةٌ، وأيُّ كَبِيرَةٍ، ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، بَلْ قَسَّمُوها إلى قِسْمَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ صَرائِحُ الآياتِ والأخْبارِ، لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ، وكَوْنُ المَعْنى ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَناكَحِ الحَرامِ، وأكْلِ الأمْوالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ ما كانَ مِنِ ارْتِكابِها فِيما سَلَفَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولِذَلِكَ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ، وقَدْ عُرِفَتا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ لِذَنْبٍ واحِدٍ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ بِاعْتِبارَيْنِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَتَفاوَتُ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لا يَحْقِرُ الرَّجُلُ الرَّفِيعُ دَقِيقَةً في السَّهْوِ فِيها لِلْوَضِيعِ مَعاذِرُ فَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ ∗∗∗ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ قالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وأشارَ إلى التَّفاوُتِ مَن قالَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما في صفحة 19 حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الصَّلَواتُ الخَمْسُ مُكَفِّرَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»» ووَجْهُهُ أنَّ الصَّلَواتِ إذا كَفَّرَتْ لَمْ يَبْقَ ما يُكَفِّرُهُ غَيْرُها، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَضْمُونُ الآيَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأجْوِبَةٍ أصَحِّها - عَلى ما قالَهُ الشِّهابُ-: إنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فِيهِ: ««ما اجْتُنِبَتْ»» إلَخْ دالٌّ عَلى بَيانِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُصَلِّ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وأيَّ كَبِيرَةٍ، فَتَدَبَّرْ. ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ الجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِفَتْحِها، وهو عَلى الضَّمِّ إمّا مَصْدَرٌ، ومَفْعُولُ (نُدْخِلْكُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ: نُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا، أوْ مَكانٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عِنْدَ الأخْفَشِ، وهَكَذا كُلُّ مَكانٍ مُخْتَصٍّ بَعْدَ دَخَلَ فِيهِ الخِلافُ، وعَلى الفَتْحِ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: (نُدْخِلْكُمْ) فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ونُصْبُهُ كَما مَرَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ورُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى المَكانِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًا، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ العَظِيمِ وصْفُ المَكانِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ .

النساء 4:32

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ، عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ، ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ، لِتَطْهُرَ أعْمالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فالمَعْنى: (ولا تَتَمَنَّوْا) ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى (بَعْضَكُمْ)، ومَيَّزَهُ (بِهِ) عَلَيْكُمْ، مِنَ المالِ والجاهِ، وكُلِّ ما يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ صادِرَةٌ مِن حَكِيمِ خَبِيرٍ، وعَلى كُلٍّ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ، ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْبَهُ بِالِاعْتِراضِ عَلى مَن أتْقَنَ كَلَّ شَيْءٍ، وأحْكَمَهُ، ودَبَّرَ العالَمَ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، ونَظَمَهُ. وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما في الآيَةِ: لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: لَيْتَ ما أُعْطِيَ فُلانٌ مِنَ المالِ والنِّعْمَةِ والمَرْأةِ الحَسْناءِ كانَ عِنْدِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَدًا، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ التَّمَنِّيَ المَذْكُورَ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَدِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المُقْتَضى لِلْمَنعِ عَنْهُ كَوْنَهُ ذَرِيعَةً لِلْحَسَدِ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ. وزَعَمَ البَلْخِيُّ أنَّ المَعْنى: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ امْرَأةً، ولا لِلْمَرْأةِ أنْ لَوْ كانَتْ رَجُلًا؛ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ إلّا ما هو الأصْلَحُ، فَيَكُونُ قَدْ تَمَنّى ما لَيْسَ بِأصْلَحَ، ونَقَلَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ اللَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ لِأنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ، وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْيِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ، والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهٍ اقْتَضاهُ حالُهُ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ؛ تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ، وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِانْتِهاءَ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، انْتَهى. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ لِلْآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ صفحة 20 عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَكِنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ لَمْ نَقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، والَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أخْبارٍ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ». والثّانِي: ما أخْرَجَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ النِّساءَ سَألْنَ الجِهادَ، فَقُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ. والثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ قالا: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ بِالمِيراثِ، فَيَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِّعْفِ مِن أجْرِ النِّساءِ، وقالَتِ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ في الآخِرَةِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ إلى آخِرِها. وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في «الدُّرِّ المَنثُورِ» نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّمَنِّي المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى الحَسَدِ، والخَبَرُ الأوَّلُ والثّانِي مِمّا أخْرَجَهُ الواحِدِيُّ لَيْسا كَذَلِكَ؛ إذْ عَلَيْهِما يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الحَسَدِ، أوْ عَلى ما هو ذَرِيعَةٌ لَهُ، ورُبَّما يَتَراءى أنَّ حَمْلَهُ عَلى الثّانِي نَظَرًا إلَيْهِما أظْهَرُ، وأمّا الخَبَرُ الثّالِثُ فَيَأْباهُ مَعْنى الآيَةِ، سَواءٌ كانَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الحَسَدِ أوْ ذَرِيعَةً إلّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ جِدًّا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلَيْنِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ حَظًّا مِنَ الثَّوابِ عَلى حَسَبِ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ هَذا التَّدْبِيرِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ الِاكْتِسابِ في الخَيْرِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الشَّرِّ، واسْتُعْمِلَ الكَسْبُ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ وأبِي جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: المُرادُ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الإثْمِ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ الشَّرِّ دُونَ (عَلى) وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِكُلٍّ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِقْدارٌ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ حَسْبَما رَتَّبَهُ الحَكِيمُ عَلى أفْعالِهِ، إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِاللّامِ عَنْ (عَلى) وبِالِاكْتِسابِ عَنِ الكَسْبِ، وهو كَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّهُ لا يُساعِدُها النَّظْمُ الكَرِيمُ المُتَعَلِّقُ بِالمَوارِيثِ وفَضائِلِ الرِّجالِ، ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلَيْها يَجْعَلُ الآيَةَ مُعْتَرِضَةَ في البَيْنِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المَرْوِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مُقَدَّرًا في أزَلِ الآزالِ، مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بِالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكاسِبِ، فَلا يَتَمَنَّ خِلافَ ما قُسِمَ لَهُ. ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا نَصِيبَ غَيْرِكُمْ، ولا تَحْسُدُوا مَن فُضِّلَ عَلَيْكُمْ، واسْألُوا اللَّهَ تَعالى مِن إحْسانِهِ الزّائِدِ وإنْعامِهِ المُتَكاثِرِ، فَإنَّ خَزائِنَهُ مَمْلُوءَةٌ لا تَنْفَدُ أبَدًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ إفادَةً لِلْعُمُومِ، أيْ: واسْألُوا ما شِئْتُمْ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيكُمُوهُ إنْ شاءَ، أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوا مِثْلَهُ، ويُقالُ لِذَلِكَ: غِبْطَةٌ، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، أيْ: واسْألُوا اللَّهَ تَعالى فَضْلَهُ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: ««لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ»» وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ - كَما في البَحْرِ - إلى المَنعِ عَنْ تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، ولَوْ بِدُونِ تَمَنِّي زَوالِها؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً لَهُ في دِينِهِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في دُنْياهُ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا لِي في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي، ولا يَتَعَرَّضُ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ. ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْمُحَقِّقِينَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالخَبَرِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا لَمْ يُسَلِّمُوا صِحَّتَهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَمَنَّوُا الدُّنْيا، بَلِ اسْألُوا اللَّهَ تَعالى العِبادَةَ الَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الثّانِي أنَّهُ إذا سَمِعَ الرَّجُلَ يَتَمَنّى الدُّنْيا يَقُولُ: قَدْ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا صفحة 21 ويَتْلُو الآيَةَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَلُوا اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُسْألَ، وإنَّ مِن أفْضَلِ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ»» وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ سُبْحانَهُ بِالمَسْألَةِ إلّا لِيُعْطِيَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمْ، وتَفاوُتِ قابِلِيّاتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عَلِيمًا بِكُلٍّ شَيْءٍ، فَيَعْلَمُ ما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الحَسَدِ ويُجازِيكم عَلَيْهِ،

النساء 4:33

﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ، أوْ لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ، وفِيهِ عَلى هَذا وجُوهٌ ذَكَرَها الشِّهابُ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ-: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مَعْناهُ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وراثًا مِمّا تَرَكَ، وهُنا تَمَّ الكَلامُ، فَيَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) مُتَعَلِّقًا بِـ(مَوالِيَ) أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ و(مَوالِيَ) مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ(جَعَلَ) بِمَعْنى صَيَّرَ، و(لِكُلٍّ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَعْلِ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وفاعِلُ (تَرَكَ) ضَمِيرُ كُلٍّ، ويَكُونُ (الوالِدانِ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ. والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا وراثًا مِمّا تَرَكَهُ ذَلِكَ الإنْسانُ، ثُمَّ بُيِّنَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (الوالِدانِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَذا الإنْسانُ المَوْرُوثُ؟ فَقِيلَ: (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) وإعْرابُهُ كَما قَبْلَهُ غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) في الأوَّلِ وارِثُونَ، وفي الثّانِي مَوْرُوثُونَ، وعَلَيْهِما فالكَلامُ جُمْلَتانِ. والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولِكُلِّ إنْسانٍ وارِثٍ مِمّا تَرَكَهُ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: مَوْرُوثِينَ، فالمَوْلى المَوْرُوثُ، (والوالِدانِ) مَرْفُوعٌ بِـ(تَرَكَ) و(ما) بِمَعْنى مِن، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ (ما) أُضِيفَتْ إلَيْهِ (كُلٍّ) والكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي مَعْناهُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَهُ والِداهم وأقْرَبُوهُمْ، فَـ(لِكُلٍّ) خَبَرُ (نَصِيبٌ) المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا، وجَعَلْناهم صِفَةُ (قَوْمٍ)، والعائِدُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ الَّذِي هو مَفْعُولُ (جَعَلَ) و(مَوالِيَ): إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ حالٌ و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ الباقِي صِفَتُهُ كَصِفَةِ المُضافِ إلَيْهِ، وحُذِفَ العائِدُ مِنها. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا نَصِيبٌ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. والخامِسُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّالِثِ مَعْناهُ: لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ (مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلَنا مَوالِيَ، أيْ وراثًا يَلُونَهُ ويَحُوزُونَهُ، ويَكُونُ (لِكُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ(جَعَلَ) و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةَ كَلٍّ. واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ فِيهِما تَفْكِيكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ أنَّ المَوْلى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ اسْمَ مَكانٍ لا صِفَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ (مِن) صِلَةً لَهُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْلى لَيْسَ صِفَةً مُخالِفٌ لِكَلامِ الرّاغِبِ؛ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ بِمَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيِ المَوالِي والمَوالى، لَكِنْ وزْنُ مَفْعَلٍ في الصِّفَةِ أنْكَرَهُ قَوْمٌ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ: إنَّهُ نادِرٌ، فَإمّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ النّادِرِ أوْ مِمّا عُبِّرَ عَنِ الصِّفَةِ فِيهِ بِاسْمِ المَكانِ مَجازًا؛ لِتَمَكُّنِها وقَرارِها في مَوْصُوفِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ المَجْلِسِ السّامِيِّ. واعْتُرِضَ عَلى الثّالِثِ بِالبُعْدِ، وعَلى الرّابِعِ بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْتَدَأِ المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ وإقامَتَهُ مَقامَهُ وهو قَلِيلٌ، وبِأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المَوالِي جَمِيعَ ما تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لا نَصِيبَ، وإنَّما النَّصِيبُ لِكُلِّ فَرْدٍ. وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ ثابِتٌ مَعَ قِلَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ . صفحة 22 وعَنِ الثّانِي بِأنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ القَوْمُ بَعْضُ التَّرِكَةِ؛ لِتَقَدُّمِ التَّجْهِيزِ والدَّيْنِ والوَصِيَّةِ إنْ كانا، وأمّا حَمْلُ (مِن) عَلى البَيانِ لِلْمَحْذُوفِ فَبَعِيدٌ جِدًّا. وتَعَقَّبَ الشِّهابُ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن وجْهَيْنِ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ ما ذُكِرَ لا شاهِدَ لَهُ فِيهِ لِما قَرَّرَهُ النُّحاةُ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جُمْلَةً أوْ ظَرْفًا تُقامُ مَقامَ مَوْصُوفِها بِشَرْطِ كَوْنِ المَنعُوتِ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِـ(مِن) أوْ (فِي)، وإلّا لَمْ تَقُمْ مَقامَهُ إلّا في شِعْرٍ، وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُونَ الآيَةِ. وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقِيامِها مَقامَهُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً حَقِيقَةً، بَلِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، وهَذا بَيانُهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في التَّقْرِيرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِهِ، نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَشْهُورًا - غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ صَرَّحَ بِخِلافِهِ في التَّوْضِيحِ، وجَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُوفِ في السَّعَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فالحَقُّ أنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ. واعْتُرِضَ عَلى الخامِسِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ عامِلَةٍ في المَوْصُوفِ، نَحْوُ: بِكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تَمِيمِيٍّ، وفي جَوازِهِ نَظَرٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ جائِزٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَـ(فاطِرِ) صِفَةُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ(أتَّخِذُ) العامِلِ في (غَيْرَ) فَهَذا أوْلى، والجَوابُ بِأنَّ العامِلَ لَمْ يَتَخَلَّلْ، بَلِ المَعْمُولُ تَقَدَّمَ، فَجاءَ التَّخَلُّلُ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَضْعُفْ، إذْ حَقُّ المَعْمُولِ التَّأخُّرُ عَنْ عامِلِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَوْصُوفُ مَقْرُونًا بِصِفَتِهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذا الخامِسَ والَّذِي قَبْلَهُ، وجَعَلُوا الجُمْلَةَ مُبْتَدَأةً مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، واعْتَرَضُوا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجَ الأوْلادِ؛ لِأنَّهم لا يَدْخُلُونَ في الأقْرَبِينَ عُرْفًا، كَما لا يَدْخُلُ الوالِدانِ فِيهِمْ، وإذا أُرِيدَ المَعْنى اللُّغَوِيُّ شَمِلَ الوالِدَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الوُرُودِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلادِ لِظُهُورِ حالِهِمْ مِن آيَةِ المَوارِيثِ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ الأزْواجِ لِذَلِكَ، أوْ بِأنَّ ذِكْرَ الوالِدَيْنِ لِشَرَفِهِمْ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، فَلا مَحْذُورَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، تَدَبَّرْ. ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِن جَمِيعِ المالِ في الإسْلامِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ أهْلُ المِيراثِ مِيراثَهُمْ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأنْفالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . ورُوِيَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكَذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ، وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًا، وخَبَرُ النَّسْخِ المَذْكُورُ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْهِ إذْ لا دَلالَةَ فِيما ادَّعى ناسِخًا عَلى عَدَمِ إرْثِ الحَلِيفِ، لا سِيَّما وهو إنَّما يَرِثُهُ عِنْدَ عَدَمِ العَصَباتِ وأُولِي الأرْحامِ، والأيْمانُ هُنا جَمْعُ يَمِينٍ، بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى، وإضافَةُ العَقْدِ إلَيْها لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُقُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ، وكَوْنُ العَقْدِ هُنا عَقْدَ النِّكاحِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ إضافَتُهُ إلى اليَمِينِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا، والمَفْعُولُ في جَمِيعِ القِراءاتِ مَحْذُوفٌ، أيْ: عُهُودَهُمْ، والحَذْفُ تَدْرِيجِيٌّ؛ لِيَكُونَ العائِدُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، كَما هو الكَثِيرُ المُطَّرِدُ، وفي المَوْصُولِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، وزِيدَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُخْتارًا؛ لِئَلّا يَقَعَ الطَّلَبُ خَبَرًا، لَكِنَّهم لَمْ يَخْتارُوهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَلَّما يَقَعُ في غَيْرِ الِاخْتِصاصِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ: (زَيْدًا ضَرَبْتُهُ) إنْ قُدِّرَ العامِلُ فِيهِ صفحة 23 مُؤَخَّرًا أفادَ الِاخْتِصاصَ، وإنْ قُدِّرَ مُقَدَّمًا فَلا يُفِيدُهُ، ولا خَفاءَ أنَّ الظّاهِرَ تَقْدِيرُهُ مُقَدَّمًا، فَلا يَلْزَمُ الِاخْتِصاصُ. والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (الوالِدانِ) فَإنْ أُرِيدَ أنَّهم مَوْرُوثُونَ عادَ الضَّمِيرُ مِن (فَآتُوهُمْ) عَلى (مَوالِيَ) وإنْ أُرِيدَ أنَّهم وارِثُونَ جازَ عَوْدُهُ عَلى (مَوالِيَ) وعَلى (الوالِدَيْنِ) وما عُطِفَ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ شُهْرَةُ الوَقْفِ عَلى (الأقْرَبُونَ) دُونَ (أيْمانُكُمْ). والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى (مَوالِيَ) وهو تَكَلَّفٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أخْرَجَها البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وظاهِرُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوازِ العَطْفِ؛ إذْ مَن عَطَفَ أرادَ: (فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ الإرْثِ). ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ، مُطَّلِعًا عَلَيْها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، فَيَطَّلِعُ عَلى الإيتاءِ والمَنعِ، ويُجازِي كُلًّا مِنَ المانِعِ والمُؤْتِي حَسَبَ فِعْلِهِ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

النساء 4:34

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ أيْ: شَأْنُهُمُ القِيامُ عَلَيْهِنَّ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ونَحْوِ ذَلِكَ، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلْإيذانِ بِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في الِاتِّصافِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ الزِّيادَةَ في المِيراثِ، كَما أنَّ فِيما تَقَدَّمَ رَمْزًا إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وعَلَّلَ سُبْحانَهُ الحُكْمَ بِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(قَوّامُونَ) كَعَلى، ولا مَحْذُورَ أصْلًا، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، أيْ: قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِنَّ، أوْ مُسْتَحِقِّينَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّفْضِيلِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالتَّفْضِيلِ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ، فَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: بِما فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ؛ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالمُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ بَعْضَ النِّساءِ أفْضَلُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِما بِهِ التَّفْضِيلُ رَمْزًا إلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْصِيلِ. وقَدْ ورَدَ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، والرِّجالُ بِعَكْسِهِنَّ، كَما لا يَخْفى، ولِذا خُصُّوا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ عَلى الأشْهَرِ، وبِالإمامَةِ الكُبْرى والصُّغْرى، وإقامَةِ الشَّعائِرِ، كالأذانِ، والإقامَةِ، والخُطْبَةِ، والجُمُعَةِ، وتَكْبِيراتِ التَّشْرِيقِ، عِنْدَ إمامِنا الأعْظَمِ، والِاسْتِبْدادِ بِالفِراقِ وبِالنِّكاحِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وبِالشَّهادَةِ في أُمَّهاتِ القَضايا، وزِيادَةِ السَّهْمِ في المِيراثِ والتَّعْصِيبِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ الأُولى و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أنْفَقُوا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وأُرِيدَ بِالمُنْفَقِ - كَما قالَ مُجاهِدٌ – المَهْرُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما أنْفَقُوهُ ما يَعُمُّهُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ، والآيَةُ - كَما رُوِيَ «عَنْ مُقاتِلٍ - نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو - وكانَ مِنَ النُّقَباءِ - وفي امْرَأتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّها نَشَزَتْ عَلَيْهِ، فَلَطَمَها، فانْطَلَقَ أبُوها مَعَها إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أفَرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لِتَقْتَصَّ مِن زَوْجِها» فانْصَرَفَتْ مَعَ أبِيها؛ لِتَقْتَصَّ مِنهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعُوا، هَذا جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتانِي وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَلاهاﷺثُمَّ قالَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ تَعالى أمْرًا، والَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ»». صفحة 24 وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وذَكَرَ القِصَّةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ في جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وزَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وذُكِرَ قَرِيبًا مِنهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ، ومَنعَها مِنَ الخُرُوجِ، وأنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ إلّا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي الخَبَرِ: ««لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِبَعْلِها»». واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن أجازَ فَسْخَ النِّكاحِ عِنْدَ الإعْسارِ عَنِ النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ إذا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلَيْها فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الغَرَضِ المَقْصُودِ بِالنِّكاحِ، وعِنْدَنا: لا فَسْخَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ في نَفْسِها ومالِها، فَلا تَتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الرَّجُلَ قَوّامًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهو النّاظِرُ عَلى الشَّيْءِ، الحافِظُ لَهُ. ﴿فالصّالِحاتُ﴾ أيْ: مِنهُنَّ، ﴿قانِتاتٌ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِنَّ، وكَيْفِيَّةِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِنَّ، والمُرادُ: فالصّالِحاتُ مِنهُنَّ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى ولِأزْواجِهِنَّ، ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: يَحْفَظْنَ أنْفُسَهُنَّ وفُرُوجَهُنَّ في حالَةِ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ، قالَ الثَّوْرِيُّ وقَتادَةُ: أوْ يَحْفَظْنَ في غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ ما يَجِبُ حِفْظُهُ في النَّفْسِ والمالِ، فاللّامُ بِمَعْنى (فِي)، والغَيْبُ بِمَعْنى الغَيْبَةِ، و(ألْ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى رَأْيٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حافِظاتٌ لِواجِبِ الغَيْبِ، أيْ: لِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ حالَ الغَيْبَةِ، فاللّامُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: المُرادُ: حافِظاتٌ لِأسْرارِ أزْواجِهِنَّ، أيْ: ما يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ في الخَلْوَةِ، ومِنهُ المُنافَسَةُ والمُنافَرَةُ، واللَّطْمَةُ المَذْكُورَةُ في الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ في اللّامِ، ولا إلى تَفْسِيرِ الغَيْبِ بِالغَيْبَةِ إلّا أنَّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««خَيْرُ النِّساءِ الَّتِي إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها» ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾ إلى: ﴿لِلْغَيْبِ﴾» يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ، ومِنَ النّاسِ مِن زَعَمَ أنَّهُ أنْسَبُ بِسَبَبِ النُّزُولِ. ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ تَعالى في مُهُورِهِنَّ، وإلْزامِ أزْواجِهِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ، وعِصْمَتِهِ إيّاهُنَّ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفَظَهُنَّ وعَصَمَهُنَّ لَما حَفِظْنَ، فَـ(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (بِما حَفِظَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، كَدِينِ اللَّهِ وحَقِّهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى لا يَحْفَظُها أحَدٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ المَصْدَرِيَّةَ لِخُلُوِّ (حَفِظَ) حِينَئِذٍ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ضَمِيرًا مُفْرَدًا عائِدًا عَلى جَمْعِ الإناثِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن حِفْظِ اللَّهِ، وجَعَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ كَقَوْلِهِ: فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وشُذُوذُ تُرْكِ التَّأْنِيثِ ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ جَمْعِ السَّلامَةِ هُنا لِلْكَثْرَةِ، أمّا المُعَرَّفُ فَظاهِرٌ، وأمّا المُنَكَّرُ فَلِأنَّهُ حُمِلَ عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لَهُ في الكَثْرَةِ، وإلّا لَمْ يُصَدَّقْ عَلى جَمِيعِ أفْرادِهِ، وقَدْ نُصَّ عَلى ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فالصَّوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ زِيادَةَ: (فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) فَقَطْ. ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أيْ تَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَتِكُمْ، وعِصْيانَهُنَّ لَكُمْ، مِنَ النَّشْزِ - بِسُكُونِ الشِّينِ وفَتْحِها - وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ويَكُونُ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أيْ: فانْصَحُوهُنَّ، صفحة 25 وقُولُوا لَهُنَّ: اتَّقِينَ اللَّهَ، وارْجِعْنَ عَمّا أنْتُنَّ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَرَتُّبُ هَذا عَلى خَوْفِ النُّشُوزِ، وإنْ لَمْ يَقَعْ، وإلّا لَقِيلَ: نَشَزْنَ، ولَعَلَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، ولِذا فَسَّرَ في التَّيْسِيرِ: (تَخافُونَ) بِتَعْلَمُونَ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الطَّبْرَسِيُّ، وجاءَ الخَوْفُ بِهَذا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: المُرادُ: تَخافُونَ دَوامَ نُشُوزِهِنَّ، أوْ أقْصى مَراتِبِهِ، كالفِرارِ مِنهم في المَراقِدِ. واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ في الكَلامِ مُقَدَّرًا، وأصْلُهُ: واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ونَشَزْنَ، فَعِظُوهُنَّ، وهو خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ، ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ أيْ: مَواضِعِ الِاضْطِجاعِ، والمُرادُ: اتْرُكُوهُنَّ مُنْفَرِداتٍ في مَضاجِعِهِنَّ، فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللُّحُفِ، ولا تُباشِرُوهُنَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ جِماعِهِنَّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ: اهْجُرُوهُنَّ في الفِراشِ، بِأنْ تُوَلُّوهُنَّ ظُهُورَكم فِيهِ، ولا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِنَّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَعَلَّهُ كِنايَةٌ أيْضًا عَنْ تَرْكِ الجِماعِ، وقِيلَ: المَضاجِعُ المَبايِتُ: أيِ: اهْجُرُوا حُجُرَهُنَّ ومَحَلَّ مَبِيتِهِنَّ، وقِيلَ: (فِي) لِلسَّبَبِيَّةِ أيِ: اهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ المَضاجِعِ، أيْ: بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنِ المُضاجَعَةِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى، فالهِجْرانُ عَلى هَذا بِالمَنطِقِ، قالَ عِكْرِمَةُ: بِأنْ يُغْلِظَ لَها القَوْلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى: أكْرِهُوهُنَّ عَلى الجِماعِ وارْبِطُوهُنَّ، مِن (هَجَرَ البَعِيرَ) إذا شَدَّهُ بِالهِجارِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن تَفْسِيرِ الثُّقَلاءِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَعَلَّ هَذا المُفَسَّرَ يَتَأيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ إكْراهٍ في أمْرٍ ما، وقَرِينَةُ المَضاجِعِ تُرْشِدُ إلى أنَّهُ الجِماعُ، فَإطْلاقُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِما أطْلَقَهُ في حَقِّ هَذا المُفَسِّرِ مِنَ الإفْراطِ، انْتَهى. وأظُنُّ أنَّ هَذا لَوْ عُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لَنَظَمَ قائِلَهُ في سِلْكِ ذَلِكَ المُفَسِّرِ، ولَعَدَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّفْرِيطِ، وقُرِئَ: (فِي المُضْطَجَعِ) و(المَضْجَعِ). ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ يَعْنِي ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِﷺوفُسِّرَ غَيْرُ المُبَرِّحِ بِأنْ لا يَقْطَعَ لَحْمًا، ولا يَكْسِرَ عَظْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الضَّرْبُ بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والقَرِينَةُ العَقْلِيَّةُ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ مُتَرَتِّبَةٌ، فَإذا خِيفَ نُشُوزُ المَرْأةِ تُنْصَحُ، ثُمَّ تُهْجَرُ، ثُمَّ تُضْرَبُ؛ إذْ لَوْ عُكِسَ اسْتُغْنِيَ بِالأشَدِّ عَنِ الأضْعَفِ، وإلّا فالواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وكَذا الفاءُ في (فَعِظُوهُنَّ) لا دَلالَةَ لَها عَلى أكْثَرَ مِن تَرْتِيبِ المَجْمُوعِ، فالقَوْلُ بِأنَّها أظْهَرُ الأدِلَّةِ عَلى التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وفي الكَشْفِ: التَّرْتِيبُ مُسْتَفادٌ مِن دُخُولِ الواوِ عَلى أجْزِئَةٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ، مُتَرَتِّبَةٍ عَلى أمْرٍ مُدْرَجٍ، فَإنَّما النَّصُّ هو الدّالُّ عَلى التَّرْتِيبِ. هَذا وقَدْ نَصَّ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَضْرِبَ المَرْأةَ عَلى أرْبَعِ خِصالٍ، وما هو في مَعْنى الأرْبَعِ: تَرْكُ الزِّينَةِ والزَّوْجُ يُرِيدُها، وتَرْكُ الإجابَةِ إذا دَعاها إلى فِراشِهِ، وتَرْكُ الصَّلاةِ - في رِوايَةٍ – والغُسْلُ، والخُرُوجُ مِنَ البَيْتِ إلّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ. وقِيلَ: لَهُ أنْ يَضْرِبَها مَتى أغْضَبَتْهُ، فَعَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كُنْتُ رابِعَةَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا غَضِبَ عَلى واحِدَةٍ مِنّا ضَرَبَها بِعُودِ المِشْجَبِ حَتّى يَكْسِرَهُ عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ تَحَمُّلَ أذى النِّساءِ والصَّبْرَ عَلَيْهِنَّ أفْضَلُ مِن ضَرْبِهِنَّ، إلّا لِداعٍ قَوِيٍّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَتْ: ««كانَ الرِّجالُ نُهُوا عَنْ ضَرْبِ النِّساءِ، ثُمَّ شَكُوهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قالَ: ولَنْ يَضْرِبَ خِيارُكُمْ»». وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ يَنْبَغِي أنْ لا يُسْرِعَ في جِماعِها بَعْدَ الضَّرْبِ، وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِمّا أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: صفحة 26 ««أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ»؟!» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - بِلَفْظِ: ««أما يَسْتَحِي أحَدُكم أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ، يَضْرِبُها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ يُجامِعُها آخِرَهُ»،» ولِلْخَبَرِ مَحْمَلٌ آخَرُ لا يَخْفى. ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ أيْ: وافَقْنَكُمْ، وانْقَدْنَ لِما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ مِن طاعَتِكم بِذَلِكَ، كَما هو الظّاهِرُ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: فَلا تَطْلُبُوا سَبِيلًا وطَرِيقًا إلى التَّعَدِّي عَلَيْهِنَّ، أوْ لا تَظْلِمُوهُنَّ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، بِالتَّوْبِيخِ اللِّسانِيِّ، والأذى الفِعْلِيِّ، وغَيْرِهِ، واجْعَلُوا ما كانَ مِنهُنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، فالبَغْيُ إمّا بِمَعْنى الطَّلَبِ و(سَبِيلًا) مَفْعُولُهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ النَّكِرَةِ قُدِّمَ عَلَيْها، وإمّا بِمَعْنى الظُّلْمِ و(سَبِيلًا) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ المُرادَ: فَلا تُكَلِّفُوهُنَّ المَحَبَّةَ، وحاصِلُ المَعْنى: إذا اسْتَقامَ لَكم ظاهِرُهُنَّ فَلا تَعْتَلُوا عَلَيْهِنَّ بِما في باطِنِهِنَّ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فاحْذَرُوهُ؛ فَإنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلى مَن تَحْتِ أيْدِيكم مِنهُنَّ، أوْ أنَّهُ تَعالى عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وكَمالِ ذاتِهِ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِكُمْ، ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا تُبْتُمْ، فَتَجاوَزُوا أنْتُمْ عَنْ سَيِّئاتِ أزْواجِكُمْ، واعْفُوا عَنْهُنَّ إذا تُبْنَ، أوْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنكم غَيْرُ راضٍ بِظُلْمِ أحَدٍ، أوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عُلُوِّهِ المُطْلَقِ وكِبْرِيائِهِ لَمْ يُكَلِّفْكم إلّا ما تُطِيقُونَ فَكَذَلِكَ لا تُكَلِّفُوهُنَّ إلّا ما يُطِقْنَ.

النساء 4:35

﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ الخِطابُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ وغَيْرُهُما لِلْحُكّامِ، وهو وارِدٌ عَلى بِناءِ الأمْرِ عَلى التَّقْدِيرِ المَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْإيذانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ تَحَقُّقُهُ، أعْنِي عَدَمَ الإطاعَةِ، وقِيلَ: لِأهْلِ الزَّوْجَيْنِ أوْ لِلزَّوْجَيْنِ أنْفُسِهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، والمُرادُ: فَإنْ عَلِمْتُمْ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: فَإنْ ظَنَنْتُمْ كَما قِيلَ. ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أيِ الزَّوْجَيْنِ، وهُما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما صَرِيحًا فَقَدْ جَرى ضِمْنًا؛ لِدَلالَةِ النُّشُوزِ الَّذِي هو عِصْيانُ المَرْأةِ زَوْجَها، والرِّجالُ والنِّساءُ عَلَيْهِما، والشِّقاقُ الخِلافُ والعَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الشِّقِّ وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقٍّ الآخَرِ، و(بَيْنَ) مِنَ الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، الَّتِي يَقِلُّ تَصَرُّفُها، وإضافَةُ الشِّقاقِ إلَيْها إمّا لِإجْراءِ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ أوِ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: صامَ نَهارُهُ، والأصْلَ (شِقاقًا بَيْنَهُما) أيْ أنْ يُخالِفَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَلِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ نَزَلَ مَنزِلَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وشُبِّهَ بِأحَدِهِما، ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ في الإضافَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الإضافَةُ بِمَعْنى فِي، وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا بِمَعْنى الوَصْلِ الكائِنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أعْنِي المُعاشَرَةَ، وهو لَيْسَ بِظَرْفٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ. ﴿فابْعَثُوا﴾ أيْ: وجِّهُوا وأرْسِلُوا إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿حَكَمًا﴾ أيْ رَجُلًا عَدْلًا عارِفًا حَسَنَ السِّياسَةِ والنَّظَرِ في حُصُولِ المُصْلِحَةِ ﴿مِن أهْلِهِ﴾ أيِ: الزَّوْجِ و(مِن) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(ابْعَثُوا) فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، فَهي لِلتَّبْعِيضِ﴿وحَكَمًا﴾ آخَرَ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ ﴿مِن أهْلِها﴾ أيِ الزَّوْجَةِ، وخُصَّ الأهْلُ؛ لِأنَّهم أطْلُبُ لِلصَّلاحِ وأعْرَفُ بِباطِنِ الحالِ، وتَسْكُنُ إلَيْهِمُ النَّفْسُ، فَيَطَّلِعُونَ عَلى ما في ضَمِيرِ كُلٍّ مِن حُبٍّ، وبُغْضٍ، وإرادَةٍ، وصُحْبَةٍ أوْ فُرْقَةٍ، وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ، وإنْ نُصِبا مِنَ الأجانِبِ جازَ، واخْتُلِفَ في أنَّهُما هَلْ يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إنْ رَأيا ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لَهُما، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الإمامِ، والبَيْهَقِيُّ صفحة 27 فِي السُّنَنِ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِهِ، ورَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تَجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا، قالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِما عَلَيَّ فِيهِ ولِي، وقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ إلَخْ، هَذا في الرَّجُلِ والمَرْأةِ إذا تَفاسَدَ الَّذِي بَيْنَهُما، أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ ورَجُلًا مِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ، فَيَنْظُرانِ أيَّهُما المُسِيئُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيئَ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأتَهُ، وقَسَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةُ قَسَرُوها عَلى زَوْجِها ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ أمْرُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرْضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ ذَلِكَ الآخَرُ، ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما، فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ، ولا يَرِثُ الكارِهُ الرّاضِيَ، وقِيلَ: لَيْسَ لَهُما ذَلِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُبْعَثُ الحَكَمانِ لِيُصْلِحا، ويَشْهَدا عَلى الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، وأمّا الفُرْقَةُ فَلَيْسَتْ بِأيْدِيهِما، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ونُسِبَ إلى الإمامِ الأعْظَمِ، وأُجِيبَ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِأنَّهُ إمامٌ، ولِلْإمامِ أنْ يَفْعَلَ ما رَأى فِيهِ المَصْلَحَةَ، فَلَعَلَّهُ رَأى المَصْلَحَةَ فِيما ذُكِرَ، فَوَكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى ما رَأى، عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَنْفِيذَ الأمْرِ مَوْقُوفٌ عَلى الرِّضا، حَيْثُ قالَ لِلرَّجُلِ: كَذَبْتَ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَصْلُحُ جَوابًا عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ، وكَلامُ أحَدِ المُجْتَهِدِينَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى الآخَرِ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وكَأنَّ الخَبَرَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ - لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهم. وعَنِ الشّافِعِيِّ رِوايَتانِ في المَسْألَةِ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ وجَدا الصَّلاحَ فِيهِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَمائِنا أنَّ الإساءَةَ إنْ كانَتْ مِنَ الزَّوْجِ فَرَّقا بَيْنَهُما، وإنْ كانَتْ مِنها فَرَّقا عَلى بَعْضِ ما أصْدَقَها، والظّاهِرُ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ بِنَفاذِ حُكْمِهِما جَعَلَهُما وكِيلَيْنِ حَكَما عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: إنَّهُما قاضِيانِ لا وكِيلانِ فَإنَّ الحَكَمَ اسْمٌ في الشَّرْعِ لَهُ. ﴿إنْ يُرِيدا﴾ أيِ الحَكَمانِ ﴿إصْلاحًا﴾ أيْ: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وتَأْلِيفًا ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُما، فالضَّمِيرُ أيْضًا لِلْحَكَمَيْنِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ أرادا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى أوْقَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المُوافَقَةَ والصُّحْبَةَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلزَّوْجَيْنِ والثّانِي لِلْحَكَمَيْنِ، أيْ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا واتِّفاقًا يُوَفِّقِ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَعْمَلا بِالصَّلاحِ، ويَتَحَرَّياهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ، فَيَعْلَمُ إرادَةَ العِبادِ، ومَصالِحَهُمْ، وسائِرَ أحْوالِهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الحَبْرُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الخَوارِجِ في إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ في قِصَّةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ عَلِقَتْ في أذْهانِهِمْ فَأبْطَلَها كُلَّها- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَرَجَعَ إلى مَوْلاةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنهم عِشْرُونَ ألْفًا. وفِيها كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: صفحة 28 رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ مِنَ المالِكِيَّةِ بَعْثَ الحَكَمَيْنِ في الزَّوْجَيْنِ، وقالَ: تَخْرُجُ المَرْأةُ إلى دارِ أمِينٍ أوْ يَسْكُنُ مَعَها أمِينٌ.

النساء 4:36

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِلْإرْشادِ إلى خِلالٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى مَعالِي الأُمُورِ إثْرَ إرْشادِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ، وإزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ إذا وقَعَتْ في البَيْنِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِرِعايَةِ حَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، وتَعْلِيمُ المُعامَلَةِ مَعَ أصْنافِ النّاسِ، وقُدِّمَ الأمْرُ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها المَدارُ الأعْظَمُ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ - أيْضًا - إلى ارْتِفاعِ شَأْنِ ما نُظِمَ في ذَلِكَ السِّلْكِ، والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ و(شَيْئًا) إمّا مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، صَنَمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْمِيمِ. واخْتارَ عِصامُ الدِّينِ كَوْنَهُ لِلتَّحْقِيرِ؛ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا حَقِيرًا، مَعَ عَدَمِ تَناهِي كِبْرِيائِهِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ أحْقَرُ حَقِيرٍ، ونِسْبَةُ المُمْكِنِ إلى الواجِبِ أبْعَدُ مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، إذِ المَعْدُومُ إمْكانُ المَوْجُودِ، وأيْنَ الإمْكانُ مِنَ الوُجُوبِ؟ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ، أيَّ تَفَرُّقٍ، وإمّا مَصْدَرٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، مِنَ الإشْراكِ جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا، وعَطْفُ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ، مَعَ أنَّ الكَفَّ عَنِ الإشْراكِ لازِمٌ لِلْعِبادَةِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ غايَةُ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ ضَرُورَةَ أنَّ الخُضُوعَ لِمَن لا شَرِيكَ لَهُ فَوْقَ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فِيما جَعَلَهُ الشَّرْعُ عَلامَةَ نِهايَةِ الخُضُوعِ، أوْ لِلتَّوْبِيخِ بِغايَةِ الجَهْلِ، حَيْثُ لا يُدْرِكُونَ هَذا اللُّزُومَ، كَذا قِيلَ، ولَعَلَّ الأوْضَحَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا النَّهْيَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالإخْلاصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (واعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ) ويَؤُولُ ذَلِكَ كَما أوْمَأ إلَيْهِ الإمامُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَشْمَلُ التَّوْحِيدَ وغَيْرَهُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى عَمَلًا بِدُونِهِ، فالعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالمُصَدِّرِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، و(أحْسَنَ) يَتَعَدّى بِالباءِ، وإلى، واللّامِ، وقِيلَ: إنَّما يَتَعَدّى بِالباءِ إذا تَضَمَّنَ مَعْنى العَطْفِ. والإحْسانُ المَأْمُورُ بِهِ أنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِما، ولا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِما، ولا يَخْشُنَ في الكَلامِ مَعَهُما، ويَسْعى في تَحْصِيلِ مَطالِبِهِما والإنْفاقِ عَلَيْهِما، بِقَدْرِ القُدْرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما. ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ أيْ: بِصاحِبِ القَرابَةِ مِن أخٍ، وعَمٍّ، وخالٍ، وأوْلادِ كُلٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وأُعِيدَ الباءُ هُنا ولَمْ يُعَدْ في البَقَرَةِ، قالَ في البَحْرِ: لِأنَّ هَذا تَوْصِيَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فاعْتُنِيَ بِهِ وأُكِّدَ، وذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ البَعِيدِ، مِنَ الجَنابَةِ ضِدُّ القَرابَةِ، وهي عَلى هَذا مَكانِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ(الجارِ ذِي القُرْبى) مِن لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ، وبِـ(الجارِ الجُنُبِ) الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ ولَوْ مُشْرِكًا. أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَزّارُ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وفِيهِ ضَعْفٌ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حُقُّ الجِوارِ وحَقُّ القَرابَةِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ: حَقُّ الجِوارِ، وهو المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ»». وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ ذُبِحَتْ لَهُ شاةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ لِغُلامِهِ: «أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ، أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنْ سَيُورِّثُهُ»». صفحة 29 والظّاهِرُ أنَّ مَبْنى الجِوارِ عَلى العُرْفِ، وعَنِ الحَسَنِ - كَما في الأدَبِ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجارِ فَقالَ: أرْبَعِينَ دارًا أمامَهُ، وأرْبَعِينَ خَلْفَهُ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَسارِهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ ذِراعًا، ويَبْدَأُ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ؛ فَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: «قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟ قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا»» وقُرِئَ: (والجارَ ذا القُرْبى) بِالنَّصْبِ، أيْ وأخُصُّ الجارَ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ حَقِّ الجارِ. وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جارِهِ»» وفِيما سَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ كِفايَةٌ، وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأحْمَدُ، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وهو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، أوِ المُنْقَطِعُ إلَيْكَ يَرْجُو نَفْعَكَ ورِفْدَكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الرَّفِيقُ في أمْرٍ حَسَنٍ، كَتَعَلُّمٍ، وتَصَرُّفٍ، وصِناعَةٍ، وسَفَرٍ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ مَن قَعَدَ بِجَنْبِكَ في مَسْجِدٍ أوْ مَجْلِسٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، واسْتَحْسَنَ جَماعَةٌ هَذا القِيلَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «الصّاحِبُ بِالجَنْبِ المَرْأةُ» والجارُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الصّاحِبِ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلُ المُقَدَّرُ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ أوِ الضَّيْفُ. ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِن عَبِيدِكم وإمائِكُمْ، وكانَ كَثِيرًا ما يُوصِي بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عامَّةُ وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حِينَ حَضَرَهُ المَوْتُ: «الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ» حَتّى جَعَلَ يُغَرْغِرُها في صَدْرِهِ، وما يَفِيضُ بِها لِسانُهُ،» ثُمَّ الإحْسانُ إلى هَؤُلاءِ الأصْنافِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، حَسْبَما يَلِيقُ بِكُلٍّ ويَنْبَغِي. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ أيْ: ذا خُيَلاءَ وكِبْرٍ، يَأْنَفُ مَن أُقارِبِهِ وجِيرانِهِ مَثَلًا، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ ﴿فَخُورًا﴾ يَعُدُّ مَناقِبَهُ عَلَيْهِمْ؛ تَطاوُلًا وتَعاظُمًا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِﷺفَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «(إنَّ اللَّهَ) إلَخْ، فَذَكَرَ الكِبْرَ وعَظَّمَهُ، فَبَكى ثابِتٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأُحِبُّ الجَمالَ، حَتّى إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أنْ يَحْسُنَ شِراكُ نَعْلِي، قالَ: فَأنْتَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، إنَّهُ لَيْسَ بِالكِبْرِ أنْ تُحَسِّنَ راحِلَتَكَ ورَحْلَكَ، ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن سَفَّهَ الحَقَّ وغَمَصَ النّاسَ»» والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.

النساء 4:37

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ فِيهِ أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مَن) بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ المَوْصُولِ مَوْصُوفًا، والزَّجّاجُ يَقُولُ بِهِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَيْهِ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ. السّادِسُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَبْغُوضُونَ، أوْ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، وإنَّما حُذِفَ لَتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ تَمامِ الصِّلَةِ أُولى. السّابِعُ: أنْ يَكُونَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ – مُبْتَدَأً، (والَّذِينَ) الآتِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، والخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ) عَلى مَعْنى: لا يَظْلِمُهُمْ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. وفَرَّقَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ كَوْنِهِ خَبَرًا ومُبْتَدَأً بِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ هَذا مِن جِنْسِ أوْصافِهِمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها، وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أحْوالِهِمْ، وذُكِرَ أنَّ الوَجْهَ الِاتِّصالُ وأطالَ الكَلامَ عَلَيْهِ. وفِي البُخْلِ أرْبَعُ لُغاتٍ: فَتْحُ الخاءِ والباءِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وضَمُّهُما، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ. صفحة 30 وفَتْحُ الباءِ وسُكُونُ الخاءِ، وبِها قَرَأ قَتادَةُ. وضَمُّ الباءِ وسُكُونُ الخاءِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى، أوْ مِن نُعُوتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ أيْ: أعْدَدْنا لَهم ذَلِكَ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كافِرًا لِنِعَمِهِ فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ، كَما أهانَ النِّعَمَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ، وذُكِرَ ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ لِلتَّهْوِيلِ؛ لِأنَّ عَذابَ العَظِيمِ عَظِيمٌ، وغَضَبَ الحَلِيمِ وخِيمٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ كَرَدْمُ بْنُ زَيْدٍ حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ، وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وحُيَيُّ بْنِ أخْطَبَ، ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَتَنَصَّحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ؛ فَإنَّكم لا تُدْرِكُونَ ما يَكُونُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وآخَرُونَ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ، بَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وكَتَمُوا الإسْلامَ ومُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ». والبُخْلُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ في البُخْلِ بِالمالِ، وبِهِ صَرَّحَ ابْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى أنَّهُ البُخْلُ بِالعِلْمِ، وأمْرُهُمُ النّاسَ أيْ: أتْباعَهم بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الآمِرِينَ بِذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم.

النساء 4:38

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: لِلْفَخارِ، ولِما يُقالُ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ العَظِيمِ المُتَعالِ، والمَوْصُولُ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ، أوْ عَلى الكافِرِينَ، وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ؛ لِأنَّ البُخْلَ والسَّرَفَ الَّذِي هو الإنْفاقُ لا عَلى ما يَنْبَغِي مِن حَيْثُ أنَّهُما طَرَفا إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ سَواءٌ في الشَّناعَةِ واسْتِجْلابِ الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الآتِي. و(رِئاءَ) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُنْفِقُونَ) وإضافَتُهُ إلى (النّاسَ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ، أيْ: مُرائِينَ النّاسَ. ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ القادِرِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي يُثابُ فِيهِ المُطِيعُ، ويُعاقَبُ العاصِي، لِيَقْصِدُوا بِالإنْفاقِ ما تُورِقُ بِهِ أغْصانُهُ، ويُجْتَنى مِنهُ ثَمَرُهُ، وهُمُ اليَهُودُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوِ المُنافِقُونَ، كَما قِيلَ. ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ﴾ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ الدّاخِلَةُ والخارِجَةُ مِن قَبِيلَتِهِ، والنّاسِ التّابِعِينَ لَهُ، أوْ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والهَوى، وصُحْبَةِ الأشْرارِ، أوْ مِنَ النَّفْسِ والقُوى الحَيَوانِيَّةِ، وشَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿لَهُ قَرِينًا﴾ أيْ صاحِبًا وخَلِيلًا في الدُّنْيا ﴿فَساءَ﴾ فَبِئْسَ الشَّيْطانُ أوِ القَرِينُ. ﴿قَرِينًا﴾ لِأنَّهُ يَدْعُوهُ إلى المَعْصِيَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ، و(ساءَ) مَنقُولَةٌ إلى بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، فَهي مُلْحَقَةٌ بِالجامِدَةِ، فَلِذا قُرِنَتْ بِالفاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها، بِتَقْدِيرِ (قَدْ) كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ والغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ قَرِينُهُمْ، فَحَمَلَهم عَلى ذَلِكَ وزَيَّنَهُ لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنْ يُقْرَنَ بِهِمُ الشَّيْطانُ يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ، فَيَتَلاعَنانِ ويَتَباغَضانِ، وتَقُومُ صفحة 31 لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ساقٍ.

النساء 4:39

﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: ما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ أيُّ وبالٍ وضَرَرٍ يَحِيقُ بِهِمْ. ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا﴾ عَلى مَن ذُكِرَ مِنَ الطَّوائِفِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ ويُفْهِمُهُ الكَلامُ ﴿مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولَيْسَ المُرادُ السُّؤالَ عَنِ الضَّرَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو الظّاهِرُ، إذْ لا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِيُسْألَ عَنْهُ، بَلِ المُرادُ تَوْبِيخُهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهم عَلى صَرْفِ الفِكْرِ لِتَحْصِيلِ الجَوابِ، لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما في ذَلِكَ مِمّا هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا، وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا تَدَفَّقَتْ مِنهُ المَنافِعُ؟! وهَذا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ، كَثِيرًا ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في كَلامِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ وفِي الكَلامِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ؛ إذْ لا يُقالُ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تَأْثِيرَ أصْلًا في الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ بَصِيرًا، ولِلْقَصِيرِ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ طَوِيلًا؟ نُسِبَ إلى ما يَكْرَهُ. واسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِجَوازِ إيمانِ المُقَلِّدِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ واجِبًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الإشْعارِ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، ولَيْسَتْ واجِبَةً، وأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَسَهْلَةٌ، وهي الواجِبَةُ، و(لَوْ) إمّا عَلى بابِها، والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: لَوْ آمَنُوا لَمْ يَضُرَّهُمْ، وإمّا بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا اسْتِئْنافَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ حَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ ونَحْوُهُ، وإنَّما قُدِّمَ الإيمانُ ها هُنا وأُخِّرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهُ ثَمَّةَ ذِكْرٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن وُقُوعِ مَصارِفِهِمْ في دُنْياهم في غَيْرِ مَحَلِّها، وهُنا لِلتَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ فِيهِ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، ولَوْ قِيلَ: أُخِّرَ الإيمانُ هُناكَ وقُدِّمَ الإنْفاقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ كانَ بِمَعْنى الإسْرافِ الَّذِي هو عَدِيلُ البُخْلِ فَأُخِرَّ الإيمانُ؛ لِئَلّا يَكُونَ فاصِلًا بَيْنَ العَدِيلَيْنِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ، لا سِيَّما إذا قُلْنا بِالعَطْفِ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما أخْفَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ بِهِ، وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى إثابَتِهِ تَعالى إيّاهم لَوْ كانُوا آمَنُوا وأنْفَقُوا، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرادَ (كانَ عَلِيمًا بِهِمْ) وبِأحْوالِهِمُ المُحَقَّقَةِ والمَفْرُوضَةِ، فَيُعاقِبُ عَلى الأُولى ويُثِيبُ عَلى الثّانِيَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

النساء 4:40

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ويُطْلَقُ عَلى المِقْدارِ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ - كَما قِيلَ - جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وعَلى مُطْلَقِ المِقْدارِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا قالَ السُّدِّيُّ: أيْ: وزْنَ ذَرَّةٍ، وهي النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ، الَّتِي لا تَكادُ تُرى. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وعَنِ الأوَّلِ أنَّها رَأْسُ النَّمْلَةِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ، وقِيلَ: هي الخَرْدَلَةُ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ: (مِثْقالَ نَمْلَةٍ). ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ الذَّرَّةَ لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأنَّها أقَلُّ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ في وهْمِ البَشَرِ، أوْ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الوَصْفِ بِالقِلَّةِ، ولَمْ يُعَبِّرْ سُبْحانَهُ بِالمِقْدارِ ونَحْوِهِ بَلْ عَبَّرَ بِالمِثْقالِ لِلْإشارَةِ بِما يُفْهَمُ مِنهُ مِنَ الثِّقَلِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ والعَظْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلّا أنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيرًا صفحة 32 فَهُوَ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ عَظِيمٌ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كالمَفْعُولِ، أيْ ظُلْمًا قُدِّرَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وصِفَتُهُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُما، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَظْلِمُ) أيْ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أوْ لا يَظْلِمُهم مِثْقالَ ذَرَّةٍ. قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّهم ضَمَّنُوا (يَظْلِمُ) مَعْنى يَغْصِبُ أوْ يُنْقِصُ، فَعَدُّوهُ لِاثْنَيْنِ. وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، إمّا بِنُقْصانٍ أوْ بِزِيادَةٍ أوْ بِعُدُولٍ عَنْ وقْتِهِ أوْ مَكانِهِ، وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَقْصَ الثَّوابِ وزِيادَةَ العِقابِ لا يَقَعانِ مِنهُ تَعالى أصْلًا، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ، بَلْ إرْشادٌ إلى أنَّ كُلَّ ما أمَرَ بِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ، وكُلَّ ما نَهى عَنْهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ. واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في الحِكْمَةِ لا لِاسْتِحالَتِهِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَدَحَ نَفْسَهُ بِتَرْكِهِ، ولا مَدْحَ بِتَرْكِ القَبِيحِ ما لَمْ يَكُنْ عَنْ قُدْرَةٍ، ألا تَرى أنَّ العِنِّينَ لا يُمْدَحُ بِتَرْكِ الزِّنا، واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فَإنَّهُ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ، مَعَ أنَّ النَّوْمَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ في الكَشْفِ: وهو غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ مَدْحٌ بِانْتِفاءِ النَّقْصِ عَنْ ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، وهو كَما تَقُولُ: البارِي عَزَّ وعَلا لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ، وأمّا ما نَحْنُ فِيهِ فَمَدْحٌ بِتَرْكِ الفِعْلِ، والتَّرْكُ المَمْدُوحُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بِالِاخْتِيارِ، نَعَمْ: لِلْمانِعِ أنْ لا يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى مُدِحَ بِالتَّرْكِ، بَلْ مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ يُنافِي جَوازَ الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ أنَّ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الحَقِيقِ بِهِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وقُدْرَةُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ تَسَعُ جَمِيعَ المُمْكَناتِ، لَكِنَّ الحِكْمَةَ - وهي الإتْيانُ بِالمُمْكِنِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ وعَلى ما يَنْبَغِي – مانِعَةٌ، وعَلى هَذا قالُوا: الحَكِيمُ لا يَفْعَلُ إلّا الحَسَنَ مِن بَيْنِ المُمْكَناتِ، إلّا إذا دَعَتْهُ حاجَةٌ، والمُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ جَمْعٍ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لا يُنْقِصُ مِنَ الأجْرِ ولا يَزِيدُ في العِقابِ أيْضًا بِناءً عَلى وعْدِهِ المَحْتُومِ، فَإنَّ الحِلْفَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُنافِيًا لِلْأُلُوهِيَّةِ وكَمالَ الغِنى، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى ظُلْمًا، وإنْ كانَ لا يُتَصَوَّرُ - حَقِيقَةً - الظُّلْمُ مِنهُ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ المالِكَ عَلى الإطْلاقِ، فالزِّيادَةُ والنَّقْصُ مُمْكِنانِ لِذاتِهِما، والخُلْفُ مُمْتَنِعٌ لِذاتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الخُلْفِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الواجِبِ، تَعالى وتَقَدَّسَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَرَّرَ في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عَدَمِ إيمانِ المُصِرِّ ووُجُوبِ الصِّدْقِ اللّازِمِ لَهُ لا يُخْرِجُ الفِعْلَ عَنْ كَوْنِهِ مَقْدُورَ المُكَلَّفِ، بَلْ يُحَقِّقُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، فَلْيُحْفَظْ؛ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الفِعْلِ النّاقِصِ عائِدٌ إلى المِثْقالِ، وإنَّما أُنِّثَ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى (وإنْ تَكُنْ زِنَةُ ذَرَّةٍ حَسَنَةً) وقِيلَ: لِأنَّ المُضافَ قَدْ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ جُزْأهُ، نَحْوُ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ صِفَةٌ لَهُ، نَحْوُ: (لا تَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، ومِقْدارُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ، كَما أنَّ الإيمانَ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: أُنِّثَ الضَّمِيرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْنِيثَ الخَبَرِ إنَّما يَكُونُ لِمُطابَقَةِ تَأْنِيثِ المُبْتَدَأِ، فَلَوْ كانَ تَأْنِيثُ المُبْتَدَأِ لَهُ لَزِمَ الدَّوْرُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَقْصُودًا وصْفِيَّتُهُ، والحَسَنَةُ غَلَبَتْ عَلَيْها الِاسْمِيَّةُ، فَأُلْحِقَتْ بِالجَوامِدِ الَّتِي لا تُراعى فِيها المُطابَقَةُ، نَحْوُ: الكَلامُ هو الجُمْلَةُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُضافِ إلَيْهِ، وهو مُؤَنَّثٌ بِلا خَفاءٍ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن آخِرِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًا لَها بِحُرُوفِ العِلَّةِ مِن حَيْثُ الغُنَّةُ والسُّكُونُ وكَوْنُها مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ، وكانَ القِياسُ عَوْدَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ النُّونِ، إلّا أنَّهم خالَفُوا القِياسَ في ذَلِكَ أيْضًا حِرْصًا عَلى التَّخْفِيفِ فِيما صفحة 33 كَثُرَ دَوْرُهُ، وقَدْ أجازَ يُونُسُ حَذْفَ النُّونِ مِن هَذا الفِعْلِ أيْضًا في مِثْلِ قَوْلِهِ: فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أبْدَتْ وسامَةً فَقَدْ أبْدَتِ المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ وسِيبَوَيْهِ يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (تَكُ) تامَّةً، أيْ: وإنْ تُوجَدْ أوْ تَقَعْ (حَسَنَةٌ) (يُضاعِفْها) أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يُوصِلَها - كَما مَرَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - إلى ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ، وعَنى التَّكْثِيرَ لا التَّحْدِيدَ، والمُرادُ: يُضاعِفُ ثَوابَها؛ لِأنَّ مُضاعِفَةَ نَفْسِ الحَسَنَةِ بِأنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ الواحِدَةَ صَلاتَيْنِ مَثَلًا مِمّا لا يُعْقَلُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وما في الحَدِيثِ مِن أنَّ تَمْرَةَ الصَّدَقَةِ يُرَبِّيها الرَّحْمَنُ حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا؛ لِلْقَطْعِ بِأنَّها أُكِلَتْ، واحْتِمالُ إعادَةِ المَعْدُومِ بَعِيدٌ، وكَذا كِتابَةُ ثَوابِها مُضاعَفًا، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ لَيْسَتْ هي المُضاعَفَةُ في المُدَّةِ عِنْدَ الإمامِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وتَضْعِيفُ غَيْرِ المُتَناهِي مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُضَعِّفُهُ بِحَسَبِ المِقْدارِ، مَثَلًا يَسْتَحِقُّ عَلى طاعَتِهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ فَيَجْعَلُهُ عِشْرِينَ جُزْءًا أوْ ثَلاثِينَ أوْ أزْيَدَ. وقِيلَ: هي المُضاعَفَةُ بِحَسَبِ المُدَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْطَعُ ثَوابَ الحَسَنَةِ في المُدَدِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، لا أنَّهُ يُضاعِفُ جَلَّ شَأْنُهُ مُدَّتَها، لِيَجِيءَ حَدِيثُ مُحالِيَّةِ تَضْعِيفِ ما لا نِهايَةَ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى هَذا عَطْفًا لِبَيانِ الأجْرِ المُتَفَضَّلِ بِهِ، وهو الزِّيادَةُ في المِقْدارِ إثْرَ بَيانِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، وهو إعْطاءُ مِثْلِهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى أبَدِ الدَّهْرِ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ أجْرًا مِن مَجازِ المُجاوِرَةِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ، مَزِيدٌ عَلَيْهِ. وعَلى الأوَّلِ جَعَلَهُ البَعْضُ وارِدًا عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ عَلى مَعْنى: يُضاعِفُ ثَوابَ تِلْكَ الحَسَنَةِ بِإعْطاءِ الزّائِدِ عَلَيْهِ مِن فَضْلِهِ، وزَعَمُوا أنَّ القَوْلَ بِالأجْرِ المُسْتَحَقِّ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ يَقُولُونَ بِالِاسْتِحْقاقِ أيْضًا، لَكِنْ بِمُقْتَضى الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلَفُ، وبِهِ يَكُونُ الأجْرُ المَوْعُودُ بِهِ كَأنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ، كَما أنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ أيْضًا بِمُقْتَضى الكَرَمِ، كَما قِيلَ: وعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ، نَعَمْ، حَمْلُ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والدّاعِي إلَيْهِ عَدَمُ التَّكْرارِ، وقالَ الإمامُ أيْضًا: إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اللَّذّاتِ المَوْعُودِ بِها في الجَنَّةِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُؤْتِيهِ مِن لَدُنْهُ فَهو اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِغْراقِ في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ. وبِالجُمْلَةِ، فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذا الأجْرُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ و(لَدُنْ) بِمَعْنى عِنْدَ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُهم بِأنَّ (مِن لَدُنْ) أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى القُرْبِ، ولِذا لا يُقالُ: لَدَيَّ مالٌ إلّا وهو حاضِرٌ، بِخِلافِ (عِنْدَ) وتَقُولُ: هَذا القَوْلُ عِنْدِي صَوابٌ، ولا تَقُولُ: لَدَيَّ ولَدُنِّي، كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ (لَدُنْ) في غَيْرِ المَكانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مَخْرَجَ الغالِبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: (يُضَعِّفْها) بِتَضْعِيفِ العَيْنِ وتَشْدِيدِها، والمُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ والفارِسِيِّ أنَّهُما بِمَعْنًى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (ضاعَفَ) يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً، و(ضَعَّفَ) يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَكْسُ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ تَقْتَضِي زِيادَةَ الثَّوابِ، فَإذا شُدِّدَتْ دَلَّتِ البِنْيَةُ عَلى التَّكْثِيرِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ المُضاعَفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما يَنْفَعُكَ، فَتَذَكَّرْ.

النساء 4:41

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الفاءُ فَصَيْحَةٌ، و(كَيْفَ) مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ، كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ صفحة 34 كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ، والعامِلُ بِالظَّرْفِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ أوِ الفِعْلِ المُصَدَّرِ، كَما قَرَّرَهُ صاحِبُ (الدُّرِّ المَصُونِ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، أيْ: إذا كانَ كُلُّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ يُجازِي عَلَيْهِ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ؟ أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ أوْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جِئْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وطائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ بِشَهِيدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَسائِدِ العَقائِدِ وقَبائِحِ الأعْمالِ، وهو نَبِيُّهُمْ، ﴿وجِئْنا بِكَ﴾ يا خاتَمَ الأنْبِياءِ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى الشُّهَداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ ﴿شَهِيدًا﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِمْ لِعِلْمِكَ بِما أُرْسِلُوا واسْتِجْماعِ شَرْعِكَ مَجامِعَ ما فَرَّعُوا وأصَّلُوا، وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ، يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ؛ تَقْوِيَةً لِشَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ كَما يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ، وقِيلَ: إلى المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ ومَتى أُقْحِمَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ في الكَلامِ وأُدْخِلَتْ (عَلى) عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ لِتَضْمِينِ الشَّهادَةِ مَعْنى التَّسْجِيلِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُمْ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ إلَخْ فَقالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ»» فَإذا كانَ هَذا الشّاهِدُ تَفِيضُ عَيْناهُ لِهَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ، وعِظَمِ تِلْكَ الحالَةِ، فَماذا لَعَمْرِي يَصْنَعُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؟! وكَأنَّهُ بِالقِيامَةِ وقَدْ أناخَتْ لَدَيْهِ.

النساء 4:42

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها، وتَنْوِينُ (إذٍ) عِوَضٌ - عَلى الصَّحِيحِ - عَنِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ الأُولى، وقِيلَ: عَنِ الأخِيرَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَوَدُّ) وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِشَهِيدٍ) وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) صِفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيهِ بِعِيدٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ، وإمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ (الرَّسُولَ) الجِنْسُ أيْضًا، ويُزِيدُ شَرَفَهُ انْتِظامُهُ لِلنَّبِيِّﷺانْتِظامًا أوَّلِيًّا، و(عَصَوْا) مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ عِصْيانُهم بِما سِوى الكُفْرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطِبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (كَفَرُوا) وقَدْ مُرادَةٌ، وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا، فالإخْبارُ عَنْ نَوْعَيْنِ: الكَفَرَةِ والعُصاةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إضْمارَ المَوْصُولِ كالفِراءِ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَزِيدِ شِدَّتِهِ ومُضاعَفِ هَوْلِهِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ في الدُّنْيا. ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ إمّا مَفْعُولُ (يَوَدُّ) عَلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا وتُسَوّى الأرْضُ مُلْتَبِسَةً بِهِمْ، أوْ تُسَوّى عَلَيْهِمْ كالمَوْتى، وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم بَقُوا تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا هم والأرْضُ سَواءً، وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: يَوَدُّونَ أنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَمْعِ يَطَئُونَهم بِأقْدامِهِمْ كَما يَطَئُونَ الأرْضَ، وقِيلَ: يَوَدُّونَ لَوْ يُعَدَّلُ بِهِمُ الأرْضَ، أيْ يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فَدِيَةً، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنْ (لَوْ) عَلى بابِها، ومَفْعُولُ (يَوَدُّ) مَحْذُوفٌ صفحة 35 لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ، وكَذا جَوابُ (لَوْ) إيذانًا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ (لَوْ تُسَوّى) لَسُرُّوا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ (تَسَوّى) عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَسَوّى) فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَسَوّى) بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ مَعَ الإمالَةِ، يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى. ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ أنَّهم يَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَدِيثًا؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكِتْمانِ، حَيْثُ إنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما صَنَعُوا، أوْ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِمْ، بَلْ يَعْتَرِفُونَ بِها، فَيُدْخَلُونَ النّارَ بِاعْتِرافِهِمْ، وإنَّما لا يَكْتُمُونَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الكِتْمانُ، وإنَّما يَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ في بَعْضِ المَواطِنِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وهم لا يَكْتُمُونَ مِنهُ تَعالى حَدِيثًا، ولا يَكْذِبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ إذْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهُمْ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ (تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ). وجَعْلُها لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها مَعْطُوفٌ عَلى (تُسَوّى) عَلى مَعْنى: يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وأنَّهم لا يَكُونُونَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَعْثَهُ في الدُّنْيا، كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، بَعِيدٌ جِدًّا، وأقْرَبُ مِنهُ العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ (يَوَدُّ) عَلى مَعْنى يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ وانْتِفاءِ كِتْمانِهِمْ إذْ قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بِأنْ يُكاشِفَكم بِأسْرارِهِ المُودَعَةِ فِيكم أثْناءَ السَّيْرِ إلَيْهِ، ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مَقاماتِهِمْ وحالاتِهِمْ ورِياضاتِهِمْ، وأشارَ إلى الواصِلِينَ إلَيْهِ قَبْلَ المُخاطِبِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِالسُّنَنِ إلى التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ والرِّضا بِالمَقْدُورِ، فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةُ الصِّدِّيقِينَ ونَشْنَشَةُ الواصِلِينَ ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن ذَنْبِ وجُودِكم حِينَ يُفْنِيكم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْيِينُ إشارَةً إلى الإيصالِ إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والهِدايَةُ إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والتَّوْبَةُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَراتِبِ اسْتِعْدادِكم ﴿حَكِيمٌ﴾ ومِن حِكْمَتِهِ أنْ يُفِيضَ عَلَيْكم حَسَبَ قابِلِيّاتِكم واللَّهِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ تَكْرارٌ لِما تَقَدَّمَ إيذانًا بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ غايَةُ المَراتِبِ ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ أيِ اللَّذائِذَ الفانِيَةَ الحاجِبَةَ عَنِ الوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ إلى السِّوى ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ لِتَكُوِنُوا مِثْلَهم ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أثْقالَ العُبُودِيَّةِ في مَقامِ المُشاهِدَةِ، أوْ أثْقالَ النَّفْسِ بِفَتْحِ بابِ الِاسْتِلْذاذِ بِالعِبادَةِ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلَيْها ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عَنْ حَمْلِ وارِداتِ الغَيْبِ وسَطَواتِ المُشاهَدَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ حَمْلَ ذَلِكَ إلّا بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ، أوْ ضَعِيفًا لا يُطِيقُ الحِجابَ عَنْ مَحْبُوبِهِ لَحْظَةً، ولا يَصْبِرُ عَنْ مَطْلُوبِهِ ساعَةً؛ لِكَمالِ شَوْقِهِ ومَزِيدِ غَرامِهِ. والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المَواطِنِ كُلِّها إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ مَذْمُومُ وكانَ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ يَقُولُ: إلَهِي لا مَعَكَ قَرارٌ، ولا مِنكَ فِرارٌ، المُسْتَغاثُ بِكَ إلَيْكَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿لا تَأْكُلُوا﴾ أيْ تَذْهَبُوا ﴿أمْوالَكُمْ﴾ وهو ما حَصَلَ لَكم مِن عالَمِ الغَيْبِ بِالكَسْبِ الِاسْتِعْدادِيِّ ﴿بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وتُودِعُوهُ غَيْرَ أهْلِهِ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ تَصَرُّفًا صادِرًا ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ واسْتِحْسانٍ، أُلْقِيَ مِن عالَمِ الإلْهامِ إلَيْكُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُباحٌ لَكم ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِالغَفْلَةِ عَنْها، فَإنَّ مَن غَفَلَ عَنْها غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ، ومَن غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ هَلَكَ، أوْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ، أيْ: أرْواحَكُمُ القُدْسِيَّةَ بِمُباشَرَتِكم ما لا يَلِيقُ، فَإنَّ مُباشَرَةَ ما لا يَلِيقُ يَمْنَعُ الرُّوحَ مِن طَيَرانِها في عالَمِ المُشاهِداتِ، ويَحْجُبُ عَنْها أنْوارَ المُكاشَفاتِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ﴾ في أزَلِ الآزالِ ﴿بِكم رَحِيمًا﴾ فَلِذا أرْشَدَكم إلى ما أرْشَدَكم ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وهي عِنْدُ العارِفِينَ رُؤْيَةُ صفحة 36 العُبُودِيَّةِ في مَشْهَدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الأعْواضِ في الخِدْمَةِ، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى السِّوى مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى، والسُّكُونُ في مَقامِ الكَراماتِ، ودَعْوى المَقاماتِ السّامِيَةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها. وأكْبَرُ الكَبائِرِ إثْباتُ وُجُودٍ غَيْرِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: نَمْحُ عَنْكم تَلَوُّناتِكم بِظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ وهي حَضْرَةُ عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ مِنَ الكَمالاتِ التّابِعَةِ لِلِاسْتِعْداداتِ؛ فَإنَّ حُصُولَ كَمالِ شَخْصٍ لِآخَرَ مُحالٌ إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالتَّمَنِّي ﴿لِلرِّجالِ﴾ وهُمُ الأفْرادُ الواصِلُونَ ﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ بِنُورِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ولِلنِّساءِ﴾ وهُمُ النّاقِصُونَ القاصِرُونَ ﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْكم ما تَقْتَضِيهِ قابِلِيّاتُكم ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ فَيُعْطِيكم ما يَلِيقُ بِكم ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، يَرِثُونَ بِهِ مِمّا تَرَكَهُ والِداهُمْ، وهُما الرُّوحُ والقَلْبُ، والأقْرَبُونَ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وهُمُ المُرِيدُونَ ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ الفَيْضِ عَلى قَدْرِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ إذْ كَلُّ شَيْءٍ مُظْهِرٌ لِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ. ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ أيِ الكامِلُونَ شَأْنُهُمُ القِيامُ بِتَدْبِيرِ النّاقِصِينَ، والإنْفاقُ عَلَيْهِمْ مَن فُيُوضاتِهِمْ ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِالِاسْتِعْدادِ ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿مِن أمْوالِهِمْ﴾ أيْ قُواهم أوْ مَعارِفِهِمْ ﴿فالصّالِحاتُ﴾ لِلسُّلُوكِ مِنَ النِّساءِ بِالمَعْنى السّابِقِ ﴿قانِتاتٌ﴾ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى بِالعِباداتِ القالِبِيَّةِ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيِ القَلْبِ عَنْ دَنَسِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى العِباداتِ القَلْبِيَّةِ ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ لَهم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ تَرَفُّعَهُنَّ عَنِ الِانْقِيادِ إلى ما يَنْفَعُهُنَّ ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بِذِكْرِ أحْوالِ الصّالِحِينَ ومَقاماتِهِمْ؛ فَإنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلى ما يُمْدَحُ لَها غالِبًا ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ أيِ امْنَعُوا دُخُولَ أنْوارِ فُيُوضاتِكم إلى حُجُراتِ قُلُوبِهِنَّ لِيَسْتَوْحِشْنَ، فَرُبَّما يَرْجِعْنَ عَنْ ذَلِكَ التَّرَفُّعِ ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ بِعَصى القَهْرِ إنْ لَمْ يَنْجَعْ ما تَقَدَّمَ فِيهِنَّ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ورَجَعْنَ عَنِ التَّرَفُّعِ والأنانِيَّةِ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ بِتَكْلِيفِهِنَّ فَوْقَ طاقَتِهِنَّ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِنَّ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ومَعَ هَذا لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا فَوْقَ طاقَتِهِ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ أيُّها المُرْشِدُونَ الكُمَّلُ ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أيْ بَيْنَ الشَّيْخِ والمُرِيدِ ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ فابْعَثُوا مُتَوَسِّطَيْنِ مِنَ المَشايِخِ والسّالِكِينَ ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿بَيْنِهِما﴾ وهِمَّةُ الرِّجالِ تَقْلَعُ الجِبالَ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الرِّجالُ إشارَةً إلى العُقُولِ الكامِلَةِ، والنِّساءُ إشارَةً إلى النُّفُوسِ النّاقِصَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العَقْلَ هو القائِمُ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ وإرْشادِها إلى ما يُصْلِحُها، ويُرادُ مِنَ الحَكَمَيْنِ حِينَئِذٍ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ العَقْلِ والنَّفْسِ مِنَ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والفَناءِ فِيهِ ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مِمّا تَحْسَبُونَهُ شَيْئًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا وُجُودَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ الرُّوحِ والنَّفْسِ اللَّذَيْنِ تَوَلَّدَ بَيْنَهُما القَلْبُ أحْسِنُوا ﴿إحْسانًا﴾ فاسْتَفِيضُوا مِنَ الأوَّلِ وتَوَجَّهُوا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وزَكُّوا الثّانِيَ، وطَهِّرُوا بُرْدَيْهِ ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ وهم مَن يُناسِبُكم بِالِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والمُشاكَلَةِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿واليَتامى﴾ المُسْتَعِدِّينَ المُنْقَطِعِينَ عَنْ نُورِ الأبِ وهو الرُّوحُ بِالِاحْتِجابِ ﴿والمَساكِينِ﴾ العامِلِينَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم مِنَ المَعارِفِ، ولِذا سَكَنُوا عَنِ السَّيْرِ، وهُمُ النّاسِكُونَ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ القَرِيبِ مِن مَقامِكَ في السُّلُوكِ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ البَعِيدِ عَنْ مَقامِكَ ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ صفحة 37 الَّذِي هو في عَيْنِ مَقامِكَ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ السّالِكِ المُتَغَرِّبِ عَنْ مَأْوى النَّفْسِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى مَقامٍ بَعْدُ ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ المُنْتَمِينَ إلَيْكم بِالمَحَبَّةِ والإرادَةِ، وقِيلَ: (الوالِدَيْنِ) إشارَةٌ إلى المَشايِخِ وإحْسانِ المُرِيدِ إلَيْهِمْ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ إلَيْهِمْ، وامْتِثالِ أوامِرِهِمْ، فَإنَّهم أطِبّاءُ القُلُوبِ، وهم أعْرَفُ بِالدّاءِ والدَّواءِ، ولا يُداوُونَ إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وإنْ خَفِيَ عَلى المُرِيدِ وجْهُهُ. ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أمَرَنِي رَبِّي أمَرًا وأمَرَنِي السِّرِّيُّ أمْرًا فَقَدَّمْتُ أمْرَ السِّرِّيِّ عَلى أمْرِ رَبِّي، وكُلُّ ما وجَدْتُ فَهو مِن بَرَكاتِهِ، وأوَّلَ ”الجارِ ذِي القُرْبى“ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ العارِفَةِ العاشِقَةِ المَلَكُوتِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ العَدَمِ بِتَجَلِّي القِدَمِ، وانْقَدَحَتْ مِن نُورِ الأزَلِ، وهي أقْرَبُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي جارُ اللَّهِ تَعالى المَصْبُوغَةُ بِنُورِهِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تُطْلِقَها مِن فِتْنَةِ الطَّبِيعَةِ، وتُقَدِّسَ مَسْكَنَها مِن حُظُوظِ البَشَرِيَّةِ لِتَطِيرَ بِجَناحِ المَعْرِفَةِ والشَّوْقِ إلى عالَمِ المُشاهِدَةِ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ بِالصُّورَةِ الحامِلَةِ لِلرُّوحِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَفْطِمَ جَوارِحَها مَن رَضَعَ ضَرْعَ الشَّهَواتِ ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وهو القَلْبُ الَّذِي يَصْحَبُكَ في سَفَرِ الغَيْبِ، والإحْسانُ إلَيْهِ أنْ تُفْرِدَهُ مِنَ الحَدَثانِ، وتُشَوِّقَهُ إلى جَمالِ الرَّحْمَنِ، وقِيلَ: هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وفي الخَبَرِ: ««أعْدى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ»» والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَحْبِسَها في سِجْنِ العُبُودِيَّةِ، وتُحْرِقَها بِنِيرانِ المَحَبَّةِ، وأوَّلَ ”ابْنِ السَّبِيلِ“ بِالوَلِيِّ الكامِلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَنَقَّلُ مِن نُورِ الأفْعالِ إلى نُورِ الصِّفاتِ، ومِن نُورِ الصِّفاتِ إلى نُورِ الذّاتِ، والإحْسانُ إلَيْهِ كَتْمُ سِرِّهِ، وعَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ أمْرِهِ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: وإنْ شِئْتَ أوَّلْتَ (ذا القُرْبى) بِما يَتَّصِلُ بِالشَّخْصِ مِنَ المُجَرَّداتِ (واليَتامى) بِالقُوى الرُّوحانِيَّةِ (والمَساكِينِ) بِالقُوى النَّفْسانِيَّةِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها (والجارِ ذِي القُرْبى) بِالعَقْلِ (والجارِ الجُنُبِ) بِالوَهْمِ (والصّاحِبِ بِالجَنْبِ) بِالشَّوْقِ والإرادَةِ (وابْنِ السَّبِيلِ) بِالفِكْرِ والمَمالِيكِ بِالمَلَكاتِ المُكْتَسَبَةِ، الَّتِي هي مَصادِرُ الأفْعالِ الجَمِيلَةِ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ جِدًّا. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ يَسْعى بِالسُّلُوكِ في نَفْسِهِ ﴿فَخُورًا﴾ بِأحْوالِهِ ومَقاماتِهِ، مُحْتَجِبًا بِرُؤْيَتِها ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَعْمَلُونَ بِعُلُومِهِمْ ولا يُعَلِّمُونَها ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ قالًا أوْ حالًا ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَلا يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ، أوْ يَكْتُمُونَ ما أُوتُوا مِنَ المَعارِفِ في كَتْمِ الِاسْتِعْدادِ وظُلْمَةِ القُوَّةِ حَتّى كَأنَّها مَعْدُومَةٌ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ لِلْحَقِّ، السّاتِرِينَ أنْوارَ الوَحْدَةِ بِظُلْمَةِ الكَثْرَةِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم في ذُلِّ وجُودِهِمْ وشَيْنِ صِفاتِهِمْ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ يُبْرِزُونَ كَمالاتِهِمْ ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ مُرائِينَ النّاسَ بِأنَّها لَهم ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ؛ لِيَعْلَمُوا أنْ لا كَمالَ إلّا لَهُ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيِ الفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ، لِيَبْرُزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ﴾ النَّفْسُ وقُواها ﴿لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ لِأنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الحَقِّ كَهَؤُلاءِ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ ما كانَ يَضُرُّهم ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَصَدَّقُوا بِالتَّوْحِيدِ والفَناءِ فِيهِ ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَرَوْا كَمالًا لِأنْفُسِهِمْ ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ فَيُجازِيهِمْ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِقْدارَ ما يَظْهَرُ مِنَ الهَباءِ ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَتْ لَهُ، فَإنْ كانَتْ لَهُ يُضاعِفُها بِالتَّأْيِيدِ الحَقّانِيِّ ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الشُّهُودُ الذّاتِيُّ أوِ العِلْمُ اللَّدُنِّيِّ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ وهو ما يَحْضُرُ كُلَّ أحَدٍ، ويَظْهَرُ لَهُ بِصُورَةِ مُعْتَقَدِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ حالِهِ ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ﴾ وهُمُ المُحَمَّدِيُّونَ ﴿شَهِيدًا﴾ ومِن لَوازِمِ الإتْيانِ بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ شَهِيدًا لِلْمُحَمَّدِيِّينَ مَعْرِفَتُهم لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ التَّحَوُّلِ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ شَهِيدُهم في الحَقِيقَةِ إلّا الحَقَّ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالِاحْتِجابِ ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ بِعَدَمِ المُتابَعَةِ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ صفحة 38 لِتَنْطَمِسَ نُفُوسُهُمْ، أوْ تَصِيرَ ساذَجَةً لا نَقْشَ فِيها مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والرَّذائِلِ المُوبَقَةِ ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَتْمِ حَدِيثٍ مِن تِلْكَ النُّقُوشِ، وهَيْهاتَ، أنّى يُخْفُونَ شَيْئًا مِنها، وقَدْ صارَتِ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ! سَهْمٌ أصابَ ورامِيهِ بِذِي سَلَمٍ ∗∗∗ مَن بِالعِراقِ لَقَدْ أبْعَدْتَ مَرْماكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى الحَقَّ، وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

النساء 4:43

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ إرْشادٌ لِإخْلاصِ الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ؛ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلْقِ المُبَيَّنَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَحْصُلُ الرَّبْطُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا ها هُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ. فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتْ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَتْ. وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «إنَّ إمامَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ المَغْرِبِ، وكانَ ذَلِكَ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً» والخِطابُ لِلصَّحابَةِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ الكَثِيرِ الهَيْئَةُ المَخْصُوصَةُ، وبِقُرْبِها القِيامُ بِها والتَّلَبُّسُ بِها، إلّا أنَّهُ نَهى عَنِ القُرْبِ مُبالَغَةً، وبِالسُّكْرِ الحالَةُ المُقَرَّرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِشارِبِ الخَمْرِ، ومادَّتُهُ تَدُلُّ عَلى الِانْسِدادِ، ومِنهُ: سُكِّرَتْ أعْيُنُهُمْ، أيِ: انْسَدَّتْ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوا في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ قَبْلَها، إذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّكم سَتَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ نَشاوى مِنَ الشَّرابِ؛ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقْرَءُونَهُ في صَلاتِكُمْ، ولَعَلَّ مُرادَهُ: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما تَقْرَءُونَهُ، وإلّا فَهو يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ عَلى غايَةِ النَّهْيِ، وإذا أُرِيدَ ذَلِكَ رُجِعَ إلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، عَلى أنَّ إيثارَ (ما تَقُولُونَ) عَلى (ما تَقْرَءُونَ) حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًا عَنِ الدّاعِي. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ مَواضِعُها، فَهو مَجازٌ مِن ذِكْرِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما يَأْتِي: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ عَنْ نَهْيِ قُرْبانِ السَّكْرانِ المَسْجِدَ تَعْظِيمًا لَهُ. وفِي الخَبَرِ: ««جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ»» ويَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ، وعَلى مَواضِعِها؛ مُراعاةً لِلْقَوْلَيْنِ، وفي الكَلامِ حِينَئِذٍ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ. ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – والضَّحّاكِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ مِنَ السُّكْرِ سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةِ النَّوْمِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَنَمْ حَتّى يَعْلَمَ ما يَقُولُ»» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وفِيهِ بَعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ حَمْلُهُ عَلى سُكْرِ الخَمْرِ وسُكْرِ النَّوْمِ لِما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ عُمُومِ المَجازِ مَعَ عَدَمِ القَرِينَةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ مَرْجِعُ النَّهْيِ هو المُقَيَّدَ مَعَ بَقاءِ القَيْدِ مُرَخَّصًا بِحالِهِ، بَلْ إنَّما هو القَيْدُ مَعَ بَقاءِ المُقَيَّدِ عَلى حالِهِ؛ لِأنَّ القَيْدَ مَصَبُّ النَّفْيِ والنَّهْيِ في كَلامِهِمْ، ولِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ مَأْمُورٌ بِها، والنَّهْيُ يُنافِيهِ، نَعَمْ، لا مانِعَ عَنِ النَّهْيِ عَنْها لِلسَّكْرانِ مَعَ الأمْرِ المُطْلَقِ إلّا أنَّ مَرْجِعَهُ إلى هَذا. صفحة 39 والحاصِلُ كَما قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِها في كُلِّ حالٍ، وزَوالُ عَقْلِهِ بِفِعْلِهِ لا يَمْنَعُ تَكْلِيفَهُ، ولِذا وقَعَ طَلاقُهُ ونَحْوُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِها لَمْ تَلْزَمْهُ الإعادَةُ إذا اسْتَغْرَقَ السُّكْرُ وقْتَها، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) وفَصَلَّهُ، انْتَهى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها، لَكِنِ المُرادُ بِها الصَّلاةُ جَماعَةً مَعَ النَّبِيِّﷺ تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْقِيرًا، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ ولا عَقْلٌ، ويَأْباهُ الظّاهِرُ، وسَبَبُ النُّزُولِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بَعْدَما أُنْزِلَتِ الآيَةُ لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلاةِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ. وقُرِئَ (سَكارى) بِفَتْحِ السِّينِ، جَمْعُ سَكْرانٍ، كَنَدْمانَ ونَدامى. وقَرَأ الأعْمَشُ (سُكْرى) بِضَمِّ السِّينِ، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (كَحُبْلى) وقَعَ صِفَةً لِجَماعَةٍ، أيْ: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سُكْرى، والنَّخَعِيُّ: (سَكْرى) بِالفَتْحِ، وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ صِفَةُ جَماعَةٍ كَما في الضَّمِّ، وإمّا جَمْعُ تَكْسِيرٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، واسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ ﴿ولا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ النَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ سُكارى ولا جُنُبًا، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. وقالَ الشِّهابُ نَقْلًا عَنِ البَحْرِ: إنَّ هَذا حُكْمُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنا: جاءَ القَوْمُ سُكارى، وجاءُوا وهم سُكارى، إذا مَعْنى الأوَّلِ: جاءُوا كَذَلِكَ، والثّانِي جاءُوا وهم كَذَلِكَ بِاسْتِئْنافِ الإثْباتِ، ذَكَرَهُ عَبْدُ القاهِرِ، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ أنَّهُ مُقَرَّرٌ في نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذِي الحالِ، وهو مَعَ مُقارَنَتِهِ لَهُ يَشْعُرُ بِتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ، ويَجُوزُ تَقَدُّمُهُ واسْتِمْرارُهُ، ولِذا قالَ السُّبْكِيُّ في الأشْباهِ: لَوْ قالَ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ صائِمًا، لا بُدَّ لَهُ مِن صَوْمٍ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ، فَلا يُجْزِئُهُ الِاعْتِكافُ بِصَوْمِ رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: وأنا صائِمٌ أجْزَأهُ. ولَعَلَّ وجْهَ الفِرَقِ أنَّ الحالَ إذا كانَتْ جُمْلَةً دَلَّتْ عَلى المُقارَنَةِ، وأمّا اتِّصافُهُ بِمَضْمُونِها فَقَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، والحالُ المُفْرَدَةُ صِفَةُ مَعْنًى، فَإذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ وأنا صائِمٌ، نَذَرَ مُقارَنَتَهُ لِلصَّوْمِ ولَمْ يَنْذُرْ صَوْمًا، فَيَصِحُّ في رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: صائِمًا نَذَرَ صَوْمَهُ، فَلا يَصِحُّ فِيهِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ نَقَلَها الأسْنَوِيُّ في التَّمْهِيدِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَها، ولَمْ نَرَ لِأئِمَّتِنا فِيها كَلامًا، انْتَهى كَلامُهُ. ولَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - السِّرَّ في مُخالَفَةِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ عَلى وجْهٍ يَتَّضِحُ بِهِ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ، وبَيَّنَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ فائِدَتَها، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذا الفَرْقِ، فَقالَ: فائِدَتُها - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - الإشْعارُ بِأنَّ قُرْبانَ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ مُنافٍ لِحالِ المُسْلِمِينَ، ومَن يُناجِي الحَضْرَةَ الصَّمَدانِيَّةَ، دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِأنْتُمْ، ولِهَذا قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا﴾ إلَخْ. والمُجْنِبُونَ لا يَعْدَمُونَ إحْضارَ القَلْبِ، ومِن ثَمَّ رَخَّصَ لَهم بِالإعْذارِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا. والجُنُبُ مَن أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ؛ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَصْدَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَثَنِّيهِ ويَجْمَعُهُ، فَيَقُولُ: جُنُبانِ وأجْنابٌ وجُنُوبٌ، واشْتِقاقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ المُجانَبَةِ، وهي المُباعَدَةُ ﴿إلا عابِرِي﴾ أيْ: مُجْتازِي ﴿سَبِيلٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ، والمُرادُ: إلّا مُسافِرِينَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، عَلى مَعْنى أنَّهُ في حالَةِ السَّفَرِ يَنْتَهِي حُكْمُ النَّهْيِ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ صُوَرِها بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ في الجُمْلَةِ، مِن غَيْرِ دَلالَةٍ صفحة 40 عَلى انْتِفاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ المُنْتَفى، ولا عَلى بَقاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ الباقِي، ولا ثُبُوتِ نَقِيضِهِ لا كُلِّيًّا ولا جُزْئِيًّا، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عِبارَةً، نَعَمْ، يُشِيرُ إلى مُخالَفَةِ حُكْمِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إجْمالِيَّةً، يُكْتَفى بِها في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لا في إثْباتِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ مَلاكَ الأمْرِ في ذَلِكَ إنَّما هو الدَّلِيلُ، وقَدْ ورَدَ عَقِيبَهُ عَلى طَرِيقِ البَيانِ، قالَهُ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ. وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ(جُنُبًا) عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مِثْلَ هَذا إنَّما يَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِثْناءِ، ولا تَعَذُّرَ هُنا لِعُمُومِ النَّكِرَةِ بِالنَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الشَّرْطَ في التَّوْصِيفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وقَدْ خالَفَهُ فِيهِ النُّحاةُ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الوَصْفِيَّةَ هُنا بِناءً عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِثْناءِ يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا حَصْرَ لِوُرُودِ المَرِيضِ إشْكالًا عَلَيْهِ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ، وادَّعى البَعْضُ إفادَةَ الكَلامِ لَهُ مُطْلَقًا، وأنَّ المَرِيضَ يَرِدُ إشْكالًا، إلّا أنْ يُؤَوَّلَ كَما سَتَعْرِفُهُ. ومَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها فَسَرَّ العُبُورَ بِالِاجْتِيازِ بِها، وجُوِّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورُ المَسْجِدِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - والمَشْهُورُ عِنْدَنا مَنعُ الجُنُبِ المَسْجِدَ مُطْلَقًا، ورَخَّصَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -كَما في خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ بِناءً عَلى ما فَسَّرَهُ ضِرارُ بْنُ صُرَدَ حِينَ سَألَهُ عَنْ مَعْناهُ عَلِيُّ بْنُ المُنْذِرِ، وكَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ رَخَّصَ ثُمَّ مَنَعَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وإنْ نَقَلَهُ البَعْضُ، ونَقَلَ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) أنَّهُ لا يَجُوزُ الدُّخُولُ إلّا أنْ يَكُونَ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ فِيهِ، وعَنِ اللَّيْثِ أنَّ الجُنُبَ لا يَمُرُّ إلّا أنْ يَكُونَ بابُهُ في المَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ وكانَ يُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا فِيهِ فَرُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ. ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ الجَنابَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ، كَما في صُورَةِ السُّكْرِ؛ تَشْوِيقًا إلى البَيانِ، ورُبَّما لِزِيادَةِ تَقَرُّبِهِ في الأذْهانِ، وقِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ مَدْخَلٌ في المَقْصُودِ؛ إذِ المَقْصُودُ إنَّما هو صِحَّةُ الصَّلاةِ جُنُبًا أخَّرَهُ، وقَدَّمَ الِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ، وكانَ الظّاهِرُ عَدَمَ ذِكْرِهِ لِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الجَنابَةَ إنَّما تَرْتَفِعُ بِالِاغْتِسالِ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها؛ لِأنَّهُ إذا وجَبَ تَطْهِيرُ البَدَنِ فَتَطْهِيرُ القَلْبِ أُولى، أوْ لِأنَّهُ إذا صِينَ مَوْضِعُ الصَّلاةِ عَمَّنْ بِهِ حَدَثٌ فَلِأنْ يُصانَ القَلْبُ الَّذِي هو عَرْشُ الرَّحْمَنِ عَنْ خاطِرٍ غَيْرِ طاهِرٍ ظاهِرُ الأوْلَوِيَّةِ. ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ، وبَيانُ ما هو في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنَ الأعْذارِ، والِاقْتِصارُ فِيما قَبْلُ عَلى اسْتِثْناءِ السَّفَرِ مَعَ مُشارَكَةِ الباقِي لَهُ في حُكْمِ التَّرْخِيصِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العُذْرُ الغالِبُ المَبْنِيُّ عَلى الضَّرُورَةِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الرُّخْصَةِ، ولِهَذا قِيلَ: المُرادُ بِغَيْرِ ﴿عابِرِي سَبِيلٍ﴾ غَيْرِ مَعْذُورِينَ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، إمّا بِطْرِيقِ الكِنايَةِ أوْ بِإيماءِ النَّصِّ ودَلالَتِهِ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ الإيرادُ السّابِقُ عَلى الحَصْرِ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ: إلّا عابِرِي سَبِيلٍ أوْ مَرْضى فاقِدِي الماءَ حِسًّا أوْ حُكْمًا لِما أنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ وأوْكَدُ مِنهُ، لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ومَعْرِفَةِ تَفاضُلِ العُقُولِ والأفْهامِ. والمُرادُ بِالمَرَضِ ما يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ بِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ أوْ بِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «المَرِيضُ الَّذِي قَدْ أُرْخِصَ لَهُ في التَّيَمُّمِ الكَسِيرُ والجَرِيحُ، فَإذا أصابَتْهُ الجَنابَةُ لا يَحُلُّ جِراحَتَهُ إلّا جِراحَةً لا يُخْشى عَلَيْها». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (المَعْرِفَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: ««إذا كانَتْ بِالرَّجُلِ الجِراحَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوِ القُرُوحُ أوِ الجُدَرِيُّ فَيَجْنَبُ فَيَخافُ إنِ اغْتَسَلَ أنْ يَمُوتَ فَلْيَتَيَمَّمْ»». والَّذِي تَقَرَّرَ في الفُرُوعِ: صفحة 41 إنَّ المَرِيضَ الَّذِي يَخافُ إذا اسْتَعْمَلَ الماءَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ يَتَيَمَّمُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ كالمَبْطُونِ أوْ بِالِاسْتِعْمالِ كَمَن بِهِ حَصْبَةٌ أوْ جُدَرِيٌّ، ولَمْ يَشْتَرِطْ أصْحابُنا خَوْفَ التَّلَفِ لِظاهِرِ النَّصِّ، وهو بِإطْلاقِهِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَرِيضٍ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآياتِ ما أخْرَجَ مَن لا يَشْتَدُّ مَرَضُهُ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ. ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَرْضى﴾ أيْ: أوْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ما، طالَ أوْ قَصُرَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذا عَلى نَحْوِ مُسافِرِينَ؛ لِأنَّهُ أوْضَحُ في المَقْصُودِ مِنهُ. وفِي الهِدايَةِ: ومَن لَمْ يَجِدِ الماءَ وهو مُسافِرٌ أوْ خارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِصْرِ مِيلٌ أوْ أكْثَرُ يَتَيَمَّمُ، والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ مَن هو خارِجَ المِصْرِ غَيْرَ مُسافِرٍ - كَما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ - مَعْلُومٌ بِالقِياسِ لا بِالنَّصِّ، وإيرادُ المُسافِرِ صَرِيحًا مَعَ سَبْقِ ذِكْرِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ لِبِناءِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ، فَضْلًا عَنِ الدَّلالَةِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ. وقِيلَ: ذُكِرَ السَّفَرُ هُنا لِإلْحاقِ المَرَضِ بِهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِإلْحاقِ الواجِدِ بِالفاقِدِ بِجامِعِ العَجْزِ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ ظاهِرَةٌ عَلى رَأْيِ مَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها، وفَسَّرَ العُبُورُ بِالِاجْتِيازِ بِها إذْ لَيْسَ فِيها حِينَئِذٍ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ شائِبَةُ التَّكْرارِ، بَلْ هي عِنْدَهُ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ، وأُيِّدَ بِأنَّ القُرّاءَ كُلَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ ويَبْتَدِئُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾ إلَخْ، بَلِ التَّعْبِيرُ بِالقُرْبِ يُومِئُ إلى حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ القُرْبِ والبُعْدِ في المَكانِ، وكَذا التَّعْبِيرُ بِـ ﴿عابِرِي سَبِيلٍ﴾ هُناكَ وبِـ ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ هُنا فِيهِ إيماءٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، إلّا أنَّ الكَثِيرَ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَرَضُ عَلى السَّفَرِ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ واسْتِقْلالِهِ بِأحْكامٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: ««نالَ أصْحابَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِراحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّﷺفَنَزَلَتْ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ الآيَةَ كُلَّها»» وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، حَيْثُ رَوَوْا أنَّ نُزُولَها في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: ««حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةً فَسَقَطَتْ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قِلادَةٌ لِأسْماءَ، فَلَمّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ في طَلَبِها، فَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُما فَأصْبَحُوا ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَأغْلَظَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وقالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِﷺ والمُسْلِمِينَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَنَزَلَتْ، فَلَمّا صَلَّوْا بِالتَّيَمُّمِ جاءَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ إلى مَضْرِبِ عائِشَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ما أكْثَرَ بَرَكَتَكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ!» وفي رِوايَةٍ: «يَرْحَمُكِ اللَّهُ تَعالى يا عائِشَةُ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا»» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ فَقْدَ الماءِ في السَّفَرِ، وهو ظاهِرٌ. ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ وهو المَكانُ المُنْخَفِضُ، وجاءَ الغَيْطَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو في رَأْيٍ: مَصْدَرُ يَغُوطُ، وكانَ القِياسُ غَوْطًا فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وسُكِّنَتْ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ لِخِفَّتِها، ولَعَلَّ الأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ تَخْفِيفُ غَيِّطٍ كَهَيْنٍ وهَيِّنٍ، والغَيْطُ الغائِطُ، والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ. وفِي ذِكْرِ (أحَدٌ) فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ كَما هو دَأْبُهُ وأدَبُهُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ وأُسْنِدَ المَجِيءُ إلَيْهِ دُونَ المُخاطَبِينَ تَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحى مِنهُ، أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، والفِعْلُ عَطْفٌ عَلى (كُنْتُمْ) والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وإنْ جاءَ أحَدٌ كائِنٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ. ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ يُرِيدُ سُبْحانَهُ: أوْ جامَعْتُمُ النِّساءَ إلّا أنَّهُ صفحة 42 كَنّى بِالمُلامَسَةِ عَنِ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ أوْ يُسْتَحى مِنهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والحَسَنُ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى الحَدَثِ الأكْبَرِ كَما أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى الحَدَثِ الأصْغَرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلامَسَةِ ما دُونُ الجِماعِ، أيْ: ماسَسْتُمْ بَشْرَتَهُنَّ بِبَشْرَتِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى أنَّ اللَّمْسَ يُنْقِضُ الوُضُوءَ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: إنْ كانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ وإلّا فَلا، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّهُ لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِالمَسِّ ولَوْ بِشَهْوَةٍ، قِيلَ: ما لَمْ يُحْدِثِ الِانْتِشارَ، واخْتَلَفَ قَوْلُالشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في لَمْسِ المَحارِمِ كالأُمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ وفي لَمْسِ الأجْنَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، وأصَحُّ القَوْلَيْنِ: إنَّهُ لا يُنْقِضُ كَلَمْسِ نَحْوِ السَّنِّ والظُّفْرِ والشَّعَرِ، ويَنْتَقِضُ عِنْدَهُ وُضُوءُ المَلْمُوسَةِ كاللّامِسِ في الأظْهَرِ لِاشْتِراكِهِما في مَظِنَّةِ اللَّذَّةِ، كالمُشْتَرِكَيْنِ في الجِماعِ، وإنَّما لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُهُ عَلى مَذْهَبِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنهُ مَسٌّ لِمَظِنَّةِ لَذَّةٍ أصْلًا، بِخِلافِهِ هُنا. ودَلِيلُ القَوْلِ بِعَدَمِ نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها وضَعَتْ يَدَها عَلى قَدَمَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو ساجِدٌ، ووَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِما في الآيَةِ عَلى ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ هو الرّاجِحُ، لا سِيَّما في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: (أوْ لَمَسْتُمْ) إذْ لَمْ يَشْتَهِرِ اللَّمْسُ في الجِماعِ كالمُلامَسَةِ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الجِماعِ في القِراءَتَيْنِ تَرْجِيحًا لِلْمَجازِ والمَشْهُورِ وعَمَلًا بِهِما، إذْ لا مُنافاةَ، وهو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُتَّجَهَ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في تَماسِّ البَدَنَيْنِ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِهِما مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَدِ، وعَلى هَذا فالجِماعُ مِن أفْرادِ مُسَمّى الحَقِيقَةِ فَيَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً، وإنَّما يَكُونُ مَجازًا لَوِ اقْتُصِرَ عَلى إرادَتِهِ بِاللَّفْظِ، وادَّعى الجَلالُ المَحَلِّيُّ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في الجَسِّ بِاليَدِ مَجازٌ في الوَطْءِ، وأنَّ الشّافِعِيَّ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى – حَمَلَها عَلى المَعْنَيَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وظاهِرُ عِبارَةِ الأُمِّ أنَّ الشّافِعِيَّ لَمْ يَحْمِلِ المُلامَسَةَ عَلى الوَطْءِ، بَلْ عَلى ما عَداهُ مِن أنْواعِ التِقاءِ البَشْرَتَيْنِ، وأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الجَسَّ بِاليَدِ تَمْثِيلًا لِلْمُلامَسَةِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِها لا تَفْسِيرًا لَها بِذِكْرِ كَمالِ مَعْناها الحَقِيقِيِّ، كَما بَيَّنَهُ الكَمالُ ابْنُ أبِي شَرِيفٍ، فَلْيُفْهَمْ. ثُمَّ إنَّ نَظْمَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في سِلْكِ سَبَبَيْ سُقُوطِ الطَّهارَةِ والمَصِيرِ إلى التَّيَمُّمِ مَعَ كَوْنِهِما سَبَبَيْ وُجُوبِهِما لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنْفُسِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ قَيْدِهِما المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ بَلْ هو السَّبَبُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما ذُكِرا تَمْهِيدًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ بِقِسْمَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَكُونُوا مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ فاقِدِينَ لِلْماءِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اسْتِعْمالَهُ مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ أوِ الأكْبَرِ. قِيلَ: وتَخْصِيصُ ذِكْرِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ أيْضًا في صُورَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيها واسْتِغْنائِهِما عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِما قَطْعًا، فَيُعْلَمُ مِن حُكْمِها حُكْمُ الحَدَثِ الأصْغَرِ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالَةِ الجَنابَةِ إلّا كَوْنَكم مُسافِرِينَ، فَإنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ لِلْكُلِّ، وقَيْدُ وُجُوبِ التَّطَهُّرِ المُكَنّى عَنْهُ بِالمَجِيءِ مِنَ الغائِطِ والمُلامَسَةِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ، وفي الكَشْفِ - عَنْ بَعْضِهِمْ -: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ولا جُنُبًا ولا جائِيًا أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامِسًا، يَعْنِي: ولا مُحْدِثِينَ، ثُمَّ قِيلَ: وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ فَتَيَمَّمُوا، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما اعْتَرَضَهُ: ولَعَلَّ الأوْجَهَ في تَقْرِيرِ الآيَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُجْعَلَ عَدَمُ الوِجْدانِ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ صفحة 43 الماءِ لِفَقْدِ الماءِ أوْ لِمانِعٍ؛ لِيَصِحَّ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْكُلِّ، أوْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ ولا يُجْعَلَ قَيْدًا لِلْآخَرِينَ؛ لِأنَّ عُمُومَ الإعْوازِ في حَقِّ المُسافِرِ غالِبًا، والمَنعَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ القائِمِ مَقامَهُ في حَقِّ المَرِيضِ مُغْنٍ عَنِ التَّقْيِيدِ لَفْظًا، وأنْ يَبْقى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِمْ مُحْدِثِينَ أوْ مُجْنِبِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سَبَبِ العُدُولِ عَنِ الطَّهارَةِ بِالماءِ إلى التَّيَمُّمِ، أمّا المُشْتَرَكُ بَيْنَ الطِّهارَتَيْنِ فَلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ قَصْدًا، وأنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ المُحْدِثِينَ مِن غَيْرِ القَبِيلَيْنِ بَيانًا لِسَبَبِ العُدُولِ وهو فَقْدُ القُدْرَةِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ ولا مَرَضٍ، لا لِأنَّ الحَدَثَ سَبَبٌ، وإنْ أفادَ ذَلِكَ ضِمْنًا. ولَمْ يَقُلْ: (أوْ لَمْ تَجِدُوا) دُونَ ذِكْرِ السَّبَبَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ مُرَخِّصٌ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ، وأُفِيدَ ضِمْنًا أنَّهُما مُعْتَبَرانِ أيْضًا في المَرِيضِ والمُسافِرِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ المَرَضِ والسَّفَرِ وبَيْنَ سائِرِ الأعْذارِ في ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ أظْهْرُ، وما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ الحَمْلِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا قَدَّمْناهُ، نَعَمِ الآيَةُ مِن مُعْضِلاتِ القُرْآنِ، ولَعَلَّها تَحْتاجُ بَعْدُ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، والفاءُ في (فَلَمْ) عاطِفَةٌ، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ (تَجِدُوا) فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (فَلْيَتَيَمَّمْ) جَزاءً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾، والتَّيَمُّمُ لُغَةً: القَصْدُ، قالَ الأعْشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، كَما رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وثَعْلَبٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في أنَّ الصَّعِيدَ وجْهُ الأرْضِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِن باطِنِ الأرْضِ، أوْ لِصُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ فَوْقَ الأرْضِ، والطَّيِّبُ الطّاهِرُ، وعَنْ سُفْيانَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المَنبَتُ دُونَ السَّبَخَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ الطَّهارَةِ، والمَعْنى: فَتَعَمَّدُوا واقْصُدُوا شَيْئًا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًا، وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِجَوازِ التَّيَمُّمِ بِالكُحْلِ، والآجُرِّ، والمُرْداسَنْجِ، والياقُوتِ، والفَيْرُوزَجِ، والمَرْجانِ، والزُّمُرُّدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبارٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُحَمَّدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ - وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا أنْ يَعْلَقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ لِتَقْيِيدِ المَسْحِ بِـ(مِنهُ) في المائِدَةِ، وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وهو يَقْتَضِي التُّرابَ، والحَنَفِيَّةُ يَحْمِلُونَها عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخُرُوجِ مَخْرَجَ الأغْلَبِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَدَثِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ. وأغْرَبَ الإمامُ مالِكٌ فَأجازَ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ، وقَدْ شَنَّعَ الشِّيعَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَدِ اعْتَذَرْنا عَنْهُ في كِتابِنا (الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ) ونُصِبَ (صَعِيدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ (فَتَيَمَّمُوا بِصَعِيدٍ). ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَةٌ، والمُرادُ اسْتِيعابُ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالمَسْحِ، حَتّى إذا تَرَكَ شَيْئًا مِنهُما لَمْ يَجُزْ، كَما في الوُضُوءِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايَةِ. وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ عَنِ الإمامِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الأكْثَرَ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِيعابَ في المَمْسُوحاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَما في مَسْحِ الخُفِّ والرَّأْسِ. ووَجْهُ الظّاهِرِ أنَّ التَّيَمُّمَ قائِمٌ مَقامَ الوُضُوءِ، ولِهَذا قالُوا: يُخَلِّلُ الأصابِعَ، ويَنْزِعُ الخاتَمَ؛ لِيُتِمَّ المَسْحَ، والِاسْتِيعابُ في الوُضُوءِ شَرْطٌ، فَكَذا فِيما قامَ مَقامَهُ، والأيْدِي جُمَعُ يَدٍ، وهي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعانٍ، مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الرُّسْغِ وإلى المِرْفَقِ وإلى الإبِطِ، صفحة 44 وهَلْ هي حَقِيقَةٌ في واحِدٍ مِنها مَجازٌ في غَيْرِهِ أوْ حَقِيقَةٌ فِيها جَمِيعًا؟ رَجَّحَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ، ولِذا ذَهَبَ إلى كُلٍّ مِنها بَعْضُ السَّلَفِ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ التَّيَمُّمَ إلى الآباطِ. وأخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ إلى الكُوعِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في كَيْفِيَّةِ تَيَمُّمِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِﷺ: ««أنَّهم مَسَحُوا مِنَ المَرافِقِ إلى الأكُفِّ عَلى مَنابِتِ الشَّعَرِ مِن ظاهِرٍ وباطِنٍ»» ومِن حَدِيثِ أبِي داوُدَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ-: «تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مَرْفِقَيْهِ»» وهَذا مَذْهَبُنا ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ، ويَشْهَدُ لَهُمُ القِياسُ عَلى الوُضُوءِ الَّذِي هو أصْلُهُ، وإنْ كانَ الحَدَثُ والجَنابَةُ فِيهِ كَيْفِيَّةً سَواءً، وكَذا جَوازًا عَلى الصَّحِيحِ المَرْوِيِّ عَنِ المُعْظَمِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَتَيَمَّمُ الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قِيلَ: ومَنشَأُ الخِلافِ فِيما بَيْنَهم حَمْلُ المُلامَسَةِ فِيما سَبَقَ عَلى الوِقاعِ أوِ المَسِّ بِاليَدِ، فَذَهَبَ الأوَّلُونَ إلى الأوَّلِ والآخَرُونَ إلى الأخِيرِ، وقالُوا: القِياسُ أنْ لا يَكُونَ التَّيَمُّمُ طَهُورًا، وإنَّما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُحْدِثِ فَلا يُباحُ لِلْجُنُبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَعْقُولَ المَعْنى حَتّى يَصِحَّ القِياسُ، ولَيْسَتِ الجَنابَةُ في مَعْنى الحَدَثِ لِتَلْحَقَ بِهِ، بَلْ هي فَوْقَهُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في جَوازِ تَيَمُّمِ الجُنُبِ، وإنْ لَمْ تُحْمَلِ المُلامَسَةُ عَلى الوِقاعِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَفْسِيرُها السّابِقُ، عَلى أنَّ الأحادِيثَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «رَأى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ فَقالَ: يا فُلانُ ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصابَتْنِي جَنابَةٌ ولا ماءَ، قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ»» ورُوِيَ: ««أنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالُوا: إنّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمالَ ولَمْ نَجِدِ الماءَ شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ، وفِينا الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلَيْكم بِأرْضِكُمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَلْ يَرْفَعُ التَّيَمُّمُ الحَدَثَ أمْ لا؟ خِلافٌ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ مِنَ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَقْرِيرٌ لَهُما؛ فَإنَّ مَن عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا لا مُعَسِّرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ مِن رَوادِفِ العَفْوِ وتَوابِعِ الغُفْرانِ، وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ الأصْلَ الطِّهارَةُ الكامِلَةُ، وأنَّ غَيْرَها مِنَ الرُّخَصِ مِنَ العَفْوِ والغُفْرانِ. وقِيلَ: العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّيْسِيرِ، كَما في التَّيْسِيرِ، واسْتُدِلَّ عَلى وُرُودِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««عَفَوْتُ لَكم صَدَقَةَ الخَيْلِ والرَّقِيقِ»» وذِكْرُ المَغْفِرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ غَفَرَ ذَنْبَ المُصَلِّينَ سُكارى، وما صَدَرَ عَنْهم في القِراءَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ العَفْوِ عَلى التَّيْسِيرِ في الحَدِيثِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وكَوْنُ ذِكْرِ المَغْفِرَةِ لِما ذُكِرَ بِعِيدٌ.

النساء 4:44

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْجِيبِ المُؤْمِنِينَ مِن سُوءِ حالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُوالاتِهِمْ إثْرَ ذِكْرِ أنْواعِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ شُهْرَةِ شَناعَةِ حالِهِمْ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وخِطابُ سَيِّدِ القَوْمِ في مَقامِ خِطابِهِمْ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وتَعَدِّيها بِـ(إلى) حَمْلًا لَها عَلى النَّظَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً وتَعَدِّيها بِـ(إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ مُنْحَطٌّ في مَقامِ التَّعْجِيبِ وتَشْهِيرِ شَنائِعِهِمْ، ونَظْمِها في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ. والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ يَهُودُ المَدِينَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّها نَزَلَتْ في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكِ بْنِ دَخْشَمٍ، كانا إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَوِيا لِسانَهُما، وعاباهُ، وعَنْهُ أنَّها صفحة 45 نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ كانا يَأْتِيانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ يُثَبِّطانِهِمْ عَنِ الإسْلامِ. والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ، وقِيلَ: الجِنْسُ، وتَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ، وقِيلَ: القُرْآنُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهُ كِتابٌ حَقٌّ، أتى بِهِ نَبِيٌّ صادِقٌ، لا شُبْهَةَ في نُبُوَّتِهِ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. و(بِالَّذِي أُوتُوهُ) ما بُيِّنَ لَهم فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي تَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِرَكاكَةِ آرائِهِمْ في الإهْمالِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ، ومِثْلُهُ ما لَوْ حُمِلَ عَلى التَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَـ(نَصِيبًا) مُبَيِّنَةٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ إثْرَ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أُوتُوا). وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ التَّشْنِيعِ ومَدارِ التَّعْجِيبِ المَفْهُومَيْنِ مَن صَدْرِ الكَلامِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يَخْتارُونَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، أوْ يَسْتَبْدِلُونَها بِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ الحُصُولِ، أوْ حُصُولُهُ لَهم بِالفِعْلِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَأْخُذُونَ الرِّشا، ويُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ، فالضَّلالَةُ هو هَذا التَّحْرِيفُ، أيِ اشْتَرَوْها بِمالِ الرِّشا، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ جُمْلَةَ (يَشْتَرُونَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ (أُوتُوا) أوْ حالٌ مِنَ (الَّذِينَ) وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ تَقْدِيرِ اشْتِرائِهِمُ المَذْكُورِ في الإيتاءِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ، والثّانِي بِأنَّهُ خالٍ عَنْ إفادَةِ أنَّ مادَّةَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ هو الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ . فالأوْجَهُ الِاسْتِئْنافُ، والمَعْطُوفُ شَرِيكٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيما سَبَقَ لَهُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَتْمِ نُعُوتِهِ النّاطِقَةِ بِها التَّوْراةُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أيْضًا ضالِّينَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المُوصِلَ إلى الحَقِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، فَإنْ تَجَدَّدَ حُكْمُ اشْتِرائِهِمُ المَذْكُورُ، وتَكَرَّرَ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ في قُوَّةِ تَجَدُّدِ نَفْسِهِ وتَكَرُّرِهِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا مِنَ التَّشْنِيعِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ: (أنْ يَضِلُّوا) بِالياءِ، بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها

النساء 4:45

﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ، وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ، فاحْذَرُوهُمْ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وبَيانِ التَّحْذِيرِ، وإلّا فَأعْلَمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ، ولا تَكُونُوا في فِكْرٍ مِنهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَكم ويَنْفَعُكم بِما شاءَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ، ولا تُبالُوا بِهِمْ، ولا تَكُونُوا في ضِيقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِأعْدائِهِمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، والباءُ مَزِيدَةٌ في فاعِلِ (كَفى) تَأْكِيدًا لِلنِّسْبَةِ بِما يُفِيدُ الِاتِّصالَ، وهو الباءُ الإلْصاقِيَّةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ هَذِهِ الباءُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: اكْتَفُوا بِاللَّهِ و(ولِيًّا) و(نَصِيرًا) مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعَ إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ كِفايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ.

النساء 4:46

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قِيلَ: بَيانٌ (لِلَّذِينَ أُوتُوا) المُتَناوَلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، والِاهْتِمامِ بِحَثِّهِمْ عَلى صفحة 46 الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفارِسِيَّ قَدْ مَنَعَ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَما ظَنُّكُ بِالثَّلاثِ؟! وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الخِلافَ إذا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ - والجُمَلُ هُنا مُتَعاطِفَةٌ - وبِهِ يَصِيرُ الشَّيْئانِ شَيْئًا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ، لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِلَةٌ لِـ(نَصِيرٍ) أيْ: يَنْصُرُكم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا)، وفِيهِ تَحْجِيرٌ لِواسِعِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِوَضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ، وكَوْنُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وصْفًا مُلائِمًا لِلنَّصْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ويَتَعَيَّنُ هَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، و(مِنَ الَّذِينَ) وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبْتَدَأ إذا وُصِفَ بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ والفَرّاءُ يَجْعَلُ المُبْتَدَأ المَحْذُوفَ اسْمًا مَوْصُولًا و(يُحَرِّفُونَ) صِلَتُهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها (مَن يُحَرِّفُونَ). واعْتُرِضَ هَذا أيْضًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لاشَتْرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ و(الكَلِمُ) اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ كَلِمَةٌ، كَلَبِنَةٍ ولَبِنٍ، ونَبِقَةٍ ونَبِقٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ المُخْتارِ. ولَعَلَّ مَن أطْلَقَهُ عَلَيْهِ أرادَ المَعْنى اللُّغَوِيَّ، أعْنِي ما يَدُلُّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ لَفْظًا، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنًى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعَ (كِلْمَةٍ) تَخْفِيفَ (كَلِمَةٍ) بِنَقْلِ كَسْرَةِ اللّامِ إلى الكافِ، وقُرِئَ (يُحَرِّفُونَ) الكَلامَ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا إمّا ما في التَّوْراةِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ الواقِعَةِ مِنهم في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِما، وتَحْرِيفُ ذَلِكَ إمّا إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ (رَبْعَةً) في نَعْتِ النَّبِيِّﷺووَضْعِهِمْ مَكانَهُ (طِوالٌ) وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ ووَضْعِ الحَدِّ مَوْضِعَهُ، وإمّا صَرَفُهُ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ والتَّمَحُّلاتِ الزّائِغَةِ، كَما تَفْعَلُهُ المُبْتَدَعَةُ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِمْ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ أحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَّنا قَلِيلًا» واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي بَلَغَتْ آحادُ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وانْتَشَرَتْ نُسَخُهُ شَرْقًا وغَرْبًا؟! وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ اشْتِهارِ الكِتابِ في الآفاقِ وبُلُوغِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وفِيهِ بَعْدٌ، وإنْ أُيِّدَ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ في نُسَخِ التَّوْراةِ الَّتِي عِنْدَ طَوائِفِ اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ فَعَلُوا ذَلِكَ في نُسَخٍ مِنَ التَّوْراةِ لِيُضِلُّوا بِها، ولَمّا لَمْ تَرُجْ عَدَلُوا إلى التَّأْوِيلِ، والمُرادُ مِن (مَواضِعِهِ) عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًا كَمَواضِعَ ما في التَّوْراةِ، أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ والدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ. وأصْلُ التَّحْرِيفِ إمالَةُ الشَّيْءِ إلى حَرْفٍ أيْ طَرَفٍ، فَإذا كانَ (يُحَرِّفُونَ) بِمَعْنى يُزِيلُونَ كانَ كِنايَةً؛ لِأنَّهم إذا بَدَّلُوا الكَلِمَ ووَضَعُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ لَزِمَ أنَّهم أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ وحَرَّفُوهُ، والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما يَأْتِي في سُورَةِ المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أنَّ الثّانِيَ أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ مَقارِّ الكَلِمِ واشْتِهارِها مِمّا هُنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الظَّرْفَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَما ثَبُتَ المَوْضِعُ صفحة 47 وتَقَرَّرَ حَرَّفُوهُ عَنْهُ، واخْتارَ ذَلِكَ هُنالِكَ لَأنَّ فِيهِ ما يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالأدَلِّ الأبْلَغِ. (ويَقُولُونَ) عَطْفٌ عَلى (يُحَرِّفُونَ) وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القَوْلُ اللِّسانِيُّ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَ البَعْضُ حَمْلَهُ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ وما يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، ولا يُقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، ولا يُخَصَّصُ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، ويُحْتاجُ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ يَقُولُونَ ويَفْهَمُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ؛ عِنادًا وتَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ. ﴿سَمِعْنا﴾ أيْ: فَهْمِنا ﴿وعَصَيْنا﴾ أيْ: لَمْ نَأْتَمِرْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَمِعْنا﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لِسانِيٌّ، وفي أثْناءِ مُخاطَبَتِهِﷺ وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ، مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ والخَيْرِ، ويُسَمّى في البَدِيعِ بِالتَّوْجِيهِ، كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: خاطَ لِي عَمْرٌو قَباءْ ∗∗∗ لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَواءْ واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوِ (اسْمَعْ غَيْرَ) مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ (اسْمَعْ) نابِي السَّمْعِ عَمّا تَسْمَعُهُ لِكَراهِيَتِهِ عَلَيْكَ، أوِ (اسْمَعْ) كَلامًا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إيّاكَ؛ لِأنَّ أُذُنَيْكَ تَنْبُو عَنْهُ، فَـ(غَيْرَ) إمّا حالٌ لا غَيْرُ، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ، وصَحَّتِ الحالِيَّةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ أنَّ الدُّعاءَ هو المَقْصُودُ لَهُمْ، وأنَّهم لَمّا قَدَّرُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - إجابَتَهُ صارَ كَأنَّهُ واقِعٌ مُقَرَّرٌ، واحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مِنّا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وكانَ أصْلُهُ: أُسْمِعُهُ ما يَكْرَهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا مَنسِيًّا، وتُعُورِفَ في ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - يُخاطِبُونَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِﷺ – اسْتِهْزاءً، مُظْهِرِينَ لَهُﷺالمَعْنى الأخِيرَ، وهم يُضْمِرُونَ سِواهُ. ﴿وراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا، وهو ذُو وجْهَيْنِ كَسابِقِهِ، فاحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ عَلى مَعْنى (أمْهِلْنا وانْظُرْ إلَيْنا) أوِ انْتَظِرْنا نُكَلِّمْكَ، واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِحَمْلِهِ عَلى السَّبِّ، فَفي التَّيْسِيرِ: إنَّ (راعَنا) بِعَيْنِهِ مِمّا يَتَسابُّونَ بِهِ، وهو لِلْوَصْفِ بِالرُّعُونَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُشْبِهُ كَلِمَةَ سَبٍّ عِنْدِهِمْ عِبْرانِيَّةً أوْ سُرْيانِيَّةً، وهي (راعِينا) وقِيلَ: بَلْ كانُوا يُشْبِعُونَ كَسْرَ العَيْنِ، ويَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ - وحاشاهُ ﷺ - بِمَنزِلَةِ خَدَمِهِمْ ورُعاةِ غَنَمِهِمْ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مُظْهِرِينَ الِاحْتِرامَ والتَّوْقِيرَ، مُضْمِرِينَ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ النِّفاقِ ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِالعِصْيانِ لِما قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُخاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ – بِالكُفْرِ، ولا يُخاطِبُونَهُ بِالسَّبِّ والذَّمِّ والدُّعاءِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِإيرادِ السَّماعِ والعِصْيانِ مَعَ التَّحْرِيفِ وإلْقاءِ الكَلامِ المُحْتَمَلِ احْتِيالًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ عَلى هَذا عَدُّ صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لا مُجَرَّدُ التَّحْرِيفِ والِاحْتِيالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُحَرِّفُونَ كِتابَهم ويُجاهِرُونَ بِإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: إنْ قَوْلَهم (سَمِعْنا وعَصَيْنا) لَمْ يَكُنْ بِمَحْضَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا يُنافِي نِفاقَهم في الجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: القَوْلُ نَظَرًا إلى الجُمْلَةِ الأُولى حالِيٌّ وإلى الجُمْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِسانِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ الأُولى أيْضًا ذاتُ وجْهَيْنِ كالأخِيرَتَيْنِ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: أطَعْنا أمْرَكَ وعَصَيْنا أمْرَ قَوْمِنا، صفحة 48 ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ما تَقَدَّمَ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِتَحْرِيفِ الكَلِمِ إمالَتُها عَنْ مَواضِعِها، سَواءٌ كانَتْ مَواضِعَ وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها أوْ جَعَلَها المَقامُ والعُرْفُ مَواضِعَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هم قَوْمٌ عادَتُهُمُ التَّحْرِيفُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ إلَخْ تَعْدادًا لِبَعْضِ تَحْرِيفاتِهِمْ، والمُرادُ: إنَّهم يَقُولُونَ لَكَ: (سَمِعْنا) وعِنْدَ قَوْمِهِمْ (عَصَيْنا) ويَقُولُونَ كَذا وكَذا، فَيُظْهِرُونَ لَكَ شَيْئًا ويُبْطِنُونَ خِلافَهُ. ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ اللَّيُّ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْحِرافِ والِالتِفاتِ والِانْعِطافِ عَنْ جِهَةٍ إلى أُخْرى، ويَكُونُ بِمَعْنى ضَمِّ إحْدى =نَحْوَ= طاقاتِ الحَبْلِ عَلى الأُخْرى. والمُرادُ بِهِ هُنا إمّا صَرْفُ الكَلامِ مِن جانِبِ الخَيْرِ إلى جانِبِ الشَّرِّ، وإمّا ضَمُّ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الآخَرِ، وأصْلُهُ: (لَوِيَ) فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ(يَقُولُونَ) بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقِيلَ: بِالأقْوالِ جَمِيعِها، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيْ: لاوِينَ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكُلٌّ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًا مِن أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ ﴿قالُوا﴾ بِلِسانِ المَقالِ، كَما هو الظّاهِرُ، أوْ بِهِ وبِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ ﴿سَمِعْنا﴾ سَماعَ قَبُولٍ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا﴾ المُرادُ بِهِ سَماعُ الرَّدِّ ﴿وأطَعْنا﴾ مَكانَ قَوْلِهِمْ: عَصَيْنا واسْمَعْ بَدَلَ قَوْلِهِمُ: اسْمَعْ غَيْر مَسْمَع. ﴿وانْظُرْنا﴾ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿راعِنا﴾، ﴿لَكانَ﴾ قَوْلُهم هَذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأنْفَعَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿وأقْوَمَ﴾ أيْ: أعْدَلَ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها، واعْتِبارُ أصْلِ الفِعْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (مِن)، وفي تَقْدِيمِ حالِ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ إيماءٌ إلى أنَّ هِمَمَ اليَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - طَمّاحَةٌ إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والمُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (ثَبَتَ) المُقَدِّرِ لِدَلالَةِ أنْ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُمْ: (سَمْعُنا) إلَخْ، وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ. ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا الأنْفَعَ والأقْوَمَ، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بَعْدُ ﴿إلا قَلِيلا﴾ . اخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِيَ كَوْنَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لَعَنَهُمُ) أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَلْعَنْهُمْ، فَلِهَذا آمَنَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: هو مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ) ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ أنَّ القُرّاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى النَّصْبِ، ويَبْعُدُ مِنهُمُ الِاتِّفاقُ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ، إلّا أنْ يُحْمَلَ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ عَلى لَعْنِ أكْثَرِهِمْ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم وحَّدُوا، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وشَرِيعَتِهِ، والإيمانُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَما في قَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ∗∗∗ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا مَعْدُومًا، إمّا عَلى حَدِّ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ إنْ كانَ المَعْدُومُ إيمانًا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًا مِنَ الإيمانِ فَهو مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أوْ أنَّ ما أحْدَثُوهُ مِنهُ لَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ صفحة 49 عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ كانَ مَعْدُومًا انْعِدامَ الكُلِّ بِجُزْئِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ

النساء 4:47

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ السُّدِّيُّ - في زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُؤَساءَ مِن أحْبارِ يَهُودَ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ لَحَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ الآيَةَ»» ولا يَخْفى أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو شامِلٌ لِمَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم ولِغَيْرِهِمْ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْأوَّلِينَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وأنَّ وصْفَهم بِإيتاءِ الكِتابِ تارَةً وبِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنهُ أُخْرى لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَظَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، ولَمّا كانَ تَفْصِيلُ هاتِيكَ الأحْوالِ والأقْوالِ مِن مَظانِّ إقْلاعِ مَن تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهُدى، مَشْفُوعًا بِالتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿آمِنُوا﴾ إيمانًا شَرْعِيًّا ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ أيْ: بِالَّذِي أنْزَلْناهُ مِن عِنْدِنا عَلى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ القُرْآنِ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ الغَيْرِ المُبَدَّلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِ القُرْآنِ لِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لَها ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ مَعَ لُطْفٍ وحُسْنِ اسْتِدْعاءٍ. وأصْلُ الطَّمْسِ اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، والمُرادُ (آمِنُوا) مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ ما خَطَّهُ البارِي بِقَلَمِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الوُجُوهِ، مِن نُونِ الحاجِبِ، وصادِ العَيْنِ، وألِفِ الأنْفِ، ومِيمِ الفَمِ، فَنَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ، أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقالَ الفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، وحُسَيْنٌ المَغْرِبِيُّ: إنَّ المَعْنى: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَجْعَلَ الوُجُوهَ مَنابِتَ الشَّعَرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها، مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فَإنَّ ما خَلَفَ الوَجْهِ لا تَصْوِيرَ فِيهِ وهو مَنبَتُ الشَّعَرِ أيْضًا، والعَطْفُ بِالفاءِ إمّا عَلى إرادَةِ نُرِيدُ الطَّمْسَ، أوْ عَلى جَعْلِ العَطْفِ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ. وعَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ أنَّ المُرادَ: نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ، بِجَعْلِ العُيُونِ الَّتِي فِيها وما مَعَها في القَفا، فالعَطْفُ بِالفاءِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبَ وجاهَتَهم وإقْبالَهم ونَكْسُوَهم صَغارًا وإدْبارًا، أوْ نَرُدَّهم مِن حَيْثُ جاءُوا مِنهُ، وهي أذْرِعاتُ الشّامِ، فالمُرادُ بِذَلِكَ إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وإلى هَذا المُرادِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ الوَعِيدِ وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ لِلْجَمِيعِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ الوَعِيدَ هَلْ كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؟ فَقالَ جَماعَةٌ: كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِيسى بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: تَذاكَرْنا عِنْدَ إبْراهِيمَ إسْلامَ كَعْبٍ فَقالَ: أسْلَمَ كَعْبٌ في زَمانِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أقْبَلَ وهو يُرِيدُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَمَرَّ عَلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا كَعْبُ أسْلِمْ، قالَ: ألَسْتُمْ تَقْرَءُونَ في كِتابِكُمْ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ ؟! وأنا قَدْ حَمَلْتُ التَّوْراةَ، صفحة 50 فَتَرَكَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتّى انْتَهى إلى حِمْصَ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِن أهْلِها يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: رَبِّ آمَنتُ، رَبِّ أسْلَمْتُ؛ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ وعِيدُها، ثُمَّ رَجَعَ، فَأتى أهْلَهُ بِاليَمَنِ، ثُمَّ جاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وقَدْ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ أتى رَسُولُ اللَّهِﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي إلى قَفايَ». ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ، ولا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ ومَسْخٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، وأُيِّدَ بِتَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) والتَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فِيما يَأْتِي، واعْتَرَضَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ انْصِرافَ العَذابِ المَوْعُودِ عَنْ أوائِلِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ باشَرُوا أسْبابَ نُزُولِهِ ومُوجِباتِ حُلُولِهِ حَيْثُ شاهَدُوا شَواهِدَ النُّبُوَّةِ في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَكَذَّبُوها، وفي التَّوْراةِ فَحَرَّفُوها، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وتَعَلَّقَ بِهِمْ خِطابُ المُشافَهَةِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ نُزُولُهُ عَلى مَن وُجِّهَ بَعْدَما فاتَ مِنَ السِّنِينَ مِن أعْقابِهِمُ الضّالِّينَ بِإضْلالِهِمُ العامِلِينَ بِما مَهَّدُوا مِن قَوانِينَ الغِوايَةِ بِعِيدٌ مِن حِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ. والجَوابُ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَرَتْ مَعَ اليَهُودِ بِأنْ يَنْتَقِمَ مِن أخْلافِهِمْ بِما صَنَعَتْ أسْلافُهُمْ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يُزِيلُ البُعْدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ. وقالَ البَرْسِيُّ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ كانَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، وقَدْ آمَنَ جَماعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ، ورُفِعَ عَنِ الباقِينَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ إسْلامَ البَعْضِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَأكُّدِ نُزُولِ العَذابِ عَلى الباقِينَ لِتَشْدِيدِهِمُ النَّكِيرَ والعِنادَ بَعْدَ ازْدِيادِ الحَقِّ وُضُوحًا وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ أماثِلِهِمُ العُدُولِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِهِ عَنْهم. وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّهُ إذا جازَ أنْ يُنْزِلَ سُبْحانَهُ البَلاءُ عَلى قَوْمٍ بِسَبَبِ عِصْيانِ بَعْضٍ مِنهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ فَلَأنْ يَجُوزَ أنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ عَنِ الكُلِّ بِسَبَبِ طاعَةِ البَعْضِ مِن بابٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ. وقَدْ ورَدَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، ودَعْوى الفِرَقِ مِمّا لا تَكادُ تَسْلَمُ، وقِيلَ: كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في وُقُوعِ الأمْرِ الثّانِي، فَإنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ، وفي كُلِّ زَمانٍ، فاللَّعْنُ بِمَعْناهُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ الإغْراقُ في وصْفِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّعْنَ الواقِعَ عَلَيْهِمْ ما تَداوَلَتْهُ الألْسِنَةُ، وهو بِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَتِهِ أنْ يَكُونَ حُكْمًا لِهَذا الوَعِيدِ، أوْ مَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةٍ لِلْعَنِيدِ، فاللَّعْنُ هُنا الخِزْيُ بِالمَسْخِ، وجَعْلُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ، ولَيْسَ في عَطْفِهِ عَلى الطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ شائِبَةُ دَلالَةٍ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّهُ تَعْبِيرٌ مُغايِرٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى مُغايَرَةِ اللَّعْنِ بِالمَسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُغايَرَتِهِ لِلْمَسْخِ في تِلْكَ الآيَةِ. وذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الوَعِيدَ إنَّما كانَ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحَشْرِ، وسَيَقَعُ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ. وأُجِيبَ عَمّا رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ: الظّاهِرُ في أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاحْتِياطِ وغَلَبَةِ الخَوْفِ اللّائِقِ بِشَأْنِها، وقَدْ ورَدَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ في الحُجُراتِ، ولا يَكادُ يَقِرُّ لَهُ قَرارٌ إذا اشْتَدَّ الهَواءُ ويَقُولُ: «أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ»» مَعَ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ قَبْلَ قِيامِها القائِمَ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّجّالَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، والدّابَّةَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَصَّهُ ﷺ – عَلَيْنا، وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الوَعِيدِ بِالوُقُوعِ في الآخِرَةِ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ الخَتْمُ صفحة 51 عَلى العَيْنِ والفَمِ، والطَّبْعُ عَلَيْهِما، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ و﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا بَعْضُ مَنِ ادَّعى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا فَقالَ: إنَّ المَعْنى آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا بِأنْ نُعْمِيَ الأبْصارَ عَنِ الِاعْتِبارِ، ونُصِمَّ الأسْماعَ عَنِ الإصْغاءِ إلى الحَقِّ بِالطَّبْعِ، ونَرُدَّها عَنِ الهِدايَةِ إلى الضَّلالَةِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، بَلِ المُتَبادَرُ مِنها بِحَسَبِ المَقامِ كَوْنُهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ، وعَلَيْهِ مَبْنى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ. لَكِنْ لَمّا كانَ في وُقُوعِ ذَلِكَ خَفاءٌ واحْتِمالٌ أنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَبْلُغْنا - عَلى ما في التَّيْسِيرِ - مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ورُجِّحَ احْتِمالُ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ، وأيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ مِن بَيْنِ العُقُوباتِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُراعاةُ المُشاكَلَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما أوْجَبَها مِن جِنايَتِهِمُ، الَّتِي هي التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، والفاعِلُ والرّاضِي سَواءٌ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (نَلْعَنَهُمْ) لِأصْحابِ الوُجُوهِ، أوْ (لِلَّذِينَ) عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَمامِ النِّداءِ يَقْتَضِي الظّاهِرُ الخِطابَ، وأمّا قَبْلَهُ فالظّاهِرُ الغَيْبَةُ، ويَجُوزُ الخِطابُ لَكِنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ كَقَوْلِهِ: يا مَن يَعِزُّ عَلَيْنا أنْ نُفارِقَهم وِجْدانُنا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكم عَدَمُ أوْ لِلْوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ. ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ بِإيقاعِ شَيْءٍ ما مِنَ الأشْياءِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ واحِدُ الأُمُورِ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، أيْ: كانَ وعِيدُهُ أوْ ما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ مَفْعُولًا نافِذًا واقِعًا في الحالِ، أوْ كائِنًا في المُسْتَقْبَلِ لا مَحالَةَ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

النساء 4:48

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، ومُؤَكِّدٌ وُجُوبَ امْتِثالِ الأمْرِ بِالإيمانِ، حَيْثُ إنَّهُ لا مَغْفِرَةَ بِدُونِهِ كَما زَعَمَ اليَهُودُ، وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ وفِيهِ أيْضًا إزالَةُ خَوْفِهِمْ مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ إذا آمَنُوا. والشِّرْكُ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا، إمّا في الأُلُوهِيَّةِ أوْ في الرُّبُوبِيَّةِ، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُفْرُ اليَهُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ كَيْفَ كانُوا، ونُزُولُ الآيَةِ في حَقِّ اليَهُودِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي الِانْدِراجُ فِيما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، والمَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ مُطْلَقَةً. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَتَلاها عَلى النّاسِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ بِاللَّهِ؟ فَسَكَتْ، ثُمَّ قامَ إلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى؟ فَسَكَتْ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلَخْ». والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ، وحُكْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا لِسَدِّهِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ. وقِيلَ: لِأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِاسْتِعْدادِ المَحَلِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ، وجَمِيعُ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ (يُشْرَكَ) في مَوْضِعِ صفحة 52 النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لا يَغْفِرُ مِن أجْلِ أنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُفِيدُ عَدَمَ غُفْرانِ الشِّرْكِ مِن بابِ أوْلى، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ هو الأوَّلُ. ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لا مُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ، وفِيهِ إيذانٌ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في القُبْحِ، أيْ: يَغْفِرُ ما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي وإنْ عَظُمَتْ وكانَتْ كَرَمْلِ عالِجٍ، ولَمْ يَتُبْ عَنْها تَفَضُّلًا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًا. ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ فَقَطْ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْفِرُ) المُثْبَتِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الأوَّلَ البَتَّةَ ويَغْفِرُ الثّانِيَ لِمَن يَشاءُ، والجَماعَةُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِما جَمِيعًا ومَغْفِرَتِهِما عِنْدَها بِلا خِلافٍ مِن أحَدٍ. وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ مِنَ الكَبائِرِ، في أنَّهُما يُغْفَرانِ بِالتَّوْبَةِ، ولا يُغْفَرانِ بِدُونِها، فَحَمَلُوا الآيَةَ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الإشْراكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ وهو غَيْرُ التّائِبِ، ويَغْفِرُ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ وهو التّائِبُ، وجَعَلُوا (لِمَن يَشاءُ) مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلَيْنِ، وقَيَّدُوا المَنفِيَّ بِما قُيِّدَ بِهِ المُثْبَتُ عَلى قاعِدَةِ التَّنازُعِ، لَكِنَّ (مَن يَشاءُ) في الأوَّلِ المُصِرُّونَ بِالِاتِّفاقِ، وفي الثّانِي التّائِبُونَ قَضاءً لِحَقِّ التَّقابُلِ، ولَيْسَ هَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ في مَعْنَيَيْنِ مُتَضادَّيْنِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ إنَّما تَعَلَّقَ بِالثّانِي، وقُدِّرَ في الأوَّلِ مِثْلُهُ، والمَعْنى واحِدٌ، لَكِنْ يُقَدَّرُ مَفْعُولُ المَشِيئَةِ في الأوَّلِ عَدَمُ الغُفْرانِ، وفي الثّانِي الغُفْرانُ، بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ هَذا مِنَ التَّنازُعِ مَعَ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقٍ المَشِيئَةِ مِمّا لا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ فاضِلٌ، ولا يَرْتَضِيهِ كامِلٌ، عَلى أنَّهُ لا جِهَةَ لِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ القَيْدَيْنِ بِما خُصِّصَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ لا يُغْفَرُ لِلْمُصِرِّ عِنْدَهم مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما، وسَوْقُ الآيَةِ يُنادِي بِالتَّفْرِقَةِ، وتَقْيِيدُ مَغْفِرَةِ ما دُونُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ عُمُومُ آياتِ الوَعِيدِ بِالمُحافَظَةِ أوْلى مِن آياتٍ الوَعْدِ. وقَدْ ذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أنَّها راجِحَةٌ عَلى آياتِ الوَعِيدِ بِالِاعْتِبارِ مِن ثَمانِيَةِ أوْجُهٍ، سَرَدَها هُناكَ، وزَعَمَ أنَّها لَوْ لَمْ تُقَيَّدْ وقِيلَ بِجَوازِ المَغْفِرَةِ لِمَن لَمْ يَتُبْ لَزِمَ إغْراءُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ بِالمَعْصِيَةِ لِسُهُولَتِها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، والإغْراءُ بِذَلِكَ قَبِيحٌ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُبْطِلَ في مَحَلِّهِ. وأمّا ثانِيًا: فَلِأنْ لَوْ سُلِّمَ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْبِيحُ العَفْوِ شاهِدًا، وهو خِلافُ إجْماعِ العُقَلاءِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهم قالُوا بِوُجُوبِ قَبُولِها، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسْهُلُ عَلى العاصِي الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ أيْضًا ثِقَةً مِنهُ بِالتَّوْبَةِ حَسَبَ وُثُوقِهِ بِالمَغْفِرَةِ، بَلْ أبْلَغُ، مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْبَةَ مَقْدُورَةٌ لَهُ بِخِلافِ المَغْفِرَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ لِما فِيهِ مِنَ الإغْراءِ، وهو خِلافُ الإجْماعِ، فَلَئِنْ قالُوا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالإمْهالِ إلى التَّوْبَةِ قُلْنا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالمَغْفِرَةِ لِإبْهامِ المَوْصُولِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ تُشْتَرَطِ التَّوْبَةُ لَزِمَ المُحاباةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الغُفْرانِ لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ والمُحاباةُ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ تَعالى ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالغُفْرانِ، ولِلْمُتَفَضِّلِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وإنْسانٍ دُونَ إنْسانٍ، وهو عادِلٌ في تَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، ولَيْسَ يَمْنَعُ العَقْلُ والشَّرْعُ مِنَ الفَضْلِ والعَدْلِ كَما لا يَخْفى. ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَن قالَ: إنَّ المَغْفِرَةَ قَدْ جاءَتْ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ دُونَ إسْقاطِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ هُنا حَمْلُها عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ والعُقُوبَةَ غَيْرُ ساقِطَةٍ عَنْهم إجْماعًا، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المَغْفِرَةَ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ صفحة 53 فَلْتُحْمَلْ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى ذَلِكَ بِقَرِينَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ الكُفّارَ وحَذَّرَهم تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ عَنْ تَرْكِ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلَخْ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ بَلْ يُعَجِّلُها ويُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ، فَلا تَنْهَضُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى ما هو مَحَلُّ النِّزاعِ، عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المَغْفِرَةَ فِيها بِمَعْنى إسْقاطِ العُقُوبَةِ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ العُقُوبَةِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ جُمْلَةِ العُقُوباتِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ بَعْضِ أنْواعِها، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِعَدَمِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، بَقِيَ الِاحْتِمالانِ الآخَرانِ، وعَلى الأوَّلِ مِنهُما لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ لا يُعاقِبُ بِكُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أنْ لا يُعاقِبَ بِبَعْضِها، وعَلى الثّانِي لا يَلْزَمُ مِن إسْقاطِ بَعْضِ الأنْواعِ إسْقاطُ البَعْضِ الآخَرِ. وأُجِيبَ بِأنَّ حَمْلَ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى التَّأْخِيرِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَعْنى المُتَبادَرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ حُمِلَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى التَّأْخِيرِ لَزِمَ مِنهُ التَّخْصِيصُ في أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ مُؤَخَّرَةٌ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ رُبَّما كانُوا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأطْيَبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْشِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، وأنْ لا يُفَرَّقَ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِخِلافِ حَمْلِها عَلى الإسْقاطِ. الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِينَ لَمْ يَزالُوا مُجْمِعِينَ عَلى حَمْلِ لِفَظِ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ، وما وقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ هو الصَّوابُ، وضِدُّهُ لا يَكُونُ صَوابًا. وقَوْلُهُمْ: لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا لَوْ حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إلَخْ، قُلْنا: بَلِ المُرادُ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ، وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ سَلْبٌ لِلْغُفْرانِ، فَإذا كانَ المَفْهُومُ مِنَ الغُفْرانِ إسْقاطَ العُقُوبَةِ فَسَلْبُ الغُفْرانِ سَلْبُ السَّلْبِ، فَيَكُونُ إثْباتًا، ومَعْناهُ إقامَةُ العُقُوبَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ إقامَةَ كُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أوْ بَعْضِها لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ العُقُوباتِ المُتَضادَّةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ في حَقِّ الكُفّارِ إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ فِيما دُونَ الشِّرْكِ بِإسْقاطِ كُلِّ عُقُوبَةٍ، وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ. ومِنهم مَن وقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ في هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى زَعَمَ أنْ و(يَغْفِرُ) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ، والنَّفْيُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِما، والآيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ لا لِلتَّفْرِقَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ووَضْعِهِ في غَيْرِ مَواضِعِهِ. ومِنَ الجَماعَةِ مِن قالَ في الرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ يُنافِي وُجُوبَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ ووُجُوبَ الصَّفْحِ بَعْدَها، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ ثَبَتٍ؛ لِأنَّ الوُجُوبَ بِالحِكْمَةِ يُؤَكِّدُ المَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ، وأيْضًا قَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ إلى أنَّ المَشِيئَةَ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ، وهي تَقْتَضِي الوُجُوبَ وتُؤَكِّدُهُ، فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَما يُرَدُّ بِها عَلى المُعْتَزِلَةِ يُرَدُّ بِها عَلى الخَوارِجِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ شِرْكٌ، وأنَّ صاحِبَهُ خالِدٌ في النّارِ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها رَدًّا أيْضًا عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: إنَّ أصْحابَ الكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُعَذَّبُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ عَدِيٍّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّناﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي، فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا ثُمَّ نَطَقْنا ورَجَوْنا»» وقَدِ اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِهَذِهِ الآيَةِ جِدًّا، حَتّى قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ: «أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ . ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ غُفْرانِ الشِّرْكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ صفحة 54 لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ الإشْراكِ، وتَفْظِيعِ حالِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ، أيْ: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَمالِ والجَلالِ أيَّ شِرْكٍ كانَ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ: ارْتَكَبَ ما يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الآثامُ، فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًا، وأصْلُ الِافْتِراءِ مِنَ الفِرى، وهو القَطْعُ، ولِكَوْنِ قِطْعِ الشَّيْءِ مَفْسَدَةً لَهُ غالِبًا غَلَبَ عَلى الإفْسادِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكَذِبِ والشِّرْكِ والظُّلْمِ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَيَقَعُ عَلى اخْتِلاقِ الكَذِبِ، وارْتِكابِ الإثْمِ، وهو المُرادُ هُنا. وهَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اخْتِلاقِ الكَذِبِ وافْتِعالِ ما لا يَصْلُحُ أمْ حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ في الثّانِي؟ قَوْلانِ: أظْهَرُهُما عِنْدَ البَعْضِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أعَمُّ مِنَ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ مَعْنًى عامٌّ وهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ في أصْلِ المَعْنى بِأنَّهُ يُقالُ: فَرَيْتُ الأدِيمَ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ، وأفْرَيْتُهُ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ.

النساء 4:49

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في «رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأطْفالِهِمْ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلْ عَلى أوْلادِنا هَؤُلاءِ مِن ذَنَبٍ؟ فَقالَ: «لا» فَقالُوا: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، فَهَذا الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ والمَعْنى: انْظُرْ إلَيْهِمْ وتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرَ والإثْمِ العَظِيمِ! أوْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُمُ اللَّيْلِيَّةَ والنَّهارِيَّةَ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِكافِرٍ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ! وفي مَعْناهم مَن زَكّى نَفْسَهُ وأثْنى عَلَيْها لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، كالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ ونَحْوِهِ ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وإثْباتٌ لِتَزْكِيَةِ اللَّهِ تَعالى. وكَوْنُ ذَلِكَ لِلْإضْرابِ عَنْ ذَمِّهِمْ بِتِلْكَ التَّزْكِيَةِ إلى ذَمِّهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يُزَكُّونَها في الحَقِيقَةِ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِمَّنْ يَسْتَأْهِلُ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، إذْ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ، وأصْلُ التَّزْكِيَةِ التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ مِنَ القَبِيحِ قَوْلًا - كَما هو ظاهِرٌ - أوْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ و﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ . ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ، أيْ يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ، ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرَهُ، وهو المُرادُ بِالفَتِيلِ، وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ، وكَثِيرًا ما يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، كالنَّقِيرِ لِلنُّقْرَةِ الَّتِي في ظَهْرِها، والقِطْمِيرُ وهو قِشْرَتُها الرَّقِيقَةُ، وقِيلَ: الفَتِيلُ ما خَرَجَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ وكَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ (ولا يُظْلَمُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (مَن) حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، أيْ: والحالُ أنَّهم لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ أصْلًا، بَلْ يُعْطُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كامِلًا، مَعَ ما زَكّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ومَدَحَهم في الدُّنْيا. وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولَيْنِ: مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى، أيْ: لا يُنْقَصُ هَذا مِن ثَوابِهِ ولا ذاكَ مِن عِقابِهِ، والأوَّلُ أمَسُّ بِمَقامِ الوَعِيدِ، وانْتِصابُ (فَتِيلًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ كَقَوْلِكَ: ظَلَمَتُهُ حَقَّهُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، كَقَوْلِكَ: تَصَبَّبْتُ عَرَقًا.

النساء 4:50

صفحة 55 ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ لِزَعْمِهِمْ قَبُولَ اللَّهِ تَعالى وارْتِضاءَهُ إيّاهُمْ، ولِشَناعَةِ هَذا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وُجِّهَ النَّظَرُ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وإلّا فَهم أيْضًا مُفْتَرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِادِّعائِهِمُ الِاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ، والعامِلُ (يَفْتَرُونَ) و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكَذِبِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ، وفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ بِذَلِكَ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ ﴿وكَفى بِهِ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ، وقِيلَ: بِهَذا الكَذِبِ الخاصِّ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ لا يَخْفى كَوْنُهُ مَأْثَمًا مِن بَيْنِ آثامِهِمْ، وهَذا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمًا مُنْكَرًا، والجُمْلَةُ - كَما قالَ عِصامُ المُلَّةُ -: في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرٍ قَدْ، أيْ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ، والحالُ أنَّ ذَلِكَ يُنافِي مَضْمُونَهُ؛ لِأنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ، والآثِمُ بِالإثْمِ المُبِينِ غَيْرُ المُتَحاشِي عَنْهُ مَعَ ظُهُورِهِ، لا يَكُونُ ابْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحَبِيبَهُ، ولا يَكُونُ زَكِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْتِصابُ (إثْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ.

النساء 4:51

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ تَعْجِيبٌ مَن حالٍ أُخْرى لَهُمْ، ووَصْفُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -فِي حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ في جَمْعٍ مِن يَهُودَ، وذَلِكَ أنَّهم خَرَجُوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِﷺ فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلى أبِي سُفْيانَ، فَأحْسَنَ مَثْواهُ، ونَزَلَتِ اليَهُودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ أهْلُ مَكَّةَ: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، ومُحَمَّدٌ ﷺ صاحِبُ كِتابٍ، فَلا يُؤْمَنُ هَذا أنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنكُمْ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ، وآمِن بِهِما، فَفَعَلَ. ثُمَّ قالَ كَعْبٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ لِيَجِئْ مِنكم ثَلاثُونَ ومِنّا ثَلاثُونَ، فَنُلْزِقَ أكْبادَنا بِالكَعْبَةِ، فَنُعاهِدَ رَبَّ البَيْتِ لَنُجْهِدَنَّ عَلى قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمّا فَرَغُوا قالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ، فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًا وأقْرَبَ إلى الحَقِّ نَحْنُ أوْ مُحَمَّدٌ؟ قالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنا، ونَطُوفُ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ فارَقَ دِينَ آبائِهِ، وقَطَّعَ الرَّحِمَ، وفارَقَ الحَرَمَ، ودِينُنا القَدِيمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ، فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدى سَبِيلًا مِمّا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الآيَةَ. والجِبْتُ في الأصْلِ اسْمُ صَنَمٍ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ الجِبْسُ، وهو - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الرَّذِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، فَقُلِبَتْ سِينُهُ تاءً، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعَ: شِرارُ النّاتِ، أيِ النّاسِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، والطّاغُوتُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ باطِلٍ مِن مَعْبُودٍ وغَيْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: الجِبْتُ السّاحِرُ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ - مِن طُرُقٍ - عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ، ومِن طَرِيقِ أبِي اللَّيْثِ عَنْهُ قالَ: الجِبْتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الجِبْتُ السّاحِرُ، بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ الكاهِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الجِبْتَ الشَّيْطانُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتَ الكاهِنُ، وهي رِوايَةٌ صفحة 56 عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وفِي أُخْرى: الجِبْتُ الأصْنامُ، والطّاغُوتُ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْها يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ؛ لِيُضِلُّوا النّاسَ. ومَعْنى الإيمانِ بِهِما إمّا التَّصْدِيقُ بِأنَّهُما آلِهَةٌ وإشْراكُهُما بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا طاعَتُهُما ومُوافَقَتُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، كالتَّعْظِيمِ مَثَلًا، والمُتَبادَرُ المَعْنى الأوَّلُ، أيْ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِأُلُوهِيَّةِ هَذَيْنِ الباطِلَيْنِ، ويُشْرِكُونَهُما في العِبادَةِ مَعَ الإلَهِ الحَقِّ، ويَسْجُدُونَ لَهُما. وأخْرُجُ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وأخْرُجُ أيْ لِأجْلِهِمْ، وفي حَقِّهِمْ، فاللّامُ لَيْسَتْ صِلَةَ القَوْلِ وإلّا لَقِيلَ: (أنْتُمْ) بَدَلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (هَؤُلاءِ) أيِ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ. ﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقَةً، قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ، وإيرادُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأتْباعِهِ بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْرِيفًا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ، وتَخْطِئَةً لِمَن رَجَّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأشْنَعِ القَبائِحِ

النساء 4:52

﴿أُولَئِكَ﴾ القائِلُونَ المُبْعِدُونَ في الضَّلالَةِ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَآلِهِمْ ﴿ومَن يَلْعَنِ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ ﴿اللَّهُ﴾ مِن رَحْمَتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أيْ: ناصِرًا، يَمْنَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا بِشَفاعَةٍ أوْ بِغَيْرِها، وفِيهِ بَيانٌ لِحِرْمانِهِمْ ثَمَرَةَ اسْتِنْصارِهِمْ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وإيماءٌ إلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ، حَيْثُ كانُوا بِضِدِّ هَؤُلاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ قَرَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَن يُقَرِّبْهُ اللَّهُ تَعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ خاذِلًا. وفِي الإتْيانِ بِكَلِمَةِ (لَنْ) وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ يَصْلُحُ لَهُ وتَوْحِيدِ النَّصِيرِ مُنَكَّرًا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُؤْذِنِ بِسَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ العامِّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمُ الأبَدِيِّ عَنِ الظَّفَرِ بِما أمَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى، وإنِ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في (نَصِيرٍ) مُتَوَجِّهَةً لِلنَّفْيِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ﴾ قَوِيَ أمْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ.

النساء 4:53

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ(بَلْ) والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ آلَهُمْ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، وجُحِدَ لِما تَدَّعِيهِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ. وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلْكِ ها هُنا النُّبُوَّةُ، أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ النُّبُوَّةِ حَتّى يَلْزَمَ النّاسُ اتِّباعَهم وإطاعَتَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾ أيْ: أحَدًا، أوِ الفُقَراءَ، أوْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وأتْباعَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿نَقِيرًا﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: هَذا النَّقِيرُ، فَوَضَعَ طَرَفَ الإبْهامِ عَلى باطِنِ السَّبّابَةِ ثُمَّ نَقَرَها، وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قِيلَ: إنَّهم لا نَصِيبَ لَهم مِنَ المُلْكِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ بَلْ لِاسْتِحْقاقِهِمْ حِرْمانَهُ بِسَبَبِ أنَّهم لَوْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ لَما أعْطَوُا النّاسَ أقَلَّ قَلِيلٍ مِنهُ، ومِن حَقِّ مَن أُوتِيَ المُلْكَ الإيتاءُ، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فالفاءُ في (فَإذًا) لِلسَّبَبِيَّةِ والجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، هُوَ: إنْ حَصَلَ لَهم نَصِيبٌ لا، لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ - كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - لَأنَّ الفاءَ لا تَقَعُ في جَوابِ لَوْ، سِيَّما مَعَ إذًا والمُضارِعِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَجْمُوعِ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الَّذِي صفحة 57 وقَعَ، وهو أنَّهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، حَيْثُ كانَتْ لَهم أمْوالٌ وبَساتِينُ وقُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ كالمُلُوكِ، ويَعْقُبُهُ مِنهُمُ البُخْلُ بِأقَلِّ قَلِيلٍ، وفائِدَةُ (إذًا) زِيادَةُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإعْطاءِ سَبَبًا لِلْمَنعِ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الإنْكارَ في الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى الجُمْلَةِ الأوْلى وهو بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي مُتَوَجِّهٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وهو بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، و(إذًا) في الوَجْهَيْنِ مُلْغاةٌ ويَجُوزُ إعْمالُها؛ لِأنَّهُ قَدْ شُرِطَ في إعْمالِها الصَّدارَةُ، فَإذا نُظِرَ إلى كَوْنِها في صَدْرِ جُمْلَتِها أُعْمِلَتْ، وإنْ نُظِرَ إلى العَطْفِ وكَوْنِها تابِعَةً لِغَيْرِها أُهْمِلَتْ، ولِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: (فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ) بِالنَّصْبِ عَلى الإعْمالِ.

النساء 4:54

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ انْتِقالٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِالبُخْلِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، الَّذِي هو أقْبَحُ الرَّذائِلِ المُهْلِكَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِها دُنْيا وأُخْرى، وذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ بَعْدَها لِإنْكارِ الواقِعِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ سَيِّدُهُمْ، بَلْ سَيِّدُ الخَلِيقَةِ عَلى الإطْلاقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإلى هَذا ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، ولَيْسَ هَمُّهُ إلّا النِّكاحُ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلَ مِن هَذا؟» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وذَهَبَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ العَرَبُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُمُ النَّبِيُّ وآلِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ السَّلامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّﷺ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ وإباحَةَ تِسْعِ نِسْوَةٍ، أوْ بِعْثَةَ النَّبِيِّﷺ – مِنهُمْ، ونُزُولَ القُرْآنِ بِلِسانِهِمْ، أوْ جَمْعَهم كِمالاتٍ تَقْصُرُ عَنْها الأمانِيُّ، أوْ تَهْيِئَةَ سَبَبِ رَشادِهِمْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّﷺ –إلَيْهِمْ، والحَسَدُ عَلى هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا نازَعُوهُ في نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّتِي هي إرْشادٌ لِجَمِيعِ النّاسِ فَكَأنَّما حَسَدُوهم جَمْعٌ ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والفاءُ كَما قِيلَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ يَحْسُدُوا النّاسَ عَلى ما أُوتُوا فَقَدْ أخْطَئُوا؛ إذْ لَيْسَ الإيتاءُ بِبِدْعٍ مِنّا؛ لِأنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا ﴿آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: النُّبُوَّةَ، أوْ إتْقانَ العِلْمِ والعَمَلِ، أوِ الأسْرارَ المُودَعَةَ في الكِتابِ، أقْوال. ﴿وآتَيْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الحَسَدِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا هَؤُلاءِ ما آتَيْنا مَعَ كَثْرَةِ الحُسّادِ الجَبابِرَةِ مِن نَمْرُودَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَنْتَفِعِ الحاسِدُ ولَمْ يَتَضَرَّرِ المَحْسُودُ، وأنْ يُرادَ أنَّ حَسَدَهم هَذا في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلُ أسْلافَ هَذا النَّبِيِّ المَحْسُودِ ﷺوأبْناءَ عَمِّهِ ما آتَيْناهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُّوتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟! وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْصِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ المُلْكِ وما قَبْلَهُ مِنَ المُغايَرَةِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ إمّا الإيتاءُ بِالذّاتِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ مِن آلِ إبْراهِيمَ أنْبِياءُ ذُرِّيَّتِهِ، ومِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ مِن (آتَيْناهُمْ) بَعْضُهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وخَصَّهُ السُّدِّيُّ بِما أُحِلَّ لِداوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ كانَ لِلْأوَّلِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، ولِوَلَدِهِ صفحة 58 ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ، ومِثْلُها سُرِّيَّةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وعَلى الثّانِي فالمُرادِ بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُ كُلُّها، فَإنَّ تَشْرِيفَ البَعْضِ بِما ذُكِرَ تَشْرِيفٌ لِلْكُلِّ لِاغْتِنامِهِمْ بِآثارِ ذَلِكَ، واقْتِباسِهِمْ مِن أنْوارٍ. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحِكْمَةَ بِالعِلْمِ، والمُلْكَ العَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ولا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ المُلْكِ العَظِيمِ عَلى النُّبُوَّةِ في غايَةِ البُعْدِ، والحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ أوْلى

النساء 4:55

﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوتِيَ آلَ إبْراهِيمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُ﴾ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، وهَذا في رَأْيٍ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ عَقِيبَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الإلْزامِ، وقِيلَ: لَهُ دَخَلَ في ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الحَسَدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا لَأجْمَعَ عَلَيْهِ أسْلافُهم فَلَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ، كَما أجَمَعُوهم عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ، فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ، فَضَمِيرُ (بِهِ) و(عَنْهُ) عَلى هَذا لِإبْراهِيمَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وجَعْلُ الكَلامِ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ إلَخْ في غايَةِ البُعْدِ. وكَذا جَعْلُ الضَّمِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ نارًا مُسَعَّرَةً مُوقَدَةً إيقادًا شَدِيدًا، أيْ: إنِ انْصَرَفَ عَنْهم بَعْضُ العَذابِ في الدُّنْيا فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سُعَيْرِ جَهَنَّمَ في العُقْبى.

النساء 4:56

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِﷺ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ كَفَرَ بِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالآياتِ إمّا القُرْآنُ أوْ ما يَعُمُّ كُلُّهُ وبَعْضُهُ، أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِها ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أتى بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مُدَعّاهُمْ، و(سَوْفَ) كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وتَنُوبُ عَنْها السِّينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وقَدْ تُذْكَرُ لِلْوَعْدِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، ”وسَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي“ وكَثِيرًا ما تُفِيدُ هي والسِّينُ تَوْكِيدَ الوَعِيدِ، وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: يَدْخُلُونَ - ولا بُدَّ - نارًا هائِلَةً. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أيِ احْتَرَقَتْ وتَهَرَّتْ وتَلاشَتْ، مِن نَضِجَ الثَّمَرُ واللَّحْمُ نَضَجًا ونُضْجًا إذا أدْرَكَ، و(كُلَّما) ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ أيْ أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًا جَدِيدًا مُغايِرًا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَتْ مادَّتُهُ الأصْلِيَّةُ مَوْجُودَةً، بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الإحْراقُ، فَلا يَرِدُ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ؟! وذَلِكَ لِأنَّهُ هو العاصِي بِاعْتِبارِ أصْلِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ إلّا صِفَتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا لا يَكادُ يَسْألُهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِصْيانَ الجِلْدِ وطاعَتَهُ وتَألُّمَهُ وتَلَذُّذَهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الجَماداتِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهو أشْبَهُ الأشْياءِ بِالآلَةِ، فَيَدُ قاتِلِ النَّفْسِ ظُلْمًا - مَثَلًا - آلَةٌ لَهُ كالسَّيْفِ الَّذِي قَتَلَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِأنَّ اليَدَ حامِلَةٌ لِلرُّوحِ والسَّيْفَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا لا يَصْلُحُ وحْدَهُ سَبَبًا لِإعادَةِ اليَدِ بِذاتِها وإحْراقِها دُونَ إعادَةِ السَّيْفِ وإحْراقِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صفحة 59 الحَمْلَ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ، فالحَقُّ أنَّ العَذابَ عَلى النَّفْسِ الحَسّاسَةِ بِأيِّ بَدَنٍ حَلَّتْ، وفي أيِّ جِلْدٍ كانَتْ، وكَذا يُقالُ في النَّعِيمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن يَمْلَأُ زاوِيَةً مِن زَوايا جَهَنَّمَ، وأنَّ سِنَّ الجَهَنَّمِيِّ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَها عَلى طُولِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سِتِّينَ ذِراعًا في عَرْضِ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ولا شَكَّ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمْ يُباشِرُوا الشَّرَّ والخَيْرَ بِتِلْكَ الأجْسامِ، بَلْ مَن أنْصَفَ رَأى أنَّ أجْزاءَ الأبْدانِ في الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى كِمِّيَّتِها كُهُولَةً وشُيُوخَةً، وكَوْنُ الماهِيَّةِ واحِدَةً لا يُفِيدُ؛ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ يُغايِرُ الجِلْدَ الأوَّلَ كَمُغايَرَةِ العَرَضِ لِلْجَوْهَرِ أوِ الإنْسانِ لِلْحَجَرِ، بَلْ كَمُغايَرَةِ زَيْدٍ المُطِيعِ لِعَمْرٍو العاصِي مَثَلًا، عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ أوَّلًا بِبَدَنٍ مِن حَدِيدٍ تُحِلُّهُ الرُّوحُ وثانِيًا بِبَدَنٍ مِن غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَدِيدَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ أُحْرِقَ بِالنّارِ؟! ولَوْلا ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنَ المَعادِ الجُسْمانِيِّ بِحَيْثُ صارَ إنْكارُهُ كُفْرًا لَمْ يُبْعَدْ عَقْلًا القَوْلُ بِالنَّعِيمِ والعَذابِ الرُّوحانِيَّيْنِ فَقَطْ. ولَما تَوَقَّفَ الأمْرُ عَقْلًا عَلى إثْباتِ الأجْسامِ أصْلًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِن هَذا أنِّي أقُولُ بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - ولَكِنِّي أقُولُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعادَتِهِ وإنْ أُمْكِنَتْ. والنُّصُوصُ في هَذا البابِ مُتَعارِضَةٌ، فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ بِعَيْنِها بَعْدَ إعْدامِها، ومِنها ما يَدُلُّ عَلى خَلْقِ مِثْلِها وفَناءِ الأوْلى، ولا أرى بَأْسًا بَعْدَ القَوْلِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ في اعْتِقادِ أيِّ الأمْرَيْنِ كانَ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الكَلامُ في الآياتِ الَّتِي يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى إعادَةِ العَيْنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وما في شَرْحِ البُخارِيِّ لِلسَّفِيرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَزالُ الخُصُومَةُ بَيْنَ النّاسِ حَتّى تَخْتَصِمَ الرُّوحُ والجَسَدُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَتَقُولُ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: أنْتَ فَعَلْتَ، وإنِّي كُنْتُ رِيحًا، ولَوْلاكَ لَمْ أسْتَطِعْ أنْ أعْمَلَ شَيْئًا، ويَقُولُ الجَسَدُ لِلرُّوحِ: أنْتِ أمَرْتِ وأنْتِ سَوَّلْتِ ولَوْلاكِ لَكُنْتُ بِمَنزِلَةِ الجِذْعِ المُلْقى، لا أُحَرِّكُ يَدًا ولا رِجْلًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَقْضِي بَيْنَهُما، فَيَقُولُ لَهُما: إنَّ مَثَلَكُما كَمَثَلِ رَجُلٍ مُقْعَدٍ بَصِيرٍ وآخَرَ ضَرِيرٍ، دَخَلا بُسْتانًا، فَقالَ المُقْعَدُ لِلضَّرِيرِ: إنِّي أرى ها هُنا ثِمارًا لَكِنْ لا أصِلُ إلَيْها، فَقالَ لَهُ الضَّرِيرُ: ارْكَبْنِي فَتَناوْلَها، فَأيُّهُما المُتَعَدِّي؟ فَيَقُولانِ: كِلاهُما، فَيَقُولُ لَهُما المَلَكُ: فَإنَّكُما قَدْ حَكَمْتُما عَلى أنْفُسِكُما، لا أُراهُ صَحِيحًا لِظُهُورِ الفِرَقِ بَيْنَ المِثالِ والمُمَثَّلِ لَهُ، فَإنَّ الحامِلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا شُعُورَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ شُعُورٌ لَكِنْ لا شُعُورَ لَنا بِهِ، ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنْ هَذا التَّبْدِيلَ كَيْفَما كانَ يَكُونُ في السّاعَةِ الواحِدَةِ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ كَعْبٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها، قَرَأْتُها قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالَ هاتِها يا كَعْبُ فَإنْ جِئْتَ بِها سُمِعَتْ كَما سُمِعَتْ مِن رَسُولِ اللَّهِﷺ –صَدَّقْناكَ، قالَ: إنِّي قَرَأْتُها قَبْلُ: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناها جُلُودًا غَيْرَها في السّاعَةِ الواحِدَةِ عِشْرِينَ ومِائَةَ مَرَّةٍ) فَقالَ عُمَرُ: هَكَذا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُحْرَقُ أحَدُهم في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، كُلَّما نَضَّجَتْهُمُ النّارُ وأكَلَتْ لُحُومَهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَعادُوا. ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: لِيَدُومَ ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إدْراكِ العَذابِ بِالذَّوْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يَدْخُلُهُ نُقْصانٌ بِدَوامِ المُلابَسَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِمَرارَةِ العَذابِ مَعَ إيلامِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِهِ مِن حَيْثُ أنَّ القُوَّةَ الذّائِقَةَ أشَدُّ الحَواسِّ تَأْثِيرًا، أوْ عَلى سَرايَتِهِ لِلْباطِنِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَبْدِيلِ الجُلُودِ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إبْقاءِ إدْراكِ العَذابِ وذَوْقِهِ بِحالٍ مَعَ الِاحْتِراقِ أوْ مَعَ بَقاءِ أبْدانِهِمْ عَلى حالِها مَصُونَةً عَنْهُ أنَّ صفحة 60 النَّفْسَ رُبَّما تَتَوَهَّمُ زَوالَ الإدْراكِ بِالِاحْتِراقِ، ولا تَسْتَبْعِدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ أنْ تَكُونَ مَصُونَةً عَنِ التَّألُّمِ والعَذابِ صِيانَةَ بَدَنِها عَنِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ. وقِيلَ: السِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ في النُّضْجِ والتَّبْدِيلِ نَوْعُ إياسٍ لَهُمْ، وتَجْدِيدُ حُزْنٍ عَلى حُزْنٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم نُضْجَ الجُلُودِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ وتَبْدِيلَها زاعِمًا أنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما هو لِلسَّرابِيلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ وسُمِّيَتِ السَّرابِيلُ جُلُودًا لِلْمُجاوِرَةِ، وفِيهِ أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ خِلافَ المَعْلُومِ ضَرُورَةً، وأنَّ السَّرابِيلَ لا تُوصَفُ بِالنُّضْجِ، وكَأنَّهُ ما دَعاهُ إلى هَذا الزَّعْمِ سِوى اسْتِبْعادِ القَوْلِ بِالظّاهِرِ، ولَيْسَ هو بِالبَعِيدِ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ مَنِيعًا لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ، وقِيلَ: إنَّهُ قادِرٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ مِمّا تَواعَدَ أوْ وعَدَ بِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ في تَدْبِيرِهِ وتَقْدِيرِهِ وتَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإصْلاءِ والتَّبْدِيلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ مَعَ ما مَرَّ مِرارًا.

النساء 4:57

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَقَّبَ بَيانَ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ؛ تَكْمِيلًا لِلْمَساءَةِ والمَسَرَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ حالِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا ﷺ وإمّا ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن آمَنَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وعَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ . قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، وفي اخْتِبارِها هُنا واخْتِيارِ (سَوْفَ) في آيَةِ الكُفْرِ ما لا يَخْفى. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (سَنُدْخِلُهُمْ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ المَعايِبِ والأدْناسِ والأخْلاقِ الدَّنِيئَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، لا يَفْعَلْنَ ما يُوحِشُ أزْواجَهُنَّ، ولا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُنَفِّرُ عَنْهُنَّ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (جَنّاتٍ) أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(جَنّاتٍ) بَعْدَ صِفَةٍ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ. والمُرادُ: أزْواجٌ كَثِيرَةٌ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ ﴿ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ أيْ: فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا قُرَّ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى التَّفَيُّؤَ فِيهِ بِرَحْمَتِهِ، إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا حَقِيقَتُهُ ولا يَمْنَعُ مِنهُ عَدَمُ الشَّمْسِ، وإمّا أنَّهُ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ، والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو عادَتُهم في نَحْوِ: (يَوْمٌ أُيْوَمُ ولَيْلٌ ألْيَلُ). وقالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ مُجَرَّدُ لَفْظٍ تابِعٍ لِما اشْتُقَّ مِنهُ، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى وضْعِيٌّ بَلْ هو كَـ(بَسَنٍ) في قَوْلِكَ: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقُرِئَ: (يُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ عَطْفًا عَلى (سَيُدْخِلُهُمْ) لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ . * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ العِلْمِيِّ، ونَهْيٌ لَهم أنْ يُناجُوا رَبَّهم أوْ يَقْرَبُوا مَقامَ الحُضُورِ والمُناجاةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في حالِ كَوْنِهِمْ سُكارى خَمْرِ الهَوى ومَحَبَّةِ الدُّنْيا، أوْ نَوْمِ الغَفْلَةِ حَتّى يَصْحُوا ولا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ مَوْلاهُمْ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ إشْغالِ القَلْبِ بِسِوى الرَّبِّ. وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ المَحَبَّةِ والعِشْقِ الَّذِينَ أسْكَرَهم صفحة 61 شَرابُ لَيْلِي ومُدامُ مَيٍّ فَبَقُوا حَيارى مَبْهُوتِينَ، لا يُمَيِّزُونَ الحَيَّ مِنَ اللَّيِّ، ولا يَعْرِفُونَ الأوْقاتِ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أداءِ شَرائِطِ الصَّلَواتِ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها العارِفُونَ بِي وبِصِفاتِي وأسْمائِي، السُّكارى مِن شَرابِ مَحَبَّتِي، وسَلْسَبِيلِ أُنْسِي، وتَسْنِيمِ قَدَمِي، وزَنْجَبِيلِ قُرْبِي، ومُدامِ عِشْقِي، وعَقارِ مُشاهَدَتِي، إذا كَشَفْتُ لَكم جِمالِي وآنَسْتُكم في مَقامِ رُبُوبِيَّتِي فَلا تُكَلِّفُوا نُفُوسَكم أداءَ الرُّسُومِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّكم في جَنانِ مُشاهَدَتِي، ولَيْسَ في الجَنانِ تَقْيِيدٌ، وإذا سَكَنْتُمْ مِن سُكْرِكم وصِرْتُمْ صاحِينَ بِنَعْتِ التَّمْكِينِ فَأدُّوا ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْكم ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ . وحاصِلُهُ رَفْعُ التَّكْلِيفِ عَنِ المَجْذُوبِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ المُشاهَدَةِ إلى أنْ يَعْقِلُوا ويَصْحُوا، فالإيمانُ عَلى هَذا مَحْمُولٌ عَلى الإيمانِ العَيْنِيِّ، والمَعْنى الأوَّلُ أوْلى بِالإشارَةِ ﴿ولا جُنُبًا﴾ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالِ كَوْنِكم بُعَداءَ عَنِ الحَقِّ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلى النَّفْسِ ولَذّاتِها ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أيْ: سالِكِي طَرِيقٍ مِن طُرُقٍ تَمَتُّعاتِها بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، كَعُبُورِ طَرِيقِ الِاغْتِذاءِ بِالمَأْكَلِ والمُشْرَبِ لِسَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الِاكْتِساءِ لِدَفْعِ ضَرُورَةِ الحَرِّ والقُرِّ وسَتْرِ العَوْرَةِ، أوِ المُباشَرَةِ لِحِفْظِ النَّسْلِ ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ وتَتَطَهَّرُوا بِمِياهِ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ وحُسْنِ التَّنَصُّلِ والِاعْتِذارِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ بِأدْواءِ الرَّذائِلِ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ في بَيْداءِ الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لِطَلَبِ الشَّهَواتِ ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ أيِ: الِاشْتِغالِ بِلَوْثِ المالِ مُلَوَّثًا بِمَحَبَّتِهِ ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ أيْ: لازَمْتُمُ النُّفُوسَ وباشَرْتُمُوها في قَضاءِ وطَرِها ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ عِلْمًا يَهْدِيكم إلى التَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أيْ: فاقْصُدُوا صَعِيدَ اسْتِعْدادِكم أوِ ارْجِعُوا إلى المُرْشِدِينَ أرْبابِ الِاسْتِعْدادِ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أيِ: امْسَحُوا ذَواتِكم وصِفاتِكم بِما يَتَصاعَدُ مِن أنْوارِ اسْتِعْدادِهِمْ، وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِمْ، واسْلُكُوا مَسالِكَهم حَتّى تُمْحى عَنْكم تِلْكَ الهَيْئاتُ المُهْلِكَةُ، وتَبْقى أنْفُسُكم صافِيَةً ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا﴾ يَعْفُو عَمّا صَدَرَ مِنكم بِمُقْتَضى تِلْكَ الهَيْئاتِ ﴿غَفُورًا﴾ يَسْتُرُ الشَّيْنَ بِالزَّيْنِ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أيْ بَعْضًا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ وهو اعْتِرافُهم بِالحَقِّ مَعَ احْتِجابِهِمْ بِرُؤْيَةِ الخَلْقِ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ ويَتْرُكُونَ التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ ﴿ويُرِيدُونَ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ الحَقَّ وهو التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ، وعَدَمُ رُؤْيَةِ الأغْيارِ فَتَكُونُوا مِثْلَهم ﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ بِأعْدائِكُمْ، وعَنى بِهِمْ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ، وسَبَبُ عَداوَتِهِمْ لَهُمُ اخْتِلافُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ فِيهِمْ، ولِهَذا ودُّوا تَكْفِيرَهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَكم بِالتَّوْفِيقِ لِطَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ إيذاءَكم ورَدَّكم عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ. ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ رَجَعُوا عَنْ مُقْتَضى الِاسْتِعْدادِ مِن نَفْيِ السِّوى إلى ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ، واسْتَنْتَجَتْهُ أفْكارُهُمْ، وأيَّدَتْهُ أنْظارُهُمْ، ودَعَتْ إلَيْهِ عُلُومُهُمُ الرَّسْمِيَّةُ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمِ مَعْناها الظّاهِرَ، أيْ أنَّهم يُؤَوِّلُونَ جَمِيعَ ما يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِالوَحْدَةِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِمْ، زاعِمِينَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى لا قَصْدًا ولا تَبَعًا، لا عِبارَةً ولا إشارَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها هَذِهِ المُمْكَناتُ، فَإنَّها كَلِمُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الدَّوالِّ عَلَيْهِ، أوْ كَلِمَهُ بِمَعْنى آثارِ كَلِمِهِ، أعْنِي (كُنِ) المُتَعَدِّدَةَ حَسَبَ تَعَدُّدِ تَعَلُّقاتِ الإرادَةِ. ومَعْنى تَحْرِيفِها عَنْ مَواضِعِها إمالَتُها عَمّا وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن كَوْنِها مَظاهِرَ أسْمائِهِ، فَيُثْبِتُونَ لَها وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ ما يُشْعِرُ بِالوَحْدَةِ أوْ سَمِعْنا ما يُقالُ في هَذِهِ المُمْكَناتِ ﴿وعَصَيْنا﴾ فَلا نَقُولُ بِما تَقُولُونَ، ولا نَعْتَقِدُ ما تَعْتَقِدُونَ، ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِمْ لِلْعارِفِ مُسْتَخِفِّينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ ﴿واسْمَعْ﴾ ما يُعارِضُ ما تَدَّعِيهِ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيْ: لا أسْمَعَكَ اللَّهُ ﴿وراعِنا﴾ يَعْنُونَ رَمْيَهُ بِالرُّعُونَةِ، وهي الحَماقَةُ ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ الَّذِي عَلَيْهِ العارِفُ بِرَبِّهِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: فَهِمُوا عَلَيْهِ الظّاهِرَ، ولَمْ يَفْهَمُوا ما أشارَ إلَيْهِ صفحة 62 مِن عِلْمِ الباطِنِ ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ عَلى قُلُوبِ أوْلِيائِي مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ إذْ كَلُّ باطِنٍ يُخالِفُ الظّاهِرَ فَهو باطِلٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وهي وُجُوهُ القُلُوبِ بِالعَمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ ناظِرَةً إلى الدُّنْيا وزَخارِفَها، بَعْدَ أنْ كانَتْ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُتَوَجِّهَةً إلى ما في المِيثاقِ الأوَّلِ ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ فَنَمْسَخُ صُوَرَهُمُ المَعْنَوِيَّةَ كَما مَسَخْنا صُوَرَ اليَهُودِ الحِسِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِمَن أُوتِيَ كِتابَ الِاسْتِعْدادِ، أمَرَهم بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ وهَدَّدَهم بِإزالَةِ اسْتِعْدادِهِمْ ورَدِّهِمْ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وإبْعادِهِمْ بِالمَسْخِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ لِشِدَّةِ غَيْرَتِهِ ««لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»» ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الشِّرْكَ ثَلاثُ مَراتِبَ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ تَوْبَةٌ: فَشِرْكٌ جَلِيٌّ بِالأعْيانِ، وهو لِلْعَوامِّ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ مَثَلًا، وتَوْبَتُهُ إظْهارُ العُبُودِيَّةِ في إثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ مُصَدَّقًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وشِرْكٌ خَفِيٌّ بِالأوْصافِ، وهو لِلْخَواصِّ، وفُسِّرَ بِشَوْبِ العُبُودِيَّةِ بِالِالتِفاتِ إلى غَيْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْبَتُهُ الِالتِفاتُ عَنْ ذَلِكَ الِالتِفاتِ. وشِرْكٌ أخْفى لِخَواصِّ الخَواصِّ، وهو الأنانِيَّةُ، وتَوْبَتُهُ بِالوَحْدَةِ، وهي فَناءُ النّاسُوتِيَّةِ في بَقاءِ اللّاهُوتِيَّةِ. ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أيَّ شِرْكٍ كانَ مِنَ المَراتِبِ ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ وارْتَكَبَ حَسَبَ مَرْتَبَتِهِ ﴿إثْمًا عَظِيمًا﴾ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، الَّذِينَ لَمْ يُحَصِّلُوا مِن عُلُومِهِمْ سِوى العُجْبِ والكِبْرِ والحَسَدِ والحِقْدِ وسائِرِ الصِّفاتِ الرَّذِيلَةِ ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ كالعارِفِينَ بِهِ، الَّذِينَ لا يَرَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ فِعْلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْجِيبًا مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ويَسَلُكُ في مَسالِكِ القَوْمِ عَلى رَأْيِهِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى مُرَبٍّ مُرْشِدٍ لَهُ مِن ولِيٍّ كامِلٍ أوْ أثارَةٍ مَن عِلْمٍ إلَهِيٍّ كَبَعْضِ المُتَفَلْسِفِينَ مِن أهْلِ الرِّياضاتِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعاءِ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ مِن صِفاتِها وما تَزَكَّتْ، أوْ بِانْتِحالِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ وُجُودِها ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًا لا خَفاءَ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ بَعْضًا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ الجامِعِ، وأُشِيرُ بِهِ إلى عِلْمِ الظّاهِرِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾ أيْ بِجِبْتِ النَّفْسِ ﴿والطّاغُوتِ﴾ أيْ طاغُوتِ الهَوى، فَيَمِيلُونَ مَعَ أنْفُسِهِمْ وهَواهم ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ ﴿هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أبْعَدَهم عَنْ مَعْرِفَتِهِ وقُرْبِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ﴾ أيْ: يُبْعِدُهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ. ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ذَمٌّ لَهم بِالبُخْلِ، الَّذِي هو الوَصْمَةُ الكُبْرى عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِنَ المَعْرِفَةِ وإعْزازِهِمْ بَيْنَ خَلْقِهِ وإرْشادِهِمْ لِمَنِ اسْتَرْشَدَهم ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلى مِلَّتِهِ مِن أهْلِ المَحَبَّةِ والخَلَّةِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ عِلْمَ الظّاهِرِ أوِ الجامِعَ لَهُ ولِعِلْمِ الباطِنِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ عِلْمَ الباطِنِ، أوْ باطِنِ الباطِنِ ﴿وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ وهو الوُصُولُ إلى العَيْنِ، وعَدَمُ الوُقُوفِ عِنْدَ الأثَرِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ أيْ حَجَبُوا عَنْ تَجَلِّياتِ صِفاتِنا وأفْعالِنا، أوْ أنْكَرُوا عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ هم مَظاهِرُ الآياتِ ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ عَظِيمَةً، وهي نارُ القَهْرِ والحِجابِ، أوْ نارُ الحَسَدِ ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ وتَقَطَّعَتْ أمانِيُّ نُفُوسِهِمُ الأمارَةِ ومُقْتَضَياتُ هَواها ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ بِتَجَدُّدِ نَوْعٍ آخَرَ مِن تَجَلِّياتِ القَهْرِ، أوْ بِتَجَدُّدِ نِعَمٍ أُخْرى تَظْهَرُ عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ حَسَدُوهم وأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ ما دامُوا مُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ الرَّذائِلِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات﴾ أيِ الأعْمالَ الَّتِي يَصْلُحُونَ بِها لِقَبُولِ التَّجَلِّياتِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، ولَبَنِ الفِطْرَةِ، وخَمْرِ الشُّهُودِ، وعَسَلِ الكَشْفِ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لِبَقاءِ أرْواحِهِمُ صفحة 63 المُفاضَةِ عَلَيْها ما يُرَوِّحُها ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ الَّتِي يَلْتَذُّونَ بِها ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ مَن لَوَثِ النَّقْصِ ﴿ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ وهو ظِلُّ الوُجُودِ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُمْ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ، فَلا فَضْلَ إلّا فَضْلُهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ بِأبْلَغِ وجْهٍ إلى بَعْضِ أُمَّهاتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:

النساء 4:58

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ دَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَلَمّا أتاهُ قالَ: أرِنِي المِفْتاحَ، فَأتاهُ بِهِ، فَلَمّا بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهِ، قامَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْعَلْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أرِنِي المِفْتاحَ يا عُثْمانُ، فَبَسَطَ يَدَهُ يُعْطِيهِ، فَقالَ العَبّاسُ مِثْلَ كَلِمَتِهِ الأُولى، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا عُثْمانُ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَهاتِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقامَ فَفَتَحَ الكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيها تِمْثالَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُ قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما لِلْمُشْرِكِينَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وما شَأْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَأْنُ القِداحِ، وأزالَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ في الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ هَذِهِ القِبْلَةُ، ثُمَّ خَرَجَ فَطافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما ذُكِرَ لَنا بِرَدِّ المِفْتاحِ، فَدَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَأعْطاهُ المِفْتاحَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآيَةَ». وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ حِينَ أُعْطِيَ المِفْتاحَ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةَ لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» يَعْنِي سِدانَةَ الكَعْبَةِ». وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ عُثْمانَ دَفَعَ المِفْتاحَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَهو في يَدِ ولَدِهِ إلى اليَوْمِ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والبَغْوِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ عُثْمانَ امْتَنَعَ عَنْ إعْطاءِ المِفْتاحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – الكَعْبَةَ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يَجْمَعَ لَهُ السِّدانَةَ والسِّقايَةَ فَنَزَلَتْ، فَأمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَرُدَّ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ، ونُزُولِ الوَحْيِ بِأنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا»» وما ذَكَرْناهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ. أمّا أوَّلًا: فَلِما قالَ الأشْمُونِيُّ: إنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ أنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ في هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ، والنَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِهِ، والذَّهَبِيُّ وغَيْرُهم. وأمّا ثانِيًا: فَلِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ هو الصَّحِيحُ. وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ المِفْتاحَ عَلى هَذا لا يُعَدُّ أمانَةً؛ لِأنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أخَذَهُ مِنهُ قَهْرًا، وما هَذا شَأْنُهُ هو الغَصْبُ لا الأمانَةُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ أمانَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ نَزْعَهُ مِنهُ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الغاصِبَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كالمُؤْتَمَنِ في قَصْدِ الرَّدِّ، أوْ إلى أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَمّا قَصَدَ بِأخْذِهِ الخَيْرَ - وكانَ أيْضًا بِأمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جُعِلَ كالمُؤْتَمَنِ في أنَّهُ لا ذَنْبَ عَلَيْهِ، لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ. وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ يَعُمُّ كُلَّ أحَدٍ، كَما أنَّ الأماناتِ - وهي جُمَعُ أمانَةٍ - مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ، نَعَمِ، الحُقُوقُ المُتَعَلِّقَةُ بِذِمَمِهِمْ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ سَواءٌ كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وعُمُومُ الحُكْمِ لا يُنافِي خُصُوصَ السَّبَبِ، وقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ صفحة 64 أنَّ هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ الأمْرِ أنْ يَقُومُوا بِرِعايَةِ الرَّعِيَّةِ، وحَمْلِهِمْ عَلى مُوجِبِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ تَوْلِيَةَ المَناصِبِ مُسْتَحِقِّيها، وجَعَلُوا الخِطابَ الآتِيَ لَهم أيْضًا. وفِي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ(إنَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، والدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ»». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««أرْبَعٌ إذا كُنَّ فِيكَ فَلا عَلَيْكَ فِيما فاتَكَ مِنَ الدُّنْيا: حِفْظُ أمانَةٍ، وصِدْقُ حَدِيثٍ، وحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وعِفَّةُ طُعْمَةٍ»». وأخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ: «ثَلاثٌ تُؤَدَّيْنَ إلى البَرِّ والفاجِرِ: الرَّحِمُ تُوصَلُ بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً، والأمانَةُ تُؤَدّى إلى البَرِّ والفاجِرِ، والعَهْدُ يُوَفّى بِهِ لِلْبَرِّ والفاجِرِ». وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»،» والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وقُرِئَ: (الأمانَةَ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ، أيْ يَأْمُرُكم بِأداءِ أيِّ أمانَةٍ كانَتْ. ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِ الغَيْرِ إلى أصْحابِها إثْرَ الأمْرِ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ، فالواوُ لِلْعَطْفِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ (أنْ) وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أنْ تُؤَدُّوا) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: ويَأْمُرُكم (أنْ تَحْكُمُوا) بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِذَلِكَ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ النّاسِ مِمَّنْ يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكم أوْ يَرْضى بِحُكْمِكُمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ تَقَدُّمِ الظَّرْفِ المَعْمُولِ لِما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ، والفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وفي التَّسْهِيلِ: الفَصْلُ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بِالظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ جائِزٌ ولَيْسَ ضَرُورَةً خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولِقِيامِ الخِلافِ في المَسْألَةِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، أيْ: وأنْ تَحْكُمُوا إذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا لِيَسْلَمَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ تَأْدِيَةَ الأمانَةِ لَيْسَتْ وقْتَ الحُكُومَةِ، والمُرادُ بِالحُكْمِ ما كانَ عَنْ وِلايَةٍ عامَّةٍ أوْ خاصَّةٍ، وأدْخَلُوا في ذَلِكَ ما كانَ عَنْ تَحْكِيمٍ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صَبِيَّيْنِ ارْتَفَعا إلى الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ابْنِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في خَطٍّ كَتَباهُ، وحَكَّماهُ في ذَلِكَ لِيَحْكُمَ أيُّ الخَطَّيْنِ أجْوَدُ، فَبَصُرَ بِهِ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ كَيْفَ تَحْكُمُ؛ فَإنَّ هَذا حُكْمٌ، واللَّهُ تَعالى سائِلُكَ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، مُتَضَمِّنَةٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِالمُخاطَبِينَ، وحَسَنِ اسْتِدْعائِهِمْ إلى الِامْتِثالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةَ، وهو اسْمُ (إنَّ) وجُمْلَةُ (نِعِمّا يَعِظُكُمْ) خَبَرُها و(ما) إمّا بِمَعْنى الشَّيْءِ مَعْرِفَةً تامَّةً و(يَعِظُكُمْ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وهو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ، أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ، ويَجُوزُ نِعْمَ هو أيِ الشَّيْءُ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، وما بَعْدَها صِلَتُها، وهو فاعِلٌ (نِعْمَ) والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، أيْ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ تَأْدِيَةُ الأمانَةِ والحُكْمُ بِالعَدْلِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ فاعِلَ نِعْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا لَزِمَ أنْ صفحة 65 يَكُونَ مُحَلّى بِلامِ الجِنْسِ، أوْ مُضافًا إلَيْهِ، كَما في المُفَصَّلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ قِيامَ (ما) إذا كانَتْ مَعْرِفَةً تامَّةً مَقامُهُ، وابْنُ السَّرّاجِ أيْضًا جَوَّزَ قِيامَ المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِوُقُوعِ (ما) تَمْيِيزًا بِأنَّها مُساوِيَةٌ لِلْمُضْمَرِ في الإبْهامِ فَلا تُمَيِّزُهُ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ جِنْسِ المُمَيَّزِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها مُساوِيَةً لَهُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها شَيْءٌ عَظِيمٌ، والضَّمِيرُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ (ما) كافَّةٌ، فَتَدَبَّرْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيما في (نِعِمّا) مِنَ القِرَءاتِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ومِنها أقْوالُكم ﴿بَصِيرًا﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن ذَلِكَ أفْعالُكُمْ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّﷺقالَ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «سَوِّ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ في لِحْظِكَ ولَفْظِكَ»».

النساء 4:59

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَما أمَرَ سُبْحانَهُ وُلاةَ الأُمُورِ بِالعُمُومِ أوِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأمانَةِ والعَدْلِ في الحُكُومَةِ أمَرَ النّاسَ بِإطاعَتِهِمْ في ضِمْنِ إطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإطاعَةِ رَسُولِهِﷺ حَيْثُ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الزَمُوا طاعَتَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ المَبْعُوثَ لِتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْكم في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ أيْضًا. وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ وأطِيعُوا الرَّسُولَ في السُّنَنِ، والأوَّلُ أوْلى، وأعادَ الفِعْلَ - وإنْ كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُقْتَرِنَةً بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى - اعْتِناءً بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَطْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ لا يَجِبُ امْتِثالُ ما لَيْسَ في القُرْآنِ، وإيذانًا بِأنَّ لَهُﷺاسْتِقْلالًا بِالطّاعَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يُعَدْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ إيذانًا بِأنَّهم لا اسْتِقْلالَ لَهم فِيها اسْتِقْلالَ الرَّسُولِﷺ واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِمْ فَقِيلَ: أُمَراءُ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِﷺ –وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ وفِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ فَسارُوا قِبَلَ القَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ، فَلَمّا بَلَغُوا قَرِيبًا مِنهم عَرَّسُوا، وأتاهم ذُو العُيَيْنَتَيْنِ، فَأخْبَرَهُمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ هَرَبُوا غَيْرَ رَجُلٍ أمَرَ أهْلَهُ فَجَمَعُوا مَتاعَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلُ يَمْشِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَتّى أتى عَسْكَرَ خالِدٍ يَسْألُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وشَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ قَوْمِي لَمّا سَمِعُوا بِكم هَرَبُوا وإنِّي بَقِيتُ، فَهَلْ إسْلامِي نافِعِي غَدًا وإلّا هَرَبْتُ؟ فَقالَ عَمّارٌ: بَلْ هو يَنْفَعُكَ، فَأقِمْ، فَأقامَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا غَيْرَ الرَّجُلِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَبَلَغَ عَمّارًا الخَبَرُ فَأتى خالِدًا فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَّجُلِ؛ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وهو في أمانٍ مِنِّي، قالَ خالِدٌ: وفِيمَ أنْتَ تُجِيرُ؟ فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَشْتُمُنِي؟! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا؛ فَإنَّ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى» فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى أخَذَ بِثَوْبِهِ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَرَضِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلى هَذا أنَّ في عَدَمِ إطاعَتِهِمْ ولا سُلْطانَ ولا حاضِرَةَ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العِلْمِ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وجَماعَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أبُو العالِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 66 ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فَإنَّ العُلَماءَ هُمُ المُسْتَنْبِطُونَ المُسْتَخْرِجُونَ لِلْأحْكامِ، وحَمَلَهُ ْكَثِيرٌ - ولَيْسَ بِبَعِيدٍ - عَلى ما يَعُمُّ الجَمِيعَ؛ لِتَناوُلِ الِاسْمِ لَهُمْ؛ لِأنَّ لِلْأُمَراءِ تَدْبِيرَ أمْرِ الجَيْشِ والقِتالِ، ولِلْعُلَماءِ حِفْظُ الشَّرِيعَةِ وما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ. واسْتُشْكِلَ إرادَةُ العُلَماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، والشَّيْءُ خاصٌّ بِأمْرِ الدِّينِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والمَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فارْجِعُوا فِيهِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى كِتابِهِ ﴿والرَّسُولِ﴾ أيْ: إلى سُنَّتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يُلائِمُ حَمْلَ أُولِي الأمْرِ عَلى الأُمَراءِ دُونَ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ والعامَّةِ مُنازَعَةَ الأُمَراءِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَيْسَ لَهم مُنازَعَةُ العُلَماءِ، إذِ المُرادُ بِهِمُ المُجْتَهِدُونَ، والنّاسِ مِمَّنْ سِواهم لا يُنازِعُونَهم في أحْكامِهِمْ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ فِيهِ لِأُولِي الأمْرِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِيَصِحَّ إرادَةُ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلْمُجْتَهِدِينَ أنْ يُنازِعَ بَعْضُهم بَعْضًا مُجادَلَةً ومُحاجَّةً، فَيَكُونُ المُرادُ: أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ الأعَمِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكُونَ المُنازَعَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولِي الأمْرِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأفْرادِ وهُمُ الأُمَراءُ، ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الطّاعَةِ لَهم ما دامُوا عَلى الحَقِّ، فَلا يَجِبُ طاعَتُهم فِيما خالَفَ الشَّرْعَ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا طاعَةَ لِبَشَرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى»» وأخْرَجَ هو وأحْمَدُ، والشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْهُ أيْضًا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – سَرِيَّةً واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَأمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْمَعُوا لَهُ ويُطِيعُوا، فَأغْضَبُوهُ في شَيْءٍ فَقالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا، قالَ: أوْقِدُوا نارًا، فَأوْقَدُوا نارًا، قالَ: ألَمْ يَأْمُرْكُمْﷺأنْ تَسْمَعُوا لِي وتُطِيعُوا؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فادْخُلُوها، فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وقالُوا: إنَّما فَرَرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ النّارِ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النّارُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِﷺذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ دَخَلُوها ما خَرَجُوا مِنها، إنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ»». وهَلْ يَشْمَلُ المُباحَ أمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجِبُ طاعَتُهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا أنْ يُحَلِّلَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: تَجِبُ أيْضًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الشّافِعِيَّةِ: يَجِبُ طاعَةُ الإمامِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِمُحَرَّمٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما أمَرَّ بِهِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لا يَجِبُ امْتِثالُهُ إلّا ظاهِرًا فَقَطْ، بِخِلافِ ما فِيهِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وكَذا يُقالُ في المُباحِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ هَلِ العِبْرَةُ بِالمُباحِ والمَندُوبِ المَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِقادِ الآمِرِ؟ فَإذا أمَرَ بِمُباحٍ عِنْدَهُ سُنَّةٍ عِنْدَ المَأْمُورِ يَجِبُ امْتِثالُهُ ظاهِرًا فَقَطْ، أوِ المَأْمُورِ فَيَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وبِالعَكْسِ فَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وظاهِرُ إطْلاقِهِمْ في مَسْألَةِ أمْرِ الإمامِ النّاسَ بِالصَّوْمِ لِلِاسْتِسْقاءِ الثّانِي؛ لِأنَّهم لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ المَأْمُورِ بِهِ هُناكَ مَندُوبًا عِنْدَ الآمِرِ أوْ لا، وأُيِّدَ بِما قَرَّرُوهُ في بابِ الِاقْتِداءِ مِن أنَّ العِبْرَةَ بِاعْتِقادِ المَأْمُومِ لا الإمامِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قالَهُ أصْحابُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَلْيُراجَعْ. هَذا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أنْكَرَ القِياسَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الرَّدَّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القِياسِ، بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ المُرادَ بِإطاعَةِ اللَّهِ العَمَلُ بِالكِتابِ، وبِإطاعَةِ الرَّسُولِ العَمَلُ بِالسُّنَّةِ، وبِالرَّدِّ إلَيْهِما القِياسُ؛ صفحة 67 لِأنَّ رَدَّ المُخْتَلَفِ فِيهِ الغَيْرِ المَعْلُومِ مِنَ النَّصِّ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ القِياسُ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ، وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ أنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزاعِ يُعْمَلُ بِما اتُّفِقَ عَلَيْهِ، وهو الإجْماعُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ الأخِيرِ الوارِدِ في مَحَلِّ النِّزاعِ، إذْ هو المُحْتاجُ إلى التَّحْذِيرِ عَنِ المُخالَفَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والكَلامُ عَلى حَدِّ (إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي) فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يُوجِبُ امْتِثالَ أمْرِهِ، وكَذا الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِما فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ (ذَلِكَ) أيِ الرَّدُّ المَأْمُورُ بِهِ العَظِيمُ الشَّأْنِ، ولَوْ حُمِلَ كَما قِيلَ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ عَلى التَّفْرِيعِ لَحَسُنَ. وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ، أيْ: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُولِي الأمْرِ، ورَدُّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (خَيْرٌ) لَكم وأصْلَحُ (وأحْسَنُ) أيْ: أحْمَدُ في نَفْسِهِ (تَأْوِيلًا) أيْ: عاقِبَةً، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِالكَمالِ عَلى خِلافِ المَوْضُوعِ لَهُ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي أنَّ الأغْلَبَ تَعَلُّقُ أنْظارِ النّاسِ بِما يَنْفَعُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ (خَيْرٌ) لَكم في الدُّنْيا، (وأحْسَنُ) عاقِبَةً في الآخِرَةِ، ووَجْهُ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ أظْهَرُ. وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ (أحْسَنُ تَأْوِيلًا) مِن تَأْوِيلِكم أنْتُمْ إيّاهُ مِن غَيْرِ رَدٍّ إلى أصْلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِﷺ فالتَّأْوِيلُ إمّا بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى المَآلِ والعاقِبَةِ، وإمّا بِمَعْنى بَيانِ المُرادِ مِنَ اللَّفْظِ الغَيْرِ الظّاهِرِ مِنهُ، وكُلاهُما حَقِيقَةٌ، وإنْ غَلَبَ الثّانِي في العُرْفِ، ولِذا يُقابِلُ التَّفْسِيرَ.

النساء 4:60

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَعْجِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ ﴿إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الزَّعْمِ وهو كَما في القامُوسِ مُثَلَّثُ القَوْلِ: الحَقُّ والباطِلُ والكَذِبُ ضِدٌّ، وأكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يُشَكُّ فِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى القَوْلِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ»» وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «زَعَمَ رَسُولُكَ» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ مِن قَوْلِهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ كَذا في أشْياءَ يَرْتَضِيها، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: أنَّ زَعَمَ في كُلِّ هَذا بِمَعْنى القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الِادِّعاءِ، أيْ يَدَّعُونَ ﴿أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيِ: القُرْآنِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وهو التَّوْراةُ، ووُصِفُوا بِهَذا الِادِّعاءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ، وقُرِئَ: (أنْزَلَ) و(أنْزَلَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ بَيانٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ عَلى قِياسِ نَظائِرِهِ. أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ - يُقالُ لَهُ بِشْرٌ - خاصَمَ يَهُودِيًّا، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّﷺ ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى النَّبِيِّﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالَ نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: قَضى لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِﷺ –فَنَزَلَتْ». وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: وقالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ عُمَرَ فَرَقَّ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَمّاهُ النَّبِيُّ، ﷺ الفارُوقَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ». والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ صفحة 68 بْنُ الأشْرَفِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى كَثِيرِ الطُّغْيانِ، أوْ أنَّهُ عَلَمٌ لُقِّبَ لَهُ كالفارُوقِ لَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ في مُقابَلَةِ الطّاغُوتِ، وفي مَعْناهُ كُلُّ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤْثِرُ لِأجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطّاغُوتُ بِمَعْنى الشَّيْطانِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأخَسِّ بْنِ الأشْرَفِ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ حَقِيقَةٌ، والتَّجَوُّزُ في إسْنادِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ. وقِيلَ: إنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ عَنِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ أُناسٌ مَن يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَدْ أسْلَمُوا، ونافَقَ بَعْضُهُمْ، وكانَتْ بَيْنَهم خُصُومَةٌ في قَتِيلٍ، فَأبى المُنافِقُونَ مِنهم إلّا التَّحاكُمَ إلى أبِي بَرْزَةَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: أعْظِمُوا اللُّقْمَةَ، فَقالُوا: لَكَ عَشَرَةُ أوْساقٍ، فَقالَ: لا، بَلْ مِائَةُ وسْقٍ، فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ فَوْقَ العَشَرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ. وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَفْظِيعِ التَّحاكُمِ نَفْسِهِ ما لا يَخْفى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِوَصْفِ المُنافِقِينَ بِادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ خَبَرِ الطَّبَرانِيِّ عَلَيْهِ بِحَمْلِ المُسْلِمِينَ فِيهِ عَلى المُنافِقِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُرِيدُونَ) وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْجِيبِ كالوَصْفِ السّابِقِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى الطّاغُوتِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنهُ الشَّيْطانُ، وإلّا فَهو عائِدٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ لا الذّاتِ، أيْ: أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِمَن هو كَثِيرُ الطُّغْيانِ أوْ شَبِيهٌ بِالشَّيْطانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّحاكُمِ المَفْهُومِ مِن (يَتَحاكَمُوا) وفِيهِ بُعْدٌ. وقَرَأ عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ (بِها)، وقُرِئَ (بِهِنَّ)، والضَّمِيرُ أيْضًا لِلطّاغُوتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وإذا أُرِيدَ الثّانِي أُنِّثَ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَماعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ. ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، داخِلَةٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، وفِيها عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى (يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الشَّيْطانِ) وهو بِصَدَدِ إرادَةِ إضْلالِهِمْ، ولا يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ وأنْتَ بِصَدَدِ إرادَةِ هِدايَتِهِمْ و(ضَلالًا) إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وإمّا مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، أيْ (فَيَضِلُّونَ ضَلالًا) ووَصْفُهُ بِالبُعْدِ الَّذِي هو نَعْتُ مَوْصُوفِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

النساء 4:61

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ الزّاعِمِينَ ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ المَبْعُوثِ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ ﴿رَأيْتَ﴾ أيْ: أبْصَرْتَ، أوْ عَلِمْتَ ﴿المُنافِقِينَ﴾ وهُمُ الزّاعِمُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ وذَمِّهِمْ بِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: رَأيْتَهم لِنِفاقِهِمْ ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ ﴿عَنْكَ صُدُودًا﴾ أيْ: إعْراضًا، أيُّ إعْراضٍ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ، وعُزِيَ إلى الخَلِيلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(صَدَّ) اللّازِمِ، والصَّدُّ مَصْدَرٌ لِلْمُتَعَدِّي. ودَعْوى أنَّ (يَصُدُّونَ) هُنا مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، أيْ يَصُدُّونَ المُتَحاكِمِينَ أيْ يَمْنَعُونَهم مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (تَعالُوا) بِضَمِّ اللّامِ، عَلى أنَّهُ حُذِفَ لامُ الفِعْلِ اعْتِباطًا، كَما قالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، وأصْلُها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ، وكَما قالَ الكِسائِيُّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها آيِيَةٌ كَفاعِلَةٍ، فَصارَتِ اللّامُ كاللّامِ فَضُمَّتْ لِلْواوِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ، وهو لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ، أثْبَتَها ابْنُ جِنِّيٍّ، فَلا عِبْرَةَ بِمَن لَحَنَ كابْنِ هِشامٍ الحَمْدانِيِّ صفحة 69 فِيها حَيْثُ يَقُولُ: أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (تَعالَيِ) الأُولى مَفْتُوحَةُ اللّامِ، والثّانِيَةُ مَكْسُورَتُها لِلْقافِيَةِ كَما لا يَخْفى. وأصْلُ مَعْنى هَذا الفِعْلِ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ عالٍ،

النساء 4:62

ثُمَّ عُمِّمَ، ﴿فَكَيْفَ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهُمْ﴾ نالَتْهم ﴿مُصِيبَةٌ﴾ نَكْبَةٌ تُظْهِرُ نِفاقَهم ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الجِناياتِ، كالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ والإعْراضِ عَنْ حُكْمِكَ ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ، وهو عَطْفٌ عَلى (أصابَتْهُمْ) والمُرادُ تَهْوِيلُ ما دَهاهُمْ، وقِيلَ: عَلى (يَصُدُّونَ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوكَ) أيْ: حالِفِينَ لَكَ بِاللَّهِ ﴿إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ ﴿إلا إحْسانًا﴾ إلى الخُصُومِ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ بَيْنَهُمْ، ولَمْ نُرِدْ بِالمُرافَعَةِ إلى غَيْرِكَ عَدَمَ الرِّضا بِحُكْمِكَ فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا. وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ويَعْتَذِرُونَ ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ، وقِيلَ: جاءَ أصْحابُ القَتِيلِ طالِبِينَ بِدَمِهِ، وقالُوا: إنْ أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا، ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، فَإذا عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ دُونَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والمُصِيبَةُ ما أصابَهُ وأصْحابَهُ مِنَ الذُّلِّ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ مُرَيْسِيعٍ حِينَ نَزَلَتْ سُورَةُ (المُنافِقِينَ) فاضْطَرُّوا إلى الخُشُوعِ والِاعْتِذارِ عَلى ما سُيَذْكَرُ في مَحَلِّهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقالُوا: ما أرَدْنا بِالكَلامِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُتَنازِعَيْنِ في تِلْكَ الغَزْوَةِ إلّا الخَيْرَ، أوْ مُصِيبَةُ المَوْتِ لَمّا تَضَرَّعَ إلى رَسُولِ اللَّهِﷺ في الإقالَةِ والِاسْتِغْفارِ، واسْتَوْهَبَهُ ثَوْبَهُ لِيَتَّقِيَ بِهِ النّارَ.

النساء 4:63

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ المَذْكُورُونَ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِن (بَناتِ غَيْرٍ) وجاءُوا بِهِ مِن أُذُنَيْ عَناقٍ. ﴿فَأعْرِضْ﴾ حَيْثُ كانَتْ حالُهم كَذَلِكَ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الإعْراضُ عَنْ طَلَبِهِمْ دَمَ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ هَدَرٌ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ، ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ حَتّى يَبْقُوا عَلى نِيرانِ الوَجِلِ. ﴿وعِظْهُمْ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَنِ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ قُلْ لَهم خالِيًا لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ؛ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ النَّصِيحَةِ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ، أوْ قُلْ لَهم في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ ومَعْناها ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ، مُطابِقًا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ، فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(بَلِيغًا) وهو ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ عِنْدَهم لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقَدُّمُ عامِلِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ ظَرْفًا، وقَوّاهُ البَعْضُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وفِيهِ بُعْدٌ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ: (قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ) مُؤَثِّرًا فِيها يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، والإيذانُ بِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمُ الخَبِيثَةُ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِما تَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي، وإنَّما هَذِهِ المَكافَّةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ، ولَئِنْ أظْهَرُوا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مَن نَفَقِ النِّفاقِ لَتُسامِرَنَّهُمُ السُّمْرَ والبِيضَ، ولَيَضِيقَنَّ عَلَيْهِمْ رَحْبُ الفَلا بِالبَلاءِ العَرِيضِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ الأوْلى عَلى أنَّهُ قَدْ تُصِيبُ المُصِيبَةُ بِما يَكْتَسِبُ العَبْدُ صفحة 70 مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عُقُوبَةً في التّائِبِ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَدْ يَكُونُ لُطْفًا، وقَدْ يَكُونُ جَزاءً، وهو مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.

النساء 4:64

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ بِاشْتِغالِهِمْ بِسَتْرِ نارِ جِنايَتِهِمْ بِهَشِيمِ اعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وعَدَمِ إطْفائِها بِماءِ التَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وأمْرِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ؛ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فَطاعَتُهُ طاعَتُهُ، ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ إلّا الخَيْرَ، والشَّرُّ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّيْسِيرِ بِأنَّ المَعْنى: إلّا لِيُطِيعَهُ مَن أذِنَ لَهُ في الطّاعَةِ وأرادَها مِنهُ، وأمّا مَن لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَيُرِيدُ عَدَمَ طاعَتِهِ، فَلِذا لا يُطِيعُهُ، ويَكُونُ كافِرًا، أوْ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ الطّاعَةِ، أيْ: وما أرْسَلَنا رَسُولًا إلّا لِإلْزامِ طاعَتِهِ النّاسَ لِيُثابَ مَنِ انْقادَ ويُعاقَبَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ العِنادِ، فَلا تَنْتَهِضُ دَعْواهُمُ الِاحْتِجاجُ بِها عَلى مُدَعّاهم. واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن أثْبَتَ الغَرَضَ في أفْعالِهِ تَعالى، وهو ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غايَةً لا غَرَضًا؛ لِأنَّ طاعَةَ الجَمِيعِ لا تَتَرَتَّبُ عَلى الإرْسالِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الغايَةَ كَوْنُهُ مُطاعًا بِالإذْنِ لا لِلْكُلِّ؛ إذْ مَن لا إذْنَ لَهُ لا يُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ. ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وعَرَّضُوها لِلْبَوارِ بِالنِّفاقِ، والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ ﴿جاءُوكَ﴾ عَلى إثْرِ ظُلْمِهِمْ بِلا رَيْثٍ، مُتَوَسِّلِينَ بِكَ، تائِبِينَ عَنْ جِنايَتِهِمْ - غَيْرَ جامِعِينَ حَشَفًا وسُوءَ كِيلَةٍ - بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وأيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، ونَزَعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا. ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، ويَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ(اسْتَغْفَرَ) إلَخْ دُونَ (اسْتَغْفَرْتَ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى ما هو مِن عَظِيمِ صِفاتِهِ عَلى طَرِيقِ (حَكَمَ الأمِيرُ بِكَذا) مَكانَ (حَكَمْتَ)، وتَعْظِيمٌ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ أسْنَدَهُ إلى لَفْظٍ مُنْبِئٍ عَنْ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ، مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجاوُزِ عَمّا سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ومَن فَسَّرَ الوِجْدانَ بِالمُصادَفَةِ كانَ الوَصْفُ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي بَدَلًا مِنهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِثْلَهُ، وفي وضْعِ الِاسْمِ الجامِعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانٌ بِفَخامَةِ القَبُولِ والرَّحْمَةِ

النساء 4:65

﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ فَوَرَبِّكَ و(لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في جَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّها تُزادُ في الإثْباتِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ في (لا) الَّتِي تُذْكَرُ قَبْلَ القَسَمِ. وقِيلَ: إنَّها رَدٌّ لِمُقَدَّرٍ، أيْ لا يَكُونُ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في الجَوابِ، ولِتَأْكِيدِ القَسَمِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفِيٌ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّها ها هُنا لِتَوْطِئَةِ النَّفْيِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مانِعًا مِن ذَلِكَ سِوى مَجِيئِها لِغَيْرِ هَذا المَعْنى في الإثْباتِ، وهو لا يَأْبى مَجِيئَها في النَّفْيِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ التَّوْطِئَةِ، عَلى أنَّها لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ صَرِيحِ فِعْلِ القَسَمِ، ومَعَ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قَصْدًا إلى تَأْكِيدِ القَسَمِ صفحة 71 وتَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِالشَّيْءِ إلّا إعْظامًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِدِخُولِها يَقُولُ: إنَّ إعْظامِي لِهَذِهِ الأشْياءِ بِالقَسَمِ بِها - كَلا إعْظامٍ - يَعْنِي أنَّها تَسْتَوْجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَوْقَ ذَلِكَ، وهو لا يُحْسَنُ في القَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى، إذْ لا تَوَهُّمَ لِيُزاحَ، ولَمْ تُسْمَعْ زِيادَتُها مَعَ القَسَمِ بِاللَّهِ إلّا إذا كانَ الجَوابُ مَنفِيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها مَعَهُ زائِدَةٌ مُوطِئَةٌ لِلنَّفْيِ الواقِعِ في الجَوابِ، ولا تَكادُ تَجِدُها في غَيْرِ الكِتابِ العَزِيزِ داخِلَةً عَلى قَسَمٍ مُثْبَتٍ، وإنَّما كَثُرَ دُخُولُها عَلى القَسَمِ وجَوابُهُ نَفْيٌ كَقَوْلِهِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيْ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ وقَوْلِهِ: ألا نادَتْ أُمامَةُ بِارْتِحالٍ ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا بِكِ ما أُبالِي وقَوْلِهِ: رَأى بَرْقًا فَأوْضَعَ فَوْقَ بَكْرٍ ∗∗∗ فَلا بِكَ ما أسالَ ولا أغاما إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، ومِن هَذا يُعْلَمُ الفَرْقُ بَيْنَ المَقامَيْنِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَأمَّلْ ذَلِكَ، فَهو حَقِيقٌ بِالتَّأمُّلِ. ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا أوْ حاكِمًا، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ ويَتَرافَعُوا، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ أنَّهُﷺحاكِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ؛ إيذانًا بِأنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمًا فِيما بَيْنَهُمْ، ويَرْضُوا بِحُكْمِهِ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِهِ حاكِمًا عَلى الإطْلاقِ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ، وقِيلَ لِلْمُنازَعَةِ تَشاجُرٌ؛ لِأنَّ المُتَنازِعِينَ تَخْتَلِفُ أقْوالُهم وتَتَعارَضُ دَعاوِيهِمْ، ويَخْتَلِطُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَتَحْكُمُ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقُلُوبِهِمْ ﴿حَرَجًا﴾ أيْ: شَكًّا كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ ضِيقًا كَما قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ إثْمًا كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَفْسِيرَهُ بِضِيقِ الصَّدْرِ لِشائِبَةِ الكَراهَةِ والإباءِ لِما أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ كانُوا يَسْتَيْقِنُونَ الآياتِ بِلا شَكٍّ ولَكِنْ يَجْحَدُونَ ظُلْمًا وعُتُوًّا فَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ يُمْكِنُ إرْجاعُهُ إلى أيِّ الأمْرَيْنِ شِئْتَ، ونَفْيُ وِجْدانِ الحَرَجِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ كَما لا يَخْفى، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَجِدُوا) والظَّرْفُ قِيلَ: حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(حَرَجًا) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ، و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ونَكِرَةً مَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: مِنَ الَّذِي قَضَيْتَهُ، أيْ قَضَيْتَ بِهِ، أوْ مِن شَيْءٍ قَضَيْتَ، أوْ مِن قَضائِكَ. ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لَهُ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّأْكِيدُ، ولَعَلَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ قَضاءَ شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضاؤُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصّادِقِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «لَوْ أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى وأقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وصامُوا رَمَضانَ، وحَجُّوا البَيْتَ، ثُمَّ قالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ألا صَنَعَ خِلافَ ما صَنَعَ أوْ وجَدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا لَكانُوا مُشْرِكِينَ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها كَما قالَ الشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ: ما مَرَّ مِن قِصَّةِ بِشْرٍ صفحة 72 واليَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ قَضى بَيْنَهُما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِما قَضى. وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، «عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، أنَّهُ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانَ يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ، فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصارِيَّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ»» واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ السَّعَةَ لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ إلَخْ.

النساء 4:66

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فَرَضْنا وأوْجَبْنا ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ بِالجِهادِ بَعِيدٌ ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ. والمُرادُ: إنَّما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ إطاعَةَ الرَّسُولِ والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ والرِّضا بِهِ، ولَوْ كَتَبْنا عَلَيْهِمُ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ كَما كَتَبْنا ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ وهُمُ المُخْلِصُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أمَرْتَنِي أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ فَقالَ: «صَدَقْتَ يا أبا بَكْرٍ»» وكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ أشارَ ﷺ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَقالَ: «لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ هَذا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ»» وكابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّﷺقالَ فِيهِ: ««لَوْ نَزَلَتْ كانَ مِنهُمْ»» وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أُناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّﷺفَقالَ: «لَلْإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ أهْلِهِ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: واللَّهِ لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّﷺفَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي لَرِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»». وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الزُّبَيْرَ وصاحِبَهُ لَمّا خَرَجا بَعْدَ الحُكْمِ مِن رَسُولِ اللَّهِﷺمَرّا عَلى المِقْدادِ فَقالَ: لِمَنِ القَضاءُ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِابْنِ عَمَّتِهِ ولَوى شِدْقَهُ، فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كانَ مَعَ المِقْدادِ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ويَتَّهِمُونَهُ في قَضاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وايْمُ اللَّهِ تَعالى لَقَدْ أذْنَبْنا ذَنْبًا مَرَّةً في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَدَعانا إلى التَّوْبَةِ مِنهُ، وقالَ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَفَعَلْنا، فَبَلَغَ قَتْلانا سَبْعِينَ ألْفًا في طاعَةِ رَبِّنا حَتّى رَضِيَ عَنّا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ، لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌﷺأنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُها. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُوَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْهم فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ أثْبَتُ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» وإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ. وفِي رِوايَةِ البَغَوِيِّ صفحة 73 الِاقْتِصارُ عَلى ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وعَلى هَذا الأثَرِ وجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لا يَخْفى، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في مَعْناها: لَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أوْ خُرُوجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّنا قَدْ خَفَّفْنا عَلَيْهِمْ حَيْثُ اكْتَفَيْنا مِنهم في تَوْبَتِهِمْ بِتَحْكِيمِكَ والتَّسْلِيمِ لَهُ، ولَوْ جَعَلْنا تَوْبَتَهم كَتَوْبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتُوبُوا، والَّذِي يُفْهَمُ مِن فَحْوى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها أنَّ هَذِهِ الكِتابَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالِاسْتِتابَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ عَلى قُصُورِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ووَهَنِ إسْلامِهِمْ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إيمانُهم إلّا بِأنْ يُسَلِّمُوا حَقَّ التَّسْلِيمِ. وظاهِرُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أُمِرُوا بِالخُرُوجِ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، إذا أُرِيدَ بِالدِّيارِ الدِّيارُ المِصْرِيَّةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِتابَةَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ إنَّما كانَتْ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها، وبَعْدَ انْفِلاقِ البَحْرِ، وهَذا مِمّا لا امْتِراءَ فِيهِ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهم أُمِرُوا بِالخُرُوجِ اسْتِتابَةً في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وحَمْلُ الذِّلَّةِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ﴾ لا يُفِيدُ؛ إذِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِهِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ في كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ في التّائِبِينَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ نِزاعًا. وقَدْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها في المِصْرِيِّينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى عِبادَتِهِ، كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشْفِ كَيْفَ لَمْ يَتَعَقَّبْ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ بِأكْثَرَ مِن أنَّهُ لَيْسَ مَنصُوصًا في القُرْآنِ، ثُمَّ نَقَلَ كَلامَهُ في الآيَةِ. هَذا، والكَلامُ في لَوْ هُنا أشْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ، وحَقُّها كَما قالُوا أنْ يَلِيَها فِعْلٌ، ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ: التَّقْدِيرُ: لَوْ وقَعَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها وإنْ كانَ حَقُّها ذَلِكَ إلّا أنَّ (إنَّ) الشَّدِيدَةَ تَقَعُ بَعْدَها لِأنَّها تَنُوبُ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَنَقُولُ: ظَنَنْتُ أنَّكَ عالِمٌ، كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُكَ عالِمًا، أيْ ظَنَنْتُ عِلْمَكَ ثابِتًا، فَهي هُنا نائِبَةٌ عَنِ الفِعْلِ والِاسْمِ كَما أنَّها هُناكَ نائِبَةٌ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ قِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ القَلِيلِ مِنهم غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، إذْ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ لا تَطِيبُ أنْفُسُهم بِما دُونَ القَتْلِ بِمَراتِبَ، وكُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ، فَكَيْفَ تَطِيبُ بِالقَتْلِ ويَمْتَثِلُونَ الأمْرَ بِهِ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ: لَوْ كَتَبْنا عَلى المُنافِقِينَ ذَلِكَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهُمْ، فَإذْ لَمْ نَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهُمُ الأشْياءَ السَّهْلَةَ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ، ولْيَلْزَمُوا الإخْلاصَ، ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ. ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُﷺ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ««لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ مِنهُمْ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ السّالِفَةِ تَأْبى هَذا التَّوْجِيهَ غايَةَ الإباءِ؛ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمَدْحِ، ولا مَدْحَ في كَوْنِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِنَ القَلِيلِ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ الأمْرَ رِياءً وسُمْعَةً، بَلْ ذَلِكَ غايَةٌ في الذَّمِّ لَهم وحاشاهُمْ، وقِيلَ: لِلنّاسِ مُطْلَقًا، والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنُونَ، وهم - وإنْ كَثُرُوا - قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ والكَفَرَةِ والمُتَمَرِّدِينَ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى إيمانًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ حَتّى بَلَغَ قَتْلاهم سَبْعِينَ ألْفًا، ولا يَمْتَثِلُهُ لَوْ كانَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ إلّا قَلِيلٌ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ بَيانًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ إنَّهُ لا يَقْبَلُ القَتْلَ مِنهم إلّا القَلِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهم بِقَتْلِ قَلِيلٍ، ولا يَدْعُهم أنْ يَقْتُلَ الكَثِيرُ كَبَنِي إسْرائِيلَ، لا أنَّهم لا يَفْعَلُونَ كَما فَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ فِيهِمْ وكَثْرَةِ المُخْلِصِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، لِيَلْزَمَ التَّفْضِيلُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قُتِلَ كَثِيرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَنْقادُوا لَأهْلَكَهم عَذابُ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ صفحة 74 الأُمَّةُ مَأْمُونُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا يَقْدَمُونَ كَما أقْدَمُوا لِعَدَمِ خَوْفِ الِاسْتِئْصالِ، لا لِأنَّهم دُونٌ وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى مِنهم إيمانًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ بِمَراحِلَ عَنْ إفادَتِها كَمالِ اللُّطْفِ، والسِّباقُ والسِّياقُ لا يُشْعِرانِ بِهِ أصْلًا، وأنَّ خَوْفَ الِاسْتِئْصالِ وعَدَمَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَرَفَ الرِّجالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بِالرِّجالِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فَعَلُوهُ) لِلْمَكْتُوبِ الشّامِلِ لِلْقَتْلِ والخُرُوجِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ، ولِلْعَطْفِ بِـ(أوْ) لَزِمَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلَيْهِما مَعًا بِالتَّأْوِيلِ تَنْبُو عَنْهُ الصِّناعَةُ، و(قَلِيلٌ) لِكَوْنِ الكَلامِ غَيْرَ مُوجِبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (فَعَلُوهُ). وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، أيْ: ما فَعَلُوهُ إلّا فِعْلًا قَلِيلًا، و(مِن) في (مِنهُمْ) حِينَئِذٍ لِلِابْتِداءِ عَلى نَحْوِ: (ما ضَرَبْتُهُ إلّا ضَرْبًا مِنكَ مُبَرِّحًا). وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّها بَيانٌ لِلضَّمِيرِ في (فَعَلُوا) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ عَلى التَّجْرِيدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى هَذا والعُدُولِ عَنِ القَوْلِ بِنَصْبِهِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أنَّ النَّصْبَ عَلَيْهِ في غَيْرِ المُوجَبِ غَيْرُ مُخْتارٍ، فَلا يُحْمَلُ القُرْآنُ عَلَيْهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، حَيْثُ قالَ: النَّصْبُ جائِزٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، لَكِنْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ: لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ أقَلُّ القُرّاءِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى، وحَقَّقَهُ الحِمِّصِيُّ، وقِيلَ: بَلْ يَكُونُ إجْماعُهم دَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو القَوِيُّ؛ لِأنَّهم هُمُ المُتَفَنِّنُونَ الآخِذُونَ عَنْ مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ تَعْلِيلَ النُّحاةِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ. ورَجَّحَ بَعْضُهم - أيْضًا – النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا بِأنَّ فِيهِ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وهو مِمّا يُهْتَمُّ بِهِ، وبِأنَّ تَوْجِيهَ الكَلامِ عَلى غَيْرِهِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ودَغْدَغَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: (أنِ اقْتُلُوا) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنَ السّاكِنِينَ، و(أوُ اخْرُجُوا) بِضَمِّ الواوِ لِلِاتِّباعِ والتَّشْبِيهِ بِواوِ الجَمْعِ في نَحْوٍ ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ).﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِكَسْرِهِما عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِضَمِّهِما، وهو ظاهِرٌ و(أنْ) كَيْفَما كانَتْ نُونُها إمّا مُفَسِّرَةٌ لِـ(أنّا كَتَبْنا) في مَعْنى (أمَرْنا) ولا يَضُرُّ تَعَدِّيهِ بِـ(عَلى)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ، ولَوْ خَرَجَ فَتَعَدِّيهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الأصْلِيِّ جائِزٌ، كَما في (نَطَقَتِ الحالُ بِكَذا) حَيْثُ تَعَدّى الفِعْلُ بِالباءِ، مَعَ أنَّهم قَدْ يُرِيدُونَ بِهِ (دَلَّ) وهو يَتَعَدّى بِـ(عَلى). وإنَّ أبَيْتَ هَذا - ولا أظُنُّ - قُلْنا: إنَّهُ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وهو الظّاهِرُ، ولا يَضُرُّ زَوالُ الأمْرِ بِالسَّبْكِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ. ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما﴾ أيْ: ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مَقْرُونًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والِانْقِيادِ إلى حُكْمِهِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿لَكانَ﴾ فِعْلُهم ذَلِكَ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عاجِلًا وآجِلًا ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لَهُمُ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ، وأمْنَعَ لَهم مِنَ الضَّلالِ، وأبْعَدَ مِنَ الشُّبَهاتِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ: أكْثَرَ انْتِفاعًا؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَقِّ يَدُومُ ولا يَبْطُلُ لِاتِّصالِهِ بِثَوابِ الآخِرَةِ، والِانْتِفاعَ بِالباطِلِ يَبْطُلُ ويَضْمَحِلُّ، ويَتَّصِلُ بِعِقابِ الآخِرَةِ،

النساء 4:67

﴿وإذًا لآتَيْناهُمْ﴾ لَأعْطَيْناهم ﴿مِن لَدُنّا﴾ مِن عِنْدِنا ﴿أجْرًا﴾ ثَوابًا ﴿عَظِيمًا﴾ لا يَعْرِفُ أحَدٌ مَبْدَأهُ، ولا يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ، وإنَّما ذَكَرَ (مِن لَدُنّا) تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتَيْناهُمْ). وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرًا) والواوُ لِلْعَطْفِ و(لَآتَيْناهُمْ) مَعْطُوفٌ عَلى (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) لَفْظًا، و(إذًا) مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الجَزاءَ الأخِيرَ بَعْدَ تَرَتُّبِ التّالِي السّابِقِ عَلى المُقَدَّمِ، ولِإظْهارِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ صفحة 75 لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: (وإذًا) لَوْ ثَبَتُوا (لَآتَيْناهُمْ) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِاقْتِرانِهِ بِالواوِ وجْهٌ، وإظْهارُ (لَوْ) لَيْسَ لِأنَّها مَقْدِرَةٌ، بَلْ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِ جَوابِهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالجَوابِ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إنَّ (إذًا) حَرْفُ جَوابٍ دائِمًا أنَّها تَكُونُ في كَلامٍ مُبْتَدَأٍ، بَلْ هو في كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ مَلْفُوظٌ، أوْ مُقَدَّرٌ، سَواءٌ كانَ شَرْطًا أوْ كَلامَ سائِلٍ أوْ نَحْوَهُ، كَما أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالجَزاءِ اللّازِمَ لَها أوِ الغالِبَ، إلّا ما يَكُونُ مُجازاةً لِفِعْلِ فاعِلٍ، سَواءٌ السّائِلُ وغَيْرُهُ، وبِهَذا تَنْدَفِعُ الشُّبَهُ المُورَدَةُ في هَذا المَقامِ. وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنْ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ تَكَلُّفٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وهو تَوَهُّمٌ مَنشَأهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ كالَّذِي زَعَمَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ. ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو المَراتِبُ بَعْدَ الإيمانِ الَّتِي تَفْتَحُ أبْوابَها لِلْعامِلِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِيلَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»،» وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى: ولَهَدَيْناهم في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

النساء 4:68

﴿وإذًا لآتَيْناهُمْ﴾ لَأعْطَيْناهم ﴿مِن لَدُنّا﴾ مِن عِنْدِنا ﴿أجْرًا﴾ ثَوابًا ﴿عَظِيمًا﴾ لا يَعْرِفُ أحَدٌ مَبْدَأهُ، ولا يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ، وإنَّما ذَكَرَ (مِن لَدُنّا) تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتَيْناهُمْ). وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرًا) والواوُ لِلْعَطْفِ و(لَآتَيْناهُمْ) مَعْطُوفٌ عَلى (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) لَفْظًا، و(إذًا) مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الجَزاءَ الأخِيرَ بَعْدَ تَرَتُّبِ التّالِي السّابِقِ عَلى المُقَدَّمِ، ولِإظْهارِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ صفحة 75 لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: (وإذًا) لَوْ ثَبَتُوا (لَآتَيْناهُمْ) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِاقْتِرانِهِ بِالواوِ وجْهٌ، وإظْهارُ (لَوْ) لَيْسَ لِأنَّها مَقْدِرَةٌ، بَلْ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِ جَوابِهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالجَوابِ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إنَّ (إذًا) حَرْفُ جَوابٍ دائِمًا أنَّها تَكُونُ في كَلامٍ مُبْتَدَأٍ، بَلْ هو في كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ مَلْفُوظٌ، أوْ مُقَدَّرٌ، سَواءٌ كانَ شَرْطًا أوْ كَلامَ سائِلٍ أوْ نَحْوَهُ، كَما أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالجَزاءِ اللّازِمَ لَها أوِ الغالِبَ، إلّا ما يَكُونُ مُجازاةً لِفِعْلِ فاعِلٍ، سَواءٌ السّائِلُ وغَيْرُهُ، وبِهَذا تَنْدَفِعُ الشُّبَهُ المُورَدَةُ في هَذا المَقامِ. وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنْ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ تَكَلُّفٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وهو تَوَهُّمٌ مَنشَأهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ كالَّذِي زَعَمَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ. ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو المَراتِبُ بَعْدَ الإيمانِ الَّتِي تَفْتَحُ أبْوابَها لِلْعامِلِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِيلَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»،» وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى: ولَهَدَيْناهم في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

النساء 4:69

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿والرَّسُولَ﴾ المُبَلِّغَ ما أُوحِي إلَيْهِ مِنهُ بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرِّضا بِحُكْمِهِ، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ، فِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ، ومَزِيدُ تَشْوِيقٍ إلَيْها، بِبَيانِ أنَّ نَتِيجَتَها أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأُمَمِ، وأرْفَعُ ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ أمانِيهِمْ، وتَشْرَئِبُّ إلَيْهِ أعْيُنُ عَزائِمِهِمْ مِن مُجاوَرَةِ أعْظَمِ الخَلائِقِ مِقْدارًا، وأرْفَعِهِمْ مَنارًا، ومُتَضَمِّنٌ لِتَفْسِيرِ ما أُبْهِمَ، وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ. و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وإفْرادُ ضَمِيرِ (يُطِعْ) مُراعاةً لِلَّفْظِ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَأُولَئِكَ) مُراعاةً لِلْمَعْنى، أيْ: فالمُطِيعُونَ الَّذِينَ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وبَعُدَتْ مَنزِلَتُهم شَرَفًا وفَضْلًا. ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما تَقْصُرُ العِبارَةُ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو حالٌ إمّا مِنَ (الَّذِينَ) أيْ مُقارَنِيهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ (مِنَ النَّبِيِّينَ) وإمّا مِن ضَمِيرِهِ، والتَّعَرُّضُ لِمَعِيَّةِ الأنْبِياءِ دُونَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – خاصَّةً، مَعَ أنَّ الكَلامَ في بَيانِ حُكْمِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ طاعَتَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِطاعَتِهِمْ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ وحَسَّنَهُ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتى ومَوْتَكَ عَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ» فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْئًا حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ إلَخْ،» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ««إنَّ ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، وقَدْ نُحِلَ جِسْمُهُ، وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ خَوْفَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ المَوْتِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»». وعَنْ مَسْرُوقٍ: ««إنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالُوا: ما يَنْبَغِي أنْ نُفارِقَكَ في الدُّنْيا، فَإنَّكَ إذا فارَقَتْنا رُفِعْتَ فَوْقَنا، فَنَزَلَتْ»» وبَدَأ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وارْتِفاعِهِمْ عَلى مَن عَداهم. وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ» ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّدَلِّي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ فالمَنازِلُ أرْبَعَةٌ، بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ: الأوَّلُ: مَنازِلُ الأنْبِياءِ، وهُمُ الَّذِينَ تَمُدُّهم قُوَّةٌ صفحة 76 إلَهِيَّةٌ، وتَصْحَبُهم نَفْسٌ في أعْلى مَراتِبِ القُدْسِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ . والثّانِي: مَنازِلُ الصِّدِّيقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَتَأخَّرُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - حَيْثُ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: ما كُنْتُ لِأعْبُدَ رَبًّا لَمْ أرَهُ، ثُمَّ قالَ: لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ العِيانِ، ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. والثّالِثُ: مَنازِلُ الشُّهَداءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِالبَراهِينِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، كَحالِ مَن قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارِزًا، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»». والرّابِعُ: مَنازِلُ الصّالِحِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ بِالتَّقْلِيدِ الجازِمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» قالَهُ الرّاغِبُ، ونَقَلَهُ الطِّيِبِيُّ وغَيْرُهُ. ونَقَلَ بَعْضُ تَلامِذَةِ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قَرَّرَ يَوْمًا أنَّ مَراتِبَ الكُمَّلِ أرْبَعَةٌ: نُبُوَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ صِدِّيقِيَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُاها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ شَهادَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عُمَرُ الفارُوقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ وِلايَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ الصَّلاحَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الوِلايَةِ، فَسَألَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ عَنْ عُثْمانَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أيِّ مَرْتَبَةٍ هو مِنَ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؟ فَقالَ: إنَّهُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قَدْ نالَ حَظًّا مِن رُتْبَةِ الشَّهادَةِ، وحَظًّا مِن رُتْبَةِ الوِلايَةِ، وأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ ذا النُّورَيْنِ هو ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ، انْتَهى. وأنا - مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعالى ومُسْتَمِدًّا مِنَ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - أقُولُ: إنَّ الوِلايَةَ هي المُحِيطَةُ العامَّةُ، والفَلَكُ الدّائِرُ، والدّائِرَةُ الكُبْرى، وأنَّ الوَلِيَّ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ في حالِهِ، فَعَرَفَ ما لَهُ بِإخْبارِ الحَقِّ إيّاهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّصْدِيقُ عِنْدَهُ، ويَصْدُقُ عَلى أصْنافٍ كَثِيرَةٍ، إلّا أنَّ المَذْكُورَ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: الصِّنْفُ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا الرُّسُلُ، أهْلُ الشَّرْعِ سَواءٌ بُعِثُوا أوْ لَمْ يُبْعَثُوا، أعَنى بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا بَحْثَ لِأهْلِ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَقاماتِهِمْ وأحْوالِهِمْ إذْ لا ذَوْقَ لَهم فِيها، وكُلُّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، غَيْرَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ النُّبُوَّةَ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، والَّتِي لا ذَوْقَ لَهم فِيها هي الخاصَّةُ، أعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ، وهى مَقامٌ خاصٌّ في الوِلايَةِ. وأمّا النُّبُوَّةُ العامَّةُ فَهي مُسْتَمِرَّةٌ سارِيَةٌ في أكابِرِ الرِّجالِ، غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ دُنْيا وأُخْرى، لَكِنَّ بابَ الإطْلاقِ قَدِ انْسَدَّ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ ما رَواهُ البَدْرُ التَّماسُكِيُّ البَغْدادِيُّ، عَنِ الشَّيْخِ بَشِيرٍ، عَنِ القُطْبِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ وأُوتِينا مالَمْ تُؤْتَوْا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلَهُ: أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ أنَّهُ حُجِرَ عَلَيْنا إطْلاقُ لَفْظِ النَّبِيِّ، وإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ العامَّةُ أبَدِيَّةً، وقَوْلُهُ: وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْا عَلى حَدِّ قَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أفْضَلُ مِنهُ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِيهُ اللَّهُ تَعالى لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ ما أسْلَفْناهُ مِن قَبْلِ تَوْجِيهِ هَذا الكَلامِ. والصِّنْفُ الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ عَنْ قَوْلِ المُخْبِرِ لا عَنْ دَلِيلٍ سِوى النُّورِ الإيمانِيِّ الَّذِي أُعِدَّ في قُلُوبِهِمْ قَبْلَ وُجُودِ المُصَدَّقِ بِهِ، المانِعِ لَها مِن تَرَدُّدٍ أوْ شَكٍّ يَدْخُلُها في قَوْلِ المُخْبِرِ الرَّسُولِ، ومُتَعَلِّقُهُ في الحَقِيقَةِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ، ويَكُونُ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ لا عَلى إثْباتِهِ؛ إذْ كانَ بَعْضُ الصَّدِّيقِينَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهم وُجُودُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا ضَرُورَةً أوْ نَظَرًا، لَكِنْ ثَبَتَ ما كَوْنُهُ قُرْبَةً، ولَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ - كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ – مَقامٌ، ومَن تَخَطّى رِقابَ الصِّدِّيقِينَ وقَعَ في النُّبُوَّةِ، وهي بابٌ مُغْلَقٌ. وأثْبَتَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مَقامًا بَيْنَهُما سَمّاهُ مَقامَ القُرْبَةِ، وهو السِّرُّ الَّذِي وقَرَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ «فَلَيْسَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - رَجُلٌ أصْلًا» لا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الصِّدِّيقِيَّةِ والنُّبُوَّةِ صفحة 77 مَقامٌ، ولَها أجْزاءٌ عَلى عَدَدِ شُعَبِ الإيمانِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِأنَّهُ نُورٌ أخْضَرُ بَيْنَ نُورَيْنِ، يَحْصُلُ بِهِ شُهُودُ عَيْنِ ما جاءَ بِهِ المُخْبِرُ مِن خَلْفِ حِجابِ الغَيْبِ بِنُورِ الكَرَمِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما يَطُولُ. والصِّنْفُ الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ، وجَعَلَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهم مِن أهْلِ الحُضُورُ مَعَ اللَّهِ تَعالى عَلى بِساطِ العِلْمِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ فَجَمَعَهم مَعَ المَلائِكَةِ في بِساطِ الشَّهادَةِ، فَهم مُوَحِّدُونَ عَنْ حُضُورٍ إلَهِيٍّ وعِنايَةٍ أزَلِيَّةٍ، فَإنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ العُلَماءُ، ولَهُمُ الأجْرُ التّامُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا فَلَيْسَ هُمُ الشُّهَداءُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، وإيمانُهم بَعْدَ العِلْمِ بِما قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: إنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إلَيْهِ - مِن حَيْثُ قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أوْ قالَهُ الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِهِ - فَقَدَّمَ الصِّدِّيقَ عَلى الشَّهِيدِ، وجُعِلَ بِإزاءِ النَّبِيِّ؛ فَإنَّهُ واسِطَةٌ بَيْنَهُما لِاتِّصالِ نُورِ الإيمانِ بِنُورِ الرِّسالَةِ، والشُّهَداءُ لَهم نُورُ العِلْمِ مُساوِقٌ لِنُورِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو شاهِدٌ لِلَّهِ تَعالى بِتَوْحِيدِهِ لا مِن حَيْثُ هو رَسُولٌ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَعَ المُساوَقَةِ؛ لِئَلّا تَبْطُلَ، ولا أنْ يَكُونَ مَعَهُ لِكَوْنِهِ رَسُولًا، والشّاهِدُ لَيْسَ بِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَأخَّرَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ في الرُّتْبَةِ الَّتِي تَلِي الصِّدِّيقِيَّةَ، فَإنَّ الصِّدِّيقَ أتَمُّ نُورًا مِنهُ في الصِّدِّيقِيَّةِ لِأنَّهُ صِدِّيقٌ مِن وجْهَيْنِ: وجْهِ التَّوْحِيدِ ووَجْهِ القُرْبَةِ، والشَّهِيدُ مِن وجْهِ القُرْبَةِ خاصَّةً؛ لِأنَّ تَوْحِيدَهُ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ إيمانٍ، فَنَزَلَ عَنِ الصِّدِّيقِ في مَرْتَبَةِ الإيمانِ، وهو فَوْقَهُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَهو المُتَقَدِّمُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، المُتَأخِّرُ بِرُتْبَةِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العالِمِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا، وقَدْ تَقَدَّمَ العِلْمُ مَرْتَبَةَ الخَبَرِ، فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى إذا بَلَّغَ رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، والصِّدِّيقُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِنُورِ الإيمانِ المُعَدِّ في قَلْبِهِ، فَعِنْدَما جاءَ الرَّسُولُ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ظاهِرٍ. والصِّنْفُ الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ بِالصَّلاحِ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَدْخُلُ في عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى ولا إيمانِهِمْ بِهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ خَلَلٌ، فَإذا دَخَلَهُ بَطَلَ كَوْنُهُ صالِحًا، وكُلُّ مَن لَمْ يَدْخُلْهُ خَلَلٌ في صِدِّيقِيَّتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي شَهادَتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي تَوْبَتِهِ فَهو صالِحٌ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَدْعُوَ بِتَحْصِيلِ الصَّلاحِ لَهُ في المَقامِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ لِجَوازِ دُخُولِ الخَلَلِ عَلَيْهِ في مَقامِهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ اخْتِصاصٌ إلَهِيٌّ ولَيْسَ بِذاتِيٍّ، فَيَجُوزُ دُخُولُ الخَلَلِ فِيهِ ويَجُوزُ رَفْعُهُ، فَصَحَّ أنْ يَدْعُوَ الصّالِحُ بِأنْ يُجْعَلَ مِنَ الصّالِحِينَ، أيِ الَّذِينَ يَدْخُلُ صَلاحَهم خَلَلٌ في زَمانٍ ما. وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا وذَكَرَ أنَّهُ صالِحٌ، أوْ أنَّهُ دَعا أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مَرْتَبَةَ الصَّلاحِ خُصُوصٌ في النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَحْصُلُ لِمَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولا صِدِّيقٍ، ولا شَهِيدٍ. هَذا ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن كَلامِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، ولَمْ أظْفَرْ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَوْلانا الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ، فَتَدَبَّرْ. وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا الرَّسْمِيُّونَ أنَّ الصِّدِّيقَ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالسِّكِّيرِ، بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ في التَّصْدِيقِ، المُبالَغِ في الصِّدْقِ والإخْلاصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن أفاضِلِ أصْحابِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأماثِلِ خَواصِّهِمْ كَأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وأنَّ الشُّهَداءَ جَمْعُ شَهِيدٍ، والمُرادُ الَّذِينَ بَذَلُوا أرْواحَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ المَقْتُولُونَ بِسَيْفِ الكُفّارِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمْ ها هُنا ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ – ما تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنَّ شُهَداءَ أُمَّتِي إذًا لَقَلِيلٌ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في الطّاعُونِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ مَبْطُونًا فَهو شَهِيدٌ»» وعَدَّ بَعْضُهُمُ الشُّهَداءَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: الشَّهِيدُ هو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تَعالى تارَةً بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وأُخْرى صفحة 78 بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. وزَعَمَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ كُلُّ هَذِهِ الأُمَّةِ في الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وأنَّ المُرادَ بِالصّالِحِينَ الصّارِفِينَ أعْمارَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: الصّالِحُ هو الَّذِي صَلُحَتْ حالُهُ، واسْتَقامَتْ طَرِيقَتُهُ. والمُصْلِحُ هو الفاعِلُ لِما فِيهِ الصَّلاحُ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: ولِذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مُصْلِحٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى دُونَ صالِحٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَعِيَّةِ اتِّحادَ الدَّرَجَةِ ومُطْلَقَ الِاشْتِراكِ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بَلْ كَوْنَهم فِيها بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ وزِيارَتِهِ مَتى أرادَ، وإنْ بَعُدَتِ المَسافَةُ بَيْنَهُما. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرْفَعَ الأدْنى إلى مَنزِلَةِ الأعْلى مَتى شاءَ تَكْرِمَةً لَهُ، ثُمَّ يَعُودَ، ولا يُرى أنَّهُ أرْغَدُ مِنهُ عَيْشًا، ولا أكْمَلُ لَذَّةً؛ لِئَلّا يَكُونَ حَسْرَةً في قَلْبِهِ، وكَذا لا مانِعَ مِن أنْ يَنْحَدِرَ الأعْلى إلى مَنزِلَةِ الأدْنى، ثُمَّ يَعُودَ، مِن غَيْرِ أنْ يُرى ذَلِكَ نَقْصًا في مُلْكِهِ أوْ حَطًّا مِن قَدْرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ، وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا تَزاوُرَ مَعَ رُؤْيَةِ كُلِّ واحِدٍ الآخَرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الأنْوارِ لا تَمانُعَ فِيها ولا تَدافُعَ، فَيَنْعَكِسُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كالمَرايا المَجْلُوَّةِ المُتَقابِلَةِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وزَعَمَ أنَّهُ التَّحْقِيقُ وهو بَعِيدٌ عَنْهُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ بِمَراحِلَ ما قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ مَعْنى كَوْنِ المُطِيعِ مَعَ هَؤُلاءِ أنَّهُ مَعَهم في سُلُوكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ مَأْمُونًا مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ، مَحْفُوظَ الطّاعَةِ عَنِ النَّهْبِ. ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أيْ صاحِبًا، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، واللَّطافَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، والإشارَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وما فِيها مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا (ورَفِيقًا) حِينَئِذٍ إمّا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِالحُسْنِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لِلْمُطِيعِينَ، أوْ حالَ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لَهُمْ، ولَمْ يُجْمَعْ؛ لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، أوِ اكْتِفاءً بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ في بابِ التَّمْيِيزِ لِفَهْمِ المَعْنى، وحَسَّنَهُ وُقُوعُهُ في الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلٍ حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ قُصِدَ بَيانُ الجِنْسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأنْواعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى (مَن يُطِعْ) والجَمْعُ عَلى المَعْنى، فَـ(رَفِيقًا) حِينَئِذٍ تَمْيِيزٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِحُسْنِ الرَّفِيقِ مِنَ الفِرْقِ الأرْبَعِ لا بِنَفْسِ الحُسْنِ، فَلا يَجُوزُ دُخُولُ (مِن) عَلَيْهِ كَما يَجُوزُ في الوَجْهِ الأوَّلِ. والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ، وفي الكَشّافِ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعْجِيبِ قُرِئَ (وحُسْنُ) بِسُكُونِ السِّينِ، يَقُولُ المُتَعَجِّبُ: حُسْنُ الوَجْهِ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى. وفِي الصِّحاحِ يُقالُ: حَسُنَ الشَّيْءُ، وإنْ شِئْتَ خَفَّفَتَ الضَّمَّةَ فَقُلْتَ: حُسْنَ الشَّيْءِ، ويَجُوزُ أنْ تُنْقَلَ الضَّمَّةُ إلى الحاءِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وإنَّما يَجُوزُ النَّقْلُ إذا كانَ بِمَعْنى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يُشَبَّهُ في جَوازِ النَّقْلِ بِنِعْمَ وبِئْسَ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ فِيهِما (نَعِمَ وبَئِسَ) فَسُكِّنَ ثانِيهِما، ونُقِلَتْ حَرَكَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ، وكَذَلِكَ كَلُّ ما كانَ في مَعْناهُما، قالَ الشّاعِرُ: لَمْ يَمْنَعِ النّاسُ مِنِّي ما أرَدْتُ وما أُعْطِيهِمْ ما أرادُوا حُسْنَ ذا أدَبًا أرادَ حَسُنَ ذا أدَبًا، فَخُفِّفَ ونُقِلَ، وأرادَ أنَّهُ لَمّا نُقِلَ إلى الإنْشاءِ حَسُنَ أنْ يُغَيَّرَ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ النَّقْلِ. وفِي الِارْتِشافِ: إنَّ فَعُلَ المُحَوَّلَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، وإجْراءُ صفحة 79 أحْكامِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ، وحَكى الأخْفَشُ الِاسْتِعْمالَيْنِ عَنِ العَرَبِ، ويَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها، ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ، وظاهِرُهُ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ. وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو يَقْتَضِي أنْ لا تَغايُرَ بَيْنَهُما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الشَّيْخَيْنِ، فافْهَمْ. والحُسْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُبْهِجٍ مَرْغُوبٍ، إمّا عَقْلًا أوْ هَوًى أوْ حِسًّا، وأكْثَرُ ما يُقال في مُتَعارَفِ العامَّةِ في المُسْتَحْسَنِ بِالبَصَرِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ لَهُ ولِلْمُسْتَحْسَنِ مِن جِهَةِ البَصِيرَةِ.

النساء 4:70

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ لِلْمُطِيعِينَ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ هو الخَبَرَ، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، والعامِلِ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ الفَضْلُ - كائِنًا أوْ كائِنٌ - مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّ أعْمالَ العِبادِ تُوجِبُهُ. ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِثَوابِ مَن أطاعَهُ، وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الوَعْدِ، فَثِقُوا بِما أخْبَرَكم بِهِ، ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . وقِيلَ: وكَفى بِهِ سُبْحانَهُ عَلِيمًا بِالعُصاةِ والمُطِيعِينَ والمُنافِقِينَ والمُخْلِصِينَ، ومَن يَصْلُحُ لِمُرافَقَةِ هَؤُلاءِ ومَن لا يَصْلُحُ.

النساء 4:71

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أيْ عُدَّتَكم مِنَ السِّلاحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: الحِذْرُ مَصْدَرٌ كالحَذَرِ، وهو الِاحْتِرازُ عَمّا يُخافُ، فَهُناكَ الكِنايَةُ والتَّخْيِيلُ بِتَشْبِيهِ الحِذْرِ بِالسِّلاحِ وآلَةِ الوِقايَةِ، ولَيْسَ الأخْذُ مَجازًا لِيَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ إذِ التَّجَوُّزُ في الإيقاعِ. وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُونَ بِجَوازِ الجَمْعِ فِيهِ، والمَعْنى: اسْتَعِدُّوا لِأعْدائِكِمُ، أوْ تَيَقَّظُوا، واحْتَرِزُوا مِنهُمْ، ولا تُمَكِّنُوهم مِن أنْفُسِكم ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها، أيِ اخْرُجُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم والجِهادِ مَعَهُ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ، وأصْلُ مَعْنى النَّفْرِ الفَزَعُ كالنَّفْرَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ذُكِرَ ﴿ثُباتٍ﴾ جُمَعُ ثُبَةٍ، وهي الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ فَوْقَ العَشَرَةِ، وقِيلَ: فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَأمّا يَوْمَ خَشِيتَنا عَلَيْهِمْ فَتُصْبِحُ خَيْلُنا عَصَبًا ثُباتًا ووَزْنُها في الأصْلِ فَعْلَةٌ كَحَطْمَةٍ، حُذِفَتْ لامُها، وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، وهَلْ هي واوٌ مِن (ثَبا يَثِبُو) كَـ(عَدى يَعْدُو) أيِ اجْتَمَعَ، أوْ ياءٌ مِن (ثَبَيْتُ) عَلى فُلانٍ بِمَعْنى أثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَحاسِنِهِ وجَمْعِها قَوْلانِ. وثُبَةُ الحَوْضِ وسَطُهُ، واوِيَّةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وقَدْ جُمِعَ جَمْعَ المُؤَنَّثِ، وأُعْرِبَ إعْرابَهُ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ، وفي لُغَةٍ يُنْصَبُ بِالفَتْحِ، وقَدْ جُمِعَ أيْضًا جَمْعَ المُذَكَّرِ السّالِمِ فَيُقالُ: ثَبُونَ، وقَدِ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِيما حُذِفَ آخِرُهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ جَبْرًا لَهُ، وفي ثائِهِ حِينَئِذٍ لُغَتانِ: الضَّمُّ والكَسْرُ، والجَمْعُ هُنا في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ. ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَماعَةً واحِدَةً، ويُسَمّى الجَيْشُ إذا اجْتَمَعَ ولَمْ يَنْتَشِرْ كَتِيبَةً، ولِلْقِطْعَةِ المُنْتَخَبَةِ المُقْتَطَعَةِ مِنهُ سَرِيَّةٌ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها الَّتِي تَخْرُجُ لَيْلًا وتَعُودُ إلَيْهِ، وهي مِائَةٌ إلى خَمْسِمِائَةٍ، أوْ مِن خَمْسَةِ أنْفُسٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعِمِائَةٍ، وما زادَ عَلى السَّرِيَّةِ (مَنسِرٌ) كَمَجْلِسٍ ومِنبَرٍ إلى الثَّمانِمِائَةِ، فَإنْ زادَ يُقالُ لَهُ: جَيْشٌ إلى أرْبَعَةِ آلافٍ، فَإنْ زادَ يُسَمّى (جَحْفَلًا)، ويُسَمّى الجَيْشُ العَظِيمُ (خَمِيسًا)، وما افْتَرَقَ مِنَ السَّرِيَّةِ (بَعْثًا) وقَدْ تُطْلَقُ السَّرِيَّةُ عَلى مُطْلَقِ الجَماعَةِ. الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الحَرْبِ لَكِنْ فِيها إشارَةٌ إلى الحَثِّ صفحة 80 عَلى المُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ كُلِّها كَيْفَما أمْكَنَ قَبْلَ الفَواتِ.

النساء 4:72

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَأخَّرَنَّ عَنِ الجِهادِ، مِن (بَطَّأ) بِمَعْنى أبْطَأ، كَعَتَّمَ بِمَعْنى أعْتَمَ، إذا أبْطَأ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُؤْمِنِيهِمْ ومُنافِقِيهِمْ، والمُبَطِّئُونَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا لَفْظًا ومَعْنًى مِن بَطُؤَ نَحْوُ ثَقُلَ مِن ثَقَّلَ، فَيُرادُ لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ ولَيُثَبِّطَنَّهُ عَنِ الجِهادِ، كَما ثَبَّطَ ابْنُ أبِي ناسا يَوْمَ أُحُدٍ، والأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، واللّامُ الأُولى لامُ التَّأْكِيدِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ إنَّ أوِ اسْمِها إذا تَأخَّرَ، والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ رابِطَةٌ في جُمْلَةِ القَسَمِ، كَما لا يَرِدُ أنَّها إنْشائِيَّةٌ فَتَقَعُ صِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الجَوابُ وهو خَبَرِيٌّ فِيهِ عائِدٌ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ (أقْسَمَ) عَلى صِيغَةِ الماضِي لِيَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى المُبَطِّئِ، بَلْ هو خِلافُ الظّاهِرِ. وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً، والكَلامُ في الصِّفَةِ كالكَلامِ في الصِّلَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُعْتَرِضَةٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿خُذُوا)،﴾ وقُرِئَ (لَيُبْطِئْنَ) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِنَ العَدُوِّ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ قالَ أيِ المُبَطِّئُ فَرِحًا بِما فَعَلَ وحامِدًا لِرَأْيِهِ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالقُعُودِ ﴿إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ حاضِرًا مَعَهم في المَعْرَكَةِ، فَيُصِيبُنِي مِثْلُ الَّذِي أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إذْ لَمْ أكُنْ مَعَ شُهَدائِهِمْ شَهِيدًا، أوْ لَمْ أكُنْ مَعَهم في مَعْرِضِ الشَّهادَةِ، فالإنْعامُ هو النَّجاةُ عَنِ القَتْلِ وخَوْفِهِ، عُبِّرَ عَنْهُ بِالشَّهادَةِ تَهَكُّمًا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. والفاءُ في الشَّرْطِيَّةِ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ ذِكْرَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، كَما أنَّ نَفْسَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَدْعِيَةٌ لِشَيْءٍ يَنْتَظِرُ المُبَطِّئُ وُقُوعَهُ

النساء 4:73

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾ كَفَتْحٍ وغَنِيمَةٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أصابَكُمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(فَضْلٌ) وفي نِسْبَةِ إضافَةِ الفَضْلِ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى دُونَ إضافَةِ المُصِيبَةِ تَعْلِيمٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَتِ المُصِيبَةُ فَضْلًا في الحَقِيقَةِ، وتَقْدِيمُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِما أنَّ مَضْمُونَها لِمَقْصِدِهِمْ أوْفَقُ، وأثَرُ نِفاقِهِمْ فِيها أظْهَرُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ، وتَهالُكًا عَلى حُطامِ الدُّنْيا، وحَسْرَةً عَلى فَواتِهِ، وفي تَأْكِيدِ القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى فَرْطِ التَّحَسُّرِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، ولَمْ يُؤَكَّدِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأتى بِهِ ماضِيًا إمّا لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّأْكِيدِ أوْ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ المُضارِعِ لِلْماضِي تَأْكِيدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ مُراعاةً لِمَعْنى (مَن) وذَلِكَ شائِعٌ سائِغٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مِن كَلامِهِ تَعالى اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ ومِقْوَلِهِ الَّذِي هو ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن مَطْلَعِ كَلامِهِ أنَّ تَمَنِّيَهُ المَعِيَّةَ لِلنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ما في البَيْنِ مِنَ المَوَدَّةِ، بَلْ هو لِلْحِرْصِ عَلى حُطامِ الدُّنْيا كَما يَنْطِقُ بِهِ آخِرُهُ، فَإنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ الَّذِي عَناهُ هو ذَلِكَ، ولَيْسَ إثْباتُ المَوَدَّةِ في البَيْنِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولَنَّ) أيْ لَيَقُولَنَّ مُشَبَّهًا بِمَن لا مَوَدَّةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ حَيْثُ لَمْ يَتَمَنَّ نُصْرَتَكم ومُظاهَرَتَكُمْ، وقِيلَ: هي مِن كَلامٍ المُبَطِّئِ، داخِلَةٌ كَجُمْلَةِ التَّمَنِّي في المَقُولِ، أيْ: لَيَقُولَنَّ المُبَطِّئُ لِمَن يُثَبِّطُهُ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ – ﷺ – مَوَدَّةٌ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحَبْكم مَعَهُ في الغَزْوِ حَتّى تَفُوزُوا بِما فازَ بِهِ المُسْتَصْحَبُونَ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ إلَخْ، وغَرَضُهُ إلْقاءُ العَداوَةِ صفحة 81 بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وتَأْكِيدُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الماتُرِيدِيُّ إلى أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قالَ: (قَدْ أنْعَمَ) إلَخْ، أيْ قالَ ذَلِكَ (كَأنْ لَمْ يَكُنْ) إلَخْ، ورَدَّهُ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّها إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الأُولى فَكَيْفَ يُفْصَلُ بِها بَيْنَ أبْعاضِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِثْلُهُ مُسْتَقْبَحٌ، واعْتُذِرَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَعْناها صَرِيحًا مُتَعَلِّقٌ بِالأُولى وضِمْنًا بِهَذِهِ، و(كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وهو مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها لا تَعْمَلُ إذا خُفِّفَتْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوَدَّةِ، والباقُونَ (يَكُنْ) بِالياءِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّها بِمَعْنى الوُدِّ، والمُنادى في (يا لَيْتَنِي) عِنْدَ الجُمْهُورِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يا قَوْمِي، وأبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في نَحْوِ هَذا: لَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، بَلْ تَدْخُلُ (يا) خاصَّةً عَلى الفِعْلِ والحَرْفِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، ونُصِبَ (أفُوزَ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وعَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ والحَسَنِ (فَأفُوزُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: (فَأنا أفُوزُ) في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوِ العَطْفِ عَلى خَبَرِ (لَيْتَ) فَيَكُونُ داخِلًا في التَّمَنِّي.

النساء 4:74

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ المَوْصُولُ فاعِلُ الفِعْلِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، و(يَشْرُونَ) مُضارِعُ شَرى، ويَكُونُ بِمَعْنى باعَ، واشْتَرى مِنَ الأضْدادِ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى (يَشْتَرُونَ) فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُنافِقُونَ، أُمِرُوا بِتَرْكِ النِّفاقِ، والمُجاهَدَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: يَنْبَغِي بَعْدَما صَدَرَ مِنهم مِنَ التَّثْبِيطِ والنِّفاقِ تَرْكُهُ وتَدارُكُ ما فاتَ مِنَ الجِهادِ بَعْدُ. وإنْ كانَ بِمَعْنى (يَبِيعُونَ) فالمُرادُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ تَرَكُوا الدُّنْيا واخْتارُوا الآخِرَةَ، أُمِرُوا بِالثَّباتِ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى تَثْبِيطِ المُبَطِّئِينَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إنْ صَدَّهُمُ المُنافِقُونَ فَلْيُقاتِلُوا ولا يُبالُوا. ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ ولا بُدَّ، وفي الِالتِفاتِ مَزِيدُ التِفاتٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يَكادُ يُعْلَمُ كِمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً، وفي تَعْقِيبِ القِتالِ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَمُّهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، إمّا إكْرامُ نَفْسِهِ بِالقَتْلِ والشَّهادَةِ، أوِ إعْزازُ الدِّينِ وإعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالهَرَبِ بِوَجْهٍ، ولِذا لَمْ يَقِلْ: (فَيُغْلَبْ)، (أوْ يَغْلِبْ) وتَقْدِيمُ القَتْلِ لِلْإيذانِ بِتَقَدُّمِهِ في اسْتِتْباعِ الأجْرِ، وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لِلْمُبَطِّئِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ﴾ إلَخْ.

النساء 4:75

﴿وما لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورَيْنِ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ و(ما) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، والمُرادُ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتِلَةِ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم عَنِ الأسْرِ، وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ،ِ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَخْلِيصَهم سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى لا سَبِيلُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِهِمْ فَلا مانِعَ مِن إضافَتِهِ إلْيَهِمْ. واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُقاتَلَةِ في سَبِيلِهِمُ المُقاتِلَةُ في فَتْحِ طَرِيقِ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ودَفْعِ سَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ لِيَتَهَيَّأ خُرُوجُ المُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضْعَفٌ جِدًّا، وإمّا عَطْفٌ عَلى (سَبِيلِ) بِحَذْفِ مُضافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، أيْ: وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أعَنِي أوْ أخُصُّ، فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ مِن أعَظَمِها وأخَصِّها، ومَعْنى المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ طَلَبَ المُشْرِكُونَ ضَعْفَهم وذُلَّهُمْ، أوِ الضُّعَفاءُ مِنهُمْ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ صفحة 82 بَقُوا بِمَكَّةَ لِمَنعِ المُشْرِكِينَ لَهم مِنَ الخُرُوجِ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» وقَدْ ذُكِرَ مِنهم سَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، والإيذانِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي، واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى القِتالِ. ومِن ها يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيٍّ بِناءً عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما وجَبَ تَخْلِيصُهُمْ، عَلى أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ في المُسْلِمِ نَظَرًا؛ لَأنَّ صَبِيَّ المُسْلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُهُ، فَلا يَبْعُدُ وُجُوبُ تَخْلِيصِهِ لِيَنالَ مَرْتَبَةَ السُّعَداءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، وهو عَلى الأوَّلِ جَمْعُ ولِيدٍ ووَلِيدَةٍ، بِمَعْنى صَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلالٍ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الوَلِيدَ والوَلِيدَةَ بِمَعْنى العَبْدِ والجارِيَةِ. وفِي الصِّحاحِ: الوَلِيدُ الصَّبِيُّ والعَبْدُ، والجَمْعُ وِلْدانٌ، والوَلِيدَةُ الصَّبِيَّةُ والأمَةُ، والجَمْعُ ولائِدُ، فالتَّعْبِيرُ بِالوِلْدانِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ والإناثَ ﴿الَّذِينَ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أعْنِي أوْ أخَصُّ الَّذِينَ. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ، ومَنعِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، والوَصْفُ صِفَةُ قَرْيَةٍ، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ عَلى حَسَبِ الِاسْمِ الظّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ولَمْ يُنْسَبِ الظُّلْمُ إلَيْها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيْنٍ مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها“ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِها مَكَّةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى. ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَنا حَتّى يُخَلِّصَنا مِن أيْدِي الظَّلَمَةِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اجْعَلْ) لِاخْتِلافِ مَعْنَيْهِما، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى (مِن) لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًا لَهم مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيًّا) وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً ثابِتَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المُرادُ ولِّ عَلَيْنا والِيًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا، ويَقُومُ بِمَصالِحِنا، ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ دُعاءَهُمْ، حَيْثُ يَسَّرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّ نُصْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وكانَ ابْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، وقِيلَ: المُرادُ: اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ كُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ. * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ أمْرٌ لِلْعارِفِينَ أنْ يُظْهِرُوا ما كُوشِفُوا بِهِ مِنَ الأسْرارِ الآلِهِيَّةِ لِأمْثالِهِمْ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ أنْ يُؤَدُّوا حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ، فَيُعْطُوا الِاسْتِعْدادَ حَقَّهُ، و(ألْقَوْا) حَقَّها، وآخِرُ الأماناتِ أداءً أمانَةُ الوُجُودِ، فَلْيُؤَدِّهِ العَبْدُ إلى سَيِّدِهِ سُبْحانَهُ، ولْيَفْنَ فِيهِ عِزَّ وجَلَّ. ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ﴾ بِالإرْشادِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى البَقاءِ ”فاحْكُمُوا بِالعَدْلِ“ وهو الإفاضَةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ﴾ بِتَطْهِيرِ كَعْبَةِ تَجَلِّيهِ، وهو القَلْبُ صفحة 83 عَنْ أصْنامِ السِّوى ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بِالمُجاهَدَةِ، وإتْعابِ البَدَنِ بِأداءِ رُسُومِ العِبادَةِ الَّتِي شَرَعَها لَكم ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهُمُ المَشايِخُ المُرْشِدُونَ، بِامْتِثالِ أمْرِهِمْ فِيما يَرَوْنَهُ صَلاحًا لَكم وتَهْذِيبًا لِأخْلاقِكم. ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الطّاعَةَ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، وهي في الأصْلِ تَرْجِعُ إلى واحِدَةٍ: فَمَن كانَ أهْلًا لِبِساطِ القُرْبَةِ وفَهَمَ خِطابَ الحَقِّ بِلا واسِطَةٍ، كالقائِلِ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَلْيُطْلِعِ اللَّهَ تَعالى بِمُرادِهِ، ولْيَتَمَثَّلْ ما فَهَمَهُ مِنهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَرْجِعْ إلى بَيانِ الواسِطَةِ العُظْمى، وهو الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنْ فَهَمَ بَيانَهُ أوِ اسْتَطاعَ الأخْذَ مِنهُ، كَبَعْضِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَعالى، ولْيُطِعْهُ فِيما أمَرَ ونَهى، ومَن لَمْ يُبْلُغْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَرْجِعْ إلى أكابِرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ولْيَتَقَيَّدْ بِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ، ولْيَقِفْ عِنْدَهُ في الأوامِرِ والنَّواهِي. ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ أنْتُمْ والمَشايِخُ، وذَلِكَ في مُبادِئِ السُّلُوكِ حَيْثُ النَّفْسُ قَوِيَّةٌ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿والرَّسُولِ﴾ فارْجِعُوا إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ فِيهِما ما يُزِيلُ النِّزاعَ عِبارَةً أوْ إشارَةً، أوْ إذا وقَعَ عَلَيْكم حُكْمٌ مِن أحْكامِ الغَيْبِ المُتَشابِهَةِ، وظَهَرَ في أسْرارِكم مُعارَضاتُ الِامْتِحانِ فارْجِعُوا إلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ فِيهِ بِحارَ عُلُومِ الحَقائِقِ، فَكُلُّ خاطِرٍ لا يُوافِقُ خِطابَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَهو مَرْدُودٌ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِن عِلْمِ التَّوْحِيدِ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ مَن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ الحاكِمَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ أفْكارُها، الغَيْرُ المُسْتَنِدَةُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ويُخالِفُوهُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ . ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ وهو الطّاغُوتُ ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وهي مُصِيبَةُ التَّحَيُّرِ وفَقْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِن تَقْدِيمِ أفْكارِهِمُ الفاسِدَةِ، وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلَيْكَ ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا﴾ بِأنْفُسِنا لِتُمَرِّنَها عَلى التَّفَكُّرِ حَتّى يَكُونَ لَها مَلَكَةُ اسْتِنْباطِ الأسْرارِ والدَّقائِقِ مِن عِباراتِكَ وإشاراتِكَ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ أيْ جَمْعًا بَيْنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أوْ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِن رَيْنِ الشُّكُوكِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تَقْبَلْ عُذْرَهم ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًا؛ لِيَرْتَدِعُوا، أوْ كَلِّمْهم عَلى مَقادِيرِ عُقُولِهِمْ ومُتَحَمَّلِ طاقَتِهِمْ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِغالِهِمْ بِحُظُوظِها ﴿جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ سَتْرَ صِفاتِ نُفُوسِهِمُ الَّتِي هي مَصادِرُ تِلْكَ الأفْعالِ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بِإمْدادِهِ إيّاهم بِأنْوارِ صِفاتِهِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ مُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ، مُفِيضًا عَلَيْها الكَمالَ اللّائِقَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: لَوْ جَعَلُوكَ الوَسِيلَةَ لَدَيَّ لَوَصَلُوا إلَيَّ. ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَبِيبِهِ خُلْعَةً مِن خُلَعِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَجَعَلَ الرِّضا بِحُكْمِهِ ساءَ أمْ سَتَرَ سَبَبًا لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما جَعَلَ الرِّضا بِقَضائِهِ سَبَبًا لِإيقانِ المُوقِنِينَ، فَأسْقَطَ عَنْهُمُ اسْمَ الواسِطَةِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الحَقِّ، مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ حَسّانُ: وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ وقالَ آخَرُونَ: سَدَّ سُبْحانَهُ الطَّرِيقَ إلى نَفْسِهِ عَلى الكافَّةِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ بِحَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن لَمْ يَمْشِ تَحْتَ قِبابِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، ثُمَّ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ مِن شَرْطِ الإيمانِ زَوالُ المُعارَضَةِ صفحة 84 بِالكُلِّيَّةِ، فَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِن تَلَقِّي المَهالِكِ بِقَلْبٍ راضٍ ووَجْهٍ ضاحِكٍ. ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ لِتَحْيا حَياةً طَيِّبَةً ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ وهي المَلاذُّ الَّتِي رَكَنْتُمُ إلَيْها، وخَيَّمْتُمْ فِيها، وعَكَفْتُمْ عَلَيْها، أوْ لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْمَعُوا الهَوى، أوِ اخْرُجُوا مِن مَقاماتِكُمُ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِها عَنِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ كالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ مَثَلًا ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ وهم أهْلُ التَّوْفِيقِ والهِمَمِ العالِيَةِ. وأُيِّدَ الِاحْتِمالُ الثّانِي بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ سَألَ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ عَنْ حالِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: أدُورُ في الصَّحارى، وأطُوفُ في البَرارِي، حَيْثُ لا ماءٌ، ولا شَجَرٌ، ولا رَوْضٌ، ولا مَطَرٌ، فَهَلْ يَصِحُّ حالِي في التَّوَكُّلِ؟ فَقالَ لَهُ: إذا أفْنَيْتَ عُمُرَكَ في عُمْرانِ بَطْنِكَ فَأيْنَ الفَناءُ في التَّوْحِيدِ؟! ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ بِالِاسْتِقامَةِ بِالدِّينِ ﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو كَشْفُ الجَمالِ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ﴾ بِما لا يَدْخُلُ في حَيْطَةِ الفِكْرِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أرْبابِ التَّشْرِيعِ، الَّذِينَ ارْتَفَعُوا قَدْرًا، فَلا يُدْرَكُ شَأْوُهُمْ، ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ الَّذِينَ قادَهم نُورُهُمُ إلى الِانْخِلاعِ عَنْ أنْواعِ الرَّبُوبِ والشُّكُوكِ، فَصَدَّقُوا بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَوَقُّفٍ ﴿والشُّهَداءِ﴾ أهْلِ الحُضُورِ ﴿والصّالِحِينَ﴾ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مِن أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّها أعْدى أعْدائِكم ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ اسْلُكُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَماعاتٍ، كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ شَيْخٍ كامِلٍ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ في طَرِيقِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، واتَّبِعُوا أفْعالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيُثَبِّطَنَّ المُجاهِدِينَ المُرْتاضِينَ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ شِدَّةٌ في السَّيْرِ ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ حَيْثُ لَمْ أفْعَلْ كَما فَعَلُوا ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مَواهِبُ غَيْبِيَّةٌ، وعُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ، ومَراتِبُ سُنِّيَّةٌ، وقَبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوّامِ ﴿لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أيْ حَسَدًا لَكم ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ﴾ دُونَهم ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وأنالَ ذَلِكَ وحْدِي ﴿ومَن يُقاتِلْ﴾ نَفْسَهُ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ عَلَيْها بِالظَّفَرِ لِتُسْلِمَ عَلى يَدِهِ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الوُصُولُ إلَيْنا ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ العُقُولِ ﴿والنِّساءِ﴾ الأرْواحِ ﴿والوِلْدانِ﴾ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ وهي قَرْيَةُ البَدَنِ ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾ وهي النَّفْسُ الأمّارَةُ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَنا ويُرْشِدُنا ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وهو الفَيْضُ الأقْدَسُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

النساء 4:76

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، سِيقَ لِتَشْجِيعِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ، أيِ المُؤْمِنُونَ إنَّما يُقاتِلُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى المُوصِلِ لَهم إلْيَهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي إعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم لا مَحالَةَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ فِيما يَبْلُغُ بِهِمْ إلى الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ، فَلا ناصِرَ لَهم سِواهُ ﴿فَقاتِلُوا﴾ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ جَمِيعَ الكُفّارِ، فَإنَّكم تَغْلِبُونَهم. ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ في حَدِّ ذاتِهِ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى؟! الَّذِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ، وهو سُبْحانُهُ ولِيُّكُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى إيذانًا بِظُهُورِها، وفائِدَةُ (كانَ) التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّ كَيْدَهُ مُذْ كانَ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى صارَ، أيْ: صارَ ضَعِيفًا بِالإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

النساء 4:77

صفحة 85 «﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ الكَلْبِيُّ - في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، والمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ الكِنْدِيِّ، وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانَ يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَيَشْكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ في قِتالِ هَؤُلاءِ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «كُفُّوا أيْدِيَكم وأمْسِكُوا عَنِ القِتالِ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ» وفي رِوايَةٍ: «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ»». ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، ولَعَلَّ أمْرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ تَنْبِيها عَلى أنَّ الجِهادَ مَعَ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ،وما لَمْ يَتَمَكَّنِ المُسْلِمُ في الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِالجُودِ بِالمالِ لا يَكادُ يَتَأتّى مِنهُ الجُودُ بِالنَّفْسِ، والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ، وبِناءُ القَوْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أنَّ القائِلَ هو النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ والمُعْتَبَرَ في التَّعْجِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الكَلامِ إنَّما هو كَمالُ رَغْبَتِهِمْ في القِتالِ، وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ احْتاجُوا إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وإنَّما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي لِتَحْقِيقِهِ وتَصْوِيرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ خُصُوصِيَّةِ الآمِرِ غَرَضٌ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ وأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى المَدِينَةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أيِ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهُمْ، وذَلِكَ رُكِزَ في طِباعِ البَشَرِ مِن خَوْفِ الهَلاكِ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَأْسُهُ، والفاءُ عاطِفَةٌ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّبايُنُ بَيْنَ مَدْلُولَيِ المَعْطُوفَيْنِ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ كانُوا حِراصًا عَلى القِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ كَرِهَهُ - بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ - جَماعَةٌ مِنهُمْ، وتَوْجِيهُ التَّعْجِيبِ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ تِلْكَ الكَراهَةَ إنَّما كانَتْ مِنَ البَعْضِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن أحَدِهِمْ ما يُنافِي حالَتَهُ الأُولى، و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ، وهي ظَرْفُ مَكانٍ، وقِيلَ: زَمانٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّعْجِيبِ، و(فَرِيقٌ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنهُمْ) صِفَتُهُ، و(يَخْشَوْنَ) خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْضًا أوْ حالًا، والخَبَرُ (إذا) و(كَخَشْيَةِ اللَّهِ) في مَوْقِعِ المَصْدَرِ، أيْ: خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلٍ (يَخْشَوْنَ) ويُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِأهْلِ خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ - وفِيهِ بَعْدٌ -: إنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَها النّاسُ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا، أيْ أنَّهم أشَدُّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ، بِمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ (خَشْيَةً) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وعَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَلِّقُ الفاعِلِيَّةِ، وأنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ يَكُونُ مُقابِلًا لِلْمَوْصُوفِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَةِ غَيْرِهِمْ، ويَؤُولُ إلى أنَّ خَشْيَةَ خَشْيَتِهِمْ أشَدُّ، وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ويَكُونُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ جَدَّ جِدًّا بِنَصْبِ (جِدًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، بَلْ يُعْطَفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَهو مَجْرُورٌ بِالفَتْحَةِ لِمَنعِ صَرْفِهِ، والمَعْنى: يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنهُ تَعالى، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لا أشَدَّ خَشْيَةً عِنْدِ المُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَؤُولُ هَذا إلى تَفْضِيلِ خَشْيَتِهِمْ عَلى سائِرِ الخَشْياتِ إذا فُصِّلَتْ واحِدَةً واحِدَةً، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ صفحة 86 النّاسِ، أوْ يَخْشَوْنَ أشَدَّ خَشْيَةً، عَلى أنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ، والثّانِي حالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ حَذْفَ المُضافِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ وأوْفى بِمُقْتَضى المُقابَلَةِ وحُسْنِ المُطابَقَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (خَشْيَةً) مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، و(أشَدَّ) صِفَةٌ لِما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّمْيِيزَ بَعْدَ اسْمِ التَّفْضِيلِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ ما انْتَصَبَ عَنْهُ، نَحْوُ: (اللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) فَإنَّ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى، كَما لَوْ قُلْتَ: (اللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) بِالجَرِّ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ نَفْسَ المَوْصُوفِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْخَشْيَةِ خَشْيَةٌ، بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: أشَدُّ خَشْيَةٍ بِالجَرِّ، والقَوْلُ بِأنَّ جَوازَ هَذا فِيما إذا كانَ التَّمْيِيزُ نَفْسَ المَوْصُوفِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ واللَّفْظِ مَحَلُّ نَظَرٍ، مَحَلُّ نَظَرٍ، إذِ اتِّحادُ اللَّفْظِ مَعَ حَذْفِ الأوَّلِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَحْذُورٍ. وهَذا إيرادٌ قَوِيٌّ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنِيرِ عَنِ الكِتابِ ما يُعَضِّدُهُ، فَتَأمَّلْ، و(أوْ) قِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: لِلتَّخْبِيرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ، ﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ بَعْضُهم بِألْسِنَتِهِمْ أوْ بِقُلُوبِهِمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سَبِيلِ تَمَنِّي التَّخْفِيفِ لا الِاعْتِراضِ عَلى حُكْمِهِ تَعالى، والإنْكارِ لِإيجابِهِ، ولِذا لَمْ يُوَبَّخُوا عَلَيْهِ ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ في هَذا الوَقْتِ. ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الأجَلُ المُقَدَّرُ، ووُصِفَ بِالقَرِيبِ لِلِاسْتِعْطافِ، أيْ أنَّهُ قَلِيلٌ لا يُمْنَعُ مِن مِثْلِهِ، والجُمْلَةُ كالبَيانِ لِما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تَعْطَفْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بَأنَّهُما مَقُولانِ مُسْتَقِلّانِ لَهُمْ، فَتارَةً قالُوا الجُمْلَةَ الأُولى، وتارَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، ولَوْ عُطِفَتْ لَتَبادَرَ أنَّهم قالُوا مَجْمُوعَ الكَلامَيْنِ بِعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى ﴿قُلْ﴾ أيْ تَزْهِيدًا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَهُ بِالقُعُودِ عَنِ القِتالِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُقَدَّرِ مِنَ المَتاعِ الفانِي، وتَرْغِيبًا فِيما يَنالُونَهُ بِالقِتالِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي ﴿مَتاعُ الدُّنْيا﴾ أيْ جَمِيعُ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ، ويُنْتَفَعُ في الدُّنْيا ﴿قَلِيلٌ﴾ في نَفْسِهِ، سَرِيعُ الزَّوالِ، وهو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في الآخِرَةِ ﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ ثَوابُها المَنُوطُ بِالأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ ﴿خَيْرٌ﴾ لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ القَلِيلِ؛ لِكَثْرَتِهِ، وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ، وفي اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ حَثًّا لَهم وتَرْغِيبًا عَلى الِاتِّقاءِ والإخْلالِ بِمُوجَبِ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ نَفْسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَكِنْ لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ لِلْكافِرِ والعاصِي هُنالِكَ نِيرانًا وأهْوالًا، ولِذا قِيلَ: الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالسِّياقِ. ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُجْزُونَ فِيها ولا تُبْخَسُونَ هَذا المِقْدارَ اليَسِيرَ فَضْلًا عَمّا زادَ مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، فَلا تَرْغَبُوا عَنِ القِتالِ الَّذِي هو مِن غُرُورِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ: (ولا يُظْلَمُونَ) بِالياءِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ (مَن).

النساء 4:78

﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مَسُوقٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ – إلى مَن ذَكَرَ أوَّلًا اعْتِناءً بِإلْزامِهِمْ أثَرَ بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا وفَخامَةِ الآخِرَةِ بِواسِطَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فَمَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ما تَقَدَّمَ جَوابًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا جَوابًا لِلثّانِيَةِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قالُوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ أُجِيبُوا بِبَيانِ الحِكْمَةِ بِأنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم لِيَكْثُرَ تَمَتُّعُكُمْ، ويَعْظُمَ نَفْعُكُمْ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ تَمَتُّعَ الآخِرَةِ، ولَمّا قالُوا: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ إلَخْ أُجِيبُوا بِأنَّهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في السَّفَرِ أوْ في الحَضَرِ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ)؛﴾ لِأنَّ الأجَلَ مُقَدَّرٌ صفحة 87 فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالإدْراكِ إشْعارٌ بِأنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ أسْبابِ المَوْتِ وقُرْبِ وقْتِ حُلُولِهِ إلَيْهِمْ بِمَمَرِّ الأنْفاسِ والآناتِ كَأنَّهم في الهَرَبِ مِنهُ، وهو مُجِدٌّ في طَلَبِهِمْ، لا يُفَتَّرُ نَفَسًا واحِدًا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (يُدْرِكُكُمْ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ عَلى ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ الِاكْتِفاءُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُبْتَدَأً مَعَها أيْ: (فَأنْتُمْ يُدْرِكُكُمْ) وقِيلَ: هو مُؤَخَّرٌ مِن تَقْدِيمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ فِيما إذا كانَ ما قَبْلَهُ طالِبًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ: يا أقْرَعُ بْنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ أوْ فِيما إذا لَمْ تَكُنِ الأداةُ اسْمَ شَرْطٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ الأوَّلَ - وإنْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ - إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أيْضًا الإطْلاقُ، والشَّرْطُ الثّانِي لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى تَوَهُّمِ كَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ظُهُورُ الجَزْمِ في الجَوابِ؛ لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها في القَرِيبِ لَمْ يَجِبْ ظُهُورُهُ في البَعِيدِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ ماضِيًا والجَزاءِ مُضارِعًا إنَّما يَحْسُنُ في كَلِمَةٍ (أنْ) لِقَلْبِها الماضِيَ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبال، فَلا يَحْسُنُ (أيْنَما كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ) إلّا عَلى حِكايَةِ الماضِي، وقَصْدُ الِاسْتِحْضارِ فِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا إذًا؛ لِتَوَهُّمِ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ - أنْ يَكُونَ ما يُتَوَهَّمُ هو الأصْلَ، أوْ مِمّا كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ كالأصْلِ، وما تُوُهِّمَ هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ. وقِيلَ: (إنْ يُدْرِكْكُمُ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ و(أيْنَما تَكُونُوا) مُتَّصِلٌ بِـ(تُظْلَمُونَ) واعْتُرِضَ - كَما قالَ الشِّهابُ -: بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ مَعْنًى وصِناعَةً، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يُناسِبُ اتِّصالَهُ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ (لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فَلا يُناسِبُهُ التَّعْمِيمُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ما قَبْلَ اسْمِ الشَّرْطِ فِيهِ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِصَدارَتِهِ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعْمِيمِ (ولا تُظْلَمُونَ) لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن مُدَّةِ الأجَلِ المَعْلُومِ، لا مِنَ الأجْوَدِ، وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَهُ - كَما قالَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ - اتِّصالُهُ بِهِ مَعْنًى لا عَمَلًا عَلى أنَّ (أيْنَما تَكُونُوا) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ (لا تُظْلَمُونَ) وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ - وإنِ التُزِمَ الذَّبُّ عَنْهُ بِما تَرى - خِلافُ الظّاهِرِ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ، وأوْلى التَّخْرِيجاتِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَذْفَ ضَرُورَةٌ في حَيِّزِ المَنعِ. ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ أيْ قُصُورٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المُرادُ بِها بُرُوجُ السَّماءِ المَعْلُومَةُ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّها البُيُوتُ الَّتِي فَوْقَ القُصُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها الحُصُونُ والقِلاعُ، وهي جُمَعٌ، ج، وأصْلُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ وهو الإظْهارُ، ومِنهُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أظْهَرَتْ حُسْنَها ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أيْ: مَطْلِيَّةٍ بِالشِّيدِ وهو الجِصُّ قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مُطَوَّلَةٍ بِارْتِفاعٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَهو مِن شَيَّدَ البِناءَ إذا رَفَعَهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: (مَشِيدَةٍ) بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقَرَأ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَيْسَرَةَ: (مُشَيِّدَةٍ) بِكَسْرِ الياءِ عَلى التَّجَوُّزِ، كَـ(عِيشَةٍ راضِيَةٍ) وقَصِيدَةٍ شاعِرَةٍ، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ صفحة 88 عَلى أُخْرى مِثْلِها، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا في بُرُوجٍ ولَوْ كُنْتُمُ إلَخْ، وقَدِ اطَّرَدَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ. ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ في اليَهُودِ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّﷺ المَدِينَةَ فَدَعاهُمُ إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، أُمْسِكَ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ، فَقالُوا: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ،» فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ أوْ رَخاءٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ مِن جَدْبٍ وغَلاءٍ أضافُوها إلَيْكَ مُتَشائِمِينَ، كَما حُكِيَ عَنْ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، والجُبّائِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا لِلَّذِينَ قُتِلُوا: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم غَنِيمَةٌ قالُوا: هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم هَزِيمَةٌ قالُوا: هي مِن سُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ، ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ جَمِيعًا، لَمّا تَشاءَمُوا مِن رَسُولِ اللَّهِﷺحِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، وقُحِطُوا، وعَلى هَذا فالمُتَبادَرُ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وأُيَّدَ بِإسْنادِ الإصابَةِ إلَيْهِما، بَلْ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِذِكْرِ المَوْتِ والسَّلامَةِ قَبْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أمْرٌ لَهُﷺبِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ، واعْتِقادَهُمُ الفاسِدَ، ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في قَوْعٍ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - كَما تَزْعُمُونَ - بَلْ وُقُوعُ الأوْلى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًا، ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًّا عَلى أسْلافِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْتَنِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فاعِلُ السَّيِّئَةِ كَما اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلُ الحَسَنَةِ، بَلْ تَشاءَمُوا بِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا رَدًّا عَلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي مِن أنَّ الجَوابَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بَلْ هو إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ إلَخْ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والمُنافِقِينَ والمُحْتَقِرِينَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ يَفْهَمُونَ ﴿حَدِيثًا﴾ . أيْ كَلامًا يُوعَظُونَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ كَلامًا ما، أوْ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ وقَرُبَ عَهْدُهُ، كَلامٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُبَيَّنِ وبَيانِهِ، مَسُوقٌ لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ، والمَعْنى حَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْقَهُوا نُصُوصَ القُرْآنِ النّاطِقَةَ بِأنَّ الكُلَّ فائِضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْهَمُوا (حَدِيثًا) مُطْلَقًا، حَتّى عُدُّوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا أفْهامَ لَها، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَعْقِلُوا صُرُوفَ الدَّهْرِ وتَغَيُّرَهُ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَها فاعِلًا حَقِيقِيًّا بِيَدِهِ جَمِيعُ الأُمُورِ، ولا مَدْخَلَ صفحة 89 لِأحَدٍ مَعَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وهو ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في عَدَمِ فَهْمِهِمْ، فَلا يُنافى اعْتِقادَهم أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَدِيثِ هو ما تَفَوَّهُوا بِهِ آنِفًا، حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَعَدُّدُ الخالِقِ، المُسْتَلْزِمُ لِلشِّرْكِ، المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ، وأنَّ (ما) في حَيِّزِ الأمْرِ رَدٌّ لِهَذا اللّازِمِ، وقُدِّمَ لِكَوْنِهِ أهَمَّ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بِما هو حَقِيقَةُ الجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ﴾ وعَلى ما ذَكَرْنا - ولَعَلَّهُ الأوْلى - يَكُونُ هَذا بَيانًا لِلْجَوابِ المُجْمَلِ المَأْمُورِ بِهِ، والخِطابُ فِيهِ -كَما قالَ الجُبّائِيُّ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ -: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ لا لِلنَّبِيِّﷺكَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي إجْراءِ الجَوابِ أوَّلًا عَلى لِسانِ النَّبِيِّﷺوسَوْقِ البَيانِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ثانِيًا بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والِالتِفاتِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والِاهْتِمامِ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، وزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ حَرِيَّةٍ بِأنْ يَتَوَلّى بَيانَها عَلّامُ الغُيُوبِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ عَنْ خِطابِ الجَمِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْقِيقِ بِقَطْعِ احْتِمالِ سَبَبِيَّةِ بَعْضِهِمْ لِعُقُوبَةِ الآخَرِينَ. و(ما) - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - شَرْطِيَّةٌ و(أصابَ) بِمَعْنى يُصِيبُ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِما مِن قَبْلُ، أيْ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ تُفَضُّلًا وإحْسانًا مِن غَيْرِ اسْتِيجابٍ لَها مَن قِبَلِكَ، كَيْفَ لا وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي يُرْجى كَوْنُها ذَرِيعَةً إلى إصابَةِ نِعْمَةٍ ما فَهي بِحَيْثُ لا تَكادُ تُكافِئُ نِعْمَةَ الوُجُودِ أوْ نِعْمَةَ الإقْدارِ عَلى أدائِها مَثَلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَسْتَوْجِبَ نِعْمَةً أُخْرى، ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ»». (وما أصابَكَ مِن) بَلِيَّةٍ مِنَ البَلايا فَهي بِسَبَبِ اقْتِرافِ نَفْسِكَ المَعاصِي والهَفَواتِ المُقْتَضِيَةِ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادُ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرُ»». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «ما كانَ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ، وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ». وعَنْ أبِي صالِحٍ، مِثْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ الأُمَّةُ، وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ خِطابِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لاسِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَنا ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ إحْداهُما بِظاهِرِها لَنا والأُخْرى لَهُمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ لا الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، والخِلافُ في الثّانِي، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما أيْضًا لِظُهُورِ اخْتِلافِ جِهَتَيِ النَّفْيِ والإثْباتِ. وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا المَقامِ كُلَّ الإطْنابِ بِتَعْدِيدِ الأقْوالِ والتَّراجِيحِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِما يَعُمُّ النِّعَمَ والطّاعاتِ والمَعاصِيَ والبَلِيّاتِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 90 ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ ناسَبَ أنْ تُحْمَلَ الحَسَنَةُ الأُولى عَلى النِّعْمَةِ، والسَّيِّئَةُ عَلى البَلِيَّةِ، * * * ولَمّا أُرْدِفَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ) بِما سَيَأْتِي ناسَبَ أنْ يُحْمَلا عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ مِنَ المَعْصِيَةِ والطّاعَةِ، كَما رُوِي ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ولِهَذا غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُبِّرَ بِالماضِي بَعْدَ أنْ عُبِّرَ بِالمُضارِعِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلِكَ: هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِأنَّ (مِن عِنْدِ اللَّهِ) أعَمُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقالُ فِيما كانَ بِرِضاهُ سُبْحانَهُ وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ وقَدْ أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: مِنَ اللَّهِ إلّا فِيمَ كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ» فَتَدَبَّرْ. ونَقَلَ أبُو حَيّانَ، عَنْ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ (ما أصابَكَ) إلَخْ عَلى تَقْرِيرِ القَوْلِ أيْ ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يَقُولُونَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ إلَخْ، والدّاعِي لَهم عَلى هَذا التَّمَحُّلِ تَوَهُّمُ التَّعارُضِ، وقَدْ دَعا آخَرِينَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿حَدِيثًا﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذا الحَدِيثَ، أعْنِي ﴿ما أصابَكَ﴾ إلَخْ، فَيَقُولُونَهُ غَيْرَ مُتَحاشِينَ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن تَعَدُّدِ الخالِقِ، وآخَرِينَ إلى تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ أيْ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ وزَعَمُوا أنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا تَعارُضَ أصْلًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ارْتِكابِ ما لا يَكادُ يَسُوغُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وكَذا لاحُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (حَدِيثًا) عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُحْدَثًا لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في القُرْآنِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّهُ نَصٌّ لا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ والنِّزاعِ فِيهِ، ثُمَّ وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ المُسْلِمِينَ ما حَكى ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ ما رَدَّهُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، وبَيْنَ المَحْكِيَّيْنِ مُناسِبَةٌ مِن حَيْثُ اشْتِمالُها عَلى إسْنادِ ما يُكْرَهُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وكَوْنُ الكَراهَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى. وفِي الكَشْفَ أنَّ جُمْلَةَ (وإنْ تُصِبْهُمْ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ)،﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْقِيقِ التَّبْطِئَةِ والتَّثْبِيطِ، أمّا دَلالَةُ الأوَّلَتَيْنِ فَلا خَفاءَ بِهِما، وأمّا الثّانِيَةُ فَلِأنَّهم إذا اعْتَقَدُوا في الدّاعِي إلى الجِهادِ ﷺ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الفاسِدَ قَطَعُوا أنَّ في اتِّباعِهِ - لا سِيَّما فِيما يَجُرُّ إلى ما عَدُّوهُ سَيِّئَةً - الخَبالَ والفَسادَ، ولِهَذا قَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ لِيَصِيرَ ذَلِكَ كافًّا لَهم عَنِ التَّثْبِيطِ إلى التَّنْشِيطِ، وأرْدَفَهُ ذِكْرَ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعْكِيسِ في شَأْنِ مَن هو رَحْمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وأكَّدَ أمْرَ اتِّباعِهِ بِأنْ جَعَلَ طاعَتَهُﷺطاعَةَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما أمَدَّهُ بِهِ مِنَ التَّهْدِيدِ البالِغِ، المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن تَوَلّى).﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى أنَّ ما وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وأنَّ (فَلْيُقاتِلْ) شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِسابِقِهِ، ولَمّا لَزِمَ مِن هَذا النَّسَقِ تَقْسِيمُ المُرْسَلِ إلْيَهِمْ إلى كافِرٍ مُبَطِّئٍ ومُؤْمِنٍ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ اسْتَنْأفَ تَقْسِيمَهم مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي: (ويَقُولُونَ) أيِ النّاسُ المُرْسَلُ إلْيَهِمْ إلى مُبَيِّتٍ هو الأوَّلُ، ومُذِيعٍ هو الثّالِثُ، ومَن يَرْجِعُ إلَيْهِ هو الثّانِي، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ والِارْتِباطِ بَيْنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ كَما لا يَخْفى. هَذا ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عَنْهُ - عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (فَما هَؤُلاءِ) وجَماعَةٌ عَلى لامِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّمِينُ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ كِلا الوَقْفَيْنِ؛ إذِ الأوَّلُ وقْفٌ عَلى المُبْتَدَأِ دُونَ خَبَرِهِ، والثّانِي عَلى الجارِّ دُونَ مَجْرُورِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبَتُها عَلَيْكَ).

النساء 4:79

﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِﷺ ومَكانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ الذَّبِّ عَنْهُ بِأتَمِّ وجْهٍ، وفِيهِ رَدٌّ أيْضًا لِمَن زَعَمَ اخْتِصاصَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرَبِ، فَتَعْرِيفُ (لِلنّاسِ) صفحة 91 لِلِاسْتِغْراقِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَسُولًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ النّاظِرِ إلى قَيْدِ العُمُومِ، أيْ: مُرْسَلًا لِكُلِّ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ فَقَطْ كَما زَعَمُوا، و(رَسُولًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِما عِنْدَهُ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (رَسُولًا) وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا، إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِشَيْءٍ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ وإمّا عَلى أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، كَما اسْتَعْمَلَ الشّاعِرُ خارِجًا بِمَعْنى خُرُوجًا في قَوْلِهِ: عَلَيَّ حِلْفَةً لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ ولا (خارِجًا) مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ حَيْثُ أرادَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا يَخْرُجُ خُرُوجًا. ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى رِسالَتِكَ، أوْ عَلى صِدْقِكَ في جَمِيعِ ما تَدَّعِيهِ، حَيْثُ نَصَبَ المُعْجِزاتِ، وأنْزَلَ الآياتِ البَيِّناتِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَفى اللَّهُ تَعالى شَهِيدًا عَلى عِبادِهِ بِما يَعْمَلُونَ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

النساء 4:80

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ رِسالَتِهِ ﷺ إثْرَ بَيانِ تَحَقُّقِها، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الآمِرَ والنّاهِيَ في الحَقِيقَةِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، والرَّسُولُ إنَّما هو مُبَلِّغٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، فَلَيْسَتِ الطّاعَةُ لَهُ بِالذّاتِ، إنَّما هي لِمَن بَلَّغَ عَنْهُ. وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ تَعالى، ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ تَعالى» فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ؟! لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ، وهو نُهِيَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَزَلَتْ». فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا ﷺ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ نَبِيُّنا ﷺ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وجَعْلُهُ مِن بابِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لَهُ قائِمٌ مَقامَهُ، أيْ: ومَن أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ فَأعْرِضْ عَنْهُ؛ لِأنّا إنَّما أرْسَلْناكَ رَسُولًا مُبَلِّغًا لا حَفِيظًا مُهَيْمِنًا تَحْفَظُ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ وتُحاسِبُهم عَلَيْها، ونُفِيَ - كَما قِيلَ - كَوْنُهُ حَفِيظًا - أيْ: مُبالِغًا في الحِفْظِ - دُونَ كَوْنِهِ حافِظًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحِفْظِ؛ لِأنَّ تَبْلِيغَ الأحْكامِ نَوْعُ حِفْظٍ عَنِ المَعاصِي والآثامِ، وانْتِصابُ الوَصْفِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكافِ، وجَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ(أرْسَلْناكَ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى جَعَلْنا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، وفي إفْرادِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ وجَمْعِ ضَمِيرِ الجَرِّ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) ومَعْناها، وفي العُدُولِ عَنْ (ومَن تَوَلّى فَقَدْ عَصاهُ) الظّاهِرِ في المُقابَلَةِ إلى ما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.

النساء 4:81

﴿ويَقُولُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أيْ: ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، وتَقْدِيرُ (طاعَتُكَ طاعَةٌ) خِلافُ الظّاهِرِ، أوْ عِنْدَنا أوْ مِنّا طاعَةٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكانَ أصْلُهُ النَّصْبَ، كَما يَقُولُ المُحِبُّ: سَمْعًا وطاعَةً، لَكِنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ الرَّفْعُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لَهم قَبْلَ الجَوابِ. ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن مَجْلِسِكَ وفارَقُوكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ ﴿مِنهُمْ﴾ وهم رُؤَساؤُهُمْ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّهُ تَدْبِيرُ الفِعْلِ صفحة 92 لَيْلًا والعَزْمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ تَبْيِيتُ نِيَّةِ الصِّيامِ، ويُقالُ: هَذا أمْرٌ تَبَيَّتَ بِلَيْلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُهُ ويُسَوِّيهِ، وإمّا مِنَ البَيْتِ المَبْنِيِّ؛ لِأنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ، وفي هَذا بَعْدٌ، وإنْ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ لُغَةً. والمُرادُ: زَوَّرَتْ وسَوَّتْ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ: خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والعُدُولُ عَنِ الماضِي لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ، وتَذْكِيرُهُ أوَّلًا لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (بَيَّتْ طائِفَةٌ) بِالِادِّغامِ لِقُرْبِهِما في المُخْرِجِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِادِّغامَ هُنا عَلى خِلافِ الأصْلِ والقِياسِ، ولَمْ تُدْغَمْ تاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ، أوْ فِيما يُوحِيهِ إلَيْكَ فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ ويَفْضَحُهُمْ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، والقَصْدُ عَلى الأوَّلِ لِتَهْدِيدِهِمْ، وعَلى الثّانِي لِتَحْذِيرِهِمْ. ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَجافَ عَنْهُمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةٍ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: فَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وثِقْ بِهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، لاسِيَّما في شَأْنِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قائِمًا بِما فُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّدْبِيرِ، فَيَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهُمْ، والإظْهارُ لِما سَبَقَ، ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ واسْتِغْنائِها عَمّا عَداها مِن كُلِّ وجْهٍ

النساء 4:82

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ لَعَلَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن جَعْلِ اللَّهِ تَعالى شَهِيدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى لا شُبْهَةَ فِيها، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْتَهُ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى مَحْكِيَّةُ عَنْهُ، فَأجابَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةٍ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَشُكُّونَ في أنَّ ما ذُكِرَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ هَذا النَّبِيُّ ﷺ المَشْهُودُ لَهُ، لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ حُجَّةً، وأيُّ حُجَّةٍ عَلى المَقْصُودِ! وقِيلَ: المَعْنى أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيهِ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ، والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ، المَحْكِيُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ. ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ كَما يَزْعُمُونَ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ إخْباراتِهِ الغَيْبِيَّةِ كالإخْبارِ عَمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَحَيْثُ اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى ومِن عِنْدِهِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ: لَوَجَدُوا فِيهِ تَناقُضًا كَثِيرًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَلامَ البَشَرِ إذا طالَ لَمْ يَخْلُ - بِحُكْمِ العادَةِ - مِنَ التَّناقُضِ، وما يُظَنُّ مِنَ الِاخْتِلافِ، كَما في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ ما سَبَقَ آنِفًا لَيْسَ مِنَ الِاخْتِلافِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِينَ، وقِيلَ - وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خِلافًا لِزاعِمِهِ – المُرادُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا مُتَناقِضًا، قَدْ تَفاوَتَ نَظْمُهُ وبَلاغَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المُعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ، فَلَمّا تَجاوَبَ كُلُّهُ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِقَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَناصَرَ صِحَّةَ مَعانٍ وصِدْقَ أخْبارٍ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ قادِرٍ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عالِمٍ بِما لا يَعْلَمُهُ سِواهُ، انْتَهى. صفحة 93 وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ كَوْنَ القُرْآنِ في مَرْتَبَةِ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، وكَوْنَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ إثْباتَ القُرْآنِ كُلِّهِ وبَعْضِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ وصْفَ الِاخْتِلافِ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنهُ مُعْجِزًا والبَعْضُ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهو اخْتِلافٌ واحِدٌ، فَلِذا جُعِلَ (وجَدُوا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلِهِما (كَثِيرًا) وثانِيهِما (اخْتِلافًا) بِمَعْنى مُخْتَلَفًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا، وإنَّما جُعِلَ اللّازِمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَوْنَ الكَثِيرِ مُخْتَلَفًا، مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُخْتَلَفًا اقْتِصارًا عَلى الأقَلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ مِن أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافَ صِفَةٌ لِلْكُلِّ في النَّظْمِ، وقَدْ جُعِلَ صِفَةَ الكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ صِفَةُ الكَثِيرِ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، بَلْ هُما مَفْعُولا (وجَدُوا) وكَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: لَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ ثُبُوتُ قُدْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى عَلى الكَلامِ المُعْجِزِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ أنَّ القُرْآنَ كُلًّا وبَعْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: البَعْضُ الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي - وهو مِقْدارُ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ - ولَوْ كانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ مِن غَيْرِهِ تَعالى لَوَجَدُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ المَذْكُورَ، وهو أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مَحِيصَ عَنِ الإيرادِ الأخِيرِ سِوى أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: لَوْ كانَ فِيهِ مَرْتَبَةُ الإعْجازِ فَفي البَعْضِ خاصَّةً، عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَدْرُ مَأْخُوذًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَما في الِاقْتِباسِ ونَحْوِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ، وإلى تَفْسِيرِ الِاخْتِلافِ بِالتَّفاوُتِ بَلاغَةً وعَدَمَ بَلاغَةٍ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى هَذا. ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ: وُجُوبُ النَّظَرِ في الحُجَجِ والدَّلالاتِ، وبُطْلانُ التَّقْلِيدِ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ، والدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لِوُجُودِ التَّناقُضِ فِيها، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ دَلالَتَها عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الجُمْلَةِ وبُطْلانِ التَّقْلِيدِ لِلْكُلِّ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ كُلَّها ضَرُورِيَّةٌ إمّا عَلى صِحَّةِ القِياسِ عَلى المُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّ فَلا، وإمّا تَقْرِيرُ الأخِيرِ - عَلى ما في الكَشْفِ - فَلِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى قَوْلِهِمْ: أنْ لَوْ عُكِسَ لَوْلا، ولَوْ كانَ أفْعالُ العِبادِ مِن خَلْقِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ بِالضَّرُورَةِ، وكَذَبَتِ القَضِيَّةُ أوْ بَعْضُ المُخْتَلَفِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ، والمَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ لَهُ تَعالى، ويَكْفِي ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ إذا كانَ اخْتِيارِيًّا، وأجابَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ هو قُرْآنٌ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وذُكِرَ أنَّ مَعْنى (ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) تَعالى عِنْدَ الجَماعَةِ: ولَوْ كانَ قائِمًا بِغَيْرِهِ تَعالى، ولا مَدْخَلَ لِلْخَلْقِ في هَذِهِ المُلازَمَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرِ الإرادَةِ هُنا، وكَذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ -ﷺ - أوِ الإمامِ المَعْصُومِ كَما قالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ.

النساء 4:83

﴿وإذا جاءَهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والضَّحّاكِ وأبِي مُعاذٍ، أوْ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، أوِ الطّائِفَتَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ والخَوْفَ ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، والباءُ مَزِيدَةٌ، وفي الكَشّافِ يُقالُ: أذاعَ الشَّرَّ وأذاعَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلُوا بِهِ الإذاعَةَ، وهو صفحة 94 أبْلَغُ مِن (أذاعُوهُ) لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ نَفْسَ الحَقِيقَةِ، كَما في نَحْوِ: (فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ) ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: الباءُ لِتُضَمُّنِ الإذاعَةِ مَعْنى التَّحْدِيثِ، وجَعْلُها بِمَعْنى مَعَ والضَّمِيرُ لِلْمَجِيءِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ. والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ المُنافِقِينَ، أوْ لِبَيانِ جِنايَةِ الضُّعَفاءِ إثْرَ بَيانِ جِنايَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خُبِّرَ النّاسُ عَنْها فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُّوِهم كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هو الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، ولا يَكادُ يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ مَفْسَدَةٍ، وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودُ الإذاعَةُ مَفْسَدَةً، وقِيلَ: الضُّعَفاءُ يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونً غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ قَبْلَ أنْ يُحَقِّقُوهُ، فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إنْكارٌ عَلى مَن يُحَدِّثُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ تَحْقِيقِهِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلٍّ ما سَمِعَ»» والجُمْلَةُ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ طاعَةٌ). وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) اعْتِراضٌ، تَحْذِيرًا لَهم عَنِ الإضْمارِ لِما يُخالِفُ الظّاهِرَ، فَإنَّ في تَدَبُّرِ القُرْآنِ جارًّا إلى طاعَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أيَّ جارٍّ! وقِيلَ: الكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ في بَعْضِ المَوادِّ مِن شائِبَةِ الِاخْتِلافِ بِناءً عَلى عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى مَعْنى الكَلامِ، لا لِتَخَلُّفِ مَدْلُولِهِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا خِبْرَةَ لَهم بِالأحْوالِ كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ يُذِيعُونَهُ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْناهُ ولا ضَبْطِ لِفَحْواهُ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يَفْهَمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ المُحامِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ الفَهْمِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِأُمُورٍ تَفُوتُ بِالإذاعَةِ، فَلا يَظْهَرُ أثَرُهُ المُتَوَقَّعُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنشَأً لِتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، غَيْرَ أنَّ رِواياتِ السَّلَفِ عَلى خِلافِهِ. وأيّا ما كانَ فَقَدْ نَعى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ ﷺ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وهم كَبائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ - البُصَراءُ في الأُمُورِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وقَتادَةُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ. وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا والوُلاةُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيْ: لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنَتِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِهِ، أوْ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ ومَن ذُكِرَ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ وما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، أوْ (لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ) ﷺ، وإلى كِبارِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم ونَعْلَمَهُ هَلْ مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ لَعُلِمَ صِحَّتُهُ، وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا، هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، أيْ: يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهُمْ، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، أوْ لَوْ عَرَضُوهُ عَلى رَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَكْشِفِينَ لِمَعْناهُ، وما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وإلى أجِلَّةِ صَحْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَعَلِمَ الرّادُّونَ مَعْناهُ وتَدْبِيرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ وتَدْبِيرَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن تَشَرَّفَ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالرِّسالَةِ لِما أنَّها مِن مُوجِباتِ الرَّدِّ. وكَلِمَةُ (مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ، والظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَنْبِطُونَهُ)، وإمّا تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ تَجْرِيدِيَّةٌ، والظَّرْفُ حالٌ، ووُضِعَ صفحة 95 المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِالرَّدِّ اسْتِكْشافُ المَعْنى واسْتِيضاحُ الفَحْوى، والِاسْتِنْباطُ في الأصْلِ اسْتِخْراجُ الشَّيْءِ مِن مَأْخَذِهِ، كالماءِ مِنَ البِئْرِ، والجَوْهَرِ مِنَ المَعْدِنِ، ويُقالُ لِلْمُسْتَخْرَجِ: نَبَطٌ بِالتَّحْرِيكِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أخْذٍ وتَلَقٍّ. ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، بِناءً عَلى أنَّهم ضَعْفَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، أيْ: لَوْلا فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْشادِكم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، الَّذِي هو الرَّدُّ إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وعَمِلْتُمْ بِآرائِكُمُ الضَّعِيفَةِ، أوْ أخَذْتُمْ بِآراءِ المُنافِقِينَ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، ولَمْ تَهْتَدُوا إلى صَوْبِ الصَّوابِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ وهم أُولُو الأمْرِ المُسْتَنِيرَةِ عُقُولُهم بِأنْوارِ الإيمانِ الرّاسِخِ، الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ، الرّاسِخُونَ في مَعْرِفَةِ الأحْكامِ بِواسِطَةِ الِاقْتِباسِ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أوِ الخِطابُ لِلنّاسِ، أيْ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ تَعالى بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، كَما فَسَّرَهُما السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، ولا يَبْعُدُ العَكْسُ ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ كُلُّكُمُ ﴿الشَّيْطانَ﴾ وبَقَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ مِنكم قَدْ تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ، فاهْتَدى بِهِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وسَلِمَ مِن مَهاوِي الضَّلالَةِ، وعُصِمَ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ مِن غَيْرِ إرْسالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنْزالِ الكِتابِ، كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ الإيادِيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وأضْرابِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأنْبارِيُّ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمَعْنى: لَوْلا حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) فِيما يُلْقِي إلَيْكم مِنَ الوَساوِسِ والخَواطِرِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجُبْنِ والفَشَلِ والرُّكُونِ إلى الضَّلالِ وتَرْكِ الدِّينَ (إلّا قَلِيلًا) وهم مِن أهْلِ البَصائِرِ النّافِذَةِ، والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ، والنِّيّاتِ الخالِصَةِ، مَن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطُ كَوْنِ الدِّينِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، أوْ باطِلًا حُصُولُ الِانْكِسارِ والِانْهِزامِ، بَلْ مَدارُ الأمْرِ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ولِيَها جَوازُ أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ إلى عِصْيانِهِ وخِزْيِهِ، ولَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ فَضْلٌ، ومَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْتَقِدَ هَذا مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ سُنِّيًّا كانَ أوْ مُعْتَزِلِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ لَوْلا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وقَدْ أنْبَأتْ أنَّ امْتِناعَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ وغَيْرِهِ إنَّما كانَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، فالفَضْلُ هو السَّبَبُ المانِعُ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، فَإذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا ذُكِرَ فَقَدْ سَلَبْتَ تَأْثِيرَ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى في امْتِناعِ الِاتِّباعِ عَنِ البَعْضِ المُسْتَثْنى ضَرُورَةً، وجَعْلُهم مُسْتَبِدِّينَ بِالإيمانِ وعِصْيانِ الشَّيْطانِ الدّاعِي إلى الكُفْرِ بِأنْفُسِهِمْ لا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ لِمَن تُذَكِّرُهُ بِحَقِّكَ عَلَيْهِ: لَوْلا مُساعَدَتِي لَكَ لَسُلِبْتَ أمْوالَكَ إلّا قَلِيلًا، كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ لِمُساعَدَتِكَ أثَرًا في بَقاءِ القَلِيلِ لِلْمُخاطِبِ، وإنَّمًا مَنَنْتَ عَلَيْهِ في تَأْثِيرِ مُساعَدَتِكَ في بَقاءِ أكْثَرِ مالِهِ لا في كُلِّهِ، لِأنّا نَقُولُ هَذا إذا عَمَّ الفَضْلُ لا إذا خَصَّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاتِّباعِ إذا لَمْ يَكُنْ بِهَذا الفَضْلِ المَخْصُوصِ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِفَضْلٍ آخَرَ، نَعَمْ، ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ مُشْكِلٌ، حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وزادَ التَّوْفِيقَ في البَيانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: أرادَ بِهِ تَوْفِيقًا خاصًّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، وهَذا أوْلى مِنَ الإطْلاقِ ودَفْعِ الإشْكالِ بَأنَّ عَدَمَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى الجَمِيعِ لا يَلْزَمُ مِنهُ العَدَمُ عَلى صفحة 96 البَعْضِ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. وذَهَبَ بَعْضُهم لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الإيرادِ إلى الِاسْتِثْتاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذاعُوا بِهِ)،﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والبَلْخِيِّ، والطَّبَرِيِّ، واتَّخَذَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الآيَةَ دَلِيلًا في الرَّدِّ عَلى مَن جَزَمَ بِعَوْدِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الجُمَلِ إلى الأخِيرَةِ. وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وعَنْ أكْثَرِهِمْ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ واعْتَرَضَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ بِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهَذا الِاسْتِنْباطِ ما يُسْتَخْرَجُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ ذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ ولا يَجْهَلُهُ إلّا البالِغُ في البَلادَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وبَعْضُهم إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُفَرَّغًا مِنَ المَصْدَرِ فَما بَعْدَ (إلّا) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُوهُ كُلَّ اتِّباعٍ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا، بِأنْ تَبْقَوْا عَلى إجْراءِ الكُفْرِ وآثارِهِ إلّا البَقاءَ القَلِيلَ النّادِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعادَةِ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ الإمامِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأُيِّدَ التَّخْصِيصُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الأنْبارِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَشْهَدانِ لَهُ، وفي الَّذِي بَعْدَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ إلَخْ.

النساء 4:84

وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ يَشْهَدُ لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ بِهِما غَيْرُ ظاهِرَةٍ، والفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وتَقْصِيرِ الآخَرِينَ في مُراعاةِ أحْكامِ الإسْلامِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا. ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ في اتِّصالِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى: فَإنْ أرَدْتَ الأجْرَ العَظِيمَ فَقاتِلْ، ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ. وثانِيهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ ومَعْنى ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ لا تُكَلَّفُ إلّا فِعْلَها؛ إذْ لا تَكْلِيفَ بِالذَّواتِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ ﷺ لِلْقِتالِ وحْدَهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّثْبِيطِ والتَّقاعُدِ لا يَضُرُّهُ ﷺ، ولا يُؤاخَذُ بِهِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الكَلامَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَكْلِيفِ النّاسِ، فَكَيْفَ هَذا ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ، بَلْ في ثُبُوتِهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُقاتِلَ وحْدَهُ أوَّلًا، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أهْلِ الرِّدَّةِ: أُقاتِلُهم وحْدِي، ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَقاتَلْتُها بِشِمالِي. وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قاتِلْ) أيْ: فَقاتِلْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ إلّا نَفْسَكَ، وقُرِئَ (لا تُكَلِّفْ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّ (لا) ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها، أيْ: لا تُكَلِّفْ أحَدًا الخُرُوجَ إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ وهو بِعِيدٌ، (ولا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ، فَـ(نَفْسَكُ) مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ولَيْسَ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، أيْ: لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، عَلى مَعْنى: لا نُكَلِّفُ أحَدًا هَذا التَّكْلِيفَ إلّا نَفْسَكَ، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ مُقاتَلَتُهُ وحْدَهُ. ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حُثَّهم عَلى القِتالِ، ورَغِّبْهم فِيهِ، وعِظْهم صفحة 97 لِما أنَّهم آثِمُونَ بِالتَّخَلُّفِ لِفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ هَذا بِسِنِينَ، وأصْلُ التَّحْرِيضِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فالتَّفْعِيلُ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ، كَقَذَيْتُهُ وجَلَدْتُهُ، ولَمْ يُذْكَرِ المُحَرَّضُ عَلَيْهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ. ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ نِكايَةَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومِنهم قُرَيْشٌ، و(عَسى) مِنَ اللَّهِ تَعالى - كَما قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ – تَحْقِيقٌ، وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ما وعَدَ بِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «واعَدَ ﷺ أبا سُفْيانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا بَلَغَ المِيعادُ، دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَتّى أتى مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَكَفاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَأْسَ العَدُوِّ، ولَمْ يُوافِقْهم أبُو سُفْيانَ، وألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ يَوْمَئِذٍ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ سالِمِينَ». ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا، وأصْلُهُ التَّعْذِيبُ بِالنِّكْلِ، وهو القَيْدُ، فَعُمِّمَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ التَّهْدِيدُ والتَّشْجِيعُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ، وتَذْكِيرُ الخَبَرِ لِتَأْكِيدِ التَّشْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن ثَوابِها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما أُمِرَ بِهِ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ حَظًّا مَوْفُورًا مِنَ الثَّوابِ، وبِهِ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها كَما قالَ القاضِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ مُشِيرًا بِهِ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كانَ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ أنَّهُ كَما لا يُؤاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لا يَزِيدُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ أيْضًا، فَدُفِعَ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ بِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، و(الشَّفاعَةُ) هي التَّوَسُّطُ بِالقَوْلِ في وصُولِ الشَّخْصِ ولَوْ كانَ أعْلى قَدْرًا مِنَ الشَّفِيعِ إلى مَنفَعَةٍ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْ خَلاصُهُ عَنْ مَضَرَّةٍ ما كَذَلِكَ، مِنَ الشَّفْعِ، ضِدُّ الوِتْرِ، كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ وِتْرًا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا، ومِنهُ الشَّفِيعُ في المُلْكِ؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ مُلْكَ غَيْرِهِ إلى نَفْسِهِ أوْ يَضُمُّ نَفْسَهُ إلى مَن يَشْتَرِيهِ ويَطْلُبُهُ مِنهُ، و(الحَسَنَةُ) مِنها ما كانَتْ في أمْرٍ مَشْرُوعٍ رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ شَفاعَةُ مَعْنًى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ»» وفِيهِ بَيانٌ لِمِقْدارِ النَّصِيبِ المَوْعُودِ، ولا أرى حَسَنًا إطْلاقَ الشَّفاعَةِ عَلى الدُّعاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لا أكادُ أُسَوِّغُهُ، وإنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهُ ﷺ كَما أنَّ فِيهِ مَنفَعَةً لَنا عَلى الصَّحِيحِ. وتَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ - كَما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ – أوْ بِالصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ - كَما رَوى الكَلْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَعَلَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ، وكَوْنُ التَّحْرِيضِ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ مِن بابِ الشَّفاعَةِ ظاهِرٌ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِن مَضَرَّةِ التَّثَبُّطِ وتَعْيِيرِ العَدُوِّ، واحْتِمالِ الذُّلِّ، وفازُوا بِالأجْرِ الجَزِيلِ المَخْبُوءِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ورَبِحُوا أمْوالًا جَسِيمَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًا ولَمْ يَرَ بِها أحَدًا مِنَ العَدُوِّ أقامَ ثَمانِيَ لَيالٍ، وكانَ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًا كَثِيرًا. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الشَّفاعَةَ هُنا بَأنْ يَصِيرَ الإنْسانُ شَفْعَ صاحِبِهِ في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، والحَسَنَةُ مِنها ما كانَ في طاعَةٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ والتَّرْهِيبِ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّقاعُدِ، وأمْرُ الِارْتِباطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ولا بَأْسَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ.

النساء 4:85

صفحة 98 ﴿ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ، ومِنها الشَّفاعَةُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، فَفي الخَبَرِ: ««مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فَقَدَ ضادَّ اللَّهَ في مُلْكِهِ، ومَن أعانَ عَلى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ في سُخْطِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَنْزِعَ»» واسْتُثْنِي مِنَ الحُدُودِ القِصاصُ، فالشَّفاعَةُ في إسْقاطِهِ إلى الدِّيَةِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ وبِالكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ النَّصِيبَ يَشْمَلُ الزِّيادَةَ، والكِفْلَ هو المِثْلُ المُساوِي، فاخْتِيارُ النَّصِيبِ أوَّلًا؛ لِأنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ يُضاعَفُ، والكِفْلِ ثانِيًا لِأنَّ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ لا يُجْزى إلّا مِثْلَها، فَفي الآيَةِ إشارَةُ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِعِبادِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكِفْلَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى النَّصِيبِ - إلّا أنَّهُ غَلَبَ في الشَّرِّ، ونَدَرَ في غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَلِذا خُصَّ بِالسَّيِّئَةِ تَطْرِيَةً وهَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أيْ: مُقْتَدِرًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَألَهُ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُحَيْحَةَ الأنْصارِيِّ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ (مُقِيتًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ الحَفِيظُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ، فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُ المُجازِي، أيْ: يُجازِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وأصْلُهُ مَقُوتٌ، فَأُعِلَّ، كَمُقِيمٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها عَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ.

النساء 4:86

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ تَرْغِيبٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في فَرْدٍ شائِعٍ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ إثْرَ ما رُغِّبَ فِيها عَلى الإطْلاقِ، وحُذِّرَ عَمّا يُقابِلُها مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَإنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِ شَفاعَةٌ مِنهُ لِأخِيهِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا أوْلى في الِارْتِباطِ مِمّا قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالسَّلامِ المُسالِمَةُ الَّتِي هي ضِدُّ الحَرْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِتالِ عَقَّبَهُ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى الكَفِّ عَمَّنْ ألْقى إلى المُؤْمِنِينَ السَّلَمَ وحَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرُ حَيَّ، أصْلُها تَحْيِيَةٌ كَتَتْمِيَةٍ وتَزْكِيَةٍ، وأصْلُ الأصْلِ تَحْيِيَيٌ بِثَلاثٍ ياءاتٍ، فَحُذِفَتِ الأخِيرَةُ وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وهي في الأصْلِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقى بَعْضُهم بَعْضًا تَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ، وهو تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ عَلى ما قالُوا: مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِمْ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى؛ لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ، ورُبَّما تَسْتَلْزِمُ طُولَ الحَياةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سِوى الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ، أوْ بِهِ وبِالمُلْكِ، ورَبَّ حَياةٍ المَوْتُ خَيْرٌ مِنها. ألا مَوْتٌ يُباعُ فَأشْتَرِيهِ فَهَذا العَيْشُ ما لا خَيْرَ فِيهِ ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ∗∗∗ تَصَدَّقَ بِالمَماتِ عَلى أخِيهِ وقالَ آخَرُ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى، والبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ صفحة 99 كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوْ مُطْلَقًا كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي حُيِّيتُمْ بِها، بِأنْ تَقُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، إنِ اقْتَصَرَ المُسْلِمُ عَلى الأوَّلِ، وبِأنْ تَزِيدُوا (وبَرَكاتُهُ) إنْ جَمَعَهُما المُسْلِمُ وهي النِّهايَةُ. فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ عُرْوَةُ: ما تَرَكَ لَنا فَضْلًا، إنَّ السَّلامَ قَدِ انْتَهى إلى (وبَرَكاتُهُ)، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ لِانْتِظامِ تِلْكَ التَّحِيَّةِ لِجَمِيعِ فُنُونِ المَطالِبِ الَّتِي هي السَّلامَةُ عَنِ المَضارِّ، ونَيْلُ المَنافِعِ ودَوامُها ونَمائُها، وقِيلَ: يَزِيدُ المُحَيّا إذا جَمَعَ المُحَيِّي الثَّلاثَةَ لَهُ. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، عَنْ سالِمٍ، مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرْدٌ زادَ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرى فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ وطِيبُ صَلَواتِهِ. ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ لِلزِّيادَةِ، فَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ زِيادَةُ: (ومَغْفِرَتُهُ) فَما في الدُّرِّ مِن أنَّ المُرادَ لا يَزِيدُ عَلى (وبَرَكاتُهُ) غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. ﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: حَيُّوا بِمِثْلِها، و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الزِّيادَةِ وتَرْكِها، والظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ هو الأفْضَلُ في الجَوابِ، بَلْ لَوْ زادَ المُسَلِّمُ عَلى (السَّلامُ عَلَيْكُمْ) كانَ أفْضَلَ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ثَلاثِينَ حَسَنَةً»» ووَرَدَ في مَعْناهُ غَيْرُ ما خَبَرٍ. وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ جَوابَ السَّلامِ المَسْنُونِ واجِبٌ، ووُجُوبُهُ عَلى الكِفايَةِ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِ إسْقاطُ المُسَلِّمِ لِأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى، ودَلِيلُ الوُجُوبِ الكِفائِيِّ خَبَرُ أبِي داوُدَ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ولَمْ يُضَعِّفْهُ: «يُجْزِئُ عَنِ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ» فَبِهِ يُسْقِطُ الوُجُوبَ عَنِ الباقِينَ، ويَخْتَصُّ بِالثَّوابِ، فَلَوْ رَدُّوا كُلُّهم - ولَوْ مُرَتَّبًا - أُثِيبُوا ثَوابَ الواجِبِ، وفي المُبْتَغى: يَسْقُطُ عَنِ الباقِينَ بِرَدِّ صَبِيٍّ يَعْقِلُ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ إقامَةِ الفَرْضِ في الجُمْلَةِ بِدَلِيلِ حِلِّ ذَبِيحَتِهِ، وقِيلَ: لا، وظاهِرُ النِّهايَةِ تَرْجِيحُهُ، وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، قالُوا: ولَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهم لَمْ يَسْقُطْ بِخِلافِ نَظِيرِهِ في الجِنازَةِ؛ لِأنَّ القَصْدَ ثَمَّ الدُّعاءُ، وهو مِنهُ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ، وهُنا الأمْنُ، وهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ، وقَضِيَّتُهُ أنَّهُ يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الصَّبِيِّ عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ القَصْدَ التَّبَرُّكُ والدُّعاءُ كَصَلاةِ الجِنازَةِ، ويَسْقُطُ بِرَدِّ العَجُوزِ. وفِي رَدِّ الشّابَّةِ قَوْلانِ، عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: لَوْ رَدَّتِ امْرَأةٌ عَنْ رَجُلٍ أجْزَأ إنْ شُرِعَ السَّلامُ عَلَيْها وعَلَيْهِ، فَلا يَخْتَصُّ بِالعَجُوزِ، بَلِ المُحْرِمُ، وأمَةُ الرَّجُلِ وزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، وفي تُحْفَتِهِمْ: ويَدْخُلُ في المَسْنُونِ سَلامُ امْرَأةٍ عَلى امْرَأةٍ أوْ نَحْوُ مُحْرِمٍ أوْ سَيِّدٍ أوْ زَوْجٍ، وكَذا عَلى أجْنَبِيٍّ وهي عَجُوزٌ لا تُشْتَهى، ويَلْزَمُها في هَذِهِ الصُّورَةِ رَدُّ سَلامِ الرَّجُلِ، أمّا مُشْتَهاةٌ لَيْسَ مَعَها امْرَأةٌ أُخْرى فَيَحْرُمُ عَلَيْها رَدُّ سَلامِ أجْنَبِيٍّ، ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ، ويَكْرَهُ لَهُ رَدُّ سَلامِها ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ أيْضًا، والفَرْقُ أنَّ رَدَّها وابْتِداءَها يُطَمِّعُهُ فِيها أكْثَرَ بِخِلافِ ابْتِدائِهِ ورَدِّهِ، والخُنْثى مَعَ رَجُلٍ كامْرَأةٍ ومَعَ امْرَأةٍ كَرَجُلٍ في النَّظَرِ فَكَذا هُنا، ولَوْ سُلِّمَ عَلى جَمْعِ نِسْوَةٍ وجَبَ رَدُّ إحْداهُنَّ، إذْ لا يُخْشى فِتْنَةٌ حِينَئِذٍ، ومِن ثَمَّ حَلَّتِ الخَلْوَةُ بِامْرَأتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ هُنا كالرَّجُلِ ابْتِداءً ورَدًّا. وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ: لَوْ قالَ: صفحة 100 السَّلامُ عَلَيْكَ يا زَيْدُ لَمْ يَسْقُطْ بَرَدِّ غَيْرِهِ، ولَوْ قالَ: يا فُلانُ أوْ أشارَ لِمُعَيَّنٍ سَقَطَ، ولَوْ سَلَّمَ جَمْعٌ مُتَرَتِّبُونَ عَلى واحِدٍ فَرَدَّ مَرَّةً قاصِدًا جَمِيعَهُمْ، وكَذا لَوْ أطْلَقَ عَلى الأوْجُهِ أجْزَأهُ ما لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ ضارٌّ، ولا بُدَّ في الِابْتِداءِ والرَّدِّ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِقَدْرٍ ما يَحْصُلُ بِهِ السَّماعُ بِالفِعْلِ، ولَوْ في ثَقِيلِ السَّمْعِ، نَعَمْ، إنْ مَرَّ عَلَيْهِ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَوْتُهُ فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ وُسْعَهُ، ولا يُجْهَرُ بِالرَّدِّ الجَهْرَ الكَثِيرَ، والمُرْوِيُّ عَنِ الإمامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ العَدْوِ خَلْفَهُ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ جَمِيعِ الصِّيغَةِ ابْتِداءً ورَدًّا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ أذانٍ سُمِعَ بَعْضُهُ ظاهِرٌ، ولَوْ سَلَّمَ يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ أوْ مَجُوسِيٌّ فَلا بَأْسَ بِالرَّدِّ، ولَكِنْ لا يَزِيدُ في الجَوابِ عَلى قَوْلِهِ (وعَلَيْكَ) كَما في الخانِيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحِ، ولا يُسَلَّمُ ابْتِداءً عَلى كافِرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ والنَّصارى بِالسَّلامِ فَإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في طَرِيقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»» رَواهُ البُخارِيُّ. وأوْجَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ رَدَّ سَلامِ الذِّمِّيِّ بِـ(عَلَيْكَ) فَقَطْ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ قالَ البَلْقِينِيُّ والأذْرَعِيُّ والزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ يُسَنُّ ولا يَجِبُ، وعَنِ الحَسَنِ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ (حَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها) لِلْمُسْلِمِينَ، (أوْ رُدُّوها) لِأهْلِ الكِتابِ، ووَرَدَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ ابْتِداءَهم بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ داعِيَةٌ، ويُؤَدّى حِينَئِذٍ بِالسَّلامِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ لِلذِّمِّيِّ - والظّاهِرُ عِنْدَ الحاجَةِ -: السَّلامُ عَلَيْكَ، ويُرِيدُ - كَما قالَ اللَّهُ تَعالى - عَلَيْكَ أيْ: هو عَدُوُّكَ. ولا مانِعَ عِنْدِي إنْ لَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِن أنْ يُقْصَدَ الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، بِمَعْنى البَقاءِ حَيًّا؛ لِيُسْلِمَ أوْ يُعْطِيَ الجِزْيَةَ ذَلِيلًا، وفي الأشْباهِ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ في الدُّعاءِ لَهُ بِطُولِ البَقاءِ. بَقِيَ الخِلافُ في الإتْيانِ بِالواوِ عِنْدَ الرَّدِّ لَهُ، وعامَّةُ المُحَدِّثِينَ - كَما قالَ الخَطّابِيُّ - بِإثْباتِها في الخَبَرِ غَيْرَ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإنَّهُ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ واوٍ، واسْتُصْوِبَ لِأنَّ الواوَ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ مَعَهُ والدُّخُولَ فِيما قالَ، وهو قَدْ يَقُولُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ووَجَّهَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ إثْباتَها بِأنَّ مَدْخُولَها قَدْ يُقْطَعُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ العُمُومِ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، فَيُقَدَّرُ هُنا عَلَيْكُمُ اللَّعْنَةُ أوِ الغَضَبُ، وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ، ولا يَخْفى خَفاءُ ذَلِكَ وإنْ أيَّدَهُ بِما ظَنَّهُ شَيْئًا، فالأوْلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ رِوايَةَ الجُمْهُورِ هو الصَّوابُ، وهُما مُشْتَرِكانِ في أنَّهُما عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ، ولَكِنْ يُسْتَجابُ دُعاءُ المُسْلِمِ عَلى الكافِرِ، ولا يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لَمّا قالَتْ عائِشَةُ في رَهْطِ اليَهُودِ القائِلِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّامُ عَلَيْكَ، بَلْ عَلَيْكُمُ السّامُ واللَّعْنَةُ، أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَكُونِي فاحِشَةً، قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالُوا؟! قالَ: رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولا يُسْتَجابُ لَهم فِيَّ»». ويَجِبُ في الرَّدِّ عَلى الأصَمِّ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ والإشارَةِ لِيَعْلَمَ، بَلِ العِلْمُ هو المَدارُ، ولا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إلّا إنْ جَمَعَ لَهُ المُسْلِمُ عَلَيْهِ بَيْنَهُما، وتَكْفِي إشارَةُ الأخْرَسِ ابْتِداءً ورَدًّا، ويَجِبُ رَدُّ جَوابِ كِتابِ التَّحِيَّةِ كَرَدِّ السَّلامِ. وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: يَكْفِي جَوابُهُ كِتابَةً ويَجِبُ فِيها - إنْ لَمْ يَرُدَّ لَفْظًا - الفَوْرُ فِيما يَظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ خِلافُهُ، ولَوْ قالَ لِآخَرَ: أقْرِئْ فَلانًا السَّلامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ، وعَلَّلُوهُ بِأنَّ ذَلِكَ أمانَةٌ ويَجِبَ أداؤُها، ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ مَحَلَّهُ ما إذا رَضِيَ بِتَحَمُّلِ تِلْكَ الأمانَةِ، أمّا لَوْ رَدَّها فَلا، وكَذا إنْ سَكَتَ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: لا يُنْسَبُ لِساكِتٍ قَوْلٌ. صفحة 101 ويُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَظْهَرَ مِنهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى الرِّضا وعَدَمِهِ، وإذا قُلْنا بِالوُجُوبِ فالظّاهِرُ عِنْدَ بَعْضٍ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَصْدُ المُوصى لَهُ، بَلْ إذا اجْتَمَعَ بِهِ وذَكَرَ بَلَّغَهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الَّذِي يَتَّجِهُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ قَصْدُ مَحَلِّهِ حَيْثُ لا مَشَقَّةَ شَدِيدَةٌ عُرْفًا عَلَيْهِ لِأنَّ أداءَ الأمانَةِ ما أمْكَنَ واجِبٌ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ أنْ يَقُولَ المُرْسِلُ: قُلْ لَهُ فُلانٌ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، وبَيْنَ ما لَوْ قالَ لَهُ: سَلِّمْ لِي، والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ وِفاقًا لَما نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ، فَيَجِبُ فِيهِما الرَّدُّ، ويُسَنُّ الرَّدُّ عَلى المَبَلِّغِ والبُداءَةُ، فَيَقُولُ: وعَلَيْكَ وعَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخَبَرِ المَشْهُورِ فِيهِ. وأوْجَبُوا رَدَّ سَلامِ صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ مُمَيِّزٍ، وكَذا سَكْرانٍ مُمَيِّزٍ، لَمْ يَعْصِ بِسُكْرِهِ، وقَوْلُ المَجْمُوعِ: لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ مَجْنُونٍ وسَكْرانٍ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ المُمَيِّزِ، وزَعَمَ أنَّ الجُنُونَ والسُّكْرَ يُنافِيانِ التَّمْيِيزَ غَفْلَةً عَمّا صَرَّحُوا بِهِ مِن عَدَمِ التَّنافِي، ولا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ فاسِقٍ أوْ مُبْتَدِعٍ زَجْرًا لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وإنْ شُرِعَ سَلامُهُ، وكَذا لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ السّائِلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّحِيَّةِ بَلْ لِأجْلِ أنْ يُعْطى، ولا رَدُّ سَلامِ المُتَحَلِّلِ مِنَ الصَّلاةِ إذا نَوى الحاضِرُ عِنْدَهُ عَلى الأوْجُهِ؛ لِأنَّ المُهِمَّ لَهُ التَّحَلُّلُ، وقُصِدَ الحاضِرُ بِهِ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ، وذَلِكَ حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَرُدَّ، وإنَّما حَنِثَ بِهِ الحالِفُ عَلى تَرْكِ الكَلامِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ المَدارَ فِيهِما عَلى صِدْقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ عُلَماءُ الشّافِعِيَّةِ، ولَمْ أرَ لِأصْحابِنا سِوى التَّصْرِيحِ بِالحِنْثِ فِيمَن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَسَلَّمَ عَلى جَماعَةٍ هو فِيهِمْ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ فَلَمْ أرَهُ، وصَرَّحَ في الضِّياءِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: (السَّلامْ عَلَيْكُمْ) بِجَزْمِ المِيمِ، وكَأنَّهُ - عَلى ما في تُحْفَتِنا - لِمُخالَفَةِ السُّنَّةِ، وعَلَيْهِ لَوْ رَفَعَ المِيمَ بِلا تَنْوِينٍ ولا تَعْرِيفٍ كانَ كَجَزْمِ المِيمِ في عَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ؛ لِمُخالَفَتِهِ السُّنَّةَ أيْضًا. وجَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ السَّلامِ ابْتِداءً وجَوابًا (عَلَيْكَ السَّلامُ) وعَكْسَهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَنْكِيرُ لَفْظِهِ وإنْ حُذِفَ التَّنْوِينُ، وأنَّهُ يُجْزِئُ (سَلامًا عَلَيْكُمْ) وكَذا (سَلامُ اللَّهِ تَعالى) بَلْ وسَلامِي عَلَيْكَ وعَكْسُهُ، واسْتَظْهَرَ أجْزاءَ (سَلَّمْتُ عَلَيْكَ) و(أنا مُسَلِّمٌ عَلَيْكَ) ونَحْوُ ذَلِكَ، أخْذًا مِمّا ذَكَرُوهُ أنَّهُ يُجْزِئُ في التَّشَهُّدِ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ، والصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ – ونَحْوُهُما، ولا بَأْسَ فِيما قالُوهُ عِنْدِي، ولَعَلَّ تَفْسِيرَ تَحِيَّةٍ في الآيَةِ لِتَشْمَلَ كُلَّ هَذِهِ الصِّيَغِ، وقالَ بَعْضُ الجَماعَةِ: السَّلامُ (مَعْرِفَةً) تَحِيَّةُ الأحْياءِ، و(نَكِرَةً) تَحِيَّةُ المَوْتى، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا، والشِّيعَةُ يُنْكِرُونَ مُطْلَقًا، ويُنْكِرُونَ. وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، أنَّ السَّلامَ في السَّلامِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَقْتَضِي أوْلَوِيَّةَ التَّعْرِيفِ أيْضًا، فافْهَمْ. والأفْضَلُ في الرَّدِّ الواوُ قَبْلَهُ، ويُجْزِئُ بِدُونِهِ عَلى الصَّحِيحِ، ويَضُرُّ في الِابْتِداءِ كالِاقْتِصارِ في أحَدِهِما عَلى أحَدِ جُزْئَيِ الجُمْلَةِ، وإنْ نَوى إضْمارَ الآخَرِ، وفي الكَشْفَ ما يُؤَيِّدُهُ، والخَبَرُ الَّذِي فِيهِ الِاكْتِفاءُ بِـ(وعَلَيْكَ) في الجَوابِ لا يُرادُ مِنهُ الِاكْتِفاءُ عَلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجابَ بِمِثْلِ ما سُلِّمَ بِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَزِدْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ آخِرُهُ. وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ المُسْتَحَبَّ الرَّدُّ عَلى طَهارَةٍ أوْ تَيَمُّمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الجَهْمِ قالَ: ««أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى أقْبَلَ عَلى الحائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السَّلامَ»،» والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّدِّ والِابْتِداءِ في ذَلِكَ، ويُسَنُّ السَّلامُ عَيْنًا لِلْواحِدِ، وكِفايَةً لِلْجَماعَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ابْتِداءً عِنْدَ إقْبالِهِ وانْصِرافِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الحَسَنِ: ««إنَّ أوْلى النّاسِ بِاللَّهِ تَعالى مَن بَدَأهم بِالسَّلامِ»» وفارِقُ الرَّدِّ بِأنَّ الإيحاشَ والإخافَةَ في تَرْكِ الرَّدِّ أعْظَمُ مِنهُما في تَرْكِ الِابْتِداءِ. وأفْتى غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الِابْتِداءَ أفْضَلُ، كَإبْراءِ المُعْسِرِ أفْضَلُ مِن إنْظارِهِ، ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِمُ: (ابْتِداءً) أنَّهُ لَوْ أتى بِهِ بَعْدَ تَكَلُّمٍ لَمْ صفحة 102 يُعْتَدَّ بِهِ، نَعَمْ، يُحْتَمَلُ في تَكَلُّمٍ سَهْوًا أوْ جَهْلًا، وعُذِرَ بِهِ أنَّهُ لا يَفُوتُ الِابْتِداءُ فَيَجِبُ جَوابُهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَلْ أوْلى لِمَشْرُوعِيَّتِهِ الكَلامُ لِلِاسْتِئْذانِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ إذا أتى دارَ إنْسانٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَبْلَ السَّلامِ، ويُسَنُّ إظْهارُ البِشْرِ عِنْدَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أنْ تُسَلِّمَ عَلى النّاسِ وأنْتَ مُنْطَلِقُ الوَجْهِ»،» وعَنْ عُمَرَ: «إذا التَقى المُؤْمِنانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ وتَصافَحا كانَ أحَبُّهُما إلى اللَّهِ تَعالى أحْسَنَهُما بِشْرًا لِصاحِبِهِ». ويُسَنُّ عَلَيْكم في الواحِدِ - وإنْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ بِالإفْرادِ - نَظَرًا لِمَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويَقْصِدُهم لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ فَيَنالُ بِرْكَةَ دُعائِهِمْ، ولَوْ دَخَلَ بَيْتًا ولَمْ يَرَ أحَدًا يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ، فَإنَّ السَّكَنَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وفي الآكامِ: إنَّ في كُلِّ بَيْتٍ سَكَنَةٌ مِنَ الجِنِّ، ويُسَنُّ عِنْدَ التَّلاقِي سَلامُ صَغِيرٍ عَلى كَبِيرٍ، وماشٍ عَلى واقِفٍ أوْ مُضْطَجِعٍ، وراكِبٍ عَلَيْهِمْ، وراكِبِ فَرَسٍ عَلى راكِبِ حِمارٍ، وقَلِيلِينَ عَلى كَثِيرِينَ؛ لِأنَّ نَحْوَ الماشِي يَخافُ مِن نَحْوِ الرّاكِبِ، ولِزِيادَةِ نَحْوِ مَرْتَبَةِ الكَبِيرِ عَلى نَحْوِ الصَّغِيرِ، وخَرَجَ بِالتَّلاقِي الجالِسُ والواقِفُ والمُضْطَجِعُ، فَكُلُّ مَن ورَدَ عَلى أحَدِهِمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ولَوْ سَلَّمَ كُلٌّ عَلى الآخَرِ فَإنْ تَرَتَّبا كانَ الثّانِي جَوابًا، أيْ: ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِابْتِداءُ وحْدَهُ، كَما قِيلَ، وإلّا لَزِمَ كُلًّا الرَّدُّ، وكَرِهَ أصْحابُنا السَّلامَ في مَواضِعَ، وفي النَّهْرِ عَنْ صَدْرِ الدِّينِ الغُزِّيِّ: سَلامُكَ مَكْرُوهٌ عَلى مَن سَتَسْمَعُ ∗∗∗ ومِن بَعْدِ ما أُبْدِيَ يُسَنُّ ويُشْرَعُ مُصَلٍّ وتالٍ ذاكِرٌ ومُحَدِّثٌ ∗∗∗ خَطِيبٌ ومَن يُصْغِي إلَيْهِمْ ويَسْمَعُ مُكَرِّرُ فِقْهٍ جالِسٌ لِقَضائِهِ ∗∗∗ ومَن بَحَثُوا في الفِقْهِ دَعْهم لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٌ أيْضًا مَعَ مُقِيمٍ مُدَرِّسٌ ∗∗∗ كَذا الأجْنَبِيّاتُ الفَتَياتُ أمْنَعُ ولُعّابُ شَطْرَنْجٍ وشُبَّهٌ بِخَلْقِهِمْ ∗∗∗ ومَن هو مَعَ أهْلٍ لَهُ يَتَمَتَّعُ ودَعْ كافِرًا أيْضًا ومَكْشُوفَ عَوْرَةٍ ∗∗∗ ومَن هو في حالِ التَّغَوُّطِ أشْنَعُ ودَعْ آكِلًا إلّا إذا كُنْتَ جائِعًا ∗∗∗ وتَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ كَذَلِكَ أُسْتاذٌ مُغَنٍّ مُطَيِّرٌ ∗∗∗ فَهَذا خِتامٌ والزِّيادَةُ تَنْفَعُ فَلَوْ سُلِّمَ عَلى هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وأوْجَبَ بَعْضٌ الرَّدِّ في بَعْضِها، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّ مُسْتَمِعَ الخَطِيبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وعِنْدَنا يَحْرُمُ كَسائِرِ الكَلامِ بِلا فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ عَلى الأصَحِّ، وكَرِهُوهُ لَقاضِي الحاجَةِ ونَحْوِهِ كالمُجامِعِ، وسَنُّوهُ لِلْآكِلِ كَسَنِّ السَّلامِ عَلَيْهِ بَعْدَ البَلْعِ وقَبْلَ وضْعِ اللُّقْمَةِ بِالفَمِ، ويَلْزَمُهُ الرَّدُّ حِينَئِذٍ ولِمَن بِالحَمّامِ ونَحْوِهِما بِاللَّفْظِ. ورَجَّحُوا أنَّهُ يُسَلَّمُ عَلى مَن بِمَسْلَخِهِ، ولا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مَأْوى الشَّياطِينِ، فالسُّوقُ كَذَلِكَ والسَّلامُ عَلى مَن فِيهِ مَشْرُوعٌ، وإنِ اشْتَغَلَ بِمُساوَمَةٍ، ومُعامَلَةٍ، ومُصَلٍّ، ومُؤَذِّنٍ بِالإشارَةِ، وإلّا فَبَعْدَ الفَراغِ إنْ قَرُبَ الفَصْلُ، وحَرَّمُوا الرَّدَّ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ نَحْوُ مُرْتَدٍّ وحَرْبِيٍّ، ونَدَبَهُ بَعْضُهم عَلى القارِئِ وإنِ اشْتَغَلَ بِالتَّدَبُّرِ، وأوْجَبَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومَحَلُّهُ في مُتَدَبِّرٍ لَمْ يَسْتَغْرِقِ التَّدَبُّرُ قَلْبَهُ وإلّا لَمْ يُسَنُّ ابْتِداءً ولا جَوابًا كالدّاعِي المُسْتَغْرِقِ؛ لِأنَّهُ الآنَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المُمَيِّزِ، بَلْ يَنْبَغِي فِيمَنِ اسْتَغْرَقَهُ الهَمُّ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ ذَلِكَ، وصَرَّحُوا أيْضًا بِعَدَمِ السَّلامِ عَلى فاسِقٍ، بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهُ عَلى مُجاهِرٍ بِفِسْقِهِ، ومُرْتَكِبِ ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَمْ يَتُبْ عَنْهُ، ومُبْتَدَعٍ، إلّا لِعُذْرٍ أوْ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ، وعَلى مُلَبٍّ، وساجِدٍ، وناعِسٍ، ومُتَخاصِمِينَ بَيْنَ يَدَيْ قاضٍ. وأفْتى بَعْضُهم بِكَراهَةِ حَنْيِ الظَّهْرِ، صفحة 103 وقالَ كَثِيرُونَ: حَرامٌ لِلْحَدِيثِ الحَسَنِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى عَنْهُ، وعَنِ التِزامِ الغَيْرِ وتَقْبِيلِهِ، وأمَرَ بِمُصافَحَتِهِ ما لَمْ يَكُنْ ذِمِّيًّا، وإلّا فَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ مُصافَحَتَهُ، بَلْ يَكْفُرُ إنْ قَصَدَ التَّبْجِيلَ، كَما يَكْفُرُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وأفْتى البَعْضُ أيْضًا بِكَراهَةِ الِانْحِناءِ بِالرَّأْسِ، وتَقْبِيلِ نَحْوِ الرَّأْسِ أوْ يَدٍ أوْ رِجْلٍ، لاسِيَّما لِنَحْوِ غَنِيٍّ؛ لِحَدِيثِ««مَن تَواضَعَ لِغَنِيٍّ ذَهَبَ ثُلُثا دِينِهِ»» ونُدِبَ ذَلِكَ لِنَحْوِ صَلاحٍ، أوْ عِلْمٍ، أوْ شَرَفٍ؛ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَبَّلَ يَدَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ولا يُعَدُّ نَحْوُ (صَبَّحَكَ اللَّهُ تَعالى بِالخَيْرِ) أوْ (قَوّاكَ اللَّهُ تَعالى) تَحِيَّةً، ولا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدَأٌ بِهِ جَوابًا، والدُّعاءُ لَهُ بِنَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يُقْصَدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ، ونَحْوُ مَرْحَبًا مِثْلُ ذَلِكَ في ذَلِكَ. وذُكِرَ أنَّهُ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ الرّادُّ: عَلَيْكَ السَّلامُ فَقَطْ أجْزَأهُ، لَكِنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُهُ، إذِ الإمْرُ فِيها دائِرٌ بَيْنَ الجَوابِ بِالأحْسَنِ والجَوابِ بِالمِثْلِ، ولَيْسَ ما ذُكِرَ شَيْئًا مِنهُما. وحَمْلُ التَّحِيَّةِ عَلى السَّلامِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ وأئِمَّةِ الدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الهَدِيَّةُ والعَطِيَّةُ، وأوْجَبَ القائِلُ العِوَضَ أوِ الرَّدَّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ، ونُسِبَ أيْضًا لِإمامِنا الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ السَّلامَ قَدْ وقَعَ فَلا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ، فَلِذا حُمِلَ عَلى الهَدِيَّةِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُها عَلَيْها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَجازٌ كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: قِفِي تُغْرَمِ الأُولى مِنَ اللَّحْظِ مُقْلَتِي ∗∗∗ بِثانِيَةٍ والمُتْلِفُ الشَّيْءَ غارِمُهْ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أتَرَوْنَ هَذا في السَّلامِ وحْدَهُ؟! هَذا في كُلِّ شَيْءٍ، مَن أحْسَنَ إلَيْكَ فَأحْسِنْ إلَيْهِ وكافِهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فادْعُ لَهُ، واثْنِ عَلَيْهِ عِنْدَ إخْوانِهِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قِياسُ غَيْرِ السَّلامِ مِن أنْواعِ الإحْسانِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّحِيَّةِ ما يَعُمُّ السَّلامَ وغَيْرَهُ لِخَفاءِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن أرادَ الأعَمَّ فَسَّرَها بِما يُسْدى إلى الشَّخْصِ مِمّا تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ فَيُحاسِبُكم عَلى كُلٍّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. هَذا ومِن بابٍ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ﴾ أنْفُسَهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَيُهْلِكُونَها بِسُيُوفِ المُجاهِدَةِ لِيَصِلُوا إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ﴾ عُقُولَهم ويُنازِعُونَها ﴿فِي سَبِيلِ﴾ طاغُوتِ أنَفُسِهِمْ لِيُحَصِّلُوا اللَّذّاتِ ويَغْنَمُوا في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ أمْتِعَةَ الشَّهَواتِ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ وهي القُوى النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْسَ وقُواها ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ فَوَلِيُّهُ ضَعِيفٌ، عاذَ بِقَرْمَلَةٍ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: قالَ لَهُمُ المُرْصِدُونَ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ عَنْ خارِبَةِ الأنْفُسِ الآنَ قَبْلَ أداءِ رُسُومِ العِباداتِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ البَدَنِ بِأداءِ العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ القَلْبِ بِأداءِ العِبادَةِ المالِيَّةِ، فَإذا تَمَّ لَكم ذَلِكَ فَتَوَجَّهُوا إلى مُحارَبَةِ النَّفْسِ، فَإنَّ مُحارَبَتَها قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلاحٍ، فَإنَّ هَذِهِ العِباداتِ الرَّسْمِيَّةَ سِلاحُ السّالِكِينَ، فَلا يَتِمُّ لِأحَدٍ تَهْذِيبُ الباطِنِ قَبْلَ إصْلاحِ الظّاهِرِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ حِينَ أداءِ ما أُمِرُوا بِأدائِهِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ لِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ هَجْرَهُمْ، ولا ارْتِكابَ ما فِيهِ ذُلُّ نُفُوسِهِمْ خَشْيَةَ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ إعْراضِهِمْ عَنْهم ﴿وقالُوا﴾ بِلِسانِ الحالِ ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ الآنَ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ، فالمَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةُ، وها حالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِكِينَ يَرْغَبُونَ عَنِ السُّلُوكِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّهِ مِمّا فِيهِ إذْلالُ نُفُوسِهِمْ وامْتِهانِها خَوْفًا مِنَ المَلامَةِ واعْتِراضِ النّاسِ عَلَيْهِمْ، فَيَبْقَوْنَ في حِجابِ أعْمالِهِمْ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ صفحة 104 فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلاحِظُوا النّاسَ في تَرْكِهِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ فَيَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلُوا المَلامَةَ في تَحْصِيلِها ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ مِمّا كُتِبَ لَكُمْ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ خَشْيَةِ سِوى اللَّهِ تَعالى. ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ وتُفارِقُونَ ولا بُدَّ مَن تَخْشَوْنَ فِراقَهُ، إنْ سَلَكْتُمْ فَفارِقُوهم بِالسُّلُوكِ وهو المَوْتُ الِاخْتِيارِيُّ قَبْلَ أنْ تُفارِقُوهم بِالهَلاكِ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أيْ: أجْسادٍ قَوِيَّةٍ: فَمَن يَكُ ذا عَظْمٍ صَلِيبٍ رَجا بِهِ ∗∗∗ لِيَكْسِرَ عُودَ الدَّهْرِ فالدَّهْرُ كاسِرُهُ ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ﴾ أيِ: المَحْجُوبِينَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أيْ: شَيْءٍ يُلائِمُ طِباعَهم ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَرَحِ النَّفْسِ ولَذَّةِ الشَّهْوَةِ لاتُّبِعَتِ المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ تَنْفِرُ عَنْهُ طِباعُهُمْ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿يَقُولُوا﴾ لِضِيقِ أنْفُسِهِمْ ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى غَيْرِهِ تَعالى، ويَرْجِعُونَ إلى الأسْبابِ لِعَدَمِ رُسُوخِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ في قُلُوبِهِمْ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا دُعاءٌ لَهم إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنِ الأغْيارِ، والإقْرارُ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ خالِقُ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِصِفاتِ النُّفُوسِ، وارْتِياجِ آذانِ قُلُوبِهِمُ الَّتِي هي أوْعِيَةُ السَّماعِ والوَعْيِ، ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ صَغُرَتْ أوْ عَظُمَتْ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تَعالى أفاضَها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ حَقُرَتْ أوْ جَلَّتْ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ: مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الِاسْتِعْدادِ الحادِثِ بِسَبَبِ ظُهُورِ النَّفْسِ بِالصِّفاتِ والأفْعالِ الحاجِبَةِ لِلْقَلْبِ، المُكَدِّرَةِ لِجَوْهَرِهِ، حَتّى احْتاجَ إلى الصَّقْلِ بِالرَّزايا والمَصائِبِ والبَلايا والنَّوائِبِ، لا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ غَيْرِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ فَأنْتَ الرَّحْمَةُ لَهُمْ، فَلا يَكُونُ مِن عِنْدِكَ شَرٌّ عَلَيْهِمْ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى ذَلِكَ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ)؛﴾ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ، يَتَجَلّى مِنهُ لِلْخَلْقِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ باطِنَ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ لِيُرْشِدَهم إلى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ إطاعَتَكَ إطاعَتُهُ سُبْحانَهُ، حَيْثُ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الفَرْقِ والجَمْعِ، وقِيلَ: ألا يَتَدَبَّرُونَهُ فَيَتَّعِظُونَ بِكَرِيمِ مَواعِظِهِ ويَتْبَعُونَ مَحاسِنَ أوامِرِهِ، أوْ أفَلا يَتَدَبَّرُونَهُ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ تَجَلّى لَهم فِيهِ. ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: لَوَجَدُوا الكَثِيرَ مِنهُ مُخْتَلِفًا بَلاغَةً وعَدَمَها، فَيَكُونُ مِثْلَ كَلامِ المَخْلُوقِينَ، فَيَكُونُ لَهم مَساغٌ إلى تَكْذِيبِهِ وعَدَمِ قَبُولِ شَهادَتِهِ، أوِ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَجْلًى لِلَّهِ تَعالى ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ إخْبارٌ عَمَّنْ في مُبادِي السُّلُوكِ، أيْ: إذا ورَدَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أفْشَوْهُ وأشاعُوهُ ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: عَرَضُوهُ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ إلى ما عُلِمَ مِن أحْوالِهِ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وهُمُ المُرْشِدُونَ الكامِلُونَ، الَّذِينَ نالُوا مَقامَ الوِراثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيْ: لَعَلِمَ مَآلَهُ، وأنَّهُ مِمّا يُذاعُ أوْ أنَّهُ لا يُذاعُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ ويَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم أيْ: مِن جِهَتِهِمْ وواسِطَةِ فُيُوضاتِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الرّادُّونَ أنْفُسُهُمْ، وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ إذا عَرَضَ لَهُ في أثْناءِ سَيْرِهِ وسُلُوكِهِ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أنْ يُفْشِيَهُ لَأحَدٍ قَبْلَ أنْ يَعْرِضَهُ عَلى شَيْخِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَإنَّ في إفْشائِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَرَرًا كَثِيرًا. ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ بِالواسِطَةِ العُظْمى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – ﴿ورَحْمَتُهُ﴾ بِالمُرْشِدِينَ الوارِثِينَ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ والنَّفْسَ أعْظَمَ جُنُودِهِ إنْ لَمْ تَكُنْهُ ﴿إلا قَلِيلا﴾ وهُمُ السّالِكُونَ بِواسِطَةِ نُورٍ إلَهِيٍّ أُفِيضَ عَلَيْهِمْ فاسْتَغْنَوْا بِهِ كَبَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ، قِيلَ: وهم عَلى قَدَمِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلْ مَن يُخالِفُكَ صفحة 105 وحْدَكَ ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَن يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا أوْصافَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿واللَّهُ أشَدُّ﴾ مِنهم بَأْسًا أيْ: نِكايَةً ﴿وأشَدُّ﴾ مِنهم ﴿تَنْكِيلا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا. ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى الطّاعاتِ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ مِن ثَوابِها ﴿ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ: مِثْلٌ مُساوٍ مِن عِقابِها ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ فَيُوصِلُ الثَّوابَ والعِقابَ إلى مُسْتَحِقَّيْهِما ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ تَعْلِيمٌ لِنَوْعٍ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِعَطِيَّةٍ فابْذُلُوا الأحْسَنَ مِن عَطاياهُ، أوْ تَصَدَّقُوا بِما أعْطاكُمْ، ورُدُّوهُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ المُسْتَحِقِّينَ، واللَّهُ تَعالى خَيْرُ المُوَفِّقِينَ.

النساء 4:87

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ و(لا إلَهَ إلّا هُوَ) اعْتِراضٌ، واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لَكانَ، وجُمْلَةُ (اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْدِيدٍ قُصِدَ بِما قَبْلَها وما بَعْدَها، بِعِيدٌ، ثُمَّ الخَبَرُ وإنْ كانَ هو القَسَمَ وجَوابَهُ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ الجَوابُ، فَلا يَرِدُ وُقُوعُ الإنْشاءِ خَبَرًا، ولا أنَّ جَوابَ القَسَمِ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا مَعَ أنَّهُ لا امْتِناعَ مِنِ اعْتِبارِ المَحَلِّ وعَدَمِهِ بِاعْتِبارَيْنِ؟! والجَمْعُ بِمَعْنى الحَشْرِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِـ(إلى) كَما عُدِّيَ الحَشْرُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّما عُدِّيَ بِها لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإفْضاءِ المُتَعَدِّي بِها أيْ: لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ، وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أثْبَتَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في ذَلِكَ اليَوْمِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ في الجَمْعِ، فالجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ اليَوْمِ أوَصِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَمْعًا (لا رَيْبَ فِيهِ) والقِيامَةُ بِمَعْنى القِيامِ، ودَخَلَتِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِذَلِكَ لِقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلْحِسابِ مَعَ شِدَّةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ تَعالى ﴿كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ تَلاهُ بِالإعْلامِ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، والحَشْرِ، والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: وجْهُ النُّظُمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ ونَهى فِيما قَبْلُ بَيَّنَ بَعْدُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ؛ لِيَعْلَمُوا عَلى حَسَبِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّ لِهَذا العَمَلِ جَزاءُ بِبَيانِ وقْتِهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِيَجِدُّوا فِيهِ ويَرْغَبُوا ويَرْهَبُوا. ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ في الأخْبارِ الصّادِقَةِ لا الكَيْفِيَّةِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ فِيها تَفاوُتٌ لِما أنَّ الصِّدْقَ المُطابَقَةُ لِلْواقِعِ وهي تَزِيدُ، فَلا يُقالُ لِحَدِيثٍ مُعَيَّنٍ: إنَّهُ أصْدَقُ مِن آخَرَ إلّا بِتَأْوِيلٍ وتَجَوُّزٍ، والمَعْنى: لا أحَدَ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ تَعالى في وعْدِهِ وسائِرِ أخْبارِهِ، ويُفِيدُ نَفْيَ المُساواةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِمْ: لَيْسَ في البَلَدِ أعْلَمُ مِن زَيْدٍ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُعْرَفُ خِلافٌ بَيْنَ المُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ في تِلْكَ الِاسْتِحالَةِ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُهم في الِاسْتِدْلالِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِ الرَّبِّ تَعالى بِأنَّ الكَلامَ مِن فِعْلِهِ تَعالى، والكَذِبُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِمْ بِالحُسْنِ والقُبْحِ الذّاتِيَّيْنِ، وإيجابِهِمْ رِعايَةَ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأمّا الأشاعِرَةُ فَلَهم - كَما قالَ الآمِدِيُّ - في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ النَّفْسانِيِّ مَسْلَكانِ: صفحة 106 عَقْلِيٌّ وسَمْعِيٌّ، أمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ: فَهو أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ في الخَبَرِ مِنَ الكَلامِ النَّفْسانِيِّ القَدِيمِ لَيْسَ لِذاتِهِ ونَفْسِهِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ كانَ الخَبَرُ صِدْقًا، وإنْ كانَ عَلى خِلافِهِ كانَ كَذِبًا، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ تَعَلَّقَ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ كَلامُهُ القائِمُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ العِلْمِ بِهِ أوْ لا، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ الجَهْلُ المُمْتَنَعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَمَن كانَ عالِمًا بِالشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ لا يَقُومَ بِهِ الإخْبارُ عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ، وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ قامَ بِنَفْسِهِ الإخْبارَ عَنْهُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ مُخْبِرًا عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لَقامَ بِالنَّفْسِ الخَبَرُ الصّادِقُ والكاذِبُ بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وبُطْلانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. واعْتُرِضَ بِأنّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً مِن أنْفُسِنا إنّا حالَ ما نَكُونُ عالِمَيْنِ بِالشَّيْءِ يُمْكِنُنا أنْ نُخْبِرَ بِالخَبَرِ الكاذِبِ، ونَعْلَمَ كَوْنَنا كاذِبِينَ، ولَوْلا إنّا عالِمُونَ بِالشَّيْءِ المُخْبَرِ عَنْهُ لَما تُصُوِّرُ عِلْمُنا بِكَوْنِنا كاذِبِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ الَّذِي نَعْلَمُ مِن أنْفُسِنا كَوْنَنا كاذِبِينَ فِيهِ إنَّما هو الخَبَرُ اللِّسانِيُّ، وأمّا النَّفْسانِيُّ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّةَ عِلْمِنا بِكَذِبِهِ حالَ الحُكْمِ بِهِ. وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ ﷺ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ القاطِعَةِ فِيما هو رَسُولٌ فِيهِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ. وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ، وأنَّ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، ونَظَرَ فِيهِ الآمِدِيُّ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صِحَّةُ السَّمْعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِدْقُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ بِالرِّسالَةِ نازِلٌ مَنزِلَةَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ في دَعَواهُ، فَلَوْ جازَ الكَذِبُ عَلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا في تَصْدِيقِهِ لَهُ، ولا يَكُونُ الرَّسُولُ صادِقًا، وإذا تَوَقَّفَ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ كانَ دَوْرًا. لا يُقالُ إثْباتُ الرِّسالَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ دَوْرًا، فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ إثْباتُ الرِّسالَةِ عَلى الإخْبارِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَتّى يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ، بَلْ عَلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ، وإثْباتُ الرِّسالَةِ وجَعْلُهُ رَسُولًا في الحالِ كَقَوْلِ القائِلِ: وكَّلْتُكَ في أشْغالِي، واسْتَنَبْتُكَ في أُمُورِي، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي تَصْدِيقًا ولا تَكْذِيبًا إذْ يُقالُ حِينَئِذٍ: فَلَوْ ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِ شَخْصٍ لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ التَّحَدِّي بِناءً عَلى جِوارِهِ عَلى أُصُولِ الجَماعَةِ لَمْ تَكُنِ المُعْجِزَةُ دالَّةً عَلى ثُبُوتِ رِسالَتِهِ إجْماعًا، ولَوْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ لِرِسالَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا مُتَّبَعًا بَعْدَ ظُهُورِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ الإنْشاءِ مَشْرُوطًا بِالتَّحَدِّي بَعِيدٌ بِالنَّظَرِ إلى حُكْمِ الإنْشاءاتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ غايَتُهُ ثُبُوتُ الرِّسالَةِ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صادِقًا في كُلٍّ ما يُخْبِرُ بِهِ دُونَ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُخْبِرُ بِهِ، أوْ تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في ذَلِكَ، ولا دَلِيلَ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وتَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى لَهُ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ، عادَ ما سَبَقَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المَسْلَكَ السَّمْعِيَّ في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، وهو صَحِيحٌ فِيهِ. والسُّؤالُ الوارِدُ ثَمَّ مُنْقَطِعٌ هُنا؛ فَإنَّ صِدْقَ الكَلامِ اللِّسانِيِّ وإنْ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ لَكِنَّ صِدْقَ الرَّسُولِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلى صِدْقِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، بَلْ عَلى الكَلامِ اللِّسانِيِّ نَفْسِهِ، فامْتَنَعَ الدَّوْرُ المُمْتَنَعُ. وفِي المَواقِفِ: الِاسْتِدْلالُ عَلى امْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَقْصٌ، والنَّقْصُ مَمْنُوعٌ إجْماعًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَحْنُ أكْمَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي وقْتَ صِدْقِنا في كَلامِنا. والثّانِي: أنَّهُ لَوِ اتَّصَفَ بِالكَذِبِ سُبْحانَهُ لَكانَ كَذِبًا قَدِيمًا، إذْ لا يَقُومُ الحادِثَ صفحة 107 بِذاتِهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ أنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الصِّدْقُ، فَإنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ، واللّازِمُ باطِلٌ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا أمْكَنَ لَهُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهَذانِ الوَجْهانِ إنَّما يَدُلّانِ عَلى أنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى يَكُونُ صادِقًا. ثُمَّ أتى بِالوَجْهِ الثّالِثِ دَلِيلًا عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والنَّفْسِيِّ عَلى طِرْزِ ما في المَسْلَكِ الثّانِي، وقَدْ عَلِمْتَ ما لِلْآمِدِيِّ فِيهِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ لَكَ الحَقُّ.

النساء 4:88

﴿فَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والنَّفْيُ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي المُنافِقِينَ﴾ يُحْتَمَلُ - كَما قالَ السَّمِينُ - أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فَما لكم تَفْتَرِقُونَ في المُنافِقِينَ، وأنْ يَكُونُ حالًا مِن (فِئَتَيْنِ) أيْ: فِئَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ في المُنافِقِينَ، فَلَمّا قُدِّمَ نُصِبَ عَلى الحالِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفي انْتِصابِ (فِئَتَيْنِ) وجْهانِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكُمْ) المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِنِيابَتِهِ عَنْهُ، وهَذِهِ الحالُ لازِمَةٌ لا يَتِمُّ الكَلامُ بِدُونِها، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في هَذا التَّرْكِيبِ وما شابَهَهُ. وثانِيهُما: وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ خَبَرُ كانَ مَقْدِرَةً، أيْ: ما لكم في شَأْنِهِمْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، ورُدَّ بِالتِزامِ تَنْكِيرِهِ في كَلامِهِمْ، نَحْوُ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ).﴾ وأمّا ما قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن أنَّ كُونَ ذِي الحالِ بَعْضًا مِن عامِلِهِ غَرِيبٌ، لا يَكادُ يَصِحُّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ فَلا يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ، ولا يَجُوزُ اخْتِلافُ العامِلِ في الحالِ وصاحِبِها، فَمِن فَلْسَفَةِ النَّحْوِ كَما قالَ الشِّهابُ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِينَ شَيْءٌ مُصَحِّحٌ لِاخْتِلافِهِمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ وُجُوبِ قَطْعِ القَوْمَ بِكُفْرِهِمْ وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُجاهِرِينَ في جَمِيعِ الأحْكامِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ النِّفاقِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِمُ السّابِقِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ««هم قَوْمٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ حَتّى جاءُوا المَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرِينَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ إلى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضائِعَ لَهم يَتَّجِرُونَ فِيها، فاخْتَلَفَ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ فَقائِلٌ يَقُولُ: هم مُنافِقُونَ، وقائِلٌ يَقُولُ: هم مُؤْمِنُونَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهُمْ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَ بِقَتْلِهِمْ»». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «هم ناسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأقامُوا بِمَكَّةَ، وأعْلَنُوا الإيمانَ ولَمْ يُهاجِرُوا، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَوَلّاهم ناسٌ، وتَبَرَّأ مِن ولايَتِهِمْ آخَرُونَ، وقالُوا: تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُنافِقِينَ، وبَرَّأ المُؤْمِنِينَ مِن ولايَتِهِمْ، وأمَرَهم أنْ لا يَتَوَلَّوْهم حَتّى يُهاجِرُوا». وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأحْمَدُ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ إلى أُحُدٍ فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ (فِئَتَيْنِ) فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ الآيَةَ كُلَّها». ويُشْكَلُ عَلى هَذا ما سَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن جَعْلِ هِجْرَتِهِمْ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ تَوْلِيَتِهِمْ إلّا أنْ يُصْرَفَ عَنِ الظّاهِرِ كَما سَتَعْلَمُهُ. وقِيلَ: هُمُ العُرَنِيُّونَ، الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ، وأخَذُوا يَسارًا راعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَثَّلُوا بِهِ، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وغَرَزُوا الشَّوْكَ في لِسانِهِ وعَيْنَيْهِ حَتّى ماتَ، ويَرُدُّهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَهم في السِّلْمِ والحَرْبِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أُخِذُوا وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ مِنَ المُثْلَةِ والقَتْلِ، ولَمْ يُنْقَلْ في أمْرِهِمُ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. صفحة 108 ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، مُفِيدٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والرّابِطُ الواوُ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا مَوْصُولَةٌ. وأرْكَسَ ورَكَسَ بِمَعْنًى، واخْتُلِفَ في مَعْنى الرَّكْسِ لُغَةً، فَقِيلَ: الرَّدُّ كَما قِيلَ في قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَأُرْكِسُوا في جَحِيمِ النّارِ أنَّهم كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والمَعْنى حِينَئِذٍ: واللَّهُ تَعالى رَدَّهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الِارْتِدادِ واللُّحُوقِ بِالمُشْرِكِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وقِيلَ: هو قَرِيبٌ مِنَ النَّكْسِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى رَماهم مُنَكَّسِينَ، فَهو أبْلَغُ مِنَ التَّنْكِيسِ؛ لِأنَّ مَن يَرْمِي مُنَكَّسًا في هُوَّةٍ قَلَّما يَخْلُصُ مِنها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بِكَسْبِهِمُ الكُفْرَ أوْ بِما كَسَبُوهُ مِنهُ قَلَبَ حالَهم ورَماهم في حُفَرِ النِّيرانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّهُ فَسَّرَ (أرْكَسَهُمْ) بِـ(أضَلَّهُمْ) وقَدْ جاءَ الإرْكاسُ بِمَعْنى الإضْلالِ، ومِنهُ: وأرْكَسَتْنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَّيْرَتْنِي مَثَلًا لِلْعِدا. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: المَعْنى: حَبَسَهم في جَهَنَّمَ، والبُخارِيُّ عَنْهُ أنَّ المَعْنى بَبَّدَهُمْ، أيْ: فَرَّقَهم وفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: أهْلَكَهُمْ، ولَعَلَّها مَعانٍ تَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ (رُكِسُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ قُرِئَ (رَكَّسَهُمْ) مُشَدَّدًا. ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْفِئَةِ القائِلَةِ بِإيمانِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ، وإشْعارٌ بِأنْ يُؤَدِّي إلى مُحاوَلَةِ المُحالِ الَّذِي هو هِدايَةُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإيمانِهِمْ وادِّعاءَ اهْتِدائِهِمْ مَعَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ سَعْيٌ في هِدايَتِهِمْ وإرادَةٌ لَها، فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ (المُنافِقُونَ) إلّا أنْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ، وتَأْكِيدِ اسْتِحالَةِ الهِدايَةِ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحِمْلِهِ عَلى العُمُومِ، والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا - كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ - لَيْسَ بِشَيْءٍ. وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ بِبَيانِ أنَّ إرادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ فَضْلًا عَنْ إمْكانِ نَفْسِهِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وحَمْلُ الهِدايَةِ والإضْلالِ عَلى الحُكْمِ بِها خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ الخَلْقُ، أيْ: مَن يُخْلَقُ فِيهِ الضَّلالُ كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ هُنا مَن تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) مِنَ السُّبُلِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ في (تَجِدَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ لِلْكُلِّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ونَفْيُ وِجْدانِ السَّبِيلِ أبْلَغُ مَن نَفْيِ الهادِي، وحَمْلُ إضْلالِهِ تَعالى عَلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ بِالضَّلالِ مُخِلٌّ بِحُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وجَعْلُ السَّبِيلِ بِمَعْنى الحُجَّةِ، وأنَّ المَعْنى: مَن يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى في حُكْمِهِ ضالًّا فَلَنْ تَجِدَ لَهُ في ضَلالَتِهِ حُجَّةً - كَما قالَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ - لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ، مُؤَكِّدٌ لِاسْتِحالَةِ الهِدايَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُرِيدُونَ) أوْ (تَهْدُوا) والرّابِطُ الواوُ.

النساء 4:89

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ بَيانٌ لِغُلُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، وتَصَدِّيهِمْ لِإضْلالِ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ و(لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ لا جَوابَ لَها، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كَفَرُوا﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَلِكَ المَصْدَرِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، ولا دَلالَةَ صفحة 109 فِي نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُمُ اسْتِقْلالًا لا دَخْلَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى صَرْفِ ما تَقَدَّمَ عَنْ ظاهِرِهِ كَما زَعَمَهُ ابْنُ حَرْبٍ؛ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ لَها نِسْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الخَلْقِ، ونِسْبَةٌ إلى العِبادِ بِاعْتِبارِ الكَسْبِ، بِالمَعْنى الَّذِي حَقَّقْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ عَطْفٌ عَلى (لَوْ تَكْفُرُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّمَنِّي، أيْ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فَتَكُونُونَ مُسْتَوِينَ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وجُوَّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (لَوْ) عَلى بابِها، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، كَمَفْعُولِ (ودَّ) أيْ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا (فَتَكُونُونَ سَواءً) فَسُرُّوا بِذَلِكَ. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، وجُمِعَ (أوْلِياءَ) مُراعاةً لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ المُرادَ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ المُخاطَبِينَ عَنِ اتِّخاذِ كُلٍّ مِنَ المُنافِقِينَ ولِيًّا، أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ مِنَ الوِدادَةِ فَلا تُوالُوهم. ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: حَتّى يُؤْمِنُوا، وتُحَقِّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ – لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، وأصْلُ السَّبِيلِ الطَّرِيقُ، واسْتُعْمِلَ كَثِيرًا في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ تَعالى، وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ. وقَدْ نُصَّ في التَّيْسِيرِ عَلى أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ، ولِلْهِجْرَةِ ثَلاثُ اسْتِعْمالاتٍ: أحُدُها: الخُرُوجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وهو الِاسْتِعْمالُ المَشْهُورُ. وثانِيها: تَرْكُ المَنهِيّاتِ. وثالِثُها: الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الهِجْرَةَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن رَجَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، عَلى ماحَكاهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، وجَزَمَ بِهِ الخازِنُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِنَ الحِلِّ والحَرَمِ، فَإنَّ حُكْمَهم حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ أسْرًا وقَتْلًا، وقِيلَ: المُرادُ القَتْلُ لا غَيْرُ، إلّا أنَّ الأمْرَ بِالأخْذِ لِتَقَدُّمِهِ عَلى القَتْلِ عادَةً. ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً، ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ونُصْرَةً أبَدًا، كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُضارِعُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ أوِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ

النساء 4:90

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكم ولَمْ يُحارِبُوكُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ المُدْلِجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: ««لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ بَدْرٍ وأُحُدٍ وأسْلَمَ مَن حَوْلَهم قالَ سُراقَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى قَوْمِي مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أنْشُدُكَ النِّعْمَةَ، فَقالُوا: مَهْ! فَقالَ: دَعُوهُ، ما تُرِيدُ؟ قُلْتُ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَبْعَثَ إلى قَوْمِي، وأنا أُرِيدُ أنْ تُوادِعَهم فَإنْ أسْلَمَ قَوْمُكَ أسْلَمُوا ودَخَلُوا في الإسْلامِ، وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشَ بِقُلُوبِ قَوْمِكَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ خالِدٍ فَقالَ: اذْهَبْ مَعَهُ فافْعَلْ ما يُرِيدُ، فَصالَحَهم خالِدٌ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا مَعَهُمْ، ومَن وصَلَ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ كانُوا عَلى مِثْلِ عَهْدِهِمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ودُّوا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ فَكانَ مَن وصَلَ إلَيْهِمْ كانُوا مَعَهم عَلى عَهْدِهِمْ». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ. صفحة 110 ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في (لا تَتَّخِذُوا) وإنْ كانَ أقْرَبَ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلِيِّ مِنهم حَرامٌ مُطْلَقًا. ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: والَّذِينَ (جاءُوكُمْ) كافِّينَ مِن قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِ اسْتُثْنِي مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَرِيقانِ: مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ ولَحِقَ بِالمُعاهَدِينَ، ومَن أتى المُؤْمِنِينَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَطْفٌ عَلى صِفَةِ القَوْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ أوْ إلى قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم. والأوَّلُ أرْجَحُ رِوايَةً ودِرايَةً؛ إذْ عَلَيْهِ يَكُونُ لِمَنعِ القِتالِ سَبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ السَّبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، لَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ إلَخْ يُقَرِّرُ أنَّ أحَدَ السَّبَبَيْنِ هو الكَفُّ عَنِ القِتالِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْعَطْفِ عَلى الصِّلَةِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ كانَ أحَدَ السَّبَبَيْنِ الِاتِّصالُ بِالكافِّينَ لا الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ تَحَقَّقَتِ المُناسِبَةُ أيْضًا؛ لَأنَّ سَبَبَ مَنعِ التَّعَرُّضِ حِينَئِذٍ الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، والِاتِّصالُ بِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ سَبَبٌ لِلدُّخُولِ في حُكْمِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يُبَيِّنُ حُكْمَ الكافِّينَ لِسَبْقِ حُكْمِ المُتَّصِلِينَ بِهِمْ أُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ، وأُجْرِي عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم إذا اسْتَثْنَوْا بَيَّنُوا حُكْمَ المُسْتَثْنى تَقْرِيرًا وتَوْكِيدًا. وقالَ الإمامُ: جَعْلُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ أوْلى مِن جَعْلِ الِاتِّصالِ بِمَن يَكُفُّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، عَلى أنَّ المُتَّصِلِينَ بِالمُعاهَدِينَ لَيْسُوا مُعاهَدِينَ، لَكِنْ لَهم حُكْمُهُمْ، بِخِلافِ المُتَّصِلِينَ بِالكافِّينَ فَإنَّهم إنْ كَفُّوا فَهم هُمْ، وإلّا فَلا أثَرَ لَهُ. وقَرَأ أُبَيٌّ (جاءُوكُمْ) بِغَيْرٍ (أوْ) عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ المِيثاقُ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ؟ فَقِيلَ: (جاءُوكُمْ)، إلَخْ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ السُّؤالُ: كَيْفَ وصَلُوا إلى المُعاهَدِينَ ومِن أيْنَ عُلِمَ ذَلِكَ؟ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِـ(قَوْمٍ)، أوَ بِيانٌ لِـ(يَصِلُونَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وضَعَّفَ أبُو حَيّانَ البَيانَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ في الأفْعال، والبَدَلَ بِأنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ، ولا بَعْضَهُ، ولا مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِانْتِهاءَ إلى المُعاهَدِينَ والِاتِّصالَ بِهِمْ حاصِلُهُ الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَصَحَّ جَعْلُ مَجِيئِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ وعَلى هَذِهِ العَزِيمَةِ - بَيانًا لِاتِّصالِهِمْ بِالمُعاهَدِينَ، أوْ بَدَلًا مِنهُ، كُلًّا أوْ بَعْضًا أوِ اشْتِمالًا، وكَوْنُ ذَلِكَ لا يَجْرِي في الأفْعال لا يَقُولُ بِهِ أهْلُ المَعانِي، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى حَذْفِ العاطِفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: (حَصِرَةٌ صُدُورُهُمْ) وكَذا قِراءَةُ: (حَصِراتٌ) و(حاصِراتٌ) واحْتِمالُ الوَصْفِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ لِـ(قَوْمٍ) لِاسْتِواءِ النَّصْبِ والجَرِّ بِعِيدٌ. وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوا) أيْ: جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وما قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ بِالحالِيَّةِ هو الوَصْفُ لِأنَّها حالٌ مُوَطِّئَةٌ فَلا بُدَّ مِن قَدْ، سِيَّما عِنْدَ حَذْفِ المَوْصُوفِ، فَما ذُكِرَ التِزامٌ لِزِيادَةِ الإضْمارِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وقِيلَ: بَيانٌ لِـ(جاءُوكُمْ) وذَلِكَ كَما الطِّيِبِيُّ؛ لِأنَّ مَجِيئَهم غَيْرَ مُقاتِلِينَ و(حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ) بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: مِن جِهَةِ أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الِاتِّصالُ وتَرْكُ المُعانَدَةِ والمُقاتَلَةِ لا حَقِيقَةُ المَجِيءِ، أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةٍ المَجِيءِ، وقِيلَ: يَدُلُّ اشْتِمالُ مَن (جاءُوكُمْ) لِأنَّ المَجِيءَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَصْرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّها جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّعاءِ عَلى الكُفّارِ بِأنْ لا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، بَلْ بِأنْ يَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وقَتْلٌ، والحَصَرُ بِفُتْحَتَيْنِ الضِّيقُ والِانْقِباضُ. ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ، أوْ لِأنْ، أوْ كَراهَةَ أنْ، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ صفحة 111 بِأنْ قَوّى قُلُوبَهُمْ، وبَسَطَ صُدُورَهُمْ، وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكُمْ، واللّامُ جَوابِيَّةٌ لِعَطْفِهِ عَلى الجَوابِ، ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ لَوْ، وسَمّاها مَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ لامَ المُجازاةِ والِازْدِواجِ، وهي تَسْمِيَةٌ غَرِيبَةٌ، وفي الإعادَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ جَوابٌ مُسْتَقِلٌّ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ. وقُرِئَ (فَلَقَتَلُوكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَعْتَرِضُوا لَكم ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ مَعَ ما عَلِمْتُمْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: الصُّلْحَ فانْقادُوا واسْتَسْلِمُوا، وكانَ إلْقاءُ السَّلَمِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ مَن سَلَّمَ شَيْئًا ألْقاهُ وطَرَحَهُ عِنْدَ المُسَلَّمِ لَهُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وفي نَفْيِ جَعْلِ السَّبِيلِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ؛ لِأنَّ مِن لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لَهُ. وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةُ الحُكْمِ بِآيَةِ بَراءَةَ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وغَيْرِهِ.

النساء 4:91

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أُناسٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُسْلِمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى ﷺ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، فَأبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: الآيَةُ في حَقِّ المُنافِقِينَ ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الشِّرْكِ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: قُلِّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ. يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ: بِماذا آمَنتَ؟ بِهَذا القِرْدِ والعَقْرَبِ والخُنْفُساءِ ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بِالكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكم بِوَجْهٍ ما ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: ولَمْ يُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ والمُهادَنَةَ ﴿ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُفُّوا أنْفُسَهم عَنْ قِتالِكم. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم وأصَبْتُمُوهُمْ، أوْ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهُمْ، وعَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِلْآيَةِ الأُولى، وبَيْنَهُما تَقابُلٌ إمّا بِالإيجابِ والسَّلْبِ وإمّا بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ؛ لِأنَّ إحْداهُما عَدَمِيَّةٌ والأُخْرى وُجُودِيَّةٌ، ولَيْسَ بَيْنَهُما تَقابُلُ التَّضادِّ ولاَ تَقابُلُ التَّضايُفِ؛ لِأنَّهُما عَلى ما قَرَّرُوا لا يُوجَدانِ إلّا بَيْنَ أمْرَيْنِ وُجُودِيَّيْنِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ويُلْقُوا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وألْقَوْا﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ويَكُفُّوا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فالمُقَدَّمُ مُرَكَّبٌ مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ في الآيَتَيْنِ، وهي في الآيَةِ الأُولى الِاعْتِزالُ وعَدَمُ القِتالِ وإلْقاءُ السَّلَمِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهم بِالأخْذِ والقَتْلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ عَدَمُ الِاعْتِزالِ وعَدَمُ إلْقاءِ السَّلَمِ وعَدَمُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ الثَّلاثَةِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ الأخْذُ والقَتْلُ المُصَرَّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ).﴾ ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ (ويَكُفُّوا) بِمَعْنى (لَمْ يَكُفُّوا) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ لا عَلى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ سُقُوطِ النُّونِ الَّذِي هو عَلامَةُ الجَزْمِ، وعَطْفُهُ عَلى النَّفْيِ والجَزْمُ بِـ(أنِ) الشَّرْطِيَّةِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّناقُضَ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ إنْ لَمْ صفحة 112 يَكُفُّوا، وإذا عُطِفَ و(يَكُفُّوا) عَلى النَّفْيِ يَلْزَمُ اجْتِماعُ عَدَمِ الكَفِّ والكَفِّ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وكَذا لا يَصِحُّ كَوْنُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و(يَكُفُّوا) جُمْلَةً حالِيَّةً، أوِ اسْتِئْنافِيَّةً بَيانِيَّةً، أوْ نَحْوِيَّةً، لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما التَّناقُضَ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ النُّونِ في (يَكُفُّوا) عَلى ما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ الجَزاءَ في الأوَّلِ مُرَتَّبًا عَلى شَيْئَيْنِ، وفي الثّانِيَةِ عَلى ثَلاثَةٍ، والسِّرُّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى مَزِيدِ خَباثَةِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ، وكَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ - بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ تَعْقِيدٍ، ورُبَّما لا يُوجَدُ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا بَعْدَ عِنايَةٍ وتَكَلُّفٍ، فَتَأمَّلْ جِدًّا ﴿وأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ. ﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً فِيما أمَرْناكم بِهِ في حَقِّهِمْ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وخَباثَتِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا لا خَفاءَ فِيهِ حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ