Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النساء 4:92 – النساء 4:169

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النساء 4:92
  2. النساء 4:93
  3. النساء 4:94
  4. النساء 4:95
  5. النساء 4:96
  6. النساء 4:97
  7. النساء 4:98
  8. النساء 4:99
  9. النساء 4:100
  10. النساء 4:101
  11. النساء 4:102
  12. النساء 4:103
  13. النساء 4:104
  14. النساء 4:105
  15. النساء 4:106
  16. النساء 4:107
  17. النساء 4:108
  18. النساء 4:109
  19. النساء 4:110
  20. النساء 4:111
  21. النساء 4:112
  22. النساء 4:113
  23. النساء 4:114
  24. النساء 4:115
  25. النساء 4:116
  26. النساء 4:117
  27. النساء 4:118
  28. النساء 4:119
  29. النساء 4:120
  30. النساء 4:121
  31. النساء 4:122
  32. النساء 4:123
  33. النساء 4:124
  34. النساء 4:125
  35. النساء 4:126
  36. النساء 4:127
  37. النساء 4:128
  38. النساء 4:129
  39. النساء 4:130
  40. النساء 4:131
  41. النساء 4:132
  42. النساء 4:133
  43. النساء 4:134
  44. النساء 4:135
  45. النساء 4:136
  46. النساء 4:137
  47. النساء 4:138
  48. النساء 4:139
  49. النساء 4:140
  50. النساء 4:141
  51. النساء 4:142
  52. النساء 4:143
  53. النساء 4:144
  54. النساء 4:145
  55. النساء 4:146
  56. النساء 4:147
  57. النساء 4:148
  58. النساء 4:149
  59. النساء 4:150
  60. النساء 4:151
  61. النساء 4:152
  62. النساء 4:153
  63. النساء 4:154
  64. النساء 4:155
  65. النساء 4:156
  66. النساء 4:157
  67. النساء 4:158
  68. النساء 4:159
  69. النساء 4:160
  70. النساء 4:161
  71. النساء 4:162
  72. النساء 4:163
  73. النساء 4:164
  74. النساء 4:165
  75. النساء 4:166
  76. النساء 4:167
  77. النساء 4:168
  78. النساء 4:169

النساء 4:92

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وقِيلَ: لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في قِتالِ الكُفّارِ ذَكَرَ إثْرَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُحارَبَةِ في الجُمْلَةِ أيْ: ما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ ﴿أنْ يَقْتُلَ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿مُؤْمِنًا﴾ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَلَّما يَخْلُو المُقاتِلُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، فالِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُفَرَّغٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، ولا يَلْزَمُ جَوازُ القَتْلِ خَطَأً شَرْعًا، حَيْثُ كانَ المَعْنى: إنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ لا يَقْتُلَ إلّا خَطَأً. وقالَ بَعْضُهُمُ: الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى (ولا)، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا ولا خَطَأً، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن مُؤْمِنٍ أيْ: إلّا خاطِئًا، والمُخْتارُ مَعَ الفَصْلِ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّصْبُ، والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ (خَطاءً) بِالمَدِّ، و(خَطًا) بِوَزْنِ عَمًى بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ، «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ - وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ والحَرْثِ بْنِ هِشامٍ لِأُمِّهِما - أسْلَمَ وهاجَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وكانَ أحَبَّ ولَدِ أُمِّهِ إلَيْها فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْها، فَحَلَفَتْ أنْ لا يَظِلَّها سَقْفُ بَيْتٍ حَتّى تَراهُ، فَأقْبَلَ أبُو جَهْلٍ والحَرْثُ حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَأخْبَرا عَيّاشًا بِما لَقِيَتْ أُمُّهُ، وسَألاهُ أنْ يَرْجِعَ مَعَهُما فَتَنْظُرَ إلَيْهِ، ولا يَمْنَعاهُ أنْ يَرْجِعَ، وأعْطَياهُ مَوْثِقًا أنْ يُخَلِّيا سَبِيلَهُ بَعْدَ أنْ تَراهُ أُمُّهُ، فانْطَلَقَ مَعَهُما، حَتّى إذا خَرَجا مِنَ المَدِينَةِ عَمَدا إلَيْهِ فَشَدّاهُ وِثاقًا، وجَلَداهُ نَحْوًا مِن مِائَةِ جِلْدَةٍ، وأعانَهُما عَلى ذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَحَلَفَ عِياشٌ لَيَقْتُلَنَّ الكِنانِيَّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَقَدِما بِهِ مَكَّةَ فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتّى فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – مَكَّةَ، فَخَرَجَ عِياشٌ فَلَقِيَ الكِنانِيَّ وقَدْ أسْلَمَ، وعِياشٌ لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ، فَأُخْبِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَنَزَلَتْ،» ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، كانَ في سَرِيَّةٍ فَعَدَلَ أبُو الدَّرْداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجَةً لَهُ، فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ في غَنَمٍ لَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ، فَضَرَبَهُ صفحة 113 ثُمَّ جاءَ بِغَنَمِهِ إلى القَوْمِ، ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَأتى إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، وقَدْ أخْبَرَكَ بِلِسانِهِ فَلَمْ تُصَدِّقْهُ! فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: فَكَيْفَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ»! وتَكَرَّرَ ذَلِكَ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: فَتَمَنَّيْتُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُبْتَدَأ إسْلامِي، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ». ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ، أيْ: فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، وأصْلُ مَعْناهُ: جَعَلَهُ حُرًّا أيْ: كَرِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُكَرَّمٍ: حُرٌّ، ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ (لِلْخَدِّ) وأحْرارُ الطَّيْرِ، وكَذا تَحْرِيرُ الكِتابِ مِن هَذا أيْضًا. والمُرادُ بِالرَّقَبَةِ النَّسَمَةُ تَعْبِيرًا عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ، قالَ الرّاغِبُ: إنَّها في المُتَعارَفِ لِلْمَمالِيكِ، كَما يُعَبَّرُ بِالرَّأْسِ والظَّهْرِ عَنِ المَرْكُوبِ فَيُقالُ: فُلانٌ يَرْبُطُ كَذا رَأْسًا، وكَذا ظَهْرًا. ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ مَحْكُومٌ بِإيمانِها، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ: لا يُجْزِئُ في كَفّارَةِ القَتْلِ الطِّفْلُ ولا الكافِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يُجْزِئُ فِيها صَبِيٌّ) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ جَوازَ عِتْقِ كِتابِيٍّ صَغِيرٍ أوْ مَجُوسِيٍّ كَبِيرٍ أوْ صَغِيرٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى عَدَمِ إجْزاءِ نِصْفِ رَقَبَةٍ ونِصْفِ أُخْرى ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَةِ القَتِيلِ، يَقْتَسِمُونَها بَيْنَهم عَلى حَسَبِ المِيراثِ، فَقَدْ أخْرَجَ أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ قالَ: ««كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها»» ويُقْضى مِنها الدَّيْنُ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ، ولا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَّرِكَةِ، وعَنْ شَرِيكٍ: لا يُقْضى مِنَ الدِّيَةِ دِينٌ، ولا تُنَفَّذُ وصِيَّةٌ. وعَنْ رَبِيعَةَ: الغُرَّةُ لِأُمِّ الجَنِينِ وحْدَها، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ الجَماعَةِ، وتَجِبُ الرَّقَبَةُ في مالِ القاتِلِ، والدِّيَةُ تَتَحَمَّلُها عَنْهُ العاقِلَةُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَهي في بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ عَلَيْهِ، وسَمّى العَفْوَ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»» وهو مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ المُقَدَّرِ قَبْلُ، أوْ بِـ(مُسَلَّمَةٌ) أيْ: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها في جَمِيعِ الأحْيانِ إلّا حِينَ أنَّ يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ بِها، فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ، ولا يَلْزَمُ تَسْلِيمُها، ولَيْسَ فِيهِ - كَما قِيلَ - دَلالَةٌ عَلى سُقُوطِ التَّحْرِيرِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْدِيرٌ عَلَيْهِ آخَرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ فالمُنْسَبِكُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ، أوِ الأهْلِ، أوِ الظَّرْفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ كِلا التَّخْرِيجَيْنِ خَطَأٌ؛ لِأنَّ (أنْ) والفِعْلَ لا يَجُوزُ وُقُوعُهُما حالًا، ولا مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَشْهَدَ عَلى وُقُوعِ (أنْ) وصِلَتِها مَوْقِعَ ظَرْفِ الزَّمانِ بِقَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ سَهْمٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعا أيْ: لِأوَّلِ سَهْمٍ زَمانَ مُلاقاتِهِ، وابْنُ مالِكٍ - كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ - يُقَدِّرُ في الآيَةِ والبَيْتِ حَرْفَ الجَرِّ، أيْ بِأنْ يَصَّدَّقُوا، وبِأنْ يُلاقِيَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا). ﴿فَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ خَطَأً ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أيْ: كَفّارٌ يُناصِبُوكُمُ الحَرْبَ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ القاتِلُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ بِأنْ أتاهم بَعْدَ أنْ أسْلَمَ لِمُهِمٍّ، أوْ بِأنْ أسْلَمَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُفارِقْهُمْ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ في مِرْداسِ بْنِ عَمْرٍو لَمّا قَتَلَهُ خَطَأً أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ، إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ ﴿وإنْ كانَ﴾ صفحة 114 أيِ: المَقْتُولُ المُؤْمِنُ - كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ﴿مِن قَوْمٍ﴾ كُفّارٍ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ ﴿فَدِيَةٌ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ ﴿مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مِن أهْلِ الإسْلامِ إنْ وجَدُوا، ولا تُدْفَعُ إلى ذَوِي قَرابَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّ كانُوا مُعاهَدِينَ؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذا الحُكْمِ - كَما قِيلَ - مَعَ تَأْخِيرِ نَظِيرِهِ فِيما سَلَفَ لِلْإشْعارِ بِالمُسارَعَةِ إلى تَسْلِيمِ الدِّيَةِ؛ تَحاشِيًا عَنْ تَوَهُّمِ نَقْضِ المِيثاقِ ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كَما هو حُكْمُ سائِرِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ إفْرادَهُ بِالذِّكْرِ - كَما قِيلَ - أيْضًا مَعَ انْدِراجِهِ في حُكْمِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) إلَخْ لِبَيانِ أنَّ كَوْنَهُ فِيما بَيْنَ المُعاهَدِينَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الدِّيَةِ كَما مَنَعَهُ كَوْنُهُ بَيْنَ المُحارِبِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَقْتُولِ هُنا أحَدُ أُولَئِكَ القَوْمِ المُعاهَدِينَ، فَيَلْزَمُ قاتِلَهُ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وأداءُ الدِّيَةِ إلى أهْلِهِ المُشْرِكِينَ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي مالِكٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ دِيَةَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ سَواءٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلٍّ الكَفّارَةَ والدِّيَةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ دِيَتُهُما سِواءً، كَما أنَّ الكَفّارَةَ عَنْهُما سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ دِيَةَ المُعاهَدِ كانَتْ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ثُمَّ نُقِصَتْ بَعْدُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَجُعِلَتْ مِثْلَ نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أنَّ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ النِّصْفَ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ،» وبِذَلِكَ أخَذَ مالِكٌ. وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثُلُثا عُشْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم وُجُوبَ الدِّيَةِ أيْضًا فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنا وهو مُؤْمِنٌ لِعُمُومِ الآيَةِ الأُولى، وأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الدِّيَةِ في آيَتِهِ لا يُنْفِيها، وإنَّما سُكِتَ عَنْها؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ تُسَلَّمُ إلى أهْلِهِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ، بَلْ تَكُونُ لِبَيْتِ المالِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ بِالسُّكُوتِ أنَّ أهْلَهُ لا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ في المُؤْمِنِ إذا كانَ مِن قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، وتُدْفَعُ إلى أهْلِهِ الكُفّارِ، وهم أحَقُّ بِدِيَتِهِ لِعَهْدِهِمْ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لا يَعُدُّونَ ذَلِكَ إرْثًا؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ - ولَوْ مُعاهَدًا – المُسْلِمَ، كَما بُرْهِنَ عَلَيْهِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً يُحَرِّرُها، بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها مِنَ الثَّمَنِ ﴿فَصِيامُ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا يُفْطِرُ فِيهِما، ولا يَقْطَعُ صِيامَهُما، فَإنْ فَعَلَ - مِن غَيْرِ مُرْضٍ ولا عُذْرٍ - اسْتَقْبَلَ صِيامَهُما جَمِيعًا، فَإنْ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أوْ عُذْرٌ صامَ ما بَقِيَ مِنهُما، فَإنْ ماتَ ولَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأُخْرِجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: فَمَن لَمْ يَجِدْ دِيَةً أوْ عَتاقَةً فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، وبِهِ أخَذَ مَن قالَ: إنَّ الصَّوْمَ لِفاقِدِ الدِّيَةِ والرَّقَبَةِ يَجْزِيهِ عَنْهُما، والِاقْتِصارُ عَلى تَقْدِيرِ الرَّقَبَةِ مَفْعُولًا هو المُرْوِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: الصِّيامُ لِمَن لَمْ يَجْدِ رَقَبَةً، وأمّا الدِّيَةُ فَواجِبَةٌ لا يُبْطِلُها شَيْءٌ، ثُمَّ قالَ: وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ الدِّيَةَ في الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ، والكَفّارَةَ عَلى القاتِلِ فَلا يُجْزِئُ صَوْمُ صائِمٍ عَمّا لَزِمَ غَيْرَهُ في مالِهِ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لا إطْعامَ في هَذِهِ الكَفّارَةِ، ومَن قالَ: يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ، قاسَهُ عَلى الظِّهارِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِذِكْرِ الكَفّارَةِ في الخَطَأِ دُونَ العَمْدِ مَن قالَ: أنْ لا كَفّارَةَ في العَمْدِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: هو أوْلى بِها مِنَ الخَطَأِ. ﴿تَوْبَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًا لَها، مِن تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّقْصِيرِ بِتَرْكِ الِاحْتِياطِ. صفحة 115 وقِيلَ: التَّوْبَةُ بِمَعْنى التَّخْفِيفِ، أيْ: شُرِعَ لَكم هَذا تَخْفِيفًا عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ حالَ كَوْنِهِ ذا تَوْبَةٍ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، أيْ: تَوْبَةً كائِنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ هَذا القاتِلِ ﴿حَكِيمًا﴾ في كَلِّ ما شَرَعَ وقَضى مِنَ الأحْكامِ، الَّتِي مَن جُمْلَتِها ما شَرَعَ وقَضى في شَأْنِهِ

النساء 4:93

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بِأنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ بِما يُفَرِّقُ الأجْزاءَ، أوْ بِما لا يُطِيقُهُ البَتَّةَ عالِمًا بِإيمانِهِ، وهو نُصِبَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (يَقْتُلْ). ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ سَكَّنَ التّاءَ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ ﴿فَجَزاؤُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ ﴿جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أيْ: ماكِثًا إلى الأبَدِ، أوْ مُكْثًا طَوِيلًا إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أوِ المَنصُوبِ في يُجْزاها المُقَدَّرِ، وقِيلَ: هو مِنَ المَنصُوبِ لا غَيْرُ ويُقَدَّرُ جازاهُ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ومُنِعَ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فَجَزاؤُهُ) لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وثانِيهُما: أنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دَلالَةً واضِحَةً، كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ، (وغَضِبَ عَلَيْهِ) أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ عَلى ما عَلَيْهِ الأشاعِرَةُ ﴿ولَعَنَهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ (أنْ) وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، إلَخْ. ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: ««نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ ضُبابَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ، وكانا بِالمَدِينَةِ، فَوَجَدَ مِقْيَسٌ أخاهُ هِشامًا ذاتَ يَوْمٍ قَتِيلًا في الأنْصارِ في بَنِي النَّجّارِ، فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ ومَعَهُ مِقْيَسٌ إلى بَنِي النَّجّارِ، ومَنازِلُهم يَوْمَئِذٍ بِقُباءٍ، أنِ ادْفَعُوا إلى مِقْيَسٍ قاتِلَ أخِيهِ إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وإلّا فادْفَعُوا إلَيْهِ الدِّيَةَ، فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ قالُوا: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِلرَّسُولِ ﷺ واللَّهِ تَعالى ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًا، ولَكِنْ نُؤَدِّي الدِّيَةَ، فَدَفَعُوا إلى مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الأبْلِ دِيَةَ أخِيهِ، فَلَمّا انْصَرَفَ مِقْيَسٌ والفِهْرِيُّ راجِعِينَ مِن قُباءٍ إلى المَدِينَةِ وبَيْنَهُما ساعَةٌ، عَمَدَ مِقْيَسٌ إلى الفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ». وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ ضَرَبَ بِهِ الأرْضَ، وفَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ورَكِبَ جَمَلًا مِنَ الدِّيَةِ وساقَ مَعَهُ البَقِيَّةَ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، وهو يَقُولُ في شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُشْتَمِلَةً عَلى إبْراقٍ وإرْعادٍ وتَهْدِيدٍ شَدِيدٍ وإبْعادٍ، وقَدْ تَأيَّدَتْ بِغَيْرِما خَبَرٍ ورَدَ عَنْ سَيِّدِ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كُلُّ ذَنْبٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ إلّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كافِرًا أوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»». وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، صفحة 116 عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِّيٍّ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أعانَ عَلى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ»». وأخْرَجا عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ – قالَ: ««لَزَوالُ الدُّنْيا وما فِيها أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ، ولَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأدْخَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»». وفِي رِوايَةِ الأصْبَهانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -قالَ: ««لَوْ أنَّ الثَّقَلَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَناخِرِهِمْ في النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلى القاتِلِ والآمِرِ»». واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ - ونَحْوِهِ مِنَ القَوارِعِ - المُعْتَزِلَةُ عَلى خُلُودِ مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في النّارِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ في الزَّجْرِ، لا سِيَّما الآيَةُ؛ لِاقْتِضاءِ النَّظْمِ لَهُ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ في آيَةِ الحَجِّ، «وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ - كَما في الصَّحِيحَيْنِ - حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ؛ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ»». وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نازَلْتُ رَبِّي في قاتِلِ المُؤْمِنِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ تَوْبَةً فَأبى عَلَيَّ»». وما أخْرَجَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِينا أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا بِجَنْبِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ قاتِلِ المُؤْمِنِ: هَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: لا والَذى لا إلَهَ إلّا هو لا يَدْخُلُ الحَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ». وشاعَ القَوْلُ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْهُ، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْنا. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حُمَيْدٍ والنَّحّاسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: «لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ» فَجاءَهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ: ألِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ؟ قالَ: «لا إلّا النّارُ» فَلَمّا قامَ الرَّجُلُ قالَ لَهُ جُلَساؤُهُ: ما كُنْتَ هَكَذا تُفْتِينا، كُنْتَ تُفْتِينا أنَّ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةً مَقْبُولَةً، فَما شَأْنُ هَذا اليَوْمِ؟ قالَ: إنِّي أظُنُّهُ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، فَبَعَثُوا في أثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ. وكانَ هَذا أيْضًا شَأْنَ غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ، فَقَدْ قالَ سُفْيانُ: كانَ أهْلُ العِلْمِ إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ، فَإذا ابْتُلِيَ رَجُلٌ قالُوا لَهُ: تُبْ. وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ في الآيَةِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّوامُ؛ لِتَظاهُرِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إنْ هو جازاهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ – قِيلَ: وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يَزْجُرُهُ عَنْ أمْرٍ: إنْ فَعَلْتَهُ فَجَزاؤُكَ القَتْلُ والضَّرْبُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُجازِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ كَذِبًا، والأصْلُ في هَذا عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ الوَعِيدَ، وإنِ امْتَنَعَ أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، وبِهَذا ورَدَّتِ السُّنَّةُ. فَفِي حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَمَلِهِ ثَوابًا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ، ومَن أوْعَدَهُ عَلى عَمَلِهِ عِقابًا فَهو بِالخِيارِ»». ومِن أدْعِيَةِ الأئِمَّةِ الصّادِقِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: يا مَن إذا وعَدَ وفا، وإذا تَوَعَّدُ عَفا، وقَدِ افْتَخَرَتِ العَرَبُ بِخُلْفِ الوَعِيدِ ولَمْ تَعُدَّهُ نَقْصًا، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ قِسْمٌ مِن أقْسامِ الخَبَرِ، وإذا جازَ الخُلْفُ فِيهِ وهو كَذِبٌ لِإظْهارِ الكَرَمِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في القِصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وفَتْحُ ذَلِكَ البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في الشَّرائِعِ كُلِّها. صفحة 117 والقائِلُونَ بِالعَفْوِ عَنْ بَعْضِ المُتَوَعِّدِينَ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ إنْشاءٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها إخْبارٌ، إلّا أنَّ هُناكَ شَرْطًا مَحْذُوفًا لِلتَّرْهِيبِ، فَلا خُلْفَ بِالعَفْوِ فِيها وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى تَفْرِيعِ ما نَحْنُ فِيهِ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ لا بِأنَّهُ يَجْزِيهِ كَيْفَ لا وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ ولَوْ كانَ هَذا إخْبارًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لَعارَضَهُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي صالِحٍ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، واعْتَرَضَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ ما لا يُفْعَلُ لا يُسَمّى جَزاءً، ألا تَرى أنَّ الأجِيرَ إذا اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ فالدَّراهِمُ الَّتِي عِنْدَ مُسْتَأْجِرِهِ لا تُسَمّى جَزاءً ما لَمْ تُعْطَ لَهُ وتَصِلْ إلَيْهِ! وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَحَقِّ سَواءٌ فُعِلَ أمْ لَمْ يُفْعَلْ، ولِهَذا يُقالُ: جَزاءُ المُحْسِنِ الإحْسانُ وجَزاءُ المُسِئُ الإساءَةُ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ المُحْسِنُ والمُسِئُ حَتّى يُقالَ: فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُما أوْ لَمْ يُفْعَلْ، ويُقالُ لِمَن قَتَلَ غَيْرَهُ: جَزاءُ هَذا أنْ يُقْتَلَ، وهو كَلامٌ صادِقٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلِ القَتْلَ، وإنَّما لا يُقالُ لِلدَّراهِمِ: إنَّها جَزاءُ الأجِيرِ؛ لِأنَّ الأجِيرَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ في الذِّمَّةِ لا في الدَّراهِمِ المُعَيَّنَةِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أنْ يُعْطِيَهُ مِنها ومِن غَيْرِها. واعْتُرِضَ بِأنّا سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ في الجَزاءِ أنْ يُفْعَلَ إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى المُسْتَحِقِّينَ البَتَّةَ، وفي الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي فِيها أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى مُسْتَحَقِّهِ كُلَّها في حُكْمِ آياتِ الوَعِيدِ، والعَفْوُ فِيهِ جائِزٌ، فَلا مَعْنى لِلْقَوْلِ بِالبَتِّ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ قُرَيْشِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ في بَيْتِهِ فَأنْشَأ يَقُولُ: يُؤْتى بِي يَوْمَ القِيامَةِ فَأُقامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَقُولُ لِي: لِمَ قُلْتَ: إنَّ القاتِلَ في النّارِ؟! فَأقُولُ: أنْتَ قُلْتَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ إلَخْ، فَقُلْتُ لَهُ: وما في البَيْتِ أصْغَرُ مِنِّي: أرَأيْتَ إنْ قالَ لَكَ: فَإنِّي قَدْ قُلْتُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَمِن أيْنَ عَلِمْتَ أنِّي لا أشاءُ أنْ أغْفِرَ لِهَذا؟ قالَ: فَما اسْتَطاعَ أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا». ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: «جالَسْتُ النّاسَ قَبْلَ الدّاءِ الأعْظَمِ في المَسْجِدِ الأكْبَرِ فَسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةَ، قالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: وجَبَتْ لِمَن فَعَلَ هَذا النّارُ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلَخْ، فَقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى ما شاءَ». وبِآيَةِ المَغْفِرَةِ رَدَّ ابْنُ سِيرِينَ عَلى مَن تَمَسَّكَ بِآيَةِ الخُلُودِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِن عِنْدِهِ، وكَوْنُ آيَةِ الخُلُودِ بَعْدَ تِلْكَ الآيَةِ نُزُولًا بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ – لا يُفِيدُ شَيْئًا، ودَعْوى النَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، كَما لا يَخْفى. وأجابَ بَعْضُ النّاسِ بِأنَّ حُكْمَ الآيَةِ إنَّما هو لِلْقاتِلِ المُسْتَحِلِّ، وكُفْرُهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها نَزَلَتْ في الكِنانِيِّ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وجَماعَةٍ أنَّهم فَسَّرُوا (مُتَعَمِّدًا) بِـ(مُسْتَحِلًّا) واعْتُرِضَ بِأنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِأنَّ تَفْسِيرَ المُتَعَمِّدِ بِالمُسْتَحِلِّ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ؛ إذْ لَيْسَ هو مَعْناهُ لُغَةً ولا شَرْعًا، فَإنِ التَزَمَ المَجازَ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِما عَلِمْتَ الآنَ، عَلى أنَّهُ يَفُوتُ التَّقابُلُ بَيْنَ هَذا القَتْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ والقَتْلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهو الخَطَأُ الصِّرْفُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِحْلالَ يُفْهَمُ مِن تَعْلِيقِ القَتْلِ بِالمُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ صفحة 118 يُفِيدُ عِلِّيَةَ مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا لِأجَلِ إيمانِهِ - ولا شَكَّ أنْ مَن يَقْتُلُهُ لِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مُسْتَحِلًّا - فَلا يَكُونُ إلّا كافِرًا، فَيَخْرُجُ هَذا القاتِلُ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبُ النُّزُولِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُؤْمِنَ - وإنْ كانَ مُشْتَقًّا في الأصْلِ - إلّا أنَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوامِدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: كَلَّمْتُ مُؤْمِنًا مَثَلًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّكَ كَلَّمْتَهُ لِأجَلٍ إيمانِهِ؟! ولَوْ أفادَ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُؤْمِنِ العِلِّيَةَ لَكانَ ضَرْبُ المُؤْمِنِ وتَرْكُ السَّلامِ عَلَيْهِ والقِيامُ لَهُ كَقَتْلِهِ كُفْرًا، ولا قائِلَ بِهِ، واعْتِبارُ الِاشْتِقاقِ تارَةً وعَدَمُ اعْتِبارِهِ أُخْرى خارِجٌ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، فَلْيُفْهَمْ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرُ هَنا حُكْمَ القَتْلِ العَمْدِ الأُخْرَوِيَّ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ.

النساء 4:94

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُوجِبُ النَّدَمَ مِن قَتْلِ مَن لا يَنْبَغِي قَتْلُهُ. ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ لِلْغَزْوِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ (فَتَثَبَّتُوا) أيْ: فاطْلُبُوا ثَباتَ الأمْرِ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في (إذا) مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ غَزَوْتُمْ فَتَبَيَّنُوا، ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ أيْ: حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، ومُقابِلُها تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَأنْعَمِ صَباحًا، وحَيّاكَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، وأهْلُ الشّامِ (السَّلَمَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (السِّلْمَ) بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وبِهِ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّلامَ أيْضًا في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، واللّامُ - عَلى ما قالَ السَّمِينُ -: لِلتَّبْلِيغِ، والماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُرادُ النُّهْيُ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينُ مادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينِ والتَّثْبِيتِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ كانَ فِيهِ لا لِأنَّهُ لا يَجِبُ إلّا فِيهِ، والمَعْنى لا تَقُولُوا لِمَن أظْهَرَ لَكم ما يَدُلُّ عَلى إسْلامِهِ: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ خَوْفَ القَتْلِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأبِي جَعْفَرٍ القارِّي أنَّهم قَرَءُوا (مُؤَمَّنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ أيْ: مَبْذُولًا لَكَ الأمانُ ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ الزَّوالِ، وشِيكُ الِانْتِقالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَقُولُوا) مُشْعِرًا بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَيْدِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا ذَلِكَ العَرَضَ القَلِيلَ الزّائِلَ؛ فَإنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وفي مَقْدُورِهِ (مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يُغَنِّمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُقَيَّدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنهُ رَدُّ إيمانِ المُلْقِي لِظَنِّهِمْ أنَّ الإيمانَ العاصِمَ ما ظَهَرَتْ عَلى صاحِبِهِ دَلائِلُ تُواطِئُ الباطِنَ والظّاهِرَ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والفاءُ في فَـ(مَنَّ) لِلْعَطْفِ عَلى (كُنْتُمْ) وقُدِّمَ خَبَرُها لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابِهَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَرُدُّوا إيمانَ مَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، و(تَقُولُوا): إنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ عاصِمٍ، ولا يُعَدُّ المُتَّصَفُ بِهِ مُؤْمِنًا مَعْصُومًا لِظَنِّكُمُ اشْتِراطَ التَّواطُؤِ في العِصْمَةِ، ومُجَرَّدُ التَّحِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّكم كُنْتُمْ أنْتُمْ في مُبادِئِ إسْلامِكم مِثْلَ هَذا المُلْقِي في عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ لِلنّاسِ مِنكم غَيْرَ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِنَ التَّحِيَّةِ ونَحْوِها، ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم ما تَظُنُّونَهُ شَرْطًا مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّواطُؤِ، صفحة 119 ومُجَرَّدُ أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالفَحْصِ عَنْ تَواطُؤِ ألْسِنَتِكم وقُلُوبِكُمْ، وعَصَمَ بِذَلِكَ دِمائَكم وأمْوالَكُمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ (فَتَبَيَّنُوا) هَذا الأمْرَ، ولا تَعْجَلُوا، وتَدَبَّرُوا؛ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّ ظاهِرَ الحالِ كافٍ في الإيمانِ العاصِمِ، حَيْثُ كَفى فِيكم مِن قَبْلُ، وأُخِّرَ هَذا التَّعْلِيلُ -عَلى ما قِيلَ -: لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ، أوْ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الأوَّلِ إشارَةٌ ما إلى مَيْلِ القَوْمِ نَحْوَ ذَلِكَ العَرَضِ، وأنَّ سُرُورَهم بِهِ أقْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ تَعْجِيلٌ لِمَسَرَّتِهِمْ، وفِيهِ نَوْعُ حَطٍّ عَلَيْهِمْ، رَفَعَ اللَّهُ تَعالى قَدْرَهم ورَضِيَ المَوْلى عَزَّ شَأْنُهُ عَنْهُمْ، أوْ لِأنَّهُ أوْضَحُ في التَّعْلِيلِ الأخِيرِ، وأسْبَقُ لِلذِّهْنِ مِنهُ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ التَّعْلِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُما تَعْلِيلا شَيْءٍ واحِدٍ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَهُما عِلَّةٌ، وقِيلَ: مُوافَقَةً لِما عُلِّلَ بِهِما مِنَ القَيْدِ والمُقَيَّدِ حَيْثُ لَمْ يَتَمايَزا بِالعَطْفِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِأنَّ الأوَّلَ تَعْلِيلٌ لِلنِّهْيِ الثّانِي بِالوَعْدِ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ثَوابًا كَثِيرًا في الآخِرَةِ، أعَدَّهُ لِمَن لَمْ يَبْتَغِ ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الثَّوابِ بِالمَغانِمِ مُناسِبَةً لِلْمَقامِ، والتَّعْلِيلُ الثّانِي لِلنَّهْيِ الأوَّلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ في الآيَةِ ما رَدَّهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ فِيها: إنَّ المَعْنى كَما كانَ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ في قَوْمِهِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهم كُنْتُمْ أنْتُمْ مُسْتَخِفِينَ بِدِينِكم حَذَرًا مِن قَوْمِكم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِإظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ الإسْلامَ بَعْدَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم أوْ (تَبَيَّنُوا) أمْرَ مَن تَقْتُلُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ - غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ. عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْتَخِفِينَ بِدِينِهِمْ حَذَرًا مِن قَوْمِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ البَعْضِ كانَ مُسْتَخْفِيًا كافٍ في الخِطابِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى القَوْمَ عَنْ قَتْلِ مَن ذُكِرَ أخْبَرَهم بَعْدُ بِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، أوْ أمَرَ بِتَبْيِينِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وهو كَما تَرى. واخْتُلِفَ في سَبَبِ الآيَةِ، فَأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ حُمَيْدٍ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا لَهُ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ – فَنَزَلَتْ»». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً عَلَيْها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ إلى بَنِي ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رَجُلًا مِنهم يُدْعى مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مَعَهُ غُنَيْمَةٌ لَهُ وجَمَلٌ أحْمَرُ، فَآوى إلى كَهْفِ جَبَلٍ، واتَّبَعَهُ أُسامَةُ، فَلَمّا بَلَغَ مِرْداسٌ الكَهْفَ وضَعَ فِيهِ غَنَمَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ أُسامَةُ فَقَتَلَهُ مِن أجْلِ جَمَلِهِ وغُنَيْمَتِهِ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسُلِّمَ - إذا بَعَثَ أُسامَةَ أحَبَّ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، ويَسْألَ عَنْ أصْحابِهِ، فَلَمّا رَجَعُوا لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ، فَجَعَلَ القَوْمُ يُحَدِّثُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ رَأيْتَ أُسامَةَ وقَدْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُمْ، فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى أُسامَةَ فَقالَ: كَيْفَ أنْتَ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟! فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا يَتَعَوَّذُ بِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ؟! ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ». صفحة 120 وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، وذَكَرَ مِن قِصَّتِهِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ أُسامَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلى هَذا مَعَ أنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ في المَكافَّةِ والِانْجِزارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها، فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسِياقِها عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ، وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ، وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ، وجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ مَعَ ظَنِّ القاتِلِينَ أنَّ إسْلامَ مَن ذُكِرَ لِخَوْفِ القَتْلِ، وهو إكْراهُ مَعْنًى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتَلَهُ فَلَوْلا صِحَّةُ إسْلامِهِ لَمْ يُنْكِرْ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّانِي أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالتَّبْيِينِ المُشْعِرِ بِأنَّ العَجَلَةَ خَطَأٌ. ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّالِثِ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ وعَدَمِ الوَعِيدِ عَلى تَرْكِ التَّبْيِينِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا عُذْرَ في تَرْكِ التَّثَبُّتِ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، وأنَّ المُخْطِئَ آثِمٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَهَبُوا يَتَطَرَّقُونَ، فَلَقُوا ناسًا مِنَ العَدُوِّ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم فَتَبِعَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ، فَأوْجَرَهُ بِالسِّنانِ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِلْقاتِلِ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؟! قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا، قالَ: أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟! قالَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِتَعْلَمَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، قالَ: كُنْتُ عالِمَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّما كانَ يُبَيِّنُ عَنْهُ لِسانُهُ، إنَّما كانَ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسانُهُ» قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ، فَحَفَرَ لَهُ أصْحابُهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَلا أدْرِي كَمْ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: دَفَنّاهُ؟ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ لا تَقْبَلُهُ الأرْضُ، فَلَمّا رَأيْنا الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ أخَذْنا بِرِجْلِهِ فَألْقَيْناهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ». وفِي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الأرْضَ أبَتْ أنْ تَقْبَلَهُ، فَألْقُوهُ في غارٍ مِنَ الغِيرانِ،» ووَجْهُ الدَّلالَةِ في هَذا عَلى الإثْمِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا القاتِلَ لَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ المَقْتُولِ غَيْرَ مَقْبُولٍ في الإسْلامِ عِنْدَهُ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، واعْتَذَرَ بِما اعْتَذَرَ كاذِبًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إضَمٍ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمٍ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَأمْسَكْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ نَزَلَ فِينا القُرْآنُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ». والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ في خَبَرِ الحَسَنِ هو هَذا الرَّجُلُ المُصَرَّحُ بِهِ في هَذا الخَبَرِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ كانَ لِشَيْءٍ كانَ في القَلْبِ مِن ضَغائِنَ قَدِيمَةٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الظّاهِرُ لِما في خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثّامَةَ لَمّا رَجَعَ جاءَ النَّبِيَّ ﷺ في بُرْدَيْنِ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ ساعَةٌ حَتّى ماتَ، ودَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «إنَّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَعِظَكُمْ» ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ،» فَإنَّ الَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ اتِّحادُ القِصَّةِ. واعْتُرِضَ عَلى القَبُولِ بِعَدَمِ الوَعِيدِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ صفحة 121 يُسْتَفادُ مِنهُ الوَعِيدُ، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّثْبِيتُ وتَرْكُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا مُطَّلِعًا أتَمَّ اطِّلاعٍ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ(تَبَيَّنُوا) أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.

النساء 4:95

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ شُرُوعٌ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ لِيَأْنَفُوا عَنْ تَرْكِهِ، ولْيَرْغَبُوا عَمّا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ، ورَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ» وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِلتّارِيخِ عَلى ما قِيلَ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ: إنَّهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَنْ تَبُوكَ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَن بَنِي سَلِمَةَ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ، حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الغَزْوَةِ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِنَ القاعِدِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُعُودَ عَنِ الجِهادِ لا يَقْعُدُ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيِأْتِي مِنَ الحُسْنى أيْ: لا يَعْتَدِلُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الجِهادِ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (لِلْقاعِدُونَ) وهو إنْ كانَ مَعْرِفَةً و(غَيْرُ) لا تَتَعَرَّفُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنهُ قاعِدُونَ بِعَيْنِهِمْ، بَلِ الجِنْسُ، فَأشْبَهَ الجِنْسَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِها. وزَعَمَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ (غَيْرُ) هُنا مَعْرِفَةٌ و(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بِمَعْنى مَن لا ضَرَرَ لَهُ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وبِهِ ضُعِّفَ ما تَقَدَّمَ أنَّ المُعَرَّفَ بِاللّامِ المُبْهَمَ وإنْ كانَ في حُكْمِ النَّكِرَةِ لَكِنَّهُ لا يُوصَفُ بِما تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ صِفَتُهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُضارِعٌ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَأصُدُّ ثُمَّ أقُولُ ما يَعْنِينِي واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم جَعْلَهُ بَدَلًا مِنَ (القاعِدُونَ) لِأنَّ (ألْ) فِيهِ مَوْصُولَةٌ، والمَعْرُوفُ إرادَةُ الجِنْسِ في المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ الرَّفْعَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وتَبِعَهُ الواحِدِيُّ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو نَكِرَةٌ لا مَعْرِفَةٌ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ ظَهَرَ إعْرابُ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وكَوْنُ النَّكِرَةِ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا مَوْصُوفَةً أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ و(الضَّرَرِ): المَرَضُ والعِلَلُ الَّتِي لا سَبِيلَ مَعَها إلى الجِهادِ، وفي مَعْناها أوْ هو داخِلٌ فِيها العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ، وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ. فَقَدْ رَوى مالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: ««كُنْتُ أكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنُينَ والمُجاهِدُونَ) وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في فَضْلِ الجِهادِ ما أنْزَلَ وأنا رَجُلٌ ضَرِيرٌ فَهَلْ لِي مِن رُخْصَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا أدْرى، قالَ زَيْدٌ: وقَلَمِي رَطْبٌ ما جَفَّ، حَتّى غَشى النَّبِيَّ ﷺ – الوَحْيُ، ووَقَعَ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي، حَتّى كادَتْ تَدِقُّ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْهُ فَقالَ لِي: اكْتُبْ يا زَيْدُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).﴾» ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مِنهاجِ دِينِهِ ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ إنْفاقًا فِيما يُوهِنُ كَيْدَ الأعْداءِ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ حَمْلًا لَها عَلى الكِفاحِ عِنْدَ اللِّقاءِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(المُجاهِدُونَ) وأُورِدُوا بِهَذا العُنْوانِ دُونَ عُنْوانِ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وقَيَّدَهُ بِما قَيَّدَهُ؛ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ كَما قِيلَ. وقِيلَ: إنَّما أُورِدُوا بِعُنْوانِ الجِهادِ؛ صفحة 122 إشْعارًا بِأنَّ القُعُودَ كانَ عَنْهُ، ولَكِنْ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ هُناكَ رِعايَةً لَهم في الجُمْلَةِ، وقُدِّمَ (القاعِدُونَ) عَلى (المُجاهِدِينَ) ولَمْ يُؤَخَّرْ عَنْهم لِيَتَّصِلَ التَّصْرِيحُ بِتَفْضِيلِهِمْ بِهِمْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَةِ القاعِدِينَ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا - وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ - لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمُ الفاضِلِ فِيهِ؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلِكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَزاحُمَ في النِّكاتِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في شَيْءٍ واحِدٍ جِهَةُ تَقْدِيمٍ وجِهَةُ تَأْخِيرٍ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ تارَةً وتِلْكَ أُخْرى، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا ذِكْرَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ وعَكَسَ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فَقَدَّمَ المُشْتَرى النَّفْسَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، وأخَّرَ البائِعَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُماسَكَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في فائِدَةٍ، وعَلى ذَلِكَ النَّمَطِ جاءَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ في سَبِيلِهِ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴿دَرَجَةً﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يُبْلَغُ كُنْهُها، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفْهَمَهُ نَفْيُ المُساواةِ، فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِما فُهِمَ اعْتِناءً بِهِ، ولِيَتَمَكَّنَ أشَدَّ تَمَكُّنٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ مُبَيِّنَةً ومُوَضِّحَةً لِما تَقَدَّمَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ؟ فَقِيلَ: (فَضَّلُ اللَّهُ) إلَخْ، واللّامُ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - في الجَمْعَيْنِ لِلْعَهْدِ، ولا يَأْباهُ كَوْنُ مَدْخُولِها وصْفًا - كَما قِيلَ - إذْ كَثِيرًا ما تَرِدُ (ألْ) فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ و(دَرَجَةً) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِتَضَمُّنِها التَّفْضِيلَ لِأنَّها المَنزِلَةُ والمَرْتَبَةُ، وهي تَكُونُ في التَّرَقِّي والفَضْلِ، فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلَةً، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، أيْ: ضَرْبَةً، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ، أيْ: بِدَرَجَةٍ، وقِيلَ: هو واقِعٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجَةٍ ومَنزِلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ، وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ المَثُوبَةَ ﴿الحُسْنى﴾ وهي الجَنَّةُ، كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، لا أحَدَهُما فَقَطْ. وقَرَأ الحَسَنُ (وكُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ - وهو العائِدُ في جُمْلَةِ الخَبَرِ - مَحْذُوفٌ أيْ: وعْدُهُ، وكَأنَّ التِزامَ النَّصْبِ في المُتَواتِرَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وبِذَلِكَ خالَفَ ما في الحَدِيدِ، و(الحُسْنى) عَلى القِراءَتَيْنِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وأغْنَتْ (ألْ) عَنْ ذِكْرِ ما تُرِكَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ مِنَ القُيُودِ، وإنَّما لَمْ يُعْتَبَرِ التَّدْرِيجُ في تَرْكِ ما ذُكِرَ مَعَ القاعِدِينَ أوَّلًا بِأنْ يَتْرُكَ (مِنَ المُؤْمِنِينَ) فَقَطْ ويَذْكُرَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) في الآيَةِ الأُولى، ويَتْرُكَهُما مَعًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ بَلْ تَرَكَهُما دُفْعَةً واحِدَةً عِنْدَ أوَّلِ قَصْدِ التَّدْرِيجِ قِيلَ: لِأنَّ قَيْدَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) كانَ بَعْدَ السُّؤالِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ. وفِي بَعْضِ أخْبارِهِ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَعَلَ يَقُولُ: أيْ رَبِّ أيْنَ عُذْرِي؟ أيْ رَبِّ: أيْنَ عُذْرِي؟ فَنَزَلَ ذَلِكَ، فانْسَدَّتْ بابُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَنِعَ السّائِلُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً فَأُسْقِطَ مَعَ ما مَعَهُ السّاقِطُ لِذَلِكَ القَصْدِ دُفْعَةً، ولا كَذَلِكَ صفحة 123 ما ذُكِرَ مَعَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ الإتْيانَ بِهِ كانَ عَنْ مَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ سُؤالٍ، فَلَمّا فُتِحَتْ بابُ الإسْقاطِ اعْتُبِرَ فِيهِ التَّدْرِيجُ؛ فَرْقًا بَيْنَ المَقامَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ(فَضَّلَ) وهو - وإنْ كانَ بِمَعْنى أعْطى الفَضْلِ وهو أعَمُّ مِنَ الأجْرِ لِأنَّهُ ما يَكُونُ في مُقابَلَةِ أمْرٍ - لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنا الأخَصَّ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى مَعْناهُ، و(أجْرًا) مَفْعُولٌ بِهِ، ولِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ نَصَبَ المَفْعُولَ، أيْ: أعْطاهم زِيادَةً (عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا) وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ. وجَعْلُهُ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:

النساء 4:96

﴿دَرَجاتٍ﴾ قُدِّمَ عَلَيْها فانْتُصِبَ عَلى الحالِ، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ جازَ نَعْتُ الجَمْعِ بِهِ بِعِيدٌ. وجُوِّزَ في (دَرَجاتٍ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أجْرًا﴾ بَدَلَ الكُلِّ مُبَيِّنًا لِكِمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجاتٍ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٍ) دالَّةً عَلى فَخامَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِزٍ أنَّهُ قالَ: «هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً». وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن رَضِيَ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -رَسُولًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فَعَجِبَ لَها أبُو سَعِيدٍ فَقالَ: أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعادَها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وأُخْرى يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بِها العَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها سَبْعُمِائَةٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (دَرَجاتٍ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، كَما في قَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، أيْ: ضَرَباتٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى بابِهِ. والمُرادُ بِالدَّرَجاتِ ما ذُكِرَ في آيَةِ (بَراءَةَ ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ونُسِبَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ومَغْفِرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى (دَرَجاتٍ) الواقِعِ بَدَلًا مِن (أجْرًا) بَدَلَ الكُلِّ إلّا أنَّ هَذا بَدَلُ البَعْضِ مِنهُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأجْرِ لَيْسَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ، أيْ: ومَغْفِرَةً عَظِيمَةً لِما يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ، الَّتِي لا يُكَفِّرُها سائِرُ الحَسَناتِ الَّتِي يِأْتِي بِها القاعِدُونَ، فَحِينَئِذٍ تُعَدُّ مِن خَصائِصِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَحْمَةً﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وهو بَدَلُ الكُلِّ مِن (أجْرًا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. هَذا ولَعَلَّ تَكْرِيرُ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ وتَقْيِيدُهُ تارَةً بِـ(دَرَجَةً) وأُخْرى بِـ(دَرَجاتٍ) مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ الظّاهِرُ إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ تَمْهِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وإمّا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ فَضْلَ المُجاهِدِينَ بِمَحَلٍّ لا تَسْتَطِيعُ طَيْرُ الأفْكارِ الخُضْرُ أنْ تَصِلَ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَكادُ أنْ يُتَوَهَّمَ مِنهُ حَرَمانُ القاعِدِينَ اعْتَنى سُبْحانَهُ بِدَفْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ ثُمَّ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ تَفْسِيرَ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ، فَقالَ ما قالَ وسَدَّ بابَ الِاحْتِمالِ. صفحة 124 ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ مِنَ العَطْفِ، وأمّا ما قِيلَ مِن إفْرادِ الدَّرَجَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ تَفْضِيلُ كُلِّ مُجاهِدٍ والجَمْعِ ثانِيًا؛ لِأنَّ المُرادَ فِيهِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ فَفي الدَّرَجاتِ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَلِكُلِّ مُجاهِدٍ دَرَجَةٌ، ومَآلُ العِبارَتَيْنِ واحِدٌ، والِاخْتِلافُ تَفَنُّنٌ فَمِنَ الكَلامِ المَلْفُوظِ، لا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ، وفي هَذا رَغِبَ الرّاغِبُ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِيِّ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما ادَّخَرَهُ سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ المُتَعالِيَةِ عَنِ الحَصْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلُ وتَأْخِيرُ الثّانِي وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم في الدُّنْيا دَرَجَةً واحِدَةً وفي الأُخْرى دَرَجاتٍ لا تُحْصى، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ - أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ - تَوْضِيحًا لِحالِهِما، ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ، كَذا قَرَّرَهُ الفاضِلُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّفْضِيلِ الأوَّلِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ونَعِيمُهُ الرُّوحانِيُّ، ومِنَ التَّفْضِيلِ الثّانِي نَعِيمُ الجَنَّةِ المَحْسُوسُ، وفِيهِ أنَّ عَطْفَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ يُبْعِدُ هَذا التَّخْصِيصَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ مَن جاهَدَ الكُفّارَ، ومِنَ المُجاهِدِينَ الآخَرِينَ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ، وزِيدَ لَهم في الأجْرِ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»» وفِيهِ أنَّ السِّياقَ وسَبَبَ النُّزُولِ يَأْبَيانِ ذَلِكَ، والحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ لا أصْلَ لَهُ كَما قالَ المُحَدِّثُونَ. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ القاعِدِينَ في الأوَّلِ الأضِرّاءُ، وفي الثّانِي غَيْرُهُمْ، كَما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ ما لا يَخْفى. بَقِيَ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ نَصًّا عَلى حُكْمِ أُولِي الضَّرَرِ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ المَقْبُولِ عِنْدَنا، نَعَمْ، في بَعْضِ الأحادِيثِ ما يُؤْذِنُ بِمُساواتِهِمْ لِلْمُجاهِدِينَ، فَقَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنا مِنَ المَدِينَةِ قالَ: «إنَّ في المَدِينَةِ لَأقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن سَيْرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا كانُوا مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهم بِالمَدِينَةِ؟! قالَ: نَعَمْ، وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ»» وعَلَيْهِ دَلالَةُ مَفْهُومِ الصِّفَةِ والِاسْتِثْناءِ في ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: إلّا أُولُو الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذِهِ المُساواةَ مَشْرُوطَةٌ بِشَرِيطَةٍ أُخْرى غَيْرِ الضَّرَرِ قَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ والعَقْلُ أنَّ الأضِرّاءَ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً، كَما أنَّهم دُونَ المُجاهِدِينَ في الدَّرَجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأما أنَّهم مُساوُونَ لَهم في الدَّرَجَةِ الأُخْرَوِيَّةِ فَلا قَطْعَ بِهِ، والآيَةُ - عَلى ما قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ - تَدُلُّ عَلى أنَّهم دُونَهم في ذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ يَغْزُو ويَقُولُ: «ادْفَعُوا إلَيَّ اللِّواءَ، وأقِيمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَإنِّي لَنْ أفِرَّ». وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ رَأيْتُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ ذَلِكَ في بَعْضِ مَشاهِدِ المُسْلِمِينَ ومَعَهُ اللِّواءُ». ويُعْلَمُ مَن نَفْيِ المُساواةِ في صَدْرِ الآيَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّفْضِيلِ المُصَرَّحِ بِهِ بَعْدُ بَيْنَ المُجاهِدِ بِالمالِ والنَّفْسِ والقاعِدِ نَفْيُها بَيْنَ المُجاهِدِ بِأحَدِهِما والقاعِدِ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالمالِ والمُجاهِدِ بِهِ، وبَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمُجاهِدِ بِها بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمُ المُجاهِدِينَ فِيهِ بِأمْوالِهِمْ، والمُجاهِدِينَ صفحة 125 فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالقاعِدِينَ - أيْضًا - قِسْمَيِ القاعِدِ، ويَكُونَ المُرادُ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ كُلِّ قِسْمٍ مِنَ القاعِدِ ومُقابِلِهِ بَعِيدُ جِدًّا. واحْتَجَّ بِها - كَما قالَ ابْنُ الغَرْسِ - مَنَّ فَضَّلَ الغِنى عَلى الفَقْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَضَّلَ المُجاهِدَ بِمالِهِ عَلى المُجاهِدِ بِغَيْرِ مالِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الدَّرَجَةَ الزّائِدَةَ مِنَ الفَضْلِ لِلْمُجاهِدِ بِمالِهِ إنَّما هي مِن جِهَةِ المالِ، واسْتَدَلُّوا بِها أيْضًا عَلى تَفْضِيلِ المُجاهِدِ بِمالِ نَفْسِهِ عَلى المُجاهِدِ بِمالٍ يُعْطاهُ مِنَ الدِّيوانِ ونَحْوِهِ. ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما وعَدَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ.

النساء 4:97

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ إثْرَ بَيانِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ، أوْ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والجِهادِ مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ عَقِبَ بَيانِ حالِ القاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ و(تَوَفّاهُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، وتُرِكَتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّ الفاعِلَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلَهُ (تَتَوَفّاهُمْ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وهو لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ (تَوَفَّتْهُمْ) والثّانِيَ قِراءَةُ إبْراهِيمَ (تُوفاهُمْ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (وفَيْتُ) بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها، أيْ: يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ ابْنُ جِنِّيٍّ، والمُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضُ الرُّوحِ، وهو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَشْرُ إلى النّارِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وهم كَما في البَحْرِ سِتَّةٌ: ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ، وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَلَكُ المَوْتِ فَقَطْ، وهو مِن إطْلاقِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ الواحِدَ؛ تَفْخِيمًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اطِّلاقَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن نِسْبَةِ التَّوَفِّي إلى اللَّهِ تَعالى وإلى مَلَكِ المَوْتِ وإلى أعْوانِهِ، والوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الآمِرُ، بَلْ هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ، والأعْوانُ هُمُ المُزاوِلُونَ لِإخْراجِ الرُّوحِ مِن نَحْوِ العُرُوقِ والشَّرايِينِ والعَصَبِ، والقاطِعُونَ لِتَعَلُّقِها بِذَلِكَ، والمَلَكُ هو القابِضُ المُباشِرُ لِأخْذِها بَعْدَ تَهْيِئَتِها، وفي القُرْآنِ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾، و﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، و ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ ومِثْلُهُ ﴿تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ واخْتِيارِ مُجاوِرَةِ الكُفّارِ المُوجِبَةِ لِلّاخِلالِ بِأُمُورِ الدِّينِ، أوْ بِنِفاقِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإعانَتِهِمُ الكَفَرَةَ. فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا، وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: «إنَّ هَؤُلاءِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ». ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحَرْثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ فَقُتِلُوا هُناكَ كُفّارًا»، ورَواهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. و ”ظالمي“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (تَوَفّاهُمْ) وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ فَلا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، والأصْلُ (ظالِمِينَ أنْفُسَهُمْ). ﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِلْمُتَوَفِّينَ تَوْبِيخًا لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ إسْلامِهِمْ وإقامَةِ أحْكامِهِ وشَعائِرِهِ، أوْ قالُوا تَقْرِيعًا لَهم وتَوْبِيخًا بِما كانُوا فِيهِ مِن مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ وانْتِظامِهِمْ في عَسْكَرِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكُمْ، وحُذِفَتْ ألِفُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ المَجْرُورَةِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، وتُكْتَبُ مُتَّصِلَةً تَنْزِيلًا لَها مَعَ ما قَبْلَها مَنزِلَةَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولِهَذا تُكْتَبُ: إلى وعَلى وحَتّى صفحة 126 فِي إلامَ وعَلا مَ وحَتّى مَ بِالألِفِ ما لَمْ يُوقَفْ عَلى مَ بِالهاءِ. ولَكِنَّ السُّؤالَ كَما عَلِمْتَ طابَقَهُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ وإلّا فالظّاهِرُ في الجَوابِ كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أُولَئِكَ المُتَوَفَّوْنَ في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: قالُوا في جَوابِهِمْ: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في أرْضِ مَكَّةَ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ الأقْرِباءِ. والمُرادُ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ الإسْلامِ، وإدْخالِهِمُ الخَلَلَ فِيهِ بِالِاسْتِضْعافِ والعَجْزِ عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ الدِّينِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ، فَلِذا قَعَدُوا ونامُوا، أوْ تَعَلَّلُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُمْ، والِانْتِظامُ في ذَلِكَ الجَمْعِ المُكَسَّرِ بِأنَّهم كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ، وأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ كارِهِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ تَقْبَلِ المَلائِكَةُ ذَلِكَ مِنهُمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أيْ: إنَّ عُذْرَكم عَنْ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ بِحُلُولِكم بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ الأرْضِ أبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، إذْ يُمْكِنُكم حَلُّ عُقْدَةٍ هَذا الأمْرِ الَّذِي أحَلَّ بِدِينِكم بِالرَّحِيلِ إلى قُطْرٍ آخَرَ مِنَ الأرْضِ، تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ، كَما فَعَلَ مَن هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ، وإلى المَدِينَةِ، أوْ إنَّ تَعَلُّلَكم عَنِ الخُرُوجِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِما يَغِيظُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّكم مَقْهُورُونَ بَيْنَ أُولَئِكَ الأقْوامِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّكم بِسَبِيلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنْ قَهْرِهِمْ، مُتَمَكِّنُونَ مِنَ المُهاجَرَةِ عَنْ مُجاوَرَتِهِمْ والخُرُوجِ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ شُرِحَتْ حالُهُمُ الفَظِيعَةُ ﴿مَأْواهُمْ﴾ أيْ: مَسْكَنُهم في الآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ﴾ لِتَرْكِهِمُ الفَرِيضَةَ المَحْتُومَةَ، فَقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ. وعَنِ السُّدِّيِّ كانَ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، والأصَحُّ الأوَّلُ، أوْ لِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى سَيِّدِ أحِبّائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالتَّأْيِيدِ لَيْسَ نَصًّا في العِصْيانِ بِما دُونَ الكُفْرِ، وإنَّما النَّصُّ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِهِ، واسْمُ الإشارَةُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(مَأْواهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(جَهَنَّمُ) خَبَرُ الثّانِي وهُما خَبَرُ الأوَّلِ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ (إنَّ)، والفاءُ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، و(قَدْ) مَعَهُ مَقْدِرَةٌ في المَشْهُورِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوَّلا ولَهم آخِرًا بِعِيدٌ، أوْ هو الخَبَرُ والعائِدُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنهُ ومِمّا في خَبَرِهِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُ شَيْءٍ مَن قالُوا الثّانِي والثّالِثِ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ جَوابٌ ومُراجَعَةٌ، فَمَن قالَ: لَوْ جُعِلَ قالُوا الثّانِي خَبَرًا لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ فَقَدْ وهِمَ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ هَلَكُوا ونَحْوُهُ، و(تُهاجِرُوا) مَنصُوبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (وساءَتْ) مِن بابِ بِئْسَ أيْ: بِئْسَتْ (مَصِيرًا)، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ، أيْ: مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُّ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ، ونَقَلَ ابْنُ العَرَبِيِّ وُجُوبَ الهِجْرَةِ مِنَ البِلادِ الوَبِيئَةِ أيْضًا، وفي كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ فَنُسِخَتْ، وبَقِيَ نَدْبُها. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، ﷺ»». وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.

النساء 4:98

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ وضَمائِرَهُ والإشارَةَ صفحة 127 إلَيْهِ بِأُولَئِكَ لِمَن تَوَفَّتْهُ المَلائِكَةُ ظالِمًا لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المَذْكُورُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، أيْ: إلّا الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ الهِجْرَةِ وضَعُفُوا ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ ﴿والنِّساءِ﴾ كَأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةِ بِنْتِ الحَرْثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِها ﴿والوِلْدانِ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ المَذْكُورِ، وغَيْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والجارُّ حالٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، أيْ: كائِنِينَ مِن هَؤُلاءِ، وذِكْرُ الوِلْدانِ لِلْقَصْدِ إلى المُبالَغَةِ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ والأمْرِ بِها، حَتّى كَأنَّها مِمّا كُلِّفَ بِها الصِّغارُ، أوْ يُقالُ: إنَّ تَكْلِيفَهم عِبارَةٌ عَنْ تَكْلِيفِ أوْلِيائِهِمْ بِإخْراجِهِمْ مِن دِيارِ الكُفْرِ، وأنَّ المُرادَ بِهِمُ المُراهِقُونَ أوْ مَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالصِّغَرِ مَجازًا كَما في اليَتامى، أوْ أنَّ المُرادَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَؤُلاءِ في عَدَمِ الإثْمِ والتَّكْلِيفِ، أوْ أنَّ العَجْزَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَعَجْزِ الوِلْدانِ، أوِ المُرادُ بِهِمُ العَبِيدُ والإماءُ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ أسْبابَ الهِجْرَةِ ومَبادِيها ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ أيْ: ولا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ المَوْضِعِ المُهاجَرِ إلَيْهِ بِأنْفُسِهِمْ أوْ بِدَلِيلٍ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِما بَعْدَ (مِن) أوْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، سَواءٌ كانَتْ (ألْ) مَوْصُولَةً أوْ حَرْفَ تَعْرِيفِ، وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِضْعافِ المُرادِ هُنا

النساء 4:99

فَـ (أُولَئِكَ) أيِ: المُسْتَضْعَفُونَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ الَّذِي تَحَقَّقَ عَدَمُ وُجُوبِها عَلَيْهِ يَنْبَغِي أنْ يَعُدَّ تَرْكَها ذَنْبًا، ولا يَأْمَنَ، ويَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ، ويُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِها. ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِأتَمِّ وجْهٍ.

النساء 4:100

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ تَرْغِيبٌ في المُهاجِرَةِ وتَأْنِيسٌ لَها، والمُرادُ مِنَ المُراغَمِ المُتَحَوَّلُ والمُهاجَرُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ، فَهو اسْمُ مَكانٍ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلتَّرْغِيبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُتَحَوَّلِ الَّذِي يَجِدُهُ يَصِلُ فِيهِ المُهاجِرُ إلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ المَعْنى يَجِدُ فِيها مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ، وقِيلَ: مُتَّسَعًا مِمّا كانَ فِيهِ مِن ضِيقِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: طَرِيقًا يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، والرَّغْمُ الذُّلُّ والهَوانُ، وأصْلُهُ لُصُوقُ الأنْفِ بِالرِّغامِ وهو التُّرابُ، وقُرِئَ (مُرْغَمًا ﴿وسَعَةً﴾ أيْ: مِنَ الرِّزْقِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مالِكٍ: سَعَةً مِنَ البِلادِ. ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ أيْ: يُحِلُّ بِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ ويَحُطَّ رِحالَ التَّسْيارِ، بَلْ وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجَ بابِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الخُرُوجِ مِن بَيْتِهِ عَلى المُهاجَرَةِ، وثُمَّ لا تَأْبى ذَلِكَ كَما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وقُرِئَ (يُدْرِكُهُ) بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ - كَما قالَ السَّمِينُ - عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ لِلتَّجَرُّدِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، والمَوْتُ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى: صفحة 128 إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ أيْ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وتَكُونُ الِاسْمِيَّةُ حِينَئِذٍ - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -: في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ وُقُوعُها شَرْطًا؛ لِأنَّهم يَتَسامَحُونَ في التّابِعِ، وإنَّما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ لِيَصِحَّ رَفْعُهُ مَعَ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ المُضارِعِ. وقالَ عِصامٌ المُلَّةُ: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ يَجِبُ جَعْلُ (مَن) مَوْصُولَةً؛ لِأنَّ الشَّرْطَ لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ويَكُونُ (يَخْرُجُ) أيْضًا مَرْفُوعًا، ويَرِدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، فالأوْلى أنَّ الرَّفْعَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ رَفْعِ (يَخْرُجُ) لِأنَّ المَقامَ مِن مَظانِّ المَوْصُولِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خَبْطٌ وغَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرُوا، وقِيلَ: إنَّ ضَمَّ الكافِ مَنقُولٌ مِنَ الهاءِ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقِفَ عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَتَها إلى الكافِ كَقَوْلِهِ: عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ ∗∗∗ مِن عَنْزِي يَسُبُّنِي لَمْ أضْرِبُهْ وهُوَ كَما في الكَشْفِ ضَعِيفٌ جِدًّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ والنَّقْلِ أيْضًا، ثُمَّ تَحْرِيكُ الهاءِ بَعْدَ النَّقْلِ بِالضَّمِّ وإجْراءُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ، والبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ إلّا النَّقْلُ وإجْراءُ الضَّمِيرِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (يُدْرِكَهُ) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ (أنْ) نَظِيرُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لَبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقَ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا ووَجْهُهُ فِيهِ أنَّ (سَأتْرُكُ) مُسْتَقْبَلٌ مَطْلُوبٌ فَجَرى مَجْرى الأمْرِ ونَحْوِهِ، والآيَةُ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مِنها الحَثُّ عَلى الخُرُوجِ وتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَدِيدُ الشَّبَهِ بِغَيْرِ المُوجَبِ كانَتْ أقْوى مِنَ البَيْتِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصْبَ في الآيَةِ جَوَّزَهُ الكُوفِيُّونَ لِما أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ عِنْدَهم إذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ كَقَوْلِهِ: ومَن لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطَمْئِنَةً ∗∗∗ فَيُثْبِتَها في مُسْتَوى القاعِ يَزْلَقِ وقاسُوا عَلَيْهِما ثَمَّ، فَلَيْسَ ما ذُكِرَ في البَيْتِ نَظِيرَ الآيَةِ، وقِيلَ: مِن عَطْفِ المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِثْلُ: أكْرِمْنِي وأُكْرِمَكَ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ إكْرامٌ ومِنِّي، والمَعْنى: مَن يَكُنْ مِنهُ خُرُوجٌ مِن بَيْتِهِ وإدْراكُ المَوْتِ لَهُ. ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: وجَبَ بِمُقْتَضى وعْدِهِ وفَضْلِهِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، وفي مُقارَنَةِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ الشَّرْطِ السّابِقِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُهاجِرَ لَهُ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ إمّا أنْ يُرْغِمَ أنْفَ أعْداءِ اللَّهِ ويُذِلَّهم بِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لَهم واتِّصالِهِ بِالخَيْرِ والسَّعَةِ، وإمّا أنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ ويَصِلَ إلى السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ. وفِي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، فَقَدْ قِيلَ: كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (ومَن يُهاجِرْ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ويَمُتْ يُثِبْهُ) إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ (ومَن يَخْرُجْ مُهاجِرًا مِن بَيْتِهِ) عَلى و(مَن يُهاجِرْ) لِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ووَضْعُ (يُدْرِكْهُ المَوْتُ) مَوْضِعَ (يَمُتْ) إشْعارًا بِمَزِيدِ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ المَوْتَ كالهَدِيَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يُنالُ إلّا بِالمَوْتِ، وجِيءَ بِـ(ثُمَّ) بَدَلَ الواوِ تَتْمِيمًا لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ، وأنَّ مَرْتَبَةَ الخُرُوجِ دُونَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وأُقِيمَ (فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ) مَقامَ (يُثِبْهُ) لِما أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِاللُّزُومِ والثُّبُوتِ، وأنَّ الأجْرَ عَظِيمٌ، لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ؛ لِأنَّهُ عَلى الذّاتِ الأقْدَسِ المُسَمّى بِذَلِكَ الِاسْمِ الجامِعِ. وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ فائِدَةَ (ثُمَّ يُدْرِكْهُ) بَيانُ أنَّ الأجْرَ إنَّما يَسْتَقِرُّ إذا لَمْ يُحْبِطِ العَمَلَ المَوْتُ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وكانَ بَلَغَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ وهو بِمَكَّةَ حِينَ بَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُسْلِمِيها، فَقالَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ صفحة 129 مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي الطَّرِيقَ، وإنِّي لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ، ولَمّا أدْرَكَهُ المَوْتُ أخَذَ يُصَفِّقُ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ ﷺ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، ولَمّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – قالُوا: لَيْتَهُ ماتَ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. ورَوى الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في أكْتَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ لَمّا أسْلَمَ وماتَ وهو مُهاجِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ في خالِدِ بْنِ حِزامٍ، وقَدْ كانَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ في الطَّرِيقِ فَماتَ. ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى العِلّاتِ فالمُرادُ عُمُومُ اللَّفْظِ لا خُصُوصُ السَّبَبِ، وقَدْ ذَكَرَ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ أنَّ مَن سارَ لِأمْرٍ فِيهِ ثَوابٌ كَطَلَبِ عِلْمٍ، وحَجٍّ، وكَسْبِ حَلالٍ، وزِيارَةِ صِدِّيقٍ، وصالِحٍ، وماتَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ»». واحْتَجَّ أهْلُ المَدِينَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، والصَّحِيحُ ثُبُوتُ الأجْرِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ في الذُّنُوبِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ ﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ، فَيَرْحَمُهُ سُبْحانَهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ ونِيَّتِهِ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ: وما يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ مِنَ الرُّوحِ ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ وهو مُؤْمِنُ القَلْبِ، إلّا أنْ يَكُونَ قَتْلًا خَطَأً، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا خَلُصَتِ الرُّوحُ مِن حُجُبِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ، فَإذا أرادَتْ أنْ تَتَوَجَّهَ إلى النَّفْسِ أنْوارُها لِتُمِيتَها وقَعَ تَجَلِّيها عَلى القَلْبِ فَخَرَّ صَعِقًا مِن ذَلِكَ التَّجَلِّي، ودُكَّ جَبَلُ النَّفْسِ دَكًّا، فَكانَ قَتْلُهُ خَطَأً؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا ﴿ومَن قَتَلَ﴾ قَلْبًا ﴿مُؤْمِنًا﴾ خَطَأً ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهي رَقَبَةُ السِّرِّ الرَّوْحانِيِّ، وتَحْرِيرُها إخْراجُها عَنْ رِقِّ المَخْلُوقاتِ ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ إلى أهْلِهِ تُسَلِّمُها العاقِلَةُ وهي الألْطافُ الإلَهِيَّةُ إلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنهُما مِن حَظِّ الأخْلاقِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ وذَلِكَ وقْتَ غِنائِهِمْ بِالفَناءِ بِاللَّهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ﴾ المَقْتُولُ بِالتَّجَلِّي ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهي رَقَبَةُ القَلْبِ، فَيُطْلِقُهُ مِن وثاقِ رَقِّ حُبِّ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها، ولا دِيَةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِأهْلِ القَتِيلِ ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ القابِلَةِ لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ظاهِرًا والمُهادَنَةِ لِلْقَلْبِ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ واجِبَةٌ عَلى عاقِلَةِ الرَّحْمَةِ ﴿إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: أهْلِ تِلْكَ النَّفْسِ مِنَ الصِّفاتِ الأُخَرِ ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهي رَقَبَةُ الرُّوحِ، وتَحْرِيرُها إفْناؤُها وإطْلاقُها عَنْ سائِرِ القُيُودِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً كَذَلِكَ بِأنْ كانَتْ رُوحُهُ مُحَرَّرَةً قَبْلُ ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنِ العادِياتِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ سِتِّينَ يَوْمًا، وهي مِقْدارُ مُدَّةِ المِيقاتِ المُوسَوِيِّ ونِصْفُها رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا قَتَلَتِ القَلْبَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ مُعَذَّبَةً بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ، مُبْعَدَةً عَنِ الرَّحْمَةِ، مَظْهَرًا لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِإرْشادِ عِبادِهِ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ حالَ المُرِيدِ في الرَّدِّ والقَبُولِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ صفحة 130 مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لا تُنَفِّرُوا مَنِ اسْتَسْلَمَ لَكم وأسْلَمَ نَفْسَهُ بِأيْدِيكم لِتُرْشِدُوهُ، فَتَقُولُوا لَهُ: لَسْتَ مُؤْمِنًا صادِقًا لِتَعَلُّقِ قَلْبِكَ بِالدُّنْيا، فَسَلِّمْ ما عِنْدَكَ مِن حُطامِها لِيَخْلُوَ قَلْبُكُ لِرَبِّكَ، وتَصْلُحَ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ لِلسّالِكِينَ إلَيْهِ، فَإذا حَظى بِها السّالِكُ تَرَكَ لَها ما في يَدِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأعْرَضَ قَلْبُهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا المُرِيدِ كُنْتُمْ أنْتُمْ في مَبادِئِ طَلَبِكم وتَسْلِيمِ أنْفُسِكم لِلْمَشايِخِ، حَيْثُ كانَ لَكم تَعَلُّقٌ بِالدُّنْيا ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بَعْدَ السُّلُوكِ بِتِلْكَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَأنْساكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكُمْ، وفَطَمَ قُلُوبَكم عَنِ الدُّنْيا بِأسْرِها، فَقِيسُوا حالَ مَن يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلَيْكم بِحالِكم لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى ما عَوَّدَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ الطّالِبِينَ لَهُ سَيَمُنُّ عَلى هَؤُلاءِ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ، ويُخْرِجُ حُبَّ الدُّنْيا مِن قُلُوبِهِمْ بِأحْسَنِ وجْهٍ كَما أخْرَجَهُ مِن قُلُوبِكم. والحاصِلُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِمَن أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ - جَلَّ وعَلا - مِن أرْبابِ الدُّنْيا في مَبادِئِ الأمْرِ: اتْرُكْ دُنْياكَ واسْلُكْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُنَفِّرُهُ ويَسُدُّ بابَ التَّوَجُّهِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ تَرْكِ المَحْبُوبِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَكِنْ يُؤْمَرُ بِالسُّلُوكِ ويُكَلَّفُ مِنَ الأعْمالِ ما يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ يَمْنَعُها عَنْ حُقُوقِها الَّتِي اقْتَضَتْها اسْتِعْداداتُهم مِنَ الكَلِماتِ المُودَعَةِ فِيها ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ حَيْثُ قَعَدْتُمْ عَنِ السَّعْيِ وفَرَّطْتُمْ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى وقَصَّرْتُمْ عَنْ بُلُوغِ الكَمالِ الَّذِي نُدِبْتُمْ إلَيْهِ ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ الِاسْتِعْدادِ بِاسْتِيلاءِ قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وغَلَبَةِ سُلْطانِ الهَوى، وشَيْطانِ الوَهْمِ، قالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أيْ: ألَمْ تَكُنْ سَعَةُ اسْتِعْدادِكم بِحَيْثُ تُهاجِرُوا فِيها مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِكم إلى نِهايَةِ كَمالِكُمْ، وذَلِكَ مَجالٌ واسِعٌ، فَلَوْ تَحَرَّكْتُمْ وسِرْتُمْ بِنُورِ فِطْرَتِكم خُطُواتٍ يَسِيرَةً بِحَيْثُ ارْتَفَعَتْ عَنْكم بَعْضُ الحُجُبِ انْطَلَقْتُمْ عَنْ أسْرِ القُوى، وتَخَلَّصْتُمْ عَنْ قُيُودِ الهَوى، وخَرَجْتُمْ عَنِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها الَّتِي هي مَكَّةُ النَّفْسِ الأمّارَةِ إلى البَلْدَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هي مَدِينَةُ القَلْبِ، وإنَّما نَسَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا التَّوَفِّيَ إلى المَلائِكَةِ لِأنَّ التَّوَفِّيَ وهو اسْتِيفاءُ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ بِقَبْضِها عَنْهُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: تَوَفِّي المَلائِكَةِ، وتَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ، وتَوَفِّي اللَّهِ تَعالى؛ فَأمّا تَوَفِّي المَلائِكَةِ فَهو لِأرْبابِ النُّفُوسِ، وهُمُ إمّا سُعَداءُ وإمّا أشْقِياءُ، وأمّا تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ فَهو لِأرْبابِ القُلُوبِ الَّذِينَ بَرَزُوا عَنْ حِجابِ النَّفْسِ إلى مَقامِ القَلْبِ، وأمّا تَوَفِّي اللَّهِ تَعالى فَهو لِلْمُوَحِّدِينَ، الَّذِينَ عُرِجَ بِهِمْ عَنْ مَقامِ القَلْبِ إلى مَحِلِّ الشُّهُودِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ حِجابٌ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَوَلّى قَبْضَ أرْواحِهِمْ بِنَفْسِهِ، ويَحْشُرُهم إلى نَفْسِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَمّا لَمْ يَكُنِ الظّالِمِينَ مِن أحَدِ الصِّنْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ نَسَبَ سُبْحانَهُ تَوَفِّيهِمْ إلى المَلائِكَةِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِحالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الطَّبِيعَةُ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ لِما أنَّ نارَ البُعْدِ والحِجابِ بِها مُوقَدَةٌ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ﴾ وهم - كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ -: أقْوِياءُ الِاسْتِعْدادِ، الَّذِينَ قَوِيَتْ قُواهُمُ الشَّهَوِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مَعَ قُوَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى قَمْعِها في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، ولَمْ يُذْعِنُوا لِقُواهُمُ الوَهْبِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَيَبْطُلُ اسْتِعْدادُهم بِالعَقائِدِ الفاسِدَةِ في أسْرِ قُواهُمُ البَدَنِيَّةِ مَعَ تَنُّورِ اسْتِعْدادِهِمْ بِنُورِ العِلْمِ، وعَجْزِهِمْ عَنِ السُّلُوكِ بِرَفْعِ القُيُودِ ﴿والنِّساءِ﴾ أيِ: القاصِرِينَ الِاسْتِعْدادَ عَنْ دَرْكِ الكَمالِ العِلْمِيِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ، الضُّعَفاءِ القُوى، قِيلَ: وهُمُ البُلْهُ المَذْكُورُونَ في خَبَرِ: ««أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ»» ﴿والوِلْدانِ﴾ أيِ: القاصِرِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الكَمالِ لِفَتْرَةٍ تَلْحَقُهم مِن قِبَلِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ كَسْرِ النَّفْسِ، وقَمْعِ الهَوى ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ بِمَحْوِ تِلْكَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ لِعَدَمِ رُسُوخِها وسَلامَةِ عَقائِدِهِمْ ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا﴾ عَنِ صفحة 131 الذُّنُوبِ ما لَمْ تَتَغَيَّرِ الفِطْرَةُ ﴿غَفُورًا﴾ يَسْتُرُ بِنُورِ صَفائِهِ صِفاتِ النُّفُوسِ القابِلَةِ لِذَلِكَ ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ مَقارِّ النَّفْسِ المَأْلُوفَةِ ﴿يَجِدْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ اسْتِعْدادِهِ ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ أيْ: مَنازِلًا كَثِيرَةً، يُرْغِمُ فِيها أُنُوفَ قُوى نَفْسِهِ ﴿وسَعَةً﴾ أيِ: انْشِراحًا في الصَّدْرِ، لِسَبَبِ الخَلاصِ مِن مَضايِقِ صِفاتِ النَّفْسِ وأسْرِ الهَوى ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ أيْ: مَقامِهِ الَّذِي هو فِيهِ ﴿مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى طَلَبِ الِاسْتِقامَةِ في تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ أيِ: الِانْقِطاعُ، ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ حَسْبَما تَوَجَّهَ إلَيْهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَسْتُرُ بِصِفاتِهِ صِفاتِ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ، ويَرْحَمُ مَنِ انْقَطَعَ دُونَ الوُصُولِ بِما هو أهْلُهُ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

النساء 4:101

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ في الهِجْرَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ ما يُؤَكِّدُ العَزِيمَةَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ أيَّ سَفَرٍ كانَ، ولِذا لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجِرَةُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَخُصُّ السَّفَرَ بِالمُباحِ كَسَفَرِ التِّجارَةِ، والطّاعَةِ كَسَفَرِ الحَجِّ، ويُخْرِجُ سَفَرَ المَعْصِيَةِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ والإباقِ، فَلا يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ الآتِي؛ لِأنَّهُ رُخْصَةٌ، وهي إنَّما تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِما يُوجِبُ التَّغْلِيظَ؛ لِأنَّ إضافَةَ الحُكْمِ إلى وصْفٍ يَقْتَضِي خِلافُهُ فَسادٌ في الوَضْعِ، ولَنا إطْلاقُ النُّصُوصِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ في بَعْضِها تُشْعِرُ بِإرادَةِ المُطْلَقِ، وزِيادَةُ قَيْدِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ نُسِخَ عَلى ما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، ولِأنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ خُرُوجٍ مَدِيدٍ ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وإنَّما المَعْصِيَةُ ما يَكُونُ بَعْدَهُ كَما في السَّرِقَةِ، أوْ مُجاوِرَهُ كَما في الإباقِ فَيَصْلُحُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُتَعَلِّقُ الرُّخْصَةِ لا مَكانُ الِانْفِكاكِ عَمّا يُجاوِرُهُ، كَما إذا غَصِبَ خُفًّا ولَبِسَهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُوجَبَ سَتْرُ قَدَمِهِ ولا مَحْظُورَ فِيهِ، وإنَّما هو في مُجاوَرِهِ وهو صِفَةُ كَوْنِهِ مَغْضُوبًا، وتَمامُهُ في الأُصُولِ. والمُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ، والمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ، أيْ: إذا سافَرْتُمْ في أيِّ مَكانٍ يُسافَرُ فِيهِ مِن بَرٍّ أوْ بَحْرٍ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: حَرَجٌ وإثْمٌ ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ، يُقالُ: قَصَّرْتُ الشَّيْءَ إذا جَعَلْتَهُ قَصِيرًا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الصَّلاةِ﴾ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لـ(تَقْصُرُوا) و(مِن) زائِدَةٌ حَسْبَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ، عَنِ الأخْفَشِ القائِلِ بِزِيادَتِها في الإثْباتِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - عَلى ما نَقَلَهُ الفاضِلُ المَذْكُورُ عَنْ سِيبَوَيْهِ - أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِوَصْفِ الكُلِّ، أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ الحَبْسُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ؛ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بَعْضًا مِنها، وهي الرُّباعِيَّةُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ (تُقْصِرُوا) مِن أقْصَرَ، ومَصْدَرُهُ الإقْصارُ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُقَصِّرُوا) بِالتَّشْدِيدِ، ومَصْدَرُهُ التَّقْصِيرُ، والكُلُّ بِمَعْنًى. وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ في المَشْهُورِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامِ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ في البَرِّ، وجَرْيِ السَّفِينَةِ - والرِّيحُ مُعْتَدِلَةٌ - في البَحْرِ، ويُعْتَبَرُ في الجَبَلِ كَوْنُ هَذِهِ المَسافَةِ مِن طَرِيقِ الجَبَلِ بِالسَّيْرِ الوَسَطِ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - التَّقْدِيرُ بِالمَراحِلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَشْهُورِ. صفحة 132 وقَدَّرَ أبُو يُوسُفَ بِيَوْمَيْنِ وأكْثَرِ الثّالِثِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في قَوْلٍ: بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وقَدَّرَ عامَّةُ المَشايِخِ ذَلِكَ بِالفَراسِخِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا. فَقالَ بَعْضُهُمْ: أحَدٌ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا، وقالَ آخَرُونَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وآخَرُونَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، والصَّحِيحُ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ كُلَّ مَن قَدَّرَ بِقَدْرٍ مِمّا ذُكِرَ اعْتَقَدَ أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها، والدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَمْسَحُ المُقِيمُ كَمالَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها»» لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّمَ الرُّخْصَةَ الجِنْسَ، ومِن ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ، والقَوْلُ بِكَوْنِ ثَلاثَةِ أيّامٍ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ لا لِـ(يَمْسَحُ) يَأْباهُ أنَّ السَّوْقَ لَيْسَ إلّا لِبَيانِ كَمِّيَّةِ مَسْحِ المُسافِرِ لا لِإطْلاقِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ يَكُونُ (يُمْسَحُ) مُطْلَقًا ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وأيْضًا يَبْطُلُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ أنَّ المُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحادُ حُكْمِ السَّفَرِ والإقامَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ، وهي صُورَةُ مُسافِرٍ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً وهو مَعْلُومُ البُطْلانِ لِلْعِلْمِ بِفَرْقِ الشَّرْعِ بَيْنَ المُسافِرِ والمُقِيمِ عَلى أنَّ ظَرْفِيَّةَ (ثَلاثَةَ) لِلْمُسافِرِ تَسْتَدْعِي ظَرْفِيَّةَ اليَوْمِ لِلْمُقِيمِ لِيَتَّفِقَ طَرَفا الحَدِيثِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ لا يَكادُ يُنْسَبُ إلى أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ لِلْقَصْرِ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «يا أهْلَ مَكَّةَ لا تَقْصُرُوا في أدْنى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ مِن مَكَّةَ إلى عُسْفانَ» فَإنَّهُ يُفِيدُ القَصْرَ في الأرْبَعَةِ بُرُدٍ، وهي تُقْطَعُ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ راوِيَ الحَدِيثِ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ جِدًّا، حَتّى كانَ سُفْيانُ يُزْرِيهِ بِالكَذِبِ فَلْيُفْهَمْ. واحْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القَصْرِ وأفْضَلِيَّةِ الإتْمامِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ ويُتِمُّ»» وما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ، أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - ««لَمّا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتُ وأتْمَمْتُ، وصُمْتُ وأفْطَرْتُ فَقالَ: أحْسَنْتِ يا عائِشَةُ»» وبِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّهُ كانَ يُتِمُّ ويَقْصُرُ». وعِنْدَنا يَجِبُ القَصْرُ لا مَحالَةَ خَلا أنَّ بَعْضَ مَشايِخِنا سَمّاهُ عَزِيمَةً، وبَعْضَهم رُخْصَةَ إسْقاطٍ، بِحَيْثُ لا مَساغَ لِلْإتْمامِ لا رُخْصَةَ تَوْفِيَّةٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأخَفِّ والأثْقَلِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جابِرٍ، وجَمِيعِ أهْلِ البَيْتِ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمْ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»». ورَوى الشَّيْخانِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها قالَتْ: «أوَّلَ ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ، وزِيدَتْ في الحَضَرِ» وأمّا ما رُوِيَ عَنْها مِنَ الإتْمامِ فَقَدِ اعْتَذَرَتْ عَنْهُ، وقالَتْ: أنا أُمُّ المُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَلْتُ فَهي دارِي، كَما اعْتَذَرَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ إتْمامِهِ بِأنَّهُ تَأهَّلَ بِمَكَّةَ وأزْمَعَ الإقامَةَ بِها، كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَلا يَرِدُ أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خالَفَ رَأْيُها رِوايَتَها، وإذا خالَفَ الرّاوِي رِوايَتَهُ في أمْرٍ لا يُعْمَلُ بِرِوايَتِهِ فِيهِ، والقَوْلُ أنَّ حَدِيثَها غَيْرُ مَرْفُوعٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَشْهَدْ فَرْضَ الصَّلاةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِجَوازِ أنَّها سَمِعَتْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – نَعَمْ، ذَكَرَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الخَبَرَ مُؤَوَّلٍ بِأنَّ الفَرْضَ في قَوْلِها: «فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ» بِمَعْنى البَيانِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا المَعْنى كَـ ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ: فُرِضَتْ لِمَنِ اخْتارَ ذَلِكَ مِنَ المُسافِرِينَ، وهَذا كَما قِيلَ في الحاجِّ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ في النَّفْرِ صفحة 133 فِي اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ، وأيًّا فَعَلَ فَقَدْ قامَ بِالفَرْضِ وكانَ صَوابًا. وقالَ النَّوَوِيُّ: المَعْنى فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَن أرادَ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِما، فَزِيدَ في الحَضَرِ رَكْعَتانِ عَلى سَبِيلِ التَّحَتُّمِ، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلى جَوازِ الإتْمامِ، وحَيْثُ ثَبَتَتْ دَلائِلُ الإتْمامِ وجَبَ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ جَمَعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في جَمْعِ الأدِلَّةِ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ عَقِبَ الهِجْرَةِ إلّا الصُّبْحَ، كَما رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، وفِيهِ: «وتُرِكَتِ الفَجْرُ لِطُولِ القِراءَةِ، والمَغْرِبُ؛ لِأنَّها وِتْرُ النَّهارِ» ثُمَّ بَعْدَما اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّباعِيَّةِ خُفِّفَ مِنها في السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ: إنَّ القَصْرَ كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ: إنَّ نُزُولَ آيَةِ الخَوْفِ فِيها، وقِيلَ: القَصْرُ كانَ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ الدُّولابِيِّ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِعامٍ أوْ نَحْوِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ الهِجْرَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا، فَعَلى هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، أيْ: بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ لا أنَّها اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ عَزِيمَةٌ، انْتَهى. واسْتُبْعِدَ هَذا الجَمْعُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ رَكْعَتَيْنِ لاشْتُهِرَ ذَلِكَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في عَدَمِ وُجُوبِ الإتْمامِ، وما ذُكِرَ خَبَرٌ واحِدٌ، فَلا يُعارِضُ النَّصَّ الصَّرِيحَ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، وحُجِّيَّةُ العامِّ المَخْصُوصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وذَكَرَ أصْحابُنا أنَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ وعَمَلَ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وجَمِيعِ العِتْرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - بِها يُقَوِّي القَوْلَ بِالوُجُوبِ، ووُرُودُهُ بِنَفْيِ الجُناحِ؛ لِأنَّهم ألِفُوا الإتْمامَ، فَكانُوا مَظِنَّةَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًا في القَصْرِ، فَصَرَّحَ بِنَفْيِ الجُناحِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وتَطْمَئِنَّ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الطَّوافَ واجِبٌ عِنْدَنا، رُكْنٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ لِمَنِ اسْتَبْعَدَ الوُجُوبَ بِنَفْيِ الجُناحِ. ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ: إنْ خِفْتُمْ أنْ يَعْتَرِضُوا لَكم بِما تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ أوْ غَيْرِهِ (فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ) إلَخْ، وقَدْ أخَذَ بَعْضُهم بِظاهِرِ هَذا الشَّرْطِ فَقَصَرَ القَصْرَ عَلى الخَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - والَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ أنَّ القَصْرَ مَشْرُوعٌ في الأمْنِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأخْبارُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ»». وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن أصْحابِ السُّنَنِ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: ««صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ؛ لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وأمّا عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَساكِتٌ عَنْهُ، فَإنْ وُجِدَ لَهُ دَلِيلٌ ثَبَتَ عِنْدَهُ أيْضًا، وإلّا يَبْقى عَلى حالِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ دَلِيلِهِ لا لِتَحَقُّقِ دَلِيلِ عَدَمِهِ. وناهِيكَ ما سَمِعْتَ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ؛ فَلِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وقَدْ خَرَجَ الشَّرْطُ ها هُنا مَخْرَجَ الأغْلَبِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ بَلْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُجْمَلَةٌ صفحة 134 فِي حَقِّ مِقْدارِ النَّصْرِ وكَيْفِيَّتِهِ، وفي حَقِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نِيطَ بِهِ القَصْرُ، فَكُلُّ ما ورَدَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ وتَخْصِيصِهِ بِالرُّباعِيّاتِ عَلى وجْهِ التَّنْصِيفِ وبِالضَّرْبِ في المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ بَيانٌ لِإجْمالِ الكِتابِ، كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القَصْرَ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى قَصْرِ الأحْوالِ مِنَ الإيماءِ وتَخْفِيفِ التَّسْبِيحِ والتَّوَجُّهِ إلى أيِّ وجْهٍ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِ مُقْتَضاهُ المُتَبادَرِ إلى الأذْهانِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى طاوُسٍ والضَّحّاكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَصْرُ الصَّلاةِ إنْ لَقِيتَ العَدُوَّ وقَدْ حانَتْ أنْ تُكَبِّرَ اللَّهَ تَعالى وتَخْفِضَ رَأْسَكَ إيماءً راكِبًا كُنْتَ أوْ ماشِيًا، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنْ خِفْتُمْ) إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ ﷺ فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ، هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في إثْرِها، فَأنَزَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ»». ولَعَلَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ أيْضًا عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ القَصْرَ في الآيَةِ بِمَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَرَأ أُبَيٌّ - كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ -: (فَأقْصِرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ) والمَشْهُورُ أنَّهُ كَعَبْدِ اللَّهِ أسْقَطَ (إنْ خِفْتُمْ) فَقَطْ. وأيّا ما كانَ فَإنَّ (أنْ يَفْتِنَكُمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكم إلَخْ، فَإنَّ اسْتِمْرارَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ مَظِنَّةٌ لِاقْتِدارِ الكافِرِينَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ إمّا تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّلِهِ بِما ذُكِرَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن كَوْنِ فِتْنَتِهِمْ مُتَوَقَّعَةً، فَإنَّ كَمالَ العَداوَةِ مِن مُوجِباتِ التَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ و(عَدُوًّا) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ أعْداءٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فَعُولٍ مِثْلُ الوَلُوعِ والقَبُولِ، و(لَكُمْ) حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(كانَ).

النساء 4:102

﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّصِّ المُجْمَلِ في مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ التّامَّةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَن خَصَّ صَلاةَ الخَوْفِ بِحَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كالحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، ونُسِبَ ذَلِكَ أيْضًا لَأبِي يُوسُفَ، ونَقَلَهُ عَنِ الجَصّاصِ في كِتابِ الأحْكامِ، والنَّوَوِيِّ في المُهَذَّبِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُوّابُهُ، وقُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ . وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، ثُمَّ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَصَلُّوا كَما وصَفَ، ولَمْ يَقْضُوا، وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ» وهَذا يَحِلُّ مَحَلَّ الإجْماعِ، ويَرُدُّ ما زَعَمَهُ المُزَنِيُّ مِن دَعْوى النَّسْخِ أيْضًا. ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أرَدْتَ أنْ تُقِيمَ بِهِمُ الصَّلاةَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ مَعَكَ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَهم طائِفَتَيْنِ، ولْتَقِفِ الطّائِفَةُ الأُخْرى تُجاهَ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ، صفحة 135 ولِظُهُورِ ذَلِكَ تُرِكَ ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾ أيِ: الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ القائِمَةُ مَعَكَ أسْلِحَتَهم مِمّا لا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآخِذَةَ هي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّقْيِيدِ، إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ الأخْذِ عَدَمُ الوَضْعِ، وإنَّما عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِاسْتِصْحابِ الأسْلِحَةِ، حَتّى كَأنَّهم يَأْخُذُونَها ابْتِداءً ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ أيِ: القائِمُونَ مَعَكَ، أيْ: إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وأتَمُّوا الرَّكْعَةَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا لِلْحِراسَةِ مِنَ العَدُوِّ. ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ، وهي الَّتِي كانَتْ تَحْرُسُ، ونَكَّرَها لِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ مِن قَبْلُ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ مِن صَلاتِكَ، والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ مُراعاةً لِلَّفْظِ والمَعْنى، ولَمْ يُبَيَّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالُ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ. فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هي صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلُّوا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَتَمَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – رَكْعَتانِ، ولِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَتانِ، رَكْعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَكْعَةٌ بَعْدَ سَلامِهِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً، وبِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَةً كَما في الآيَةِ، فَجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى وذَهَبَتْ هَذِهِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ حَتّى قَضَتِ الأُولى الرَّكْعَةَ الأُخْرى بِلا قِراءَةٍ، وسَلَّمُوا، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وقَضَوُا الرَّكْعَةَ الأوْلى بِقِراءَةٍ، حَتّى صارَ لِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ»». وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وإنَّما سَقَطَتِ القِراءَةُ عَنِ الطّائِفَةِ الأُولى في صَلاتِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ بَعْدَ سَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم - وإنْ كانُوا في ثانِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ - إلّا أنَّهم في الصَّلاةِ، وفي حُكْمِ المُتابَعَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ الإمامِ قائِمَةً مَقامَ قِراءَتِهِمْ، كَما هو حُكْمُ الِاقْتِداءِ، ولا كَذَلِكَ الطّائِفَةُ الأُخْرى؛ لِأنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِالإمامِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ، وأتَمَّ الإمامُ صَلاتَهُ فَلا بُدَّ لَهم مِنَ القِراءَةِ في رَكْعَتِهِمُ الثّانِيَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا مُقْتَدِينَ بِالإمامِ حِينَئِذٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ هي ما في الآيَةِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّحّاسُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً»». وأخْرَجَ الأوَّلانِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: ««سَألَتْ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ أقَصْرٌ هُما؟ فَقالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ، بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – جَلَسَ فَسَلَّمَ، وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلَفَهُ، وسَلَّمَ الأوَّلُونَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – رَكْعَتانِ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ»». وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ كَيْفِيَّةَ صَلاةِ الخَوْفِ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً، فَإذا قامَ لِلثّانِيَةِ فارَقَتْهُ وأتَمَّتْ، وذَهَبَتْ إلى وجْهِ العَدُوِّ، وجاءَ الواقِفُونَ في وجْهِهِ والإمامُ يَنْتَظِرُهُمْ، فاقْتَدَوْا بِهِ، وصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قامُوا فَأتَمُّوا ثانِيَتَهُمْ، ولَحِقُوهُ وسَلَّمَ بِهِمْ. صفحة 136 وهَذِهِ - كَما رَواهُ الشَّيْخانِ - صَلاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِذاتِ الرِّقاعِ، وهي أحَدُ الأنْواعِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واسْتُشْكِلَ مِن سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الصَّلاةُ، والمَعْنى: فَإذا فَرَغُوا مِنَ الصَّلاةِ (فَلْيَكُونُوا) إلَخْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا قُصُورَ في البَيانِ عَلَيْهِ، وبِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أنَّ الطّائِفَةَ الأخِيرَةَ تُتِمُّ الصَّلاةَ مَعَ الإمامِ، ولَيْسَ فِيهِ إشْعارٌ بِحِراسَتِها مَرَّةً ثانِيَةً وهي في الصَّلاةِ البَتَّةَ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - بَلْ قِيلَ: إنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ - أنَّ الإمامَ يُصَلِّي مَرَّتَيْنِ كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وهي صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما رَواهُ الشَّيْخانِ أيْضًا بِبَطْنِ نَخْلٍ، واحْتِمالُها لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ بَعِيدٌ جِدًّا، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ عَنْهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما - ««صَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، ثُمَّ سَجَدَ هو والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» وتَمامُ الكَلامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ». ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾ أيِ: الطّائِفَةُ الأُخْرى ﴿حِذْرَهُمْ﴾ أيِ: احْتِرازَهُمْ، وشَبَّهَهُ بِما يُتَحَصَّنُ بِهِ مِنَ الآلاتِ، ولِذا أثْبَتَ لَهُ الأخْذَ تَخْيِيلًا، وإلّا فَهو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَتَّصِفُ بِالأخْذِ ولا يَضُرُّ عَطْفُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأسْلِحَتَهُمْ﴾ عَلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ التَّجَوُّزَ في التَّخْيِيلِ في الإثْباتِ والنِّسْبَةِ لا في الطَّرَفِ عَلى الصَّحِيحِ، ومِثْلُهُ لا بَأْسَ فِيهِ بِالجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ . وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ المُشاكَلَةِ لِما يَلْزَمُ عَلى الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِطَرَفَيْها، وإنْ دُفِعَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِ، وإنْ فُسِّرَ الحَذَرُ بِما يُدْفَعُ بِهِ فَلا كَلامَ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الأمْرِ بِالحَذَرِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في هَذِهِ المَرَّةِ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ، عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في شُغُلٍ شاغِلٍ، وأمّا قَبْلَها فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحِرابِ. ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ بَيانٌ لِما لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِأخْذِ السِّلاحِ، والخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم فَيَحْمِلُونَ عَلَيْكم جُمْلَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِالأمْتِعَةِ ما يُمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ لا مُطْلَقًا، وقُرِئَ (أمْتِعاتِكُمْ) والأمْرُ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ لَهم في وضْعِها إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ حَمْلُها واسْتِصْحابُها بِسَبَبِ مَطَرٍ أوْ مَرَضٍ، وأُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّيَقُّظِ والِاحْتِياطِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ إلْقاءِ السِّلاحِ لِلْعُذْرِ؛ لِئَلّا يَهْجِمَ عَلَيْكُمُ العَدُوُّ غِيلَةً. واخْتارَ بَعْضُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ، وقَيَّدُوهُ بِما إذا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِتَرْكِ الحِمْلِ، أمّا لَوْ خافَ وجَبَ الحَمْلُ عَلى الأوْجُهِ، ولَوْ كانَ السِّلاحُ نَجِسًا ومانِعًا لِلسُّجُودِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: ولَوِ انْتَفى خَوْفُ الضَّرَرِ وتَأذّى غَيْرُهُ بِحَمْلِهِ كُرِهَ إنْ خَفَّ الضَّرَرُ بِأنِ احْتُمِلَ عادَةً، وإلّا حَرُمَ، وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ إطْلاقِ كَراهَتِهِ وإطْلاقِ حُرْمَتِهِ. والآيَةُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وكانَ جَرِيحًا. وذَكَرَ أبُو ضَمْرَةَ، ورَواهُ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صفحة 137 «غَزا مُحارِبًا وبَنِي أنِمارٍ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأحْرَزَهُمُ الذَّرارِيَّ والمالَ، فَنَزَلَ رَسُولٌ ﷺ والمُسْلِمُونَ ولا يَرَوْنَ مِنَ العَدُوِّ واحِدًا، فَوَضَعُوا أسْلِحَتَهم وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاجَةٍ لَهُ، وقَدْ وضَعَ سِلاحَهُ، حَتّى قَطَعَ الوادِيَ، والسَّماءُ تَرُشُّ، فَحالَ الوادِي بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أصْحابِهِ، فَجَلَسَ في ظِلِّ سَمُرَةٍ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الحَرْثِ المُحارِبِيُّ فَقالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ أقْتُلْهُ، وانْحَدَرَ مِنَ الجَبَلِ، ومَعَهُ السَّيْفُ، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا وهو قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ ومَعَهُ السَّيْفُ، قَدْ سَلَّهُ مَن غِمْدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَعْصِمُكَ مِنِّي الآنَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي غَوْرَثَ بْنَ الحَرْثِ بِما شِئْتَ، فانْكَبَّ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهِهِ، وقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ سَيْفَهُ فَقالَ: يا غَوْرَثُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي الآنَ؟ فَقالَ لا أحَدَ، قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ؟ قالَ: لا، ولَكِنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ أنْ لا أُقاتِلَكَ أبَدًا، ولا أُعِينَ عَلَيْكَ عَدُوًّا، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – سَيْفَهُ، فَقالَ لَهُ غَوْرَثٌ: لَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي أحَقُّ بِذَلِكَ» فَرَجَعَ غَوْرَثٌ إلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غَوْرَثُ لَقَدْ رَأيْناكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ فَما مَنَعَكَ مِنهُ؟ قالَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أهْوَيْتُ لَهُ بِالسَّيْفِ لِأضْرِبَهُ فَما أدْرِي مَن لَزَجَنِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي، وخَرَّ سَيْفِي، وسَبَقَنِي، إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ –فَأخَذَهُ، وأتَمَّ لَهُمُ القِصَّةَ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، ولَمْ يَلْبَثِ الوادِي أنْ سَكَنَ، فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أصْحابِهِ، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الآيَةَ». ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ، أيْ: أعَدَّ لَهم عَذابًا مُذِلًّا، وهو عَذابُ المَغْلُوبِيَّةِ لَكم ونُصْرَتِكم عَلَيْهِمْ، فاهْتَمُّوا بِأُمُورِكُمْ، ولا تُهْمِلُوا مُباشَرَةَ الأسْبابِ كَيْ يُعَذِّبَهم بِأيْدِيكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ مُوهِمًا لِغَلَبَتِهِ واعْتِزازِهِ نَفى ذَلِكَ الإيهامَ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ وخِذْلانِ العَدُوِّ؛ لِتَقْوى قُلُوبُ المَأْمُورَيْنِ، ويَعْلَمُوا أنَّ التَّحَرُّزَ في نَفْسِهِ عُبادَةٌ، كَما أنَّ النَّهْيَ عَنْ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ لِذَلِكَ، لا لِلْمَنعِ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَرْبِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ المُهِينِ شَرْعُ صَلاةِ الخَوْفِ فَيَكُونُ لِخَتْمِ الآيَةِ بِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

النساء 4:103

﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: فَإذا أدَّيْتُمْ صَلاةَ الخَوْفِ عَلى الوَجْهِ المُبَيَّنِ وفَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَداوِمُوا عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، حَتّى في حالِ المُسابَقَةِ والمُقارَعَةِ والمُراماةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ عَقِبَ تَفْسِيرِها: لَمْ يُعْذِرِ اللَّهُ تَعالى أحَدًا في تَرْكِ ذِكْرِهِ إلّا المَغْلُوبَ عَلى عَقْلِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ واشْتَدَّ الخَوْفُ أوِ التَحَمَ القِتالُ فَصَلُّوا كَيْفَما كانَ، وهو المُوافِقُ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُحارِبَةِ وعَدَمِ جَوازِ تَأْخِيرِها عَنِ الوَقْتِ، ويُعْذَرُ المُصَلِّي حِينَئِذٍ في تَرْكِ القِبْلَةِ لِحاجَةِ القِتالِ لا لِنَحْوِ جِماحِ دابَّةٍ وطالَ الفَصْلُ، وكَذا الأعْمالُ الكَثِيرَةُ لِحاجَةٍ في الأصَحِّ لا الصِّياحُ أوِ النُّطْقُ بِدُونِهِ، ولَوْ دَعَتِ الحاجَّةُ إلَيْهِ كَتَنْبِيهِ مَن خُشِيَ وُقُوعُ مَهْلَكٍ بِهِ، أوْ زَجْرُ الخَيْلِ، أوِ الإعْلامُ بِأنَّهُ فُلانٌ المَشْهُورُ بِالشَّجاعَةِ لِنُدْرَةِ الحاجَةِ، ولا قَضاءَ بَعْدَ الأمْنِ فِيهِ، نَعَمْ، لَوْ صَلُّوا كَذَلِكَ لِسَوادٍ ظَنُّوهُ ولَوْ بِإخْبارِ عَدْلٍ عَدُوًّا فَبانَ أنْ لا عَدُوَّ وأنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما يَمْنَعُ وُصُولَهُ إلَيْهِمْ كَخَنْدَقٍ، أوْ أنَّ بِقُرْبِهِمْ عُرْفًا حِصْنًا يُمْكِنُهُمُ التَّحَصُّنُ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحاصِرَهم فِيهِ قَضَوْا في الأظْهَرِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ. ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أيْ: أقَمْتُمْ، كَما قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: صفحة 138 ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ الضَّرْبُ اضْطِرابًا وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّفَرِ ناسَبَ أنْ يُكَنّى بِالِاطْمِئْنانِ عَنِ الإقامَةِ، وأصْلُهُ السُّكُونُ والِاسْتِقْرارُ، أيْ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ مِنَ السَّيْرِ والسَّفَرِ في أمْصارِكم ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أدُّوا الصَّلاةَ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها، وأتِمُّوها، وعَدِّلُوا أرْكانَها، وراعُوا شُرُوطَها، وحافِظُوا عَلى حُدُودِها. وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا أمِنتُمْ فَأتِمُّوا الصَّلاةَ، أيْ: جِنْسَها، مُعَدَّلَةَ الأرْكانِ، ولا تُصَلُّوها ماشِينَ أوْ راكِبِينَ أوْ قاعِدِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ في الجُمْلَةِ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي حالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ، ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ لِما عَلِمْتَ مِن مَذْهَبِهِ (ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مَفْرُوضًا ﴿مَوْقُوتًا﴾ مَحْدُودَ الأوْقاتِ، لا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْ أوْقاتِها في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلا بُدَّ مِن إقامَتِها سَفَرًا أيْضًا، وقِيلَ: المَعْنى: كانَتْ عَلَيْهِمْ أمْرًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا في الحَضَرِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ وفي السَّفَرِ بِرَكْعَتَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ تُؤَدّى في كُلِّ وقْتٍ حَسْبَما قُدِّرَ فِيهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن حَمَلَ الذِّكْرَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى الصَّلاةِ، وأوْجَبَها في حالِ القِتالِ، عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

النساء 4:104

﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوْا في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ. ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَشْجِيعٌ لَهم أيْ: لَيْسَ ما يَنالُكم مِنَ الآلامِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلِ الأمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَصْبِرُونَ؟! مَعَ أنَّكم أوْلى بِالصَّبْرِ مِنهُمْ، حَيْثُ إنَّكم تَرْجِعُونَ وتَطْمَعُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ مِن ظُهُورِ دِينِكُمُ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، ومِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ الرَّجاءُ عَلى الخَوْفِ، فالمَعْنى إنَّ الألَمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكُمْ؛ لِأنَّ لَكم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ فَوْقَ الِاحْتِرازِ عَنِ الألَمِ، ولَيْسَ لَهم خَوْفٌ يُلْجِئُهم إلى الألَمِ، وهم يَخْتارُونَهُ لِإعْلاءِ دِينِهِمُ الباطِلِ فَما لكم ولِلْوَهَنِ؟! ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ. وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّ الألَمَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وأنَّكم تَعْبُدُونَ الإلَهَ العالِمَ القادِرَ السَّمِيعَ البَصِيرَ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُرْجى مِنهُ، وأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ الَّتِي لا خَيْرُهُنَّ يُرْجى ولاشَرُّهُنَّ يُخْشى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ (أنْ تَكُونُوا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ، وقُرِئَ (تَئْلِمُونَ كَما يَئْلِمُونَ) بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، والآيَةُ – قِيلَ -: نَزَلَتْ في الذَّهابِ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ في الذَّهابِ خَلْفَ أبِي سُفْيانَ وعَسْكَرِهِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ، فَيَعْلَمُ مَصالِحَكم وأعْمالَكُمْ، ما تُظْهِرُونَ مِنها وما تُسِرُّونَ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ لِذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِ عَواقِبَ حَمِيدَةٌ، وفَوْزًا بِالمَطْلُوبِ.

النساء 4:105

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ويَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ النَّبِيِّ -ﷺ - ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا صفحة 139 الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ، فَقالَ: أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ طَعامُ النّاسِ بِالمَدِينَةِ التَّمْرَ والشَّعِيرَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ مِنهُ فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ فَنَقَبَ المَشْرَبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، فَقالَ بَنُو أُبَيْرِقٍ: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لُبَيْدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لُبَيْدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقالَ: أنا أسْرِقُ فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها. فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلُ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانَ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنّى خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ. فَأتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلَخْ، فَلَمّا نَزَلَ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِالسِّلاحِ، فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَمِيَ في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا - قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، ثُمَّ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ إنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - هَجا سُلافَةَ فَقالَ: فَقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ إسْتِها وتُنازِعُهْ ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي صَنَعْتُمُ ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ فَلَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ حَمَلَتْ رَحْلَهُ عَلى رَأْسِها فَألْقَتْهُ بِالأبْطَحِ، فَقالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ - ««أنَّ يَهُودِيًّا اسْتَوْدَعَ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا، فانْطَلَقَ بِها إلى دارِهِ، فَحَفَرَ لَها اليَهُودِيُّ ودَفَنَها، فَخالَفَ إلَيْها طُعْمَةُ فاحْتَفَرَ عَنْها فَأخَذَها، فَلَمّا جاءَ اليَهُودِيُّ يَطْلُبُ دِرْعَهُ كافَرَهُ عَنْها، فانْطَلَقَ إلى أُناسٍ مِنَ اليَهُودِ مِن عَشِيرَتِهِ فَقالَ: انْطَلِقُوا مَعِيَ فَإنِّي أعْرِفُ مَوْضِعَ الدِّرْعِ، فَلَمّا عَلِمَ بِهِ طُعْمَةُ أخَذَ الدِّرْعَ فَألْقاها في دارِ أبِي مُلَيْكٍ الأنْصارِيِّ، فَلَمّا جاءَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُ الدِّرْعَ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْها وقَعَ بِهِ طُعْمَةُ وأُناسٌ صفحة 140 مِن قَوْمِهِ، فَسَبُّوهُ، وقالَ طُعْمَةُ: أتَخُونُونِي؟! فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَها في دارِهِ، فَأشْرَفُوا عَلى دارِ أبِي مُلَيْكٍ فَإذا هم بِالدِّرْعِ، فَقالَ طُعْمَةُ: أخَذَها أبُو مُلَيْكٍ، وجادَلَتِ الأنْصارُ دُونَ طُعْمَةَ، وقالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا لَهُ يَنْضَحُ عَنِّي ويُكَذِّبُ حُجَّةَ اليَهُودِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، فَلَمّا فَضَحَ اللَّهُ تَعالى طُعْمَةَ بِالقُرْآنِ هَرَبَ حَتّى أتى مَكَّةَ، فَكَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ، ونَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ السُّلَمِيِّ، فَنَقَبَ بَيْتَهُ وأرادَ أنْ يَسْرِقَهُ، فَسَمِعَ الحَجّاجُ خَشْخَشَةً في بَيْتِهِ وقَعْقَعَةَ جُلُودٍ كانَتْ عِنْدَهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِطُعْمَةَ فَقالَ: ضَيْفِي وابْنُ عَمِّي أرَدْتَ أنْ تَسْرِقَنِي؟! فَأخْرَجَهُ، فَماتَ بِحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ كافِرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ﴾» إلَخْ». وعَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ طُعْمَةَ لَمّا نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ، ورَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وعَدا عَلى مَشْرَبَةٍ لِلْحَجّاجِ سَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلُحِجَ، فَلَمّا أصْبَحَ أخْرَجُوهُ مِن مَكَّةَ، فَخَرَجَ، فَلَقِيَ رَكْبًا مِن قُضاعَةَ فَعَرَضَ لَهُمْ، فَقالُوا: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ، فَحَمَلُوهُ، حَتّى إذا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَرَجَعُوا في طَلَبِهِ فَأدْرَكُوهُ، فَقَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى ماتَ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لَحِقَ بِمَكَّةَ نَقَبَ بَيْتًا يَسْرِقُهُ فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ أُخْرِجَ فَرَكِبَ سَفِينَةً إلى جُدَّةَ فَسَرَقَ فِيها كِيسًا فِيهِ دَنانِيرُ، فَأُخِذَ وأُلْقِيَ في البَحْرِ. هَذا، وفي تَأْكِيدِ الحُكْمِ إيذانٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما في إسْنادِ الإنْزالِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ المُسْنَدِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ والتَّشْوِيقِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ القُرْآنَ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ(أرى) وهي مِن رَأى بِمَعْنى عَرَفَ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وقَدْ تَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ بِالهَمْزَةِ، وقِيلَ: إنَّها مِنَ الرَّأْيِ مِن قَوْلِهِمْ: رَأْيُ الشّافِعِيِّ كَذا، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً يَقْتَضِي التَّعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ وحَذْفَ اثْنَيْنِ مِنها، أيْ: بِما أراكَهُ اللَّهَ تَعالى حَقًّا، وهو بَعِيدٌ، وأمّا جَعْلُها مِن رَأى البَصَرِيَّةِ مَجازًا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ. ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ وهم بَنُو أُبَيْرِقٍ، أوْ طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ، أوْ هو ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: بِمَعْنى عَنْ، أيْ: لا تَكُنْ لِأجْلِهِمْ، أوْ عَنْهم ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا لِلْبُرَآءِ، والنَّهْيُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ الكِتابَ فاحْكم بِهِ ولا تَكُنْ إلَخْ. وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَنا) بِتَقْدِيرِ (قُلْنا) وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الكِتابِ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

النساء 4:106

﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، أوْ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ في أمْرِ طُعْمَةَ وبَراءَتِهِ لِظاهِرِ الحالِ، وما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَتادَةَ، وكَذا الهَمُّ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا إذْ يُظَنُّ أنَّهُ الحَقُّ لَيْسَ بِذَنْبٍ حَتّى يُسْتَغْفَرَ مِنهُ، لَكِنْ لِعَظَمِ النَّبِيِّ ﷺ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوهِمُ النَّقْصَ - وحاشاهُ - أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِزِيادَةِ الثَّوابِ، وإرْشادِهِ إلى التَّثَبُّتِ، وأنَّ ما لَيْسَ بِذَنْبٍ مِمّا يَكادُ يُعَدُّ حَسَنَةً مِن غَيْرِهِ إذا صَدَرَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالنِّسْبَةِ لِعَظْمَتِهِ ومَقامِهِ المَحْمُودِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، فَلا مُتَمَسَّكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ في عَدَمِ العِصْمَةِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ (واسْتَغْفِرْ) لِأُولَئِكَ الَّذِينَ بَرَّءُوا ذَلِكَ الخائِنَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، وقِيلَ: لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ

النساء 4:107

﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: يَخُونُونَها، وجُعِلَتْ خِيانَةُ الغَيْرِ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ وبالَها وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُعِلَتِ المَعْصِيَةُ خِيانَةً فَمَعْنى (يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ) صفحة 141 يَظْلِمُونَها بِاكْتِسابِ المَعاصِي وارْتِكابِ الآثامِ، وقِيلَ: الخِيانَةُ مَجازٌ عَنِ المَضَرَّةِ، ولا بُعْدَ فِيهِ. والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا السّارِقُ أوَ المُودِعُ المُكافِرُ وأمْثالُهُ، وإمّا مَن عاوَنَهُ، فَإنَّهُ شَرِيكٌ في الإثْمِ والخِيانَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ مُرْتَكِبًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُجادِلْ أيُّها الإنْسانُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ كَثِيرَ الخِيانَةِ، مُفْرِطًا فِيها ﴿أثِيمًا﴾ مُنْهَمِكًا في الإثْمِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ المُرادُ مِنهُ البُغْضُ والسُّخْطُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وقَوْمِهِمْ في الخِيانَةِ والإثْمِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِما؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ الإثْمُ والخِيانَةُ مَرَّةً، ومَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وإرْدافُ الخَوّانِ بِالأثِيمِ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ السَّرِقَةِ أوْ إنْكارِ الوَدِيعَةِ، والثّانِيَ بِاعْتِبارِ تُهْمَةِ البَرِئِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقُدِّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ الإثْمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ، أوْ لِأنَّ وُقُوعَهُما كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِتَواخِي الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ.

النساء 4:108

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ طَلَبُ الخَفاءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ عَلى الأظْهَرِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِن) و﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ولا يَسْتَحْيَوْنَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحى مِنهُ، ويُخافَ مِن عِقابِهِ، وإنَّما فُسِّرَ الِاسْتِخْفاءُ مِن تَعالى بِالِاسْتِحْياءِ لِأنَّ الِاسْتِتارَ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - مُحالٌ لا فائِدَةَ في نَفْيِهِ، ولا مَعْنى لِلذَّمِّ في عَدَمِهِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ فَلا طَرِيقَ إلى الِاسْتِخْفاءِ مِنهُ تَعالى سِوى تَرْكِ ما يُؤاخِذُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخِفُّونَ). ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ التَّدْبِيرِ مِمّا يُبَيَّتُ عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَخِفُّونَ). ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِن رَمْيِ البَرِئِ وشَهادَةِ الزُّورِ، قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وتَسْمِيَةُ التَّدْبِيرِ - وهو مَعْنًى في النَّفْسِ - قَوْلًا لا إشْكالَ فِيها عِنْدَ القائِلِينَ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِمْ فَمَجازٌ، أوْ لَعَلَّهُمُ اجْتَمَعُوا في اللَّيْلِ ورَتَّبُوا كَيْفِيَّةَ المَكْرِ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ المُبَيَّتِ الَّذِي لا يَرْضاهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ ها هُنا، فَتَذَكَّرْ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخافِيَةِ ﴿مُحِيطًا﴾ أيْ: حَفِيظًا، كَما قالَ الحَسَنُ، أوْ عالِمًا لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُ كَما قالَ غَيْرُهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ الإحاطَةُ هُنا مَجازٌ، ونَظَمَها البَعْضُ في سِلْكِ المُتَشابَهِ.

النساء 4:109

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ خِطابٌ لِلذّابِّينَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ تَعْدِيدَ جِناياتِهِمْ يُوجِبُ مُشافَهَتَهم بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ جُمْلَةٌ مَبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، فَهو بِمَعْنى المُجادِلِينَ، وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ في كُلِّ اسْمٍ إشارَةٍ، و(جادَلْتُمْ) صِلَتُهُ، فالحَمْلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والمُجادَلَةُ أشَدُّ المُخاصَمَةِ، وأصْلُها مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ القَتْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم بَذَلْتُمُ الجُهْدَ في المُخاصَمَةِ عَمَّنْ أشارَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ في الدُّنْيا. صفحة 142 ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: فَمَن يُخاصِمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم يَوْمَ لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا، ولا يُغْنِي عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿وكِيلا﴾ أيْ: حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ، وأصْلُ مَعْنى الوَكِيلِ الشَّخْصُ الَّذِي تُوكَلُ الأُمُورُ لَهُ وتُسْنَدُ إلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ المُحامِي مَجازٌ مِن بابِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في لازِمِ مَعْناهُ. و(أمْ) هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ كَما قالَ السَّمِينُ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ كَما نَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، والِاسْتِفْهامُ - كَما قالَ الكَرْخِيُّ -: في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يُجادِلُ عَنْهُمْ، ولا أحَدَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا.

النساء 4:110

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أيْ: شَيْئًا يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ كَما فَعَلَ بُشَيْرٌ بِرِفاعَةَ أوْ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالإنْكارِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما دُونَ الشِّرْكِ، والظُّلْمُ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السُّوءُ الصَّغِيرَةُ، والظُّلْمُ الكَبِيرَةُ. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِيَسِيرٍ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِما اسْتَغْفَرَهُ مِنهُ كائِنًا ما كانَ ﴿رَحِيمًا﴾ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن فِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ مِنَ المُذْنِبِينَ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، قِيلَ: وتَخْوِيفٌ لِمَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ ولَمْ يَتُبْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ حُرِمَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وابْتُلِيَ بِغَضَبِهِ

النساء 4:111

﴿ومَن يَكْسِبْ﴾ أيْ: يَفْعَلْ ﴿إثْمًا﴾ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ إلى غَيْرِها، فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ والوَبالِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ الكَسْبُ ﴿حَكِيمًا﴾ في كَلِّ ما قَدَّرَ وقَضى ومِن ذَلِكَ لا تَحْمِلُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقِيلَ: (عَلِيمًا) بِالسّارِقِ (حَكِيمًا) في إيجابِ القَطْعِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى.

النساء 4:112

﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أيْ: صَغِيرَةً، أوْ ما لا عَمْدَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (يَكِسِّبُ) بِكَسْرِ الكافِ والسِّينِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ (يَكْتَسِبُ ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: كَبِيرَةً، أوْ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الشِّرْكُ، والإثْمُ ما دُونَهُ. وفِي الكَشّافِ: الإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمال أيْ: يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّ هَذا أصِلُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الذَّنْبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ”كَبائِرُ الإثم“ ومِن هَذا يُعْلَمُ ضَعْفُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ويُسْنِدُهُ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى (إثْمًا) فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنِ بِـ(أْوْ) يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُما عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، نَحْوُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وعَلى المَعْطُوفِ نَحْوُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ . وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى الكَسْبِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: يَرْمِ بِها وبِهِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وقُرِئَ بِهِما ﴿بَرِيئًا﴾ مِمّا رَماهُ بِهِ لِيُحَمِّلَهُ عُقُوبَةَ العاجِلَةِ، كَما فَعَلَ مَن عِنْدَهُ الدِّرْعُ بِلُبَيْدِ بْنِ سَهْلٍ، أوْ بِأبِي مُلَيْكٍ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ بِما فَعَلَ مِن رَمْيِ البَرِئِ، وقَصْدِهِ تَحْمِيلَ جَرِيرَتِهِ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ مِن (حَمَلَ) وقِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، فاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ويُتَحَيَّرُ عِنْدَ سَماعِهِ لِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: هو الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ في عِظَمِهِ، والماضِي بَهَتَ كَمَنَعَ، ويُقالُ في المَصْدَرِ: بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتًا ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا خَفاءَ، وهو صِفَةٌ لِـ(إثْمًا) وقَدِ اكْتُفِيَ في بَيانِ عِظَمِ البُهْتانِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ عَلى أنَّ وصْفَ الإثْمِ بِما ذُكِرَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ البُهْتانِ بِهِ؛ لِأنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ أمْرٍ واحِدٍ صفحة 143 هُوَ رَمِيُ البَرِئِ بِجِنايَةِ نَفْسِهِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِما تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْظِيعًا لِحالِهِ، فَمَدارُ العِظَمِ والفَخامَةِ كَوْنُ المَرْمِيِّ بِهِ لِلَّرامِي، فَإنَّ رَمْيَ البَرِئِ بِجانِيَةٍ ما خَطِيئَةً كانَتْ أوْ إثْمًا بُهْتانٌ وإثْمٌ في نَفْسِهِ، أمّا كَوْنُهُ بُهْتانًا فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ إثْمًا فَلِأنَّ كَوْنَ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن فَعَلَهُ خَطِيئَةً لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن نَسَبَهُ إلى البَرِئِ مِنهُ أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًا، كَيْفَ لا وهو كَذِبٌ مُحَرَّمٌ في سائِرِ الأدْيانِ، فَهو في نَفْسِهِ بُهْتانٌ وإثْمٌ لا مَحالَةَ، وبِكَوْنِ تِلْكَ الجِنايَةِ لِلَّرامِيِّ يَتَضاعَفُ ذَلِكَ شِدَّةً ويَزْدادُ قُبْحًا، لَكِنْ لا لِانْضِمامِ جِنايَتِهِ المَكْسُوبَةِ إلى رَمْيِ البَرِئِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ، ولا لِمُجَرَّدِ اشْتِمالِهِ عَلى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الخاطِئَةِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مَعَ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى قَصْدِ تَحْمِيلِ جِنايَتِهِ عَلى البَرِئٍ، وإجْراءِ عُقُوبَتِها عَلَيْهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الِاحْتِمالِ عَلى الِاكْتِسابِ ونَحْوِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ. نَعَمْ، بِما ذُكِرَ مِنِ انْضِمامِ كَسْبِهِ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ إلى رَمْيِ البَرِئِ تَزْدادُ الجِنايَةَ قُبْحًا، لَكِنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ وصْفٌ لِلْمَجْمُوعِ لا لِلْإثْمِ فَقَطْ، كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْلى مِمّا يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ مِن أنَّ في التَّنْزِيلِ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرُ مُرَتَّبٍ حَيْثُ قالَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: (فَقَدِ احْتَمَلَ) إلَخْ: لِأنَّهُ بِكَسْبِهِ الإثْمَ آثِمٌ، وبِرَمْيِهِ البَرِئِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِخُلُوِّهِ عَمّا يَلْزَمُهُ، وإنْ أُجِيبَ عَنْهُ، فافْهَمْ.

النساء 4:113

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ بِما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالعِصْمَةِ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالوَحْيِ، وقِيلَ: المُرادُ لَوْلا حِفْظُهُ لَكَ وحِراسَتُهُ إيّاكَ. ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ (يَخْتانُونَ) والمُرادُ بِهِمْ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ وأصْحابُهُ، أوِ الذّابُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، المُطَّلِعُونَ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ، العالِمُونَ بِحَقِيقَتِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى النّاسِ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ الَّذِينَ انْتَصَرُوا لِلسّارِقِ، أوِ المُودِعِ الخائِنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ ثَقِيفٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّهم قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ، جِئْناكَ نُبايِعُكَ عَلى أنْ لا نَكْسِرَ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وعَلى أنْ نَتَمَتَّعَ بِالعُزّى سَنَةً، فَلَمْ يُجِبْهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ». وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ (هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) مِن إهْلاكِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، وحَرَسَهُ بِعَيْنِ عِنايَتِهِ ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ أيْ: بِأنْ يُضِلُّوكَ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ، أوْ عَنِ اتِّباعِ ما جاءَكَ في أمْرِ الأصْنامِ، أوْ بِأنْ يُهْلِكُوكَ، وقَدْ جاءَ الإضْلالُ بِهَذا المَعْنى، ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ لَوْلا، وإنَّما نُفِيَ هَمُّهم مَعَ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو ثَأْثِيرُهُ فَقَطْ إيذانًا بِانْتِفاءِ تَأْثِيرِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الهَمُّ المُؤَثِّرُ، ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ حَقِيقَةً. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ولَمْ يُهِمُّوا بِإضَلالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ صَوابًا عِنْدَهم وفي ظَنِّهِمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَأضَلُّوكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَهَمَّتْ) أيْ: لَقَدْ هَمَّتْ بِذَلِكَ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: ما يُزِيلُونَ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْفُسَهُمْ، أوْ ما يُهْلِكُونَ إلّا إيّاها لِعَوْدِ وبالِ ذَلِكَ وضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وعَطْفُهُ عَلى (أنْ يُضِلُّوكَ) وهْمٌ مَحْضٌ و(مِن) صِلَةٌ، والمَجْرُورُ صفحة 144 فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِما أنَّهُ تَعالى عاصِمُكَ عَنِ الزَّيْغِ في الحُكْمِ. وأمّا ما خَطَرَ بِبالِكَ فَكانَ عَمَلًا مِنكَ بِظاهِرِ الحالِ ثِقَةً بِأقْوالِ القائِلِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، أوْ لِما أنَّهُ سُبْحانَهُ عاصِمُكَ عَنِ المُداهَنَةِ والمَيْلِ إلى آراءِ المُلْحِدِينَ، والأمْرُ بِخِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ، أوْ لِما أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَكَ العِصْمَةَ مِنَ النّاسِ، وحَجَبَهم عَنِ التَّمَكُّنِ مِنكَ. ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القُرْآنَ الجامِعَ بَيْنَ العُنْوانَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِكْمَةِ السُّنَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ - عَلى ما قالَهُ الأجْهُورِيُّ: - في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ الطَّبَرْسِيُّ، وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ. ﴿وعَلَّمَكَ﴾ بِأنْواعِ الوَحْيِ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ وضَمائِرِ الصُّدُورِ، ومِن جُمْلَتِها وُجُوهُ إبْطالِ كَيْدِ الكائِدِينَ، أوْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وأحْكامِ الشَّرْعِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ - كَما قالَ الضَّحّاكُ - أوْ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ - كَما قِيلَ - أوْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ كَما يُقالُ. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المَوْصُولَ بِأسْرارِ الكِتابِ والحِكْمَةِ أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذَلِكَ، وأطْلَعَكَ عَلى أسْرارِهِ، وأوْقَفَكَ عَلى حَقائِقِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّتِمَّةِ لِلْجُمْلَةِ الأوْلى، واسْتَظْهِرْ في البَحْرِ العُمُومَ. ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ لا تَحْوِيهِ عِبارَةٌ، ولا تُحِيطُ بِهِ إشارَةٌ، ومِن ذَلِكَ النُّبُوَّةُ العامَّةُ، والرِّياسَةُ التّامَّةُ، والشَّفاعَةُ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ

النساء 4:114

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخْتانُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ و(نَجْوى) في الكَلامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: ما يَتَفَرَّدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ سِرًّا أمْ لا؟ قَوْلانِ، وتَكُونُ بِمَعْنى التَّناجِي، وتُطْلَقُ عَلى القَوْمِ المُتَناجِينَ، كَـ(إذْ هم نَجْوى) وهو إمّا مِن بابِ (رَجُلٍ عَدْلٍ) أوْ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَجِيٍّ كَما نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ. والظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرُ (لا) والثّانِي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلنَّكِرَةِ أيْ: كائِنٌ (مِن نَجْواهم ﴿إلا مَن أمَرَ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وبِهِ يَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ، وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالنَّجْوى المُتَناجُونَ عَلى أحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاتِّصالِ صِحَّةُ الدُّخُولِ، وإنْ لَمْ يُجْزَمْ بِهِ، فَلا يَرِدُ ما تَوَهَّمَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ (جاءَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا زَيْدًا) لا يَصِحُّ فِيهِ الِاتِّصالُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِدُخُولِ زَيْدٍ في الكَثِيرِ ولا الِانْقِطاعُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِخُرُوجِهِ، ولا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ في دَفْعِهِ بِأنَّ المُرادَ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْوى واحِدٍ مِنهم إلّا نَجْوى مَن أمَرَ إلَخْ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُ خَيْرٌ، فَإنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَتَأتّى مِثْلُهُ عَلى احْتِمالِ الجَمْعِ. وجَوَّزَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - بَلْ زَعَمَ - أنَّهُ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ (إلّا مَن أمَرَ) مُتَعَلِّقًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ النَّجْوى بِالِاسْتِثْناءِ أوِ البَدَلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ لَهُ مَعْنًى خِلافُ الظّاهِرِ. وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى: لَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ وإنْ قَلَّتْ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ واسْتَحْسَنَهُ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أصْنافِ البِرِّ؛ كَقَرْضٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وإرْشادِ ضالٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُرادُ بِهِ هُنا ما عَدا الصَّدَقَةَ، وما عَدا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالقَرْضِ وإغاثَةُ المَلْهُوفِ وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وتَخْصِيصُ الصَّدَقَةِ - فِيما تَقَدَّمَ - بِالصَّدَقَةِ الواجِبَةِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وخَصَّ الصَّدَقَةَ والإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ صفحة 145 بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما شَمِلَهُ هَذا العامُّ؛ إيذانًا بِالِاعْتِناءِ بِهِما؛ لِما في الأوَّلِ مِن بَذْلِ المالِ الَّذِي هو شَقِيقُ الرُّوحِ، وما في الثّانِي مِن إزالَةِ فَسادِ ذاتِ البَيْنِ، وهي الحالِقَةُ لِلدِّينِ كَما في الخَبَرِ. وقَدَّمَ الصَّدَقَةَ عَلى الإصْلاحِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ بِها أشَقُّ؛ لِما فِيهِ مِن تَكْلِيفِ بَذْلِ المَحْبُوبِ، والنَّفْسُ تَنْفِرُ عَمَّنْ يُكَلِّفُها ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ. وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ السِّرَّ في إفْرادِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ أنَّ عَمَلَ الخَيْرِ المُتَعَدِّي إلى النّاسِ إمّا لِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، والمَنفَعَةُ إمّا جُسْمانِيَّةٌ كَإعْطاءِ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ) وإمّا رُوحانِيَّةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وأمّا رَفْعُ الضُّرِّ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (أوْ إصْلاحٌ بَيْنَ النّاسِ) ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ التَّأْلِيفُ بَيْنَهم بِالمَوَدَّةِ إذا تَفاسَدُوا، مِن غَيْرِ أنْ يُجاوِزَ في ذَلِكَ حُدُودَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ. نَعَمْ، أُبِيحَ الكَذِبُ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا»» وقالَتْ: ««لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها»». وعَدَّ غَيْرُ واحِدٍ الإصْلاحَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: ««يا أبا أيُّوبَ، ألا أدُلَّكَ عَلى صَدَقَةٍ يَرْضى اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مَوْضِعَها؟ قالَ: بَلى، قالَ: تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا»». وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» وهَذا الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الإصْلاحَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالمالِ. ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّرْغِيبِ، ولَيْسَ المُرادُ ظاهِرَهُ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّ الصِّيامَ المَفْرُوضَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ والصَّدَقَةُ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ إصْلاحٌ يَتَرَتَّبُ عَلى عَدَمِهِ شَرٌّ عَظِيمٌ، وفَسادٌ بَيْنَ النّاسِ كَبِيرٌ. ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورَ مِنَ الصَّدَقَةِ وأخَوَيْها، والكَلامُ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ، وكانَ الظّاهِرُ: (ومَن يَأْمُرْ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِلْمُذَيَّلِ، إلّا أنَّهُ رَتَّبَ الوَعْدَ عَلى الفِعْلِ إثْرَ بَيانِ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ لِما أنَّ المَقْصُودَ التَّرْغِيبُ في الفِعْلِ، وبَيانُ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى خَيْرِيَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ إذْ هو يُكَنّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، كَما إذا قِيلَ: حَلَفْتُ عَلى زَيْدٍ وأكْرَمْتُهُ، وكَذا وكَذا، فَتَقُولُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنْ (يَأْمُرْ) إلى (يَفْعَلْ) حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّسَبُّبَ لِفِعْلِ الغَيْرِ؛ الصَّدَقَةِ، والإصْلاحِ، والمَعْرُوفِ بَأيِّ وجْهٍ كانَ كافٍ في تَرْتِيبِ الثَّوابِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى اللَّفْظِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأمْرِ فَيَكُونُ مَعْنى (مَن أمَرَ) (ومَن يَفْعَلِ) الأمْرَ واحِدًا. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ تَذْيِيلًا لِيَحْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ تَحْصِيلًا لِلْمُطابَقَةِ، بَلْ لَمّا ذَكَرَ الآمِرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ مُمْتَثِلِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَمْتَثِلْ. ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأجْلِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ الكِسائِيِّ، وسَهْلٌ وخَلَفٌ بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الوَصْفِ، قِيلَ: وإنَّما قَيَّدَ الفِعْلَ بِالِابْتِغاءِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وأنَّ مِن فَعَلَ خَيْرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ غَيْرَ الحِرْمانِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ مُحْبِطٌ لِثَوابِ صفحة 146 الأعْمالِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والنَّوَوِيُّ. وقالَ الغَزالِيُّ: إذا غَلَبَ الإخْلاصُ فَهو مُثابٌ وإلّا فَلا، وقِيلَ: هو مُثابٌ غَلَبَ الإخْلاصُ أمْ لا، عَلى قَدْرِ الإخْلاصِ، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ المُخْلِصِ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الحِرْمانِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ فِيها لِلْمُخْلِصِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ ما دُونَهُ، وكَوْنُ العَظْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمُورِ الدُّنْيا خِلافُ الظّاهِرِ.

النساء 4:115

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفُهُ - مِنَ الشِّقِّ - فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ، ولِظُهُورِ الِانْفِكاكِ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُخالِفِهِ فُكَّ الإدْغامُ هُنا، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الأنْفالِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْطُوفِ، ولَمْ يُفَكَّ في قَوْلِهِ تَعالى في الحَشْرِ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ . وقالَ الخَطِيبُ في حِكْمَةِ الفَكِّ والإدْغامِ أنَّ (ألْ) في الِاسْمِ الكَرِيمِ لازِمَةٌ بِخِلافِها في الرَّسُولِ، واللُّزُومُ يَقْتَضِي الثِّقَلَ، فَخُفِّفَ بِالإدْغامِ فِيما صَحِبَتْهُ الجَلالَةُ بِخِلافِ ما صَحِبَهُ لَفْظُ الرَّسُولِ، وفي آيَةِ الأنْفالِ صارَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا إلَيْهِ مِنَ المُشاقَّةِ والمُخالَفَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ الآتِي بِذَلِكَ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قَدَّمْناهُ في سارِقِ الدِّرْعِ أوْ مُودِعِها، وقِيلَ: في قَوْمِ طُعْمَةَ لَمّا ارْتَدُّوا بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا، وأيّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وغَيْرُهُ مِنَ المُشاقِّينَ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فِيما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوْ فِيما يَدَّعِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالوُقُوفِ عَلى المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، فَيَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ والكُلَّ والبَعْضَ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ، ويُؤُولُ إلى أنّا نُضِلُّهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ نُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: نَكِلْهُ في الآخِرَةِ إلى ما اتَّكَلَ عَلَيْهِ وانْتَصَرَ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ الأوْثانِ ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: نُدْخِلْهُ إيّاها، وقَدْ تَقَدَّمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ). ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ أيْ: جَهَنَّمُ، أوِ التَّوْلِيَةُ، واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَعَنِ المُزَنِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ يَوْمًا فَجاءَهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ لِباسُ صُوفٍ وبِيَدِهِ عَصًا، فَلَمّا رَآهُ ذا مَهابَةٍ اسْتَوى جالِسًا، وكانَ مُسْتَنِدًا لِأُسْطُوانَةٍ، وسَوّى ثِيابَهُ، فَقالَ لَهُ: ما الحُجَّةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: كِتابُهُ، قالَ: وماذا؟ قالَ: سُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ قالَ: وماذا؟ قالَ: اتِّفاقُ الأُمَّةِ، قالَ: مِن أيْنَ هَذا الأخِيرُ أهُوَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ فَتَدَبَّرَ ساعَةً ساكِتًا، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: أجَّلْتُكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ فَإنْ جِئْتَ بِآيَةٍ وإلّا فاعْتَزِلِ النّاسَ، فَمَكَثَ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَخْرُجُ، وخَرَجَ في اليَوْمِ الثّالِثِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجاءَهُ الشَّيْخُ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وجَلَسَ، وقالَ: حاجَتِي؟ فَقالَ: نَعَمْ، أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ﴾ إلَخْ لَمْ يَصِلْهُ جَهَنَّمَ عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ إلّا واتِّباعُهم فَرْضٌ، قالَ: صَدَقْتَ، وقامَ وذَهَبَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ القُرْآنَ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى ظَفِرْتُ بِها. ونَقَلَ الإمامُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ. واعْتَرَضَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ الإيمانُ، كَما إذا قِيلَ: اسْلُكْ سَبِيلَ الصّائِمِينَ والمُصَلِّينَ أيْ: في الصَّوْمِ والصَّلاةِ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ ووُجُوبِ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ الإيمانِ، صفحة 147 ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِما يَأْباهُ الشَّرْطُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ إذا كانَ مَأْلُوفُ الصّائِمِينَ الِاعْتِكافُ مَثَلًا تَناوَلَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِمْ ذَلِكَ أيْضًا، فَكَذَلِكَ يَتَناوَلُ ما هو مُقْتَضى الإيمانِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَسَبِيلُ المُؤْمِنِينَ هُنا عامٌّ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِـ(تَبَيَّنَ الهُدى) فَيَلْزَمُ في المَعْطُوفِ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ في الإجْماعِ فائِدَةٌ لِأنَّ الهُدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِدايَةِ، ومِنها دَلِيلُ الإجْماعِ، وإذا حَصَلَ الدَّلِيلُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْلُولِ فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِمَنعِ لُزُومِ القَيْدِ في المَعْطُوفِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فالمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلِيلُ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ مُخالَفَةَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ حَرامٌ، فَيَكُونُ الإجْماعُ مُفِيدًا في الفُرُوعِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأُصُولِ، وأوْضَحَ القاضِي وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وحُرْمَةِ مُخالَفَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ فِيها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى المُشاقَّةِ واتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ إمّا لِحُرْمَةِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما أوْ أحَدِهِما أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، والثّانِي باطِلٌ؛ إذْ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ وأكَلَ الخُبْزَ اسْتَوْجَبَ الحَدَّ، وكَذا الثّالِثُ؛ لِأنَّ المُشاقَّةَ مُحَرَّمَةٌ ضُمَّ إلَيْها غَيْرُها أوْ لَمْ يُضَمَّ، وإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُحَرَّمًا كانَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ لِأنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ - مِمَّنْ عَرَفَ سَبِيلَهُمُ - اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ لا يُتَّبَعَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ ولا غَيْرُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، أُجِيبَ بِأنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَقْتَدُوا في أفْعالِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ فَكُلُّ مَن لَمْ يَتَّبِعْ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أتى بِفِعْلِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، واقْتَفى أثَرَهُمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لَهم. وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يَخْلُو مِنِ اتِّباعِ سَبِيلٍ البَتَّةَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ غَيْرُ قاطِعٍ؛ لِأنَّ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّخْصِيصِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ سَبِيلُهم في مُتابَعَةِ الرَّسُولِ أوْ في مُناصَرَتِهِ أوْ في الِاقْتِداءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أوْ فِيما صارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وإذا قامَ الِاحْتِمالُ كانَ غايَتُهُ الظُّهُورَ، والتَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ إنَّما يَثْبُتُ بِالإجْماعِ، ولَوْلاهُ لَوَجَبَ العَمَلُ بِالدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِلْإجْماعِ بِما لا يَثْبُتُ حُجِّيَّتُهُ إلّا بِهِ فَيَصِيرُ دَوْرًا، واسْتُصْعِبَ التَّفَصِّي عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ في المُخْتَصَرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْفَهانِيِّ في اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ لَمّا احْتُمِلَ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ صارَ عامًّا، ودَلالَتُهُ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ لِاحْتِمالِ تَخْصِيصِهِ بِما يُخْرِجُهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ. وأجابَ عَنِ الدَّوْرِ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، وعَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مَظْنُونٌ يَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ؛ لِأنّا إنْ لَمْ نَعْمَلْ بِهِ وحْدَهُ فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِهِ وبِمُقابِلِهِ أوْ لا نَعْمَلَ بِهِما أوْ نَعْمَلَ بِمُقابِلِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وعَلى الثّانِي ارْتِفاعُهُما، وعَلى الثّالِثِ العَمَلُ بِالمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرّاجِحِ، والكُلُّ باطِلٌ، فَيَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِمَنعِ حُرْمَةِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ المُشاقَّةِ، وأجابَ عَنْهُ القَوْمُ بِما لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وبِأنَّ الِاسْتِدْلالَ يَتَوَقَّفُ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في كُلِّ عَصْرٍ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وبِأُمُورٍ أُخْرى ذَكَرَها الآمِدِيُّ والتِّلْمَسانِيُّ وغَيْرُهُما، وأجابُوا عَمّا أجابُوا عَنْهُ مِنها. وبِالجُمْلَةِ لا يَكادُ يَسْلَمُ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن قِيلَ وقالَ، ولَيْسَتْ حُجِّيَّةُ الإجْماعِ مَوْقُوفَةً عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

النساء 4:116

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِيما سَبَقَ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وخُصَّ هَذا المَوْضِعُ بِهِ لِيَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِقِصَّةِ مَن سَبَقَ بِذِكْرِ الوَعْدِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ في ضِمْنَ الآياتِ السّابِقَةِ، فَلا يَضُرُّ بَعْدَ العَهْدِ، أوْ لِأنَّ لِلْآيَةِ سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ شَيْخًا مِنَ العَرَبِ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ صفحة 148 فِي الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المُعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنّى أُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى»؟ فَنَزَلَتْ». ”ومَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا“ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ، وفي مَعْنى الشِّرْكِ بِهِ تَعالى نَفْيُ الصّانِعِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن أفْرادِهِ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ، أوِ عَنِ الوُقُوعِ مِمَّنْ لَهُ أدْنى عَقْلٍ، وإنَّما جُعِلَ الجَزاءُ عَلى ما قِيلَ هُنا (فَقَدْ ضَلَّ) إلَخْ، وفِيما تَقَدَّمَ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ لِما أنَّ تِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ أشْرَكُوا وكَفَرُوا فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا، وجَراءَةً عَظِيمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في أُناسٍ لَمْ يَعْلَمُوا كِتابًا، ولا عَرَفُوا مِن قَبْلُ وحْيًا، ولَمْ يَأْتِهِمْ سِوى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – وكَفَرُوا، وضَلُّوا مَعَ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، فَكانَ ضَلالُهم بَعِيدًا، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾

النساء 4:117

وجاءَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ أوْ ما يُنادُونَ لِحَوائِجِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلّا أصْنامًا، والجُمْلَةَ مَبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ ما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وعُبِّرَ عَنِ الأصْنامِ بِالإناثِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، ويُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ الحُلِيَّ وأنْواعَ الزِّينَةِ، كَما يَفْعَلُونَ بِالنِّسْوانِ، أوْ لِما أنَّ أسْماءَها مُؤَنَّثَةٌ كَما قِيلَ، وهم يُسَمُّونَ ما اسْمُهُ مُؤَنَّثٌ أُنْثى كَما في قَوْلِهِ: وما ذَكَرٌ فَإنْ يَكْبُرْ فَأُنْثى شَدِيدُ اللَّزْمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسُ فَإنَّهُ عَنى القُرادَ، وهو ما دامَ صَغِيرًا يُسَمّى قُرادًا، فَإذا كَبَرَ سُمِّيَ حَلَمَةً كَثَمَرَةٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ مِنَ الأصْنامِ ما اسْمُهُ مُذَكَّرٌ كَهُبَلَ، ووَدٍّ، وسُواعٍ، وذِي الخَلَصَةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَماداتٌ وهي كَثِيرًا ما تُؤَنَّثُ لِمُضاهاتِها الإناثَ لِانْفِعالِها، فَفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذا الِاسْمِ تَنْبِيهٌ عَلى تَناهِي جَهْلِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ، حَيْثُ يَدْعُونَ ما يَنْفَعِلُ، ويَدَعُونَ الفَعّالَ لِما يُرِيدُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ الأمْواتُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ الأُنْثى كُلُّ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، والحَجَرِ اليابِسِ» فَفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ دُونَ (أصْنامًا) التَّنْبِيهُ السّابِقُ أيْضًا، إلّا أنَّ وصْفَ الأصْنامِ بِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَجازٌ. وقِيلَ: سَمّاها اللَّهُ تَعالى إناثًا لِضَعْفِها، وقِلَّةِ خَيْرِها، وعَدَمِ نَصْرِها، وقِيلَ: لِاتِّضاعِ مَنزِلَتِها، وانْحِطاطِ قَدْرِها بِناءً عَلى أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الأُنْثى عَلى كُلِّ ما اتَّضَعَتْ مَنزِلَتُهُ مِن أيِّ جِنْسٍ كانَ. وقِيلَ: كانَ في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ تَتَراءى لِلسَّدَنَةِ وتُكَلِّمُهم أحْيانًا، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقِيلَ: المُرادُ المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وهو جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ ورُبّى في لُغَةِ مَن كَسَرَ الرّاءَ. وقُرِئَ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ (وإلّا أُنُثى) بِضَمَّتَيْنِ كَـ(رُسُلٍ) وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ مِثْلُ امْرَأةٍ جُنُبٍ، وإمّا جَمْعُ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ جاءَ: حَدِيدٌ أنِيثٌ، وإمّا جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقُرِئَ وثَنًا وأثَنًا بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ وتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ جَمْعُ (وثَنٍ) كَقَوْلِكَ: أسَدٌ، وأُسْدٌ، وأُسُدٌ، ووُسْدٌ، وقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا كَـ(أُجُوهٍ) في وُجُوهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها – (إلّا أوْثانًا). ﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾ أيْ صفحة 149 وما يَعْبُدُونَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأوْثانِ ﴿إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ إذْ هو الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِها، وأغْراهم فَكانَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ، فَلا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن يَدْعُونَ يُطِيعُونَ، فَلا مُنافاةَ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ» والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ هَنا إبْلِيسُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وغَيْرِهِ. والمَرِيدُ والمارِدُ والمُتَمَرِّدُ: العاتِي الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وأصْلُ مادَّةِ (م ر د) لِلْمُلامَسَةِ والتَّجَرُّدِ، ومِنهُ ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لِلَّتِي تَناثَرَ ورَقُها، ووُصِفَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إمّا لِتَجَرُّدِهِ لِلشَّرِّ أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالأمْلَسِ الَّذِي لا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: لِظُهُورِ شَرِّهِ كَظُهُورِ ذَقَنِ الأمْرَدِ، وظُهُورِ عِيدانِ الشَّجَرَةِ المَرْداءِ.

النساء 4:118

﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهُ وأبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِعْلُ ما يَسْتَحِقُّها بِهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ، كَقَوْلِهِمْ: أبَيْتَ اللَّعْنَ أيْ: ما فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّهُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِشَيْطانٍ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى الدُّعاءِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُرادُ شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ مِنهُ عِنْدَ اللَّعْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أيْ: وقَدْ قالَ، وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُسْتَطْرَدَةً، كَما أنَّ ما قَبْلَها اعْتِراضِيَّةٌ في رَأْيٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وإمّا حالٌ مِمّا بَعْدَهُ، واخْتارَهُ البَعْضُ. والِاتِّخاذُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ، وأصْلُ مَعْنى الفَرْضِ القَطْعُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ لِاقْتِطاعِهِ عَمّا سِواهُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ: «مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ». والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ نُطْقًا مِنَ اللَّعِينِ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - لَمّا نالَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ما نالَ طَمَعَ في ولَدِهِ، وقالَ ذَلِكَ ظَنًّا، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ فَهِمَ طاعَةَ الكَثِيرِ لَهُ مِمّا فَهِمَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ حِينَ قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ . وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ حالِيٌّ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بِطْنِي وفِي هَذِهِ الجُمَلِ ما يُنادِي عَلى جَهْلِ المُشْرِكِينَ، وغايَةِ انْحِطاطِ دَرَجَتِهِمْ عَنِ الِانْخِراطِ في سِلْكِ العُقَلاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وفِيها تَوْبِيخٌ لَهم كَما لا يَخْفى.

النساء 4:119

﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانِيَّ الباطِلَةَ، وأقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ وراءَكم بَعْثٌ، ولا نَشْرٌ، ولا جَنَّةٌ، ولا نارٌ، ولا ثَوابٌ، ولا عِقابٌ، فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِطُولِ البَقاءِ في الدُّنْيا، فَيُسَوِّفُونَ العَمَلَ، وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِالأهْواءِ الباطِلَةِ الدّاعِيَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وأُزَيِّنُ لَهم شَهَواتِ الدُّنْيا وزِهْراتِها، وأدْعُو كُلًّا مِنهم إلى ما يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ فَأصُدُّهُ بِذَلِكَ عَنِ الطّاعَةِ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾ بِالتَّبْتِيكِ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أوْ بِالضَّلالِ كَما قالَ غَيْرُهُ ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلُيَقْطَعُنَّها مَن أصْلِها كَما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ لَيَشُقُّنَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ، بِمُوجَبٍ أمْرِي مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ ولا تَأْخِيرٍ، كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاءُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مَن شَقِّ أُذُنِ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وتَحْرِيمِ رُكُوبِها، والحَمْلِ عَلَيْها، وسائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِها ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ مُمْتَثِلِينَ بِلا رَيْثٍ ﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾ عَنْ نَهْجِهِ، صُورَةً أوْ صِفَةً، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما فُعِلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ فَحْلِ الإبِلِ صفحة 150 إذا طالَ مُكْثُهُ حَتّى بَلَغَ نِتاجُ نِتاجِهِ، ويُقالُ لَهُ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ، والوَشْرِ، واللِّواطَةِ، والسِّحاقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ والحِجارَةِ مَثَلًا، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا، ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ زُلْفى. ووَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ المَذْكُوراتِ، وعُمُومُ اللَّفْظِ بِمَنعِ الخِصاءِ مُطْلَقًا، ورُوِيَ النَّهْيُ عَنْهُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ»» وادَّعى عِكْرِمَةُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأجازَ بَعْضُهم ذَلِكَ في الحَيَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ، وعَنْ طاوُسٍ أنَّهُ خَصى جَمَلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفَحْلِ فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا. وقالَ النَّوَوِيُّ: لا يَجُوزُ خِصاءُ حَيَوانٍ لا يُؤْكَلُ في صِغَرِهِ وفي كِبَرِهِ، ويَجُوزُ إخْصاءُ المَأْكُولِ في صِغَرِهِ لِأنَّ فِيهِ غَرَضًا وهو طِيبُ لَحْمِهِ، ولا يَجُوزُ في كِبَرِهِ. والخِصاءُ في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ عِنْدَ عامَّةِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكْرَهُ شِراءُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامِهِمْ وإمْساكِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّغْبَةَ فِيهِمْ تَدْعُو إلى إخْصائِهِمْ. وخُصَّ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخِتانُ، والوَشْمُ لِحاجَةٍ، وخَضْبُ اللِّحْيَةِ، وقَصُّ ما زادَ مِنها عَلى السُّنَّةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ تَعالى ولَوْنَهُ سُبْحانَهُ! ولا يُكادُ يُسَلَّمُ لَهُ إنْ أرادَ ما يَعُمُّ الخِضابَ المَسْنُونَ كالخِضابِ بِالحِنّاءِ، بَلْ وبِالكَتْمِ أيْضًا لِإرْهابِ العَدُوِّ، وقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، مِنهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وحَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ومُجاوَزَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَتِهِ، وقَيْدُ (مِن دُونِ اللَّهِ) لِبَيانِ أنَّ اتِّباعَهُ يُنافِي مُتابَعَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ احْتِرازِيًّا كَما يُتَوَهَّمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ ما مِن مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى إلّا ولَكَ فِيهِ وِلايَةٌ لَوْ عَرَفْتَها، ولَكَ في وُجُودِهِ مَنفَعَةٌ لَوْ طَلَبْتَها، فَلِهَذا قُيِّدَتِ الوِلايَةُ بِكَوْنِها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَحْقِيقِ مَعْنى الوِلايَةِ، فافْهَمْ. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ أيْ: ظاهِرًا، وأىُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِنِ اسْتِبْدالِ الجَنَّةِ بِالنّارِ، وأيُّ صَفْقَةٍ أخْسَرُ مِن فَواتِ رِضا الرَّحْمَنِ بِرِضا الشَّيْطانِ

النساء 4:120

﴿يَعِدُهُمْ﴾ ما لا يَكادُ يُنْجِزُهُ، وقِيلَ: النَّصْرَ والسَّلامَةَ، وقِيلَ: الفَقْرَ والحاجَةَ إنْ أنْفَقُوا، وقَرَأ الأعْمَشُ (يَعِدْهُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ، وهو تَخْفِيفٌ لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ. ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾ الأمانِيَّ الفارِغَةَ، وقِيلَ: طُولَ البَقاءِ في الدُّنْيا، ودَوامَ النَّعِيمِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الجُمْلَتَيْنِ: يَفْعَلُ لَهُمُ الوَعْدَ ويَفْعَلُ التَّمْنِيَةَ، عَلى طَرِيقَةِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ في (يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ) راجِعٌ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ المُفْرِدَ في (يَتَّخِذْ) و(خَسِرَ) راجِعٌ إلَيْها بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ الوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ مَعَ وُقُوعِ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أقْسَمَ عَلَيْهِ اللَّعِينُ أيْضًا؛ لِأنَّهُما مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ، وأقْوى أسْبابِ الضَّلالِ وحَبائِلِ الِاحْتِيالِ. ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ وهو إيهامُ النَّفْعِ فِيما فِيهِ الضَّرَرُ، وهَذا الوَعْدُ والأمْرُ عِنْدِي مِثْلُهُ إمّا بِالخَواطِرِ الفاسِدَةِ، وإمّا بِلِسانِ أوْلِيائِهِ، واحْتِمالُ أنْ يَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ إنْسانٍ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بَعِيدٌ، و(غُرُورًا) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْوَعْدِ، أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعْدًا ذا غُرُورٍ، أوْ غارًا، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ (يَعِدُهُمْ) في قُوَّةِ يُغْرِهم بِوَعْدِهِ صفحة 151 كَما قالَ السَّمِينُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلتَّمْنِيَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ الوَعْدِ، وفي البَحْرِ: إنَّهُما مُتَقارِبانِ فاكْتُفِيَ بِأوَّلِهِما.

النساء 4:121

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ ولَّيا بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الخُسْرانِ ﴿مَأْواهُمْ﴾ ومُسْتَقَرُّهم جَمِيعًا ﴿جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أيْ مَعْدَلًا ومَهْرَبًا، وهو اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ يَحِيصُ إذا عَدَلَ ووَلّى، ويُقالُ: مَحِيصٌ ومَحاصٌ، وأصْلُ مَعْناهُ - كَما قِيلَ – الرَّوَغانُ، ومِنهُ: وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ، وحاصَ باصَ، أيْ: في أمْرٍ يَعْسُرُ التَّخَلُّصُ مِنهُ، ويُقالُ: حاصَ يَحُوصُ أيْضًا، وحَوْصًا وحِياصًا، و(عَنْها) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (مَحِيصًا) ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَهُ بِـ(يَجِدُونَ) لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِـ(عْنَ) ولا بِـ(مَحِيصًا) لِأنَّهُ إنْ كانَ اسْمَ مَكانٍ فَهو لا يَعْمَلُ؛ لِأنَّهُ مُلْحَقٌ بِالجَوامِدِ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا فَمَعْمُولُ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَهُ إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا ومَجْرُورًا جَوَزَّهُ هُنا.

النساء 4:122

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى مَرْجُوحِيَّتُهُ، وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إثْرَ وعِيدِ الكافِرِينَ، وإنَّما قَرَنَهُما سُبْحانَهُ وتَعالى زِيادَةً لِمَسَرَّةِ أحِبّائِهِ ومَساءَةِ أعْدائِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أيْ: وعَدَهم وعْدًا وأحَقَّهُ حَقًّا، فالأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ كُلِّهِ عَلى ما أُلِفَ عُرْفًا؛ فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ؛ إذْ لَيْسَ الوَعْدُ إلّا الإخْبارُ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، كَـ(زَيْدٌ قائِمٌ حَقًّا) فَإنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِها وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قائِلِها تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ، والحَقَّ والباطِلَ، وجُوِّزَ أنْ يَنْتَصِبَ (وعْدَ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(سَنُدْخِلُهُمْ) عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى نَعِدُهم إدْخالَ جَنّاتٍ، ويَكُونُ (حَقًّا) حالًا مِنهُ. ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ مُؤَكِّدٌ لَهُ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، و(القِيلُ) مَصْدَرُ قالَ، ومِثْلُهُ القالُ. وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: إنَّهُما اسْمانِ لا مَصْدَرانِ، ونُصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ولا يَخْفى ما في الِاسْتِفْهامِ، وتَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجَلِيلِ الجامِعِ، وبِناءِ أفْعَلَ، وإيقاعِ القَوْلِ تَمْيِيزًا مِنَ المُبالَغَةِ، والمَقْصُودُ مُعارَضَةُ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ الَّتِي غَرَّتْهم حَتّى اسْتَحَقُّوا الوَعِيدَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ الَّذِي أوْصَلَهم إلى السَّعادَةِ العُظْمى، ولِذا بالَغَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأكَّدَهُ؛ حَثًّا عَلى تَحْصِيلِهِ وتَرْغِيبًا فِيهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ، والجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أيْ: صَدَقَ ولا أصْدَقَ مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ الغَفْلَةُ عَنْ حُكْمِ الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ التَّذْيِلِيَّةِ، وتَجْوِيزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وقائِلِينَ: مَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى (خالِدِينَ) أدْهى وأمَرُّ. وقَرَأ الكُوفِيُّ غَيْرَ عاصِمٍ، ووَرْشٌ بِإشْمامِ الصّادِ الزّايَ.

النساء 4:123

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ - وبِهِما قُرِئَ - جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ عَلى وزْنِ أُفْعُولَةٍ، وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ، أيْ: تَقْدِيرُهُ في النَّفْسِ وتَصْوِيرُهُ فِيها، ويُقالُ: مَنّى لَهُ المانِي أيْ: قَدَّرَ لَهُ المُقَدِّرُ، ومِنهُ قِيلَ: مَنِيَّةٌ أيْ: مُقَدَّرَةٌ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ التَّمَنِّي عَلى تَصَوُّرِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِن هُنا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ صفحة 152 الكَذِبِ؛ لِأنَّهُ تَصَوُّرُ ما ذُكِرَ، وإيرادُهُ بِاللَّفْظِ، فَكَأنَّ التَّمَنِّيَ مَبْدَأٌ لَهُ، فَلِذا صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «ما تَعَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ». والباءُ في (بِأمانِيِّكُمْ) مِثْلُها في (زَيْدٌ بِالبابِ) ولَيْسَتْ زائِدَةً، والزِّيادَةُ مُحْتَمَلَةٌ، ونَفاها البَعْضُ، واسْمُ (لَيْسَ) مُسْتَتِرٌ فِيها، عائِدٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَوْعُودِ، فَهو اسْتِخْدامٌ كَما قالَ السَّعْدُ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَوْعُودِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ عامِلُ (وعْدَ اللَّهِ) أوْ عَلى إدْخالِ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلِ الصّالِحِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقِيلَ: عَلى الأمْرِ المُتَحاوَرِ فِيهِ بِقَرِينَةِ سَبَبُ النُّزُولِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «التَقى ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، فَقالَ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، دِينُنا قَبْلَ دِينِكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، ونَحْنُ عَلى دِينٍ إبْراهِيمَ، (ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا) وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كِتابُنا بَعْدَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ نَبِيِّكم ودِينُنا بَعْدَ دِينِكُمْ، وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُونا وتَتْرُكُوا أمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ). وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ﴾ إلَخْ أيْ: لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى أوْ ما وعَدَ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّوابِ، أوْ إدْخالُ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلُ الصّالِحُ، أوِ الإيمانُ، أوْ ما تَحاوَرْتُمْ فِيهِ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ أمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ وأمانِيِّ اليَهُودِ والنَّصارى، وإنَّما يُحَصَّلُ بِالسَّعْيِ والتَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجِدِّ لِامْتِثالِ الأمْرِ، ويُؤَيِّدُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلَهُ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ مَوْقُوفًا: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألَّهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ لَأحْسَنُوا العَمَلَ». وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ هو ما وقَرَ في القَلْبِ، فَأمّا عِلْمُ القَلْبِ فالعِلْمُ النّافِعُ، وعِلْمُ اللِّسانِ حُجَّةٌ عَلى بَنِي آدَمَ»». ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإنَّهم قالُوا: «لا نُبْعَثُ ولا نُعَذَّبُ» كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: (لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) وأُيِّدَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمُسْلِمِينَ ذِكْرٌ في الأمانِيِّ وجَرى لِلْمُشْرِكِينَ ذِكْرٌ في ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ وقَوْلِهِمْ: لا بَعْثَ ولا عَذابَ، ولا بِأمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وقَوْلِهِمْ ما قالُوا، وقَرَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجِلًا أوْ أجِلًا. فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرَهُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ألا أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟ فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأقْرَأنِيها، فَلا أعْلَمُ إلّا أنِّي وجَدْتُ انْقِصامًا في ظَهْرِي حَتّى تَمَطَّأْتُ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما لَكَ يا أبا بَكْرٍ؟ قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ وأيُّنا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وإنّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْناهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما أنْتَ وأصْحابُكَ يا أبا بَكْرٍ المُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى تَلْقَوُا اللَّهَ تَعالى لَيْسَ عَلَيْكم ذُنُوبٌ، وأمّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهم ذَلِكَ حَتّى يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ»». وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَتْ مِنهم ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ كَلَّ ما أصابَ المُسْلِمَ كَفارَّةٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها، والنَّكْبَةَ يُنْكَبُها»». والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولِهَذا أجْمَعَ عامَّةُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الأمْراضَ والأسْقامَ ومَصائِبَ الدُّنْيا وهُمُومَها - وإنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُها - يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِها الخَطِيئاتِ. صفحة 153 والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها أيْضًا يُرْفَعُ بِها الدَّرَجاتُ، وتُكْتَبُ الحَسَناتُ، وهو الصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَحَّ في غَيْرِما طَرِيقٍ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ، ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ»». وحَكى القاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تُكَفِّرُ الخَطايا فَقَطْ، ولا تَرْفَعُ دَرَجَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «الوَجَعُ لا يُكْتَبُ بِهِ أجْرٌ، لَكِنْ يُكَفَّرُ بِهِ الخَطايا» واعْتَمَدَ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي فِيها التَّكْفِيرُ فَقَطْ، ولَمْ تَبْلُغْهُ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَتْبِ الحَسَناتِ. بَقِيَ الكَلامُ في أنَّها هَلْ تُكَفِّرُ الكَبائِرُ أمْ لا؟ وظاهِرُ الأحادِيثِ ومِنها خَبَرُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها تُكَفِّرُها، وقَدْ جاءَ في خَبَرٍ حَسَنٍ عَنْ عائِشَةَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِن ذُنُوبِهِ كَما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحْمَرُ مِنَ الكِيرِ». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَزالُ الصُّداعُ والمَلِيلَةُ بِالمَرْءِ المُسْلِمِ حَتّى يَدَعَهُ مِثْلَ الفِضَّةِ البَيْضاءِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولا يَخْفى أنَّ إبْقاءَ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِمّا يَأْباهُ كَلامُهُمْ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الجَزاءَ بِالآجِلِ، و(مَن) بِالمُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّوءِ هُنا الشِّرْكُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وابْنِ جُبَيْرٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا تَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ. ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُجاوِزًا لِوِلايَةِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ ﴿ولِيًّا﴾ يَلِي أمْرَهُ ويُحامِي عَنْهُ، ويَدْفَعُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهُ ويُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى إذا حَلَّ بِهِ، ولا مُسْتَنَدَ في الآيَةِ لِمَن مَنَعَ العَفْوَ عَنِ العاصِي، إذِ العُمُومُ فِيها مُخَصَّصٌ بِالتّائِبِ إجْماعًا، وبَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّخْصِيصِ لا مانِعَ مِن أنْ نُخَصِّصَهُ أيْضًا بِمَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الأُخَرُ.

النساء 4:124

﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ﴾ الأعْمالِ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ: بَعْضَها وشَيْئًا مِنها؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ عَمَلَ كُلِّ الصّالِحاتِ، وكَمْ مِن مُكَلَّفٍ لا حَجَّ عَلَيْهِ، ولا زَكاةَ، ولا جِهادَ، فَـ(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وتَخْصِيصُ الصّالِحاتِ بِالفَرائِضِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - خِلافُ الظّاهِرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَعْمَلْ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصّالِحاتِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: كائِنَةً مِن ذَكَرٍ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومَعَ هَذا الأظْهَرُ تَقْدِيرُ (كائِنًا) لا (كائِنَةً)؛ لِأنَّهُ حالٌ مِن (شَيْئًا) مِنها. وكَوْنُ المَعْنى (الصّالِحاتُ الصّادِرَةُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى) لا يُجْدِي نَفْعًا لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ، ولَعَلَّ تَبْيِينَ العامِلِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ في إهْلاكِهِمْ إناثَهُمْ، وجَعْلِهِنَّ مَحْرُوماتٍ مِنَ المِيراثِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ أيْضًا، وفي اشْتِراطِ اقْتِرانِ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَنْفَعُ الكافِرَ حَيْثُ قُرِنَ بِذِكْرِ العَمَلِ السُّوءِ المُضِرِّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى كَما قِيلَ، وقَدْ مَرَّ لَكَ قَرِيبًا ما يَنْفَعُكَ فَتَذَكَّرْ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ والإيمانِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ السّابِقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ. ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ جَزاءَ عَمَلِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ (يُدْخَلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِنَ الإدْخالِ. صفحة 154 ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا حَقِيرًا مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ النَّقِيرَ عَلَمٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأصْلُهُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ تَنْقِيصِ ثَوابِ المُطِيعِ نَفْيُ زِيادَةِ عِقابٍ العاصِي مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ الأذى في زِيادَةِ العِقابِ أشَدُّ مِنهُ في تَنْقِيصِ الثَّوابِ، فَإذا لَمْ يَرْضَ بِالأوَّلِ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَكَيْفَ يَرْضى بِالثّانِي؟! وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ عَدَمِ تَنْقِيصِ الثَّوابِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ عَدَمِ زِيادَةِ العِقابِ، مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ في العَمَلِ الصّالِحِ، فَلا يُناسِبُهُ إلّا هَذا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ.

النساء 4:125

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ، وقِيلَ: أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بَذَلَ لَهُ وجْهَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في السُّجُودِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، والمَقْصُودُ مَدْحُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ و(دِينًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن (أحْسَنُ) مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن دِينُهُ أحْسَنُ مِن دِينِ مَن أسْلَمَ، إلَخْ، فَيَؤُولُ الكَلامُ إلى تَفْضِيلِ دِينٍ عَلى دِينٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صَرْفَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِكُلِّيَّتِها لِلَّهِ تَعالى أعْلى المَراتِبِ الَّتِي تَبْلُغُها القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ، و(مِمَّنْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أحْسَنُ) وكَذا الِاسْمُ الجَلِيلُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وجْهَهُ). ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ، تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الإحْسانِ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ (وهُوَ مُحْسِنٌ) في عَقِيدَتِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ: وهو مُوَحِّدٌ، وعَلى هَذا فالأوْلى أنْ يُفَسَّرَ إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى بِالِانْقِيادِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالأعْمالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (أسْلَمَ). ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، وهَذا عَطْفٌ عَلى (أسْلَمَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ، حالٌ مِن (إبْراهِيمَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اتَّبَعَ). ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ تَذْيِيلٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ، وإظْهارُ اسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْخِيمًا لَهُ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ عَلى و(مَن أحْسَنُ) إلَخْ، سَواءٌ كانَ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا، وتَوْكِيدًا لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ وبَيانًا لِأنَّ الصّالِحاتِ ما هِيَ؟ وأنَّ المُؤْمِنَ مَن هو لِفَقْدِ المُناسِبَةِ، والجامِعُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وأدائِهِ ما يُؤَدِّيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ والبَيانِ، ولا عَلى صِلَةِ (مَن) لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لَها، وعَدَمُ صِحَّةِ عْطَفِهِ عَلى ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرٍ قَدْ خِلافُ الظّاهِرِ، والعَطْفُ عَلى ﴿حَنِيفًا﴾ لا يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ، والخَلِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلَّةِ بِضَمِّ الخاءِ، وهي إمّا مِنَ الخِلالِ بِكَسْرِ الخاءِ؛ فَإنَّها مَوَدَّةٌ تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ وتُخالِطُها مُخالَطَةً مَعْنَوِيَّةً، فالخَلِيلُ مَن بَلَغَتْ مَوَدَّتُهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، كَما قالَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ولِذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا فَإذا ما نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي ∗∗∗ وإذا ما سَكَتُّ كُنْتَ الغَلِيلا وإمّا مِنَ الخَلَلِ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنَ الخَلِيلَيْنِ يُصْلِحُ خَلَلَ الآخَرِ، وإمّا مِنَ الخَلِّ بِالفَتْحِ، وهو الطَّرِيقُ صفحة 155 فِي الرَّمْلِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ عَلى طَرِيقَةٍ، وإمّا مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ بِمَعْنى الخَصْلَةِ والخُلُقِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصال والأخْلاقِ، وقَدْ جاءَ: ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلُ»» أوْ بِمَعْنى الفَقْرِ والحاجَةِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُحْتاجٌ إلى وِصالِ الآخَرِ، غَيْرُ مُسْتَغْنٍ، وإطْلاقُهُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قِيلَ: لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَخَلَّلَتْ نَفْسَهُ وخالَطَتْها مُخالَطَةً تامَّةَ، أوْ لِتَخَلُّقِهِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، ومِن هُنا كانَ يُكْرِمُ الضَّيْفَ، ويُحْسِنُ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ كافِرًا، فَإنَّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الإحْسانَ إلى البَرِّ والفاجِرِ، وفي بَعْضِ الآثارِ - ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ في صِحَّتِهِ -: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِهِ، فَقالَ لَهُ: وحِّدِ اللَّهَ تَعالى حَتّى أُضَيِّفَكَ وأُحْسِنَ إلَيْكَ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ مِن أجْلِ لُقْمَةٍ أتْرُكُ دِينِي ودِينِ آبائِي، فانْصَرَفَ عَنْهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا إبْراهِيمُ صَدَقَكَ! لِي سَبْعُونَ سَنَةً أرْزُقُهُ وهو يُشْرِكُ بِي، وتُرِيدُ أنْتَ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ، فَلَحِقَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لِيُقْرِيَهُ، واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ المُشْرِكُ: يا إبْراهِيمُ ما بَدا لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي عَتَبَنِي فِيكَ، وقالَ: أنا أرْزُقُهُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى كُفْرِهِ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ؟! فَقالَ المُشْرِكُ: أوَقَدْ وقَعَ هَذا؟! مِثْلُ هَذا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ، فَأسْلَمَ ورَجَعَ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَنزِلِهِ». ثُمَّ عَمَّتْ بَعْدُ كَرامَتُهُ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وارِدٍ ورَدَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: تَعَلَّمْتُ الكَرَمَ مِن رَبِّي، رَأيْتُهُ لا يُضَيِّعُ أعْداءَهُ فَلا أُضَيِّعُهم أنا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْتَ خَلِيلِي حَقًّا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ»» وقِيلَ - واخْتارَهُ البَلْخِيُّ والفَرّاءُ - لِإظْهارِهِ الفَقْرَ والحاجَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وانْقِطاعِهِ إلَيْهِ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى مَن سِواهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ لَهُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ: ألَكَ حاجَةٌ؟ «أمّا إلَيْكَ فَلا» ثُمَّ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونَعِمَ الوَكِيلُ، وقِيلَ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلَ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ الخَلِيلَ دُونَ الحَبِيبِ. وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ فَخَرَجَ، حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمُ خَلِيلُهُ، وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنَّ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى تَكْلِيمًا، وقالَ آخَرُ فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتُهُ، وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، فَقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وعَجَبَكُمْ، إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، وآدَمَ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حِلَقَ الجَنَّةِ فَيَفْتَحُها اللَّهُ تَعالى فَيَدْخُلُها مَعِيَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَحْرَ»». وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّ»،» والظّاهِرُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخُلَّةَ مَرْتَبَةُ مِن مَراتِبِ المَحَبَّةِ، وأنَّ المَحَبَّةَ أوْسَعُ دائِرَةً، وأنَّ مِن مَراتِبِها ما لا تَبْلُغُهُ أُمْنِيَةُ الخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي المَرْتَبَةُ الثّابِتَةُ لَهُ ﷺ، وأنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِنَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن مَقامِ الخُلَّةِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي الفَرْعِ مافِي الأصْلِ وزِيادَةٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ أنَّ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو مِن آثارِ الخُلَّةِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأتَمُّ في نَبِيِّنا ﷺ مِنهُ في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ صَحَّ أنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ، وجاءَ عَنْهُ صفحة 156 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»» وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ومُنْشَأُ إكْرامِ الضَّيْفِ الرَّحْمَةُ، وعَرْشُها المُحِيطُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولِهَذا كانَ الخاتَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جُنْدُبٍ: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أنْ يُتَوَفّى: «إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا»» والتَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في رَأْيٍ، وقِيلَ: إنَّ (يُتَوَفّى) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بَعْدَ مَقامِ المُحِبَّةِ كَما لا يَخْفى. وفِي لَفْظِ الحُبِّ والخُلَّةِ ما يَكْفِي العارِفَ في ظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ويُرْشِدُهُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ أيَّ الدّائِرَتَيْنِ أوْسَعُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ إلى أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صاحِبٍ وخَلِيلٍ، والمُرادُ اصْطَفاهُ وخَصَّصَهُ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ، وأمّا في الخَلِيلِ وحْدَهُ فاسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ، إلّا أنَّهُ صارَ بَعْدُ عَلَمًا عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن وصْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخَلِيلِ حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى الصّادِقِ، أوْ مَن أصْفى المَوَدَّةَ وأصَحَّها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وعَدَمُ إطْلاقِ الخَلِيلِ عَلى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ عِنْدَ العارِفِينَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ كُلُّ نَبِيٍّ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ المَقامِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -عَلى وجْهٍ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ - كَما قِيلَ - وإمّا لِزِيادَةِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ كَما نَقُولُ، واعْتَرَضَ بَعْضُ النَّصارى بِأنَّهُ إذا جازَ إطْلاقُ الخَلِيلِ عَلى إنْسانٍ تَشْرِيفًا فَلِمَ لَمْ يَجُزْ إطْلاقُ الِابْنِ عَلى آخَرَ لِذَلِكَ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ الخُلَّةَ لا تَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ بِخِلافِ البُنُوَّةِ فَإنَّها تَقْتَضِيها قَطْعًا، واللَّهُ تَعالى هو المُنَزَّهُ عَنْ مُجانَسَةِ المُحْدَثاتِ.

النساء 4:126

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ عَلى أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العَمَلِ، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ اعْتِراضٌ، أيْ: إنَّ جَمِيعَ ما في العُلُوِّ والسُّفْلِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ، أيْ: هو مالِكٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَيَخْتارُ مَن يُرِيدُهُ مِنهم كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو لِبَيانِ أنَّ اصْطَفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى. وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ لِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ المَخْلُوقِينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنْ خُلَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطَةُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةً الإحاطَةِ في الأجْسامِ، فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وارْتِكابِ المَجازِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلَفُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سائِرِ وُجُوهِهِ. * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في أرْضِ الِاسْتِعْدادِ لِمُحارَبَةِ عَدُوِّ النَّفْسِ، أوْ تَحْصِيلِ أحْوالِ الكِمالاتِ (فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أيْ: تَنْقُصُوا مِنَ صفحة 157 الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُجِبُوا عَنِ الحَقِّ مِن قُوى الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، وحاصِلُهُ التَّرْخِيصُ لِأرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةِ القُوى أنْ يَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ويَزِيدُوا في الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كالفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لِيَصِفُوَ القَلْبُ، ويُشْرِقَ نُورُهُ عَلى القُوى، فَتَقِلَّ غائِلَتُها، فَتَزْكُوَ عِنْدَ ذَلِكَ الأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ تَرْكُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ. ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ولَمْ تَكُنْ غائِبًا عَنْهم بِسَيْرِكَ في غَيْبِ الغَيْبِ، وجَلالِ المُشاهِدَةِ، وعائِمًا في بِحارِ «لِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ ولِيَفْعَلُوا كَما تَفْعَلُ ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ مِن قُوى الرُّوحِ، ويَجْمَعُوا حَواسَّهم لِيَتَأتّى لَهُمُ المُشابَهَةُ، أوْ لِيَقِفُوا عَلى ما في فِعْلِكَ مِنَ الأسْرارِ فَلا تُضِلُّهُمُ الوَساوِسُ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ وبَلَغُوا الغايَةَ في مَعْرِفَةِ ما أقَمْتَهُ لَهُمْ، وأتَوْا بِهِ عَلى وجْهِهِ ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ ذابِّينَ عَنْكُمُ اعْتِراضَ الجاهِلِينَ، أوْ قائِمِينَ بِحَوائِجِكُمُ الضَّرُورِيَّةِ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ مِنهم ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ولْيَفْعَلُوا فِعْلَكَ ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ كَما أخَذَ الأوَّلُونَ أسْلِحَتَهُمْ، وإنَّما أمَرَ هَؤُلاءِ بِأخْذِ الحَذَرِ أيْضًا حَثًّا لَهم عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ؛ لِئَلّا يُقَصِّرُوا فِيها، يُرادُ مِنهُمُ اتِّكالًا عَلى الأخْذِ بَعْدُ مِمَّنْ أخَذَ أوَّلًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وحاصِلُ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ تَعْلِيمَ الشَّرائِعِ والآدابِ لِلْمُرِيدِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِطائِفَةٍ طائِفَةٍ مِنهُمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ أتَمَّ تَمَكُّنٍ، وقِيلَ: الطّائِفَةُ الأوْلى إشارَةٌ إلى الخَواصِّ، والثّانِيَةُ إلى العَوامِّ، ولِهَذا اكْتُفِيَ في الأوَّلِ بِالأمْرِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، وفي الثّانِي أمْرُ الحَذَرِ أيْضًا ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ﴾ وهي قُوى الرُّوحِ ﴿وأمْتِعَتِكُمْ﴾ وهي المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ ويَرْمُونَكم بِنِبالِ الآفاتِ والشُّكُوكِ ويُهْلِكُونَكم ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى﴾ بِأنْ أصابَكم شُؤْبُوبٌ ﴿مِن مَطَرٍ﴾ يَعْنِي مَطَرَ سَحائِبِ التَّجَلِّياتِ ﴿أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ بِحُمّى الوَجْدِ والغَرامِ، وعَجَزْتُمْ عَنْ أعْمالٍ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾ وتَتْرُكُوا أعْمالَ تِلْكَ القُوى، حَتّى يَتَجَلّى ذَلِكَ السَّحابُ، ويَنْقَطِعَ المَطَرُ، وتَهْتَزَّ أرْضُ قُلُوبِكم بِأزْهارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتُطْفَأ حُمّى الوَجْدِ بِمِياهِ القُرْبِ ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ عِنْدَ وضْعِ أسْلِحَتِكُمْ، واحْفَظُوا قُلُوبَكم مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ تَعالى ﴿أعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ أيْ: مُذِلًّا لَهُمْ، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِ القَلْبِ، وتَنُّورِ الرُّوحِ. ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أدَّيْتُمُوها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ الأحْوالِ ﴿قِيامًا﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وقُعُودًا﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: تَقَلُّباتِكم في مَكانِ النَّفْسِ بِالمُجاهِدَةِ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ووَصَلْتُمْ إلى مَحَلِّ البَقاءِ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فَأدُّوها عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ لِسَلامَةِ القَلْبِ حِينَئِذٍ عَنِ الوَساوِسِ النَّفْسانِيَّةِ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الحَدَثِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ فَلا تَسْقُطُ عَنْهم ما دامَ العَقْلُ والحَياةُ ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ الَّذِينَ يُحارِبُونَكم وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ﴾ مِنكم لِمَنعِكم لَهم عَنْ شَهَواتِهِمْ ﴿كَما تَأْلَمُونَ﴾ مِنهم لِمُعارَضَتِهِمْ لَكم عَنِ المَسِيرِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَأْمُلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾ لِأنَّكم تَرْجُونَ التَّنَعُّمَ بِجَنَّةِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ لَهم بِبالٍ، أوْ تَخافُونَ القَطِيعَةَ وهم لا يَخافُونَها ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم وأحْوالَهم ﴿حَكِيمًا﴾ فَيَفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ. ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: عِلْمَ تَفاصِيلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ تَجَلِّياتِها ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الكِتابَ بِالصِّدْقِ، أوْ قائِمًا أنْتَ بِالحَقِّ لا بِنَفْسِكَ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ خَواصِّهِمْ وعَوامِّهِمْ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ صفحة 158 مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا أمانَةَ اللَّهِ تَعالى، الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهم في الأزَلِ مِمّا ذُكِرَ في اسْتِعْدادِهِمْ مِن إمْكانِ طاعَتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ ﴿خَصِيمًا﴾ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ، وتُسَلِّطُ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والهَوانِ، أوْ تَقُولُ لِلَّهِ تَعالى: يا رَبِّ لِمَ خَذَلْتَهم وقَهَرْتَهُمْ؛ فَإنَّهم ظالِمُونَ، ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْهِمْ. ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِنَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي أحاطَتْ بِكَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَفْعَلُ ما تَطْلُبُهُ مِنهُ وزِيادَةً ﴿ولا تُجادِلْ﴾ أحَدًا عَنِ ﴿الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ حُقُوقِها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ لِنَفْسِهِ ﴿أثِيمًا﴾ مُرْتَكِبًا الإثْمَ، مَيّالًا مَعَ الشَّهَواتِ. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ بِكِتْمانِ رَذائِلِهِمْ وصِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ بِإزالَتِها وقَلْعِها ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ في ظُلْمَةِ عالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِنَ الوَهْمِيّاتِ والتَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ فَيُجازِيهِمْ حَسَبَ أعْمالِهِمْ. ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بِظُهُورِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِن كِمالاتِها ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ويَطْلُبُ مِنهُ سَتْرَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَسْتُرُ ويُعْطِي ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ بِإظْهارِ بَعْضِ الرَّذائِلِ ﴿أوْ إثْمًا﴾ بِمَحْوِ ما في الِاسْتِعْدادِ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ بِأنْ يَقُولَ: حَمَلَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، أوْ حَمَلَنِي فُلانٌ عَلَيْهِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ حَيْثُ فَعَلَ ونَسَبَ فِعْلَهُ إلى الغَيْرِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ طالِبَةً لَهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ في الأزَلِ لَمْ يُفِضْ عَلَيْهِ ولَمْ يَبْرُزْ إلى ساحَةِ الوُجُودِ، ولِذا أفْحَمَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أتْباعَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ).﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَوْفِيقُهُ وإمْدادُهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِهِ ورَحْمَتِهِ، حَيْثُ وهَبَ لَكَ الكَمالَ المُطْلَقَ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِعَوْدِ ضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، وحِفْظِكَ في قِلاعِ اسْتِعْدادِكَ عَنْ أنْ يَنالَكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ (وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ) الجامِعَ لِتَفاصِيلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، الَّتِي هي أحْكامُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ مَعَ العَمَلِ ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن عِلْمِ عَواقِبِ الخَلْقِ وعِلْمِ ما كانَ وما سَيَكُونُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ حَيْثُ جَعَلَكَ أهْلًا لِمَقامِ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ ومَنَّ عَلَيْكَ بِما لا يُحِيطُ بِهِ سِوى نِطاقُ الوُجُودِ. ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ وهو ما كانَ مِن جِنْسِ الفُضُولِ، والأمْرِ الَّذِي لا يَعْنِي (إلّا) نَجْوى ﴿مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وأرْشَدَ إلى فَضِيلَةِ السَّخاءِ النّاشِئِ مِنَ العِفَّةِ ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ قَوْلِيٍّ كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ، أوْ فِعْلِيٍّ كَإغاثَةِ مَلْهُوفٍ ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ الَّذِي هو مِن بابِ العَدْلِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ويَجْمَعُ بَيْنَ الكِمالاتِ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن كُلِّ ما يَعُودُ بِهِ الفَضِيلَةُ رَذِيلَةً (فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ) تَعالى ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ ويُدْخِلُهُ جَنّاتِ الصِّفاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفْ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوِ العَقْلُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالرَّسُولِ النَّفْسِيِّ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما عَلَيْهِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ومَنِ اقْتَفى أثَرَهم مِنَ الأخْيارِ أوِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الحِرْمانِ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ لِمَن يَصْلاها. ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ وهي الأصْنامُ المُسَمّاةُ بِالنُّفُوسِ؛ إذْ كُلُّ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَهو عابِدٌ لِنَفْسِهِ، مُطِيعٌ لِهَواها، أوِ المُرادُ بِالإناثِ المُمْكَناتِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ ناقِصٌ مِن جِهَةِ إمْكانِهِ، مُنْفَعِلٌ مُتَأثِّرٌ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ، فَهو أشْبَهُ كَلِّ شَيْءٍ بِالأُنْثى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ وهو شَيْطانُ الوَهْمِ، حَيْثُ قَبِلُوا إغْواءَهُ وأطاعُوهُ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رِياضِ قُرْبِهِ ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم غَيْرُ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا صفحة 159 فِي آيَةٍ أُخْرى ﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانِيَّ الفاسِدَةَ، مِن كَسْبِ اللَّذّاتِ الفانِيَةِ ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلْيَقْطَعُنَّ آذانَ نُفُوسِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وهي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ووَحَّدُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، واسْتَقامُوا ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾ جَنَّةِ الأفْعالِ، وجَنَّةِ الصِّفاتِ، وجَنَّةِ الذّاتِ. ﴿لَيْسَ﴾ أيْ: حُصُولُ المَوْعُودِ ﴿بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ بَلْ لا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ، وفي المَثَلِ: «إنَّ التَّمَنِّي رَأْسُ مالِ المُفْلِسِ» ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ أيْ: حالًا ﴿مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وفَنِيَ فِيهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُشاهِدٌ لِلْجَمِيعِ في عَيْنِ التَّفْضِيلِ، سالِكٌ طَرِيقَ الإحْسانِ بِالِاسْتِقامَةِ في الأعْمالِ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ السُّوى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ حَيْثُ تَخَلَّلَتِ المَعْرِفَةُ جَمِيعَ أجْزائِهِ مِن حَيْثُ ما هو مُرَكَّبٌ، فَلَمْ يَبْقَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ إلّا وقَدْ حَلَّتْ فِيهِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عارِفٌ بِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ دَمَ الحَلّاجِ لَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ انْكَتَبَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ (اللَّهُ) وأنْشَدَ: ما قُدَّ لِي عُضْوٌ ولا مِفْصَلُ إلّا وفِيهِ لَكم ذِكْرُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما بَرَزَ في الوُجُودِ فَهو شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ الَّذِي أفاضَ عَلَيْهِ الجُودَ، وهو رَبُّ الكَرَمِ والجُودِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

النساء 4:127

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَبْيِينَ المُشْكَلِ مِنَ الأحْكامِ في النِّساءِ، مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ وعَلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ سُئِلَ عَنْ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ، فَما بُيِّنَ فِيما سَلَفَ أُحِيلَ بَيانُهُ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ، وما لَمْ يُبَيَّنْ بَعْدُ بُيِّنَ هُنا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ المُرادَ: يَسْتَفْتُونَكَ في مِيراثِهِنَّ، والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ لا يَرِثُ إلّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أنْ يَقُومَ في المالِ ويَعْمَلَ فِيهِ، ولا يَرِثُ الصَّغِيرُ ولا المَرْأةُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ في سُورَةِ النِّساءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وقالُوا: أيَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَقُومُ في المالِ والمَرْأةُ الَّتِي هي كَذَلِكَ فَيَرِثانِ كَما يَرِثُ الرَّجُلُ؟! فَرَجُوا أنْ يَأْتِيَ في ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّماءِ فانْتَظَرُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَأْتِي حَدَثٌ قالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذا إنَّهُ لَواجِبٌ ما عَنْهُ بُدٌّ، ثُمَّ قالُوا: سَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَغْزُونَ ولا يَغْنَمُونَ خَيْرًا، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَحْوَهُ وإلى الأوَّلِ مالَ شَيْخُ الإسْلامِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ، والإفْتاءُ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: أفْتاهُ إفْتاءً وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فَلانًا رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ. ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ في (ما) ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ: وعَلى الأوَّلِ: إمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وما يُتْلى عَلَيْكم في القُرْآنِ يُفْتِيكم ويُبَيِّنُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ التِّلاوَةِ واسْتِمْرارِها و(فِي الكِتابِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ (وما يُتْلى) صفحة 160 مُتَناوِلٌ لِما تُلِيَ وما سَيُتْلى، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (يُفْتِيكُمْ) وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ والجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجارِ، في المَجازِ العَقْلِيِّ سائِغٌ شائِعٌ، فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ حَقِيقِيٌّ لِلْفِعْلِ، والمَتْلُوَّ فاعِلٌ مَجازِيٌّ لَهُ، والإسْنادُ إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ فَلا يَصِحُّ العَطْفُ، ونَظِيرَ ذَلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والإيرادُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ، نَعَمِ، المُتَبادَرُ أنَّ هَذا العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، ويُبْعِدُهُ إفْرادُ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى. وعَلى الثّانِي: تَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (يُفْتِيكُمْ) وإمّا مُعْتَرِضَةٌ. وعَلى الثّالِثِ: إمّا أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى القَسَمِ المُنْبِئِ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وأقْسَمَ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، كَما نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى، وما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لَيْسَ بِوَحْيٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ، نَعَمْ، فِيهِ اخْتِلالٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَكادُ يَنْدَفِعُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى النِّساءِ، كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) في غالِبِ الِاحْتِمالاتِ، أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، ومَنَعُوا ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِهِ بِالمَتْلُوِّ بِذَلِكَ ظاهِرًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (فِيهِنَّ) وأنْ يَكُونَ صِلَةً أُخْرى لِـ(يُفْتِيَكُمْ) ومَتى لَزِمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِشَيْءٍ واحِدٍ بِدُونِ اتِّباعٍ يُدْفَعُ بِالتِزامِ كَوْنِهِما لَيْسا بِمَعْنًى، والمَمْنُوعُ تَعَلُّقُهُما كَذَلِكَ إذا كانا بِمَعْنًى واحِدٍ. وفِي الثّانِي هُنا سَبَبِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» فالكَلامُ إذًا مِثْلُ (جِئْتُكَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ في أمْرِ زَيْدٍ) أيْ: بِسَبَبِهِ، وإضافَةُ اليَتامى إلى النِّساءِ بِمَعْنى مِن؛ لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ بِمَعْنى اللّامِ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما قالَ الحَلَبِيُّ وغَيْرُهُ. وقُرِئَ (يَيامى) بِياءَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (أيِّمٍ) والعَرَبُ تُبْدِلُ الهَمْزَةَ ياءً كَثِيرًا. ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، أوْ ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ فَقَطْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: ما كُتِبَ لَهُنَّ مِنَ النِّكاحِ؛ فَإنَّ الأوْلِياءَ كانُوا يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وإبْراهِيمَ ﴿وتَرْغَبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةٍ الَّتِي، أوْ عَلى المَنفِيِّ وحْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تُؤْتُونَهُنَّ﴾ فَإنْ قُلْنا بِجَوازِ اقْتِرانِ الجُمْلَةِ المُضارِعِيَّةِ الحالِيَّةِ بِالواوِ: فَظاهِرٌ، وإذا قُلْنا بِعَدَمِ الجَوازِ: التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتُمْ تَرْغَبُونَ ﴿أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، فَإنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كَما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ كانُوا يَرْغَبُونَ فِيهِنَّ إنْ كُنَّ جَمِيلاتٍ، ويَأْكُلُونَ مالَهُنَّ، وإلّا كانُوا يُعْضِلُوهُنَّ طَمَعًا في مِيراثِهِنَّ، وحَذْفُ الجارِّ هُنا لا يُعَدُّ لَبْسًا، بَلْ إجْمالٌ، فَكُلٌّ مِنَ الحَرْفَيْنِ مُرادٌ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الرَّغْبَةَ في نِكاحِها فاقْتَضى جَوازُهُ، والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ عَلى طَرِيقِ الذَّمِّ، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الرَّغْبَةِ في نِكاحِها فِعْلُهُ في حالِ الصِّغَرِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الأبِ والجَدِّ وأمّا هُما فَيَجُوزُ لَهُما تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ بِلا خِلافٍ. ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ صفحة 161 عَطْفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾ وكانُوا لا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وإنْ جُعِلَ (فِي يَتامى) بَدَلًا فالوَجْهُ النَّصْبُ في هَذا و(المُسْتَضْعَفِينَ) عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (فِيهِنَّ) ومَنَعُوا العَطْفَ عَلى البَدَلِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الصِّغارُ مُطْلَقًا، الَّذِينَ مَنَعُوهم عَنِ المِيراثِ ولَوْ ذُكُورًا، ولَوْ عُطِفَ عَلى البَدَلِ لَكانَ بَدَلًا ولا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ بَدَلِ الغَلَطِ، وهو لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجُوِّزَ في (أنْ تَقُومُوا) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: خَيْرٌ ونَحْوُهُ، والنُّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا، وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةٍ أنْ يَنْظُرُوا لَهم ويَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ بِالنَّصَفَةِ في حَقِّهِمْ. ﴿وما تَفْعَلُوا﴾ في حُقُوقِ المَذْكُورِينَ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ ما تَفْعَلُوهُ مِن خَيْرٍ عَلى الإطْلاقِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَؤُلاءِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، واقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّرَّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنهم أوْ يَخْطُرَ بِبالٍ

النساء 4:128

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ لَمْ تُبَيَّنْ قَبْلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««خَشِيَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقْنِي واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»». وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: ««أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةِ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا إمّا كِبْرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ ونَزَلَ القُرْآنُ»». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي السّائِبِ. أيْ: وإنْ خافَتِ امْرَأةٌ خافَتْ، فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ (امْرَأةٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هَنا كانَتْ لِاطِّرادِ حَذْفِ كانَ بَعْدَ إنَّ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ. والخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ أوْ بِمَعْنى التَّوَقُّعِ أيْ: وإنِ امْرَأةٌ تَوَقَّعَتْ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ ﴿مِن بَعْلِها﴾ أيْ: زَوْجِها، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خافَتْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُشُوزًا﴾ أيِ: اسْتِعْلاءً وارْتِفاعًا بِنَفْسِهِ عَنْها إلى غَيْرِها لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن صِفَةِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ ﴿أوْ إعْراضًا﴾ أيِ: انْصِرافًا بِوَجْهِهِ أوْ بِبَعْضِ مَنافِعِهِ الَّتِي كانَتْ لَها مِنهُ، وفي البَحْرِ: النُّشُوزُ أنْ يَتَجافى عَنْها، بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ أوْ ضَرْبٍ مَثَلًا، والإعْراضُ أنْ يُقَلِّلَ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ مِنَ النُّشُوزِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ: فَلا حَرَجَ ولا إثْمَ ﴿عَلَيْهِما﴾ أيِ: المَرْأةِ وبَعْلِها حِينَئِذٍ. ﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ أيْ: في أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما، بِأنْ تَتْرُكَ المَرْأةُ لَهُ يَوْمَها كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ ما يَجِبُ لَها مِن نَفَقَةٍ أوَكِسْوَةٍ، أوْ تَهَبَهُ المَهْرَ، أوْ شَيْئًا مِنهُ، أوْ تُعْطِيَهُ مالًا لِتَسْتَعْطِفَهُ بِذَلِكَ، وتَسْتَدِيمَ المُقامَ في حِبالِهِ، وصُدِّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الجُناحِ لِنَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ ما يُؤْخَذُ كالرِّشْوَةِ فَلا يَحِلٌّ. وقَرَأ غَيْرُ أهْلِ الكُوفَةِ (يَصّالَحا) بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الصّادِ، وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ (يَتَصالَحا) فَأُبْدِلَتِ التّاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (يَصَّلَحا) بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ صفحة 162 مِن غَيْرِ ألِفٍ، وأصْلُهُ (يَصْطَلِحا) فَخُفِّفَ بِإبْدالِ الطّاءِ المُبْدَلَةِ مِن تاءِ الِافْتِعالِ صادًّا، وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها، لا أنَّهُ أُبْدِلَتِ التّاءُ ابْتِداءً صادًّا وأُدْغِمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ تاءَ الِافْتِعالِ يَجِبُ قَلْبَها طاءٌ بَعْدَ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ. وقُرِئَ (يَصْطَلِحا) وهو ظاهِرٌ و(صُلْحًا) عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ عَلى مَعْنى يُوَقِّعا الصُّلْحَ، أوْ بِواسِطَةِ حَرْفٍ أيْ: يُصْلِحُ، والمُرادُ بِهِ ما يُصْلَحُ بِهِ، و(بَيْنَهُما) ظَرْفٌ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى ما بَيْنَهُما بَلْ يَسْتُرانِهِ عَنْهُمْ، أوْ حالٌ مِن (صُلْحًا) أيْ: كائِنًا بَيْنَهُما، وإمّا مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أوْ مِن قَبِيلِ (أنْبَتَها اللَّهُ نَباتًا) و(بَيْنَهُما) هو المَفْعُولُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّبايُنِ والتَّخالُفِ، أوْ عَلى التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ لا عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَهُما كَما قِيلَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَيْنَهُما) ظَرْفًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حالَهُما ونَحْوَهُ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ (تَصالَحا) و(اصْطِلاحًا) وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى المَذْكُورِ، أيْ: فَيُصْلِحُ حالَهُما (صُلْحًا) واحْتِمالُ هَذا في القِراءَةِ الأُولى بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ (يَصّالَحا) أوْ (يَصَّلَحا) بِصُلْحٍ أيْ: بِشَيْءٍ تَقَعُ بِسَبَبِهِ المُصالَحَةُ. ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ مِنَ الخُصُومَةِ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وإثْباتُ الخَيْرِيَّةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ أيْ: إنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَهَذا أخْيَرُ مِنهُ، وإلّا فَلا خَيْرِيَّةَ فِيما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ لا يُرادَ بِـ(خَيْرٌ) التَّفْضِيلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ أوِ الصِّفَةُ، أيْ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، فاللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَحْتَمِلُ العَهْدِيَّةَ والجِنْسِيَّةَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ ولِذَلِكَ اغْتُفِرَ عَدَمُ تَجانُسِهِما؛ إذِ الأُولى اسْمِيَّةٌ والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ، ولا مُناسَبَةَ مَعْنًى بَيْنَهُما، وفائِدَةُ الأُولى التَّرْغِيبُ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ تَمْهِيدٌ لِلْعُذْرِ في المُماسَكَةِ والمَشاقَّةِ كَما قِيلَ. وحَضَرَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وأحْضَرَ لِاثْنَيْنِ، والأوَّلُ هو (الأنْفَسُ) القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي (الشُّحَّ) والمُرادُ: أحْضَرَ اللَّهُ تَعالى (الأنْفُسُ الشُّحَّ) وهو البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ هو الثّانِي، أيْ: إنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، أوْ أنَّها جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِحُقُوقِها مِنَ الرِّجالِ ولا الرَّجُلُ يَكادُ يَجُودُ بِالإنْفاقِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَثَلًا عَلى الَّتِي لا يُرِيدُها. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلصُّلْحِ وتَقْرِيرًا لَهُ، يُحَثُّ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ إلى حالِ نَفْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي التَّمادِي في الشِّقاقِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى حالِ صاحِبِهِ، فَإنْ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْنَعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي هو خَيْرٌ. ﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾ في العِشْرَةِ مَعَ النِّساءِ، ﴿وتَتَّقُوا﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ، وإنْ تَظافَرَتِ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلَيْهِما، وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَضْطَرُّوهُنَّ عَلى فَوْتِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِهِنَّ أوْ بَذْلِ ما يَعِزُّ عَلَيْهِنَّ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى، أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أقامَ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ عالِمًا مُطَّلِعًا أكْمَلَ اطِّلاعٍ عَلى أعْمالِهِمْ مَقامَ مُجازاتِهِمْ وإثابَتِهِمْ عَلَيْها، الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ جَوابُ الشَّرْطِ إقامَةَ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ولا يَخْفى ما في خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ، ولَفْظِ التَّقْوى المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ، وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ، والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ.

النساء 4:129

﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُوا البَتَّةَ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبٍ صفحة 163 فِي شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ؛ كالقِسْمَةِ، والنَّفَقَةِ، والتَّعَهُّدِ، والنَّظَرِ، والإقْبالِ، والمُمالَحَةِ، والمُفاكَهَةِ، والمُؤانَسَةِ، وغَيْرِها مِمّا لا يَكادُ الحَصْرُ يَأْتِي مِن ورائِهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبِيدَةَ أنَّهُ قالَ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما قالا: في المَحَبَّةِ. وأخْرَجا عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وكانَ رَسُولُ ﷺ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنْها أنَّها قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ»» وعَنى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (بِما تَمْلِكُ) المَحَبَّةَ ومَيْلَ القَلْبِ الغَيْرَ الِاخْتِيارِيِّ. ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ، وبالَغْتُمْ فِيهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: لا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ، فَتَمْنَعُوها حَقَّها مِن غَيْرِ رِضًا مِنها، واعْدِلُوا ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ عَجْزَكم عَنْ حَقِيقَةِ العَدْلِ لا يَمْنَعُ عَنْ تَكْلِيفِكم بِما دُونَها مِنَ المَراتِبِ الَّتِي تَسْتَطِيعُونَها، وانْتِصابُ (كُلَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها بِحَسَبِ ما تُضافُ إلَيْهِ مِن مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَتَذَرُوها﴾ أيْ: فَتَدْعُوا الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - الَّتِي لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ (كالمَسْجُونَةِ) وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ (المُعَلَّقَةِ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (تَذْرُوها). وجَوَّزَ السَّمِينُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ(تَذَرُ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى (تَصِيرُ)، وحَذْفُ نُونِ (تَذْرُوها) إمّا لِلنّاصِبِ، وهو (أنِ) المُضْمِرَةُ في جَوابِ النَّهْيِ، وإمّا لِلْجازِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ، وفي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»». وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، أنَّهُ قالَ: «كانَتْ لِي امْرَأتانِ فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ». وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. ﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ ﴿وتَتَّقُوا﴾ المَيْلَ الَّذِي نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما مَضى مِنَ الحَيْفِ ﴿رَحِيمًا﴾ فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ.

النساء 4:130

﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: المَرْأةُ وبَعْلُها، وقُرِئَ (يَتَفارَقا) أيْ: وإنْ لَمْ يَصْطَلِحا ولَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما وِفاقٌ بِوَجْهٍ ما مِنَ الصُّلْحِ وغَيْرِهِ ووَقَعَتْ بَيْنَهُما الفُرْقَةُ بِطَلاقٍ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ مِنهُما أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ، ويَكْفِهِ ما أهَمَّهُ، وقِيلَ: يُغْنِي الزَّوْجَ بِامْرَأةٍ أُخْرى، والمَرْأةَ بِزَوْجٍ آخَرَ ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: مِن غِناهُ وقُدْرَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الزُّجَّيْنِ بَعْدَ الطَّلاقِ، وقِيلَ: زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ، وكَيْفَما كانَ فَهو مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا﴾ أيْ: غَنِيًّا وكافِيًا لِلْخَلْقِ، أوْ مُقْتَدِرًا، أوْ عالِمًا ﴿حَكِيمًا﴾ مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

النساء 4:131

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماوات والأرْض﴾ فَلا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإغْناءُ بَعْدَ الفُرْقَةِ، ولا الإيناسُ بَعْدَ الوَحْشَةِ، ولا ولا، وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ سَعَتِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها - عَلى ما قِيلَ – لِذَلِكَ. ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: أمَرْناهم بِأبْلَغِ وجْهٍ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى ومَن صفحة 164 قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، والكِتابُ عامٌّ لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ المَوْصُولِ بِاليَهُودِ والكِتابِ بِالتَّوْراةِ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْلى بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالإخْلاصِ. و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(وصَّيْنا) أوْ بِـ(أُوتُوا) (وإيّاكُمْ) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وحُكْمُ الضَّمِيرِ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا، ولَمْ يُقَدَّمْ لِيَتَّصِلَ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًّا مِنهم ومِنكم بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى، عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ الجارِّ، ومَحَلُّها نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى المَذْهَبَيْنِ، ووَصْلُها بِالأمْرِ - كالنَّهْيِ وشِبْهِهِ - جائِزٌ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلْوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى (وصَّيْنا) بِتَقْدِيرِ قُلْنا، أيْ: وصَّيْنا وقُلْنا لَكم ولَهُمْ: إنْ تَكْفُرُوا فاعْلَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، لا يَضُرُّهُ كُفْرُكم ومَعاصِيكُمْ، كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شُكْرُكم وتَقْواكُمْ، وإنَّما وصّاكم وإيّاهم لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَتِهِ. وفِي الكَلامِ تَغْلِيبٌ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، ويُشْعِرُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ العَطْفَ عَلى (اتَّقُوا اللَّهَ) وتُعِقِّبَ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ أوِ المُفَسِّرَةِ، فَلا يَصِحُّ عَطْفُها عَلى الواقِعِ بَعْدَها، سَواءٌ كانَ إنْشاءً أمْ إخْبارًا، ولِلْفِعْلِ (وصَّيْنا) أوْ أمَرْنا أوْ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ المَذْكُورَ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً خُوطِبَ بِها هَذِهِ الأُمَّةُ وحْدَها، أوْ مَعَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ. ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ بِالغِنى الذّاتِيِّ عَنِ الخْلْقِ وعِبادَتِهِمْ ﴿حَمِيدًا﴾ أيْ: مَحْمُودًا في ذاتِهِ، حَمِدُوهُ أمْ لَمْ يَحْمَدُوهُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ:

النساء 4:132

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ، تَهْدِيدٌ عَلى الكُفْرِ، أيْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى عُقُوبَتِكم بِما يَشاءُ، ولا مَنجى عَنْ عُقُوبَتِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ - جَلَّ وعَلا – لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً مَسُوقًا لِلْمُخاطَبِينَ؛ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًا ومُلْكًا، يَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِلتَّذْيِيلِ بِبَيانِ الدَّلِيلِ، فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ لِحاجَتِها وفَقْرِها الذّاتِيِّ عَلى غِناهُ، وبِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ والخَصائِصِ والكِمالاتِ عَلى كَوْنِهِ (حَمِيدًا). ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، والوَكِيلُ هو المُقِيمُ والكَفِيلُ بِالأمْرِ الَّذِي يُوكَلُ إلَيْهِ، وهَذا عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ تَعالى، وفي النِّهايَةِ يُقالُ: وكَّلَ فُلانٌ فَلانًا إذا اسْتَكَفّاهُ أمْرَهُ؛ ثِقَةً أوْ عَجْزًا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ نَفْسِهِ، والوَكِيلُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى هو القَيِّمُ بِأرْزاقِ العِبادِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالأمْرِ المَوْكُولِ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأرْزاقِ قُصُورٌ فَعُمِّمَ (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ تَعالى). وادَّعى البَيْضاوِيُّ - بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ فَإنَّهُ إذا تَوَكَّلْتَ وفَوَّضْتَ فَهو الغَنِيُّ؛ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ –كَفاهُ، ولَمّا كانَ ما بَيْنَهُما تَقْرِيرًا لَهُ لَمْ يُعَدَّ فاصِلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى بُعْدِهِ لا حاجَةَ إلَيْهِ.

النساء 4:133

﴿إنْ يَشَأْ﴾ إنْ يُرِدْ إذْهابَكم وإيجادَ آخَرِينَ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يُفْنِكم ويُهْلِكْكم ﴿أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: يُوجِدُ مَكانَكم دَفْعَةً قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، فالخِطابُ لِنَوْعٍ مِنَ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 165 ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: وقالَ: إنَّهم قَوْمُ هَذا»» وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وما نُقِلَ عَنِ العِراقِيِّ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عِنْدَ نُزُولِها، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ سَهْوٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ومُقَلِّدُوهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقًا آخَرِينَ، أيْ: جِنْسًا غَيْرَ جِنْسِ النّاسِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ، وكَوْنُهُ مِن قَبِيلِ المَجازِ - كَما قِيلَ – لا يُتِمُّ بِهِ المُرادُ لِمُخالَفَتِهِ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، فَإنَّ (غَيْرًا) تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ وصْفٍ و(آخَرُ) لا يَقَعُ إلّا عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ أبْعاضِ جِنْسٍ واحِدٍ. وفِي دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ أنَّهم يَقُولُونَ: ابْتَعْتُ عَبْدًا وجارِيَةً أُخْرى، فَيُوهِمُونَ فِيهِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَمْ تَصِفْ بِلَفْظَيْ (آخَرَ) و(أُخْرى) وجَمْعِهِما إلّا ما يُجانِسُ المَذْكُورَ قَبْلَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَوَصَفَ جُلَّ اسْمُهُ مَناةً بِالأُخْرى لَمّا جانَسَتِ العُزّى، ووَصَفَ الأيّامَ بِالأُخَرِ لِكَوْنِها مِن جِنْسِ الشَّهْرِ، والأُمَّةُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَبْدِ لِكَوْنِها مُؤَنَّثَةً وهو مُذَكَّرٌ، فَلَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ أنْ يَتَّصِفَ بِلَفْظٍ (أُخْرى) كَما لا يُقالُ: جاءَتْ هِنْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ آخَرَ مِن قَبِيلِ أفْعَلَ الَّذِي يَصْحَبُهُ مِن، ويُجانِسُ المَذْكُورَ بَعْدَهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: قالَ: الفِنْدُ الزِّمّانِيُّ وقالَ آخَرُ: كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ آخَرُ مِنَ الشُّعَراءِ، وإنَّما حُذِفَتْ لَفْظَةُ (مِن) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، وكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ (آخَرَ) في النُّطْقِ. وفِي الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ وأهْلُ اللُّغَةِ، وارْتَضاهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن مَعَهُ أنَّ (آخَرِينَ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والصِّفَةُ لا تَقُومُ مَقامَ مَوْصُوفِها إلّا إذا كانَتْ خاصَّةً، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكاتِبٍ، أوْ إذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَعْيِينِ المَوْصُوفِ، وهُنا لَيْسَتْ بِخاصَّةٍ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ. وقالَ ابْنُ يَسْعُوُنَ والصِّقِلِّيُّ وجَماعَهٌ: إنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ وآخَرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقابِلُ آخَرُ ما كانَ مِن جِنْسِهِ تَثْنِيَةً وجَمْعًا وإفْرادًا، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ إلى الغَداةِ تَكَرُّمِي وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: وكُنْتُ أمْشِي عَلى ثِنْتَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ وإنَّما يَعْنُونَ بِكَوْنِهِ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُوفِ بِآخِرَ في اللَّفْظِ، أوِ التَّقْدِيرُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى المُتَقَدِّمِ الَّذِي قُوبِلَ بِآخَرَ عَلى جِهَةِ التَّواطُؤِ، ولِذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وآخَرُ كانَ سائِغًا؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ورَجُلٌ آخَرُ، وكَذا: جاءَنِي زَيْدٌ وأُخْرى، تُرِيدُ: نَسَمَةً أُخْرى، وكَذا: اشْتَرَيْتُ فَرَسًا ومَرْكُوبًا آخَرَ سائِغٌ، وإنْ كانَ المَرْكُوبُ الآخَرُ جَمَلًا؛ لِوُقُوعِ المَرْكُوبِ عَلَيْهِما بِالتَّواطُؤِ، فَإنْ كانَ وُقُوعُ الِاسْمِ عَلَيْهِما عَلى جِهَةِ الِاشْتِراكِ المَحْضِ فَإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً جازَتِ المَسْألَةُ، نَحْوُ: قامَ أحَدُ الزَّيْدَيْنِ وقَعَدَ الآخَرُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً لَمْ تَجُزْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقابَلْ بِهِ ما هو مِن جِنْسِهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ المُشْتَرِيَ والمُشْتَرِيَ الآخَرَ تُرِيدُ بِأحَدِهِما الكَوْكَبَ وبِالآخَرِ مُقابِلَ البائِعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ التَّواطُؤِ اتِّفاقُهُما في التَّذْكِيرِ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ، فَيَجُوزُ: جاءَتْنِي جارِيَتُكَ وإنْسانٌ آخَرُ، واشْتَرَطَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسا ∗∗∗ مِن بَيْنِ مَنظَمَةٍ وآخَرَ يَنْظِمُ صفحة 166 وما ذُكِرَ مِن أنَّ (آخَرَ) يُقابَلُ بِهِ ما تَقَدَّمَهُ مِن جِنْسِهِ هو المُخْتارُ، وإلّا فَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ شَيْءٌ مِن جِنْسِهِ، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، فَلَوْ قُلْتَ: جاءَنِي آخَرُ مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ مِن صِنْفِهِ لَمْ يَجُزْ، ولَوْ قُلْتَ: أكَلْتُ رَغِيفًا وهَذا قَمِيصٌ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ. وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لَيْلى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ فَحُمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَّةً لَها لِتَكُونَ الأُخْرى مِن جِنْسِها، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَما جارَ أنْ يُعَقِّبَ ذِكْرَ البِنْتِ بِالجاراتِ، بَلْ كانَ يَقُولُ: وصَلّى عَلى بَناتِها الأُخَرِ، وقَدْ قُوبِلَ في البَيْتِ أيْضًا (أُخَرُ) وهو جَمْعٌ بِابْنَتِها وهو مُفْرَدٌ. وزَعْمٌ السُّهَيْلِيُّ أنَّ أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ اسْتُعْمِلَتْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَها شَيْءٌ مِن صِنْفِها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يُهِلُّونَ إلَيْها بِقُدَيْدٍ، فَجَعَلَها ثالِثَةَ اللّاةَ والعُزّى، وأُخْرى لِمَناةَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ وغَيْرُهُ مِن قَوْمِهِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، والصَّوابُ أنَّهُ جَعَلَها أُخْرى بِالنَّظَرِ إلى اللّاتِ والعُزّى، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالأُخْرى وهو الثّالِثَةُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى اللّاتِ والعُزّى، ألا تَرى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ثالِثَةٌ بِالنَّظَرِ إلى صاحِبَتِها؟ وإنَّما اتَّجَهَ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ مِن أنَّ اسْتِعْمالَ آخَرَ وأُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُما صِنْفُهُما لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، انْتَهى. وهُوَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ إلّا أنَّهُ سَيَأْتِي - إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ الكَلامِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها. وفِي المَسائِلِ الصُّغْرى لِلْأخْفَشِ في بابٍ عَقَدَهُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ آخَرَ إلّا فِيما هو مِن صِنْفِ ما قَبْلَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: أتانِي صَدِيقٌ لَكَ وعَدُوٌّ لَكَ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّهُ لَغْوٌ مِنَ الكَلامِ، وهو يُشْبِهُ (سائِرَ، وبَقِيَّةَ، وبَعْضَ) في أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في جِنْسِهِ، فَلَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، وقَدْ يَجُوزُ ما امْتُنِعَ بِتَأْوِيلٍ، كَـ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ دابَّةٌ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: إذا قُلْتُ: هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا وفِي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجَدَ خِفَّةً في مَرَضِهِ فَقالَ: «انْظُرُوا مَن أتَّكِئُ عَلَيْهِ فَجاءَتْ بَرِيرَةُ ورَجُلٌ آخَرُ فاتَّكَأ عَلَيْهِما»». وحاصِلُ هَذا أنَّهُ لا يُوصَفُ بِآخَرَ إلّا ما كانَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ لِتَتَبَيَّنَ مُغايَرَتُهُ في مَحَلٍّ يُتَوَهَّمُ فِيهِ اتِّحادُهُ ولَوْ تَأْوِيلًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ نَصًّا في الخَطَأِ، ومُخالَفَةُ اسْتِعْمالِ العَرَبِ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: إفْنائِكم بِالمَرَّةِ وإيجادِ آخَرِينَ ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَفْعَلْ وأبْقاكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ، وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

النساء 4:134

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ والمَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ جَزاءُ الشَّرْطِ بِتَقْدِيرِ الإعْلامِ والإخْبارِ، أيْ: (مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) فَأعْلِمْهُ وأخْبِرْهُ أنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابَ الدّارِينَ فَما لَهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ كَمَن يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أوْ يَطْلُبُ الأشْرَفَ وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ مَن جاهَدَ مَثَلًا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِهِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ. وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن كانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وأتَتْهُ صفحة 167 الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَن كانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيا، فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما كُتِبَ لَهُ»». وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ الخُسْرانِ فَيُقالُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَقَطْ فَقَدْ حَسِرَ وهَلَكَ، فَعِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حَتّى اسْتُشْهِدْتُ قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لِأنْ يُقالُ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأْتَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ. ورَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأعْطاهُ مِن أصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: ما تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هو جَوادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ»». وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ إلّا أنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِما يَجْعَلُهُ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَآلَهُ أنَّهُ مَلُومٌ مُوَبَّخٌ لِتَرْكِهِ الأهَمَّ الأعْلى الجامِعَ لِما أرادَهُ مَعَ زِيادَةٍ، لَكِنْ مَن يَشْتَرِطُ العائِدَ في الجَزاءِ يُقَدِّرُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ ثَوابُ الدّارِينَ، فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الآيَةَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِمَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ: كَيْفَ يُرائِي المُرائِي، وأنَّ اللَّهَ تَعالى (سُمَيْعٌ) بِما يَهْجِسُ في خاطِرِهِ وما تَأْمُرُ بِهِ دَواعِيهِ، (بَصِيرٌ) بِأحْوالِهِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها، فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: ذُيِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ إرادَةَ الثَّوابِ إمّا بِالدُّعاءِ وإمّا بِالسَّعْيِ، والأوَّلُ مَسْمُوعٌ، والثّانِي مُبْصَرٌ، وقِيلَ: السَّمْعُ والبَصَرُ عِبارَتانِ عَنِ اطِّلاعِهِ تَعالى عَلى غَرَضِ المُرِيدِ لِلدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الجَزاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ – وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ - إلّا أنَّهُ يُوهِمُ إرْجاعَ صِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ إلى العِلْمِ، وهو خِلافُ المُقَرَّرِ في الكَلامِ.

النساء 4:135

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ كُلَّ الِاجْتِهادِ، لا يَصْرِفْكم عَنْهُ صارِفٌ. وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِلَفْظِ القَوّامِينَ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَدالَةِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا تَكْفِي، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَلى الدَّوامِ، فالأُمُورُ الدِّينِيَّةُ لا اعْتِبارَ بِها ما لَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً دائِمَةً، ومَن عَدَلَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عادِلًا أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ فِيهِ ذَلِكَ ﴿شُهَداءَ﴾ بِالحَقِّ ﴿لِلَّهِ﴾ بِأنْ تُقِيمُوا شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وانْتِصابُ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لَـ(كُونُوا) ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الأوَّلِ مِنَ الحُسْنِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالحَقِّ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولِمَن كانَتْ، مِن قَرِيبٍ وبَعِيدٍ. وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ (قَوّامِينَ) وقِيلَ: إنَّهُ حَبَرُ (كُونُوا) و(قَوّامِينَ) حالٌ ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، وفُسِّرَتِ الشَّهادَةُ بِبَيانِ الحَقِّ مَجازًا، فَتَشْمَلُ الإقْرارَ المُرادَ ها هُنا، والشَّهادَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُرادِ فِيما بَعْدُ، فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقِيلَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِيَشْمَلَ الإقْرارَ حَيْثُ إنَّ شَهادَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ لَمْ تُعْهَدْ، والجارُّ - عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ - صفحة 168 ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا لَكانَ المَحْذُوفَةِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ صِلَةً؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ قَدْ يُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَقِرًّا، مِثْلُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ ونَحْوِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم. وعَلَّقَهُ أبُو البَقاءِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (شُهَداءَ) أيْ: لَوْ شَهِدْتُمْ عَلى أنْفُسِكُمْ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ(قَوّامِينَ) وفِيهِ بُعْدٌ، (ولَوْ) إمّا عَلى أصْلِها أوْ بِمَعْنى إنْ، وهي وصَلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوَجَبَ أنْ تَشْهَدُوا عَلَيْها ﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتْ عَلى والِدَيْكُمْ، وأقْرَبِ النّاسِ إلَيْكُمْ، أوْ ذَوِي قَرابَتِكُمْ، وعُطِفَ الأوَّلُ بِـ(أوْ) لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِلْأنْفُسِ، وعُطِفَ الثّانِي عَلَيْهِ بِالواوِ لِعَدَمِ المُقابَلَةِ ﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ يُرْجى في العادَةِ ويُخْشى ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ في الغالِبِ ويُحْنى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهادَةِ عَلى الغَنِيِّ طَلَبًا لِرِضاهُ، أوْ عَلى الفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالجِنْسَيْنِ، وأنْظُرُ لَهُما مِن سائِرِ النّاسِ، ولَوْلا أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، فَراعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العِبادِ مِنكم. وقَرَأ أُبَيٌّ: (فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وهو شاهِدٌ عَلى أنَّ المُرادَ جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَذْكُورَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَعْطُوفِ بِـ(أوِ) الإفْرادُ كَما قِيلَ: لِأنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، وقِيلَ: إنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِينَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّها عَلى بابِها وهي هُنا لِتَفْصِيلِ ما أُبْهِمَ في الكَلامِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ ما يَعُمُّ الشَّهادَةَ لِلرَّجُلِ والشَّهادَةَ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا وأنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونانِ غَنِيَّيْنِ وقَدْ يَكُونانِ فَقِيرَيْنِ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما فَقِيرًا والآخَرُ غَنِيًّا، فَحَيْثُ لَمْ تُذْكَرِ الأقْسامُ أُتِيَ بِـ(أوْ) لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ، فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلى أيِّ وصْفٍ كانا عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الرَّضِيُّ: الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى المَذْكُورِ المُتَعَدِّدِ الَّذِي عُطِفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِ بِـ(أوْ) يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ وأنْ يُطابِقَ المُتَعَدِّدَ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى القَصْدِ، فَيَجُوزُ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو وذَهَبَ، أوْ وهُما ذاهِبانِ إلى المَسْجِدِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّوْجِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّثْنِيَةِ ووُجُوبِ الإفْرادِ في مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ الإفْرادُ دُونَ التَّثْنِيَةِ، وإنْ جازَ كُلٌّ مِنهُما فَيَحْتاجُ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى نُكْتَةٍ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّها تَعْمِيمُ الأوْلَوِيَّةِ، ودَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِواحِدٍ، فَتَأمَّلْ. ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ أيْ: هَوى أنْفُسِكم ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ مِنَ العُدُولِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ مُقابِلِ الجَوْرِ، وهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ إمّا لِلِاتِّباعِ المَنهِيِّ عَنْهُ أوْ لِلنَّهْيِ، فالِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمال الثّانِي، أيْ: أنْهاكَمْ عَنِ اتِّباعِ الهَوى؛ كَراهَةَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَلا يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، أيْ: أنْهاكم عَنِ اتِّباعِ الهَوى لِلْعَدْلِ وعَدَمِ الجَوْرِ. ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ، بِأنْ تَأْتُوا بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والضَّحّاكِ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ صفحة 169 - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: اللَّيُّ المَطْلُّ في أدائِها، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا إقامَتَها رَأْسًا، وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ،وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِلْحُكّامِ، واللَّيُّ الحُكْمُ بِالباطِلِ، والإعْراضُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، ونُسِبَ هَذا إلى السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – أيْضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ: (وإنْ تَلُوا) بِضَمِّ اللّامِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهو مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى مُباشَرَةِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ تَلْوُوا بِواوَيْنِ أيْضًا، نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ بَعْدَ قَلْبِها هَمْزَةً أوِ ابْتِداءً إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَلى هَذا فالقِراءَتانِ بِمَعْنًى ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ اللَّيِّ والإعْراضِ، أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ ﴿خَبِيرًا﴾ عالِمًا مُطَّلِعًا، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وهو وعِيدٌ مَحْضٌ عَلى القِراءَةِ الأُولى، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا لِلْوَعْدِ. والآيَةُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ««اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ خُلُقُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ»» وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهادَةِ عَلى مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَعَرُّضَ فِيها لِلشَّهادَةِ لَهم عَلى ما هو الظّاهِرُ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَما أشَرْنا إلَيْهِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدِهِ، والوالِدِ لِوَلَدِهِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ سَلَفُ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ حَتّى ظَهَرَ مِنَ النّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ عَلى اتِّهامِهِمْ، فَتُرِكَتْ شَهادَةُ مَن يُتَّهَمُ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ - بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ - كَوْنُ المُرادِ مِنها: (كُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ) تَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ، وكَمالِ صِفاتِهِ، وحِقِّيَّةِ أحْكامِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُضِرًّا لِأنْفُسِكم أوْ لِوالِدَيْكم وأقْرَبِيكُمْ، بِأنْ تُوجِبَ الشَّهادَةُ ذَهابَ حَياةِ هَؤُلاءِ أوْ أمْوالِهِمْ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: الشّاهِدُ ﴿غَنِيًّا﴾ تَضُرُّ شَهادَتُهُ بِغِناهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ تَسُدُّ شَهادَتُهُ بابَ دَفْعِ الحاجَةِ عَلَيْهِ ﴿فاللَّهُ﴾ تَعالى ﴿أوْلى بِهِما﴾ مِن أنْفُسِهِما، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَجِّحا اللَّهَ تَعالى عَلى أنْفُسِهِما. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا مَدْخَلَ لَهُ في الشَّهادَةِ؛ إذْ لَيْسَ قَوّامًا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الخُرُوجِ إلى القاضِي، وعَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى الحاكِمِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيٍ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما تَقَدَّمَ - عَلى ما في البَحْرِ - أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ عَقَّبَهُ بِالقِيامِ لِأداءِ الحُقُوقِ، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقٌ، أوْ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا مَلُومٌ وأشارَ إلى أنَّ طالِبَ الأمْرَيْنِ أوْ أشْرَفَهُما هو المَمْدُوحُ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ والإشْهادَ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ قِصَّةَ الخائِنِ واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ أمْرَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:136

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ كافَّةً، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ، وداوِمُوا عَلَيْهِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُمْ، والمُرادُ: ازْدادُوا في الإيمانِ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا، أوْ (آمِنُوا) بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا بِناءً عَلى أنَّ إيمانَ بَعْضِهِمْ إجْمالِيٌّ، وأيّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ المُؤْمِنِينَ ظاهِرًا، فَمَعْنى (آمِنُوا) أخْلِصُوا الإيمانَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي اليَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأسَدَ صفحة 170 وأُسَيْدُ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وابْنَ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامِ، ويامِينَ بْنَ يامِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – وقالُوا: «نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى، ومُحَمَّدٍ ﷺ وبِكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ، فَقالُوا: لا نَفْعَلُ، فَنَزَلَتْ، فَآمَنُوا كُلُّهُمْ»». وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ بِاللّاتِ والعُزّى. وقِيلَ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِإيمانِهِمْ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ . والكِتابُ الأوَّلُ القُرْآنُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الثّانِي الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: (وكُتُبِهِ)، والمُرادُ بِالإيمانِ بِها الإيمانُ بِها في ضِمْنِ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ، وأنَّ أحْكامَ كُلٍّ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً يَجِبُ الأخْذُ بِها إلى وُرُودِ ما نَسَخَها، وأنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ ولا تَغْيِيرٌ يَعْتَرِيهِ. ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ أمْرَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بِالإيمانِ بِكِتابِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لَهم لَيْسَ عَلى مَعْنى الثَّباتِ؛ لِأنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الإيمانِ غَيْرُ حاصِلٍ لَهُمْ، وهو المَقْصُودُ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ مُتَعَلِّقَ الأمْرِ حَقِيقَةً هو الإيمانُ بِما عَداهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِالكُلِّ ولا تَخُصُّوهُ بِالبَعْضِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتِعْمالُ (نَزَّلَ) أوَّلًا و(أنْزَلَ) ثانِيًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُفْرَّقًا بِالإجْماعِ، وكانَ تَمامُهُ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى الصَّحِيحِ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ، فَتَذَكَّرْ. ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأُمُورِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ - كَما قالَ العَلامَةُ الثّانِي - قَدْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ واحِدٍ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى المَجْمُوعِ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرائِنِ، وها هُنا قَدْ دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُلِّ واجِبٌ، والكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ البَعْضِ، ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن جَعْلِ (الواوِ) بِمَعْنى (أوْ) في شَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم رُجُوعَهُ إلى المَجْمُوعِ لِوَصْفِ الضَّلالِ بِغايَةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ . ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ الكُفْرَ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ ضَلالٌ مُتَّصِفٌ بِـ(بُعْدٍ)، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ البَعِيدِ الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ المَقْصِدِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ المُتَّصِفُ بِهِ إلى طَرِيقِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (ضَلالًا بَعِيدًا) عَنِ الوُقُوعِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ. وزِيادَةُ المَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ في جانِبِ الكُفْرِ - عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - لِما أنَّ بِالكُفْرِ بِأحَدِهِما لا يَتَحَقَّقُ الإيمانُ أصْلًا، وجَمْعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ لِما أنَّ الكُفْرَ بِكِتابٍ أوْ رَسُولٍ كُفْرٌ بِالكُلِّ، وتَقْدِيمُ الرَّسُولِ فِيما سَبَقَ لِذِكْرِ الكِتابِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِ الكُتُبِ، وقِيلَ: اخْتِلافُ التَّرْتِيبِ في المَوْضِعَيْنِ مِن بابِ التَّفَنُّنِ في الأسالِيبِ، والزِّيادَةُ في الثّانِي لِمُجَرَّدِ المُبالِغَةِ، وقُرِئَ: (بِكِتابِهِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

النساء 4:137

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم أُناسٌ مُنافِقُونَ، أظْهَرُوا الإيمانَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أظْهَرُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وجَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عامَّةً لِكُلِّ مُنافِقٍ في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في البَرِّ والبَحْرِ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهم طائِفَةٌ مِن صفحة 171 أهْلِ الكِتابِ أرادُوا تَشْكِيكَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ فَيَكْفُرُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ أُخْرى فَيَكْفُرُونَ، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ . وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَتِهِمُ العَجَلَ حِينَ غابَ عَنْهُمْ، ثُمَّ آمَنُوا عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ- ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: إنَّهم آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِنَبِيِّنا، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كافِرِينَ بِعِبادَةِ العِجْلِ أوْ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِعَوْدِهِ إلَيْهِمْ، أوْ بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هم إمّا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلى هَذا قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ الجِنْسَ، ويَحْصُلُ التَّبْكِيتُ عَلى اليَهُودِ المَوْجُودِينَ بِاعْتِبارٍ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ. والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المُرادَ قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ غَيْرَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ في المُرْتَدِّ: «إنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبُهُ ثَلاثًا» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وإلى رَأْيِ الإمامِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، فَقالَ: يَقْتَلُ المُرْتَدُّ في الرّابِعَةِ ولا يُسْتَتابُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا فائِدَةَ مِنَ الِاسْتِتابَةِ إذْ لا مَنفَعَةَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا وإنْ تابُوا، وعَلى القَوْلِ المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِن نَفْيِ المَغْفِرَةِ والهِدايَةِ نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما وهو الإيمانُ الخاصُّ الثّابِتُ، ومَعْنى نَفْيِهِ اسْتِبْعادُ وُقُوعِهِ، فَإنَّ مَن تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادَ وازْدِيادَ الكُفْرِ والإصْرارَ عَلَيْهِ صارُوا بِحَيْثُ قَدْ ضُرِبَتْ قُلُوبُهم بِالكُفْرِ، وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أدْوَنَ شَيْءٍ وأهْوَنَهُ، فَلا يَكادُونَ يَقْرَبُونَ مِنهُ قِيدَ شِبْرٍ لِيَتَأهَّلُوا لِلْمَغْفِرَةِ، وهِدايَةِ سَبِيلِ الجَنَّةِ، لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم. وخَصَّ بَعْضُهم عَدَمَ الِاسْتِتابَةِ بِالمُتَلاعِبِ المُسْتَخِفِّ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وخَبَرُ (كانَ) في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْغُفْرانِ لَهُمْ، ونَفْيُ إرادَةِ الفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ زائِدَةٌ، والخَبَرَ هو الفِعْلُ، وضُعِّفَ بَأنَّ ما بَعْدَها قَدِ انْتَصَبَ، فَإنْ كانَ النَّصْبُ بِاللّامِ نَفْسِها فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وإنْ كانَ بِـ(أنْ) فَفاسِدٌ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ، وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ، وأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَمَلِ مَعَ الزِّيادَةِ كَما في حُرُوفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ، وبِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّانِي، وامْتِناعُ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ دالًّا بِصِيغَتِهِ عَلى فاعِلٍ وعَلى زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، والفِعْلُ المُصَدَّرُ بِـ(أنْ) يَدُلَّ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ - وإنْ لَمْ يَجُزْ بِالمَصْدَرِ - ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَلى هَذا بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ، وإنَّ أُوِّلَ المَصْدَرُ بِاسْمِ الفاعِلِ لا بِهِ أيْضًا، فافْهَمْ. واخْتارَ قَوْمٌ في القَوْمِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ووُضِعَ فِيهِ (بَشِّرْ) مَوْضِعَ (أنْذِرْ) تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقِيلَ: مَوْضِعَ (أخْبِرْ) فَهُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَهَكُّمِيٌّ.

النساء 4:138

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم أُناسٌ مُنافِقُونَ، أظْهَرُوا الإيمانَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أظْهَرُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وجَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عامَّةً لِكُلِّ مُنافِقٍ في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في البَرِّ والبَحْرِ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهم طائِفَةٌ مِن صفحة 171 أهْلِ الكِتابِ أرادُوا تَشْكِيكَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ فَيَكْفُرُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ أُخْرى فَيَكْفُرُونَ، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ . وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَتِهِمُ العَجَلَ حِينَ غابَ عَنْهُمْ، ثُمَّ آمَنُوا عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ- ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: إنَّهم آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِنَبِيِّنا، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كافِرِينَ بِعِبادَةِ العِجْلِ أوْ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِعَوْدِهِ إلَيْهِمْ، أوْ بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هم إمّا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلى هَذا قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ الجِنْسَ، ويَحْصُلُ التَّبْكِيتُ عَلى اليَهُودِ المَوْجُودِينَ بِاعْتِبارٍ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ. والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المُرادَ قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ غَيْرَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ في المُرْتَدِّ: «إنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبُهُ ثَلاثًا» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وإلى رَأْيِ الإمامِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، فَقالَ: يَقْتَلُ المُرْتَدُّ في الرّابِعَةِ ولا يُسْتَتابُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا فائِدَةَ مِنَ الِاسْتِتابَةِ إذْ لا مَنفَعَةَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا وإنْ تابُوا، وعَلى القَوْلِ المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِن نَفْيِ المَغْفِرَةِ والهِدايَةِ نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما وهو الإيمانُ الخاصُّ الثّابِتُ، ومَعْنى نَفْيِهِ اسْتِبْعادُ وُقُوعِهِ، فَإنَّ مَن تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادَ وازْدِيادَ الكُفْرِ والإصْرارَ عَلَيْهِ صارُوا بِحَيْثُ قَدْ ضُرِبَتْ قُلُوبُهم بِالكُفْرِ، وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أدْوَنَ شَيْءٍ وأهْوَنَهُ، فَلا يَكادُونَ يَقْرَبُونَ مِنهُ قِيدَ شِبْرٍ لِيَتَأهَّلُوا لِلْمَغْفِرَةِ، وهِدايَةِ سَبِيلِ الجَنَّةِ، لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم. وخَصَّ بَعْضُهم عَدَمَ الِاسْتِتابَةِ بِالمُتَلاعِبِ المُسْتَخِفِّ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وخَبَرُ (كانَ) في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْغُفْرانِ لَهُمْ، ونَفْيُ إرادَةِ الفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ زائِدَةٌ، والخَبَرَ هو الفِعْلُ، وضُعِّفَ بَأنَّ ما بَعْدَها قَدِ انْتَصَبَ، فَإنْ كانَ النَّصْبُ بِاللّامِ نَفْسِها فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وإنْ كانَ بِـ(أنْ) فَفاسِدٌ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ، وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ، وأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَمَلِ مَعَ الزِّيادَةِ كَما في حُرُوفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ، وبِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّانِي، وامْتِناعُ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ دالًّا بِصِيغَتِهِ عَلى فاعِلٍ وعَلى زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، والفِعْلُ المُصَدَّرُ بِـ(أنْ) يَدُلَّ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ - وإنْ لَمْ يَجُزْ بِالمَصْدَرِ - ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَلى هَذا بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ، وإنَّ أُوِّلَ المَصْدَرُ بِاسْمِ الفاعِلِ لا بِهِ أيْضًا، فافْهَمْ. واخْتارَ قَوْمٌ في القَوْمِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ووُضِعَ فِيهِ (بَشِّرْ) مَوْضِعَ (أنْذِرْ) تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقِيلَ: مَوْضِعَ (أخْبِرْ) فَهُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَهَكُّمِيٌّ.

النساء 4:139

صفحة 172 ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ، عَلى مَعْنى: أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى اتِّباعِ المُنافِقِينَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ وُجُودُ الفاصِلِ، فَقَدْ جَوَّزَهُ العَرَبُ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ والنَّصارى، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أمَرَ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَتِمُّ، فَتَوَلُّوا اليَهُودَ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يَتَّخِذُونَ ﴿أيَبْتَغُونَ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿عِنْدَهُمُ﴾ أيِ: الكافِرِينَ ﴿العِزَّةَ﴾ أيِ: القُوَّةَ والمَنَعَةَ، وأصْلُها الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ: عَزازٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: لِلتَّهَكُّمِ، وقِيلَ: لِلتَّعَجُّبِ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ، وقَدْ كَتَبَها سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والجُمْلَةٌ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ. وقِيلَ: بَيانٌ لِوَجْهِ التَّهَكُّمِ أوِ التَّعَجُّبِ، وقِيلَ: إنَّها جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْ يَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، إلَخْ، وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ لا أنَّها الجَوابُ حَقِيقَةً و(جَمِيعًا) قِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ، أيْ: لِأوْلِياءَ، كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

النساء 4:140

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، مُفِيدٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ تَعْدِيدُ جِناياتِهِمْ. وقَرَأ - ما عَدا عاصِمًا ويَعْقُوبَ - (نُزِّلَ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَّخِذُونَ﴾ مُفِيدَةٌ أيْضًا لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن مَوْلاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَحَقُّقِ ما يَمْنَعُهم عَنْ ذَلِكَ، وهو وُرُودُ النَّهْيِ عَنِ المُجالَسَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُوَلاةِ عَلى آكَدِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ إثْرَ بَيانِ انْتِفاءِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ! والحالُ أنَّهُ تَعالى (نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ. ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ، وهَذا يَقْتَضِي الِانْزِجارَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ القَبِيحَةِ، فَكَيْفَ بِمُوالاتِهِمْ والِاعْتِزازِ بِهِمْ؟! و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ، أيْ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ، أيْ أنَّكُمْ، وكَوْنُ المُخَفَّفَةِ لا تَعْمَلُ في غَيْرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ إلّا لِضَرُورَةٍ - كَما قالَ أبُو حَيّانَ - في حَيِّزِ المَنعِ، وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدِ جَوازَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ، وهي تَقَعُ خَبَرًا في كَلامِ العَرَبِ و(أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(نَزَّلَ) وهو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، واحْتِمالُ أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ القائِمُ مَقامَهُ (عَلَيْكُمْ) وتَكُونُ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ في مَعْنى القَوْلِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ جِيءَ بِهِما لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ المُجالَسَةِ؛ فَإنَّ قَيْدَ القَيْدِ قَيْدٌ، والمَعْنى لا تَقْعُدُوا مَعَهم وقْتَ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِالآياتِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِها، وإبانَةِ خَطَرِها، وتَهْوِيلِ أمْرِ الكُفْرِ بِها، والضَّمِيرُ في (مَعَهُمْ) لِلْكَفَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِـ(يُكْفَرُ) (ويُسْتَهْزَأُ) والضَّمِيرُ في (غَيْرِهِ) راجِعٌ إلى تَحْدِيثِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ؛ صفحة 173 لِأنَّهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ التَّنْزِيلِ، و(إذًا) مُلْغاةٌ؛ لِأنَّ شَرْطَ عَمَلِها النَّصْبَ في الفِعْلِ أنْ تَكُونَ في صَدْرِ الكَلامِ، فَلِذا لَمْ يَجِئْ بَعْدَها فِعْلٌ، و(مِثْلَ) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، وصَحَّ مَعَ إفْرادِهِ؛ لِأنَّهُ في الأصْلُ مَصْدَرٌ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ في الوُقُوعِ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، أوْ لَأنَّهُ مُضافٌ لِجَمْعٍ فَيَعُمُّ، وقَدْ يُطابِقُ ما قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ والجُمْهُورُ عَلى رَفْعِهِ، وقُرِئَ - شاذًّا – بِالنَّصْبِ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: زَيْدٌ مِثْلَ عَمْرٍو في أنَّهُ حالُ مِثْلِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى مَبْنِيٍّ اكْتَسَبَ البِناءَ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِـ(ما) المَصْدَرِيَّةِ كَما تُوُهِّمَ، بَلْ يَكُونُ فِيها مِثْلَ: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ وفي غَيْرِها كَقَوْلِهِ: فَأصْبَحُوا قَدْ أعادَ اللَّهُ نِعْمَتَهم إذْ هم قُرَيْشٌ وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ وابْنُ مالِكٍ يَشْتَرِطُ لِاكْتِسابِ البِناءِ أنْ لا يَقْبَلَ المُضافُ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، كَـ(دُونَ، وغَيْرَ، وبَيْنَ) ولَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ في (مِثْلَ) وأعْرَبَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (حَقٌّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ بِبَيانِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن شَرِكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ، والمُرادُ مِنَ المُنافِقِينَ إمّا المُخاطِبُونَ، وأُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا لِنِفاقِهِمْ وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ، وإمّا لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَقْدِيمُهم لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ عَلى المُخاطَبِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ طِرْزُ ما مَرَّ. واسْتُشْكِلَ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّهم مِثْلٌ لِلْكافِرِينَ في الكُفْرِ مِن غَيْرِ سَبَبِيَّةِ القُعُودِ مَعَهُمْ، فَلا وجْهَ لِتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، والعُدُولُ عَنْ كَوْنِ المُماثَلَةِ في الكُفْرِ إلى المُماثَلَةِ في المُجاهَرَةِ بِهِ لا يَحْسُنُ مَعَهُ كَوْنُ جُمْلَةِ (إنَّ اللَّهَ) إلَخْ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم بِتِلْكَ المُماثَلَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذُكِرَ، وأيْضًا الَّذِينَ نُهُوا عَنْ مُجالَسَةِ الكافِرِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ بِمَكَّةَ هُمُ المُؤْنُونَ المُخْلِصُونَ لا المُنافِقُونَ؛ لِأنَّ نَجْمَ النِّفاقِ إنَّما ظَهَرَ بِالمَدِينَةِ، فَكَيْفَ يُذْكَرُ المُنافِقُونَ فِيها بِنَهْيٍ نَزَلَ في مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَكُونُوا؟! وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ - وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً - مُنَزَّلٌ عَلى الأُمَّةِ مُخْلِصِهِمْ ومُنافِقِهِمْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، صَحَّ دُخُولُ المُنافِقِينَ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا وقْتَ النُّزُولِ، وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ ذَلِكَ، فَإنِ ادُّعِيَ الِاقْتِصارُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَدْخُلِ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ أيْضًا، وإنِ ادُّعِيَ دُخُولُهم فَقَطْ دُونَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم مُؤْمِنُونَ ظاهِرًا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كَيْفَ وجَمِيعُ الأحْكامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كانُوا؟! ولَسْنا مُكَلَّفِينَ بِأنْ نَشُقَّ عَلى قُلُوبِ العِبادِ، بَلْ لَنا الظّاهِرُ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ، عَلى أنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي كانَتْ صَدْرَ الإسْلامِ ولَمْ تُنْسَخْ مُخاطَبٌ بِها مَن نَطَقَ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وبَلَغَتْهُ قَبْلَ يَوْمِ السّاعَةُ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾، ولِهَذِهِ الدَّغْدَغَةِ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخِطابِ هُنا المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ، والمُرادُ بِمَن يَكْفُرُ ويَسْتَهْزِئُ أعَمُّ مِنَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ. وضَمِيرُ (مَعَهُمْ) لِلْمَفْهُومِ مِنَ الفِعْلَيْنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ المُنافِقُونَ يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَيَسْخَرُونَ مِنَ القُرْآنِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، والمُرادُ مِنَ المُماثَلَةِ في الجَزاءِ المُماثَلَةُ في الإثْمِ؛ لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى الإعْراضِ والإنْكارِ لا عاجِزُونَ كَما في مَكَّةَ، أوْ في الكُفْرِ عَلى مَعْنى: إنْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَثَرَ عَلَيْها صاحِبُ الذَّخِيرَةِ. صفحة 174 وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ خَواهَرْ زادَهْ: الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ كُفْرًا إذا كانَ يَسْتَجِيزُ الكُفْرَ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولَكِنْ أحَبَّ المَوْتَ أوِ القَتْلَ عَلى الكُفْرِ لِمَن كانَ مُؤْذِيًا حَتّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ فَهَذا لا يَكُونُ كُفْرًا، ومَن تَأمَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ الآيَةَ، يَظْهَرُ لَهُ صِحَّةَ هَذِهِ الدَّعْوى، وهو المَنقُولُ عَنِ الماتُرِيدِيِّ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ مَن جاءَهُ كافِرٌ لِيُسْلِمَ فَقالَ: اصْبِرْ حَتّى أتَوَضَّأ أوْ أخَّرَهُ يَكْفُرْ لِرِضاهُ بِكُفْرِهِ في زَمانٍ مُوافِقٌ لِما رُوِيَ عَنِ الإمامِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في فَتْحِ مَكَّةَ «أنْ أبِي سَرْحٍ أتى بِهِ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَلَّمَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْهُ، فَكَفَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ»،» وهو مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ، وهو يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ التَّوَقُّفَ مُطْلَقًا لَيْسَ - كَما قالُوهُ - كُفْرًا. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ مُجالَسَةِ الفُسّاقِ والمُبْتَدِعِينَ مِن أيِّ جِنْسٍ كانُوا، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وأبُو وائِلٍ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ورَوى عَنْهُ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ أنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا صائِمًا كانَ قاعِدًا مَعَ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَتَلا الآيَةَ، وهي أصْلٌ لِما يَفْعَلُهُ المُصَنِّفُونَ مِنَ الإحالَةِ عَلى ما ذُكِرَ في مَكانٍ آخَرَ، والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ والِاعْتِمادُ عَلى المَعْنى. ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنِ الخائِضِينَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ إظْهارُ المُخالِفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ لا الإعِراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ. وعَنِ الجُبّائِيِّ: إنَّ المَحْذُورَ مُجالَسَتُهم مِن غَيْرِ إظْهارِ كَراهَةٍ لِما يَسْمَعُهُ أوْ يَراهُ، وعَلى هَذا - الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ ما أُرِيدَ بِضَمِيرِ (مَعَهُمْ) وصُرِّحَ بِهَذا العُنْوانِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجِنْسُ، ويُدْخَلَ (أُولَئِكَ) فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا،

النساء 4:141

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ بِلا خِلافٍ، والمَوْصُولُ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُتَرَبِّصُونَ دُونَ الكافِرِينَ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُما، أوْ مَرْفُوعًا أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وكَلامُ الرّاغِبِ يَقْتَضِي أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ؛ لِأنَّهُ مِنِ (انْتَظَرَ بِالسِّلْعَةِ غَلاءَ السِّعْرِ). والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ حِكايَةَ تَرَبُّصِهِمْ مُسْتَتْبِعَةٌ لِحِكايَةِ ما يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: فَإنِ اتَّفَقَ لَكم فَتْحٌ وظَفَرٌ عَلى الأعْداءِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: لَكم ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُجاهِدُ عَدُوَّكم فَأعْطُونا نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ مِنَ الحَرْبِ، فَإنَّها سِجالٌ ﴿قالُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْكُفّارِ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، أوْ: ألَمْ نَغْلِبْكم بِالتَّفَضُّلِ ونُطْلِعْكم عَلى أسْرارِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وأصْحابِهِ، ونَكْتُبْ إلَيْكم بِأخْبارِهِمْ حَتّى غَلَبْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: نَدْفَعْ عَنْكم صَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِنا إيّاهُمْ، وتَثْبِيطِنا لَهُمْ، وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ، وإلْقائِنا عَلَيْهِمْ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكُمْ، فاعْرِفُوا لَنا هَذا الحَقَّ عَلَيْكُمْ، وهاتُوا نَصِيبَنا مِمّا أصَبْتُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم عَلى رَأْيِكم بِالمُوالاةِ لَكُمْ، (ونَمْنَعْكم مِنَ) الدُّخُولِ في جُمْلَةِ (المُؤْمِنِينَ)، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وأصْلُ الِاسْتِحْواذِ الِاسْتِيلاءُ، وكانَ القِياسُ فِيهِ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً بِالقَلْبِ، لَكِنْ صَحَّتْ فِيهِ الواوُ وكَثُرَ ذَلِكَ فِيهِ، وفي نَظائِرَ لَهُ حَتّى أُلْحِقَ بِالمَقِيسِ، صفحة 175 وعُدَّ فَصِيحًا، وقالَ أبُو زَيْدٍ: إنَّهُ قِياسِيٌّ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يُرَدُّ عَلى فَصاحَةِ القُرْآنِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ. وقُرِئَ (ونَمْنَعَكُمْ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) والتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ مِنّا الِاسْتِحْواذُ والمَنعُ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وما لِلْكافِرِينَ نَصِيبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الأوَّلُ فَتْحًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِن مَداخِلِ فَتْحِ دارِ الإسْلامِ، بِخِلافِ ما لِلْكافِرِينَ فَإنَّهُ لا فَتْحٌ لَهم في اسْتِيلائِهِمْ بَلْ سَيَنْطَفِئُ ضِياءُ ما نالُوا. ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُثِيبُ أحِبّاءَهُ ويُعاقِبُ أعْداءَهُ، وأمّا في الدُّنْيا فَأنْتُمْ وهم سَواءٌ في العِصْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ: ««فَإذا قالُوها فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهُمْ»» وفي الكَلامِ قِيلَ: تَغْلِيبٌ، وقِيلَ: حَذْفٌ، أيْ: بَيْنَكم وبَيْنَهم. ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وحِينَ الحُكْمِ، كَما قَدْ يُجْعَلُ ذَلِكَ في الدُّنْيا ابْتِلاءً واسْتِدْراجًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ في الدُّنْيا، أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ سُلْطانًا تامًّا بِالِاسْتِئْصالِ، أوْ جُحَّةً قائِمَةً عَلَيْهِمْ مُفْحِمَةً لَهُمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ويَجُوزُ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى إطْلاقِهِ؛ لِيَشْمَلَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى. واحْتَجَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ شِراءِ الكافِرِ العَبْدَ المُسْلِمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكانَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ وسَبِيلٌ بِتَمَلُّكِهِ، ونَحْنُ نَقُولُ: يَصِحُّ ولَكِنْ يُمْنَعُ مِنِ اسْتِخْدامِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ إلّا بِالبَيْعِ والإخْراجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ بِظاهِرِها بَعْضُ الأصْحابِ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُثْبِتُ لِلزَّوْجِ سَبِيلًا في إمْساكِها في بَيْتِهِ، وتَأْدِيبِها، ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ، وعَلَيْها طاعَتُهُ فِيما يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكاحِ، والمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شامِلٌ لِلْإناثٍ، وكَذا الكافِرُ إذا أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الِارْتِدادَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ النِّكاحُ إذا عادَ إلى الإيمانِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَ الكُفْرِ لا سَبِيلَ لَهُ، ونَفْيُ السَّبِيلِ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ وبَعْدَ وُقُوعِ الفُرْقَةِ لا بُدَّ لِحُدُوثِ العُلْقَةِ مِن مُوجِبٍ، وهو ظاهِرٌ، فَإنْ كانَ العَوْدُ يَكُونُ الِارْتِدادُ كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، والعَوْدُ كالرَّجْعَةِ فَلا ضَعْفَ فِيهِ. وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ نَفْيُ السَّبِيلِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ أوِ السَّبِيلُ بِمَعْنى الحُجَّةِ لا مُتَمَسَّكَ في الآيَةِ لِأصْحابِنا، ولا الشّافِعِيَّةِ، فَلا تَغْفَلْ.

النساء 4:142

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ، فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُضْمِرُونَ نَقِيضَهُ. وعَنِ الحَسَنِ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ - أنَّ المُرادَ يُخادِعُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى حَدِّ ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ: فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم في الدُّنْيا مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ، وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: خِداعُهُ تَعالى لَهم أنْ يُعْطِيَهم سُبْحانَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَسْلُبُهم ذَلِكَ النُّورَ، ويَضْرِبُ بَيْنَهم بِسُورٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى. ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ، لا نَشاطَ لَهُمْ، ولا رَغْبَةَ، كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ ثَوابًا في فِعْلِها، ولا عِقابًا عَلى تَرْكِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ، وهُما جَمْعا (كَسْلانَ). ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، والمُراآةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، إمّا بِمَعْنى التَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعِلَ صفحة 176 وارِدٌ في كَلامِهِمْ كَنَعِمَ وناعَمَ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وإسْحاقَ (يُرُوُونَ) تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِأنَّهم لِفِعْلِهِمْ في مُشاهَدٍ يَرَوْنَ النّاسَ والنّاسُ يَرَوْنَهُمْ، وهم يَقْصِدُونَ أنْ تُرى أعْمالُهُمْ، والنّاسُ يَسْتَحْسِنُونَها، فالمُفاعَلَةُ في الرُّؤْيَةِ مُتَّحِدَةٌ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في مُتَعَلَّقِ الإراءَةِ، فَلا يَرِدُ عَلى هَذا الشِّقِّ أنَّ المُفاعَلَةَ لا بُدَّ في حَقِيقَتِها مِنِ اتِّحادِ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرِيدُونَ بِقِيامِهِمْ هَذا؟ فَقِيلَ: يُراءُونَ إلَخْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قامُوا) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (كُسالى). ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى (يُراءُونَ) وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا إلّا زَمانًا قَلِيلًا، أوْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا، إذِ المُرائِي لا يَفْعَلُ إلّا بِحَضْرَةِ مَن يُرائِيهِ، وهو أقَلُّ أحْوالِهِ، أوْ لِأنَّ ذِكْرَهم بِاللِّسانِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: إنَّما وُصِفَ بِالقِلَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ، وكُلُّ ما لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعالى قَلِيلٌ وإنْ كانَ كَثِيرًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ ما بِمَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «لا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ»؟! وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ الواقِعُ في الصَّلاةِ، نَحْوُ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ. وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطانٍ قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيها إلّا قَلِيلًا»». وقِيلَ: الذِّكْرُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيها لا بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ، واسْتُشْكِلَ تَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: (لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ) تَعالى (إلّا) ذِكْرًا مُلْحَقًا بِالعَدَمِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم فَلا إشْكالَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى العَدَمِ مَجازٌ، وجَعْلُ العَدَمِ ما لا نَفْعَ فِيهِ مَجازٌ آخَرُ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَوْجِيهِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ: إنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ لَوْ صَحَّ أنْ يُعَدَّ عَدَمُ الذِّكْرِ ذِكْرًا فَذَلِكَ ذِكْرُهم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وفِيهِ - وإنْ كانَ أهْوَنَ مِنَ الأوَّلِ - ما فِيهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ دُخُولِ الصَّلاةِ بِنَشاطٍ، وعَلى كَراهَةِ قَوْلِ الإنْسانِ كَسِلْتُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إنِّي كَسْلانُ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ.

النساء 4:143

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يُراءُونَ﴾ أوْ مِن فاعِلِ ﴿يَذْكُرُونَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿قامُوا)،﴾ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِذا أُضِيفَ (بَيْنَ) إلَيْهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والمَعْنى مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيَّرِينَ، قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ، وأصْلُ الذَّبْذَبَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: صَوْتُ الحَرَكَةِ لِلشَّيْءِ المُعَلَّقِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ اضْطِرابٍ وحَرَكَةٍ أوْ تَرَدُّدٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، والذّالُ الثّانِيَةُ أصْلِيَّةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومُبْدَلَةٌ مِن باءٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وهو خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مُذَبْذِبِينَ) بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، ومَفْعُولُهُ - عَلى هَذا – مَحْذُوفٌ، أيْ: مُذَبْذِبِينَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ رَأْيَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ لازَمًا، صفحة 177 عَلى أنْ فَعْلَلَ بِمَعْنى تَفَعْلَلَ، كَما جاءَ (صَلْصَلَ) بِمَعْنى (تَصَلْصَلَ) أيْ: مُتَذَبْذِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مُتَذَبْذِبِينَ). وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ (الدُّبَّةِ) بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الباءِ بِمَعْنى الطَّرِيقَةِ والمَذْهَبِ، كَما في النِّهايَةِ، ويُقالُ: هو عَلى دُبَّتِي أيْ: طَرِيقَتِي وسَمْتِي، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ، ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ» والمَعْنى - حِينَئِذٍ - أنَّهم أُخِذَ بِهِمْ تارَةً طَرِيقًا، وأُخْرى، أُخْرى. ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً لِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولا إلى الكافِرِينَ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى الأوَّلِينَ ولا إلى الآخِرِينَ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرٍ (مُذَبْذَبِينَ) أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لَهُ. ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ لِلْهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ مُوَصِّلًا إلى الحَقِّ والصَّوابِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ.

النساء 4:144

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ اليَهُودِ فَقَطْ - كَما قِيلَ - أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم كَما هو الظّاهِرُ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، أيْ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، فَإنَّ ذَلِكَ دَيْدَنَ المُنافِقِينَ ودِينَهُمْ، فَلا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقُونَ، وبِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، فالآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُنافِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ دُونَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُخْلِصُونَ وبِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكم أخْلاقَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ، وفي كِلا القَوْلَيْنِ بُعْدٌ. ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً في العَذابِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: أتُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أنَّكم مُوافِقُونَ، فَإنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ أوْضَحُ أدِلَّةِ النِّفاقِ. ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى السُّلْطانَ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ» وهو مِمّا يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ إجْماعًا، فَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبارِ البُرْهانِ أوْ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَعْرُوفِ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الحُجَّةِ، والتَّأْنِيثُ أكْثَرُ عِنْدَ الفُصَحاءِ - عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ - إلّا أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ هُنا، واعْتُبِرَ التَّذْكِيرُ لِتَحْسُنَ الفاصِلَةُ. وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ التَّذْكِيرَ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، و(عَلَيْكُمْ) يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالجَعْلِ، وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (سُلْطانًا)، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: أتَجْعَلُونَ؟ إلَخْ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتَهُ فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ.

النساء 4:145

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيْ: في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِنها، وهو قَعْرُها، ولَها طَبَقاتٌ سَبْعٌ، تُسَمّى الأُولى - كَما قِيلَ -: (جَهَنَّمُ) والثّانِيَةُ (لَظى) والثّالِثَةُ (الحَطْمَةُ) والرّابِعَةُ (السَّعِيرُ) والخامِسَةُ (سَقَرُ) والسّادِسَةُ (الجَحِيمُ) والسّابِعَةُ (الهاوِيَةُ) وقَدْ تُسَمّى النّارُ جَمِيعًا بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها، وتَسْمِيَةُ تِلْكَ الطَّبَقاتِ دِرْكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ و(الدَّرْكُ) كالدَّرَجِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وفي كَوْنِ المُنافِقِ (فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ) إشارَةٌ إلى شَدَّةِ عَذابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الأحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ المُنافِقَ يُجْعَلُ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ، يُصْمَدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ» وإنَّما كانَ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ لِكَوْنِهِ ضَمَّ إلى الكُفْرِ المُشْتَرَكِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ صفحة 178 وخِداعًا لِأهْلِهِ. وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أرْبَعٌ مِن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها؛ إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»» فَقَدْ قالَ المُحَدِّثُونَ فِيهِ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِزَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِاطِّلاعِهِ بِنُورِ الوَحْيِ عَلى بَواطِنِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الخِصالِ، فَأعْلَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – بِأمارَتِهِمْ؛ لِيَحْتَرِزُوا عَنْهُمْ، ولَمْ يُعَيِّنْهم حَذَرًا عَنِ الفِتْنَةِ وارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُحارِبِينَ. وقِيلَ: لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ ولَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ فَهو شَبِيهٌ بِالمُنافِقِينَ الخُلَّصِ، وأطْلَقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وتَهْدِيدًا لَهُ، وهَذا في حَقِّ مَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا مَن نَدَرَ مِنهُ، أوْ هو مُنافِقٌ في أُمُورِ الدِّينِ عُرْفًا، والمُنافِقُ في العُرْفِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَن أبْطَنَ خِلافَ ما يُظْهِرُ مِمّا يُتَضَرَّرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا وكُفْرًا، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ، وهَذا صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاقْتِضاءِ المَقامِ، ولِذا ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ (ثَلاثٌ) وفي بَعْضِها (أرْبَعٌ). وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (الدَّرْكِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّهُ ورَدَ جَمْعُهُ عَلى أفْعالٍ، وأفْعالٌ في (فَعَلَ) المُحَرَّكِ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، ووُرُودُهُ في السّاكِنِ نادِرٌ كَـ(فَرْخٍ وأفْراخٍ، وزَنْدٍ وأزْنادٍ) وكَوْنُهُ اسْتُغْنِيَ بِجَمْعِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ جائِزٌ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، والكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الحَقِيقَةِ. وزَعَمَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنْ لا طَبَقاتِ في النّارِ، وأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ في العِقابِ، كَما يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ بَلَّغَ فَلانًا الحَضِيضَ وفُلانًا العَرْشَ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ انْحِطاطَ المَنزِلَةِ وعُلُوَّها لا المَسافَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما جاءَتْ بِهِ الآثارُ. و(مِنَ النّارِ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي صاحِبِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدَّرْكُ، والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ. والثّانِي: أنَّهُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الأسْفَلِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ، فَيَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ، أيْ: حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ النّارِ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يُخْرِجُهم مِنهُ، أوْ يُخَفِّفُ عَنْهم ما هم فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَ يَكُونُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وكَوْنُ المُرادِ (ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا) في الدُّنْيا لِتَكُونَ الآيَةُ وصْفًا لَهم بِأنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.

النساء 4:146

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ النِّفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ)، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَ الفاءِ، ودَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. ﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن نِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ، وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: تَمَسَّكُوا بِكِتابِهِ أوْ وثَقُوا بِهِ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ، ودَفْعَ الضَّرَرِ كَما في النِّفاقِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ تَعالى، لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ». فَـ(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّفَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم نِفاقٌ أصْلًا مُنْذُ آمَنُوا، والمُرادُ أنَّهم مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مَعْدُودُونَ مَن جُمْلَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَيُساهِمُونَهم فِيهِ ويُقاسِمُونَهم. صفحة 179 وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الأجْرَ العَظِيمَ بِالخُلُودِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ ها هُنا ما أُرِيدَ بِهِ فِيما قَبْلَهُ، واعْتِبارُ المُساهَمَةِ جَرى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، ولَوْلا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها في ذِكْرِ أحْوالِ مَن تابَ مِنَ النِّفاقِ مَعْنًى ظاهِرٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والمُرادُ الإخْبارُ بِزِيادَةِ ثَوابِ مَن لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ نِفاقٌ أصْلًا، وعُمِّمَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِيَشْمَلَ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نِفاقٌ، ومَن تَقَدَّمَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ، ورُسِمَ (يُؤْتِ) بِغَيْرِ ياءٍ، وهو مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ فَحَقُّ يائِهِ أنْ تُثْبَتَ لَفْظًا وخَطًّا، إلّا أنَّها حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجاءَ الرَّسْمُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَها اتِّباعًا لِلرَّسْمِ إلّا يَعْقُوبُ فَإنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ؛ نَظَرا إلى الأصْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ، وحَمْزَةَ، ونافِعٍ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ الأوْلى اتِّباعُ الرَّسْمِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ قَدْ كَثُرَ حَذْفُها.

النساء 4:147

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟! أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟! أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟! أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟! كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ. فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ: أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً. وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الشُّكْرَ في الآيَةِ عَلى الشُّكْرِ المُبْهَمِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. صفحة 180 وأوْضَحُ مِنهُ وأطْيَبُ ما حاكَ في صَدْرِي، ثُمَّ رَأيْتُ العَلّامَةَ الطِّيبِيَّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - صَرَّحَ بِهِ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الفائِقُ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُنافِقِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ إلَخْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الَّذِي ورَّطَهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ كُفْرانُهم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى، وتَهاوُنُهم في شُكْرِ ما أُوتُوا، وتَفْوِيتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمُ البُغْيَةَ العُظْمى، وهو الإسْعادُ بِصُحْبَةِ أفْضَلِ الخَلْقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ الَّذِينَ ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ تَعالى وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ فَأُولَئِكَ حُكْمُهم أنْ يَنْتَظِمُوا في سِلْكِ أُولَئِكَ السُّعَداءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَما كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ الدَّرَجاتِ السُّفْلى مِنَ النِّيرانِ، ثُمَّ التَفَتَ تَعْرِيضًا لَهم أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِنهم وبِسَبَبِ تَقاعُدِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةَ الرَّفِيعَةَ، وتَفْوِيتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ تِلْكَ الفُرْصَةَ السَّنِيَّةَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ مُطْلَقٌ عَنْ عَذابِهِمْ، فَضْلًا عَلى أنْ يُوقِعَهم في تِلْكَ الوَرَطاتِ. فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنْ شَكَرْتُمْ) فَذْلَكَةٌ لِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى الإصْلاحِ فِيها، ومِنَ اللَّجَأِ إلى الخَلْقِ إلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرِّياءِ في الدِّينِ إلى الإخْلاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (وآمَنتُمْ) تَفْسِيرٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِمَعْناهُ، أيْ: وآمَنتُمُ الإيمانَ الَّذِي هو حائِزٌ لِتِلْكَ الخِلالِ الفَواضِلِ، جامِعٌ لِتِلْكَ الخِصالِ الكَوامِلِ، فَتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ - وحَقُّهُ التَّأْخِيرُ في الأصْلِ - إعْلامٌ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، والكَفْرُ تابِعٌ، فَإذا أُخِّرَ الشُّكْرُ أُخِلَّ بِهَذِهِ الأسْرارِ واللَّطائِفِ، ومِن ثَمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا﴾ أيْ: مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ ﴿عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، فَيُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا إلى الشّاكِرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاكِرُ وكَذا الشَّكُورُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، هو الَّذِي يَجْزِي بِيَسِيرِ الطّاعاتِ كَثِيرَ الدَّرَجاتِ، ويُعْطِي بِالعَمَلِ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ نِعَمًا في الآخِرَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُثْنِي عَلى مَن تَمَسَّكَ بِطاعَتِهِ، فَيَرْجِعُ إلى صِفَةٍ كَلامِيَّةٍ. * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: أمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ – ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ فِيهِ: إنَّ النَّفْسَ لِلرُّوحِ كالمِرْآةِ لِلزَّوْجِ، و﴿يَتامى النِّساءِ﴾ صِفاتِ النُّفُوسِ و ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحُقُوقِ وحاصِلُ المَعْنى: إنَّ نَفْسَكَ مَطِيَّتُكَ فارْفُقْ بِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ فالرُّوحُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والنَّفْسُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُظُوظِها ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ في رَفْضِ حُظُوظِ النَّفْسِ، فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: ««إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: الرَّوْحُ والنَّفْسُ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ فالرُّوحُ يَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ (خَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمٍ هَوَيْتُهُ) فَيُسْتَغْنى عَنْ مُرْكَبٍ النَّفْسِ بِالوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والنَّفْسُ تَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمِ ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ في شَأْنِ الشَّيْخِ والمُرِيدِ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ المُرِيدِينَ لِثَوابِ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونُوا ثابِتِينَ في مَقامِ العَدالَةِ الَّتِي صفحة 181 هِيَ أشْرَفُ الفَضائِلِ ﴿قَوّامِينَ﴾ بِحُقُوقِها بِحَيْثُ تَكُونُ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمْ، لا يُمْكِنُ مَعَها جَوْرٌ في شَيْءٍ، ولا ظُهُورُ صِفَةِ نَفْسٍ لِاتِّباعِ هَوًى في جَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ رَفْعِ مَضَرَّةٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البُرْهانُ ﴿آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البَيانُ، إلى أنْ تُؤْمِنُوا مِن حَيْثُ العَيانُ، أوْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ آمِنُوا بالإيمانِ العَيْنِيِّ، أوِ المُرادُ: يا أيُّها المُدَّعُونَ تَجْرِيدَ الإيمانِ لِي مِن غَيْرِ وساطَةٍ لا سَبِيلَ لَكم إلى الوُصُولِ إلى عَيْنِ التَّجْرِيدِ إلّا بِقَبُولِ الوَسائِطِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالتَّقْلِيدِ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْلِيدِ أصْلٌ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بِالِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عُقُولُهم مُشْرِقَةً بِالنُّورِ الإلَهِيِّ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِالشُّبَهاتِ والِاعْتِراضاتِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى وصْفِ أهْلِ التَّرَدُّدِ في سُلُوكِ سَبِيلِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِأحْوالِهِمْ حِينَ هاجَتْ رَغْبَتُهم إلى رِياسَةِ القَوْمِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِمْ لَيْلُ المُجاهِداتِ لَمْ يَتَحَمَّلُوا، وأنْكَرُوا، ورَجَعُوا إلى حُظُوظِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا رَأوْا نِهايَةَ الأكابِرِ وظَنُّوا اللُّحُوقَ بِهِمْ لَوِ اسْتَقامُوا وآمَنُوا فَلَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن مَقاماتِ القَوْمِ وكَراماتِهِمْ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ارْتَدُّوا وصارُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ وعَلى مَقاماتِهِمْ، وازْدادُوا إنْكارًا حِينَ رَجَعُوا إلى اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، واخْتارُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وجَعَلُوا يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ: إنْ هَؤُلاءِ لَيْسُوا عَلى الحَقِّ، فَقَدْ سَلَكْنا ما سَلَكُوا، وخُضْنا ما خاضُوا فَلَمْ نَرَ إلّا سَرابًا بِقِيعَةٍ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ السُّوءِ المُنْكِرِينَ عَلى القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم. (ما كانَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) لِمَكانِ الرَّيْبِ الحاجِبِ، وفَسادِ جَوْهَرِ القَلْبِ، وزَوالِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ إلى الحَقِّ، ولا إلى الكَمالِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ لِمُناسَبَتِهِمْ إيّاهُمْ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِعَدَمِ الجِنْسِيَّةِ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ التَّعَزُّزَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّقَوِّيَ بِمالِهِمْ وجاهِهِمْ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَلا سَبِيلَ لَهُمُ إلَيْها إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ لِعَدَمِ شَوْقِهِمْ إلى الحُضُورِ، ونُفُورِهِمْ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَوى عَلَيْهِمْ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ لِأنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ إلّا بِاللِّسانِ، وعِنْدَ حُضُورِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، فَإنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ يَطِيرُونَ إلَيْها بِجَناحَيِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، بَلْ يَحِنُّونَ إلى أوْقاتِها: حَنِينَ أعْرابِيَّةٍ حَنَّتْ إلى أطْلالِ نَجْدٍ فارَقَتْهُ ومَرْخِهِ ومِن هُنا «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِبِلالٍ: «أرِحْنا يا بِلالُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقِمْ لَنا الصَّلاةَ لِنُصَلِّيَ ونَسْتَرِيحَ بِها لا مِنها، وظَنُّ الأخِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – كُفْرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وإذا عَبَدُوا لا يَرَوْنَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وما قَدْرُ السُّوى عِنْدَهم لِيُراءُوهُ، وإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهم يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى، نَعَمْ، إنَّهم قَدْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنْهُ فَهُناكَ لا يَتَأتّى لَهُمُ الذِّكْرُ، وقَدْ عَدَّ العارِفُونَ الذِّكْرَ لِأهْلِ الشُّهُودِ ذَنْبًا، ولِهَذا قالَ قائِلُهُمْ: بِذِكْرِ اللَّهِ تَزْدادُ الذُّنُوبُ ∗∗∗ وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعُيُوبُ وتَرْكُ الذِّكْرَ أفْضَلُ كُلِّ شَيْءٍ ∗∗∗ وشَمْسُ الذّاتِ لَيْسَ لَها مَغِيبُ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِلُ العَبْدُ إلى ذَلِكَ المَقامِ إلّا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وأشارَ إلى مَقامٍ عالٍ مَن قالَ: لا يَتْرُكُ الذِّكْرَ إلّا مَن يُشاهِدُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ يَشْهَدُهُ مَن لَيْسَ يَذْكُرُهُ والذِّكْرُ سَتْرٌ عَلى مَذْكُورِهِ سَتْرٌ ∗∗∗ فَحِينَ يَذْكُرُهُ في الحالِ يَسْتُرُهُ فَلا أزالُ عَلى الأحْوالِ أُشْهِدُهُ ∗∗∗ ولا أزالُ عَلى الأنْفاسِ أذْكُرُهُ صفحة 182 ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمَةُ كُفْرِهِمْ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً في عِقابِكم بِرُسُوخِ الهَيْئَةِ الَّتِي بِها تَمِيلُونَ إلى وِلايَتِهِمْ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ لِتَحَيُّرِهِمْ بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِانْقِطاعِ وصْلَتِهِمْ، وارْتِفاعِ مَحَبَّتِهِمْ مَعَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِبَقِيَّةِ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، وقَبُولِ مَدى التَّوْفِيقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِنِ اسْتِعْدادِهِ بِقَمْعِ الهَوى، وكَسْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، ورَفْعِ حِجابِ القُوى ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ بِالتَّمَسُّكِ بِأوامِرِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ بِإزالَةِ خَفايا الشِّرْكِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السُّوى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ الصّادِقِينَ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مِن مُشاهَدَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، وجَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ وإصْلاحِ ما فَسَدَ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ الأوامِرِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ سُبْحانَهُ﴿وآمَنتُمْ﴾ الإيمانَ الحائِزَ لِذَلِكَ ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ فَيُثِيبُ ويُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

النساء 4:148

صفحة 2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَهْرِ، ومَوْضِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ السُّوءِ، والجَهْرُ بِالشَّيْءِ الإعْلانُ بِهِ والإظْهارُ كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ، وفي الصِّحاحِ: جَهَرَ بِالقَوْلِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الإظْهارُ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِرَفْعِ صَوْتٍ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْلِنَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًا مِنَ القَوْلِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ تَعالى، وذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وقَتادَةَ: هو أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَذُمَّ أحَدٌ أحَدًا أوْ يَشْكُوَهُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَشْكُوَ ظالِمَهُ، ويُظْهِرَ أمْرَهُ، ويُذَكِّرَهُ بِسُوءٍ ما قَدْ صَنَعَهُ. وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – المُرادُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الشَّتْمَ في الِانْتِصارِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَلا بَأْسَ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِما يَجُوزُ الِانْتِصارُ بِهِ في الدِّينِ. وجَوَّزَ الحَسَنُ لِلرَّجُلِ إذا قِيلَ لَهُ: يا زانِي أنْ يُقابِلَ القائِلَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ، فاشْتَكاهُمْ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وأُبَيٍّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ أنَّهم قَرَءُوا (إلّا مَن ظَلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّهُ، أوْ لَكِنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالإبْدالِ مِن فاعِلِ (يُحِبُّ) كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وعَلَيْها يَقُولُ الشّاعِرُ: عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ سِيبَوَيْهِ، وأنْكَرَها البَعْضُ، وكَفى بِنَقْلِ شَيْخِ الصِّناعَةِ سَنَدًا لِلْمُثْبِتِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ البَيْتُ كالمِثالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ عَلى مَعْنى السِّلاحِ، وأمّا زَيْدٌ فَلا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عُمُومٌ، ولا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إلّا عَلى أنَّ أصْلَهُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ ولا غَيْرُهُ، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ، ورُدَّ - كَما قالَ الشِّهابُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ في المِثالِ لَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والمَفْرُوضُ خِلافُهُ، وأنَّ المُرادَ - كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الطِّيبِيِّ - جَعْلُ المُبْدَلِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَذْكُورِ، حَتّى كَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ والنَّفْيَ عامٌّ، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِنَفْيِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِزِيادَةِ اهْتِمامٍ بِالنَّفْيِ عَنْهُ، أوْ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ الإثْباتِ، فَيَقُولُونَ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، والمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، فَكَذا ها هُنا المَعْنى: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَأُدْخِلَ لَفْظُ (اللَّهُ) تَأْكِيدًا لِنَفْيِ صفحة 3 مَحَبَّتِهِ تَعالى، يَعْنِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ اخْتِصاصٌ في عَدَمِ مَحَبَّتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: ما بَعْدُ (إلّا) حِينَئِذٍ لا يَكُونُ فاعِلًا وهو ظاهِرٌ فَتَعَيَّنَ البَدَلُ وهو غَلَطٌ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ غَلَطًا لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا الخاصُّ في مَوْقِعِ العامِّ، ولَمْ يَكُنِ المَعْنى: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا عَمْرٌو. فَإنْ قِيلَ: فَيَكُونُ لَفْظُ (اللَّهُ) مَجازًا عَنْ أحَدٍ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ أُجِيبَ بِأنَّ (لا يُحِبُّ اللَّهُ) مُؤَوَّلٌ بِـ(لا يُحِبُّ أحَدٌ) واقِعٌ مَوْقِعَهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ في لَفْظِ (اللَّهُ) كَذا قِيلَ. وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ إذا كانَ عامًّا فَإمّا بِتَقْدِيرِ لَفْظٍ - كَما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ - وإمّا بِالتَّجَوُّزِ في لَفْظِ العِلْمِ، وكَلاهُما مُرٌّ ما فِيهِ، ولا طَرِيقَ آخَرُ لِلْعُمُومِ، فَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ لا بُدَّ مِن بَيانِ طَرِيقِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ العِلْمِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ أحَقَّ بِالحُكْمِ، بِحَيْثُ إذا نُفِيَ عَنْهُ يُعْلَمُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ولا تَجَوُّزٍ، فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: إذا لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ وهو الغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ فَغَيْرُهُ لا يُحِبُّهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَشْفِي الغَلِيلَ؛ لِأنَّ الِاشْتِراطَ المَذْكُورَ مِمّا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، عَلى أنَّ دَعْوى كَوْنِ نَفْيِ حُبِّ الجَهْرِ بِالسُّوءِ عَنْهُ تَعالى يُعْلَمُ مِنهُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى في غايَةِ الخَفاءِ، فالأوْلى ما ذَكَرَهُ بَعْدُ، بِأنْ يُقالَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ ما ذُكِرَ، لَكِنَّهُ عُدَّ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِحَسَبِ المُتَبادَرِ والنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ. وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ المَعْلُومِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالسُّوءِ أيْ: إلّا سُوءَ مَن ظُلِمَ فَيُحِبُّ الجَهْرُ بِهِ ويَقْبَلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ) فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ إلّا مَن ظَلَمَ) وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ولا يَكادُ يُقْبَلُ هَذا في تَخْرِيجِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها كَلامُ المَظْلُومِ والظّالِمِ ﴿عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ المَظْلُومِ والظّالِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْمِيمُ كَما تُوُهِّمَ. ووَجْهُ رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها - عَلى ما قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ إيرادِ رَحْمَتِهِ وتَقْرِيرِ إظْهارِ رَأْفَتِهِ جاءَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ) تَتْمِيمًا لِذَلِكَ، وتَعْلِيمًا لِلْعِبادِ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وفِيهِ: إنَّ هَذا مِمّا لا مُحَصِّلَ لَهُ ولا تَتِمُّ بِهِ المُناسَبَةُ، وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ الأُولى فِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى تَعْلِيمِ التَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ العَلِيَّةِ - كَما قَرَّرَهُ عِصامُ المِلَّةِ - ورَجا أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْهَماتِ، وحِينَئِذٍ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيمَ المَذْكُورَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى في وجْهِ الِاتِّصالِ، وهو أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ النِّفاقِ - وهو إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطَنُ - بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ ما في النَّفْسِ مِنهُ ما يَجُوزُ إبْطانُهُ، ومِنهُ ما يَجُوزُ إظْهارُهُ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ الشُّكْرُ عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِهِ ومَحَبَّةُ إظْهارِهِ تَمَّمَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذِكْرِ ضِدِّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يُحِبُّ الشُّكْرَ وإعْلانَهُ ويَكْرَهُ السُّوءَ وإعْلانَهُ، وفِيهِ احْتِباكٌ بَدِيعٌ.

النساء 4:149

﴿إنْ تُبْدُوا﴾ أيْ: تُظْهِرُوا ﴿خَيْرًا﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وقِيلَ: المُرادُ: (إنْ تُبْدُوا) جَمِيلًا حَسَنًا مِنَ القَوْلِ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْكم شُكْرًا لَهُ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ المالُ، والمَعْنى: إنْ تُظْهِرُوا التَّصَدُّقَ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: تَفْعَلُوهُ سِرًّا، وقِيلَ: تَعْزِمُوا عَلى فِعْلِهِ ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: تَصْفَحُوا عَمَّنْ أساءَ إلَيْكُمْ، مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَتِهِ، وأُذِنَ فِيها، والتَّنْصِيصُ عَلى هَذا مَعَ انْدِراجِهِ صفحة 4 فِي ابْتِداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ - عَلى أحَدِ الأقْوالِ - لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ، وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ فَإنَّ إيرادَ العَفْوِ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ، ولَوْ كانَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ أيْضًا مَقْصُودًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَحْسُنِ الِاقْتِصارُ في الجَزاءِ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى (عَفُوًّا قَدِيرًا) أيْ: يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى المُؤاخَذَةِ، وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكُمْ، وقِيلَ: (عَفُوًّا) عَمَّنْ عَفا (قَدِيرًا) عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ، نَقْلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ.

النساء 4:150

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ، وتَقْتَضِيهِ آراؤُهُمْ، لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ في الإيمانِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكِنْ لا يُصَرِّحُونَ بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً، بَلْ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، كَما يَحِيكُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، وما ذَلِكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًا، مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِهَذا القَوْلِ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإيمانِ والكُفْرِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًا، إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ (وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ)؟! هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الآثارُ: فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها: «أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ، لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكُوا الإسْلامَ، وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ خَلُصَ كُفْرُهُمُ الصِّرْفُ بِالجَمِيعِ، فَنَفَوُا الصّانِعَ - مَثَلًا - وأنْكَرُوا النُّبُوّاتِ، والَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – لا عَكْسُهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ يُتَصَوَّرُ في النَّصارى لِإيمانِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، والكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ شامِلٌ لِلشِّرْكِ والإنْكارِ، إذْ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ كاليَهُودِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ مُتَقابِلَةٌ، كانَ الظّاهِرُ عَطْفُها بِـ(أوْ) لَكِنْ أُتِيَ بِالواوِ بَدَلَها فَهي بِمَعْناها، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى جَوازِ حَذْفِهِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا) إلَخْ، عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَكْفُرُونَ) لِأنَّ هَذِهِ الإرادَةَ عَيْنُ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى كالبَراهِمَةِ. وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) إلَخْ، فَعَطْفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، والواوُ بِمَعْنى أوِ التَّنْوِيعِيَّةِ، فالأوَّلُونَ صفحة 5 فَرَّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، والآخِرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ كاليَهُودِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَخَبَرُ (إنَّ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًا أصْلًا ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ، أيْ كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ: لا شَكَّ فِيهِ ولا رَيْبَ، فالعامِلُ مَذْكُورٌ و(حَقًّا) بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ولَيْسَ بِمَعْنى مُقابِلِ الباطِلِ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُهُ صِفَةً صِناعَةً ومَعْنًى، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ - كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ – بَعِيدٌ، والآيَةُ عَلى ما زَعَمَهُ البَعْضُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ، عَلى أنَّها كالتَّعْلِيلِ لَهُ، وما تَوَسَّطَ بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ إمّا مُعْتَرِضٌ أوْ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ إمْعانِ النَّظَرِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهُمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَذْكِيرًا بِوَصْفِ الكُفْرِ الشَّنِيعِ المُؤْذِنِ بِالعِلِّيَّةِ، وقَدْ يُرادُ جَمِيعُ الكُفّارِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم ويُذِلُّهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوا بِهِ العِزَّةَ.

النساء 4:151

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ، وتَقْتَضِيهِ آراؤُهُمْ، لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ في الإيمانِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكِنْ لا يُصَرِّحُونَ بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً، بَلْ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، كَما يَحِيكُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، وما ذَلِكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًا، مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِهَذا القَوْلِ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإيمانِ والكُفْرِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًا، إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ (وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ)؟! هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الآثارُ: فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها: «أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ، لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكُوا الإسْلامَ، وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ خَلُصَ كُفْرُهُمُ الصِّرْفُ بِالجَمِيعِ، فَنَفَوُا الصّانِعَ - مَثَلًا - وأنْكَرُوا النُّبُوّاتِ، والَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – لا عَكْسُهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ يُتَصَوَّرُ في النَّصارى لِإيمانِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، والكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ شامِلٌ لِلشِّرْكِ والإنْكارِ، إذْ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ كاليَهُودِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ مُتَقابِلَةٌ، كانَ الظّاهِرُ عَطْفُها بِـ(أوْ) لَكِنْ أُتِيَ بِالواوِ بَدَلَها فَهي بِمَعْناها، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى جَوازِ حَذْفِهِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا) إلَخْ، عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَكْفُرُونَ) لِأنَّ هَذِهِ الإرادَةَ عَيْنُ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى كالبَراهِمَةِ. وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) إلَخْ، فَعَطْفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، والواوُ بِمَعْنى أوِ التَّنْوِيعِيَّةِ، فالأوَّلُونَ صفحة 5 فَرَّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، والآخِرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ كاليَهُودِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَخَبَرُ (إنَّ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًا أصْلًا ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ، أيْ كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ: لا شَكَّ فِيهِ ولا رَيْبَ، فالعامِلُ مَذْكُورٌ و(حَقًّا) بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ولَيْسَ بِمَعْنى مُقابِلِ الباطِلِ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُهُ صِفَةً صِناعَةً ومَعْنًى، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ - كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ – بَعِيدٌ، والآيَةُ عَلى ما زَعَمَهُ البَعْضُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ، عَلى أنَّها كالتَّعْلِيلِ لَهُ، وما تَوَسَّطَ بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ إمّا مُعْتَرِضٌ أوْ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ إمْعانِ النَّظَرِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهُمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَذْكِيرًا بِوَصْفِ الكُفْرِ الشَّنِيعِ المُؤْذِنِ بِالعِلِّيَّةِ، وقَدْ يُرادُ جَمِيعُ الكُفّارِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم ويُذِلُّهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوا بِهِ العِزَّةَ.

النساء 4:152

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ كَما فَعَلَ الكَفَرَةُ، ودُخُولُ (بَيْنَ) عَلى أحَدٍ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِهَذِهِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿أُجُورَهُمْ﴾ المَوْعُودَةَ لَهُمْ، فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أضْدادُهم ومُقابِلُوهُمْ، والإتْيانُ بِـ(سَوْفَ) لِتَأْكِيدِ المَوْعُودِ الَّذِي هو الإيتاءُ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ، لا الإخْبارِ بِأنَّهُ مُتَأخِّرٌ إلى حِينٍ، فَعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ (يَفْعَلُ) الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنى الِاسْتِقْبال بِصِيغَتِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (سَوْفَ) أُكِّدَ ما هو مَوْضُوعٌ لَهُ مِن إثْباتِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، لا أنْ يُعْطى ما لَيْسَ فِيهِ مَن أصْلِهِ، فَهو في مُقابَلَةِ لَنْ، ومَنزِلَتُهُ مِن (يَفْعَلُ) مَنزِلَةُ لَنْ مِن (لا يَفْعَلُ) لِأنَّ لا لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، فَإذا وُضِعَ لَنْ مَوْضِعَهُ أُكِّدَ المَعْنى الثّابِتَ، وهو نَفْيُ المُسْتَقْبَلِ، فَإذًا كُلُّ واحِدٍ مِن (لَنْ وسَوْفَ) حَقِيقَتُهُ التَّوْكِيدُ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: لَنْ يَفْعَلَ نَفْيُ سَوْفَ يَفْعَلُ، وكَأنَّهُ اكْتَفى سُبْحانَهُ بِبَيانِ ما لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ (حَقًّا) مَعَ اسْتِفادَتِهِ مِمّا دَلَّ عَلى الضِّدِّيَّةِ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَبْبَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ (نُؤْتِيهِمْ) بالنُّونِ، فَلا التِفاتَ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهم ما سَلَفَ لَهم مِنَ المَعاصِي والآثامِ ﴿رَحِيمًا﴾ بِهِمْ، فَيُضاعِفُ حَسَناتِهِمْ، ويَزِيدُهم عَلى ما وُعِدُوا.

النساء 4:153

﴿يَسْألُكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُّسُلِ ﴿أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ فَقالُوا: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَأْتِنا بِألْواحٍ مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَطالَبُوا أنْ يَكُونَ المُنَزَّلَ جُمْلَةً، وأنْ يَكُونَ بِخَطٍّ سَماوِيٍّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والسُّدِّيِّ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا خاصًّا لَهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وما كانَ مَقْصِدُهم بِذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ والتَّعَنُّتَ. قالَ الحَسَنُ: ولَوْ صفحة 6 سَألُوهُ ذَلِكَ اسْتِرْشادًا لا عِنادًا لَأعْطاهم ما سَألُوا ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا أوْ سُؤْلًا ﴿أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ وأعْظَمَ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والجَوابُ مُؤَوَّلٌ؛ لِيَصِحَّ التَّرْتِيبُ، أيْ: إنِ اسْتَكْبَرَتْ هَذا وعَرَفَتْ ما كانُوا عَلَيْهِ تَبَيَّنَ لَكَ رُسُوخُ عِرْقِهِمْ في الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّها سَبَبِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تُبالِ ولا تَسْتَكْبِرْ؛ فَإنَّهم قَدْ سَألُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو أكْبَرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ - وإنْ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ - لَكِنَّهم لَمّا كانُوا عَلى سِيرَتِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ ما لِلسَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، بِناءً عَلى كَمالِ الِاتِّحادِ، نَحْوُ: قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي فَيَكُونُ المُرادُ بِضَمِيرِ (سَألُوا) جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ لِصُدُورِ السُّؤالِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ أيْضًا الجَمِيعَ، فَيَكُونُ إسْنادُ (يَسْألُكَ) إلى أهْلِ الكِتابِ مِن ذَلِكَ الإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ هَذا النَّوْعَ، ويَكُونُ المُرادُ بَيانَ قَبائِحِ النَّوْعِ، فَلا تَكَلُّفَ ولا تَجَوُّزَ لا في جانِبِ الضَّمِيرِ ولا في المَرْجِعِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إسْنادَ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ مِمّا أُلِفَ في الكِتابِ العَزِيزِ، ووَقَعَ في نَحْوِ ألْفِ مَوْضِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ (أكْثَرَ) بِالمُثَلَّثَةِ ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ﴾ الَّذِي أرْسَلَكَ ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ: مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: مُعايَنًا عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، ولا لَبْسَ فِيهِ لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الثّانِي لِقُرْبِهِ مِنهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو الرُّؤْيَةُ لا الإراءَةُ؛ لِأنَّ الجَهْرَةَ في كُتُبِ اللُّغَةِ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ لا الثّانِي، فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ (أرِنا) نَرَهُ رُؤْيَةً جَهْرَةً، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَصْدَرُ المَوْصُوفُ سُؤالًا أيْ: سُؤالًا جَهْرَةً، وقِيلَ: قَوْلًا أيْ: قَوْلًا جَهْرَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ» إنَّما قالُوا (جَهْرَةً) (أرِنا اللَّهُ) تَعالى فَهو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ أيْ: أهْلَكَتْهم لَمّا سَألُوهُ، وقالُوا ما قالُوا ﴿الصّاعِقَةُ﴾ وهي نارٌ جاءَتْ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: (الصّاعِقَةُ) المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ آجالِهِمْ عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – (الصَّعْقَةُ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهم لِما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وإنْكارُ طَلَبِ الكُفّارِ لِلرُّؤْيَةِ تَعَنَّتًا لا يَقْتَضِي امْتِناعَها مُطْلَقًا. واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى الِامْتِناعِ مُطْلَقًا، وبَنى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ المُضافِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ إلّا لِمُجَرَّدِ أنَّهم طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا بِهِ ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، كَما سَألَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إحْياءَ المَوْتى، فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصَّواعِقِ، ثُمَّ أرْعَدَ وأبْرَقَ ودَعا عَلى مُدَّعِي جَوازِ الرُّؤْيَةِ بِما هو بِهِ أحَقُّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّجُلَ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الهَوى، فَغَفَلَ عَنْ كَوْنِ اليَهُودِ إنَّما سَألُوا تَعَنُّتًا، ولَمْ يَعْتَبِرُوا المُعْجِزَ مِن حَيْثُ هُوَ، مَعَ أنَّ المُعْجِزاتِ سَواسِيَةُ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ، ويَكْفِيهِمْ ذَلِكَ ظُلْمًا، والتَّنْظِيرُ بِسُؤالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العَجَبِ العُجابِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ وعَبَدُوهُ صفحة 7 ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرُها لِفِرْعَوْنَ؛ مِنَ العَصا، واليَدِ البَيْضاءِ، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِها، أوِ الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ لا التَّوْراةُ؛ لِأنَّها إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الِاتِّخاذِ ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ الِاتِّخاذِ حِينَ تابُوا، وفي هَذا - عَلى ما قِيلَ -: اسْتِدْعاءٌ لَهُمُ إلى التَّوْراةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أجْرَمُوا تابُوا فَعَفَوْنا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أنْتُمْ أيْضًا حَتّى نَعْفُوَ عَنْكم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلَيْهِمْ حِينَ أمَرَهم أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ، وهَذا - عَلى ما قِيلَ -: وإنْ كانَ قَبْلَ العَفْوِ فَإنَّ الأمْرَ بِالقَتْلِ كانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ القَتْلِ كانَ تَوْبَةً لَهُمْ، لَكِنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، واسْتُظْهِرَ أنْ لا يُجْعَلَ التَّسَلُّطُ ذَلِكَ التَّسَلُّطَ بَلْ تَسَلُّطًا بَعْدَ العَفْوِ، حَيْثُ انْقادُوا لَهُ، ولَمْ يَتَمَكَّنُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِهِ.

النساء 4:154

﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وهو ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، وكانَ كَمُعَسْكَرِهِمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ، ولَيْسَ هو - عَلى ما في البَحْرِ - الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِطُورِ سَيْناءَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَفَعْنا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الطُّورِ أيْ: رَفَعْنا الطُّورَ كائِنًا فَوْقَهم ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوها، أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقَضُّوا المِيثاقَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ بِنَقْضِ مِيثاقِهِمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَعْلَمُوا بِما في التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، وفِيهِ: إنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما مَرَّ آنِفًا، فَلا يَتَأتّى هَذا، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما رَفَعَ اللَّهِ تَعالى الجَبَلَ فَوْقَهم إظْلالًا لَهم مِنَ الشَّمْسِ جَزاءً لِعَهْدِهِمْ، وكَرامَةً لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خَرْقٌ لِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنِدٌ أصْلًا. ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ يُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ التِّيهِ ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾ قالَ قَتادَةُ - فِيما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ -: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: هو إيلِياءُ، وقِيلَ: أرِيحاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ، أوْ (قُلْنا لَهُمْ) عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمُ (ادْخُلُوا البابَ) المَذْكُورَ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ التِّيهِ، أوْ بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ لِأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ التِّيهِ في حَياتِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ عَدَمُ القَيْدِ ﴿سُجَّدًا﴾ مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – رُكَّعًا، وقِيلَ: ساجِدِينَ عَلى جِباهِكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ﴿لا تَعْدُوا﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُبِيحَ لَكُمْ، أوْ لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ ﴿فِي السَّبْتِ﴾ . ويُحْتَمَلُ - كَما قالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنْ يُرادَ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَلَّلَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ شُرِعَ السَّبْتُ، لَكِنْ كانَ الِاعْتِداءُ فِيهِ والمَسْخُ في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَأ ورْشٌ، عَنْ نافِعٍ (لا تَعَدُّوا) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، ورُوِيَ عَنْ قالُونَ تارَةً سُكُونُ العَيْنِ سُكُونًا مَحْضًا، وتارَةً إخْفاءُ فَتْحَةِ العَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَأصْلُها (تَعْتَدُوا) لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العُدْوانِ، فَأُرِيدَ إدْغامُ تائِهِ في الدّالِّ، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ دالًّا، وأُدْغِمَتْ، وأمّا السُّكُونُ المَحْضُ فَشَيْءٌ يَراهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما، وأمّا الإخْفاءُ والِاخْتِلاسُ فَهو أخَفُّ مِن ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الإتْيانِ بِحَرَكَةٍ ما، وقَرَأ الأعْمَشُ (تَعْتَدُوا) صفحة 8 عَلى الأصْلِ، وأصْلُ (تَعَدَّوْا) في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ تَعَدُّوُوا بِواوَيْنِ، الأُولى واوُ الكَلِمَةِ، والثّانِيَةُ ضَمِيرُ الفاعِلِ، فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى لامِ الكَلِمَةِ فَحُذِفَتْ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الواوُ الأُولى، وبَقِيَ ضَمِيرُ الفاعِلِ. ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا، بِأنْ يَأْتَمِرُوا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْتَهُوا عَنْ مَناهِيهِ، قِيلَ: هو قَوْلُهُمْ: ( سَمِعْنا وأطَعْنا ) وكَوْنُهُ (مِيثاقًا) ظاهِرٌ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) يُؤْخَذُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي، أوْ مِن عَطْفِ الإطاعَةِ عَلى السَّمْعِ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِها، وفي أخْذِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ خَفاءٌ لا يَخْفى، وحُكِيَ أنَّهم بَعْدَ أنْ قَبِلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ أُعْطُوا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَتْ وكادَةُ المِيثاقِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المِيثاقَ هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) بِاعْتِبارِ أخْذِهِ مِن كُلِّ نَبِيٍّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْذِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ لَهُ مِن أُمَّتِهِ، فَهو مِيثاقٌ مُؤَكَّدٌ مُتَكَرِّرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

النساء 4:155

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ في الكَلامِ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِها، والإشارَةُ إلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ قَوِيَّةٌ، وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ الحَصْرَ بِمَعُونَةِ المَقامِ كَما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ إنِ التُزِمَ هُنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً تامَّةً، ويَكُونُ (نَقْضِهِمْ) بَدَلًا مِنهُما أيْ: فَخالَفُوا ونَقَضُوا، فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أخَّرْتَ العامِلَ. واخْتارَ أبُو حَيّانَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - تَقْدِيرَ (لَعَنّاهُمْ) مُؤَخَّرًا؛ لِوُرُودِهِ مُصَرَّحًا بِهِ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَلُّقَ الجارِّ بِـ(حَرَّمْنا) الآتِي، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَبِظُلْمٍ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ، فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ عَنِ التَّحْرِيمِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ سَبَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا، وقَوْلَهم (إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ) مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ السَّفاقِسِيُّ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُتَكَلَّفُ لِحَلِّهِ بِأنَّ دَوامَ التَّحْرِيمِ في كُلِّ زَمَنٍ كابْتِدائِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجَعَلَ العَلامَةُ الثّانِي الفاءَ في (فَبِظُلْمٍ) عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكْرارًا لِلْفاءِ في (فَبِما نَقْضِهِمْ) عَطْفًا عَلى (أخَذْنا مِنهُمْ) أوْ جَزاءَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، واسْتَبْعَدَهُ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: لَفْظِيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، وبَيَّنَ الأوَّلَ بِطُولِ الفَصْلِ وبِكَوْنِهِ مِن إبْدالِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ أوِ الجَزاءِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَعْمُولَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ فَقَطْ، والثّانِيَ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الطَّيِّباتِ مُسَبَّبٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ ومُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَتِ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) كَما في قَوْلِكَ: بِزَيْدٍ (وبِحُسْنِهِ أوْ فَبِحُسْنِهِ أوْ ثُمَّ حُسْنِهِ) افْتَتَنْتُ لَمْ يُحْتَجْ إلى جَعْلِهِ بَدَلًا. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ مُفَسِّرًا ولا قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ، أمّا الأوَّلُ فَلِتَعَلُّقِهِ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ اسْتِطْرادٌ يَتِمُّ الكَلامُ دُونَهُ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً لِما هو عُمْدَةٌ في الكَلامِ يُوجِبُ أنْ لا يَتِمَّ دُونَهُ. والحاصِلُ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَرِينَةِ مِنَ التَّعَلُّقِ المَعْنَوِيِّ بِسابِقَتِها حَتّى تَصْلُحَ لِذَلِكَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا مَوْرِدَ لِلنَّظَرِ بِأنَّ الطَّبْعَيْنِ صفحة 9 مُتَوافِقانِ في العُرُوضِ، أحَدُهُما بِالكَفْرِ، والآخَرُ بِالنَّقْضِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يُؤْمِنُونَ) والفاءُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى رَدَّ ذَلِكَ. ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: حُجَجِهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – والقُرْآنِ، أوْ ما في كِتابِهِمْ لِتَحْرِيفِهِ وإنْكارِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ غِلافٍ بِمَعْنى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ غُلُفٌ بِضَمَّتَيْنِ فَخُفِّفَ أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وعَطاءٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ إنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ إلّا وعَتْهُ، ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ شَيْءٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أغْلُفٍ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ . ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن أنَّها أوْعِيَهُ العِلْمِ؛ فَإنَّها مَطْبُوعٌ عَلَيْها، مَحْجُوبَةٌ مِنَ العِلْمِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْها شَيْءٌ مِنهُ، كالبَيْتِ المُقْفَلِ المَخْتُومِ عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَيْسَ عَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِكم لِكَوْنِها في أكِنَّةٍ وحُجُبٍ خَلْقِيَّةٍ - كَما زَعَمْتُمْ - بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الكَسْبِيِّ، وهَذا الطَّبْعُ بِمَعْنى الخِذْلانِ والمَنعِ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ بِالمَواعِظِ عِنْدَ الكَثِيرِ، و(طَبَعَ) حَقِيقِيٌّ عِنْدَ البَعْضِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَزّازُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ وعُمِلَ بِالمُعاصِي واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الطّابَعَ فَطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَعْقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا»» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الشُّعَبِ إلّا أنَّهُ ضَعَّفَهُ. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، فَهو كالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ كُفْرٌ بِالكُلِّ كَما مَرَّ، أوْ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، أوْ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن ضَمِيرِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِالكُفْرِ لا يَقَعُ مِنهُ إيمانٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِما مَرَّ الإسْنادُ إلى الكُلِّ ما هو لِلْبَعْضِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ. وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: كَما يَجِبُ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ مِن عَدَمِ الإيمانِ المُتَفَرِّعِ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ يَجِبُ اسْتِثْناءُ قَلِيلٍ مِنَ القُلُوبِ مِن قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّ المُرادَ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى أكْثَرِها، فَلْيُفْهَمْ.

النساء 4:156

﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مِن عَطْفٍ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ولا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ الكُفْرُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إمّا الكُفْرُ المُطْلَقُ، أوِ الكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِاقْتِرانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ المَقالَةَ في مُواجَهَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ، فَفي العَطْفِ إيذانٌ بِصَلاحِيَةِ كُلٍّ مِنَ الكُفْرَيْنِ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقَدْ يُعْتَبَرُ في جانِبِ المَعْطُوفِ المَجْمُوعِ، ومُغايَرَتُهُ لِلْمُفْرَدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويَجُوزُ اعْتِبارُ عَطْفِ مَجْمُوعِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهَ، ولا يُتَوَهَّمُ المَحْذُورُ، وإنْ قُلْنا بِاتِّحادِ الكُفْرِ أيْضًا لِمُغايَرَةِ المَجْمُوعِ لِلْمَجْمُوعِ، وإنْ لَمْ يُغايِرْ بَعْضُ أجْزائِهِ بَعْضًا، وقَدْ يُقالُ بِمُغايَرَةِ الكُفْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ صفحة 10 بِحَمْلِهِ في الأخِيرَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وفي الأوَّلِ عَلى الكُفْرِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِاقْتِرانِهِ بِنَقْضِ المِيثاقِ. وتَقَدَّمَ حَدِيثُ العُدُوِّ في السَّبْتِ ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ حَيْثُ نَسَبُوها - وحاشاها - إلى ما هي عَنْهُ في نَفْسِها بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وتَمادَوْا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن شَدَّتِهِ وعِظَمِهِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(قَوْلِهِمْ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قَوْلًا بُهْتانًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُباهِتِينَ،

النساء 4:157

﴿وقَوْلِهِمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّبَجُّحِ. ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ذَكَرُوهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، فَغُيِّرَ في الحِكايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مِنهُ؛ مَدْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةَ وقاحَتِهِمْ في تَبَجُّحِهِمْ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَهُوذا رَأْسَ اليَهُودِ، فَخافَ فَجَمَعَ اليَهُودَ، فاتَّفَقُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأدْخَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بَيْتًا، ورَفَعَهُ مِنهُ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طِيطانُوسُ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وأبْطَأ عَلَيْهِمْ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا خَرَجَ قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في خَبَرٍ طَوِيلٍ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: «أتى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لِيَبْرُزْ لَنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أنا عِيسى، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ورَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ». وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ الحَوارِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ غَيْرُ وهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ عَلى جَمِيعِهِمْ، بَلْ قالُوا: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى واحِدٍ، ورُفِعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِهِمْ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ وهْبٍ، وقالَ: إنَّهُ الأشْبَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ أخَذُوا إنْسانًا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ، ولَمْ يُمَكِّنُوا أحَدًا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَتَغَيَّرَتْ حِلْيَتُهُ، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا عِيسى لِيُوهِمُوا بِذَلِكَ عَلى عَوامِّهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا أحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا دَخَلُوهُ ولَمْ يَجِدُوهُ فَخافُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِ اليَهُودِ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الحَوارِيِّينَ يُنافِقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، وأخَذَ عَلى ذَلِكَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرُفِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ وقَعَ لَهم تَشْبِيهٌ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن صُلِبَ، أوْ في الأمْرِ - عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ - أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (إنّا قَتَلْنا) أيْ: (شُبِّهَ لَهُمْ) مَن قَتَلُوهُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ، و(شُبِّهَ) مِنَ الشُّبْهَةِ، أيِ: التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِناءً عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ولَيْسَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ صفحة 11 الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟! وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟! وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وقالَتِ النَّصارى الَّذِينَ يَدَّعُونَ رُبُوبِيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ، ولِهَذا لا يَعُدُّونَ القَتْلَ نَقِيصَةً حَيْثُ لَمْ يُضِيفُوهُ إلى اللّاهُوتِ، ويَرُدُّ هَؤُلاءِ إنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عِنْدَ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ المَسِيحَ قَدْ صارَ بِالِاتِّحادِ طَبِيعَةً واحِدَةً، إذِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ لَمْ يَبْقَ فِيها ناسُوتٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ لاهُوتٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يُقالُ: ماتَ ولَمْ يَمُتْ، وأُهِينَ ولَمْ يُهَنْ. وأمّا الرُّومُ القائِلُونَ بِأنَّ المَسِيحَ بَعْدَ الِاتِّحادِ باقٍ عَلى طَبِيعَتَيْنِ فَيُقالُ لَهُمْ: فَهَلْ فارَقَ اللّاهُوتُ ناسُوتَهُ عِنْدَ القَتْلِ؟ فَإنْ قالُوا: فارَقَهُ، فَقَدْ أبْطَلُوا دِينَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ المَسِيحُ الرُّبُوبِيَّةَ عِنْدَهم إلّا بِالِاتِّحادِ، وإنْ قالُوا: لَمْ يُفارِقْهُ فَقَدِ التَزَمُوا ما ورَدَ عَلى اليَعْقُوبِيَّةِ، وهو قَتْلُ اللّاهُوتِ مَعَ النّاسُوتِ، وإنْ فَسَّرُوا الِاتِّحادَ بِالتَّدَرُّعِ، وهو أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ مَسْكَنًا وبَيْتًا ثُمَّ فارَقَهُ عِنْدَ وُرُودِ ما ورَدَ عَلى النّاسُوتِ أبْطَلُوا إلَهِيَّتَهُ في تِلْكَ الحالَةِ، وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أُهِينَ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إثْباتِ النَّقِيصَةِ، إذْ لَمْ يَأْنَفِ اللّاهُوتُ لِمَسْكَنِهِ أنَّ تَنالَهُ هَذِهِ النَّقائِصُ، فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى نَفْيِها فَقَدْ أساءَ مُجاوَرَتَهُ ورَضِيَ بِنَقِيصَتِهِ، وذَلِكَ عائِدٌ بِالنَّقْصِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنْ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ إلْقاءَ الشَّبَهِ، ويَقُولُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إضْلالُ، ورَدُّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، ويُكْفى في إثْباتِهِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لَزِمَ تَكْذِيبُ المَسِيحِ، وإبْطالُ نُبُوَّتِهِ، بَلْ وسائِرُ النُّبُوّاتِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم في الفَصْلِ: إنَّ المَصْلُوبَ قالَ: إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي، وهو يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضا، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ شَكى العَطَشَ وطَلَبَ الماءَ، والإنْجِيلُ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم فِيهِ - إنْ صَحَّ - مِمّا يُنادِي عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشَّبَهُ كَما لا يَخْفى. فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى جَمِيعًا ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: لَفي تَرَدُّدٍ، وأصْلُ الشَّكِّ أنْ يُسْتَعْمَلَ في تَساوِي الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّرَدُّدُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا أكَّدَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ الشّامِلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ. وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ، والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، وما قِيلَ: إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنَ العِلْمِ قَطْعًا فَلا يُتَصَوَّرُ اتِّصالُهُ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ مَن قالَ بِهِ جَعَلَهُ بِمَعْنى الظَّنِّ المُتَّبَعِ ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: ما قَتَلُوهُ قَتْلًا يَقِينًا، أوْ مُتَيَقِّنِينَ، ولا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ القَتْلِ المُتَيَقَّنِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ القَتْلِ المَشْكُوكِ؛ لِأنَّهُ لِنَفْيِ القَيْدِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ قُتِلَ في ظَنِّهِمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ جَعْلِ (يَقِينًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: وما قَتَلُوا العِلْمَ (يَقِينًا) مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ، وقَتَلْتُ كَذا عِلْمًا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وهو مَجازٌ كَما في الأساسِ، والمَعْنى: ما عَلِمُوهُ يَقِينًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلظَّنِّ، أيْ: ما قَطَعُوا الظَّنَّ يَقِينًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والسُّدِّيِّ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ (يَقِينًا) صفحة 12 مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: بَلْ رَفَعَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ (يَقِينًا) ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ بَلْ فِيما قَبْلَها، والكَلامُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي حَيّانَ أيْ: إلى سَمائِهِ، قالَ: وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَدِيثِ المِعْراجِ، وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَمْلَؤُها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تَمامَها مِن سِنِّ رَفْعِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ويَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ، ويُدْفَنُ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ، وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا، وهَذا الرَّفْعُ عَلى المُخْتارِ كانَ قَبْلَ صَلْبِ الشَّبَهِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا ما يُؤَيِّدُهُ. وأمّا رُؤْيَةُ بَعْضِ الحَوارِيِّينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الصَّلْبِ فَهو مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ فَإنَّ لِلْقِدِّسِيِّينَ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ في هَذا العالَمِ، وإنْ رُفِعَتْ أرْواحُهم إلى المَحَلِّ الأسْنى، وقَدْ وقَعَ التَّطَوُّرُ لِكَثِيرٍ مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحِكاياتُهم في ذَلِكَ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَدْبِيراتُهُ سُبْحانَهُ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلْقاءُ الشَّبَهِ عَلى مَن ألْقاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا

النساء 4:158

﴿وقَوْلِهِمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّبَجُّحِ. ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ذَكَرُوهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، فَغُيِّرَ في الحِكايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مِنهُ؛ مَدْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةَ وقاحَتِهِمْ في تَبَجُّحِهِمْ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَهُوذا رَأْسَ اليَهُودِ، فَخافَ فَجَمَعَ اليَهُودَ، فاتَّفَقُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأدْخَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بَيْتًا، ورَفَعَهُ مِنهُ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طِيطانُوسُ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وأبْطَأ عَلَيْهِمْ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا خَرَجَ قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في خَبَرٍ طَوِيلٍ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: «أتى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لِيَبْرُزْ لَنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أنا عِيسى، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ورَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ». وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ الحَوارِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ غَيْرُ وهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ عَلى جَمِيعِهِمْ، بَلْ قالُوا: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى واحِدٍ، ورُفِعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِهِمْ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ وهْبٍ، وقالَ: إنَّهُ الأشْبَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ أخَذُوا إنْسانًا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ، ولَمْ يُمَكِّنُوا أحَدًا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَتَغَيَّرَتْ حِلْيَتُهُ، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا عِيسى لِيُوهِمُوا بِذَلِكَ عَلى عَوامِّهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا أحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا دَخَلُوهُ ولَمْ يَجِدُوهُ فَخافُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِ اليَهُودِ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الحَوارِيِّينَ يُنافِقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، وأخَذَ عَلى ذَلِكَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرُفِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ وقَعَ لَهم تَشْبِيهٌ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن صُلِبَ، أوْ في الأمْرِ - عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ - أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (إنّا قَتَلْنا) أيْ: (شُبِّهَ لَهُمْ) مَن قَتَلُوهُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ، و(شُبِّهَ) مِنَ الشُّبْهَةِ، أيِ: التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِناءً عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ولَيْسَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ صفحة 11 الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟! وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟! وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وقالَتِ النَّصارى الَّذِينَ يَدَّعُونَ رُبُوبِيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ، ولِهَذا لا يَعُدُّونَ القَتْلَ نَقِيصَةً حَيْثُ لَمْ يُضِيفُوهُ إلى اللّاهُوتِ، ويَرُدُّ هَؤُلاءِ إنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عِنْدَ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ المَسِيحَ قَدْ صارَ بِالِاتِّحادِ طَبِيعَةً واحِدَةً، إذِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ لَمْ يَبْقَ فِيها ناسُوتٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ لاهُوتٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يُقالُ: ماتَ ولَمْ يَمُتْ، وأُهِينَ ولَمْ يُهَنْ. وأمّا الرُّومُ القائِلُونَ بِأنَّ المَسِيحَ بَعْدَ الِاتِّحادِ باقٍ عَلى طَبِيعَتَيْنِ فَيُقالُ لَهُمْ: فَهَلْ فارَقَ اللّاهُوتُ ناسُوتَهُ عِنْدَ القَتْلِ؟ فَإنْ قالُوا: فارَقَهُ، فَقَدْ أبْطَلُوا دِينَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ المَسِيحُ الرُّبُوبِيَّةَ عِنْدَهم إلّا بِالِاتِّحادِ، وإنْ قالُوا: لَمْ يُفارِقْهُ فَقَدِ التَزَمُوا ما ورَدَ عَلى اليَعْقُوبِيَّةِ، وهو قَتْلُ اللّاهُوتِ مَعَ النّاسُوتِ، وإنْ فَسَّرُوا الِاتِّحادَ بِالتَّدَرُّعِ، وهو أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ مَسْكَنًا وبَيْتًا ثُمَّ فارَقَهُ عِنْدَ وُرُودِ ما ورَدَ عَلى النّاسُوتِ أبْطَلُوا إلَهِيَّتَهُ في تِلْكَ الحالَةِ، وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أُهِينَ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إثْباتِ النَّقِيصَةِ، إذْ لَمْ يَأْنَفِ اللّاهُوتُ لِمَسْكَنِهِ أنَّ تَنالَهُ هَذِهِ النَّقائِصُ، فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى نَفْيِها فَقَدْ أساءَ مُجاوَرَتَهُ ورَضِيَ بِنَقِيصَتِهِ، وذَلِكَ عائِدٌ بِالنَّقْصِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنْ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ إلْقاءَ الشَّبَهِ، ويَقُولُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إضْلالُ، ورَدُّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، ويُكْفى في إثْباتِهِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لَزِمَ تَكْذِيبُ المَسِيحِ، وإبْطالُ نُبُوَّتِهِ، بَلْ وسائِرُ النُّبُوّاتِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم في الفَصْلِ: إنَّ المَصْلُوبَ قالَ: إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي، وهو يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضا، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ شَكى العَطَشَ وطَلَبَ الماءَ، والإنْجِيلُ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم فِيهِ - إنْ صَحَّ - مِمّا يُنادِي عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشَّبَهُ كَما لا يَخْفى. فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى جَمِيعًا ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: لَفي تَرَدُّدٍ، وأصْلُ الشَّكِّ أنْ يُسْتَعْمَلَ في تَساوِي الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّرَدُّدُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا أكَّدَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ الشّامِلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ. وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ، والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، وما قِيلَ: إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنَ العِلْمِ قَطْعًا فَلا يُتَصَوَّرُ اتِّصالُهُ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ مَن قالَ بِهِ جَعَلَهُ بِمَعْنى الظَّنِّ المُتَّبَعِ ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: ما قَتَلُوهُ قَتْلًا يَقِينًا، أوْ مُتَيَقِّنِينَ، ولا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ القَتْلِ المُتَيَقَّنِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ القَتْلِ المَشْكُوكِ؛ لِأنَّهُ لِنَفْيِ القَيْدِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ قُتِلَ في ظَنِّهِمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ جَعْلِ (يَقِينًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: وما قَتَلُوا العِلْمَ (يَقِينًا) مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ، وقَتَلْتُ كَذا عِلْمًا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وهو مَجازٌ كَما في الأساسِ، والمَعْنى: ما عَلِمُوهُ يَقِينًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلظَّنِّ، أيْ: ما قَطَعُوا الظَّنَّ يَقِينًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والسُّدِّيِّ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ (يَقِينًا) صفحة 12 مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: بَلْ رَفَعَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ (يَقِينًا) ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ بَلْ فِيما قَبْلَها، والكَلامُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي حَيّانَ أيْ: إلى سَمائِهِ، قالَ: وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَدِيثِ المِعْراجِ، وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَمْلَؤُها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تَمامَها مِن سِنِّ رَفْعِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ويَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ، ويُدْفَنُ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ، وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا، وهَذا الرَّفْعُ عَلى المُخْتارِ كانَ قَبْلَ صَلْبِ الشَّبَهِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا ما يُؤَيِّدُهُ. وأمّا رُؤْيَةُ بَعْضِ الحَوارِيِّينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الصَّلْبِ فَهو مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ فَإنَّ لِلْقِدِّسِيِّينَ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ في هَذا العالَمِ، وإنْ رُفِعَتْ أرْواحُهم إلى المَحَلِّ الأسْنى، وقَدْ وقَعَ التَّطَوُّرُ لِكَثِيرٍ مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحِكاياتُهم في ذَلِكَ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَدْبِيراتُهُ سُبْحانَهُ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلْقاءُ الشَّبَهِ عَلى مَن ألْقاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا

النساء 4:159

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودِ خاصَّةً، كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – أوْ هم والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و(إنْ) نافِيَةٌ بِمَعْنى ما، وفي الجارِّ والمَجْرُورِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، والقَسَمُ مَعَ جَوابِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ القَسَمَ إنْشاءٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالخَبَرِ جَوابُهُ، وهو خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ جَوابِ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ جَوابًا، فَلا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ لَهُ مَحَلٌّ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، لَوْ سُلِّمَ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ هو المَجْمُوعَ، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا واللَّهِ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، والثّانِي أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ صِفَةٌ لَهُ لا خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ كائِنٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ومَعْناهُ: كُلُّ رَجُلٍ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو كَلامٌ مُفِيدٌ، فالِاعْتِراضُ عَلى هَذا الوَجْهِ - بِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والجارِّ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ – لا يُفِيدُ؛ لِحُصُولِ الفائِدَةِ بِلا رَيْبٍ، نَعَمِ، المَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كُلُّ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ المَقْصُودُ، وأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةً، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْصافِ، وأهْلُ الكُوفَةِ يُقَدِّرُونَ مَوْصُولًا بَعْدَ إلّا، وأهْلُ البَصْرَةِ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ وإبْقاءَ صِلَتِهِ، والضَّمِيرُ الثّانِي راجِعٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، أعْنِي (أحَدٌ) والأوَّلُ لِعِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. فَمُفادُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يُؤْمِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولُهُ، ولا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ - لِكَوْنِهِ مُلْحَقًا بِالبَرْزَخِ لِما أنَّهُ يَنْكَشِفُ عِنْدَهُ لِكُلٍّ الحَقُّ - يَنْقَطِعُ فِيهِ التَّكْلِيفُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ أُبَيٌّ (لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ، وعَوْدُ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِـ(أحَدٌ) ظاهِرٌ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وعُودُهُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ ظاهِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ كَذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ إنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ في الهَواءِ، فَقِيلَ: أرَأيْتَ إنْ ضُرِبَ عُنُقُهُ؟ قالَ: يَتَلَجْلَجُ بِها لِسانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ - أيْضًا - عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ لِي الحَجّاجُ: يا شَهْرُ، آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى صفحة 13 ما قَرَأْتُها إلّا اعْتَرَضَ في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ) وإنِّي أُوتى بِالأُسارى فَأضْرِبُ أعْناقَهم ولا أسْمَعُهم يَقُولُونَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: رُفِعَتْ إلَيْكَ عَلى غَيْرِ وجْهِها، إنَّ النَّصْرانِيُّ إذا خَرَجَتْ رُوحُهُ، أيْ: إذا قَرُبَ خُرُوجُها - كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوايَةٌ أُخْرى عَنْهُ - ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ ومِن دُبُرِهِ، وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ، وأنَّ اليَهُودِيَّ إذا خَرَجَتْ نَفْسُهُ ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ ودُبُرِهِ وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّكَ قَتَلْتَهُ عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، فَإذا كانَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى آمَنَتْ بِهِ أحْياؤُهُمْ، كَما آمَنَتْ بِهِ مَوْتاهُمْ، فَقالَ: مِن أيْنَ أخَذْتَها؟ فَقُلْتُ: مِن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن مَعْدِنِها، قالَ شَهْرٌ: وايْمُ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثَنِيهُ إلّا أُمُّ سَلَمَةَ، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ أنْ أغِيظَهُ. والإخْبارُ بِحالِهِمْ هَذِهِ وعِيدٌ لَهم وتَحْرِيضٌ إلى المُسارَعَةِ إلى الإيمانِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَضْطَرُّوا إلَيْهِ مَعَ انْتِفاءِ جَدْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – أيْضًا، وأبِي مالِكٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرانِيُّ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، وتَكُونُ الأدْيانُ كُلُّها دِينًا واحِدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَمْحُو الصَّلِيبَ، وتُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطِي المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ فَيَحُجُّ مِنها أوْ يَعْتَمِرُ أوْ يَجْمَعُها» قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – ( ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ )». وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ، ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذِكْرٌ هُنا، ولا ضَرُورَةَ تُوجِبُ رَدَّ الكِنايَةِ إلَيْهِ لا أنَّهُ - كَما زَعَمَ الطَّبَرِيُّ - لَوْ كانَ صَحِيحًا لَما جازَ إجْراءُ أحْكامِ الكُفّارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإيمانَ إنَّما هو في حالِ زَوالِ التَّكْلِيفِ فَلا يُعْتَدُّ بِهِ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ﴾ أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلِ الكِتابِ ﴿شَهِيدًا﴾ فَيَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، وعَلى النَّصارى بِقَوْلِهِمْ فِيهِ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(شَهِيدًا) وتَقْدِيمُهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ كانَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقْدِيمُ عامِلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ العامِلَ فِيهِ (يَكُونُ).

النساء 4:160

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ إيذانٌ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْياءِ والنَّظائِرِ صادِرٍ عَنْهم ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا، فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ، ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ، وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في (الأنْعامِ) مُفَصَّلًا. صفحة 14 واسْتُشْكِلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ في التَّوْراةِ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ كُفْرٌ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، وقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ التَّحْرِيمِ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الظُّلْمِ وجَعْلِهِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ بَيانًا لَهُ وهو - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - لِدَفْعِ ما يُقالُ: إنَّ العَطْفَ عَلى المَعْمُولِ المُتَقَدِّمِ يُنافِي الحَصْرَ، ومَن جَعَلَ الظُّلْمَ بِمَعْناهُ، وجَعَلَ (بِصَدِّهِمْ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ تَخْصِيصُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّهُ مُنافٍ لِلْحَصْرِ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ، كَما إذا قُلْتَ: بِذَنْبٍ ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسُوءِ أدَبِهِ، فَإنَّ المُرادَ فِيهِ: لا بِغَيْرِ ذَنَبٍ، وكَذا خَصَّصُوا ذَلِكَ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الحَصْرُ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ التَّقْدِيمِ، وأُعِيدَتِ الباءُ هُنا ولَمْ تُعَدْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَيْثُ فُصِلَ بِمَعْمُولِهِ لَمْ تُعَدْ، وجُمْلَةُ (وقَدْ نُهُوا) حالِيَّةٌ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإلّا لَما تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ عَلى مُخالَفَتِهِ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ. وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عامًّا لِلظّالِمِ وغَيْرِهِ، وأنَّهُ مِن بابِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ دُونَ العَذابِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: (لِلْكافِرِينَ) دُونَ (لَهُمْ) وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ أيْضًا، فَتَدَبَّرْ.

النساء 4:161

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ إيذانٌ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْياءِ والنَّظائِرِ صادِرٍ عَنْهم ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا، فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ، ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ، وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في (الأنْعامِ) مُفَصَّلًا. صفحة 14 واسْتُشْكِلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ في التَّوْراةِ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ كُفْرٌ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، وقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ التَّحْرِيمِ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الظُّلْمِ وجَعْلِهِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ بَيانًا لَهُ وهو - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - لِدَفْعِ ما يُقالُ: إنَّ العَطْفَ عَلى المَعْمُولِ المُتَقَدِّمِ يُنافِي الحَصْرَ، ومَن جَعَلَ الظُّلْمَ بِمَعْناهُ، وجَعَلَ (بِصَدِّهِمْ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ تَخْصِيصُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّهُ مُنافٍ لِلْحَصْرِ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ، كَما إذا قُلْتَ: بِذَنْبٍ ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسُوءِ أدَبِهِ، فَإنَّ المُرادَ فِيهِ: لا بِغَيْرِ ذَنَبٍ، وكَذا خَصَّصُوا ذَلِكَ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الحَصْرُ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ التَّقْدِيمِ، وأُعِيدَتِ الباءُ هُنا ولَمْ تُعَدْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَيْثُ فُصِلَ بِمَعْمُولِهِ لَمْ تُعَدْ، وجُمْلَةُ (وقَدْ نُهُوا) حالِيَّةٌ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإلّا لَما تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ عَلى مُخالَفَتِهِ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ. وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عامًّا لِلظّالِمِ وغَيْرِهِ، وأنَّهُ مِن بابِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ دُونَ العَذابِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: (لِلْكافِرِينَ) دُونَ (لَهُمْ) وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ أيْضًا، فَتَدَبَّرْ.

النساء 4:162

﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وأعْتَدْنا) إلَخْ، وبَيانٌ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ عَلى خِلافِ حالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا و(مِنهُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: لَكِنِ الثّابِتُونَ المُتْقِنُونَ مِنهم في العِلْمِ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ غَيْرُ التّابِعِينَ لِلظَّنِّ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأُسَيْدٌ، وثَعْلَبَةُ وأضْرابُهُمْ، وفي المَذْكُورِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ، كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِنهُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وقَدْ وُصِفُوا بِالإيمانِ بَعْدَما وُصِفُوا بِما يُوجِبُهُ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ تَنْزِيلًا لِلِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ حالٌ مِنَ (المُؤْمِنُونَ) مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ، وقِيلَ: اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ وسائِرُ البَصْرِيِّينَ: نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وطَعَنَ فِيهِ الكِسائِيُّ بِأنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَبَرَ سَيَأْتِي، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ قَوْمٍ مَنعَ نَصْبِهِ عَلى القَطْعِ مِن أجْلِ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ في العَطْفِ، وإنَّما يَكُونُ في النُّعُوتِ، ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذا مِن بابِ القَطْعِ في العَطْفِ تَمَسَّكَ بِما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْقَطْعِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ: ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِي وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى (ما أُنْزِلَ إلَيْكَ) عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. صفحة 15 قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ عَلى هَذا أداؤُها، بَلِ إظْهارُها بَيْنَ النّاسِ وتَشْرِيعُها؛ لِيَكُونَ وصْفًا خاصًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقِيمِينَ المَلائِكَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: وبِدِينِ المُقِيمِينَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ضَمِيرِ (مِنهُمْ)، وقِيلَ ضَمِيرِ (إلَيْكَ)، وقِيلَ: ضَمِيرِ (قَبْلِكَ). والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ لِما فِيها مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الأشْبَهَ نَصْبُهُ عَلى التَّوَهُّمِ لِكَوْنِ السّابِقِ مَقامَ (لَكِنَّ) المُثَقَّلَةِ وُضِعَ مَوْضِعَها (لَكِنِ) المُخَفَّفَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وبِالجُمْلَةِ لا يُلْتَفَتُ إلى مَن زَعَمَ أنَّ هَذا مِن لَحْنِ القُرْآنِ، وأنَّ الصَّوابَ (والمُقِيمُونَ) بِالواوِ كَما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، إذْ لا كَلامَ في نَقْلِ النَّظْمِ تَواتُرًا فَلا يَجُوزُ اللَّحْنُ فِيهِ أصْلًا. وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ إلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، ولَوْ كانَ المُمْلِي مِن هُذَيْلٍ والكاتِبُ مِن قُرَيْشٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا، فَقَدَ قالَ السَّخاوِيُّ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، والإسْنادُ فِيهِ اضْطِرابٌ وانْقِطاعٌ؛ فَإنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - جَعَلَ لِلنّاسِ إمامًا يَقْتَدُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرى فِيهِ لَحْنًا ويَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها؟! وقَدْ كَتَبَ عِدَّةَ مَصاحِفَ ولَيْسَ فِيها اخْتِلافٌ أصْلًا إلّا فِيما هو مِن وُجُوهِ القِراءاتِ، وإذا لَمْ يُقِمْهُ هو ومَن باشَرَ الجَمْعَ وهم هم كَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ؟! وتَأوَّلَ قَوْمٌ اللَّحْنَ في كَلامِهِ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - بِأنَّ المُرادَ الرَّمْزُ والإيماءُ كَما في قَوْلِهِ: مَنطِقٌ رائِعٌ وتَلْحَنُ أحْيا ∗∗∗ نًا وخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنا أيِ المُرادُ بِهِ الرَّمْزُ بِحَذْفِ بَعْضِ الحُرُوفِ خَطًّا كَألِفِ الصّابِرِينَ مِمّا يَعْرِفُهُ القُرّاءُ إذا رَأوْهُ، وكَذا زِيادَةُ بَعْضِ الحُرُوفِ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُقِيمِينَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، ويَنْزِلُ أيْضًا التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، والعَطْفُ عَلى ضَمِيرِ (يُؤْمِنُونَ) لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالكُلِّ مُؤْمِنُوا أهْلِ الكِتابِ، وُصِفُوا أوَّلًا بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في عِلْمِ الكِتابِ، لا يَعْتَرِضُهم شَكٌّ، ولا تُزَلْزِلُهم شُبْهَةٌ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ، وأنَّ مَن عَداهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ، بَلْ هم كَرِيشَةٍ في بَيْداءِ الضَّلالِ تُقَلِّبُهم زَعازِعُ الشُّكُوكِ والأوْهامِ، ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِنَ الكِتابِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ عامِلِينَ بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ، واكْتُفِيَ مِن بَيْنِها بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِسائِرِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ. ولِما أنَّ في إقامَةِ الصَّلاةِ عَلى وجْهِها انْتِصابًا بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - وانْقِطاعًا عَنِ السِّوى وتَوَجُّهًا إلى المَوْلى كُسِيَ المُقِيمِينَ حُلَّةَ النَّصْبِ؛ لِيُهَوَّنَ عَلَيْهِمُ النَّصْبُ وقَطْعُهم عَنِ التَّبَعِيَّةِ، فَيا ما أُحَيْلى قَطْعٌ يُشِيرُ إلى الِاتِّصالِ بِأعْلى الرُّتَبِ. ثُمَّ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ تَحْقِيقًا لِحِيازَتِهِمُ الإيمانَ بِقُطْرَيْهِ، وإحاطَتِهِمْ بِهِ مِن طَرَفَيْهِ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ مَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِنهُما حَقِيقَةً؛ لِأنَّهم قَدْ مَزَجُوا الشَّهْدَ سُمًّا وغَدُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ الصِّرْفِ عُمْيًا وصُمًّا ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ، المُحْكَمَةِ البُنْيانِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو صفحة 16 الرّاسِخُونَ، والسِّينُ لِتَوْكِيدِ الوَعْدِ كَما قَدَّمْنا، وتَنْكِيرُ الأجْرِ لِلتَّفْحِيمِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ، حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ، ووُعِدَ الآخِرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ. وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كَوْنَ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ جُمْلَةَ (يُؤْمِنُونَ) وحَمَلَ المُؤْمِنِينَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِمَّنْ عَدا أهْلَ الكِتابِ، والمُناسَبَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ تامَّةٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الِاسْتِدْراكَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: (يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ) الآيَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْألُونَكَ ما يَسْألُكَ هَؤُلاءِ الجُهّالُ مِن إنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا صِدْقَ قَوْلِكَ فِيما قَرَءُوا مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووُجُوبَ اتِّباعِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا حاجَةَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوكَ مُعْجِزَةً أُخْرى؛ إذْ قَدْ عَلِمُوا مِن أمْرِكَ بِالعِلْمِ الرّاسِخِ في قُلُوبِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ. ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وتَجاوُبُ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ أتَمُّ مِنهُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُؤْتِيهِمْ) بِالياءِ مُراعاةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

النساء 4:163

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ كَشَأْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِينَ لا رَيْبَ في نُبُوَّتِهِمْ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (الرّاسِخُونَ في العِلْمِ). وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ سُكَيْنٌ، وعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيحاءً مِثْلَ إيحائِنا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ حالٌ مِن ذَلِكَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مُعَرَّفًا، كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: إنّا أوْحَيْنا الإيحاءَ مُشَبَّهًا بِإيحائِنا إلَخْ، و(ما) في الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، فَيَكُونُ الكافُ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلى نُوحٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، و(مِن بَعْدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أوْحَيْنا) ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ (النَّبِيِّينَ) لِأنَّ ظُرُوفَ الزَّمانِ لا تَكُونُ أحْوالًا لِلْجُثَثِ. وبَدَأ سُبْحانَهُ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدًا لَهُمْ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، وتُعُقِّبَ بِالمَنعِ، وقِيلَ: لِمُشابَهَتِهِ بِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في عُمُومِ الدَّعْوَةِ لِجَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ؛ لِأنَّ عُمُومَ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اتِّفاقِيٌّ لا قَصْدِيٌّ، وعُمُومُ الفَرْقِ - عَلى القَوْلِ بِهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ - لَيْسَ قَطْعِيَّ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى. ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ عَطْفٌ عَلى (أوْحَيْنا إلى نُوحٍ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، أيْ: كَما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَشْهُورِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الأسْباطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبائِلِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقَدْ بُعِثَ مِنهم عِدَّةُ رُسُلٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ سُبْحانَهُ بِالوَحْيِ إلَيْهِمُ الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ مِنهُمْ، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ إلى بَنِي تَمِيمٍ، وتُرِيدُ: أرْسَلْتُ إلى وُجُوهِهِمْ. ولَمْ يَصِحَّ أنَّ الأسْباطَ الَّذِينَ هم أُخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أنْبِياءَ، بَلِ الَّذِي صَحَّ عِنْدِي - وألَّفَ فِيهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً - خِلافُهُ ﴿وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ ذُكِرُوا مَعَ ظُهُورِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ النَّبِيِّينَ؛ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِفَضْلِهِمْ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ الإيحاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم طائِفَةٌ خاصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوَحْيِ. وبُدِأ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ بَعْدَ التَّكْرِيرِ صفحة 17 لِمَزِيدِ شَرَفِهِ؛ ولِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما نَصَّ عَلَيْهِ الأجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ، وقُدِّمَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَن بَعْدَهُ؛ تَحْقِيقًا لِنَبُّوتِهِ وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، وقِيلَ: لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِواحِدٍ مِن أُولِي العَزْمِ بَعْدَ تَغَيُّرِ صِفَةِ المُتَعاطِفاتِ إفْرادًا وجَمْعًا. وكُلُّ هَذِهِ الأسْماءِ - عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ - أعْجَمِيَّةٌ إلّا الأسْباطَ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَعْرُوفٌ، وفي (يُونُسَ) لُغاتٌ، أفْصَحُها ضَمُّ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ويَجُوزُ فَتْحُها وكَسْرُها مَعَ الهَمْزِ وتَرْكِهِ. ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى أوْحَيْنا، داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ إيتاءَ الزَّبُورِ مِن بابِ الإيحاءِ، وكَما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًا - وإيثارُهُ عَلى (أوْحَيْنا) إلى داوُدَ - لِتَحَقُّقِ المُماثَلَةِ في أمْرٍ خاصٍّ - وهو إيتاءُ الكِتابِ - بَعْدَ تَحَقُّقِها في مُطْلَقِ الإيحاءِ، والزَّبُورُ بِفَتْحِ الزّايِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ (زُبُورًا) بِضَمٍّ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ، وهو جَمْعُ (زِبْرٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ، أيْ: مَكْتُوبٍ أوْ (زَبْرٍ) بِالفَتْحِ والسُّكُونِ، كَفَلْسٍ وفُلُوسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ والجُلُوسِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، وعَلى العِلّاتِ جُعِلَ اسْمًا لِلْكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ إنْزالُهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مُنَجَّمًا، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الإلْزامُ. وكانَ فِيهِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً، لَيْسَ فِيها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، والتَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ، والثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ.

النساء 4:164

﴿ورُسُلا﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلًا، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (أوْحَيْنا) السّابِقُ لِاسْتِلْزامِهِ الإرْسالَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: القَرِينَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ لا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ(قَصَصْنا) بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ: قَصَصْنا أخْبارَ رُسُلٍ، ولا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ وإلى رُسُلٍ - كَما قِيلَ - لِخُلُوِّهِ عَمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَحْقِيقِ المُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ شُئُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في مُطْلَقِ الإيحاءِ، ثُمَّ في إيتاءِ الكِتابِ، ثُمَّ في الإرْسالِ، فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) مُنْتَظِمٌ لِمَعْنى (آتَيْناكَ) و(أرْسَلْناكَ) حَتْمًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى فُلانٍ وفُلانٍ، وآتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا فَلانًا، وأرْسَلْناكَ مِثْلَ ما أرْسَلْنا الرُّسُلَ الَّذِينَ قَصَصْناهُمُ وغَيْرَهُمْ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في حَقِيقَةِ الإيحاءِ والإرْسالِ، فَما لِلْفِكْرَةِ يَسْألُونَكَ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟! ومَعْنى قَصُّهم عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِكايَةُ أخْبارِهِمْ لَهُ، وتَعْرِيفُ شَأْنِهِمْ وأُمُورِهِمْ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، أوِ اليَوْمِ، قِيلَ: قَصَّهم عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ في سُورَةِ (الأنْعامِ) وغَيْرِها، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَصَّهم سُبْحانَهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالوَحْيِ في غَيْرِ القُرْآنِ، ثُمَّ قَصَّهم عَلَيْهِ بَعْدُ في القُرْآنِ ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ، فَلا تُنافِي الآيَةُ ما ورَدَ في الخَبَرِ مِن «أنَّ الرُّسُلَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، والأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا»، وعَنْ كَعْبٍ «أنَّهم ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا»؛ لِأنَّ نَفْيَ قَصِّهِمْ مِن قَبْلُ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ قَصِّهِمْ مُطْلَقًا، فَإنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَصَّهم عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدُ فَعَلِمَهُمْ، فَأخْبَرَ بِما أخْبَرَ عَلى أنَّ القَبِيلَةَ تُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ في القابِلِ؛ لِأنَّ (لَمْ) في المَشْهُورِ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ تَقْلِبُ مَعْناهُ لِلْمُضِيِّ، عَلى أنَّ القَصَّ ذِكْرُ الأخْبارِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذِكْرِ أخْبارِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَفْيُ ذِكْرِ عَدِّهِمْ مُجَرَّدًا مِن ذِكْرِ الأخْبارِ والقَصَصِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبارَهم أصْلًا، لَكِنْ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم كَذا رَجُلًا، فانْدَفَعَ ما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُعاصِرِينَ مِن أنَّ الآيَةَ نَصٌّ في عَدَمِ عِلْمِهِ - وحاشاهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 18 عِدَّةَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَأْخُذُ بِها ويَرُدُّ الحَدِيثَ، وكَأنَّ الَّذِي أوْقَعَهُ في الوَهْمِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، والأوْلى أنْ لا يُقْتَصَرَ عَلى عَدَدِ الآيَةِ، فَأخْطَأ في الفَهْمِ، وماتَ في رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ. ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى﴾ بِرَفْعِ الجَلالَةِ، ونَصْبِ مُوسى، وعَنْ إبْراهِيمَ، ويَحْيى بْنِ وثّابً أنَّهُما قَرَآ عَلى القَلْبِ. ﴿تَكْلِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ رافِعٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ - عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ - ونَظَرَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ فَيَرْفَعُ المَجازَ عَنْهُ، وأمّا رَفْعُهُ المَجازَ عَنِ الإسْنادِ بِأنْ يَكُونَ المُكَلِّمُ رُسُلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، كَما يُقالُ: قالَ الخَلِيفَةُ كَذا إذا قالَهُ وزِيرُهُ فَلا، مَعَ أنَّهُ أكَّدَ الفِعْلَ، والمُرادُ بِهِ مَعْنًى مَجازِيٌّ، كَقَوْلِ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ في زَوْجِها رَوْحِ بْنِ زِنْباعٍ وزِيرِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: بَكى الخَزُّ مِن رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامِ المَطارِفِ فَأكَّدَتْ عَجَّتْ مَعَ أنَّهُ مَجازٌ؛ لِأنَّ الثِّيابَ لا تَعِجُّ، وما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ مِن أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بَأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ لا يَفِي بِالمَقْصُودِ؛ إذْ نِهايَةُ ما فِيهِ رَفْعُ المَجازِ عَنِ الفِعْلِ في هَذِهِ المادَّةِ، ولا تَعَرُّضَ لَهُ لِرَفْعِ المَجازِ عَنِ الإسْنادِ، فَلِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: التَّكْلِيمُ حَقِيقَةٌ، إلّا أنَّ إسْنادَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مُجازٌ، ولا تَقُومُ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِ إلّا بِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِمال، نَعَمْ، إنَّها ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ. والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، لا عَلى (آتَيْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وإمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ، والمَعْنى أنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ وأعْلاها، وقَدْ خُصَّ بِهِ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ اعْتَرَفْتُمْ بِنُبُوَّتِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِمْ أصْلًا، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّ نُزُولَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ جُمْلَةً قادِحٌ في نُبُوَّةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ مُفَصَّلًا مَعَ ظُهُورِ حِكْمَةِ ذَلِكَ؟! هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ كَيْفِيَّةُ سَماعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِكَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -وقَدْ وقَعَ التَّكْلِيمُ أيْضًا لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الإسْراءِ مَعَ زِيادَةِ رِفْعَةٍ، بَلْ ما مِن مُعْجِزَةٍ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا لِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِثْلُها مَعَ زِيادَةِ شَرَفٍ لَهُ، شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى، بَلْ ما مِن ذَرَّةِ نُورٍ شَعَّتْ في العالِمِينَ إلّا تَصَدَّقَتْ بِها شَمْسُ ذاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ دَرُّ البُوصِيرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: وكَّلَ آيٍّ أتى الرُّسُلُ الكِرامُ بِها ∗∗∗ فَإنَّما اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمُ فَصَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

النساء 4:165

﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أوْ بِإضْمارِ (أرْسَلْنا) أوْ عَلى الحالِ مِن (رُسُلًا) الَّذِي قَبْلَهُ، أوْ ضَمِيرِهِ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ، والمَقْصُودُ وصْفُها، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وذِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رُسُلًا) الأوَّلِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اتِّحادَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ لَفْظًا بَعِيدٌ، وإنْ كانَ المُعْتَمَدُ بِالبَدَلِيَّةِ الوَصْفَ، أيْ: (مُبَشِّرِينَ) مَن آمَنَ وأطاعَ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ (ومُنْذِرِينَ) مَن كَفَرَ وعَصى بِالنّارِ والعِقابِ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أيْ: مَعْذِرَةً يَعْتَذِرُونَ بِها قائِلِينَ: (لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا) فَيُبَيِّنُ لَنا شَرائِعَكَ ويُعَلِّمُنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ مِن أحْكامِكَ لِقُصُورِ القُوى البَشَرِيَّةِ عَنْ إدْراكِ جُزَيْئاتِ المَصالِحِ، وعَجْزِ أكْثَرِ النّاسِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الشَّرْعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وأنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ. وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ العَقْلَ كافٍ، وأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ إنَّما هو لِلتَّنْبِيهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ، الَّتِي تَعْتَرِي الإنْسانَ مِن دُونِ اخْتِيارٍ، فَمَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُمْ: لِئَلّا يَبْقى لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، وسَيَأْتِي صفحة 19 رَدُّ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ. وتَسْمِيَةُ ما يُقالُ عِنْدَ تُرْكِ الإرْسالِ حُجَّةً مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ (حُجَّةٌ) مَجازٌ، بِتَنْزِيلِ المَعْذِرَةِ في القَبُولِ عِنْدَهُ تَعالى بِمُقْتَضى كَرَمِهِ ولُطْفِهِ مَنزِلَةَ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، الَّتِي لا مَرَدَّ لَها، فَلا يَبْطُلُ قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ، بَلْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ بِمَن شاءَ ما شاءَ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرْسَلْنا) المُقَدَّرِ، أوْ بِـ(مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ) عَلى التَّنازُعِ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِما يَدُلّانِ عَلَيْهِ، و(حُجَّةٌ) اسْمُ كانَ وخَبَرُها لِلنّاسِ، و(عَلى اللَّهِ) حالٌ مِن (حُجَّةٌ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عَلى اللَّهِ) و(لِلنّاسِ) حالٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى بِـ(حُجَّةٌ)؛ لِأنَّها مَصْدَرٌ ومَعْمُولُهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَهُ في الظَّرْفِ جَوَّزَهُ هُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: بَعْدَ إرْسالِهِمْ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ظَرْفٌ لِـ(حُجَّةٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ يُوصَفُ بِهِ المَصادِرُ كَما يُخْبَرُ بِهِ عَنْها ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ في أمْرٍ يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ الِامْتِناعُ عَنْ إجابَةِ مَسْألَةِ المُتَعَنِّتِينَ، وقَطْعُ الحُجَّةِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَنَوُّعُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، والإعْجازُ. وقِيلَ: (عَزِيزًا) في عِقابِ الكُفّارِ (حَكِيمًا) في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ، كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ سَألُوا إنْزالَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:166

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ. وقَرَأ السُّلَيْمِيُّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وتَعَنَّتُوا، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ إلَخْ، قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ، (لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ). وحاصِلُ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُمُ الحُجَّةُ ويَشْهَدُوا لَكَ فاللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَبَّهَ الإيحاءَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيحاءِ إلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْهَمَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ مَزِيَّةَ الإيحاءِ إلَيْهِمْ، فاسْتُدْرِكَ عَنْهُ بِأنَّ لِلْإيحاءِ إلَيْكَ مَزِيَّةَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: بِحَقِّيَّةِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ وهو القُرْآنُ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَشْهَدُ) والباءُ صِلَةٌ، والمَشْهُودُ بِهِ هو الحَقِّيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِهِ هو النُّبُوَّةَ، وتَعَلَّقَ (بِما أنْزَلَ) تَعَلُّقَ الآلِيَّةِ، أيْ: يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ بِسَبَبِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ لِدَلالَتِهِ بِإعْجازِهِ عَلى صِدْقِكَ ونُبُوَّتِكَ، ولَعَلَّ مَآلَ المَعْنى ومُؤَدّاهُ واحِدٌ، فَإنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ بِحَقِّيَّةِ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ بِإظْهارِ المُعْجِزِ المَقْصُودِ مِنهُ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: «إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)». وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ، فَنَزَلَ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ). وقُرِئَ (أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ذُكِرَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبِ بَيانٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِأنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ إلَيْكَ؛ لِقِيامِكَ فِيهِ بِالحَقِّ، ودُعائِكَ النّاسَ إلَيْهِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِما عَلِمَ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ. والعِلْمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قِيلَ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والمُرادُ بِهِ التَّأْلِيفُ والنَّظْمُ المَخْصُوصُ، ولَيْسَ مِن جَعْلِ العِلْمِ صفحة 20 مَجازًا عَنْ ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ العِلْمُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ تَأْلِيفُهُ بَيانًا لِتَلَبُّسِهِ لا لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ صَحَّ، لَكِنْ فِيهِ تَجَوُّزٌ مِن جِهَةِ أنَّ التَّأْلِيفَ لَيْسَ نَفْسَ التَّلَبُّسِ بَلْ أثَرَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلِيَّةِ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ بِعِلْمِهِ إذا كانَ مُتْقِنًا وعَلى ما يَنْبَغِي، فَيَكُونُ وصْفًا لِلْقُرْآنِ بِكَمال الحُسْنِ والبَلاغَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ فالعِلْمُ بِمَعْناهُ، أوْ في الثّالِثِ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مُخْتَلِفٌ، وهو أنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ أوْ مَصالِحِ العِبادِ. وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُطْلَقًا أيْ: إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى الأوَّلِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ مَوْقِعُ التَّقْرِيرِ والبَيانِ لِلصِّلَةِ، وقِيلَ: إنَّها في الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ كالتَّفْسِيرِ لِـ(أنْزَلَ إلَيْكَ) لِأنَّها بَيانٌ لِإنْزالِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ فَقَدْ ضُمِّنَ العِلْمُ بِمَعْنى الرَّقِيبِ والحافِظِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، ويَكُونُ (أنْزَلَهُ) تَكْرِيرًا لِيَعْلَقَ بِهِ ما عَلَقَ، أوْ كَما قِيلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهم هَذا الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ لا مَساسَ لَهُ بِهَذا المَقامِ، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ القُرْآنِ بِحِفْظِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ المُشْعِرِ بِحِفْظِهِ أيْضًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ كالتَّفْسِيرِ لِلشَّهادَةِ أيْضًا، وقُرِئَ (نَزَّلَهُ) . ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيْضًا بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ سُبْحانَهُ في الشَّهادَةِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (أنْزَلَهُ) أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهم شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى صِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دَعْواهُ بِإتْيانِهِمْ لِإعانَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في القِتالِ ظاهِرِينَ، كَما كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وأيّا ما كانَ (فَيَشْهَدُونَ) مِنَ الشَّهادَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ مِنَ الشُّهُودِ لِلْحِفْظِ. ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى ما شَهِدَ بِهِ لَكَ، حَيْثُ نَصَبَ الدَّلِيلَ، وأوْضَحَ السَّبِيلَ، وأزالَ الشُّبَهَ، وبالَغَ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى شَهادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ. * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ ) أيْ: لا يُحِبُّ أنْ يَهْتِكَ العَبْدُ سِتْرَهُ إذا صَدَرَتْ مِنهُ هَفْوَةٌ، أوِ اتَّفَقَتْ مِنهُ كَبْوَةٌ ( ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ) أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظَلَمَتْهُ نَفْسُهُ بِرُسُوخِ المَلِكاتِ الخَبِيثَةِ فِيهِ؛ فَإنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِإظْهارِ ما فِيهِ مِن تِلْكَ المَلِكاتِ، وعَرْضِها عَلى أطِبّاءِ القُلُوبِ، لِيَصِفُوا لَهُ دَواءَها. وقِيلَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى إفْشاءَ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وإظْهارَ مَواهِبِ الأُلُوهِيَّةِ، أوْ كَشْفَ القِناعِ مِن مَكْنُوناتِ الغَيْبِ ومَصُوناتِ غَيْبِ الغَيْبِ ( ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ) بِغَلَباتِ الأحْوالِ، وتَعاقُبِ كُؤُوسِ الجَلالِ والجَمالِ، فاضْطُرَّ إلى المَقالِ، فَقالَ بِاللِّسانِ الباقِي لا بِاللِّسانِ الفانِي: أنا الحَقُّ وسُبْحانِي ما أعْظَمَ شَأْنِي، وفي تَسْمِيَةِ تِلْكَ الغَلَبَةِ ظُلْمًا خَفاءٌ لا يَخْفى. وفِي ظاهِرِ الآيَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَرْضى بِهَتْكِ السِّتْرِ إلّا مِنَ المَظْلُومِ، فَكَيْفَ يَرْضى سُبْحانَهُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَهْتِكَ سِتْرَ العاصِينَ ولَيْسُوا بِظالِمِيهِ جَلَّ جَلالُهُ؟! وإنَّما ظَلَمُوا أنْفُسَهم كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضِ﴾ ) هَؤُلاءِ قَوْمٌ احْتَجَبُوا بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، فَأنْكَرُوا الرُّسُلَ لِتَوَهُّمِهِمْ وحْدَةً مُنافِيَةً لِلْكَثْرَةِ، وجَمْعًا مُبايِنًا لِلتَّفْصِيلِ، ومِن هُنا عَطَّلُوا الشَّرائِعَ وأباحُوا المُحَرَّماتِ، وتَرَكُوا الصَّلَواتِ، ( ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ) الإيمانِ بِالكُلِّ جَمْعًا وتَفْصِيلًا والكُفْرِ بِالكُلِّ ( ﴿سَبِيلا﴾ ) أيْ: طَرِيقًا ( ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ) المَحْجُوبُونَ ( ﴿حَقًّا﴾ ) بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْرِفَتَهم وهْمٌ وغَلَطٌ، وتَوْحِيدَهم زَنْدَقَةٌ وضَلالٌ، ولَقَتْلُ واحِدٍ مِنهم أنْفَعُ مِن قَتْلِ صفحة 21 ألْفِ حَرْبِيٍّ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ. ( ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ المُؤْمِنُونَ جَمْعًا وتَفْصِيلًا، لا يَحْجُبُهم جَمْعٌ عَنْ تَفْصِيلٍ، ولا تَفْصِيلٌ عَنْ جَمْعٍ، كالسّادَةِ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ ( ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ) مِنَ الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) يَسْتُرُ ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ ( ﴿رَحِيمًا﴾ ) يَرْحَمُهم بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ. ( ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ ) أيْ: عِلْمًا يَقِينًا بِالمُكاشَفَةِ مِن سَماءِ الرُّوحِ ( ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ) أيْ: طَلَبُوا المُشاهَدَةَ، ولا شَكَّ أنَّها أكْبَرُ وأعْلى مِنَ المُكاشَفَةِ ( ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ) أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأنانِيَّةِ وأهْلَكَتِ اسْتِعْدادَهم بِظُلْمِهِمْ، وهو طَلَبُهُمُ المُشاهَدَةَ مَعَ بَقاءِ ذَواتِهِمْ ( ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ ) أيْ: عِجْلَ الشَّهَواتِ، الَّذِي صاغَهُ سامِرِيُّ النَّفْسِ الأمّارَةِ ( ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ) الرّادِعَةُ لَهم عَنْ ذَلِكَ ( ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ) وهو سُطُوعُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِهِ حَتّى احْتاجَ إلى أنْ يَسْتُرَ وجْهَهُ بِالبُرْقُعِ رَحْمَةً بِخَفافِيشِ أُمَّتِهِ ( ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ ) أيْ: جَعَلْناهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ( ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ ) أيْ: بِسَبَبِ أنْ يُعْطُوا المِيثاقَ، وأُشِيرَ بِالطُّورِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – أوْ إلى العَقْلِ، ورَفْعُهُ فَوْقَهم تَأْيِيدُهُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ﴾ ) أيْ: بابَ السَّيْرِ والسُّلُوكِ المُوصِلِ إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ، ومُلْكِ المُلُوكِ ( ﴿سُجَّدًا﴾ ) خُضَّعًا مُتَذَلِّلِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ ) أُشِيرَ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ القَوْمِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ - إلى اتِّصالِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعالَمِ العُلْوِيِّ عِنْدَ مُفارَقَتِهِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ، وذَلِكَ الرَّفْعُ عِنْدَهم إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ فَيَضانِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَوْحانِيَّةُ فَلَكِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِمَثابَةِ قَلْبِ العالَمِ، ولَمّا لَمْ يَصِلْ إلى الكَمالِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو دَرَجَةُ المَحَبَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ مَرَّةً أُخْرى في صُورَةٍ جَسَدانِيَّةٍ، يَتَّبِعُ المِلَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ لِنَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ العَلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ فَيُؤْمِنُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، أيْ: أهْلُ العِلْمِ العارِفِينَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، كُلُّهم عَنْ آخِرِهِمْ ( ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفَناءِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا آمَنُوا بِهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَوْمُ بُرُوزِهِمْ عَنِ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ، وانْتِباهِمْ عَنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ ( ﴿شَهِيدًا﴾ ) وذَلِكَ بِأنْ يَتَجَلّى الحَقُّ عَلَيْهِمْ في صُورَتِهِ. ( ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ) وهو عِبادَتُهم عِجْلَ الشَّهَواتِ، واتِّخاذُهُ إلَهًا، وامْتِناعُهم عَنْ دُخُولِ بابِ حَضِيرَةِ القُدْسِ، واعْتِدائُهم في السَّبْتِ بِمُخالَفَةِ الشَّرْعِ الَّذِي هو المَظْهَرُ الأعْظَمُ، والِاحْتِجابُ عَنْ كَشْفِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَقْضُهم مِيثاقَ اللَّهِ تَعالى، واحْتِجابُهم عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، الَّذِي هو كُفْرٌ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُساوِي: مُساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ ( ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ ) عَظِيمَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي ما في الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ) بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ لَوْلا هَذِهِ المَوانِعُ ( ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿كَثِيرًا﴾ ) أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ، ( ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ ) وهو فُضُولُ العِلْمِ الرَّسْمِيِّ الجَدَلِيِّ، الَّذِي هو كَشَجَرَةِ الخِلافِ لا ثَمَرَةَ لَهُ، كاللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ) لِما أنَّهُ الحِجابُ العَظِيمُ ( ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ ) أيِ اسْتِعْمالِ عُلُومِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ في تَحْصِيلِ الخَسائِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ أخْذِ ما في أيْدِي العِبادِ بِرَذِيلَةِ الحِرْصِ والطَّمَعِ. ( ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ ) المُسْتَقِيمُونَ في السَّماعِ الخاصِّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ مُعارِضَةِ النُّفُوسِ، واضْطِرابِ الأسْرارِ، ( ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ ) بِالإيمانِ العِيانِيِّ حالَ كَوْنِهِمْ ( ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ) مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ. صفحة 22 ( ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ ) عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ( ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ) بِبَذْلِ قَوامِهِمْ في أصْنافِ الطّاعَةِ ( ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ) أيْ: بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، والمُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ كَما قَدَّمْنا ( ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فِيما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَنّاتِ. ( ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ ) الآيَةَ، التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ) عَلى قَوْلِ: ( ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ اللُّطْفِ ( ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ القَهْرِ ( ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ) أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لَهم ظُهُورٌ وسَلْطَنَةٌ بَعْدَما مُحِيَ ذَلِكَ بِإمْدادِ الرُّسُلِ ( ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ ) فَيَمْحُو صِفاتِهِمْ، ويُفْنِي ذَواتِهِمْ ( ﴿حَكِيمًا﴾ ) فَيُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِ، ويُبْقِيهِمْ في ذاتِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ( ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ ) لِتَجَلِّيهِ فِيهِ سُبْحانَهُ ( ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ) أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، ومِن هَنا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ وما هو كائِنٌ ( ﴿والمَلائِكَةُ﴾ ) هم أصْحابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿يَشْهَدُونَ﴾ ) أيْضًا لِعَدَمِ احْتِجابِهِمْ ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) لِأنَّهُ الجامِعُ ولا مَوْجُودَ غَيْرُهُ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

النساء 4:167

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِبَيانِ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيهِمْ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ ( ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) أيْ: دِينِ الإسْلامِ مَن أرادَ سُلُوكَهُ بِإنْكارِهِمْ نَعْتَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَوْلِهِمْ: لا نَعْرِفُهُ في كِتابِنا، وأنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – لا تُنْسَخُ، وأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن أوْلادِ هارُونَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقُرِئَ ( صُدُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بِالكُفْرِ والصَّدِّ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أقْوى وأدْخَلَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ عَنِ الِانْقِلاعِ عَنْهُ.

النساء 4:168

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما ذُكِرَ آنِفًا ﴿وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ لَهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والمُرادُ أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وهَذا النَّوْعِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ، والآيَةُ في اليَهُودِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، وما قَبْلَها في اليَهُودِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ ما لَيْسَ بِكُفْرٍ مِن سائِرِ أنْواعِ الكَبائِرِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى مَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كانَ بَعْضُهم كافِرِينَ وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ كَبائِرَ ( ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُ أنَّ العُصاةَ مُخَلَّدُونَ في النّارِ تَخْلِيدَ الكُفّارِ، والآيَةُ تَنْبُو عَنْ هَذا المُعْتَقَدِ؛ فَإنَّهُ قَدْ جُعِلَ فِيها الفِعْلانِ كِلاهُما صِلَةً لِلْمَوْصُولِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِهِ، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ: الزَّيْدُونَ قامُوا، فَقَدْ أسْنَدْتَ القِيامَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ لَوْ عَطَفْتَ عَلَيْهِ فِعْلًا آخَرَ لَزِمَ فِيهِ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وسِياقُ الآيَةِ أيْضًا يَأْبى ذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ دَيْدَنُ المُعْتَزِلَةِ اتِّباعَ الهَوى فَلا يُبالُونَ بَأيِّ وادٍ وقَعُوا. ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ -: خَلْقُهُ سُبْحانَهُ لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ لَهم إلى جَهَنَّمَ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ، أوْ سُوقُهم إلى جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالهِدايَةِ تَهَكُّمٌ إنْ لَمْ يُرَدْ بِها مُطْلَقُ الدَّلالَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ، والِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلٌ صفحة 23 كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ. وجَوَّزَ السَّمِينُ أنْ يُرادَ بِالطَّرِيقِ شَيْءٌ مَخْصُوصٌ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَكُونُ بَعْدَ إيصالِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ولَوْ قُدِّرَ ( يُقِيمُونَ خالِدِينَ ) لَمْ يَلْتَئِمْ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ حالًا مُقَدَّرَةً بِأنَّ هَذا مِنَ الدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى جَهَنَّمَ، أوِ الدَّلالَةِ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُ إلَيْها، فَهو حالٌ عَنِ المَفْعُولِ بِاعْتِبارِ الإيصالِ لا الدَّلالَةِ، فَتَدَبَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، رافِعٌ احْتِمالَ أنْ يُرادَ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ: انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وطَرْحُهم في النّارِ إلى الأبَدِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.

النساء 4:169

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما ذُكِرَ آنِفًا ﴿وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ لَهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والمُرادُ أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وهَذا النَّوْعِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ، والآيَةُ في اليَهُودِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، وما قَبْلَها في اليَهُودِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ ما لَيْسَ بِكُفْرٍ مِن سائِرِ أنْواعِ الكَبائِرِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى مَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كانَ بَعْضُهم كافِرِينَ وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ كَبائِرَ ( ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُ أنَّ العُصاةَ مُخَلَّدُونَ في النّارِ تَخْلِيدَ الكُفّارِ، والآيَةُ تَنْبُو عَنْ هَذا المُعْتَقَدِ؛ فَإنَّهُ قَدْ جُعِلَ فِيها الفِعْلانِ كِلاهُما صِلَةً لِلْمَوْصُولِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِهِ، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ: الزَّيْدُونَ قامُوا، فَقَدْ أسْنَدْتَ القِيامَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ لَوْ عَطَفْتَ عَلَيْهِ فِعْلًا آخَرَ لَزِمَ فِيهِ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وسِياقُ الآيَةِ أيْضًا يَأْبى ذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ دَيْدَنُ المُعْتَزِلَةِ اتِّباعَ الهَوى فَلا يُبالُونَ بَأيِّ وادٍ وقَعُوا. ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ -: خَلْقُهُ سُبْحانَهُ لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ لَهم إلى جَهَنَّمَ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ، أوْ سُوقُهم إلى جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالهِدايَةِ تَهَكُّمٌ إنْ لَمْ يُرَدْ بِها مُطْلَقُ الدَّلالَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ، والِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلٌ صفحة 23 كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ. وجَوَّزَ السَّمِينُ أنْ يُرادَ بِالطَّرِيقِ شَيْءٌ مَخْصُوصٌ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَكُونُ بَعْدَ إيصالِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ولَوْ قُدِّرَ ( يُقِيمُونَ خالِدِينَ ) لَمْ يَلْتَئِمْ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ حالًا مُقَدَّرَةً بِأنَّ هَذا مِنَ الدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى جَهَنَّمَ، أوِ الدَّلالَةِ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُ إلَيْها، فَهو حالٌ عَنِ المَفْعُولِ بِاعْتِبارِ الإيصالِ لا الدَّلالَةِ، فَتَدَبَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، رافِعٌ احْتِمالَ أنْ يُرادَ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ: انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وطَرْحُهم في النّارِ إلى الأبَدِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.