Tafsir Al-Alusi — الأنعام 6:1 – الأنعام 6:60
المحتويات
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
الأنعام 6:1
سُورَةُ الأنْعامِ
6 - كَما أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ. والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً واحِدَةً. ورَوى خَبَرَ الجُمْلَةِ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وغَيْرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ والَّتِي بَعْدَها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنِ الكَلْبِيِّ وسُفْيانَ قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ وهو الَّذِي قالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾
صفحة 76
فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ و ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ إلى آخِرِ الثَّلاثِ. وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ. وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والشّامِيِّينَ سِتٌّ وسِتُّونَ. وعِنْدَ الحِجازِيِّينَ سَبْعٌ وسِتُّونَ. وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ بِفَضْلِها فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» وخَبَرُ تَشْيِيعِ المَلائِكَةِ لَها رَواهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ إلّا أنَّ مِنهم مَن رَوى أنَّ المُشَيِّعِينَ سَبْعُونَ ألْفًا ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أقَلَّ ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أكْثَرَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى الفَجْرَ بِجَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مَن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ العابِدِ قالَ: مَن قَرَأ ثَلاثَ ءاياتٍ مِن أوَّلِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكْسِبُونَ﴾ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يَدْعُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ وسَقاهُ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وغَسَّلَهُ مِنَ الكَوْثَرِ، وقالَ: أنا رَبُّكَ حَقًّا وأنْتَ عَبْدِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وغالِبُها في هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ وبَعْضُها مَوْضُوعٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَقَّرَ عَنْها. ولَعَلَّ الأخْبارَ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ جُمْلَةٌ أيْضًا كَذَلِكَ. وحَكى الإمامُ اتِّفاقَ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن آياتِها إنَّ سَبَبَ نُزُولِها الأمْرُ الفُلانِيُّ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَهُ. والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ عَدَمُ تَخَلُّلِ نُزُولِ شَيْءٍ مِن آياتِ سُورَةٍ أُخْرى بَيْنَ أوْقاتِ نُزُولِ آياتِها مِمّا لا تُساعِدُهُ الظَّواهِرُ بَلْ في الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ فِيما يَأْباهُ. والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ دُفْعَةً وتَدْرِيجًا خِلافُ الظّاهِرِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ
ويُؤَيِّدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن ضَعْفِ الأخْبارِ بِالنُّزُولِ جُمْلَةُ ما قالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ - الحَدِيثَ الوارِدَ - في أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، رَوَيْناهُ مِن طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ولَمْ نَرَ لَهُ سَنَدًا صَحِيحًا، وقَدْ رُوِيَ ما يُخالِفُهُ انْتَهى. ومِن هَذا يُعْلَمُ - ما في دَعْوى الإمامِ - اتِّفاقُ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً فَتَدَبَّرْ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآخِرِ المائِدَةِ عَلى ما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِالحَمْدِ وتِلْكَ اخْتُتِمَتْ بِفَصْلِ القَضاءِ وهَما مُتَلازِمانِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ المُناسِبَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ المائِدَةِ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ افْتَتَحَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِشَرْحِ ذَلِكَ وتَفْصِيلِهِ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وضَمَّ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ جَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ وهو بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ ما فِيهِنَّ ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ اسْمُهُ أنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ وقَضى لَهُ أجَلًا وجَعَلَ لَهُ أجَلًا آخَرَ لِلْبَعْثِ وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنْشِئُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ فَأُثْبِتَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ المَكانِ. ثُمَّ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ فَأثْبَتَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَلَكَ جَمِيعَ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ الزَّمانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَ سائِرِ الحَيْوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ ثُمَّ خَلْقَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ والمَوْتِ. ثُمَّ أكْثَرَ عَزَّ وجَلَّ في أثْناءِ السُّورَةِ مَنَ الإنْشاءِ والخَلْقِ لِما فِيهِنَّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ والنُّجُومِ وفَلْقِ الإصْباحِ وفَلْقِ الحَبِّ والنَّوى وإنْزالِ الماءِ وإخْراجِ النَّباتِ والثِّمارِ بِأنْواعِها وإنْشاءِ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَفْصِيلُ ما فِيهِنَّ، وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهًا آخَرَ في المُناسَبَةِ أيْضًا وهو أنَّهُ
صفحة 77
سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلَخْ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَهُ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءً مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى افْتِراءً عَلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وكانَ القَصْدُ بِذَلِكَ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَيُشابِهُوا الكُفّارَ في صُنْعِهِمْ وكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ ساقَ جَلَّ جَلالُهُ هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ في صُنْعِهِمْ فَأتى بِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْيَنِ والنَّمَطِ الأكْمَلِ ثُمَّ جادَلَهم فِيهِ وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى بُطْلانِهِ وعارَضَهم وناقَضَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ السُّورَةُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَفْصِيلًا وبَسْطًا وإتْمامًا وإطْنابًا، وافْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الخَلْقِ والمُلْكِ لِأنَّ الخالِقَ والمالِكَ هو الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ ومَخْلُوقاتِهِ إباحَةً ومَنعًا وتَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا فَيَجِبُ أنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، ولِهَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا اعْتِلاقٌ مِن جِهَةٍ بِالفاتِحَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ وبِالبَقَرَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وبِآلِ عِمْرانَ مِن جِهَةِ تَفْصِيلِها لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ إلَخْ وبِالنِّساءِ مِن جِهَةِ ما فِيها مِن بَدْءِ الخَلْقِ والتَّقْبِيحِ لِما حَرَّمُوهُ عَلى أزْواجِهِمْ وقَتْلِ البَناتَ وبِالمائِدَةِ مِن حَيْثُ اشْتِمالِها عَلى الأطْعِمَةِ بِأنْواعِها. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ دائِرًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ حَتّى قالَ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ: إنَّ في سُورَةِ الأنْعامِ كُلَّ قَواعِدِ التَّوْحِيدِ ناسَبَتْ تِلْكَ السُّورَةَ مِن حَيْثُ أنْ فِيها إبْطالَ أُلُوهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ هَذا. ثُمَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا تَفُوتُ الحَصْرَ ولا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العَدِّ إلّا أنَّها تَرْجِعُ إجْمالًا إلى إيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الأُولى وإيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وأُشِيرَ في الفاتِحَةِ الَّتِي هي أُمُّ الكِتابِ إلى الجَمِيعِ، وفي الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ، وفي الكَهْفِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ وفي سَبَإٍ إلى الإيجادِ الثّانِي وفي فاطِرٍ إلى الإبْقاءِ الثّانِي ابْتُدِئَتْ هَذِهِ الخَمْسُ بِالتَّحْمِيدِ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ في كُلِّ رُبْعٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ المَجِيدِ سُورَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّحْمِيدِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أوْ إنْشائِيَّةٌ وعَيَّنَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِما في حَمْلِها عَلى الإنْشاءِ مِن إخْراجِ الكَلامِ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ لِما يَلْزَمُ عَلى كَوْنِها إنْشائِيَّةً مِنِ انْتِفاءِ الِاتِّصافِ بِالجَمِيلِ قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِ ضَرُورَةُ أنَّ الإنْشاءَ يُقارِنُ مَعْناهُ لَفْظَهُ في الوُجُودِ، وآخَرُونَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ إخْبارًا يَلْزَمُ أنْ لا يُقالُ لِقائِلِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) حامِدٌ إذْ لا يُصاغُ لِلْمُخْبِرِ عَنْ غَيْرِهِ لُغَةً مِن مُتَعَلِّقِ إخْبارِهِ اسْمٌ قَطْعًا، فَلا يُقالُ لِقائِلِ - زَيْدٌ لَهُ القِيامُ - قائِمٌ، واللّازِمُ باطِلٌ فَيُبْطِلُ المَلْزُومَ، ولا يَلْزَمُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إنْشائِيَّةً فَإنَّ الإنْشاءَ يُشْتَقُّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةً لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، فَيُقالُ لِمَن قالَ: بِعْتَ بائِعٌ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كُلِّ إنْشاءٍ في ذَلِكَ، وإلّا لَقِيلَ لِقائِلٍ: ضَرَبَ ضارِبٌ، واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ القائِلُ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ مُرْضِعٌ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ إنْشاءُ الحالِ مِن أحْوالِ المُتَكَلِّمِ كَما في صِيَغِ العُقُودِ، ولا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ فِيما ذُكِرَ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ جَوازُ الِاعْتِبارَيْنِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وأجابُوا عَمّا يَلْزَمُ مِنَ المَحْذُورِ نَعَمْ رُجِّحَ هُنا اعْتِبارُ الخَبَرِيَّةِ لِما أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ ورَدْعِ الكَفَرَةِ والإعْلامُ بِمَضْمُونِها عَلى وجْهِ الخَبَرِيَّةِ يُناسِبُ المَقامَ وجَعْلُها لِإنْشاءِ الثَّناءِ لا يُناسِبُهُ، وقِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ خَبَرِيَّتِها هُنا
صفحة 78
لِيَصِحَّ عَطْفُ ما بَعْدُ ثُمَّ الآتِي عَلَيْها، ومَنِ اعْتَبَرَ الإنْشائِيَّةَ ولَمْ يُجَوِّزْ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جَعَلَ العَطْفَ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ أوْ عَلى الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ يَجْعَلُ المَعْطُوفَ لِإنْشاءِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظاهِرِ، وفي تَعْلِيقِ الحَمْدِ أوَّلًا بِاسْمِ الذّاتِ ووَصْفِهِ تَعالى ثانِيًا بِما وصَفَ بِهِ سُبْحانَهُ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ تَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ الإنْعامِ المُؤْذِنِ بِهِ ما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الواقِعِ صِفَةً، ومَعْنى اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الذّاتِيِّ عِنْدَ بَعْضٍ اسْتِحْقاقُهُ جَلَّ وعَلا الحَمْدَ بِجَمِيعِ أوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ، وأنْكَرَ هَذا صِحَّةَ تَوَجُّهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ إلى الذّاتِ مِن حَيْثُ هِيَ
وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ في شَرْحِ الإشارَةِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقاماتِ العارِفِينَ أنَّ النّاسَ في العِبادَةِ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، فالأُولى في الكَمالِ والشَّرَفِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والثّانِيَةُ وهي الَّتِي تَلِي الأُولى في الكَمالِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وهي كَوْنُهُ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، والثّالِثَةُ وهي آخِرُ دَرَجاتِ المُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِتَكْمُلَ نُفُوسُهم في الِانْتِسابِ إلَيْهِ، ولا يُشَكِّلُ تَصَوُّرُ تَعْظِيمِ الذّاتِ مِن حَيْثُ هي لِأنَّهُ كَما قالَ الشِّهابُ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ ابْتِداءً قَبْلَ التَّعَقُّلِ بِوُجُوهِ الكَمالِ كانَ مُشْكِلًا أمّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَحْمُودِ جَلَّ جَلالُهُ بِسِماتِ الجَمالِ وتَصَوُّرِهِ بِأقْصى صِفاتِ الكَمالِ فَلا بِدَعَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى تَمْجِيدِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَرَّةً أُخْرى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا سِوى الذّاتِ بَعْدَ الصُّعُودِ بِدَرَجاتِ المُشاهَداتِ ولِذا قالَ أهْلُ الظّاهِرِ: صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْ مَعْرِفَةً لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها فَما بالُكَ بِالعارِفِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ العِرْفانِ وهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ، والَّذِي حَقَّقَهُ السّالَكُوتِيُّ وجَرَيْنا عَلَيْهِ في الفاتِحَةِ أنَّ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ ما لا يُلاحَظُ مَعَهُ خُصُوصِيَّةُ صِفَةٍ حَتّى الجَمِيعِ لا ما يَكُونُ الذّاتُ البَحْتُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا عَلى الجَمِيلِ وسُمِّيَ ذاتِيًّا لِمُلاحَظَةِ الذّاتِ فِيهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ صِفَةٍ أوْ لِدَلالَةِ اسْمِ الذّاتِ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدًا إلى صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ كانَ مُسْنَدًا إلى الذّاتِ
وذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ كَلامًا في هَذا المَقامِ رَدَّ بِهِ فِيما عِنْدَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ
وحاصِلُهُ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ في (لِلَّهِ) لِمُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ دُونَ الِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ عَلى التَّعْيِينِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا في مِثْلِ لَهُ الحَمْدُ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ فَلَوْ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ تُفِيدُهُ أيْضًا لَما بَقِيَ فَرْقٌ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ ولَهُ الحَمْدُ غَيْرَ كَوْنِ الثّانِي أوْكَدَ مِنَ الأوَّلِ في إفادَةِ القَصْرِ، والمُصَرَّحُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بِإفادَةِ أحَدِهِما القَصْرَ دُونَ الآخَرِ، وإنَّ الِاخْتِصاصاتِ عَلى أنْحاءٍ وتَعْيِينَ بَعْضِها مَوْكُولٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الحُكْمُ، وتَجْعَلُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ غالِبًا وغَيْرِها مِنَ القَرائِنِ، فَإذا رَأيْتَ الحُكْمَ عَلى أوْصافِهِ تَعالى المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى القَصْرِ لِيُطابِقَ المَعْلُولُ عِلَّتَهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْعِمًا عَلى عِبادِهِ وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى الِاسْتِيجابِ لِلتَّطابُقِ أيْضًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلِ الحُكْمُ بِشَيْءٍ أوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ فَإنَّما يَثْبُتُ في الحُكْمِ أدْنى مَراتِبِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي كَوْنُهُ تَعالى حَقِيقًا بِالحَمْدِ مُجَرَّدًا عَنِ القَصْرِ والِاسْتِيجابِ، ويُعَضِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ اخْتِلافُ عِباراتِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَدْلُولاتِ جُمَلِ الحَمْدِ، وأنَّ المُرادَ في الِاسْتِيجابِ الَّذِي جَعَلَهُ بَعْضُ النُّحاةِ مِن مَعانِي اللّامِ ما هو بِمَنزِلَةِ مُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ
صفحة 79
الَّذِي قَرَّرَهُ لا المَعْنى الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْهُومُ جُمْلَةِ الحَمْدِ لِلَّهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ ولا دَلالَةَ فِيها مِن حَيْثُ هي هي مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ عَلى قَصْرِ الحَقِيقَةِ بِالحَمْدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا عَلى بُلُوغِها حَدَّ الِاسْتِيجابِ نَعَمْ في تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّفَةِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ مُخْتَصًّا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ كَما قالُوا عَلى الوَصْفِ يُشْعَرُ بِمَنطُوقِهِ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ لِلْحَكَمِ وبِمَفْهُومِهِ بِانْتِفاءِ الحُكْمِ عَمَّنْ يَنْتَفِي عَنْهُ الوَصْفُ، ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ إنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) مُدَّعًى ومَدْلُولٌ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (الَّذِي خَلَقَ) إلَخْ دَلِيلٌ وعِلَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ إلّا حَمْدٌ واحِدٌ مُعَلَّلٌ لِما في حَيِّزِ الوَصْفِ لا حَمْدَ مُعَلَّلٌ بِالذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ بِالذّاتِ البَحْتِ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ وبِالوَصْفِ، ثانِيًا حَتّى يَكُونَ بِمَثابَةِ حَمْدَيْنِ بِاعْتِبارِ العِلَّتَيْنِ لِأنَّ لَفْظَ الجَلالَةِ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ، ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى الأوْصافِ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وعِلَّةً لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلّا مُعَلَّلًا بِالأُمُورِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ ولا يُكْتَفى بِاسْمِ الذّاتِ اللَّهُمَّ إلّا في تَسْبِيحاتِ المُؤْمِنِينَ وتَحْمِيداتِهِمْ لا في مُحاجَّةِ المُنْكِرِينَ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِها وأيْضًا اقْتِضاءُ الذّاتِ البَحْتِ مِن حَيْثُ هو الذّاتُ ماذا يُفِيدُ في الِاحْتِجاجِ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عامَّتُهم لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ وأمّا ما يُقالُ: إنَّما قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ولَمْ يُقَلْ لِلْعالِمِ أوْ لِلْقادِرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الجَلالَةِ أوِ الإكْرامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ فَكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ظَهَرَ لَكَ فَسادُهُ مِن كَوْنِ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ
وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ اسْمِ الذّاتِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ المُشْرِكِينَ المَحْجُوجِينَ الجُهّالَ لا يَعْرِفُونَهُ تَعالى ولا يَذْكُرُونَهُ فِيما بَيْنَهم ولا عِنْدَ المُحاجَّةِ إلّا بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ العَلِيمِ لا بِالصِّفاتِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تُحْكى أجْوِبَتُهم بِذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في عامَّةِ السُّؤالاتِ إلّا ما قَلَّ، حَيْثُ كانَ جَوابُهم فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ عَلى أنَّ البَعْضَ جَعَلَ هَذا لازِمَ مَقُولِهِمْ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمالًا أُقِيمَ مَقامُهُ فَكَأنَّهم قالُوا: اللَّهُ، كَما حَكى عَنْهم في مَواضِعَ وحِينَئِذٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ويَذْكُرُونَهُ بِهَذا الِاسْمِ هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ لِكَوْنِهِ خالِقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، ولِكَوْنِهِ كَذا وكَذا وإذا عَرَفْتَ أنَّ الذّاتَ لا يُلائِمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وإنَّما الحَقِيقُ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ هو الصِّفاتُ، وأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الحَمْدُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بَعْضُ الصِّفاتِ بِحَسْبَ اقْتِضاءُ المَقامِ لا جَمِيعَ الصِّفاتِ عَرَفْتَ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ تَرْتِيبَ الحَمْدِ عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ يُوهِمُ اخْتِصاصَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَقَعَ في الوَرْطَةِ الَّتِي فَرَّ مِنها كَما لا يَخْفى
فالحُقُّ أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ هو الوَصْفُ الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ، وأنَّ تَخْصِيصَ بَعْضَ الأوْصافِ لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ في بَعْضِ المَواقِعِ إنَّما هو بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ المَقامِ إيّاهُ، فَإنْ قُلْتَ فَما الرَّأْيُ في الحَمْدِ بِاعْتِبارِ الذّاتِ البَحْتِ أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ عَلى ما قِيلَ: هَلْ لَهُ وجْهٌ أمْ لا قُلْتُ: إمّا كَوْنُ الذّاتِ الصَّرْفِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وكَذا كَوْنُ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ بِاسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَلا وجْهَ لَهُ
صفحة 80
وأمّا ما ذَكَرُوهُ في شَرْحِ خُطَبِ بَعْضِ الكُتُبِ مِن أنَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَلَعَلَّ مَنشَأهُ هو أنَّ الحَمْدَ لِما اقْتَضى وصْفًا جَمِيلًا صالِحًا لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ويَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ وصْفٌ كَذَلِكَ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بَلِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الذّاتِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ ثَبَتَ اعْتِبارُ الوَصْفِ الجَمِيلِ هُناكَ اقْتِضاءٌ ثُمَّ مِن أجْلِ تَعْيِينِ البَعْضِ بِالِاعْتِبارِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ لا يَخْلُو عَنْ لُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجَّحٍ يَلْزَمُ اعْتِبارُ بَعْضِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ بِرُمَّتِها فَيَكُونُ الحَمْدُ بِاعْتِبارِ جَمِيعِها، وحَيْثُ ذُكِرَ مَعَهُ وصْفٌ جَمِيلٌ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ودُلَّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ كانَ عَنْ ضَرُورَةٍ ولا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ كَما لا يَخْفى، ومَن لَمْ يَهْتَدِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما وقَعَ في القُرْآنِ المَجِيدِ لِمَقاصِدَ وما وقَعَ في خُطَبِ الكُتُبِ لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما ذُكِرَ فِيهِ المَحْمُودُ عَلَيْهِ صَرِيحًا أوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ وبَيْنَ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ، وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ مُقْتَضَياتِ بَعْضِ المَقاماتِ بِبَعْضٍ ولَمْ يَدْرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ شَرَفٍ، وكَلامُ غَيْرِهِ في أيِّ وادٍ
وقُصارى الكَلامِ أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ الحَمْدِ لِلَّهِ هُنا عَلى الوَصْفِ المُخْتَصِّ بِهِ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ القَصْرِيَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ إلّا أنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أوَّلِ سَبَإٍ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وبَيْنَ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ مِمّا مُحَصِّلُهُ أنَّ جُمْلَةَ (لَهُ الحَمْدُ) جِيءَ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِيُفِيدَ القَصْرَ لِكَوْنِ الإنْعامِ بِنِعَمِ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ إلَخْ فَإنَّها لَمْ يُجَأْ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ حَتّى لا يُفِيدَ القَصْرَ لِعَدَمِ كَوْنِ الإنْعامِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى مُطْلَقًا بِحَيْثُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْغَيْرِ إذْ يَكُونُ بِتَوَسُّطِ الغَيْرِ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِغَيْرِ الحَمْدِ بِنَوْعِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ وساطَتِهِ آبَ عَنْهُ، إذْ حاصِلُ ما ذَكَرَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ هو أنَّهُ لا قَصْرَ في جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ إلَخْ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ وكَذا الفاتِحَةُ هو أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إذا رَتَّبَ عَلى الأوْصافِ المُخْتَصَّةِ كالخَلْقِ والجَعْلِ المَذْكُورَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا غايَةُ ما في البالِ أنَّ طَرِيقَ.إفادَةِ القَصْرِ في البابَيْنِ مُتَغايِرٌ فَفي إحْداهُنَّ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ وفي الأُخْرى مَفْهُومُ العِلَّةِ فَتَدَبَّرْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وجَمَعَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ مَعَ أنَّها عَلى ما تَقْتَضِيهِ النُّصُوصُ المُتَعَدِّدَةُ مُتَعَدِّدَةٌ أيْضًا، والمُؤاخاةُ بَيْنَ الألْفاظِ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ فَإذا جَمَعَ أحَدٌ المُتَقابِلَيْنِ أوْ نَحْوَهُما يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ الآخَرَ عِنْدَهم ولِذا عِيبَ عَلى أبِي نُواسٍ قَوْلُهُ:
وما لَكَ فاعْلَمَن فِينا مَقالًا إذا اسْتَكْمَلْتَ آجالًا ورِزْقًا
حَيْثُ جَمَعَ وأفْرَدَ إذْ جَمَعَ لِنُكْتَةٍ سَوَّغَتِ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ الأصْلِ وهي الإشارَةُ إلى تَفاوُتِهِما في الشَّرَفِ، فَجَمَعَ الأشْرَفَ اعْتِناءً بِسائِرِ أفْرادِهِ وأفْرَدَ غَيْرَ الأشْرَفِ، وأشْرَفِيَّةُ السَّماءِ لِأنَّها مَحِلُّ المَلائِكَةِ المُقَدِّسِينَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومِعْراجُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ ولِعِظَمِها وإحاطَتِها بِالأرْضِ عَلى القَوْلِ بِكُرَيَّتِها الذّاهِبُ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا وعِظَمِ آياتِ اللَّهِ فِيها، ولِأنَّها لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها أصْلًا، وفِيها الجَنَّةُ الَّتِي هي مَقَرُّ الأحْبابِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، والأرْضُ وإنْ كانَتْ دارَ تَكْلِيفٍ ومَحِلَّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلتَّبْلِيغِ وكَسْبِ ما يَجْعَلُهم مُتَأهِّلِينَ لِلْقامَةِ في حَضِيرَةِ القُدْسِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِدارِ قَرارٍ وخَلْقُ أبْدانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها ودَفْنُهم فِيها مَعَ كَوْنِ أرْواحِهِمُ الَّتِي هي مَنشَأ الشَّرَفِ لَيْسَتْ مِنها ولا تُدْفَنُ فِيها لا يَدُلُّ
صفحة 81
عَلى أكْثَرَ مِن شَرَفِها وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أشَرَفِيَّتِها فَلا يَكادُ يَسْلَمُ لِأحَدٍ، وكَذا كَوْنُ اللَّهِ تَعالى وصَفَ بِقاعًا مِنها بِالبَرَكَةِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِمّا ذَكَرْنا، ولِهَذا الشَّرَفِ أيْضًا قُدِّمَتْ عَلى الأرْضِ في الذِّكْرِ، وقِيلَ: إنَّ جَمَعَ السَّمَواتِ وإفْرادَ الأرْضِ لِأنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لِتَشابُهِ الأثَرِ، وهو يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ، وأمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ
وحاصِلُهُ أنَّ اخْتِلافَ الآثارِ دَلَّ عَلى تَعَدُّدِ السَّماءِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً، والأرْضُ وإنْ كانَتْ مُتَعَدِّدَةً لَكِنْ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلِذَلِكَ جَمَعَها دُونَ الأرْضِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ رُبَّما يَقْتَضِي العَكْسَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا تَعَدُّدَ حَقِيقِيًّا في الأرْضِ، ولِهَذا لَمْ تُجْمَعْ، وأمّا التَّعَدُّدُ الوارِدُ في بَعْضِ الأخْبارِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلى التَّعَدُّدِ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ، وكَذا يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟ هَذِهِ أرْضٌ هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: أرْضٌ أُخْرى وبَيْنَهُما مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ»، والتَّحْتِيَّةُ لا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّ الأرْضَ كالسَّماءِ كُرَوِيَّةٌ، وقَدْ يُقالُ لِلشَّيْءِ إذا كانَ بَعْدَ آخِرٍ هو تَحْتَهُ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةِ عامٍ أنَّ القَوْسَ مِن إحْدى السَّمَواتِ المَسامِتِ لِأوَّلِ إقْلِيمٍ وأوَّلُ الآخِرِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ» ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَزِيدُ عَلى هَذا المِقْدارِ، وكَثِيرًا ما يُقْصَدُ مِنَ العَدَدِ التَّكْثِيرُ لا الكَمُّ المُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُماثَلَةِ في السَّبْعَةِ المَوْجُودَةِ في الأقالِيمِ لا عَلى التَّعَدُّدِ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ سِوى اتِّهامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَجْزِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَخْلُقَ سَبْعَ أرْضِينَ طِبْقَ ما نَطَقَ بِهِ ظاهِرُ النَّصِّ الوارِدِ عَنْ حَضْرَةِ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ وأزالَ بِزُلالِ كَلامِهِ الكَرِيمِ أُوامَ كُلِّ صادٍّ، وحَمْلُ المُماثَلَةِ في الآيَةِ أيْضًا عَلى المُماثَلَةِ الَّتِي زَعَمَها صاحِبُ القِيلِ خِلافٌ الظّاهِرِ
ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ تَقْدِيمِ السَّمَواتِ عَلى الأرْضِ تَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى خَلْقِ الأرْضِ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ
وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ خَلْقَ المُحَدَّدَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُ باقِي الأفْلاكِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِها بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةِ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن صُنُوفِ النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ
والمُرادُ بِالخَلْقِ الإنْشاءُ والإيجادُ أيْ أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ ءاياتٌ لِلْمُتَفَكِّرِينَ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ وإنْ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لِأنَّ جَعْلَهُما مَسْبُوقٌ بِخَلْقِ مَنشَئِهِما ومَحَلِّهِما كَما قِيلَ، والجَعْلُ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌ لَهُ كَما في الآيَةِ ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ أنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ
صفحة 82
فِيهِ أوْ لَهُ أوْ مِنهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ بَلْ قَيْدًا فِيهِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ الجَعْلِ والخَلْقِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضْمِينِ أيْ كَوْنُهُ مُحَصَّلًا مِن ءاخَرٍ كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ
واعْتُرِضَ بِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ جِسْمانِ قَدِيمانِ سَمِيعانِ بَصِيرانِ أوَّلُها خالِقُ الخَيْرِ والثّانِي خالِقُ الشَّرِّ فَهُما حِينَئِذٍ لَيْسا بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُتَعارَفِ فَمُدَّعاهُمُ الفاسِدُ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ هَذا، وأيْضًا الرَّدُّ يَحْصُلُ لِكَوْنِهِما مُحْدَثَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الجَعْلِ ولَوْ أتى بِالخَلْقِ بَدَلَهُ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنهُ، وأيْضًا أنَّ الجَعْلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ قائِمٍ بِنَفْسِهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ لِيَحْسُنَ التَّقابُلُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أوْ لِما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ
وقِيلَ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ وهو مُتَعَدِّدٌ وبِالنُّورِ الهُدى وهو واحِدٌ، ويَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ والوَحْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ هُنا عَلى الأمْرَيْنِ المَحْسُوسَيْنِ وإنْ جاءَ في الكِتابِ الكَرِيمِ بِمَعْنى الهُدى والضَّلالِ وكانَ لَهُ هُنا وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَدْ أمْكَنَ مَعَ وُجُودِ ما يُلائِمُهُ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً ظاهِرًا حَيْثُ قُرِنا بِالسَّمَواتِ والأرْضِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِما الجَنَّةُ والنّارُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ولِلْعُلَماءِ في النُّورِ والظُّلْمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ حَتّى أنَّهم ألَّفُوا في ذَلِكَ الرَّسائِلَ ولَمْ يَتْرُكُوا بَعْدُ مَقالًا لِقائِلٍ
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ النُّورَ كَيْفِيَّةً هي كَمالٌ بِذاتِها لِلشَّفّافِ مِن حَيْثُ هو شَفّافٌ أوِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ الإبْصارُ بِها عَلى الإبْصارِ بِشَيْءٍ آخَرَ وأنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ وهو باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كَوْنَها أنْوارًا إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنُ كَوْنِها أجْسامًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ النُّورِيَّةِ مُغايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِيَّةِ، ولِذَلِكَ يَعْقِلُ جِسْمٌ مُظْلِمٌ ولا يَعْقِلُ نُورٌ مُظْلِمٌ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّها أجْسامٌ حامِلَةٌ لِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الأجْسامَ المَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الكَيْفِيّاتِ إمّا أنْ تَكُونَ مَحْسُوسَةً أوْ لا فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنِ الضَّوْءُ مَحْسُوسًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتْ ساتِرَةً لِما تَحْتَها ويَجِبُ أنَّها كُلَّما ازْدادَتِ اجْتِماعًا ازْدادَتْ سَتْرًا لَكِنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الشُّعاعَ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَتْ حَرَكَتُهُ بِالطَّبْعِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لَكِنَّ النُّورَ مِمّا يَقَعُ عَلى كُلِّ جِسْمٍ في كُلِّ جِهَةٍ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ النُّورَ إذا دَخَلَ مِن كُوَّةٍ ثُمَّ سَدَدْناها دَفْعَةً فَتِلْكَ الأجْزاءُ النُّورانِيَّةُ إمّا أنْ تَبْقى أوْ لا فَإنْ بَقِيَتْ فَإمّا أنْ تَبْقى في البَيْتِ، وإمّا أنْ تَخْرُجَ فَإنْ قِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ عَنِ الكُوَّةِ قَبْلَ السَّدِّ فَهو مُحالٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّها عَدِمَتْ فَهو أيْضًا باطِلٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُحْكَمَ أنَّ جِسْمًا لَمّا تَخَلَّلَ بَيْنَ جِسْمَيْنِ عَدِمَ أحَدُهُما فَإذَنْ هي باقِيَةٌ في البَيْتِ، ولا شَكَّ في زَوالِ نُورِيَّتِها عَنْها، وهَذا هو الَّذِي نَقُولُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ المُسْتَضِيءِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأجْسامِ ثَبَتَ في الكُلِّ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ يَسْتَبِينُ وجْهُ الأرْضِ كُلُّهُ دَفْعَةً، ومِنَ البَعِيدِ أنْ تَنْتَقِلَ تِلْكَ الأجْزاءُ مِنَ الفَلَكِ الرّابِعِ إلى وجْهِ الأرْضِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ سِيَّما والخَرْقُ عَلى الفَلَكِ مُحالٌ عِنْدَهم واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ
صفحة 83
الشُّعاعَ مُتَحَرِّكٌ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ جِسْمٌ فالشُّعاعُ جِسْمٌ (بَيانُ الصُّغْرى بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ)، الأوَّلُ أنَّ الشُّعاعَ مُنْحَدِرٌ مِن ذِيهِ والمُنْحَدِرُ مُتَحَرِّكٌ بِالبَدِيهَةِ، والثّانِي أنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويَنْتَقِلُ بِحَرَكَةِ المُضِيءِ، والثّالِثُ أنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ عَمّا يَلْقاهُ إلى غَيْرِهِ، والِانْعِكاسُ حَرَكَةٌ، والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الشُّعاعُ مُنْحَدِرٌ فَهو باطِلٌ وإلّا لَرَأيْناهُ في وسَطِ المَسافَةِ بَلِ الشُّعاعُ يَحْدُثُ في المُقابِلِ القابِلِ دَفْعَةً، ولَمّا كانَ حُدُوثُهُ مِن شَيْءٍ عالٍ تُوُهِّمَ أنَّهُ يَنْزِلُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْتِقالِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الظِّلَّ يَنْتَقِلُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فالحَقُّ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ حادِثَةٌ في المُقابِلِ وعِنْدَ زَوالِ المُحاذاةِ عَنْهُ إلى قابِلٍ آخَرَ يَبْطُلُ النُّورُ عَنْهُ ويَحْدُثُ في ذَلِكَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الِانْعِكاسِ فَإنَّ المُتَوَسِّطَ شَرْطٌ لِأنْ يَحْدُثَ الشُّعاعُ مِنَ المُضِيءِ في ذَلِكَ الجِسْمِ ثُمَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ كَيْفِيَّةٌ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ فَقَطْ، وزَعَمُوا أنَّ الظُّهُورَ المُطْلَقَ هو الضَّوْءُ وإخْفاءُ المُطْلَقِ هو الظُّلْمَةُ والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الظِّلُّ، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ بِحَسْبِ مَراتِبِ القُرْبِ والبُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ وأطالُوا الكَلامَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما لا يُجْدِي نَفْعًا، ولا يَأْبى أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ الأوَّلُ أنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ إشارَةٌ إلى تَجَدُّدِ أمْرٍ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ اللَّوْنُ أوْ صِفَةً غَيْرَ نِسْبِيَّةٍ أوْ صِفَةً نِسْبِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْعَلَ النُّورُ عِبارَةً عَنْ تَجَدُّدِ اللَّوْنِ أوْ عَنِ اللَّوْنِ المُتَجَدِّدِ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنِيرًا إلّا آنَ تَجَدُّدُهُ، والثّانِي يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ نَفْسَ اللَّوْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِمُ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ مَعْنًى، وإنْ جَعَلُوا الضَّوْءَ كَيْفِيَّةً ثُبُوتِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ وسَمَّوْهُ بِالظُّهُورِ عادَ النِّزاعُ لَفْظِيًّا، وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ تَجَدُّدُ حالَةِ نِسْبِيَّةٍ فَذاكَ باطِلٌ لِأنَّ الضَّوْءَ أمْرٌ غَيْرُ نِسْبِيٍّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بِالحالَةِ النِّسْبِيَّةِ، والثّانِي أنَّ البَياضَ قَدْ يَكُونُ مُضِيئًا و مُشْرِقًا وكَذَلِكَ السَّوادُ فَإنَّ الضَّوْءَ ثابِتٌ لَهُما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما مُضِيئًا نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ بَعْضُهُ مُضادًّا لِلْبَعْضِ وهو مُحالٌ إذِ الضَّوْءُ لا يُقابِلُهُ إلّا الظُّلْمَةُ
الثّالِثُ أنَّ اللَّوْنَ يُوجَدُ مِن غَيْرِ الضَّوْءِ فَإنَّ السَّوادَ مَثَلًا قَدْ لا يَكُونُ مُضِيئًا وكَذَلِكَ الضَّوْءُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ اللَّوْنِ مِثْلُ الماءِ والبِلَّوْرِ إذا كانا في الظُّلْمَةِ ووَقَعَ الضَّوْءُ عَلَيْهِ وحْدَهُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُرى ضَوْءُهُ فَذَلِكَ ضَوْءٌ ولَيْسَ بِلَوْنٍ فَإذا وُجِدَ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الآخَرِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ
الرّابِعُ أنَّ المُضِيءَ لِلَوْنٍ تارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ وحْدَهُ إلى غَيْرِهِ وتارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ واللَّوْنُ وذَلِكَ إذا كانَ قَوِيًّا فِيهِما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ لاسْتَحالَ أنْ يُفِيدَ غَيْرُهُ بَرِيقًا ساذَجًا، وكَوْنُ هَذا البَرِيقِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ لَوْنِ ذَلِكَ القابِلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لِماذا إذا اشْتَدَّ لَوْنُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ مِنهُ وضَوْءُهُ أخْفى لَوْنَ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ وأبْطَلَهُ وأعْطاهُ لَوْنَ نَفْسِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ والشُّعاعِ والبَرِيقِ بِأنَّ الأجْسامَ إذا صارَتْ ظاهِرَةً بِالفِعْلِ مُسْتَنِيرَةً فَإنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ كَيْفِيَّةٌ ثابِتَةٌ فِيها مُنْبَسِطَةٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّها سَوادٌ أوْ بَياضٌ أوْ حُمْرَةٌ أوْ صُفْرَةٌ، والآخَرُ اللَّمَعانُ وهو الَّذِي يَتَرَقْرَقُ عَلى الأجْسامِ ويَسْتُرُ لَوْنَها وكَأنَّهُ شَيْءٌ يَفِيضُ مِنها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن ذاتِهِ أوْ مِن غَيْرِهِ فالظُّهُورُ لِلشَّيْءِ الَّذِي مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ والنّارِ يُسَمّى ضَوْءًا، والظُّهُورُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ يُسَمّى نُورًا، والتَّرَقْرُقُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ يُسَمّى شُعاعًا، والَّذِي يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ كَما لِلْمِرْآةِ يُسَمّى بَرِيقًا
وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ الكَلامُ في الفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا وكَذَلِكَ الكَلامُ في الظُّلْمَةِ والنِّسْبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ النُّورِ، والمَشْهُورُ أنَّ بَيْنَهُما تَقابُلَ العَدَمِ والمَلَكَةِ، ولِهَذا قُدِّمَتِ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ
صفحة 84
فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الإعْدامَ مُقَدِّمَةٌ عَلى المَلَكاتِ
وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا تَقابَلَ شَيْئانِ أحَدُهُما وجُودِيٌّ فَقَطْ فَإنِ اعْتَبَرَ التَّقابُلَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْضُوعٍ قابِلٍ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ إمّا بِحَسْبِ شَخْصِهِ أوْ بِحَسْبِ نَوْعِهِ أوْ بِحَسْبِ جِنْسِهِ القَرِيبِ أوِ البَعِيدِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ أوْ بِحَسْبِ الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ حُصُولُهُ فِيهِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِما ذَلِكَ فَهُما السَّلْبُ والإيجابُ، فالعَدَمُ المَشْهُورِيُّ في العَمى والبَصَرِ هو ارْتِفاعُ الشَّيْءِ الوُجُودِيِّ كالقُدْرَةِ عَلى الإبْصارِ مَعَ ما يَنْشَأُ مِنَ المادَّةِ المُهَيِّئَةِ لِقَبُولِهِ في الوَقْتِ الَّذِي مِن شَأْنِها ذَلِكَ فِيهِ كَما حَقَّقَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحِها، فَإذا تَحَقَّقَ أنَّ كُلَّ قابِلٍ لِأمْرٍ وُجُودِيٍّ في ابْتِداءِ قابِلِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالفِعْلِ تَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَلَكَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِعَدَمِها لِأنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالقُوَّةِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها بِالفِعْلِ، وقالَ المَوْلى مِيرَزاجانَ: لا بُدَّ في تَقابُلِ العَدَمِ والمَلَكَةِ أنْ يُؤْخَذَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لِلْوُجُودِيِّ، ولا يَكْفِي نِسْبَةُ المَحِلِّ القابِلِ لِلْوُجُودِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لَهُ، ولِذا صَرَّحُوا بِأنَّ تَقابُلَ العَدَمِ والوُجُودِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ
قالَ في الشِّفاءِ: العَمى هو عَدَمُ البَصَرِ بِالفِعْلِ مَعَ وُجُودِهِ بِالقُوَّةِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في مَعْناهُ المَشْهُورِ انْتَهى، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَعْضُ الشُّكُوكِ الَّتِي عَرَّضَتْ لِبَعْضِ النّاظِرِينَ في هَذا المَقامِ، وقِيلَ في تَقَدُّمِ عَدَمِ المَلَكَةِ عَلى الوُجُودِ: إنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ عَدَمٌ مَخْصُوصٌ والعَدَمُ المُطْلَقُ في ضِمْنِهِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى الوُجُودِ في سائِرِ المَخْلُوقاتِ
ولِذا قالَ الإمامُ: إنَّما قَدَّمَ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ لِأنَّ عَدَمَ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها كَما جاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ وفي أُخْرى ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ نُورُهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ“
وعَلَيْهِ الظُّلْمَةُ في الخَبَرِ بِمَعْنى العَدَمِ، والنُّورُ بِمَعْنى الوُجُودِ ولا يُلائِمُهُ سِياقُ الحَدِيثِ، والظّاهِرُ ما قِيلَ الظُّلْمَةُ عَدَمُ الهِدايَةِ وظُلْمَةُ الطَّبِيعَةِ، والنُّورُ الهِدايَةُ ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادِ النَّوْرَ واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ أنَّ الجَعْلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ بَلْ تَضْمِينُ شَيْءٍ شَيْئًا وتَصْيِيرُهُ قائِمًا بِهِ قِيامَ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والعَدَمُ مِنَ الثّانِي فَصَحَّ تُعَلُّقُ الجَعْلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عَيْنًا، وفي الطَّوالِعِ أنَّ العَدَمَ المُتَجَدِّدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الفاعِلِ كالوُجُودِ الحادِثِ فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
1
- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَعْدِلُونَ) فِيهِ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أوْ مِنهُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والكُفْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ أوْ بِمَعْنى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، والباءُ يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (كَفَرُوا)، وأنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (يَعْدِلُونَ) وعَلى التَّقادِيرِ فالجُمْلَةُ إمّا إنْشائِيَّةٌ إنْشاءَ الِاسْتِبْعادِ أوْ إخْبارِيَّةٌ وارِدَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ شَناعَةِ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ هي إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إنْشاءً أوْ إخْبارًا أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (خَلَقَ) صِلَةُ (الَّذِي) أوْ عَلى (الظُّلُماتِ) مَفْعُولُ (جَعَلَ)، فالِاحْتِمالاتُ تَرْتَقِي إلى أرْبَعَةٍ وسِتِّينَ حاصِلَةً مِن ضَرْبِ سِتَّةَ عَشَرَ، احْتِمالاتُ المَعْطُوفِ في أرْبَعَةٍ أعْنِي احْتِمالاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا لُوحِظَ هُناكَ أُمُورٌ
صفحة 85
أُخَرُ مَشْهُورَةٌ بَلَغَتِ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةَ آلافٍ وزِيادَةً، ولَكِنْ لَيْسَ لَنا إلى هَذِهِ المُلاحَظَةِ كَبِيرُ داعٍ، والَّذِي اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِن تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحَمْدِ والعَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أيِ الِانْصِرافُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَفَرُوا) وهو مِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى الشِّرْكِ أوْ كُفْرانِ النِّعْمَةِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَعْدَ الجارِّ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ مِنَ النِّعَمِ الجِسامِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى الخاصِّ والعامِّ، ثُمَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ أوْ كَفَرُوا بِنِعَمِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والعَدْلُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والكَفْرُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ
والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ والمَخْلُوقاتِ العِظامَ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ أوْ هَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها وهم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ ومِهادِ تَرْبِيَتِهِ
و(ثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ ما وقَعَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ لِمُجَرَّدِ التَّراخِي في الزَّمانِ وهو وإنْ صَحَّ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مُمْتَدٍّ يَصِحُّ فِيهِ التَّراخِي بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ والفَوْرُ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ كَما حَقَّقَهُ النُّحاةُ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ أوْفَقُ بِالمَقامِ، ونُكْتَةُ وضْعِ الرَّبِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ تَأْكِيدِ أمْرِ الِاسْتِبْعادِ، ووَجْهُ جَعْلِ الباءَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يِعْدَلُونَ) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْهِ وبِـ (كَفَرُوا) عَلى الِاحْتِمالِ الآخَرِ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ يَقْتَضِي التَّوَصُّلَ بِالباءَ بِخِلافِ ما إذا كانَ مِنهُ بِمَعْنى العُدُولِ، فالظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وما قالَهُ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ مِنِّي أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِكُلٍّ مِن تَوْجِيهَيْ ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ بِواحِدٍ مِنَ العَطْفَيْنِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلٍّ بِما خُصِّصَ بِهِ اتِّساقُ نَظْمِ الآيَةِ حِينَئِذٍ، وظُهُورُ شِدَّةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما عُطِفَ بِـ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعادِيَّةِ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الأُولى إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَحَقَ جَمِيعَ المَحامِدِ مِنَ العِبادِ فُهِمَ أنَّ العُدُولَ عَنْهُ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ، فَيُناسِبُ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ فَلا يَحْمَدُونَهُ ولا يَلْتَفِتُونَ لَفْتَةً، ولا يُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ إذْ لَمْ يُسْبَقْ صَرِيحًا، وبِالقَصْدِ الأوْلى ما يَنْفِي التَّسْوِيَةَ، وإذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ: إنَّهُ جَعْلُ شَأْنِهِ خَلْقَ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ناسَبَ في الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسَوُّونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا أنَّهم لا يَحْمَدُونَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إذا كانَ المَعْنى عَلى الأوَّلِ الحَمْدَ والثَّناءَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُنْعِمِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الشّامِلَةِ سائِرَ الأُمَمِ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنَ الكَفَرَةِ والمُشْرِكِينَ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ إحْسانِهِ العُدُولُ عَنْهُ، وعَلى الثّانِي المَعْرُوفِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الخاصِّ والعامِّ كَيْفَ يَتَسَنّى لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أوْ لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ أنْ يُسَوُّوا بِهِ غَيْرَهُ وهم في قَبْضَتِهِ، فَوَجْهُ التَّخْصِيصِ في الأوَّلِ أنَّهُ لا يَخْفى اسْتِبْعادُ انْصِرافِ العَبْدِ عَنْ سَيِّدِهِ ووَلِيِّ نِعْمَتِهِ إلى سِواهُ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّ المُنْعِمَ قَدْ يُساوِيهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ إلى غَيْرِهِ، وفي الثّانِي أنَّ اسْتِبْعادَ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ بِخِلافِ العُدُولِ عَنْهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لِجَهْلِ العادِلِ بِحَقِّهِ فَإنَّ العُدُولَ لا يُنافِي عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّهُ لا يُسَوِّي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَعْرِفُهُما بِوَجْهٍ ما فَتَدَبَّرْ
واعْتَرَضَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِضَمِّ ما لا دَخْلَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ
صفحة 86
إلى مالِهِ ذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَ المَجْمُوعَ صِلَةً في مَقامٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الصِّلَةِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعُمُومِ إحْسانِهِ لِلْمُسْتَحَقِّ وغَيْرِهِ حَيْثُ يُنْعِمُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ ويُشْرِكُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ مُنْبِئٌ عَنْ كَمالِ الِاسْتِحْقاقِ وقَدْ يُقالُ: وُقُوعُ هَذا المَعْطُوفِ مَوْقِعَ المَحْمُودِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْنى التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِن إنْكارِ مَضْمُونِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ جَلَّ جَنابُهُ عَنْ أنْ يُعْدَلَ بِهِ شَيْءٌ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ يَجِبُ في المَشْهُورِ أنْ يَكُونَ جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ في الِاعْتِراضِ عَلى العَطْفِ المَذْكُورِ أنَّ ما يَنْتَظِمُ في سِلْكِ الصِّلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ مُوجِباتِ حَمْدِهِ تَعالى حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ الإنْباءِ في الجُمْلَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ كُفْرَهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ وادِّعاءَ أنَّ لَهُ دَخْلًا فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العِظامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ تَعَسُّفٌ لا يُساعِدُهُ النِّظامُ وتَعْكِيسٌ يَأْباهُ المَقامُ كَيْفَ لا وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الآياتُ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ لا بَيانِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقْتَضِيهِ الِادِّعاءُ المَذْكُورُ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ المَعْطُوفِ مِن رَوادِفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما أنَّ حَقَّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإفادَةِ فَما ظَنُّكَ بِرَوادِفِها وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَعْطُوفَ هو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ انْتَهى
ورُدَّ بِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ، ولا تَعَسُّفَ فِيهِ لِبَلاغَتِهِ، وادِّعاءُ التَّعْكِيسِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ الحَمْدِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرُ بِها، وما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ ولا يُتْرَكُ مُقْتَضى مَقامٍ لِأجْلِ مُقْتَضى مَقامٍ آخَرَ إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ خالِيَةٌ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِالمَوْصُولِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ حَيْثُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ، إلّا أنَّ هَذا مِنَ النُّدُورِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِهِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الفَصِيحِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ ذَلِكَ في رَبْطِ الصِّلَةِ ابْتِداءُ ضَعْفِهِ فِيما عُطِفَ عَلَيْها فَكَثِيرًا ما يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، والجَوابُ بِأنَّ هَذا العَطْفَ لا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ عَجِيبٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ بِـ (ثُمَّ) يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الرّابِطِ، وغايَةُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ نُكْتَةٌ لِلرَّبْطِ بِالِاسْمِ
واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالعَدْلِ العُدُولُ مَعَ اعْتِبارِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَمْدِ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ تَعالى لا سِيَّما بِاعْتِبارِ رُبُوبِيَّتِهِ أشَدُّ شَناعَةً وأعْظَمُ جِنايَةً مِن عُدُولِهِمْ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ فَجَعْلُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً في الكَلامِ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ وإخْراجُ أعْظَمِهِما مَخْرَجَ القَيْدِ المَفْرُوغِ مِنهُ مِمّا لا عُهْدَةَ لَهُ في الكَلامِ السَّدِيدِ فَكَيْفَ بِالنَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ الحَمْدِ ناسَبَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلا يَرِدُ اعْتِراضُ الشَّيْخِ، وقَدْ ذَكَرَ هو - قُدِّسَ سِرُّهُ - تَوْجِيهًا لِلْآيَةِ وادَّعى أنَّهُ الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وحَطَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ، والَّذِي تَصْدَحُ بِهِ كَلِماتُهم أنَّ صِلَةَ (يَعْدِلُونَ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ مَتْرُوكَةً لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ وإنَّما قَدَّرُوا لَهُ مَفْعُولًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ
صفحة 87
بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ فَقالُوا: غَيْرَهُ أوِ الأوْثانَ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ إنْكارُ العَدْلِ بِخِلافِ إنْكارِ العُدُولِ، ونُظِرَ في ذَلِكَ بِأنَّ مُجَرَّدَ العُدُولِ بِدُونِ اعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ألا تَرى أنَّ العُدُولَ عَنِ الباطِلِ لا يُنْكَرُ، فالظّاهِرُ اعْتِبارُ المُتَعَلِّقِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ (بِرَبِّهِمْ) عَلى احْتِمالِ تُعَلِّقِهِ بِما بَعُدَ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاهْتِمامِ
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ العُدُولَ وإنْ كانَ لَهُ فَرْدانِ أحَدُهُما مَذْمُومٌ وهو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومَمْدُوحٌ وهو العُدُولُ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ لَكِنَّ العُدُولَ المَوْصُوفَ بِهِ الكُفّارُ لا يَحْتَمِلُ الثّانِيَ، فَتَعَيُّنُهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أبْلَغُ عِنْدَ التَّأمُّلِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّها مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لا تَتَصَوَّرُ بِدُونِ المُتَعَلِّقِ فَلِذا قَدَّرُوهُ، ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ تَنْزِيلَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، إنَّما يَكُونُ أوْ يَحْسُنُ فِيما لَيْسَ مِن قَبِيلِ النَّسَبِ هَذا، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِ القُرْءانِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: فُتِحَتِ التَّوْراةُ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وخُتِمَتْ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
الأنعام 6:2
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، والخِطابُ وإنْ صَحَّ كَوْنُهُ عامًّا لَكِنَّهُ هُنا خاصٌّ بِـ (الَّذِينِ كَفَرُوا) كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ الآتِي فَفِيهِ التِفاتٌ، والنُّكْتَةُ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أدِلَّةِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أظْهَرِ أدِلَّتِهِ لِما أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن دَلِيلِ الآفاقِ الَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى خَلْقِ المُخاطَبِينَ مِن طِينٍ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَلَقَهم مِنهُ فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِما أنَّهُ أصْلُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أصْلُ سائِرِ البَشَرِ، ولَمْ يَنْسِبْ سُبْحانَهُ الخَلْقَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقِيَّةً، وكِفايَةُ ذَلِكَ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَوْضِيحًا لِمِنهاجِ القِياسِ، ومُبالَغَةً في إزاحَةِ الشُّبْهَةِ والِالتِباسِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ خَلْقِهِمْ مِنهُ: إنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّمْثِ وهُما مِنَ الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التُّرابِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ
وقالَ المَهْدَوِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ إنْسانٍ مَخْلُوقٌ ابْتِداءً مِن طِينٍ لِخَبَرِ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا ويُذَرُّ عَلى نُطْفَتِهِ مِن تُرابِ حُفْرَتِهِ» وفي القَلْبِ مِن هَذا شَّيْءٌ، والحَدِيثُ إنْ صَحَّ لا يَخْلُو مِن ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ آباءَكُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرَ قُدْرَةً
﴿ثُمَّ قَضى﴾ أيْ قَدَّرَ وكَتَبَ ﴿أجَلا﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ لِلْمَوْتِ، و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ دُونَ الزَّمانِ لِتَقَدَّمَ القَضاءُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ التَّرْتِيبُ في الزَّمانِ، ويُرادُ بِالتَّقْدِيرِ والكِتابَةِ ما تَعْلَمُ بِهِ المَلائِكَةُ وتَكْتُبُهُ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمِلِهِ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ»
﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهو مُبْتَدَأٌ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ أوْ لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ و﴿عِنْدَهُ﴾ هو الخَبَرُ وتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنُهُ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، وقُدِّمَ عَلى خَبَرِهِ الظَّرْفُ
صفحة 88
مَعَ أنَّ الشّائِعَ في النَّكِرَةِ المُخْبِرِ عَنْها بِهِ لُزُومُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها وفاءً بِحَقِّ التَّفْخِيمِ، فَإنَّ ما قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالتَّقْدِيمِ، فالمَعْنى وأجَلٌ أيْ أجَلٌ مُسْتَقِلٌّ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، وهَذا بِخِلافِ أجَلِ المَوْتِ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ إجْمالًا بِناءً عَلى ظُهُورِ أماراتِهِ أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمالِ الإنْسانِ
وقِيلَ: وجْهُ الإخْبارِ عَنْ هَذا أوِ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مِن نَفْسِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ أيْضًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ لَكِنّا نَعْلَمُهُ لِلَّذِينِ شاهَدْنا مَوْتَهُمْ، وضَبَطْنا تَوارِيخَ وِلادَتِهِمْ ووَفاتِهِمْ فَنَعْلَمُهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِ آخِرُ المُدَّةِ أوْ جُمْلَتُها مَتى كانَتْ وكَمْ مُدَّةً كانَ
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، ورَوى ذَلِكَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: قَضى أجَلًا مِن مَوْلِدِهِ إلى مَماتِهِ، وأجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ مِنَ المَماتِ إلى البَعْثِ لا يَعْلَمُ مِيقاتَهُ أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا واصِلًا لِرَحِمِهِ زادَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في أجَلِ الحَياةِ مِن أجَلِ المَماتِ إلى البَعْثِ، وإذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ ولا واصِلٍ نَقَصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أجَلِ الحَياةِ وزادَ مِن أجَلِ المَماتِ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾، وعَلَيْهِ فَمَعْنى عَدَمِ تَغْيِيرِ الأجَلِ عَدَمُ تَغْيِيرِ آخِرِهِ، وقِيلَ: الأجَلُ الأوَّلُ الزَّمَنُ الَّذِي يَحْيى بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلى أنْ يَمُوتُوا، والأجَلُ الثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ
ولا يَخْفى بُعْدُ إطْلاقِ الأجَلِ عَلى المُدَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ أجَلُ مَن مَضى، والثّانِي أجَلُ مَن بَقِيَ ومَن يَأْتِي، وقِيلَ: الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي: المَوْتُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ النَّوْمَ وإنْ كانَ أخا لِلْمَوْتِ لَكِنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ تَسْمِيَتُهُ أجَلًا وإنْ سُمِّيَ مَوْتًا، وقِيلَ: إنَّ كِلا الأجَلَيْنِ لِلْمَوْتِ ولِكُلِّ شَخْصٍ أجَلانِ أجَلٌ يَكْتُبُهُ وهو يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ وهو المُرادُ بِالعُمُرِ في خَبَرِ «إنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» ونَحْوِهِ، ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الوارِدَةِ في غَيْرِ ما خَبَرِ الزِّيادَةِ بِالبَرَكَةِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ طُولُ العُمُرِ بِبَقاءِ الذِّكْرِ الجَمِيلِ كَما قالُوا: ذِكْرُ الفَتى عُمُرَهُ الثّانِيَ وضَعَّفَهُ الشِّهابُ، وقِيلَ: الأجَلانِ واحِدٌ والتَّقْدِيرُ وهَذا أجَلٌ مُسَمًّى فَهو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ و (عِنْدَهُ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُسَمًّى) وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ
﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
2
- أيْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، وعَنِ الرّاغِبِ المِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مَأْخُوذٌ مِن مُرّى الضَّرْعِ إذا مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ في اسْتِعْمالِهِ في الشَّكِّ أنَّ الشَّكَّ سَبَبٌ لِاسْتِخْراجِ العِلْمِ الَّذِي هو كاللَّبَنِ الخالِصِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، قِيلَ: الِامْتِراءُ الجَحْدُ، وقِيلَ: الجِدالُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ امْتِرائِهِمْ في وُقُوعِ البَعْثِ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ ما يَقْطَعُ مادَّةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إفاضَةِ الحَياةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها عَلى مادَّةٍ غَيْرِ مُسْتَعِدَّةٍ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كانَ أوْضَحَ اقْتِدارًا عَلى إفاضَتِهِ عَلى مادَّةٍ قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُ وقارَنَتْهُ مُدَّةً ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ شَطْرًا مِن تِلْكَ الأوْجُهِ
صفحة 89
السّابِقَةِ آنِفًا لا يُلائِمُ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وتَوْجِيهَ الِاسْتِبْعادِ إلى الِامْتِراءِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ المُخاطَبِينَ جازِمُونَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ مُصِرُّونَ عَلى جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ كَما أنَّ هَذِهِ دَلِيلُ البَعْثِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ الثَّناءُ والتَّعْظِيمُ بِشَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ المُنْعِمُ لا أحَدَ غَيْرُهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ ولا إلَهَ سِواهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا بِمُلاحَظَةِ بُرْهانَ التَّمانُعِ إذْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن وُجُودِ الصّانِعِ، ومَنشَأُ ذَلِكَ حَمْلُ الدَّلِيلِ عَلى البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوْ مُقَدِّماتِهِ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها أشْكالُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللّازِمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ الأُولى أيْضًا دَلِيلًا عَلى البَعْثِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ
الأنعام 6:3
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ عائِدٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الجُمْهُورُ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ ِأحْكامِ إلَهِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ ما تَقَدَّمَ، والحَمْلُ ظاهِرُ الفائِدَةِ إذا اعْتُبِرَ ما يَأْتِي وإلّا فَهو عَلى حَدٍّ - أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ كَما في قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيِّءٍ عَلى مَعْنى الجَوادِ
والمَعْنى الَّذِي يُعْتَبَرُ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَأْخُوذَ مِن أصْلِ اشْتِقاقِ الِاسْمِ الكَرِيمِ أعْنِي المَعْبُودَ أوْ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلّا أنَّهُ يُلاحِظُ في هَذا المَقامِ ما يَقْتَضِيهِ مِنها أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ لِتَعْرِيفِ طَرَفَيِ الإسْنادِ فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ أوْ ما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما أوْ وهو المالِكُ والمُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ وهو المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ فِيهِما أوْ وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ، ومَعْنى ذَلِكَ مُجَرَّدُ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، ويَكْفِي مِثْلَ ذَلِكَ في تَعَلُّقِ الجارِّ لا أنَّهُ يَحْمِلُ لَفْظَ اللَّهِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أوْ عَلى المالِكِ والمُتَصَرِّفِ أوِ المُتَوَحِّدِ أوْ يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ الظَّرْفَ لا يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لِجُمُودِهِ ولا بِكائِنٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِكائِنٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ كِنايَةٌ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ جَوازَ المَعْنى الأصْلِيِّ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الحالَةُ الَّتِي حَصَلَتْ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالسَّمَواتِ والأرْضِ وبِما فِيهِما بِحالَةِ بَصِيرٍ تَمَكَّنَ في مَكانٍ يَنْظُرُهُ وما فِيهِ والجامِعُ بَيْنَهُما حُضُورُ ذَلِكَ عِنْدَهُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو ظاهِرٌ، وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً بِالكِتابَةِ بِأنْ شُبِّهَ - عَزَّ اسْمُهُ - بِمَن تَمَكَّنَ في مَكانٍ وأُثْبِتَ لَهُ مِن لَوازِمِهِ وهو عِلْمُهُ بِهِ رُبَّما فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المَحْظُورِ في شَيْءٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ ما أسْرَرْتُمُوهُ وما جَهَرْتُمْ بِهِ مِنَ الأقْوالِ أوْ مِنها ومِن
صفحة 90
الأفْعالِ بَيانًا لِلْمُرادِ وتَوْكِيدًا لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ خاصَّةً مَعَ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ مَن في السَّمَواتِ وصاحِبَتِها لِانْسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ إلى بَيانِ حالِ المُخاطَبِينَ، وكَذا يُعْتَبَرُ بَيانًا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الجارِّ عَلى ما عَلِمْتَ فَإنَّ مُلاحَظَتَهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ حَتْمًا
وعَلى التَّقادِيرِ الأُخَرِ لا مَساغَ كَما قِيلَ لِجَعْلِهِ بَيانًا لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في مَفْهُومِ شَيْءٍ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ واخْتِصاصِ اطِّلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى، وكَذا مَفْهُومُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا بَيانًا لِذَلِكَ، واعْتِبارُ العِلْمِ فِيما صَدَقَ عَلَيْهِ المُتَوَحِّدُ غَيْرُ كافٍ في البَيانِيَّةِ، وقِيلَ في بَيانِها عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ: إنَّ حَصْرَ الأُلُوهِيَّةِ بِمَعْنى تَدْبِيرِ الخَلْقِ ومَن تَفَرَّدَ بِتَدْبِيرِ جَمِيعِ أُمُورِ أحَدٍ لَزِمَهُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِها حَتّى يَتِمَّ لَهُ تَدْبِيرُها، فَمُلاحَظَةُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ عَلى طُرُزِ ما تَقَرَّرَ في مُلاحَظَةِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ
ومِن هَذا يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما أُورِدَ عَلى احْتِمالِ تَعَلُّقِ الجارِّ السّابِقِ بِاعْتِبارِ مُلاحَظَةِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مِن أنَّ التَّوَحُّدَ بِها أمْرٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَكانٍ، فَلا مَعْنًى لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَكانٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فَإنَّ تَدْبِيرَ الخَلْقِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما في حَيِّزِ الجارِّ مِنَ الحَيِّزِ، وكَذا بِما فِيهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِمَنعِ تَفْسِيرِ الأُلُوهِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هاتِيكَ التَّقادِيرِ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَدْ جَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالمُفْرَدِ، وبَعْضُهم جَعَلَها كَذَلِكَ مُطْلَقًا، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ المُرادِ مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ حِينَئِذٍ عَقْلِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَقَدَّسَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ المَكانِ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ إذْ لَمْ يُرْدَفْ بِما يُبَيِّنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ ورَجَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ويُتَكَلَّفُ لَهُ تَقْدِيرُ سُؤالٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ هي خَبَرُ (هُوَ) والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنهُ، والظَّرْفُ يَتَعَلَّقُ بـِ (يَعْلَمُ) ويَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيما ذُكِرَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ العالَمِ فِيهِ لِيَلْزَمَ تَحَيُّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُحالُ، وهَذا كَما قِيلَ كَقَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ صادِقٌ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ
ونَقَلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ عَنِ الإمامِ التَّمْرُتاشِيِّ في ”الإيْمانِ“ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ كَما إذا قُلْتَ: إذا ضَرَبْتَ في الدّارِ أوْ في المَسْجِدِ، فَإنْ كانَ مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبِرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ فَلِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَكَذا فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، وإنْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَكَذا فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وفُرِّقَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ المُتَعَدِّي بِإلى والمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ بِأنَّ الأوَّلَ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّةٍ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، والثّانِي إرْسالُ السَّهْمِ أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمى إلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، ولِذا عُدَّ كُلٌّ مِنهُما في قَبِيلٍ وعَلى هَذا يُشَكِّلُ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَعْلُومِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ شَتْمَتِهِ في المَسْجِدِ ويَجِيءُ المُحالُ، وكَوْنُ العِلْمِ هُنا مَجازًا عَنِ المُجازاةِ وهي مِمّا يَظْهَرُ أثَرُها في المَفْعُولِ فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ ويَكْفِي المَفْعُولُ فِيهِ دُونَ الفاعِلِ، في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ عَلى أنَّ كَوْنَ المَفْعُولِ هُنا أعْنِي سِرَّ المُخاطَبِينَ وجَهْرَهم في السَّمَواتِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ
صفحة 91
والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَعْلَمُ نُفُوسَكُمُ المُفارِقَةَ الكائِنَةَ في السَّمَواتِ ونُفُوسَكُمُ المُقارِنَةَ لِأبْدانِكُمُ الكائِنَةِ في الأرْضِ تَعَسُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ عَلى أنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ فِيما قَبْلُ لِلْكافِرِينَ فَتَفُوتُ المُناسَبَةُ والِارْتِباطُ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ المَلائِكَةَ، وظاهِرٌ أنَّ سِرَّهم وجَهْرَهم في السَّمَواتِ
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ سِرِّ المُخاطَبِينَ وجَهْرِهِمْ فِيها لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ في أيِّ مَكانٍ كانَ لا أنَّهُما يَكُونانِ في السَّمَواتِ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسِّرِّ ما كُتِمَ عَنْهم مِن عَجائِبِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ مِمّا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وبِالجَهْرِ ما ظَهَرَ لَهم مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. وإضافَةُ السِّرِّ والجَهْرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَجازِيَّةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُ أيْضًا التَّنازُعُ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجَوِّزُ التَّنازُعَ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ ومَن يَقُولُ: بِجَوازِ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى المَصْدَرِ لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ مُتَعَلِّقِ المَصْدَرِ إذا قُدِّرَ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِمّا مَنَعُوهُ، وقالَ مَوْلانا صَدْرُ الدِّينِ: يَرُدُّ عَلى مَنعِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ تَعَلُّقُهُ بِـ (إلَهٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ مَعَ أنَّ إلَهًا مَصْدَرٌ وصَرَّحَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ فَإنْ أُوِّلَ بِالصِّفَةِ مِثْلَ المَعْبُودِ فَلْيُؤَوَّلِ السِّرُّ والجَهْرُ بِالخَفِيِّ والظّاهِرِ
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ جَعَلَ (هُوَ) ضَمِيرَ الشَّأْنِ و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أيِ الشَّأْنُ والقِصَّةُ ذَلِكَ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾
3
- أيْ ما تَفْعَلُونَهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنَ الأعْمالِ المُكْتَسَبَةِ بِالقُلُوبِ والجَوارِحِ سِرًّا وعَلانِيَةً. وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ تَعْمِيمِ السِّرِّ والجَهْرِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ وهو السِّرُّ في إعادَةِ (يَعْلَمُ) ومِنَ النّاسِ مَن غايَرَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَعْلِ العِلْمِ هُنا عِبارَةً عَنْ جَزائِهِ وإبْقائِهِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ فِيما تَقَدَّمَ. وتَفْسِيرُ المُكْتَسَبِ بِجَزاءِ الأعْمالِ مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ غَيْرُ ظاهِرٍ.وكَذا حَمْلُ السِّرِّ والجَهْرِ عَلى ما وقَعَ والمُكْتَسَبُ عَلى ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ
الأنعام 6:4
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ وامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ أدِلَّتِهِ. والإعْراضُ عَنْ خِطابِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهُمُ السّابِقَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا اقْتَضى أنْ لا يُوَجَّهُوا بِكَلامٍ بَلْ يُضْرَبُ عَنْهم صَفْحًا وتَعَدُّدُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ. فَـ (ما) نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ،و (مِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ يُنافِي كَوْنَ الأوْلى لِلِاسْتِغْراقِ إذِ الآيَةُ المُسْتَغْرِقَةُ لا تَكُونُ بَعْضًا مِنَ الآياتِ. ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ هَهُنا لِآيَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالإتْيانِ فَهي وإنِ اسْتُغْرِقَتْ بَعْضٌ مِن جَمِيعِ الآياتِ عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ
وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها
صفحة 92
والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ أوِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ والإتْيانِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى النُّزُولِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى الظُّهُورِ عَلى ما قِيلَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُطْلَقًا بِمَعْنى الظُّهُورِ اسْتِعْمالًا لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وهو المَجِيءُ الَّذِي لا يُوصَفُ بِهِ إلّا الأجْسامُ مَجازًا لا كِنايَةً كَما قِيلَ
وحاصِلُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: ما تَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المُنْبِئَةِ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ عَلى كافَّةِ الكائِناتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها
﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾
4
- غَيْرَ مُقْبِلِينَ عَلَيْها ولا مُعْتَنِينَ بِها وعَلى الثّانِي ما تَظْهَرُ لَهم آية مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا كانُوا تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها، وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ، واسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ الِاعْتِناءِ أوْ تَرْكِ النَّظَرِ مُجازٌ عَلى ما حَقَّقَهُ البَعْضُ، وفَسَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ الإعْراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِما كانَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ و (عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ. والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا -كَما قالَ الكَرْخِيُّ- في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي أوْ مِن فاعِلِهِ المُخَصَّصِ بِالوَصْفِ كَما قِيلَ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما. وإيثارُها عَلى أعْرَضُوا عَنْها كَما وقَعَ مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسْبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ
وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى غايَةِ انْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ إعْراضَهم عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ أنَّ الإتْيانَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ لَمّا في قَوْلِهِ تَعالى:
الأنعام 6:5
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ فَإنَّ الحَقَّ عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلٍّ آيَةً آيَةً مِنهُ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إظْهارًا لِكَمالِ فَظاعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ. والفاءُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالآياتِ الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ -كَما هو الأظْهَرُ عَلى ما قَرَّرَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ- لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُغايِرٌ لَهُ حَقِيقَةَ واقِعٍ عَقِيبَهُ أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّهُ عَيَّنَهُ في الحَقِيقَةِ والتَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ حَيْثُ أنَّ مَفْهُومَ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ أشْنَعُ مِنَ الإعْراضِ المَذْكُورِ إذْ هو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ
ولِذَلِكَ أُخْرِجَ مَخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ. ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ بَلْ آنَ المَجِيءُ تَأْكِيدًا لِشَناعَةِ فِعْلِهِمُ الفَظِيعِ. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ حِينَ إتْيانِها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ تَكْذِيبُهُ أصْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ. وعَلى الثّانِي أنَّهم إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ حالَ إتْيانِها فَلا تَعَجُّبَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ. واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الفاءِ سَبَبِيَّةً وما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها. وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها سَبَبِيَّةً عَلى مَعْنى أنَّ ما بَعْدَها سَبَبٌ لِما قَبْلَها فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: وقَدْ تَكُونُ الفاءُ السَّبَبِيَّةُ بِمَعْنى لامِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ إذا كانَ ما بَعْدَها سَبَبًا لِما قَبْلَها نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ وأطْلَقَ عَلَيْها الكَثِيرُ حِينَئِذٍ الفاءَ التَّعْلِيلِيَّةَ. وهَلْ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ حِينَئِذٍ أمْ لا؟ لَمْ يُصَرِّحِ الرَّضِيُّ
صفحة 93
بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ أيْضًا
واسْتُشْكِلَ بِأنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ عَلى المُسَبِّبِ ولا مُتَعَقِّبَ إيّاهُ، وتَكَلَّفَ صاحِبُ التَّوْضِيحِ لِتَوْجِيهِهِ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ عِلَّةٌ بِاعْتِبارِ مَعْلُولٍ، ودُخُولُ الفاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المُعْلَوْلِيَةِ لا بِاعْتِبارِ العِلِّيَّةِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تَتَأتّى في كُلِّ مَحَلٍّ وفي التَّلْوِيحِ الأقْرَبُ ما ذَكَرَهُ القَوْمُ مِن أنَّها إنَّما تُدْخِلُ عَلى العِلَلِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَدُومُ فَتَتَراخى عَنِ ابْتِداءِ الحُكْمِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تُرَتُّبُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ قُلْتَ: مِن حَيْثُ أنَّ ذِكْرَ المُسَبِّبِ يَقْتَضِي ذِكْرَ السَّبَبِ انْتَهى، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّرْتِيبِ هُنا مُطْلَقًا لَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِ النُّحاةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ هَذِهِ الفاءَ تَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ بَعْدَ الأمْرِ: كَأكْرِمْ زَيْدًا فَإنَّهُ أبُوكَ، واعْبُدِ اللَّهَ فَإنَّ العِبادَةَ حَقٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى ولَيْسَتِ الفاءُ فَصِيحَةً كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم مِن قَوْلِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُقَدَّرُ جَوابَ (لَمّا)، لِأنَّ جَوابَها الماضِيَ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ عَلى الفَصِيحِ فَكَيْفَ يُقَدَّرُ لِلْفاءِ ما يَقْتَضِي عَدَمَها فَما مُرادُ العَلّامَةِ إلّا بَيانُ حاصِلِ المَعْنى، ولِذا أسْقَطَ الفاءَ نَعَمْ قِيلَ: إنَّ هَذا المَعْنى مِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ
وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ يَجْرِي في الآيَةِ سَواءً كانَتِ الآيَةُ بِمَعْنى الدَّلِيلِ أوِ المُعْجِزَةِ أوِ الآيَةُ القُرْآنِيَّةُ لِتَغايُرِ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ فِيها، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
5
- لِلتَّرْتِيبِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ أمْرًا عَظِيمًا يَقْتَضِي تَرَتُّبَ الوَعِيدِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: (يستهزئون) إيذانًا بِأنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ
واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا أيْ فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، و(ما) عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، و(الأنْباءُ) جَمْعُ نَبَإٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، والمُرادُ بِأنْباءِ القُرْآنِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ ويَتَحَقَّقُ مَدْلُولُها فِيهِمْ ويُظْهِرُ لَهم آياتِ وعِيدِهِ وإخْبارُهُ بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا بِما يَحْصُلُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ والعُقُوباتِ الَّتِي تَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ ونَحْوِهِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أنْباءِ) ذَلِكَ ما تَضَمَّنَ عُقُوباتِ الآخِرَةِ أوْ ظُهُورَ الإسْلامِ وعُلُوَّ كَلِمَتِهِ. وظاهِرُ ما يَأْتِي مِنَ الآياتِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ
وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ إضافَةَ (أنْباءٍ) بَيانِيَّةٌ وهو احْتِمالٌ مَقْبُولٌ. وادِّعاءُ أنَّهُ مُقْحَمٌ وأنَّ المَعْنى سَيَظْهَرُ لَهم ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الواقِعِ فِيهِ أوْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا داعِيَ لِإقْحامِهِ. وفي البَحْرِ إنَّما قُيِّدَ الكَذِبُ بِالحَقِّ هُنا وكانَ التَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) وفي الشُّعَراءِ (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ) بِدُونِ تَقْيِيدِ الكَذِبِ والتَّنْفِيسِ بِالسِّينِ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ فاسْتُوفِيَ فِيها اللَّفْظُ وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ وهو مُرادٌ إحالَةً عَلى الأوَّلِ. وناسَبَ الحَذْفُ الاخْتِصارَ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ فَجِيءَ بِالسِّينِ
الأنعام 6:6
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: شُرُوعٌ في تَوْبِيخِهِمْ بِبَذْلِ النُّصْحِ لَهم والأوَّلُ أظْهَرُ. والرُّؤْيَةُ عِرْفانِيَّةٌ، وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ في أسْفارِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَسْتَدْعِي مَفْعُولًا واحِدًا، و(كَمْ) اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً مُعَلَّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها. وهي مَنصُوبَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وهي عِبارَةٌ
صفحة 94
عَنِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّها و(مِن قَرْنٍ) مُمَيِّزٌ لِـ (كَمْ) عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ فَهو مِن قَرَنْتَ. واخْتُلِفَ في مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ فَقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سُنُونَ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِقْدارُ الأوْسَطِ في أعْمارِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ. ولَمّا كانَ هَذا لا ضابِطَ لَهُ يَضْبِطُ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ فِيهِمْ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِائَةَ سَنَةٍ لِما ورَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَها أمْرَ دِينِها
وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ اخْتُلِفَ فِيها عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ. واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ وفي أهْلِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الأهْلُ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ
وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ انْتِصابَ (كَمْ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِـ (أهْلَكْنا) بِمَعْنى (إهْلاكٍ) أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى (أزْمِنَةٍ)، وهو تَكَلُّفٌ، و(مِنِ) الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، والمَعْنى ألَمْ يَعْرِفْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ المُسْتَهْزِءُونَ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأضْرابِهِمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ حالُهُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةُ (قَرْنٍ) لِأنَّ الجُمَلَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ لِاحْتِياجِها إلى التَّخْصِيصِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِسِياقِ النَّظْمِ مُؤَدٍّ إلى اخْتِلالِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا وبِإهْلاكِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ التَّنْوِينَ التَّفْخِيمِيَّ لا يَأْبى الوَصْفَ، وما ورَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ النَّكِراتِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْدُ فَقَدْ قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ غَفْلَةٌ مِنهُ أوْ تَغافُلٌ عَنْ تَفْسِيرِهِمْ فَأهْلَكْناهم إلْخِ الآتِي بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَعْلُهُ قارًا فِيها ولِما لَزِمَ ذَلِكَ جَعْلُها مُقَرًّا لَهُ ورُدَّ الِاسْتِعْمالُ بِكُلٍّ مِنهُما فَقِيلَ تارَةً: مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مَجْرى الآخَرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ بَعْدَما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: (مَكَّنا لَهُمْ) وفي الثّانِي: (ما لَمْ نُمَكِّنْكُمْ)
وفِي التّاجِ إنْ مَكَّنْتَهُ ومَكَّنْتَ لَهُ مِثْلُ نَصَحْتَهُ ونَصَحْتَ لَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ زائِدَةٌ مِثْلُ (رَدِفَ لَكُمْ) وكَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ يُؤَيِّدُهُ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَكَّنَهُ أبْلَغُ مِن مَكَّنَ لَهُ. ولِذَلِكَ خَصَّ المُتَقَدِّمَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرَ بِالمُتَأخِّرِينَ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ التَّمْكِينُ الَّذِي نُمْكِنُهُ لَكم أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ. وعَلَيْهِما فَهي مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّمْكِينِ الإعْطاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْ أعْطَيْناهم ما تَمَكَّنُوا بِهِ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ ما لَمْ نُعْطِكم. وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ مُدَّةُ عَدَمِ تَمْكِينِكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ. والخِطابُ
صفحة 95
لِلْكَفَرَةِ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ النّاسِ. وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ حالِهِمْ مِنَ التَّبْكِيتِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: لِيَتَّضِحَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ ولا يَشْتَبِهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهي نُكْتَةٌ مِنَ الِالتِفاتِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أهْلُ المَعانِي
﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ كَما رُوِيَ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا. وقِيلَ: السَّحابُ واسْتِعْمالُها في ذَلِكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ. وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها بِمَعْنى المِظَلَّةُ والمَجازُ في إسْنادِ الإرْسالِ إلَيْها لِأنَّ المُرْسَلَ ماءُ المَطَرِ وهي مَبْدَأٌ لَهُ. وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى. والإرْسالُ والإنْزالُ -كَما في البَحْرِ- مُتَقارِبانِ في المَعْنى لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”رِسْلٍ“ اللَّبَنِ وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا ﴿عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ أيْ غَزِيرًا كَثِيرَ الصَّبِّ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ يَسْتَوِي في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ وهو حالٌ مِنَ السَّماءِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـأرْسَلْنا ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ﴾ أيْ صَيَّرْناها تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ أيْ مِن تَحْتِ مَساكِنِهِمْ. والمُرادُ أنَّهم عاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِجَعَلْنا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: أجْرَيْنا الأنْهارَ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً مُسْتَمِرَّةَ الجَرَيانِ لا لِأنَّ النَّهْرَ لا يَكُونُ إلّا جارِيًا فَلا يُفِيدُ الكَلامُ لِأنَّ النَّظْمَ حِينَئِذٍ ناظِرٌ إلى كَوْنِهِ مِن تَحْتِهِمْ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ صَحِيحًا لَما ورَدَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) واسْتَظْهَرَ كَوْنُ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإيجادِ وهو مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى فَلِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ. وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ ولَيْسَ المُرادُ -عَلى ما قِيلَ- بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ بَيانُ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانُ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ ومَبادِئِ الأمْنِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ وعَدَمِ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا ويُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الإغْناءِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ، والمُرادُ: فَكَفَرُوا فَأهْلَكْناهُمْ، ورُجِّحَ الأوَّلُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ كَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْشَأنا) أيْ أوْجَدْنا ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾
6
- بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ قَرْنًا ويُخْلِيَ بِلادَهُ مِنهم فَإنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم آخَرِينَ يُعَمِّرَ بِهِمُ البِلادَ فَهو كالتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قُلِعُوا مَن أصْلِهِمْ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن نَسْلِهِمْ لِجَعْلِهِمْ آخَرِينَ وكَوْنِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ،
الأنعام 6:7
﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إثْرَ بَيانِ ما هم فِيهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ
وعَنِ الكَلْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ لَمّا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ"، والكِتابُ المَكْتُوبُ، والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ فالجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، وإنْ جُعِلَ مُصَدِّرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ
صفحة 96
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (نَزَّلْنا) وفِيهِ بَعْدُ، و(القِرْطاسُ) بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها وقُرِئَ بِهِما مُعَرَّبُ كُرّاسَةٍ كَما قِيلَ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ الجَوالِيقِيُّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ ومَعْناهُ الوَرَقُ وعَنْ قَتادَةَ: الصَّحِيفَةُ، وفي القامُوسِ: القِرْطاسُ مُثَلَّثَةُ القافِ وكَجَعْفَرٍ ودِرْهَمٍ والكاغِدُ، وقالَ الشِّهابُ: هو مَخْصُوصٌ بِالمَكْتُوبِ أوْ أعَمُّ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ
0 – ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أيِ الكِتابُ أوِ القِرْطاسُ، و(اللَّمْسُ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ المَسُّ بِاليَدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيْ تَفَحَّصْنا، وقِيلَ: إنَّهُ أعَمُّ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، فَعَنِ الرّاغِبِ: المَسُّ ادِّراكٌ بِظاهِرِ البَشَرَةِ كاللَّمْسِ وبِالتَّقْيِيدِ بِهِ يَنْدَفِعُ احْتِمالُ التَّجَوُّزِ أيْضًا
وقِيلَ: إنَّما قُيِّدَ بِذَلِكَ لِأنَّ الإحْساسَ بِاللُّصُوقِ يَكُونُ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ ولِلْيَدِ خُصُوصِيَّةٌ في الإحْساسِ لَيْسَتْ لِسائِرِها، وأمّا التَّجَوُّزُ بِاللَّمْسِ عَنِ الفَحْصِ فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُباشَرَتِهِمُ الفَحْصَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يَنْدَفِعُ لِكَوْنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ أنْسَبَ بِالمَقامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِيُفِيدَ أنَّ اللَّمْسَ كانَ بِكِلْتا اليَدَيْنِ ولا يَظْهَرُ وجْهُ الإفادَةِ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، ولِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إذا تَرَكَ العِنادَ والتَّعَنُّتَ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾
واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّمْسَ هُنا إنَّما يَدْفَعُ احْتِمالَ كَوْنِ المَرْئِيِّ مُخَيَّلًا، وأمّا نُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ فَلا يُثْبُتُ بِهِ
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا تَأيَّدَ الِادِّراكُ البَصَرِيُّ في النُّزُولِ بِالِادِّراكِ اللَّمْسِيِّ في المَنزِلِ بِجَزْمِ العَقْلِ بَدِيهَةً بِوُقُوعِ المُبْصَرِ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلا يَبْقى بَعْدَهُ إلّا مُجَرَّدُ العِنادِ مَعَ أنَّ حُدُوثَهُ هُناكَ مِن غَيْرِ مُباشِرَةِ أحَدٍ يَكْفِي في الإعْجازِ كَما لا يَخْفى، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ زِيادَةِ لَمْسِهِمْ بِأيْدِيهِمْ تَحْقِيقُ القِراءَةِ عَلى قُرْبِ أيْ فَقَرَءُوهُ وهو بِأيْدِيهِمْ لا بَعِيدٌ عَنْهم لَما آمَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ (لَوْ) عَلى الأفْصَحِ مِنِ اقْتِرانِ جَوابِها المُثْبَتِ بِاللّامِ، والمُرادُ (لَقالُوا) تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ، وإنَّما وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزَ الصِّلَةَ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يُكَفِّرُ - كَما قِيلَ - حَسَنُ مَوْقِعِهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَحَدِيثُ الوَضْعِ حِينَئِذٍ مَوْضُوعٌ، و(إنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هَذا﴾ أيِ الكِتابُ نافِيَةٌ أيْ ما هَذا ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
7
- أيْ ظاهِرُ كَوْنِهِ سِحْرًا.
الأنعام 6:8
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَدْحِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما هو أصْرَحُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ (لَوْ) ويُغْتَفَرُ في الثَّوانِي ما يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرُ تَنْزِيلُ الكِتابِ المَذْكُورِ بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بُعْدَ في تَقْدِيرِ صُدُورِ هَذِهِ المَقالَةِ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِأنَّهُ مِمّا يُوقِعُ الكافِرَ المُعانِدَ في حَيْصَ بَيْصَ فَلا يَدْرِي بِماذا يُقابِلُهُ، وأيَّ شَيْءٍ يَتَشَبَّثُ بِهِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّوْبِيخُ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِمَلَكٍ يُشاهَدُ مَعَهُ حَتّى تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ بِزَعْمِهِمْ
أخْرَجَ أبُو المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَّغَنِي فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ وعَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وابْنُ أبِي خَلَفِ بْنُ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويُرى
صفحة 97
مَعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ﴾ إلَخْ» أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ هَذا نَظِيرُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ وجَعْلِهِ مَعَهُ ﷺ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُنْذِرُهم أُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَبايِنَيْنِ فَإنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا وجَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ مَلَكًا عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَشاهَدُوهُ بِأعْيُنِهِمْ: لَقُضِيَ الأمْرُ أيْ لَأُتِمَّ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ لِمَزِيدِ هَوْلِ المَنظَرِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن ضَعْفِ القُوى وعَدَمِ اللِّياقَةِ
وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم هم إنَّما رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنهم عَلى صُورَتِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ رَآهُ كَذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ بِجِيادٍ ومَرَّةً في السَّماءِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مُحْتاجٌ إلى نَقْلٍ عَنِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والَّذِي صَحَّ مِن رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّتَيْنِ كَما ذُكِرَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ أنَّ أحَدًا مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَرِدْ هَذا -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ وناهِيكَ بِهِ حافِظًا في شَيْءٍ- مِن كُتُبِ الآثارِ، وأمّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وكَذا رُؤْيَةُ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصُّورَةِ الأصْلِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ بِلا رَيْبٍ، وظاهِرُ الأخْبارِ وُقُوعُها أيْضًا لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا وُقُوعُ رُؤْيَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ أقِفْ فِيها عَلى شَيْءٍ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وعَدَمُ وُقُوعِ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَتْ صُوَرُ المَلائِكَةِ كُلُّهم كَصُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العِظَمِ، وخَبَرُ الخَصْمَيْنِ والأضْيافِ لِإبْراهِيمَ ولُوطٍ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةً عَلى أكْثَرِ مِن رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ لِلْمَلائِكَةِ بِصُورَةِ الآدَمِيِّينَ وهي لا تَسْتَلْزِمُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم إلّا كَذَلِكَ وإلّا لاسْتَلْزَمَتْ رُؤْيَةُ نَبِيِّنا ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا عَدَمَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم إلّا بِالصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ وهو خِلافُ ما تَفْهَمُهُ الأخْبارُ، وبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى نُونِ العَظَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وكَلِمَةُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾
8
- أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ إنْزالِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحْظَوْا مِنهُ بِكَلِمَةٍ أوْ يُزِيلُوا بِهِ بِزَعْمِهِمْ شُبْهَةً لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَضاءُ الأمْرِ وعَدَمُ الإنْظارِ فَإنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مُهْلَةً قُدِّرَ أنْ يَتَأمَّلُوا
واعْتُرِضَ بَأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (لَقُضِيَ) ولا يُمْهِلُ لِلتَّأمُّلِ بَعْدَ قَضاءِ الأمْرِ
وقِيلَ في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ: إنَّهم إذا عايَنُوهُ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ وهي آية لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِ ما اقْتَرَحَ. ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَزُولُ
صفحة 98
اخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِهِ لِأنَّ هَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ فَيَجِبُ إهْلاكُهم لِئَلّا يَبْقى وجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى قَواعِدِ المُعْتَزِلَةِ وهي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ ومَعَ هَذا هو غَيْرُ صافٍ عَنِ الأشْكالِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الوَجْهَ يُنافِي ما قَبْلَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلى بَقاءِ الِاخْتِيارِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ ودَلالَةُ هَذا عَلى سَلْبِ الِاخْتِيارِ وزَوالِهِ وأنَّ الإيمانَ إيمانُ يَأْسٍ
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا يُحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجَزَتِهِمْ بِالهَلَكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لا المُعْجِزُ الخاصُّ فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظْرَةِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ هو الأوْلى وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ﴿لا يُنْظَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ لا عَلى هَلاكِهِمْ بِرُؤْيَةِ المَلَكِ يَنْدَفِعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ بِتَكَلُّفٍ يُتْرَكُ لَهُ كَلامُ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المُحَدِّثِ لِلنّاسِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَفْهُومُ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، والضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ أيْ: ولَوْ جَعَلَنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحْتُمْ إنْزالَهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ مُعايَنَةَ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ الأصْلِيِّ، وفي إيثارِ (رَجُلًا) عَلى (بَشَرًا) إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطْرِيقَ قَلْبِ الحَقِيقَةِ وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وفِيهِ إشْعارٌ كَما قالَ عِصامُ الدِّينِ وغَيْرُهُ بِأنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ امْرَأةً وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في نُبُوَّتِها
والعُدُولُ عَنْ (ولَوْ أنْزَلْناهُ مَلَكًا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ يُعْلَمُ سِرُّهُ مِمّا تَقَدَّمَ في بَيانِ المُرادِ وقِيلَ: العُدُولُ لِرِعايَةِ المُشاكَلَةِ لِما بَعْدُ، ووَجَّهَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ جَعْلِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلَكِ المَذْكُورِ قَبِلَ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: ولَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا بِأنَّهُ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ومَدارُ اسْتِلْزامِهِ الثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلُ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ فَحَيْثُ كانَتْ (لَوِ) امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي وجَبَ أنْ يَجْعَلَ مَدارَ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جَعَلَ مُقابِلَهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ إبْرازًا لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ
الأنعام 6:9
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ إلَخْ جَوابَ اقْتِراحٍ ثانٍ وذَلِكَ لِأنَّ لِلْكَفَرَةِ اقْتِراحَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلَكٌ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ بِحَيْثُ يُعايِنُهُ القَوْمُ، والآخَرُ أنْ يَنْزِلَ إلى القَوْمِ ويُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَكانَ الرَّسُولِ البَشَرِ مَلَكٌ فَإنَّهم كَما كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى
صفحة 99
مُحَمَّدٍ ﷺ مَلَكٌ فَيَكُونُ مَعَهُ نَذِيرًا، كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَأُجِيبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ إلَخْ وعَنْ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ بِما ذُكِرَ، فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) لِلرَّسُولِ المُنَزَّلِ إلى القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ ولا داعِيَ إلَيْهِ أصْلًا
وبَعْضُهم جَعَلَهُ جَوابًا آخَرَ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمَطْلُوبِ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَطْلُوبَ أيْضًا مَلَكٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: لَوْ جَعَلْنا المَلَكَ مَلَكًا إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ لَوْ جَعَلْنا المَطْلُوبَ مَلَكِيَّتَهُ مَلَكًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَطْلُوبَ هو النّازِلُ المُقارِنُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا غُبارَ في الكَلامِ خَلا أنَّ لُزُومَ جَعْلِ المَلَكِ النّازِلِ رَجُلًا لِجَعْلِهِ مَلَكًا كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الثّانِيَةِ يُنافِي لُزُومَ هَلاكِهِمْ لَهُ كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الأُولى لِتَوَقُّفِ الثّانِي عَلى عَدَمِ الأوَّلِ لِأنَّ مَبْناهُ عَلى نُزُولِهِ في صُورَتِهِ لا في صُورَةِ رَجُلٍ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ لا جَوابًا آخَرَ عَنِ الِاقْتِراحِ الأوَّلِ حَتّى لا يَلْزَمَ المُنافاةَ
وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ جَوابًا آخَرَ يَكُونُ جَوابًا عَلى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ، والمَعْنى لَوْ أنْزَلْناهُ كَما اقْتَرَحُوا لَهَلَكُوا، ولَوْ فَرَضْنا عَدَمَ هَلاكِهِمْ فَلا بُدَّ مَن تُمَثُّلِهِ بَشَرًا لِأنَّهم لا يُطِيقُونَ رُؤْيَتَهُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَكُونُ الإرْسالُ لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَوَّلْنا عَلَيْهِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ سالِمٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ، نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ إشْكالًا وهو أنَّ المُقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ المِيزانِ أنَّ صِدْقَ العَكْسِ لازِمٌ لِصِدْقِ الأصْلِ فَعَلى هَذا يَلْزَمُ مِن كَذِبِ اللّازِمِ كَذِبُ المَلْزُومِ فَهَهُنا عَكْسُ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ وهي لَوْ جَعَلْناهُ مَلِكًا لَجَعَلَناهُ رَجُلًا غَيْرَ صادِقٍ إذْ هو لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَجَعَلَناهُ مَلَكًا، ولا خَفاءَ في عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا، والجَوابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المِيزانِ اصْطِلاحٌ جارٍ فَلا يَجِبُ مُوافَقَةُ قاعِدَتِهِمْ لِقاعِدَةِ أهْلِ اللِّسانِ غَيْرُ مُرْضى فَإنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ تِلْكَ القاعِدَةَ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِقاعِدَةِ اللُّغَةِ وأنَّها مِمّا لا خِلافَ فِيهِ
وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَمْهِيدِ مُقَدِّمَةٍ وهي أنَّ لِـ (لَوِ) الشَّرْطِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ لُغَوِيًّا وهي فِيهِ لِانْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ كَما في لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ ومَفْهُومُ القَضِيَّةِ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِأنَّ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِسَبَبِ عَدَمِ تَحَقُّقِ شَيْءٍ آخَرَ، وعُرْفِيًّا تَعارَفَهُ المِيزانِيُّونَ فِيما بَيْنَهم وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوها مِن أدَواتِ الِاتِّصالِ لُزُومِيًّا واتِّفاقِيًّا وصِدْقُ القَضِيَّةِ الَّتِي هي فِيها بِمُطابَقَةِ الحُكْمِ بِاللُّزُومِ لِلْواقِعِ وكَذِبُها بِعَدَمِها، ويَحْكُمُونَ بِكَذِبِها وإنْ تَحَقَّقَ طَرَفاها إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما لُزُومٌ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها اللُّغَوِيُّونَ أيْضًا في هَذا المَعْنى إمّا بِالِاشْتِراكِ أوْ بِالمَجازِ كَما يُقالُ: لَوْ كانَ زَيْدٌ في البَلَدِ لَرَآهُ أحَدٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَزارَنِي ومِنَ البَيْنِ أنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ لا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ انْتِفاءَ الثّانِي سَبَبُ انْتِفاءِ الأوَّلِ وجَعَلُوا مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾
وقَدِ اشْتَبَهَ هَذانِ الِاسْتِعْمالانِ عَلى ابْنِ الحاجِبِ حَتّى قالَ ما قالَ بِأنَّ قَوْلَ المُسْتَشْكِلِ: أنَّ عَكْسَ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ إلَخْ إنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ عَكْسَهُ ما ذُكِرَ فَإنَّ عَكْسَ:لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ لَيْسَ: لَوْ أكْرَمْتُكَ لَجِئْتَنِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ الحُكْمُ في هَذا الِاسْتِعْمالِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِالِاتِّصالِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ القَضِيَّةُ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ السَّكّاكِيُّ عَلى أنَّ بَعْضَ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ قالُوا: المُرادُ مِنَ الآيَةِ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ﴾ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وأنَّ المَقْصُودَ
صفحة 100
بَيانُ انْتِقاضِ غَرَضِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، يَعْنِي أنَّ نُزُولَ المَلَكِ لا يُجْدِيهِمْ لِأنَّهم وهم هم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُشاهَدَةِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها إلّا أنْ يَجْعَلَهُ مُتَمَثِّلًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ في مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ التَّنَزُّلِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم مَعَهُ مُناسَبَةٌ فَيَرَوْهُ فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا بِمَراحِلَ عَنْ أنْ يُبْحَثَ فِيها عَنْ أنَّ عَكْسَها ماذا أوْ كَيْفَ حالُها في الصِّدْقِ والكَذِبِ، فَإنَّها لَمْ تُسَقْ لِبَيانِ لُزُومِ الجَعْلِ الثّانِي لِلْجَعْلِ الأوَّلِ حَتّى يُسْتَدَلَّ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ أوْ بِالوُجُودِ عَلى الوُجُودِ، فَنِسْبَةُ هَذا البَحْثِ إلى الآيَةِ كَنِسْبَةِ السَّمَكِ إلى السَّمّاكِ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ العُرْفِيِّ المَنطِقِيِّ فَمُسَلَّمٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن صِدْقِ عَكْسِها عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ أصْلِها لَكِنْ لا نُسَلِّمُ كَذِبَ العَكْسِ هُنا عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ إذا فُرِضَ لُزُومُ الجَعْلِ رَجُلًا لِلْجَعْلِ الأوَّلِ كُلِّيًّا عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَصْدُقُ لُزُومُ الجَعْلِ مَلَكًا لِلْجَعْلِ رَجُلًا عَلى بَعْضِ الأوْضاعِ والتَّقادِيرِ وهو اللّازِمُ المُقَرَّرُ في قَواعِدِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا لا يَلِيقُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ مِن مِثْلِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ، وهو كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: إذا قُلْنا إنْ كانَ زَيْدٌ صاهِلًا كانَ حَيْوانًا لا يَصْدُقُ عَكْسُهُ وهو قَدْ يَكُونُ إذا كانَ زَيْدٌ حَيْوانًا كانَ صاهِلًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِصاهِلٍ في الواقِعِ، ومَنشَأُ هَذا هو ظَنُّ أنَّ عَدَمَ تَحَقُّقٍ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أوْ كِلَيْهِما يُنافِي اللُّزُومَ
وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ صِدْقَ اللُّزُومِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَحَقُّقِ الطَّرَفَيْنِ ولا تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ اهـ، وبَحَثَ فِيهِ المَوْلى العَلائِيُّ أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ كَوْنَ القَضِيَّةِ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ، والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها، كَلامٌ ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ ورَدَّهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ وحَقَّقَ اتِّفاقَ الفَرِيقَيْنِ عَلى كَوْنِ الجُمْلَةِ هي المَجْمُوعَ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَصِحُّ بِناءُ الجَوابِ عَلى ذَلِكَ
وأُمًّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَشْكِلَ لَمْ يَسْتَدِلْ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في عِبارَتِهِ فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: أكْثَرُ اسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ لِمَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ انْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ، والثّانِي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ لازِمُ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وذَلِكَ إذا كانَ الشَّرْطُ يُسْتَبْعَدُ اسْتِلْزامُهُ لِذَلِكَ الجَزاءِ، ويَكُونُ نَقِيضُ ذَلِكَ الشَّرْطِ أنْسَبَ وألْيَقَ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَيَلْزَمُ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ كَما في «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْصِهْ،» وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُونَ أنَّ الآيَةَ إمّا مِن قَبِيلِ الأوَّلِ: أيْ لَوْ جَعَلْناهُ قَرِينًا لَكَ مَلَكًا يُعايِنُونَهُ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلَناهُ ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ، وما جَعَلَنا ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ لِأنّا لَمْ نَجْعَلِ القَرِينَ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا وإمّا مِن قَبِيلِ الثّانِي: أيْ ولَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا لَكانَ في صُورَةِ رَجُلٍ فَكَيْفَ إذا كانَ إنْسانًا وكُلٌّ مِنهُما لا يَقْبَلُ العَكْسَ المَذْكُورَ ولا ثالِثَ فَلا إشْكالَ فَتَدَبَّرْ فالبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى بَسْطِ كَلامٍ، ولَوْ بَسَطْناهُ لَأمَلَّ النّاظِرِينَ
﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾
9
- جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابَ مَحْذُوفٍ أيْ: ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَلَبَسْنا إلَخْ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ إعادَةُ لامِ الجَوابِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ، وأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ إرْسالِ المَلَكِ واللَّبْسِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لَهُ بَلْ لِعَكْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ عَطْفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) المَذْكُورِ ولا ضَيْرَ في عَطْفِ لازِمِ الجَوابِ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ إعادَةِ اللّامِ أنَّ لازِمَ الشَّيْءِ بِمُنْزِلَتِهِ فَكَأنَّهُ جِلْبابٌ واللَّبْسُ في الأصْلِ السَّتْرُ بِالثَّوْبِ، ويُطْلَقُ عَلى مَنعِ النَّفْسِ مِن إدْراكِ الشَّيْءِ بِما هو كالسَّتْرِ لَهُ يُقالُ: لَبِسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبَسُهُ إذا شَبَّهْتُ عَلَيْهِمْ
صفحة 101
وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ لَبِسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ إذا خَلَطْتُهُ عَلَيْهِ حَتّى لا يَعْرِفَ جِهَتَهُ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتَدَلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالمُعْجِزِ كالقُرْآنِ ونَحْوَهُ كَذَّبُوهُ كَما كَذَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وإسْنادُ اللَّبْسِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ لِلُزُومِهِ لِجَعْلِهِ رَجُلًا
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، ونِسْبَةُ آياتِهِ البَيِّناتِ إلى السِّحْرِ، و (ما) عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشْفِ عَلى الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وهو الأظْهَرُ لِاسْتِمْرارِ حَذْفِ المَثَلِ في نَحْوِ ضَرَبْتُ ضَرْبَ الأمِيرِ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ مِثْلَ الَّذِي يَلْبِسُونَهُ. ومُتَعَلِّقُ (يَلْبِسُونَ) عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عَلى ضُعَفائِهِمْ حَيْثُ قالَ: كانُوا يَلْبِسُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ في أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُونَ: إنَّما هَذا بَشَرٌ مِثْلُكم فَأخَبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَوْ جَعَلْنا المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَأرَيْناهم إيّاهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ وحِينَئِذٍ يَلْحَقُهم فِيهِ مِنَ اللَّبْسِ مِثْلَ ما لَحِقَ ضُعَفاءَهم مِنهُ
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (ولَبَّسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ. والزُّهْرِيُّ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ في بَيانِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَعْلِ المَلَكِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِهِ في صُورَةِ البَشَرِ أُمُورًا: الأوَّلُ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ. الثّانِي أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ. الثّالِثُ أنَّ طاعاتِ المَلَكِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعاتِ البَشَرِ ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي. الرّابِعُ أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءً كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ولا يَخْفى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا تَبَدَّلَتْ حَقِيقَةُ المَلَكِ المُقَدَّرِ نُزُولُهُ بِحَقِيقَةِ البَشَرِ وهو مَعَ كَوْنِهِ مِنِ انْقِلابِ الحَقائِقِ خِلافُ ما يُفْهَمُ مِن كُتُبِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ التَّبَدُّلَ صُورِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ، وأنَّ الوَجْهَ الرّابِعَ لا يُظْهِرُ وجْهَ كَوْنِهِ حِكْمَةً لِتَصْوِيرِ المَلَكِ بِصُورَةِ البَشَرِ
وقَوْلُ العَلائِيِّ: لَعَلَّ وجْهَهُأنَّ المُصَوَّرَ الَّذِي قُدِّرَ كَوْنُهُ نَبِيًّا لَمّا اشْتَمَلَ عَلى جِهَتَيْنِ: البَشَرِيَّةِ صُورَةً والمَلَكِيَّةِ حَقِيقَةً لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءٌ كانَ مَلَكًا كَهَذا المُصَوَّرِ بِاعْتِبارِ حَقِيقَتِهِ أوْ بَشَرًا مِثْلَهُ بِاعْتِبارِ صُورَتِهِ مِمّا لا يَتَبَلَّجُ لَهُ وجْهُ القَبُولِ
الأنعام 6:10
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِمْ أيْ أنَّكَ لَسْتَ أوَّلَ رَسُولٍ اسْتَهْزَأ بِهِ قَوْمُهُ فَكَمْ وكَمْ مِن رَسُولٍ جَلِيلِ الشَّأْنِ فُعِلَ مَعَهُ ذَلِكَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِداءٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ) والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما لا يَخْفى. وكَوْنُ التَّسْلِيَةِ بِهَذا المِقْدارِ مِمّا خَفِيَ عَلى بَعْضِ الفُضَلاءِ وهو ظاهِرٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ التَّسْلِيَةَ بِهِ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
1
- لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ عُوقِبَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُقُوبَةِ مَنِ اسْتَهْزَأ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ
(وحاقَ) بِمَعْنى أحاطَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِعادَ عَلَيْهِ وبالُ أمْرِهِ، وقِيلَ: حَلَّ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: نَزَلَ وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ ومَعْناهُ يَدُورُ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ
صفحة 102
إلّا في السِّرِّ كَما قالَ: فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَرْبَةٍ حائِقُ وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ ”حَقَّ“ فَأُبْدِلَ مِن أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ حَرْفُ عِلَّةٍ كَتَظَنَّنْتُ وتَظَنَّيْتُ أوْ هو مِثْلُ ذَمَّةٌ وذامَةٌ، والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ ما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ
وقالَ الأزْهَرِيُّ: جَعَلَ أبُو إسْحاقَ (حاقَ) بِمَعْنى أحاطَ وكَأنَّهُ جَعَلَ مادَّتَهُ مِنَ الحُوقِ بِالضَّمِّ وهو ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها. وقَدْ يُفْتَحُ كَما في القامُوسِ وجُعِلَ أحَدُ مَعانِي الحَوْقِ بِالفَتْحِ الإحاطَةِ؛ وفِيهِ أيْضًا حاقَ بِهِ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا بِفَتْحِ الياءِ أحاطَ بِهِ كَأحاقَ وفِيهِ السَّيْفُ حاكَ وبِهِمُ الأمْرُ لَزِمَهم ووَجَبَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ، وأحاقَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَكْرَهُمْ، والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ. وظاهِرُهُ أنَّ حاقَ يائِيٌّ وعَلَيْهِ غالِبُ أهْلِ اللُّغَةِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ الأزْهَرِيِّ مِن أنَّهُ واوِيٌّ. و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَخِرُوا) والضَّمِيرِ المُرْسَلِ. ويُقالُ: سَخِرُوا مِنهُ وبِهِ كَهَزِأ مِنهُ وبِهِ فَهُما مُتَّحِدانِ مَعْنًى واسْتِعْمالًا. وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ بِمَعْنًى لَكِنَّ الأوَّلَ قَدْ يَتَعَدّى بِمِن والباءِ. وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا يُقالُ إلّا اسْتَهْزَأ بِهِ ولا يَتَعَدّى بِمِن. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ والجارُّ والمَجْرُورُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) ورُدَّ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ فَحاقَ بِالَّذِينِ سَخِرُوا كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ ولا فائِدَةَ لِهَذِهِ الحالِ لِانْفِهامِها مِن سَخِرُوا وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ والسُّخْرِيَةَ بِمَعْنًى ولَيْسَ بِلازِمٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ يَجْعَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِمَعْنى طَلَبِ الهُزْءِ فَيَصِحُّ بَيانُهُ ولا يَكُونُ في النَّظْمِ تَكْرارٌ. فَعَنِ الرّاغِبِ الِاسْتِهْزاءُ وارْتِيادُ الهُزْءِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَعاطِي الهُزْءِ كالِاسْتِجابَةِ في كَوْنِها ارْتِيادًا لِلْإجابَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الإجابَةِ
وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ ونُسِبَ إلى الحَوْفِيِّ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ. و(بِالَّذِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ وهو (ما) لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ. وهي إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ بِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي في ضِمْنِ الرُّسُلِ. وإمّا مَوْصُولَةٌ والضَّمِيرُ لَها والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَأحاطَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ أوْ وبالُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ بِهِ. وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وفي الكَلامِ إطْلاقُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ لِأنَّ المُحِيطَ بِهِمْ هو العَذابُ ونَحْوَهُ لا الِاسْتِهْزاءُ ولا المُسْتَهْزَأُ بِهِ لَكِنْ وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ مُبالَغَةً
وقِيلَ:أنَّ المُرادَ مِنَ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ هو العَذابُ الَّذِي كانَ الرُّسُلُ يُخَوِّفُونَهم إيّاهُ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ السّابِقِ أوِ الحَذْفِ. وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ. والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هو العَذابُ بَلِ السِّياقُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَهْزَأ بِهِمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْفَعُهُ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ وتَوَعَّدُوا قَوْمَهم بِنُزُولِهِ وإنَّ مِثْلَهُ لِظُهُورِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (حاقَ بِهِمْ) كِنايَةً عَنْ إهْلاكِهِمْ وإسْنادُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن قَبِيلِ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ أنَّ المُهْلِكَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإسْنادُهُ إلى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَيْقَ الإحاطَةُ ونِسْبَتَها إلى العَذابِ لا شُبْهَةَ في أنَّها حَقِيقَةً ولا داعِيَ إلى تَفْسِيرِهِ بِالإهْلاكِ وارْتِكابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ بَيانُ مُؤَدّى الكَلامِ ومَجْمُوعِ مَعْناهُ. نَعَمْ
صفحة 103
إذا قُلْنا: أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَكُونُ لِلْأجْسامِ دُونَ المَعانِي فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ في الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ إسْنادِها إلى العَذابِ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا الزَّعْمُ كَما لا يَخْفى. وفي جَمْعِ (كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ) ما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ في أمْثالِهِ. و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ. وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
الأنعام 6:11
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
11
- خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ وما حاقَ بِهِمْ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُحاكِي تِلْكَ الأفْعالَ. وفي ذَلِكَ أيْضًا تَكْمِلَةٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، وقَدْ أنْجَزَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ إنْجازًا أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ يَوْمَ بَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ النَّظَرِ التَّفَكُّرُ، وقِيلَ: النَّظَرُ بِالإبْصارِ وجَمَعَ بَيْنِهِما الطَّبَرْسِيُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِجَوازِ مِثْلِ ذَلِكَ، و (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ (كانَ) أوْ حالٌ وهي تامَّةٌ، والعاقِبَةُ مَآلُ الشَّيْءِ وهي مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُكَذِّبِينَ دُونَ المُسْتَهْزِئِينَ قِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَآلَ مَن كَذَبَ إذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في مَآلِ مَن جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ تَعْرِيفَ المُكَذِّبِينَ لِلْعَهْدِ وهُمُ الَّذِينَ سَخِرُوا فَيَكُونُونَ جامِعِينَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مَعَ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِما جاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُ، ولا يَخْفى أنَّ مَقْصُودَ القائِلِ إنَّ أُولَئِكَ وإنْ جَمَعُوا الأمْرَيْنِ لَكِنْ في الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ هُنا ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى فَظاعَةِ ما نالَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ وضْعَ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ مَدارُ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ وعُطِفَ الأمْرُ بِالنَّظَرِ عَلى الأمْرِ بِالسَّيْرِ بِـ (ثُمَّ) قِيلَ لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما وإنْ كانَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ واجِبًا لِأنَّ الأوَّلَ إنَّما يَطْلُبُ الثّانِي كَما في قَوْلِكَ: تَوَضَّأْ ثُمَّ صِلْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ لِأنَّ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ولا رَيْبَ في تَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ،وأُورِدَ عَلَيْهِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّهُ يَأْباهُ سَلامَةُ الذَّوْقِ لِأنَّ فِيهِ إقْحامَ أمْرٍ أجْنَبِيٍّ وهو بَيانُ إباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْ حالِ المُسْتَهْزِئِينَ وما يُناسِبُهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالِاعْتِبارِ بِآثارِهِمْ وهو مِمّا يُخِلُّ بِالبَلاغَةِ إخْلالًا ظاهِرًا
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ إذْ ذاكَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ لِأنَّ المُرادَ خِذْلانُهم وتَخْلِيَتُهم وشَأْنَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ بِالتَّشاغُلِ بِأمْرِ دُنْياهم كَقَوْلِهِ تَعالى: (ولِيَتَمَتَّعُوا) وهَذا حاصِلُ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَجازٌ عَنِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ وإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُتَسَخَّطٌ إلى الغايَةِ كَما تَقُولُ لِمَن عَزَمَ عَلى أمْرٍ مُؤَدٍّ إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَبالَغَتْ في نُصْحِهِ ولَمْ يَنْجَعْ فِيهِ أنْتَ وشَأْنَكَ، وافْعَلْ ما شِئْتَ فَإنَّكَ لا تُرِيدُ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الأمْرِ، كَيْفَ والآمِرُ بِالشَّيْءِ مُرِيدٌ لَهُ وأنْتَ شَدِيدُ الكَراهَةِ مُتَحَسِّرٌ ولَكِنَّكَ كَأنَّكَ قُلْتَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ النُّصْحَ فَأنْتَ أهْلٌ لِأنْ يُقالُ لَكَ: افْعَلْ ما شِئْتَ ولا يَخْفى أنَّ انْفِهامَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ بِحَمْلِ الأمْرِ بِالسَّيْرِ هُنا عَلى الإباحَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا وحَمْلِ الأمْرِ بِهِ هُناكَ عَلى السَّيْرِ لِأجْلِ النَّظَرِ ولِهَذا كانَ العَطْفُ بِالفاءِ في تِلْكَ الآيَةِ ونَظَرَ بَعْضُهم بِغَيْرِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أيْضًا
وذُكِرَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ هُنا: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وفي غَيْرِ ما مَوْضِعٍ (فانْظُرُوا) لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي
صفحة 104
(ثُمَّ) دُونَهُ في هاتِيكَ المَواضِعِ، وذَلِكَ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهالِكِينَ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ، والثّانِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنْشَأ بَعْدَهم أيْضًا كَثِيرُونَ فَيَكُونُ أمْرُهم بِالسَّيْرِ دُعاءً لَهم إلى العِلْمِ بِذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ اسْتِقْراءَ البِلادِ ومَنازِلِ أهْلِ الفَسادِ عَلى كَثْرَتِها لِيَرَوُا الآثارَ في دِيارٍ بَعْدَ دِيارٍ، وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَمْنَعُ مِنَ التَّعْقِيبِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الفاءُ و(لا) كَذَلِكَ في المَواضِعِ الأُخَرِ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٍ هُنا ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ يُعْطَفُ النَّظَرُ عَلَيْهِ بِالفاءِ تارَةً نَظَرًا إلى آخِرِهِ وبِثُمَّ أُخْرى نَظَرًا إلى أوَّلِهِ وكَذا شَأْنُ كُلِّ مُمْتَدٍّ
الأنعام 6:12
﴿قُلْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ ﴿لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ أيْ لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا؟
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجَوابِ نِيابَةً عَنْهم أوْ إلْجاءً لَهم إلى الإقْرارِ بِأنَّ الكُلَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكَرٌ ولا عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ، فَإنَّ أمْرَ السّائِلِ بِالجَوابِ إنَّما يَحْسُنُ كَما قالَ الإمامُ في مَوْضِعٍ يَكُونُ الجَوابُ كَذَلِكَ، قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم تَثاقَلُوا في الجَوابِ مَعَ تَعَيُّنِهِ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوجِينَ وذَكَرَ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (قُلْ لِمَن) إلَخْ مَعْناهُ الأمْرُ بِطَلَبِ هَذا المَطْلَبِ والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِهِ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ مَعْناهُ إنَّكَ إذا طَلَبْتَ وأدّى نَظَرُكَ إلى الحَقِّ فاعْتَرِفْ بِهِ ولا تُنْكِرْهُ، وهَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ في الأفْعالِ بَعْدَ الإرْشادِ إلى التَّوْحِيدِ في الأُلُوهِيَّةِ وهو الِاحْتِرازُ عَنْ حالِ المُكَذِّبِينَ
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى وجْهِ الرَّبْطِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُعْلَمُ مِنهُ الوَجْهُ الوَجِيهُ لِذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِلَّهِ تَعالى ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ صادِحَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِجَمِيعِ الخُلُقِ إثْرَ بَيانِ شُمُولِ مِلْكِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْكُلِّ المُصَحِّحِ لِإنْزالِ العُقُوبَةِ بِالمُكَذِّبِينَ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ، وما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ إلّا مِن سُوءِ اخْتِيارِ العِبادِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ لا مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ جَلَّ وعَلا، ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، ومَعْنى (كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ) جَلَّ شَأْنُهُ إيجابُها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ وقِيلَ: هو ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لِما قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ ”أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“،» وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا بِيَدِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فَوَضَعَهُ تَحْتَ عَرْشِهِ فِيهِ ”رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ومَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها فِيها أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ
وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ قالَ العُلَماءُ: غَضَبُ اللَّهِ تَعالى ورِضاهُ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الإرادَةِ فَإرادَتُهُ
صفحة 105
الثَّوابُ لِلْمُطِيعِ، والمَنفَعَةُ لِلْعَبْدِ تُسَمّى رِضا ورَحْمَةً، وإرادَتُهُ عِقابُ العاصِي وخِذْلانُهُ تُسَمّى غَضَبًا، وإرادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيدُ بِها، قالُوا: والمُرادُ بِالسَّبْقِ والغَلَبَةِ هُنا كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها كَما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ والشَّجاعَةُ إذا كَثُرَ مِنهُ. انْتَهى، وهو يَرْجِعُ إلى ما قُلْنا، وحاصِلُ الكَلامِ في ذَلِكَ أنَّ السَّبْقَ والغَلَبَةَ في التَّعَلُّقاتِ في نَفْسِ الصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ إذْ يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ فِيهِ تَعالى لِاسْتِلْزامِهِ حُدُوثَ المَسْبُوقِ وكَذا يُتَصَوَّرُ الكَثْرَةُ والقِلَّةُ بَيْنَ صِفَتَيْنِ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الحُدُوثِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَرْحَمُ بِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى تَتَّصِفُ بِالتَّعَدُّدِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا، وعَلَيْهِ يُخْرَجُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِباقُ ما بَيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأرْضِ رَحْمَةً بِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ عَلى ولَدِها والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ»
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «إنَّ لِلَّهِ تَعالى مِائَةَ رَحْمَةٍ أهْبَطَ مِنها رَحْمَةً واحِدَةً إلى أهْلِ الدُّنْيا يَتَراحَمُ بِها الجِنُّ والإنْسُ وطائِرُ السَّماءِ وحِيتانُ الماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها وما بَيْنَ الهَواءِ واخْتَزَنَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً حَتّى إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اخْتَلَجَ الرَّحْمَةَ الَّتِي كانَ أهْبَطَها إلى أهْلِ الدُّنْيا فَحَواها إلى ما عِنْدَهُ فَجَعَلَها في قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ وعَلى أهْلِ الجَنَّةِ»، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ في الآيَةِ ما يَعُمُّ الدّارِينَ مَعَ عُمُومِ مُتَعَلِّقِها فَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ مِن أنَّ المَعْنى أوْجَبَ لِنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنْ لا يُعَذِّبَهم عِنْدَ التَّكْذِيبِ كَما عَذَّبَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ يُؤَخِّرُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا إظْهارُ ما يُناسِبُ المَقامَ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً واعْتِبارُ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ غَيْرَ ظاهِرٍ كَما هو ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وقَعَ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ كَتَبَ مَوْقِعَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وأغْفالِهِمُ النَّظَرَ، وقِيلَ: بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الرَّحْمَةُ، فَقِيلَ: إنَّهُ تَعالى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إلَخْ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا خَوْفُ القِيامَةِ والعَذابِ لَحَصَلَ الهَرْجُ والمَرَجُ، وارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ ما ذُكِرَ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ ولَيْسَ فَلَيْسَ
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْضًا: إنَّهُ تَكَلُّفٌ ولا يَتَوَجَّهُ فِيهِ الجَوابُ إلّا بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ التَّخْوِيفُ مِنَ الِامْتِناعِ عَنِ المَناهِي المُسْتَلْزِمِ لِلرَّحْمَةِ، وقِيلَ: صَلاحِيَةُ ما في الآيَةِ لِلْجَوابِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ الآنَ عَلى تَكْذِيبِكم عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ: إنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةِ) بَدَلُ البَعْضِ، وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ أنَّ الجُمْلَةَ تُبْدَلُ مِنَ المُفْرَدِ. نَعَمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لأنْواعِ البَدَلِ في ذَلِكَ. والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمٍ إلَخْ عَلى أنَّ البَعْثَ بِمَعْنى الإرْسالِ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِـ (إلى) ولا يَحْتاجُ إلى ارْتِكابِ التَّضْمِينِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْثَ يَكُونُ إلى المَكانِ لا إلى الزَّمانِ إلّا أنْ يُرادَ بِيَوْمِ القِيامَةِ واقِعَتُها في مَوْقِعِها؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ، والمُرادُ جَمْعٌ فِيهِ مَعْنى السَّوْقِ والِاضْطِرارِ كَأنَّهُ قِيلَ لِيَبْعَثَنَّكم ويَسُوقُنَّكم ويَضْطَرَّنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ إلى حِسابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ
صفحة 106
و (إلى) بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ:
لا تَتْرُكْنِي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ
ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءَ (إلى) بِمَعْنى (فِي) في كَلامِهِمْ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِجازَ زَيْدٌ إلى الكُوفَةِ بِمَعْنى في الكُوفَةِ وتَأوَّلَ البَيْتَ بِتَضْمِينِ مُضافًا أوْ مُبْغَضًا أوْ مَكْرُوهًا، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُرَدُّ إذا قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَ إلى بِمَعْنى في قِياسٌ مُطَّرِدٌ ولَعَلَّ القائِلَ بِالِاسْتِعْمالِ لا يَقُولُ بِما ذُكِرَ، وارْتِكابُ التَّضْمِينِ خِلافُ الأصْلِ، وارْتِكابُ القَوْلِ بِأنَّ إلى بِمَعْنى في وإنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا أهْوَنُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ والخِطابُ لِلْكافِرِينَ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: عامٌّ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كانَ خاصًّا بِالكافِرِينَ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم أيُّها النّاسُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ أدِلَّتِهِ وسُطُوعِ بَراهِينِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضٌ مِنها
والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ اليَوْمِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والضَّمِيرُ لَهُ أيْ جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَها كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ واسْتِماعِ الوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ، ومَوْضِعُ المَوْصُولِ قِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ وهو نَعْتٌ مَقْطُوعٌ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَعْتٍ مَقْطُوعٍ يَصِحُّ اتِّباعُهُ نَعْتًا بَلْ يَكْفِي فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾، كَيْفَ قَطَعَ فِيهِ (الَّذِي) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ اتِّباعِهِ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ فَلا يُرَدُّ أنَّ القَطْعَ إنَّما يَكُونُ في النَّعْتِ، والضَّمِيرُ يُنْعَتُ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَلى القَطْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، ولا اخْتِصاصَ لِلْقَطْعِ بِالنَّعْتِ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَجْعَلُوهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِما ذُكِرَ لِدَعْواهم أنَّ مُجَرَّدَ التَّقْدِيرِ لا يُفِيدُ الذَّمَّ أوِ المَدْحَ إلّا مَعَ القَطْعِ، واخْتارَ الأخْفَشُ البَدَلِيَّةَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُما لِوُضُوحِهِما غايَةَ الوُضُوحِ وغَيْرُهُما دُونَهُما في ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
21
- والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ وإصْرارَهم عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ، والوَهْمُ والِانْهِماكُ في التَّقْلِيدِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ عَنِ الإيمانِ، وفي الكَشّافِ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ عَدَمُ إيمانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرانِهِمْ والأمْرُ عَلى العَكْسِ، قُلْتُ: مَعْناهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤَمِّنُونَ
وحاصِلُ الكَلامِ عَلى هَذا الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِخُسْرانِهِمْ لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، والحُكْمُ بِالخُسْرانِ سابِقٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ لِأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعِلْمِ بِاخْتِيارِ الكُفْرِ لا لِحُصُولِهِ بِالفِعْلِ فَيَصِحُّ تَرَتُّبُ عَدَمِ الإيمانِ عَلَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا السُّؤالَ يَنْدَفِعُ بِحَمْلِ الخُسْرانِ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا في الكَشّافِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّغْدَغَةِ، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ
وقِيلَ: الظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ الِابْتِداءِ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَيَحْتاجُ الفَصْلُ إلى تَكْلِيفِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ يَرْتابُ الكافِرُونَ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ خُسْرانَهم أنْفُسَهم صارَ سَبَبًا لِعَدَمِ الإيمانِ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً وهو كَما تَرى
* * *
صفحة 107
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ سَمَواتُ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضُ عالَمِ الجِسْمِ، ويُقالُ: الرُّوحُ سَماءُ القَلْبِ لِأنَّ مِنها يَنْزِلُ غَيْثُ الإلْهامِ والقَلْبُ أرْضُها لِأنَّهُ فِيهِ يَنْبُتُ زَهْرُ الحِكْمَةِ ونُورُ المَعْرِفَةِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ وأنْشَأ في عالَمِ الجِسْمِ ظُلُماتِ المَراتِبِ الَّتِي هي حُجُبٌ ظُلْمانِيَّةٌ لِلذّاتِ المُقَدَّسِ، وأنْشَأ في عالَمِ الأرْواحِ نُورَ العِلْمِ والِادِّراكِ، ويُقالُ: الظُّلُماتُ الهَواجِسُ والخَواطِرُ الباطِلَةُ، والنُّورُ الإلْهامُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الظُّلُماتُ أعْمالُ البَدَنِ والنُّورُ أحْوالُ القَلْبِ ثُمَّ بَعْدَ ظُهُورِ ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ غَيْرَهُ، ويُثْبِتُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَن يُساوِيهِ في الوُجُودِ، وهو اللَّهُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في سائِرِ صِفاتِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وهو طِينُ المادَّةِ الهَيُولانِيَّةِ، ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ إذا بَلَغَهُ السّالِكُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَنى فِيهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عِنْدَهُ وهو البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ الأجَلُ الأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ طَبْعًا بِحَسْبِ الهُوِيَّةِ وهو المُسَمّى أجَلًا طَبِيعِيًّا لِلشَّخْصِ بِالنَّظَرِ إلى مِزاجِهِ الخاصِّ وتَرْكِيبِهِ المَخْصُوصِ بِلا اعْتِبارِ عارِضٍ مِنَ العَوارِضِ الزَّمانِيَّةِ، ونُكِّرَ لِأنَّهُ مِن أحْكامِ القَضاءِ السّابِقِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ وهي كُلِّيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشَخُّصاتِ إذْ مَحَلُّها الرُّوحُ الأوَّلُ المَقَدَّسُ، والأجْلُ الثّانِي هو الأجَلُ المُقَدَّرُ الزَّمانِيُّ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ وارْتِفاعِ المَوانِعِ وهو مُثْبَتٌ في كِتابِ النَّفْسِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي لَوْحُ القَدْرِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾ بَعْدَما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ﴿تَمْتَرُونَ﴾ وتَشُكُّونَ في تَصَرُّفِهِ فِيكم كَما يَشاءُ ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ أيْ سَواءٌ أُلُوهِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيُّ ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ في عالِمُ الأرْواحُ وهو عالَمُ الغَيْبِ ﴿وجَهْرَكُمْ﴾ في عالَمِ الأجْسامِ وهو عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ فِيهِما مِنَ العُلُومِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ وغَيْرِها فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، وقِيلَ: المَعْنى يَعْلَمُ جَوَلانَ أرْواحِكم في السَّماءِ لِطَلَبِ مَعادِنِ الأفْراحِ وتَقَلُّبِ أشْباحِكم في الأرْضِ لِطَلَبِ الوَسِيلَةِ إلى مُشاهَدَتِهِ ويَعْلَمُ ما تُحَصِّلُونَهُ بِذَلِكَ، ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وعَمى أعْيُنِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى السّاطِعَةِ عَلى صَفَحاتِ الوُجُودِ وقالُوا لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فَنَراهُ لِتَزُولَ شُبْهَتُنا ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أمْرُ هَلاكِهِمْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحَمُّلِ مُشاهَدَتِهِ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ لِيُمْكِنَهم مُشاهَدَتُهُ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ما في العالَمِينَ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ إيجادًا وإفْناءً ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
قالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عامَّةٌ وهي نِعْمَةُ الِامْتِنانِ الَّتِي تَنالُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحْمَنِ في البَسْمَلَةِ وخاصَّةً وهي الواجِبَةُ المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحِيمِ فِيها. ويُشِيرُ كَلامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في الفُتُوحاتِ إلى أنَّ ما في الآيَةِ هو الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ، ومُقْتَضى السِّياقِ أنَّها الرَّحْمَةُ العامَّةُ
وذَكَرَ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى الرَّحْمَةِ وقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ”شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وشَفَعَتِ النَّبِيُّونَ والمُؤْمِنُونَ وبَقِيَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى سَبَقَتْ غَضَبَهُ“ كَما في الخَبَرِ فَهي أمامَ الغَضَبِ فَلا يَزالُ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى يَجْرِي في شَأواهُ بِالِانْتِقامِ مِنَ العِبادِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى آخِرِ مَداهُ فَيَجِدُ الرَّحْمَةَ قَدْ سَبَقَتْهُ فَتَتَناوَلُ مِنهُ العَبْدَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَتُبْسَطَ عَلَيْهِ ويَرْجِعُ الحُكْمُ لَها فِيهِ، والمَدى الَّذِي يَقْطَعُهُ الغَضَبُ ما بَيْنَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الَّذِي في البَسْمَلَةِ وبَيْنَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الَّذِي بَعْدَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . فالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
صفحة 108
هُوَ المَدى وأوَّلُهُ وآخِرُهُ ما قَدْ عَلِمْتَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَيْنُ المَدى لِأنَّ فِيهِ يَظْهَرُ السَّرّاءُ والضَّرّاءُ، ولِهَذا كانَ فِيهِ الحَمْدُ وهو الثَّناءُ ولَمْ يُقَيَّدْ بِسَرّاءَ ولا ضَرّاءَ فَيَعُمُّهُما، ويَقُولُ الشَّرْعُ في حَمْدِ السَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ المُنَعِمِ المُتَفَضِّلِ، ويَقُولُ في حَمْدِ الضَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ. فالحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ جاءَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَلِهَذا كانَ عَيْنَ المَدى، وما مِن أحَدٍ في الدّارِ الآخِرَةِ إلّا هو يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى ويَرْجُو رَحْمَتَهُ ويَخافُ عَذابَهُ، واسْتَمْراهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى عُقَيْبَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فالعالَمُ بَيْنَهُما بِما هو عَلَيْهِ مِن مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ، وهَذا شَبِيهٌ بِما جاءَ في سُورَةِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ لِيَتَقَوّى عِنْدَهُمُ الرَّجاءُ والطَّمَعُ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى
وأنْتَ إذا التَفَتَّ أدْنى التِفاتٍ تَعْلَمُ أنَّهُ ما مِن أثَرٍ مِن آثارِ البَطْشِ إلّا وهو مُطَرَّزٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ ما مِن سَعْدٍ ونَحْسٍ إلّا وقَدْ خَرَجَ مِن مَطالِعِ أفْلاكِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أفاضَتْ شَآبِيبَها عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ؛ ومِمّا يُظْهِرُ سَبْقَ الرَّحْمَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مَسْبُوقٌ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإيجادِهِ وإخْراجِهِ مِن حَيِّزِ العَدَمِ الَّذِي هو مَعْدِنُ كُلِّ نَقْصٍ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ كَما أنَّهُ لا رَيْبَ في سَبْقِهِ، نَعَمْ تَنْقَسِمُ الرَّحْمَةُ في بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ إلى قِسْمَيْنِ: رَحْمَةٌ مَحْضَةٌ لا يَشُوبُها شَيْءٌ مِنَ النِّقْمَةِ كَنَعِيمِ الجَنَّةِ وهي الطّالِعَةُ مِن بُرُوجِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ الرَّحِيمِ ولِكَوْنِهِ ﷺ يُحِبُّ دُخُولَ أُمَّتِهِ الجَنَّةَ ويَكْرَهُ لَهُمُ النّارَ سَمّاهُ الحَقُّ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحِيمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ورَحْمَةٌ قَدْ يَشُوبُها نِقْمَةٌ كَتَأْدِيبِ الوَلَدِ بِالضَّرْبِ رَحْمَةً بِهِ وكَشُرْبِ الدَّواءِ المُرِّ البَشِعِ وهي المُشْرِقَةُ مِن مَطالِعِ آفاقِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ، ولَعَلَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ العامَّةَ هي المُرادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ سَبْقَ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ يَقْتَضِي ظاهِرًا سَبْقَ تَجَلِّياتِ الجَمالِ عَلى تَجَلِّياتِ الجَلالِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الجَمالِ والغَضَبَ مِنَ الجَلالِ
وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ الجَلالَ أسْبَقُ مِنَ الجَمالِ. فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «العَظَمَةُ إزارِي والكِبْرِياءُ رِدائِي» ولا أقْرَبَ مِن ثَوْبِ الرِّداءِ والإزارِ إلى الشَّخْصِ. ثُمَّ قالَ: ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: «قَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» فَإنَّ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ إنَّما هي بِشَرْطِ العُمُومِ والعُمُومُ مِنَ الجَلالِ. وادُّعِيَ أنَّ الصِّفَةَ الواحِدَةَ الجَمالِيَّةَ إذا اسْتَوْفَتْ كَمالَها في الظُّهُورِ أوْ قارَبَتْ سُمِّيَتْ جَلالًا لِقُوَّةِ ظُهُورِ سُلْطانِ الجَمالِ فَمَفْهُومُ الرَّحْمَةِ مِنَ الجَمالِ وعُمُومُها وانْتِهاؤُها جَلالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا فُسِّرَ السَّبْقُ بِالمَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ العُلَماءِ سابِقًا وهو الكَثْرَةُ والشُّمُولُ فَهو مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِهِ في الرَّحْمَةِ إذْ في كُلِّ غَضَبٍ رَحْمَةٌ ولَيْسَ في كُلِّ رَحْمَةٍ غَضَبٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن حَقَّقَ النَّظَرَ
وبِالجُمْلَةِ في رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَطْمَعٌ أيُّ مَطْمَعٍ حَتّى أنَّ إبْلِيسَ يَرْجُوها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ. وأحْظى النّاسِ بِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنها ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ المَحْجُوبُونَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِإهْلاكِها في الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ فَحُجِبُوا عَنِ الحَقائِقِ الباقِيَةِ النُّورانِيَّةِ واسْتَبْدَلُوا بِها المَحْسُوساتِ الفانِيَةَ الظُّلْمانِيَّةَ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِذَلِكَ، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ
الأنعام 6:13
﴿ولَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى (لِلَّهِ) فَهو داخِلٌ تَحْتَ (قُلْ) عَلى أنَّهُ احْتِجاجٌ ثانٍ عَلى المُشْرِكِينَ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ أخْبارٍ ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ أيْ ولِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى خاصَّةً
صفحة 109
﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ الوَقْتَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ و(ما) مَوْصُولَةٌ و(سَكَنَ) إمّا مِنَ السُّكْنى فَيَتَناوَلُ الكَلامُ المُتَحَرِّكَ والسّاكِنَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وتَعْدِيَتُها بِـ (فِي) إلى الزَّمانِ مَعَ أنَّ حَقَّ اسْتِعْمالِها في المَكانِ لِتَشْبِيهِ الِاسْتِقْرارِ بِالزَّمانِ بِالِاسْتِقْرارِ بِالمَكانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً لِأنَّ مَعْنى لِلَّهِ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ ما سَكَنَ فِيهِما واسْتَقَرَّ، والمُرادُ ولَهُ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ وإمّا مِنَ السُّكُونِ ضِدِّ الحَرَكَةِ كَما قِيلَ، وفي الكَلامِ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والتَّقْدِيرُ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالسُّكُونِ عَنْ ضِدِّهِ دُونَ العَكْسِ لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا وعاقِبَةُ كُلِّ مُتَحَرِّكٍ السُّكُونُ كَما قِيلَ: إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها فَإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكُونًا ولِأنَّ السُّكُونَ في الغالِبِ نِعْمَةٌ لِكَوْنِهِ راحَةً ولا كَذَلِكَ الحَرَكَةُ ورُدَّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلِاكْتِفاءِ بِالسُّكُونِ عَنِ التَّحَرُّكِ في مَقامِ البَسْطِ والتَّقْرِيرِ وإظْهارِ كَمالِ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا المَحْذُوفَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ لِسُرْعَةِ انْفِهامِهِ مِن ذِكْرِ ضِدِّهِ، والمَقامُ يَسْتَدْعِي الذِّكْرَ، وإنَّما يَسْتَدْعِي عُمُومَ التَّغَيُّراتِ والتَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَتى التُزِمَ كَوْنُ السُّكُونِ مَعَ ضِدِّهِ السَّرِيعِ الِانْفِهامِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ناسَبَ المَقامَ
وقِيلَ: إنَّ ما سَكَنَ يَعُمُّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالسُّكُونِ حَتّى المُتَحَرِّكِ حالَ ما يُرى مُتَحَرِّكًا بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ تَفاوُتَ الحَرَكاتِ بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِقِلَّةِ السَّكَناتِ المُتَخَلِّلَةِ وكَثْرَتِها، وفي مَعْنى الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وبَيانِ أقْسامِ الحَرَكَةِ المَشْهُورَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيِ المَبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ هَواجِسَ كُلِّ ما يَسْكُنُ في المَلَوَيْنِ العَلِيمُ
31
- أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مِنَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ بَيانِ إحاطَةِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ لِلْوَعِيدِ عَلى أقَوْالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ولِذا خَصَّ السَّمْعَ والعِلْمَ بِالذِّكْرِ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ القَوْلِ وأنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ اللَّهَ تَعالى
الأنعام 6:14
﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ إنْكارًا لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا، ولِذا قَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ وأوْلى الهَمْزَةَ، ونَحْوُهُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا المَعْبُودُ لِأنَّهُ رَدٌّ لِمَن دَعاهُ ﷺ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَ مِلَّةَ قَوْمِكَ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَحْمِلُكَ عَلى ذَلِكَ إلّا الفَقْرُ فارْجِعْ فَإنّا نَجْمَعُ لَكَ مِن أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ مِن أغْنانا فَنَزَلَتْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُشْرِكَ لَمْ يَخُصَّ عِبادَتَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فالرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ لَوْ قِيلَ: أأتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا؟، وأُجِيبُ بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى غَيْرَهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ تَعالى مَعْبُودًا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ عِبادَتُهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَما قِيلَ:
إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ،
وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ المَشْهُورَةِ، ويُعْلَمُ مِن إنْكارِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ناصِرًا أنَّهُ لا يَتَّخِذُهُ مَعْبُودًا مِن بابِ الأوْلى، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ مِنَ الإخْراجِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ قَصْدًا إلى إمْحاضِ النُّصْحِ لِيَكُونَ أعْوَنَ عَلى القَبُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
صفحة 110
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها، وهو نَعْتٌ لِلْجَلالَةِ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ، وصَحَّ وُقُوعُهُ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي سَواءً كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً أوْ مَحْكِيًّا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذِ المُعْتَبَرُ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانَ التَّكَلُّمِ ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُضِيِّ أنَّهُ قَرَأ الزَّهْرِيُّ فَطَرَ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالجُمْلَةِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ إذْ هي عامِلَةٌ في عامِلِ المَوْصُوفِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفَصْلَ فِيهِ أسْهَلُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أيْ هو فاطِرٌ أوْ أمْدَحُ فاطِرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (ولِيًّا) لا الوَصْفِيَّةِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، نَعَمْ يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ وصْفِيَّةً لَهُ
﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾ أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ، فالمُرادُ مِنَ المَطْعَمِ الرِّزْقُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ مُقابِلًا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وعُبِّرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ مَجازًا لِأنَّهُ أعْظَمُهُ وأكْثَرُهُ لِشِدَّةِ الحاجَّةِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ ما سِواهُ فَهو حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَحَلُّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ولا يَطْعَمُ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ أيْ ولا يَأْكُلُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ومِثْلُهُ قِراءَةُ عَبْلَةَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِعَكْسِ القِراءَةِ الأُولى أعْنِي بِناءَ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ في الفِعْلَيْنِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أيْ أتَّخِذُ مَن هو مَرْزُوقٌ غَيْرَ رازِقٍ ولِيًّا، والكَلامُ وإنْ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ نَظَرٌ إلى عُمُومِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وتَغْلِيبِ أوْلى العُقُولِ كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ فِيهِ إنْكارَ أنْ يَصْلُحَ الأصْنامُ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وقَدْ يُقالُ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا غَيْرَ خالِقٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ويُحْمَلُ الفِعْلُ عَلى مَعْنى النَّفْعِ لا يَرُدُّ شَيْءٌ رَأْسًا، وقَرَأ الأشْهَبُ (وهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) بِبِنائِهِما لِلْفاعِلِ، ووُجِّهَتْ إمّا بِأنَّ أفْعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ أيْ وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ أيْ لا يَطْلُبُ طَعامًا ويَأْخُذُهُ مِن غَيْرِهِ أوْ بِأنَّ المَعْنى يُطْعِمُ تارَةً ولا يَطْعِمُ أُخْرى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ والضَّمِيرانِ لِلَّهِ تَعالى، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ الثّانِي لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، ﴿قُلْ﴾ بَعْدَ بَيانِ أنَّ اتِّخاذَ غَيْرِهِ تَعالى ولِيًّا مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ﴾ مِن جَنابِ ولِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ وجْهَهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْلِصًا لَهُ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِما شَرَعَهُ إلّا ما كانَ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو إمامُ أُمَّتِهِ ومُقْتَداهم ويَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ لِيَكُونَ أدْعى لِلِامْتِثالِ، ومِن ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾
وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِلتَّحْرِيضِ كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ وأنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْمِلَهم عَلى الِامْتِثالِ وإلّا فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ﷺ امْتِناعٌ عَنْ ذَلِكَ حَتّى يُؤْمَرَ بِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
41
- أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وفي الكَلامِ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ، قالُوا و(مِن) لِلْحِكايَةِ عاطِفَةٌ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ عَلى أُمِرْتُ، وحاصِلُ المَعْنى إنِّي أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَقُولِ.
الأنعام 6:15
﴿قُلْ﴾ عَلى المَعْنى إذْ هو في مَعْنى قُلْ إنِّي قِيلَ لِي كُنْ أوَّلَ مُسْلِمٍ ولا تَكُونَنَّ فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى (قُلْ)
صفحة 111
عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ كَذا ونُهِيَ عَنْ كَذا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ سَلاسَةَ النُّظُمِ تَأْبى عَنْ فَصْلِ الخِطاباتِ التَّبْلِيغِيَّةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِخِطابٍ لَيْسَ مِنها، وجُوِّزَ أنْ يَعْطِفَهُ عَلى (إنِّي أُمِرْتُ) داخِلًا في حَيِّزِ (قُلْ) والخِطابُ لِكُلٍّ مِنَ المُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ وتَعَسُّفُهُ، وعَدَمُ صِحَّةِ عَطْفٍ عَلى (أكُونَ) ظاهِرٌ إذْ لا وجْهَ لِلِالتِفاتِ ولا مَعْنى لِأنْ يُقالَ أُمِرْتَ أنْ لا تَكُونَنَّ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
51
- أيْ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ. وعِظَمُهُ لِعِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ مَفْعُولُ (أخافُ) والشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُما وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا. وما تَقَدَّمَ عَلى الأداةِ شَبِيهٌ بِهِ فَهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ إيّاهُ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ، والتَّقْدِيرُ إنْ عَصَيْتُ أخَفْ أوْ أخافُ عَذابَ إلَخْ، وقِيلَ: صِرْتُ مُسْتَحِقًّا لِعَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وفي الكَلامِ مُبالَغَةٌ أُخْرى بِالنَّظَرِ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في قَطْعِ أطْماعِهِمْ وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ حَيْثُ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ. وقُرِنَ بَأنِ الَّتِي تُفِيدُ الشَّكَّ وجِيءَ بِالماضِي إبْرازًا لَهُ في صُورَةِ الحاصِلِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. ويُؤَوَّلُ المَعْنى في الآخِرَةِ إلى تَخْوِيفِهِمْ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنهم فَلَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِعِصْمَتِهِ ﷺ. وأوْرَدَ بَعْضُهم دَلالَةَ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بَحْثًا ثُمَّ قالَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الخَوْفَ تَعَلَّقَ بِالعِصْيانِ المُمْتَنِعِ الوُقُوعِ امْتِناعًا عادِيًّا فَلا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخافُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ وحاشاهُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيما قَدَّمْنا غِنًى عَنْ ذَلِكَ. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ خَوَّفَ المَعْصُومِ مِنَ المَعْصِيَةِ لا يُنافِي العِصْمَةَ لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وأنَّهُ لا يُجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُوسى لا تَأْمَن مَكْرِي حَتّى تَجُوزَ الصِّراطَ
وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ ﷺ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ يَصْفَرُّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ ويَقُولُ أخافُ أنْ تَقُومَ السّاعَةُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهُ أنَّ بَيْنَ يَدَيْها ظُهُورَ المَهْدِيِّ، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وخُرُوجَ الدَّجّالِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأماراتِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ إذْ ذاكَ ولَمْ تُحَقَّقْ بَعْدُ. وصَحَّ أنَّهُ ﷺ اعْتَذَرَ عَنْ عَدَمِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِصَلاةِ التَّراوِيحِ بَعْدَ أنْ صَلّاها أوَّلَ رَمَضانَ وتَكاثَرَ النّاسُ رَغْبَةً فِيها بِقَوْلِهِ «خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكم» مَعَ أنَّ ما كانَ لَيْلَةَ الإسْراءِ إذْ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْرِضُ زِيادَةً عَنِ الخَمْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ وقُصارى ما يَلْزَمُ في أمْثالِ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَ تَغَيُّرُ تَعَلُّقِ الصِّفَةِ وهو لا يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ الصِّفَةِ لِيَلْزَمَ الحُدُوثُ وقِيامُ الحَوادِثِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وهَذا بِحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى
الأنعام 6:16
﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ مَن يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ فَنائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ العَذابِ، وضَمِيرُ (عَنْهُ) يَعُودُ عَلى (مَن)، وجُوِّزَ العَكْسُ أيْ مَن يُصْرَفْ عَنِ العَذابِ. و(مَن) عَلى الوَجْهَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الشَّرْطُ أوِ الجَوابُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ أوْ بِالعَذابِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نائِبَ الفاعِلِ. وهَلْ يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَذابُ يَوْمَئِذٍ أمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ الظَّرْفَ غَيْرَ التّامِّ أيِ المَقْطُوعَ عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ لا يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ إلّا بِتَقْدِيرِ
صفحة 112
مُضافٍ و(يَوْمَئِذٍ) لَهُ حُكْمُهُ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّ التَّنْوِينَ لِكَوْنِهِ عِوَضًا يُجْعَلُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ خِلافًا لِلْأخْفَشِ. وذَكَرَ الأُجْهُورِيُّ أنَّ التَّنْوِينَ هُنا عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ يَتَضَمَّنُها الكَلامُ السّابِقُ والأصْلُ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ الجَزاءُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ؛ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةَ (عَذابٍ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مَن يَصْرِفْ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ) بِإظْهارِ الفاعِلِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيِ العَذابَ أوْ (يَوْمَئِذٍ) بِحَذْفِ المُضافِ أوْ يَجْعَلُ اليَوْمَ عِبارَةً عَمّا يَقَعُ فِيهِ، و(مَن) في هَذِهِ القِراءَةِ مُبْتَدَأٌ
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تُجْعَلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَن يُكْرَمْ يَصْرِفِ اللَّهُ العَذابَ عَنْهُ فَجَعَلَ (يَصْرِفْ) تَفْسِيرًا لِلْمَحْذُوفِ، وأنْ يُجْعَلَ مَنصُوبًا بِـ (يَصْرِفْ) ويُجْعَلَ ضَمِيرُ (عَنْهُ) لِلْعَذابِ أيْ: أيُّ إنْسانٍ يَصْرِفُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ العَذابَ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيِ الرَّحْمَةَ العُظْمى وهي النَّجاةُ كَقَوْلِكَ: إنْ أطْعَمْتَ زَيْدًا مِن جُوعِهِ فَقَدْ أحْسَنْتَ إلَيْهِ؛ تُرِيدُ فَقَدْ أتْمَمْتَ الإحْسانَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ -مَن أدْرَكَ مَرْعى الضَّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ- «ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى» الخَبَرُ، ومِن قَبِيلِ صَرْفِ المُطْلَقِ إلى الكامِلِ، وقِيلَ: المُرادُ فَقَدْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ فَذُكِرَ المَلْزُومُ وأُرِيدَ اللّازِمُ لِأنَّ إدْخالَ الجَنَّةِ مِن لَوازِمِ الرَّحْمَةِ إذْ هي دارُ الثَّوابِ اللّازِمِ لِتَرْكِ العَذابِ
ونُقِضَ بِأصْحابِ الأعْرافِ. وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
61
- حالٌ مُقَيِّدَةٌ لِما قَبْلَهُ، والفَوْزُ المُبِينُ إنَّما هو بِدُخُولِهِ الجَنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قُلْنا: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَواصُّ المُؤْمِنِينَ كَما هو أحَدُ الأقْوالِ لا يَرُدُّ النَّقْضَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مِنَ الجَوابِ مَبْنِيٌّ عَلى ما لا يَخْفى بُعْدُهُ، والدّاعِي إلى التَّأْوِيلِ اتِّحادُ الشَّرْطِ والجَزاءِ المُمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ
وقالَ بَعْضُ الكامِلِينَ: إنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ نَظِيرُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَنْ يُجَزِئَ ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» يَعْنِي بِالشِّراءِ المَذْكُورِ، وأنَّ اخْتِلافَ العُنْوانِ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبٌ لِلصَّرْفِ سابِقٌ عَلَيْهِ عَلى ما تُلَوِّحُ إلَيْهِ صِيغَةُ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ الأخْبارِ، وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لِأنَّ السَّبَبَ والمُسَبِّبَ لا بُدَّ مِن تُغايُرِهِما مَعْنًى، والحَدِيثُ المَذْكُورُ مِنهم مَن أخَذَ بِظاهِرِهِ ومِنهم مَن أوَّلَهُ بِأنَّ المُرادَ لا يَجْزِيهِ أصْلًا وهو دَقِيقٌ لِأنَّهُ تَعْلِيقٌ بِالمُحالِ. وأمّا كَوْنُ الجَوابِ ماضِيًا لَفْظًا ومَعْنًى فَفِيهِ خِلافٌ حَتّى مَنَعَهُ بَعْضُهم في غَيْرِ كانَ لِعَراقَتِها في المُضِيِّ. اهـ فَلْيُفْهَمْ
والإشارَةُ إمّا إلى الصَّرْفِ الَّذِي في ضِمْنِ (يُصْرَفْ) وإمّا إلى الرَّحْمَةِ، وذُكِرَ لِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِأنْ والفِعْلِ. ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ”الرُّحْمَ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أوْ بِضَمَّتَيْنِ وهو -عَلى ما في القامُوسِ- بِمَعْنى الرَّحْمَةِ. ومَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، و(ال) لِقَصْرِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ
الأنعام 6:17
﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وحاجَةٍ ﴿فَلا كاشِفَ﴾ أيْ لا مُزِيلَ ولا مُفْرِّجَ (لَهُ) عَنْكَ ﴿إلا هُوَ﴾ والمُرادُ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن صِحَّةٍ وغِنًى ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
71
- ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ فَيَقْدِرُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُ بِهِ ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ
صفحة 113
مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ ورَفْعِهِ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ويَظْهَرُ مِن هَذا ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ
وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلا رادَّ لَهُ غَيْرُهُ تَعالى، والمَذْكُورُ تَأْكِيدٌ لِلْجَوابَيْنِ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تُؤَكِّدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كاشِفُ الضُّرِّ وحافِظُ النِّعَمِ ومُدِيمُها، وزَعْمُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالجَوابِ الأوَّلِ بَلْ هو عِلَّةُ الجَوابِ الثّانِي ظاهِرُ البُطْلانِ إذِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُؤَكِّدُ كَشْفَ الضُّرِّ بِلا شُبْهَةٍ وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، وأصِلُ المَسِّ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- تَلاقِي الجِسْمَيْنِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإصابَةُ. وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الباءَ في (بِضُرٍّ) وفي (بِخَيْرٍ) لِلتَّعْدِيَةِ وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ الضُّرَّ) وفَسَّرُوا الضُّرَّ بِالضَّمِّ بِسُوءِ الحالِ في الجِسْمِ، وغَيْرَهُ بِالفَتْحِ بِضِدِّ النَّفْعِ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ المُقابِلِ لِلْخَيْرِ إلى الضُّرِّ -عَلى ما في البَحْرِ- لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ فَأُتِيَ بِلَفْظِ الأخَصِّ مَعَ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ رِعايَةً لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ مُقابَلَةَ الخَيْرِ بِالضُّرِّ مَعَ أنَّ مُقابِلَهُ الشَّرُّ وهو أخَصُّ مِنهُ مِن خَفْيِّ الفَصاحَةِ لِلْعُدُولِ عَنْ قانُونِ الضَّعَةِ وطَرْحِ رِداءِ التَّكَلُّفِ وهو أنْ يُقْرَنَ بِأخَصَّ مِن ضِدِّهِ ونَحْوِهِ لِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِالمَعْنى وألْصَقَ بِالمَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَجِيءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرْيِ وبِالظَّمَإ مَعَ الضَّحْوِ وكانَ الظّاهِرُ خِلافَهُ. ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالٍ
ولَمْ أسْبَإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ∗∗∗ ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
وإيضاحُهُ أنَّهُ في الآيَةِ قَرَنَ الجُوعَ الَّذِي هو خُلُوُّ الباطِنِ بِالعُرْيِ الَّذِي هو خُلُوُّ الظّاهِرِ، والظَّمَأ الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الباطِنِ بِالضُّحى الَّذِي فِيهِ حَرارَةُ الظّاهِرِ. وكَذَلِكَ قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ عُلُوَّهُ عَلى الجَوادِ بِعُلُوِّهِ عَلى الكاعِبِ لِأنَّهُما لَذَّتانِ في الِاسْتِعْلاءِ، وبَذْلَ المالِ في شِراءِ الرّاحِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ في الكِفاحِ لِأنَّ في الأوَّلِ سُرُورَ الطَّرَبِ وفي الثّانِي سُرُورَ الظَّفَرِ. وكَذا هُنا أُوثِرَ الضُّرُّ لِمُناسَبَتِهِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّرْهِيبِ فَإنَّ انْتِقامَ العَظِيمِ عَظِيمٌ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ أتى بِما يَعُمُّ أنْواعَهُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ فَإنَّ مَسَّ الضُّرِّ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أخافُ﴾ إلَخْ ومَسَّ الخَيْرِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ إلَخْ. وهي عَلى ما قِيلَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ (قُلْ) والخِطابُ عامُّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و(كاشِفَ) اسْمُها، و(لَهُ) خَبَرُها والضَّمِيرُ المُنْفَصِلِ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (لا كاشِفَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ -عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ- أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِكاشِفٍ ولا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ لِأنَّكَ في الحالَيْنِ تُعْمِلُ اسْمَ لا ومَتى أعْمَلْتَهُ في ظاهِرٍ نَوَّنْتَهُ. وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلى مَن رَجا كَشْفَ الضُّرِّ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَّلَ أحَدًا سِواهُ
وفِي فُتُوحِ الغَيْبِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ سَيِّدِي عَبْدِ القادِرِ الجِيلانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: إنَّ مَن أرادَ السَّلامَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَعَلَيْهِ بِالصَّبْرِ، والرِّضا، وتَرْكِ الشَّكْوى إلى خَلْقِهِ، وإنْزالِ حَوائِجِهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولُزُومِ طاعَتِهِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والِانْقِطاعِ إلَيْهِ؛ فَحِرْمانُهُ عَطاءٌ، وعُقُوبَتُهُ نَعْماءٌ، وبَلاؤُهُ دَواءٌ، ووَعْدُهُ حالٌّ، وقَوْلُهُ فِعْلٌ، وكُلُّ أفْعالِهِ حَسَنَةٌ وحِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ غَيْرَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ طَوى عِلْمَ المَصالِحِ عَنْ عِبادِهِ وتَفَرَّدَ بِهِ فَلَيْسَ إلّا الِاشْتِغالَ بِالعُبُودِيَّةِ مِن أداءِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّسْلِيمِ في القَدَرِ، وتَرْكِ الِاشْتِغالَ
صفحة 114
بِالرُّبُوبِيَّةِ، والسُّكُونِ عَنْ لِمَ وكَيْفَ ومَتى؟ وتَسْتَنِدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إلى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «بَيْنَما أنا رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ: يا غُلامُ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَعالى تَجِدْهُ أمامَكَ وإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ ولَوْ جَهَدَ العِبادُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ولَوْ جَهِدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَضِهِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ تَعالى بِالصِّدْقِ في اليَقِينِ فاعْمَلْ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وأنْ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ هَذا الحَدِيثَ مِرْآةَ قَلْبِهِ وشِعارَهُ ودِثارَهُ وحَدِيثَهُ فَيَعْمَلُ بِهِ مِن جِهَةِ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ حَتّى يَسْلَمَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَجِدَ العِزَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ
الأنعام 6:18
﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ قِيلَ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وتَصْوِيرٌ لَقَهْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعُلُوِّهُ عَزَّ شَأْنُهُ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ بِالظَّرْفِ بِأنْ شَبَّهَ الغَلَبَةَ بِمَكانٍ مَحْسُوسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ القَهْرِ والعُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ (فَوْقَ) زائِدَةٌ. وصَحَّحَ زِيادَتَها وإنْ كانَتِ اسْمًا كَوْنُها بِمَعْنى عَلى وهو كَما تَرى، والدّاعِي إلى التِزامِ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالجِهَةِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْها لِأنَّها مُحْدَثَةٌ بِإحْداثِ العالَمِ وإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ويَلْزَمُ أيْضًا مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في جِهَةٍ مَفاسِدُ لا تَخْفى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إثْباتُ الفَوْقِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الطَّحاوِيُّ وغَيْرُهُ واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِنَحْوِ ألْفِ دَلِيلٍ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في حَدِيثِ الأوْعالِ عَنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «والعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ ”» ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «قَوْلُهُ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي اسْتَشْفَعَ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ:“ ويْحَكَ أتَدْرِي ما اللَّهُ تَعالى؟ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ وعَرْشُهُ فَوْقَ سَماواتِهِ وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ وإنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ الجَدِيدِ بِالرّاكِبِ»
وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مُغازِيهِ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِسَعْدٍ يَوْمَ حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ: ”لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ“» ورَوى ابْنُ ماجَهَ يَرْفَعُهُ قالَ: «بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم فَإذا الجَبّارُ جَلَّ جَلالُهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ وقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ». وصَحَّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ أنْشَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبْياتَهُ الَّتِي عَرَّضَ بِها عَنِ القِراءَةِ لِامْرَأتِهِ حِينَ اتَّهَمَتْهُ بِجارِيَتِهِ وهي:
شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا
وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا
وتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوِّمِينا
فَأقَرَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قالَهُ وضَحِكَ مِنهُ»، وكَذا «أنْشَدَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ:
شَهِدْتُ بِإذْنِ اللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ ∗∗∗ الَّذِي فَوْقَ السَّمَواتِ مِن عَلِ
صفحة 115
وأنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ مِن رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ،
وأنَّ الَّذِي عادى اليَهُودَ ابْنُ مَرْيَمَ ∗∗∗ رَسُولٌ أتى مِن عِنْدِ ذِي العَرْشِ مُرْسَلٌ
وأنَّ أخا الأحْقافِ إذْ قامَ فِيهِمْ ∗∗∗ يَقُومُ بِذاتِ اللَّهِ فِيهِمْ ويَعْدِلُ
فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وأنا أشْهَدُ،» ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُولَ ومِن فَوْقِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سُبْحانَهُ مِن فَوْقِهِمْ، والآياتُ والأخْبارُ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِما يَدُلُّ عَلى الفَوْقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾، و﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، و﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، و﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾، وقَوْلُهُ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: «(وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ)» كَثِيرَةٌ جِدًّا، وكَذا كَلامُ السَّلَفِ في ذَلِكَ فَمِنهُ ما رَوى شَيْخُ الإسْلامِ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ الفارُوقِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ أنَّهُ سَألَ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمَّنْ قالَ: لا أعْرِفُ رَبِّي سُبْحانَهُ وتَعالى في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ، فَقالَ: قَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ الرَّحْمَنَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى، وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ فَقالَ: قَلْتُ فَإنْ قالَ إنَّهُ عَلى العَرْشِ ولَكِنْ لا أدْرِي العَرْشَ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هو كافِرٌ لِأنَّهُ أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ، ومَن أنْكَرَ آيَةً في السَّماءِ فَقَدْ كَفَرَ، وزادَ غَيْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى في أعْلى عِلِّيِّينَ وهو يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ اهـ
وأُيِّدَ القَوْلُ بِالفَوْقِيَّةِ أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَخْلُقْهم في ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ ولَمْ يُولَدْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَهم خارِجًا عَنْ ذاتِهِ ولَوْ لَمْ يَتَّصِفْ سُبْحانَهُ بِفَوْقِيَّةِ الذّاتِ مَعَ أنَّهُ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ لَكانَ مُتَّصِفًا بِضِدٍّ ذَلِكَ لِأنَّ القابِلَ لِلشَّيْءِ لا يَخْلُو مِنهُ أوْ مِن ضِدِّهِ، وضِدُّ الفَوْقِيَّةِ السُّفُولُ وهو مَذْمُومٌ عَلى الِإطْلاقِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ قابِلٌ لِلْفَوْقِيَّةِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِها ثُبُوتُ ضِدِّها مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قابِلًا لِلْعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها فَمَتى سُلِّمَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ذاتٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخالِطٍ لِلْعالَمِ، وأنَّهُ مَوْجُودٌ في الخارِجِ لَيْسَ وُجُودُهُ ذِهْنِيًّا فَقَطْ بَلْ وجُودُهُ خارِجَ الأذْهانِ قَطْعًا، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ما كانَ وُجُودُهُ كَذَلِكَ فَهو إمّا داخِلُ العالِمِ وإمّا خارِجٌ عَنْهُ، وإنْكارُ ذَلِكَ إنْكارُ ما هو أجْلى البَدِيهِيّاتِ فَلا يُسْتَدَلُّ بِدَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ إلّا كانَ العِلْمُ بِالمُبايَنَةِ أظْهَرَ مِنهُ وأوْضَحَ، وإذا كانَ صِفَةُ الفَوْقِيَّةِ صِفَةَ كَمالٍ لا نَقْصَ فِيها، ولا يُوجِبُ القَوْلُ بِها مُخالَفَةَ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ كانَ نَفْيُها عَيْنَ الباطِلِ لا سِيَّما والطِّباعُ مَفْطُورَةٌ عَلى قَصْدِ جِهَةِ العُلُوِّ عِنْدَ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ المَقْدِسِيُّ أنَّ الشَّيْخَ أبا جَعْفَرٍ الهَمْدانِيُّ حَضَرَ مَجْلِسَ إمامِ الحَرَمَيْنِ وهو يَتَكَلَّمُ في نَفْيِ صِفَةِ العُلُوِّ ويَقُولُ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولا عَرْشَ وهو الآنَ عَلى ما كانَ، فَقالَ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ: أخْبِرْنا يا أُسْتاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا فَإنَّهُ ما قالَ عارِفٌ قَطُّ يا اللَّهُ إلّا وجَدَ في قَلْبِهِ ضَرُورَةً بِطَلَبِ العُلُوِّ لا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةَ فَكَيْفَ تَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أنْفُسِنا، قالَ: فَلَطَمَ الإمامُ عَلى رَأْسِهِ ونَزَلَ وأظُنُّهُ قالَ وبَكى وقالَ: حَيَّرَنِي الهَمْدانِيُّ، وبَعْضُهم تَكَلَّفَ الجَوابَ عَنْ هَذا بِأنَّ هَذا التَّوَجُّهَ إلى فَوْقٍ إنَّما هو لِكَوْنِ السَّماءِ قِبْلَةَ الدُّعاءِ كَما أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلاةِ، ثُمَّ هو أيْضًا مَنقُوضٌ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ في جِهَةِ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا باطِلٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ ولا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن
صفحة 116
سُلْطانٍ، والَّذِي صَحَّ أنَّ قِبْلَةَ الدُّعاءِ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلدّاعِي أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وقَدِ اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الكَعْبَةَ في دُعائِهِ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ فَمَن قالَ: إنَّ لِلدُّعاءِ قِبْلَةً غَيْرَ قِبْلَةِ الصَّلاةِ فَقَدِ ابْتَدَعَ في الدِّينِ وخالَفَ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ القِبْلَةَ ما يَسْتَقْبِلُهُ الدّاعِي بِوَجْهِهِ كَما تُسْتَقْبَلُ الكَعْبَةُ في الصَّلاةِ وما حاذا الإنْسانُ بِرَأْسِهِ أوْ يَدَيْهِ مَثَلًا لا يُسَمّى قِبْلَةً أصْلًا، فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ قِبْلَةَ الدُّعاءِ لَكانَ المَشْرُوعُ أنْ يُوَجِّهَ الدّاعِيَ وجْهَهُ إلَيْها، ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في شَرْعٍ أصْلًا، وأمّا النَّقْضُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ فَما أفْسَدَهُ مِن نَقْضٍ فَإنَّ واضِعَ الجَبْهَةِ إنَّما قَصْدُهُ الخُضُوعُ لِمَن فَوْقَهُ بِالذُّلِّ لا أنْ يَمِيلَ إلَيْهِ إذْ هو تَحْتَهُ بَلْ هَذا لا يَخْطُرُ في قَلْبٍ ساجِدٍ نَعَمْ سُمِعَ عَنْ بَشَرٍ المَرِيسِيِّ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ والظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
وتَأوَّلَ بَعْضُهم كُلَّ نَصٍّ فِيهِ نِسْبَةُ الفَوْقِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى بِأنَّ فَوْقَ فِيهِ بِمَعْنى خَيْرٍ وأفْضَلَ كَما يُقالُ: الأمِيرُ فَوْقَ الوَزِيرِ والدِّينارُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ وتَشْمَئِزُّ مِنهُ القُلُوبُ الصَّحِيحَةُ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ ابْتِداءً: اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ مِن عِبادِهِ أوْ خَيْرٌ مِن عَرْشِهِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ: الثَّلْجُ بارِدٌ والنّارُ حارَّةٌ، والشَّمْسُ أضْوَأُ مِنَ السِّراجِ، والسَّماءُ أعْلى مِن سَقْفِ الدّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ أيْضًا تَمَجُّدٌ ولا تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى بَلْ هو مِن أرْذَلِ الكَلامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ حَمْلُ الكَلامِ المَجِيدِ عَلَيْهِ وهو الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَنْقِيصًا لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَفي المَثَلِ السّائِرِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ خَيْرٌ مِنَ العَصا
نَعَمْ إذا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِأنْ كانَ احْتِجاجًا عَلى مُبْطِلٍ كَما في قَوْلِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾، ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو أمْرٌ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا تُوَجَّهُ سِهامُ الطَّعْنِ إلَيْهِ، والفَوْقِيَّةُ بِمَعْنى الفَوْقِيَّةِ في الفَضْلِ مِمّا يُثْبِتُها السَّلَفُ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، وهي مُتَحَقِّقَةٌ في ضِمْنِ الفَوْقِيَّةِ المُطْلَقَةِ وكَذا يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ القَهْرِ والغَلَبَةِ كَما يُثْبِتُونَ فَوْقِيَّةَ الذّاتِ، ويُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزِّهِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ولا يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولا يَعْدِلُونَ عَنِ الألْفاظِ الشَّرْعِيَّةِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِئَلّا يُثْبِتُوا مَعْنًى فاسِدًا أوْ يَنْفُوا مَعْنًى صَحِيحًا فَهم يُثْبِتُونَ الفَوْقِيَّةَ كَما أثْبَتَها اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، وأمّا لَفْظُ الجِهَةِ فَقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَوْجُودٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو مَعْدُومٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا الخالِقُ والمَخْلُوقُ، فَإذا أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كانَ مَخْلُوقًا واللَّهُ تَعالى لا يَحْصُرُهُ شَيْءٌ ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ بِالجِهَةِ أمْرٌ عَدَمِيٌّ وهو ما فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالِمِ فَلَيْسَ هُناكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ، فَإذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فَوْقَ العالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ المَخْلُوقاتُ، ونُفاةُ لَفْظِ الجِهَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفْيَ العُلُوِّ يَذْكُرُونَ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ قَبْلَ الجِهاتِ، وأنَّهُ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ العالَمِ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الجِهَةِ ثُمَّ صارَ فِيها، وهَذِهِ الألْفاظُ ونَحْوُها تَنْزِلُ عَلى أنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ سَواءٌ سُمِّيَ جِهَةً أمْ لَمْ يُسَمَّ، وهو كَلامٌ حَقٌّ ولَكِنَّ الجِهَةَ لَيْسَتْ أمْرًا وُجُودِيًّا بَلْ هي أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وتَفْوِيضِ عِلْمِ ما جاءَ مِنَ المُتَشابِهاتِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والإيمانُ بِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي جاءَتْ عَلَيْهِ والتَّأْوِيلُ القَرِيبُ إلى الذِّهْنِ
صفحة 117
الشّائِعِ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي عَلى أنَّ بَعْضَ الآياتِ مِمّا أجْمَعَ عَلى تَأْوِيلِها السَّلَفُ والخَلَفُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيْ ذُو الحِكْمَةِ البالِغَةِ وهي العِلْمُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوِ المُبالِغُ في الإحْكامِ وهو إتْقانُ التَّدْبِيرِ وإحْسانُ التَّقْدِيرِ ﴿الخَبِيرُ﴾
81
- أيِ العالِمِ بِما دَقَّ مِن أحْوالِ العِبادِ وخَفِيَ مِن أُمُورِهِمْ. واللّامُ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ لِلْقَصْرِ.
الأنعام 6:19
﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ رَوى الكَلْبِيُّ «أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ أما وجَدَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا غَيْرَكَ ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيما تَقُولُ ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ»
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ «جاءَ النَّحّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ والأوَّلُ أوْفَقُ بِأوَّلِ الآيَةِ والثّانِي بِآخِرِها
فَـ (أيُّ) مُبْتَدَأٌ و(أكْبَرُ) خَبَرُهُ و(شَهادَةً) تَمْيِيزٌ. والشَّيْءُ في اللُّغَةِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في البابِ المُتَرْجَمِ بِبابِ مَجارِي أواخِرِ الكَلِمِ، وإنَّما يَخْرُجُ التَّأْنِيثُ مِنَ التَّذْكِيرِ ألا تَرى أنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يَعْلَمَ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى والشَّيْءُ مُذَكَّرٌ، انْتَهى. وهَلْ يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى أمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: شَيْءٌ لا كالأشْياءِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالسُّؤالِ والجَوابِ الواقِعَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ حَيْثُ اسْتَثْنى مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَجْهَ وهو بِمَعْنى الذّاتِ عِنْدَهم وبِأنَّهُ أعَمُّ الألْفاظِ فَيَشْمَلُ الواجِبَ والمُمْكِنَ
ونَقَلَ الإمامُ أنَّ جَهْمًا أنْكَرَ صِحَّةَ الِإطْلاقِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فَقالَ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا ما يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ والشَّيْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ”المَواقِفِ“ وشَرْحِهِ الشَّيْءُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ يُطْلَقُ عَلى المَوْجُودِ فَقَطْ فَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم مَوْجُودٌ وكُلُّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، ثُمَّ سِيقَ فِيهِما مَذاهِبُ النّاسِ فِيهِ ثُمَّ قِيلَ: والنِّزاعُ لَفْظِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ الشَّيْءِ وأنَّهُ عَلى ماذا يُطْلَقُ، والحَقُّ ما ساعَدَ عَلَيْهِ اللُّغَةُ والنَّقْلُ إذْ لا مَجالَ لِلْعَقْلِ في إثْباتِ اللُّغاتِ. والظّاهِرُ مَعَنا فَأهْلُ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ يُطْلِقُونَ لِفَظَّ الشَّيْءِ عَلى المَوْجُودِ حَتّى لَوْ قِيلَ عِنْدَهُمُ المَوْجُودُ شَيْءٌ تُلْقُوهُ بِالقَبُولِ، ولَوْ قِيلَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ تُلَقَّوْهُ بِالإنْكارِ. ونَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يَنْفِي إطْلاقَهُ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ لِأنَّ الحَقِيقَةَ لا يَصِحُّ فِيها، انْتَهى
وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ أنَّ البَحْثَ في أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ حَقِيقَةً أمْ لا لُغَوِيٌّ يُرْجَعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ والِاسْتِعْمالِ وقَدْ وقَعَ فِيهِ اخْتِلافاتٌ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالاتِ، فَعِنْدَنا هو اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ لِما نَجِدُهُ شائِعَ الِاسْتِعْمالِ في هَذا المَعْنى ولا نِزاعَ في اسْتِعْمالِهِ في المَعْدُومِ مَجازًا ثُمَّ قالَ: وما نُقِلَ عَنْ أبِي العَبّاسِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدِيمِ. وعَنِ الجَهْمِيَّةِ أنَّهُ اسْمٌ لِلْحادِثِ، وعَنْ هُشامٍ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يَقْبَلُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهى. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ بَحْثٌ فَإنَّ دَعْوى الأشاعِرَةِ التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْءِ والمَوْجُودِ لُغَةً أوِ التَّرادُفُ كَما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكُلِّيَّتَيْنِ لَيْسَ لَها دَلِيلٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ في كُلِّ عَصْرٍ إلَخْ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ شَيْءٌ، وأمّا أنَّ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِفَظُ الشَّيْءِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَوْجُودٌ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن أنْ يُطْلَقَ عَلى المَوْجُودِ لَفْظُ شَيْءٍ دُونَ لا شَيْءٍ أنْ يَخْتَصَّ الشَّيْءُ لُغَةً بِالمَوْجُودِ لِجَوازِ أنْ يُطْلَقَ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ والمَوْجُودِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً
صفحة 118
مَعَ اخْتِصاصِ المَوْجُودِ بِإطْلاقِ الشَّيْءِ دُونَ اللّاشَيْءِ. وإنْكارُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى مَن يَقُولُ: المَوْجُودُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ سَلْبًا لِلْأعَمِّ عَنِ الأخَصِّ وهو لا يَصِحُّ لِكَوْنِهِما مُتَرادِفَيْنِ أوْ مُتَساوِيَيْنِ. وقَدْ أُطْلِقَ عَلى المَعْدُومِ الخارِجِيِّ كِتابًا وسُنَّةً فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ سَألَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي لِأُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَوْ تَكَلَّمْتُ بِهِ لَأُحْبِطَ أجْرِي يَقُولُ: ”لا يَلْقى ذَلِكَ الكَلامَ إلّا مُؤْمِنٌ»“ ونَحْوُهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والأصْلُ في الِإطْلاقِ الحَقِيقَةُ فَلا يُعْدَلُ عَنْها إلّا إذا وُجِدَ صارِفٌ. وشُيُوعُ الِاسْتِعْمالِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ صارِفًا بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْ سِيبَوَيْهِ ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ الشُّيُوعِ أنَّ تَعَلُّقَ الغَرَضِ في المُحاوَراتِ بِأحْوالِ المَوْجُوداتِ أكْثَرُ لا لِاخْتِصاصِ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ لُغَةً
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ إنَّما يُلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ إطْلاقِهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ عَلى المَعْدُومِ وهو يَضُرُّنا لَوْ كانَ المُدَّعى تَخْصِيصَ إطْلاقِ الشَّيْءِ لُغَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ. فَإنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَنا أنَّ الشَّيْءَ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وهو مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ يُصَدِّقُ عَلى المَوْجُودِ والمَعْدُومِ الواجِبِ والمُمْكِنِ وتَخْصِيصُ إطْلاقِهِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ لا يُنافِي شُمُولَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ وإلّا لَكانَ شُمُولُهُ المَعْدُومُ والمَوْجُودُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: (واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ) جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ ولا خِلافَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ مُطْلَقًا بِهَذِهِ الآيَةِ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ شُمُولَهُ لِلْمَعْدُومِ والمَوْجُودِ مَعًا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ زَعْمِهِ اخْتِصاصَ الشَّيْءِ بِالمَوْجُودِ أنَّهُ في الأصْلِ مُصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى شاءَ أوْ مَشِيءٍ فَإنْ كانَ بِمَعْنى شاءَ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ التَّحْقِيقِ لا مانِعَ مِن إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ تَعالى مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى هَذا التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَشِيءِ العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ فَيَكُونُ إطْلاقُ الشَّيْءِ بِهَذا المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَإطْلاقِ المَعْلُومِ مَثَلًا، ومَعْنى ﴿أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أعْظَمُ وأصْدَقُ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ أنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِنَفْسِي هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ قَرِيبًا. والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً وجُوِّزَ العَكْسُ
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إذا كانَتِ النَّكِرَةُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ تَقَعُ مُبْتَدَأً يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شَهِيدٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ شَهِيدٌ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (اللَّهُ) والمَجْمُوعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ هو الجَوابُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَأكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدٌ لَهُ، ونُقِلَ في الكَشْفِ أنَّهُ إنْ جُعِلَ تَمامُ الجَوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (اللَّهُ) فَهو لِلتَّسَلُّقِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ إلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بِأنَّ هَذا الشّاهِدَ الَّذِي لا أصْدَقَ مِنهُ شَهِدَ لِي بِإيحاءِ هَذا القُرْآنِ. وإنْ جَعَلَ الكَلامَ بِمَجْمُوعِهِ الجَوابَ فَهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الوَهْمَ لا يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا الشّاهِدَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ تَعالى بَلِ الكَلامُ في أنَّهُ يَشْهَدُ لِنَبُّوتِهِ أوْ لا فَلْيُفْهَمْ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ﴾ مِن قِبَلِهِ تَعالى ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ العَظِيمُ الشّاهِدُ بِصِحَّةِ رِسالَتِي ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ. واكْتُفِيَ بِذِكْرِ الإنْذارِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ لِأنَّهُ
صفحة 119
المُناسِبُ لِلْمَقامِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يُبَشِّرُ. وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَدِّ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ ﴿ومَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ وسائِرَ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ ووَصَلَ إلَيْهِ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أوْ ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ أيُّها المَوْجُودُونَ ومَن سَيُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا ﷺ
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ» ”واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في ذَلِكَ هو بِطْرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ أوْ بِالإجْماعِ في غَيْرِ المَوْجُودِينَ وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ. فَذَهَبَ الحَنابِلَةُ إلى الأوَّلِ والحَنَفِيَّةُ إلى الثّانِي وتَحْقِيقُهُ في الأُصُولِ. وعَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ القُرْآنُ غَيْرَ مُؤاخَذٍ بِتَرْكِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ“ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُسارى فَقالَ لَهم: هَلْ دُعِيتُمْ إلى الإسْلامِ؟ فَقالُوا: لا، فَخَلّى سَبِيلَهم ثُمَّ قَرَأ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةُ» وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَفْهُومِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَفْهُومَها انْتِفاءُ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وذَلِكَ لَيْسَ عَيْنَ انْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ وهو ظاهِرٌ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ خُصُوصًا عِنْدَ القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ إلّا أنْ يُلاحَظَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وفِيهِ أنَّ عَدَمَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ الإنْذارِ بِالقُرْآنِ لِانْتِفاءِ المُؤاخَذَةِ مَمْنُوعٌ، والحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ قَدْ طُوِيَ بِساطُ رَدِّهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مَن) عَطْفًا عَلى الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في ﴿أُنْذِرُكُمْ﴾ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ أيْ لِأُنْذِرَكم أنا بِالقُرْآنِ ويُنْذِرَكم بِهِ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ أيْضًا، ورَوى الطَّبَرْسِيُّ ما يَقْتَضِيهِ عَنِ العَيّاشِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ
﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُنْدَرِجَةٌ في القَوْلِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أوْ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: لَهُما، وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ (وأُخْرى) صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ -كَما قالَ أبُو حَيّانَ- كَصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ نَحْوَ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ (ولِلَّهِ تَعالى الأسْماءُ الحُسْنى) . ولَمّا كانَتِ الآلِهَةُ حِجارَةً وخَشَبًا مَثَلًا أُجْرِيَتْ هَذا المَجْرى تَحْقِيرًا لَها قُلْ لَهم لا أشْهَدُ بِذَلِكَ وإنْ شَهِدْتُمْ بِهِ فَإنَّهُ باطِلٌ صِرْفٌ
﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ لِلتَّأْكِيدِ، ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ بَلْ إنَّما أشْهَدُ أنَّهُ تَعالى لا إلَهَ إلّا هو و(ما) كافَّةٌ
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وزَعَمَ أنَّهُ الألْيَقُ بِما قَبْلَهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً، ويُبْعِدُهُ كَوْنُها مَوْصُولَةً وعَلَيْهِ يَكُونُ (واحِدٌ) خَبَرًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
91
- مِنَ الأصْنامِ أوْ مِن إشْراكِكم.
الأنعام 6:20
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ جَوابٌ عَمّا سَبَقَ في الرِّوايَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ: سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى إلَخْ أُخِّرَ عَنْ تَعْيِينِ الشَّهِيدِ مُسارَعَةً إلى الجَوابِ عَنْ تَحَكُّمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: أرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ اليَهُودَ والنَّصارى ومِنَ الكِتابِ جِنْسُهُ الصّادِقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وإيرادِهِمْ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِمَدارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ ونُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ فِيهِما، وفِيهِ التِفاتٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ والأوَّلُ هو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الأخْبارُ كَما سَتَعْرِفُهُ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾
صفحة 120
بِحُلاهم بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ أصْلًا، رَوى أبُو حَمْزَةَ وغَيْرُهُ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَعْرِفُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بِالنَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إذا رَأيْناهُ فِيكم عَرَفْناهُ كَما يَعْرِفُ أحَدُنا ابْنَهُ إذا رَآهُ بَيْنَ الغِلْمانِ، وايْمُ اللَّهِ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ ابْنُ سَلامٍ لَأنا بِمُحَمَّدٍ أشَدُّ مَعْرِفَةً مِنِّي بِابْنِي لِأنِّي لا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ وُفِّقْتَ وصَدَقْتَ»
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَعْرِفَةِ هُنا ما هو بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِتَفاصِيلِ حِلْيَتِهِ ﷺ إمّا أنْ يَكُونَ باقِيًا وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ أوَّلًا بَلْ مُحَرَّفًا مُغَيَّرًا، والأوَّلُ باطِلٌ ولا يَتَأتّى لَهم إخْفاءُ ذَلِكَ لِأنَّ إخْفاءَ ما شاعَ في الآفاقِ مُحالٌ، وكَذا الثّانِي لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ عارِفِينَ حِلْيَتَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَعْرِفُونَ حِلْيَةَ أبْنائِهِمْ
وفِيهِ أنَّ الإخْفاءَ مُصَرَّحٌ بِهِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ وإخْفاؤُها لَيْسَ بِإخْفاءِ النُّصُوصِ بَلْ بِتَأْوِيلِها وبِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ سَيَخْرُجُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
2
- بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا التَّرْكِيبِ آنِفًا.
الأنعام 6:21
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِادِّعائِهِ أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا وبِقَوْلِهِ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، و﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وعُدَّ مِن ذَلِكَ وصْفُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَوْعُودِ في الكِتابَيْنِ بِخِلافِ أوْصافِهِ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِعْظامِ الِادِّعائِيِّ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا لَهُ، والتَّرْكِيبُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى إنْكارِ المُساواةِ وضْعًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المَقاصِدِ وحَواشِي الكَشّافِ يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمالًا فَإذا قُلْتَ: لا أفْضَلَ في البَلَدِ مِن زَيْدٍ فَمَعْناهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ بِحَسْبِ العُرْفِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّما تُتَصَوَّرُ غالِبًا لا سِيَّما في بابِ المُغالَبَةِ بِالتَّفاوُتِ زِيادَةً ونُقْصانًا فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أزْيَدَ يَتَحَقَّقُ النُّقْصانُ لا مَحالَةَ
وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ سَنَحَ لَهُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ ودَقِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ وهي أنَّ المُتَساوِيَيْنِ بَلِ المُتَقارِبِينَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَسْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَقْدُرَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّ قَدْرِهِ، وكُلُّ إنْسانٍ لا يَقْوى عَلى أنْ يَعْرِفَ كُلَّ أمْرٍ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَإنَّ الأفْهامَ في مُقابَلَةِ الأوْهامِ مُتَفاوِتَةٌ والعُقُولَ في مُدافَعَةِ الشُّكُوكِ مُتَبايِنَةٌ فَإذا حَكَمَ بَعْضُ النّاسِ مَثَلًا بِالمُساواةِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ في نَفْسِ الأمْرِ فَقَدْ يَحْكُمُ البَعْضُ الآخَرُ بِرُجْحانِ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مُنْتَهى أفْهامِهِمْ ومَبْلَغِ عُقُولِهِمْ ومُدْرَكِ ادِّراكِهِمْ فَكُلُّ ما يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ النّاسِ بَلْ كُلَّما يُوجَدُ مَن يُقارِبُهُ فِيهِ يُوجَدُ مَن يَفُوقُهُ في ظُنُونِ العامَّةِ ويَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ إلى قَوْلِنا كُلَّما لا يُوجَدُ مَن يَفْضُلُ عَلَيْهِ لا يُوجَدُ مَن يُساوِيهِ بَلْ مَن يُقارِبُهُ أيْضًا وهو المَطْلُوبُ، وبِالجُمْلَةِ أنْ إثْباتَ المُساوِي يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ الرّاجِحِ الفاضِلِ، فَنَفْيُّ الفاضِلِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُساوِي لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المَلْزُومِ كَما أنَّ إثْباتَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ اللّازِمِ، وفِيهِ تَأمَّلْ
وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ دَلالَةَ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ المُساواةِ وضْعِيَّةٌ لِأنَّ غَيْرَ الأفْضَلِ إمّا مُساوٍ أوْ أنْقَصُ
صفحة 121
فاسْتُعْمِلَ في أحَدِ فَرْدَيْهِ قالَ ابْنُ الصّائِغِ في مَسْألَةِ الكُحْلِ: إنَّ ما رَأيْتُ رَجُلًا أحْسَنَ في عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنهُ في عَيْنِ زَيْدٍ وإنْ كانَ نَصًّا في نَفْيِ الزِّيادَةِ وهي تَصْدُقُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلّا أنَّ المُرادَ الأخِيرُ وهو مِن قَصْرِ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ كالدّابَّةِ، انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بِاعْتِبارِ العُرْفِ أيْضًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَأنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ الَّذِي جُمْلَتُهُ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم أوْ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أُيِّدَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ سَمّاها سِحْرًا، وعُدَّ مِن ذَلِكَ تَحْرِيفُ الكِتابِ وتَغْيِيرُ نُعُوتِهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وإنَّما ذَكَرَ (أوْ)، وهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ إيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: نُبِّهَ بِكَلِمَةِ (أوْ) عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ يَعْنِي أنَّهم أثْبَتُوا المَنفِيَّ ونَفَوُا الثّابِتَ، والمُرادُ بِالمُتَناقِضِينَ أمْرانِ مِن شَأْنِهِما أنْ لا يُجْمَعَ بَيْنَهُما عُرْفًا أوْ يُقالَ: إنَّ مِن نَفَيِّ الثّابِتَ بِالبُرْهانِ يَكُونُ بِنَفْيِ ما لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أوْلى كَذَلِكَ في الطَّرَفِ الآخَرِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ المُتَناقِضِينَ مِن هَذا الوَجْهِ
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ وجْهَ التَّناقُضِ المُشْعَرِ بِهِ هَذا العَطْفُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى دَعْوى وُجُوبِ القَبُولِ بِلا حُجَّةِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى وتَكْذِيبُ الآياتِ دَعْوى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يُقْبَلَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى ولَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ويَجِبُ أنْ يُنْكِرَ التَّنْبِيهَ ويَرْتَكِبَ المُكابَرَةَ بِناءً عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونُ مَلَكًا
ولا يَخْفى أنَّ في دَعْوى التَّناقُضِ خَفاءً، وهَذِهِ التَّوْجِيهاتُ لا تَرْفَعُهُ (إنَّهُ) أيِ الشَّأْنُ، والمُرادُ أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا وهو ﴿لا يُفْلِحُ﴾ أيْ لا يَفُوزُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ ﴿الظّالِمُونَ﴾
12
- مِن حَيْثُ أنَّهم ظالِمُونَ فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ مِن حَيْثُ أنَّهُ أظْلَمُ،
الأنعام 6:22
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، وضَمِيرُ (نَحْشُرُهُمْ) لِلْكُلِّ أوِ لِلْعابِدِينَ لِلْآلِهَةِ الباطِلَةِ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِنهُ أيْ ويَوْمَ نَحْشُرُ كُلَّ الخَلْقِ أوِ الكُفّارِ وآلِهَتِهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لَهم ما نَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ، وتَرَكَ هَذا الفِعْلَ مِنَ الكَلامِ لَيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ والتَّهْوِيلِ، وقُدِّرَ ماضِيًا لِيَدُلَّ عَلى التَّحْقِيقِ ويَحْسُنُ عَطْفُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ واذْكُرْ لَهم لِلتَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِيَتَّقُوا أوْ لِيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم إلَخْ ثُمَّ نَقُولُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أيْ آلِهَتِكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ و (أيْنَ) لِلسُّؤالِ عَنْ غَيْرِ الحاضِرِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ يَقْتَضِي حُضُورَهم مَعَهم في المَحْشَرِ فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا السُّؤالَ حِينَ يُحالُ بَيْنَهم بَعْدَ ما شاهَدُوهم لِيُشاهِدُوا خَيْبَتَهم كَما قِيلَ: كَما أبْرَقَتْ قَوْمًا عِطاشًا غَمامَةٌ فَلَمّا رَأوْها أقْشَعَتْ وتَجَلَّتِ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ الغَيْبِ كَما تَقُولُ لِمَن جَعَلَ أحَدًا ظَهِيرًا يُعِينُهُ في الشَّدائِدِ إذا لَمْ يُعِنْهُ وقَدْ وقَعَ في ورْطَةٍ بِحَضْرَتِهِ أيْنَ زِيدٌ؟ فَتَجْعَلَهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ وإنْ كانَ حاضِرًا كالغائِبِ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أيْنَ نَفْعُهم وجَدْواهم والتَزَمَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهم غَيْبٌ لِظاهِرِ
صفحة 122
السُّؤالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وأُجِيبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ جَمْعًا بَيْنَ الآياتِ أوِ المَعْنى وما نَرى شَفاعَةَ شُفَعائِكُمْ
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا السُّؤالَ المُنْبِئَ عَنْ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ مَعَ عُمُومِ الحَشْرِ لَها لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ التَّبَرِّي مِنَ الجانِبَيْنِ وتَقَطُّعِ ما بَيْنَهم مِنَ الأسْبابِ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ إلَخْ ونَحْوُهُ إمّا لِعَدَمِ حُضُورِها حِينَئِذٍ في الحَقِيقَةِ بِإبْعادِها مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ وإمّا بِتَنْزِيلِ عَدَمِ حُضُورِها بِعُنْوانِ الشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ حُضُورِها في الحَقِيقَةِ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْها مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ عَدَمَ الوَصْفِ يُوجِبُ عَدَمَ المَوْصُوفِ مِن حَيْثُ هو مَوْصُوفٌ فَهي مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ غائِبَةٌ لا مَحالَةَ وإنْ كانَتْ حاضِرَةً مِن حَيْثُ ذَواتِها أصْنامًا كانَتْ أوَّلًا
وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ يُحالُ بَيْنَها وبَيْنَهم وقْتَ التَّوْبِيخِ لِيُفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فَيَرَوْا مَكانَ حُزْنِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، فَرُبَّما يَشْعُرُ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِحَقِيقَةِ الحالِ وعَدَمِ انْقِطاعِ حِبالِ رَجائِهِمْ عَنْها بَعْدُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم شاهَدُوها قَبْلَ ذَلِكَ وانْصَرَمَتْ عُرْوَةُ أطْماعِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ، وإنَّما الَّذِي يَحْصُلُ في الحَشْرِ الِانْكِشافُ الجَلِيُّ واليَقِينُ القَوِيُّ المُتَرَتِّبُ عَلى المُحاضَرَةِ والمُحاوَرَةِ اهـ
وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا الشِّهابُ بِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا أصْلَ لَهُ لِأنَّ التَّوْبِيخَ مُرادٌ في الوُجُوهِ كُلِّها ولا يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ التَّوْبِيخُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ خِلافِهِ مَعَ أنَّ كَوْنَ هَذا واقِعًا بَعْدَ التَّبَرِّي في مَوْقِفٍ آخَرَ لَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ هَذا مَوْقِفَ التَّبَرِّي، والإشْعارُ المَذْكُورُ لا يَتَأتّى مَعَ أنَّهُ تَوْبِيخٌ وأمّا العِلاوَةُ الَّتِي زُيِّلَ بِها كَلامُهُ فَوارِدَةٌ عَلَيْهِ أيْضًا مَعَ أنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ اهـ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَذابَهم إنْ كانَ بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمُ النَّفْعَ فِيهِمْ ورَجاءِ شَفاعَتِهِمْ أُولَئِكَ المُعَذَّبُونَ لأنَّ عَذابَهم لِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: لِأنَّ عَذابَ البَرْزَخِ لا يَقْتَضِي إلَخْ، لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وكَذا قَوْلُهُ: فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ، إنْ أرادَ بِهِ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ لِمَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي في قَبْرِهِ يَشْفَعُ لَهُ مَن يَشْفَعُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يُفِيدُ، وإنْ أرادَ فَكَمْ مِن مُعَذَّبٍ في قَبْرِهِ بِسَبَبِ عِبادَةِ شَيْءٍ يَشْفَعُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَمَنعُهُ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ يَحْشُرُهم ثُمَّ يَقُولُ بِالياءِ فِيهِما والضَّمِيرُ فِيهِما لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
22
- إمّا بِالواسِطَةِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والتَّكْلِيمُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) إلَخْ تَكْلِيمُ تَشْرِيفٍ ونَفْعٍ لا مُطْلَقًا، فَقَدْ كَلَّمَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما كَلَّمَ، والزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”زَعَمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ“، وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: زَعَمَ رَسُولُكَ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ في أشْياءَ يَرْتَضِيها: زَعَمَ الخَلِيلُ ويُسْتَعْمَلُ في الباطِلِ والكَذِبِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ وهو هُنا مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ وحُذِفا لِانْفِهامِهِما مِنَ المَقامِ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ
الأنعام 6:23
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ أصْلُ مَعْنى الفِتْنَةِ عَلى ما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ مِنَ الفِتَنِ وهو إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَعْلَمَ جَوْدَتَهُ مِن رَداءَتِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في مَعانٍ كالعَذابِ والِاخْتِبارِ والبَلِيَّةِ والمُصِيبَةِ والكُفْرِ والَإثْمِ والضَّلالِ
صفحة 123
والمَعْذِرَةِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا فَقِيلَ: الشِّرْكُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الشِّرْكِ بِالفِتْنَةِ أنَّها ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ. والكَلامُ حِينَئِذٍ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ، وإمّا عَلى جَعْلِ عاقِبَةِ الشَّيْءِ عَيْنَهُ ادِّعاءً وهو أحْلى مَذاقًا وأبْعَدُ مَغْزًى. والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسِ الأقْوالِ أوِ ادِّعائِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾
32
- كِنايَةٌ عَنِ التَّبَرِّي عَنِ الشِّرْكِ وانْتِفاءِ التَّدَيُّنِ بِهِ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ شِرْكِهِمْ شَيْئًا إلّا تَبَرُّئَهم مِنهُ، ونَصَّ الزَّجّاجُ أنَّ مِثْلَ ما في الآيَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في مَهْلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَيُقالُ لَهُ: ما كانَ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ تَبَرَّأْتَ مِنهُ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ عِتابُكَ السَّيْفُ ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ ذَلِكَ فِيهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ لَطِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ كَلامَ العَرَبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها العُذْرُ واسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لِأنَّها عَلى ما تَقْدَّمَ التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ فاسْتُعِيرَتْ لَهُ
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ. ووَجْهُ الِإطْلاقِ أنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ فَتَجُوزُ بِها عَنْهُ إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الجَوابَ مُخْلَصٌ لَهم أيْضًا كالمَعْذِرَةِ، قِيلَ: والحُصْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقِيٌّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ عَلى ظاهِرِها و(تَكُنْ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، و (فِتْنَتُهُمْ) بِالرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ و (فَتَنَتْهُمْ) بِالنَّصْبِ، وكَذا قَرَأ (رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المِدَحِ وقُرِئَ في الشَّواذِّ (رَبُّنا) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو تَوْطِئَةٌ لِنَفْيِ إشْراكِهِمْ، وفائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإشْراكِ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ تَقَدَّسَ وتَعالى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ ونَصْبِ (فِتْنَتُهُمْ) أيْضًا، وخَرَّجُوا قِراءَةَ الأوَّلِينَ عَلى أنَّ فِتْنَتَهُمُ اسْمُ (تَكُنْ)، وتَأْنِيثُ الفِعْلِ إسْنادُهُ إلى مُؤَنَّثٍ (وأنْ قالُوا) خَبَرُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى أنَّ (أنْ قالُوا) هو الِاسْمُ، ولَمْ يُؤَنَّثُ الفِعْلُ لِإسْنادِهِ إلى مُذَكَّرٍ، و(فِتْنَتُهُمْ) هو الخَبَرُ
وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى نَحْوِ هَذا خَلا أنَّ التَّأْنِيثَ فِيها بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهَمْ يُجِيزُونَ في سِعَةِ الكَلامِ تَأْنِيثَ اسْمِ كانَ إذا كانَ مَصْدَرًا مُذَكَّرًا وكانَ الخَبَرُ مُؤَنَّثًا مُقَدَّمًا كَقَوْلِهِ:
وقَدْ خابَ مَن كانَتْ سَرِيرَتَهُ الغَدْرُ
ويَسْتَشْهِدُونَ عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْنِيثَ عَلى مَعْنى المَقالَةِ وهو مِن قَبِيلِ (جاءَتْهُ كِتّابِي) أيْ رِسالَتِي، ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ونُقِلَ بِعَيْنِهِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ: مَن كانَتْ أُمُّكَ، ونُوقِشَ بِما لا طائِلَ فِيهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أفْصَحُ مِنَ القِراءَةِ الأُولى لِأنَّ فِيها جُعِلَ الأعْرَفُ خَبَرًا وغَيْرُ الأعْرَفِ اسْمًا، لِأنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ، والمُضْمَرُ أعْرَفُ المَعارِفِ وهو خِلافُ الشّائِعِ المَعْرُوفِ دُونَهُما وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن مُشابَهَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ في حُكْمِ مُشابَهَتِهِ لَهُ في جَمِيعِ الأحْكامِ، والجُمْلَةُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ العامِلِ في (يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) إلَخْ. عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ وجَعَلَها غَيْرُ واحِدٍ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، و(ثُمَّ) إمّا عَلى ظاهِرِها بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وإمّا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بِناءً عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ لَأنَّ مَعْذِرَتَهم أوْ جَوابَهم هَذا أعْظَمُ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَراخٍ في الزَّمانِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْقِفَ عَظِيمٌ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عايَنُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَجَلِّي المَلِكِ الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْهِمْ بِصِفَةِ الجَلالِ كَما يُنْبِئُ
صفحة 124
عَنْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ حارُوا ودَهِشُوا فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الجَوابَ إلّا بَعْدَ زَمانٍ، ومِمّا يُنْبِئُ عَلى دَهْشَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ أنَّهم كَذَبُوا وحَلَفُوا في كَلامِهِمْ هَذا ولَوْ لَمْ يَكُونُوا حَيارى مَدْهُوشِينَ لَما قالُوا الَّذِي قالُوا لِأنَّ الحَقائِقَ تَنْكَشِفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا اطَّلَعَ أهْلُها عَلَيْها وعَلى أنَّها لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ اسْتَحالَ صُدُورُهُ عَنْهُمْ
ولِلْغَفْلَةِ عَنْ بِناءِ الأمْرِ عَنِ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، مَنَعَ الجَبائِيُّ والقاضِي ومَن وافَقَهُما جَوازَ الكَذِبِ عَلى أهْلِ القِيامَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِما ذَكَرْنا وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ المَعْنى ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم مُوَحِّدُونَ مُتَباعِدُونَ عَنِ الشِّرْكِ واعْتَرَضُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا فَلِمَ قالَ سُبْحانَهُ:
الأنعام 6:24
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وأجابُوا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم كَذَبُوا في الآخِرَةِ بَلِ المُرادُ انْظُرُ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في الدُّنْيا، ورُدَّ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى بِوَجْهٍ ولا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لِأنَّها في شَأْنِ خُسْرِهم وأمْرِهِمْ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا بَلْ تَنْبُو عَنْهُ أشَدُّ نَبْوٍ لِأنَّ أوَّلَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وآخِرَهُ في ذَلِكَ فَتَخَلَّلَ بَيانَ حالِهِمْ في الدُّنْيا تَفْكِيكٌ لَهُ وتَعَسَّفَ جِدًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ حَيْثُ شَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا ويُشِيرُ إلى هَذا التَّشْبِيهِ أيْضًا الأمْرُ بِالنَّظَرِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَظَرَ
وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ لِمُخْبِرِهِ ألا تَراهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبَرُّؤَهم كَذِبا مَعَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
42
- أيْ سُلِبُوا عِلْمَهُ حِينَئِذٍ دَهَشًا وحَيْرَةً فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إطْلاقَ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها ويَقُولُونَ فِيها: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإيقاعُ الِافْتِراءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى أيْ لا زالَتْ وذَهَبَتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي يَفْتَرُونَ فِيها ما يَفْتَرُونَ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: إنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ضَلَّ افْتِراؤُهم كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها عَطْفٌ عَلى (كَذَبُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّعَجُّبِ إذِ الِاسْتِفْهامُ السّابِقُ المُعَلَّقُ لا نَظَرَ لِذَلِكَ، وجَعَلَ المَعْنى عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِ والمَصْدَرِيَّةِ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ المُغَلَّظَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِإنْكارِ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم أوْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإشْراكِ حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وتَبَرَّءُوا بِالمَرَّةِ
الأنعام 6:25
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِحِكايَةِ ما صَدَرَ في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أحْكامِ الكُفْرِ ثُمَّ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ الحَشْرِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، وضَمِيرُ (مِنهُمْ) لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، والِاسْتِماعُ بِمَعْنى الإصْغاءُ وهو لازِمٌ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ وهو القُرْآنُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «إنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ اسْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
صفحة 125
وهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأُولى، وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»
وأفْرَدَ ضَمِيرَ (مَن) في يَسْتَمِعُ وجَمَعَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ نَظَرًا إلى لَفْظِهِ ومَعْناهُ، وعَنِ الكَرْخِيِّ إنَّما قِيلَ: هُنا يَسْتَمِعُ وفي يُونُسَ يَسْتَمِعُونَ لِأنَّ ما هُنا في قَوْمِ قَلِيلِينَ فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ الواحِدِ، وما هُناكَ في جَمْعِ الكُفّارِ فَناسَبَ الجَمْعَ، وإنَّما لَمْ يَجْمَعْ ثَمَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ لِأنَّ المُرادَ النَّظَرُ المُسْتَتْبِعُ لِمُعايَنَةِ أدِلَّةِ الصِّدْقِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، والنّاظِرُونَ كَذَلِكَ أقَلُّ مِنَ المُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ، والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ لَفْظًا ومَعْنى لِأنَّ فَعالًا بِفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِها يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْعِلَةٍ كَأحْمِرَةٍ وأقْذِلَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُعْلٍ كَحُمْرٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُضاعَفًا أوْ مُعْتَلَّ اللّامِ فَيَلْزَمُ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ كَأكِنَّةٍ وأخْبِيَةٍ إلّا نادِرًا، وفِعْلُ الكَنِّ ثَلاثِيٌّ ومَزِيدٌ يُقالُ: كَنَّهُ وأكَنَّهُ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما الرّاغِبُ فَقالَ: أكْنَنْتُ يُسْتَعْمَلُ لِما يُسْتَرُ في النَّفْسِ، والثُّلاثِيُّ لِغَيْرِهِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والواوُ لِلْعَطْفِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ أيْ وقَدْ جَعَلْنا، و﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ
وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ إنْ كانَ بِمَعْنى ألْقى فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَمُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْنا: وأنْشَأْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ يَفْهَمُوا ما يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ القُرْآنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الِاسْتِماعِ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَ (لا) دُونُهُ أيْ أنْ لا يَفْقَهُوهُ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في أمْثالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أكِنَّةً) وحْدَهُ مِن ذَلِكَ، ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ صَمَمًا وثِقَلًا في السَّمْعِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ عَلى ما هو حَقُّهُ، والكَلامُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ تَمْثِيلٌ مُعْرِبٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ وفَرْطِ نَبْوِ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ أصَمَّها اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ وقَدْ مَرَّ لَكَ في البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ
وقَرَأ طَلْحَةُ (وِقْرًا) بِالكَسْرِ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ حِمْلُ البَغْلِ ونَحْوُهُ، ونَصْبُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالعَطْفِ عَلى أكِنَّةٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ﴿وإنْ يَرَوْا﴾ أيْ يُشاهِدُوا ويُبْصِرُوا كُلَّ آية أيْ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانْشِقاقِ القَمَرِ ونَبْعِ الماءِ بَيْنَ أصابِعِهِ الشَّرِيفَةِ وتَكْثِيرِ القَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ، والكَلامُ مِن بابِ عُمُومِ النَّفْيِ كَكُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لا مِن بابِ نَفْيِ العُمُومِ
والمُرادُ ذَمُّهم بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِحاسَّةِ البَصَرِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَدَمَ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ وأسْماعِهِمْ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الآيَةِ بِغَيْرِ المُلْجِئَةِ دَفْعًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ واكْتَفى بَعْضُهم بِحَمْلِ الإيمانِ عَلى الإيمانِ بِالِاخْتِيارِ وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُضُوعِ الأعْناقِ فَلْيُفْهَمْ، وخَصَّ شَيْخُ الإسْلامِ الآيَةَ بِما كانَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أيْ وإنْ يَرَوْا
صفحة 126
شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِأنْ يُشاهِدُوهُ بِسَماعِهِ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ أحْلى لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ
﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ يُخاصِمُونَكَ ويُنازِعُونَكَ و (حَتّى) هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ ويُقالُ لَها: حَتّى الِابْتِدائِيَّةُ ولا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها خِلافًا لِلزُّجاجِ وابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ زَعْمًا أنَّها في مَحَلِّ جَرٍّ بِحَتّى، ويَرُدُّهُ أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ لا تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى المُفْرَدِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ، والجُمْلَةُ هُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءُوكَ﴾ مَعَ جَوابِ الشَّرْطِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٍ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، و(إذا) مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِالشَّرْطِ أوِ الجَوابِ عَلى الخِلافِ الشَّهِيرِ في ذَلِكَ واعْتُرِضَ بِأنَّ جَعْلَ (يُجادِلُونَكَ) في مَوْضِعِ الحالِ (ويَقُولُ الَّذِينَ) جَوابًا مُفْضٍ إلى جَعْلِ الكَلامِ لَغْوًا لِأنَّ المُجادَلَةَ نَفْسُ هَذا القَوْلِ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ المُجادِلَةُ بِقَصْدِها
ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ المُجادَلَةَ مُطْلَقُ المُنازَعَةِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ أيِ الأرْضِ، والقَوْلُ المَذْكُورُ فَرْدٌ مِنها فالكَلامُ مُفِيدٌ أبْلَغَ فائِدَةً كَقَوْلِكَ: إذا أهانَكَ زَيْدٌ شَتَمَكَ، وذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (حَتّى) إذا وقَعَ بَعْدَها (إذا) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إلى) والغايَةُ مُعْتَبَرَةٌ في الوَجْهَيْنِ أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَكَ لا يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ بَلْ يَقُولُونَ (إنْ هَذا) أيْ ما هَذا ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
52
- أيْ أحادِيثُهُمُ المَسْطُورَةُ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وقالَ قَتادَةُ: كَذِبُهم وباطِلُهُمْ
وحاصِلُ ما ذُكِرَ أنَّ تَكْذِيبَهم بَلَغَ النِّهايَةَ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ماتَ النّاسُ حَتّى الأنْبِياءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (حَتّى) هي الجارَّةَ، ﴿وإذا جاءُوكَ﴾: في مَوْضِعِ الجَرِّ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ في شَرْحِهِ وعَلَيْهِ فَـ (إذا) خارِجَةٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ كَما صَرَّحُوا بِهِ وعَنِ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا فَلا جَوابَ لَها فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: تَفْسِيرٌ (لَيُجادِلُونَكَ) وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا. والأساطِيرُ عِنْدَ الأخْفَشِ جَمْعٌ لا مُفْرَدَ لَهُ كَأبابِيلَ ومَذاكِيرَ، وقالَ بَعْضُهم: لَهُ مُفْرَدٌ. وفي القامُوسِ إنَّهُ جَمْعُ إسْطارٍ وإسْطِيرٍ بِكَسْرِهِما وأُسْطُورٍ وبِالهاءِ في الكُلِّ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ سَطْرٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ فَهو جَمْعُ جَمْعٍ وأصْلُ السَّطْرَ بِمَعْنى الخَطِّ
الأنعام 6:26
﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ أيْ لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ وعَدِّهِ حَدِيثَ خُرافَةٍ بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ لِئَلّا يَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْأوْنَ عَنْهُ أيْ يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ النَّأْيِ عَنِ النَّهْيِ وهَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ وهو التَّفْسِيرُ الَّذِي أخْرَجَهُ أبْناءُ جَرِيرٍ والمُنْذِرِ وأبِي حاتِمٍ ومَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِأبِي طالِبٍ وأتْباعِهِ أوْ أضْرابِهِ، والمَجْرُورُ
صفحة 127
لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى مَعْنى يَنْهَوْنَ عَنْ أذِيَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلالٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ وكانُوا عَشْرَةً، وكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في السِّرِّ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الجَمْعِ لِأبِي طالِبٍ وحْدَهُ وجُمِعَ اسْتِعْظامًا لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَنزِلَةَ أفْعالٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: قِفا عِنْدَ المازِنِيِّ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ورَوى هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا
ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عِنْدَ أبِي طالِبٍ يَدْعُوهُ لِلْإسْلامِ فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إلَيْهِ يُرِيدُونَ سُوءًا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ مُنْشِدًا:
واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا
فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ وقَرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونًا
ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا
وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا
لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ». وفِيها عَلى هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ التِفاتٌ، ورَدَّ الإمامُ القَوْلَ الأخِيرَ بِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في ذَمِّ فِعْلِ المُشْرِكِينَ فَلا يُناسِبُهُ ذِكْرُ النَّهْيِ عَنْ أذِيَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ. ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الذَّمَّ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وبِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنِ ادَّعى أنَّ أبا طالِبٍ لَمْ يُؤْمِن بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ في مَوْضِعِهِ
والنَّأْيُ لازِمٌ يَتَعَدّى بِعْنَ كَما في الآيَةِ. ونُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ سَمِعَ تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ عَنِ المُبَرِّدِ وأنْشَدَ: أُعاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدًى بِقَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ نَآنِي زائِرِي وقَرِيبِي وخَرَّجَهُ البَعْضُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، ولا يَخْفى ما في (يَنْهَوْنَ ويَنْأوْنَ) مِنَ التَّجْنِيسِ البَدِيعِ وقُرِئَ (ويَنَوْنَ) عَنْهُ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ﴾ أيْ وما يُهْلِكُونَ بِذَلِكَ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهُ وهو عَذابُ الضَّلالِ والإضْلالِ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾
62
- حالٌ مِن ضَمِيرِ يُهْلِكُونَ أيْ يَقْصُرُونَ الإهْلاكَ عَلى أنْفُسِهِمْ والحالُ أنَّهم غَيْرُ شاعِرِينَ لا بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم ولا بِاقْتِصارِ ذَلِكَ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ أوِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإهْلاكِ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقُ الضَّرَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ هو الهَلاكُ لا الضَّرَرُ المُطْلَقُ عَلى أنَّ مَقْصِدَهم لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ المُمانَعَةِ فِيما ذَكَرُوا بَلْ كانُوا يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي هو نِظامُ عِقْدِ لَآلِئِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُعْتَبَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالنَّهْيِ فَقَصْرُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ عَذابِ الضَّلالِ عِنْدَ عَذابِ الإضْلالِ مَنزِلَةَ العَدَمِ. ونَفْيُ الشُّعُورِ -عَلى ما في البَحْرِ- أبْلَغُ مِن نَفْيِ العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِكُونَ ذَلِكَ أصْلًا
الأنعام 6:27
﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَصْدُرُ
صفحة 128
عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ القَوْلِ المُتَناقِضِ لِما صَدَرَ عَنْهم في الدُّنْيا مِنَ القَبائِحِ المَحْكِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ كاذِبًا في نَفْسِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ قَصْدًا إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الشَّناعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِها راءٍ دُونَ راءٍ. و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ عَلى أصْلِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلَةُ امْرِئِ القَيْسِ:
وجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا،
وقَوْلُهُمْ: لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي. و(تَرى) بَصَرِيَّةٌ وحُذِفَ مَفْعُولُها لِدَلالَةِ ما في حَيِّزِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ. والإيقافُ إمّا مِنَ الوُقُوفِ المَعْرُوفِ أوْ مِنَ الوُقُوفِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ كَما يُقالُ أوْقَفْتُهُ عَلى كَذا إذا فَهَّمْتُهُ وعَرَّفْتُهُ. واخْتارَهُ الزَّجّاجُ أيْ ولَوْ تَرى حالَهم حِينَ يُوقَفُونَ عَلى النّارِ حَتّى يُعايِنُوها أوْ يُرْفَعُوا عَلى جِسْرِها وهي تَحْتَهم فَيَنْظُرُونَها أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها لَرَأيْتَ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ
وقِيلَ: إنَّ (لَوْ) بِمَعْنى إنَّ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ تَرى عِلْمِيَّةً وهو كَما تَرى. وقُرِئَ (وقَفُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْهِ اللّازِمُ ومَصْدَرُهُ غالِبًا لِلْوُقُوفِ. ويُسْتَعْمَلُ وقَفَ مُتَعَدِّيًا أيْضًا ومَصْدَرُهُ الوَقْفُ وسُمِعَ فِيهِ أُوقِفَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ
وقِيلَ: إنَّهُ بِطَرِيقِ القِياسِ (فَقالُوا) لِعَظَمِ أمْرِ ما تَحَقَّقُوهُ ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا. و(يا) لِلتَّنْبِيهِ أوْ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ أيْ يا قَوْمَنا مَثَلًا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ القُرْآنِ كَما كُنّا نُكَذِّبُ مِن قَبْلُ ونَقُولُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآياتِ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ والمُعْجِزاتِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِأحْوالِ النّارِ وأهَوالِها الآمِرَةِ بِاتِّقائِها بِناءً عَلى أنَّها الَّتِي تَخْطُرُ حِينَئِذٍ بِبالِهِمْ ويَتَحَسَّرُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادُ بِها جَمِيعُ الآياتِ المُنْتَظِمَةِ لِتِلْكَ الآياتِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
72
- بِها حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ كَما لَمْ يَرَ المُؤْمِنُونَ. ونَصْبُ الفِعْلَيْنِ -عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَبَقَهُ إلَيْهِ كَما قالَ الحَلَبِيُّ الزَّجّاجُ- بِإضْمارِ أنْ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. والمَعْنى إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ نَصْبَ الفِعْلِ بَعْدَ الواوِ لَيْسَ عَلى الجَوابِيَّةِ لِأنَّها لا تَقَعُ في جَوابِ الشَّرْطِ فَلا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَها أوْ ما بَعْدَها شَرْطُ جَوابٍ، وإنَّما هي واوٌ تَعْطِفُ ما بَعْدَها عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ قَبْلَها وهي عاطِفَةٌ يَتَعَيَّنُ مَعَ النَّصْبِ أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ وهي المَعِيَّةُ ويُمَيِّزُها عَنِ الفاءِ صِحَّةَ حُلُولِ مَحَلِّها أوِ الحالِ. وشُبْهَةُ مَن قالَ: إنَّها جَوابٌ أنَّها تُنْصَبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَنْصِبُ فِيها الفاءُ فَتُوهِمُ أنَّها جَوابٌ. ويُوَضِّحُ لَكَ أنَّها لَيْسَتْ بِهِ انْفِرادُ الفاءِ دُونَها بِأنَّها إذا حُذِفَتِ انْجَزَمَ الفِعْلُ بَعْدَها بِما قَبْلَها لِما تَضَمَّنَهُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ أُجْرِيَتْ هُنا مَجْرى الفاءِ. وجَعَلَها ابْنُ الأنْبارِيِّ مُبْدَلَةً مِنها. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ إسْحاقَ (فَلا نُكَذِّبَ)، واعْتُرِضَ أيْضًا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن مَعْنى الجَزائِيَّةِ بِأنَّ رَدَّهم لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ السَّبَبِيَّةَ يَكْفِي فِيها كَوْنُها في زَعْمِهِمْ. ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الرَّدِّ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ العِنايَةِ بِأنْ يُرادَ الرَّدُّ الكائِنُ بَعْدَ ما ألْجَأهم إلى ذَلِكَ إذْ قَدِ انْكَشَفَتْ لَهم حَقائِقُ الأشْياءِ. ولِهَذِهِ الدَّغْدَغَةِ اخْتارَ مَنِ اخْتارَ العَطْفَ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءَ تَكْذِيبٍ وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ، وخَرَجَ عَلى أنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهم غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ والَوْاوُ كالزّائِدَةِ؛ كَقَوْلِ المُذْنِبِ لِمَن يُؤْذِيهِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ: دَعْنِي ولا أعُودُ يُرِيدُ لا أعُودُ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. ومِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الإمامُ عَبْدُ القاهِرِ قَوْلُهُ:
صفحة 129
اليَوْمَ يَوْمانِ مُذْ غُيِّبْتَ عَنْ نَظَرِي ∗∗∗ نَفْسِي فِداؤُكَ ما ذَنْبِي فَأعْتَذِرُ
وكَأنَّ المُقْتَضى لِنَظْمِهِ في هَذا السِّلْكِ إفادَةُ المُبالِغَةِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ المُغازَلَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ ابْتِداءَ كَلامٍ بِمَعْنى كَوْنِهِ مَقْطُوعًا عَمّا في حَيِّزِ التَّمَنِّي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ إخْبارٍ عَلى إنْشاءٍ، ومِنَ النُّحاةِ مِن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ داخِلًا في حُكْمِ التَّمَنِّي عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى (نُرَدُّ) أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، فالمَعْنى -كَما قالَ الشِّهابُ- عَلى تَمَنِّي مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ الرَّدِّ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ أيِ التَّصْدِيقِ الحاصِلِ بَعْدَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِأنَّ الرَّدَّ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ هُنا، وكَوْنُهُ مُتَمَنًّى ظاهِرٌ لِعَدَمِ حُصُولِهِ حالَ التَّمَنِّي وإنْ كانَ التَّمَنِّي مُنْصَبًّا عَلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ فَتَمَنِّيهِ لِأنَّ الحاصِلَ الآنَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّهم لَيْسُوا في دارِ تَكْلِيفٍ فَتَمَنَّوْا إيمانًا يَنْفَعُهم وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الرَّدِّ المُحالِ والمُتَوَقِّفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى ما عَلِمْتَ آنِفًا، والجَوابِيَّةُ إمّا بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ أوْ بِالنَّظَرِ إلى الثّانِي وعَدَمُ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ والتَّصْدِيقِ فَلا اتِّحادَ
وقُرِئَ شاذًّا بِعَكْسِ هَذِهِ القِراءَةِ.
الأنعام 6:28
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُؤْذِنُ بِهِ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزْمٍ صَحِيحٍ ناشِئٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ بَلْ لِأنَّهُ بَدا وظَهَرَ لَهم في وُقُوفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِن ثالِثَةِ الأثافِي والدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ فَلِشَدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ ومَزِيدِ ضَجَرِهِمْ مِنهُ قالُوا ما قالُوا، فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ النّارُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السَّوْقُ ومِن إخْفائِها سَتْرُ أمْرِها وذَلِكَ بِإنْكارِ تَحَقُّقِها وعَدَمِ الإيمانِ بِثُبُوتِها أصْلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا ويُنْكِرُونَ تَحَقُّقَهُ
وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِالتَّكْذِيبِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِما قَبْلُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ مَراعاةً لِما في مُقابِلِهِ مِنَ البَدْوِ في الجُمْلَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الرَّمْزِ الخَفِيِّ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم هَذا لَمْ يَكُنْ في مَحَلِّهِ رَأْسًا لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما كانُوا يُخْفُونَهُ قَبائِحُهم مِن غَيْرِ الشِّرْكِ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها عَنِ النّاسِ فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ الَّذِي أنْكَرُوهُ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أمْرُ البَعْثِ والنُّشُورِ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِرُؤَساءِ الكُفّارِ والمَجْرُورُ لِأتْباعِهِمْ أيْ ظَهَرَ لِلتّابِعِينَ ما كانَ الرُّؤَساءُ المَتْبُوعُونَ يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُسِبَ إلى الحَسَنِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ
وقِيلَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لَهُمْ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكُفْرُ أيْ بَلْ ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما كانَ المُنافِقُونَ يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ ويَكْتُمُونَهُ عَنْهم في الدُّنْيا، وقِيلَ: هي في أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا أوْ عُلَمائِهِمْ، والَّذِي أخْفَوْهُ نُبُوَّةَ خاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرانِ المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لِلْخَواصِّ والعَوامِّ. وتُعُقِّبَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ الِاعْتِسافِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهُمُ المَذْكُورَ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي وأزْجُرُ الزَّواجِرِ إلى ما دُونَها في ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ ثَمَّةَ أمْرٌ يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الكَلامَ
صفحة 130
عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بَدا لَهم وبالُ ما كانُوا يُخْفُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا فَتَدَبَّرْ
﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أوْ مِنَ الأعَمِّ مِن ذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ووَجْهُ اللُّزُومِ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ سَبْقُ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ التّابِعِ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ ونَجاسَةِ جِبِلَّتِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ولِهَذا لا يَنْفَعُهم مُشاهِدَةَ ما شاهَدُوهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى حالِهِمُ الأُولى مِن عَدَمِ العِلْمِ والمُشاهَدَةِ لَعادُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ ذَمِّهِمْ بِغُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ والإصْرارِ، وكَوْنُ هَذا جَوابًا لِما مَرَّ مِن تَمَنِّيهِمْ. وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ في تَوْجِيهِ عَدَمِ نَفْعِ المُشاهَدَةِ في الآخِرَةِ لِأهْوالِها المُتَرَتِّبَةِ عَلى المَعاصِي بَعْدَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا أنَّها حِينَئِذٍ كَخَبَرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ فَحَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وصَدَّهم ما صَدَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما هو مِثْلُهُ ويَصُدُّهم أيْضًا ما يَصُدُّهُمْ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ المُشاهَدَةِ بَعْدَ الرَّدِّ كَخَبَرِ الصّادِقِ يَرْجِعُ في الآخِرَةِ إلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَبْقِ القَضاءِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ، ومِن خُلِقَ لِلشَّقاءِ والعِياذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلشَّقاءِ يَكُونُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
82
- أيْ لَقَوْمٌ كاذِبُونَ فِيما تَضَمَّنَهُ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الخَبَرِ بِأنَّ ذَلِكَ مُرادٌ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى بِأنَّ دَيْدَنَ هَؤُلاءِ وهَجِيراهُمُ الكَذِبُ. ولَيْسَ الكَذِبُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَوَجِّهًا إلى التَّمَنِّي نَفْسِهِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ، والإنْشاءُ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ. وقالَ الرَّبَعِيُّ: لا بَأْسَ بِتَوْجِيهِ الكَذِبِ إلى التَّمَنِّي لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ بِنَفْسِهِ. واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُنًى إنْ تَكُنْ حَقًّا أحْسَنَ المُنى وإلّا فَقَدَ عِشْنا بِها زَمَنًا رَغْدًا لِأنَّ الحَقَّ بِمَعْنى الصِّدْقِ وهو ضِدُّ الباطِلِ والكَذِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَهو مَجازٌ أيْضًا، وقِيلَ الخَبَرُ الضِّمْنِيُّ هُنا هو الوَعْدُ بِالإيمانِ وعَدَمُ التَّكْذِيبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعْدَ كالوَعِيدِ مِن قَبِيلِ الإنْشاءِ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ فَلا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الكَذِبُ والصِّدْقُ كَما لا يَتَوَجَّهانِ إلى الإنْشاءِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المُسْئِلَةِ ثانِيهُما أنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ لا الإنْشاءِ وهَذا القِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالكَذِبِ المُتَوَجِّهِ إلى الوَعْدِ عَدَمُ الوَفاءِ بِهِ لا عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ
الأنعام 6:29
﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (عادَوْا) كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ واعْتَرَضَهُ ابْنُ الكَمالِ بِأنَّ حَقَّ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ حِينَئِذٍ يُؤَخَّرُ عَنِ المَعْطُوفِ أوْ يُقَدَّمُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَوْسِيطَهُ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (إنَّهم لَكاذِبُونَ) أوْ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ عَلى (نُهُوا)، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوهُ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بِذِكْرِ ما قالُوا في الدُّنْيا، ﴿إنْ هِيَ﴾ أيْ ما هي ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ والضَّمِيرُ لِلْحَياةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِ المُتَنَبِّي: هو الجَدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها وحَتّى يَكُونَ اليَوْمُ لِلْيَوْمِ سَيِّدًا وقَدْ نَصُّوا عَلى صِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مَواضِعَ مِنها ما إذا كانَ خَبَرُ الضَّمِيرِ مُفَسِّرًا لَهُ كَما هُنا وجَعَلَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّهُمُ اشْتَرَطُوا في خَبَرِهِ أنْ
صفحة 131
يَكُونَ جُمْلَةً وخالَفَهم بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم جَوازُ كَوْنِ خَبَرِهِ مُفْرَدًا إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ كَوْنِ المُفْرَدِ عامِلًا عَمَلَ الفِعْلِ كاسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ: إنَّهُ قائِمٌ زَيْدٌ، بِناءً عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ سَدَّ مَسَدَّ الجُمْلَةِ، وقِيلَ -وفِيهِ بُعْدٌ-: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عِبارَةً عَمّا في الذِّهْنِ وهو الحَياةُ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: الدُّنْيا لا القَرِيبَةُ الزَّوالِ أوِ الدَّنِيئَةُ أوِ المُتَقَدِّمَةُ عَلى الآخِرَةِ كَما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ إذْ كَلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ لاسِيَّما الأخِيرُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ 92
- أيْ إذا فارَقَتْنا هَذِهِ الحَياةُ أصْلًا.
الأنعام 6:30
﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِحَبْسِهِمْ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ أوْ كِنايَةٌ عَنْهُ عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ فِيها إمْكانُ الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّجَوُّزِ في المُفْرَدِ إلّا أنَّ الأرْجَحَ عِنْدَهُمُ اعْتِبارُهُ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: الوُقُوفُ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ المُتَعَدِّي بِعَلى أيْضًا، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، ولا حاجَةَ إلى التَّضْمِينِ وجَعْلِهِ مِنَ القَلْبِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الِاطِّلاعِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى مَعْنى عَرَفُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقَّ التَّعْرِيفِ، ولا يَلْزَمُ مَن حَقِّ التَّعْرِيفِ حَقُّ المَعْرِفَةِ لِيُقالَ: كَيْفَ هَذا وقَدْ قِيلَ: ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مَوْقِفِ الحِسابِ ولا يَخْفى ما فِيهِ
قالَ: اسْتِئْنافٌ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ ذاكَ فَقِيلَ: قالَ: إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ قائِلًا ألَيْسَ هَذا أيِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ بِالحَقِّ أيْ حَقًّا لا باطِلًا كَما زَعَمْتُمْ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى العِقابِ وحْدَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلالَةَ في (فَذُوقُوا ) عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ عَلى ذَلِكَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ قالُوا اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ (بَلى) هو حُقُّ ﴿ورَبِّنا﴾ أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ تَيَقُّنِهِمْ بِحَقِّيَتِهِ وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ طَمْعًا بِأنْ يَنْفَعَهم وهَيْهاتَ، ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ وأنْكَرْتُمُوهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
3
- أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِبَدَلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ أوْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِهِ، فَـ (ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والأوَّلُ أوْلى، ولَعَلَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ كَما قِيلَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَما وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا ما قالُوا إذِ الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلّا العَذابُ، ويُحْتَمَلُ العَكْسُ وأمْرُ الأمْرِ سَهْلٌ
الأنعام 6:31
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهم لَكِنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِتَسَبُّبِ خُسْرانِهِمْ عَمّا في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ لِقاءُ ما وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ لِقاءُ جَزاءٍ بِاللَّهِ تَعالى، وصَرَّحَ آخَرُونَ بِأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ عَنِ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ الوَقْتُ المَخْصُوصُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وأصِلُ السّاعَةِ القِطْعَةُ مِنَ الزَّمانِ، وغَلَبَتْ عَلى الوَقْتِ المَعْلُومِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وسُمِّيَ ساعَةً لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخُلُودِ أوْ بِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيهِ عَلى البارِّي عَزَّ اسْمُهُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِوَقْتِ المَوْتِ، والغايَةُ المَذْكُورَةُ لِلتَّكْذِيبِ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِلْخُسْرانِ لَكِنْ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 132
﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ إنَّكَ مَذْمُومٌ مَدْعُوٌّ عَلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ فَإذا جاءَ اليَوْمُ لَقِيتَ ما تَنْسى اللَّعْنَ مَعَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خَسِرَ المُكَذِّبُونَ إلى يَوْمِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنْواعِ المِحَنِ والبَلاءِ فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يَقَعُونَ فِيما يَنْسَوْنَ مَعَهُ هَذا الخُسْرانَ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً وبَغْتَةً بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُها، وبَغَتَهُ كَمَنَعَهُ فَجْأةً أيْ هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ شُعُورِ، وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ (جاءَتْهُمْ) أيْ مُباغَتَةً أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ مَبْغُوتِينَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَـ (جاءَتْهُمْ) عَلى حَدِّ رَجَعَ القَهْقَرى أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ اللَّفْظِ أوْ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالُوا﴾ جَوابُ إذا ﴿يا حَسْرَتَنا﴾ نِداءٌ لِلْحَسْرَةِ وهي شِدَّةُ النَّدَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا تَعالىْ فَهَذا أوانُكِ، قِيلَ: وهَذا التَّحَسُّرُ وإنْ كانَ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمّا كانَ المَوْتُ مِن مُقَدِّماتِ الآخِرَةِ جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ، وسُمِّيَ بِاسْمِها ولِذا قالَ ﷺ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» أوْ جَعَلَ مَجِيءَ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ لِسُرْعَتِهِ كالواقِعِ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ يا حَسْرَةُ احْضُرِي هَذا أوانُكِ، وهو نِداءٌ مَجازِيٌّ ومَعْناهُ تَنْبِيهُ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ أسْبابِ الحَسْرَةِ لِأنَّ الحَسْرَةَ نَفْسَها لا تُطْلَبُ ولا يَتَأتّى إقْبالُها، وإنَّما المَعْنى عَلى المُبالَغَةِ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم ذُهِلُوا فَنادَوْها، ومِثْلُ ذَلِكَ نِداءُ الوَيْلِ ونَحْوِهِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ
﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ أيْ عَلى تَفْرِيطِنا فَـ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فالتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ فِيما قُدِرَ عَلى فِعْلِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْناهُ التَّضْيِيعُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ السَّبْقُ ومِنهُ الفارِطُ لِلسّابِقِ، ومَعْنى فَرَّطَ خَلا السَّبْقَ لِغَيْرِهِ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلسَّلْبِ كَجَلَّدْتُ البَعِيرَ أزَلْتُ جِلْدَهُ وسَلَبْتُهُ، (فِيها) أيِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ في السّاعَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ مِنَ التَّفْرِيطِ في السّاعَةِ التَّقْصِيرُ في مُراعاةِ حَقِّها والِاسْتِعْدادِ لَها بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ أيْ عَلى ما فَرَّطْنا في طَلَبِها، ونُسِبَ إلى السُّدِّيِّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«يَرى أهْلُ النّارِ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُونَ يا حَسْرَتَنا» إلَخْ، لا يَخْلُو مَن نَظَرٍ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ بَعْدُ وهو يُبْطِلُ الِاسْتِدْلالَ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ الهاءَ يَعُودُ إلى الصِّفَةِ لِدَلالَةِ الخُسْرانِ عَلَيْها وهو بَعِيدٌ أيْضًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّتِي)، والمُرادُ بِها الأعْمالُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي قَصَّرْنا فِيها، نَعَمْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا مَذْكُورٌ في كَلامِهِمْ دُونَهُ عَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ بَلْ ولا في كَلامِهِ تَعالى في قَصِّ حالِ هَؤُلاءِ القائِلِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ فَتَدَبَّرْ، ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قالُوا) وهي حالٌ مُقارَنَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، والوِزْرُ في الأصْلِ الثِّقْلُ ويُقالُ: الذَّنْبُ وهو المُرادُ هُنا أيْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهم وخَطاياهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَكَرَ الظُّهُورَ لِأنَّ المُعْتادَ الأغْلَبَ الحِمْلُ عَلَيْها كَما في ﴿كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ الكَسْبَ في الأكْثَرِ بِالأيْدِي، وفي ذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى مَزِيدِ ثِقَلِ المَحْمُولِ وجَعَلَ الذُّنُوبَ والآثامَ مَحْمُولَةً عَلى الظَّهْرِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ بَيانُ سُوءِ حالِهِمْ وشَدَّةِ ما يَجِدُونَهُ مِنَ المَشَقَّةِ والآلامِ والعُقُوباتِ العَظِيمَةِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: حَمْلُها عَلى الظَّهْرِ حَقِيقَةٌ وإنَّها تُجَسَّمُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ ظالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ إلّا جاءَهُ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ عَلَيْهِ ثِيابٌ
صفحة 133
دَنِسَةٌ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ فَإذا رَآهُ قالَ ما أقْبَحَ وجْهَكَ قالَ كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا، قالَ: ما أنْتَنَ رِيحَكَ، قالَ: كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا، قالَ: ما أدْنَسَ ثِيابَكَ فَيَقُولُ: إنَّ عَمَلَكَ كانَ دَنِسًا قالَ: مَن أنْتَ، قالَ: أنا عَمَلُكَ فَيَكُونُ مَعَهُ في قَبْرِهِ فَإذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ قالَ لَهُ: إنِّي كُنْتُ أحْمِلُكَ في الدُّنْيا بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ فَأنْتَ اليَوْمَ تَحْمِلُنِي فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتّى يَدْخُلَهُ النّارَ، وأخْرَجا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ شَيْءٍ صُورَةً وأطْيَبِهِ رِيحًا فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وحَسَّنَ صُورَتَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ طالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فارْكَبْنِي أنْتَ اليَوْمَ وتَلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، وإنْ كانَ الكافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أقْبَحَ شَيْءٍ صُورَةً وأنْتَنُهُ رِيحًا فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ ونَتَّنَ رِيحَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ السَّيِّئُ طالَما رَكِبْتِنِي في الدُّنْيا فَأنا اليَوْمَ أرْكَبُكَ وتَلا ﴿وهم يَحْمِلُونَ﴾ الآيَةَ
وبَعْضُهم يَجْعَلُ كُلَّ ما ورَدَ في هَذا البابِ مِمّا ذُكِرَ تَمْثِيلًا أيْضًا، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وإجْراءِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِتَجْسِيمِ الأعْمالِ في تِلْكَ الدّارِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الوَزْنِ
ألّا ساءَ ما يَزْرُونَ
13
- تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْمِلَةٌ لَهُ، و(ساءَ) تَحْتَمِلُ كَما قِيلَ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ أحَدُها أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ المُتَصَرِّفَةَ وزْنُها فَعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْنى ألا ساءَ ما يَزِرُونَ و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ فاعِلٌ لَها والكَلامُ خَبَرٌ، وثانِيهُما أنَّها حُوِّلَتْ إلى فِعْلِ اللّازِمِ بِضَمِّ العَيْنِ وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أسْوَأ الَّذِي يَزِرُونَهُ أوْ ما أسْوَأ وِزْرَهُمْ، وثالِثُها أنَّها حُوِّلَتْ أيْضًا لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ فَتُساوِي“بِئْسَ" في المَعْنى والإحْكامِ
الأنعام 6:32
﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لِما حَقَّقَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما سَبَقَ أنَّ وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا حَياةً أُخْرى يَلْقَوْنَ فِيها مِنَ الخُطُوبِ ما يَلْقَوْنَ بَيَّنَ - جَلَّ شَأْنُهُ- حالَ تَيْنِكَ الحَياتَيْنِ في أنْفُسِهُما، وجَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) وفِيهِ بُعْدٌ، وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ وما أعْمالُ الحَياةِ الدُّنْيا المُخْتَصَّةُ بِها إلّا كاللَّعِبِ واللَّهْوِ في عَدَمِ النَّفْعِ والثَّباتِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ خَرَجَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ما فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كالعِبادَةِ وما كانَ لِضَرُورَةِ المَعاشِ، والكَلامُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ، وجُعِلَتِ الدُّنْيا نَفْسُها لَعِبًا ولَهْوًا مُبالَغَةً كَما في قَوْلِهِ:
وإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
صَحَّ، واللَّهْوُ واللَّعِبُ - عَلى ما في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ - يَشْتَرِكانِ في أنَّهُما الِاشْتِغالُ بِما لا يَعْنِي العاقِلَ ويُهِمُّهُ مِن هَوًى وطَرَبٍ سَواءً كانَ حَرامًا أوْ لا، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ اللَّعِبَ ما قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ والِاسْتِرْواحِ بِهِ، واللَّهْوُ كُلُّ ما شَغَلَ مِن هَوًى وطَرَبٍ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ، وإذا أُطْلِقَ اللَّهْوُ فَهو عَلى ما قِيلَ: اجْتِلابُ المَسَرَّةِ بِالنِّساءِ كَما في قَوْلِهِ:
ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمِ أنَّنِي كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي،
وقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ في لُغَةِ اليَمَنِ المَرْأةُ، وقِيلَ: اللَّعِبُ طَلَبُ المَسَرَّةِ والفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ بِهِ، واللَّهْوُ صَرْفُ الهَمِّ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يُصْرَفَ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ شُغْلٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِأنَّ مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا أقْبَلَ عَلى الباطِلِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ فالإقْبالُ عَلى الباطِلِ لَعِبٌ، والإعْراضُ عَنِ الحَقِّ لَهْوٌ، وقِيلَ: العاقِلُ المُشْتَغِلُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ لَهُ مِن تَرْجِيحِهِ وتَقْدِيمِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَإنْ قَدَّمَهُ مِن غَيْرِ تَرْكٍ لِلْآخَرِ فَلَعِبٌ، وإنْ تَرَكَهُ ونَسِيَهُ بِهِ فَهو لَهُ، وقَدْ بَيَّنَ صاحِبُ الدُّرَّةِ بَعْدَ أنْ سَرَدَ هَذِهِ الأقْوالَ سِرَّ
صفحة 134
تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلى اللَّهْوِ حَيْثُ جُمِعا كَما هُنا، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَما في العَنْكَبُوتِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الكَلامُ مَسُوقًا لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن إنْكارِ الآخِرَةِ والحَصْرِ السّابِقِ ولَيْسَ في اعْتِقادِهِمْ لِجَهْلِهِمْ إلّا ما عُجِّلَ مِنَ المَسَرَّةِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيا الفانِيَةِ قَدَّمَ اللَّعِبَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ وتَمَّمَ بِاللَّهْوِ أوْ لَمّا طَلَبُوا الفَرَحَ بِها وكانَ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ، وصَرْفُ الهَمِّ لازِمٌ وتابِعٌ لَهُ، قُدِّمَ ما قُدِّمَ أوْ لَمّا أقْبَلُوا عَلى الباطِلِ في أكْثَرِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ لَمّا كانَ التَّقْدِيمُ مُقَدَّمًا عَلى التَّرْكِ والنِّسْيانِ قُدِّمَ اللَّعِبُ عَلى اللَّهْوِ رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ، وأمّا في العَنْكَبُوتِ فالمَقامُ لِذِكْرِ قَصْرِ مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى الآخِرَةِ وتَحْقِيرِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ المُشْعِرِ بِالتَّحْقِيرِ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ والِاشْتِغالُ بِاللَّهْوِ مِمّا يَقْصُرُ بِهِ الزَّمانُ وهو أدْخَلُ مِنَ اللَّعِبِ فِيهِ وأيّامِ السُّرُورِ فَصارُوا كَما قالَ: ولَيْلَةُ إحْدى اللَّيالِي الزُّهْرِ لَمْ تَكُ غَيْرَ شَفَقٍ وفَجْرٍ، ويَنْزِلْ عَلى هَذا الوُجُوهُ في الفَرْقِ، وتَفْصِيلُهُ في الدُّرَّةِ قالَهُ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ فَلْيُفْهَمْ، ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَياةِ الأُخْرى ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لِخُلُوصِ مَنافِعِها عَنِ المَضارِّ والآلامِ وسَلامَةِ لَذّاتِها عَنِ الِانْصِرامِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
23
- ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ أتَغْفُلُونَ أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ وما الدّارُ الآخِرَةُ إلّا جِدٌّ وحَقٌّ لِمَكانٍ، ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ إلّا أنَّهُ وضَعَ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما عَدا أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الدّارَ الآخِرَةَ في مُقابَلَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وحُكِمَ عَلى الأعْمالِ المُقابِلَةِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ عُلِمَ تُقابِلُ العَمَلَيْنِ حَسْبَ تَقابُلِ ما أُضِيفا إلَيْهِ أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةَ فَإذا خَصَّ الخَيْرِيَّةَ بِالمُتَّقِينَ لَزِمَ مِنهُ أنَّ ما عَدّا أعْمالِهِمْ لَيْسَ مِن أعْمالِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ فَهو لَعِبٌ ولَهْوٌ لا يَعْقُبُ مَنفَعَةً
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِالإضافَةِ وهي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَدْ جَوَّزَها الكُوفِيُّونَ ومَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ تَأوَّلَهُ بِتَقْدِيرِ: ولَدارُ النَّشْأةِ الآخِرَةِ أوْ إجْراءِ الصِّفَةِ مَجْرى الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ (يَعْقِلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، وقِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ والحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ
الأنعام 6:33
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والمُبالَغَةِ، وكَلِمَةُ قَدْ لِلتَّكْثِيرِ وهو -كَما قالَ الحَلَبِيُّ رادًّا بِهِ اعْتِراضَ أبِي حَيّانَ- راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقاتِ العَلَمِ لا العَلَمِ نَفْسِهِ إذْ صِفَةُ القَدِيمِ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والتَّكْثِيرَ وإلّا لَزِمَ حُدُوثُها المُسْتَلْزِمُ لِحُدُوثِ مَن قامَتْ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قَدْ تَصِحُّ الكَثْرَةُ بِاعْتِبارِ المَعْلُوماتِ وما في حَيِّزِ العِلْمِ هَنا كَثِيرٌ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ دالٌّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وأنْشَدُوا عَلى إفادَتِها ذَلِكَ بُقُولِ الهُذَلِيِّ: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ إفادَتَها لِلتَّكْثِيرِ قَوْلٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلنُّحاةِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قالَ: وتَكُونُ (قَدْ) بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ وما اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلى دَعْواهم إنَّما فُهِمَ التَّكْثِيرُ فِيهِ مِن سِياقِ الكَلامِ
صفحة 135
ومِنهُ البَيْتُ فَإنَّ التَّكْثِيرَ إنَّما فُهِمَ فِيهِ لِأنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ المُفْتَخَرِ بِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ إطْلاقَ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما في التَّقْلِيلِ والصَّرْفِ إلى المُضِيِّ والبَيْتُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَإنَّ الفَخْرَ يَقَعُ بِتَرْكِ الشُّجاعِ قَرْنَهُ وقَدْ صُبِغَتْ أثْوابُهُ بِدِمائِهِ في بَعْضِ الأحْيانِ
وقَوْلُ أبِي حَيّانَ أنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةٍ إلَخْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ هو فِيما يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وأمّا ما يَنْدُرُ فَيُفْتَخَرُ بِوُقُوعِهِ نادِرًا لِأنَّ قِرْنَ الشُّجاعِ لَوْ غَلَبَهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُنْ قِرْنًا لَهُ لَأنَّ القِرْنَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ المُقاوِمُ المُساوِي
وفِي القامُوسِ القِرْنُ كُفْؤُكَ في الشَّجاعَةِ أوْ أعَمُّ فَلَفْظِهُ يَقْتَضِي بِحَسَبِ دَقِيقِ النَّظَرِ أنَّهُ لا يَغْلِبُهُ إلّا قَلِيلًا وإلّا لَمْ يَكُنْ قِرْنًا، ويَتَناقَضُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُهُ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ لَفْظَ (قَدْ) لِلتَّقْلِيلِ وقَدْ يُرادُ بِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ ضِدُّهُ وهو مِن بابِ اسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخِرِ، والنُّكْتَةُ هُنا تَصْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أذى قَوْمِهِ وتَكْذِيبِهِمْ يَعْنِي مِن حَقِّكَ وأنْتَ سَيِّدُ أُولِي العَزْمِ أنْ لا تُكْثِرَ الشَّكْوى مِن أذى قَوْمِكَ وأنْ لا يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى مِن إظْهارِكَ الشَّكْوى إلّا قَلِيلًا وأنْ يَكُونَ تَهَكُّمًا بِالمُكَذِّبِينَ وتَوْبِيخًا لَهُمْ
ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ (قَدْ) هُنّا لِلتَّقْلِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ ما هم فِيهِ أقَلُّ مَعْلُوماتِهِ تَعالى، وضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلشَّأْنِ وهو اسْمُ (إنَّ) وخَبَرُها الجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لَهُ والمَوْصُولُ فاعِلُ يَحْزُنُكَ وعائِدُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يَقُولُهُ وهو ما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ هو وما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِن هَذَيانِهِمْ وجُمْلَةُ (إنَّهُ) إلَخْ، سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (يَعْلَمُ)
وقَرَأ نافِعٌ: (لِيُحْزِنُكَ) مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاعْتِدادِ بِما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسَلِّي بِما يُفِيدُهُ مِن بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ غايَةً لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ نَفى تَكْذِيبَهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأثْبَتَهُ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ واضْمِحْلالِ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا اسْتِعْظامٌ لِجِنايَتِهِمْ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدَّ بِهِ وكُلُّهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
33
- أيْ ولَكِنَّهم بِآياتِهِ تَعالى يُكَذِّبُونَ فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الظُّلْمِ الَّذِي جُحُودُهم هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِهِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ مُطْلَقَهُ، فالوَضْعُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم ودَيْدَنُهم وأنَّهُ عِلَّةُ الجَحُودِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ المَأْخَذِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الظُّلْمُ المَخْصُوصُ فَهو عَيْنُ الجَحْدِ وواقِعٌ بِهِ نَحْوَ: ﴿ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ فَيَكُونُ المُبْتَدَأُ مُشِيرًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ، وقِيلَ: أنَّ (ألْ) في الظّالِمِينَ إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الحُدُوثِ أفادَ الكَلامَ سَبَبِيَّةَ الجَحْدَ لِلظُّلْمِ، وإنْ كانَتْ حَرْفَ تَعْرِيفٍ واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الثُّبُوتِ أفادَ سَبَبِيَّةَ الظُّلْمِ لِلْجَحْدِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ واسْتِعْظامًا لِما قَدِمُوا عَلَيْهِ، وإيرادُ الجُحُودِ في مَوْرِدِ التَّكْذِيبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ آياتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يُشاهِدُ صِدْقَها كُلُّ أحَدٍ، وأنَّ مَن يُنْكِرُها فَإنَّما يُنْكِرُها بِطَرِيقِ الجَحُودِ، وهو كالجَحْدِ نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ أوْ إثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَجْحَدُونَ) والجَحْدُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ، فَيُقالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ وبِحَقِّهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ والرّاغِبِ، وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ
صفحة 136
هَهُنا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ مُراعاةً لِرُءُوسِ الآيِ أوْ لِلْقَصْرِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (الظّالِمِينَ) وفِيهِ خَفاءٌ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ الفاءَ لِتَعْلِيلِ ما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ هو الَّذِي قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ أنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ قَدْ نَعْلَمُ إلَخْ بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ لا تَحْزَنُ كَما يُقالُ في مَقامِ المَنعِ والزَّجْرِ: نَعْلَمُ ما تَفْعَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنُ مِمّا يَقُولُونَ فَإنَّ التَّكْذِيبَ في الحَقِيقَةِ لِي وأنا الحَلِيمُ الصَّبُورُ فَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهُ يَحْزُنُكَ قَوْلُهم لِأنَّهُ تَكْذِيبٌ لِي فَأنْتَ لَمْ تَحْزَنْ لِنَفْسِكَ بَلْ لِما هو أهَمُّ وأعْظَمُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ المُتَبادِرِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ السُّدِّيُّ أنَّهُ التَقى الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وأبُو جَهْلٍ فَقالَ الأخْنَسُ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ -ﷺ - أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ هَهُنا أحَدٌ يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قَصِيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنَّدْوَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وكَذا ما أخْرَجُهُ الواحِدِيُّ عِنْدَ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قَصِّيِ بْنِ كِلابٍ يُكَذِّبُ النَّبِيَّ ﷺ في العَلانِيَةِ فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ قالَ: ما مُحَمَّدٌ ﷺ مِن أهْلِ الكَذِبِ ولا أحْسَبُهُ إلّا صادِقًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم لَيْسَ قَصْدُهم تَكْذِيبَكَ لِأنَّكَ عِنْدَهم مَوْسُومٌ بِالصِّدْقِ، وإنَّما يَقْصِدُونَ تَكْذِيبِي والجُحُودَ بِآياتِي، ونُسِبَ هَذا إلى الكِسائِيِّ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ ولَكُنّا نُكَذِّبُ ما جِئْتِنا بِهِ فَنَزَلَتْ، وكَذا أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، واعْتَرَضَ الرَّضِيُّ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقُوهُ ﷺ في نَفْسِهِ ويُكَذِّبُوا ما أتى بِهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أتى بِهِ وصِدْقِهِ وأنَّهُ الدِّينُ القَيِّمُ والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ ويَكُونُ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا بَلْ إنْ كانَ صادِقًا فالَّذِي أُتِيَ بِهِ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فِيهِ، وقالَ مَوْلانا سِنانٌ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّكَ صادِقٌ ولَكِنْ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ اعْتَرى عَقْلَكَ وحاشاكَ نَوْعُ خَلَلٍ فَخُيِّلَ إلَيْكَ أنَّكَ نَبِيٌّ ولَيْسَ الأمْرُ بِذاكَ وما جِئْتَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقالَ الطِّيبِيُّ: مُرادُهم إنَّكَ لا تَكْذِبُ لِأنَّكَ الصّادِقُ الأمِينُ ولَكِنْ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنِ اعْتِراضِ الرَّضِيِّ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ فِيما وافَقَ كُتُبَهم وإنْ كَذَّبُوكَ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُكَذِّبُكَ جَمِيعُهم وإنْ كَذَّبَكَ بَعْضُهم وهُمُ الظّالِمُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ ذِكْرُ الظّالِمِينَ مِن وضْعِ المَظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما الألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: (لا يَكْذِبُونَكَ) مِنَ الإكْذابِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورُوِيَتْ أيْضًا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ الجُمْهُورُ: كِلاهُما بِمَعْنى كَأكْثَرَ وكَثُرَ وأنْزَلَ ونَزَلَ، وقِيلَ: مَعْنى أكْذَبْتُهُ وجَدْتُهُ كاذِبًا كَأحْمَدْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، ونَقَلَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتَ بِالتَّشْدِيدِ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلَيْهِ وأكْذَبْتَهُ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ دُونَهُ.
الأنعام 6:34
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ إثْرَ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ عُمُومَ البَلْوى رُبَّما يُهَوِّنُها بَعْضُ تَهْوِينٍ
صفحة 137
وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى وعُدَّةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْذِيبٍ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ)، ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تُوصَفُ بِالزَّمانِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى تاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ: (وأُوذُوا) عَطْفٌ عَلى (كُذِّبُوا) داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ ومَصْدَرُ كُذِّبَ التَّكْذِيبُ، وآذى أذًى وأذاةً وأذِيَّةً كَما في القامُوسِ وإيذاءً كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً خَطَأٌ والَّذِي غَرَّهُ تَرْكُ الجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ لَهُ، وهو وسائِرُ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَذْكُرُونَ المَصادِرَ القِياسِيَّةَ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِها، والمَصْدَرانِ هُنا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وهو ظاهِرٌ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم وإيذائِهِمْ إيّاهم فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ،والمُرادُ بِإيذائِهِمْ إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ أوْ ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وفِيهِ تَأْكِيدُ لِلتَّسْلِيَةِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (كُذِّبَتْ) أوْ عَلى (صَبَرُوا)، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا ثُمَّ رَجَّحَ الأوَّلَ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى وعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ غايَةً لِلْإيذاءِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ
﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى -كَما قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ- الآياتُ الَّتِي وعَدَ فِيها نَصْرَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةُ عَلى نَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْمَواعِيدِ الكَرِيمَةِ ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ ﷺ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ ولا يَقَعَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ تَعالى لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبَدِّلَ كَلِماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْنى أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ويَحُولَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وأمّا أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أنَّهُ سُبْحانَهُ رُبَّما يُبَدِّلُ الوَعِيدَ ولا يُبَدِّلُ الوَعْدَ ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾
43
- تَقْرِيرٌ أيُّ تَقْرِيرٍ لِما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَقْرِيرٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذائِهِمْ ونَصْرِهِمْ، والنَّبَأُ كالقَصَصِ لَفْظًا ومَعْنًى
وفِي القامُوسِ النَّبَأُ – مُحَرَّكَةٌ- الخَبَرُ جَمْعُهُ أنْباءٌ وقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِما لَهُ شَأْنٌ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ المُجَوِّزُ زِيادَةَ ”مِن“ في الإثْباتِ وقَبْلَ المَعْرِفَةِ مُخالِفًا في ذَلِكَ لِسِيبَوَيْهِ فاعِلُ (جاءَ)، وصَحَّحَ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ هو أيِ النَّبَإ أوِ البَيانِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ -وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرُّمّانِيُّ- إنَّهُ مَحْذُوفٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتُهُ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ كائِنٌ مَن نَبَّإ المُرْسَلِينَ، وفِيهِ أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ
صفحة 138
حَذْفُهُ هُنا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ وما يَتْبَعُهُ
وقِيلَ -ورُبَّما يَشْعُرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ-: إنَّ مِن هي الفاعِلُ، والمُرادُ بَعْضُ أنْبائِهِمْ.
الأنعام 6:35
﴿وإنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ شَقَّ وعَظُمَ، وأتى بِـ (كانَ) عَلى ما قِيلَ لِيَبْقى الشَّرْطُ عَلى المُضِيِّ ولا يَنْقَلِبُ مُسْتَقْبَلًا لِأنَّ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْلِبُهُ (إنْ) لِلِاسْتِقْبالِ بِخِلافِ سائِرٍ الأفْعالِ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، والنَّحْوِيُّونَ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ وإنْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ أنَّهُ ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ أيِ الكُفّارِ عَنِ الإيمانِ بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهم فِيهِ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) ويُنْبِئُ عَنْهُ فِعْلُهم مِنَ النَّأْيِ والنَّهْيِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالإعْراضِ دُونَ التَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّسْلِيَةَ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ كانَتْ عَنْهُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وهو فاعِلُ (كَبُرَ)، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا. والجُمْلَةُ خَبَرُ (كانَ) مُفَسِّرَةٌ لِاسْمِها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (قَدْ)، وقِيلَ: اسْمُ كانَ (إعْراضُهُمْ) و (كَبُرَ) مَعَ فاعِلِهِ المُسْتَتِرِ الرّاجِعِ إلى الِاسْمِ خَبَرٌ لَها مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الصَّبْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَحْضَرٍ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ وإنّا نَصْدُقُكَ فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أنَّهُ كانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ فَكانَ إذا سَألُوهُ آيَةً يَوَدُّ أنْ يَنْزِلَها اللَّهُ تَعالى طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَنَزَلَتْ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتَ وتَهَيَّأ لَكَ ﴿أنْ تَبْتَغِيَ﴾ أيْ تَطْلُبَ نَفَقًا في الأرْضِ هو السَّرَبُ فِيها لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ كَما في القامُوسِ، وأصْلُ مَعْناهُ جُحْرُ اليَرْبُوعِ ومِنهُ النّافِقاءُ لِأحَدِ مَنافِذِهِ ويُقالُ لَها النُّفَقَةُ كَهُمَزَةٍ وهي الَّتِي يَكْتُمُها ويُظْهِرُ غَيْرَها فَإذا أُتِيَ مِنَ القاصِعاءِ ضَرَبَها بِرَأْسِهِ فانْتَفَقَ ومِنهُ أُخِذَ النِّفاقُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿نَفَقًا﴾، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ في رَأْيٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾ وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أيْ ﴿نَفَقًا﴾ كائِنًا في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ أنْتَ حالَ كَوْنِكَ في الأرْضِ ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ أيْ مِرْقاةً فِيها أخْذًا مِنَ السَّلامَةِ، قالَ الزَّجّاجُ لِأنَّهُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ وهو كَما قالَ الفَرّاءُ مُذَكَّرٌ واسْتَشْهَدُوا لِتَذْكِيرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ثُمَّ قالَ: وأنْشَدْتُ في تَأْنِيثِهِ بَيْتًا أنَسِيتَهُ انْتَهى
قالَ الغَضايِرِيُّ: البَيْتُ الَّذِي أُنْسِيَهُ الفَرّاءُ بَيْتُ أوْسٍ وهو: لَنا سُلَّمٌ في المَجْدِ لا يَرْتَقُونَها ولَيْسَ لَهم في سُورَةِ المَجْدِ سُلَّمُ وأنْشَدُوا أيْضًا في تَذْكِيرِهِ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطَوِيلٌ سُلَّمُهْ إذا ارْتَقى فِيهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهْ يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمَهْ، وفي السَّماءِ نَظِيرُ ما في الجارِّ قَبْلَهُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ ﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ مِنها ﴿بِآيَةٍ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، والفاءُ في صَدْرِ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ جَوابِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ فِيها مَحْذُوفٌ، ولَكَ تَقْدِيرُهُ أتَيْتَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ
صفحة 139
أوْ فافْعَلْ فِعْلَ أمْرٍ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، والمَعْنى إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ وأحْبَبْتُ أنْ تُجِيبَهم عَمّا سَألُوهُ اقْتِراحًا لِيُؤْمِنُوا فَإنِ اسْتَطَعْتَ كَذا فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ فافْعَلْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ وتَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِمْ واقْتِراحِهِمْ مَعَ الإيماءِ إلى تَوْبِيخِ القَوْمِ، أوِ المَعْنى: إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَلَوْ قَدَرْتَ أنْ تَأْتِيَ بِالمُحالِ أتَيْتَ بِهِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ ﷺ بَلَغَ في الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ إلى هَذِهِ الغايَةِ وفِيهِ إشْعارٌ بِبُعْدِ إسْلامِهِمْ عَنْ دائِرَةِ الوُجُودِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وإيثارُ الِابْتِغاءِ عَلى الِاتِّخاذِ ونَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفَقِ والسُّلَّمِ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ ابْتِغاءَهُ فَكَيْفَ بِاتِّخاذِهِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ابْتِغاءُ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أعْنِي نَفْسَ النُّفُوذِ في الأرْضِ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ آيَةً، فالفاءُ في (فَتَأْتِيَهُمْ) حِينَئِذٍ تَفْسِيرِيَّةٌ وتَنْوِينُ (آيَةٍ) لِلتَّفْخِيمِ، والمَعْنى عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ ابْتِغاءَهُما فَتَجْعَلْ ذَلِكَ آيَةً لَهم فَعَلْتَ
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا يَظْهَرُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ التَّرْكِيبُ فَتَأْتِيَهم بِذَلِكَ آيَةً أيَّ آيَةٍ، وأيْضًا فَأيُّ آيَةٍ في دُخُولِ سَرَبٍ في الأرْضِ وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ الرُّقِيُّ إلى السَّماءِ آيَةً وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ إيتاءَ الآيَةِ مِنهُما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الأذْهانِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: أنَّ المُرادَ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِنَ السَّماءِ وابْتِغاءُ النَّفَقِ لِلْهَرَبِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجُهُ الطَّسْتِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَرَبًا في الأرْضِ فَتَذْهَبَ هَرَبًا وفِيهِ بُعْدٌ، وخَبَرُ الأزْرَقِ قَدْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جَمْعَهم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى لَجَمَعَهم عَلَيْهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ فَيُؤْمِنُوا مَعَكم ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ حَسْبَما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم في أزَلِ الآزالِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ جَمْعَهم عَلى الهُدى لَفَعَلَ بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، والحَقُّ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
53
- أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهم وإيمانَهم فَلا تَكُنْ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحاتِهِمْ مِن قَوْمٍ يُنْسَبُونَ إلى الجَهْلِ بِدَقائِقِ شُئُونِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِينَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُعْتَزِلَةِ المُقْتَرِحُونَ، ويُرادُ بِالنَّهْيِ مَنعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُساعَدَةِ عَلى اقْتِراحِهِمْ إيرادَهم بِعُنْوانِ الجَهْلِ دُونَ الكُفْرِ لِتَحَقُّقِ مَناطِ النَّهْيِ
وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ لا تَجْزَعْ في مَوْطِنِ الصَّبْرِ فَيُقارِبُ حالُكَ حالَ الجاهِلِينَ بِأنْ تَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ، والأوَّلُ أوْلى وفي خِطابِهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذا الخِطابِ دُونَ خِطابِهِ بِما خُوطِبَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ شَفَقَتِهِ ﷺ واشْتِبابِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ هَذا
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ والنَّهارُ إشارَةً إلى قَلْبِ الكافِرِ وقَلْبِ المُؤْمِنِ وما سَكَنَ فِيهِما الكَفْرُ والإيمانُ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ لَهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن آثارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى قَلْبِ العارِفِ في حالَتَيِ القَبْضِ والبَسْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَهُ ما سَكَنَ في قُلُوبِ العارِفِينَ المُنْقَبِضَةِ والمُنْبَسِطَةِ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ فَلا تَلْتَفِتْ في الحالَتَيْنِ إلى سِواهُ عَزَّ شَأْنُهُ
صفحة 140
﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَيَسْمَعُ خَواطِرَها السَّيِّئَةَ والحَسَنَةَ ويَعْلَمُ شَرَّها وخَيْرَها أوْ فَيَسْمَعُ أنِينَها في شَوْقِهِ ويَعْلَمُ انْسِهابَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ
﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أيْ ناصِرًا ومُعِينًا ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُها فَهي مِلْكُهُ سُبْحانَهُ ونِسْبَةُ المَمْلُوكِ إلى المالِكِ نِسْبَةُ اللّاشَيْءِ إلى الشَّيْءِ ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ وغَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُحْتاجٌ بَحْتٌ، وطَلَبُ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضِلَّةٌ مِن عَقْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الأمْرُ الكَوْنِيُّ أيْ قُلْ إنِّي قِيلَ لِي كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ فَكُنْتُ وذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِيناتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما شاعَ مِن قَوْلِهِ ﷺ: " «كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» فَأوَّلُ رُوحٍ رَكَضَتْ في مَيْدانِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ والمَحَبَّةِ رَوْحُ نَبِيِّنا ﷺ قَدْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِمَوْلاهُ بِلا واسِطَةٍ وكُلُّ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أسْلَمُوا نُفُوسَهم بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو ﷺ المُرْسَلُ إلى الأنْبِياءُ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عالَمِ الأرْواحِ وكُلُّهم أُمَّتُهُ وهم نُوّابُهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ بَعْضِهِمْ في النَّشْأةِ الجُسْمانِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ اسْتِجْلابِ المُعْتَقِدِينَ بِأُولَئِكَ البَعْضِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى أحَدًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ
﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ بِإفْنائِهِمْ والتَّصَرُّفِ بِهِمْ كَيْفَ شاءَ، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ في عِبادِهِ بِالحِكْمَةِ، ﴿الخَبِيرُ﴾ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى خَفايا الأحْوالِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ ظُهُورُ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ الشَّرِيفِ ﷺ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ وذَلِكَ بِالصِّفاتِ الَّتِي وجَدُوها في كِتابِهِمْ لا بِالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ عَلى صَفَحاتِ ذَلِكَ الوَجْهِ الكَرِيمِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِإثْباتِ وُجُودِ غَيْرِهِ تَعالى ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ فَأظْهَرَ صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِما وضَعُوهُ في مَوْضِعِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى وعَيْنِ الجَمْعِ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِإثْباتِ الغَيْرِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ ولَهم وُجُودٌ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ نِهايَةُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ وبُرُوزِ الكُلِّ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ لِامْتِناعِ وُجُودِ شَيْءٍ نُشْرِكُهُ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها مَعَ رُسُوخِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ فِيها، (وضَلَّ) أيْ ضاعَ عَنْهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فَلَمْ يَجِدُوهُ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وهي ظُلُماتُ النَّفْسِ الأمارَةِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهو وقْرُ الضَّلالَةِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِأنَّ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةَ العَجَبِ والجَهْلِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ مِن تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ في أنْفُسِهِمْ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ والصِّفاتِ المُهْلِكَةِ، ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ لِرُسُوخِ ذَلِكَ فِيهِمْ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ الكَذِبَ عَنْ مَلَكَةٍ فِيهِمْ، ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ هَذا التَّصْوِيرُ لِحالِهِمْ في الِاحْتِجابِ والبُعْدِ وإنْ كانُوا في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ، والوُقُوفُ عَلى الشَّيْءِ غَيْرُ الوُقُوفِ مَعَهُ فَإنَّ الأوَّلَ لا يَكُونُ إلّا كَرْهًا والثّانِي يَكُونُ طَوْعًا ورَغْبَةً، فالواقِفُ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْحِيدِ لا يُوقَفُ لِلْحِسابِ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 141
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ويُثابُ هَذا بِأنْواعِ النَّعِيمِ في الجِنانِ كُلِّها ومَن وقَفَ مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ وُقِفَ عَلى الرَّبِّ تَعالى وعُذِّبَ بِأنْواعِ العَذابِ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ ومَن وقَفَ مَعَ النّاسُوتِ بِمَحَبَّةِ الشَّهَواتِ وقَفَ عَلى المَلَكُوتِ وعُذِّبَ بِنِيرانِ الحِرْمانِ وسُلِّطَ عَلَيْهِ زَبانِيَةُ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وقُرِنَ بِشَياطِينِ الأهْواءِ المُرْدِيَةِ، ومَن وقَفَ مَعَ الأفْعالِ وقَفَ عَلى الجَبَرُوتِ وعُذِّبَ بِنارِ الطَّمَعِ والرَّجاءِ ورُدَّ إلى مَقامِ المَلَكُوتِ ومَن وقَفَ مَعَ الصِّفاتِ وقَفَ عَلى الذَّواتِ وعُذِّبَ بِنارِ الشَّوْقِ والهِجْرانِ ولَيْسَ هَذا هو الوُقُوفَ عَلى الرَّبِّ لِأنَّ فِيهِ حِجابَ الآنِيَةِ، وفي الوُقُوفِ عَلى الذّاتِ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ اللُّطْفِ، والمُشْرِكُ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى الرَّبِّ فَيُحْجَبُ بِالرَّدِّ والطَّرْدِ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ فَيُطْرَدُ بِالسُّخْطِ واللَّعْنِ ولا يُكَلِّمُهم ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ فَيُزْجَرُ بِالغَضَبِ واللَّعْنِ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ ثُمَّ عَلى النّارِ يُسْجَرُونَ فَيُعَذَّبُ بِأنْواعِ النِّيرانِ أبَدًا فَيَكُونُ وقْفُهُ عَلى النّارِ مُتَأخِّرًا عَلى وقْفِهِ عَلى الرَّبِّ تَعالى مَعْلُولًا لَهُ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وأمّا الواقِفُ مَعَ النّاسُوتِ فَيُوقَفُ لِلْحِسابِ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ وقَدْ يَنْجُو لِعَدَمِ السُّخْطِ وقَدْ لا يَنْجُو لِوُجُودِهِ، والواقِفُ مَعَ الأفْعالِ لا يُوقَفُ عَلى النّارِ أصْلًا بَلْ يُحاسَبُ ويَدْخُلُ الجَنَّةَ، وأمّا الواقِفُ مَعَ الصِّفاتِ فَهو مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ انْتَهى فَتَأمَّلْ فِيهِ، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ وهي القِيامَةُ الصُّغْرى أعْنِي المَوْتَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الكِبارِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا ماتَ فَجْأةً فَقالَ: لا عَجَبَ إذْ مَن لَمْ يَمُتْ فَجْأةً مَرِضَ فَجْأةً فَماتَ، ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ أيْ في حَقِّ تِلْكَ السّاعَةِ بِتَرْكِ العَمَلِ النّافِعِ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالِهِمْ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيِ الحَياةُ الحِسِّيَّةُ فَإنَّ المَحْسُوسَ أدْنى وأقْرَبُ مِنَ المَعْقُولِ ﴿إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ سَرِيعُ الفَناءِ والِانْقِضاءِ ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ عالَمُ الرَّوْحانِيّاتِ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ مَلابِسِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ لِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ (الَّذِينَ يَقُولُونَ) ما يَقُولُونَ ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في الحَقِيقَةِ ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي تُجَلّى بِها ﴿يَجْحَدُونَ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ فَتَأسَّ بِهِمْ وانْتَظِرِ الغايَةَ ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي يَتَجَلّى بِها لِعِبادِهِ فَلْيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ ولا تُكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ لا يَطَّلِعُونَ عَلى حِكْمَةِ تَفاوُتِ الِاسْتِعْداداتِ فَتَتَأسَّفُ عَلى احْتِجابِ مَنِ احْتَجَبَ وتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ
الأنعام 6:36
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن أنَّهم يُؤْمِنُونَ. والِاسْتِجابَةُ بِمَعْنى الإجابَةِ، وكَثِيرًا ما أُجْرِيَ اسْتَفْعَلَ مَجْرى أفَعَلَ كاسْتَخْلَصَ بِمَعْنى أخَلَصَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ومِنهُ قَوْلُ الغَنَوِيِّ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُجِيبٌ ولَمْ يَقُلْ: مُسْتَجِيبٌ. ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ اسْتَجابَ وأجابَ بِأنَّ اسْتَجابَ يَدُلُّ عَلى قَبُولٍ والمُرادُ بِالسَّماعِ الفَرْدُ الكامِلُ وهو سَماعُ الفَهْمِ والتَّدَبُّرِ بِجَعْلِ ما عَداهُ كَلّا سَماعٌ أيْ إنَّما يُجِيبُ دَعْوَتَكَ إلى الإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ سَماعَ فَهْمٍ وتُدَبُّرٍ دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ (والمَوْتى) أيِ الكُفّارَ كَما قالَ الحَسَنُ،
صفحة 142
ورَواهُ غَيْرُ واحِدٍ ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مِن قُبُورِهِمْ إلى المَحْشَرِ، وقِيلَ: بَعَثُهم هِدايَتُهم إلى الإيمانِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
63
- لِلْجَزاءِ فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى سَماعِهِمْ لِما أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً وفي آذانِهِمْ وقْرًا، وفي إطْلاقِ المَوْتى عَلى الكُفّارِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالمَوْتِ كَما قِيلَ: لا يَعْجَبَنَّ الجَهُولُ بِزِيِّهِ فَذاكَ مَيِّتٌ ثِيابُهُ كَفَنُ وقِيلَ: ”المَوْتى“ عَلى حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى تَوْفِيقِ أُولَئِكَ الكُفّارِ لِلْإيمانِ بِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ المَوْتى الَّذِينَ رَمَّتْ عِظامُهم مِنَ القُبُورِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ لِأنَّها كَبَعْثِ المَوْتى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لَيْسَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ كَبِيرُ دَخْلٍ في التَّمْثِيلِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإيمانِ مِنَ الآثارِ، وفي إعْرابِ (المَوْتى) وجْهانِ، أحَدُهُما أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والثّانِي أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ مُجاهِدٍ أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى المَوْصُولِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الحالِ والظّاهِرُ خِلافُهُ. وقُرِئَ (يَرْجِعُونَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا. والمُتَواتِرَةُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإنْبائِها عَنْ كَوْنِ مَرْجِعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ
الأنعام 6:37
﴿وقالُوا﴾ أيْ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بَلَغَ بِهِمُ الجَهْلُ والضَّلالُ إلى حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ﴿نُزِّلَ﴾ أيْ أُنْزِلَ ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مُلْجِئَةٌ لِلْإيمانِ ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
73
- فَلا يَدْرُونَ أنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِها مَعَ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الاخْتِيارِ أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ إذْ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ جَحْدِ الآيَةِ المُلْجِئَةَ
وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا المُلْجِئَ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُشاهَدِ طَلَبُهُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا غَيْرَ الحاصِلِ مِمّا لا يُلْجِئُ لَجاجًا وعِنادًا، ويَكُونُ الجَوابُ بِالمُلْجِئِ حِينَئِذٍ مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ أوْ يَكُونُ جَوابًا بِما يَسْتَلْزِمُ مَطْلُوبَهم بِطَرِيقٍ أقْوى وهو أبْلَغُ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (نُزِّلَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (آيَةً) . وما يُفِيدُهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالتَّهَكُّمِ مِن جِهَتِهِمْ. والِاقْتِصارُ في الجَوابِ عَلى بَيانِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَّنْزِيلِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِهِ تَعالى لِلْآيَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَجِبُ مَعْرِفَتُها وهم عَنْها غافِلُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) إمّا مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا. وتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابَرَةً وعِنادًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (يَنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى هُنا كَما قِيلَ واحِدٌ لِأنَّهُ لَمْ يُنْظَرْ إلى التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ
الأنعام 6:38
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ -كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ- لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ
صفحة 143
عَزَّ وجَلَّ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإنْزالِ وإنَّما لا يُنْزِلُ مُحافَظَةً عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، والأوَّلُ أنْسَبُ، وزِيدَتْ (مِن) تَنْصِيصًا عَلى الِاسْتِغْراقِ. والدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ، وأصْلُهُ مِن دَبَّ يَدِبُّ دَبِيبًا إذا مَشى مَشْيًا فِيهِ تَقارُبُ خَطْوٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أوْ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ وجْهِها أوْ جَوْفِها، وكَذا الوَصْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا أيْ ولا فَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّيْرِ يَطِيرُ في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الجَوِّ بِجَناحَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِقَطْعِ مَجازِ السُّرْعَةِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الطَّيَرانُ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا وكَذا اسْتُعْمِلَ الطّائِرُ في العَمَلِ والنَّصِيبِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾
واحْتِمالُ التَّجَوُّزِ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ بَعِيدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِدُونِ قَرِينَةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ وجْهَ الوَصْفِ تَصْوِيرُ تِلْكَ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ. وأُورِدَ عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولا طائِرَ في السَّماءِ لَكانَ أخْصَرُ وفي إفادَةِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أظْهَرُ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ بِذِكْرِ جِهَةِ العُلُوِّ في إحْداهِما وجِهَةِ السِّفْلِ في الأُخْرى، ورُدَّ -كَما قالَ الشِّهابُ- بِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: في السَّماءِ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ لَمْ يَشْمَلْ أكْثَرَ الطُّيُورِ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِها في السَّماءِ، ثُمَّ أنَّ قَصْدَ التَّصْوِيرِ لا يُنافِي قَطْعَ المَجازِ إذْ لا مانِعَ مِن إرادَتِهِما جَمِيعًا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الدَّلالَةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِبَيانِ ما يَعْرِفُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ لَهُما كانَ غَيْرُهُما غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالبَيانِ، فالِاعْتِراضُ بِأنَّ أمْثالَ حِيتانِ البَحْرِ خارِجَةٌ عَنْهُما، والجَوابُ بِأنَّها داخِلَةٌ في القِسْمِ الأوَّلِ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ بِمَعْنى جِهَةِ السِّفْلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا طائِرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما دابَّةُ ولا طائِرُ ﴿إلا أُمَمٌ﴾ أيْ طَوائِفَ مُتَخالِفَةً ﴿أمْثالُكُمْ﴾ في أنَّ أحْوالَها مَحْفُوظَةٌ وأُمُورَها مَعْنِيَّةٌ ومَصالِحَها مَرْعِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ السَّدادِ مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ التَّقْدِيراتِ الإلَهِيَّةِ والتَّدْبِيراتِ الرَّبّانِيَّةِ، وجَمَعَ الأُمَمَ بِاعْتِبارِ الحَمْلِ عَلى مَعْنى الجَمْعِيَّةِ المُسْتَفادِ مِنَ العُمُومِ كَما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو يَقْتَضِي جَوازَ أنْ يُقالَ: لا رَجُلَ قائِمُونَ، والقِياسُ -كَما قِيلَ- لا يَأْباهُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا مَعَ الفَصْلِ. وصَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ النَّكِرَةَ هَهُنا مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ النَّكِرَةَ المَذْكُورَةَ مِن حَيْثُ الإخْبارِ عَنْها مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ لا أنَّهُ مُرادٌ مِنها، فَلا يَرِدُ أنَّ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا أُمَمٌ﴾ يَأْبى أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ فِيما سَبَقَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِلْفَرْدِيَّةِ لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعَةٍ، وكَذا يَأْبى أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْضًا لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعاتٍ وهو ظاهِرٌ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ النَّوْعَ يَشْتَمِلُ عَلى أصْنافٍ وكُلُّ صِنْفٍ أُمَّةٌ، أوِ الأُمَّةُ كُلُّ جَماعَةٍ في زَمانٍ فَيَدْفَعُهُ تَوْصِيفُ أُمَمٍ بِـ (أمْثالُكُمْ) إذِ الخِطابُ بِـ (كُمْ) لَإفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ فالمُناسِبُ تَشْبِيهُ النَّوْعِ بِالنَّوْعِ في كَوْنِهِما مَحْفُوظِي الأحْوالِ لا تَشْبِيهَ الصِّنْفِ بِالنَّوْعِ أوْ تَشْبِيهَ جَماعَةٍ في وقْتٍ بِالنَّوْعِ، نَعَمْ قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ: إنَّ ذِكْرَ (فِي الأرْضِ) مَعَ دابَّةٍ و(يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) مَعَ طائِرٍ لِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن لَفْظِ دابَّةٍ ولَفْظِ طائِرٍ إنَّما هو إلى الجِنْسَيْنِ وإلى تَقْرِيرِهِما، وعَلَيْهِ لا إشْكالَ في صِحَّةِ الحَمْلِ لِاشْتِمالِ كُلٍّ مِنَ الجِنْسَيْنِ
صفحة 144
عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كُلٌّ مِنها أُمَّةٌ كالإنْسانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن جِنْسٍ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ إلّا أُمَمٌ إلَخْ وهَذا كَما يُقالُ: ما مِن رَجُلٍ مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلّا كَذا، ومُرادُهُ أنَّ لَفْظَ دابَّةٍ وطائِرٍ حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِ والوَحْدَةِ فَلِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن كُلٍّ مِنهُما إلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هو دُونَ الوَحْدَةِ والكَثْرَةِ ووُصِفَ بِصِفَةٍ لازِمَةٍ لِلْجِنْسِ مِن حَيْثُ هو أيْ بِلا شَرْطِ شَيْءٍ مِنهُما والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ (مِن) بِالنَّظَرِ إلى الجِنْسَيْنِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ القَوْلُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ كَلامِ السَّكّاكِيِّ وإرْجاعِهِ إلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ، وعَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الوَصْفِ مُفِيدًا لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ والإحاطَةِ لِأنَّ الجِنْسَ مِن حَيْثُ هو أيْ لا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَفْهُومٍ واحِدٍ كَما لا يَخْفى
واعْتُرِضَ أيْضًا القَوْلُ بِالعُمُومِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ مَعَ وُجُوبِ خُرُوجِ المُشَبَّهِ بِهِ عَنْهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ القَصْدَ أوَّلًا إلى العامِّ والمُشَبَّهُ بِهِ في حُكْمِ المُسْتَثْنى بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن واحِدٍ مِن أفْرادِ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ بِعُمُومِهِما سِواكم إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ، ولَكَ أنْ تَدَّعِيَ دُخُولَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ بِالتِزامِ أنَّ لَهُ اعْتِبارَيْنِ اعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ واعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ فَتَأْمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ التَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ (فِي) وقَدْ ضَمِنَ هُنا مَعْنى أغْفَلْنا وتَرَكْنا فَـ (مِن شَيْءٍ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَبْعُدُ جَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً أيْ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ بَعْضَ شَيْءٍ وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ وجَماعَةٌ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا بَلْ وغَيْرِ ذَلِكَ إمّا مُفَصَّلًا وإمّا مُجْمَلًا فَعَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ في الدِّينِ نازِلَةً إلّا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى الهُدى فِيها
ورَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ في ذَلِكَ: فَقالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيهِ أما قَرَأْتِ ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ قالَتْ: بَلى قالَ: فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَهى عَنْهُ،» وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَرَّةً بِمَكَّةَ سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ أُخْبِرْكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقِيلَ لَهُ ما تَقُولُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ: فَأجابَ بِأنَّهُ يَقْتُلُهُ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِنَحْوِ اسْتِدْلالِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى وقالَ المُرْسِيُّ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ سَمِعْتُ مِن بَعْضِهِمْ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ وقَعَ يَوْمًا عَنْ حِمارِهِ فَرَضَّتْ رِجْلُهُ فَجاءُوا لِيَحْمِلُوهُ فَقالَ: أمْهِلُونِي فَأمْهَلُوهُ يَسِيرًا ثُمَّ أذِنَ لَهم فَحَمَلُوهُ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: راجَعْتُ كِتابَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَدْتُ فِيهِ خَبَرَ هَذِهِ الحادِثَةِ قَدْ ذُكِرَتْ في الفاتِحَةِ، وهَذا أمْرٌ لا تَصِلُهُ عُقُولُنا. ومِثْلُهُ اسْتِخْراجُ بَعْضِهِمْ مِنَ الفاتِحَةِ أيْضًا أسْماءَ سَلاطِينِ ءالِ عُثْمانَ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ
صفحة 145
سَلْطَنَتِهِمْ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزَّمانِ ولا بِدْعَ فَهي أُمُّ الكِتابِ وتَلِدُ كُلَّ أمْرٍ عَجِيبٍ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّكالِيفِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ شَيْئًا هُنا واقِعٌ مَوْقِعَ المَصْدَرِ أيْ تَفْرِيطًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّ فَرَّطْنا لا تَتَعَدّى بِنَفْسِها بَلْ بِحَرْفِ الجَرِّ وقَدْ عُدِّيَتْ بِفي إلى الكِتابِ فَلا تَتَعَدّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وجَعَلُوا ما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ مِن تَعَدِّي هَذا الفِعْلِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: فَرَّطَ الشَّيْءَ وفَرَّطَ فِيهِ تَفْرِيطًا ضَيَّعَهُ وقَدَّمَ العَجْزَ فِيهِ وقَصَّرَ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ في مُقابَلَةِ مَن هو أطْوَلُ باعًا مِنهُ مَعَ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ المَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ وضِيعَةً بَلْ مَجازِيَّةً أوْ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، وعَلى هَذا يَبْقى كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ظَنَّ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ ضَيْرًا وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ إذا تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى المَصْدَرِ كانَ مَنفِيًّا عَلى جِهَةِ العُمُومِ ويَلْزَمُهُ نَفْيُ أنْواعِ المَصْدَرِ، وهو يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّفْرِيطِ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَلْزَمُهُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ كَما لَزِمَ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَإنَّ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما يَنْبَغِي وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما كانَ ويَكُونُ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمُرادُ بِالِاعْتِراضِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ مُسْتَقْصاةٌ هُناكَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذا القَدْرِ المُجْمَلِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ الأجَلُ أيْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وقَدْ جَعَلَنا لَهُ أجَلًا هو بالِغُهُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ
وقَرَأ عَلْقَمَةُ ما فَرَطْنا بِالتَّخْفِيفِ وهو والمُشَدَّدُ بِمَعْنًى، وقالَ أبُو العَبّاسِ: مَعْنى فَرَطْنا المُخَفَّفِ أخَّرْنا كَما قالُوا فَرَطَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ المَرَضَ أيْ أزالَهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
83
- الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ مُطْلَقًا وتَكُونُ صِيغَةُ الجَمْعِ لِلتَّغْلِيبِ أيْ إلى مالِكِ أُمُورِهِمْ لا إلى غَيْرِهِ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيهِمْ ويُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَبْلُغُ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ كَما جاءَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ الشَّيْخانِ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَشْرَ الحَيْواناتِ مَوْتُها ومُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ مَجْمُوعُهُ مُسْتَعارٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمَوْتِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَشْرَ بَعْثٌ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ المَوْتُ مَعَ أنَّ في المَوْتِ أيْضًا نَقْلًا مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ الجَماعَةُ أوْفَقُ بِمَقامِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ، هَذا وفي رِسالَةِ المَعادِ لِأبِي عَلِيٍّ قالَ المُعْتَرِفُونَ بِالشَّرِيعَةِ مِن أهْلِ التَّناسُخِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ﴿وما مِن دابَّةٍ﴾ إلَخْ وفِيهِ الحُكْمُ بِأنَّ الحَيْواناتِ الغَيْرَ النّاطِقَةِ أمْثالُنا ولَيْسُوا أمْثالَنا بِالفِعْلِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهم أمْثالَنا بِالقُوَّةِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ هَذا الحُكْمِ وعَدَمِ الواسِطَةِ بَيْنَ الفِعْلِ والقُوَّةِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحَيْواناتِ وهو التَّناسُخُ المَطْلُوبُ.
صفحة 146
ولا يَخْفى أنَّهُ دَلِيلٌ كاسِدٌ عَلى مَذْهَبٍ فاسِدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها دَلِيلًا عَلى أنَّ لِلْحَيْواناتِ بِأسْرِها نُفُوسًا ناطِقَةً كَما لِأفْرادِ الإنْسانِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الحُكَماءِ الإسْلامِيِّينَ. وأوْرَدَ الشَّعْرانِيُّ في الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِذَلِكَ أدِلَّةً غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنها أنَّهُ ﷺ لَمّا هاجَرَ وتَعَرَّضَ كُلٌّ مِنَ الأنْصارِ لِزِمامِ ناقَتِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «دَعُوها فَإنَّها مَأْمُورَةٌ» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ أنَّهُ ﷺ أخْبَرَ أنَّ النّاقَةَ مَأْمُورَةٌ ولا يَعْقِلُ الأمْرَ إلّا مَن لَهُ نَفْسٌ ناطِقَةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لِلنّاقَةِ نَفْسًا كَذَلِكَ ثَبَتَ لِلْغَيْرِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومِنها ما يُشاهَدُ في النَّحْلِ وصَنْعَتِها أقْراصَ الشَّمْعِ، والعَناكِبِ واحْتِيالِها لِصَيْدِ الذُّبابِ، والنَّمْلِ وادِّخارِهِ لِقُوتِهِ عَلى وجْهٍ لا يَفْسَدُ مَعَهُ ما ادَّخَرَهُ. وأوْرَدَ بَعْضُهم دَلِيلًا لِذَلِكَ أيْضًا النَّمْلَةَ الَّتِي كَلَّمَتْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا عَنْها مِمّا لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ إلّا العالِمُونَ؛ وخَوْفُ الشّاةِ مِن ذِئْبٍ لَمْ تُشاهِدْ فِعْلَهُ قَبْلُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنِ اسْتِدْلالٍ وهو شَأْنُ ذَوِي النُّفُوسِ النّاطِقَةِ، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحَبَهُ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِ النَّفْعِ ومَعْرِفَةِ الحَسَنِ وهو مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ. وأغْرَبُ مِن هَذا دَعْوى الصُّوفِيَّةِ ونَقَلَهُ الشَّعْرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَواصِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ أنَّ الحَيَواناتِ مُخاطَبَةٌ مُكَلَّفَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المَحْجُوبُونَ ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الأُمَّةَ والنَّذِيرَ وهم مِن جُمْلَةِ الأُمَمِ
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَقُولُ: جَمِيعُ ما في الأُمَمِ فِينا حَتّى أنَّ فِيهِمُ ابْنَ عَبّاسٍ مِثْلِي. وذَكَرَ في الأجْوِبَةِ المُرْضِيَّةِ أنَّ فِيهِمْ أنْبِياءَ. وفي الجَواهِرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ مِن أنْفُسِهِمْ وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهم مِن جِنْسِهِمْ. وحَكى شَيْخُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ تَشْبِيهَ اللَّهِ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ﴾ لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيها وإنَّما هو لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى حارَتْ فِيهِ فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى هو مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ أيْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُئُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ. ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لَهم والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ وذَلِكَ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، اهـ.
ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ البَهائِمَ والهَوامَّ مُكَلِّفَةٌ لَها رُسُلٌ مِن جِنْسِها فَهو مِنَ المَلاحِدَةِ الَّذِينَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ كالجاحِظِ وغَيْرِهِ وعَلى إكْفارِ القائِلِ بِذَلِكَ نَصٌّ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ والجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَيْواناتِ عِنْدَهم لَيْسَ جَزاءَ تَكْلِيفٍ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ الحَيْواناتِ لا تُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ وأوَّلُ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ. وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا أصْلَ لَهُ
والمِثْلِيَّةُ في الأيَّةِ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ. وأغْرَبُ الغَرِيبِ عِنْدَ أهْلِ الظّاهِرِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم جَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ في الوُجُودِ حَيًّا دَرّاكًا يَفْهَمُ الخِطابَ ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيْوانُ وما يَزِيدُ الحَيْوانُ عَلى الجَمادِ إلّا بِالشَّهْوَةِ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى الشُّهُودِ. ورُبَّما يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ وبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ
والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ أنَّ التَّسْبِيحَ حالِيٌّ لا قالِيٌّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ
شَكى إلَيَّ جَمَلِي طُولَ
صفحة 147
السُّرى
وامْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي
وما يَصْدُرُ مِن بَعْضِ الجَماداتِ مِن تَسْبِيحٍ كَتَسْبِيحِ الحَصى في كَفِّهِ الشَّرِيفِ ﷺ مَثَلًا إنَّما هو عَنْ خَلْقِ ادِّراكِ إذْ ذاكَ، وما يُشاهَدُ مِنَ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ لِبَعْضِ الحَيْواناتِ لَيْسَ كَما قالَ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ مِمّا يَصْدُرُ عَنِ اسْتِنْباطٍ وقِياسٍ بَلْ عَنْ إلْهامٍ وتَسْخِيرٍ، ولِذَلِكَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَنَوَّعُ، والنَّقْضُ بِالحَرَكَةِ الفَلَكِيَّةِ لا يَرِدُ بِناءً عَلى قَواعِدِنا، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحِبَهُ لَيْسَ عَنِ اعْتِقادٍ بَلْ هُناكَ هَيْئَةٌ أُخْرى نَفْسانِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ حَيْوانٍ يُحِبُّ بِالطَّبْعِ ما يُلِذُّهُ والشَّخْصُ الَّذِي يُطْعِمُهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا مِنِ افْتِراسِهِ، ورُبَّما يَقَعُ هَذا العارِضُ عَنِ إلْهامٍ إلَهِيٍّ مِثْلَ حُبِّ كُلِّ حَيْوانٍ ولَدَهُ. وعَلى هَذا الطَّرْزِ يَخْرُجُ الخَوْفُ مَثَلًا الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَ الحَيْواناتِ
وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ وأنا لا أرى مانِعًا مِنَ القَوْلِ بِأنَّ لِلْحَيْواناتِ نُفُوسًا ناطِقَةً وهي مُتَفاوِتَةُ الِادِّراكِ حَسَبَ تَفاوُتِها في أفْرادِ الإنْسانِ وهي مَعَ ذَلِكَ كَيْفَما كانَتْ لا تَصِلُ في ادِّراكِها وتَصَرُّفِها إلى غايَةٍ يَصِلُها الإنْسانُ والشَّواهِدُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في مُقابَلَتِها قَطْعِيٌّ يَجِبُ تَأْوِيلُها لِأجْلِهِ. وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّها عارِفَةٌ بِرَبِّها جَلَّ شَأْنُهُ، وأمّا إنَّ لَها رُسُلًا مِن جِنْسِها فَلا أقُولُ بِهِ ولا أُفْتِي بِكُفْرِ مَن قالَ بِهِ. وأمّا أنَّ الجَماداتِ حَيَّةٌ مُدْرِكَةٌ فَأمْرٌ وراءَ طَوْرِ عَقْلِي، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.
الأنعام 6:39
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ القُرْآنِ أوْ سائِرِ الحُجَجِ ويَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودَيْنِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ إلَخْ أوِ الأعَمُّ مِن أُولَئِكَ، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما فَرَّطْنا﴾ إلَخْ أوْ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (صُمٌّ بُكْمٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْضُهم صُمٌّ وبَعْضُهم بُكْمٌ. والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَإ والأوَّلُ أوْلى. وهو مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في أمْثالِهِ أيْ أنَّهم كالصُّمِّ وكالبُكْمِ فَلا يَسْمَعُونَ الآياتِ سَماعًا تَتَأثَّرُ مِنهُ نُفُوسُهم ولا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِالحَقِّ ولِذَلِكَ لا يَسْتَجِيبُونَ ويَقُولُونَ في الآياتِ ما يَقُولُونَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ وأنْواعِهِ أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ في الباطِلِ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ ﴿عَمًى﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ووَجْهُ تَرْكِ العَطْفِ فِيهِ دُونَ ما تَقَدَّمَهُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وحْدَهُ كافٍ في الذَّمِّ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ، واخْتِيرَ العَطْفُ فِيما تَقَدَّمَ لِلتَّلازُمِ، وقَدْ يُتْرَكُ رِعايَةً لِنُكْتَةٍ أُخْرى وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ضالُّونَ خابِطِينَ أوْ كائِنِينَ في الظُّلُماتِ. ورَجَحَتِ الحالِيَّةُ بِأنَّها أبْلَغُ إذْ يُفْهَمُ حِينَئِذٍ أنَّ صَمَمَهم وبُكْمَهم مُقَيَّدٌ بِحالِ كَوْنِهِمْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ أوِ الجَهْلِ وأخَوَيْهِ حَتّى لَوْ أُخْرِجُوا مِنها لَسَمِعُوا ونَطَقُوا، وعَلَيْها لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ تَرْكِ العَطْفِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في الظُّلُماتِ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ (بُكْمٍ) أوْ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِـ (صُمٍّ) أوْ لِما يَنُوبُ عَنْهُما مِنَ الفِعْلِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجَبائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الآخِرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ أيْ أنَّهم كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِقابًا لَهم عَلى كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، والكَلامُ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأُمَمِ عَلى الِإطْلاقِ وفِيهِ بُعْدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن حالِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا فَـ (مَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ ومَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ أيْ إضْلالَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لَهُ لِفَسادِ
صفحة 148
المَعْنى، والمُرادُ: مَن يُرِدْ سُبْحانَهُ أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ يَخْلُقْهُ فِيهِ حَسَبَ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ عَنِ اسْتِعْدادِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ مَن يَشُقَّ أوْ يُعَذِّبْ يَشَأْ إضْلالَهُ ﴿ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
93
- عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ والآيَةُ دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمِانَ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّ الإرادَةَ لا تَتَخَلَّفُ عَنِ المُرادِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لِما رَأى تَخَرُّقَ عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ رامَ رَقْعَها كَما هو دَأْبُهُ فَقالَ: مَعْنى يُضْلِلْهُ يَخْذُلْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ و (يَجْعَلْهُ) إلَخْ يَلْطُفُ بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ مَن يَشَأْ إضْلالَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى الصِّراطِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ وهو كَما تَرى
وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ ومَن يَشَأْ يَهْدِهِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّ هِدايَتَهُ تَعالى وهي إرْشادُهُ إلى الهُدى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِ (يَجْعَلْهُ) إلَخْ أيْ يُرْشِدُهُ إلى الهُدى ويَحْمِلُهُ عَلَيْهِ،
الأنعام 6:40
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَكِّتُهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجْرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، والتّاءُ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ ضَمِيرُ الفاعِلِ وما بَعْدَهُ حَرْفُ خِطابٍ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَ اسْمًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إمّا مَجْرُورًا ولا جارَّ هُنا أوْ مَرْفُوعًا ولَيْسَ مِن ضَمائِرِ الرَّفْعِ، ولا مُقْتَضى لَهُ أيْضًا أوْ مَنصُوبًا وهو باطِلٌ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّ هَذا الفِعْلَ قَلْبِيٌّ بِمَعْنى عَلَمٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما فَعَلَ، فَلَوْ جُعِلَ المَذْكُورُ مَفْعُولًا لَكانَ ثالِثًا
والثّانِي أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَكانَ هو الفاعِلَ في المَعْنى، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ أرَأيْتَ نَفْسَكَ بَلْ أرَأيْتَ غَيْرَكَ ولِذَلِكَ قُلْتَ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا وزَيْدٌ غَيْرُ المُخاطَبِ ولا هو بَدَلٌ مِنهُ، والثّالِثُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَظَهَرَتْ عَلامَةُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّأْنِيثِ في التّاءِ فَكُنْتَ تَقُولُ: أرَأيْتُما كَما وأرَأيْتُمُوكم وأرَأيْتُكُنَّ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والمَفْعُولانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: الأوَّلُ مِنهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أرَأيْتُكم إيّاهُ أوْ إيّاها أيِ العَذابَ أوِ السّاعَةَ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ الدُّنْيَوِيِّ حَسْبَما أتى مَن قَبْلَكم ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ هَوْلُها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ لِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ حَيْثُ تَنازَعَ رَأْيٌ وأتى في مَعْمُولٍ واحِدٍ هو ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ والسّاعَةُ فَأُعْمِلَ الثّانِي وأُضْمِرَ في الأوَّلِ، والثّانِي مِنهُما جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ والرّابِطُ لَها بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَنازُعَ والتَّقْدِيرُ أرَأيْتَكم عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ أوِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ تَنْفَعُكُمْ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ
وذَهَبَ الرَّضِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ (رَأى) هُنا بَصَرِيَّةٌ وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى عَرَفَ وهي عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، وأصْلُ اللَّفْظِ الِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلْمِ أوِ العِرْفانِ أوِ الإبْصارِ إلّا أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى أخْبِرْنِي ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الِاسْتِخْبارِ عَنْ حالَةٍ عَجِيبَةٍ لِشَيْءٍ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ تَجُوزانِ إطْلاقُ الرُّؤْيَةِ وإرادَةُ الإخْبارِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بِأيِّ مَعْنًى كانَتْ سَبَبٌ لَهُ، وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الأمْرِ بِجامِعِ الطَّلَبِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعْجِيبِ لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِما قِيلَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الكَلامِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّ العَرَبَ أخْرَجَتْ هَذا اللَّفْظَ عَنْ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَقالُوا: أرَأيْتُكَ وأرَيْتُكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ إذا كانَ بِمَعْنى أخْبَرْتَ وإذا كانَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ وألْزَمَتْهُ أيْضًا الخُطّابَ عَلى هَذا المَعْنى
صفحة 149
فَلا تَقُولُ أبَدًا أرانِي زَيْدٌ عُمَرًا ما صَنَعَ هَذا عَلى مَعْنى أعْلَمَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ لِمَعْنى إمّا بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الآيَةِ فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ خَرَجَتْ لِمَعْنى أما، والمَعْنى أما إذا أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فالأمْرُ كَذا وكَذا، وقَدْ أخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى أخْبِرْنِي كَما قَدَّمْنا وإذا كانَ بِهَذا المَعْنى فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنِ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ اهـ، ولَمْ يُوافَقْ في جَمِيعِ ذَلِكَ
وذَهَبَ شَيْخُ أهْلِ الكُوفَةِ الكِسائِيُّ إلى أنَّ التّاءَ ضَمِيرُ الفاعِلِ وأداةُ الخِطابِ اللّاحِقَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ التّاءَ حَرْفُ خِطابٍ واللَّواحِقُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهي ضَمائِرُ نَصْبٍ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ ضَمائِرِ الرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ، والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن جَعْلِ (كُمْ) هُنا، وكَذا سائِرُ اللَّواحِقِ حَرْفُ خِطابٍ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ عِنْدَهم ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
4
- مُتَعَلِّقٌ بِأرَيْتَكم مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ كاشَفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ أوْ أنَّ عِبادَتَكم لَها نافِعَةٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مِن شَأْنِكُمُ الصِّدْقُ فَأخْبِرُونِي أألَهًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ، فَإنَّ صِدْقَهم مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ
وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أيْ فادْعَوْهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عِنْدَ إتْيانِ ما يَأْتِي نَفْسَ دُعائِهِمْ إيّاهُ، وجَوَّزَ آخَرُونَ كَوْنَ مُتَعَلِّقِ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ اللَّهِ إلَخْ، اسْتِئْنافًا لِلتَّبْكِيتِ عَلى مَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ كَما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَها، وعَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ
وبَعْضُهم جَعَلَ تَقْدِيمَهُ لِأنَّ الإنْكارَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وأنْكَرَ تَعَلُّقَهُ بِالتَّخْصِيصِ، نَعَمِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الأنعام 6:41
﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ لِلتَّخْصِيصِ أيْ بَلْ تَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ ولَيْسَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والتَّخْصِيصُ مُسْتَفادٌ مِمّا بَعْدُ وهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ تُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ، وجَعَلَهُ في الكَشْفِ عَطْفًا عَلى أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ، وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى كَوْنِ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ يَأْباهُ فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، وأجابَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ وهو عَزَّ وجَلَّ لا يَشاءُ كَشْفَ هاتِيكَ القَوارِعِ عَنْهم وخُصَّ الإيرادُ بِذَلِكَ الوَجْهِ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ لِما كانا مُتَعَلِّقَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ إلَخْ، وكانَ ﴿بَلْ إيّاهُ﴾ إلَخْ عَطْفًا عَلَيْهِ إضْرابًا عَنْهُ، والمَعْطُوفُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا، ولَمّا كانَ الكَشْفُ مُسْتَعْقَبَ الدُّعاءِ مُسْتَفادًا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ أيْضًا فَجاءَ سُؤالٌ أنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ، وأمّا في الوَجْهِ الآخَرِ فَلِأنَّ (أغَيْرَ) إلَخْ، لَمّا كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الشَّرْطانِ لَفْظًا بَلْ جازَ أنْ يُقَدَّرا أوْ هو الظّاهِرُ إنْ ساعَدَ المَعْنى، وأنْ يُقَدَّرَ واحِدٌ مِنهُما حَسْبَ اسْتِدْعاءِ
صفحة 150
المَقامِ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَكَّتَهم بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ إيّاهُ تَعالى بِالدُّعاءِ عِنْدَ الكَرْبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ فَلا مانِعَ مِن ذِكْرِ أمْرَيْنِ والتَّقْرِيعِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لاسِيَّما عِنْدَ اخْتِصاصِهِ بِالتَّقْرِيعِ انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ كَشْفَ القَوارِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِدُعاءِ المُؤْمِنِ أوِ المُشْرِكِ بَلْ قَبُولِهِ الدُّعاءَ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ، وبِذَلِكَ تُقَيِّدُ آيَةُ ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ لَكِنَّ انْتِفاءَ المَشِيئَةِ مُتَحَقِّقٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَما في قَبُولِهِ دُعاءَ الكُفّارِ بِكَشْفِ قَوارِعِ السّاعَةِ وما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ الجَزاءِ عَلى كُفْرِهِمْ وكَشْفِ بَعْضِ الأهْوالِ عَنْهم كَكَرْبِ طُولِ الوُقُوفِ حِينَ يُشَفَّعُ ﷺ فَيَشْفَعُ في الفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ مِن بابِ اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ في شَيْءٍ
عَلى أنَّ كَرْبَ طُولِ الوُقُوفِ الَّذِي يُفارِقُونَهُ نَعِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُلاقُونَهُ بَعْدُ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا قَبْلُ، فالقَوارِعُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُفارِقُهم أصْلًا، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ فِيها مِن شَدِيدٍ إلى أشَدَّ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إثْرَ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَإنَّ قَوارِعَ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ الأحْسَنُ عِنْدِي أنَّ هَوْلَ القِيامَةِ يُكْشَفُ أيْضًا كَكَرْبِ المَوْقِفِ إذا طالَ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ قائِلُونَ بِنَفْيِ الشَّفاعَةِ، وقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا مَنِ اتَّبَعَهُ مِن كَلامٍ خالٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى ما في مَجْمَعِ البِحارِ لا يَنْفُونَ الشَّفاعَةَ في فَصْلِ القَضاءِ وإنَّما يُنْكِرُونَ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ والكُفّارِ في النَّجاةِ مِنَ النّارِ
هَذا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في جَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ فَقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَدْعُونَ، وقِيلَ: وعَلَيْهِ أبُو البَقاءِ تَقْدِيرُهُ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مَذْكُورٌ وهو أرَأيْتَكُمْ، وقِيلَ -ونُسِبَ لِلرَّضِيِّ- هو الجُمْلَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ وهو كالمُتَعَيِّنِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ ورَدَّهُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ كَذَلِكَ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِدُونِ فاءٍ
وبَحَثَ في ذَلِكَ الشِّهابُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ الَّذِي أذْهَبَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أرَأيْتَكم عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ تَعالى فَأخْبِرُونِي عَنْهُ أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِكَشْفِهِ كَما تَقُولُ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، انْتَهى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
14
- عَطْفٌ عَلى (تَدْعُونَ) والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم لِشِدَّةِ الهَوْلِ يَنْسَوْنَ ذَلِكَ حَقِيقَةً ولا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ ولا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَنْسى اللَّهَ تَعالى لِأنَّ المُعْتادَ في الشَّدائِدِ أنْ يَلْهَجَ بِذِكْرِهِ تَعالى ويَنْسى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وقَدَّمَ الكَشْفَ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النِّسْيانِ كَتَأخُّرِهِ عَنِ الدُّعاءِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً
الأنعام 6:42
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ لِتَمادِيهِ في الغَيِّ والضَّلالِ ولا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقِيلَ: مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ وتَنْوِينُ (أُمَمٍ) لِلتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى في أوْ زائِدَةٌ بِناءً عَلى جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ وضُعِّفَ أيْ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ كائِنَةٍ مِن زَمانٍ أوْ في زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ فَكَذَّبُوا فَعاقَبْناهم ﴿بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾
صفحة 151
أيْ بِالبُؤْسِ والضُّرِّ
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ إنَّهُ قالَ: خَوْفُ السُّلْطانِ وغَلاءُ السِّعْرِ، وقِيلَ: البَأْساءُ القَحْطُ والجُوعُ، والضَّرّاءُ المَرَضُ ونُقْصانُ الأنْفُسِ والأمْوالِ. وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما عَلى أفْعَلَ كَأحْمَرَ حَمْراءِ كَما هو القِياسُ فَإنَّهُ لَمْ يُقَلْ: أضَرَّ وأبْأسَّ صِفَةً بَلْ لِلتَّفْضِيلِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾
24
- أيْ لِكَيْ يَتَذَلَّلُوا فَيَدْعُوا ويَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ
الأنعام 6:43
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ أيْ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضى وانْتِفاءِ المانِعِ الَّذِي يُعْذَرُونَ بِهِ، (ولَوْلا) عِنْدَ الهَرَوِيِّ تَكُونُ نافِيَةً حَقِيقِيَّةً وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ والجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وهو يُفِيدُ التُّرْكَ وعَدَمَ الوُقُوعِ ولِذا ظَهَرَ الِاسْتِدْراكُ والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ولَيْسَتْ (لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةً كَما تُوُهِّمَ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِالمُضارِعِ، واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَهَبَ إلَيْهِ الهَرَوِيُّ. ولَمّا كانَ التَّضَرُّعُ ناشِئًا مِن لِينِ القَلْبِ كانَ نَفْيُهُ نَفْيَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَما لانَتْ قُلُوبُهم ولَكِنْ قَسَتْ، وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّضَرُّعُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما ذُكِرَ لِأنَّ قَساوَةَ القَلْبِ الَّتِي هي المانِعُ يُشْعِرُ بِأنَّ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ، ومَعْنى (قَسَتْ) إلَخْ، اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
34
- مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلَمْ يُخْطَرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ. والتَّزْيِينُ لَهُ مَعانٍ، أحَدُهُما إيجادُ الشَّيْءِ حَسَنًا مُزَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾، والثّانِي جَعْلُهُ مُزَيَّنًا مِن غَيْرِ إيجادٍ كَتَزْيِينِ الماشِطَةِ العَرُوسَ، والثّالِثُ جَعْلُهُ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ مُشْتَهًى لِلطَّبْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ وهَذا إمّا بِمَعْنى خَلْقِ المَيْلِ في النَّفْسِ والطَّبْعِ وإمّا بِمَعْنى تَزْوِيقِهِ وتَرْوِيجِهِ بِالقَوْلِ وما يُشْبِهُهُ كالوَسْوَسَةِ والإغْراءِ، وعَلى هَذا يُبْنى أمْرُ إسْنادِهِ فَإنَّهُ جاءَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تارَةً مُسْنَدًا إلى الشَّيْطانِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وتارَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وتارَةً إلى البَشَرِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ فَإنْ كانَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، وكَذَلِكَ إذا كانَ بِالمَعْنى الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ أوَّلًا، وإنْ كانَ بِالمَعْنى الثّانِي أوِ الثّالِثِ بِناءً عَلى المُرادِ مِنهُ ثانِيًا فَإسْنادُهُ إلى الشَّيْطانِ أوِ البَشَرِ حَقِيقَةٌ، ولا يُمْكِنُ إسْنادُ ما يَكُونُ بِالإغْواءِ والوَسْوَسَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ. وجاءَ أيْضًا غَيْرَ مَذْكُورِ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ في كُلِّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البَحْثِ فَتَذَكَّرْ
الأنعام 6:44
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ تَرَكُوا ما دَعاهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ ورَدُّوهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِما نالَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَلَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ كالرَّخاءِ وسَعَةِ الرِّزْقِ مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهُمْ
فَقَدْ رَوى أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن حَدِيثِ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا ”إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العَبْدَ في الدُّنْيا وهو مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (فَلَمّا نَسُوا) الآيَةَ وما بَعْدَها“، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: ”مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ أُعْطُوا حاجَتَهم ثُمَّ أُخِذُوا“ وقِيلَ: المُرادُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ (فَتَحْنا) جَوابٌ لِـ (ما)
صفحة 152
لِأنَّ فِيها سَواءً قِيلَ بِحَرْفِيَّتِها أوِ اسْمِيَّتِها مَعْنى الشَّرْطِ
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ وجْهُ سَبَبِيَّةِ النِّسْيانِ لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ سَبَبُ الِاسْتِدْراجِ المُتَوَقِّفِ عَلى فَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وسَبَبِيَّةُ شَيْءٍ لِآخَرَ تَسْتَلْزِمُ سَبَبِيَّتَهُ لِما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. أوْ يُقالُ إنَّ الجَوابَ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ ومُحَصِّلِهِ وهو ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ ونَحْوَهُ، وتَسَبُّبُهُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِاعْتِبارِ غايَتِهِ وهو أخْذُهم بَغْتَةً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿بِما أُوتُوا﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ المُنْعِمِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أخَذْناهُمْ﴾ عاقَبْناهم وأنْزَلْنا بِهِمُ العَذابَ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وأفْظَعَ هَوْلًا، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ مُباغَتِينَ أوْ مَبْغُوتِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ بَغَتْناهم بَغْتَةً ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾
44
- أيْ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ والرَّحْمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقالَ البَلْخِيُّ: أذِلَّةٌ خاضِعُونَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الإبْلاسُ تَغَيُّرُ الوَجْهِ ومِنهُ سُمِّيَ إبْلِيسُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَكَّسَ وجْهَهُ وغَيْرَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو بِمَعْنى الِاكْتِئابِ
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لِلْإبْلاسِ ثَلاثَةُ مَعانِي في اللُّغَةِ الحُزْنُ، والحَسْرَةُ، واليَأْسُ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ الرّاغِبُ: هو الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ولَمّا كانَ المُبْلَسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فَلانٌ إذا سَكَتَ وإذا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ و(إذا) هي الفُجائِيَّةُ وهي ظَرْفُ مَكانٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ. وعَنْ جَماعَةٍ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها حَرْفٌ؛ وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينِ النّاصِبُ لَها خَبَرُ المُبْتَدَإ أيْ أبْلَسُوا في مَكانِ إقامَتِهِمْ أوْ في زَمانِها
الأنعام 6:45
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ آخِرُهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وهو مِن دُبُرِهِ إذا تَبِعَهُ فَكَأنَّهُ في دُبُرِهِ أيْ خَلْفَهُ، ومِنهُ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا أيْ في آخِرِ الوَقْتِ
وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ ومِنهُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أصْلَهُ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
54
- عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ والإهْلاكِ فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها فَهَذا مِنهُ تَعالى تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ حَمِدَ مِنهُ عَزَّ اسْمُهُ لِنَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ
الأنعام 6:46
﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ أيْضًا ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أيْ أصَمَّكم وأعْماكم فَأخَذَهُما مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ لازِمٌ لَهُ والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى بَقاءِ العَرْضِ زَمانَيْنِ مَحَلُّ نَظَرٍ
﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقَلَ وفَهِمَ أصْلًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ فَإنَّ البَصَرَ والسَّمْعَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما يَرُدُّ ما يَرُدُّ مِنَ المُدْرَكاتِ فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى الخَتْمِ عَلَيْها، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُدْرَكاتِ ما يَتَوَقَّفُ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى عَلى مَن وُلِدَ أعْمى أصَمَّ بَلَغَ سِنَّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: في التَّقْدِيمِ إنَّهُ مِن بابِ تَقْدِيمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ السَّمْعِ وإفْرادِهِ قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ الَّذِي
صفحة 153
كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ أشْياءَ عِدَّةٍ، وأمّا الضَّمِيرُ المُفْرَدُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المَأْخُوذِ والمَخْتُومِ عَلَيْهِ في ضِمْنِ ما مَرَّ أيِ المَسْلُوبِ مِنكم أوْ راجِعٌ إلى السَّمْعِ وما بَعْدَهُ داخِلٌ مَعَهُ في القَصْدِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى أحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ و (إلَهٌ) خَبَرُهُ و (غَيْرُ) صِفَةٌ لِلْخَبَرِ (ويَأْتِيكُمْ) صِفَةٌ أُخْرى، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ أيْ أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ تَعالى مَشاعِرَكم، مَن إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَأْتِيكم بِهِ، وتَرَكَ كافَ الخِطابِ هُنا، قِيلَ: لِأنَّ التَّخْوِيفَ فِيهِ أخَفُّ مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا يَأْتِي
وقِيلَ: اكْتِفاءٌ بِالسّابِقِ واللّاحِقِ لِتَوَسُّطِ هَذا الخِطابِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يَبْقى القَوْمُ مَعَهُ أهْلًا لِلْخِطابِ حُذِفَتْ كافَّةً إيماءً لِذَلِكَ ورِعايَةً لِمُناسَبَةٍ خَفِيَّةٍ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُكَرِّرُها عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ والمُرادُ مِنَ الآياتِ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ: الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وهَلْ هي عَلى الِإطْلاقِ أوْ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا أقْوالٌ أقْرَبُها عِنْدِي الأقْرَبُ وفِيها الدّالُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وتَوْحِيدِهِ وما فِيهِ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ والتَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِمَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الآياتِ الباهِراتِ
﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾
64
- أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنْشَدَ لِهَذا المَعْنى قَوْلَ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ:
عَجِبْتُ لِحُكْمِ اللَّهِ فِينا وقَدْ بَدا لَهُ صَدْفُنا عَنْ كُلِّ حَقٍّ مُنَزَّلِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ صُدُوفًا إذا مالَ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الصَّدْفِ الجانِبُ والنّاحِيَةُ ومِثْلُهُ الصَّدَفَةُ، وتُطْلَقُ عَلى كُلِّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ، وجاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِصَدَفٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ
والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى تَصَرُّفٍ داخِلٍ مَعَهُ في حُكْمِهِ وهو العُمْدَةُ في التَّعَجُّبِ، و(ثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ أيْ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ والإيمانِ يُدَبِّرُونَ ويَكْفُرُونَ
الأنعام 6:47
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ العاجِلُ الخاصُّ بِكم كَما أتى أضْرابُكم مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً مِن غَيْرِ ظُهُورِ أمارَةٍ وشُعُورٍ، ولِتَضَمُّنِها بِهَذا الِاعْتِبارِ ما في الخُفْيَةِ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ صَحَّ مُقابَلَتُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ وبَدَأ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: خِفْيَةً لِأنَّ الإخْفاءَ لا يُناسِبُ شَأْنَهُ تَعالى
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ البَغْتَةَ اسْتِعارَةٌ لِلْخِفْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِها بِالجَهْرَةِ، وأنَّها مَكْنِيَّةٌ مِن غَيْرِ تَخْيِيلِيَّةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ والقَرِيبِ مِن مُقابِلِهِ كَثِيرَةٌ في الفَصِيحِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا“ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ البَغْتَةَ أنْ يَأْتِيَهم لَيْلًا، والجَهْرَةُ أنْ يَأْتِيَهم نَهارًا وقُرِئَ: بَغَتَةً أوْ جَهَرَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ والهاءِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ كالغَلَبَةِ أيْ إتْيانًا بَغْتَةً أوْ إتْيانًا جَهْرَةً، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ مَذْهَبَ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحٍ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ
صفحة 154
والحَلْبِ والحَلَبِ والطَّرْدِ والطَّرَدِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا قِياسًا مُطْرَدًا كالبَحْرِ والبَحَرِ، وما أرى الحَقَّ إلّا مَعَهُمْ، وكَذا سَمِعْتُ مِن عامَّةِ عَقِيلٍ، وسَمِعْتُ الشَّجَرِيَّ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَفْعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: اللَّحَمُ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَغَدُوا بِمِعْنى تَغْدُوا، ولَيْسَ في كَلامِهِمْ مَفَعَلَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: سارَ نَحَوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ولَوْ كانَتِ الحَرَكَةُ أصْلِيَّةً ما صَحَّتِ اللّامُ أصْلًا اهـ، وهي كَما قالَ الشِّهابُ فائِدَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُها وقُرِئَ بَغْتَةً وجَهْرَةً بِالواوِ الواصِلَةِ
﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾
74
- أيْ إلّا أنْتُمْ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهم ووَضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ والإعْراضَ مَوْضِعَ الإقْبالِ، وهَذا كَما قالَ الجَماعَةُ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ أيْ قُلْ تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ أيْ هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، والأصْلُ فِيهِ النَّفْيُ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ عَزَّ وجَلَّ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً ماذا يَكُونُ الحالُ، ثُمَّ قِيلَ: بَيانًا لِذَلِكَ ما ﴿يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ
وقَيَّدَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ تَوْجِيهًا لِلْحَصْرِ إذْ قَدْ يُهْلَكُ غَيْرُ الظّالِمِ لَكِنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى بِهِ لِيَجْزِيَهُ الجَزاءَ الأوْفى عَلى ابْتِلائِهِ، ولَعَلَّهُ اشْتِغالٌ بِما لا يَعْنِي، وقُرِئَ يَهْلَكُ بِفَتْحِ الياءِ
الأنعام 6:48
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمَمِ ﴿إلا مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاعَ مِنهم بِالثَّوابِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصى مِنهم بِالعَذابِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّهُما أعْظَمُ ما يُبَشَّرُ بِهِ ويُنْذَرُ بِهِ، والمُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُقَدَّرَتانِ مُفِيدَتانِ لِلتَّعْلِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ، والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِأجْلِ أنْ يُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمْ ويُسْخَرَ بِهِمْ ﴿فَمَن آمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وأصْلَحَ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ والإتْيانِ بِهِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها (ومَن) مَوْصُولَةٌ ولِشِبْهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرَ الرُّسُلُ بِهِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
84
- لِفَواتِ الثَّوابِ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها
الأنعام 6:49
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ الَّتِي بَلَّغَتْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها نَبِيُّنا ﷺ ومُعْجِزاتُهُ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (مَن آمَنَ) إلَخْ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الَّذِي أُنْذِرُوهُ عاجِلًا أوْ آجِلًا أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لِذَلِكَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وفي جَعْلِهِ ماسًّا إيذانًا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحَيِّ الفاعِلِ لِما يُرِيدُ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ عَلى ما قِيلَ
وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أنْ يَكُونَ المَسُّ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في العَذابِ، والظّاهِرُ أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنْ
صفحة 155
المَسَّ مِن خَواصِّ الأحْياءِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيارِ، ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى عِصامُ المِلَّةِ أنَّهُ أُشِيرَ بِالمَسِّ إلى أنَّ العَذابَ لا يَأْخُذُهم بِحَيْثُ يَعْدَمُهم حَتّى يَتَخَلَّصُوا بِالهَلاكِ ولَهُ وجْهٌ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
94
- أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ
نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ كُلَّ فِسْقٍ في القُرْآنِ مَعْناهُ الكَذِبُ، ولَعَلَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ وخُرُوجِهِمُ المُسْتَمِرِّ عَنْ حَظِيرَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَدْ يُقالُ: الفاسِقُ لِمَن خَرَجَ عَنِ التِزامِ بَعْضِ الأحْكامِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ هَهُنا
قُلْ أيُّها الرَّسُولُ البَشِيرُ النَّذِيرُ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ ما يَقْتَرِحُونَ:
الأنعام 6:50
﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ مَقْدُوراتُهُ جَمْعُ خَزِينَةٍ أوْ خِزانَةٍ أوْ خَزْنَةٍ وهي في الأصْلِ ما يُحْفَظُ فِيهِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ تُجُوِّزَ فِيها عَمّا ذُكِرَ، وعَلى ذَلِكَ الجَبائِيُّ وغَيْرُهُ ولَمْ يَقُلْ: لا أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ كَأنَّ مَقْدُوراتِهِ مَخْزُونَةٌ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ مَجازٌ عَنِ المَرْزُوقاتِ مِن إطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِ أوِ اللّازِمِ عَلى المُلْزَمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ خَزائِنُ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَقْدُوراتِهِ، والمَعْنى لا أدَّعِي أنَّ هاتِيكَ الخَزائِنَ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ اسْتِقْلالًا أوْ اسْتِدْعاءً حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنَزُّلَ الآياتِ أوْ إنْزالَ العَذابِ أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي
ولا أعْلَمَ الغَيْبَ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فَهو مَقُولٌ أقُولُ أيْضًا، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ ولا أقُولُ لَكم لا أعْلَمُ الغَيْبَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ ولا أقُولُ لَكم أعْلَمُ الغَيْبَ بِإضْمارِ القَوْلِ بَيْنَ لا وأعْلَمُ لا بَيْنَ الواوِ (ولا)، وقِيلَ: لا في - لا أعْلَمُ - مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (لا أقُولُ) لا مَعْمُولَ لَهُ فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو (قُلْ)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ، وإنَّما الفائِدَةُ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ لِيَكُونَ نَفْيًا لِادِّعاءِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ لِيَكُونَ المَعْنى إنِّي لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ
﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ، ويَكُونُ تَكْرِيرُ (لا أقُولُ) إشارَةً إلى هَذا المَعْنى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَفْهُومِي ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾، و﴿إنِّي مَلَكٌ﴾ لَمّا كانَ حالُهُما مَعْلُومًا عِنْدَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى نَفْيِهِما، وإنَّما الحاجَةُ إلى نَفْيِ ادِّعائِهِما تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الباطِلِ، ومَفْهُومُ (إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ لَمًّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا احْتِيجَ هُنا إلى نَفْيِهِ فَدَعْوى أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ مَنظُورٌ فِيها، والَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ المَعْنى ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ أوْ وقْتِ إنْزالِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما
وخَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الغَيْبَ بِعاقِبَةِ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ أيْ لا أدَّعِي ذَلِكَ، ولا أدَّعِي أيْضًا المَلَكِيَّةَ حَتّى تَكْفُلُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ أوْ تَعُدَّوْا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها هو مَحَلُّ النِّزاعِ كَما زَعَمَ الجَبائِيُّ لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ إلَخْ وتَكْلِيفِهِمْ لَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوِ الرُّقِيِّ في السَّماءِ. ونَحْنُ لا نَدَّعِي تَمَيُّزَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَدَمِ الأكْلِ مَثَلًا والقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الخارِقَةِ كالرُّقِيِّ ونَحْوِهِ ولا مُساواتَهم لَهم في ذَلِكَ بَلْ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُتَمَيِّزِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ
صفحة 156
والسَّلامُ في ذَلِكَ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ اتِّفاقًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنهم بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ وإلّا لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الحَيْواناتِ أفْضَلَ مِنَ الإنْسانِ، ولا يَدَّعِي ذَلِكَ إلّا جَمادٌ
وهَذا الجَوابُ أظْهَرُ مِمّا نُقِلَ عَنِ القاضِي زَكَرِيّا مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ ﷺ مِن بابِ التَّواضُعِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» في رَأْيٍ بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الأفْضَلِيَّةَ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ وهو مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقِيلَ: حَيْثُ كانَ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لا يَكُونُ فِيها تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَلْ هي حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ في التَّدَلِّي، وبِذَلِكَ تَهْدِمُ قاعِدَةَ اسْتِدْلالِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ التَّرَقِّي مِنَ الأُلُوهِيَّةِ إلى ما هو أعْلى مِنها إذْ لا أعَلا لِيُتَرَقّى إلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا هَدْمَ لَها مَعَ إعادَةِ (لا أقُولُ) الَّذِي جَعَلَهُ أمْرًا مُسْتَقِلًّا كالإضْرابِ إذِ المَعْنى لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ بَلْ ولا المَلَكِيَّةَ ولِذا كَرَّرَ (لا أقُولُ)
وقالَ بَعْضُهم في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَقامَيْنِ: إنَّ مَقامَ نَفْيِ الِاسْتِنْكافِ يَنْبَغِي فِيهِ أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ أعَلا لِئَلّا يَلْغُوا ذِكْرُهُ، ومُقامُ نَفْيِ الِادِّعاءِ بِالعَكْسِ فَإنَّ مَن لا يَتَجاسَرُ عَلى دَعْوى المَلَكِيَّةِ أوَّلًا أنْ لا يَتَجاسَرَ عَلى دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ الأشَدِّ اسْتِبْعادًا، نَعَمْ في كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ نَفْيَ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنها نَظَرٌ وإلّا لَقِيلَ لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ كَما قِيلَ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِـ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، وإضافَةُ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى مُنافِيَةٌ لَها. ودَفَعَ المُنافاةَ بِأنَّ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَيْسَ دَعْوى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى بَلْ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ عَزَّ اسْمُهُ في الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ إضافَةَ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى اخْتِصاصِيَّةٌ فَتُنافِي الشَّرِكَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ خَزائِنُ مِثْلَ خَزائِنَ أوْ تُنْسَبُ إلَيْهِ وهو كَما تَرى. ومِن هُنا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا
﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ ما في الوَحْيِ أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا. وحاصِلُهُ إنِّي عَبْدٌ يَمْتَثِلُ أمْرَ مَوْلاهُ ويَتَّبِعُ ما أوْحاهُ ولا أدَّعِي شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا أبْلَغُ مِن إنِّي نَبِيٌّ أوْ رَسُولٌ ولِذا عَدَلَ إلَيْهِ
ولا دَلالَةَ لِنَفاةِ القِياسِ ولا لِمَعانِي جَوازِ اجْتِهادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما لا يَخْفى. وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى ولَيْسَتْ مِمّا يُسْتَبْعَدُ إنَّما المُسْتَبْعَدُ ادِّعاءُ الأُلُوهِيَّةِ أوِ المَلَكِيَّةِ ولَسْتُ أدَّعِيها. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا ما في دَعْوى أنَّ المَقْصُودَ مِمّا تَقَدَّمَ نَفْيُ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الضّالُّ والمُهْتَدِي عَلى الِإطْلاقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها مَعَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها والتَّنْفِيرُ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبُ في الِاهْتِداءِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْبِيتِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾
5
- عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ أوْ أتَسْمَعُونَهُ فَلا تَتَفَكَّرُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. والكَلامُ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ. ومَناطُ التَّوْبِيخِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ عَلى الأوَّلِ
صفحة 157
وعَدَمُ التَّفْكِيرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ عَلى الثّانِي
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الأعْمى والبَصِيرِ ثَلاثَ احْتِمالاتٍ إمّا أنْ يَكُونا مِثالًا لِلضّالِّ والمُهْتَدِي أوْ مِثالًا لِلْجاهِلِ والعالِمِ أوْ مِثالًا لِمُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ. وأنَّ المَعْنى لا يَسْتَوِي هَذانَ الصِّنْفانِ ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَتَهْتَدُوا أيْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما مَضى إمّا مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ إلَخْ أوْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ (لا أقُولُ) . ورَجَّحَ في الكَشْفِ الأوَّلَ ثُمَّ الثّانِيَ. ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا التَّرْجِيحِ. واعْتُرِضَ القَوْلُ بِإحالَةِ المَلَكِيَّةِ بِأنَّها مِنَ المُمْكِناتِ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَماثِلَةٌ والمَعانِيَ القائِمَةَ بِبَعْضِها يَجُوزُ أنْ تَقُومَ بِكُلِّها
وأُجِيبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ما فِيهِ أنَّ البَشَرَ حالَ كَوْنِهِ بَشَرًا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لِتَمايُزِهِما بِالعَوارِضِ المُتَنافِيَةِ بِلا خِلافٍ. وإقْدامُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ عَلى الأكْلِ لَيْسَ طَمَعًا في المَلَكِيَّةِ حالَ البَشَرِيَّةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ في المَلَكِيَّةِ أصْلًا وإنَّما طَمِعَ في الخُلُودِ فَأكَلَ
الأنعام 6:51
﴿وأنْذِرْ﴾ أيْ عِظْ وخَوِّفْ يا مُحَمَّدُ بِهِ أيْ بِما يُوحى أوْ بِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والزَّجّاجِ، وقِيلَ: أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ
وهَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَما حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ مَن لا يَتَّعِظُ ولا يَتَأثَّرُ قَدِ التَحَقَ بِالأمْواتِ وانْتَظَمَ في سِلْكِ الجَماداتِ فَما يَنْجَعُ فِيهِ دَواءُ الإنْذارِ ولا يُفِيدُهُ العِظَةُ والتِّذْكارُ إذْ يُنْذَرُ مَن يُتَوَقَّعُ في الجُمْلَةِ مِنهُمُ الِانْتِفاعُ ويُرْجى مِنهُمُ القَبُولُ والسَّماعُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المَجُوزُونَ لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ المُتَرِدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ كالأوَّلِينَ أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِهِ يَخافُونَ أنْ يَكُونُ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا والقائِلُونَ بِهِ القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ وارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّهم قَيَّدُوا بِالمُفَرِّطِينَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْإنْذارِ ورَجاءَ التَّقْوى، وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وبَيَّنَهُ بِما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ وعَلَّلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، وبِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ ولا يُخْفى ما فِيهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ إمّا بِالعَذابِ الأُخْوَرِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِتَحْقِيقِ المَخافَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ التَّرْبِيَةَ المَفْهُومَةَ مِنها مُقْتَضِيَةٌ خِلافَ ما خافُوا لِأجْلِهِ الحَشْرَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها مُنْبِئَةٌ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ كَما قِيلَ والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الحَشْرُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ عَزَّ وجَلَّ مَحِلًّا لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ
صفحة 158
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُحْشُرُوا) والعامِلُ فِيهِ فِعْلُهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَخافُونَ)، والأوَّلُ أوْلى ومَن دُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، والحالُ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ تِلْكَ الحالَةُ لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الإنْذارِ، والحالُ الثّانِيَةُ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ وهو فِقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم وذَلِكَ إنَّما هو غَيْرُهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ ولَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِاسْتِلْزامِهِ ثُبُوتَ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وذَلِكَ فاسِدٌ، والمَعْنى أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ حَشْرَهم غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ بِزَعْمِهِمْ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ سَواءً - عَزَّ وجَلَّ - لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرُ بِدُونِ نُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ويَصْغُرُ لَدَيْهِ ما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما فَتَدَبَّرْ
لَعَلَّهم يَتَّقُونَ
15
- أيْ لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ أيْ أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم أوْ مِنَ المَوْصُولِ أيْ أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ
الأنعام 6:52
﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ لِما أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لَعَلَّهم يَنْتَظِمُونَ في سَلْكِ المُتَّقِينَ نُهِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا مَعًا ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وعَمّارٌ وبِلالٌ وخَبّابٌ ونَحْوُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ رَضِيَتْ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُرْءانَ ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾»
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهم عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ فَوَجَدا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ بِلالٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ في أُناسٍ ضُعَفاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ حَقَّرُوهم فَأتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فَقالُوا: نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا العَرَبُ لَهُ فَضْلَنا فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا قُعُودًا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا عَلَيْكَ بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ ودَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِيَكْتُبَ ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلَخْ، ثُمَّ دَعانا فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكُنّا نَقْعُدُ مَعَهُ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلَخْ
صفحة 159
فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْعُدُ مَعَنا بَعْدُ فَإذا بَلَغَ السّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيها يَقُومُ فِيها قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ،» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «مَشى عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ في أشْرافِ الكُفّارِ مِن عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ طَرَدَ عَنّا هَؤُلاءِ الأعْبُدَ والحُلَفاءَ كانَ أعْظَمَ لَهُ في صُدُورِنا وأطْوَعَ لَهُ عِنْدَنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى نَنْظُرَ ما يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: وما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾» وكانُوا بِلالًا وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وصُبَيْحًا مَوْلى أُسَيْدٍ والحُلَفاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ والمِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو وواقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيَّ وعَمْرَو بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو ومَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ وأشْباهَهم ونَزَلَ في أئِمَّةِ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ والمَوالِي والحُلَفاءِ
الأنعام 6:53
﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ الآيَةَ، والغَداةُ أصْلُهُ غَدْوَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأصْلُ العَشِيِّ عَشَوِيٌّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، والظّاهِرِ أنَّهُ مُفْرَدٌ كالعَشِيَّةِ وجَمْعُهُ عَشايا وعَشِيّاتٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشِيَّةٍ وفِيهِ بُعْدٌ، ومَعْنى الأوَّلِ لُغَةً البُكْرَةُ أوْ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، ومَعْنى الثّانِي آخِرُ النَّهارِ، والمُرادُ بِهِما هَهُنا الدَّوامُ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ مَساءً وصَباحًا إذا داوَمَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالدُّعاءِ حَقِيقَتُهُ أوِ الصَّلاةُ أوِ الذِّكْرُ أوْ قِراءَةُ القُرْآنِ أقْوالٌ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ لِأنَّ الزَّمانَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ ما يَقَعُ فِيهِ كَما يُقالُ صَلّى الصُّبْحَ والمُرادُ صَلاتُهُ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُرادُ بِالصَّلاةِ زَمانُها نَحْوَ قَرُبَتِ الصَّلاةُ أيْ وقْتُها، وقَدْ يُرادُ بِها مَكانُها كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ المَساجِدُ وخُصّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما، والأقْوالُ في الدُّعاءِ جارِيَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ خَلا الثّانِيَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هُنا وفي الكَهْفِ (الغَدْوَةِ) بِالواوِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ وأبِي رَجاءٍ العَطارِدِيِّ وغَيْرِهِمْ، وزَعَمَ أبُو عَبِيدٍ أنَّ مَن قَرَأ بِالواوِ فَقَدْ أخْطَأ لِأنَّ غَدْوَةً عَلَمُ جِنْسٍ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللّامُ، ومَنشَأُ خَطَئِهِ أنَّهُ اتَّبَعَ رَسْمَ الخَطِّ لِأنَّ الغَداةَ تُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ والزَّكاةِ، وقَدْ أخْطَأ في هَذِهِ التَّخْطِئَةِ لِأنَّ (غَدْوَةً) وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها ما ذَكَرَهُ لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مَجِيئُها اسْمَ جِنْسٍ أيْضًا مُنَكَّرًا مَصْرُوفًا فَتَدْخُلُها (ألْ) حِينَئِذٍ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ وتَصْدِيرُهُ بِالزَّعْمِ لا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ جَمٌّ غَفِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ
وذَكَرَ المُبَرِّدُ أيْضًا عَنِ العَرَبِ تَنْكِيرَهُ غَدْوَةً وصَرْفَها وإدْخالَ اللّامِ عَلَيْها إذا لَمْ يُرَدْ بِها غَدْوَةُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وكَفى بِوُرُودِهِ في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ حُجَّةً فَلا حاجَةَ - كَما قِيلَ - إلى التِزامِ أنَّها عَلَمٌ لَكِنَّها نُكِّرَتْ فَدَخَلَتْها (ألْ) لِأنَّ تَنْكِيرَ العَلَمِ وإدْخالَ (ألْ) عَلَيْهِ أقَلُّ قَلِيلٍ في كَلامِهِمْ بَلْ إنَّ تَنْكِيرَ عَلَمِ الجِنْسِ لَمْ يُعْهَدْ ولا إلى التِزامِ أنَّها مَعْرِفَةٌ ودَخَلَتْها اللّامُ لِمُشاكَلَةِ العَشِيِّ كَما دَخَلَتْ عَلى يَزِيدَ لِمُشاكَلَةِ الوَلِيدِ في قَوْلِهِ:
رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ،
لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المُشاكَلَةِ وهو المُشاكَلَةُ الحَقِيقَةُ قَلِيلٌ أيْضًا والكَثِيرُ في المُشاكَلَةِ المَجازُ ولا دَلالَةَ في
صفحة 160
الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﷺ وقَعَ مِنهُ الطَّرْدُ لِيَخْدِشَ وجْهَ العِصْمَةِ، والَّذِي تَحْكِيهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ أنْ يَجْعَلَ أُولَئِكَ الدّاعِينَ المُتَّقِينَ وقْتًا خاصًّا وأشْرافَ قُرَيْشٍ وقْتًا آخَرَ لِيَتَآلَفُوا فَيَقُودَهم إلى الإيمانِ، وأُولَئِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَعْلَمُونَ ما قَصَدَ ﷺ فَلا يَحْصُلُ لَهم إهانَةٌ وانْكِسارُ قَلْبٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْعُونَ) وفي المُرادِ بِالوَجْهِ عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ خِلافٌ فَقِيلَ وهو المَشْهُورُ إنَّهُ الذّاتُ أيْ مُرِيدِينَ ذاتَهُ تَعالى، ومَعْنى إرادَةِ الذّاتِ عَلى ما قِيلَ الإخْلاصُ لَها بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُرادًا لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الإرادَةَ صِفَةٌ لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُمَكَّناتِ لِأنَّها تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفِيِ المُرادِ عَلى الآخَرِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيها أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فِيهِ، وقُيِّدَ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ المُضادِّ لِلطَّرْدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِهَةُ والطَّرِيقُ، والمَعْنى مُرِيدِينَ الطَّرِيقَ الَّذِي أمَرَهم جَلَّ شَأْنُهُ بِإرادَتِهِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ وطَلَبِ الرِّضا لِأنَّ مَن أحَبَّ ذاتًا أحَبَّ أنْ يَرى وجْهَهُ فَرُؤْيَةُ الوَجْهِ مِن لَوازِمِ المَحَبَّةِ فَلِهَذا جُعِلَ كِنايَةً عَنْها قالَهُ الإمامُ وهو كَما تَرى
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: هَذا وجْهُ الرَّأْيِ وهَذا وجْهُهُ الدَّلِيلُ والمَعْنى يُرِيدُونَهُ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمَوْصُولِ السّابِقِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وغالِبِ المُفَسِّرِينَ
وجُوِّزَ في (ما) أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً وحِجازِيَّةً وفي (شَيْءٍ) أنْ يَكُونَ فاعِلَ الظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ و (مِن حِسابِهِمْ) وصْفٌ لَهُ قُدِّمَ فَصارَ حالًا وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشِيرُ إلى اخْتِيارِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضُ وسَطٍ بَيْنِ النَّهْيِ وجَوابِهِ تَقْرِيرًا لَهُ ودَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِ المُتَّقِينَ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾، والمَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ ما مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ حَتّى تَتَصَدّى لَهُ وتَبْنِي عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ الرِّسالَةِ النَّظَرُ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وإجْراءِ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها وتَفْوِيضِ البَواطِنِ وحِسابِها إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وظَواهِرُ هَؤُلاءِ دُعاءُ رَبِّهِمْ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ فَقْرِهِمْ والمُرادُ لا يَضُرُّكَ فَقْرُهم شَيْئًا لِيَصِحَّ لَكَ الإقْدامُ عَلى ما أرادَهُ المُشْرِكُونَ مِنكَ فِيهِمْ
﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجِيءَ بِهِ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في بَيانِ كَوْنِ انْتِفاءِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَظْمِهِ في سَلْكٍ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ في رَأْيٍ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ الجُمْلَتَيْنِ في مَعْنى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ تُؤَدِّي مُؤَدّى (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ التَّنْزِيلِ وتَقْدِيمِ خِطابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَوْضِعَيْنِ - قِيلَ - لِلتَّشْرِيفِ لَهُ عَلَيْهِ أشْرَفُ الصَّلاةِ وأفْضَلُ السَّلامِ وإلّا كانَ الظّاهِرُ وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ بِتَقْدِيمِ (عَلى) ومَجْرُورِها كَما في الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيمَ عَلَيْكَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِلْقَصْدِ إلى إيرادِ النَّفْيِ عَلى اخْتِصاصِ حِسابِهِمْ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هو الدّاعِي إلى تَصَدِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِحِسابِهِمْ
صفحة 161
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى إنَّكَ لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهم ويَدْعُوَكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّفْيِ والمُرادُ انْتِفاءُ الطَّرْدِ لا انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ المُسَبِّبِ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِنكَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَقَعُ مِنكَ طَرْدٌ وهو أحَدُ مَعْنَيَيْنِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ يَمْتَنِعُ ثانِيهُما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾
25
- جَوابٌ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ الإمامُ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ الكَوْنَ ظالِمًا مَعْلُولٌ طَرْدُهم وسَبَبٌ لَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاشْتِراكَ في النَّصْبِ بِالعَطْفِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو تَوَقُّفُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ الأوَّلِ انْتِفاؤُهُ، والكَوْنُ مِنَ الظّالِمِينَ مُنْتَفٍ سَواءٌ لُوحِظَ ابْتِداءُ أوْ بُعْدُ تَرَتُّبِهِ عَلى الطَّرْدِ وجَعْلِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى الطَّرْدِ بِلا اعْتِبارِ كَوْنِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى المَنفِيِّ ومُنْتَفِيًا بِانْتِفائِهِ يُفَوِّتُ وُجُودَ سَبَبِيَّةِ العَطْفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظُّلْمَ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ انْتِفاؤُهُ عَلى انْتِفاءِ الطَّرْدِ كَما لا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلى وُجُودِهِ، وانْتِفاءُ الطَّرْدِ مُتَوَقِّفٌ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتِفاءُ الظُّلْمِ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَيَلْزَمُ مِنَ الِانْتِفاءِ الِانْتِفاءُ ويَتَحَقَّقُ الِاشْتِراكُ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو ظاهِرٌ وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ عَدَمَ الظُّلْمِ لِعَدَمِ تَفْوِيضِ الحِسابِ إلَيْهِ ﷺ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ حِسابُهم عَلَيْهِ ﷺ وطَرَدَهم لَكانَ ظُلْمًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، لَأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى حَدِّ - نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ - وفي الكَشْفِ في بَيانِ مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ أرادَ أنَّ الطَّرْدَ سَبَبٌ لِلظُّلْمِ، فَقِيلَ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ لِتَطْرُدَهم فَتَظْلِمَ بِهِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ حِسابُهم لَمْ يَكُنْ طَرْدُهُ إيّاهم ظُلْمًا، وذَلِكَ لَأنَّ الطَّرْدَ جُعِلَ سَبَبًا لِلظُّلْمِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَمْلِكَ حِسابَهم وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ عَلى حَدِّ -نِعْمَ العَبْدُ- إلَخْ بَلْ هو خُرُوجٌ عَنِ الحَدِّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الأوَّلُ جَوابًا لِلنَّهْيِ كَما جازَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّفْيِ، ونُقِلَ عَنِ الدُّرِّ المَصُونِ وقالَ: الكَلامُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ ولا تَطْرُدَهم فَتَطْرُدُهم وهو كَما تَرى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اجْتِماعَ ذَيْنِكَ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى هَذا الجَوابِ مِن قَبِيلِ التَّنازُعِ خَلا أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَوْنُ الجَوابِ لِلثّانِي بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ يَلْزَمُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ طَرْدُهُ إيّاهم حَسَنًا، وهو خَلْفٌ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في هَذا خُرُوجٌ عَنْ مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ لِإعْمالِ الثّانِي لِأنَّ شَرْطَهُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُسْتَقِيمًا فِيهِما؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَقِمْ أُعْمِلَ الأوَّلُ اتِّفاقًا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي - ولَمْ أطْلُبْ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ وأنْتَ إذا عَلِمْتَ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لِماذا أُتِيَ بِها عَلِمْتَ ما في هَذا الكَلامِ فافْهَمْ؛ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ أوْ لِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ أوْ فَتَكُونَ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا﴾ أيِ ابْتَلَيْنا واخْتَبَرْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ، والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الفَتْنِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ وعُبِّرَ
صفحة 162
عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِتَفْخِيمِهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ذَلِكَ الضَّرْبَ، والكافُ مُقْحَمَةٌ بِمَعْنى أنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنها بَلِ المَقْصُودُ لازِمُهُ الكِنائِيُّ أوِ المَجازِيُّ وهو التَّحَقُّقُ والتَّقَرُّرُ وهو إقْحامُ مُطَّرِدٍ، ولَيْسَتْ زائِدَةً كَما تُوُهِّمَ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ الفَتْنِ العَظِيمِ البَدِيعِ فَتَنّا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضِهِمْ حَيْثُ قَدَّمْنا الآخَرِينَ في أمْرِ الدِّينِ عَلى الأوَّلِينَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، ويُؤَوَّلُ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مُتَحَقِّقٌ مِنّا، ومَن ظَنَّ أنَّ التَّشْبِيهَ هو المَقْصُودُ لَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ لِما يَلْزَمُهُ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وتَكَلَّفَ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ والمُغايَرَةِ بِجَعْلِ المُشَبَّهِ بِهِ الأمْرَ المُقَرَّرَ في العُقُولِ والمُشَبَّهَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الأمْرِ الخارِجِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مِثْلُ ما فَتَنّا الكُفّارَ بِحَسَبِ غِناهم وفَقْرِ المُؤْمِنِينَ حَتّى أهانُوهم خِلافَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَنّاهم بِحَسْبِ سَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الإيمانِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ حَتّى حَسَدُوهُمْ، وقالُوا ما قالُوا لِاخْتِلافِ أدْيانِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أدَقُّ نَظَرًا أوْ أعْلى كَعْبًا، وقَدْ سَلَفَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ ﴿لِيَقُولُوا﴾ أيِ البَعْضُ الأوَّلُونَ مُشِيرِينَ إلى الآخِرِينَ مُحَقِّرِينَ لَهم ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن بَيْنِنا﴾ أيْ مِن دُونِنا ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ المَنِّ رَأْسًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ لا تَحْقِيرُ المَمْنُونِ عَلَيْهِمْ مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُتَسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا)، و﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحَةِ والمَسَرَّةِ والخَصْبِ والسَّعَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ أنّا في الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ، والمُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقُّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ صَدْرَ كَلامِهِ صَرِيحٌ في أنَّ الكُفّارَ مُعْتَرِفُونَ بِوُقُوعِ المَنِّ المُشارِ إلَيْهِمْ حاسِدُونَ لَهم عَلى وُقُوعِهِ وهو مُنافٍ لِتَنْظِيرِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا﴾ إلَخْ، وأيْضًا كَلامُهُ كالصَّرِيحِ في أنْ فَقُرّاءَ المُؤْمِنِينَ حَسَدُوا الكُفّارَ عَلى دُنْياهُمْ، واعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرْفِيهِ عَلى أعْدائِهِ والتَّضْيِيقِ عَلى أحِبّائِهِ وذَلِكَ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ أدْنى المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وأيْضًا مُقابَلَةُ فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالمُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم وحاشاهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ وهو بَدِيهِيُّ البَطَلانِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ فَتَدَبَّرْ
واللّامُ ظاهِرَةٌ في التَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِفَتَنّا) وما بَعْدَها عِلَّةٌ لَهُ، والسَّلَفُ كَما قالَ شَيْخُنا إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ وقاضِي القُضاةِ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ التَّنُوخِيُّ وغَيْرُهُما عَلى إثْباتِ العِلَّةِ لِأفْعالِهِ تَعالى اسْتِدْلالًا بِنَحْوِ عَشَرَةِ آلافِ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ، واحْتَجَّ النّافُونَ لِذَلِكَ بِوُجُوهِ رَدِّها الثّانِي في المُخْتَبَرِ، وذَكَرَ الأوَّلُ في مَسْلَكِ السَّدادِ ما يُعْلَمُ مِنهُ رَدُّها وهَذا بَحْثٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ وطُوِيَ بِساطُهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لامُ العاقِبَةِ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ المَقاصِدِ ما يَأْبى ذَلِكَ وهو لامُ العاقِبَةِ إنَّما تَكُونُ فِيما لا يَكُونُ لِلْفاعِلِ شُعُورٌ بِالتَّرَتُّبِ وقْتَ الفِعْلِ أوْ قَبْلَهُ فَيُفْعَلُ
صفحة 163
لِغَرَضٍ، ولا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ ضِدُّهُ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ فَعَلَ الفِعْلَ لِذَلِكَ الغَرَضِ الفاسِدِ تَنْبِيهًا عَلى خَطَئِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ هَذا في كَلامِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ وإنْ وقَعَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى فِعْلِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ إذْ تَرَتُّبُ فَوائِدِ أفْعالِهِ تَعالى عَلَيْها مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ التّامِّ، نَعَمْ أنَّ ابْنَ هِشامٍ وكَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ لَمْ يَعْتَبِرُوا هَذا القَيْدَ وقالُوا: أنَّها لامٌ تَدُلُّ عَلى الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ تَقَعَ في كَلامِهِ تَعالى حِينَئِذٍ عَلى وجْهٍ لا فَسادَ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ مُقابِلًا بِهِ احْتِمالَ العاقِبَةِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا أوْ عَلى أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ
واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّعْلِيلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ بِناءً عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ العِلَلِ فَيَكُونُ مَجازًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّرَتُّبِ وهو في الحَقِيقَةِ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ فَلا وجْهَ لِلْمُقابَلَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُما مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ فَإنِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ التَّرْتِيبِ بِالتَّعْلِيلِ كانَتْ لامَ تَعْلِيلٍ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كانَتْ لامَ عاقِبَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العاقِبَةَ اسْتِعارَةٌ فَلا يَتِمُّ هَذا الفَرْقُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وعَلى خِلافِهِ يَحْتاجُ إلى فَرْقٍ آخَرَ، وقَدْ يُقالُ: في الفَرْقِ أنَّ في التَّعْلِيلِ المُقابِلِ لِلْعاقِبَةِ سَبَبِيَّةً واقْتِضاءً وفي العاقِبَةِ مُجَرَّدُ تُرَتِّبٍ وإفْضاءٍ وفي التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ يُعْتَبَرُ البَعْثُ عَلى الفِعْلِ، وهَذا هو مُرادُ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللّامَ عَلى تَقْدِيرِ تَضْمِينِ فِتَنّا مَعْنى خَذَلْنا أوْ أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا لِأنَّ هُناكَ تَسَبُّبًا واقْتِضاءً فَقَطْ مِن دُونِ بَعْثٍ وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ وإبْقاءِ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادِرِ مِنهُ وهي لامُ العاقِبَةِ وهو تَعْلِيلٌ مَجازِيٌّ أيْضًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ إلّا التَّأدِّي فَإنَّ ابْتِلاءَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مُؤَدٍّ لِلْحَسَدِ وهو مُؤَدٍّ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ ولَيْسَ هُناكَ تَسَبُّبٌ ولا بَعْثَ أصْلًا، والحاصِلُ أنَّ كُلًّا مِنَ العاقِبَةِ والتَّعْلِيلِ المُقابِلِ لَها مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ إلّا أنَّ التَّعْلِيلَ المُقابِلَ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ، ومَنشَأُ الأقْرَبِيَّةِ هو الفارِقُ والبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ، وإذا فُتِحَ لَكَ فاشْكُرِ اللَّهَ سُبْحانَهُ
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾
35
- رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الإنْعامِ مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ والِاعْتِرافِ بِحَقِّ المُنْعِمِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِعِلْمِهِ البالِغِ بِذَلِكَ، والباءُ الأُولى سَيْفُ خَطِيبٍ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ (بِأعْلَمَ) ويَكْفِي أفْعَلُ العَمَلَ في مِثْلِهِ. وفي الدُّرِّ المَصُونِ: العِلْمُ يَتَعَدّى بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإحاطَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ النّاسِ نَحْوَ عَلِمَ بِكَذا ولَهُ عِلْمٌ بِهِ، والمَعْنى: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ مُحِيطًا عِلْمُهُ بِالشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ حَتّى يَسْتَبْعِدُوا إنْعامَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ والسَّبْقِ إلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ شاكِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ القائِلِينَ في مَهامَةِ الضَّلالِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ما لا يَخْفى
الأنعام 6:54
﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ هم كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ الَّذِينَ نُهِيَ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ أوِ الحُجَجُ مُطْلَقًا، وجُوِّزَ في الباءِ أنْ تَكُونَ صِلَةَ الإيمانِ وأنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً أيْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الآياتِ أوِ النَّظَرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِها. وفي وصْفِ أُولَئِكَ الكِرامِ بِالإيمانِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهِ تَنْبِيهٌ عَلى حِيازَتِهِمْ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كالمَنشَإ لِلْوَصْفِ السّابِقِ لِما أنَّ مَدارَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ هو الإيمانُ كَما أنَّ مَناطَ النَّهْيِ عَنِ الطَّرْدِ فِيما سَبَقَ هو المُداوَمَةُ عَلى العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ في رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما يُشِيرُ إلى أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ
صفحة 164
اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأمْرُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى هَذا ظاهِرٌ
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وآخَرُونَ عَنْ ماهانَ قالَ: «أتى قَوْمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَما رَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ فَدَعاهم ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ» ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَمْ تَنْزِلْ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ بَلْ هي مَحْمُولَةٌ عَلى إطْلاقِها واخْتارَهُ الإمامُ. والمَشْهُورُ الأوَّلُ وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ ما رُوِيَ عَنْ ماهانَ
﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أنْ يَبْدَأهم بِالسَّلامِ في مَحَلٍّ لا ابْتِداءَ بِهِ فِيهِ إكْرامًا لَهم بِخُصُوصِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، وقِيلَ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبَلِّغَهم تَحِيَّتَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ المَعْنى أقْبَلُ عُذْرَهم واعْتِرافَهُمْ، وبَشِّرْهم بِالسَّلامَةِ مِمّا اعْتَذَرُوا مِنهُ. وعَلَيْهِ لا يَكُونُ السَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ. وهو أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فَيَكُونُ الكَلامُ أمْرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَشِّرَهم بِالسَّلامِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ بَعْدَ إنْذارِ مُقابِلِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَفَضُّلًا وإحْسانًا بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ تَقَدَّمَ تَبْشِيرٌ لَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَمْ يَعْطِفْ عَلى جُمْلَةِ السَّلامِ مَعَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ أيْضًا قِيلَ لِأنَّها دُعائِيَّةٌ إنْشائِيَّةٌ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ وهُما السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ ونِيلُ المَطالِبِ بِالبِشارَةِ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارٌ لِلُّطْفِ بِهِمْ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وتَمامُ الكَلامِ في الآيَةِ قَدْ مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةَ) كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولُ (كَتَبَ) و(الرَّحْمَةَ) مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ إلَخْ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ النَّحْوِيِّ البَيانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما هَذِهِ الرَّحْمَةُ؟ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ ومَوْضِعُها مُبْتَدَأٌ و(مِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِجَهالَةٍ) حالٌ أيْضًا عَلى الأظْهَرِ أيْ مَن عَمِلَ ذَنْبًا وهو جاهِلٌ أيْ فاعِلٌ فِعْلَ الجَهَلَةِ لِأنَّ مَن عَمِلَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ في العاقِبَةِ وهو عالِمٌ بِذَلِكَ أوْ ظانٌّ فَهو مِن أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ لا مِن أهْلِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أوْ جاهِلٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ والمَضَرَّةِ
وعَنِ الحَسَنِ كُلُّ مَن عَمِلَ مَعْصِيَةً فَهو جاهِلٌ ﴿ثُمَّ تابَ﴾ عَنْ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيِ العَمَلِ أوِ السُّوءِ ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ في تَوْبَتِهِ بِأنْ أتى بِشُرُوطِها مِنَ التَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ أبَدًا ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
45
- أيْ فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ وأمْرُهُ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ. فَإنَّ وما بَعْدَها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ خَبَرُ (مَن) أوْ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ حِينَئِذٍ عَلى الخِلافِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم فَلَهُ أنَّهُ إلَخْ أوْ فَعَلَيْهِ أنَّهُ إلَخْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِبُعْدِ العَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: وكِلاهُما ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ
صفحة 165
الأوَّلُ أنَّ البَدَلَ لا يَصْحَبُهُ حَرْفُ مَعْنًى إلّا أنْ يَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً وهو ضَعِيفٌ، والثّانِي أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يَبْقى لِـ (مَن) خَبَرٌ ولا جَوابَ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّتِها، والتِزامُ الحَذْفِ بِعِيدٌ، وفَتْحُ الهَمْزَةِ هُنا قِراءَةُ مَن فَتَحَ هُناكَ سِوى نافِعٍ فَإنَّهُ كَباقِي القُرّاءِ قَرَأ بِالكَسْرِ
وأجازَ الزَّجّاجُ كَسْرَ الأُولى وفَتْحَ الثّانِيَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ والزُّهْرِيِّ وأبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ، ولَمْ يَطَّلِعْ -عَلى ما قِيلَ- أبُو شامَةٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ إعْرابِيٌّ وإنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ، ولَيْسَ كَما قالَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُقَوِّي مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ أنَّ عَمَلَ السُّوءِ إذْ قارَنَ الجَهْلَ والتَّوْبَةَ والإصْلاحَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أجَبْتَهم لِما قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ المَضَرَّةَ ثُمَّ أنَّهُ تابَ وأصْلَحَ حَتّى أنَّهُ بَكى، وقالَ مُعْتَذِرًا: ما أرَدْتُ إلّا خَيْرًا. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَنُزُولُها في حَقِّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُرادَ المُجِيبِ أنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ عامًّا وخِطابَ (مِنكُمْ) لِمَن كانَ في تِلْكَ المُشاوَرَةِ والعامِلَ لِذَلِكَ مِنهم عَمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا إشْكالَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ بِناءَ الجَوابِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَيْسَ مِنَ المَتانَةِ بِمَكانٍ إذْ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ تِلْكَ الرِّوايَةَ. فَلَعَلَّ الأوْلى في الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ في الآيَةِ إنَّما هو المَغْفِرَةُ الواجِبَةُ حَسَبَ وُجُوبِ الرَّحْمَةِ في صَدْرِ الآيَةِ. ولا يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ المَغْفِرَةِ بِهِ. فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ مَثَلًا إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فافْهَمْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ
الأنعام 6:55
﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ﴾ أيْ دائِمًا ﴿الآياتِ﴾ أيِ القُرْآنِيَّةَ في صِفَةِ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الإجْرامِ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ، والتَّشْبِيهُ هُنا مِثْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾
55
- بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ بِناءً عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ وهو عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيلُهُ بِها بِخُصُوصِها، وإنَّما قُصِدَ الإشْعارُ بِأنَّ لَهُ فَوائِدَ جَمَّةً مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أيْ ولِتَتَبَيَّنَ سَبِيلُهم نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ ولِتَسْتَوْضِحَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ فَتُعامِلَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ السَّبِيلِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ لِلْمُذَكَّرِ. وتَأْنِيثِ السَّبِيلِ وتَذْكِيرِهِ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ
* * *
هَذا ”ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ“ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ السَّماعِ هُمُ الأحْياءُ وهم أهْلُ الخِطابِ والجَوابِ؛ وأخْبَرَ أنَّ الآخَرِينَ هُمُ الأمْواتُ، وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ إلّا مَن فَتَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَمْعَ قَلْبِهِ بِالهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ووَهَبَ لَهُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ بِصَفاءِ الِاسْتِعْدادِ ونُورِ الفِطْرَةِ لا مَوْتى الجَهْلِ الَّذِينَ ماتَتْ غَرائِزُهم بِالجَهْلِ المُرَكَّبِ أوْ بِالحُجُبِ الجِبِلِّيَّةِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ بِحَسْبَ الفِطْرَةِ فَإنَّهم قَدْ صُمُّوا عَنِ السَّماعِ ولا يُمْكِنُهم ذَلِكَ بَلْ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ مَعَ احْتِجابِهِمْ، وقِيلَ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى أهْلِ الصَّحْوِ وأهْلِ المَحْوِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ حَيْثُ
صفحة 166
فُطِرُوا عَلى التَّوْحِيدِ وجُبِلُوا عَلى المَعْرِفَةِ ولَهم مَشارِبُ مِن بَحْرِ خِطابِ اللَّهِ تَعالى وأفْنانٌ مِن أشْجارِ رِياضِ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ وحَنِينٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وتَغْرِيدٌ بِاسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ، قِيلَ: إنَّ سَمْنُونَ المُحِبَّ كانَ إذا تَكَلَّمَ في المَحَبَّةِ يَسْقُطُ الطَّيْرُ مِنَ الهَواءِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الضَّبَّ بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَهِدَ بِرِسالَتِهِ أنْشَأ يَقُولُ:
ألّا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ صادِقٌ فَبُورِكْتَ مَهْدِيًّا وبُورِكْتَ هادِيًا
وبُورِكْتَ في الآزالِ حَيًّا ومَيِّتًا ∗∗∗ وبُورِكْتَ مَوْلُودًا وبُورِكْتَ ناشِيًا.
وإنَّ فِيهِمْ أيْضًا المُحْتَجِبِينَ ومُرْتَكِبِي الرَّذائِلِ وغَيْرَ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ مُفَصَّلًا ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ﴾ أيْ كِتابِ أعْمالِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِغَواشِي صِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿بِآياتِنا﴾ وهي تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿صُمٌّ﴾ فَلا يَسْمَعُونَ بِآذانِ القُلُوبِ ﴿وبُكْمٌ﴾ فَلا يَنْطِقُونَ بِألْسِنَةِ العُقُولِ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وهي ظُلُماتُ الطَّبِيعَةِ وغَياهِبُ الجَهْلِ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ بِإسْبالِ حُجُبِ جَلالِهِ ﴿ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِإشْراقِ سُبُحاتِ جَمالِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ مِنَ المَرَضِ وسائِرِ أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لِكَشْفِ ما يَنالُكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ لِكَشْفِ ذَلِكَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَرْجِعُ الخَواصِّ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ مِن أوَّلِ البِدايَةِ؛ ومَرْجِعُ العَوامِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ اليَأْسِ مِنَ الخَلْقِ، وكانَ هَذا في وقْتِ هَذا العارِفِ. وأمّا في وقْتِنا فَنَرى العامَّةَ إذا ضاقَ بِهِمُ الخِناقُ تَرَكُوا دُعاءَ المَلِكِ الخَلّاقِ ودَعَوْا سُكّانَ الثَّرى ومَن لا يَسْمَعُ ولا يَرى
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ لِيُطِيعُوا ويَبْرُزُوا مِنَ الحِجابِ ويَنْقادُوا مُتَضَرِّعِينَ عَنْ تَجَلِّي صِفَةِ القَهْرِ ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ ما تَضَرَّعُوا لِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ بِكَثافَةِ الحِجابِ وغَلَبَةِ غَشْيِ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا، وأصْلُ كُلِّ ذَلِكَ سُوءُ الِاسْتِعْدادِ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فَلَمْ تَسْمَعُوا خِطابَهُ ﴿وأبْصارَكُمْ﴾ فَلَمْ تُشاهِدُوا عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وأسْرارَ صَنْعَتِهِ ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ سِواهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَلى فَتْحِ بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ؟ كَلّا بَلْ هو القادِرُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ مَقْدُوراتِهِ ﴿ولا أعْلَمُ﴾ أيْ مِن حَيْثُ أنا أيْضًا ﴿الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ رُوحٌ مُجَرَّدٌ لا أحْتاجُ إلى طَعامٍ ولا شَرابٍ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ ﴿إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولَهُ ﷺ مُقامُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ . و﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ ولَيْسَ لِطَيْرِ العَقْلِ طَيَرانٌ في ذَلِكَ الجَوِّ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى﴾ عَنْ نُورِ اللَّهِ تَعالى وإحاطَتِهِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وظُهُورِهِ بِما شاءَ حَسَبَ الحِكْمَةِ وعَدَمِ تَقَيُّدِهِ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَظاهِرِ ﴿والبَصِيرُ﴾ بِذَلِكَ فَيَتَكَلَّمُ في كُلِّ مَقامٍ بِمَقالِ ﴿ولا تَطْرُدِ﴾ أيْ لِأجْلِ التَّرْبِيَةِ والتَّهْذِيبِ والِامْتِحانِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الَّذِي أوْصَلَهم حَيْثُ أوْصَلَهم مِن مَعارِجِ الكَمالِ ﴿بِالغَداةِ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي الجِمالِ ﴿والعَشِيِّ﴾ أيْ وقْتِ تَجَلِّي العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أيْ يُرِيدُونَهُ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ويَطْلُبُونَ تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِقُلُوبِهِمْ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ حِسابِ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَوَلّى حِفْظَ قُلُوبِهِمْ وأمْطَرَ عَلَيْها سَحائِبَ عِنايَتِهِ فاهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ
صفحة 167
عَلى سابِقِهِ أُتِيَ بِهِ لِلْمُبالِغَةِ عَلى ما مَرَّ في العِبارَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لا تَطْرُدِ السّالِكِينَ لِأجْلِ المَحْجُوبِينَ فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِ السّالِكِينَ أوِ المَحْجُوبِينَ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ يُعْرَفُ بِأدْنى التِفاتٍ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عَنِ الجُلُوسِ مَعَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَهم بِنَقْصِ حُقُوقِهِمْ وعَدَمِ القِيامِ بِرِعايَةِ شَأْنِهِمْ. ومِنَ المُؤَوِّلِينَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الوَحْدَةِ أيْ لا تَزْجُرُ الواصِلِينَ الكامِلِينَ ولا تُنْذِرُهم فَإنَّ الإنْذارَ كَما لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهم لا يَنْجَعُ في الَّذِينَ طاشُوا وتَلاشَوْا في اللَّهِ تَعالى وهُمُ الَّذِينَ يَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ دائِمًا بِحُضُورِ القَلْبِ وعَدَمِ مُشاهَدَةِ شَيْءٍ سِواهُ حَتّى ذَواتِهِمْ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ﴾ فِيما يَعْمَلُونَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا يَخُوضُونَ في أُمُورِ دَعْوَتِكَ بِنَصْرٍ وإعانَةٍ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ عَمَّنْ سِواهُ ودَوامِ حُضُورِهِمْ مَعَهُ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن دَوامِ الحُضُورِ بِدَعْوَتِكَ لَهم لِشُغْلِ دِينِيٍّ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِتَشْوِيشِكَ عَلَيْهِمْ أوْقاتَهم. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ﴾ أيِ النّاسَ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهْمُ العارِفُونَ ﴿لِيَقُولُوا﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ مُشِيرِينَ إلى العارِفِينَ مُسْتَحْقِرِينَ لَهم حَيْثُ لَمْ يَرَوْا مِنهم سِوى حالِهِمْ في الظّاهِرِ وفَقْرَهُمْ، ولَمْ يَرَوْا قَدْرَهم ومَرْتَبَتَهم وحُسْنَ حالِهِمْ في الباطِنِ؛ وغَرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ المالِ والجاهِ والتَّنَعُّمِ وخَفْضِ العَيْشِ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ ﴿مِن بَيْنِنا﴾ أرادُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَشْكُرُونَهُ حَقَّ شُكْرِهِ فَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِعَظِيمِ جَوْدِهِ ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ أيْ بِواسِطَتِها ﴿فَقُلْ﴾ لَهم أنْتَ أيُّها الوَسِيلَةُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا لِأنَّهم في مَقامِ الوَسائِطِ ولَوْ بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ أهْلِ المُشاهَدَةِ لِمَنَحَهم سُبْحانَهُ بِسَلامِهِ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ
وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا جاءَكَ﴾ إلَخْ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ وما سِواهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُؤْمِنُ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ أنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ وكالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ. ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ. وهَذا شَرْحٌ إجْمالِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ. ثُمَّأنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً بِحُصُولِ السَّلامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بِشارَةٌ بِحُصُولِ الكَرامَةِ عُقَيْبَ تِلْكَ السَّلامَةِ. أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخافاتِ ومَوْضِعِ التَّغَيُّراتِ والتَّبَدُّلاتِ، وأمّا الكَرامَةُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ القُدْسِيّاتِ والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ، انْتَهى.
وقالَ آخَرُ: الإشارَةُ إلى نَوْعٍ مِنَ السّالِكِينَ أيْ إذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا بِمَحْوِ صِفاتِهِمْ في صِفاتِنا ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ لِتَنَزُّهِكم عَنْ عُيُوبِ صِفاتِكم وتَجَرُّدِكم عَنْ مَلابِسِها ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ ألْزَمْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ رَحْمَةً إبْدالِ صِفاتِكم بِصِفاتِهِ لَكم لِأنَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ خَلَفًا عَنْ كُلِّ ما فاتَ ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ أيْ ظَهَرَ عَلَيْهِ في تَلْوِينِهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ بِغَيْبَةٍ أوْ غَفْلَةٍ ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الصِّفَةِ بِأنْ رَجَعَ عَنْ تَلْوِينِهِ وفاءً إلى الحُضُورِ ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ ما ظَهَرَ مِنهُ بِالخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ
صفحة 168
سُبْحانَهُ والرِّياضَةِ ﴿فَأنَّهُ﴾ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿غَفُورٌ﴾ يَسْتُرُها عَنْهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَرْحَمُهُ بِهِبَةِ التَّمْكِينِ ونِعْمَةِ الِاسْتِقامَةِ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ نُبَيِّنُ لَكَ صِفاتِنا ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِصِفاتِهِمُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ لِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
الأنعام 6:56
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِالرُّجُوعِ إلى خِطابِ المُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ إثْرَ ما أمَرَ بِمُعامَلَةِ مَن عَداهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ أيْ: قُلْ لَهم قَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ رُكُونِكَ إلَيْهِمْ وبَيانًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ هَوًى مَحْضًا وضَلالًا صِرْفًا؛ إنِّي صُرِفْتُ ومُنِعْتُ بِالأدِلَّةِ الحَقّانِيَّةِ والآياتِ القُرْآنِيَّةِ ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم أوْ تُسَمُّونَهم آلِهَةً ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سَواءً كانُوا ذَوِي عُقُولٍ أمْ لا
وقَدْ يُقالُ المُرادُ بِهِمُ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ جَرْيًا عَلى زَعْمِهِمْ ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ اعْتِناءٌ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وإيذانًا بِاخْتِلافِ القَوْلَيْنِ مِن حَيْثُ أنَّ الأوَّلَ حِكايَةٌ لِما مَرَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِنَ النَّهْيِ، والثّانِي لِما مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنْ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ. وفي هَذا القَوْلِ اسْتِجْهالٌ لَهم وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّهم فِيما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى تابِعُونَ لِأهْواءٍ باطِلَةٍ ولَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الدِّينُ أصْلًا وإشْعارٌ بِما يُوجِبُ النَّهْيَ والِانْتِهاءَ. وفِيهِ -كَما قِيلَ- إشارَةٌ إلى عَدَمِ كِفايَةِ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ، وقِيلَ وهو في غايَةِ البُعْدِ: إنَّ المُرادَ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم في طَرْدِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ. وهو اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِانْتِهائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ مُقَرِّرٌ لِكَوْنِهِ غايَةَ الضَّلالِ
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (ضَلِلْتُ) بِكَسْرِ اللّامِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والفَتْحُ -كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ- هو الغالِبُ
﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾
65
- عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى الاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ أيْ دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ؛ لا نَفْيَ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، والمُرادُ -كَما قِيلَ- وما أنا إذًا في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المَقُولَ لَهم كَذَلِكَ.
الأنعام 6:57
﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ تَبْيِينٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبَيانٌ لِاتِّباعِهِ إيّاهُ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ الَّذِي فِيهِ الكَفَرَةُ، وبَيانُ عَدَمِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ في وقْتِ مِنَ الأوْقاتِ. والبَيِّنَةُ -كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ مِن بانَ يَبِينُ إذا ظَهَرَ أوِ الحُجَّةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ عَلى أنَّها مِنَ البَيْنُونَةِ أيِ الِانْفِصالُ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ -كَما قالَ الجَبائِيُّ- وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ إنِّي عَلى يَقِينٍ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها النُّبُوَّةُ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَتَفْسِيرِها بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ أوْ ما يَعُمُّها، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أنَّ ”بَيِّنَةٍ“ جَلِيلَةُ الشَّأْنَ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ. ووَصَفَها بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْوِينُ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) اتِّصالِيَّةً، وفي الكَلامِ مُضافٌ أيْ: بَيِّنَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّي، وقِيلَ: هي أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ ويُقَدَّرُ المُضافُ أيْضًا أيْ كائِنٌ عَلى بَيِّنَةٍ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ رَبِّي والأوَّلُ أظْهَرُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَنزِلَةَ ما لا يَخْفى
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- جُمْلَةٌ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ في المَشْهُورِ جِيءَ
صفحة 169
بِها لِاسْتِقْباحِ مَضْمُونِها واسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مَعَ تَحَقُّقُ ما يَقْتَضِي عَدَمَهُ أوْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُمْ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها بِمَعْنى البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِرَبِّي عَلى مَعْنى إنِّي صَدَّقْتُ بِهِ ووَحَّدْتُهُ وأنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِهِ وأشْرَكْتُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ وهو عَدَمُ مَجِيءِ ما وعَدَ فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أوِ الإلْزامِ بِزَعْمِهِمْ (مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشَّرَكِ والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ فَقالَ لَهم: ﴿ما عِنْدِي﴾ إلَخْ، وكَأنَّ الكَلامَ مُبَيِّنٌ أيْضًا لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى نَهْيِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْهُ والإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ بِسَبَبِهِ أيْ لَيْسَ عِنْدِي ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ بِهِ وتَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ أوْ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى النَّهْيِ عَنْهُ والوَعِيدِ عَلَيْهِ في حُكْمِي وقُدْرَتِي حَتّى أجِيءَ بِهِ أيْ لَيْسَ أمْرُهُ مُفَوَّضًا إلَيَّ (إنِ الحُكْمُ) أيْ ما الحُكْمُ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ دَخَلٌ ما فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ
واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ في مُتَعَلِّقِ الحُكْمِ أيْ ما الحُكْمُ في ذَلِكَ تَأْخِيرًا أوْ تَعْجِيلًا أوْ ما الحُكْمُ في جَمِيعِ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (إنِ الحُكْمُ) إلَخْ، التَّأسُّفُ عَلى وُقُوعِ خِلافِ المَطْلُوبِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ اسْتِعْمالِهِ وهو عَلى التَّأْخِيرِ فَقَطْ (يَقُصُّ) أيْ يَتْبَعُ الحَقَّ والحِكْمَةَ فِيما يَحْكُمُ بِهِ ويُقَدِّرُهُ كائِنًا ما كانَ أوْ يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا مِن قَصِّ الأثَرِ أوِ الخَبَرِ وهو مِن قَبِيلِ التَّكْمِيلِ لِلْخاصِّ عَلى ما اخْتَرْناهُ بِإرْدافِهِ بِأمْرٍ عامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ (يَقْضِي) مِنَ القَضاءِ وحُذِفَتِ الياءُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ لا بِنَفْسِهِ فَنَصَبَ (الحَقَّ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ أيْ يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و(يَقْضِي) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى يُنْفِذُ أوْ هو مُتَعَدٍّ مِن قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها أيْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ كَقَوْلِ الهُذَلِيِّ: مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. وفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، واحْتَجَّ مُجاهِدٌ لِلْقِراءَةِ الأوْلى بِعَدَمِ الياءِ المُحْتاجِ إلَيْها في الثّانِيَةِ وقَدْ عَلِمْتَ فَسادَهُ
واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِلثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾
75
- فَإنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ في القَضاءِ لا في القِصَصِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ في الآيَةِ لَقِيلَ: خَيْرُ القاصِّينَ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ القَصَصَ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ وقَدْ جاءَ الفَصْلُ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ﴾ عَلى أنَّكَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ إلى أنَّ القَصَّ هُنا قَدْ يُؤَوَّلُ بِلا تَكَلُّفٍ وبُعْدٍ إلى مَعْنى القَضاءِ. وفِيِ إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ أصْلَ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ يَمْنَعُ الباطِلَ عَنْ مُعارَضَةِ الحَقِّ أوِ الخَصْمَ عَنِ التَّعَدِّي إلى صاحِبِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشِيرٌ إلى أنَّ قَصَّ الحَقِّ هَهُنا
صفحة 170
بِطَرِيقٍ خاصٍّ هو الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فافْهَمْ
واحْتَجَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ إلَخْ لِإفادَتِهِ الحَصْرَ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ وحَكَمَ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (يَقْضِي الحَقَّ) مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَقْضِي بِهِ فَهو الحَقُّ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ والمَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
الأنعام 6:58
﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم إثْرَ اسْتِعْجالِكم. وفي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ الَّذِي هو اللَّهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وتَهْوِيلِ الأمْرِ ومُراعاةِ حَسَنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: المَعْنى لَوْ كانَ ذَلِكَ في مُكْنَتِي لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي عَزَّ وجَلَّ وامْتِعاضًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ ولَتَخَلَّصْتُ مِنكم سَرِيعًا، ولا يُساعِدُهُ المَقامُ، ومِثْلُهُ حَمَلَ (ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) عَلى الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وقَضاءَ الأمْرِ عَلى قِيامِ السّاعَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِحالِهِمْ وبِأنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإمْهالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ لِتَشْدِيدِ العَذابِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفَوِّضِ الأمْرَ إلَيَّ ولَمْ يَقْضِ بِتَعْجِيلِ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الامْتِناعِيَّةُ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِ أمْرِ العَذابِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَتْبَعِ لِانْتِفاءِ قَضاءِ الأمْرِ وتَعْلِيلٌ لَهُ
وقِيلَ: هي في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ قَدَرْتُ أهْلَكْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يُهْلِكُ مِن غَيْرِهِ ولَهُ حِكْمَةٌ في عَدَمِ التَّمْكِينِ مِنهُ، وأيًّا ما كانَ فَلا حاجَةَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ وقْتَ عُقُوبَةِ الظّالِمِينَ، وهو كَما تَرى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ
الأنعام 6:59
﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ أيْ مَفاتِيحُهُ كَما قُرِئَ بِهِ؛ فَهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو كَمِفْتاحٍ آلَةِ الفَتْحِ، وقِيلَ: أنَّهُ جَمْعُ مِفْتاحٍ كَما قِيلَ في جَمْعِ مِحْرابٍ مَحارِبَ، والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الغَيْبَ بِالأشْياءِ المُسْتَوْثَقِ مِنها بِالأقْفالِ. وأثْبَتَ لَهُ المَفاتِيحَ تَخْيِيلًا وهي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وجَعْلُها بِمَعْنى العِلْمِ قَرِينَةَ المُكْنِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً؛ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ تَكَلُّفُ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنْ يَعْتَبِرَ هُناكَ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً تَحْقِيقِيَّةً بِأنْ يُسْتَعارَ العِلْمُ لِلْمَفاتِحِ وتُجْعَلَ القَرِينَةُ الإضافَةَ إلى الغَيْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ: الخَزائِنُ فَهي حِينَئِذٍ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو المَخْزَنُ
وجَوَّزَ الواحِدِيُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفَتْحِ ولَيْسَ بِالمُتَبادِرِ. وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيِلِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ. والمُرادُ بِالغَيْبِ المُغَيَّباتُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ، والمَقْصُودُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو العالِمُ بِالمُغَيَّباتِ جَمِيعِها كَما هي ابْتِداءٌ، ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿مَفاتِحُ﴾، والعامِلُ فِيها -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ أوْ نَفْسُهُ إنْ رُفِعْتَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والكَلامُ إمّا مَسُوقٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِ المَقْدُوراتِ الغَيْبِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ العِلْمِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ كُلِّها بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ القُدْرَةِ، والمَعْنى إنَّ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِي حَتّى أُلْزِمَكم بِتَعْجِيلِهِ ولا
صفحة 171
مَعْلُومًا لَدَيَّ حَتّى أُخْبِرَكم بِوَقْتِ نُزُولِهِ؛ بَلْ هو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قُدْرَةً وعِلْمًا فَيُنْزِلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ، وإمّا لِإثْباتِ العِلْمِ العامِّ لَهُ سُبْحانَهُ وهو عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ الخاصِّ وهو عِلْمُهُ بِالظّالِمِينَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَفاتِحِ الخَزائِنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ وتَلا ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ أوْلى، وما في الأخْبارِ يُحْمَلُ عَلى بَيانِ البَعْضِ المُهِمِّ لا عَلى دَعْوى الحَصْرِ إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّ ما عَدا الخَمْسِ مِنَ المُغَيَّباتِ لا يَعْلَمُهُ أيْضًا إلّا اللَّهُ تَعالى
﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ﴾ إلَخْ أوْ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها تَأْكِيدًا فَقَدْ مَنَعَهُ البَعْضُ لِأنَّ المَعْطُوفَ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ ولَوْ كانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُغَيَّباتِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ والِاخْتِصاصِ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ مُتَغايِرانِ فَلا يُؤَكِّدُ أحَدُهُما الآخَرَ، نَعَمْ قِيلَ: مَن لَمْ يَجْعَلْها مُؤَكِّدَةً جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْها فَيَكُونُ الجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ لِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وشُمُولِهِ لا غَيْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ مُؤَكِّدًا لِاشْتِمالِهِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ لِأنَّ لَيْسَ تَوْكِيدًا اصْطِلاحِيًّا، والمُرادُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- بَيانُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُشاهَداتِ إثْرَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِالمُغَيَّباتِ تَكْمِلَةً لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سَواءٌ، والمُرادُ مِنَ (البَرِّ) الصَّحْراءُ، ومِنَ (البَحْرِ) خِلافُهُ، وفي القامُوسِ أنَّهُ الماءُ الكَثِيرُ أوِ المِلْحُ فَقَطْ ويُجْمَعُ وجَمْعُهُ أبْحُرٍ وبُحُورٍ وبِحارٍ وتَصْغِيرُهُ أُبَيْحِرٌ لا بُحَيْرٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالبَرِّ القِفارُ وبِالبَحْرِ كُلُّ قَرْيَةٍ فِيها ماءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مُفَصَّلَةً عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وتَكَثُّرِ أفْرادِها
﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ أيْ وما تَسْقُطُ ورَقَةٌ مِن أيِّ شَجَرَةٍ كانَتْ إلّا عالِمًا بِها، فَـ (مِن) زائِدَةٌ في الفاعِلِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، وجاءَتِ الحالُ مِنَ النَّكِرَةِ لِاعْتِمادِها عَلى النَّفْيِ، والتَّفْرِيغُ في الحالِ شائِعٌ سائِغٌ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِلنَّكِرَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ كَما قِيلَ لِبَيانِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ المُشاهَداتِ المُتَغَيِّرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِذَواتِها فَإنَّ تَخْصِيصَ حالِ السُّقُوطِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الإكْفاءِ بِذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ كَما أنَّ ذِكْرَ أحْوالِ الوَرَقَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها خاصَّةً دُونَ أحْوالِ سائِرِ ما في البَرِّ والبَحْرِ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّها أنَمُوذَجٌ لِأحْوالِ سائِرِها، قِيلَ: ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِحالِ السُّقُوطِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِغَيْرِها مِنَ الأحْوالِ لِشِدَّةِ مُلاءَمَتِها لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آيَةِ التَّوَفِّي، ولِأنَّ التَّغْيِيرَ فِيها أظْهَرُ فَهو أوْفَقُ بِما سِيقَتْ لَهُ الآيَةُ، وقِيلَ: لِأنَّ العِلْمَ بِالسُّقُوطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الأحْوالِ السّاقِطَةِ الَّتِي يُغْفَلُ عَنْها يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ المُعْتَنى بِها فَتَدَبَّرْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَتَغَيَّرُ ورَقَةٌ مِن حالٍ إلى حالٍ إلّا يَعْلَمُها ﴿ولا حَبَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ورَقَةٍ﴾
صفحة 172
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ﴿حَبَّةٍ﴾ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ ظُهُورِ عِلْمِهِ تَعالى، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ الأرْضِ بُطُونُها وكَنّى بِالظُّلْمَةِ عَنِ البَطْنِ لِأنَّهُ لا يُدْرَكُ فِيهِ كَما لا يُدْرَكُ في الظُّلْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ ظُلُماتُ الأرْضِ ما تَحْتَ الصَّخْرَةِ في أسْفَلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ أوْ تَحْتَ حَجَرٍ أوْ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ورَقَةٍ﴾ أيْضًا داخِلٌ مَعَها في حُكْمِها، والمُرادُ بِالرَّطْبِ واليابِسِ رَطْبٌ ويابِسٌ مِن شَأْنِهِما السُّقُوطُ كالثِّمارِ مَثَلًا لِاقْتِضاءِ العَطْفِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
95
- كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ إلّا يَعْلَمُها لِأنَّ مَعْناها واحِدٌ في المَآلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُهُ تَعالى أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو مَحَلُّ مَعْلُوماتِهِ سُبْحانَهُ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأرادَ كَما قالَ السَّعْدُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَهو صِفَةٌ لِلْمَذْكُوراتِ كَما أنَّ ﴿إلا يَعْلَمُها﴾ صِفَةٌ لِوَرَقَةٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّ صِفَةَ شَيْءٍ كَيْفَ تَكُونُ تَكْرِيرًا لِصِفَةِ شَيْءٍ آخَرَ مَعْنًى وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ الوَرَقَةَ داخِلَةٌ في الرُّطَبِ واليابِسِ فَلا تَغايُرَ بِحَسْبِ المَعْنى فَيَصِحُّ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الكِتابُ بِالعِلْمِ وبَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ فُسِّرَ بِاللَّوْحِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقُرِئَ ولا حَبَّةٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ بِالرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ورَقَةٍ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ بِالأخِيرَيْنِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ﴿إلا في كِتابٍ﴾، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِشُمُولِ الرَّطْبِ واليابِسِ حِينَئِذٍ لِما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السُّقُوطُ، وقَدْ جَعَلَهُما غَيْرُ واحِدٍ شامِلَيْنِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ لِأنَّ الأجْسامَ كُلَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ رَطْبَةً أوْ يابِسَةً ويَدْخُلَ في ذَلِكَ الحارِّ والبارِدِ، والمُرادُ مِن كُلٍّ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ لا مُصْطَلَحَ الأطِبّاءِ كَما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالرَّطْبِ ما يَنْبُتُ واليابِسِ ما لا يَنْبُتُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ الماءُ والثّانِيَ الثَّرى، ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ما يُفِيدُ العُمُومُ ولَعَلَّهُ الأوْلى بِالقَبُولِ، وقِيلَ: الرَّطْبُ الحَيُّ واليابِسُ المَيِّتُ
ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الوَرَقَةُ السِّقْطُ والحَبَّةُ الوَلَدُ وظُلُماتُ الأرْضِ والرُّطَبُ ما يَحْيى واليابِسُ ما يَغِيضُ، وأنا أجِلُّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، ومِثْلُهُ في عَدَمِ التَّبادُرِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى شَجَرَةً تَحْتَ العَرْشِ لَيْسَ مَخْلُوقٌ إلّا لَهُ فِيها ورَقَةٌ فَإذا سَقَطَتْ ورَقَتُهُ خَرَجَتْ رُوحُهُ مِن جَسَدِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الكِتابِ بِاللَّوْحِ هو الَّذِي مَشى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الزَّجّاجُ فَقَدْ قالَ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ المَعْلُوماتِ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ مَقادِيرَ الخُلُقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ»، وفائِدَةُ ذَلِكَ أُمُورٌ: أحَدُها اعْتِبارُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوافِقاتُ المُحْدَثاتِ لِلْمَعْلُوماتِ الإلَهِيَّةِ، وثانِيهُما وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الحَسَنُ تَنْبِيهَ المُكَلَّفِينَ عَلى عَدَمِ إهْمالِ أحْوالِهِمُ المُشْتَمِلَةِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ الوَرَقَةَ والحَبَّةَ في الكِتابِ، وثالِثُها عَدَمُ تَغْيِيرِ المَوْجُوداتِ عَنِ التَّرْتِيبِ السّابِقِ في الكِتابِ، ولِذا جاءَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الكِتابُ يُسَمّى اللَّوْحَ المَحْفُوظَ لِحِفْظِهِ عَنِ التَّحْرِيفِ ووُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ أوْ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ بِناءً عَلى أنَّهُما إنَّما يَكُونانِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ دُونَهُ، والبَلْخِيُّ اخْتارَ
صفحة 173
أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ غَيْرُ مَنسِيٍّ ولا مَغْفُولٍ عَنْهُ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: ما تَصْنَعُهُ مَسْطُورٌ مَكْتُوبٌ عِنْدِي فَإنَّهُ إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ حافِظٌ لَهُ يُرِيدُ مُكافَأتَهُ عَلَيْهِ وأنْشُدُ لِذَلِكَ:
إنَّ لِسَلْمى عِنْدَنا دِيوانًا
وذَكَرَ الإمامُ هَهُنا ما سَمّاهُ دَقِيقَةً، وهو أنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ إلّا لِلْعُقَلاءِ الكامِلِينَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الإعْراضَ عَنْ قَضايا الحِسِّ والخَيالِ وألِفُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ وهم كالكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ مِن تِلْكَ القَضايا وحَيْثُ أُرِيدَ إيصالُها إلى كُلِّ عَقْلٍ لِأنَّ القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ، ذَكَرَ مِثالًا مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ تِلْكَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ المَعْقُولِ بِمُعاوَنَةِ هَذا المِثالِ المَحْسُوسِ مَفْهُومًا لِكُلِّ واحِدٍ فَذَكَرَ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ لِيَكْشِفَ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ عِظَةِ المَعْقُولِ وقِدَمِ ذِكْرِ البَرِّ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ شاهَدَ أحْوالَهُ وكَثْرَةَ ما فِيهِ
وأمّا البَحْرُ فَإحاطَةُ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ إلّا أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَ البِحارِ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ وما فِيها مِنَ الحَيْواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ فَإذا اسْتَحْضَرَ الخَيالُ مَعْلُوماتِ البَرِّ والبَحْرِ وعَرَفَ أنَّ مَجْمُوعَها حَقِيرٌ جَنْبِ ما دَخَلَ في دائِرَةِ عُمُومٍ، ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ يَصِيرُ ذَلِكَ مُقَوِّيًا ومُكَمِّلًا لِلْعَظَمَةِ الحاصِلَةِ تَحْتَ ذَلِكَ ثُمَّ كَشَفَ سُبْحانَهُ عَنْ عَظَمَةِ البَرِّ والبَحْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ يَسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والمَهالِكِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ كَمْ فِيها مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُ ورَقَةٍ إلّا والحَقُّ يَعْلَمُها ثُمَّ ذَكَرَ مِثالًا أشَدَّ هَيْبَةً وهو ﴿ولا حَبَّةٍ﴾ إلَخْ
وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّةَ تَكُونُ في غايَةِ الصِّغَرِ، وظُلُماتُ الأرْضِ يَخْفى فِيها أكْبَرُ الأجْسامِ وأعْظَمُها فَإذا سَمِعَ العاقِلُ أنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ المُلْقاةَ في ظُلُماتِ الأرْضِ عَلى اتِّساعِها وعَظَمَتِها لا تَخْرُجُ مَن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ انْتَبَهَ غايَةَ الِانْتِباهِ وفازَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ بِالحَظِّ الأوْفَرِ مِنَ المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الآيَةِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَوِيَ ذَلِكَ المَعْقُولُ المَحْضُ المُجَرَّدُ بِذِكْرِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ المَحْسُوسَةِ عادَ إلى ذِكْرِ تِلْكَ القَضِيَّةِ بِعِبارَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ﴾ فَإنَّهُ عَيَّنَ ما تَقَدَّمَ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في الآيَةِ فَلا تُغْفَلُ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ
ونُسِبَتِ المُخالَفَةُ فِيهِ لِلْفَلاسِفَةِ، والحَقُّ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِها بِوَجْهٍ جُزْئِيٍّ، وهو بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ وكَذا بَحْثُ عِلْمِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ الرَّسائِلُ وصارَ مُعْتَرَكَ أفْهامِ الأواخِرِ والأوائِلِ، وسُبْحانَ مَن لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ
الأنعام 6:60
﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ أيْ يُنِيمُكم فِيهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ إحْساسِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ: والباطِنَةِ أيْضًا، وأصْلُهُ قَبَضَ الشَّيْءَ بِتَمامِهِ، ويُقالُ: تَوَفَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَوْفَيْتُهُ بِمَعْنًى، ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ وعَمِلْتُمْ فِيهِ مِنَ الإثْمِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ فَإنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، ولِهَذا أُوثِرَ يَتَوَفّاكم عَلى يُنِيمُكم
صفحة 174
ونَحْوِهِ، و ﴿جَرَحْتُمْ﴾ عَلى كَسَبْتُمُ ادِّخالًا لِلْمُخاطَبِينَ الكَفَرَةِ في جِنْسِ جَوارِحِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الخِطابَ عامًّا، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ الجِنْسُ المُتَحَقِّقُ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِما، إدْ بِالتَّوَفِّي والبَعْثِ المَوْجُودِينَ فِيهِما مُتَحَقِّقُ قَضاءِ الأجَلِ المُسَمّى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِما، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى كَما أشَرْنا إلَيْهِ
والمُرادُ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ: عِلْمُهُ قَبْلَ الجَرْحِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَلى البَعْثِ أيْ يَعْلَمُ ما تَجْرَحُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ وتَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والجَرْحِ بِالنَّهارِ لِلْجَرْيِ عَلى السَّنَنِ المُعْتادِ وإلّا فَقَدَ يُعْكَسُ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ يُوقِظُكم في النَّهارِ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى أوْ مَجازٌ فِيهِ قَوْلانِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ إحْياءُ المَوْتى في الآخِرَةِ وجَعَلُوهُ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي وهو ظاهِرٌ جِدًّا عَلى المُتَبادِرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمُشَبَّهِ بِهِ، ويُقالُ غَيْرُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّرْشِيحِ اخْتِصاصُهُ بِالمُشَبَّهِ بِهِ بَلْ أنْ يَكُونَ أخَصَّ بِهِ بِوَجْهٍ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ
لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
والبَعْثُ في المَوْتى أقْوى لِأنَّ عَدَمَ الإحْساسِ فِيهِ كَذَلِكَ فَإزالَتُهُ أشُدُّ، وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا أنَّ التَّرْشِيحَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وتَوْسِيطُ (ويَعْلَمُ) إلَخْ بَيْنَهُما لِبَيانِ ما في بَعْثِكم مِن عَظِيمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَكْسِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ إبْقاءَهم عَلى التَّوَفِّي بَلْ إهْلاكَهم بِالمَرَّةِ يَفِيضُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحَياةَ ويُمْهِلُهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ التَّراخِي كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يَتَوَفّاكم في جِنْسِ اللَّيالِي ثُمَّ يَبْعَثُكم في جِنْسِ الأنْهُرِ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما تَرْتَكِبُونَ فِيها ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ فَرْدِ وهو أجَلُ بَقائِهِ في الدُّنْيا، وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (فِيهِ) جارِيًا مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ عائِدًا عَلى مَضْمُونِ كَوْنِهِمْ مُتَوَفَّيْنَ وكاسِبِينَ و(فِي) بِمَعْنى لامِ العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، والأجَلُ المُسَمّى هو الكَوْنُ في القُبُورِ أيْ ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ لِيُقْضى الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ سُبْحانَهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والجَبائِيُّ وغالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو عَرِيٌ عَنِ التَّكَلُّفِ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ
وزَعْمُ بَعْضِهِمْ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ دالٌّ عَلى حالِ اليَقَظَةِ وكَسْبِهِمْ فِيها، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تَقْتَضِي تَأْخِيرَ البَعْثِ عَنْها فَلِهَذا عَدَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما عَدَلَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ويَعْلَمُ) إلَخْ إشارَةٌ إلى ما كَسَبَ في النَّهارِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ اللَّيْلِ، والواوُ لِلْحالِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإيقاظِ مِن هَذا التَّوَفِّي وأنَّ الإيقاظَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّوَفِّي وأنَّ قَوْلَنا: يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّوَفِّي لِتُقْضى مُدَّةُ الحَياةِ المُقَدَّرَةِ؛ كَلامٌ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا أيْضًا مَعَ أنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا شُذُوذًا أوْ ضَرُورَةً في المَشْهُورِ، ووَجَّهُ سِنانُ التَّراخِيَ المُفادَ بِـ (ثُمَّ) بِأنَّ حَقِيقَةَ الإماتَةِ في اللَّيْلِ تَتَحَقَّقُ في أوَّلِهِ والإيقاظَ مُتَراخٍ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَتَراخَ عَنْ جَماعَتِهِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِتَوْسِيطِ ﴿ويَعْلَمُ﴾ إلَخْ بَيْنَهُما وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم ومَصِيرُكم بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
60
- بِالمُجازاةِ
صفحة 175
بِأعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ داوَمْتُمْ عَلى عَمَلِها في الدُّنْيا