Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الأنعام 6:61 – الأنعام 6:122

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الأنعام 6:61
  2. الأنعام 6:62
  3. الأنعام 6:63
  4. الأنعام 6:64
  5. الأنعام 6:65
  6. الأنعام 6:66
  7. الأنعام 6:67
  8. الأنعام 6:68
  9. الأنعام 6:69
  10. الأنعام 6:70
  11. الأنعام 6:71
  12. الأنعام 6:72
  13. الأنعام 6:73
  14. الأنعام 6:74
  15. الأنعام 6:75
  16. الأنعام 6:76
  17. الأنعام 6:77
  18. الأنعام 6:78
  19. الأنعام 6:79
  20. الأنعام 6:80
  21. الأنعام 6:81
  22. الأنعام 6:82
  23. الأنعام 6:83
  24. الأنعام 6:84
  25. الأنعام 6:85
  26. الأنعام 6:86
  27. الأنعام 6:87
  28. الأنعام 6:88
  29. الأنعام 6:89
  30. الأنعام 6:90
  31. الأنعام 6:91
  32. الأنعام 6:92
  33. الأنعام 6:93
  34. الأنعام 6:94
  35. الأنعام 6:95
  36. الأنعام 6:96
  37. الأنعام 6:97
  38. الأنعام 6:98
  39. الأنعام 6:99
  40. الأنعام 6:100
  41. الأنعام 6:101
  42. الأنعام 6:102
  43. الأنعام 6:103
  44. الأنعام 6:104
  45. الأنعام 6:105
  46. الأنعام 6:106
  47. الأنعام 6:107
  48. الأنعام 6:108
  49. الأنعام 6:109
  50. الأنعام 6:110
  51. الأنعام 6:111
  52. الأنعام 6:112
  53. الأنعام 6:113
  54. الأنعام 6:114
  55. الأنعام 6:115
  56. الأنعام 6:116
  57. الأنعام 6:117
  58. الأنعام 6:118
  59. الأنعام 6:119
  60. الأنعام 6:120
  61. الأنعام 6:121
  62. الأنعام 6:122

الأنعام 6:61

﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَحُولُ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ فِيها، و(فَوْقَ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَبْسُوطًا فِيما لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ أوِ المُعَقِّباتُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الصِّنْفَيْنِ، ويُقَدَّرُ المَحْفُوظُ الأعْمالَ والأنْفُسَ والأعَمَّ. وعَنْ قَتادَةَ: يَحْفَظُونَ العَمَلَ والرِّزْقَ والأجَلَ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ المَعْنى الأوَّلَ في الحَفَظَةِ، وهم عِنْدَ بَعْضٍ يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ وجاءَ في الأثَرِ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالتَّبَسُّمِ؛ والكَبِيرَةِ بِالضَّحِكِ و﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقالَ آخَرُونَ: لا يَكْتُبُونَ المُباحاتِ إذْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها شَيْءٌ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ؛ فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةِ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ لِتَنْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُما عَلى الكَتِفَيْنِ، وقِيلَ: عَلى الذَّقَنِ، وقِيلَ: في الفَمِ يَمِينِهِ ويَسارِهِ. واللّازِمُ الإيمانُ بِهِما دُونَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِما والبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ كِتابَتِهِما، وظَواهِرُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وأمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ كالإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا فَلَيْسَ في الظَّواهِرِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، والأخْبارُ بَعْضُها يَدُلُّ عَلى الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا هَمَّ العَبْدُ بِحَسَنَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً» فَإنَّ الهَمَّ مِن أعْمالِ القَلْبِ كالإيمانِ والكُفْرِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُجاءُ بِالأعْمالِ في صُحُفٍ مُحْكَمَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى اقْبَلُوا هَذا ورُدُّوا هَذا فَتَقُولُ المَلائِكَةُ وعَزَّتِكَ ما كَتَبْنا إلّا ما عَمِلَ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّ عَمَلَهُ كانَ لِغَيْرِي وإنِّي لا أقْبَلُ اليَوْمَ إلّا ما كانَ لِوَجْهِي»، وفي رِوايَةٍ مُرْسَلَةٍ لِابْنِ المُبارَكِ «إنَّ المَلائِكَةَ يَرْفَعُونَ أعْمالَ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيَسْتَكْثِرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ في عَمَلِهِ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ» الحَدِيثَ. والقائِلُ بِأنَّهم لا يَكْتُبُونَ إلّا الأعْمالَ الظّاهِرَةَ يَقُولُ: مَعْنى –كُتِبَتْ- في حَدِيثِ الهَمِّ بِالحَسَنَةِ ثَبَتَتْ عِنْدَنا وتَحَقَّقَتْ لا كُتِبَتْ في صُحُفِ المَلائِكَةِ والقائِلُ بِأنَّهم يَكْتُبُونَ الأعْمالَ القَلْبِيَّةَ يَقُولُ بِاسْتِثْناءِ الرِّياءِ فَيَكْتُبُونَ العَمَلَ دُونَهُ ويُخْفِيهِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِيُبْطِلَ سُبْحانَهُ عَمَلَ المُرائِي بَعْدَ كِتابَتِهِ إمّا في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا زِيادَةً في تَنْكِيلِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِ، ولَعَلَّ هَذا كَما يُفْعَلُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مَن رَدَّهُ إلى النّارِ بَعْدَ تَقْرِيبِهِ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ «أنَّهُ يُؤْمَرُ بِناسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنها واسْتَنْشَقُوا رِيحَها ونَظَرُوا قُصُورَها وإلى ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِمِثْلِها فَيَقُولُونَ: رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا مِن ثَوابِكَ وما أعْدَدْتَ فِيها لِأوْلِيائِكَ كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكم يا أشْقِياءُ صفحة 176 كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينَ تُراؤُونَ النّاسَ بِأعْمالِكم خِلافَ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكم هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي وتَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتَرُكُوا لِي فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ عَلى ما حُرِمْتُمْ مِنَ الثَّوابِ،» والكُلُّ ُعِنْدِي مُحْتَمَلٌ ولا قَطْعَ فَتَدَبَّرْ واخْتَلَفُوا في أنَّ الحَفَظَةَ هَلْ يَتَجَدَّدُونَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أمْ لا؟ فَقِيلَ: إنَّهم يَتَجَدَّدُونَ ومَلائِكَةُ اللَّيْلِ غَيْرُ مَلائِكَةِ النَّهارِ دائِمًا إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ يَذْهَبُونَ فَتَأْتِي مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إذا جاءَ اللَّيْلُ ذَهَبُوا ونَزَلَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ الأوَّلُونَ لا غَيْرُهم وهَكَذا، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ الحَسَناتِ يَتَجَدَّدُونَ دُونَ مَلائِكَةِ السَّيِّئاتِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى. واخْتُلِفَ في مَقَرِّهِمْ بَعْدَ مَوْتِ المُكَلَّفِ؛ فَقِيلَ: يَرْجِعُونَ مُطْلَقًا إلى مَعابِدِهِمْ في السَّماءِ، وقِيلَ: يَبْقَوْنَ حِذاءَ قَبْرِ المُؤْمِنِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يَقُومَ مِن قَبْرِهِ. وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ كاتِبَ الحَسَناتِ لا يَنْحَصِرُ في واحِدٍ لِحَدِيثِ " «رَأيْتُ كَذا وكَذا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكْتُبُها أوَّلُ» والحِكْمَةُ في هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُحْفَظُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنْ تَعاطِي المَعاصِي والقَبائِحِ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى سَتْرِهِ وعَفْوِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الإمامِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ في الكِتابَةِ أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلافِ وزْنِ الصَّحائِفِ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِوَزْنِ الصَّحائِفِ أنْفُسِها قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، هَذا (ويُرْسِلُ) إمّا مُسْتَأْنَفٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (القاهِرُ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي يَقْهَرُ، وعَطْفُهُ -كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ- عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ المُضارَعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كاحْتِمالِ جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (القاهِرُ) أوْ في الظَّرْفِ لِأنَّ الواوَ الحالِيَّةَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ، وتَقْدِيرُ المُبْتَدَإ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الشُّذُوذِ عَلى الصَّحِيحِ، ﴿وعَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُرْسِلُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿حَفَظَةً﴾ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ كائِنِينَ عَلَيْكُمْ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ وهو جَمْعُ حافِظٍ كَكَتَبَةٍ وكاتِبٍ و(حَتّى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ وهي مَعَ ذَلِكَ تَجْعَلُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ غايَةً لِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً يَحْفَظُونَ ما يَحْفَظُونَ مِنكم مُدَّةَ حَياتِكم حَتّى إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ أحَدِكم وجاءَ أسْبابُ المَوْتِ ومَبادِيهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ الآخَرُونَ المُفَوَّضُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ وانْتَهى هُناكَ حِفْظُ الحَفَظَةِ، والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجْناهُ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَهُ رُسُلٌ يُباشِرُونَ قَبْضَ الأرْواحِ ثُمَّ يَدْفَعُونَها إلى مَلَكِ المَوْتِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الَّذِي يَلِي ذَلِكَ ثُمَّ يَدْفَعُ الرُّوحَ إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً إلى مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَتْ كافِرَةً إلى مَلائِكَةِ العَذابِ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُباشِرَ مَلَكُ المَوْتِ ولَهُ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المُباشِرِ والمُعاوِنِ مَعًا مَجازٌ كَما يُقالُ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ جاءَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى مَلَكِ المَوْتِ فَقَطْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُباشِرُ وإلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ الحَقِيقِيُّ. وقَدْ أشَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم قالَ: أنَّ المُتَوَفِّيَ تارَةً يَكُونُ صفحة 177 هُوَ اللَّهَ تَعالى بِلا واسِطَةٍ وتارَةً المَلَكُ وتارَةً الرُّسُلُ وغَيْرُهُ وذَلِكَ حَسَبَ اخْتِلافِ أحْوالِ المُتَوَفّى. وعَنِ الزَّجّاجِ وهو غَرِيبٌ أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ هُنا الحَفَظَةُ فَيَكُونُ المَعْنى: يُرْسِلُهم لِلْحِفْظِ في الحَياةِ والتَّوَفِّي عِنْدَ مَجِيءِ المَماتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ (تَوَفّاهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ. وقُرِئَ في الشَّواذِّ (تَتَوَفّاهُ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلُ ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾ 16 - بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ وقَرَأ الأعْرَجُ (يُفْرِطُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مَنَ الإفْراطِ. وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ وتَكُونُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ أيْ لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن (رُسُلُنا)، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ اعْتِنائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ.

الأنعام 6:62

﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ والضَّمِيرُ -كَما قِيلَ- لِلْكُلِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدٍ وهو السِّرُّ في مَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ آخِرًا لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الانْفِرادِ والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ فِيهِ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ومِنَ المُتَكَلِّمِ إلَيْها لِأنَّ الرَّدَّ يُناسِبُهُ الغَيْبَةُ بِلا شُبْهَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ حَقِيقَةً لِأنَّهم ما خَرَجُوا مِن قَبْضَةِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَقَلَ الإمامُ القَوْلَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ أيْ أنَّهم يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ، والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، المُرادُ ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ بَعْدَ البَعْثِ والحَشْرِ أوْ مِنَ البَرْزَخِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ العَرْضِ والسُّؤالِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي أُمُورَهم عَلى الِإطْلاقِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ لِأنَّ المَوْلى فِيهِ بِمَعْنى النّاصِرِ (الحَقِّ) أيِ العَدْلِ أوْ مُظْهِرِ الحَقِّ أوِ الصّادِقِ الوَعْدِ وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ الحَقَّ مُقابِلُ الباطِلِ وكُلَّ ما يُخْبَرُ عَنْهُ فَإمّا باطِلٌ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مِن وجْهٍ، فالمُمْتَنِعُ بِذاتِهِ هو الباطِلُ مُطْلَقًا والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، والمُمْكِنُ بِذاتِهِ الواجِبُ بِغَيْرِهِ حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مَن وجْهٍ، فَمِن حَيْثُ ذاتِهِ لا وُجُودَ لَهُ فَهو باطِلٌ ومِن جِهَةِ غَيْرِهِ مُسْتَفِيدٌ لِلْوُجُودِ فَهو حَقٌّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي مُفِيدَ الوُجُودِ، فَمَعْنى الحَقَّ المُطْلَقِ هو المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ بِذاتِهِ الَّذِي مِنهُ يُؤْخَذُ كُلُّ حَقِيقَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو مُرادُ القائِلِ إنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الباقِي الَّذِي لا فَناءَ لَهُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ لَفْظَ المَوْلى والوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ القُرْبِ وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ ويُطْلَقُ المَوْلى أيْضًا عَلى المُعَتَّقِ، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي“، وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبِيدِ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ وأيْضًا قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِهِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ انْتَهى، وهو كَما تَرى وادَّعى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ لِأنَّ صَرِيحَها يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَنْهُما بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مُطِيعًا لِقَضائِهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيهِ فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ أمّا المَوْتُ صفحة 178 فَنَصِيبُ البَدَنِ فَتَبْقى الحَياةُ نَصِيبَ الرُّوحِ، ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿رُدُّوا﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو الرُّوحُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هي وهو المَطْلُوبُ، وكَذا تُشْعِرُ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ أيِ الرَّدِّ الحَقِّ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ المُرادُ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ صُورَةً ومَعْنًى لا لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُكْمٌ وهو أخْذُ الثَّوابِ وهو يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الحَصْرِ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ 26 - يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِنَفْسِهِ في أسْرَعِ زَمانٍ وأقْصَرِهِ، ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا يَشْغَلَهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الكُلَّ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ بَلْ يَأْمُرُ سُبْحانَهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيُحاسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم واحِدًا مِنَ العِبادِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنَّما يُحاسِبُ المُؤْمِنِينَ بِنَفْسِهِ وأمّا الكُفّارُ فَتُحاسِبُهُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَهم لَتَكَلَّمَ مَعَهم وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِمْ: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِما يَنْفَعُهم فَإنَّ ظَواهِرَ الآياتِ ومِنها ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ تَدَلُّ عَلى تَكْلِيمِهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الحِسابِ مِمّا لا يُحِيطُ بِتَفْصِيلِها عُقُولُ البَشَرِ مِن طَرِيقِ الكُفْرِ أصْلًا، ولَيْسَ لَنا إلّا الإيمانُ بِهِ مَعَ تَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ وتَفْصِيلِها إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وادَّعى الفَلاسِفَةُ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها يُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ إنَّ الأفْعالَ الصّادِرَةَ مِنَ اليَدِ هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ وكَذَلِكَ الأفْعال الصّادِرَةِ مِنَ الرِّجِلِ فَتَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً عَلى الإنْسانِ بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ ذَلِكَ الصُّدُورُ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ بِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ في جَواهِرِ النَّفْسِ، وأمّا الحِسابُ فالمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِعْلامُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا كانَ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ الأعْمالِ أثَرٌ حَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ حَسَبَ حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها مُعارَضًا بِالبَعْضِ وبَعْدَ حُصُولِ المُعارَضَةِ يَبْقى في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الذَّمِيمِ فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ فَيُقْطَعُ فِيهِ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ فَعُبِّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وزَعَمَ مَن نَقَلَ عَنْهم أنَّهُ مِن تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، وأنا أقُولُ: راحَتْ مُشْرِقَةً ورُحْتَ مَغْرِبًا شَتّانَ بَيْنِ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ.

الأنعام 6:63

صفحة 179 ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ قُلْ لَهم تَقْرِيرًا بِانْحِطاطِ شُرَكائِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُهِيَّةِ، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَدائِدُهُما وأهْوالُهُما الَّتِي تُبْطِلُ الحَواسَّ وتُدْهِشُ العُقُولَ، والعَرَبُ كَما قالَ الزَّجّاجُ تَقُولُ لِلْيَوْمِ الَّذِي يُلْقى فِيهِ شِدَّةٌ يَوْمٌ مُظْلِمٌ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيْ أنَّهُ يَوْمٌ قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ في ظُلْمَتِهِ، وأُنْشِدَ: بَنِي أُسْدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ، ومِنَ الأمْثالِ القَدِيمَةِ رَأى الكَواكِبَ ظُهْرًا أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ أبْصَرَ النَّجْمَ نَهارًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: إنْ تُنَوِّلْهُ فَقَدْ تَمْنَعُهُ ∗∗∗ وتَرَيْهِ النَّجْمَ يَجْرِي بِالظُّهُرِ، وقِيلَ: المُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ البَحْرِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ البَرِّ بِالخَسْفِ فِيهِ وظُلْمَةُ البَحْرِ بِالغَرَقِ فِيهِ، والظُّلُماتُ عَلى الأوَّلِ كَما قِيلَ اسْتِعارَةٌ وعَلى الأخِيرَيْنِ حَقِيقَةً ومِنهم مَن جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الخَسْفِ والغَرَقِ، والكَلامُ في الكِنايَةِ مَعْلُومٌ، ومَن جَوَّزَ جَمْعَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَّرَ الظُّلُماتِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ والغَيْمِ والبَحْرِ والتِّيهِ والخَوْفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وسَهْلٌ (يُنْجِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ والمَعْنى واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (يُنَجِّيكُمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والضَّمِيرُ لِمَن أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِكم داعِينَ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِهِ مَدْعُوًّا مِن جِهَتِكم ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ إعْلانًا وإسْرارًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنِ فَنَصَبَها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: بِنَزْعِ الخافِضِ، والإعْلانُ والإسْرارُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ والقَلْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ خِفْيَةً بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كالأُسْوَةِ والإسْوَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَئِنْ أنْجانا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْضًا أيْ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا والكُوفِيُّونَ يَحْكُونَ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ كَتَدْعُونَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ والصَّحِيحُ التَّقْدِيرُ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿أنْجانا﴾ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ مُراعاةً لِتَدْعُونَهُ دُونَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ في حالَةِ الدُّعاءِ غَيْرَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ بِالتَّفْخِيمِ والباقُونَ بِالإمالَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما هم فِيها المُعَبَّرِ عَنْها بِالظُّلُماتِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ 36 - أيِ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ المُداوِمِينَ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ أوْ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها

الأنعام 6:64

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أيْ غَمٍّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ. والمُرادُ بِهِ إمّا ما يَعُمُّ ما تَقَدَّمَ، والتَّعْمِيمُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَثِيرٌ أوْ ما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ العَوارِضِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي لا تَتَناهى كالأمْراضِ والأسْقامِ، وأُمِرَ ﷺ بِالجَوابِ مَعَ كَوْنِهِ مِن وظائِفِهِمْ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ أوْ لِلْإهانَةِ لَهم مَعَ بِناءِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ 46 - عَلَيْهِ أيِ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ يُنْجِيكم مِمّا تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ ومِن غَيْرِهِ ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ما تُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ. ووَضَعَ (تُشْرِكُونَ) مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ الَّذِي هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِوَعْدِهِمُ السّابِقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 180 ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ 180 - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا إذِ التَّوْحِيدُ مَلاكُ الأمْرِ وأساسُ العِبادَةِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ بِأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يُنْجِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما أفادَهُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ أشْرَكُوا ولَمْ يَخُصُّوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ فَذَكَرَ الإشْراكَ في مَوْقِعِهِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لَيْسَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِكَمالِ البُعْدِ بَيْنَ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وعِصْيانِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِبْعادِ الشِّرْكِ نَفْسِهِ وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (يُنَجِّيكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ

الأنعام 6:65

﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿هُوَ القادِرُ﴾ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ﴾ أيْ يُرْسِلُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَذابًا﴾ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَبْعُوثِ مِمّا يَضُرُّهم ولِتَهْوِيلِ أمْرِ المُؤَخَّرِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إلْقائِهِمْ في المَهالِكِ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنَجِّي لَهم مِنها، وفِيهِ وعِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِالعَذابِ لِإشْراكِهِمُ المَذْكُورُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَذابًا عَظِيمًا ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ كالصَّيْحَةِ والحِجارَةِ والرِّيحِ وإرْسالِ السَّماءِ ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أيْ مِن جِهَةِ السِّفْلِ كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ والإغْراقِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (مِن فَوْقِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ أُمَرائِكم وأشْرافِكم و(ومِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِأئِمَّةِ السُّوءِ والثّانِي بِخَدَمِ السُّوءِ، والمُتَبادَرُ ما قَدَّمْنا وهو المَرْوِيُّ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَذابٍ. و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَلا مَنعَ لِما كانَ مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ أيْ يَخْلِطَ أمْرَكم عَلَيْكم فَفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ، وخَلْطُ أمْرِهِمْ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم مُخْتَلِفِي الأهْواءِ، وقِيلَ: المُرادُ اخْتِلاطُ النّاسِ في القِتالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَلا تَقْدِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ السِّلْمِيِّ: وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي وقُرِئَ (يُلْبِسَكُمْ) بِضَمِّ الياءِ وهو عَطْفٌ عَلى (يَبْعَثَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِيَعًا﴾ جَمْعُ شِيعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهم قَوْمٌ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ، نُصِبَ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حالًا أيْضًا أيْ مُخْتَلِفِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عُطِفَ عَلى (يَبْعَثَ) كَما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَلْبِسَ) وهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ أوْ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ. وقُرِئَ (نُذِيقَ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ والمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ. والبَعْضُ الأوَّلُ -عَلى ما قِيلَ- الكافِرُ والثّانِي المُؤْمِنُونَ فَفِيهِ حِينَئِذٍ وعْدٌ ووَعِيدٌ وقِيلَ: كِلا البَعْضَيْنِ مِنَ الكُفّارِ أيْ نُذِيقُ كُلًّا بَأْسَ الآخَرِ، وقِيلَ: البَعْضانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ﴾ إلَخْ هَذا لِلْمُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَسَنِ أنَّ هَذا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ويَقَعُ فِيهِمْ دُونَ الأوَّلِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ صفحة 181 الآيَةُ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأ فَسَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ولا يَلْبِسَ أُمَّتَهُ شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ كَما أذاقَ بَنِي إسْرائِيلَ فَهَبَطَ إلَيْهِ ﷺ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ سَألْتَ رَبَّكَ أرْبَعًا فَأعْطاكَ اثْنَتَيْنِ ومَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ؛ لَنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ مِن فَوْقِهِمْ ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ يَسْتَأْصِلُهم فَإنَّهُما عَذابانِ لِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتَجْمَعَتْ عَلى تَكْذِيبِ نَبِيِّها ورَدِّ كِتابِ رَبِّها ولَكِنَّهم يُلْبَسُونَ شِيَعًا ويُذِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ، وهَذانَ عَذابانِ لِأهْلِ الإقْرارِ بِالكُتُبِ والتَّصْدِيقِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ ثَوْبانَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ”إنَّ رَبِّي زَوى لِيَ الأرْضَ حَتّى رَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأعْطانِي الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها وإنِّي سَألْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أنَّهُ لا يُهْلِكُها بِسَنَةٍ عامَّةٍ فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً لَمْ يُرَدُّ إنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَها بِسَنَةٍ عامَّةٍ ولا أُظْهِرُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهم عامَّةً ولَوِ اجْتَمَعَ مَن بَيْنَ أقْطارِها حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم هو يُهْلِكُ بَعْضًا وبَعْضُهم هو يَسْبِي بَعْضًا»“ الحَدِيثَ وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَألْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأعْطانِي ثَلاثًا ومَنَعَنِي واحِدَةً سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَهم بِالسِّنِينَ كَما أُهْلِكَتِ الأُمَمُ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَّ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها» " والأخْبارُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ اللَّبْسِ والإذاقَةِ أمْرًا واحِدًا وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ، ومِن هُنا نَشَأ الِاخْتِلافُ السّابِقُ في العَطْفِ، وأيَّدَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى (يَلْبِسَ) لا عَلى (يَبْعَثَ) بِكَوْنِهِ بِالواوِ دُونَ أوْ.ولا يُعارِضُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الأوَّلَيْنِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا أنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ وكَذا ما أخْرَجَ الأوَّلُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُنَّ أرْبَعٌ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالوُقُوعِ وُقُوعٌ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وبِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وكَلامُ الحَسَنِ كالصَّرِيحِ في هَذا فافْهَمْ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُحَوِّلُها مِن نَوْعٍ إلى آخَرٍ مِن أنْواعِ الكَلامِ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى وتَقْرِيبًا إلى الفَهْمِ أوْ نُصَرِّفُها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ 56 - أيْ كَيْ يَعْلَمُوا جَلِيَّةَ الأمْرِ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وقالَ بَعْضُ الحَشْوِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ: إنَّها مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِما أنَّ في ذَلِكَ فَتْحَ بابِ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ المَذْمُومِ بِحُكْمِ الآيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى

الأنعام 6:66

﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِتَصْرِيفِ الآياتِ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والبَلْخِيُّ، وقِيلَ: هو لِلْعَذابِ واخْتارَهُ غالِبُ المُفَسِّرِينَ ﴿قَوْمُكَ﴾ أيْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: هم وسائِرُ العَرَبِ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ المُعانِدُونَ مِنهُمْ، وقِيلَ: صفحة 182 ولَعَلَّ إيرادَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يَقْضِي بِغايَةِ عُتُوُّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيِ الكِتابُ الصّادِقُ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ لا رَيْبَ فِيهِ أوِ المُتَحَقِّقُ الدَّلالَةِ أوِ الواقِعُ لا مَحالَةَ. والواوُ حالِيَّةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وقِيلَ: الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ وبَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ. وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ ونِهايَةِ قُبْحِها ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ 66 - أيْ بِمُوَكَّلٍ فُوِّضَ أمْرُكم إلَيَّ أحْفَظُ أعْمالَكم لِأُجازِيَكم بِها ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ ولَمْ آلُ جَهْدًا في الإنْذارِ واللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُجازِي؛ قالَ الحَسَنُ وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ إنِّي لَمْ أُومَرْ بِحَرْبِكم ومَنعِكم عَنِ التَّكْذِيبِ. وفي مَعْناهُ ما نُقِلَ عَنِ الجَبائِيِّ. والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ ولا بُعْدَ في ذَلِكَ عَلى المَعْنى الثّانِي

الأنعام 6:67

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ أيْ لِكُلٍّ يُنَبَّأُ بِهِ مِنَ الأنْباءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَذابُكم أوْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ مَجِيئِهِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ البَتَّةَ أوْ وقْتُ اسْتِقْرارِهِ بِوُقُوعِ مَدْلُولِهِ ولَيْسَ مَصْدَرًا مِيمِيًا وسَوْفَ تَعْلَمُونَ 76 - أيْ حال نَبَئِكم في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيها مَعًا وسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ

الأنعام 6:68

﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم في أنْدِيَتِهِمْ وهُمُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، وعَنْ مُجاهِدِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّ دَيْدَنُهم ذَلِكَ أيْضًا ولِذا أُتِيَ بِإذا الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ وهَذا بِخِلافِ النِّسْيانِ الآتِي، وأصْلُ الخَوْضِ مِن خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ وتَخاوَضُوا إذا تَفاوَضُوا فِيهِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الخَوْضُ التَّخْلِيطُ في المُفاوَضَةِ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ واللَّعِبِ وتَرْكِ التَّفَهُّمِ والتَّبْيِينِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْنى الخَوْضِ عُبُورُ الماءِ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُضِ في الأُمُورِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم ولا تُجالِسْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ أيْ كَلامٍ غَيْرِهِ أيْ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا فَإنَّ وصَفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، والمُرادُ بِالخَوْضِ هُنا التَّفاوُضُ لا بِقَيْدِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المَعْنى حَتّى يَشْتَغِلُوا بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ وأنَّ ذِكْرَ (يَخُوضُوا) لِلْمُشاكَلَةِ واسْتَظْهَرَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الخَوْضِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ لِحُرْمَةِ القُعُودِ مَعَ الخائِضِ كُلَّما خاضَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّكْرارَ لَيْسَ مِن (إذا) بَلْ مِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ واسْتِدْلالُ بَعْضِ الحَشَوِيَّةِ بِها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ زاعِمًا أنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنْهم فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لَمْ يَقَعْ وأنّى لِلشَّيْطانِ سَبِيلٌ إلى إشْغالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذا عُبِّرَ بِـ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ المَزِيدَةِ ما بَعْدَها وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخِطابَ هُنا وفِيما قَبْلُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِغَيْرِهِ ابْتِداءً أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ وإنْ أنْساكَ أيُّها السّامِعُ، والمَشْهُورُ عَنِ الرّافِضَةِ اخْتِيارُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صفحة 183 مُنَزَّهٌ عَنِ النِّسْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وإنَّ غَيْرَهم ذَهَبَ إلى جَوازِهِ وعَلى نِسْبَةِ الأوَّلِ إلَيْهِمْ نَصَّ صاحِبُ الأحْكامِ والجَبائِيُّ وغَيْرُهُما، وقالَ الأخِيرُ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلُ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والَّذِي وقَفْتُ عَلَيْهِ في مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النِّسْيانَ وكَذا السَّهْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القُرْآنِ والوَحْيِ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَنْساهُ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى إخْلالٍ بِالدِّينِ وأنا ما أرى أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ النِّسْيانُ الَّذِي لا يَكُونُ مَنشَؤُهُ اشْتِغالَ السِّرِّ بِالوَساوِسِ والخَطَراتِ الشَّيْطانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ مُؤْمِنٌ في اسْتِحالَتِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى ما في مُعْتَبَراتِ كُتُبِنا أنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَماءِ جَوازُ النِّسْيانِ عَلَيْهِ ﷺ في أحْكامِ الشَّرْعِ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ والأحادِيثِ لَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ قالَ الأكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ تَنَبُّهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفَوْرِ مُتَّصِلًا بِالحادِثَةِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ، وجَوَّزَتْ طائِفَةٌ تَأْخِيرَهُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ ﷺ واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ ومَنَعَتْ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ في الأفْعالِ البَلاغِيَّةِ والعِباداتِ كَما أجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ واسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ ﷺ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ وأجابُوا عَنِ الظَّواهِرِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ وإلَيْهِ مالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيُّ وصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الأوَّلَ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي النُّبُوَّةَ، وإذا لَمْ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ مَفْسَدَةٌ ولا يُنافِي الأمْرَ بِالِاتِّباعِ بَلْ يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ وهو بَيانُ أحْكامِ النّاسِي وتَقَرُّرِ الأحْكامِ وذَكَرَ القاضِي أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في جَوازِ السَّهْوِ عَلَيْهِ ﷺ في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالبَلاغِ وبَيانِ أحْكامِ الشَّرْعِ مِن أفْعالِهِ وعاداتِهِ وأذْكارِ قَلْبِهِ فَجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ فَأجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ كَما أجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ تَعَمُّدِهِ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وفِيما لَيْسَ سَبِيلُهُ البَلاغَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ ولا أخْبارِ القِيامَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها ولا يُضافُ إلى وحْيٍ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ إذْ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ تَرْجِيحُ قَوْلِ مَن قالَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ كَما لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُلْفٌ في خَبَرٍ لا عَمْدًا ولا سَهْوًا لا في صِحَّةٍ ولا مَرَضٍ ولا رِضًى ولا غَضَبٍ، وحَسْبُكَ في ذَلِكَ أنَّ سِيَرَهُ ﷺ وكَلامَهُ وأفْعالَهُ مَجْمُوعَةٌ يُعْتَنى بِها عَلى مَرِّ الزَّمانِ ويَتَناوَلُها المُوافِقُ والمُخالِفُ والمُؤْمِنُ والمُرْتابُ فَلَمْ يَأْتِ في شَيْءٍ مِنها اسْتِدْراكُ غَلَطٍ في قَوْلٍ ولا اعْتِرافٍ بِوَهْمٍ في كَلِمَةٍ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ سَهْوُهُ في الصَّلاةِ ونَوْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها واسْتِدْراكُهُ رَأْيَهُ في تَلْقِيحِ النَّخْلِ وفي نُزُولِهِ بِأدْنى مِياهِ بَدْرٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا جَوازُ السَّهْوِ في الِاعْتِقاداتِ في أُمُورِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذا المَبْحَثِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآيَةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُنَسِّيَنَّكَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ ونَسّى بِمَعْنى أنْسى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَسّى أبْلَغُ مَن أنْسى والنُّونُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ، والمَشْهُورُ أنَّها لازِمَةٌ في الفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المَصْحُوبَةِ بِما الزّائِدَةِ، وقِيلَ: لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: أما تَرى رَأْسِي حاكى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيال الدُّجى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أيْ بَعْدَ تَذَكُّرِ الأمْرِ بِالإعْراضِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقالَ صفحة 184 أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى بَعْدَ أنْ تُذَكِّرَهم بِدُعائِكَ إيّاهم إلى الدِّينِ ونَهْيِكَ لَهم عَنِ الخَوْضِ في الآياتِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى بِمَعْنى تَذْكِيرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وأنَّ المَعْنى وإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجالَسَةِ المُسْتَهْزِئِينَ لِأنَّها مِمّا تُنْكِرُهُ العُقُولُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ أنْ ذَكَّرْناكَ قُبْحَها ونَبَّهْناكَ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ بَعِيدٌ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ القُبْحِ والحُسْنِ الَّتِي هَدَمَتْها مَعاوِلُ أفْكارِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ، ثُمَّ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُجالَسَةَ المُسْتَهْزِئِينَ مِمّا يُنْكِرُهُ العُقُولُ مُطْلَقًا، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ اللّائِقَ عَلى ما قالَ وإنْ أنْساكَ دُونَ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ عَلى أنَّ إنْساءَ الشَّيْطانِ إنْ صَحَّ فَعَنِ السِّمْعِيِّ أيْسَرُ، ولَيْسَ هَذا أوَّلَ خَوْضٍ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَأْوِيلِ الآياتِ بَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ 86 - أيْ مَعَهم فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ راسِخُونَ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- إيذانٌ بِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي، وهَذِهِ المَسائِلُ المُتَنازَعُ فِيها بَيْنَهم وعَنْوَنُوها بِمَسْألَةِ تَكْلِيفِ الغافِلِ وعَدُّوا مِنهُ النّاسِيَ. ولِلْأشْعَرِيِّ فِيها قَوْلانِ وصَوَّبَ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ أصْلًا بِخِلافِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ ونَقَلَ ابْنُ بُرْهانَ في الأوْسَطِ عَنِ الفُقَهاءِ القَوْلَ بِصِحَّةِ تَكْلِيفِهِ عَلى مَعْنى ثُبُوتِ الفِعْلِ بِالذِّمَّةِ، وعَنِ المُتَكَلِّمِينَ المَنعُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُظَنُّ أنَّ الشّافِعِيَّ لِنَصِّهِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ يُرى تَكْلِيفُ الغافِلِ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ فَإنَّهُ إنَّما كَلَّفَ السَّكْرانَ عُقُوبَةً لَهُ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ؛ ولِهَذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِخِلافِ الغافِلِ. وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِالِامْتِناعِ أنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ العِلْمِ بِالأمْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وارِدٌ، فَلا جائِزَ أنْ يَكُونَ وارِدًا بَعْدَ حُصُولِها لِامْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ فَيَكُونُ وارِدًا قَبْلَهُ فَيَسْتَحِيلُ الِإطْلاقُ عَلى هَذا الأمْرِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أمْرِهِ تَعالى بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحِيلٌ فَقَدْ كُلِّفَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ وأُجِيبَ: بِأنَّ المَعْرِفَةَ الإجْمالِيَّةَ كافِيَةٌ في انْتِفاءِ الغَفْلَةِ؛ والمُكَلَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ أوْ بِأنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو فَهْمُ المُكَلَّفِ لَهُ بِأنْ يَفْهَمَ الخِطابَ قَدْرَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثالُ لا بِأنَّ يُصَدِّقَ بِتَكْلِيفِهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ وعَدَمُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ، وهو هُنا قَدْ فُهِمَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ. وصاحِبُ المِنهاجِ تَبَعًا لِصاحِبِ الحاصِلِ أجابَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى خارِجٌ عَنِ القاعِدَةِ بِالإجْماعِ؛ وتَمامُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الأُصُولَ

الأنعام 6:69

﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قالَ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ إلَخْ قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولا نَطُوفَ بِالبَيْتِ فَنَزَلَتْ: أيْ وما يَلْزَمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ مِمّا يُحاسَبُ الخائِضُونَ الظّالِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ (مِن شَيْءٍ) أيْ شَيْءٍ ما عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و(شَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وما تَمِيمِيَّةٌ أوِ اسْمٌ لَها وهي حِجازِيَّةٌ و(مِن حِسابِهِمْ) -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِنهُ لِأنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها أُعْرِبَ حالًا. ولَيْسَتْ (مِن) بِمَعْنى الأجَلِ خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَهُ و﴿عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَرْفُوعٍ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ أوْ لِـ (ما) الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا أوْ مَنصُوبٌ وقَعَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ صفحة 185 ﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ (ذِكْرى) عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ أيْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ النَّصْبَ والرَّفْعَ أيْضًا لَكِنْ قَدَّرَ في الأوَّلِ نُذَكِّرُهم ذِكْرى بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الثّانِي هَذِهِ ذِكْرى. وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِأنَّ (مِن حِسابِهِمْ) يَأْباهُ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ولَكِنْ ذِكْرى مِن حِسابِهِمْ، وهو كَما تَرى واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُقَيَّدٍ اعْتِبارُ ذَلِكَ القَيْدِ في المَعْطُوفِ والعَلّامَةُ الثّانِي يَقُولُ: إنَّهُ إذا عُطِفَ مُفْرَدٌ عَلى مُفْرَدٍ لاسِيَّما بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ السّابِقَةُ في الذِّكْرى عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ في المَعْطُوفِ البَتَّةَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمالِ تَقُولُ: ما جاءَنِي يَوْمُ الجُمْعَةِ أوْ في الدّارِ أوْ راكِبًا أوْ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ رَجُلٌ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ المَرْأةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ وفي الدّارِ وبِصِفَةِ الرُّكُوبِ وتَكُونُ مِنَ القَوْمِ البَتَّةَ، ولَمْ يَجِئِ الِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ، ولا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ سِواهُ بِخِلافِ ما جاءَنِي رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ كَوْنُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، قالُوا: والسِّرُّ فِيهِ أنَّ تَقَدُّمَ القُيُودِ يَدُلُّ عَلى أنَّها أمْرٌ مُسَلَّمٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ وأنَّها قَيْدٌ لِلْعامِلِ مُنْسَحِبٌ عَلى جَمِيعِ مَعْمُولاتِهِ، وأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُفْرَدِ لِذَلِكَ، وأمّا في الجُمَلِ فالقَيْدُ إنْ جُعِلَ جُزْءًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ سَبَقَ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ المَعْطُوفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلى ما في شَرْحِ المِفْتاحِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِهِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَنِي مِن تَمِيمٍ رَجُلٌ وامْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ وتَخْصِيصُ هَذِهِ القاعِدَةِ بِتَقَدُّمِ القَيْدِ وادِّعاءِ اطِّرادِها كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ، ومِنهم مَن عَمَّها كَما قالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ أهْلَ اللِّسانِ والأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ العَطْفَ لِلتَّشْرِيكِ في الظّاهِرِ فَإذا كانَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَيْدٌ فالظّاهِرُ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِذَلِكَ القَيْدِ إلّا أنْ تَجِيءَ قَرِينَةٌ صارِفَةٌ فَيُحالُ الأمْرُ عَلَيْها؛ فَإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الجُمْعَةِ وعَمْرًا، فالظّاهِرُ اشْتِراكُ زَيْدٍ وعَمْرٍو في الضَّرْبِ مُقَيَّدًا بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، وإذا قُلْتَ: وعَمْرًا يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يُشارِكْهُ في قَيْدِهِ. والآيَةُ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ. فالظّاهِرُ مُشارَكَتُهُ في قَيْدِهِ ويَكْفِي في المَنعِ. وبَحَثَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ وغَيْرُهُ. فَتَدَبَّرْ ومَن مَنَعَ العَطْفَ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِما تَقَدَّمَ مَنَعَ العَطْفَ عَلى (شَيْءٍ) لِذَلِكَ أيْضًا، ولِأنَّ (مِن) لا تُقَدَّرُ عامِلَةً بَعْدَ الإثْباتِ لِأنَّها إذا عَمِلَتْ كانَتْ في قُوَّةِ المَذْكُورَةِ المَزِيدَةِ وهي لا تُزادُ في الإثْباتِ في غَيْرِ الظُّرُوفِ أوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الجُمْهُورِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ 69 - أيْ يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ أيْ لَكِنْ يُذَكِّرُ المُتَّقُونَ الخائِضِينَ لِيَثْبُتَ المُتَّقُونَ عَلى تَقْواهم ولا يَأْثَمُوا بِتَرْكِ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لِيَزْدادُوا تَقْوًى بِذَلِكَ. وهَذِهِ الآيَةُ -كَما أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ- مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى النّازِلِ في المَدِينَةِ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ إلَخْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجَبائِيُّ. وفي الطَّوْدِ الرّاسِخِ في المَنسُوخِ والنّاسِخِ أنْ لا نَسْخَ صفحة 186 عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ في ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ولا نَسْخَ في الأخْبارِ، فافْهَمْ

الأنعام 6:70

﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ وكُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ وهو الإسْلامُ، ﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَأُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اتَّخَذُوا الدِّينَ الواجِبَ شَيْئًا مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوِ اتَّخَذُوا ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّينِ لِأهْلِ الأدْيانِ شَيْئًا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ. وحاصِلُهُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّعِبَ واللَّهْوَ دِينًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالدِّينِ العِيدُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ كُلَّ حِينٍ مَعْهُودٍ بِالوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى كَعِيدِ المُسْلِمِينَ أوْ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَأعْيادِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ العادَةُ، والعِيدُ مُعْتادٌ كُلَّ عامٍ. ونُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى سائِرِ الأقْوالِ: لا تُبالِ بِهَؤُلاءِ وامْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى عَلى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ و﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالكَفِّ عَنْهم وتَرَكُ التَّعَرُّضِ لَهم. والآيَةُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. ونَصَبَ ﴿لَعِبًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذُوا) وهو اخْتِيارُ السَّفاقُسِيِّ، ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ و(دِينَهُمْ) ثانٍ، وفِيهِ إخْبارٌ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ (واتَّخَذَ) مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ سَرْدِ وُجُوهِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ: والخامِسُ وهو الأقْرَبُ أنَّ المُحِقَّ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا؛ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ إلَخْ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ. وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، اهـ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ فَلا تَغْتَرَّ بِهِ وإنْ جَلَّ قائِلُهُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ خَدَعَتْهم وأطْمَعَتْهم بِالباطِلِ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ وزَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها واسْتَهْزَأُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وجَعَلَ بَعْضُهم غَرَّ مِنَ الغَرِّ وهو مَلْءُ الفَمِ أيْ أشْبَعَتْهم لَذّاتُها حَتّى نَسُوا الآخِرَةَ. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ولَمّا التَقَيْنا بِالعَشِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِحِسابِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنهُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. وعَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ هو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ لِئَلّا تُبْسَلَ أوْ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَبْسُلَ. ومِنهم مَن جَعَلَهُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (ذَكِّرْ) ومَعْنى ﴿تُبْسَلَ﴾ تُحْبَسَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ وقَلْبِي مُبْسَلٌ عَلِقا وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ تُسَلَّمُ. ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والفَرّاءُ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ تُفْضَحُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿تُبْسَلَ﴾ هُنا بِمَعْنى تُحْرَمُ الثَّوابَ.وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ صفحة 187 أنَّ الإبْسالَ والبَسْلَ في الأصْلِ المَنعُ، ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مُتَمَنِّعٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ، وجاءَ البَسْلُ بِمَعْنى الحَرامِ. وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَرامَ عامٌّ لِما مُنِعَ مِنهُ بِحُكْمٍ أوْ قَهْرٍ؛ والبَسْلُ المَمْنُوعُ بِالقَهْرِ ويَكُونُ بَسَلْ بِمَعْنى أجَلْ ونَعَمْ، واسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْفُفْ، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ لِلْعُمُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ أيْ لِئَلّا تُحْبَسَ وتُرْهَنَ كُلُّ نَفْسٍ في الهَلاكِ أوْ في النّارِ أوْ تُسْلِمَ إلى ذَلِكَ أوْ تُفْضَحَ أوْ تُحْرَمَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِها السُّوءَ أوْ (ذَكِّرْ) بِحَبْسٍ أوْ حَبْسِ كُلِّ نَفْسٍ بِذَلِكَ، وحَمَلَ النَّكِرَةَ عَلى العُمُومِ مَعَ أنَّها في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وقِيلَ: أنَّها هُنا في النَّفْيِ مَعْنًى، وفِيما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَها﴾ أيِ النَّفْسُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةِ (نَفْسٌ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (كَسَبَتْ) أوْ مِن (نَفْسٌ) فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٍ كافِرَةٍ أوْ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الحالِيَّةَ. و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيٌّ)، وقِيلَ: خَبَرًا لِـ (لَيْسَ) و (لَها) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ و(مِن) جَعَلَها زائِدَةً لَمْ يُعَلِّقْها بِشَيْءٍ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَدْفَعَ عِقابَهُ سُبْحانَهُ عَنْها ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، ﴿وإنْ تَعْدِلْ﴾ أيْ إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ كُلَّ فِداءٍ و(كُلَّ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ بِحَسْبِ ما يُضافُ إلَيْهِ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الكامِلِ كَقَوْلِكَ: هو رَجُلٌ كُلَّ رَجُلٍ أيْ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ عَدْلًا كُلَّ عَدْلٍ، ورُدَّ بِأنَّ كُلًّا بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُ التَّبَعِيَّةَ والإضافَةَ إلى مِثْلِ المَتْبُوعِ نَعْتًا لا تَوْكِيدًا كَما في التَّسْهِيلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَسَيْرٍ مِنَ البَلَدِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ لِأنَّ العَدْلَ كَما عَلِمْتَ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِمَأْخُوذٍ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَإنَّهُ فِيهِ بِمَعْنى المُفْدى بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الإسْنادِ إلى ضَمِيرِهِ مُرادًا بِهِ الفِدْيَةُ عَلى الِاسْتِخْدامِ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي أيْضًا عَنِ القَوْلِ بِكَوْنِهِ راجِعًا إلى المَعْدُولِ بِهِ المَأْخُوذِ مِنَ السِّياقِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وإنْ تُقْسِطْ تِلْكَ النَّفْسُ كُلَّ قِسْطٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يُقْبَلْ مِنها لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وإنَّما تُقْبَلُ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ حُرِمُوا الثَّوابَ وسُلِّمُوا لِلْعَذابِ أوْ بِأحَدِ المَعانِي الباقِيَةِ لِلْإبْسالِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ في سُوءِ الحالِ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ إثْرَ تَحْذِيرِ أُولَئِكَ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا؟ فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ أيْ ماءٍ حارٍّ يَتَجَرْجَرُ ويَتَرَدَّدُ في بُطُونِهِمْ ويَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ العَذابِ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ 70 - أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، ويُطْلَقُ الحَمِيمُ عَلى الماءِ البارِدِ فَهو ضِدٌّ كَما في القامُوسِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿أُبْسِلُوا﴾ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا لِاسْمِ صفحة 188 الإشارَةِ ويَكُونُ الَّذِينَ نَعْتًا لَهُ أوْ بَدَلًا مِنهُ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا. واخْتارَ كَما يُشِيرُ كَلامُهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٍ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما أشَرْنا إلَيْهِ وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في أسْبابِ العَذابِ والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ أوْ أُرِيدَ -كَما قِيلَ-: بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي

الأنعام 6:71

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ إلَخْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وفي تَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إنْ عَبَدْناهُ ولا عَلى ضُرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ. وفاعِلُ (نَدْعُوا) وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عامٌّ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولِغَيْرِهِ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ. وفي الآيَةِ تَغْلِيبٌ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الرَّدُّ عَلى العَقِبِ المُرادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى الشِّرْكِ مِنهُ ﷺ. والمَعْنى ألْيَقُ بِنا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ. والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، يُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ إذا انْثَنى راجِعًا، ويُكَنّى بِهِ -كَما قِيلَ- عَنِ الذَّهابِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ القَدَمِ وهو ذَهابٌ بِلا عِلْمٍ بِخِلافِ الذَّهابِ مَعَ الإقْبالِ، وقِيلَ: الرَّدُّ عَلى الأعْقابِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الضَّلالِ والجَهْلِ شِرْكًا أوْ غَيْرِهِ. والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ. وإيثارُ (نُرَدُّ) عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بَرَدِّ الغَيْرِ تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ أوْ إلى سائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ عَلى ما قِيلَ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نُرَدُّ) مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا كَأنَّهُ قِيلَ: أنُرَدُّ إلى ذَلِكَ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ. ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ فِيما يَظْهَرُ ولا أنَّ جُمْلَةَ (نُرَدُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نَدْعُو) أيْ ونَحْنُ نُرَدُّ وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ إلَخْ وقَدَّرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَدْعُوا دُعاءً مِثْلَ دُعاءِ الَّذِي إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (نُرَدُّ) أيْ أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِذَلِكَ. واعْتَرَضَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ حاصِلَ الحالِيَّةِ أنُرَدُّ في حالِ مُشابَهَتِنا كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا أيْ في حالِ رُكُوبِهِ، والرَّدُّ لَيْسَ في حالِ المُشابَهَةِ كَما أنَّ المَجِيءَ في حالِ الرُّكُوبِ وأجابَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ الحالَ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ في صفحة 189 حَيِّزِ المَنعِ، والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ يَهْوِي إذا ذَهَبَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ كَأنَّها طَلَبَتْ هَوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ أيْ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ والقِفارِ، والكَلامُ في المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ أوْ مِنَ التَّمْثِيلِ حَيْثُ شُبِّهَ فِيهِ مَن خَلُصَ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِحالِ مَن ذَهَبَتْ بِهِ الشَّياطِينُ في المُهِمَّةِ وأضَلَّتْهُ بَعْدَ ما كانَ عَلى الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، ولَيْسَ هَذا مَبْنِيًّا عَلى زَعَماتِ العَرَبِ كَما زَعَمَ مَنِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ اسْتَهْوى مِن هَوى بِمَعْنى سَقْطِهِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ إذا سَقَطَ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ هَذا الضّالِّ بِحالِ مَن سَقَطَ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ لِأنَّهُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ وفِيهِ بَعْدٌ وإنْ قالَ الإمامُ إنَّهُ أوْلى مِنَ المَعْنى الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى وُرُودِ الِاسْتِفْعالِ مِن هَوى بِهَذِي المَعْنى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في (الَّذِي) أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْ كالرَّجُلِ أوْ كالفَرِيقِ الَّذِي وأنْ يَكُونَ جِنْسًا، والمُرادُ (الَّذِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (اسْتَهْواهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ مَعَ التَّذْكِيرِ (فِي الأرْضِ) أيْ جِنْسِها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ كائِنًا في الأرْضِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُها أوْ مِنَ (الَّذِي) أوْ مِنَ المُسْتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ حالًا مِن (حَيْرانَ) وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ ومُؤَنَّثُهُ حَيْرى أيْ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ ﴿لَهُ﴾ أيْ لِلْمُسْتَهْوى ﴿أصْحابٌ﴾ أرى رُفْقَةً ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ: زَيْدٌ عَدْلٌ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا و (أصْحابٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ الَّتِي قَبْلَها وإمّا لا مَحَلَّ لَها عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ (يَدْعُونَهُ) صِفَةٌ لِـ (أصْحابٌ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ائْتِنا) يُقَدَّرُ فِيهِ قَوْلٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (يَدْعُونَهُ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، وقِيلَ: مَحْكِيٌّ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ في أمْثالِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ التَّقْدِيرُ أيْ يَقُولُ ائْتِنا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وإنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي إسْحاقَ (ائْتِنا) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الهُدى أيْ واضِحًا قُلْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنَّ هُدى اللَّهِ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ هو الهُدى أيْ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ أوْ ضَمِيرُ الفَصْلِ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ صِرْفٌ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ لِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَ الأوامِرِ بَعْدَهُ ﴿وأُمِرْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، ومَفْعُولُ (أُمِرْنا) الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِكَيْ نَنْقادَ ونَسْتَسْلِمَ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ 71 - وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ أيْ أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَرِيبٌ لا تَعْرِفُهُ النُّحاةُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ أيْ أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن صفحة 190 تابَعَهُما: الفِعْلُ في هَذا وفي نَحْوِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، وهو مُبْتَدَأٌ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرُهُ أيْ أُمِرْنا لِلْإسْلامِ، وهو نَظِيرُ -تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- ولا يَخْفى بُعْدُهُ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ اللّامَ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَعْنى (أنْ) بَعْدَ أرَدْتُ وأُمِرْتُ خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ

الأنعام 6:72

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ أيِ الرَّبَّ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ وهو عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، وقَدْ صَرَّحَ بِدُخُولِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى الأمْرِ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، وجَوَّزَ أنْ يُعْطَفَ ﴿أنْ أقِيمُوا﴾ عَلى مَوْضِعِ لِنُسْلِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ الأمْرِ المُقَدَّرِ أيْ أُمِرْنا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: إنَّ هُدى اللَّهِ إلَخْ أيْ قُلْ لَهم إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: عَلى ائْتِنا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ولِأنْ نُقِيمَ إلّا أنَّهُ عُدِّلَ لِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكافِرَ ما دامَ كافِرًا كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَخُوطِبَ بِما خُوطِبَ بِهِ الغَيْبُ، وإذا أسْلَمَ ودَخَلَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ فَخُوطِبَ بِما يُخاطِبُ بِهِ الحاضِرُونَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ 72 - جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ

الأنعام 6:73

﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِخَلْقِهِما خَلْقُ ما فِيهِما أيْضًا وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِما عَلى جَمِيعِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (خَلَقَ) أيْ قائِمًا بِالحَقِّ، ومَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ أيْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ والَواوُ لِلِاسْتِئْنافِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الحِينِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وقَوْلُهُ مُبْتَدَأٌ و (الحَقُّ) صِفَتُهُ، والمُرادُ بِالقَوْلِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ القَضاءُ الصَّوابُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ فَلِذا صَحَّ الإخْبارُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمانِ أيْ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ المَعْرُوفُ بِالحَقِّيَّةِ كائِنٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كُنْ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ بِعُمُومِ الوَقْتِ كَما قِيلَ، ونَفى السَّعْدُ كَوْنَهُ لِلْحَصْرِ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ وجَعَلَ التَّقْدِيمَ لِكَوْنِهِ الِاسْتِعْمالَ الشّائِعَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرُوفَ الشّائِعَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ الظَّرْفِيِّ إذا كانَ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أمّا إذا كانَ مَعْرِفَةً فَلَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(يَوْمَ) ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والواوُ بِحَسَبِ المَعْنى داخِلَةٌ عَلَيْها، والتَّقْدِيمُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدارُ الحَقِّيَّةِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المَقُولِ لَهُ لِلثِّقَةِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ كَلِمَةُ (كُنْ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا، والمَعْنى وأمْرُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ خُلُقَهُ مِنَ الأشْياءِ حِينَ تُعَلِّقُهُ بِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِن أفْرادِ الأحْيانِ (الحَقُّ) أيِ المَشْهُودُ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ و(يَوْمَ) إمّا مَعْطُوفٌ عَلى السَّمَواتِ فَهو مَفْعُولٌ لِـ (خَلَقَ) مِثْلُهُ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ الحَشْرِ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وما فِيهِما صفحة 191 وأوْجَدَ يَوْمَ الحَشْرِ والمَعادِ، وإمّا عَلى الهاءِ في (اتَّقُوهُ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُهُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واتَّقُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وعِقابَهُ وفَزَعَهُ. وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (بِالحَقِّ) أيْ يَقُومُ بِالحَقِّ يَوْمَ إلَخْ وهو إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (بِالحَقِّ) وهو ظَرْفٌ لِخَلَقَ أيْ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِعِظَمِها حِينَ قالَ كُنْ فَكانَ. والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي إحْضارٌ لِلْأمْرِ البَدِيعِ. وفِيهِ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى صِحَّةِ عَطْفِ الظَّرْفِ عَلى الحالِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ ظَرْفٌ في المَعْنى وهو تَكَلُّفٌ. و﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ فاعِلٌ يَكُونُ عَلى مَعْنًى، وحِينَ يَقُولُ لَقَوْلِهِ الحَقَّ أيْ لَقَضائِهِ كُنْ فَيَكُونُ. والمُرادُ بِهِ حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها أوْ حِينَ يَقُومُ القِيامَةُ فَيَكُونُ التَّكْوِينُ إحْياءَ الأمْواتِ لِلْحَشْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيِ اسْتَقَرَّ المُلْكُ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ صُورَةً ومَعْنًى بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَلا يَدَّعِيهِ غَيْرُهُ بِوَجْهِ. والصُّوَرُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ. وقَدْ فُصِّلَتْ أحْوالُهُ في كُتُبِ السَّنَةِ. وصاحِبُهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ. وأخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالصُّوَرِ يَنْتَظِرانِ مَتّى يُؤْمَرانِ فَيَنْفُخانِ». وقَرَأ قَتادَةُ (فِي الصُّوَرِ) جَمْعُ صُورَةٍ والمُرادُ بِها الأبْدانُ الَّتِي تَقُومُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيها لِرَبِّ العالَمِينَ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ﴿الخَبِيرُ﴾ 73 - بِجَمِيعِ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وفِيهِ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ هُنا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ أعْلَمُ أنَّ بَعْضَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم ذَكَرُوا أنَّ لِلْغَيْبِ مَراتِبَ أُولاها: غَيْبُ الغُيُوبِ وهو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى المُسَمّى بِالعِنايَةِ الأُولى، وثانِيَتُها: غَيْبُ عالَمِ الأرْواحِ وهو انْتِقاشُ صُورَةِ كُلِّ ما وُجِدَ وسَيُوجَدُ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ في العالَمِ الأوَّلِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو رُوحُ العالَمِ المُسَمّى بِأُمِّ الكِتابِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ وهو القَضاءُ السّابِقُ، وثالِثَتُها: غَيْبُ عالَمِ القُلُوبِ وهو ذَلِكَ الِانْتِقاشُ بِعَيْنِهِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا عِلْمِيًّا كُلِّيًّا وجُزْئِيًا في عالَمِ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالَمِ المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ورابِعَتُها: غَيْبُ عالَمِ الخَيالِ وهو انْتِقاشُ الكائِناتِ بِأسْرِها في النُّفُوسِ الجُزْئِيَّةِ الفَلَكِيَّةِ مُنْطَبِعَةً في أجْرامِها مُعَيَّنَةً مُشَخَّصَةً مُقارِنَةً لِأوْقاتِها عَلى ما يَقَعُ بِعَيْنِهِ. وذَلِكَ العالَمُ هو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا إذْ هو أقْرَبُ مَراتِبِ الغُيُوبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ ولَوْحِ القَدْرِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو تَفْصِيلُ قَضائِهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو العِنايَةُ الأوْلى عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّ حُضُورًا، فالخَزائِنُ المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الغُيُوبِ حاضِرَةٌ لِذاتِهِ ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ زائِدٌ ولا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ. وكَذا أبْوابُ تِلْكَ الخَزائِنِ مُغْلَقَةٌ مَفاتِيحُها بِيَدِهِ تَعالى لا يَطَّلِعُ عَلى ما فِيها أحَدٌ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ يَفْتَحُ مِنها ما شاءَ لِما يَشاءُهُ هَذا وقَدْ يُقالُ: حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ وماهِيَّتَها ثابِتَةٌ في الأزَلِ وهي في ثُبُوتِها غَيْرُ مَجْعُولَةٍ وإنَّما المَجْعُولُ الصُّوَرُ الوُجُودِيَّةُ وهي لا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَتَّصِفُ بِالهَلاكِ أصْلًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الشَّيْءِ، وتَفْسِيرُ الوَجْهِ بِالحَقِيقَةِ وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِها حُضُورِيٌّ وهي كالمَرايا لِصُوَرِها الحادِثَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الصُّوَرُ مَشْهُودَةً لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعَ عَدَمِها في نَفْسِها ذِهْنًا وخارِجًا، وقَدْ بَيَّنُوا انْطِواءَ العِلْمِ بِها في العِلْمِ بِالذّاتِ بِجَمِيعِ اعْتِباراتِهِ الَّتِي مِنها كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مَبْدَأً صفحة 192 لِإفاضَةِ وجُوداتِها عَلَيْها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَفاتِحَ بِمَعْنى الخَزائِنِ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الماهِيّاتِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي هي كالمَرايا لِما غابَ عَنّا مِنَ الصُّوَرِ وتِلْكَ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ تَعالى أزَلًا ولا يَعْلَمُها عِلْمًا حُضُورِيًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى صُورَةٍ ظِلِّيَّةٍ إلّا هو جَلَّ وعَلا، وهَذا ظاهِرٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ﴾ أيْ بَرِّ النُّفُوسِ مِن ألْوانِ الشَّهَواتِ ومَراتِبِها ﴿والبَحْرِ﴾ أيْ بَحْرِ القُلُوبِ مِن لَآلِئِ الحِكَمِ ومَرْجانِ العِرْفانِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ مِن أوْراقِ أشْجارِ اللُّطْفِ والقَهْرِ في مَهْيَعِ النَّفْسِ وخَصْمِ القَلْبِ ﴿إلا يَعْلَمُها﴾ في سائِرِ أحْوالِها ﴿ولا حَبَّةٍ﴾ مِن بَذْرِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ وهو عالَمُ الطَّبائِعِ والأشْباحِ ﴿ولا رَطْبٍ﴾ مِنَ الإلْهاماتِ الَّتِي تَرِدُ عَلى القَلْبِ بِلُطْفٍ مِن غَيْرِ انْزِعاجٍ ﴿ولا يابِسٍ﴾ مِنَ الوَساوِسِ والخَطَراتِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنها النَّفْسُ حِينَ تَرُدُّ عَلَيْها ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو عِلْمُهُ سُبْحانَهُ الجامِعُ، وبَعْضُهم لَمْ يُؤَوِّلْ شَيْئًا مِنَ المَذْكُوراتِ وفَسَّرَ الكِتابَ بِسَماءِ الدُّنْيا لِتَعَيُّنِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ فِيها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ الكِتابَ إشارَةٌ إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وهي المُسَمّاةُ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، ومَعْنى كَوْنِها فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ أنَّ تِلْكَ الأعْيانَ كالمَرايا لِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الخارِجِيَّةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ أيْ يُنِيمُكُمْ، وقِيلَ: يَتَوَفّاكم بِطَيَرانِ أرْواحِكم في المَلَكُوتِ وسَيْرِها في رِياضِ حَضَراتِ اللّاهُوتِ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهو الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَيْكم إلى حَيْثُ يَكادُ تَزْهَقُ أرْواحُكم في لَيْلِ القَهْرِ وتَجَلِّي الجَلالِ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ﴾ أيْ كَسَبْتُمْ بِالنَّهارِ مِنَ الأعْمالِ مُطْلَقًا، وقِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ المُؤْلِمَةِ لَها كالطّاعاتِ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ويَعْلَمُ ما كَسَبْتُمُوهُ بِنَهارِ التَّجَلِّي الجَمالِيِّ مِنَ الأُنْسِ أوْ شَوارِدِ العِرْفانِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ فِيما جَرَحْتُمْ مِن صُوَرِ أعْمالِكم ومَكاسِبِكُمُ الحَسَنَةِ والقَبِيحَةِ، وقِيلَ: الحَسَنَةِ، وقِيلَ فِيما كَسَبْتُمُوهُ في نَهارِ التَّجَلِّي، وأوَّلُ الأقْوالِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ (فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بِإظْهارِ صُوَرِ أعْمالِكم عَلَيْكم وجَزائِكم بِها، ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ لِأنَّهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الِإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ولا تُقَيِّدُهُ المَظاهِرُ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ وهي القُوى الَّتِي يَنْطَبِعُ فِيها الخَيْرُ والشَّرُّ ويَصِيرُ هَيْئَةً أوْ مَلَكَةً ويَظْهَرُ عِنْدَ انْسِلاخِ الرُّوحِ ويَتَمَثَّلُ بِصُورَةٍ مُناسِبَةٍ أوِ القُوى السَّماوِيَّةُ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها الصُّوَرُ الجُزْئِيَّةُ ولا تُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، قِيلَ: هم نَفْسُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ وقَدْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُدْرَةَ عَلى التَّوَفِّي ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي سائِرَ أحْوالِهِمْ إذْ لا وُجُودَ لَها إلّا بِهِ ﴿الحَقِّ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ باطِلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ أنَّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِرُجُوعِ العَبْدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخُرُوجِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا وأيْدِي الكاتِبِينَ، واصِفًا نَفْسَهُ لَهُ بِأنَّهُ مَوْلاهُ الحَقُّ المُشْعِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ مَوْلًى حَقًّا، ولا شَكَّ أنَّهُ لا أعَزَّ لِلْعَبْدِ مِن أنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلى مَوْلاهُ ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ إذْ ظُهُورُ الأعْمالِ بِالصُّوَرِ المُناسِبَةِ آنَ مُفارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ﴾ وهي الغَواشِي النَّفْسانِيَّةُ والبَحْرُ وهي حُجُبُ صِفاتِ القَلْبِ ﴿تَدْعُونَهُ﴾ إلى كَشْفِها ﴿تَضَرُّعًا﴾ في نُفُوسِكم ﴿وخُفْيَةً﴾ في أسْرارِكم ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ الغَواشِي والحُجُبِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ بِالِاسْتِقامَةِ والتَّمْكِينِ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ بِأنْوارِ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ سِوى ذَلِكَ بِأنْ صفحة 193 يَمُنَّ عَلَيْكم بِالفَناءِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾ بَعْدَ عِلْمِكم بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ﴿تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ أنْفُسَكم وأهْواءَكم فَتَعْبُدُونَها ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ بِأنْ يَحْجِبَكم عَنِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ أوْ بِأنْ يَقْهَرَكم بِاحْتِجابِكم بِالمَعْقُولاتِ والحُجُبِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ بِأنْ لا يُسَهِّلَ عَلَيْكُمُ القِيامَ عَلى بابِ الرُّبُوبِيَّةِ بِنَعْتِ الخِدْمَةِ وطَلَبِ الوَصْلَةِ أوْ بِأنْ يَحْجِبَكم بِالحُجُبِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ قُوَّةٍ مِنَ القُوى تُقابِلُ الفِرْقَةَ الأُخْرى أوْ يَجْعَلَ أنْفُسَكم مُخْتَلِفَةَ العَقائِدِ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ دَجّالٍ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بِالمُنازَعاتِ والمُجادَلاتِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاخْتِلافُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ أيْ ما يُنَبَّأُ عَنْهُ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ مَحَلُّ وُقُوعٍ واسْتِقْرارٍ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حِينَ يَكْشِفُ عَنْكم حُجُبَ أبْدانِكم ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ بِإظْهارِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ وإثْباتِ العِلْمِ والقُدْرَةِ لَها ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ مُشْرِكُونَ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ صِفاتِهِمْ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ مِن حِسابِ هَؤُلاءِ المَحْجُوبِينَ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ أيْ فَلْيُذَكِّرُوهم بِالزَّجْرِ والرَّدْعِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخَوْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُتَجَرِّدِينَ لا يَحْتَجِبُونَ بِواسِطَةِ مُخالَطَةِ المَحْجُوبِينَ ولَكِنْ ذَكَّرْناهم لَعَلَّهم يَزِيدُونَ في التَّقْوى ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ أيِ اتْرُكِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ اللَّعِبُ واللَّهْوُ إلَخْ فَإنَّهم قَدْ حُجِبُوا بِما رَسَخَ فِيهِمْ مِن سَماعِ الإنْذارِ وتَأْثِيرِهِ فِيهِمْ ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْءانِ كَراهَةَ ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُحْجَبَ بِكَسْبِها بِأنْ يَصِيرَ لَها مَلَكَةٌ أيْ ذَكِّرْ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لِئَلّا يَكُونَ دِينُهُ ذَلِكَ، وأمّا مَن وصَلَ إلى ذَلِكَ الحَدِّ فَلا يَنْفَعُهُ التَّذْكِيرُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ وهو شِدَّةُ الشَّوْقِ إلى الكَمالِ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو الحِرْمانُ عَنْهُ بِسَبَبِ الِاحْتِجابِ بِما كَسَبُوا ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن لَيْسَ لَهُ قُدْرَةً عَلى شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ لَهُ حَقِيقَةً ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ بِالشِّرْكِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ إلى التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ في الأرْضِ أيْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ومَهامِهِ النَّفْسِ ﴿حَيْرانَ﴾ لا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ مِنَ الفِكْرِ والقُوى النَّظَرِيَّةِ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ الحَقِيقِيِّ يَقُولُونَ ﴿ائْتِنا﴾ فَإنَّ الطَّرِيقَ الحَقَّ عِنْدَنا وهو لا يَسْمَعُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ وهو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ ﴿هُوَ الهُدى﴾ وغَيْرُهُ غَيْرُهُ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بِمَحْوِ صِفاتِنا ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الحَقِيقِيَّةَ وهو الحُضُورُ القَلْبِيُّ قالَ ابْنُ عَطاءَ: إقامَةُ الصَّلاةِ حِفْظُها مَعَ اللَّهِ تَعالى بِالأسْرارِ ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيِ اجْعَلُوهُ سُبْحانَهُ وِقايَةً بِالتَّخَلُّصِ عَنْ وُجُودِكم ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ ﴿والأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ الجِسْمِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ قائِمًا بِالعَدْلِ الَّذِي هو مُقْتَضى ذاتِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهو وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِالظُّهُورِ في التَّعَيُّناتِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ لِاقْتِضائِهِ ما اقْتَضاهُ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ ولَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وهو وقْتُ إفاضَةِ الأرْواحِ عَلى صُوَرِ المَكْنُوناتِ الَّتِي هي مَيِّتَةٌ بِأنْفُسِها بَلْ لا وُجُودَ لَها ولا حَياةَ. ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ حَقائِقِ عالَمِ الأرْواحِ ويُقالُ لَهُ المَلَكُوتُ ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ صُوَرِ عالَمِ الأشْباحِ ويُقالُ لَهُ المُلْكُ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أفاضَ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿الخَبِيرُ﴾ بِأحْوالِها ومِقْدارِ قابِلِيّاتِها لا حَكِيمَ غَيْرُهُ ولا خَبِيرَ سِواهُ

الأنعام 6:74

صفحة 194 ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ نُصِبَ -عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو﴾ لا عَلى (أقِيمُوا) لِفَسادِ المَعْنى أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ مالا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ وحَقَّقْتَ أنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ تَعالى وما يَتْبَعُهُ مِن شُؤُونِهِ تَعالى وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ مُوَبِّخًا ﴿لأبِيهِ آزَرَ﴾ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبَكِّتُهم ويُنادِي بِفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ. وآزَرُ بِزِنَةِ آدَمِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لِأبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن قَرْيَةٍ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وهو بَدَلٌ مِن (إبْراهِيمُ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ بَيْنَ النَّسّابِينَ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَحُ بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وألِفٍ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وحاءٌ مُهْمَلَةٌ، ويُرْوى بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ اسْمَهُ تَيْرَحُ أوْ تارَحُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ يازَرُ واسْمُ أُمِّهِ مُثْلى. وإلى كَوْنِ آزر لَيْسَ اسْمًا لَهُ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وغَيْرُهُما. واخْتَلَفَ الذّاهِبُونَ إلى ذَلِكَ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ آزر لَقَبٌ لِأبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ جَدِّهِ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ عَمِّهِ، والعَمُّ والجَدُّ يُسَمَّيانِ أبًا مَجازًا، ومِنهم مَن قالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. ومِنهم مَن قالَ: هو وصْفٌ في لُغَتِهِمْ ومَعْناهُ المُخْطِئُ، وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْناهُ الأعْوَجُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ الشَّيْخُ الهَرِمُ بِالخَوارِزْمِيَّةِ. وعَلى القَوْلِ بِالوَصْفِيَّةِ يَكُونُ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْحَمْلِ عَلى مَوازِنِهِ وهو فاعَلُ المَفْتُوحُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَغْلِبُ مَنعُ صَرْفِهِ لِكَثْرَتِهِ في الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ، وقِيلَ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِالعَلَمِ. وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ نَعْتًا مُشْتَقًّا مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ أوِ الوِزْرِ بِمَعْنى الإثْمِ. ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْوَصْفِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى الصَّنَمِ يَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ عابِدُ آزَرَ وقَرَأ يَعْقُوبُ (آزَرُ) بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى العَلَمِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُحْذَفُ النِّداءُ إلّا مِنَ الأعْلامِ وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفاتِ شاذٌّ أيْ يا آزر ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ أيْ أتَجْعَلُها لِنَفْسِكَ ءالِهَةً عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اتِّخاذِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ وإنَّما يُرادُ صِيغَةُ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ. وقُرِئَ (أأزَرًا) بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى اسْتِفْهامِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ ومَكْسُورَةٌ، وهي إمّا أصْلِيَّةٌ أوْ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ. ومَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ (تَتَّخِذُ) بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أتَعْبُدُ آزَرًا؟ عَلى أنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ ويَكُونُ (تَتَّخِذُ) إلَخْ بَيانًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا وهو داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ ألِأجْلِ القُوَّةِ تَتَّخِذُ أصْنامًا ءالِهَةً؟ والكَلامُ إنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أوْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (تَتَّخِذُ) وأعْرَبَ بَعْضُهم (آزر) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الصَّنَمِ أيْضًا أيْ أتَعْبُدُونَ آزر؟ وجَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ (أتَتَّخِذُ) إلَخْ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا بِمَعْنى أنَّهُ قَرِينَةٌ عَلى الحَذْفِ لا بِمَعْنى التَّفْسِيرِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في بابِ الِاشْتِغالِ لِأنَّ ما بَعْدَ الهَمْزَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها؛ وما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا كَما تَقَرَّرَ عِنْدَهم. والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ آزر لَمْ يَكُنْ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ في آباءِ النَّبِيِّ ﷺ كافِرٌ صفحة 195 أصْلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرِينَ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ والمُشْرِكُونَ نَجَسٌ». وتَخْصِيصُ الطَّهارَةِ بِالطَّهارَةِ مِنَ السِّفاحِ لا دَلِيلَ لَهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وقَدْ ألَّفُوا في هَذا المَطْلَبِ الرَّسائِلَ واسْتَدَلُّوا لَهُ بِما اسْتَدَلُّوا، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الشِّيعَةِ كَما ادَّعاهُ الإمامُ الرّازِّيُّ نِاشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ، وأكْثَرُ هَؤُلاءِ عَلى أنْ آزر اسْمٌ لِعَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَ إطْلاقُ الأبِ عَلى العَمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ إطْلاقُ الأبِ عَلى الجَدِّ أيْضًا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي العَبّاسِ» وأيَّدَ بَعْضُهم دَعْوى أنَّ أبا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ كافِرًا وإنَّما الكافِرُ عَمُّهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، قالَ: لَمّا أرادُوا أنْ يُلْقُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ جَعَلُوا يَجْمَعُونَ الحَطَبَ حَتّى إنْ كانَتِ العَجُوزُ لَتَجْمَعُ الحَطَبَ فَلَمّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ تَعالى ونَعِمَ الوَكِيلُ، فَلَمّا ألْقَوْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَكانَتْ، فَقالَ عَمُّهُ: مِن أجْلِي دُفِعَ عَنْهُ فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَرارَةً مِنَ النّارِ فَوَقَعَتْ عَلى قَدَمِهِ فَأحْرَقَتْهُ وبِما أُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وواقِعَةِ النّارِ إلى الشّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ واتَّفَقَ لَهُ مَعَ الجَبّارِ ما اتُّفِقَ ثُمَّ رَجَعَ إلى الشّامِ ومَعَهُ هاجَرُ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْقُلَها ووَلَدَها إسْماعِيلَ إلى مَكَّةَ فَنَقَلَها، ودَعا هُناكَ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾، فَإنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِن ذَلِكَ أنَّ المَذْكُورَ في القُرْءانِ بِالكُفْرِ هو عَمُّهُ، حَيْثُ صُرِّحَ في الأثَرِ الأوَّلِ أنَّ الَّذِي هَلَكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ هو عَمُّهُ، ودَلَّ الأثَرُ الثّانِي عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِوالِدَيْهِ كانَ بَعْدَ هَلاكِ أبِيهِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ فَلَوْ كانَ الهالِكُ هو أبُوهُ الحَقِيقِيُّ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الِاسْتِغْفارُ لَهُ أصْلًا، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الهالِكَ هو العَمُّ الكافِرُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالأبِ مَجازًا وذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّ المُسْتَغْفَرَ لَهُ إنَّما هو الأبُ الحَقِيقِيُّ ولَيْسَ بِآزَرَ، وكانَ في التَّعْبِيرِ بِالوالِدِ في آيَةِ الِاسْتِغْفارِ وبِالأبِ في غَيْرِها إشارَةٌ إلى المُغايَرَةِ ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَذِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شافَهَهُ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكَ في عِباداتِها ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَظِيمٍ عَنِ الحَقِّ ﴿مُبِينٍ﴾ 47 - أيْ ظاهِرٍ لا اشْتِباهَ فِيهِ أصْلًا، ومُشافَهَةُ الأبِ بِالجَفاءِ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الإيذاءِ، وآيَةُ التَّأْفِيفِ بِفَحْواها تَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الإيذاءاتِ كَعُمُومِها لِلْأبِ الكافِرِ والمُسْلِمِ، وأيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ أمَرَهُ بِالرِّفْقِ مَعَهُ والقَوْلِ اللَّيِّنِ لَهُ رِعايَةً لِحَقِّ التَّرْبِيَةِ وهي في الوالِدِ أتَمُّ، وأيْضًا الدَّعْوَةُ بِالرِّفْقِ أكْثَرُ تَأْثِيرًا فَإنَّ الخُشُونَةَ تُوجِبُ النُّفْرَةَ فَلا تَلِيقُ مِن غَيْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الأجانِبِ فَكَيْفَ تَلِيقُ مِنهُ مَعَ أبِيهِ وهو الأوّاهُ الحَلِيمُ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الإيذاءِ المُحَرَّمِ في شَيْءٍ ولَيْسَ مُقْتَضى المَقامِ إلّا ذاكَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدّاعِيَ لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ مُجَرَّدُ رِعايَةِ حَقِّ التَّرْبِيَةِ، وقَدْ يَقْسُو صفحة 196 الإنْسانُ أحْيانًا عَلى شَخْصٍ لِمَنفَعَتِهِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ وقالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي: اضْرِبْ ولِيَدَكَ وادْلُلْهُ عَلى رُشْدٍ ولا تَقُلْ هو طِفْلٌ غَيْرُ مُحْتَلِمِ فَرُبَّ شِقٍّ بِرَأْسٍ جَرَّ مَنفَعَةً ∗∗∗ وقِسْ عَلى شِقِّ رَأْسِ السَّهْمِ والقَلَمِ وقالَ أبُو خَفاجَةَ الأنْدَلُسِيُّ: نَبِّهْ ولِيَدَكَ مِن صِباهُ بِزَجْرِهِ ∗∗∗ فَلَرُبَّما أغْفى هُناكَ ذَكاؤُهُ وانْهَرْهُ حَتّى تَسْتَهِلَّ دُمُوعُهُ ∗∗∗ في وجْنَتَيْهِ وتَلْتَظِي أحْشاؤُهُ فالسَّيْفُ لا يَذْكُو بِكَفِّكَ نارُهُ ∗∗∗ حَتّى يَسِيلَ بِصَفْحَتَيْهِ ماؤُهُ وكَوْنُ الرِّفْقِ أكْثَرَ تَأْثِيرًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الِإطْلاقِ فَإنَّ المَقاماتِ مُتَفاوِتَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تارَةً: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وأُخْرى ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ نَعَمْ لَوِ ادُّعِيَ أنَّ ما ذُكِرَ مُؤَيِّدٌ لَكَوْنِ آزَرَ لَيْسَ أبًا حَقِيقِيًّا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَرُبَّما قُبِلَ، وحَيْثُ ادُّعِيَ أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى ذَلِكَ فَلا يُقْبَلُ فَتَدَبَّرْ، والرُّؤْيَةُ إمّا عِلْمِيَّةٌ والظَّرْفُ مَفْعُولُها الثّانِي، وإمّا بَصَرِيَّةٌ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومَنشَأُ ضَلالِ عَبَدَةِ الأصْنامِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ أبِي مَعْشَرٍ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمِ البَلْخِيِّ في بَعْضِ كُتُبِهِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ؛ فَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الإمامُ أنَّهُ قالَ: إنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الصِّينِ والهِنْدِ كانُوا يُثْبِتُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ إلّا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ جِسْمٌ ذُو صُورَةٍ كْأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، ولِلْمَلائِكَةِ أيْضًا صُوَرٌ حَسَنَةٌ إلّا أنَّهم كُلَّهم مُحْتَجِبُونَ بِالسَّماواتِ عِنْدَهم فَلا جَرَمَ اتَّخَذُوا صُوَرًا وتَماثِيلَ أنِيقَةَ المَنظَرِ حَسَنَةَ الرِّواءِ والهَيْكَلِ وجَعَلُوا الأحْسَنَ هَيْكَلَ الإلَهِ وما دُونَهُ هَيْكَلُ المَلَكِ وواظَبُوا عَلى عِبادَةِ ذَلِكَ قاصِدِينَ الزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في أصْلِ عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ النّاسَ رَأوْا تَغَيُّراتِ أحْوالِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّراتِ أحْوالِ الكَواكِبِ فَزَعَمُوا ارْتِباطَ السَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها في الطَّوالِعِ. ثُمَّ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ مَبْدَأ حُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الِاتِّصالاتُ الفَلَكِيَّةُ والمُناسِباتُ الكَوْكَبِيَّةُ؛ فَبالَغُوا في تَعْظِيمِ الكَواكِبِ. ثُمَّ مِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذاتِها، ومِنهم مَنِ اعْتَقَدَ حُدُوثَها وكَوْنَها مَخْلُوقَةً لِلْإلَهِ الأكْبَرِ إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها مَعَ ذَلِكَ هي المُدَبِّرَةُ لَأحْوالِ العالَمِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها ولَمّا رَأوْها قَدْ تَغِيبُ عَنِ الأبْصارِ اتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ الجَوْهَرِ المَنسُوبِ إلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ عِبادَةُ تِلْكَ الكَواكِبِ والتَّقَرُّبُ إلَيْها. ولِهَذا أقامَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأدِلَّةَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ لا تَأْثِيرَ لَها البَتَّةَ في أحْوالِ هَذا العالَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّ الكَواكِبَ مُسَخَّرَةٌ. وعَلى أنَّها لَوْ قُدِّرَ صُدُورُ فِعْلٍ مِنها وتَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ لا تَخْلُو عَنْ دَلائِلِ الحُدُوثِ وكَوْنِها مَخْلُوقَةً فَيَكُونُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الفَرْعِ دُونَ عِبادَةِ الأصْلِ ضَلالًا مَحْضًا. ويُرْشِدُ إلى أنَّ حاصِلَ دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ ما ذُكِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى تَوْبِيخَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ عَلى اتِّخاذِها؛ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلْإلَهِيَّةِ. وأنا أقُولُ: لَعَلَّ هَذا سَبَبٌ في عِبادَةِ الأصْنامِ أوَّلًا. صفحة 197 وأمّا سَبَبُ عِبادَةِ العَرَبِ لَها فَغَيْرُ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ - وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ- خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَلَمّا قَدِمَ أرْضَ البَلْقاءِ وبِها يَوْمَئِذٍ العَمالِقَةُ أوْلادُ عِمْلاقٍ ويُقالُ عِمْلِيقُ بْنُ وُدِّ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقالَ لَهم: ما هَذِهِ الَّتِي أراكم تَعْبُدُونَ؟ فَقالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ نَعْبُدُها ونَسْتَمْطِرُ بِها فَتُمْطِرُنا ونَسْتَنْصِرُ بِها فَتَنْصُرُنا فَقالَ لَهم: ألا تُعْطُونِي مِنها صَنَمًا فَأسِيرُ بِهِ إلى أرْضِ العَرَبِ فَيَعْبُدُونَهُ فَأعْطَوْهُ صَنَمًا يُقالُ لَهُ هُبَلٌ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ وأمَرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ. وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: يَزْعُمُونَ أنَّ أوَّلَ ما كانَتْ عِبادَةُ الحِجارَةِ في بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَظْعَنُ مِن مَكَّةَ ظاعِنٌ مِنهم حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ والتَمَسُوا الفُسَحَ في البِلادِ إلّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِن حِجارَةِ الحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ فَحَيْثُ ما نَزَلُوا وضَعُوهُ فَطافُوا بِهِ كَطَوافِهِمْ بِالكَعْبَةِ حَتّى خَلَفَهُمُ الخَلَفُ ونَسُوا ما كانُوا عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ غَيْرَهُ فَعَبَدُوا الأوْثانَ فَصارُوا عَلى ما كانَتِ الأُمَمُ قَبْلَهم مِنَ الضَّلالاتِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.

الأنعام 6:75

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ هَذِهِ الإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُسْتَعارَةِ اسْتِعارَةً لُغَوِيَّةً لِلْمَعْرِفَةِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ أيْ عَرَّفْناهُ وبَصَّرْناهُ. وكانَ الظّاهِرُ (أرَيْنا) بِصِيغَةِ الماضِي إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها حَتّى كَأنَّها حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُسْتَقْبَلِ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الإراءَةِ لا يَتَناهى وجْهُ دَلالَتِهِ فَلا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلى ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿نُرِي﴾ لا إلى إراءَةٍ أُخْرى مَفْهُومَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أراكَ﴾ ولا إلى ما أنْذَرَ بِهِ أباهُ وضَلَّلَ قَوْمَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والبَصارَةِ، وجُوِّزَ كُلٌّ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المُشَبَّهُ التَّبْصِيرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ واقِعٌ والمُشَبَّهُ بِهِ التَّبْصِيرُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، ونَظِيرُهُ وصْفُ النِّسْبَةِ بِالمُطابَقَةِ لِلْواقِعِ وهي عَيْنُ الواقِعِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الكافِ بِمَعْنى اللّامِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ السّابِقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما هو الأجْزَلُ والأوْلى مِمّا تَقَدَّمَ لَكَ في نَظائِرِهِ ولَيْسَ هو إلّا الأوَّلَ أيْ ذَلِكَ التَّبْصِيرُ البَدِيعُ نُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى ومالِكِيَّتَهُ لَهُما لا تَبْصِيرًا آخَرَ أدْنى مِنهُ، فالمَلَكُوتُ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّحَمُوتِ كَما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وِتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ ولِهَذا فُسِّرَ بِالمُلْكِ العَظِيمِ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ - مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ الآياتُ، وقِيلَ: العَجائِبُ الَّتِي في السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فُرِجَتْ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ حَتّى انْتَهى بَصَرُهُ إلى العَرْشِ وفُرِجَتْ لَهُ الأرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا رَأى إبْراهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَواتِ والأرْضِ أشْرَفَ عَلى رَجُلٍ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ فَذَهَبَ يَدْعُو عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يا إبْراهِيمُ إنَّكَ رَجُلٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ فَلا تَدْعُ عَلى عِبادِي فَإنَّهِمْ مِنِّي عَلى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَتُوبَ العاصِي فَأتُوبَ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ أُخْرِجَ مِن صُلْبِهِ نَسَمَةً تَمْلَأُ الأرْضَ بِالتَّسْبِيحِ، وإمّا أنْ أقْبِضَهُ إلَيَّ فَإنْ شِئْتُ عَفَوْتُ وإنْ شِئْتُ عاقَبْتُ». ورُوِيَ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ شَتّى ولا خِلافَ فِيها لِدَلائِلِ المَعْقُولِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، وقِيلَ: مَلَكُوتُ السَّمَواتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ الجِبالُ والأشْجارِ والبِحارِ صفحة 198 وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى ما قِيلَ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإراءَةُ بَصَرِيَّةً إذْ لَيْسَ المُرادُ بِإراءَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْصارِها ومُشاهَدَتِها في أنْفُسِها؛ بَلِ اطِّلاعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَقائِقِها وتَعْرِيفِها مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ حِسًّا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّشْبِيهُ السّابِقُ وقُرِئَ (تُرِي) بِالتّاءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكُوتِ أيْ تُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ 75 - أيْ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الإيقانِ البالِغِينَ دَرَجَةَ عَيْنِ اليَقِينِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا لا يَقْتَضِي سَبْقَ الشَّكِّ كَما لا يَخْفى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها أيْ ولِيُكُونَ كَذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّبْصِيرِ البَدِيعِ المَذْكُورِ. والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ هَذا الكَوْنَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن ذَلِكَ التَّبْصِيرِ ونَحْوَ إرْشادِ الخَلْقِ وإلْزامِ الكُفّارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُلاحِظْ ذَلِكَ فَقَدَّرَ الفِعْلَ مُقَدَّمًا لِعَدَمِ انْحِصارِ العِلَّةِ فِيما ذُكِرَ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْها الكَلامُ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلِالتِفاتِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْإراءَةِ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِإعادَةِ اللّامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ يَنْبَغِي عَلى ذَلِكَ أنْ يُرادَ بِمَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ بَدائِعُهُما وآياتُهُما لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مِن غاياتِ إراءَتِها لا مِن غايَةِ إراءَةِ نَفْسِ الرُّبُوبِيَّةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ رُؤْيَةَ الرُّبُوبِيَّةِ إنَّما هي بِرُؤْيَةِ دَلائِلِها وآثارِها. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الواوِ زائِدَةً واللّامِ مُتَعَلِّقَةً بِما قِيلَ وفِيهِ بُعْدٌ، وإنْ ذَكَرُوهُ وجْهًا كالأوَّلِينَ في كُلِّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن هَذا القَبِيلِ

الأنعام 6:76

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ ولَحِقَ، فَإنَّ تَعْرِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبُوبِيَّتَهُ ومالِكِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وكَوْنَ الكُلِّ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وكَوْنَهُ مِنَ الرّاسِخِينَ في المَعْرِفَةِ الواصِلِينَ إلى ذُرْوَةِ عَيْنِ اليَقِينِ مِمّا يَقْتَضِي بِأنْ يَحْكُمَ بِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّةِ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها قَوْمُهُ. واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِما ذُكِرَ مِن إراءَةِ المَلَكُوتِ وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ اسْتِلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، والتَّرْتِيبُ ذِكْرى لِتَأخُّرِ التَّفْصِيلِ عَنِ الإجْمالِ في الذِّكْرِ. ومَعْنى ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ، وهَذِهِ المادَّةُ بِمُتَصَرِّفاتِها تَدُلُّ عَلى السَّتْرِ. وعَنِ الرّاغِبِ أصْلُ الجَنِّ السَّتْرُ عَنِ الحاسَّةِ، يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ، فَجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ سَتْرَهُ، وأجَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ما يَسْتُرُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ جَوابُ (لَمّا) فَإنَّ رُؤْيَتَهُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عادَةً بِزَوالِ نُورِ الشَّمْسِ عَنِ الحِسِّ. وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ بَلْ كانَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ الِاضْمِحْلالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدَهُ أنَّهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ الغُرُوبِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإشارَةُ إلى سَبَبِ ذَلِكَ. والمُرادُ بِالكَوْكَبِ -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- المُشْتَرى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ الزُّهَرَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وإرْخاءِ العِنانِ مُجاراةً مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإبْطالِ وهَذا هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ. صفحة 199 وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا مَحْذُوفًا؛ وحَذْفُ أداةِ الِاسْتِفْهامِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها؟ قُلْتُ بَهِرًا، وقَوْلُهُ: فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هم هم ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ إنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾، وقِيلَ: أنَّهُ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوا ولَمْ يَلْتَفِتُوا فَمالَ إلى طَرِيقٍ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ؛ وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنَّ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا. وقَرَّرَ الإمامُ هَذا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ وكانَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ. وإذا جازَ ذَلِكَ لِبَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ المُوافَقَةِ ظاهِرًا لِلْقَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لَهُ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ، ثُمَّ قالَ: ومِمّا يُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النُّجُومِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَمَتى جازَتِ المُوافَقَةُ لِهَذا الغَرَضِ فَلِمَ لا تَجُوزُ في مَسْئَلَتِنا لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ بَيْنَما كانُوا يَدْعُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ وكانَتِ المُناظَرَةُ بَيْنَهم قائِمَةً عَلى ساقٍ إذْ طَلَعَ النَّجْمُ، فَقالَ: هَذا َرَبِّي. عَلى مَعْنى هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وقِيلَ: والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لا سِيَّما ما قَرَّرَهُ الإمامُ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ بَعْدَ البُلُوغِ ودَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ، وسِياقُ الآيَةِ وسِباقُها شاهِدا عَدْلٍ عَلى ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ قَبْلَ البُلُوغِ ولا يَلْزَمُهُ اخْتِلاجُ شَكٍّ مُؤَدٍّ إلى كُفْرٍ لِأنَّهُ لَمّا آمَنَ بِالغَيْبِ أرادَ أنْ يُؤَيِّدَ ما جَزَمَ بِهِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى إلَهًا وكانَ ما يَعْبُدُهُ قَوْمُهُ لَكانَ إمّا كَذا وإمّا كَذا والكُلُّ لا يَصِحُّ لِذَلِكَ؛ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ اللَّهِ تَعالى إلَهًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويَأْباهُ السِّياقُ والسِّباقُ كَما لا يَخْفى. وزُعِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ما قالَ إذْ لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، والجَهْلُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ لا يُضَرُّ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كُفْرًا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ المُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وهو لِلَّهِ تَعالى مُوَحِّدٌ وبِهِ عارِفٌ ومِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ بَرِيءٌ. وقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا في صِغَرِهِ ما لا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ شائِبَةٌ مِمّا يُناقِضُ ذَلِكَ فالوَجْهُ الأوَّلُ لا غَيْرَ. ولَعَلَّ سُلُوكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ في بَيانِ اسْتِحالَةِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ دُونَ بَيانِ اسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ كَما قِيلَ لِما أنَّ هَذا أخْفى بُطْلانًا واسْتِحالَةً مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْ صَدَعَ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ كَما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادَةِ الأصْنامِ لَتَمادَوْا في المُكابَرَةِ والعِنادِ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وكانَ تَقْدِيمُ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الخَفِيِّ صفحة 200 إلى الأخْفى، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ فاتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ المَعادِنِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ كالذَّهَبِ لِلشَّمْسِ والفِضَّةِ لِلْقَمَرِ لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْها فَكانَ الصَّنَمُ كالقِبْلَةِ لَهم فَأنْكَرَ أوَّلًا عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ثُمَّ أبْطَلَ مُنْشَآتِها وما نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنَ الكَواكِبِ بِعَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ أيْضًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَها اسْتِقْلالًا دُونَ تَأْثِيرِ الأصْنامِ ولِهَذا تَعَرَّضَ لِبُطْلانِ الإلَهِيَّةِ في الأصْنامِ والرُّبُوبِيَّةِ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ البُخارِيِّ (رَإي) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ (رِئِي) بِكَسْرِ الرّاءِ والهَمْزَةِ ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ 67 - أيِ الأرْبابَ المُنْتَقِلِينَ مِن مَكانٍ إلى مَكانِ المُتَغَيِّرِينَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ونَفْيُ المَحَبَّةِ قِيلَ إشارَةٌ إلى نَفْيِ اعْتِقادِ الرُّبُوبِيَّةِ وكَنّى بَعْضُهم بِعَدَمِ المَحَبَّةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الكَلامِ مُضافًا أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَمُبْتَدَأُ الِاشْتِقاقُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ لِأنَّ الأقْوالَ انْتِقالٌ واحْتِجابٌ وكُلٌّ مِنها يُنافِي اسْتِحْقاقَ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الحُدُوثِ والإمْكانِ المُسْتَحِيلَيْنِ عَلى الرَّبِّ المَعْبُودِ القَدِيمِ.

الأنعام 6:77

﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ مُبْتَدِأً في الطُّلُوعِ مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ، ولَعَلَّهُ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ البَزْغِ وهو الشِّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يُشَقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ويُقالُ بَزَغَ النّابُ إذا ظَهَرَ وبَزَغَ البَيْطارُ الدّابَّةَ إذا أسالَ دَمَها، ويُقالُ: بَزَغَ الدَّمُ أيْ سالَ وعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بُزُوغُ القَمَرِ مُشَبَّهًا بِما ذُكِرَ، وكَلامُ الرّاغِبِ صَرِيحٌ فِيهِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الكَواكِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابُ (لَمّا) وهو عَلى طُرُزِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ كَما أفَلَ الكَوْكَبُ ﴿قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى جَنابَهِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ 77 - فَإنَّ شَيْئًا مِمّا رَأيْتُهُ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصَفَةِ، وفِيهِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ القَمَرَ إلَهًا وهو نَظِيرُ الكَواكِبِ في الأُفُولِ فَهو ضالٌّ، والتَّعْرِيضُ بِضَلالِهِمْ هُنا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أصْرَحُ وأقْوى مِن قَوْلِهِ أوَّلًا لا أحَبَّ الآفِلِينَ، وإنَّما تَرَقّى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ لِأنَّ الخُصُومَ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ الأوَّلِ حُجَّةً فَأنِسُوا بِالقَدْحِ في مُعْتَقَدِهِمْ، ولَوْ قِيلَ هَذا في الأوَّلِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَنْفِرُونَ ولا يُصْغُونَ إلى الِاسْتِدْلال، فَما عَرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم عَلى ضَلالَةٍ إلّا بَعْدَ أنْ وثِقَ بِإصْغائِهِمْ إلى تَمامِ المَقْصُودِ واسْتِماعِهِمْ لَهُ إلى آخِرِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرَقّى في النَّوْبَةِ الثّالِثَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالبَراءَةِ مِنهم والتَّصْرِيحِ بِأنَّهم عَلى شِرْكٍ حِينَ تَمَّ قِيامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَبَلَّجَ الحَقُّ وبَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ غايَتَهُ وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَلى أنَّ اسْتِدْلالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِنَفْسِهِ بَلْ كانَ مُحاجَّةً لِقَوْمِهِ وكَذا ما سَيَأْتِي وحَمْلُ هَذا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَعْجَزَ نَفْسَهُ فاسْتَعانَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ في دَرْكِ الحَقِّ، وما سَيَأْتِي عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى حُصُولِ اليَقِينِ مِنَ الدَّلِيلِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حُصُولَ اليَقِينِ مِنَ الدَّلِيلِ لا يُنافِي المُحاجَّةَ مَعَ القَوْمِ، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في مَوْضِعٍ كانَ في جانِبِهِ الغَرْبِيِّ جَبَلٌ شامِخٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ والقَمَرُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وكانَ الكَوْكَبُ قَرِيبًا مِنهُ وأُفُقُهُ الشَّرْقِيُّ مَكْشُوفٌ أوَّلًا وإلّا فَطُلُوعُ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ ثُمَّ أُفُولُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَما صفحة 201 يُنْبِئُ عَنْهُ

الأنعام 6:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ مُبْتَدِأةً في الطُّلُوعِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ، وقالَ آخَرُ: أنَّ القَمَرَ لَمْ يَكُنْ حِينَ رَآهُ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ بَلْ كانَ وراءَ جَبَلٍ ثُمَّ طَلَعَ مِنهُ أوْ في جانِبٍ آخَرَ لا يَراهُ وإلّا فَلا احْتِمالَ لِأنْ يَطْلُعَ القَمَرُ مِن مَطْلَعِهِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ ثُمَّ يَغْرُبُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ جَبَلٍ في المَغْرِبِ أوِ المَشْرِقِ خِلافُ الظّاهِرِ لا سِيَّما عَلى قَوْلِ شَيْخِ الإسْلامِ لِأنَّ هَذا الِاحْتِجاجَ كانَ في نَواحِي بابِلَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ المُؤَرِّخِينَ وأهْلِ الأثَرِ، ولَيْسَ هُناكَ اليَوْمَ جَبَلٌ مُرْتَفِعٌ بِحَيْثُ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ واحْتِمالُ كَوْنِهِ كانَ إذْ ذاكَ ولَمْ يَبْقَ بِتَتالِي الأعْوامِ بِعِيدٌ، وكَذا يُقالُ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ عِنْدَ النّاسِ اليَوْمَ إنَّ واقِعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَرِيبًا مِن حَلَبَ لِأنَّهُ أيْضًا لَيْسَ هُناكَ جَبَلٌ شامِخٌ كَما يَقُولُهُ الشَّيْخُ عَلى أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البُزُوغِ والأُفُولِ البُزُوغُ مِنَ الأُفُقِ الحَقِيقِيِّ لِذَلِكَ المَوْضِعِ والأُفُولُ عَنْهُ لا مُطْلَقُ البُزُوغِ والأُفُولِ وقالَ الشِّهابُ إنَّ الَّذِي ألْجَأهم إلى ما ذُكِرَ التَّعْقِيبُ بِالفاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا مِثْلَ تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ تَمْضِ أيّامٌ ولَيالٍ بَيْنَ ذَلِكَ سَواءً كانَ اسْتِدْلالًا أوْ وضْعًا واسْتِدْراجًا لا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالثّانِي كَما تُوُهِّمَ عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ ما ذُكِرَ إذا كانَ كَوْكَبًا مَخْصُوصًا، وإنَّما يُرَدُّ لَوْ أُرِيدَ جُمْلَةُ الكَواكِبِ أوْ واحِدٌ لا عَلى التَّعْيِينِ فَتَأمَّلْ، انْتَهى، ولا يُخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ والتِزامَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمْ يَكُنْ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ وصَبِيحَتِها هو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، ودَعْوى إمْكانِ طُلُوعِ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ حَقِيقَةٌ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وأُفُولِهِ قَبْلَ طُلُوعِها لا يَدَّعِيها عارِفٌ بِالهَيْئَةِ في هَذِهِ الآفاقِ الَّتِي نَحْنُ فِيها لِأنَّ امْتِناعَ ذَلِكَ عادَةٌ، ولَوْ أُرِيدَ كَوْكَبٌ مَخْصُوصٌ أمْرٌ ظاهِرٌ لا سِيَّما عَلى ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ كانَتْ في آخِرِ الشَّهْرِ نَعَمْ قَدْ يُمْكِنُ ذَلِكَ في بَعْضِ البُرُوجِ في عُرُوضٍ مَخْصُوصَةٍ لَكِنْ بَيْنَنا وبَيْنَها مَهامِهُ فَيْحٌ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ فَتَأمَّلْ، (قالَ) أيْ عَلى المِنوالِ السّابِقِ ﴿هَذا رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى الجِرْمِ المُشاهَدِ مِن حَيْثُ هو لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِاسْمٍ مِنَ الأسامِي فَضْلًا عَنْ حَيْثِيَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِالشَّمْسِ ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ وقالَ أبُو حَيّانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ لُغَةِ العَجَمِ لا تُفَرِّقُ في الضَّمائِرِ ولا في الإشارَةِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ولا عَلامَةَ عِنْدَهم لِلتَّأْنِيثِ بَلِ المُؤَنَّثُ والمُذَكَّرُ عِنْدَهم سَواءٌ فَأُشِيرَ في الآيَةِ إلى المُؤَنَّثِ بِما يُشارُ بِهِ إلى المُذَكِّرِ حِينَ حَكى كَلامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحِينَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المُؤَنَّثِ بِـ (بازِغَةً، وأفَلَتْ) أنَّثَ عَلى مُقْتَضى العَرَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحِكايَةٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَظْهَرُ لَوْ حَكى كَلامَهم بِعَيْنِهِ في لُغَتِهِمْ، أمّا إذا عُبِّرَ عَنْهُ بِلُغَةِ العَرَبِ فالمُعْتَبَرُ حُكْمُ لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ العِبْرَةَ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِالحِكايَةِ لا المَحْكِيِّ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ أحَدٌ: الكَوْكَبُ النَّهارِيُّ طَلَعَ فَحَكَيْتَهُ بِمَعْناهُ، وقُلْتَ: الشَّمْسُ طَلَعَتْ، لَمْ يَكُنْ لَكَ تَرْكُ التَّأْنِيثِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ لِما وقَعَ في عِبارَتِهِ وإذا تَتَبَّعْتَ ما وقَعَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ رَأيْتَهُ إنَّما يُراعى فِيهِ الحِكايَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بِالعَجَمِيَّةِ دُونَ العَرَبِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ والصَّحِيحُ خِلافُهُ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وقَدْ صَرَّحُوا في الضَّمِيرِ واسْمِ الإشارَةِ مِثْلَهُ أنَّ رِعايَةَ الخَبَرِ فِيهِ أوْلى مِن رِعايَةِ المَرْجِعِ لِأنَّهُ مَناطُ الفائِدَةِ في الكَلامِ وما مَضى فاتَ، وفي الكَشّافِ بَعْدَ جَعْلِ التَّذْكِيرِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ صفحة 202 وكانَ اخْتِيارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ واجِبًا لِصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا في الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ مُسَلَّمٌ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُسْتَرْشَدًا ظاهِرٌ، والمُرادُ عَلى المَسْلَكِ الآخَرِ إظْهارُ صَوْنِ الرَّبِّ لِيَسْتَدْرِجَهم إذْ لَوْ حُقِّرَ بِوَجْهٍ ما كانَ سَبَبًا لِعَدَمِ إصْغائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ تَأْكِيدًا لِما رامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ كَما قِيلَ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الأصْغَرِ، وكَوْنُ الشَّمْسِ أكْبَرَ مِمّا قَبْلَها مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ، والآثارُ في مِقْدارِ جِرْمِها مُخْتَلِفَةٌ والَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ مَثَلًا ورُبْعُ وثُمُنُ مِثْلَ الأرْضِ وسِتَّةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ مَثَلًا وثُلُثا مِثْلٍ لِلْقَمَرِ، وذَكَرُوا أنَّ الأرْضَ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ مَثَلًا وخُمْسُ وعَشْرُ مِثْلٍ لِلْقَمَرِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الهَيْئَةِ لِلْبُرْجَنْدِيِّ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ كَما أفَلَ ما قَبْلَها (قالَ) لِقَوْمِهِ صادِحًا بِالحَقِّ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ 78 - أيْ مِن إشْراكِكم أوْ مِنَ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُتَغَيِّرَةِ مِن حالٍ إلى أُخْرى المُسَخَّرَةِ لِمُحْدِثِها، وإنَّما أحْتَجَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ مَعَ أنَّهُ أيْضًا انْتِقالٌ قِيلَ لِتَعَدُّدِ دَلالَتِهِ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مَعَ احْتِجابٍ والأوَّلُ حَرَكَةٌ وهي حادِثَةٌ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ مَحَلِّها، والثّانِي اخْتِفاءٌ يَسْتَتْبِعُ إمْكانَ مَوْصُوفِهِ ولا كَذَلِكَ البُزُوغُ لِأنَّهُ وإنْ كانَ انْتِقالًا مَعَ البُرُوزِ لَكِنْ لَيْسَ لِلثّانِي مَدْخَلٌ في الِاسْتِدْلالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ البُزُوغَ أيْضًا انْتِقالٌ مَعَ احْتِجابٍ لِأنَّ الِاحْتِجابَ في الأوَّلِ لاحِقٌ وفي الثّانِي سابِقٌ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ في وسَطِ السَّماءِ كَما قِيلَ ولَمْ يُشاهِدْ بُزُوغَهُ فَإنَّما يَصِيرُ نُكْتَةً في الكَوْكَبِ دُونَ القَمَرِ والشَّمْسِ إلّا أنْ يُقالَ بِتَرْجِيحِ الأُفُولِ بِعُمُومِهِ بِخِلافِ البُزُوغِ والأوْلى ما قِيلَ: إنَّ تَرْتِيبَ هَذا الحُكْمِ ونَظِيرَيْهِ عَلى الأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ والظُّهُورِ مِن ضَرُورِيّاتِ سَوْقِ الِاحْتِجاجِ عَلى هَذا المَساقِ الحَكِيمِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وإنْ كانَ في نَفْسِهِ انْتِقالًا مُنافِيًا لِاسْتِحْقاقٍ في الجُمْلَةِ رُتِّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ الأوَّلُ أعْنِي (هَذا رَبِّي) عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ وحَيْثُ كانَ الثّانِي حالَةً مُقْتَضِيَةً لِانْطِماسِ الآثارِ وبُطْلانِ الأحْكامِ المُنافِيَيْنِ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ مُنافاةً بَيِّنَةً يَكادُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ مُكابِرٍ عَنِيدٍ رَتَّبَ عَلَيْها ما رَتَّبَ، انْتَهى وبِمَعْنى هَذا ما قالَهُ الإمامُ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ مِن أنَّ دَلالَتَهُ عَلى المَقْصُودِ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الآفِلَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الهَوى في حَضِيضِ الإمْكانِ أُفُولٌ؛ وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ وكُلُّ مُمَكَّنٍ مُحْتاجٌ والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مُقَطِّعًا لِلْحاجَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾، وأمّا الأوْساطُ فَهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحَدَثٌ وكُلُّ مُحَدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ، وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ ومَن صفحة 203 كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالَ: فَكَلِمَةُ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ، وهُنا أيْضًا دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ، ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ وكانَ صاعِدًا إلى وسَطَ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ. أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ الأثَرِ قَلِيلَ القُوَّةِ فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ ناقِصَ التَّأْثِيرِ عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ لِلْأُفُولِ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ فَهْمَ الهَوى في حَضِيضِ الإمْكانِ مِن ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ، وكَوْنُ المُرادِ فَلَمّا تَحَقَّقَ إمْكانُهُ لِظُهُورِ أماراتِ ذَلِكَ مِنَ الجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ مَثَلًا قالَ إلَخْ لا يَخْفى ما فِيهِ، نَعَمْ، فَهْمُ هَذا المَعْنى مِن ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ رُبَّما يُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ، ونُقِلَ عَنْ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ فَلَكٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ، والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ. والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرَكَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةُ القُوَّةِ؛ ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلِي عَلَيْها قاهِرٌ لَها وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاحْتِجاجِ عَلى قَوْمِهِ بِأُفُولِ الشَّمْسِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ امْتِناعِ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيها لِذَلِكَ امْتِناعُها في غَيْرِها مِن بابِ أوْلى وفِيهِ أيْضًا رِعايَةُ الإيجازِ والِاخْتِصارِ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْوَنِ إلى الأعْلى مُبالَغَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ عَلى ما هو اللّائِقُ بِذَلِكَ المَقامِ ولَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ ونَحْوِهِما مِمّا يُدْرِكُهُ الرّائِي عِنْدَ الرُّؤْيَةِ في أماراتِ الحُدُوثِ والإمْكانِ اخْتِيارًا لِما هو أوْضَحُ مِن ذَلِكَ في الدَّلالَةِ وأتَمُّ،

الأنعام 6:79

ثُمَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَرَّأ مِمّا تَبْرَأ مِنهُ تَوَجَّهَ إلى مُبْدِعٍ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ ومُوجِدِها فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ أيْ أوْجَدَ وأنْشَأ ﴿السَّماواتِ﴾ الَّتِي هَذِهِ الأجْرامُ مِن أجْزائِها ﴿والأرْضَ﴾ الَّتِي تِلْكَ الأصْنامُ مِن أجْزائِها ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ 79 - أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. والمُرادُ مِن تَوْجِيهِ الوَجْهِ لِلَّذِي فَطَرَ إلَخْ قَصْدُهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ وقالَ الإمامُ: المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا الجَوازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ فَجَعَلَ تَوَجُّهَ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ صِلَةُ وجَّهَ. وفي الصِّحاحِ وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ وإلَيْكَ، وظاهِرُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ وجَّهَ وتَوَجَّهَ بِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ بِاللّامِ والثّانِي بِإلى، وعَلَيْهِ وجْهُ اللّامِ هُنا دُونَ إلى ظاهِرٌ، ولَيْسَ في القامُوسِ تَعَرُّضٌ لِهَذا الفَرْقِ. وادَّعى الإمامُ أنَّهُ حَيْثُ كانَ المَعْنى تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ لا تَوَجُّهَ القَلْبِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ تُرِكَتْ إلى واكْتَفى بِاللّامِ فَتَرَكَها. والِاكْتِفاءُ بِاللّامِ هَهُنا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ؛ وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ قُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ أنَّ الكَوْكَبَ صفحة 204 والشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشِّرْكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ فَلِمَ جَزَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ بَعْدَ إقامَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؟ فالجَوابُ بِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفِيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الِإطْلاقِ. ثُمَّ أنَّ المَشْهُورَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مِن أوَّلِ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الثّانِي والشَّخْصِيَّةُ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أوِ القَمَرُ أوْ هَذِهِ أوْ أفَلَتْ ولا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ أوْ رَبِّي لَيْسَ بِآفِلٍ يَنْتُجُ هَذا أوِ القَمَرَ أوْ هَذِهِ لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لَيْسَ بِرَبِّي. أمّا الصُّغْرى فَهي كالمُصَرَّحِ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: (فَلَمّا أفَلَ) في المَوْضِعَيْنِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ في الأخِيرِ، وأمّا الكُبْرى فَمَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لِأنَّهُ يُشِيرُ إلى قِياسٍ. وهو كُلُّ آفِلٍ لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ. وكُلُّ مَن لا يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَلَيْسَ بَإلَهٍ يَنْتُجُ مِنَ الأوَّلِ كُلُّ آفِلٍ لَيْسَ بَإلَهٍ، ويَسْتَلْزِمُ لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ بِإلَهٍ لِاسْتِلْزامِ المُوجِبَةِ المَعْدُولَةِ السّالِبَةِ المُحَصَّلَةِ. ويَصِحُّ جَعْلُ الكُبْرى ابْتِداءً سالِبَةً فَيَنْتُجُ ما ذُكِرَ ويَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وهي إحْدى الكُبْرَيَيْنِ ويُعْلَمُ مِن هَذا بِأدْنى التِفاتٍ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الكُبْرى الثّانِيَةِ وقالَ المَلَوِيُّ: الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ يَتَضَمَّنُ قَضِيَّةً وهي لا شَيْءَ مِنَ الآفِلِ يَسْتَحِقُّ العُبُودِيَّةَ فَتُجْعَلُ كُبْرى لِصُغْرى ضَرُورِيَّةً وهي الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ يَنْتُجُ لا شَيْءَ مِنَ الإلَهِ بِآفِلٍ، وإذا ضُمَّتْ هَذِهِ النَّتِيجَةُ إلى القَضِيَّةِ السّابِقَةِ وهي هَذا آفِلٌ ونَحْوُهُ أنْتَجَ مِنَ الثّانِي هَذا لَيْسَ بَإلَهٍ أوْ لا شَيْءَ مِنَ القَمَرِ بَإلَهٍ، وإنْ ضَمَمْتَ عَكْسَها المُسْتَوِيَ إلَيْها أنْتَجَ مِنَ الأوَّلِ المَطْلُوبَ بِعَيْنِهِ فَلا يَتَعَيَّنُ الثّانِي في الآيَةِ بَلِ الأوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنها أيْضًا، اهـ. فَتَأمَّلْ فِيهِ ولا تَغْفُلْ

الأنعام 6:80

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ خاصَمُوهُ -كَما قالَ الرَّبِيعُ- أوْ شَرَعُوا في مُغالَبَتِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ تارَةً بِإيرادِ أدِلَّةٍ فاسِدَةٍ واقِعَةٍ في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ وأُخْرى بِالتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ ﴿قالَ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَرْتَبَةِ وعَزَّةِ المَطْلَبِ وقُوَّةِ الخَصْمِ ووُضُوحِ الحَقِّ ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ فَفِيهِ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ واخْتُلِفَ في أيِّهِما المَحْذُوفَةِ، فَقِيلَ: نُونُ الرَّفْعِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. ورَجَّحَ بِأنَّ الحاجَةَ دَعَتْ إلى نُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن أجْلِ الياءِ ونُونُ الرَّفْعِ لا تُكْسَرُ. وبِأنَّهُ جاءَ حَذْفُها كَما في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتُقْلُونا، أرادَ تُقْلُونَنا والنُّونُ الثّانِيَةُ هُنا لَيْسَتْ وِقايَةً بَلْ هي مِنَ الضَّمِيرِ وحَذْفُ بَعْضِ الضَّمِيرِ لا يَجُوزُ وبِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ وهي قَدْ تُحْذَفُ تَخْفِيفًا كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو. يَنْصُرُكم ويُشْعِرُكم ويَأْمُرُكم. وقِيلَ نُونُ الوِقايَةِ. وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، ورَجَّحَ بِأنَّها الزّائِدَةُ الَّتِي حَصَلَ بِها الثِّقَلُ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ هَدانِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ. فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَهْدِيًّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ الكَفَّ عَنْ مُحاجَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمَ المُبالاةِ بِها والِالتِفاتَ إلَيْها إذا وقَعَتْ، قِيلَ: والمُرادُ ﴿وقَدْ هَدانِي﴾ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْكم بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: هَدانِ إلى الحَقِّ بَعْدَ صفحة 205 ما سَلَكْتُ طَرِيقَكم بِالفَرْضِ والتَّقْدِيرِ وتَبَيَّنَ بُطْلانُها تَبَيُّنًا تامًّا كَما شاهَدْتُمُوهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ لا يَقْتَضِي سَبْقَ ضَلالٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَهْلٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا. و(هْدانِ) يُرْسَمُ كَما قالَ الأجْهُورِيُّ بِلا ياءٍ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جَوابٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ مَعْبُودِهِمُ الباطِلِ كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ وهَذا التَّخْوِيفُ قِيلَ: كانَ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَهُ، وقِيلَ: بَلْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ واحْتِقارِهِ بِنَحْوِ الكَسْرِ والتَّنْقِيصِ، وقِيلَ: ولَعَلَّ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَ بِآلِهَتِهِمْ ما فَعَلَ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شَبَّ وكَبُرَ جَعَلَ آزَرُ يَصْنَعُ الأصْنامَ فَيُعْطِيها لَهُ لِيَبِيعَها فَيَذْهَبُ ويُنادِي مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؛ فَلا يَشْتَرِيها أحَدٌ فَإذا بارَتْ ذَهَبَ بِها إلى النَّهْرِ وضَرَبَ فِيهِ رُؤُوسَها وقالَ لَها اشْرَبِي، اسْتِهْزاءً بِقَوْمِهِ حَتّى فَشا فِيهِمُ اسْتِهْزاؤُهُ فَجادَلُوهُ حِينَئِذٍ وخَوَّفُوهُ. و(ما) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لا أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَوْصُولِ والباءُ سَبَبِيَّةً أيِ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ، وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ بِتَقْدِيرِ الوَقْتِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مُسْتَثْنًى مِن أعَمِّ الأوْقاتِ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَصْدَرَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ وقْتٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مُفَرِّقًا بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيُجَوِّزُ نَصْبَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وغَيْرِ الصَّرِيحِ فَلا يُجَوِّزُ فِيهِ ذَلِكَ. وابْنُ جِنِّيٍّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وغَيْرِهِ ويُجَوِّزُ ذَلِكَ فِيهِما عَلى السَّواءِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ في رَأْيٍ. و(شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في وقْتِ مَشِيئَتِهِ تَعالى شَيْئًا مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها أوْ شَيْئًا مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِآلِهَتِكم في إيجادِهِ وإحْداثِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى ولَكِنْ أخافُ إنْ يَشَأْ رَبِّي خَوْفِي ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تِلْكَ إنْ وقَعَتْ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ أوْ إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ أيْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ إنْزالُ المَكْرُوهِ بِي مِن جِهَتِها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ونَصَبَ (عِلْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوَسِعَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ واسْتِلْذاذٌ بِذِكْرِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ 80 - أيْ أتُعْرِضُونَ بَعْدَما أوْضَحْتُهُ لَكم عَنِ التَّأمُّلِ في أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ النَّفْعِ أوِ الضُّرِّ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى إضْرارِي. وفي إيرادِ التَّذَكُّرِ دُونَ التَّفَكُّرِ ونَحْوِهُ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ آلِهَتِهِمْ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّذْكِيرِ

الأنعام 6:81

﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِحَسَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ؛ والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ صفحة 206 الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافَ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا يَخْلُو عَنْ كَيْفِيَّةٍ فَإذا انْتَفى وُجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، و(كَيْفَ) حالٌ والعَوامِلُ فِيها (أخافُ) و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أخافُ) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ لِمَكانِ الواوِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ، ولا حاجَةَ هُنا إلى ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى ذِي الحالِ لِأنَّ الواوَ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ فَإنَّهَمْ حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحَلِّ الخَوْفِ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى أيْ كَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المُخَوِّفاتِ وأهْوَلُها وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرْضَ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ قِيلَ مَعَ الإيَذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِإشْراكِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الإشْراكِ المُقَيَّدِ بِتَعَلُّقِهِ بِالمَوْصُولِ، ولا حاجَةَ إلى العائِدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في الِاكْتِفاءِ في الرَّبْطِ بِرُجُوعِ العائِدِ إلى ما يَتَلَبَّسُ بِصاحِبِهِ وذِكْرِ مُتَعَلِّقِ الإشْراكِ وهو الِاسْمُ الجَلِيلُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ دُونَ الجُمْلَةِ الأُولى، قِيلَ لِأنَّ المُرادَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ تَهْوِيلُ الأمْرِ، وذِكْرُ المُشْرَكِ بِهِ أُدْخِلَ في ذَلِكَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ أنَّ يُقالَ في وجْهِ الذِّكْرِ في الثّانِيَةِ والتَّرْكِ في الأُولى إنَّهُ لَمّا قِيلَ قُبَيْلَ هَذا (ولا أخافُ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ) كانَ ما هُنا كالتَّكْرارِ لَهُ فَناسَبَ الِاخْتِصارَ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَفَهُ إشارَةً إلى بُعْدِ وِجْدانِيَّتِهِ تَعالى عَنِ الشِّرْكِ فَلا يَنْبَغِي عِنْدَهُ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ولا ذِكْرُ مَعَهُ، ولَمّا ذُكِرَ حالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُنَزِّهُونَهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صُرِّحَ بِهِ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ الجَلِيلِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِيَعُودَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في (ما لَمْ يُنَزِّلْ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي سَبْقُ ذِكْرِهِ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ خَوْفِهِمْ مِن إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُنْكَرُ المُسْتَبْعَدُ عِنْدَ العَقْلِ السَّلِيمِ لا مُطْلَقُ الإنْكارِ ولا كَذَلِكَ في الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّ المَقْصُودَ فِيها إنْكارُ أنْ يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى سَواءً كانَ مِمّا يُشْرِكُهُ الكُفّارُ أوْ لا؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً مَعَ الأُولى في حُكْمِ الإنْكارِ إلّا عِنْدَ مُدَّعِي العَطْفِ وهو مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وأيْضًا أنَّ ﴿ما أشْرَكْتُمْ﴾ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى غَيْرُ الشَّرِيكِ إنْ هَذا إلّا شَيْءٌ عُجابٌ ثُمَّ أنَّ الآيَةَ نَصٌّ في أنَّ الشِّرْكَ مِمّا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ سُلْطانٌ. وهَلْ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ السُّلْطانِ في ذَلِكَ أمْ لا؟ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ وفي أُصُولِ الفِقْهِ ما يُؤَيِّدُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِي والَّذِي أخْتارُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ لَيْسَ مِن مَحَلِّ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، فانْظُرْ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ صفحة 207 خَوْفِهِمْ في مَحَلِّ الخَوْفِ مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وبِهَذا يُعْلَمُ ما في دَعْوى أنَّ الإنْكارَ في الجُمْلَةِ الأوْلى لِنَفْيِ الوُقُوعِ وفي الثّانِيَةِ لِاسْتِبْعادِ الواقِعِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الإنْصافِ، والمُرادُ بِـ (الفَرِيقَيْنِ) الفَرِيقُ الآمِنُ في مَحَلِّ الأمْنِ والآمِنُ في مَحَلِّ الخَوْفِ، فَإيثارُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ -كَما قِيلَ- عَلى أنْ يُقالَ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ؟ لِتَأْكِيدِ الإلْجاءِ إلى الجَوابِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ والتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَتِهِمُ الَّتِي رُبَّما تَدْعُو إلى اللَّجاجِ والعِنادِ مَعَ الإشارَةِ بِما في النَّظْمِ إلى أنَّ أحَقِّيَّةَ الأمْنِ لا تَخُصُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مُوَحِّدٍ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْحِيدِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 81 - أيْ مَن هو أحَقُّ بِذَلِكَ أوْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أُولِي العِلْمِ فَأخْبِرُونِي بِذَلِكَ. وقُرِئَ (سُلُطانًا) بِضَمِّ اللّامِ وهي لُغَةٌ أُتْبِعَ فِيها الضَّمُّ الضَّمَّ.

الأنعام 6:82

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُبَيِّنٌ لِلْجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَقَ وابْنِ زَيْدٍ والجَبائِيِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ بَيانًا لِأنَّهُ ما كانَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وهَذا جَوابُ سُؤالٍ مُحَقَّقٍ ولا نَحْوِيًّا لِما قالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ الِاسْتِئْنافَ النَّحْوِيَّ ما كانَ في ابْتِداءِ الكَلامِ ومُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ وهَذا مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ لِارْتِباطِ الجَوابِ والسُّؤالِ ضَرُورَةً ولَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُما وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ كَوْنِهِ نَحْوِيًّا ومَعْنى كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ أنْ لا يُعْطَفَ عَلَيْهِ ولا يَتَعَلَّقَ بِهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ وإنِ ارْتَبَطَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِابْتِداءِ الكَلامِ ابْتِداؤُهُ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا أيِ الفَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا﴾ أيْ لَمْ يَخْلِطُوا ﴿إيمانَهُمْ﴾ ذَلِكَ ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ شِرْكٍ كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى وأنَّ عِبادَتَهم لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ مَعَهُ مِن تَتِمّاتِ إيمانِهِمْ وأحْكامِهِ لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ وإلى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ هُنا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ ومُجاهِدُ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ حالِ الفَرِيقَيْنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَقالَ ﷺ: لَيْسَ ما تَظُنُّونَ إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» ولا يُقالُ: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ﴾ إلَخْ أنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لا يَكُونُ ظُلْمًا لِأنَّهم قالُوا: إنَّ التَّنْوِينَ في (بِظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ عَظِيمٍ، ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ عُلِمَ أنَّ المُرادَ لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ أوْ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ المُطْلَقِ أكْمَلُ إفْرادِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجَبائِيِّ والبَلْخِيِّ. وارْتَضاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَبَعًا لِجُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا أمْنَ لَهُ ولا نَجاةَ مِنَ العَذابِ حَيْثُ دَلَّتْ بِتَقْدِيمٍ لَهُمُ الآتِي عَلى اخْتِصاصِ الأمْنِ بِمَن لَمْ يَخْلِطْ إيمانَهُ بِظُلْمٍ أيْ بِفِسْقٍ وادَّعَوْا أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالشِّرْكِ يَأْباهُ ذِكْرُ اللَّبْسِ أيْ صفحة 208 الخَلْطُ إذْ هو لا يُجامِعُ الإيمانَ لِلضِّدِّيَّةِ وإنَّما يُجامِعُ المَعاصِي، والحَدِيثُ خَبَرُ واحِدٍ فَلا يُعْمَلُ بِهِ في مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّ الفِسْقَ أيْضًا لا يُجامِعُ الإيمانَ عِنْدَهم أيْضًا فَلا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ لِكَوْنِهِ اسْمًا لِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ السَّيِّئاتِ حَتّى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَما أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ مَدْفُوعٍ -كَما قِيلَ- بِأنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ الإيمانُ عَلى نَفْسِ التَّصْدِيقِ بَلْ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ بِلَفْظِ الفِعْلَ غَيْرُ هَذا حَتّى أنَّهُ يَعْطِفُ عَلَيْهِ عَمَلَ الصّالِحاتِ كَما جاءَ في غَيْرِ ما آيَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ وهو قَدْ يُجامِعُ الشِّرْكَ كَأنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ دُونَ وحْدانِيَّتِهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ مُطْلِقُ التَّصْدِيقِ سَواءً كانَ بِاللِّسانِ أوْ غَيْرِهِ بَلِ المُجامَعَةُ عَلى هَذا أظْهَرُ كَما في المُنافِقِ ولَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنِ الكُفْرِ يُقالُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن لَبْسِ الإيمانِ بِالشِّرْكِ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ ومُشْرِكٌ بَلْ تَغْطِيَتُهُ بِالكُفْرِ وجَعْلُهُ مَغْلُوبًا مُضْمَحِلًّا أوِ اتِّصافُهُ بِالإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ ثُمَّ الإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ مِرارًا، وبَعْدَ تَسْلِيمِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ إنَّما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْنِ بِغَيْرِ العُصاةِ وهو لا يُوجِبُ كَوْنَ العُصاةِ مُعَذَّبِينَ البَتَّةَ بَلْ خائِفِينَ ذَلِكَ مُوقِعِينَ لِلِاحْتِمالِ ورُجْحانِ جانِبِ الوُقُوعِ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ الأمْنِ الأمْنُ مِن خُلُودِ العَذابِ لا الأمْنُ مِنَ العَذابِ مُطْلَقًا، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والإشارَةُ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وفي الإشارَةِ إلَيْهِ بِما فِيهِ مَعْنى البُعْدِ بَعْدَ وصْفِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ (لَهُمُ الأمْنُ) مِنَ الخَبَرِ المُقَدَّمِ والمُبْتَدَإ المُؤَخَّرِ خَبَرُ المُبْتَدَإ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أُولَئِكَ) بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ و(لَهُمُ) هو الخَبَرُ و(الأمْنُ) فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ وأنْ يَكُونَ (لَهُمُ) خَبَرًا مُقَدَّمًا و(الأمْنُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ المَوْصُولِ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وقالَ: التَّقْدِيرُ هُمُ الَّذِينَ. ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ 82 - إلى الحَقِّ ومَن عَداهم في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهم إلى طَرِيقٍ تُوجِبُ الأمْنَ مِن خُلُودِ العَذابِ

الأنعام 6:83

﴿وتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ) إلَخْ، وقِيلَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ إلى ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ وتَرْكِيبُ حُجَّةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ مِنهُ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِهِ إلى نُونِ العِظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها في مَوْضِعِ الحالِ مِن (حُجَّةُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ و(حُجَّتُنا) بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَإ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (آتَيْنا) إلَخْ مُعْتَرِضَةً أوْ تَفْسِيرِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و(إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَـ (آتَيْنا) قُدِّمَ عَلى الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حُجَّتُنا) إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِـ (تِلْكَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَلِ بِأجْنَبِيٍّ أيْ آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ (حُجَّتِنا) أصْلًا لِلْمَصْدَرِيَّةِ والفَصْلِ، ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يَرى المَصْدَرِيَّةَ مانِعَةً عَنْ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ ويَجْعَلُ الفَصْلَ مُغْتَفَرًا، وقِيلَ: يَصِحُّ صفحة 209 تَعَلُّقُهُ بِـ (آتَيْنا) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ أيْ رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ. مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ (آتَيْنا) أيْ حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ، ونَصْبُ (دَرَجاتٍ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَأْوِيلِ رَفْعاتٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَفْعُولُ (نَرْفَعُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيما بَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (يَرْفَعُ) بِالياءِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وكَذا نَشاءُ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (دَرَجاتِ مَن) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَرْفَعُ)، ورَفْعُ دَرَجاتِ الإنْسانِ رَفْعٌ لَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم جَعْلَهُ مَفْعُولًا أيْضًا عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ وجَعْلَ (مَن) بِتَقْدِيرِ لِمَن وهو بَعِيدٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَفْعَلُ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ 38 - أيْ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ وإنْ شِئْتَ عَمَمْتَ ويَدْخُلُ حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ الإبْراهِيمِيَّةِ عِدَّةَ أحْكامٍ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا فَيَكُونُ آفِلًا والأُفُولُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ تِلْكَ الغَيْبَةِ المَفْرُوضَةِ أُفُولًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِأنَّ الأُفُولَ احْتِجابٌ مَعَ انْتِقالٍ وتِلْكَ الغَيْبَةُ المَفْرُوضَةُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ هي مُجَرَّدُ احْتِجابٍ فِيما يَظْهَرُ، نَعَمْ أنَّهُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّ الكَلامَ في كَوْنِهِ أُفُولًا لِيَتِمَّ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ لا يُقالُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ ذِكْرُ الحِجابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ بِأنَّ الِاحْتِجابَ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ لِأنّا نَقُولُ: الحِجابُ الوارِدُ كَما قالَ القاضِي عِياضٌ إنَّما هو في حَقِّ العِبادِ لا في حَقِّهِ تَعالى فَهُمُ المَحْجُوبُونَ، والبارِي جُلَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَمّا يَحْجُبُهُ إذِ الحِجابُ إنَّما يُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذِكْرَ الحِجابِ لَهُ تَعالى تَمْثِيلٌ لِمَنعِهِ سُبْحانَهُ الخَلْقَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ السَّيِّدُ النَّقِيبَ في الدُّرَرِ والغُرَرِ: العَرَبُ تُسْتَعْمِلُ الحِجابَ بِمَعْنى الخَفاءِ وعَدَمِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ أحَدُهم لِغَيْرِهِ إذا اسْتَبْعَدَ فَهْمَهُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ حِجابٌ، ويَقُولُونَ لِما يُسْتَصْعَبُ طَرِيقُهُ: بَيْنِي وبَيْنَهُ كَذا حُجُبٌ ومَوانِعُ وساتِرٌ وما جَرى ذَلِكَ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ فِيما ذُكِرَ مَجازًا في المُفْرَدِ فَتَدَبَّرْ، الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى بِحَيْثُ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الواصِفِينَ رَبَّهم عَزَّ شَأْنُهُ بِصِفَةِ النُّزُولِ حَيْثُ سَمِعُوا حَدِيثَهُ الصَّحِيحَ عَنْ رَسُولِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ حَرَكَةٌ وانْتِقالٌ كَما هو كَذَلِكَ في الأجْسامِ، بَلْ يُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في مَعْنى الأُفُولِ المُمْتَنِعِ عَلى الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ صفحة 210 الثّالِثُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُ الكَرامِيَّةُ وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ وهو ظاهِرٌ، الرّابِعُ أنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ ألْبَتَّةَ، الخامِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ، السّادِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ، السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِها في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ إلَخْ، الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (نَرْفَعُ) إلَخْ يَدُلُّ عَلى فَسادِ طَعْنِ الحَشْوِيَّةِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ لا تَخْفى عَلى مَن يَتَدَبَّرُ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ حِينَ رَآهُ مُحْتَجِبًا بِظَواهِرِ عالَمِ المُلْكِ عَنْ حَقائِقِ المَلَكُوتِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْأشْياءِ مُعْتَقَدًا تَأْثِيرَ الأكْوانِ والأجْرامِ ذاهِلًا عَنِ المَلَكُوتِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا﴾ أيْ أشْباحًا خالِيَةً بِذَواتِها عَنِ الحَياةِ ﴿آلِهَةً﴾ فَتَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ عِنْدَ مَن كُشِفَ عَنْ عَيْنِهِ الغَيْنُ، ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ نُوقِفُهُ عَلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي نُدَبِّرُ بِها أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أوْ نُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَتِها ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ أهْلِ الإيقانِ العالِمِينَ أنْ لا تَأْثِيرَ إلّا لِلَّهِ تَعالى يُدَبِّرُ الأمْرَ بِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ لَيْلُ عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ في صِباهُ وأوَّلِ شَبابِهِ رَأى كَوْكَبًا وهو كَوْكَبُ النَّفْسِ المُسَمّاةِ رُوحًا حَيَوانِيَّةِ الظّاهِرِ في مَلَكُوتِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ فَقالَ حِينَ رَأى فَيْضَهُ وحَياتَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِن ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ في ذَلِكَ الحِينِ بِاسْمِهِ المُحْيِي ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ بِطُلُوعِ نُورِ القَلْبِ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ بازِغًا مِن أُفُقِ النَّفْسِ ووَجَدَ فَيْضَهُ بِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والمَعارِفِ وتَرْبِيَتِهِ مِنهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ إذْ ذاكَ بِاسْمِهِ العالِمِ والحَكِيمِ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى نُورِ وجْهِهِ ﴿لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ المُحْتَجِبِينَ بِالبَواطِنِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ﴾ أيْ شَمْسَ الرُّوحِ بازِغَةً مُتَجَلِّيَةً عَلَيْهِ قالَ إذْ وجَدَ فَيْضَهُ وشُهُودَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِنها ﴿هَذا رَبِّي﴾ وكانَ سُبْحانَهُ يُرِيهِ حِينَئِذٍ بِاسْمِهِ الشَّهِيدِ والعَلِيِّ العَظِيمِ ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ مِنَ الأوَّلَيْنِ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ بِتَجَلِّي أنْوارِ الحَقِّ وتَشَعْشُعِ سُبُحاتِ الوَجْهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ إذْ لا وُجُودَ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ أسْلَمْتُ ذاتِي ووُجُودِي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ أوْجَدَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضَ النَّفْسِ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ حَتّى عَنْ وُجُودِي ومَيْلِي بِالفَناءِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في شَيْءٍ، ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ في تَرْكِ السَّوِيِّ ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ إلى وُجُودِهِ الحَقِّ وتَوْحِيدِهِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ مِن ظُهُورِ نَفْسٍ أوْ قَلْبٍ أوْ وُجُودِ بَقِيَّةٍ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ الحَقِيقِيُّ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ حَقِيقَةً إلى الحَقِّ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: قَدْ يَدُورُ في الخَلَدِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَنَّ عَلَيْهِ لَيْلُ الشُّبْهَةِ وظُلْمَتِها فَنَظَرَ أوَّلًا في عالَمِ صفحة 211 الأجْسامِ فَوَجَدَها آفِلَةً في أُفُقِ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يَرَها تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فارْتَقى مِنها إلى عالَمِ النُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسامِ فَرَآها آفِلَةً في أُفُقِ الِاسْتِكْمال، فَكانَ حُكْمُها حُكْمَ ما دُونَها فَصَعَدَ مِنها إلى عالَمِ العُقُولِ المُجَرَّدِ فَصادَفَها آفِلَةً في أُفُقِ الإمْكانِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الواجِبُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاحْتِجاجَ كانَ مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا طَوِيلًا وهو مَذْكُورٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ العامَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما عَلِمْتَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ

الأنعام 6:84

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إسْحاقَ﴾ وهو ولَدُهُ مِن سارَّةَ عاشَ مِائَةً وثَمانِينَ سَنَةً، وفي نَدِيمِ الفَرِيدِ أنَّ مَعْنى إسْحَقَ بِالعَرَبِيَّةِ الضَّحّاكُ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ وهو ابْنُ إسْحَقَ عاشَ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلَخْ وعَطْفُ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (آتَيْنا) بِناءً عَلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿هَدَيْنا﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلًّا مِنَ الثَّلاثَةِ، وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ لِأنَّ هِدايَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْلُومَةً مِنَ الكَلامِ قَطْعًا وتَرَكَ ذِكْرَ المَهْدِيِّ إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُما مُتَعَبِّدانِ بِهِ وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ هَدَيْناهم بِنَيْلِ الثَّوابِ والكُرُماتِ ﴿ونُوحًا﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِلْمَذْكُورِ لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِشَيْءٍ أوْ يَخْلُوَ التَّقْدِيمُ عَنِ الفائِدَةِ السّابِقَةِ أعْنِي القَصْرَ ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ تَأمُّلٍ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُوحٌ -كَما قالَ الجَوالِيقِيُّ- أعْجَمِيٌّ مُعْرِبٌ، زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ، وقالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ، والأوَّلُ أثْبَتُ عِنْدِي، وأكْثَرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -كَما قالَ الحاكِمُ- أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ النَّسّابُونَ أنَّهُ ابْنُ لَمْكَ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ ابْنِ أخَنُوخَ بِفَتْحِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ وهو إدْرِيسٌ فِيما يُقالُ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوَّلُ الأنْبِياءِ قالَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قُلْتُ: ثُمَّ مَن؟ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: وبَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ» وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ وفاةِ ءادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا. وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ هُنا قِيلَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْعامَهُ عَلى خَلِيلِهِ مِن جِهَةِ الفَرْعِ ثَنّى بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الأصْلِ؛ فَإنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارَ إلى الوَلَدِ، وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الأصْنامَ فَذَكَرَهُ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ أُسْوَةً، وأمّا أنَّهُ ذُكِرَ لِما مَرَّ فَلا دَلالَةَ عَلى عَلاقَةِ الأُبُوَّةِ لِيُقْبَلَ، ودَلالَةُ (مِن قَبْلُ) عَلى ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ. وقَنَعَ بَعْضُهم بِالشُّهْرَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِبَيانِ شُئُونِهِ صفحة 212 وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ، واخْتارَ آخَرُونَ كَوْنَهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ في الجُمْلَةِ (لُوطًا) عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بَلْ كانَ ابْنَ أخِيهِ -كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى- آمَنَ بِهِ وشَخَصَ مَعَهُ مُهاجِرًا إلى الشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ، وكَذَلِكَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّتِهِ -فِيما ذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ- فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعُطِفَ عَلى (نُوحًا) ولا يَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ في المَعْطُوفِ ما هو قَيْدٌ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ إسْماعِيلَ هُناكَ وإنْ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ السُّكُوتَ عَنْ إدْراجِهِ في الذُّرِّيَّةِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنهم وإنَّما لَمْ يَعُدْ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ-: في مَوْهِبَتِهِ كَإسْحَقَ لِأنَّ هِبَةَ إسْحَقَ كانَتْ في كِبَرِهِ وكِبَرِ زَوْجَتِهِ فَكانَتْ في غايَةِ الغَرابَةِ، وذَكَرَ يَعْقُوبَ لِأنَّ إبْقاءَ النُّبُوَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ غايَةُ النِّعْمَةِ، ولَمْ يَعْطِفْ ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ لِأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِكَوْنِهِ نِعْمَةً ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﷺ وصُرِّحَ في جامِعِ الأُصُولِ أنَّهُ كانَ مَنَ الأسْباطِ في زَمَنِ شِعْيا، وحِينَئِذٍ يَبْقى لُوطٌ فَقَطْ خارِجًا ولا يُتْرَكُ لَهُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ عَلى إبْراهِيمَ؛ وجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِالمَعْدُودِينَ في الآياتِ الثَّلاثِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ابْنُ أخِيهِ آمَنَ بِهِ وهاجَرَ مَعَهُ أمْكَنَ أنْ يُجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَما قالَ الطِّيبِيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلُّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا؛ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ مَعَ أنَّ إسْماعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ ﴿داوُدَ﴾ هو -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ-: ابْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ عَوْبَرِ بِمُهْمَلَةٍ ومُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ابْنِ عابَرَ بِمُوَحَّدَةٍ ومُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخِيثُونَ بْنِ عَمِيِّ بْنِ يارِبَ بِتَحْتِيَّةٍ وآخِرُهُ باءٌ مُوَحَّدَةٌ ابْنِ رامَ بْنِ حَضْرَمَوْتَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ بْنِ فارِصَ بِفاءٍ وآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ قالَ كَعْبٌ: كانَ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ والخَلْقِ، وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ. ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، ومُدَّةُ مِلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، ولَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا ﴿وسُلَيْمانَ﴾ ولَدُهُ. قالَ كَعْبٌ: كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا جَمِيلًا خاشِعًا مُتَواضِعًا وكانَ أبُوهُ يُشاوِرُهُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ في صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعَلْمِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ مَلَكَ الأرْضَ. وعَنِ المُؤَرِّخِينَ أنَّهُ مُلِّكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُلْكِهِ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وتُوفِّيَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿وأيُّوبَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ مُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحَقَ، وقِيلَ: ابْنُ مُوصَ بْنِ تارَخَ بْنِ رُومَ إلَخْ وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمنَ بِإبْراهِيمَ فَهو قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ، وقالَ صفحة 213 ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِهِ كانَتْ ثَلاثًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ﴿ويُوسُفَ﴾ وهو عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الكَرِيمَ ابْنَ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ. عاشَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً». وفِيهِ سِتُّ لُغاتٍ بِتَثْلِيثِ السِّينِ مَعَ الياءِ والهَمْزَةِ، والصَّوابُ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ، ﴿ومُوسى﴾ وهو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ ماهِيثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ولا خِلافَ في نَسَبِهِ وهو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ شَجَرٍ وماءٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ شا، وفي الصَّحِيحِ وصْفُهُ بِأنَّهُ آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، وعاشَ -كَما قالَ الثَّعْلَبِيُّ- مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، ﴿وهارُونَ﴾ أخُوهُ وشَقِيقُهُ، وقِيلَ: لِأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأبِيهِ فَقَطْ حَكاهُما الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ ماتَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَ وُلِدَ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وفي بَعْضِ أحادِيثِ الإسْراءِ «صَعِدْتُ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ فَإذا أنا بَهَرُونِ ونِصْفُ لِحْيَتِهِ أبْيَضُ ونِصْفُها أسْوَدُ تَكادُ تَضْرِبُ سُرَّتَهُ مِن طُولِها فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَذا؟ قالَ: المُحَبَّبُ في قَوْمِهِ هارُونُ بْنُ عِمْرانَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى هارُونَ بِالعِبْرانِيَّةِ المُحَبَّبِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ 84 - قِيلَ: أيْ نَجْزِيهِمْ مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثْرَةِ أوْلادِهِ والنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، والمُرادُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ والمَكاناتِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ لا المُماثَلَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ لِأنَّ اخْتِصاصَ إبْراهِيمَ ﷺ بِكَثْرَةِ النُّبُوَّةِ في عَقِبِهِ أمْرٌ مَشْهُورٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ التَّشْبِيهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ ونَظائِرِهِ، وألْ في (المُحْسِنِينَ) لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإحْسانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُقارِنُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها

الأنعام 6:85

﴿وزَكَرِيّا﴾ هو ابْنُ أزْنَ بْنِ بَرَكِيا كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ وكانَ لَهُ يَوْمَ بُشِّرَ بِهِ اثْنانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ أشْهَرُها المَدُّ، والثّانِيَةُ القَصْرُ، وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وزَكَرِيَّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وتَخْفِيفِها وزَكَرٍ كَقَلَمٍ (ويَحْيى) ابْنُهُ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وعَلى القَوْلَيْنِ كَما قالَ الواحِدِيُّ لا يَنْصَرِفُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أوْ سُرْيانِيٌّ وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ رَبْعَةٌ أحْمَرُ كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ،» وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ يَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ لِأنَّ انْتِسابَهُ لَيْسَ إلّا مِن جِهَةِ أُمِّهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أبٌ يَصْرِفُ إضافَتَهُ إلى الأُمِّ إلى نَفْسِهِ فَلا يَظْهَرُ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ ذُرِّيَّةً لِجَدِّهِ مِنَ الأُمِّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِ بِلا أبٍ أنْ يُذْكَرَ في حَيِّزِ الذُّرِّيَّةِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ والذّاهِبُونَ إلى دُخُولِ ابْنِ البِنْتِ في الذُّرِّيَّةِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِها احْتَجَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما رَواهُ البَعْضُ عَنِ الرَّشِيدِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ أبا جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عِنْدَ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ صفحة 214 بِآيَةِ المُباهَلَةِ حَيْثُ «دَعا ﷺ الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَما نَزَلَ ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾» وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن خَصائِصِهِ ﷺ، وقَدِ اخْتَلَفَ إفْتاءُ أصْحابِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ القَوْلُ بِالدُّخُولِ، وإلْياسُ قالَ ابْنُ إسْحاقَ في المُبْتَدَإ: هو ابْنُ يَسَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارَ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحَكى القُتَبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إدْرِيسُ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحَقَ ابْنُ يَرِدَ بْنِ مِهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وهو جَدُّ نُوحٍ كَما أشَرْنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ ألْفُ سَنَةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ يَكُونُ البَيانُ مُخْتَصًّا بِمَن في الآيَةِ الأوْلى، ونَصَّ الشِّهابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا﴾ وما بَعْدَهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ 58 - أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ فَيُوصَفُ بِما هو مِن أعْلى مَراتِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِها لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِمَضْمُونِها.

الأنعام 6:86

﴿وإسْماعِيلَ﴾ هو -كَما قالَ النَّوَوِيُّ - أكْبَرُ ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ -كَما نُقِلَ عَنِ الجَوالِيقِيِّ - بِالنُّونِ آخِرَهُ، قِيلَ ومَعْناهُ: مُطِيعُ اللَّهِ ﴿واليَسَعَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أُخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (اللَّيْسَعَ) بِوَزْنِ ضَيْغَمَ وهو أعْجَمِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى خِلافِ القِياسِ وقارَنَتِ النَّقْلَ فَجُعِلَتْ عَلامَةُ التَّعْرِيبَ كَما قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، ونَصَّ عَلى أنَّ اسْتِعْمالَهُ بِدُونِها خَطَأٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النّاسُ فَلَيْسَ كاليَزِيدِ في قَوْلِهِ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنِ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهَلُهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهو عَلى القِراءَةِ الأوْلى أعْجَمِيٌّ أيْضًا، وقِيلَ: أنَّهُ مُعَرَّبُ يُوشَعُ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مَن يَسَعُ مُضارِعُ وسِعَ ﴿ويُونُسَ﴾ وهو ابْنُ مَتّى بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَقْصُورٌ كَحَتّى، ويُقالُ مَتْتى بِالفَكِّ وهو اسْمُ أبِيهِ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُ مِنَ الحُفّاظِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ أنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ، وهو مَرْدُودٌ ولَمْ نَقِفْ كَغَيْرِنا عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ما في جامِعِ الأُصُولِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ وهو مُثَلَّثُ النُّونِ ويُهْمَزُ وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ (يُونِسَ) بِكَسْرِ النُّونِ، قِيلَ: أرادَ أنْ يَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا مَن أنِسَ وهو شاذٌّ ﴿ولُوطًا﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ وهو ابْنُ هارانِ بْنِ آزَرَ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ أبِيهِ ﴿وكُلا﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضِ ﴿فَضَّلْنا﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ 86 - أيْ عالَمَيْ عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتَيْها وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ

الأنعام 6:87

﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ كَما قِيلَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (مِن ذُرِّيَّتِهِ) ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وإخْوانِهِمْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى (كُلًّا فَضَّلْنا) و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ فَضَّلْنا بَعْضَ ءابائِهِمْ إلَخْ صفحة 215 وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَطْفًا عَلى (نُوحًا) و(مِن) واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ مُؤَوَّلًا بِبَعْضٍ. واعْتِبارُ البَعْضِيَّةِ لِما أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَهْدِيًّا، قِيلَ. وهَذا في غَيْرِ الآباءِ لِأنَّ آباءَ الأنْبِياءِ كُلَّهِمْ مَهْدِيُّونَ مُوَحِّدُونَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مُخْتَلَفٌ فِيهِ نَظَرًا إلى ءاباءِ نَبِيِّنا ﷺ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ فَما ظَنُّكَ بِآباءِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ إضافَةَ الآباءِ والأبْناءِ والإخْوانِ إلى ضَمِيرِهِمْ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنهم أبٌ أوِ ابْنٌ أوْ أخٌ فَلا تَغْفُلْ، ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (فَضَّلْناهُمْ) أيِ اصْطَفَيْناهم ﴿وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 87 - تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ ولَمْ يَظْهَرْ لِيَ السِّرُّ في ذِكْرِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ العِظامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المُشْتَمِلِ عَلى تَقْدِيمِ فاضِلٍ عَلى أفْضَلَ ومُتَأخِّرٍ بِالزَّمانِ عَلى مُتَقَدِّمٍ بِهِ؛ وكَذا السِّرُّ في التَّقْرِيرِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ إلَخْ وثانِيًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ

الأنعام 6:88

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الهُدى إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أوْ ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ أوْ ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿هُدى اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِن عِبادِهِ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ. وفي تَعْلِيقِ الهِدايَةِ بِالمَوْصُولِ إشارَةٌ إلى عِلْيَةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ ﴿لَحَبِطَ﴾ أيْ لَبَطُلَ وسَقَطَ ﴿عَنْهُمْ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 88 – أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهُمْ

الأنعام 6:89

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ كَما قِيلَ. واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ. وعَنِ ابْنِ بَشِيرٍ قالَ: ”سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ الحَسَنَ عَنْ (أُولَئِكَ) فَقالَ لَهُ: مَن في صَدْرِ الآيَةِ“. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَهُ. والمُرادُ بَإيتائِهِ التَّفْهِيمُ التّامُّ لِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً وبِالإيراثِ بَقاءً فَإنَّ مِمَّنْ ذُكِرَ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كُتّابٌ مُعَيَّنٌ ﴿والحُكْمَ﴾ أيْ فَصْلَ الأمْرِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ أوِ الحِكْمَةَ وهي مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ فَسَّرَها بَعْضُهم بِالرِّسالَةِ. وعُلِّلَ بِأنَّ المَذْكُورِينَ هُنا رُسُلٌ لَكِنْ في المُحاكَماتِ لِمَوْلانا أحْمَدَ بْنِ حَيْدَرٍ الصَّفَوِيِّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ وإنْ كانَ لَهُ كِتابٌ ولَمْ أجِدْ في ذَلِكَ نَصًّا. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ أيْضًا، (ويُوسُفَ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ لَيْسَ هو يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما هو يُوسُفُ بْنُ أفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وهو غَرِيبٌ. وأغْرَبُ مِنهُ بِأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وقالَ الشِّهابُ: قَدْ يُقالُ إنَّما ذُكِرَ الأعَمُّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ بَعْضَ مَن دَخَلَ في عُمُومِ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ لَيْسُوا بِرُسُلٍ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ أوِ النُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ مَعَ دَلالَةِ الإشارَةِ والمَقامِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِنُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى صفحة 216 عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا. وأيًّا ما كانَ فَكُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ كُفْرَهم بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾ أيْ أمَرْنا بِرِعايَتِها ووَفَّقَنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها ﴿قَوْمًا﴾ فِخامًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ 89 - في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبَدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: الفُرْسُ فَإنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالتَّوْكِيلِ الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي نُورُ فَرَقِها القُرْآنُ. ورَجَّحَ واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ. ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَ إشارَةٍ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنْ لَمْ يَكُنِ المُوَكَّلُونَ هم لَزِمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ، الثّانِي: أنَّهُ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ. واسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهم فَإنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ مُصَدِّقِ النُّبُوَّةِ ومُنْكِرِها مُغايِرًا لِمَن أُوتِيها وأخْرَجَ ابْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ العَطّارِيِّ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فالتَّوْكِيلُ حِينَئِذٍ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، واسْتَبْعَدَهُ الإمامُ لِأنَّ القَوْمَ قَلَّما يَقَعُ عَلى غَيْرِ بَنِي آدَمَ،وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وهو مَفْعُولُ ﴿وكَّلْنا﴾ و (بِها) قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ، ولِأنَّ فِيهِ طُولًا رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. والباءُ الَّتِي بَعْدَ صِلَةِ ﴿بِكافِرِينَ﴾ قُدِّمَتْ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ والَّتِي بَعْدَها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا﴾ إلَخْ أيْ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا فَقَدْ وفَّقْنا لِلْإيمانِ قَوْمًا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها، فَفي إيمانِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الأرْجَحَ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- تَفْسِيرُ القَوْمِ بِإحْدى الطَّوائِفِ مِمَّنْ عَدا الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بِإيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ يَتَحَقَّقُ الغُنْيَةُ عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِهِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ ولا كَذَلِكَ إيمانُ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ

الأنعام 6:90

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ المُوَكَّلِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ولا يَخْفى ما فِيهِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ هَدَيْناهم إلى الحَقِّ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وحِفْظِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ اعْتِمادًا عَلى غايَةِ ظُهُورِهِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيِ اجْعَلْ هُداهم مُنْفَرِدًا بِالِاقْتِداءِ واجْعَلِ الِاقْتِداءَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، والمُرادُ (بِهُداهُمْ) عِنْدَ جَمْعِ طَرِيقِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى وهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيها فَلا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا، ومَعْنى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ الأخْذُ بِهِ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ أُولَئِكَ الفِخامِ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ العَقْلِ والشَّرْعِ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم عَلى أنَّ طَرِيقَهم هو الحَقُّ المُوافِقُ صفحة 217 لِدَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ. وبِهَذا أجابَ العَلّامَةُ الثّانِي عَمّا أوْرَدَهُ سُؤالًا مِن أنَّ الواجِبَ في الِاعْتِقاداتِ وأُصُولِ الدِّينِ هو اتِّباعُ الدَّلِيلِ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعُ فَلا يَجُوزُ سِيَّما لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، فَما مَعْنى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ؟ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اعْتِقادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ بَلْ لِأجْلِ الدَّلِيلِ فَلا مَعْنى لِأمْرِهِ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ. واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الأخْذَ بِأُصُولِ الدِّينِ حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلا مَعْنى لِلْأمْرِ بِأخْذِ ما قَدْ أُخِذَ قَبْلُ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ. وحَقَّقَ القُطْبُ الرّازِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنَّ الِاقْتِداءَ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ إلّا في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ كالحِلْمِ والصَّبْرِ والزُّهْدِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ والتَّضَرُّعِ ونَحْوِها ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلُ مِنهم قَطْعًا لِتَضَمُّنِها أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى فَضائِلِ الأخْلاقِ وصِفاتِ الكَمالِ؛ وحَيْثُ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم جَمِيعًا امْتَنَعَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ امْتَثَلَ وأتى بِجَمِيعِ ذَلِكَ وحَصَّلَ تِلْكَ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ الَّتِي في جَمِيعِهِمْ فاجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الكَمالِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِهِمْ قَطْعًا كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ ﷺ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ دُونَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ ﷺ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ. والهاءُ في (اقْتَدِهْ) هاءُ السَّكْتِ الَّتِي تُزادُ في الوَقْفِ ساكِنَةً أيْضًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ. ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (اقْتَدِهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ؛ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ القُرّاءُ اخْتِلاسًا، وهي رِوايَةُ هِشامٍ عَنْهُ. ورَوى غَيْرُهُ إشْباعَها وهو كَسْرُها ووَصْلُها بِياءٍ. وزَعَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ الهاءَ هاءُ الوَقْفِ فَلا تَحَرُّكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. وإنَّما تُذْكَرُ لِيَظْهَرَ بِها حَرَكَةُ ما قَبْلَها. وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الهاءَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ولَيْسَتْ هاءُ السَّكْتِ أيِ اقْتَدِ الِاقْتِداءَ، ومَثَلُهُ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- قَوْلُهُ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الوَشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ فَإنَّ الهاءَ فِيهِ ضَمِيرُ الدَّرْسِ لا مَفْعُولٌ لِأنَّ ”يَدْرُسُ“ قَدْ تَعَدّى إلى القُرْآنِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هاءَ السَّكْتِ قَدْ تُحَرَّكُ تَشْبِيهًا لَها بِهاءِ الضَّمِيرِ والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُعْطِي الشَّيْءَ حُكْمَ ما يُشْبِهُهُ وتَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمّا قَلْبُهُ شَبِمُ بِضَمِّ الهاءِ وكَسْرِها عَلى أنَّها هاءُ السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ فَحُرِّكَتْ. واسْتَحْسَنَ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونَ جَعْلَ الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِشَبَهِ الضَّمِيرِ لِأنَّ هاءَهُ لا تُكْسَرُ بَعْدَ الألْفِ فَكَيْفَ ما يُشْبِهُها. وزَعَمَ الإمامُ أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لِلِاقْتِداءِ بِالإمامِ ولا يُقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِغَيْرِ نَقْلٍ تَقْلِيدًا لِلْخَطِّ وهو وهْمٌ ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ أوْ عَلى التَّبْلِيغِ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُما ﴿أجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا قَلَّ أوْ كَثُرَ كَما لَمْ يَسْألْهُ مِن قَبْلِي مِنَ صفحة 218 الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَمَهُمْ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرْنا بِالِاقْتِداءِ بِهِ مِن هُداهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ لِأنَّ الكَفَّ عَنْ أخْذِ أجْرٍ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مِن خَصَّ الهُدى السّابِقَ بِالأُصُولِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَيْنَ القَوْلِ بِهِ والقَوْلِ بِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ تَنافِيًا. وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِفادَةَ الِاقْتِداءِ بِالأُصُولِ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لا يُنافِي أنْ يُؤَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِأمْرٍ آخَرَ كالتَّبْلِيغِ. وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ هُناكَ إنَّما هو لِنَفْيِ اتِّباعِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ في شَيْءٍ آخَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ لِلتَّعْلِيمِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ؛ وفِيهِ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ عَلى طُولِهِ مَشْهُورٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿إلا ذِكْرى﴾ أيْ تَذْكِيرٌ فَهو مَصْدَرٌ، وحِمْلُهُ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ لِلْمُبالَغَةِ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ 90 - كافَّةً فَلا يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ ءاخَرِينَ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ ﷺ .

الأنعام 6:91

﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ لَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِأوْضَحِ وجْهٍ شَرَعَ سُبْحانَهُ بَعْدُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ؛ وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها -كَما قالَ الإمامُ- وأوْلى مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ شَأْنُ القُرْءانِ العَظِيمِ وأنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى كافَّةِ الأُمَمِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ غَمْطِهِمْ إيّاها وكُفْرِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ سَرى ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وأصْلُ القَدْرِ مَعْرِفَةُ المِقْدارِ بِالسَّبْرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يَقْدُرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، وقالَ ﷺ: ”إنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ“ أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ. ثُمَّ قِيلَ: لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ واخْتَلَفَ التَّفْسِيرُ هُنا فَعَنِ الأخْفَشِ أنَّ المَعْنى ما عَرَفُوا اللَّهَ تَعالى: حَقَّ قَدْرِهِ أيْ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما عَظَّمُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ تَعْظِيمِهِ وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ والكُلُّ مُحْتَمَلٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ما عَلَيْهِ الأخْفَشُ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ أيْ ما عَرَفُوهُ سُبْحانَهُ مَعْرِفَتَهُ الحَقِّ في اللُّطْفِ بِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُراعُوا حُقُوقَهُ تَعالى في ذَلِكَ بَلْ أخَلُّوا بِها إخْلالًا عَظِيمًا إذْ قالُوا مُنْكِرِينَ لِبِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْزالُ الكُتُبِ كافِرِينَ بِنِعَمِهِ الجَلِيلَةِ فِيهِما أوْ ما عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ بِهِمْ حِينَ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَـ (مِن) لِلتَّأْكِيدِ، ونَصْبُ (حَقَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمُصَدِّرِ أيْ قَدْرَهُ الحَقَّ فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتَصَبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ، و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الزَّمانِ وهَلْ فِيها مَعْنى العِلَّةِ هُنا أمْ لا؟ احْتِمالانِ، وأبُو البَقاءِ يُعَلِّقُها بِقَدَرُوا ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ، وقُرِئَ قَدَرِهِ بِفَتْحِ الدّالِّ واخْتُلِفَ في قائِلِي ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، فَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم صفحة 219 اليَهُودُ ومُرادُهم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ فَقِيلَ لَهم عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِ ذَلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزُونَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وبِهَذا يَنْحَلُّ اسْتِشْكالُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِأنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى أنْزَلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَيْفَ يَقُولُونَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهم أبْرَزُوا إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةِ المُمْتَنِعاتِ حَتّى بالَغُوا في إنْكارِهِ فَأُلْزَمُوا بِتَجْوِيزِهِ، وقِيلَ: إنَّ صُدُورَ هَذا القَوْلِ كانَ عَنْ غَضَبٍ وذُهُولٍ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ قَدْ سَمِنتَ مِن مالِكَ الَّذِي يُطْعِمُكَ اليَهُودُ فَضَحِكَ القَوْمُ، فَغَضِبَ فالتَفَتَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ما هَذا الَّذِي بَلَغَنا عَنْكَ، قالَ: إنَّهُ أغْضَبَنِي فَنَزَعُوهُ وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يُلائِمُ الإلْزامَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اعْتَرَفَ القائِلُ بِأنَّهُ إنَّما صَدَرَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الغَضَبِ فَلْيُفْهَمْ، ولا يَرِدُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والمُناظَراتُ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ اليَهُودِ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لِما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ والكَلْبِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ أيْضًا قَوْلُ مُجاهِدٍ بِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما يُنْكِرُونَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُنْكِرُونَ رِسالَةَ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ إيرادُ هَذا الإلْزامِ عَلَيْهِمْ، ودُفِعَ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّهُ كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ حَسُنَ إلْزامُهم بِما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أحْرى بِالقَبُولِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ في الآيَةِ حُجَّةً مِنَ الشَّكْلِ الثّالِثِ وهي أنَّ مُوسى بَشَرٌ ومُوسى أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ يُنْتِجُ أنَّ بَعْضَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ وتُؤْخَذُ الصُّغْرى مِن قُوَّةِ الآيَةِ والكُبْرى مِن صَرِيحِها والنَّتِيجَةُ مُوجِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ تَكْذِيبُ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي ادَّعَتْها اليَهُودُ وهي لا شَيْءَ مِنَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ؛ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ وإنَّما نَتَجَتْ هاتانِ الشَّخْصِيَّتانِ مَعَ أنَّ شَرْطَ الشَّكْلِ الثّالِثِ كُلِّيَّةُ إحْدى المُقْدِّمَتَيْنِ لِأنَّ الشَّخْصِيَّةَ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ وقالَ الإمامُ: تَفَلْسَفَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشَّكْلِ الثّانِي مِنَ الأشْكالِ المَنطِقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى أنَّ مُوسى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا؛ وواحِدٌ مِنَ البَشَرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا يُنْتِجُ أنَّ مُوسى ما كانَ مِنَ البَشَرِ وهَذا خَلْفٌ مُحالٌ، وهِذِهِ الِاسْتِحالَةُ لَيْسَتْ بِحَسْبِ شَكْلِ القِياسِ ولا بِحَسْبِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن فَرْضِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ وهي قَوْلُهم: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَوَجَبَ القَوْلُ بِأنَّها كاذِبَةٌ وفي ذَلِكَ تَأْمُلٌ فَلْيُتَأمَّلْ. ثُمَّ أنَّ وصْفَ الكِتابِ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نُورًا وهُدًى﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ ومُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ الإلْزامَ أيَّ تَوْكِيدٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ (الكِتابِ) والعامِلُ (أنْزَلَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) والعامِلُ (جاءَ)، والظّاهِرُ صفحة 220 تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِـ (جاءَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِلنّاسِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهُدى أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُدى كائِنًا لِلنّاسِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هم ومَن عَداهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِ هُدًى لَهم أنَّهُ يُرْشِدُ مَن وقَفَ عَلَيْهِ بِالواسِطَةِ أوْ بِدُونِها إلى ما يُنْجِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مَسُوقٌ لِنَعْيِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما تَقَدَّمَ أيْ تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ وأوْراقٍ مُفَرَّقَةٍ بِحَذْفِ الجارِّ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ كَما قِيلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ تَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ عَدَمَ التَّقْدِيرِ عَلى مَعْنى تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ، ولَيْسَ المُرادُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخُهم بِمُجَرَّدِ وضْعِهِمْ لَهُ في قَراطِيسَ إذْ كُلُّ كِتابٍ لا بُدَّ وأنْ يُودَعَ في القَراطِيسِ، بَلِ المُرادُ التَّوْبِيخُ عَلى الجَعْلِ في قَراطِيسَ مَوْصُوفَةٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ والمَعْطُوفُ عَلَيْها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ﴿قَراطِيسَ﴾، والعائِدُ عَلى المَوْصُوفِ مِنَ المَعْطُوفَةِ مَحْذُوفٌ أيْ كَثِيرًا مِنها، والمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ نُعُوتُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرُ ما كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَرَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ بِلا مِرْيَةٍ وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ عَوامِّهِمْ مُتَواطِئِينَ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ السّابِقُ لَهم لِأنَّ مُشافَهَتَهم بِهِ يَقْتَضِي خِطابَهم ومَن جَعَلَ ما تَقَدَّمَ لِلْمُشْرِكِينَ حَمَلَ هَذا عَلى الِالتِفاتِ لِخِطابِ اليَهُودِ حَيْثُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ لِلْيَهُودِ أيْضًا إلّا أنَّهُ التَفَتَ عَنْ خِطابِهِمْ تَبْعِيدًا لَهم بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ القَبِيحَ عَنْ ساحَةِ الخِطابِ، ولِذا خاطَبَهم حَيْثُ نَسَبَ إلَيْهِمُ الحُسْنَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ وهَذا أحْسَنُ -كَما قِيلَ- مِنَ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ فِيهِ نَقْلًا مِنَ الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ هُمُ المُشْرِكُونَ إلى الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ أُخْرى هُمُ اليَهُودُ قَبْلَ إتْمامِ الكَلامِ الأوَّلِ لِأنَّ إتْمامَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إلَخْ بِخِلافِ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَجْعَلُونَهُ) بِإضْمارِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وعَلَيْهِ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ (ما) عِبارَةً عَمّا أخَذُوهُ مِنَ الكِتابِ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ مُفِيدًا لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ لا عَلى ما تَلَقَّوْهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِن مُشْكِلاتِها حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لِأنَّ تَلَقِّيَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَزْجُرُهم عَمّا صَنَعُوا بِالتَّوْراةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خالِيَةً عَنْ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ فَلا تَسْتَحِقُّ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الحالِ بَلِ الوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن مَجِيءِ الكِتابِ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ والتَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن مَجِيءِ القُرْآنِ، ولا سَبِيلَ -كَما قالَ- إلى جَعْلِ ”ما“ عِبارَةً عَمّا كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ فَإنَّ ظُهُورَهُ وإنْ كانَ مَزْجَرَةً لَهم عَنِ الكَتْمِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ ومُصَحِّحًا لِوُقُوعِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الحالِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ الكاتِمُونَ حَتْمًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ومَن صفحة 221 عِلَّمَكم ما لَمْ تَعْلَمُوا، وفِيهِ بُعْدٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (وعُلِّمْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ ما لَمْ) إلَخْ وهو عِنْدَ قَوْمٍ اعْتِراضٌ لِلِامْتِنانِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واتِّباعِهِ بِهِدايَتِهِمْ لِلْمُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النّاسَ فِيما تَقَدَّمَ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، و(عُلِّمْتُمْ) عَطْفٌ عَلى (تَجْعَلُونَهُ) والخِطابُ فِيهِ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ اليَهُودِ وفي (عُلِّمْتُمْ) لَهم بِاعْتِبارِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ السُّؤالَ السّابِقَ عَنْهم إشارَةً إلى أنَّهم يُنْكِرُونَ الحَقَّ مُكابَرَةَ مِنهُمْ، وإشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وإيذانًا بِأنَّهم أُفْحِمُوا، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ إمّا فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ أوِ اللَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والخِلافُ في الأرْجَحِ مِنَ الوَجْهَيْنِ مَشْهُورٌ ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ أيْ دَعْهم ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ أيْ باطِلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ 91 - في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الأوَّلِ، والظَّرْفُ صِلَةُ (ذَرْهُمْ) أوْ (يَلْعَبُونَ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ (ذَرْهُمْ) أوْ مِن فاعِلِ (يَلْعَبُونَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الثّانِي. وهو في المَعْنى فاعِلُ المَصْدَرِ المُضافِ إلَيْهِ، والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ إمّا عَلى أنَّهُ لَغْوٌ أوْ حالٌ مِن (هُمْ) ولا يَجُوزُ حِينَئِذٍ جَعْلُهُ مُتَّصِلًا بِـ (يَلْعَبُونَ) عَلى الحالِيَّةِ أوِ اللَّغْوِيَّةِ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ رُتْبَةً ومَعْنًى مَعَ أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً أيْضًا لِأنَّ العامِلَ في الحالِ عامِلٌ في صاحِبِها فَيَكُونُ فِيهِ دَوْرٌ وفَسادٌ في المَعْنى. والآيَةُ عِنْدَ بَعْضٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. واخْتارَ الإمامُ عَدَمَ النَّسْخِ لِأنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّهْدِيدِ وهو لا يُنافِي حُصُولَ المُقاتَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ وُرُودُ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِها رافِعًا لِلْمَدْلُولِ فَلَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِيهِ.

الأنعام 6:92

﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما يُشِيرُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبِ وتَنْكِيرِ (كِتابٌ) لِلتَّفْخِيمِ، وجُمْلَةُ (أنْزَلْناهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفَةٌ بِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ. قالَ الإمامُ: جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْ هَذا الكِتابِ المُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ، ولَقَدْ شاهَدْنا والحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَمَرَةَ خِدْمَتِنا لَهُ في الدُّنْيا فَنَسْألُهُ أنْ لا يَحْرِمَنا سَعادَةَ الآخِرَةِ إنَّهُ البَرُّ الرَّحِيمُ. وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى، والإضافَةُ -عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ- غَيْرُ مَحْضَةٍ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا التَّوْراةُ لِأنَّها أعْظَمُ كِتابٍ نَزَلَ قَبْلُ ولِأنَّ الخِطابَ مَعَ اليَهُودِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وتَذْكِيرُ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ الكِتابِ أوِ المَنَزَّلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنُها بَيْنَ يَدَيْهِ أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ. فَإنَّ كُلَّ ما كانَ بَيْنَ اليَدَيْنِ كَذَلِكَ وتَصْدِيقُهُ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ. وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِفَةُ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ وتَصْدِيقِ ما تَقَدَّمَهُ والإنْذارِ. واخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِي كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى صَرِيحِ الوَصْفِ أيْ كِتابٌ مُبارَكٌ وكائِنٌ لِلْإنْذارِ، وادُّعِيَ أنَّهُ لا حاجَةَ مَعَ هَذا إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ فَإنَّ عَطْفَ الظَّرْفِ عَلى المُفْرَدِ في بابِ الخَبَرِ والصِّفَةِ كَثِيرٌ، ودَعْوى أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ عَرْوُ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ واقْتِرانُ هَذا بِهِ تَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ الصِّفاتِ صفحة 222 إذا تَعَدَّدَتْ ولَمْ يُعْطَفْ أوَّلُها يَمْتَنِعُ العَطْفُ أوْ يُقَبَّحُ والواقِعُ خِلافُهُ، والأوْلى ما يُقالُ: إنَّ الدّاعِيَ أنَّ اللَّفْظَ والمَعْنى يَقْتَضِيانِهِ، أمّا المَعْنى فَلِأنَّ الإنْذارَ عُلَّةٌ لِإنْزالِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ ولَوْ عُطِفَ لَكانَ عَلى أوَّلِ الصِّفاتِ عَلى الرّاجِحِ في العَطْفِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ؛ ولا يَحْسُنُ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ بِهِ ولا الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ فَإنَّهُ نَظِيرُ هَذا رَجُلٌ قامَ عِنْدِي ولِيَخْدِمَنِي وهو كَما تَرى، ومِنهُ يُعْلَمُ الدّاعِي اللَّفْظِيُّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أوْ مُقَدَّمًا أيْ ولِتُنْذِرَ أنْزَلْناهُ أوْ وأنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لِتُبَشِّرَ ولِتُنْذِرَ وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، والمُرادُ بِها مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى وحَجِّهِمْ وهم يَتَجَمَّعُونَ عِنْدَها تَجْمُّعَ الأوْلادِ عِنْدَ الأُمِّ المُشْفِقَةِ ويُعَظِّمُونَها أيْضًا تَعْظِيمَ الأُمِّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا فَغَيْرُها تَبَعٌ لَها كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ. وقِيلَ: لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها فَكَأنَّها خَرَجَتْ مِن تَحْتِها كَما تَخْرُجُ الأوْلادُ مِن تَحْتِ الأُمِّ أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِيُنْذِرَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْكِتابِ لِأنَّهُ مُنْذِرٌ بِهِ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ لِعُمُومِ بِعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصّادِعِ بِها القُرْآنُ في غَيْرِ آيَةٍ، واللَّفْظُ لا يَأْبى هَذا الحَمْلَ فَلا مُتَمَسَّكَ بِالآيَةِ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ لِلْعَرَبِ خاصَّةً، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: خَصَّ أُولَئِكَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أحَقُّ بِإنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ولِذا أنْزَلَ كِتابَ كُلِّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى الثّانِي في البَيانِ لاحَظَ سَبْقَ الإنْذارِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ، قِيلَ: أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم يَرْهَبُونَ مِنَ العَذابِ ويَرْغَبُونَ في الثَّوابِ ولا يَزالُ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ 92 - يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مُطْلَقُ الطّاعَةِ مَجازًا أوِ اكْتَفى بِبَعْضِها الَّذِي هو عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ ولِذا أطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيمانَ مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾

الأنعام 6:93

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كالَّذِينِ قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ أنا قادِرٌ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ النَّظْمِ كالَّذِينِ قالُوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ وتَفْسِيرُ الأوَّلِ بِما ذَكَرْناهُ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِنا وتَفْسِيرُ الثّانِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وتَفْسِيرُ الثّالِثِ ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، والأخِيرُ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا عَطْفَ (أوْ قالَ) الأوَّلِ عَلى (افْتَرى) إلَخْ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِـ (أوْ) واسْتُحْسِنَ أنَّهُ مِن عَطْفِ المُغايِرِ بِاعْتِبارِ العُنْوانِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أنَّهُ تارَةً ادَّعى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا وأُخْرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ النُّبُوَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ الإيحاءَ ويَلْزَمُ الإيحاءُ النُّبُوَّةَ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ. وأمّا ابْنُ أبِي سَرْحٍ فَلَمْ يَدَّعِ صَرِيحًا القُدْرَةَ ولَكِنْ صفحة 223 قَدْ يَقْتَضِيها كَلامُهُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الثّانِي بِعَبْدِ اللَّهِ ودَعَواهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فَكَتَبَ لَهُ شَيْئًا فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ أمْلاها عَلَيْهِ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ تَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ فَشَكَّ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» وجَعْلُ الشِّقِّ الثّانِي في مَعْنى دَعْوى القُدْرَةِ عَلى المِثْلِ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الثّانِي والثّالِثِ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا اعْتُبِرَ عُنْوانُ الصِّلَةِ في الأخِيرِ مِن بابِ المُماشاةِ مَثَلًا كَما لا يَخْفى. واعْتَبَرَ الإمامُ عُمُومَ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وُصِفَتْ بِكَوْنِها افْتِراءً ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وما قَبْلَهُ أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ فِيما يَكْذِبُ بِهِ ولَمْ يُنْكِرْ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ وفي الثّانِي أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ جَمْعًا بَيْنَ أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ: إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ، انْتَهى. وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ حَيْثُ جَعَلَ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) راجِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ والواوَ في ﴿ولَمْ يُوحَ﴾ لِلْعَطْفِ والمُتَعاطِفانِ مَقُولُ القَوْلِ؛ والمُنْساقُ لِلذِّهْنِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِـ (مَن) والواوِ لِلْحالِ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ورُبَّما يُقالُ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ: إنَّ المُرادَ بِمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى أحَدًا بِحَمْلِ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى أعِظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ يَصْدَحُ بِهَذا المَعْنى، وبِمَن قالَ: ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ والحالُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كاذِبًا وبِمَن قالَ ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الطّاعِنُ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن أظْلَمُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوِ ادَّعى النُّبُوَّةَ كاذِبًا أوْ طَعَنَ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ تُبْصِرُ. ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الظّالِمُونَ﴾ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمّا حُذِفَ أُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ؛ والأصْلُ: لَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هُمْ، و(إذْ) ظَرْفُ لِـ (تَرى) و الظّالِمُونَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ خَبَرُهُ، وإذْ ظَرْفٌ لِـ (تَرى) . وتَقْيِيدُ الرُّؤْيَةِ بِهَذا الوَقْتِ لِيُفِيدَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ رُؤْيَتِهِمْ بَلْ رُؤْيَتُهم عَلى حالٍ فَظِيعَةٍ عِنْدَ كُلِّ ناظِرٍ، وقِيلَ: المَفْعُولُ (إذْ) والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ هَذا الوَقْتِ لِفَظاعَةِ ما فِيهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ ما يَشْمَلُ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الِافْتِراءِ والقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ والغَمْرَةِ -كَما قالَ الشِّهابُ في الأصْلِ-: المَرَّةُ مِن غَمَرَ الماءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلشِّدَّةِ وشاعَ فِيها حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وتُسْعِدُنِي في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَها مِنها عَلَيْها شَواهِدُ والمُرادُ هُنا سَكَراتُ المَوْتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿والمَلائِكَةُ﴾ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم وهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِالعَذابِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم قائِلِينَ لَهم ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ خَلِّصُوها مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، والأمْرُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ المَلائِكَةِ في صفحة 224 قَبْضِ أرْواحِ الظَّلَمَةِ بِفِعْلِ الغَرِيمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أرِيمُ مَكانِي حَتّى أنْزِعَهُ مِن أحْداقِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُنْفِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ ولا بَسْطٍ ولا قَوْلَ حَقِيقَةً هُناكَ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهم هَذِهِ الأُمُورَ حَقِيقَةً عَلى الصُّوَرِ المَحْكِيَّةِ، وإذا أمْكَنَ البَقاءُ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا مَعْدِلَ عَنْها ﴿اليَوْمَ﴾ المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لا المُتَعارَفُ عَلَيْهِ، وهو إمّا حِينَ المَوْتِ أوْ ما يَشْمَلُهُ وما بَعْدَهُ ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ المُشْتَمِلِ عَلى الهَوانِ والشِّدَّةِ. والإضافَةُ كَما في رَجُلِ سُوءٍ تُفِيدُ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في ذَلِكَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي تُفِيدُهُ الإضافَةُ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ التَّوْصِيفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ لا لِلْهَوانِ والخِزْيِ. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ غَمَراتِ المَوْتِ بِشَدائِدَ العَذابِ في النّارِ فَإنَّها وإنْ كانَتْ أشَدَّ مِن سَكَراتِ المَوْتِ في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّها اسْتُعْمِلَتْ فِيها تَقْرِيبًا لِلْإفْهامِ، وبَسْطِ المَلائِكَةِ أيْدِيَهم بِضَرْبِهِمْ لِلظّالِمِينَ في النّارِ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، والإخْراجَ بِالإخْراجِ مِنَ النّارِ وعَذابِها، واليَوْمَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ مُفْتَرِينَ ﴿عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ مِن نَفْيِ إنْزالِهِ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا وادِّعاءِ الوَحْيِ أوْ مِن نِسْبَةِ الشِّرْكِ إلَيْهِ ودَعْوى النُّبُوَّةِ كَذِبًا ونَفْيِها عَمَّنِ اتَّصَفَ بِها حَقِيقَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (غَيْرَ الحَقِّ) عَنِ الباطِلِ ما لا يَخْفى وهو مَفْعُولُ ﴿تَقُولُونَ﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ قَوْلًا غَيْرَ الحَقِّ ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ 93 - أيْ تُعْرِضُونَ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ

الأنعام 6:94

﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ ﴿فُرادى﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى فَنَزَلَتْ. والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى ولا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ تَكْلِيمِهِمْ بِما يَنْفَعُهم أوْ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ (أخْرِجُوا) إلَخْ وهي مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ وإنْ ظَنَّهُ الإمامُ أوْلى وأقْوى. ونَصْبُ ﴿فُرادى﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وهو جَمْعُ فَرْدٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأنَّهُ جَمْعُ فَرْدانَ كَسَكْرانَ عَلى ما في الصِّحاحِ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى، والرّاءُ في فَرْدِهِ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ صاحِبِ الدُّرِّ المَصُونِ، وحُكِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ سُكُونُها، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ جَمْعُ فَرِيدٍ كَأسِيرٍ وأُسارى، وفي القامُوسِ يُقالُ: جاءُوا أفْرادًا وفُرادًا وفُرادى وفَرادُ وفُرادُ وفَرْدى كَسَكْرى أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ والواحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ، ولا يَجُوزُ فَرْدٌ في هَذا المَعْنى ولَعَلَّ هَذا بُعَيْدَ الإرادَةِ في الآيَةِ، وقُرِئَ فُرادًا كَرُخالٍ المَضْمُومِ الرّاءِ وفُرادَ كَأُحادَ ورُباعَ في كَوْنِهِ صِفَةً مَعْدُولَةً ولا يَرِدُ أنَّ مَجِيءَ هَذا الوَزْنِ المَعْدُولِ مَخْصُوصٌ بِالعَدَدِ بَلْ بِبَعْضِ كَلِماتِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِن عَدَمِ الِاخْتِصاصِ، نَعَمْ هو شائِعٌ فِيما ذُكِرَ وفَرْدى كَسَكْرى تَأْنِيثُ فَرْدانَ، والتَّأْنِيثُ لِجَمْعِ ذِي الحالِ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى بَدَلُ كُلٍّ لِأنَّ المُرادَ المُشابَهَةُ في الِانْفِرادِ المَذْكُورِ والكافُ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلٍ أيْ مِثْلَ الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ وهو الصَّحِيحُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُتَداخِلَةٌ؛ والتَّشْبِيهُ صفحة 225 أيْضًا في الِانْفِرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخِلْقَةِ أيْ مُشَبَّهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم بِمَعْنى شَبِيهَةِ حالِكم حالَ ابْتِداءِ خَلْقِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا بِهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرِ (جِئْتُمُونا) أيْ مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكُمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ واسَوْأتاهُ إنَّ النِّساءَ والرِّجالَ سَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ“» ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ أيْ ما أعْطَيْناكم في الدُّنْيا مِنَ المالِ والخَدَمِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوْبِيخِ أيْ فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا لِأنْفُسِكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُؤْتى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ بَذَجٌ فَيَقُولُ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى: أيْنَ ما جَمَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ جَمَعْتُهُ وتَرَكْتُهُ أوْفَرَ ما كانَ فَيَقُولُ: أيْنَ ما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلا يَراهُ قَدَّمَ شَيْئًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، والجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، ﴿وما نَرى﴾ أيْ نُبْصِرُ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ حِكايَةُ حالٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَكُمْ﴾ ولَيْسَ حالًا مِن مَفْعُولِ (نَرى) أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿شُفَعاءَكُمُ﴾ ولا مَفْعُولًا ثانِيًا، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وإضافَةُ الشُّفَعاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الزَّعْمِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ وصْفُهم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكُمْ، والزَّعْمُ هُنا نَصٌّ في الباطِلِ وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الحَقِّ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكَتْ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بِنَصْبِ –بَيْنَ- وهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الكَلامُ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ أوِ الوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ إفادَةِ الإسْنادِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ قامَ ولا جَلَسَ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ وجَلَسَ هو أيِ الجُلُوسَ ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ بَدا بَداءً وقَدْ قَدَّرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ بَدا البَداءُ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: إنَّ مَن جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ قالَ: المُرادُ - وقَعَ التَّقْطِيعُ والتَّغايُرُ - حاصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ ولَوَسُلِّمَ فالتَّقَطُّعُ المُعْتَبَرُ مَرْجِعًا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و (تَقَطَّعَ) مُنْكَرٌ فَكَيْفَ يُقالُ اتَّحَدَ الحُكْمُ والمَحْكُومُ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّأْوِيلِ مُتَعَيِّنٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ إذا تَقَطَّعَ التَّقَطُّعُ حَصَلَ الوَصْلُ وهو ضِدُّ المَقْصُودِ وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هو الفاعِلُ وبَقِيَ عَلى حالِهِ مَنصُوبًا حَمْلًا لَهُ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ سُلِّطَ عَلى (ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. تَقَطَّعَ) وضَلَّ عَنْكم فَأعْمَلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأضْمَرَ في تَقْطَعَ ضَمِيرَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ والمَعْنى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكُمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيْ لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم صفحة 226 وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو مِنَ الأضْدادِ كالقُرْءِ يُسْتَعْمَلُ في الوَصْلِ والفَصْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْلُ أيْ تَقْطَّعَ وصْلُكم وتَفَرَّقَ جَمْعُكُمْ، وطَعَنَ ابْنُ عَطِيَّةٍ في هَذا بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَصْلِ وإنَّما انْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّماعِ لِأنَّ -بَيْنَ- يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَلابِسَيْنِ نَحْوُ بَيْنِي وبَيْنَكَ رَحِمٌ وصَداقَةٌ وشَرِكَةٌ فَصارَ لِذَلِكَ بِمَعْنى الوَصْلَةِ. عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ فَإنَّ أبا عَمْرٍو وأبا عُبَيْدَةَ وابْنَ جِنِّيِّ والزَّجّاجَ وغَيْرَهم مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ نَقَلُوهُ وكَفى بِهِمْ سَنَدًا فِيهِ فَكَوْنُهُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا لا ظَرْفًا. وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ) وما فِيهِ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ وضاعَ وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ 94 - أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى فِيكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ

الأنعام 6:95

﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ وكُلِّ المَطالِبِ الحُكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ سُبْحانَهُ. والفالِقُ المُوجِدُ والمُبْدِعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ. والحَبُّ مَعْلُومٌ. والنَّوى جَمْعُ نَواةِ التَّمْرِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ ويُجْمَعُ عَلى أنْواءٍ ونُوًى بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِالشَّيْءِ المَوْجُودِ في داخِلِ الثَّمَرَةِ بِالمُثَلَّثَةِ أعَمُّ مِنَ التَّمْرِ بِالمُثَنّاةِ وغَيْرِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ النَّوى إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ مِنهُ ما في القامُوسِ وإذا أُرِيدَ غَيْرِهِ قُيِّدَ فَيُقالُ: نَوى الخَوْخِ ونَوى الإجاصِ ونَحْوُ ذَلِكَ. وأصْلُ الفَلْقِ الشَّقِّ وكانَ إطْلاقُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَقْلَ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ فَمَتى أوْجَدَ الشَّيْءَ تَخَيَّلَ الذِّهْنُ أنَّهُ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ المُبْدَعِ مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى شاقُّ الحَبَّةِ اليابِسَةِ ومُخْرِجُ النَّباتِ مِنها وشاقُّ النَّواةِ ومُخْرِجُ النَّخْلِ والشَّجَرِ مِنها، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وفِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَصْدَحُ أطْيارُها عَلى أفْنانِ الحِكَمِ وتَطْفَحُ أنْهارُها في رِياضِ الكَرَمِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالفَلْقِ الشِّقُّ الَّذِي بِالحُبُوبِ؛ وبِالنَّوى أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُهُما كَذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: ضَيَّقَ فَمَّ الرَّكِيَّةِ ووَسَّعَ أسْفَلَها، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما في سابِقِهِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والشَّجَرِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ والنَّوى. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ ولَمْ يُعْطَفْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ كالنُّطْفَةِ وأخَوَيْها ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ وأخَوَيْهِ، وهَذا عِنْدَ بَعْضٍ عَطْفٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ لا عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ وهَذا لا يَصْلُحُ لِلْبَيانِ وإنْ صَحَّ عَطْفُ الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَلى الفِعْلِ وعَكْسُهُ واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى (يُخْرِجُ) قالَ: وقَدْ ورَدا جَمِيعًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ كَثِيرًا وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما تَوْأمانِ مُقْتَرِنانِ وهو يُبْعِدُ القِطَعَ، فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ يُؤْتى بِصِيغَةِ اسْمِ صفحة 227 الفاعِلِ أُسْوَةَ أمْثالِهِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المُضارِعِ في هَذا الوَصْفِ وحْدَهُ إرادَةً لِتَصَوُّرِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ واسْتِحْضارِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِالمُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ والماضِي ألَمْ تَرَ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ كَيْفَ عَدَلَ عَنِ الماضِي المُطابِقِ لِأنْزَلَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَسْعى يُسْهِبُ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَآخُذُهُ وأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ فَإنَّهُ عَدَلَ فِيهِ إلى المُضارِعِ إرادَةً لِتَصْوِيرِ شَجاعَتِهِ واسْتِحْضارِهِ لِذِهْنِ السّامِعِ إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنَّما يُنْتَحى فِيما تَكُونُ العِنايَةُ فِيهِ أقْوى، ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أظْهَرُ في القُدْرَةِ مِن عَكْسِهِ وهو أيْضًا أوَّلُ الحالَيْنِ، والنَّظَرُ أوَّلُ ما يَبْدَأُ فِيهِ ثُمَّ القِسْمُ الآخَرُ ثانٍ عَنْهُ فَكانَ الأوَّلُ جَدِيرًا بِالتَّصْوِيرِ والتَّأْكِيدِ في النَّفْسِ ولِذَلِكَ هو مُقَدَّمٌ أبَدًا عَلى القِسْمِ الآخَرِ في الذَّكَرِ حَسَبَ تُرَتُّبِهِما في الواقِعِ، وسَهَّلَ عَطْفَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ وحَسَّنَهُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ في مَعْنى المُضارِعِ، وكُلٌّ مِنهُما يُقَدَّرُ بِالآخَرِ فَلا جُناحَ في عَطْفِهِ عَلَيْهِ وقالَ الإمامُ في وجْهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ: إنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاعِلَ مُعْتَنٍ بِالفِعْلِ في كُلٍّ حِينٍ وأوانٍ وأمّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والِاعْتِناءَ بِهِ ساعَةً فَساعَةً، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الرِّزْقُ بِلَفْظِ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الِاسْمُ لِيُفِيدَ البَقاءَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يُقالُ: لَمّا كانَ الحَيُّ أشْرَفَ مِنَ المَيِّتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِناءُ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ فَلِذا وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ وعَنِ الثّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِناءَ بِإيجادِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرُ وأكْمَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإيجادِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ. ثُمَّ العَطْفُ لِاشْتِمالِ الكَلامِ بِهِ عَلى زِيادَةٍ لا يَضُرُّ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِما تَقَدَّمَ كَما لا يَضُرُّ شُمُولُ الحَيِّ والمَيِّتِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى صِحَّتَهُ إنْ قُلْنا: إنَّ الحَيَّ حَقِيقَةً فِيمَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ الِادِّراكِ والقُدْرَةَ والمَيِّتَ حَقِيقَةً فِيمَن فارَقَتْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ النَّباتِ والشَّجَرِ الغَضِّ والنَّوى مَجازٌ. وبِهَذا يُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ فَإنَّهُ جَعَلَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي مِنَ الوُجُودِ المَجازِيَّةِ؛ كالمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ (ذَلِكُمُ) القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ السّاطِعُ البُرْهانِ هو (اللَّهُ) الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ 95 - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتُشْرِكُونَ بِهِ مِن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ أصْلًا. وتَمَسَّكَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ خَلَقَ فِيهِ الإفْكَ لَمْ يَلِقْ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَلى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَذَكَّرْ.

الأنعام 6:96

﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فالِقٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِـ (أنَّ) . و(الإصْباحِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: صفحة 228 ألّا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ كَقُفْلٍ وأقْفالٍ؛ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أفْنى رِياحًا وبَنِي رِياحِ ∗∗∗ تَناسُخُ الأمْساءِ والأصْباحِ بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْ مَسْيٍ وصُبْحٍ. والفالِقُ: الخالِقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاقُّ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الظُّلْمَةَ هي الَّتِي تَفْلِقُ عَنِ الصُّبْحِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الصُّبْحَ صُبْحانِ صادِقٌ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وكاذِبٌ وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ. وعَلى الأوَّلِ يُرادُ فَلْقُهُ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ يُقالُ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِالإصْباحِ. وذَلِكَ لِأنَّ الأُفُقَ مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ والجَنُوبِيِّ مَمْلُوءٌ مِنَ الظُّلْمَةِ، والنُّورُ إنَّما ظَهَرَ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ فَكَأنَّ الأُفُقَ كانَ بَحْرًا مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ البَحْرَ المُظْلِمَ بِأنْ أجْرى جَدْوَلًا مِنَ النُّورِ فِيهِ. وعَلى الثّانِي فَإيرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فالِقُهُ عَنْ ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ وشاقُّهُ مِنهُ. وما ذُكِرَ مِن تَقْسِيمِ الصُّبْحِ عَنْ صادِقٍ وكاذِبٍ مِمّا يَشْهَدُ لَهُ العِيانُ ولا يَمْتَرِي فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في سَبَبِ ذَلِكَ كَلامًا لِأهْلِ الهَيْئَةِ حاصِلُهُ أنَّ الصُّبْحَ وكَذا الشَّفَقَ اسْتِنارَةٌ في كُرَةِ البُخارِ لِتَقارُبِ الشَّمْسِ مِن أفُقِ المَشْرِقِ وتَباعُدِها عَنْ أُفُقِ المَغْرِبِ وقَدْ تَحَقَّقَ أنَّ كُرَةَ البُخارِ عِبارَةٌ عَنْ هَواءٍ مُتَكاثِفٍ بِما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ الأرْضِيَّةِ والمائِيَّةِ المُتَصاعِدَةِ مِن كُرَتَيْهِما بِتَسْخِينِ الشَّمْسِ وغَيْرِها إيّاها، وأنَّ شَكْلَ ذَلِكَ الهَواءِ شَكْلُ كُرَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرْضِ عَلى مَرْكَزِها وسَطْحٍ مُوازٍ لِسَطْحِها المُتَساوِي غايَةَ ارْتِفاعِها عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ في جَمِيعِ النَّواحِي المُسْتَلْزِمِ لِكُرَوِيَّتِها وأنَّها مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما كانَ مِنها أقْرَبَ إلى الأرْضِ فَهو أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ لِأنَّ الألْطَفَ يَتَصاعَدُ ويَتَباعَدُ أكْثَرَ مِنَ الأكْثَفِ، ولَكِنْ لا يُبْلُغُ التَّكاثُفُ إلى حَيْثُ يَحْجُبُ ما وراءَهُ. وأنَّ هَذِهِ الكُرَةَ تَنْتَهِي إلى حَدٍّ لا تَتَجاوَزُهُ وهو مِن سَطْحِ الأرْضِ أحَدٌ وخَمْسُونَ مِيلًا تَقْرِيبًا، وأنَّ لِلْأرْضِ ظِلًّا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ قاعِدَتُهُ دائِرَةٌ عَلَيْها تَكادُ تَكُونُ عَظِيمَةً، وهي مُواجِهَةٌ لِلشَّمْسِ ورَأْسُهُ في مُقابِلِها، وتَنْقَسِمُ الأرْضُ بِهَذِهِ القاعِدَةِ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أكْبَرُ مُسْتَضِيءٍ مُواجِهٍ لِلشَّمْسِ، والآخِرُ مُظْلِمٌ مُقابِلٌ لَها. ويَتَحَرَّكُ الضِّياءُ والظُّلْمَةُ عَلى سَطْحِ الأرْضِ في يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ دَوْرَةً واحِدَةً كَعَلَمَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ أحَدُهُما أبْيَضُ والآخَرُ أسْوَدُ. وأنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ مُحِيطٌ بِمَخْرُوطِ الظِّلِّ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ ومُنْبَثٌّ في جَمِيعِ الأفْلاكِ سِوى مِقْدارٍ يَسِيرٍ مِن فَلَكِ القَمَرِ وفَلَكِ عُطارِدٍ وقَعَ في مَخْرُوطِ ظِلِّ الأرْضِ؛ لَكِنَّ الأفْلاكَ لِكَوْنِها مُشِعَّةً في الغايَةِ يَنْفُذُ فِيها الشُّعاعُ ولا يَنْعَكِسُ عَنْها فَلِذَلِكَ لا نَراها مُضِيئَةً. وكَذا الهَواءُ الصّافِي المُحِيطُ بِكُرَةِ البُخارِ لا يَقْبَلُ ضَوْءًا وأمّا كُرَةُ البُخارِ فَهي مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما قَرُبَ مِنها إلى الأرْضِ أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ والأكْثَفُ أقْبَلُ لِلِاسْتِضاءَةِ؛ فالكَثِيفُ الخَشِنُ بِاخْتِلاطِ الهَيْئاتِ الكَثِيرَةِ مِن سَطْحِ مَخْرُوطِ الظِّلِّ قابِلٌ لِلضَّوْءِ، وأنَّ النَّهارَ مُدَّةُ كَوْنِ ذَلِكَ المَخْرُوطِ تَحْتَ الأُفُقِ، واللَّيْلُ مُدَّةُ كَوْنِهِ فَوْقَهُ وحَيْثُ تَحَقَّقَ كُلُّ ذَلِكَ يُقالُ: إذا ازْدادَ قُرْبُ الشَّمْسِ مِن شَرْقَيِ الأُفُقِ ازْدادَ مَيْلُ المَخْرُوطِ إلى غَرْبَيْهِ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُرى الشُّعاعُ المُحِيطُ بِهِ، وأوَّلُ ما يُرى هو الأقْرَبُ إلى مَوْضِعِ النّاظِرِ وهو خَطٌّ يَخْرُجُ مِن بَصَرِهِ في سَطْحِ دائِرَةٍ سَمْتِيَّةٍ تَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ عَمُودًا عَلى الخَطِّ المُماسِّ لِلشَّمْسِ والأرْضِ، وهو الَّذِي في سَطْحِ الفَصْلِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الشُّعاعِ والظِّلِّ فَيُرى الضَّوْءُ أوَّلًا مُرْتَفِعًا عَنِ الأُفُقِ عِنْدَ مَوْقِعِ العَمُودِ مُسْتَطِيلًا كَخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُفُقِ يُرى مُظْلِمًا لِبُعْدِهِ وإنْ كانَ مُسْتَنِيرًا في الواقِعِ صفحة 229 ولِكَثافَةِ الهَواءِ عِنْدَ الأُفُقِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ وهو الصُّبْحُ الكاذِبُ، ثُمَّ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ رُؤِيَ الضَّوْءُ مُعْتَرِضًا مُنْبَسِطًا يَزْدادُ لَحْظَةً فَلَحْظَةً ويَنْمَحِي الأوَّلُ بِهَذا الضِّياءِ القَوِيِّ كَما يَنْمَحِي ضِياءُ المَشاعِلِ والكَواكِبِ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَيُخَيَّلُ أنَّ الأوَّلَ قَدْ عُدِمَ وهو الصُّبْحُ الصّادِقُ وتَوْضِيحُ ما ذُكِرَ عَلى ما في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِ سَيِّدِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُتَوَهَّمُ لِبَيانِ ذَلِكَ سَطْحٌ يَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ والأرْضِ وبِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ فَيُحْدِثُ مُثَلَّثَ حادِّ الزَّوايا قاعِدَتُهُ عَلى الأُفُقِ وضِلْعاهُ عَلى سَطْحِ المَخْرُوطِ أمّا حُدُوثُ المُثَلَّثِ فَلِما تَقَرَّرَ أنَّهُ إذا مَرَّ سَطْحٌ مُسْتَوٍ بِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ أحْدَثَ فِيهِ مُثَلَّثًا وأمّا حِدَّةُ الزَّوايا فَلِأنَّ رَأْسَ المَخْرُوطِ في نِصْفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَوْقَ الأرْضِ وحِينَئِذٍ إمّا يَكُونُ المَخْرُوطُ قائِمًا عَلى سَطْحِ الأُفُقِ وذَلِكَ إذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ أوْ مائِلًا إلى الشَّمالِ أوِ الجَنُوبِ مَعَ تَساوِي بُعْدِهِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ وأيًّا ما كانَ فَذَلِكَ السَّطْحُ المَفْرُوضُ مُمْتَدٌّ فِيما بَيْنُ الخافِقَيْنِ إمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ وإمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلِتَساوِي بُعْدِ رَأْسِ المَخْرُوطِ عَنْ جانِبَيِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَيَكُونُ زاوِيَتا قاعِدَةِ المُثَلَّثِ حادَّتَيْنِ لِوُجُوبِ تَساوِيهُما وامْتِناعِ وُقُوعِ قائِمَتَيْنِ أوْ مُنْفَرِجَتَيْنِ في مُثَلَّثٍ، وإذا مالَ رَأْسُ المَخْرُوطِ عَنْ نِصْفِ النَّهارِ المَغْرِبِ فَوْقَ الأرْضِ بِسَبَبِ انْتِقالِ الشَّمْسِ عَنْهُ إلى الجانِبِ المَشْرِقِ تَحْتَ الأرْضِ تَضايَقَتِ الزّاوِيَةُ الشَّرْقِيَّةُ مِن ذَلِكَ المُثَلَّثِ فَتَصِيرُ أحَدٌ مِمّا كانَتْ واتَّسَعَتِ الزّاوِيَةُ الغَرْبِيَّةُ حَتّى تَصِيرَ مُنْفَرِجَةً لَكِنَّ المَقْصُودَ لا يَخْتَلِفُ ولا شَكَّ أنَّ الأقْرَبَ مِنَ الضِّلَعِ الَّذِي يَلِي الشَّمْسَ إلى النّاظِرِ يَكُونُ مَوْقِعَ العَمُودِ الخارِجِ مِنَ النَّظَرِ الواقِعِ عَلى ذَلِكَ الضِّلَعِ لا مَوْضِعَ اتِّصالِ الضِّلَعِ بِالأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا خَرَجَ مِنَ البَصَرِ إلى الضِّلَعِ الشَّرْقِيِّ عَمُودٌ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ هَذا الضِّلَعِ بِالأُفُقِ وإلّا انْطَبَقَتِ القائِمَةُ عَلى بَعْضِ الحادَّةِ ولا أنْ يَقَعَ تَحْتَ الأُفُقِ بِأنْ يَقْطَعَ العَمُودُ قاعِدَةَ المُثَلَّثِ ويَصِلَ إلى الضِّلَعِ المَذْكُورِ بَعْدَ إخْراجِهِ تَحْتَهُ وإلّا لَزِمَ في المُثَلَّثِ الحادِثِ تَحْتَ الأُفُقِ مِنَ القَدْرِ المُخْرَجِ مِن بَعْضٍ وبَعْضِ العَمُودِ القائِمَةِ ومُنْفَرِجَةً ولا أنْ يَقَعَ في جِهَةِ رَأْسِ المُثَلَّثِ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ أحَدِ ضِلْعَيْهِ بِالآخَرِ ولا خارِجًا عَنْهُ في تِلْكَ الجِهَةِ لِما ذَكَرْنا بِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ داخِلَ المُثَلَّثِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيِ الضِّلْعِ الشَّرْقِيِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَوْضِعَهُ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن مَوْضِعِ اتِّصالِهِ بِالأُفُقِ، ولا شَكَّ في أنَّ ما وقَعَ مِن هَذا الضِّلَعِ فِيما كُثِّفَ مِن كُرَةِ البُخارِ يَكُونُ مُسْتَنِيرًا بِتَمامِهِ حالَ قُرْبِ الشَّمْسِ مِن أُفُقِ المَشْرِقِ إلّا أنَّ ما كانَ أقْرَبُ مِنهُ إلى النّاظِرِ يَكُونُ أصْدَقَ رُؤْيَةً وهو مَوْقِعُ العَمُودِ ومِن هُنا يَتَحَقَّقُ الصّادِقُ والكاذِبُ انْتَهى كَلامُهُمْ والإمامُ الرّازِّيُّ أنْكَرَ كَوْنَ الصُّبْحِ الكاذِبِ مِن أثَرِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وإنَّما هو بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً قالَ لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فَلَكُ الدّائِرَةِ أُفُقًا لَهم قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِمْ وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أضاءَ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا وذَلِكَ الضَّوْءُ يَكُونُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ أجْزاءِ الجَوِّ ويَجِبُ أنْ يَزْدادَ لَحْظَةً فَلَحْظَةً وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الصُّبْحُ الأوَّلُ خَطًّا مُسْتَطِيلًا فَحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ ولا مِن جِنْسِ نُورِهِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أيْضًا أنَّ الصُّبْحَ الثّانِيَ كالصُّبْحِ الأوَّلِ لَيْسَ صفحة 230 إلّا بِتَخْلِيقِ الفاعِلِ المُخْتارِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ وبَيْنَ ذَلِكَ أنَّ مِنَ المُقَدِّماتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها أنَّ المُضِيءَ شَمْسًا كانَ أوْ غَيْرَهُ لا يَقَعُ ضَوْؤُهُ إلّا عَلى الجِرْمِ المُقابِلِ لَهُ دُونَ غَيْرِ المُقابِلِ، والشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ غَيْرُ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الأُفُقِ فَلا يَكُونُ جِرْمُ الشَّمْسِ مُقابِلًا لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ وجْهِ الأرْضِ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصُّبْحِ مِن تَأْثِيرِ قَرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ قالَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الشَّمْسُ حِينَ كَوْنِها تَحْتَ الأرْضِ تُوجِبُ إضاءَةَ ذَلِكَ الهَواءِ المُقابِلِ لَها وذَلِكَ الهَواءُ مُقابِلٌ لِلْهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ فَيَصِيرُ ضَوْءُ الهَواءِ الواقِفِ تَحْتَ الأرْضِ سَبَبًا لِضَوْءِ الهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ ثُمَّ لا يَزالُ يَسْرِي ذَلِكَ الضَّوْءُ مِن هَواءٍ آخَرَ مُلاصِقٍ لَهُ حَتّى يَصِلَ الهَواءُ المُحِيطُ بِنا وعَلى هَذا عَوَّلَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ في المَناظِرِ فالجَوابُ: أنَّ هَذا باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلِ أنَّ الهَواءَ شَفّافٌ عَدِيمُ اللَّوْنِ فَلا يَقْبَلُ النُّورَ واللَّوْنَ في ذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَنْعَكِسَ مِنهُ النُّورُ إلى غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ ضَوْؤُهُ سَبَبًا لِضَوْءِ هَواءٍ آخَرَ مُقابِلٍ لَهُ فَإنْ قالُوا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَصَلَ في الأُفُقِ أجْزاءٌ كَثِيفَةٌ مِنَ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ وهي لِكَثافَتِها تَقْبَلُ النُّورَ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَفِيضُ عَلى الهَواءِ المُقابِلِ لَهُ فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلَّما كانَتِ الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ في الأُفُقِ أكْثَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصَّباحِ أقْوى ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِالعَكْسِ، والثّانِي أنَّ الدّائِرَةَ الَّتِي هي دائِرَةُ الأُفُقِ لَنا بِعَيْنِها دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالدّائِرَةُ الَّتِي هي نِصْفُ النَّهارِ في بَلَدِنا وجَبَ كَوْنُها دائِرَةَ الأُفُقِ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إذًا وصَلَ مَرْكَزُ الشَّمْسِ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وتَجاوُزَ عَنْها فالشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ واسْتَنارَ نِصْفُ العالَمِ هُناكَ والرُّبْعُ مِنَ الفَلَكِ الَّذِي هو رُبْعٌ شَرْقِيٌّ لِأهْلِ بَلَدِنا فَهو رُبْعٌ غَرْبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالشَّمْسُ إذا تَجاوَزَ مَرْكَزُها عَنْ دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ قَدْ صارَ جِرْمُها مُحازِيًا لِهَواءِ الرُّبْعِ الَّذِي هو الرُّبْعُ الشَّرْقِيُّ هَلْ بَلَدُنا فَلَوْ كانَ الهَواءُ يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ النُّورُ في هَذا الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ يَصِيرَ هَواءُ هَذا الرُّبْعِ في غايَةِ الإنارَةِ حِينَئِذٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الهَواءَ لا يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ في ذاتِهِ وإذا بَطَلَ هَذا بَطَلَ العُذْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الهَيْثَمِ انْتَهى المُرادُ مِنهُ، ولا أراهُ أتى بِشَيْءٍ يَتَبَلَّجُ بِهِ صُبْحُ هَذا المَطْلَبِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ، وذَكَرَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ العَلّامَةُأحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ أنَّ لِأهْلِ الهَيْئَةِ في تَحْقِيقِ الصُّبْحِ الكاذِبِ كَلامًا طَوِيلًا مَبْنِيًّا عَلى الحَدْسِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الحُكَماءِ الباطِلَةِ كَمَنعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى أنَّهُ لا يَفِي بِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ أعْلاهُ أضْواءً مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ مِن أسْفَلِهِ عَنْ مُسْتَمِدِّهِ وهو الشَّمْسُ ولا بِبَيانِ سَبَبِ انْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الأئِمَّةُ وقَدَّرُوها بِساعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مُطْلَقُ الزَّمَنِ لِأنَّها تَطُولُ تارَةً وتَقْصُرُ أُخْرى وهَذا شَأْنُ السّاعاتِ الزَّمانِيَّةِ المُسَمّاةِ بِالمُعْوَجَّةِ، ويُقابِلُونَها بِالسّاعاتِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ كُلٌّ مِنها دائِمًا بِخَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الهَيْئَةِ عَدَمَ انْعِدامِهِ وإنَّما يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الصّادِقِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ذَلِكَ فِيما نَقَلْناهُ لَكَ عَنْهُمْ، ولَعَلَّهُ بِحَسْبِ التَّقْدِيرِ لا الحِسِّ وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ» أيْ يَنْتَشِرُ ذَلِكَ العَمُودُ في نُواحِي الأُفُقِ ويُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَتِهِ عارِضًا لِلثّانِي شَيْئانِ أحَدُهُما أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الصُّبْحُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في صفحة 231 قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ، والمُشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دَفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ وهَذا لِكَوْنِ كَلامِ الصّادِقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولِإنْبائِهِ عَنْ سَبَبِ طُولِهِ وإضاءَةِ أعْلاهُ واخْتِلافِ زَمَنِهِ وانْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُوافِقِ لِلْحِسِّ أوْلى مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ القاصِرِ عَنْ ذَلِكَ ثانِيهُما أنَّهُ ﷺ أشارَ بِالعارِضِ إلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ هو الصّادِقُ، وأنَّ الكاذِبَ إنَّما قُصِدَ بِطَرِيقِ العَرَضِيَّةِ لِيُنَبِّهَ النّاسَ لَقَرِبَ ذَلِكَ فَيَنْتَبِهُوا لِيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أوَّلِ الوَقْتِ لِاشْتِغالِهِمْ بِالنَّوْمِ الَّذِي لَوْلا هَذِهِ العَلّامَةُ لَمَنَعَهم إدْراكُ أوَّلِ الوَقْتِ فالحاصِلُ أنَّهُ نُورٌ يُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشُّعاعِ أوْ يَخْلُقُهُ حِينَئِذٍ عَلامَةً عَلى قُرْبِ الصُّبْحِ ومُخالِفًا لَهُ في الشَّكْلِ لِيَحْصُلَ التَّمَيُّزُ وتَتَّضِحَ العَلامَةُ العارِضَةُ مِنَ المُعَلَّمِ عَلَيْهِ المَقْصُودُ فَتَأمَّلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ غَرِيبٌ مُهِمٌّ، وفي حَدِيثٍ عِنْدَ أحْمَدَ لَيْسَ الفَجْرُ الأبْيَضُ المُسْتَطِيلُ في الأُفُقِ ولَكِنَّ الفَجْرَ الأحْمَرَ المُعْتَرِضَ، وفِيهِ شاهِدٌ لِما ذُكِرَ آخِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ الكُوَّةِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ لِلشَّمْسِ ثَلَثَمِائَةِ كُوَّةٍ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُوَّةٍ فَلا بِدَعَ أنَّها عِنْدَ قُرْبِها مِن تِلْكَ الكُوَّةِ يَنْحَبِسُ شُعاعُها ثُمَّ يَتَنَفَّسُ كَما مَرَّ، ولِلْقَرافِيِّ المالِكِيِّ وغَيْرِهِ كالأصْبَحِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فِيهِ كَلامٌ يُوَضِّحُهُ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ ما ذُكِرَ مِنَ الكُوّاتِ ويُوافِقُ الِاسْتِشْكالَ لِكَوْنِهِ يَظْهَرُ ثُمَّ يَغِيبُ، وحاصِلُهُ وإنْ كانَ فِيهِ طُولٌ لُمِسَ الحاجَةُ إلَيْهِ أنَّهُ بَياضٌ يَطْلُعُ قَبْلَ الفَجْرِ ثُمَّ يَذْهَبُ عِنْدَ أكْثَرِ الأبْصارِ دُونَ الرّاصِدِ المُجِدِّ القَوِيِّ النَّظَرِ وذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ المالِكِيُّ أنَّهُ مِن نُورِ الشَّمْسِ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ فَإذا ظَهَرَتْ أنِسَتْ بِهِ الأبْصارُ فَيُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ غابَ ولَيْسَ كَذَلِكَ ونَقَلَ الأصْبَحِيُّ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّهُ يَذْهَبُ بَعْدَ طُلُوعِهِ ويَعُودُ مَكانَهُ لَيْلًا وهو كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وإنَّ أبا جَعْفَرٍ البَصْرِيَّ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُ بِأنَّهُ عِنْدَ بَقاءِ نَحْوِ ساعَتَيْنِ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا إلى نَحْوِ رُبْعِ السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ ورُبَّما لَمْ يُرَ إذا كانَ الجَوُّ نَقِيًّا شِتاءً وأبْيَنُ ما يَكُونُ إذا كانَ الجَوُّ كَدِرًا صَيْفًا أعْلاهُ دَقِيقٌ وأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ ولا يُنافِي هَذا ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ أعْلاهُ أضْوَأُ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ الطُّلُوعِ، وهَذا عِنْدَ مَزِيدِ قُرْبِهِ مِنَ الصّادِقِ وتَحْتَهُ سَوادٌ ثُمَّ بَياضٌ يُغَشِّي ذَلِكَ كُلَّهُ ثُمَّ يَعْتَرِضُ رَدَّهُ بِأنَّهُ رَصَدَهُ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً فَلَمْ يَرَهُ غابَ، وإنَّما يَنْحَدِرُ لِيَلْتَقِيَ مَعَ المُعْتَرِضِ في السَّوادِ ويَصِيرانِ فَجْرًا واحِدًا. وزَعْمُ غَيْبَتِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ وهْمٌ أوْ رَآهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ فَظَنَّهُ يَذْهَبُ، وبَعْضُ المُؤَقِّتِينَ يَقُولُ: هو المَجَرَّةُ إذا كانَ الفَجْرُ بِالسُّعُودِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يُوجَدَ إلّا نَحْوَ شَهْرَيْنِ في السَّنَةِ، قالَ القَرافِيُّ: وقالَ آخَرُونَ هو شُعاعٌ يَخْرُجُ مِن طِباقٍ بِجَبَلِ قافٍ ثُمَّ أبْطَلَهُ بِأنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِما يَرُدُّهُ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن طُرُقٍ خَرَّجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوُهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، مِنها أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ ثُمَّ أرْضًا ثُمَّ بَحْرًا ثُمَّ جَبَلًا وهَكَذا حَتّى عَدَّ سَبْعًا مِن كُلٍّ، وأخْرَجَ بَعْضُ أُولَئِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ جَبَلٌ مِن ذُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَتِفا السَّماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وكَما انْدَفَعَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: لا وُجُودَ لَهُ؛ انْدَفَعَ قَوْلُهُ إثْرَهُ: ولا يَجُوزُ اعْتِقادُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقَ الإمارَةِ فَهَذا عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أوِ الإمارَةَ العَقْلِيَّةَ فَهَذا مِمّا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَما هو جَلِيٌّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ القَرافِيِّ عَنْ أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَخْفى دائِمًا، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وأطالَ في جَوابِهِ بِما لا يَتَّضِحُ صفحة 232 إلّا لِمَن أتَقَنَ عِلْمَيِ الهَنْدَسَةِ والمَناظِرِ فَأوْلى مِنهُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ النَّظَرِ لِاخْتِلافِهِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ والكَيْفِيّاتِ العارِضَةِ لِمَحَلِّهِ فَقَدْ يَدُقُّ في بَعْضِ ذَلِكَ حَتّى لا يُرى أصْلًا وحِينَئِذٍ فَهَذا عُذْرُ مَن عَبَّرَ بِأنَّهُ يَغِيبُ ثُمَّ تَعْقُبُهُ ظَلَمَةٌ، وهَذا ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِحُدُوثِ ضَوْءِ الصُّبْحِ بِمُجَرَّدِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا عَنْ سَبَبٍ عادِيٍّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ مِن شُعاعٍ يَخْرُجُ مِن طِباقِ جَبَلِ قافٍ. والقَوْلُ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِن هَذا الطِّباقِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِخُرُوجِ الشَّمْسِ الَّتِي هي عَلى ما بَيَّنَ في الأجْرامِ مِائَةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ مِثْلًا لِلْأرْضِ مَعَ كَسْرٍ تَقَدَّمَ -عَلى ما هو المَشْهُورُ- أوْ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتَّةٌ وعِشْرُونَ مِثْلًا لَها عَلى ما قالَهُ غِياثُ الدِّينِ جَمْشِيدُ الكاشِيُّ في رِسالَتِهِ ”سُلَّمُ السَّماءِ“ أوْ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُوَّةٍ مِن جَبَلٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ والخَبَرُ في ذَلِكَ إنْ صَحَّ وقُلْنا: إنَّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ مِمّا يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ وبابُ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن تِلْكَ الكُوَّةِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قَدْ قَطَعُوا دائِرَةَ الأرْضِ عَلى مَدارِ السَّرَطانِ مِرارًا ولَمْ يَجِدُوا أثَرًا لِهَذا الجَبَلِ المُحِيطِ الشّامِخِ. وإثْباتُ سَبْعَةِ جِبالٍ وسَبْعَةِ أبْحُرٍ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مِمّا لا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا. وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ إلّا مُلْحِدٌ لَكِنَّ الكَلامَ في وُقُوعِ ما ذُكِرَ في الخارِجِ والَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أمْرِ الصُّبْحِ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وقَدْ بَيَّنَ أرِسْطُوخَسُ في الشَّكْلِ الثّانِي مِن كِتابِهِ في جِرْمِ النَّيِّرَيْنِ أنَّ الكُرَةَ إذا اقْتَبَسَتِ الضَّوْءَ مِن كُرَةٍ أعْظَمَ مِنها كانَ المُضِيءُ مِنها أعْظُمَ مِن نِصْفِها. وقَدْ بَيَّنَ أيْضًا في الشَّكْلِ الأوَّلِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ كُلَّ كُرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أمْكَنَ أنْ يُحِيطَ بِهِما مَخْرُوطٌ مُسْتَدِيرٌ رَأْسُهُ يَلِي أصْغَرَهُما ويَكُونُ المَخْرِطُ مُماسًّا لِكُلٍّ مِنهُما عَلى مُحِيطِ دائِرَةٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُحِيطٌ بِالشَّمْسِ والأرْضِ مَخْرُوطٌ مُؤَلَّفٌ مِن خُطُوطٍ شُعاعِيَّةٍ رَأْسُهُ يَلِي الأرْضَ فَيَكُونُ هَذا المَخْرُوطُ مُماسًّا لِلْأرْضِ عَلى دائِرَةٍ فاصِلَةٍ بَيْنَ المُضِيءِ والمُظْلِمِ مِنها وهي دائِرَةٌ صَغِيرَةٌ لِأنَّ الجُزْءَ المُضِيءَ مِنَ الأرْضِ أصْغَرُ وقَدْ حَقَّقُوا أنَّ المُسْتَنِيرَ مِنَ الهَواءِ كُرَةُ البُخارِ سِوى ما دَخَلَ في ظِلِّ مَخْرُوطِ الأرْضِ وهي مُسْتَنِيرَةٌ أبَدًا لِكَثافَتِها وإحاطَةِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ بِها لَكِنَّها لا تُرى في اللَّيْلِ لِبُعْدِها عَنِ البَصَرِ وأنَّ سَهْمَ المَخْرُوطِ أبَدًا في مُقابَلَةِ جِرْمِ الشَّمْسِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. فَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وبَعْدَ ذَلِكَ يَمِيلُ إلى جانِبِ الغُرُوبِ لَحْظَةً فَلَحْظَةً إلى أنْ يُرى البَياضُ في جانِبِ المَشْرِقِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ في الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مِن مُجاوَزَةِ مَرْكَزِ الشَّمْسِ دائِرَةُ نِصْفِ اللَّيْلِ وطُلُوعِها عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ. واسْتِنارَةُ نِصْفِ العالَمِ عِنْدَهُمُ اسْتِنارَةُ الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ عِنْدَنا لِاخْتِلافِ الوَضْعِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، والتِزامُ القَوْلِ بِالكُرَوِيَّةِ والمَخْرُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمِ اعْتِقادُ صِحَّةِ ما يَقُولُونَهُ مِمّا عُلِمَ خِلافُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أوْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كُفْرٌ أوْ ضَلالٌ، فَتَدَبَّرْ. وقُرِئَ (فالِقَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وقَرَأ النَّخَعِيُّ (فَلَقَ الإصْباحَ ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أيْ يَسْكُنُ إلَيْهِ مَن يَتْعَبُ بِالنَّهارِ ويَسْتَأْنِسُ بِهِ لِاسْتِرْواحِهِ فِيهِ؛ وكُلُّ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ الرَّجُلُ ويَطْمَئِنُّ اسْتِئْناسًا بِهِ واسْتِرْواحًا إلَيْهِ مِن زَوْجٍ أوْ حَبِيبٍ يُقالُ لَهُ: سَكَنٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّارِ: سَكَنٌ لِأنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِها ولِذا سَمَّوْها مُؤْنِسَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ صفحة 233 رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فالمُرادُ حِينَئِذٍ جَعَلَ اللَّيْلَ مَسْكُونًا فِيهِ أخْذًا لَهُ مِنَ السُّكُونِ أيِ الهُدُوءُ والِاسْتِقْرارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وقَرَأ سائِرُ السَّبْعَةِ إلّا الكُوفِيِّينَ (جاعِلُ) بِالرَّفْعِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ و(اللَّيْلِ) فِيهِما مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، ونَصْبُ (سَكَنًا) عِنْدَ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ لا بِهِ؛ لِأنَّهُ يُشْتَرَطُ في عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ كَوْنُهُ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ وهو هُنا بِمَعْنى الماضِي كَما يَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ (جَعَلَ) وجَوَّزَ الكِسائِيُّ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ عَمَلَهُ بِمَعْنى الماضِي مُطْلَقًا حَمْلًا لَهُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَ مَعْناهُ. وبَعْضُهم جَوَّزَ عَمَلَهُ كَذَلِكَ إذا دَخَلَتْ عَلى (ألْ)، وآخَرُونَ جَوَّزُوا عَمَلَهُ في الثّانِي إذا أُضِيفَ إلى الأوَّلِ لِشِبْهِهِ بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ. وعَلى هَذا والأوَّلِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ بَلْ يَكُونُ النّاصِبُ هو الوَصْفُ. واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ النّاصِبَ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِأنَّ المُرادَ بِهِ الجَعْلُ المُسْتَمِرُّ في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ لا الزَّمانُ الماضِي فَقَطْ ولا يَجْرِي عَلى هَذا مَجْرى الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِأنَّ ذَلِكَ -كَما قالَ المُحَقِّقِينَ- فِيما قُصِدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ مَشْرُوطٌ بِاشْتِهارِ الوَصْفِ بِذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ وشُيُوعِهِ فِيهِ، ونَصْبُهُ في قِراءَتِنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (جَعَلَ) بِمَعْنى أحْدَثَ المُتَعَدِّي لِواحِدٍ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ (والشَّمْسَ والقَمَرَ) مَعْطُوفانِ عَلى اللَّيْلِ. وعَلى قِراءَةِ مَن جَرَّهُ يَكُونُ نَصْبُهُما بِجَعَلَ المُقَدَّرِ النّاصِبِ لِـ (سَكَنًا) أوْ بِآخَرَ مِثْلِهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ المَجْرُورِ فَإنَّ إضافَةَ الوَصْفِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ إذا لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ إلى المُضِيِّ. وقُرِئَ بِالجَرِّ وهو ظاهِرٌ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ فِيها الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا. والحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ وهَذا هو الأصْلُ المَسْمُوعُ في نَحْوِ ذَلِكَ وما سِواهُ وارِدٌ عَلى خِلافِ القِياسِ كَما قِيلَ. وعَنْ أبِي الهَيْثَمِ أنَّ حُسْبانًا جَمْعُ حِسابٍ مِثْلُ رُكْبانٍ ورِكابٍ وشُهْبانٍ وشِهابٍ؛ وفي إرادَتِهِ هُنا بَعْدَ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما كَذَلِكَ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلْقِ الإصْباحِ وجَعْلِ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسِ والقَمَرِ حُسْبانًا، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وهو الظّاهِرُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ البَدِيعُ الشَّأْنِ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ أيِ الغالِبِ القاهِرِ الَّذِي لا يَتَعاصاهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَسْيِيرِهِما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ ﴿العَلِيمِ﴾ 96 - المُبالِغِ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في ذَلِكَ التَّسْيِيرِ مِنَ المَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ

الأنعام 6:97

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ﴾ أيْ أنْشَأ أوْ صَيَّرَ ﴿لَكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿النُّجُومَ﴾، قِيلَ: المُرادُ بِها ما عَدا النَّيِّرَيْنِ لِأنَّها الَّتِي بِها الِاهْتِداءُ الآتِي، ولِأنَّ النَّجْمَ يُخَصُّ في العُرْفِ بِما عَداهُما. وجُوِّزَ أنْ يَدْخُلا فِيها فَيَكُونُ هَذا بَيانًا لِفائِدَتِهِما العامَّةِ إثْرَ بَيانِ فائِدَتِهِما الخاصَّةِ، والمُنَجِّمُونَ يُقَسِّمُونَ النُّجُومَ إلى ثَوابِتَ وسَيّاراتٍ، والسَّيّاراتُ سَبْعٌ بِإجْماعِ المُتَقَدِّمِينَ وثَمانٍ بِزِيادَةِ هِرْشِلَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ اليَوْمَ. والثَّوابِتُ لا يَعْلَمُ عِدَّتَها إلّا اللَّهُ تَعالى، والمَرْصُودُ مِنها كَما قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الصُّوفِيُّ: ألْفٌ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ بِإدْخالِ الضَّفِيرَةِ. ومَن أخْرَجَها قالَ: صفحة 234 هِيَ ألْفٌ واثْنانِ وعِشْرُونَ. ورَتَّبُوا الثَّوابِتَ عَلى سِتِّ أقْدارٍ وسَمَّوْها أقْدارًا مُتَزائِدَةً سُدْسًا سُدْسًا وجَعَلُوا كُلَّ قِدْرٍ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أعْظَمُ وأوْسَطُ وأصْغَرُ؛ ولَهم تَقْسِيماتٌ لَها بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ بَنَوْا عَلَيْها ما بَنَوْا ولا يَكادُ يُسَلَّمُ لَهم إلّا ما لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ مَحْذُورٌ في الدِّينِ ﴿لِتَهْتَدُوا بِها﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (لَكُمْ) بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلَ النُّجُومَ لِاهْتِدائِكم ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهَذا إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإلّا فَهي أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا وهي في جَمِيعِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها كَسائِرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ لا تَأْثِيرَ لَها بِأنْفُسِها ولا بَأْسَ في تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُومِ ومَعْرِفَةِ البُرُوجِ والمَنازِلِ والأوْضاعِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: والمَنهِيُّ عَنْهُ مِن عِلْمِ النُّجُومِ ما يَدَّعِيهِ أهْلُها مِن مَعْرِفَةِ الحَوادِثِ الآتِيَةِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ كَمَجِيءِ المَطَرِ ووُقُوعِ الثَّلْجِ وهُبُوبِ الرِّيحِ وتَغَيُّرِ الأسْعارِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِسَيْرِ الكَواكِبِ لِاقْتِرانِها وافْتِراقِها، وهَذا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ فَمَنِ ادَّعى عِلْمَهُ بِذَلِكَ فَهو فاسِقٌ بَلْ رُبَّما يُؤَدِّي بِهِ إلى الكُفْرِ، فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ الِاقْتِرانَ أوِ الِافْتِراقَ الَّذِي هو كَذا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً بِمُقْتَضى ما اطَّرَدَتْ بِهِ عادَتُهُ الإلَهِيَّةُ عَلى وُقُوعِ كَذا وقَدْ يَتَخَلَّفُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وكَذا الإخْبارُ عَمّا يُدْرَكُ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ مِن عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ الزَّوالُ وُجِهَةُ القِبْلَةِ وكَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ مِنَ الوَقْتِ فَإنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ بَلْ هو فَرْضُ كِفايَةٍ، وأمّا ما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدِ الجُهَنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ في أثَرِ ماءٍ -أيْ مَطَرٍ- كانَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: أتَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْلَمُ قالَ: ”أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ وكافِرٌ فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَواكِبِ، ومَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَذاكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَواكِبِ»“. فَقَدْ قالَ العُلَماءُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا قالَ ذَلِكَ مُرِيدًا أنَّ النَّوْءَ هو المُحْدِثُ أمّا لَوْ قالَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ النَّوْءَ عَلامَةٌ عَلى نُزُولِ المَطَرِ ومُنْزِلَهُ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ مِن ألْفاظِ الكُفْرِ انْتَهى، وأقُولُ: قَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ في النَّهْيِ عَنْ عِلْمِ النُّجُومِ والنَّظَرِ فِيها فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ،» وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْصِنِي قالَ أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ وإيّاكَ وعِلْمَ النُّجُومِ فَإنَّهُ يَدْعُو إلى الكِهانَةِ، وأُخْرِجَ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ مُتَعَلِّمَ حُرُوفِ أبِي جادُوراءَ في النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى خَلاقٌ يَوْمَ القِيامَةِ،» وأخْرَجَ أبُو الخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ صفحة 235 ثُمَّ انْتَهُوا»“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ ما تُفِيدُهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّعَلُّمِ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ رُبَّما يَجُرُّ إلى مَحْظُورٍ شَرْعًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ مِهْرانَ، وكَذا النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها مَحْمُولٌ عَلى النَّظَرِ الَّذِي كانَ تَفْعَلُهُ الكَهَنَةُ الزّاعِمُونَ تَأْثِيرَ الكَواكِبِ بِأنْفُسِها والحاكِمُونَ بِقَطْعِيَّةٍ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ بِتَثْلِيثِها وتَرْبِيعِها واقْتِرانِها ومُقابَلَتِها مَثَلًا مِنَ الأحْكامِ بِحَيْثُ لا تَتَخَلَّفُ قَطْعًا عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى جَمِيعِ ما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ كَوْكَبٍ مِمّا يَمْتَنِعُ لِغَيْرِ عَلّامِ الغُيُوبِ، والوُقُوفُ عَلى البَعْضِ أوِ الكُلِّ في البَعْضِ لا يُجْدِي نَفْعًا ولا يُفِيدُ إلّا ظَنًّا، المُتَمَسِّكُ بِهِ كالمُتَمَسِّكِ بِحِبالِ القَمَرِ والقابِضُ عَلَيْهِ كالقابِضِ عَلى شُعاعِ الشَّمْسِ نَعَمْ إنَّ بَعْضَ الحَوادِثِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ قَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِإحْداثِهِ في الغالِبِ عِنْدَ طُلُوعِ كَوْكَبٍ أوْ غُرُوبِهِ أوْ مُقارَنَتِهِ لِكَوْكَبٍ آخَرَ وفِيما يُشاهِدُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الثُّرَيّا وطُلُوعِها وطُلُوعِ سُهَيْلٍ شاهِدٌ لِما ذَكَرْنا، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ العادِيَّةِ وهي قَدْ تَتَخَلَّفُ مُسَبِّباتُها عَنْها سَواءً قُلْنا: إنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ أمْ قُلْنا إنَّها المُؤَثِّرَةُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما هو المَنصُورُ عِنْدَ السَّلَفِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في العِلَّةِ فَمَتى أخْبَرَ المُجَرِّبُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَأْسٌ، وما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ وجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ودِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ وما أخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: خُصَّتِ العَرَبُ بِخِصالٍ بِالكَهانَةِ والقِيافَةِ والعِياقَةِ والنُّجُومِ والحِسابِ فَهَدَمَ الإسْلامُ الكَهانَةَ وثَبَّتَ الباقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ: سَمِعْتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في النُّجُومِ: ذَلِكَ عِلْمٌ ضَيَّعَهُ النّاسُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى نَحْوِ ما قُلْنا. وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ أقُولُ: هو عِلْمٌ لا يَنْفَعُ والجَهْلُ بِهِ لا يَضُرُّ فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّا الآياتِ المَتْلُوَّةَ المَذْكُورَةَ لِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي هَذِهِ النِّعْمَةُ مِن جُمْلَتِها أوِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى فَصْلًا فَصْلًا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 97 - مَعْنى الآياتِ المَذْكُورَةِ فَيَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها أوْ يَتَفَكَّرُونَ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ فَيَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ

الأنعام 6:98

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى فَإنَّ رُجُوعَ الكَثْرَةِ إلى أصْلٍ واحِدٍ أقْرَبُ إلى التَّوادِّ والتَّعاطُفِ. وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ، واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ فِيما ذُكِرَ، وجُعِلَ الصُّلْبُ مَقَرَّ النُّطْفَةِ والرَّحِمُ مُسْتَوْدَعَها لِأنَّها تَحْصُلُ في الصُّلْبِ لا مِن قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ وفي الرَّحِمِ مِن قِبَلِ الأبِ فَأشْبَهَتِ الوَدِيعَةَ كَأنَّ الرَّجُلَ أوْدَعَها ما كانَ عِنْدَهُ. وجُعِلَ وجْهُ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا وبَطْنُها مُسْتَوْدَعًا لِتَوَطُّنِهِمْ في الأوَّلِ واتِّخاذِهِمُ المَنازِلَ والبُيُوتَ فِيهِ وعَدَمِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الثّانِي، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ بِالِاسْتِقْرارِ لِأنَّهُما مَقَرُّهُمُ الطَّبِيعِيُّ كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأرْحامِ أوْ في القَبْرِ بِالِاسْتِيداعِ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ بِمَقَرِّهِمُ الطَّبِيعِيِّ وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُسْتَقَرَّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعَ الأصْلابُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّ حَبْرَ تَيْما كَتَبَ إلَيْهِ يَسَألُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَهُ بِما ذُكِرَ صفحة 236 ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ المُسْتَقَرِّ بِالرَّحِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ وأمّا تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالأصْلابِ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ ولَيْسَ كَما قالَ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ بَعْدَ أنْ فَرَّقَ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ بِأنَّ المُسْتَقَرَّ أقْرَبُ إلى الثَّباتِ مِنَ المُسْتَوْدَعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا القَوْلِ -يَعْنِي المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- أنَّ النُّطْفَةَ الواحِدَةَ لا تَبْقى في صُلْبِ الأبِ زَمانًا طَوِيلًا والجَنِينَ يَبْقى زَمانًا طَوِيلًا، ولَمّا كانَ المُكْثُ في الرَّحِمِ أكْثَرَ مِمّا في صُلْبِ الأبِ كانَ حَمْلُ الِاسْتِقْرارِ عَلى المُكْثِ في الرَّحِمِ أوْلى. ويَلْزَمُ ذَلِكَ أنَّ حَمْلَ الِاسْتِيداعِ عَلى المُكْثِ في الصُّلْبِ أوْلى. وأنا أقُولُ: لَعَلَّ حَمْلَ المُسْتَوْدَعِ عَلى الصُّلْبِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ أخْرَجَ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم يَوْمَ المِيثاقِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وكانَ ما كانَ رَدَّهم إلى ما أخْرَجَهم مِنهُ فَكَأنَّهم ودِيعَةٌ هُناكَ تَخْرُجُ حِينَ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وقَدْ أطْلَقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اسْمَ الوَدِيعَةِ عَلى ما في الصُّلْبِ صَرِيحًا. فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ لِيَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا وما ذَلِكَ في نَفْسِي اليَوْمَ قالَ: إنْ كانَ في صُلْبِكَ ودِيعَةٌ فَسَتَخْرُجُ. ورُوِيَ تَفْسِيرُ المُسْتَوْدَعِ بِالدُّنْيا والمُسْتَقَرِّ بِالقَبْرِ عَنِ الحَسَنِ وكانَ: يَقُولُ يا ابْنَ آدَمَ أنْتَ ودِيعَةٌ في أهْلِكَ ويُوشِكُ أنْ تَلْحَقَ بِصاحِبِكَ ويُنْشِدَ قَوْلَ لَبِيَدٍ: وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودِيعَةٌ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ زَيْدٍ العَدَوِيُّ في هَذا المَعْنى: فُجِعَ الأحِبَّةُ بِالأحِبَّةِ قَبْلَنا فالنّاسُ مَفْجُوعٌ بِهِ ومُفْجَعُ مُسْتَوْدَعٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ مَدْخَلًا فالمُسْتَقِرُّ يَزُورُهُ المُسْتَوْدَعُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّ المُسْتَقَرَّ الذَّكَرُ لِأنَّ النُّطْفَةَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في صُلْبِهِ، والمُسْتَوْدَعُ الأُنْثى لِأنَّ رَحِمَها شَبِيهٌ بِالمُسْتَوْدَعِ لِتِلْكَ النُّطْفَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنكم ذَكَرٌ ومِنكم أُنْثى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ القافِ وهو حِينَئِذٍ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى قارٍّ ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ، والمُرادُ: فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ. ووَجْهُ كَوْنِ الأوَّلِ مَعْلُومًا والثّانِي مَجْهُولًا أنَّ الِاسْتِقْرارَ هُنا بِخِلافِ الِاسْتِيداعِ والمُتَعاطِفانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَصْدَرانِ أوِ اسْما مَكانٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ اسْمَ مَفْعُولٍ لِأنَّ ”اسْتَقَرَّ“ لا يَتَعَدّى وكَذا الثّانِي لِيَكُونَ كالأوَّلِ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ المُبَيِّنَةَ لِتَفاصِيلِ خَلْقِ البَشَرِ ومِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ 98 - مَعانِيَ ذَلِكَ، قِيلَ: ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ومَعَ ذِكْرِ إنْشاءِ بَنِي آدَمَ ﴿يَفْقَهُونَ﴾ لِأنَّ الإنْشاءَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم بَيْنَ أحْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ألْطَفُ وأدَقُّ صَنْعَةً وتَدْبِيرًا فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الَّذِي هو اسْتِعْمالُ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقُ نَظَرٍ مُطابِقًا لَهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفِقْهَ أبْلَغُ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: هَما بِمَعْنى إلّا أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فَصْلُ كَلِّ آيَةٍ بِفاصِلَةٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِالمَقْصُودِ مِنَ الحُجَّةِ وكُرِهَ الفَصْلُ بِفاصِلَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيْنِ لَفْظًا لِلتَّكْرارِ عُدِلَ إلى فاصِلَةٍ مُخالِفَةٍ تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ وافْتِنانًا في البَلاغَةِ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا ءاخَرَ في تَخْصِيصِ الأُولى بِالعِلْمِ والثّانِيَةِ بِالفِقْهِ وهو أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِمَن لا يَتَدَبَّرُ ءاياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقاتِهِ وكانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا خارِجَةً عَنْ أنْفُسِ النُّظّارِ إذِ النُّجُومُ والنَّظَرُ فِيها وعِلْمُ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في تَدْبِيرِهِ لَها أمْرٌ خارِجٌ عَنْ نَفْسِ النّاظِرِ ولا كَذَلِكَ النَّظَرِ في إنْشائِهِمْ مِن نَفْسٍ صفحة 237 واحِدَةٍ وتَقْلِيبِهِمْ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وأحْوالٍ مُتَغايِرَةٍ فَإنَّهُ نَظَرٌ لا يَعْدُو نَفْسَ النّاظِرِ ولا يَتَجاوَزُها فَإذا تَمَهَّدَ هَذا فَجَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وأحْوالِهِ وعَدَمُ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيها أبْشَعُ مِن جَهْلِهِ بِالأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُ كالنُّجُومِ والأفْلاكِ ومَقادِيرِ سَيْرِها وتَقَلُّبِها، فَلَمّا كانَ الفِقْهُ أدْنى دَرَجاتِ العِلْمِ إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَهْمِ نُفِيَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَنْ أبْشَعِ القَبِيلَتَيْنِ جَهْلًا وهُمُ الَّذِينَ لا يَتَبَصَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، ونَفْيُ الأدْنى أبْشَعُ مِن نَفْيِ الأعْلى فَخَصَّ بِهِ أسْوَأ الفَرِيقَيْنِ حالًا و(يَفْقَهُونَ) هَهُنا مُضارِعُ فَقِهَ الشَّيْءَ بِكَسْرِ القافِ إذا فَهِمَهُ ولَوْ أدْنى فَهْمٍ ولَيْسَ مِن فَقُهَ بِالضَّمِّ لِأنَّ تِلْكَ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ ومَعْناهُ صارَ فَقِيهًا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا قِيلَ: فَلانٌ لا يَفْقَهُ شَيْئًا كانَ أذَمَّ في العُرْفِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا وكانَ مَعْنى قَوْلِكَ: لا يَفْقَهُ شَيْئًا؛ لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ وإنْ فَهِمَ، وأمّا قَوْلُكَ: لا يَعْلَمُ شَيْئًا فَغايَتُهُ عَدَمُ حُصُولِ العِلْمِ لَهُ وقَدْ يَكُونُ لَهُ أهْلِيَّةُ الفَهْمِ والعِلْمِ لَوْ تَعَلَّمَ. واسْتُدِلَّ عَلى أنَّ التّارِكَ لِلتَّفَكُّرِ في نَفْسِهِ أجْهَلُ وأسْوَأُ حالًا مِنَ التّارِكِ لِلْفِكْرَةِ في غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ.﴾ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ فَخَصَّ التَّبَصُّرَ في النَّفْسِ بَعْدَ انْدِراجِها فِيما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ، وأنْكَرَ عَلى مَن لا يَتَبَصَّرُ في نَفْسِهِ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ

الأنعام 6:99

﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ سُبْحانَهُ الجَلِيلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، والمُرادُ مِنَ (الماءِ) المَطَرُ ومِنَ (السَّماءِ) السَّحابُ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن جانِبِ السَّماءِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ. والإنْزالُ مِنَ السَّماءِ حَقِيقَةً إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، واحْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ البُخاراتِ الكَثِيرَةَ تَجْتَمِعُ في باطِنِ الأرْضِ ثُمَّ تَصْعَدُ وتَرْتَفِعُ إلى الهَواءِ ويَنْعَقِدُ السَّحابُ مِنها ويَتَقاطَرُ ماءً وذَلِكَ هو المَطَرُ المُنَزَّلُ بِوُجُوهٍ أحَدُها: أنَّ البَرَدَ قَدْ يُوجَدُ في وقْتِ الحَرِّ بَلْ في حَمِيمِ الصَّيْفِ ونَجِدُ المَطَرَ في أبْرَدِ وقْتٍ يَنْزِلُ غَيْرَ جامِدٍ. وذَلِكَ يُبْطِلُ ما ذُكِرَ. ثانِيها: أنَّ البُخاراتِ إذا ارْتَفَعَتْ وتَصاعَدَتْ تَفَرَّقَتْ وإذا تَفَرَّقَتْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنها قَطَراتُ الماءِ بَلِ البُخارُ إنَّما يَجْتَمِعُ إذا اتَّصَلَ بِسَقْفٍ أمْلَسٍ كَما في بَعْضِ الحَمّاماتِ؛ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَسِلْ مِنهُ ماءٌ كَثِيرٌ فَإذا تَصاعَدَتِ البُخاراتُ في الهَواءِ ولَيْسَ فَوْقَها سَطْحٌ أمْلَسُ تَتَّصِلُ بِهِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ مِنها شَيْءٌ مِنَ الماءِ. ثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ تَوَلُّدُ المَطَرِ مِن صُعُودِ البُخاراتِ فَهي دائِمَةُ الِارْتِفاعِ مِنَ البِحارِ فَوَجَبَ أنْ يَدُومَ هُناكَ نُزُولُ المَطَرِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ ذَلِكَ القَوْلِ، ثُمَّ قالَ: والقَوْمُ إنَّما احْتاجُوا إلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ قَدِيمَةٌ فَيَمْتَنِعُ دُخُولُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيها. وحِينَئِذٍ لا مَعْنًى لِحُدُوثِ الحَوادِثِ إلّا اتِّصافُ تِلْكَ الذَّواتِ بِصِفَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى. ولِهَذا السَّبَبِ احْتاجُوا في تَكْوِينِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مادَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. وأمّا المُسْلِمُونَ فَلَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ مُحْدَثَةٌ وأنَّ خالِقَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ فَعِنْدَ هَذا لا حاجَةَ إلى اسْتِخْراجِ هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ وحَيْثُ دَلَّ ظاهِرُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الماءَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولا دَلِيلَ عَلى امْتِناعِ هَذا الظّاهِرِ وجَبَ القَوْلُ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ القَوْمِ أنَّهم أجابُوا عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الوُجُوهِ. وأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ بَلِ القَوْلُ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أيْضًا ووُجُودُ ذِكْرِ كُرَةِ النّارِ تَحْتَ السَّماءِ وانْقِطاعُ عالَمِ العَناصِرِ عِنْدَها ومُشاهَدَةُ مَن عَلى جَبَلٍ شامِخٍ سَحابًا يُمْطِرُ مَعَ عَدَمِ مُشاهَدَةِ ماءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وهَذا وإنْ كانَ بَعْضُهُ مِمّا قامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلى بُطْلانِهِ صفحة 238 وبَعْضُهُ مِمّا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ولَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِهِ الشَّرْعُ لَكِنْ مُشاهَدَةِ مَن عَلى الجَبَلِ ما ذُكِرَ ونَحْوِها يَسْتَدْعِي صِحَّةَ قَوْلِهِمْ في الجُمْلَةِ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما مِن قَطْرَةٍ تَنْزِلُ إلّا ومَعَها مَلَكٌ، وهو عِنْدَ الكَثِيرِ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ. والفَلاسِفَةِ يَحْمِلُونَ هَذا المَلَكَ عَلى الطَّبِيعَةِ الحالَّةِ في تِلْكَ الجِسْمِيَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ النُّزُولِ، وقِيلَ: هو نُورٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ قائِمٌ بِنَفْسِهِ مُدَبِّرٌ لِلْقَطْرِ حافَظٌ إيّاهُ، ويُثْبِتُ أفْلاطُونُ هَذا النُّورَ المُجَرَّدَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ ومُرَكَّباتِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الإشْراقِ وهو أحَدُ الأقْوالِ في المُثُلِ الأفْلاطُونِيَّةِ، ويُشِيرُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ كَلامُ الشَّيْخِ صَدْرِ الدِّينِ القُونَوِيِّ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ، ونَصْبُ (ماءً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (أنْزَلَ)، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ غَيْرُ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الماءِ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ و (أخْرَجْنا) عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَ) والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارٌ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم نُكْتَةً خاصَّةً لِهَذا الِالتِفاتِ غَيْرَ ما ذُكِرَ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ فِيما مَضى ما يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ الخالِقُ اقْتَضى ذَلِكَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ حَتّى يُخاطِبَ؛ واخْتِيارُ ضَمِيرِ العَظَمَةِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ أيْ فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ كُلِّ صَنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ والخَواصِّ والآثارِ اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ والنَّباتُ كالنَّبْتِ وهو -عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ - ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِنَ النّامِياتِ سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ كالشَّجَرِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ كالنَّجْمِ لَكِنِ اخْتُصَّ في التَّعارُفِ بِما لا ساقَ لَهُ بَلْ قَدِ اخْتُصَّ عِنْدَ العامَّةِ بِما تَأْكُلُهُ الحَيْواناتُ، ومَتى اعْتُبِرَتِ الحَقائِقُ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ نامٍ نَباتًا كانَ أوْ حَيَوانًا أوْ إنْسانًا. والمُرادُ هُنا عِنْدَ بَعْضٍ المَعْنى الأوَّلُ. وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ شُرُوعًا في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَ مِنَ الإخْراجِ وقَدْ بَدَأ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلنَّباتِ. والخَضِرُ بِمَعْنى الأخْضَرِ كَأعْوَرِ وعَوِرٍ وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وأصْلُ الخُضْرَةِ لَوْنٌ بَيْنَ البَياضِ والسَّوادِ وهو إلى السَّوادِ أقْرَبُ ولِذا يُسَمّى الأخْضَرُ أسْوَدَ وبِالعَكْسِ، والمَعْنى فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ. وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الماءِ و(مِن) سَبَبِيَّةٌ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذا الكَلامَ حِينَئِذٍ بَدَلًا مِن (أخْرَجْنا) الأوَّلِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الماءِ مَعْنًى بَدِيعًا حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِنَ الماءِ الحُلْوِ الأبْيَضِ في رَأْيِ العَيْنِ أصْنافًا مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ مُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ وإلى ذَلِكَ نَظَرَ القائِلُ يَصِفُ المَطَرَ: يَمُدُّ عَلى الآفاقِ بِيضَ خُيُوطِهِ فَيَنْسِجُ مِنها لِلثَّرى حَوْلَهُ خَضِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ بِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ حَبًّا مُتَراكِبًا أيْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما في السُّنْبُلِ. وقُرِئَ (يَخْرُجُ مِنهُ حُبٌّ مُتَراكِبٌ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ جَمْعُ نَخْلٍ -كَما قالَ الرّاغِبُ - والنَّخْلُ مَعْرُوفٌ ويُسْتَعْمَلُ في صفحة 239 الواحِدِ والجَمْعِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ عِنْدَ البَعْضِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِإعادَةِ العامِلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قِنْوانٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وحاصِلُهُ مِن طَلْعِ النَّخِيلِ قِنْوانٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا فالدَّلالَةُ (أخْرَجْنا) عَلَيْهِ وهو كَوْنٌ خاصٌّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ. والتَّقْدِيرُ ومُخْرِجُهُ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ. وعَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ آنِفًا يَكُونُ ﴿قِنْوانٌ﴾ مَعْطُوفًا عَلى حَبٍّ، وقِيلَ: المَعْنى وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ومِنَ النَّخْلِ شَيْئًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ وهو جَمْعُ قِنْوٍ بِمَعْنى العِذْقِ وهو لِلتَّمْرِ بِمَنزِلَةِ العُنْقُودِ لِلْعِنَبِ. وتَثْنِيَتُهُ أيْضًا قِنْوانٌ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُثَنّى والجَمْعِ إلّا الإعْرابُ، ولَمْ يَأْتِ مُفْرَدٌ يَسْتَوِي مُثَنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا ثَلاثَةُ أسْماءٍ هَذا وصِنْوٌ وصِنْوانٌ ورِئْدٌ ورِئْدانٌ بِمَعْنًى مِثْلٍ قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ شِقْدٌ وشِقْدانٌ وحُشٌّ وحُشّانٌ لِلْبُسْتانِ نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِأنَّ فِعْلانَ لَيْسَ مِن زِناتِ التَّكْسِيرِ (دانِيَةٌ) أيْ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ كَما قالَ الزَّجّاجُ. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها، وقِيلَ المُرادُ دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِكَثْرَةِ ثَمَرِها وثِقَلِ حَمْلِها، والدُّنُوُّ عَلى القَوْلَيْنِ حَقِيقِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سُهُولَةُ الوُصُولِ إلى ثِمارِها مَجازًا ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وجَعَلَهُ الواحِدِيُّ عَطْفًا عَلى خَضِرًا، وقالَ الطِّيبِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى حَبًّا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُفَصِّلٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النّامِي، والنّامِي الحَبُّ والنَّوى وشِبْهُهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ النَّباتِ، وهو بَدَلٌ مِن (فَأخْرَجْنا) الأوَّلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، قِيلَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ المَعْنى العامُّ وحِينَئِذٍ لا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ داخِلٌ فِيهِ؛ وإنْ أُرِيدَ ما لا ساقَ لَهُ تَعَيَّنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ وتَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ فِعْلٌ آخَرُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وجَنّاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿قِنْوانٌ﴾ قالَ في التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إنْ عُطِفَ عَلى ذَلِكَ فَـ (مِن أعْنابٍ) حِينَئِذٍ إمّا صِفَةُ (جَنّاتٌ) فَيَفْسُدُ المَعْنى إذْ يَصِيرُ المَعْنى وحاصِلَةٌ مِنَ النَّخِيلِ جَنّاتٌ حَصَلَتْ مِن أعْنابٍ، وإمّا خَبَرٌ لِـ (جَنّاتٌ) فَلا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَكُونُ عَطْفًا لَها عَلى مُفْرَدٍ ويَكُونُ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً فَلا يَصِحُّ، وفي الكَشْفِ أنَّ الثّانِي بَعِيدُ الفَهْمِ مِن لَفْظِ الزَّمَخْشَرِيِّ وإنْ أمْكَنَ الجَوابُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى المُخَصَّصِ مُخَصَّصٌ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عِنْدِي اصْطِبارٌ وشَكْوى عِنْدَ قاتِلَتِي فَهَلْ بِأعْجَبَ مِن هَذا امْرُؤٌ سَمِعا؟ والظّاهِرُ الأوَّلُ لَكِنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. ويُقَدَّرُ ومُخْرَجَةٌ مِنَ الخَضِرِ أوْ مِنَ الكَرْمِ أوْ حاصِلَةُ جَنّاتٍ مِن أعْنابٍ دُونَ صِلَتِهِ لِأنَّ التَّقْيِيدَ لازِمٌ كَما حَقَّقَ في عَطْفِ المُفْرَدِ وحْدَهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هُنا كَما قِيلَ مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِما صفحة 240 أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم أوْ عَلى العَطْفِ عَلى (نَباتَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ لِسَبْقِهِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ والرُّمّانَ كَذَلِكَ، وإمّا حالٌ مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ ويُقَدَّرُ مِثْلُهُ الأوَّلُ. وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو بَعْضُ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُشْتَبِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها وحِكْمَةِ مُنْشِيها ومُبْدِعِها جَلَّ شَأْنُهُ، وإلّا كانَ المَعْنى جَمِيعُهُ مُشْتَبَهًا وجَمِيعُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِنهُما مَعَ التِزامِ التَّأْوِيلِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ هُنا بِمَعْنًى كاسْتَوى وتَساوى. وقُرِئَ ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ﴿انْظُرُوا﴾ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ ﴿إلى ثَمَرِهِ﴾ أيْ ثَمَرِ ذَلِكَ أيِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ والمُرادُ شَجَرَتُهُما، وأُرِيدَ بِهِما فِيما سَبَقَ الثَّمَرَةُ فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ في الأوَّلِ شَجَرُ الزَّيْتُونِ وشَجَرُ الرُّمّانِ وحِينَئِذٍ لا اسْتِخْدامَ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِما بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الإشارَةِ. ورُجُوعُهُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ البَدَلِ بِعِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ في عَدَمِ تَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِيَشْمَلَ النَّخْلَ وغَيْرَهُ مِمّا يُثْمِرُ ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أيْ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ثُمُرِهِ) بِضَمِّ الثّاءِ وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخُشُبٍ أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ ﴿ويَنْعِهِ﴾ أيْ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ نَضِيجِهِ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ عَظِيمٍ ولَذَّةٍ كامِلَةٍ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ إذا أُدْرِكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٌ وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”ويانِعِهِ“، ولا يَخْفى أنَّ في التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إذا أثْمَرَ) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّ المُثْمِرَ حِينَئِذٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَيُقابِلُ حالَ اليَنْعِ، ويَدُلُّ كَمالُ التَّفاوُتِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ: إلى غَضِّ ثَمَرِهِ ويَنْعِهِ؟ قُلْتَ: في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَةٌ وهي أنَّ اليَنْعَ وقَعَ فِيهِ مَعْطُوفًا عَلى الثَّمَرِ عَلى سَنَنِ الِاخْتِصاصِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اليَنْعَ أوْلى مِنَ الغَضِّ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ خَفِيَ عَلى بَعْضِ النّاظِرِينَ ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرُوا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ. وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ دالَّةٍ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ 99 - أيْ يَطْلُبُونَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى كَما قالَ القاضِي أوْ مُؤْمِنُونَ بِالفِعْلِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ -كَما قِيلَ- ووَجْهُ دَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ أنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ وانْتِقالِها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ ولا يَعُوقُهُ ضِدٌّ يُعانِدُهُ أوْ نِدٌّ يُعارِضُهُ،

الأنعام 6:100

ثُمَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وبَّخَ مَن أشْرَكَ بِهِ سُبْحانَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ في اعْتِقادِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ ما فَصَّلَ في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ ﴿شُرَكاءَ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ أوِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿الجِنَّ﴾ أيِ صفحة 241 المَلائِكَةِ حَيْثُ عَبَدُوهم وقالُوا: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَسْمِيَتُهم جِنًّا مَجازًا لِاجْتِنانِهِمْ واسْتِتارِهِمْ عَنِ الأعْيُنِ كالجِنِّ. وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِذَلِكَ حَطٌّ لِشَأْنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِنَّ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الشَّياطِينُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. ومَعْنى جَعْلُهم شُرَكاءَ أنَّهم أطاعُوهم كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ. ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ والحَيْوانِ، وإبْلِيسَ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ. فالمُرادُ مِنَ الجِنِّ إبْلِيسُ وأتْباعُهُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الشُّرُورَ ويُلْقُونَ الوَساوِسَ الخَبِيثَةَ إلى الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وهَؤُلاءِ المَجُوسُ القائِلُونَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ ولَهم في هَذا البابِ أقْوالٌ تَمُجُّها الأسْماعُ وتَشْمَئِزُّ عَنْها النُّفُوسُ وادَّعى الإمامُ أنَّ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ. ومَفْعُولا (جَعَلَ) قِيلَ: (لِلَّهِ. وشُرَكاءَ) و(الجِنَّ) إمّا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن جَعَلُوهُ شُرَكاءَ؟ فَقِيلَ: الجِنَّ أوْ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن شُرَكاءَ، والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السّاقِطِ بِالكُلِّيَّةِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ مُحْزِ الإنْكارِ ولِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مُنْكَرٌ يَسْتَحِقُّ التَّأْخِيرَ، وقِيلَ: هُما (شُرَكاءَ) و(الجِنَّ) وتَقْدِيمُ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ لِاسْتِعْظامِ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ ما كائِنًا ما كانَ و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شُرَكاءَ) وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقُرِئَ (الجِنُّ) بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ الَّتِي هي لِلتَّبْيِينِ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جَعَلُوا) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ والبُطْلانِ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُهم خاصَّةً، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِنِّ أيْ والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ؛ فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ. ورُجِّحَ الأوَّلُ بِخُلُوِّهِ عَنْ تَشَتُّتِ الضَّمائِرِ. ورَجَّحَ الإمامُ الثّانِيَ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ واجِبٌ وبِأنَّهُ إذا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى هَذا الأقْرَبِ صارَ اللَّفْظُ الواحِدُ دَلِيلًا قاطِعًا تامًّا كامِلًا في إبْطالِ المَذْهَبِ الباطِلِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (وخَلْقَهُمْ) عَلى صِيغَةِ المَصْدَرِ عَطْفًا عَلى (الجِنَّ) أيْ وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ عَلى (شُرَكاءَ) أيْ وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلافَهم لِلْقَبائِحِ حَيْثُ نَسَبُوها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها ﴿وخَرَقُوا لَهُ﴾ أيِ افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ واخْتَلَقَهُ وخَرَقَهُ واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها كانَ الرَّجُلُ إذا كَذَبَ كِذْبَةً في نادِي القَوْمِ يَقُولُ لَهُ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَقَها واللَّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الخَرْقِ قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وهو ضِدُّ الخَلْقِ فَإنَّهُ فِعْلُ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ ورِفْقٍ، والخَرْقُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ. قالَ تَعالى: ﴿وخَرَقُوا لَهُ﴾ أيْ حَكَمُوا بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخَرْقِ وبِاعْتِبارِ القَطْعِ. وقَرَأ نافِعٌ (وخَرَّقُوا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (وحَرَّفُوا) مِنَ التَّحْرِيفِ أيْ وزَوَّرُوا لَهُ (بَنِينَ وبَناتٍ) فَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَمّا قالُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحَقِيقَتِهِ مِن خَطَإٍ أوْ صَوابٍ صفحة 242 ولا فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ فِيهِ بَلْ قالُوهُ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ أوْ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِمَرْتَبَةِ ما قالُوهُ وأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ بِالمَحَلِّ البَعِيدِ وأيّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ خَرَقُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أوْ خَرْقًا كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ ذَمُّهم بِالجَهْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ ما قالُوا فَإنَّ ما لا أصْلَ لَهُ لا يَكُونُ مَعْلُومًا ولا يُقامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ إذْ نَفِيُهُ مَعْلُومٌ مِن جَعْلِهِ اخْتِلاقًا وافْتِراءً ومِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ 100 - مِن أنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ و(تَعالى) عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ النّاصِبِ لِـ (سُبْحانَ) وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ والتَّعالِي بِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلى أقْوالِ المُسَبِّحِينَ والثّانِي إلى صِفاتِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِهِ. والمُرادُ بِالبَنِينَ فِيما تَقَدَّمَ ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ أنَّ مَن يُجَوِّزُ الواحِدَ يَجَوِّزُ الجَمْعَ

الأنعام 6:101

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما ومُوجِدُهُما بِغَيْرِ آلَةٍ ولا مادَّةٍ ولا زَمانٍ ولا مَكانٍ قالَهُ الرّاغِبُ، وهو كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ يُطْلَقُ عَلى المُبْدَعِ اسْمُ مَفْعُولٍ، ومِنهُ قِيلَ: رِكْيٌ بَدِيعٌ، وكَذَلِكَ البِدْعُ بِكَسْرِ الباءِ يُقالُ لَهُما وقِيلَ: هو إضافَةُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ لِلتَّخْفِيفِ بَعْدَ نَصْبِهِ تَشْبِيهًا لَها بِاسْمِ الفاعِلِ كَما هو المَشْهُورُ أيْ بَدِيعُ سَمَواتِهِ وأرْضِهِ مِن بَدَعَ إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ وشَكْلٍ فائِقٍ وحُسْنٍ رائِقٍ، أوْ إلى الظَّرْفِ كَما في قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَبْتُ الغَدَرِ أيْ ثَبْتٌ في الغَدَرِ وهو بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ودالٍ وراءٍ مُهْمَلَتَيْنِ المَكانُ ذُو الحِجارَةِ والشُّقُوقِ، ويَقُولُونَ ذَلِكَ إذا كانَ الرَّجُلُ ثَبْتًا في قِتالٍ أوْ كَلامٍ، والمُرادُ مِن بَدِيعِ السَّمَواتِ والأرْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما ومَعْنى ذَلِكَ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ إبْداعَهُ لَهُما لا نَظِيرَ لَهُ لِأنَّهُما أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ الظّاهِرَةِ فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النَّظِيرِ فِيهِما نَفْيُهُ مُطْلَقًا، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفٍ أنَّهُ خارِجٌ مُخْرَجَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِحَسْبِ زَعْمِهِمْ أنَّهُ لا مَوْجُودَ خارِجٌ عَنْهُما، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِقُطْرَيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِلا مادَّةِ فاعِلٍ عَلى الِإطْلاقِ مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالِ بِالكُلِّيَّةِ، والوالِدُ عُنْصُرُ الوَلَدِ مُنْفَعِلٌ بِانْتِقالِ مادَّتِهِ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وقُرِئَ بَدِيعَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في سُبْحانِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ وارْتِفاعِهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ الأوَّلُ أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، الثّانِي أنَّهُ فاعِلُ (تَعالى) وإظْهارُهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَوْسِيطِ الظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَسُوقَةٌ كَما قَبْلَها لِبَيانِ اسْتِحالَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى وتَقْرِيرُ تَنْزِيهِهِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِحالَةِ المَذْكُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ بِلا والِدَةٍ أصْلًا، وإنْ أمْكَنَ وُجُودُهُ بِلا والِدٍ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ صاحِبَةٌ يَكُونُ الوَلَدُ مِنها؟ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ (لَمْ يَكُنْ) بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ المَرْفُوعَ مُؤَنَّثٌ لِلْفَصْلِ كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ ولَدَ الأُخَيْطَلَ أمُّ سُوءٍ عَلى قَمْعِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: تُؤَنَّثُ الأفْعالُ لِتَأْنِيثِ فاعِلِها لِأنَّهُما يَجْرِيانِ مَجْرى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِعَدَمِ اسْتِغْناءِ كُلٍّ صفحة 243 عَنْ صاحِبِهِ فَإذا فُصِلَ جازَ تَذْكِيرُهُ وهو في بابِ كانَ أسْهَلُ لِأنَّكَ لَوْ حَذَفْتَها اسْتَقَلَّ ما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ اسْمَ (يَكُنْ) ضَمِيرُهُ تَعالى. والخَبَرُ هو الظَّرْفُ و(صاحِبَةٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ والظَّرْفُ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ و (صاحِبَةٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ (يَكُونُ) عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لِصَلاحِيَةِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلضَّمِيرِ لا عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ لا يُفَسَّرُ إلّا بِجُمْلَةٍ صَرِيحَةٍ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ إذا كانَ العُمْدَةُ في المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا فالمُقَدَّرُ ضَمِيرُ القِصَّةِ لا الشَّأْنُ فَيَعُودُ السُّؤالُ لَيْسَ بِوارِدٍ كَعَدَمِ اللُّزُومِ وإنْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحالَةِ أوْ حالٌ أُخْرى مُقَرِّرَةٌ لَها أيْ أنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمَّوْهُ ولَدًا؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِخالِقِهِ؟ ويُفْهَمُ مِنَ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَدًا إنْ أرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْدَثَهُ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ نُطْفَةٍ مَثَلًا رُدَّ بِأنَّ خُلْقَهُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُما ولَدًا لَهُ تَعالى وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ أرادَ ما هو المَعْرُوفُ مِنَ الوِلادَةِ في الحَيَواناتِ رُدَّ أوَّلًا بِأنَّهُ لا صاحِبَةَ لَهُ وهي أمْرٌ لازِمٌ في المَعْرُوفِ. وثانِيًا بِأنَّ تَحْصِيلَ الوَلَدِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ قادِرًا عَلى الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ دُفْعَةً واحِدَةً أمّا مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ المُمْكِناتِ وكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُحْدَثاتِ فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ إحْداثُ شَخْصٍ بِطْرِيقِ الوِلادَةِ. وإنْ أرادَ مَفْهُومًا ثالِثًا فَهو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ كائِنًا ما كانَ مَخْلُوقًا أوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تُرْكُ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ (عَلِيمٌ) 101 - مُبالِغٌ في العِلْمِ أزَلًا وأبَدًا حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الوَلَدُ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِأنَّ القَدِيمَ يَجِبُ كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ فامْتَنَعَ كَوْنُهُ ولَدًا لِلْغَيْرِ فَتَعِيَّنَ كَوْنُهُ حادِثًا، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَإمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ في تَحْصِيلِ الوَلَدِ كَمالًا أوْ نَفْعًا أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلا وقْتَ يُفْرَضُ إلّا والدّاعِي إلى إيجادِ هَذا الوَلَدِ كانَ حاصِلًا قَبْلَهُ وهو يُوجِبُ كَوْنَهُ أزَلِيًّا وهو مُحالٌ. وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ أنْ لا يَحْدُثَ البَتَّةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وقَرَّرَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الرَّدَّ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْضًا وبَعْضُهم جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةً لِوَجْهٍ واحِدٍ مِن أوْجُهِ الرَّدِّ، والجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الثّانِي فَقالَ: إنَّها اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلَيْها بِغَيْرِ عِلْمٍ. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ ما في الآيَةِ أدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى بُطْلانِ ما زَعَمَهُ المُخْتَلِقُونَ، وكَلامُ الإمامِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الوُجُوهِ: لَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامًا يُساوِيهِ أيْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ في القُوَّةِ والكَمالِ لَعَجَزُوا عَنْهُ. وادَّعى الشِّهابُ أنَّ ما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أدِلَّةٌ إقْناعِيَّةٌ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِأنَّ البَعْضَ قَطْعِيٌّ والبَعْضَ الآخَرَ إقْناعِيٌّ، فَتَدَبَّرْ

الأنعام 6:102

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً مالِكُ صفحة 244 أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ وسَيَكُونُ، والمُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الإشارَةُ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ فَقَطْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وأنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ هو الخَبَرُ وما بَعْدَهُ إبْدالٌ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا والبَواقِي أخْبارٌ، وأنْ يُقَدَّرَ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وأنْ يُجْعَلَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كَما هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العِبادَةَ المَأْمُورَ بِها هي نِهايَةُ الخُضُوعِ وهي لا تَتَأتّى مَعَ التَّشْرِيكِ فَلِذا اسْتُغْنِيَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَلا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُجَرَّدَ مَفْهُومِ العِبادَةِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يَأْباهُ دَعْوى إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ إيّاهُ لِأنَّ إفادَةَ الحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ مانِعٌ مِنها كَما في لِلَّهِ الحَمْدُ ونَحْوِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ﴾ وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ هُنا لا إلَهَ إلّا هو عَلى خالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وعَكَسَ هُناكَ؛ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ إلَخْ فَلَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أتى بَعْدَهُ بِما يَدْفَعُ الشَّرِكَةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وتِلْكَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَكانَ الكَلامُ عَلى تَثْبِيتِ خَلْقِ النّاسِ وتَقْرِيرِهِ لا عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَما كانَ في الآيَةِ الأوْلى؛ فَكّانِ تَقْدِيمُ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هُناكَ أوْلى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ 102 - عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مُتَوَلِّي جَمِيعَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يُوكَلَ أمْرٌ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يُتَوَلّى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وقَيْدًا لِلْعِبادَةِ ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مُتَوَلِّي أُمُورَكم فَكِلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَأْرَبِكُمْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَكِيلَ بِالرَّقِيبِ أيْ أنَّهُ تَعالى رَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيَكم عَلَيْها. واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِأعْمالِ العِبادِ والمُعْتَزِلَةُ قالُوا عِنْدَنا هُنا أشْياءَ تُخْرِجُ أعْمالَ العِبادِ مِنَ البَيْنِ: أحَدُها تَعْقِيبُ ذَلِكَ العُمُومِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ فَإنَّهُ لَوْ دَخَلَتْ أعْمالُ العِبادِ هُناكَ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا خَلَقْنا أعْمالَكم فافْعَلُوها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى؛ وفَسادُهُ ظاهِرٌ. ثانِيها أنَّ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ؛ ولا تُمْدَحُ بِخُلُقِ الزِّنا واللِّواطِ والسَّرِقَةِ والكُفْرِ مَثَلًا. ثالِثُها أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدُ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ. رابِعُها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُتِيَ بِها بَعْدَ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ والمُرادُ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ الرَّدُّ عَلى المَجُوسِ في إثْباتِ إلَهَيْنِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَحْمُولًا عَلى إبْطالِ ذَلِكَ وهو إنَّما يَكُونُ إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ السِّباعِ والآلامِ ونَحْوِها وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ أعْمالُ العِبادِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ ومِثْلُهُ اسْتِدْلالُهم بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الصِّفاتِ وكَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا، فَتَدَبَّرْ.

الأنعام 6:103

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ يُطْلَقُ -كَما قالَ الرّاغِبُ - عَلى الجارِحَةِ النّاظِرَةِ وعَلى القُوَّةِ الَّتِي فِيها صفحة 245 وعَلى البَصِيرَةِ. وهي قُوَّةُ القَلْبِ المُدْرِكَةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ والإحاطَةِ بِهِ، وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى حَمْلِ البَصَرِ هُنا عَلى الجارِحَةِ مِن حَيْثُ أنَّها مَحَلُّ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وإلى الأوْهامِ والأفْهامِ كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: التَّوْحِيدُ لا تَتَوَهَّمُهُ، وقالَ أيْضًا: كُلُّ ما أدْرَكْتَهُ فَهو غَيْرُهُ ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى البَصِيرَةِ وذَكَرَ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ: يا مَن غايَةُ مَعْرِفَتِهِ القُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إذا كانَ مَعْرِفَتُهُ تَعالى أنْ تَعْرِفَ الأشْياءَ فَتَعَلَّمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ مِنها بَلْ هو مُوجِدُ كُلِّ ما أدْرَكْتَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى وتَقْرِيرُ ذَلِكَ عَلى ما في المَواقِفِ وشَرْحِها أنَّ الِادِّراكَ المُضافَ إلى الإبْصارِ إنَّما هو الرُّؤْيَةُ ولا فَرْقَ بَيْنَ أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ورَأيْتُهُ إلّا في اللَّفْظِ أوْ هُما مُتَلازِمانِ لا يَصِحُّ نَفْيُ أحَدِهِما مَعَ إثْباتِ الآخَرِ فَلا يَجُوزُ رَأيْتُهُ وما أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ولا عَكْسُهُ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ تَراهُ الأبْصارُ وذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأبْصارِ بِواسِطَةِ اللّامِ الجِنْسِيَّةِ في مَقامِ المُبالَغَةِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لِأنَّ قَوْلَكَ فُلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنْ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ فَلا يَراهُ شَيْءٌ مِنَ الأبْصارِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِما ذُكِرَ ولِأنَّهُ تَعالى تُمُدِّحَ بِكَوْنِهِ لا يُرى حَيْثُ ذَكَرَهُ في أثْناءِ المَدائِحِ، وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ عَدَمُهُ مَدْحًا كانَ وجُودُهُ نَقْصًا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَظَهَرَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما قِيلَ: مِنَ الصِّفاتِ احْتِرازٌ عَنِ الأفْعالِ كالعَفْوِ والِانْتِقامِ فَإنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِي عَدْلٌ وكِلاهُما كَمالٌ، انْتَهى. وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ بِالِادِّراكِ الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ لا الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ وأنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ وهَذا أقْوى أدِلَّتِهِمُ النَّقْلِيَّةِ في هَذا المَطْلَبِ كَما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ: أنَّ الِادِّراكَ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ المُطْلَقَةَ وإنِ اخْتارَهُ عَلى ما نَقَلَهُ الآمِدِيُّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وإنَّما هو الرُّؤْيَةُ عَلى نَعْتِ الإحاطَةِ بِجَوانِبِ المَرْئِيِّ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِها في أحَدِ تَفْسِيرَيْهِ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ تَعالى، انْتَهى. وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ. والرُّؤْيَةُ المُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيَّةِ الإحاطَةِ أخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الرُّؤْيَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ؛ فَظَهَرَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ رَأيْتُهُ وما أدْرَكَهُ بَصَرِي أيْ ما أحاطَ بِهِ مِن جَوانِبِهِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ عَكْسُهُ. الثّانِي: أنْ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ كَما يُحْتَمَلُ أنْ يُلاحَظَ فِيهِ أوَّلًا دُخُولُ النَّفْيِ ثُمَّ وُرُودُ اللّامِ فَتَكُونُ سالِبَةً كُلِّيَّةً عَلى طَرْزِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ فَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ، كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ العُمُومَ أوَّلًا ثُمَّ وُرُودُ النَّفْيِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً نَحْوَ: ما قامَ العَبِيدُ كُلُّهم ولَمْ آخُذِ الدّارَهِمَ كُلَّها؛ فَتَكُونُ لسَلْبِ العُمُومِ وكُلَّما احْتُمِلَ سَلْبُ العُمُومِ لَمْ يَكُنْ نَصًّا في عُمُومِ السَّلْبِ وإنْ كانَ عُمُومُ السَّلْبِ في مِثْلِ هَذا هو الأكْثَرُ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهو ظاهِرٌ، هَذا إذا كانَ (ألْ) في (الأبْصارِ) لِلِاسْتِغْراقِ فَإنْ كانَ لِلْجِنْسِ كانَ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ سالِبَةً مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الادِّراكَ هو الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ وأنَّ (ألْ) لِلِاسْتِغْراقِ وأنَّ الكَلامَ لِعُمُومِ السَّلْبِ؛ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ في الأحْوالِ والأوْقاتِ أيْ لا نُسَلِّمُ أنَّها دائِمَةٌ لِجَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادِ نَفِيَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا كَما يُرْوى تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى إنَّهُ صفحة 246 لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهم» قَوْلُهم بَلْ هي دائِمَةٌ لِأنَّ قَوْلَكَ: فَلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ؛ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنَّ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ، قُلْنا هَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقابُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ و﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ تَقابُلُ تَناقُضٍ ولا مُوجِبَ لِذَلِكَ لا عَقْلِيًّا ولا لُغَوِيًّا ولا شَرْعِيًّا: أمّا الأوَّلُ فَلِأنّا إذا وجَدْنا قَضِيَّةً مُوجِبَةً مُطْلَقَةً جازَ أنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ وأنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ ولا تَتَعَيَّنُ الدّائِمَةُ الصّادِقَةُ إلّا إذا كانَتِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً قَطْعًا لَكِنَّ كَذِبَ المُطْلَقَةِ هَهُنا أوَّلُ البَحْثِ وعَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنَّ يُبْنى كَوْنُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ دائِمَةً عَلى كَذِبِ هَذِهِ المُطْلَقَةِ أعْنِي اللَّهَ تَعالى يُدْرِكُهُ الأبْصارُ مُرادًا بِها أبْصارُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ والمَوْقِفِ لِأنَّهُ مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَلْزِمِ لِلدَّوْرِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجُمْلَةَ ثُبُوتِيَّةٌ كانَتْ أوْ مَنفِيَّةً تُسْتَعْمَلُ بِحَسْبِ المَقاماتِ تارَةً في الِإطْلاقِ وتارَةً في الدَّوامِ ولَيْسَ يَجِبُ في اللُّغَةِ أنا إذا وجَدْنا جُمْلَةً مُثْبَتَةً اسْتُعْمِلَتْ في مَقامٍ ما في مَعْنى الِإطْلاقِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المُقابِلَةُ لَها مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الدَّوامِ البَتَّةَ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقاماتِ وقَصْدِ المُسْتَعْمِلِينَ لَها وهو ظاهِرٌ جِدًّا. وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ المُطْلَقَةَ المَذْكُورَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ شَرَعًا؛ فَنَحْنُ نَقُولُ إنَّها صادِقَةٌ شَرْعًا ونَحْتَجُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ دائِمَةً دَفْعًا لِلتَّناقُضِ فَتَكُونُ إمّا مُطْلَقَةً عامَّةً أوْ وقْتِيَّةً مُطْلَقَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَناقُضَ لِانْتِفاءِ اتِّحادِ الزَّمانِ فَيَصْدُقُ: اللَّهُ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَثَلًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، اللَّهُ تَعالى لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ في الدُّنْيا بِالقَيْدِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وهو النُّورُ الشَّعْشَعانِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الوارِدِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ» وإلى هَذا التَّقْيِيدِ يُشِيرُ ثانِي تَفْسِيرَيِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمُ أوَّلُهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ فَقالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ» الحَدِيثَ، وبِإثْباتِ هَذَيْنِ النُّورَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَ جَوابَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ حَيْثُ سَألَهُ «هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ في أحَدِ جَوابَيْهِ: ”نُور أنّي أراهُ“» وفي الجَوابِ الآخَرِ: «رَأيْتُ نُورًا» فَيُقالُ النُّورُ الَّذِي نَفى رُؤْيَتَهُ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ (أنّى) هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ولا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، والنُّورُ الَّذِي أثْبَتَ رُؤْيَتَهُ هو النُّورُ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وكَذا يُمْكِنُ حَمْلُ «قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ،» واسْتِشْهادُها لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا بِأنْ يُقالَ: أرادَتْ مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ؛ ويَكُونُ الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ثانِي تَفْسِيرَيْهِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ دَعْوى كَوْنِ (تُدْرِكُهُ الأبْصارُ) دائِمَةً إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً شَرْعًا وهو عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ كَما عَرَفْتَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عَلى دَعْوى الدَّوامِ دَلِيلٌ أصْلًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا المُرادُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وقْتَ عَدَمِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْإبْصارِ بِالِادِّراكِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ إرادَةِ هَذا القَيْدِ هو أنْ إرادَةَ الإبْصارِ فِعْلٌ مِن أفْعالِ العَبِيدِ وكَسْبٌ مِن كَسْبِهِمْ وقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ أنَّ العِبادَ صفحة 247 لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ المَقْدُوراتِ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وتَمْكِينِهِ فَلا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ وهو المَطْلُوبُ ويُؤَيِّدُ هَذا البَيانَ ويُشَيِّدُ أرْكانَهُ أنَّ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ أيِّ مُتَوَلٍّ لِأُمُورِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ مِنَ الأشْياءِ وأنَّ ادِّراكَها مِن أُمُورِها فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُتَوَلِّيها ومُتَصَرِّفٌ فِيها عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ فَيَفِيضُ عَلَيْها الِادِّراكَ ويَأْذَنُ لَها إذا شاءَ كَيْفَ شاءَ وعَلى الحَدِّ الَّذِي شاءَ، ويَقْبِضُ عَنْها الِادِّراكَ قَبْضًا كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا في أيِّ وقْتٍ شاءَ كَيْفَ شاءَ، ولا يَخْفى عَلى هَذا أنَّهُ غايَةُ التَّمَدُّحِ بِالعِزَّةِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ فَإنَّ مَن هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ إذا لَمْ تُدْرِكْهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ مَعَ كَوْنِهِ يُدْرِكُ الأبْصارَ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ كانَ ذَلِكَ غايَةً في عِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وكَوْنِهِ غالِبًا عَلى أمْرِهِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ لِمْ تُسَقْ لِلتَّمَدُّحِ وإنَّما سِيقَتْ لِلتَّخْوِيفِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ مِن حَيْثُ لا يُرى فَلْيُحْذَرْ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْوَكِيلِ. الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ في رُؤْيَةِ المَحْسُوساتِ المَشْرُوطَةِ التِّسْعَةِ العادِيَّةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَلْزَمُ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا. الخامِسُ: ما قِيلَ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا لِلْخَصْمِ ما أرادَ نَقُولُ إنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَدَّعِي أنَّ ذَوِي الأبْصارِ يُدْرِكُونَهُ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ كَما أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ فَكَذَلِكَ لا يُدْرِكُهُ غَيْرُها فَلا فائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ الفائِدَةِ أنْ لَوِ انْحَصَرَتْ في نَفْيِ حُكْمِ المَنطُوقِ عَلى المَسْكُوتِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّهُ كانَ بِخُصُوصِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ أوْ لِمَعْنًى آخَرَ السّادِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ لا يُدْرِكُهُ المُبْصِرُونَ بِأبْصارِهِمْ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ أيْضًا لِجَوازِ حُصُولِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ مُغايِرَةٍ لِهَذِهِ الحَواسِّ كَما يَدَّعِيهِ ضِرارُ بْنُ عَمْرٍو الكُوفِيُّ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالعَيْنِ وإنَّما بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ يَخْلُقُها سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ نَفْيِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِالبَصَرِ؛ وتَخْصِيصُ الحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إدْراكُ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ البَصَرِ جائِزًا في الجُمْلَةِ، ولِما ثَبَتَ أنَّ سائِرَ الحَواسِّ المَوْجُودَةِ الآنَ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ يَوْمَ القِيامَةِ حاسَّةً سادِسَةً بِها تَحْصُلُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى وإدْراكُهُ، اهـ ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الأبْصارَ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ وقَرَّرَهُ كَما قَرَّرَ المُعْتَزِلَةُ اسْتِدْلالَهم عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ. نَعَمِ احْتِمالُ حَمْلِ البَصَرِ عَلى البَصِيرَةِ مِمّا يُوهِنُ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى، ولَهم في هَذا المَطْلَبِ أدِلَّةٌ أُخْرى نَقْلِيَّةٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى بَعْضِها، وعَقْلِيَّةٌ قَدْ عَقَلَها القَوْمُ في مَعاطِنِ البُطْلانِ. ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَسْرِيحِ بِعَمْلاتِ الأقْلامِ في رِياضِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَلِكُ العَلّامُ فَمِنهُ التَّوْفِيقُ لِادِّراكِ أبْصارِ الأفْهامِ مَخْفِيّاتِ الأسْرارِ وفَلْقِ صَباحِ الحَقِّ بِسَواطِعِ الأنْوارِ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يَراها عَلى وجْهِ الإحاطَةِ أوْ يُحِيطُ بِها عِلْمًا أوْ عِلْمًا ورُؤْيَةً كَما قِيلَ، وذَكَرَ الآمِدِيُّ أنَّ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ ادِّراكَ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى صفحة 248 الرُّؤْيَةِ وأنَّ البَغْدادِيِّينَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ هُنا عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ النُّورُ الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ المُبْصَراتُ فَإنَّهُ لا يُدْرِكُهُ مُدْرِكٌ بِخِلافِ جِرْمِ العَيْنِ فَإنَّهُ يَرى. ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ كُلَّ عَيْنٍ لا تَرى نَفْسَها ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ 103 - فَيُدْرِكُ سُبْحانَهُ ما لا يُدْرِكُهُ الأبْصارُ فالجُمْلَةُ سِيقَتْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وهُوَ) إلَخْ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِن بابِ اللَّفِّ فَإنَّ اللَّطِيفَ يُناسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالفَتْحِ، والخَبِيرُ يُناسِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُدْرِكًا بِالكَسْرِ. واللَّطِيفُ مُسْتَعارٌ مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرِكُهُ بِالحاسَّةِ مِنَ الشَّيْءِ الخَفِيِّ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَهائِيِّ -كَما قالَ الشِّهابُ- أنَّهُ لا اسْتِعارَةَ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى: اللَّطِيفُ الَّذِي يُعامِلُ عِبادَهُ بِاللُّطْفِ وألْطافُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَتَناهى ظَواهِرُها وبَواطِنُها في الأُولى والأُخْرى ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العَلِيمُ بِالغَوامِضِ والدَّقائِقِ مِنَ المَعانِي والحَقائِقِ؛ ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ في صَنْعَتِهِ: لِطَيْفٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّطافَةِ المُقابِلَةِ لِلْكَثافَةِ وهو وإنْ كانَ في ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مِن أوْصافِ الجِسْمِ لَكِنَّ اللَّطافَةَ المُطْلَقَةَ لا تُوجَدُ في الجِسْمِ لِأنَّ الجِسْمِيَّةَ يَلْزَمُها الكَثافَةُ وإنَّما لَطافَتُها بِالإضافَةِ، فاللَّطافَةُ المُطْلَقَةُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِها النُّورُ المُطْلَقُ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ ادِّراكِ البَصائِرِ فَضْلًا عَنِ الأبْصارِ ويَعِزُّ عَنْ شُعُورِ الأسْرارِ فَضْلًا عَنِ الأفْكارِ ويَتَعالى عَنْ مُشابَهَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ ويُنَزَّهُ عَنْ حُلُولِ الألْوانِ والأشْكالِ فَإنَّ كَما اللَّطافَةَ إنَّما يَكُونُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ ووَصْفُ الغَيْرِ بِها لا يَكُونُ عَلى الِإطْلاقِ بَلِ بِالقِياسِ إلى ما هو دُونَهُ في اللَّطافَةِ ويُوصَفُ إلَيْهِ بِالكَثافَةِ، انْتَهى. والمُرَجَّحُ أنَّ إطْلاقَ اللَّطِيفِ بِمَعْنى مُقابِلِ الكَثِيفِ عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى

الأنعام 6:104

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقُلْ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلْقَلْبِ كالبَصَرِ لِلَّعِينِ، والمُرادُ بِها الآياتُ الوارِدَةُ هَهُنا أوْ جَمِيعُ الآياتِ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا و(مَن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (بَصائِرَ) والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ أيْ قَدْ جاءَكم مِن جِهَةِ مالِكِكم ومُبَلِّغِكم إلى كَمالِكُمُ اللّائِقِ بِكم مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ والصَّوابِ ما هو كالبَصائِرِ لِلْقُلُوبِ أوْ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ كائِنَةً مِن رَبِّكم ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيِ الحَقَّ بِتِلْكَ البَصائِرِ وآمَنَ بِهِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ كَما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ فَإبْصارُهُ لِنَفْسِهِ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ لِما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ ومَن لَمْ يُبْصِرِ الحَقَّ بَعْدَما ظَهَرَ لَهُ بِتِلْكَ البَصائِرِ ظُهُورًا بَيِّنًا وضَلَّ عَنْهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالعَمى تَنْفِيرًا عَنْهُ ﴿فَعَلَيْها﴾ عَمًى أوْ فَعَماهُ عَلَيْها أيْ وبالُ ذَلِكَ عَلَيْها، وهُما قَوْلانِ لِمَن تَقَدَّمَ. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ تَقْدِيرَ المَصْدَرِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةَ. والثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ المُقَدَّرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءً كانَتْ (مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً لِامْتِناعِها في الماضِي. وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ يَتَرَجَّحُ لِتَقَدُّمِ فِعْلٍ مَلْفُوظٍ بِهِ وكانَ أقْوى في الدَّلالَةِ، وأيْضًا أنَّ في تَقْدِيرِهِ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ المُؤْذِنِ بِالِاخْتِصاصِ، وأيْضًا ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي غَيْرُ لازِمٍ صفحة 249 لِأنَّهُ لا يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُولِيًا لِفاءِ الجَوابِ بَلْ قُدِّرَ مَعْمُولُ الفِعْلِ الماضِي مُقَدَّمًا ولا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ فَلَوْ قُلْتَ: مَن أكْرَمَ زَيْدًا فَلِنَفْسِهِ أكْرَمَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الفاءِ. نَعَمْ لَمْ يُعْهَدْ تَعْدِيَةُ (عَمِيَ) بِـ (عَلى) وهو لازِمُ التَّقْدِيرِ السّابِقِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ بَعْضُهم بَعْدَ أنْ وافَقَ في الأوَّلِ إلى قَوْلِهِ: (فَعَلَيْها) وبالُهُ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ 104 وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها

الأنعام 6:105

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ وقِيلَ: المُرادُ كَما صَرَّفْنا الآياتِ قَبْلُ نُصَرِّفُ هَذِهِ الآياتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما هو الحَرِيُّ بِالقَبُولِ. وأصْلُ التَّصْرِيفِ -كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى - إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وقالَ الرّاغِبُ: التَّصْرِيفُ كالصَّرْفِ إلّا في التَّكْثِيرِ وأكْثَرُهُ ما يُقالُ في صَرْفِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وأمْرٍ إلى أمْرٍ ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ وبَعْضُهم قَدَّرَ الفِعْلَ ماضِيًا والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ. واللّامُ لامُ العاقِبَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ نُزُولَ الآياتِ لِإضْلالِ الأشْقِياءِ وهِدايَةِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نُصْرِّفُ) أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا إلَخْ وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ لِيُنْكِرُوا ولِيَقُولُوا إلَخْ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولْيَقُولُوا هم كَما يَقُولُونَ فَإنَّهم لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وعَدَمُ الِاكْتِراثِ. ورَدُّهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ فَإنَّ اللّامَ فِيهِ نَصٌّ في أنَّها لامُ كَيْ، وتَسْكِينُ اللامِ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ لا دَلِيلَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْفِيفِ. ومَعْنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وأصْلُهُ -عَلى ما قالَ الأصْمَعِيُّ - مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ يَدْرُسُهُ دِراسًا إذا داسَهُ كَأنَّ التّالِي يَدُوسُ الكَلامَ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ أيْ أخْلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ: دَرِيسٌ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّرْسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها. وهَذا كَما قالَ الواحِدِيُّ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ أوْ هو نَفْسُهُ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ دَرَسَ الدّارَ أيْ بَقِيَ أثَرُهُ وبَقاءُ الأثَرِ يَقْتَضِي انْمِحاءَهُ في نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ فُسِّرَ الدُّرُوسُ بِالِانْمِحاءِ، وكَذا دَرَسَ الكِتابَ ودَرَسْتُ العِلْمَ تَناوَلْتُ أثَرَهُ بِالحِفْظِ، ولَمّا كانَ تَناوُلُ ذَلِكَ بِمُداوَمَةِ القِراءَةِ عَبَّرَ عَنْ إدامَةِ القِراءَةِ بِالدَّرْسِ، وهو بَعِيدٌ عَمّا تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دارَسْتَ) بِالألْفِ وفَتْحِ التّاءِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أيْ دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ مِمَّنْ يَعْلَمُ الأخْبارَ الماضِيَةَ وذَكَّرْتَهُ، وأرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ . قالَ الإمامُ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (دَرَسَتْ) بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ التّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ والمَعْنى قَدِمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ: (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) . وقُرِئَ (دَرُسْتَ) بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في صفحة 250 دَرَسْتَ لِأنَّ فِعْلَ المَضْمُومِ لِلطَّبائِعِ والغَرائِزِ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها، و(دُرِسَتْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ. وقَدْ صَحَّ مَجِيءُ عَفا مُتَعَدِّيًا كَمَجِيئِهِ لازِمًا؛ و(دارَسَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ أيْضًا. والضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإمّا لِلْآياتِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها أيْ دارَسَتْ أهْلَ الآياتِ وحَمَلَتْها مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ الكُتّابِ و دُرِسَتْ عَلى مَجْهُولِ فاعِلٍ ودُرِسَتْ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى تاءِ الخِطابِ مَعَ التَّشْدِيدِ ونُسِبَتْ إلى ابْنِ زَيْدٍ وادّارَسْتَ مُشَدَّدًا مَعْلُومًا ونُسِبَتْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أُبَي دَرس عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ الكِتابِ بِمَعْنى انْمَحى ونَحْوُهُ ودَرَسْنَ بِنُونِ الإناثِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا و دارِساتٌ بِمَعْنى قَدِيماتٍ أوْ ذاتِ دَرْسٍ أوْ دُرُوسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي دارِساتٌ (ولِنُبَيِّنَهُ) عَطْفٌ عَلى (لِيَقُولُوا) واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ المُفَسِّرِ بِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى المَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الفِعْلِ عِنْدَ الكَثِيرِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ. ولا رَيْبَ في أنَّ التَّبْيِينَ مَصْلَحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى التَّصْرِيفِ. والخِلافُ في أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى هَلْ تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ مَشْهُورٌ؛ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالكِتابِ أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِمَصْدَرِ (نُصَرِّفُ) كَما قِيلَ أوْ نُبَيِّنُ أيْ ولَنَفْعَلَنَّ التَّبْيِينَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 105 - فَإنَّهَمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ وهو الوَجْهُ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ. وهم -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ-: أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ووَصَفَهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ غَيْرِهِمْ وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.

الأنعام 6:106

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي عَمْدَتُها التَّوْحِيدُ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ مالا يَخْفى. والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (أُوحِيَ)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ المَرْفُوعِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن مَرْجِعِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أكَّدَ بِهِ إيجابَ الِاتِّباعِ لا سِيَّما في أمْرِ التَّوْحِيدِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ 106 - أيْ لا تَعْتَدَّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا ولا تُبالِ بِها ولا تَلْتَفِتْ إلى أذاهم وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ في الآيَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فَيَكُونُ الإعْراضُ مَحْمُولًا عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهُمْ

الأنعام 6:107

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهَذا دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ مَعَ تَوْجِيهِهِ إلَيْهِ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإعْراضِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا مُهَيْمِنًا مِن قَبْلِنا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ 107 - مِن جِهَتِهِمْ تَقُومُ بِأمْرِهِمْ وتُدَبِّرُ مَصالِحَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تَصُونُهم عَمّا يَضُرُّهُمْ، وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تَجْلِبُ لَهم ما يَنْفَعُهم. و(عَلَيْهِمْ) في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ

الأنعام 6:108

﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَشْتُمُوهم ولا تَذْكُرُوهم صفحة 251 بِالقَبِيحِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ عَلى مَعْنى لا تَسُبُّوهم مِن حَيْثُ عِبادَتِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ كَأنْ تَقُولُوا تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ مَثَلًا أوْ آلِهَتِهِمْ فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّها، والعائِدُ حِينَئِذٍ مُقَدَّرٌ أيِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالَّذِينِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّها مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ عَلى تَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنها كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ سَبَّ الآلِهَةِ سَبٌّ لَهُمْ؛ كَما يُقالُ ضَرْبُ الدّابَّةِ صَفْعٌ لِراكِبِها ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وأنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ، و(يَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ كَقَوْلِهِمْ: لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها ومَعْنى سَبِّهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ إفْضاءُ كَلامِهِمْ إلَيْهِ كَشَتْمِهِمْ لَهُ ﷺ ولِمَن يَأْمُرُهُ، وقَدْ فُسِّرَ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِذَلِكَ أيْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ أنَّهم يَسُبُّونَهُ وإلّا فالقَوْمُ كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ وأنَّ آلِهَتَهم إنَّما عَبَدُوها لِتَكُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَسُبُّونَهُ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سَبُّهم لَهُ عَزَّ اسْمُهُ صَرِيحًا؛ ولا إشْكالَ بِناءً عَلى أنَّ الغَضَبَ والغَيْظَ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ تَحْمِلُهُ شِدَّةُ غَيْظِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ ومِمّا شاهَدْناهُ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ العَوامِّ أكْثَرَ الرّافِضَةُ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَهُ فَغاظَهُ ذَلِكَ جِدًّا فَسَبَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلّا إغاظَتَهم ولَمْ أرَ شَيْئًا يَغِيظُهم مِثْلَ ذَلِكَ فاسْتُتِيبَ عَنْ هَذا الجَهْلِ العَظِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ سَبَّهم لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ أنَّهم يَسُبُّونَهُ جَلَّ شَأْنُهُ صَرِيحًا ولَكِنْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِهِ تَعالى ويَتَمادَوْنَ في ذَلِكَ بِالمُجادَلَةِ ويَزْدادُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِما يُنَزَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ سَبًّا؛ وهو سَبٌّ فِعْلِيٌّ قالَ الشّاعِرُ: وما كانَ ذَنْبُ بَنِي مالِكٍ بِأنْ سَبَّ مِنهم غُلامًا فَسُبَّ بِأبْيَضَ ذِي شَطْبٍ قاطِعٍ يَقُدُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبَ ونُبِّهَ بِهِ عَلى ما قالَهُ الآخَرُ: ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ وقِيلَ: المُرادُ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى سَبُّ الرَّسُولِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ الآيَةِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (عُدُوًّا) يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا حَضَرَ أبا طالِبٍ المَوْتُ قالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلى هَذا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرْهُ أنْ يَنْهى عَنّا ابْنَ أخِيهِ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَقُولُ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ، فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وأُمَيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلْفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وعَمْرُو بْنُ العاصِ والأسْوَدُ بْنُ البُحْتُرِيِّ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: أنْتَ كَبِيرُنا وسَيِّدُنا وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذانا وآذى آلِهَتَنا فَنُحِبُّ أنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنا ولَنَدَعَنَّهُ وإلَهَهُ فَدَعاهُ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ماذا تُرِيدُونَ؟ قالُوا نُرِيدُ أنْ تَدَعَنا وآلِهَتَنا ونَدَعَكَ وإلَهَكَ فَقالَ أبُو طالِبٍ: قَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ فاقْبَلْ مِنهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرَأيْتُكم إنْ أعْطَيْتُكم هَذا فَهَلْ أنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إنْ تَكَلَّمْتُمْ بِها مَلَكْتُمُ العَرَبَ ودانَتْ لَكم بِها العَجَمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ لَنُعْطِيَنَّكَها وأبِيكَ وعَشْرَ أمْثالِها فَما هِيَ؟ قالَ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَأبَوْا واشْمَأزُّوا فَقالَ أبُو طالِبٍ قُلْ غَيْرَها يا ابْنَ أخِي فَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنها فَقالَ ﷺ: يا عَمُّ ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها ولَوْ أتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوها في يَدِي ما قُلْتُ غَيْرَها فَقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» صفحة 252 وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم». وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ نَزَلَتْ ﴿ولا تَسُبُّوا﴾ إلَخْ، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ وصْفَ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها حَصَبُ جَهَنَّمَ وبِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ سَبٌّ لَها فَكَيْفَ نَهى عَنْهُ بِما هُنا. وأُجِيبَ بِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِالتِّلاوَةِ سَبَّهم وغَيْظَهم يَسْتَقِيمُ النَّهْيُ عَنْها ولا بِدْعَ في ذَلِكَ كَما يُنْهى عَنِ التِّلاوَةِ في المَواضِعِ المَكْرُوهَةِ وقالَ في الكَشْفِ: المَعْنى عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَقَعُ السَّبُّ مِنكم بِناءً عَلى ما ورَدَ في الآيَةِ فَيَصِيرُ سَبًّا لِسَبِّهِمْ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لا يُعَدُّ سَبًّا لِأنَّهُ ذَكَرَ المَساوِئَ لِمُجَرَّدِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ وما فِيها إنَّما ورَدَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ صُلُوحِها لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وفِيهِ تَأمَّلْ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَنِ العُدُولِ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى السَّبِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَخْرُجُوا مِن دَعْوَةِ الكُفّارِ ومُحاجَّتِهِمْ إلى أنْ تَسُبُّوا ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِجاجِ في شَيْءٍ ويَجُرُّ إلى سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ؛ وهَذا بِخِلافِ الطّاعَةِ في مَوْضِعٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُها وكَثِيرًا ما يَشْتَبِهانِ، ولِذا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً اجْتَمَعَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ وخالَفَهُ الحَسَنُ قائِلًا: لَوْ تَرَكْنا الطّاعَةَ لِأجْلِ المَعْصِيَةِ لَأسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ المَقْدِسِيِّ في الرَّمْزِ أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ فُقَهائِنا أنَّهُ لا يَتْرُكُ ما يَطْلُبُ لِمُقارَنَةِ بِدْعَةٍ كَتَرْكِ إجابَةِ دَعْوَةٍ لِما فِيها مِنَ المَلاهِي وصَلاةِ جِنازَةٍ لِنائِحَةٍ فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ مَنَعَ وإلّا صَبَرَ، وهَذا إذا لَمْ يُقْتَدْ بِهِ وإلّا لا يَقْعُدُ لِأنَّ فِيهِ شَيْنَ الدِّينِ. وما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِ كانَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إمامًا يُقْتَدى بِهِ. ونُقِلَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: كَيْفَ نَهانا اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبِّ مَن يَسْتَحِقُّ السَّبَّ لِئَلّا يُسَبَّ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ وقَدْ أمَرَنا بِقِتالِهِمْ وإذا قاتَلْناهم قَتَلُونا وقَتْلُ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُنْكَرٍ؟ وكَذا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ والتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ؟ وأنَّهُ أجابَ بِأنَّ سَبَّ الآلِهَةِ مُباحٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ وقِتالَهم فَرْضٌ وكَذا التَّبْلِيغَ وما كانَ مُباحًا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ ويَحْدُثُ، وما كانَ فَرْضًا لا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ. وعَلى هَذا يَقَعُ الفَرْقُ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيمَن قَطَعَ يَدَ قاطِعٍ قِصاصًا فَماتَ مِنهُ فَإنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّهِ مُباحٌ فَأُخِذَ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، والإمامُ إذا قَطَعَ يَدَ السّارِقِ فَماتَ لا يَضْمَنُ لِأنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، اهـ. ومَن هُنا لا تُحْمَلُ الطّاعَةُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إطْلاقِها ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَمُ الكُفْرِ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهُمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِلْكافِرِ الكُفْرَ كَما زَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِ الإيمانَ وأنْكَرَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَتَأوَّلُوا الآيَةَ لِما لا يَخْفى ضَعْفُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ رَجَعُوهم ومَصِيرُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 108 - في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وذَلِكَ بِالثَّوابِ عَلى الأوَّلِ والعِقابِ عَلى الثّانِي، فالجُمْلَةُ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ صفحة 253 وفَسَّرَ بَعْضُهم (ما) بِالسَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم وقالَ: إنَّ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ

الأنعام 6:109

﴿وأقْسَمُوا﴾ أيِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ جاهِدِينَ فِيها، فَـ (جَهْدَ) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أقْسَمُوا بِجَهْدِ أيْمانِهِمْ أيْ أوْكَدِها؛ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ وضَمِّها في الأصْلِ بِمَعْنى الطّاقَةِ والمُشَقَّةِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ لِلْمَشَقَّةِ وبِالضَّمِّ الوُسْعِ، وقِيلَ: ما يُجْهِدُ الَإنْسانَ. والمَعْنى هُنا -عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - أنَّهم حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ فاقْتَرَحُوا غَيْرَها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البَيِّناتِ. والباءُ صِلَةُ الإيمانِ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِها التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وجَعْلُها لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى لَيُؤْمِنُنَّ بِسَبَبِها خِلافُ الظّاهِرِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ﴾ أيْ كُلُّها فَيَدْخُلُ ما اقْتَرَحُوهُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِإنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ؛ وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ ءاتِيكم بِها أوِ المَعْنى هو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى ءاتِيَكم بِها. واعْتَرَضَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بَعْدَ أنِ اخْتارَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَتَدَبَّرْ. رَوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ ءاياتٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي فَقالُوا: نَعَمْ وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لِنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَهَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدُّعاءِ فَنَزَلَتْ». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانَتْ لَهم ناقَةٌ، فَأْتِنا بِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ؟ قالُوا: تُحَوِّلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟ قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لِنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ، فَقالَ ﷺ: أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إلى ﴿يَجْهَلُونَ﴾» ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ 109 - كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ -كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ- إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ صفحة 254 بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ مِمّا يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ أيْضًا كالهَمِّ بِالدُّعاءِ، وفِيهِ بَيانٌ لِأنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ وإيمانَهم في زَوايا العَدَمِ وإنْ أُجِيبُوا إلى ما سَألُوهُ وجَوَّزَ بَعْضُهم دُخُولَهُ تَحْتَ الأمْرِ، ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ قُلْ لِلْكافِرِينَ: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ وما يُشْعِرُكم إلَخْ وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ وهو داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ التِفاتٌ و(أنَّها) إلَخْ عِنْدَهُ إخْبارٌ ابْتِدائِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ. و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ -عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ- ”لا“ نافِيَةٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن بَقاءِ الفِعْلِ بِلا فاعِلٍ؛ وجَعْلُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ أوْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إلّا عَلى بُعْدٍ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اقْتَرَحُوا آية وكانَ المُؤْمِنُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُزُولَها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ كانَ في ظَنِّهِمْ إيمانُهم عَلى تَقْدِيرِ النُّزُولِ فَإذا أُرِيدَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فالمُناسِبُ إنْكارُ الإيمانِ لا عَدَمُهُ؛ كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا أنْزِلْ لِلْمُشْرِكِينَ آية فَإنَّهُ لَوْ نَزَلَتْ يُؤْمِنُونَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ في الإنْكارِ: ما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ ويَتَّضِحُ هَذا بِمِثالٍ وذَلِكَ أنَّهُ إذا قالَ لَكَ القائِلُ: أكْرِمْ فُلانًا فَإنَّهُ يُكافِئُكَ؛ وكُنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ عَدَمَ المُكافَأةِ فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ عَلى المُشِيرِ بِإكْرامِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟ فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ إثْباتَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ نَفْيَها فَإنْ قالَ لَكَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ وأنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ وأرَدْتَ الإنْكارَ عَلى المُشِيرِ بِحِرْمانِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟ فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ عَدَمَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ ثُبُوتَها والآيَةُ كَما لا يَخْفى مِن قَبِيلِ المِثالِ فَكانَ الظّاهِرُ حَيْثُ ظَنُّوا إيمانَهم ورَغِبُوا فِيهِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهم ولَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى أنْ يُقالَ وما يُشْعِرُكم أنَّهم إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ. وأجابَ عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ في مَعْنى النَّفْيِ وهو إخْبارٌ عَنْهم بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ؛ والمَعْنى أنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا تَنْجَعُ فِيهِمُ الآياتُ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ما في الواقِعِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذَلِكَ تَتَوَقَّعُونَ إيمانَهُمْ، والحاصِلُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ ولَهُ مَعْنَيانِ ”لَمْ“ و”لا“؛ فَإنْ كانَ بِمَعْنى ”لَمْ“ يُقالُ: ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ بِدُونِ ”لا“ عَلى مَعْنى لِمَ قُلْتُمْ: أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ وتَوَقَّعْتُمْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى ”لا“ يُقالُ ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِإثْباتِ ”لا“ عَلى مَعْنى لا تَعْلَمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذا تَوَقَّعْتُمْ إيمانَهُمَ ورَغِبْتُمْ في نُزُولِ آيَةٍ لَهُمْ، وهَذا الثّانِي هو المُرادُ، ويَرْجِعُ إلى إقامَةِ عُذْرِ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِهِمْ ذَلِكَ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ ”لا“ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَإنَّهُ أُرِيدَ تَسْجُدُ ويَرْجِعُونَ بِدُونِ ”لا“، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ ”أنَّ“ بِمَعْنى لَعَلَّ كَما في قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَرَجُوا عَلى الطَّلِّ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ خِذامِ، وقَوْلِ الآخَرِ: هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لِأنّا ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ يُشْعِرَكم ويُدْرِيَكم بِمَعْنًى، وكَثِيرًا ما تَأْتِي لَعَلَّ بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ نَحْوَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ وأنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما أدْراكَ لَعَلَّها) والكَلامُ عَلى هَذا قَدْ تَمَّ قَبْلَ (أنَّها) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُشْعِرُكُمْ) مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْدِيرُهُ أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُتَحَقِّقَ الوُقُوعِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (أنَّها) إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ”أنَّ“ في جَوابِ صفحة 255 القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرِ بْنِ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ أنَّها بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ حَسْبَما سِيقَ مِن زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمٍ إيمانِهِمْ. قالَ في الكَشْفِ: وهو عَلى جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟ فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. ولَكَ أنْ تَبْنِيَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيْ بِما يَكُونُ مِنهم فَإنَّهُ إبْرازٌ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ كَأنَّهُ قَدْ سُئِلَ عَنْهُ سُؤالٌ شاكٌّ ثُمَّ عُلِّلَ بِأنَّها إذا جاءَتْ جَزْمًا بِالطَّرَفِ المُحالِفِ وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، انْتَهى وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ (تُؤْمِنُونَ) بِالفَوْقانِيَّةِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ في الآيَةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِلا خِلافٍ. وقُرِئَ (وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ) فَمَرْجِعُ الَإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الحَلِفِ المَذْكُورِ مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ. وقُرِئَ (وما يُشْعِرْكُمْ) بِسُكُونٍ خالِصٍ واخْتِلاسٍ. وضَمِيرُ (بِها) عَلى سائِرِ القِراءاتِ راجِعٌ لِلْآيَةِ لا لِلْآياتِ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما أنَّ اسْتِعْمالَ ”إذا“ مَعَ الماضِي دُونَ ”أنْ“ مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَوْدَهُ لِلْآياتِ أوْلى لِقُرْبِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المُبالَغَةِ في بُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ وبُلُوغِهِمْ في العِنادِ غايَةَ الإمْكانِ.

الأنعام 6:110

﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْ وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يُدْرِكُونَهُ وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ. وهَذا -عَلى ما قالَ الإمامُ- تَقْرِيرٌ لِما في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ لَيْسَ مِن تَوَجُّهِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ إلى الحَقِّ واسْتِعْدادِها لَهُ بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ. وتَحْقِيقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ عَلِمَ في الأزَلِ سُوءَ اسْتِعْدادِهِمُ المَخْبُوءِ في ماهِيّاتِهِمْ أفاضَ عَلَيْهِمْ ما يَقْتَضِيهِ وفَعَلَ بِهِمْ ما سَألُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ بَعْدَ أنْ رَغَّبَهم ورَهَّبَهم وأقامَ الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ بِما جاءَ مِنَ الآياتِ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ، وقِيلَ: بِالتَّقْلِيبِ، وهو كَما تَرى ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَنصُوبٍ بِـ (لا يُؤْمِنُونَ) . و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَكْفُرُونَ كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أنَّ الكافَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْلِيبًا كَكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْها بِأنَّ المُرادَ مِن ﴿ونُقَلِّبُ﴾ إلَخْ: أنا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والقاضِي بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَلا نَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا. والجَبائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في الدُّنْيا. والكُلُّ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ صفحة 256 يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، وهَكَذا غالِبُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ نَدَعُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ تَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في العِصْيانِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ 110 - أيْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ وهَذا عَطْفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْضًا مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ مُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ. وجُمْلَةُ (يَعْمَهُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَذَرُهُمْ) . وقُرِئَ (يُقَلِّبُ. ويَذَرُ) عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتُقَلَّبُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى أفْئِدَتِهِمْ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ أخْلَصْناهم وآوَيْناهم لِحَضْرَتِنا ودَلَلْناهم لِلِاكْتِفاءِ بِنا عَمّا سِوانا ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهم أهْلُ السّابِقَةِ الَّذِينَ سَألُوهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وهو شِرْكُ الكامِلِينَ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ سَيِّدِي عَمْرُ بْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتَ بِرِدَّتِي ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ هم خَزائِنُ حَقائِقِ الإيمانِ وفِي الخَبَرِ «لا يَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمِينَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهم عَلى ذَلِكَ» ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ﴾ وهو آدابُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ (اقْتَدِهْ) أمْرٌ لَهُ ﷺ أنْ يَتَّصِفَ بِجَمِيعِ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ الهُدى وكانَ ذَلِكَ -عَلى ما قِيلَ- في مَنازِلِ الوَسائِطِ، ولَمّا كَحَّلَ عُيُونَ أسْرارِهِ بِكُحْلِ الرُّبُوبِيَّةِ جَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ مُسْتَقِيمًا بِحالِهِ وأخْرَجَهُ مِن حَدِّ الإرادَةِ إلى حَدِّ المَعْرِفَةِ والِاسْتِقامَةِ ولِذا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْقاطِ الوَسائِطِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَيْسَ في هَذا تَوْسِيطُ الوَسائِطِ لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم لا بِهِمْ. ونَظِيرُهُ: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لَمْ يُظْهِرْ مِن عَلْمِهِ وكَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدٍ شَيْئًا؛ وذَلِكَ لِزَعْمِهِمُ البُعْدَ مِن عِبادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَمَ إمْكانِ ظُهُورِ بَعْضِ صِفاتِهِ عَلى مَظْهَرٍ بَشَرِيٍّ، ولَوْ عَرَفُوا لَما أنْكَرُوا ولا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُظْهِرَ لِكَمالِ عَلْمِهِ وحِكْمَتِهِ إلّا الإنْسانُ الكامِلُ بَلْ لَوِ ارْتَفَعَ الحَوَلُ عَنِ العَيْنِ لَما رَأوُا الواحِدَ اثْنَيْنِ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ لِما فِيهِ مِن أسْرارِ القُرْبِ والوِصالِ والتَّشْوِيقِ إلى الحُسْنِ والجَمالِ بَلْ مِنهُ تَجَلّى الحَقُّ لِخَلْقِهِ لَوْ يَعْلَمُونَ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِجَمْعِهِ الظّاهِرَ والباطِنَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ وهي القَلْبُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِنَ القُوى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَمَنِ ادَّعى الكَمالَ والوُصُولَ إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ عَنْ كَثْرَةِ صِفاتِ النَّفْسِ وزَعَمَ أنَّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ مِن أهْلِ الإرْشادِ وهو لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ كَمَن سَمّى مُفْتَرِياتِ وهْمِهِ وخَيالِهِ ومُخْتَرَعاتِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وحْيًا وفَيْضًا مِنَ الرُّوحِ القُدْسِيِّ فَتَنَبَّأ لِذَلِكَ، أو ﴿قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كَمَن تَفَرْعَنَ وادَّعى الأُلُوهِيَّةَ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ الطَّبِيعِيِّ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ صفحة 257 كالمُتَقاضِي المُلِظِّ يَقُولُونَ ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ والصَّغارِ لِوُجُودِ صِفاتِ نُفُوسِكم وهَيْآتِها المُظْلِمَةِ وتَكاثُفِ حُجُبِ أنانِيَّتِكم وتَفَرْعُنِكم ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ مُجَرَّدِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ﴾ أيْ حَبَّةِ القَلْبِ بِنُورِ الرُّوحِ عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ﴿والنَّوى﴾ أيْ نَوى النَّفْسِ بِنُورِ القَلْبِ عَنِ الأخْلاقِ والمَكارِمِ أوْ فالِقُ حَبَّةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ في قُلُوبِ المُحِبِّينَ والصِّدِّيقِينَ، ونَوى شَجَرِ أنْوارِ الأزَلِ في فُؤادِ العارِفِينَ فَتُثْمِرُ بِالأعْمالِ الزَّكِيَّةِ والمَقاماتِ الشَّرِيفَةِ والحالاتِ الرَّفِيعَةِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيِ العالِمَ بِهِ مِنَ الجاهِلِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ الجاهِلَ مِنَ العالِمِ، أوْ يَخْرُجُ حَيَّ القَلْبِ عَنْ مَيِّتِ النَّفْسِ تارَةً بِاسْتِيلاءِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ومُخْرِجُ مَيِّتَ النَّفْسِ عَنْ حَيِّ القَلْبِ أُخْرى بِإقْبالِهِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ الهَوى وصِفاتِ النَّفْسِ عَلَيْهِ ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أيْ مُظْهِرُ أنْوارِ صِفاتِهِ عَلى صَفَحاتِ آفاقِ مَخْلُوقاتِهِ أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِنُورِ الإصْباحُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَحْرَ العَدَمِ كانَ مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّهُ بِأنْ أجْرى فِيهِ جَدْوَلًا مِن نُورِهِ حَتّى بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى. وقالَ الإمامُ: فالِقُ ظُلْمَةِ العَدَمِ بِصَباحِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَمادِيَّةِ بِصَباحِ الحَياةِ والعَقْلِ والرَّشادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَهالَةِ بِصَباحِ الِادِّراكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ بِتَخْلِيصِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأفْلاكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِعالَمِ المُمَكِناتِ بِصَباحِ نُورِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ مُدَبِّرِ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: المَعْنى فالِقُ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ عَنِ القَلْبِ بِإصْباحِ نُورِ شَمْسِ الرُّوحِ وإشْراقِهِ عَلَيْها، ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ أيْ لَيْلَ الحَيْرَةِ في الذّاتِ البَحْتِ ﴿سَكَنًا﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ أرْواحُ العاشِقِينَ كَما قالَ قائِلُهم: زِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرًا وارْحَمْ حَشًا بِلَظى هَواكَ تَسَعَّرا أوْ جاعِلُ ظُلْمَةِ النَّفْسِ سَكَنَ القَلْبِ يَسْكُنُ إلَيْها أحْيانًا لِلِارْتِفاقِ والِاسْتِرْواحِ أوْ سَكَنًا تَسْكُنُ فِيهِ القُوى البَدَنِيَّةُ وتَسْتَقِرُّ عَنِ الِاضْطِرابِ كَما قِيلَ ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ شَمْسَ تَجَلِّي الصِّفاتِ ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ تَجْلِّي الأفْعالِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ عَلى حِسابِ الأحْوالِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ بِهِما أوْ شَمْسَ الرُّوحِ وقَمَرَ القَلْبِ مَحْسُوبَيْنِ في عِدادِ المَوْجُوداتِ الباقِيَةِ الشَّرِيفَةِ مُعْتَدًّا بِهِما أوْ عَلى حِسابِ الأوْقاتِ والأحْوالِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أيِ المُرْشِدِينَ أوْ نُجُومَ الحَواسِّ ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ﴾ وهو عِلْمُ الآدابِ ﴿والبَحْرِ﴾ وهو عِلْمُ الحَقائِقِ أوِ المَعْنى لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ بَرِّ الأجْسادِ إلى مَصالِحِ المَعاشِ وبَحْرِ العُلُومِ بِاكْتِسابِها بِها ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ أيْ أظْهَرَكم ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي النَّفْسُ الكُلِّيَّةُ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في أرْضِ البَدَنِ حالَ الظُّهُورِ ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ مِن سَماءِ الرُّوحِ ماءَ العِلْمِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيِ النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾ زِينَةَ النَّفْسِ وبَهْجَةً لَها ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ أيِ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ أعْمالًا مُتَرَتِّبَةً شَرِيفَةً ونِيّاتٍ صادِقَةً يَتَقَوّى القَلْبُ بِها ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ أيْ نَخْلِ العَقْلِ ﴿مِن طَلْعِها﴾ أيْ مِن ظُهُورِ تَعَلُّقِها ﴿قِنْوانٌ﴾ مَعارِفُ وحَقائِقُ ﴿دانِيَةٌ﴾ قَرِيبَةُ التَّناوُلِ لِظُهُورِها بِنُورِ الرُّوحِ كَأنَّها بَدِيهِيَّةٌ ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ وهي أعْنابُ الأحْوالِ والأذْواقِ، ومِنها تُعْتَصِرُ سُلافَةُ المَحَبَّةِ وفي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عُمْرَ ساعَةٍ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَكَ الحُكْمُ ﴿والزَّيْتُونَ﴾ أيْ زَيْتُونَ التَّفَكُّرِ ﴿والرُّمّانَ﴾ أيْ رُمّانَ الهِمَمِ الشَّرِيفَةِ والعَزائِمِ النَّفْسِيَّةِ ﴿مُشْتَبِهًا﴾ كَما في أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ كَنَوْعَيْنِ وفَرْدَيْنِ مِنهُما مَثَلًا ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أيْ راعُوهُ بِالمُراقَبَةِ عِنْدَ السُّلُوكِ وبَدْءِ الحالِ ﴿ويَنْعِهِ﴾ وهو كَمالٌ عِنْدَ الوُصُولِ بِالحُضُورِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أيْ جِنِّ الوَهْمِ والخَيالِ حَيْثُ أطاعُوهم صفحة 258 وانْقادُوا لَهم ﴿وخَلَقَهم وخَرَقُوا﴾ وافْتَرَوْا ﴿لَهُ بَنِينَ﴾ مِنَ العُقُولِ ﴿وبَناتٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ يَعْتَقِدُونَ أنَّها لِتَجَرُّدِها مُؤَثِّرَةٌ مِثْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِنهم أنَّها أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ لا تُؤَثِّرُ إلّا بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن تَقَيُّدِهِ بِما قَيَّدُوهُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِيَ والعِشْرِينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: يَعْنِي مِن كُلِّ عَيْنٍ مِن أعْيُنِ الوُجُوهِ وأعْيُنِ القُلُوبِ فَإنَّ القُلُوبَ ما تَرى إلّا بِالبَصَرِ وأعْيُنِ الوُجُوهِ لا تَرى إلّا بِالبَصَرِ فالبَصَرُ حَيْثُ كانَ بِهِ يَقَعُ الِادِّراكُ فَيُسَمّى البَصَرُ في العَقْلِ عَيْنَ البَصِيرَةِ ويُسَمّى في الظّاهِرِ بَصَرَ العَيْنِ، والعَيْنُ في الظّاهِرِ مَحَلُّ البَصَرِ والبَصِيرَةُ في الباطِنِ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ الَّذِي هو بَصَرٌ في عَيْنِ الوَجْهِ فاخْتَلَفَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وما اخْتَلَفَ هو في نَفْسِهِ فَكَما لا تُدْرِكُهُ العُيُونُ بِأبْصارِها لا تُدْرِكُهُ البَصائِرُ بِأعْيُنِها، ووَرَدَ في الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَما احْتَجَبَ عَنِ الأبْصارِ وأنَّ المَلَأ الأعْلى يَطْلُبُونَهُ كَما تَطْلُبُونَهُ أنْتُمْ» فاشْتَرَكْنا في الطَّلَبِ مَعَ المَلَإ الأعْلى واخْتَلَفْنا في الكَيْفِيَّةِ فَمِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِفِكْرِهِ والمَلَأُ الأعْلى لَهُ العَقْلُ ومالَهُ الفِكْرُ، ومِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِهِ ولَيْسَ في المَلَإ الأعْلى مَن يَطْلُبُهُ بِهِ لِأنَّ الكامِلَ مِنّا هو عَلى الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها؛ فَلِهَذا يَصِحُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أنْ يَطْلُبَ اللَّهَ تَعالى بِهِ ومَن طَلَبَهُ بِهِ وصَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ الكامِلَ مِنّا لَهُ نافِلَةٌ تَزِيدُ عَلى فَرائِضِهِ إذا تَقَرَّبَ العَبْدُ بِها إلى رَبِّهِ أحَبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ كانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، فَإذا كانَ الحَقُّ بَصَرَ مِثْلِ هَذا العَبْدِ رَآهُ وأدْرَكَهُ بِبَصَرِهِ لِأنَّ بَصَرَهُ الحَقُّ فَما أدْرَكَهُ إلّا بِهِ لا بِنَفْسِهِ، وما ثَمَّ مَلَكٌ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِنافِلَةٍ بَلْ هم في الفَرائِضِ وفَرائِضُهم قَدِ اسْتَغْرَقَتْ أنْفاسَهم فَلا نَفْلَ عِنْدَهم فَلَيْسَ لَهم مَقامٌ يُنْتِجُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ بَصَرَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ بِهِ فَهم عَبِيدُ اضْطِرارٍ ونَحْنُ عَبِيدُ اضْطِرارٍ مِن فَرائِضِنا وعَبِيدُ اخْتِيارٍ مِن نَوافِلِنا، إلى آخِرِ ما قالَ. وهو صَرِيحٌ في أنَّ بَعْضَ الأبْصارِ تُدْرِكُهُ لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةِ رَفْعِ الغَيْرِيَّةِ. وقالَ في البابِ الرّابِعِ عَشَرَ وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: مَن رَأى الحَقَّ كِفاحًا عَلَنًا إنَّما أبْصَرَهُ ∗∗∗ خَلْفَ حِجابٍ وهو لا يَعْرِفُهُ وهُوَ بِهِ إنَّ هَذا لَهو الأمْرُ العُجابُ كُلُّ راءٍ لا يَرى غَيْرَ الَّذِي هو فِيهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ صُورَةُ الرّائِي تَجَلَّتْ عِنْدَهُ وهو عَيْنُ الرّاءِ بَلْ عَيْنُ الحِجابِ فَإذا رَآهُ سُبْحانَهُ الرّائِي كِفاحًا فَما يَراهُ إلّا حَتّى يَكُونَ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ بَصَرَهُ فَيَكُونُ هو الرّائِيَ نَفْسَهُ بِبَصَرِهِ في صُورَةِ عَبْدِهِ فَأعْطَتْهُ الصُّورَةُ المُكافَحَةَ إذا كانَتِ الحامِلَةَ لِلْبَصَرِ ولِجَمِيعِ القُوى إلَخْ. وقالَ في البابِ الحادِي وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: قَدِ اسْتَوى المَيِّتُ والحَيُّ ∗∗∗ في كَوْنِهِمْ ما عِنْدَهم شَيٌّ مِنِّي فَلا نُورَ ولا ظُلْمَةَ ∗∗∗ فِيهِمْ ولا ظِلَّ ولا في رُؤْيَتِهِمْ لِي مَعْدُومَةٌ فَنَشْرُهم في كَوْنِهِمْ طَيٌّ وفَهْمِهِمْ إنْ كانَ مَعْناهم عَنْهُ إذا حَقَّقْتَهُ غَيٌّ إنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لا يَرى الرّائِي إذا رَآهُ مِنهُ إلّا قَدْرَ مَنزِلَتِهِ ورُتْبَتِهِ فَما رَآهُ وما رَأى إلّا نَفْسَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَفاضَلَتِ الرُّؤْيَةُ في الرّائِينَ إذْ لَوْ كانَ هو المَرْئِيَّ ما اخْتَلَفُوا لَكِنْ لَمّا كانَ هو سُبْحانَهُ مُجَلِّيَ رُؤْيَتِهِمْ أنْفُسَهم لِذَلِكَ وصَفُوهُ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَجَلّى، ولَكِنَّ شُغْلَ الرّائِي بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ في مَجْلى الحَقِّ حَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ فَلَوْ لَمْ تَبْدُ لِلرّائِي صُورَتُهُ أوْ صُورَةُ كَوْنٍ مِنَ الأكْوانِ رُبَّما كانَ يَراهُ فَما حَجَبَنا عَنْهُ إلّا رُؤْيَةُ نُفُوسِنا فِيهِ فَلَوْ زِلْنا عَنّا ما رَأيْناهُ لِأنَّهُ ما كانَ يَبْقى بِزَوالِنا مَن يَراهُ وإنْ نَحْنُ لَمْ نَزُلْ فَما نَرى إلّا نُفُوسَنا فِيهِ وصُوَرَنا وقَدْرَنا ومَنزِلَتَنا فَعَلى كُلِّ حالٍ ما رَأيْناهُ، وقَدْ نَتَوَسَّعُ فَنَقُولُ: قَدْ رَأيْناهُ ونَصْدُقُ كَما أنَّهُ صفحة 259 لَوْ قُلْنا: رَأيْنا الإنْسانَ صَدَقْنا في أنْ نَقُولَ رَأيْنا مَن مَضى مِنَ النّاسِ ومَن بَقِيَ ومَن في زَمانِنا مِن كَوْنِهِمْ إنْسانًا لا مِن حَيْثُ شَخْصِيَّةِ كُلِّ إنْسانٍ، ولَمّا كانَ العالَمُ أجْمَعُهُ وآحادُهُ عَلى صُورَةِ حَقٍّ ورَأيْنا الحَقَّ فَقَدْ رَأيْنا وصَدَّقْنا، وإذا نَظَرْنا في عَيْنِ التَّمْيِيزِ في عَيْنِ عَيْنٍ لَمْ نُصَدِّقْ إلى ءاخِرِ ما قالَ. وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ لِهَذا المَطْلَبِ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لِغايَةِ ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ إذْ لا ألْطَفَ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن هَوِيَّةِ تَكَوُّنِ عَيْنِ بَصَرِ العَبْدِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيِ العَلِيمُ خِبْرَةً أنَّهُ بَصَرُ العَبْدِ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اللَّطِيفُ مَن نَوَّرَ قَلْبَكَ بِالهُدى، ورَبّى جِسْمَكَ بِالغِذاءِ، وجَعَلَ لَكَ الوِلايَةَ بِالبَلْوى، ويَحْرُسُكَ وأنْتَ في لَظى، ويُدْخِلُكَ جَنَّةَ المَأْوى. وقالَ غَيْرُهُ: اللَّطِيفُ إنْ دَعَوْتَهُ لَبّاكَ، وإنْ قَصَدْتَهُ آواكَ، وإنْ أحْبَبْتَهُ أدْناكَ، وإنْ أطَعْتَهُ كافاكَ، وإنْ أغْضَبْتَهُ عافاكَ، وإنْ أعْرَضْتَ عَنْهُ دَعاكَ، وإنْ أقْبَلْتَ إلَيْهِ هَداكَ، وإنْ عَصَيْتَهُ راعاكَ. وهو كَلامٌ ما ألْطَفَهُ ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي صُوَرُ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أنَّها كَلِماتُهُ الَّتِي تَجَلّى مِنها لِذَوِي الحَقائِقِ وبَرَزَتْ مِن تَحْتِ سُرادِقاتِها أنْوارُ نُعُوتِهِ الأزَلِيَّةِ ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ واهْتَدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ ذَلِكَ الإبْصارُ أيْ أنَّ ثَمَرَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ واحْتَجَبَ عَنِ الهُدى ﴿فَعَلَيْها﴾ عَماهُ واحْتِجابُهُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بَلِ اللَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلَيْكم لِأنَّكم وسائِرُ شُؤُونِكم بِهِ مَوْجُودُونَ (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ أيْ حَقِيقَةَ البَيانِ وهو الوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ ما وقَفَ والجَرْيُ مَعَهُ حَيْثُ ما جَرى لا يَتَقَدَّمُ بِغَلَبَتِهِ ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِعَجْزِهِ، وقالَ آخَرُ: المَعْنى يَعْرِفُونَ قَدَرِي ويَفْهَمُونَ خِطابِي لا مَن لا يَعْرِفُ مَكانَ خِطابِي ومُرادِي مِن كَلامِي ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى وحْيٍ خاصٍّ بِهِ ﷺ لا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولِذا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ المَحْجُوبِينَ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ بَلْ شاءَ سُبْحانَهُ إشْراكَهم لِأنَّهُ المَعْلُومُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أزَلًا دُونَ إيمانِهِمْ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ دُونَ ما لا يَعْلَمُهُ مِنَ النَّفْيِ الصِّرْفِ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بَلْ أرْشِدُوهم إلى الحَقِّ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِأنْ يَسُبُّوكم وأنْتُمْ أعْظَمُ مَظاهِرِهِ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ إذْ هو الَّذِي طَلَبُوهُ مِنّا بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ ومِن شَأْنِنا أنْ لا نَرُدَّ طالِبًا ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ أيْ أنَّهم طَلَبُوا خَوارِقَ العاداتِ وأعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ لِاحْتِجابِهِمْ بِالحِسِّ والمَحْسُوسِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَيَأْتِي بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِسَبْقِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ لِاقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حِينَ أعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ أوْ في الأزَلِ ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ الَّذِي هو لَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَدْرُونَ وجْهَ الرَّشادِ (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ) تَمَّ طَبْعُ الجُزْءِ السّابِعِ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنُ مِنهُ وأوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا﴾ الآيَةَ.

الأنعام 6:111

صفحة 2 ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ .. إلَخْ. مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوا وبَيانٍ لِكَذِبِهِمْ في إيمانِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ ولَوْ أنّا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ ها هُنا بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ بِأنْ أحْيَيْناهم وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ ﴿وحَشَرْنا﴾ أيْ جَمَعْنا وسَوَّقْنا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ أيْ مُقابَلَةً ومُعايَنَةً حَتّى يُواجِهُوهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ وعَنْهُ: يُقالُ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقُبْلًا وقِبَلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُواجَهَةُ ونَقَلَ الرّاغِبُ أنَّهُ جَمْعُ قابِلٍ بِمَعْنى مُقابِلٍ لِحَواسِّهِمْ وقِيلَ: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ وقَضِيبٍ وقُضُبٍ فَهو مِن قَوْلِكَ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ وتَقَبَّلْتُ بِهِ إذا تَكَفَّلْتَ بِهِ ومِنهُ القُبالَةُ لِكِتابِ العَهْدِ والصَّكُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالجَماعَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلَةٍ كَما قالَ الرّاغِبُ ونَقَلَ تَفْسِيرَهُ بِالكَفِيلِ وبِالجَماعَةِ وكَذا بِالمُعايَنَةِ والمُقابَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ أيْ لَوْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ تَتَأتّى مِنهُمُ الكَفالَةُ والشَّهادَةُ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ لا فُرادى بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ أوْ لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ جَماعاتٍ في مَوْقِفٍ واحِدٍ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ وانْتِصابُ ( قُبُلًا ) عَلى هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( كُلَّ ) وساغَ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِجَمْعِيَّتِهِ لِأنَّ كُلًّا يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ ومُراعاةُ لَفْظِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ إذْ قالَ تَرَكْنَ دُونَ تَرَكَتْ فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ لازِمَهِ وهو الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ: وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( قِبَلًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ ومُشاهَدَةٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وكَثِيرٌ وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ بِمَعْنى جِهَةٍ وناحِيَةٍ فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ كَذا وقُرِئَ قُبْلًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ و﴿ما كانُوا﴾ .. إلَخْ. جَوابُ لَوْ وهو إذا كانَ مَنفِيًّا لا تَدْخُلُهُ اللّامُ خِلافًا لِمَن وهِمَ فَقَدَّرَها وعَلَّلَ هَذا الحُكْمَ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ أزَلًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ حَسْبَما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعَلَّلَهُ البَعْضُ بِسَبْقِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الحَوادِثِ بِالتَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ ولا يَخْفى فَسادُهُ وعَلَّلَهُ بِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ وتَبَدُّلِ فِطْرَتِهِمُ القابِلَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وعَلَّلَهُ بِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في الطُّغْيانِ مُعْتَرِضًا عَلى ما ذَكَرَ بِأنَّهُ مِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّمادِي المَذْكُورِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ صفحة 3 قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ عَلى مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِيارِ العَبْدِ وإنْ قارَنَ الفِعْلَ عِنْدَهُ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ كَما يَتَوَهَّمُ عَلى ما حَقَّقَهُ أهْلُ الأُصُولِ ولا خَفاءَ في كَوْنِ القَضاءِ الأزَلِيِّ سَبَبًا لِوُقُوعِ الحَوادِثِ ولا فَسادَ فِيهِ وأمّا سُوءُ اخْتِيارِ العَبْدِ فَسَبَبٌ لِلْقَضاءِ الأزَلِيِّ وتَحْقِيقُهُ كَما قِيلَ إنَّ سُوءَ الِاخْتِيارِ وإنْ كانَ كافِيًا في عَدَمِ وُقُوعِ الإيمانِ لَكِنَّهُ لا قَطْعَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يُحْسِنَ الِاخْتِيارَ بِصَرْفِهِ إلى الإيمانِ بَدَلَ صَرْفِهِ إلى الكُفْرِ فَكانَ سُوءُ اخْتِيارِهِ فِيما لا يَزالُ سَبَبًا لِلْقَضاءِ بِكُفْرِهِ في الأزَلِ فَبَعْدَ القَضاءِ يَكُونُ الواقِعَ مِنهُ الكُفْرُ حَتْمًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ . انْتَهى. وأنا أقُولُ وإنْ أُنْكِرَ عَلى أرْبابِ الفُضُولِ: إنَّ المُعَلِّلَ بِسُوءِ الِاسْتِعْدادِ هو السّالِكُ مَسْلَكَ السَّدّادِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ وأهْلِ الكَشْفِ الكامِلِينَ أنَّ ماهِيّاتِ المُمَكِناتِ المَعْلُومَةِ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعْدُوَماتٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِها تَمْيِيزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِما حُقِّقَ مِن تَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ وإنَّما المَجْعُولُ صُوَرُها الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ وأنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ تَخْتَلِفُ اقْتِضاءاتُها فَمِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الإيمانِ والطّاعَةِ ومِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها مِنَ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو واخْتِلافُ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُمْكِنَيْنِ أعْنِي الإيمانَ والطّاعَةَ أوِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ حالَ عَدَمِهِ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنِ العالَمِينَ المُصَحِّحِ لِصَرْفِ اخْتِيارِ العَبْدِ إلى الطَّرْفِ الآخَرِ المُمْكِنِ بِالذّاتِ إنْ شاءَ فَيَصِيرُ مُرادُ العِبادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ومِن هَذا ظَهَرَ أنَّ اخْتِيارَهُمُ الأزَلِيَّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا وأنَّ اخْتِيارَهم فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِمْ لِما اخْتارُوهُ فَهم مَجْبُورُونَ فِيما لا يَزالُ في عَيْنِ اخْتِيارِهِمْ أيْ مُساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بِالإكْراهِ والجَبْرِ ومِنهُ يَتَّضِحُ مَعْنى قَوْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا ولَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا ولَمْ يُمَلِّكْ تَفْوِيضًا ولَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ والجَبْرِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِإيجادِ ما اخْتارُوهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ مُراعاةُ الحِكْمَةِ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ الأفْعالِ إلّا لِكَوْنِهِمُ اخْتارُوها أزَلًا بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ فاخْتارَ تَعالى مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا والعِبادُ كاسِبُونَ بِاللَّهِ تَعالى إذْ لا كَسْبَ إلّا بِقُوَّةٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ واللَّهُ تَعالى خالِقٌ أعْمالَهم بِهِمْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ بِأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَهم مَعَ نِسْبَةِ العَمَلِ إلَيْهِمُ المُتَبادَرِ مِنها صُدُورُها مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَخْلُوقَ لِلَّهِ تَعالى بِالعَبْدِ عَيْنُ مَكْسُوبِ العَبْدِ بِاللَّهِ تَعالى ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الأعْمالِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِها مَكْسُوبَةً لَهم بِقَدْرِهِمْ واخْتِيارِهِمْ وما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ أصْلًا وإنَّما هي مُقارَنَةٌ لِلْفِعْلِ وهو بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ وقُدْرَةُ العَبْدِ عِنْدَهم مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ ولا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ كَما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ ولا هي مَنفِيَّةٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ وهَذا بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ في أوائِلِ التَّفْسِيرِ ولَيْسَ صفحة 4 غَرَضُنا هُنا سِوى تَحْقِيقِ أنَّ عَدَمَ إيمانِ الكُفّارِ إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ المَتْبُوعِ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ لِيُعْلَمَ مِنهُ ما في كَلامِ الشِّهابِ وغَيْرِهِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى عِنْدَ مَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ فَإنْ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ شامِلَةٌ لِحالِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِمْ فَهو مُتَّصِلٌ وإنْ لَمْ يُلاحَظْ لِأنَّ حالَ المَشِيئَةِ لَيْسَ مِن أحْوالِهِمْ كانَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آمَنُوا واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأزْمانِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ أيْ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم والمُرادُ بَيانُ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ (111) اسْتِثْناءٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لِلْمُقْسِمِينَ والمَعْنى أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم حِينَئِذٍ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما يَكادُ يُوجَدُ أصْلًا فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ .. إلَخْ. عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعَلى الثّانِي بَيانٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ وكَذا عَلى قِراءَةِ ( وما يُشْعِرُهُمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُومَنُونَ ) واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَشاءُ مِنَ الكافِرِ كُفْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم دَلَّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما شاءَ إيمانَهم بَلْ كُفْرَهم. وأجابَ عَنْهُ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإكْراهٍ وعَدَمُ إيمانِهِمْ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ القَسْرِيَّةِ وهي لا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ مُطْلَقًا واسْتَدَلَّ بِها الجُبّائِيُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ قِدَمُ ما دَلَّ الحِسُّ عَلى حُدُوثِهِ وأهْلُ السُّنَّةِ تَفَصَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِدَعْوى أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ:

الأنعام 6:112

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ وما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ و﴿عَدُوًّا﴾ بِمَعْنى أعْداءٍ كَما في قَوْلِهِ: إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهم بُغْضِي أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ في حَقِّكَ حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ أعْداءً أيْضًا دُونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويَجْهَدُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ فَعَلُوا مَعَهم نَحْوَ ما فَعَلَ مَعَكَ أعْداؤُكَ لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ. وجَعَلَهُ الإمامُ عَلِيٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ولَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادَ مِنهُ العَطْفُ الِاصْطِلاحِيُّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا وفِيهِ بُعْدٌ. وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وحَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ بِها وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأعْدائِهِمْ صفحة 5 لَمْ نَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِامْتِحانِ الَّذِي هو سَبَبُ ظُهُورِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ والأجْرِ خِلافَ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّ هَذا الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ أرْسَلَ سُبْحانَهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وخَصَّهم بِالمُعْجِزاتِ فَحَسَدَهم مَن حَسَدَهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ المُتَنَبِّي: فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم حَسَدا . وقِيلَ: المُرادُ كَما أمَرْناكَ بِعَداوَةِ قَوْمِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَذَلِكَ أمَرْنا مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ بِمُعاداةِ نَحْوِ أُولَئِكَ أوْ كَما أخْبَرْناكَ بِعَداوَةِ المُشْرِكِينَ وحَكَمْنا بِذَلِكَ أخْبَرْنا الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ أعْدائِهِمْ وحَكَمْنا بِذَلِكَ والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وهَكَذا غالِبُ تَأْوِيلاتِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أيْ مَرَدَةُ النَّوْعَيْنِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى مِنِ البَيانِيَّةِ وقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ أيِ الشَّياطِينُ لِلْإنْسِ والجِنِّ وفي تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنهم إلى الإنْسِ وفَرِيقًا آخَرَ إلى الجِنِّ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الجِنَّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا بِشَياطِينِ الشَّياطِينِ وُلِدَ إبِلِيسُ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَهُ والجِنُّ يَمُوتُونَ ومِنهُمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ وهو نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿عَدُوًّا﴾ والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوْ إلى اثْنَيْنِ وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿عَدُوًّا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِنَكارَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وأنْ يَكُونَ نُصِبَ ﴿شَياطِينَ﴾ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ أوْ حالٌ مِن شَياطِينَ أوْ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في البَيْتِ السّابِقِ وأصْلُ الوَحْيِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإشارَةُ السَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ السُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ التَّرْكِيبِ وبِإشارَةِ بَعْضِ الجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ أيْضًا والمَعْنى هُنا يُلْقِي ويُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى الآخَرِ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيِ المُزَوَّقُ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ مِنهُ وأصْلُ الزُّخْرُفِ الزِّينَةُ المُزَوَّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ وقالَ بَعْضُهم: أصْلُ مَعْنى الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ ولَمّا كانَ حَسَنًا في الأعْيُنِ قِيلَ لِكُلِّ زِينَةٍ زَخْرَفَةٌ وقَدْ يُخَصُّ بِالباطِلِ ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِيُغْرُوهم أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يُوحِي﴾ أيْ يَغُرُّونَ غُرُورًا وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الغُرُورَ بِالخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ونَسَبَ الرّاغِبُ أنَّهُ قالَ: يُقالُ غَرَّهُ غُرُورًا كَأنَّما طَواهُ عَلى غِرَّةٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وهو طَيُّهُ الأوَّلُ. ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ رُجُوعٌ كَما قِيلَ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُعْرِبَةُ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿فَعَلُوهُ﴾ عائِدٌ إلى عَداوَتِهِمْ لَهُ ﷺ وإيحاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزْخَرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ صفحة 6 الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاعْتِبارِ انْفِهامِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ وأمْرُ الأفْرادِ سَهْلٌ وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مُعاداةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في أمْرِهِ ﷺ وأُمُورِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ (112) كالصَّرِيحِ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ وفي أخْذِ ذَلِكَ عامًّا أوْ خاصًّا احْتِمالانِ لا يَخْفى الأوْلى مِنهُما ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ عَدَمُ ما ذُكِرَ ولا إشْكالَ في جَعْلِ العَدَمِ الخاصِّ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم إيمانَهم. واعْتُرِضَ بِأنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا يَكُونُ مَضْمُونَ الجَزاءِ كَما في عِلْمِ المَعانِي وهو هُنا ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ها هُنا ذَكَرَ المَشِيئَةَ فِيما تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وهو الإيمانُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ثُمَّ ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ مَضْمُونِ الجَزاءِ وأنْ يُقَدَّرُ ما عُلِّقَ بِهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ سابِقًا ولا بَأْسَ بِمُراعاةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ والمَذْكُورُ في المَعانِي إنَّما هو فِيما لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ ولَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ غَيْرَ الجَزاءِ فَلْيُعْرَفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ بَدِيعٌ والأوْلى عِنْدِي اعْتِبارُ مَضْمُونِ الجَزاءِ مُطْلَقًا وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وفِيما يَأْتِي ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ فَغايَرَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في المَحَلَّيْنِ لِما ذَكَرَ بَعْضُهم وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن عَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لَوْ شاءَ مَنعَهم عَنْها فَلا يَصِلُونَ إلى المَضَرَّةِ أصْلًا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُرَبِّيهِ ﷺ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وإنَّما لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لِأمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَذَكَرَ قَبْلَها إشْراكَهم فَناسَبَ ذِكْرُهُ عَزَّ اسْمُهُ بِعُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِراكِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ها هُنا: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَةِ رَبِّكَ جَلَّ شَأْنُهُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وظِلِّ تَرْبِيَتِهِ فاتْرُكْهم وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.

الأنعام 6:113

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ أوْ لِلْغُرُورِ أوْ لِلْعَداوَةِ لِأنَّها بِمَعْنى العادِي والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿غُرُورًا﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ فَيَكُونُ عِلَّةً أُخْرى لِلْإيحاءِ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُورُ عَلَيْهِ المَقامُ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا وأصْلُ الصَّغْوِ كَما قالَ الرّاغِبُ المَيْلُ يُقالُ: صَغَتِ الشَّمْسُ والنُّجُومُ صَغْوًا مالَتْ لِلْغُرُوبِ وصُغْتُ الإناءَ وأصْغَيْتُهُ وأصْغَيْتُ إلى فُلانٍ مِلْتُ بِسَمْعِي نَحْوَهُ وحَكى صَغَوْتُ إلَيْهِ أصْغُو وأُصْغِي صَغْوًا وصَغْيًا وقِيلَ: صَغَيْتُ أُصْغِي وأصْغَيْتُ أُصْغِي وفي القامُوسِ صَغا يَصْغُو ويُصْغِي صَغْوًا وصَغًى يُصْغِي صَغًا وصَغْيًا مالَ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا جاءَ واوِيًّا ويائِيًّا فَقِيلَ: يَصْغُو ويُصْغِي ويُقالُ: في مَصْدَرِهِ صَغْيًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وزادَ الفَرّاءُ صَغِيًّا وصَغُوًّا بِالياءِ والواوِ مُشَدَّدَتَيْنِ ويُقالُ: أنْ أُصْغِيَ مِثْلُهُ. والمُرادُ هُنا ولِتَمِيلَ إلَيْهِ ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ عَلى الوَجْهِ الواجِبِ وخَصَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِها دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ إشْعارًا صفحة 7 بِما هو المُدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ وآلامِها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ فالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا وإنَّما يَنْظُرُونَ ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزْخَرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في وجْهٍ وأجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لَمّا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ واعْتُرِضَ بِأنَّ النُّونَ ولامَ القَسَمِ باقِيَةٌ عَلى فَتْحَتِها كَقَوْلِهِ. لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِي واسِعُ بِفَتْحِ لامِ لَيَعْلَمُ نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ كَسْرُ لامِ جَوابِ القَسَمِ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ كَقَوْلِهِ: لِتُغْنِي عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا وهُوَ غَيْرُ مُجَمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ أُناسًا أنْكَرُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا اللّامَ في البَيْتِ لِلتَّعْلِيلِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَتَشْرَبَنَّ لِتُغْنِيَ عَنِّي واسْتَشْهَدَ الأخْفَشُ بِالبَيْتِ عَلى إجابَةِ القَسَمِ بِلامِ كَيْ. وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في جَوابِ القَسَمِ الِاكْتِفاءُ بِلامِ الجَوابِ عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ إلّا في الضَّرُورَةِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ اللّامَ هُنا لامُ الأمْرِ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ أوِ التَّخْلِيَةُ واسْتِعْمالُ الأمْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ. واعْتُرِضَ بِأنَّها لَوْ كانَتْ لامَ الأمْرِ لَحُذِفَ حَرْفُ العِلَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ حَرْفَ العِلَّةِ قَدْ يَثْبُتُ في مِثْلِهِ كَما خُرِّجَ عَلَيْهِ قِراءَةُ ( أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا نَرْتَعِي ونَلْعَبُ ) ( وأنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ ) فَلْيَكُنْ هَذا كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُ أنَّها لامُ الأمْرِ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ اللّامِ في هَذا وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدَهُ فَدَعْوى أنَّ ضَعْفَ كَوْنِها لِلْأمْرِ أظْهَرَ مِن ضَعْفِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِإسْنادِ الصَّغْوِ إلى الأفْئِدَةِ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فالحَيُّ عِنْدَهم هو الجُزْءُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحَياةُ والعالَمُ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَ بِهِ العِلْمُ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَيُّ والعالَمُ هو الجُمْلَةُ لا ذَلِكَ الجُزْءُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ القَرْفِ والِاقْتِرافِ قَشْرُ اللِّحاءِ عَنِ الشَّجَرَةِ والجُلَيْدَةُ عَنِ الجُرْحِ وما يُؤْخَذُ مِنهُ قَرْفٌ واسْتُعِيرَ الِاقْتِرافُ لِلِاكْتِسابِ حُسْنى أوْ سُوآى وفي الإساءَةِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا ولِهَذا يُقالُ الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ ويُقالُ: قَرَفْتُ فُلانًا بِكَذا إذا عِبْتُهُ بِهِ واتَّهَمْتُهُ وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ ما هُنا وفِيهِ بُعْدٌ ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ولْيَخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ (113) أيِ الَّذِي هم مُقْتَرِفُوهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.

الأنعام 6:114

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ: أأُمِيلُ إلى زَخارِفِ الشَّياطِينِ أوْ أعْدِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَأطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا عَنِ المُبْطِلِ وقِيلَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: صفحة 8 اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ أوْ مِن أساقِفَةِ النَّصارى لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ فَنَزَلَتْ وإسْنادُ الِابْتِغاءِ المُنْكَرِ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ لا إلى المُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ مَعَ أنَّهُمُ الباغُونَ لِإظْهارِ كَمالِ النَّصَفَةِ أوْ لِمُراعاةِ قَوْلِهِمُ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا و( غَيْرَ ) مَفْعُولُ ﴿أبْتَغِي﴾ و( حَكَمًا ) حالٌ مِنهُ وقِيلَ: تَمْيِيزٌ لِما في ( غَيْرَ ) مِنَ الإبْهامِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا إبِلًا غَيْرَها وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ وأُولى المَفْعُولِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما هو في ابْتِغاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَكَمًا لا في مُطْلَقِ الِابْتِغاءِ فَكانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ وأهَمَّ وقِيلَ: تَقْدِيمُهُ لِلتَّخْصِيصِ وحُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ تَخْصِيصُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّخْصِيصِ وقِيلَ في تَقْدِيمِهِ إيماءٌ إلى وُجُوبِ تَخْصِيصِهِ تَعالى بِالِابْتِغاءِ والرِّضى بِكَوْنِهِ حَكَمًا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَيْرَ ) حالًا مِن ( حَكَمًا ) وحَكَمًا مَفْعُولَ ﴿أبْتَغِي﴾ والتَّقْدِيمُ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والحَكَمُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما قالَ الرّاغِبُ وصَرَّحَ هو وغَيْرُهُ بِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لا مُساوٍ لَهُ كَما نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وعَلَّلَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ ثُبُوتَ مَعْناها ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العادِلُ أوْ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ. ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ خاصَّةً مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَهامِّ إظْهارُ تَساوِي نِسْبَتِهِ إلى المُتَحاكِمِينَ لِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ المُنَزَّلِ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِ حُكْمِهِ بِإيهامِ قُوَّةِ نَسَبْتِهِ إلَيْهِمْ وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِصَدْرِيَّةِ الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وإنْ عُبِّرَ بِما عُبِدَ إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أغَيْرَهُ تَعالى أبْتَغِي حَكَمًا والحالُ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَدْرُونَ القُرْآنَ النّاطِقَ بِالحَقِّ والصَّوابِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخُصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ. ﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ والحَلالُ والحَرامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في أمْرِ الدِّينِ شَيْءٌ مِنَ التَّخْلِيطِ والإبْهامِ فَأيُّ حاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الحُكْمِ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ وأمّا أنْ يَكُونَ لِإعْجازِهِ دَخَلَ في ذَلِكَ كَما قِيلَ فَلا. . انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ مُلاحَظَةَ الإعْجازِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الآيَةِ مُرْتَبِطَةً مَعْنًى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ وبَيانُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكَفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أتَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها أجابَ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ تِلْكَ الآياتِ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَها لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ حَصَلَ وكَمُلَ فَكانَ ما يَطْلُبُونَهُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى حُصُولِ الدَّلِيلِ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ إلَيْهِ الكِتابَ المُفَصَّلَ المُبَيَّنَ المُشْتَمِلَ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَصاحَةِ الكامِلَةِ وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَيَكُونُ ظُهُورُ هَذا المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَعْنى الآيَةِ قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّكم تَتَحَكَّمُونَ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يُطْلَبَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ حَكَمًا فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ثُمَّ قُلْ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي حَيْثُ خَصَّنِي بِمِثْلِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ الكامِلِ البالِغِ إلى حَدِّ الإعْجازِ الثّانِي اشْتِمالُهُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ ﷺ رَسُولٌ حَقٌّ وعَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَعْدُ. . انْتَهى. ووَجَّهَ بَعْضُهم صفحة 9 مَدْخَلِيَّةَ الإعْجازِ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ الإلْزامُ إلّا بِالعِلْمِ يَكُونُ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو يَتَوَقَّفُ عَلى الإعْجازِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنى عَنْ آيَةٍ أُخْرى دالَّةٍ عَلى صِدْقِ دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ قالَ: إنَّ في دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً إلّا أنْ يُقالَ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الحالِيَّةُ تُفِيدُهُ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ وتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ أوْ يُجْعَلُ الكِتابُ بِمَعْنى المَعْهُودِ إعْجازُهُ وذَكَرَ أنَّ هَذا مِن عَدَمِ تَدَبُّرِ الآيَةِ إذِ المَعْنى لا أبْتَغِي حَكَمًا في شَأْنِي وشَأْنِ غَيْرِي إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ لِذَلِكَ وهو إنَّما يَحْكُمُ لَهُ ﷺ بِصِدْقِ مُدَّعاهُ بِالإعْجازِ فَإنَّهم لَمّا طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأقْسَمُوا إنْ جاءَتْهم آيَةٌ آمَنُوا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ وأمَرَهُ أنْ يُوَبِّخَهم ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ .. إلَخْ. أيْ أأزِيغُ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ فَأخَصُّ غَيْرَهُ بِالحُكْمِ وهو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ الَّذِي أفْحَمَكُمَ وألْزَمَكُمُ الحُجَّةَ فَكَفى بِهِ سُبْحانَهُ حاكِمًا بَيْنِي وبَيْنَكم بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما الَّذِي أعْجَزَكم عَنْ آخِرِكم ويُؤَوَّلُ هَذا إلى أنَّهُ ﷺ أجابَهم بِالقَوْلِ بِالمُوجَبِ لِأنَّهم طَعَنُوا في مُعْجِزاتِهِ فَكَبَتَهم عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وضَمَّ إلَيْهِ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ وعَلى هَذا فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ مُغْنِيًا عَمّا عَداهُ في شَأْنِهِ وشَأْنِ غَيْرِهِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهَذا لَهُ نَوْعُ قُرْبٍ مِمّا ذَكَرَهُ الإمامُ وما أشارَ إلَيْهِ مِنَ ارْتِباطِ الآيَةِ مَعْنًى بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ .. إلَخْ. لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ دَعْوى خَفاءِ دَلالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الإعْجازِ مِمّا لا خَفاءَ في صِحَّتِها عِنْدِي ولَمْ يَظْهَرْ مِمّا ذَكَرَ ما يُزِيلُ ذَلِكَ الخَفاءَ وكَوْنُ سَوْقِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى مُلاحَظَةِ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ المَأْخَذِ الَّذِي سَمِعْتُهُ فَتَدَبَّرْ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ أيْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما أنْزَلَ فِيهِ مُفَصَّلًا حَيْثُ أخْبَرَكم بِنُبُوَّتِي وفَصَّلَ فِيهِ عَلاماتِي وهو كَما تَرى والحَقُّ ما تَقَدَّمَ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُقَدَّرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ الكِتابِ الَّذِي نِيطَ بِإنْزالِهِ أمْرُ الحُكَمِيَّةِ وتَقْرِيرُ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ كَما يَلُوحُ مِن كَلامِ الإمامِ والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَهُما وبَيْنَ القُرْآنِ مِنَ المُجانَسَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِراكِ في الحَقِّيَّةِ والنُّزُولِ مِن عِنْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى وإمّا الفَرِيقانِ مُطْلَقًا والعُلَماءُ داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والإيتاءُ عَلى الأوَّلِ التَّفْهِيمُ بِالفِعْلِ وعَلى الثّانِي أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّفْهِيمِ بِالقُوَّةِ وإيرادُ الطّائِفَتَيْنِ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلِمُوا ما عَلِمُوا مِن جِهَةِ كِتابِهِمْ وقِيلَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وعَنْ عَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ وبِالمَوْصُولِ كُبَراءُ الصَّحابَةِ وأهْلُ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الثُّرَيّا والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ نُزُولَهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿مُنَزَّلٌ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ﴿مُنَزَّلٌ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وقَرَأ غالِبُ السَّبْعَةِ ( مُنْزَلٌ ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإنْزالِ والفَرْقُ بَيْنَ أنْزَلَ ونَزَّلَ قَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ وأنَّ الأوَّلَ دَفْعِيٌّ والثّانِي تَدْرِيجِيٌّ وأنَّهُ صفحة 10 أكْثَرِيٌّ والقِراءَةُ بِهِما تَدُلُّ عَلى قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الفَرْقِ ولَيْسَ إشارَةً إلى المَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ثُمَّ إنْزالِهِ إلى الأرْضِ لِأنَّ إنْزالَهُ دَفْعَةً إلى السَّماءِ عَلى ما قِيلَ لا يَعْلَمُهُ أهْلُ الكِتابِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ (114) أيِ المُتَرَدِّدِينَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِما لا يُشاهِدُ مِنهم آثارَ العِلْمِ وأحْكامَ المَعْرِفَةِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الأخْبارِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ لَهُ ﷺ عَنِ الِامْتِراءِ في ذَلِكَ بَلْ تَبْهِيجُهُ وتَحْرِيضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الحَقِيقَةِ لِلْأُمَّةِ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ وإنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صُورَةٌ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِراءُ بِناءً عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ أصْلَ الخِطابِ أنْ يَكُونَ مَعَ مُعَيَّنٍ وقَدْ يُتْرَكُ لِغَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ والفاءُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى نَفْسِ عِلْمِهِمْ بِحالِ القُرْآنِ

الأنعام 6:115

﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَمالِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذاتِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ مِن حَيْثُ إضافَتِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحَقِّ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِهِ وتَمامُ الشَّيْءِ كَما قالَ الرّاغِبُ انْتِهاؤُهُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ الكَلامُ وأُرِيدَ بِهِ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ القُرْآنُ وإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ وعَلاقَتُها تَأْبى أنْ تُطْلَقَ الكَلِمَةُ عَلى الجُمْلَةِ غَيْرِ المُفِيدَةِ وعَلاقَتُهُ لا لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِهِمْ ذَلِكَ الإطْلاقُ واخْتِيرَ هَذا التَّعْبِيرُ لِما فِيهِ مِنَ اللَّطافَةِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ وقالَ البَعْضُ لَمّا أنَّ الكَلِمَةَ هي الأصْلُ في الِاتِّصافِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ وبِها تَظْهَرُ الآثارُ مِنَ الحُكْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالكَلِمَةِ دِينُ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . وقِيلَ: المُرادُ بِها حُجَّتُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى خَلْقِهِ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وقَرَأ بِالتَّوْحِيدِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ وقَرَأ الباقُونَ ( كَلِماتُ رَبِّكَ ): ﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ مَصْدَرانِ نُصِبا عَلى الحالِ مِن ( رَبِّكَ ) أوْ مِن ( كَلِمَةُ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى التَّمْيِيزِ وعَلى العِلَّةِ والصِّدْقِ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ مِنها في المَشْهُورِ والعَدْلِ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها إثْرَ بَيانِ فَضْلِها في نَفْسِها وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ كَلِمَتِهِ وكانَ التَّمامُ يَعْقُبُهُ النَّقْصُ غالِبًا كَما قِيلَ. إذا تَمَّ أمْرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ احْتِراسًا وبَيانًا لِأنَّ تَمامَها لَيْسَ كَتَمامِ غَيْرِها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَمُتْ﴾ عَلى أنَّ الظّاهِرَ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَبِّكَ لِئَلّا يُفْصَلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها بِأجْنَبِيٍّ وهو ﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ إلّا أنْ يُجْعَلا حالَيْنِ مِنهُ أيْضًا والمَعْنى لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن كَلِماتِهِ بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ مِنهُ ولا بِما هو مِثْلُهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ابْتِغاءُ حُكْمِ غَيْرِهِ تَعالى والمُرادُ بِالأصْدَقِ الأبْيَنُ والأظْهَرُ صِدْقًا فَلا يَرِدُ أنَّ الصِّدْقَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ لِأنَّ النِّسْبَةَ إنْ طابَقَتِ الواقِعَ فَصِدْقٌ وإلّا فَكَذِبٌ. وذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في حَدِيثِ «( أصْدَقِ الحَدِيثِ )» .. إلَخْ. أنَّهُ جَعَلَ الحَدِيثَ كَمُتَكَلِّمٍ فَوَصَفَ بِهِ كَما يُقالُ زَيْدٌ أصْدَقُ مِن غَيْرِهِ والمُتَكَلِّمُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في ذَلِكَ وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَحْرِفَها شائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ هَذا ضَمانًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أوْ لا نَبِيَّ صفحة 11 ولا كِتابَ بَعْدَها يُبَدِّلُها ويَنْسَخُ أحْكامَها وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْمَلُ بَعْدَ النُّزُولِ بِها لا يَنْسَخُ شَيْئًا كَما حُقِّقَ في مَحَلِّهِ. وقِيلَ: المُرادُ إنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى لا تَقْبَلُ التَّبَدُّلَ والزَّوالَ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ والأزَلِيُّ لا يَزُولُ وزَعَمَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا أحَدُ الأُصُولِ القَوِيَّةِ في إثْباتِ الجَبْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى زَيْدٍ بِالسَّعادَةِ وعَلى عَمْرٍو بِالشَّقاوَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ يَلْزَمُ امْتِناعُ أنْ يَنْقَلِبَ السَّعِيدُ شَقِيًّا والشَّقِيُّ سَعِيدًا فالسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وأنا أقُولُ لا يَخْفى أنَّ الشَّقِيَّ في العِلْمِ لا يَكُونُ سَعِيدًا والسَّعِيدَ فِيهِ لا يَكُونُ شَقِيًّا أصْلًا لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِما المَعْلُومُ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ تابِعٌ لِذَلِكَ العِلْمِ وكَذا إيجادُهُ الأشْياءَ عَلى طِبْقِ ذَلِكَ العِلْمِ ولا يُتَصَوَّرُ هُناكَ جَبْرٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ لَمْ يُفِضْ عَلى القَوابِلِ إلّا ما طَلَبَتْهُ مِنهُ جَلَّ وعَلا بِلِسانِ اسْتِعْدادِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ نَعَمْ يُتَصَوَّرُ الجَبْرُ لَوْ طَلَبَتِ القَوابِلُ شَيْئًا وأفاضَ عَلَيْها عَزَّ شَأْنُهُ ضِدَّهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ أجَلُّ وأعْلى مِن ذَلِكَ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّمِيعُ ﴿العَلِيمُ﴾ (115) بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُ المُتَحاكِمِينَ وأحْوالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلى ما ذَكَرَ الإمامُ لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ وبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ أرْشَدَ إلى أنَّهُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

الأنعام 6:116

﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّهُ لَمّا تَحَقَّقَ اخْتِصاصُهُ تَعالى بِالحُكْمِيَّةِ لِاسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن إنْزالِ الكِتابِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وتَمامِ صِدْقِ كَلامِهِ وكَمالِ عَدْلِهِ في أحْكامِهِ وامْتِناعِ وُجُودِ مَن يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها واسْتِبْدادِهِ سُبْحانَهُ بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوَماتِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الكَفَرَةَ مُتَّصِفُونَ بِنَقائِصِ تِلْكَ الكِمالاتِ مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي هي الضَّلالُ والإضْلالُ واتِّباعُ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ النّاشِئُ مِنَ الجَهْلِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبانَةَ الكَلامِ مُبايَنَةَ حالِهِمْ لِما يَرْمُونَهُ وتَحْذِيرًا عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآرائِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ ما قالَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الإرْشادِ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والتَّمَسُّكِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ كَمالِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ خِطابٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: خُوطِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُرِيدَ غَيْرُهُ والمُرادُ بِمَن في الأرْضِ النّاسُ وبِأكْثَرِهِمُ الكُفّارُ وقِيلَ: ما يَعُمُّهم وغَيْرُهم مِنَ الجُهّالِ واتِّباعِ الهَوى وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ والأرْضُ أرْضُها وأكْثَرُ أهْلِها كانُوا حِينَئِذٍ كُفّارًا. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ هَذا نَهْيٌ في المَعْنى عَنْ مُتابَعَةِ غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ هم والكِرامُ قَلِيلٌ أقَلَّ النّاسِ عَدَدًا وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ احْتِمالُ أنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُتابَعَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لَوْ أُطِيعَ أكْثَرُ مَن في الأرْضِ لَأضَلُّوا فَضْلًا عَنْ إطاعَةِ قَلِيلٍ أوْ واحِدٍ مِنهم والمَعْنى إنْ تُطِعْ أحَدًا مِنَ الكَفّارِ بِمُخالَفَةِ ما شَرَعَ لَكَ وأوْدَعَهُ كَلِماتِهِ المُنَزَّلَةَ مِن عِنْدِهِ إلَيْكَ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ أوْ إنْ تُطِعِ الكَفّارَ بِأنْ جَعَلْتَ مِنهم حَكَمًا يُضِلُّوكَ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ أوْ عَنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ وإنَّ الظَّنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعالى لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ولا يَكْفِي هُناكَ إلّا العِلْمُ وأنّى لَهم بِهِ وهَذا بِخِلافِ سائِرِ الأحْكامِ وأسْبابِها مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيها العِلْمُ وإلّا لَفاتَ مُعْظَمُ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ والفَرْقُ بَيْنَهُما عَلى ما قالَهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في صفحة 12 قَواعِدِهِ الكُبْرى أنَّ الظّانَّ مُجَوِّزٌ لِخِلافِ مَظْنُونِهِ فَإذا ظَنَّ صِفَةً مِن صِفاتِ الإلَهِ عَزَّ شَأْنُهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ نَقِيضُها وهو نَقْصٌ ولا يَجُوزُ النَّقْصُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِخِلافِ الأحْكامِ فَإنَّهُ لَوْ ظَنَّ الحَلالَ حَرامًا أوِ الحَرامَ حَلالًا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَجْوِيزُ نَقْصٍ عَلى الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ أحَلَّ الحَرامَ وحَرَّمَ الحَلالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَدارَ تَجْوِيزُهُ بَيْنَ أمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما كَمالٌ بِخِلافِ الصِّفاتِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ ما يَتَّبِعُونَ إلّا ظَنَّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ وجَهالَتَهم وآراءَهُمُ الباطِلَةَ ويُرادُ مِنَ الظَّنِّ ما يُقابِلُ العِلْمَ أيِ الجَهْلُ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ جَوازِ العَمَلِ بِالظَّنِّ مُطْلَقًا فَلا مُتَمَسَّكَ لِنُفاةِ القِياسِ بِها والإمامُ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ وجْهَ اسْتِدْلالِهِمْ قالَ: والجَوابُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ وهو مِثْلُ ظَنِّ الكَفّارِ أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلَيْها فَلا يُسَمّى ظَنًّا وهو كَما تَرى ﴿وإنْ هُمْ﴾ أيْ وما هم ﴿إلا يَخْرُصُونَ﴾ (116) أيْ يَكْذِبُونَ وأصْلُ الخَرْصِ القَوْلُ بِالظَّنِّ وقَوْلُ مَن لا يَسْتَيْقِنُ ويَتَحَقَّقُ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ ومِنهُ خَرْصُ النَّخْلِ بِفَتْحِ الخاءِ وهي خِرْصٌ بِالكَسْرِ أيْ مَخْرُوصَةٌ والمُرادُ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ الكَذِبُ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَجَدُّدِهِ مِنهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ في شَأْنِ خالِقِهِمْ عَزَّ شَأْنُهُ. وقالَ الإمامُ: المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُنازِعُونَكَ في دِينِكَ ومَذْهَبِكَ غَيْرُ قاطِعِينَ بِصِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ بَلْ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وهم خَرّاصُونَ كاذِبُونَ في ادِّعاءِ القَطْعِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَقْيِيدِ الكَذِبِ بِادِّعاءِ القَطْعِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ أنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَنْسِبُونَ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ كاتِّخاذِ الوَلَدِ وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ ذَرِيعَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والبَحائِرِ ونَظِيرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوْلى وأبْلَغُ في الذَّمِّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَتَّبِعُونَ في أُمُورِ دِينِهِمْ ظَنَّ أسْلافِهِمْ وأنَّ شَأْنَهم أنْفُسَهُمُ الظَّنُّ أيْضًا وحاصِلُ ذَلِكَ ذَمُّهم بِفَسادِهِمْ وفَسادِ أُصُولِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ بِعِيدٌ جَدًّا.

الأنعام 6:117

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ (117) تَقْرِيرٌ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وما بَعْدَها وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ أيْ هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ. ( ومَن ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( أعْلَمُ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ أيْ يَعْلَمُ لا بِهِ فَإنَّ أفْعَلَ لا يَنْصِبُ الظّاهِرَ فِيما إذا أُرِيدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ لا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ وإذا جُرِّدَ لِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَمِنهم مَن جَوَّزَ نَصْبَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ وحِينَئِذٍ يُؤْتى بِمَفْعُولِهِ مَجْرُورًا بِالباءِ أوِ اللّامِ ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ الباءَ هُنا مُقَدَّرَةٌ لِيَتَطابَقَ طَرَفا الآيَةِ ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ مُضافًا إلى مَن لِفَسادِ المَعْنى. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً والخَبَرُ ( يَضِلُّ ) والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ المُقَدَّرُ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ. ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ في جانِبِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِما عَبَّرَ بِهِ وفي جانِبِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالمُهْتَدِينَ مَعَ عَدَمِ بَيانِ ما اهْتَدَوْا إلَيْهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الآخَرِينَ ومَزِيدِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوَّلِينَ وقُرِئَ ( مَن يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ عَلى أنَّ ( مَن ) مَفْعُولٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلَ ( يُضِلُّ ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ ومَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ مَن يُضِلُّ النّاسَ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَةِ الكَفَرَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ أيْ أعْلَمُ المُضِلِّينَ صفحة 13 مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أوْ مِن قَوْلِكَ: أضْلَلْتُهُ إذا وجَدْتُهُ ضالًّا كَأحْمَدْتُهُ إذا وجَدَتُهُ مَحْمُودًا وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ أيْضًا وأنْ يَكُونَ فاعِلُ ( يَضِلُّ ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى ومَن مَنصُوبَةً بِما ذُكِرَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ يَعْلَمُ مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ تَعالى قِيلَ: وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: بِالمَهْدِيِّينَ وكَأنَّ وجْهَ العُدُولِ عَنْهُ الإشارَةُ إلى أنَّ الهِدايَةَ صِفَةٌ سابِقَةٌ ثابِتَةٌ لَهم في أنْفُسِهِمْ كَأنَّها غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى جَعْلٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»: بِخِلافِ الضَّلالِ فَإنَّهُ أمْرٌ طارَ أوْجَدَهُ فِيهِمْ فَتَأمَّلْ. والتَّفْضِيلُ في العِلْمِ إمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْلُوَماتِ فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ أوْ إلى وُجُوهِ العِلْمِ الَّتِي يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِها وإمّا بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ وهي لُزُومُ العِلْمِ لَهُ سُبْحانَهُ أوْ كَوْنُهُ بِالذّاتِ لا بِالغَيْرِ.

الأنعام 6:118

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى قَتَلَها قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ وما قَتَلَ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ وما قَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى حَرامٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المَجُوسَ مِن أهْلِ فارِسَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ المَيْتَةِ كَتَبُوا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وكانَتْ بَيْنَهم مُكاتَبَةٌ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ وما ذَبَحَ اللَّهُ تَعالى فَهو حَرامٌ فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: أنَأْكَلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» والمَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ خاصَّةً أوْ مَعَ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ والحَصْرُ كَما قِيلَ مُسْتَفادٌ مِن عَدَمِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ ومِنَ الشَّرْطِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ هَذا الكَلامُ مُتَعَرِّضًا لِما لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ساكِتًا عَمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا حَصْرَ واسْتِفادَةُ عَدَمِ حِلِّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِن صَرِيحِ النَّظْمِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ .. إلَخْ. وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الوارِدَةُ في هَذا الشَّأْنِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ (118) فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَ وقِيلَ: المَعْنى إنْ صِرْتُمْ عالِمِينَ حَقائِقَ الأُمُورِ الَّتِي هَذا الأمْرُ مِن جُمْلَتِها بِسَبَبِ إيمانِكم وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ وعَلى يَقِينٍ مِنهُ فَإنَّ التَّصْدِيقَ يَخْتَلِفُ ظَنًّا وتَقْلِيدًا وتَحْقِيقًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ

الأنعام 6:119

﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَما لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولَيْسَتْ نافِيَةً كَما قِيلَ وهي مُبْتَدَأٌ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ وأنْ تَأْكُلُوا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أنْ تَأْكُلُوا والخِلافُ في مَحَلِّ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَشْهُورٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالًا ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يَقَعُ حالًا كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ ولِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِعَلامَةِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِيَةِ لِلْحالِيَّةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِنَكِرَةٍ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ صفحة 14 ذَوى أنْ لا تَأْكُلُوا ومَفْعُولُ تَأْكُلُوا كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مَحْذُوفٌ أيْ شَيْئًا مِمّا .. إلَخْ. قِيلَ: وظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وغَيْرُهُ مَعًا ولَيْسَتْ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةَ لِإخْراجِهِ بَلْ لِإخْراجِ ما لَمْ يُؤْكَلْ كالرَّوْثِ والدَّمِ وهو خارِجٌ بِالحَصْرِ السّابِقِ فَلا تَغْفُلْ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا فَنَزَلَتْ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ عَلى الحِلِّ وقِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ كَما عَلِمْتَ فَلا يَتَأتّى ذَلِكَ وأمّا التَّأخُّرُ في التِّلاوَةِ فَلا يُوجِبُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ فَلا يَضُرُّ تَأخُّرُ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ .. إلَخْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ: التَّفْصِيلُ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ. وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ ( فَصَّلَ ما حُرِّمَ ) بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ والثّانِي لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ ( فَصَّلَ وحَرَّمَ ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُما الباقُونَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ وظاهِرُ تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي يَقْتَضِي أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَلا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ الَّذِي اضْطُرِرْتُمْ إلى أكْلِهِ مِمّا هو حَرامٌ عَلَيْكم حَلالٌ لَكم حالَ الضَّرُورَةِ وجُوِّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ( حَرَّمَ ) وما مَصْدَرِيَّةٌ في مَعْنى المُدَّةِ أيْ فَصَّلَ لَكُمُ الأشْياءَ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْكم إلّا وقْتَ الِاضْطِرارِ إلَيْها واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ بَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الظَّرْفِ العامِّ المُقَدَّرِ كَأنَّهُ قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم كُلَّ وقْتٍ إلّا وقْتَ .. إلَخْ. ومِنَ النّاسِ مَن أوْرَدَ هُنا شَيْئًا لا أظُنُّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ: والمُهِمُّ في هَذا المَقامِ بَيانُ فائِدَةِ ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ وكَأنَّ الفائِدَةَ فِيهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الأكْلِ بِأنَّ ما حَرُمَ يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ بِخِلافِ ما حَلَّ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ فَكَيْفَ يُجْتَنَبُ عَمّا يُؤْكَلُ فَتَأمَّلَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ النّاسَ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كَعَمْرِو بْنِ لِحَيٍّ وأضْرابِهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ وأحَلُّوا أكْلَ المَيْتَةِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَثِيرِ الَّذِينَ ناظَرُوا في المَيْتَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ﴿بِأهْوائِهِمْ﴾ الزّائِغَةِ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُقْتَبَسٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مُسْتَنِدٍ إلى الوَحْيِ أوْ بِغَيْرِ عَلَمٍ أصْلًا كَما قِيلَ وذُكِرَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مَحْضُ هَوًى وشَهْوَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ (119) المُتَجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ هَذا الكَثِيرُ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِوَسْمِهِمْ بِصِفَةِ الِاعْتِداءِ.

الأنعام 6:120

﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ أيْ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ونَحْوَهُ والزِّنا بِالأجْنَبِيّاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أوِ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذِ الأخْدانِ كَما صفحة 15 رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الزِّنا إذا ظَهَرَ كانَ إثْمًا وإذا اسْتَسَرَّ بِهِ صاحِبُهُ فَلا إثْمَ فِيهِ. قالَ الطَّيِّبِيُّ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ بِالعَطْفِ مُسَبَّبٌ عَنْ عَدَمِ الِاتِّباعِ وعَلى الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُلُوا﴾ أوَّلًا ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ ثانِيًا وهو الوَجْهُ ولَعَلَّ الأمْرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبَلَهُ مِثْلُهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ المَعاصِيَ الَّتِي فِيها الإثْمُ ويَرْتَكِبُونَ القَبائِحَ الظّاهِرَةَ أوِ الباطِنَةَ ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (120) أيْ يَكْسِبُونَ الإثْمَ كائِنًا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِ ذَلِكَ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ

الأنعام 6:121

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الحَيَوانِ كَما هو المُتَبادَرُ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ. وعَنْ أحْمَدَ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ والجُبّائِيِّ مِثْلُهُ وقالَ الشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ يُذْكَرْ» وعَنْ مالِكٍ وهي الرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ أئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لا يُؤْكَلُ سَواءً كانَ تَهاوُنًا أوْ غَيْرَ تَهاوُنٍ ولِأشْهَبَ قَوْلٌ شاذٌّ بِجَوازِ غَيْرِ المُتَهاوَنِ في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وآخَرُونَ أنَّهُ كَمَذْهَبِ داوُدَ ومَن مَعَهُ وما ذَكَرْناهُ هو المَوْجُودُ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ وأهْلُ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ كالصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ النّاسِيَ عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بِتارِكٍ لِلتَّسْمِيَةِ بَلْ هي في قَلْبِهِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُلُوهُ فَإنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» ولَمْ يُلْحَقْ بِهِ العامِدُ إلّا لِامْتِناعِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالقِياسِ وإنْ كانَ مَنصُوصَ العِلَّةِ وإمّا لِأنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَكَأنَّهُ نَفى ما في قَلْبِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ الَّذِي خُصَّ مِنهُ البَعْضُ جائِزٌ بِالقِياسِ المَنصُوصِ العِلَّةِ وِفاقًا وبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التّارِكَ عَمْدًا بِمَنزِلَةِ النّافِي لِما في قَلْبِهِ رُبَّما يَكُونُ لِوُثُوقِهِ بِذَلِكَ وعَدَمِ افْتِقارِهِ لِذِكْرِهِ ثُمَّ قالَ: فَذَهَبُوا إلى أنَّ النّاسِيَ خارِجٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إذِ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن مَضْمُونِ ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهو التَّرْكُ لِكَوْنِهِ الأقْرَبَ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْكَ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي والمُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ العَمْدُ. واعْتُرِضَ ما ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِسْقًا لا سِيَّما عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ خِلافُ الظّاهِرِ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ ولا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ مَعَ أنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا سِيَّما في حُكْمٍ واحِدٍ وبِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ المَيْتَةَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها لَيْسَ بِفِسْقٍ وبَعْضُهم أرْجَعَ الضَّمِيرَ إلى ما بِمَعْنى الذَّبِيحَةِ وجَعَلَها عَيْنَ الفِسْقِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كَوْنِها مَتْرُوكَةَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إذْ لا فِسْقَ في النِّسْيانِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الحَمْلُ أيْضًا ومِمّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ ما فِيهِ وذَكَرَ العَلّامَةُ لِلشّافِعِيَّةِ في دَعْوى حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا وحُرْمَةِ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وُجُوهًا الأوَّلُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ وفي قَلْبِهِ ما دامَ مُؤْمِنًا فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ عَدَمُ الذِّكْرِ فَلا يَحْرُمُ مِن ذَبِيحَتِهِ إلّا ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. صفحة 16 الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لا يَصِحُّ في حَقِّ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ عَمْدًا كانَ أوْ سَهْوًا إذْ لا فِسْقَ بِفِعْلِ ما هو مَحَلُّ الِاجْتِهادِ والثّالِثُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْقِعِ الحالِ إذْ لا يَحْسُنُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وقَدْ بُيِّنَ الفِسْقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الأكْلِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ قَدْ أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَيَحِلُّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ إمّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وإمّا بِحُكْمِ الأصْلِ وإمّا بِالعُمُوَماتِ الوارِدَةِ في حِلِّ الأطْعِمَةِ وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في مَجْلِسِ تَذْكِيرٍ عَقَدَهُ لَهُ سُلْطانُ خَوارِزْمَ فِيها بِمَحْضَرٍ مِنهُ ومِن جُمْلَةِ الأئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ لِلشّافِعِيَّةِ إلى دَلِيلٍ خارِجِيٍّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بَأنْ واللّامِ يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا فَلا يَحْسُنُ ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ بَلْ وهو فِسْقٌ ومِن هُنا ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ .. إلَخْ. المَيْتَةُ فَيَتَحَقَّقُ قَوْلُهم: إنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وأجابَ العَلّامَةُ عَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ ها هُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحُكْمُ بِهِ مُتَحَقَّقٌ والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ ومِنهم مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِالمَيْتَةِ لِأنَّ الجِدالَ فِيها كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. واسْتَظْهِرْ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى الأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ والَّذِي يَلُوحُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عامٌّ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا ولِما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ لِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ والتَّحْقِيقُ أنَّ العامَّ الظّاهِرَ مَتى ورَدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كانَ نَصًّا في السَّبَبِ ظاهِرًا باقِيًا عَلى ظُهُورِهِ فِيما عَداهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِمُبِيحِ مَنسِيِّ التَّسْمِيَةِ مِن مُخَصِّصٍ وهو الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ وادَّعى أنَّ هَذا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ بَلْ مَنعٌ لِانْدِراجِ المَنسِيِّ في العُمُومِ مُسْتَنِدٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ. ويُؤَيِّدُ بِأنَّ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وإنَّ قَوِيَ تَناوُلُهُ لِسَبَبٍ حَتّى يَنْتَهِضَ الظّاهِرُ فِيهِ نَصًّا إلّا أنَّهُ ضَعِيفُ التَّناوُلِ لِما عَداهُ حَتّى يَنْحَطَّ عَلى أعالِي الظّاهِرِ فِيهِ ويَكْتَفِي مِن مُعارَضَةٍ ما لا يَكْتَفِي بِهِ مِنهُ لَوْلا السَّبَبُ. انْتَهى. ولا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قَبْلُ وذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِنا أنَّ قَوْلَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ إذْ لا خِلافَ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في مَتْرُوكِها ناسِيًا فَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحْرُمُ ومَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحِلُّ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا ولِهَذا قالَ أبُو يُوسُفَ والمَشايِخُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا لا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهادُ ولَوْ قَضى القاضِي بِجَوازِ بَيْعِهِ لا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْإجْماعِ وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي شُمُولَها لِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا إلّا أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النّاسِيَ ذاكِرًا لِعُذْرٍ مِن جِهَتِهِ وفي ذَلِكَ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ فَإنَّ الإنْسانَ كَثِيرُ النِّسْيانِ. وقَوْلُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ: إنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كانَتْ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَما سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيانِ كالطَّهارَةِ في صفحة 17 بابِ الصَّلاةِ مُفْضٍ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وهي مَعْهُودَةٌ فِيما إذا كانَ عَلى النّاسِي هَيْئَةٌ مُذَكِّرَةٌ كالأكْلِ في الصَّلاةِ والجِماعِ في الإحْرامِ لا فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كالأكْلِ في الصِّيامِ وهُنا إنْ لَمْ تَكُنْ هَيْئَةٌ تُوجِبُ النِّسْيانَ وهي ما يَحْصُلُ لِلذَّبائِحِ عِنْدَ زُهُوقِ رُوحِ حَيَوانٍ مِن تَغَيُّرِ الحالِ فَلَيْسَ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً بِمَوْجُودَةٍ. والحَقُّ عِنْدِي أنَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ وثُبُوتَ الإجْماعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ كانَ ما كانَ خَرَقَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى واسْتِدْلالُهُ عَلى مُدَّعاهُ عَلى ما سَمِعَتَ لا يَخْلُو عَنْ مَتانَةٍ وقَوْلُ الأصْفَهانِيِّ كَما في المُسْتَصْفى أفْحَشَ الشّافِعِيَّ حَيْثُ خالَفَ سَبْعَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ثَلاثٌ مِنها في سُورَةِ الأنْعامِ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ والثّانِيَةُ ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وثَلاثٌ في سُورَةِ الحَجِّ الأُولى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ والثّالِثَةُ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ وآيَةٌ في المائِدَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الفُحْشِ في حَقِّ هَذا الإمامِ القُرَشِيِّ ومَثارُهُ عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى فَضْلِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ ودِقَّةِ نَظَرِهِ وبِالجُمْلَةِ الكَلامُ في الآيَةِ واسِعُ المَجالِ وبِها اسْتَدَلَّ كُلٌّ مِن أصْحابِ هاتِيكِ الأقْوالِ وعَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ حَيَوانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ حَرامٌ وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ خِلافَ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى. ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ أيْ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ ﴿لَيُوحُونَ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّياطِينِ مَرَدَةُ المَجُوسِ فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ حَسْبَما حَكَيْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ (121) ضَرُورَةً أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واسْتَحَلَّ الحَرامَ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الكَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ كَما جَعَلَ تَعالى الشِّرْكَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالَفَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا بِدَلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ ها هُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ وبِهَذا القَدْرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ هَذِهِ الإطاعَةِ بِالشِّرْكِ مِن بابِ التَّغْلِيظِ ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ والكَلامُهُنا كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ وحَذْفِ لامِ التَّوْطِئَةِ أيْ ولَئِنْ أطَعْتُمُوهم واللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِسَدِّ جَوابِ القَسَمِ مَسَدَّهُ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ جَوابَ الشَّرْطِ ولا قَسَمَ وادَّعى أنَّ حَذْفَ الفاءِ مِنهُ حَسَنٌ إذا كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الماضِي كَما هُنا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ بَلِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يُجَوِّزُوا تَرْكَها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وفِيهِ أنَّ المُبَرِّدَ أجازَ ذَلِكَ في الِاخْتِيارِ كَما ذَكَرَهُ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ

الأنعام 6:122

صفحة 18 ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ والمُشْرِكُونَ غارِقُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ طاعَتُهم لَهُ فالآيَةُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والَوْاوُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ أنْتُمْ مِثْلُهم ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ ﴿وجَعَلْنا لَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ ﴿نُورًا﴾ عَظِيمًا ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ﴿فِي النّاسِ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ فَقِيلَ يَمْشِي .. إلَخْ. أوْ صِفَةٌ لَهُ ومَنِ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ صِلَتُهُ والخَبَرُ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ ومَن فِيهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ أيْضًا و( مَثَلُهُ ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرُ هو مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أعْنِي ( مَثَلُهُ ) عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ بِمَعْنى إذا وُصِفَ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ( مَثَلُهُ ) مَعَ خَبَرِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ. وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرًا عَنْ ( مَثَلُهُ ) لِأنَّ الظُّلُماتِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْمَثَلِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَأبِي البَقاءِ أنَّ ( في الظُّلَماتِ ) هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ هو مُقَدَّرًا ولا يَلْزَمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَدِيثُ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ أنْ مَثَلَهُ هو كَوْنُهُ في الظُّلُماتِ والمَقْصُودُ الحِكايَةُ نَعَمْ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ خَبَرَ ( مَثَلُهُ ) لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً تامَّةً والظَّرْفُ بِغَيْرِ فاعِلٍ ظاهِرٍ لا يُؤَدِّي مُؤَدّى ذَلِكَ. وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ في ( مَثَلُهُ ) ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِلْفَصْلِ قِيلَ: ولِضَعْفِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( مَيِّتًا ) بِالتَّشْدِيدِ وهو أصْلٌ لِلْمُخَفَّفِ والمَحْذُوفُمِنَ الياءَيْنِ الثّانِيَةِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ. ثُمَّ إنَّ هَذا الأخِيرَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَثَلُ ما أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ شاءَ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهٍ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ عَلى مَعانِيها الأصْلِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَهُما فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأخِيرَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إلى آخِرِ ما قالَ ونَصَّ القُطْبُ الرّازِيُّ عَلى أنَّهُما تَمْثِيلانِ لا اسْتِعارَتانِ ورُدَّ كَما قالَ الشِّهابُ بِأنَّ الظّاهِرَ بِأنَّ مَن كانَ مَيْتًا ومَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إذْ لا ذِكْرَ لِلْمُشَبَّهِ صَرِيحًا ولا دَلالَةَ بِحَيْثُ يُنافِي الِاسْتِعارَةَ والِاسْتِعارَةُ الأُولى بِجُمْلَتِها مُشَبَّهَةٌ والثّانِيَةُ مُشَبَّهٌ بِهِ وهَذا كَما تَقُولُ في الِاسْتِعارَةِ الإفْرادِيَّةِ أيَكُونُ الأسَدُ كالثَّعْلَبِ أيِ الشُّجاعُ كالجَبانِ وهو مِن بَدِيعِ المَعانِي الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ ويُحْفَظَ والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالمَيِّتِ الكافِرُ الضّالُّ وبِالأحْياءِ الهِدايَةُ وبِالنُّورِ القُرْآنُ وبِالظُّلُماتِ الكُفْرُ والضَّلالَةُ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صفحة 19 وهُوَ المُرادُ بِمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وهَداهُ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو المُرادُ بِمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِثْلُ ذَلِكَ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وأيًّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَنِ انْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَن بَقِيَ عَلى ضَلالِهِ وعُتُوِّهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّزْيِينِ المَذْكُورِ عَلى طُرُزِ ما قُرِّرَ في أمْثالِهِ أوْ إشارَةٌ إلى إيحاءِ الشَّياطِينِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ إلى تَزْيِينِ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿زُيِّنَ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى خُلُقًا أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ وسْوَسَةً ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ كَأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (122) أيْ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.