Tafsir Al-Alusi — الأعراف 7:143 – الأعراف 7:192
المحتويات
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
الأعراف 7:143
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أيْ: لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ أيْ: لِتَمامِ الأرْبَعِينَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهي بِمَعْنى عِنْدَ، عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، ومَعَ هَذا لا يُشْبِهُ كَلامَ المَخْلُوقِينَ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ كَما أوْضَحْناهُ في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ، وإلى ما ذَكَرَهُ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ.
وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ، أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قالَ: يا مُوسى، أنا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ، ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى، صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ؛ ألَمْ تَرَوْا إلى صَوْتِ الصَّواعِقِ الَّذِي يُقْبِلُ في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: ««إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ، ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ»».
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى كَلَّمَهُ بِالألْسِنَةِ كُلِّها. فَجَعَلَ يَقُولُ: يا رَبِّ، لا أفْهَمُ حَتّى كَلَّمَهُ آخِرُ الألْسِنَةِ بِلِسانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ» الخَبَرَ.
وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما شَبَّهْتَ كَلامَ رَبِّكَ مِمّا خَلَقَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِالرَّعْدِ السّاكِنِ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَمّا خَرَجَ أخِي مُوسى إلى مُناجاةِ رَبِّهِ كَلَّمَهُ ألْفَ كَلِمَةٍ ومِائَتَيْ كَلِمَةٍ، فَأوَّلَ ما كَلَّمَهُ بِالبَرْبَرِيَّةِ».
ونُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ مُوسى
صفحة 45
عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ الكَلامَ النَّفْسِيَّ القائِمَ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَكُنْ ما سَمِعَهُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وحَمْلُهُ إلى سَماعٍ بِالفِعْلِ مُشْكِلٌ مَعَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَهو قَوْلٌ رَجَعَ عَنْهُ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ الَّذِي أبانَ عَنِ اعْتِقادِهِ لَهُ في الإبانَةِ.
﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ أيْ: ذاتَكَ أوْ نَفْسَكَ. فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا.
﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الدُّعاءِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الرُّؤْيَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنِ النَّظَرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُ، كَما يُرِيكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، ووَجَّهَهُ أنَّ النَّظَرَ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الشَّيْءِ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، والرُّؤْيَةُ الإدْراكُ بِالباصِرَةِ بَعْدَ التَّقْلِيبِ وحِينَئِذٍ كَيْفَ يُجْعَلُ النَّظَرُ جَوابًا لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ مُسَبَّبًا عَنْهُ وهو عَكْسُ القَضِيَّةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالإراءَةِ لَيْسَ إيجادَ الرُّؤْيَةِ بَلِ التَّمَكُّنَ مِنها مُطْلَقًا أوْ بِالتَّجَلِّي والظُّهُورِ وهو مُقَدَّمٌ عَلى النَّظَرِ وسَبَبٌ لَهُ، فَفي الكَلامِ ذِكْرُ المَلْزُومِ وإرادَةُ اللّازِمِ. أيْ: مَكِّنِّي مِن رُؤْيَتِكَ أوْ تَجَلَّ لِي فَأنْظُرُ إلَيْكَ وأراكَ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّ العِزَّةِ حِينَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: قالَ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ أيْ: لا قابِلِيَّةَ لَكَ لِرُؤْيَتِي وأنْتَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، وهو نَفْيٌ لِلْإراءَةِ المَطْلُوبَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ اسْتِدْراكٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُطِيقُ الرُّؤْيَةَ، والمُرادُ مِنَ الجَبَلِ طُورُ سَيْناءَ، كَما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ، وفي تَفْسِيرِ الخازِنِ وغَيْرِهِ أنَّ اسْمَهُ زَبِيرٌ بِزايٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ أمِيرٍ.
﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ ولَمْ يُفَتِّتْهُ التَّجَلِّي ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ إذا تَجَلَّيْتُ لَكَ.
﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَنابِهِ تَعالى بَعْدَ جَعْلِهِ مُدْرِكًا لِذَلِكَ.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أيْ: مَدْكُوكًا مُتَفَتِّتًا، والدَّكُّ والدَّقُّ أخَوانِ كالشَّكِّ والشَّقِّ. وقالَ شَيْخُنا الكُورانِيُّ: إنَّ الجَبَلَ مُنْدَرِجٌ في الأشْياءِ الَّتِي تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ بِنَصِّ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ المَحْمُولِ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا حَياةً وإدْراكًا لائِقَيْنِ بِعالَمِهِ ونَشْأتِهِ، وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ لِظُهُورِ اقْتِدارِهِ سُبْحانَهُ وتَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِما فَعَلَ بِالجَبَلِ لا أنَّ ثَمَّ تَجَلِّيًا، وهو نَظِيرُ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن أنَّ المُرادَ أنَّ ما قَضاهُ سُبْحانَهُ وأرادَ كَوْنَهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ لا أنَّ ثَمَّةَ قَوْلًا. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَجَلّى مُطاوِعُ جَلَّيْتُهُ أيْ أظْهَرْتُهُ يُقالُ: جَلَّيْتُهُ فَتَجَلّى؛ أيْ: أظْهَرْتُهُ فَظَهَرَ.
ولا يُقَدَّرُ تَجَلِّي اقْتِدارِهِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، عَلى أنَّ هَذا الحَمْلَ بَعِيدٌ عَنِ المَقْصُودِ بِمَراحِلَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ إلَخْ. قالَ: «هَكَذا وأشارَ بِإصْبَعَيْهِ ووَضَعَ طَرَفَ إبْهامِهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ - وفي لَفْظٍ: - عَلى المِفْصَلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ فَساخَ الجَبَلُ»».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْجَبَلِ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ فَجَعَلَهُ تُرابًا، وهَذا كَما لا يَخْفى مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يُسْلَكُ فِيها طَرِيقُ التَّسْلِيمِ، وهو أسْلَمُ وأحْكَمُ أوِ التَّأْوِيلُ بِما يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ تَعالى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (دَكّاءَ) بِالمَدِّ؛ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ناقَةٌ دَكّاءُ لِلَّتِي لَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُها. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: (دُكًّا) بِضَمِّ الدّالِ والتَّنْوِينِ، جَمْعُ دَكّاءَ، كَحُمْرٍ وحَمْراءَ، أيْ: قِطَعًا دُكًّا فَهو صِفَةُ جَمْعٍ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِأبِي حَيّانَ أنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ فَأُجْرِيَ عَلى المُذَكَّرِ.
﴿وخَرَّ مُوسى﴾ أيْ: سَقَطَ مِن
صفحة 46
هَوْلِ ما رَأى، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ السُّقُوطِ والخُرُورِ؛ بِأنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، والثّانِيَ سُقُوطٌ لَهُ صَوْتٌ كالخَرِيرِ.
﴿صَعِقًا﴾ أيْ: صاعِقًا وصائِحًا مِنَ الصَّعْقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَيِّتًا عِنْدَ قَتادَةَ.
رُوِيَ أنَّهُ بَقِيَ كَذَلِكَ مِقْدارَ جُمُعَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَتْهُ الغَشْيَةُ عَشِيَّةَ يَوْمِ الخَمِيسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى عَشِيَّةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ونَقَلَ بَعْضُ القَصّاصِينَ أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَمُرُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَيَلْكُزُونَهُ بِأرْجُلِهِمْ ويَقُولُونَ: يا ابْنَ النِّساءِ الحُيَّضِ، أطَمِعْتَ في رُؤْيَةِ رَبِّ العِزَّةِ. وهو كَلامٌ ساقِطٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَجِبُ تَبْرِئَتُهم مِن إهانَةِ الكَلِيمِ بِالوَكْزِ بِالرِّجْلِ والغَضِّ في الخِطابِ.
﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ بِأنْ عادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ، وذَلِكَ بِعَوْدِ الرُّوحِ إلَيْهِ عَلى ما قالَ قَتادَةُ، أوْ بِعَوْدِ الفَهْمِ والحِسِّ عَلى ما قالَ غَيْرُهُ، والمَشْهُورُ أنَّ الإفاقَةَ رُجُوعُ العَقْلِ والفَهْمِ إلى الإنْسانِ بَعْدَ ذَهابِهِما عَنْهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ولا يُقالُ لِلْمَيِّتِ إذا عادَتْ إلَيْهِ رُوحُهُ أفاقَ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا اخْتارَ الأكْثَرُونَ ما قالَهُ الحَبْرُ.
﴿قالَ﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِن مُشابَهَةِ خَلْقِكَ في شَيْءٍ، أوْ مِن أنْ يَثْبُتَ أحَدٌ لِرُؤْيَتِكَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَها، أوْ مِن أنْ أسْألَكَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.
﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِنَ الإقْدامِ عَلى السُّؤالِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ وُجُودِي والمَيْلِ مَعَ إرادَتِي.
﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ أوْ بِأنَّهُ لا يَراكَ أحَدٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَثْبُتُ عَلى ما قِيلَ، وأرادَ كَما قالَ الكُورانِيُّ: أنَّهُ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ عَنْ ذَوْقٍ مَسْبُوقٍ بِعَيْنِ اليَقِينِ في نَظَرِهِ. وقِيلَ: أرادَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ السُّؤالُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.
واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ المُجَوِّزُونَ لِرُؤْيَتِهِ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِها في الجُمْلَةِ، واسْتَدَلَّ بِها المُعْتَزِلَةُ النُّفاةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وقامَتِ الحَرْبُ بَيْنَهُما عَلى ساقٍ، وخُلاصَةُ الكَلامِ في ذَلِكَ أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قالُوا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى إمْكانِ الرُّؤْيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَها بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ إلَخْ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالِاسْتِحالَةِ فالعاقِلُ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا فَضْلًا عَمَّنْ هو مِن أُولِي العَزْمِ لا يَسْألُ المُحالَ ولا يَطْلُبُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ آحادُ المُعْتَزِلَةِ ومَن حَصَّلَ طَرَفًا مِن عُلُومِهِمْ أعْلَمَ بِاللَّهِ تَعالى وما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، والقَوْلُ بِذَلِكَ غايَةُ الجَهْلِ والرُّعُونَةِ، وحَيْثُ بَطَلَ القَوْلُ بِالِاسْتِحالَةِ تَعَيَّنَ القَوْلُ بِالجَوازِ، والثّانِي أنَّ فِيها تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ وهو مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وما عُلِّقَ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ، واعْتَرَضَ الخُصُومُ الوَجْهَ الأوَّلَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الرُّؤْيَةَ وإنَّما سَألَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِهِ تَعالى إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ مَجازًا لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ. والتَّعْبِيرُ بِأحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَنِ الآخَرِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو الهُذَيْلِ بْنُ العَلّافِ، وتابَعَهُ عَلَيْهِ الجُبّائِيُّ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، الثّانِي: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يَسْألِ العِلْمَ بَلْ سَألَ الرُّؤْيَةَ حَقِيقَةً لَكِنّا نَقُولُ: إنَّهُ سَألَ رُؤْيَةَ عَلَمٍ مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِطَرِيقِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَمَعْنى: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أرِنِي أنْظُرْ إلى عَلَمٍ مِن أعْلامِكَ الدّالَّةِ عَلى السّاعَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَعْبِيُّ والبَغْدادِيُّونَ، الثّالِثُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ سَألَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى نَفْسِهِ حَقِيقَةً ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ لِدَفْعِ قَوْمِهِ القائِلِينَ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وإنَّما أضافَ
صفحة 47
الرُّؤْيَةَ إلَيْهِ دُونَهم لِيَكُونَ مَنعُهُ أبْلَغَ في دَفْعِهِمْ ورَدْعِهِمْ عَمّا سَألُوهُ تَنْبِيهًا بِالأعْلى عَلى الأدْنى، وإلى هَذا ذَهَبَ الجاحِظُ ومُتَّبِعُوهُ، الرّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّهُ سَألَ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ يُنافِي العِلْمَ بِالإحالَةِ؛ إذِ المَقْصُودُ مِن سُؤالِها إنَّما هُوَ: أنْ يَعْلَمَ الإحالَةَ بِطَرِيقٍ سَمْعِيٍّ مُضافٍ إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، وذَلِكَ جائِزٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ طَلَبُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إراءَةَ كَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، الخامِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ يُنافِي العِلْمَ بِالإحالَةِ لَكِنّا نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِعَدَمِ العِلْمِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّ النُّبُوَّةَ لا تَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِجَمِيعِ العَقائِدِ الحَقَّةِ أوْ جَمِيعِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ، بَلْ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الغَرَضُ مِنَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو وحْدانِيَّتُهُ وتَكْلِيفُ عِبادِهِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي تَحْرِيضًا لَهم عَلى النَّعِيمِ المُقِيمِ، ولَيْسَ امْتِناعُ الرُّؤْيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ سَألَ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا وهي غَيْرُ واقِعَةٍ عِنْدَنا وعِنْدَكُمْ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى الحَسَنِ مِنّا وهو غَرِيبٌ مِنهُ.
السّادِسُ: أنا سَلَّمْنا العِلْمَ بِالإحالَةِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ امْتِناعَ السُّؤالِ، وإنَّما يَمْتَنِعُ أنْ لَوْ كانَ مُحَرَّمًا في شَرْعِهِ، لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ مُحَرَّمًا؟
السّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا الحُرْمَةَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرَةً وهي غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؟
وتَكَلَّمُوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلى أمْرٍ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ لَمْ يَكُنْ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ حالَ سُكُونِهِ وإلّا لَوُجِدَتِ الرُّؤْيَةُ ضَرُورَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الجَبَلَ حالَ سُكُونِهِ كانَ مُسْتَقِرًّا بَلْ عَلى اسْتِقْرارِهِ حالَ حَرَكَتِهِ، وهو مُحالٌ لِذاتِهِ، والثّالِثُ: أنّا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ اسْتِقْرارَ الجَبَلِ مُمْكِنٌ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنِ انْعَدَمَ المَعْلُولُ انْعَدَمَتِ العِلَّةُ، والعِلَّةُ قَدْ تَكُونُ مُمْتَنِعَةَ العَدَمِ مَعَ إمْكانِ المَعْلُولِ في نَفْسِهِ كالصِّفاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلِ الأوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى عِنْدَ الحُكَماءِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ المُمْتَنِعَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالِاسْتِقْرارِ المُمْكِنِ، والسِّرُّ في جَوازِ ذَلِكَ أنَّ الِارْتِباطَ بَيْنَ المُعَلِّقِ والمُعَلَّقِ عَلَيْهِ إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ الوُقُوعِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ إنْ وقَعَ عَدَمُ المَعْلُولِ وقَعَ عَدَمُ العِلَّةِ، والمُمْكِنُ الذّاتِيُّ قَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ الذّاتِيِّ فَيَجُوزُ التَّعْلِيقُ بَيْنَهُما، ولَيْسَ الِارْتِباطُ بَيْنَهُما بِحَسْبِ الإمْكانِ حَتّى يَلْزَمَ إمْكانَ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ إمْكانُ المُعَلِّقِ، ثُمَّ إنّا وإنْ سَلَّمْنا دَلالَةَ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ فَهو مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ، فَإنَّ (لَنْ) في الآيَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ، وأيْضًا قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ دَلِيلُ كَوْنِهِ مُخْطِئًا في سُؤالِهِ، ولَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ جائِزَةً لَما كانَ مُخْطِئًا، والزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ زَعَمَ أنَّ الآيَةَ أبْلَغُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ إمْكانِ الرُّؤْيَةِ، وذَكَرَ في كَشّافِهِ ما ذَكَرَ وقالَ: ثُمَّ أعْجَبُ مِنَ المُتَسَمِّينَ بِالإسْلامِ المُسَمَّيْنِ بِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كَيْفَ اتَّخَذُوا هَذِهِ العَظِيمَةَ مَذْهَبًا ولا يُغْرُنَّكَ تَسَتُّرُهم بِالبَلْكَفَةِ فَإنَّهُ مِن مَنصُوباتِ أشْياخِهِمْ، والقَوْلُ ما قالَ بَعْضُ العَدْلِيَّةِ فِيهِمْ:
وجَماعَةٍ سَمَّوْا هَواهم سُنَّةً لَجَماعَةٌ حُمُرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ
قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وتَخَوَّفُوا شُنَعَ الوَرى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَةْ
وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَكانَ النَّظَرُ المَذْكُورُ بَعُدَ أيْضًا بِمَعْناهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ النَّظَرَ المَوْصُولَ بِإلى نَصٌّ في الرُّؤْيَةِ لا يَحْتَمِلُ سِواهُ فَلا يُتْرَكُ لِلِاحْتِمالِ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ طَلَبَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِمَن يُخاطِبُهُ ويُناجِيهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ
صفحة 48
أنَّ المُرادَ هو العِلْمُ بِهُوِيَّتِهِ الخاصَّةِ، والخِطابُ لا يَقْتَضِي إلّا العِلْمَ بِوَجْهٍ كَمَن يُخاطِبُنا مِن وراءِ الجِدارِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالهُوِيَّةِ الخاصَّةِ انْكِشافُ هُوِيَّتِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ جُزْئِيٍّ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ عِنْدَ العَقْلِ صِدْقُهُ عَلى كَثِيرِينَ كَما في المَرْئِيِّ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولا شَكَّ في كَوْنِهِ مُمْكِنًا في حَقِّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ في العَبْدِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِهُوِيَّتِهِ الخاصَّةِ عَلى الوَجْهِ الجُزْئِيِّ بِدُونِ اسْتِعْمالِ الباصِرَةِ كَما يَخْلُقُ بَعْدَهُ، وفي عَدَمِ لُزُومِهِ الخِطابَ فَإنَّهُ إنَّما يَقْتَضِي العِلْمَ بِالمُخاطَبِ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ يُمْكِنُ صِدْقُها عَلى كَثِيرِينَ عِنْدَ العَقْلِ وإنْ كانَتْ في الخارِجِ مُنْحَصِرَةً في شَخْصٍ واحِدٍ فَهو مِن قَبِيلِ التَّعَقُّلِ، وبِهَذا التَّحْرِيرِ يُعْلَمُ رَصانَةُ الإيرادِ ودَفْعُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ، ويَظْهَرُ مِنهُ رَكاكَةُ ما قالَهُ الآمِدِيُّ. مِن أنَّ حَمْلَ الرُّؤْيَةِ عَلى العِلْمِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ عالِمٍ بِرَبِّهِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الكَلِيمِ مِن أعْظَمِ الجَهالاتِ؛ لِأنّا نَقُولُ: العِلْمُ بِالهُوِيَّةِ الخاصَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ النُّبُوَّةِ ولا المُكالَمَةِ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ يَأْبى هَذا الحَمْلَ التَّعْدِيَةُ كَما عَلِمْتَ ويُبْعِدُهُ الجَوابُ بِ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلَخْ. كَما هو ظاهِرٌ، وإنْ تَكَلَّفَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِما تَمُجُّهُ الأسْماعُ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ ساغَ هَذا التَّأْوِيلُ لَساغَ مِثْلُهُ فِي: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لِتَساوِي الدَّلالَةِ وهو مُمْتَنِعٌ بِالإجْماعِ، وجَهْرَةً لا يَزِيدُ عَلى كَوْنِ النَّظَرِ مَوْصُولًا بِ إلى. وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّما سَألَهُ أنْ يُرِيَهُ عَلَمًا مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
ثانِيها: أنَّهُ أُجِيبَ بِلَنْ تَرانِي، وهو إنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى نَفْيِ ما وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ مِن رُؤْيَةِ بَعْضِ الآياتِ فَهو خَلْفٌ؛ فَإنَّهُ قَدْ أراهُ سُبْحانَهُ أعْظَمَ الآياتِ وهو تَدَكْدُكُ الجَبَلِ، وإنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ.
ثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ إنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى رُؤْيَةِ الآيَةِ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ في اسْتِقْرارِ الجَبَلِ بَلْ في تَدَكْدُكِهِ، وإنْ كانَ مَحْمُولًا عَلى الرُّؤْيَةِ لا يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِالسُّؤالِ، فَإذَنْ لا يَنْبَغِي حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ الآيَةِ، وعَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الرُّؤْيَةَ وقَعَتْ لِدَفْعِ قَوْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَوْنُ الدَّلِيلِ أخْذَ الصَّعْقَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وأيْضًا كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- أنْ يُبادِرَ إلى رَدْعِهِمْ وزَجْرِهِمْ عَنْ طَلَبِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ وقَوْلِهِمْ: إنَّ المَقْصُودَ ضَمُّ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ إلى العَقْلِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ ذَلِكَ كانَ يُمْكِنُ بِطَلَبِ إظْهارِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ الرُّؤْيَةَ مَعَ إحالَتِها، وقِصَّتُهُ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وما ذَكَرُوهُ في الوَجْهِ الخامِسِ ظاهِرٌ رَدُّهُ مِن تَقْرِيرِ الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما أهْلُ السُّنَّةِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ يَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ الكَلِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ آحادِ المُعْتَزِلَةِ عِلْمًا ودُونَ مَن حَصَّلَ طَرَفًا مِنَ الكَلامِ في مَعْرِفَةِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حَمْقاءُ وطَرِيقَةٌ عَوْجاءُ لا يَسْلُكُها أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ، فَإنَّ كَوْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلَمَ مِمَّنْ عَداهم بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وكَوْنُ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا غَيْرَ واقِعَةٍ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّها غَيْرُ مُمْكِنَةِ الوُقُوعِ فَهو أوَّلُ المَسْألَةِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها مُمْكِنَةٌ لَكِنَّها لا تَقَعُ لِأحَدٍ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ الفَرِيقانِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلِأنَّهم لا يَقُولُونَ بِإمْكانِها، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَلِأنَّ كَثِيرًا مِنهم ذَهَبَ إلى أنَّها وقَعَتْ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وغَيْرِهِما، وقَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الفِرْيَةَ. مَدْفُوعٌ أوْ مُؤَوَّلٌ بِأنَّ المُرادَ: مَن زَعَمَ أنَّ
صفحة 49
مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الشَّعْشَعانِيَّ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ في حَدِيثِ: ««لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ»».
فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في احْتِمالِ إرادَةِ عَدَمِ الوُقُوعِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإمْكانِ وعَدَمِهِ. وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الطَّلَبُ مُحَرَّمًا في شَرْعِهِ فَلا يَمْتَنِعُ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ دَلِيلَ الحُرْمَةِ ظاهِرٌ، فَإنَّ طَلَبَ المُحالِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَرامًا في شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَما بَلَغَ في التَّشْنِيعِ عَلى قَوْمِهِ حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وما كانَ كَذَلِكَ فَمَنصِبُ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِمْ الأخِيرِ.
وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ هو اسْتِقْرارُ الجَبَلِ حالَ حَرَكَتِهِ بِأنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ الشَّرْطَ هو الِاسْتِقْرارُ حالَ وُجُودِ الحَرَكَةِ مَعَ الحَرَكَةِ فَهو زِيادَةُ إضْمارٍ وتَرْكٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ فَلا يَصِحُّ، وإنْ أرادُوا أنَّ الشَّرْطَ هو الِاسْتِقْرارُ في الحالَةِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيها الحَرَكَةُ بَدَلًا عَنِ الحَرَكَةِ فَلا يَخْفى جَوازُهُ، فَكَيْفَ يُدَّعى أنَّهُ مُحالٌ لِذاتِهِ؟ وبَعْضُهم قالَ في الرَّدِّ: إنَّ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ اسْتِقْرارُ الجَبَلِ بَعْدَ النَّظَرِ بِدَلِيلِ الفاءِ، وحِينَ تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ اسْتِقْرارِهِ عَقِيبَ النَّظَرِ اسْتَحالَ اسْتِقْرارُهُ وإنْ كانَ بِالغَيْرِ فَعَدَلَ عَنِ القَوْلِ بِالمُحالِ بِالذّاتِ إلى القَوْلِ بِالمُحالِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ يَتِمُّ بِهِ أيْضًا، وتَعَقَّبَهُ السّالَكُوتِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اسْتِقْرارَ الجَبَلِ حِينَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِعَدَمِ اسْتِقْرارِهِ أيْضًا مُمْكِنٌ بِأنْ يَقَعَ بَدَلَهُ الِاسْتِقْرارُ، إنَّما المُحالُ اسْتِقْرارُهُ مَعَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِقْرارِ، ولِبَعْضِ فُضَلاءِ الرُّومِ هاهُنا كَلامٌ نَقَلَهُ الشِّهابُ لا تَغُرَّنَّكَ قَعْقَعَتُهُ؛ فَإنَّ الظَّواهِرَ لا تُتْرَكُ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِمالِ المَرْجُوحِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ إلَخْ. بِأنَّ المُرادَ بِالمُمْكِنِ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ المُمْكِنُ الصِّرْفُ والخالِي عَنِ الِامْتِناعِ مُطْلَقًا، ولا شَكَّ أنَّ إمْكانَ المَعْلُولِ فِيما امْتَنَعَ عَدَمُ عِلَّتِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّعْلِيقُ بَيْنَهُما إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ الِامْتِناعِ بِالغَيْرِ؛ فَإنَّ اسْتِلْزامَ عَدَمِ الصِّفاتِ وعَدَمِ العَقْلِ الأوَّلِ عَدَمُ الواجِبِ مِن حَيْثُ إنَّ وُجُودَ كُلٍّ مِنهُما واجِبٌ وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ بِوُجُودِ الواجِبِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأُمُورِ الخارِجَةِ فَلا اسْتِلْزامَ بِخِلافِ اسْتِقْرارِ الجَبَلِ؛ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ صِرْفٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ لا بِالذّاتِ ولا بِالعَرَضِ كَما لا يَخْفى، عَلى أنَّ بَعْضَهم نَظَرَ في صِحَّةِ المِثالِ لُغَةً وإنْ كانَ فِيهِ ما فِيهِ، وما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ في الآيَةِ بَيانَ جَوازِ الرُّؤْيَةِ وعَدَمَ جَوازِها إذْ هو غَيْرُ مَسْؤُولٍ عَنْهُ بَلِ المَقْصُودُ إنَّما هو بَيانُ عَدَمِ وُقُوعِها وعَدَمُ الشَّرْطِ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ كَلامٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ إذِ الجَوازُ وعَدَمُ الجَوازِ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّعْلِيقِ بِإجْماعِ جَهابِذَةِ الفَرِيقَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ في المُعارَضَةِ مِن أنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْبِيدَ النَّفْيِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ فَإنَّ إفادَةَ التَّأْبِيدِ فِيهِ أظْهَرُ، وقَدْ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهم يَتَمَنَّوْنَهُ في الآخِرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ العُقُوبَةِ، ومِمّا يَهْدِي إلى هَذا أنَّ الرُّؤْيَةَ المَطْلُوبَةَ إنَّما هِيَ: الرُّؤْيَةُ في الدُّنْيا وحَقُّ الجَوابِ أنْ يُطابِقَ السُّؤالَ، وقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُقَيَّدٌ لا مُطْلَقٌ؛ فَلْيُتْبَعْ بَيانُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ إلَخْ. فَقالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى، إنَّهُ لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ، ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ، ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ، وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهُمْ»».
وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا مَعَ بَقائِهِ عَلى حالَتِهِ
صفحة 50
الَّتِي هو عَلَيْها حِينَ السُّؤالِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْقِبَها صَعْقٌ لِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّهُ لَنْ يَرانِي حَيٌّ إلَخْ ... لا يَنْفِي إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا مَعَ الحَياةِ لا الرُّؤْيَةَ مُطْلَقًا، فَمَعْنى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ في الآيَةِ لَنْ تَرانِي وأنْتَ باقٍ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لا لَنْ تَرانِي في الدُّنْيا مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَنْ تَرانِي مُطْلَقًا لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. نَعَمْ إنَّ هَذا الحَدِيثَ مُخَصَّصٌ بِما صَحَّ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ» مَعَ عَدَمِ الصَّعْقِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في اخْتِصاصِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ أنَّ نَشْأتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلُ نَشْأةٍ، وأعْدَلُها صُورَةً ومَعْنًى لِجامِعِيَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْحَقائِقِ عَلى وجْهِ الِاعْتِدالِ، وهي فِيهِ مُتَجاذِبَةٌ، ومُقْتَضى ذَلِكَ الثَّباتُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ التَّجَلِّي إلّا في دارِ البَقاءِ، فاجْتَمَعَ مُقْتَضى المَوْطِنِ مَعَ مُقْتَضى كَمالِ اعْتِدالِ النَّشْأةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ: لَوْ سَلَّمْنا دَلالَةَ (لَنْ) عَلى التَّأْبِيدِ مُطْلَقًا لَكانَ غايَةُ ذَلِكَ انْتِفاءَ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ انْتِفاءُ الجَوازِ، والمُعْتَزِلَةُ يَزْعُمُونَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْطِئًا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها ذَنْبٌ، وعَلى هَذا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلَيْكَ عَنْ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ.
وذَكَرُ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ تَسْبِيحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ مِن أنَّ العِلْمَ قَدْ سَبَقَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا، واللَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ وُقُوعِ خِلافِ مَعْلُومِهِ، وأمّا التَّوْبَةُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ؛ لِأنَّ مَنزِلَتَهُمُ العَلِيَّةَ تُصانُ عَنْ كُلِّ ما يَحُطُّ عَنْ مَرْتَبَةِ الكَمالِ، وكانَ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ أنْ يَتَوَقَّفَ في سُؤالِ الرُّؤْيَةِ عَلى الإذْنِ فَحَيْثُ سَألَ مِن غَيْرِ إذْنٍ كانَ تارِكًا الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
وقَدْ ورَدَ: ««حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ»».
وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ الآمِدِيُّ: إنَّ التَّوْبَةَ وإنْ كانَتْ تَسْتَدْعِي سابِقِيَّةَ الذَّنْبِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ ما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّ الذَّنْبَ في سُؤالِهِ، بَلْ جازَ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَمّا تَقَدَّمَ قَبْلَ السُّؤالِ مِمّا يَعُدُّهُ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ذَنْبًا، والدّاعِي لِذَلِكَ ما رَأى مِنَ الأهْوالِ العَظِيمَةِ مِن تَدَكْدُكِ الجَبَلِ عَلى ما هو عادَةُ المُؤْمِنِينَ الصُّلَحاءِ مِن تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ عَمّا سَلَفَ إذا رَأوْا آيَةً وأمْرًا مَهُولًا،
* * *
وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ ابْتِداءَ الإيمانِ في تِلْكَ الحالَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ إضافَةُ الأوَّلِيَّةِ إلَيْهِ لا إلى الإيمانِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الإخْبارِ الِاسْتِعْطافُ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هو ذَنْبٌ عِنْدَهُ، وأرادَ بِالمُؤْمِنِينَ قَوْمَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ أبْلَغُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ إمْكانِ الرُّؤْيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما ذَكَرْناهُ، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَنِ اسْتَنَدَ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى إمْكانِها بِغَيْرِ ما تَقَدَّمَ أيْضًا، وهو أنَّهُ تَعالى أحالَ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ عَلى عَجْزِ الرّائِي وضَعْفِهِ عَنْها حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولَوْ كانَتْ رُؤْيَتُهُ تَعالى غَيْرَ جائِزَةٍ لَكانَ الجَوابُ: لَسْتُ بِمَرْئِيٍّ، ألا تَرى لَوْ قالَ: أرِنِي أنْظُرْ إلى صُورَتِكَ ومَكانِكَ لَمْ يَحْسُنْ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: لَنْ تَرى صُورَتِي ولا مَكانِي. بَلِ الحَسَنُ: لَسْتُ بِذِي صُورَةٍ ولا مَكانٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَعْدَ أنْ بَيَّنَ كَوْنَ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ بِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ: ولِذَلِكَ رَدَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ دُونَ: لَنْ أُرى، ولَنْ أُرِيَكَ، ولَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاصِرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ تَعالى لِتَوَقُّفِها عَلى مُعَدٍّ في الرّائِي ولَمْ يُوجَدْ فِيهِ بَعْدُ، وذَلِكَ لِأنَّ: لَنْ أُرى يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا، ولَنْ أُرِيَكَ يَقْتَضِي أنَّ المانِعَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ فِي: لَنْ تَنْظُرَ تَنْبِيهٌ عَلى المَقْصُودِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ
صفحة 51
لا يَتَوَقَّفُ عَلى مُعَدٍّ وإنَّما المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ والإدْراكُ، وعَلَّلَ النَّيْسابُورِيُّ عَدَمَ كَوْنِ الجَوابِ لَنْ تَنْظُرَ إلى المُناسِبِ لِأنْظُرَ إلَيْكَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَطْلُبِ النَّظَرَ المُطْلَقَ وإنَّما طَلَبَ النَّظَرَ الَّذِي مَعَهُ الإدْراكُ بِدَلِيلِ: أرِنِي. وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلْمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ طَلَبَ الإراءَةِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ رَفْعِ المَوانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وإيجادِ ما تَتَوَقَّفُ هي عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: مَكِّنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ. والتَّمْكِينُ إنَّما يَتِمُّ بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّفْعِ والإيجادِ، وكانَ الظّاهِرُ في رَدِّ هَذا الطَّلَبِ: لَنْ أُمَكِّنَكَ مِن رُؤْيَتِي، لَكِنْ عُدِلَ عَنْهُ إلى: لَنْ تَرانِي إشارَةً إلى اسْتِحالَةِ الرُّؤْيَةِ وعَدَمِ وُقُوعِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رُؤْيَتَكَ لِي أمْرٌ مُحالٌ في نَفْسِهِ وتَمْكِينِي إنَّما يَكُونُ مِنَ المُمْكِنِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ بَلْ كانَ المُرادُ أنَّكَ لا قابِلِيَّةَ لَكَ لِرُؤْيَتِي لَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، أنا أعْلَمُ عَدَمَ القابِلِيَّةِ لَكِنِّي سَألْتُكَ التَّمْكِينَ وهو مُتَضَمِّنٌ لِسُؤالِ إيجادِها؛ لِأنَّها مِمّا تَتَوَقَّفُ الرُّؤْيَةُ عَلَيْهِ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ الجَوابُ مُفِيدًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مُقْنِعًا لَهُ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ هو المُتَعَيِّنَ. فَإنْ قِيلَ: القابِلِيَّةُ وعَدَمُ القابِلِيَّةِ مِن تَوابِعِ الِاسْتِعْدادِ وعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ، وهُما غَيْرُ مَجْعُولَيْنِ، قُلْنا: هَذا عَلى ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ العَرِيضِ والنِّزاعِ الطَّوِيلِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَطْلُوبِنا مِنَ امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى اسْتِعْدادٍ لِفَهْمِ الحَقائِقِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ طَلَبَ التَّمْكِينِ مِن شَيْءٍ إنَّما يَتَضَمَّنُ طَلَبَ رَفْعِ المَوانِعِ الَّتِي في جانِبِ المَطْلُوبِ مِنهُ فَقَطْ عَلى ما هو الظّاهِرُ لا مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَشْمَلُ ما كانَ في جانِبِ المَطْلُوبِ مِنهُ وما كانَ في جانِبِ الطّالِبِ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَكَ: لَمْ يُمَكِّنِّي زَيْدٌ مِن قَتْلِ عَمْرٍو مَثَلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ قَتْلِهِ مَعَ تَهَيُّئِكَ لَهُ وارْتِفاعِ المَوانِعِ الَّتِي مِن قِبَلِكَ عَنْهُ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ هاجَ بِهِ الشَّوْقُ إلى الرُّؤْيَةِ كَما قالَ الحَسَنُ: لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ غاصَ في الأرْضِ حَتّى خَرَجَ مِن بَيْنِ قَدَمَيْهِ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ أنَّ مُكَلِّمَكَ شَيْطانٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها كَما قالَ السُّدِّيُّ: وأعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اعْتِقادِهِ فَذُهِلَ عَنْ نَفْسِهِ وما فِيها مِنَ المَوانِعِ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ إلّا طَلَبُ رَفْعِ المَوانِعِ عَنْها مِن قِبَلِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، فَنَبَّهَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ عَلى وُجُودِ المانِعِ فِيهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وهو الضَّعْفُ عَنْ تَحَمُّلِها وأراهُ ضَعْفَ مَن هو أقْوى مِنهُ عَنْ ذَلِكَ بِدَكِّ الجَبَلِ عِنْدَ تَجَلِّيهِ لَهُ، فَفائِدَةُ الِاسْتِدْراكِ عَلى هَذا أنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أضْعَفُ مِن أنْ يَقُومَ لِتَجَلِّي الرُّؤْيَةِ، وهو عَلى ما هو عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أفاقَ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ، وحِينَئِذٍ لا شَكَّ أنَّ الجَوابَ (بِلَنْ تَرانِي) إلَخْ مُفِيدٌ مُقْنِعٌ.
هَذا وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِإمْكانِ الرُّؤْيَةِ ووُقُوعِها في الدُّنْيا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ عَقْلًا، والشُّرُوطُ الَّتِي تُذْكَرُ لَها لَيْسَتْ شُرُوطًا عَقْلِيَّةً وإنَّما هي شُرُوطٌ عادِيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَدَمِ الوُقُوعِ مَعَ عَدَمِ تَغَيُّرِ الحالِ حَتّى سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الرَّبِّ المُتَعالِ، ولَيْسَ في عَدَمِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ نَقْصٌ في مَرْتَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المَوْقُوفَةِ عَلى السَّمْعِ، والجَهْلُ بِالأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ لا يُعَدُّ نَقْصًا، فَقَدْ صَحَّ أنَّ أعْلَمَ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أشْياءَ فَقالَ: سَأسْألُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ فَقالَ: سَأسْألُ رَبَّ العِزَّةِ، وقَدْ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ وأنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ بَلْ دَلالَتُها عَلى إمْكانِها في الجُمْلَةِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، بَلْ هي ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ دُونَ ما يَقُولُهُ الخُصُومُ وما رَواهُ
صفحة 52
أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾: إنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ وافٍ بِمَطْلُوبِهِمْ، مَعَ أنَّ التَّأْبِيدَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَدَمِ تَغَيُّرِ الحالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنْهُ سابِقًا، وكَذا ما رَواهُ عَنْهُ أبُو الشَّيْخِ إذْ فِيهِ: يا مُوسى إنَّهُ لا يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا. قالَ مُوسى: رَبِّ، إنْ أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الأشْياخِ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى يُرى بِلا كَيْفٍ هو المَشْهُورُ.
ونَقَلَ المِناوِيُّ أنَّ الكَمالَ بْنَ الهُمامِ سُئِلَ عَمّا رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««رَأيْتُ رَبِّي في أحْسَنِ صُورَةٍ»» بِناءً عَلى حَمْلِ الرُّؤْيَةِ في اليَقَظَةِ فَأجابَ بِأنَّ هَذا حِجابُ الصُّورَةِ. انْتَهى. وهو التَّجَلِّي الصُّورِيُّ الشّائِعُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ، ومِنهُ عِنْدَهم تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في الشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَلِّيهِ جَلَّ وعَلا لِلْخَلْقِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، وهو سُبْحانُهُ وإنْ تَجَلّى بِالصُّورَةِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِها: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، والرُّؤْيَةُ الَّتِي طَلَبَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مُوسى كانَ يَرى اللَّهَ تَعالى إلّا أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ ما رَآهُ هو - هو - وعَلى هَذا الطَّرْزِ يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ المَطْعُونِ بِها: رَأيْتُ رَبِّي في صُورَةِ شابٍّ. وفي بَعْضِها زِيادَةُ: لَهُ نَعْلانِ مِن ذَهَبٍ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الرُّؤْيَةَ في رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ عَلى الرُّؤْيَةِ المَنامِيَّةِ، وظاهِرُ كَلامِ السُّيُوطِيِّ أنَّ الكَيْفِيَّةَ فِيها لا تَضُرُّ وهو الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ المَشايِخِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، وإذا صَحَّ ما قالَهُ المَشايِخُ وأفْهَمَهُ كَلامُ السُّيُوطِيِّ فَأنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- قَدْ رَأيْتُ رَبِّي مَنامًا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وكانَتِ المَرَّةُ الثّالِثَةُ في السَّنَةِ السّادِسَةِ والأرْبَعِينَ والمِائَتَيْنِ والألْفِ بَعْدِ الهِجْرَةِ، رَأيْتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ولَهُ مِنَ النُّورِ ما لَهُ مُتَوَجِّهًا جِهَةَ المَشْرِقِ فَكَلَّمَنِي بِكَلِماتٍ أُنْسِيتُها حِينَ اسْتَيْقَظْتُ، ورَأيْتُ مَرَّةً في مَنامٍ طَوِيلٍ كَأنِّي في الجَنَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى وبَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْرٌ حُبِيكَ بِلُؤْلُؤٍ مُخْتَلِفٍ ألْوانُهُ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُذْهَبَ بِي إلى مَقامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ مَقامِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذُهِبَ بِي إلَيْهِما فَرَأيْتُ ما رَأيْتُ. ولِلَّهِ تَعالى الفَضْلُ والمِنَّةُ.
ومِنهم مَن حَمَلَ الصُّورَةَ عَلى ما بِهِ التَّمَيُّزُ والمُرادُ بِها ذاتُهُ تَعالى المَخْصُوصَةُ المُنَزَّهَةُ عَنْ مُماثَلَةِ ما عَداهُ مِن الأشْياءِ البالِغَةِ إلى أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ البَيْتَيْنِ لِبَعْضِ العَدْلِيَّةِ فَهو في ذَلِكَ عُثَيْثَةٌ تَقْرِمُ جِلْدًا أمْلَسا. والقَوْلُ ما قالَهُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِيهِمْ:
عَجَبًا لِقَوْمٍ ظالِمِينَ تَلَقَّبُوا بِالعَدْلِ ما فِيهِمْ لَعَمْرِي مَعْرِفَهْ
قَدْ جاءَهم مِن حَيْثُ لا يَدْرُونَهُ تَعْطِيلُ ذاتِ اللَّهِ مَعْ نَفْيِ الصِّفَةْ
وتَلَقَّبُوا عَدْلِيَّةً قُلْنا نَعَمْ عَدَلُوا بِرَبِّهُمُ فَحَسْبُهُمُ سَفَهْ
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ:
وجَماعَةٌ كَفَرُوا بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ ∗∗∗ هَذا ووَعْدِ اللَّهِ ما لَنْ يُخْلِفَهْ
وتَلَقَّبُوا عَدْلِيَّةً قُلْنا أجَلْ عَدَلُوا بِرَبِّهُمُ فَحَسْبُوهُمُ سَفَهْ
وتَنَعَّتُوا النّاجِينَ كَلّا إنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا في لَظًى فَعَلى شَفَهْ
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ نَقُولُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ رَأى رَبَّهُ بَعْدَ هَذا الطَّلَبِ أمْ لا، فَذَهَبَ أكْثَرُ الجَماعَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرَهُ لا قَبْلَ الصَّعْقِ ولا بَعْدَهُ. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهُ رَآهُ بَعْدَ الصَّعْقِ وكانَ الصَّعْقُ مَوْتًا، وذَكَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سَألَ مُوسى عَنْ ذَلِكَ فَأجابَهُ بِما ذُكِرَ، والآيَةُ عِنْدِي
صفحة 53
غَيْرُ ظاهِرَةٍ في ذَلِكَ، وإلى الرُّؤْيَةِ بَعْدَ الصَّعْقِ ذَهَبَ القُطْبُ الرّازِيُّ في تَقْرِيرِ كَلامٍ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ عَلى احْتِمالِ أنْ تُفَسَّرَ بِالِانْكِشافِ التّامِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتِ النَّفْسُ فانِيَةً مَقْطُوعَةَ النَّظَرِ عَنْ وُجُودِها فَضْلًا عَنْ وُجُودِ الغَيْرِ فَإنَّهُ قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ الِانْكِشافِ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ (بِأنا) دَلَّ عَلى أنَّ نَظَرَهُ كانَ باقِيًا عَلى نَفْسِهِ، وهي لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا مُتَعَلِّقَةً بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مَشُوبَةً بِالشَّوائِبِ المادِّيَّةِ، لا جَرَمَ مَنَعَ عَنْهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، وأُشِيرَ إلى أنَّ مَنعَها إنَّما كانَ لِأجْلِ بَقاءِ أنا وأنْتَ في قَوْلِهِ: أرِنِي ولَنْ تَرانِي، ثُمَّ لَمّا لَمْ يُرِدْ حِرْمانَهُ عَنْ حُصُولِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مَعَ اسْتِعْدادِهِ وتَأهُّلِهِ لَها عَلِمَ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ فَإنَّ الجَبَلَ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِهِ لَمّا لَمْ يُطِقْ نَظْرَةً مِن نَظَراتِ التَّجَلِّي فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَعَلُّقِهِ كَيْفَ يُطِيقُ ذَلِكَ، فَلَمّا أدْرَكَ الرَّمْزَ خَرَّ صَعِقًا مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مُتَجَرِّدًا عَنِ العَلائِقِ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ، فَحَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، فَلَمّا أفاقَ عَلِمَ أنَّ طَلَبَهُ الرُّؤْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها كانَ سُوءَ أدَبٍ فَتابَ عَنْهُ.
وذَهَبَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً قَبْلَ الصَّعْقِ فَصَعِقَ لِذَلِكَ كَما دُكَّ الجَبَلُ لِلتَّجَلِّي، وأيَّدَهُ بِما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَمّا تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ فَراسِخَ»».
وبِما أخْرَجَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ أنَّهُ قالَ: ««مَكَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَنْظُرُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ»».
وجُمِعَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطى مُوسى الكَلامَ وأعْطانِي الرُّؤْيَةَ، وفَضَّلَنِي بِالمَقامِ المَحْمُودِ والحَوْضِ المَوْرُودِ»».
بِأنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي أعْطاها لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هي الرُّؤْيَةُ مَعَ الثَّباتِ والبَقاءِ مِن غَيْرِ صَعْقٍ، كَما أنَّ الكَلامَ الَّذِي أعْطاهُ مُوسى كَذَلِكَ بِخِلافِ رُؤْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها لَمْ تُجْمَعْ لَهُ مَعَ البَقاءِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ الدَّجّالِ: ««إنَّهُ لَنْ يَرى أحَدٌ مِنكم رَبَّهُ حَتّى يَمُوتَ»». هو أنَّ أحَدًا لا يَراهُ في الدُّنْيا مَعَ البَقاءِ، ولا يُجْمَعُ لَهُ في الدُّنْيا بَيْنَهُما.
وفَسَّرَ الآيَةَ بِما لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.
والذّاهِبُونَ إلى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا يُجِيبُونَ عَمّا ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وخَبَرِ أبِي مَعْشَرٍ بِأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن إثْباتِ سُطُوعِ نُورِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ في ذَلِكَ إثْباتُ الرُّؤْيَةِ لِجَوازِ أنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنهُ تَعالى عَلى وجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ؛ فَإنَّهُ لا تَلازُمَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وإشْراقِ النُّورِ، وبِأنَّ الأوَّلَ لَيْسَ نَصًّا في ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ المَطْلُوبَةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عِبارَةٌ عَنِ التَّجَلِّي الذّاتِيِّ، ولِلَّهِ تَعالى تَجَلِّياتٌ شَتّى غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ التَّجَلِّيَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ واحِدٍ مِنها، وقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ تَجَلّى عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- بِكَلامِهِ واصْطِفائِهِ وقُرْبِهِ مِنهُ عَلى الوَجْهِ الخاصِّ اللّائِقِ بِهِ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا سَبَبًا لِذَلِكَ الإبْصارِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ اللّامَ في لِمُوسى لِلتَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقُ تَجَلّى مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَمّا تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِلْجَبَلِ لِأجْلِ إرْشادِ مُوسى كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْصِرُ بِسَبَبِ إشْراقِ بَعْضِ أنْوارِهِ تَعالى عَلَيْهِ حِينَ التَّجَلِّي لِلْجَبَلِ ما يُبْصِرُ.
تَضَّوَعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمانَ ∗∗∗ إذْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبُ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ
فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيصُ عَنْهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ما سَألَ في هَذا المِيقاتِ، والَّذِي أقْطَعُ بِهِ أنَّهُ نالَ مَقامَ قُرْبِ النَّوافِلِ والفَرائِضِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم بِالمَعْنى الَّذِي يَذْكُرُونَهُ كَيْفَما
صفحة 54
كانَ، وحاشا لِلَّهِ مِن أنْ أُفَضِّلَ أحَدًا مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ كانُوا هم - هم - عَلى أحَدٍ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلًا عَنْ رُسُلِهِمْ مُطْلَقًا، فَضْلًا عَنْ أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ،
* * *
(وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ مِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ) أنَّ اللَّهَ تَعالى واعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً لِلتَّخَلُّصِ مِن حِجابِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ كُلَّ عَشَرَةٍ لِلتَّخَلُّصِ مِن حِجابٍ، واخْتِيرَتِ العَشَرَةُ لِأنَّها عَدَدٌ كامِلٌ كَما تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، لَكِنْ بَقِيَتْ مِنهُ بَقِيَّةٌ ما خَلَصَ عَنْها، واسْتِعْمالُ السِّواكِ في الثَّلاثِينَ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ بَعْضُ الآثارِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ فَضَمَّ إلى الثَّلاثِينَ عَشَرَةً أُخْرى لِلتَّخَلُّصِ مِن تِلْكَ البَقِيَّةِ، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما يَتَقَرَّبُ بِهِ في ثَلاثِينَ، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشَرَةِ الَّتِي ضُمَّتْ إلَيْها لِتَكْمُلَ أرْبَعِينَ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَغَ الشُّهُودَ الذّاتِيَّ التّامَّ في الثَّلاثِينَ بِالسُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ بَلْ فَنِيَ بِالكُلِّيَّةِ، وفي العَشَرَةِ الرّابِعَةِ كانَ سُلُوكُهُ في اللَّهِ تَعالى حَتّى رُزِقَ البَقاءَ بَعْدَ الفَناءِ بِالإفاقَةِ، قالُوا: وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ الرُّؤْيَةِ في الثَّلاثِينَ والإفاقَةُ بَعْدَها، وكانَ التَّكْلِيمُ في مَقامِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، وكانَ السُّؤالُ عَنْ إفْراطِ شَوْقٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى شُهُودِ الذّاتِ في مَقامِ فَناءِ الصِّفاتِ مَعَ وُجُودِ البَقِيَّةِ، و﴿لَنْ تَرانِي﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِحالَةِ الإثْنِينِيَّةِ وبَقاءِ الإنِّيَّةِ في مَقامِ المُشاهَدَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: رَأيْتُ رَبِّي بِعَيْنِ رَبِّي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ إشارَةٌ إلى جَبَلِ الوُجُودِ، أيِ انْظُرْ إلى جَبَلِ وُجُودِكَ؛ ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ عِنْدَهُ.
﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أيْ: مُتَلاشِيًا لا وُجُودَ لَهُ.
﴿وخَرَّ مُوسى﴾ عَنْ دَرَجَةِ الوَجْدِ.
﴿صَعِقًا﴾ أيْ: فانِيًا.
﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أنْ تَكُونَ مَرْئِيًّا لِغَيْرِكَ.
﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ عَنْ ذَنْبِ البَقِيَّةِ، أوْ رَجَعْتُ إلَيْكَ بِحَسْبِ العِلْمِ والمُشاهَدَةِ؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِواكَ.
﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِحَسْبِ الرُّتْبَةِ، أيْ: أنا في الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ مَراتِبِ الأرْواحِ الَّذِي هو مَقامُ أهْلِ الوَحْدَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى إشارَةً إلى مُوسى الرُّوحِ ارْتاضَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِتَظْهَرَ مِنهُ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ وقالَ لِأخِيهِ هارُونَ القَلْبِ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ مِنَ الأوْصافِ البَشَرِيَّةِ.
﴿وأصْلِحْ﴾ ذاتَ بَيْنِهِمْ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ وقانُونِ الطَّرِيقَةِ.
﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ، ولَمّا حَصَلَ الرُّوحُ عَلى بِساطِ القُرْبِ بَعْدَ هاتِيكَ الرِّياضَةِ وتَتابَعَتْ عَلَيْهِ في رَوْضاتِ الأُنْسِ كاساتُ المَحَبَّةِ غَرَّدَ بُلْبُلُ لِسانِهِ في قَفَصِ فَمِ وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ فَقالَ لَهُ: هَيْهاتَ ذاكَ وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ؟ أنْتَ بَعْدُ في بُعْدِ الإثْنِينِيَّةِ وحِجابِ جَبَلِ الأنانِيَّةِ فَإنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي.
وجانِبْ جَنابَ الوَصْلِ هَيْهاتَ لَمْ يَكُنْ وها أنْتَ حَيٌّ إنْ تَكُنْ صادِقًا مُتِ
هُوَ الحُبُّ إنْ لَمْ تَقْضِ لَمْ تَقْضِ مَأْرَبًا ∗∗∗ مِنَ الحُبِّ فاخْتَرْ ذاكَ أوْ خَلِّ خَلَّتِي
فَهانَ عَلَيْهِ الفَناءُ في جانِبِ رُؤْيَةِ المَحْبُوبِ ولَمْ يَعِزَّ لَدَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إذْ رَأى عِزَّةَ المَطْلُوبِ.
ونادى:
فَقُلْتُ لَها: رُوحِي لَدَيْكِ وقَبْضُها ∗∗∗ إلَيْكِ ومَن لِي أنْ تَكُونَ بِقَبْضَتِي
وما أنا بِالشّانِي الوَفاءِ عَلى الهَوى ∗∗∗ وشَأْنِي الوَفا تَأْبى سِواهُ سَجِيَّتِي
فَبَذَلَ وُجُودَهُ وأعْطى مَوْجُودَهُ فَتَجَلّى رَبُّهُ لِجَبَلِ أنانِيَّتِهِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بِرُؤْيَتِهِ، وكانَ ما كانَ وأشْرَقَتِ الأرْضُ
صفحة 55
بِنُورِ رَبِّها، وطَفِئَ المِصْباحُ إذْ طَلَعَ الصَّباحُ، وصَدَحَ هَزارُ الأُنْسِ في رِياضِ القُدْسِ بِنَغَمٍ.
ولَقَدْ خَلَوْتُ مَعَ الحَبِيبِ وبَيْنَنا ∗∗∗ سِرٌّ أرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ إذا سَرى
وأباحَ طَرْفِي نَظْرَةً أمَّلْتُها ∗∗∗ فَغَدَوْتُ مَعْرُوفًا وكُنْتُ مُنَكَّرا
فَدُهِشْتُ بَيْنَ جَمالِهِ وجَلالِهِ ∗∗∗ وغَدا لِسانُ الحالِ عَنِّي مُخْبِرا
هَذا والكَلامُ في الرُّؤْيَةِ طَوِيلٌ، وقَدْ تَكَفَّلَ عِلْمُ الكَلامِ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، والَّذِي عَلَيْنا إنَّما هُوَ: كَشْفُ القِناعِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ، والَّذِي نَظُنُّهُ أنّا قَدْ أدَّيْنا الواجِبَ، ويَكْفِي مِنَ القِلادَةِ ما أحاطَ بِالجِيدِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
الأعراف 7:144
﴿قالَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِهِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما أعْطَيْتُكَ فاغْتَنِمْهُ وثابِرْ عَلى شُكْرِهِ؛ ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ بِمَعْنى الخِيارِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهَذا كَما فَضَّلَ قَوْمَهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿بِرِسالاتِي﴾ أيْ بِأسْفارِ التَّوْراةِ. وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ ورُوحٌ: (بِرِسالَتِي).
﴿وبِكَلامِي﴾ أيْ: بِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. أوِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بِإسْماعِ كَلامِي، والمُرادُ: فَضَّلْتُكَ بِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَلا يَرِدُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَلِيمًا عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ تَبَعِيَّةً أيْضًا، وكانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذَلِكَ لا يَرِدُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المِيقاتِ في قَوْلٍ؛ لِأنَّهم وإنْ سَمِعُوا الخِطابَ إلّا أنَّهم لَيْسَ لَهم مِنَ الرِّسالَةِ شَيْءٌ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيمِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخِطابُ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهم وبِتَخْصِيصِ النّاسِ بِما عَلِمْتَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا يَرِدُ أنَّ مَجْمُوعَ الرِّسالَةِ والتَّكْلِيمِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ وُجِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ، عَلى أنّا لَوْ قُلْنا بِأنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ عَلى غَيْرِهِ كَنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِلا واسِطَةٍ سَبَبًا لِلشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ، وقَدْ قالُوا: شَتّانَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهُ المَلِكُ لِنَفْسِهِ حَبِيبًا وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِلُطْفِهِ تَقْرِيبًا، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ الحِجابَ والحِجابَ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَقْصُودِ بَوّابٌ ونُوّابٌ، عَلى أنَّ مَن ذاقَ طَعْمَ المَحَبَّةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ يَعْلَمُ ما في تَكْلِيمِ المَحْبُوبِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مِنَ اللُّطْفِ العَظِيمِ والبِرِّ الجَسِيمِ، وكَلامُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ المِيقاتِ كَثِيرٌ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وقَدْ سَبَقَ لَكَ ما يَدُلُّ عَلى كَمِّيَّتِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ناجى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ كَلِمَةٍ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهم لِما وقَعَ في مَسامِعِهِ مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ فِيما ناجاهُ أنْ قالَ: يا مُوسى، إنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعِ المُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الوَرَعِ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَتَعَبَّدِ المُتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ البُكاءِ مِن خَشْيَتِي، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، وإلَهَ البَرِّيَّةِ كُلِّها ويا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، ويا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، ماذا أعْدَدْتَ لَهم وماذا جَزَيْتَهُمْ؟
صفحة 56
قالَ: أمّا الزّاهِدُونَ في الدُّنْيا فَإنِّي أُبِيحُهم جَنَّتِي حَتّى يَتَبَوَّءُوا فِيها حَيْثُ شاءُوا، وأمّا الوَرِعُونَ عَمّا حَرَّمْتْ عَلَيْهِمْ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إلّا ناقَشْتُهُ الحِسابَ وفَتَّشْتُ عَمّا في يَدَيْهِ إلّا الوَرِعُونَ؛ فَإنِّي أُجِلُّهم وأُكْرِمُهم وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الباكُونَ مِن خَشْيَتِي فَأُولَئِكَ لَهُمُ الرَّفِيقُ الأعْلى لا يُشارِكُهم فِيهِ أحَدٌ»».
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في كِتابِ العِلْمِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَجِيًّا أبْصَرَ في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، وأخْبَرَهُ بِعِلْمِهِ فَقالَ لَهُ: هَذا رَجُلٌ كانَ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما أتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ، بَرًّا بِالوالِدَيْنِ، لا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى، ما جِئْتَ تَطْلُبُ؟ قالَ: جِئْتُ أطْلُبُ الهُدى يا رَبِّ. قالَ: قَدْ وجَدْتَ يا مُوسى. فَقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ما مَضى مِن ذُنُوبِي وما غَبَرَ وما بَيْنَ ذَلِكَ وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، وأعُوذُ بِكَ مِن وسْوَسَةِ نَفْسِي وسُوءِ عَمَلِي. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ كُفِيتَ يا مُوسى. قالَ: يا رَبِّ، أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أعْمَلَهُ؟ قالَ: اذْكُرْنِي يا مُوسى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أتْقى؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟ قالَ: الَّذِي يَقْنَعُ بِما يُؤْتى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أفْضَلُ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَطْلُبُ عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ لَعَلَّهُ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ عَمَلًا؟ قالَ: الَّذِي لا يَكْذِبُ لِسانُهُ، ولا يَزْنِي فَرْجُهُ، ولا يَفْجُرُ قَلْبُهُ. قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ: عَلى أثَرِ هَذا؟ قالَ: قَلْبُ مُؤْمِنٍ في خُلُقٍ حَسَنٍ. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أبْغَضُ إلَيْكَ؟ قالَ: قَلْبُ كافِرٍ في خُلُقٍ سَيِّئٍ. قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ عَلى أثَرِ هَذا؟ قالَ: جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ بَطّالٌ بِالنَّهارِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أذْكُرُكَ بِهِ وأدْعُوكَ بِهِ؟ قالَ: قُلْ يا مُوسى: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: يا رَبِّ، كُلُّ عِبادِكَ يَقُولُ هَذا. قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ يا رَبِّ. إنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قالَ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامِرَهُنَّ غَيْرِي والأرْضِينَ السَّبْعَ في كِفَّةٍ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ في كِفَّةٍ مالَتْ بِهِنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ».
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا ارْتَقى مُوسى طُورَ سِينا رَأى الجَبّارُ في أُصْبُعِهِ خاتَمًا فَقالَ: هَلْ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أسْمائِي أوْ كَلامِي؟ قالَ: لا. قالَ فاكْتُبْ عَلَيْهِ: لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا مُوسى، أتَدْرِي لِمَ كَلَّمْتُكَ؟ قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: لِأنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا تَواضَعَ لِي تَواضُعَكَ.
ولِلْقُصّاصِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ في أسْئِلَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ وأجْوِبَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ، لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ التَّصْدِيقُ بِها، ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أيْ: أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ الِاصْطِفاءِ.
﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِأنْ يَكُونَ لَكَ مُساهَمَةٌ كامِلَةٌ فِيهِمْ، وحاصِلُهُ: كُنْ بَلِيغَ الشُّكْرِ؛ فَإنَّ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ كانَ شُكْرًا لَكَ فِيما اصْطَنَعْتَ إلَيَّ، قالَ: يا مُوسى، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قالَ: فَكَأنَّ مُوسى أرادَ مِنَ العَمَلِ ما هو أنْهَكُ لِجِسْمِهِ مِمّا أُمِرَ بِهِ فَقالَ لَهُ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ الخَبَرَ ... وهو في مَعْنى ما في خَبَرِ أبِي سَعِيدٍ.
الأعراف 7:145
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والمَحاسِنِ والقَبائِحِ عَلى ما قالَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ وما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اصْطَحَبَ قَيْسُ بْنُ
صفحة 57
خَرَشَةَ وكَعْبُ الأحْبارِ حَتّى إذا بَلَغا صِفِّينَ وقَفَ كَعْبٌ ثُمَّ نَظَرَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: لَيُهْراقَنَّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ مِن دِماءِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ لا يُهْراقُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مِثْلُهُ. فَقالَ قَيْسٌ: ما يُدْرِيكَ؛ فَإنَّ هَذا مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ما مِنَ الأرْضِ شِبْرٌ إلّا مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى مُوسى ما يَكُونُ عَلَيْهِ وما يَخْرُجُ مِنهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ظاهِرٌ في أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّمْزِ كَما نَدَّعِيهِ في القُرْآنِ.
﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، وإلى هَذا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ (مِن) مَزِيدَةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، وفي زِيادَتِها في الإثْباتِ كَلامٌ، قِيلَ: ولَمْ تُجْعَلِ ابْتِدائِيَّةً حالًا مِن (مَوْعِظَةً)، و(مَوْعِظَةً) مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَعْنًى، ولَمْ تُجْعَلْ (مَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لَهُ وإنِ اسْتَوْفى شَرائِطَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَطْفُ (تَفْصِيلًا) عَنْ (مَوْعِظَةً)، وظاهِرٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: كَتَبْنا لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا جَعْلُهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَبَعِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى.
والطِّيبِيُّ اخْتارَ هَذا العَطْفَ، وأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(مَوْعِظَةً) وحْدَها بَدَلٌ، والمَعْنى: كَتَبْنا بَعْضَ كُلِّ شَيْءٍ في الألْواحِ مِن نَحْوِ السُّوَرِ والآياتِ وغَيْرِهِما مَوْعِظَةً وكَتَبْنا فِيها تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ اخْتِصاصُ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بِالمَوْعِظَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاهْتِمامَ بِهَذا أشَدُّ والعِنايَةَ بِها أتَمُّ، ولِكَوْنِها كَذَلِكَ كَثُرَ مَدْحُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَشِيرِ النَّذِيرِ، وإشْعارٌ بِأنَّ المَوْعِظَةَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يُذْكَرُ بِهِ، ألا يَرى إلى أنَّ أكْثَرَ الفَواصِلِ التَّنْزِيلِيَّةِ والرُّدُودِ عَلى هَذا النَّمَطِ نَحْوَ: (أفَلا تَتَّقُونَ - أفَلا تَتَذَكَّرُونَ)، وإلى سُورَةِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ أُعِيدَ فِيها ما أُعِيدَ؛ وذَلِكَ لِيَسْتَأْنِفَ السّامِعُ بِهِ ادِّكارًا واتِّعاظًا ويُجَدَّدَ تَنْبِيهًا واسْتِيقاظًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البُعْدَ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ باقٍ عَلى حالِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ كَما قالَ السَّمِينُ، وقَعَ صِفَةً لَهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها وكاتِبِها، فَقِيلَ: كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في اللُّغَةِ لِلَوْحَيْنِ ألْواحٌ، وأنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، أمَرَ الرَّبُّ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ بِها مِن عَدَنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّها كانَتْ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ، كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا»».
وعَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ طُولَ كُلٍّ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَطْعِها مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها لَهُ، فَقَطَعَها بِيَدِهِ وسَقَفَها بِأصابِعِهِ، ولا يَخْفى أنَّ أمْثالَ هَذا يَحْتاجُ إلى النَّقْلِ الصَّحِيحِ وإلّا فالسُّكُوتُ أوْلى؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّها مِن خَشَبِ السِّدْرِ إنْ صَحَّ السَّنَدُ إلى سِلْسِلَةِ الذَّهَبِ، والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّ كاتِبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَها بِالقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْرَ.
والمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وخَلْقٍ كَثِيرٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها بِيَدِهِ. وجاءَ أنَّها كُتِبَتْ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ الَّتِي كُتِبَتْ بِها.
وهُوَ المَأْثُورُ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ وخَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، ثُمَّ
صفحة 58
قالَ لِأشْياءَ كُونِي فَكانَتْ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ ورْدانَ بْنِ خالِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ جِبْرِيلَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ القَلَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ عَرْشَهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ الكِتابَ الَّذِي عِنْدَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ. وهَذا كُلُّهُ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها كُتِبَتْ قَبْلَ المِيقاتِ، وأُنْزِلَتْ عَلى ما قِيلَ وهي سَبْعُونَ وِقْرَ بِعِيرٍ، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ؛ مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ومِمّا كُتِبَ فِيها كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذِكْرُ أُمَّتِهِ وما ادَّخَرَ لَهم عِنْدَهُ، وما يَسَّرَ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ، وما وسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيما أحَلَّ لَهم حَتّى إنَّهُ جاءَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَجِبَ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَتَّهُ وتَمَنّى أنْ يَكُونَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهُما، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««كانَ فِيما أعْطى اللَّهُ تَعالى مُوسى في الألْواحِ: يا مُوسى، لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا؛ فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النّارُ، واشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ أقِكَ المَتالِفَ، وأُنْسِئْكَ في عُمْرِكَ، وأُحْيِكَ حَياةً طَيِّبَةً، وأقْلِبْكَ إلى خَيْرٍ مِنها، ولا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ فَتَضِيقُ عَلَيْكَ الأرْضُ بِرَحْبِها، والسَّماءُ بِأقْطارِها، وتَبُوءُ بِسَخَطِي والنّارِ، ولا تَحْلِفْ بِاسْمِي كاذِبًا ولا آثِمًا؛ فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَن لَمْ يُنَزِّهْنِي ويُعَظِّمْ أسْمائِي، ولا تَحْسُدِ النّاسَ عَلى ما أعْطَيْتُهم مِن فَضْلِي، ولا تَنْفَسْ عَلَيْهِ نِعْمَتِي ورِزْقِي؛ فَإنَّ الحاسِدَ عَدُوُّ نِعْمَتِي، رادٌّ لِقَضائِي، ساخِطٌ لِقِسْمَتِي الَّتِي أقْسِمُ بَيْنَ عِبادِي، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنهُ ولَيْسَ مِنِّي، ولا تَشْهَدْ بِما لَمْ يَعِ سَمْعُكَ، ويَحْفَظْ عَقْلُكَ، ويُعْقَدْ عَلَيْهِ قَلْبُكَ؛ فَإنِّي واقِفٌ أهْلَ الشَّهاداتِ عَلى شَهاداتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ سائِلُهم عَنْها سُؤالًا حَثِيثًا، ولا تَزْنِ ولا تَسْرِقْ، ولا تَزْنِ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأحْجُبْ عَنْكَ وجْهِي وتُغْلَقْ عَنْكَ أبْوابُ السَّماءِ، وأحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، ولا تَذْبَحَنَّ لِغَيْرِي؛ فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُرْبانِ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمِي وكانَ خالِصًا لِوَجْهِي، وتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وفَرِّغْ لِي نَفْسَكَ وجَمِيعَ أهْلِ بَيْتِكَ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ السَّبْتَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِيدًا، واخْتارَ لَنا الجُمُعَةَ فَجَعَلَها عِيدًا»».
﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: والجُمْلَةُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَطْفًا عَلى: ( كَتَبْنا ) وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، والدّاعِي لِهَذا التَّقْدِيرِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي رِعايَةُ المُناسَبَةِ لِ ( كَتَبْنا لَهُ ) لِأنَّهُ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ، ولَوْ كانَ بَدَلُهُ كَتَبْنا لَكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وأمّا حَدِيثُ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ بِالفاءِ.
وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِأجْنَبِيٍّ وهو جُمْلَةُ كَتَبْنا المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ: (قالَ)، وهو تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْألْواحِ أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ، والعُمُومُ لا يَكْفِي في عَوْدِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ بِدُونِ تَأْوِيلِهِ بِالجَمْعِ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ لِلتَّوْراةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، والقائِلُ بِالبَدَلِيَّةِ جَعَلَهُ عائِدًا إلى الرِّسالاتِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُلْتَبِسًا بِقُوَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: مُلْتَبِسَةً بِقُوَّةِ بَراهِينِها، والأوَّلُ أوْضَحُ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أيْ: أخْذًا بِقُوَّةٍ.
﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ: أحْسَنِها، فالباءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:
سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِالباءِ أصْلِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وحِينَئِذٍ فَهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَأْخُذُوا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَعْمَلُوا، أوْ هو مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى السِّيرَةِ، ومِنهُ أخَذَ أخْذَهَمْ أيْ: سارَ سَيْرَهم وتَخَلَّقَ
صفحة 59
بِخَلائِقِهِمْ كَما نَقُولُ، وإمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أنْفُسَهم كَما قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أمْرِهِمْ أخْذُهُمْ، أيْ: إنْ تَأْمُرْهم ويُوَفِّقْهُمُ اللَّهُ تَعالى يَأْخُذُوا، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ فِيهِ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ بَعْدَ أمْرٍ مِنَ القَوْلِ أوْ ما هو بِمَعْناهُ كَما هُنا، وإضافَةُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ هُنا عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ كَإضافَتِهِ فِي: زَيْدٌ أحْسَنُ النّاسِ، وهي عَلى المَشْهُورِ مَحْضَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: إنَّها لَفْظِيَّةٌ، ويُوهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ أنَّها عَلى مَعْنى في ولَيْسَ بِهِ، والمَعْنى بِأحْسَنِ الأجْزاءِ الَّتِي فِيها، ومَعْنى أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى الأحْسَنِ كالصَّبْرِ فَإنَّهُ أحْسَنُ بِالإضافَةِ إلى الِانْتِصارِ، أيْ: مُرْهم يَأْخُذُوا بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ والحَثِّ عَلى الأفْضَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أوِ المَعْنى بِأحْسَنِ أحْكامِها، والمُرادُ بِهِ الواجِباتُ؛ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المَندُوباتِ والمُباحاتِ، أوْ هي والمَندُوباتُ عَلى ما قِيلَ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المُباحاتِ.
وقِيلَ: إنَّ الأحْسَنَ بِمَعْنى البالِغِ في الحُسْنِ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ وهو المَأْمُورُ بِهِ ومُقابِلُهُ المَنهِيُّ عَنْهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: أمَرُوا بِالخَيْرِ ونَهَوْا عَنِ الشَّرِّ وعَرَفُوا ما لَهم وما عَلَيْهِمْ فَقِيلَ: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ إلَخْ. فافْعَلْ نَظِيرَهُ في قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ. فَإنَّهُ بِمَعْنى: الصَّيْفُ في حَرِّهِ أبْلَغُ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ؛ إذْ تَفْضِيلُ حَرارَةِ الصَّيْفِ عَلى حَرارَةِ الشِّتاءِ غَيْرُ مُرادَةٍ بِلا شُبْهَةٍ. ويُقالُ هُنا: المَأْمُورُ بِهِ أبْلَغُ في الحُسْنِ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ.
وتَفْصِيلُ ما في المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ الدَّمامِينِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى المَصابِيحِ ونَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهابُ أنَّ لِأفْعَلَ أرْبَعُ حالاتٍ: إحْداها: وهي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ: أنْ يَدُلَّ عَلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ اتِّصافُ مَن هو لَهُ بِالحَدَثِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ، وبِهَذا كانَ وصْفًا، الثّانِي: مُشارَكَةٌ مَصْحُوبَةٌ في تِلْكَ الصِّفَةِ، الثّالِثُ: مَزِيَّةٌ مَرْصُوفَةٌ عَلى مَصْحُوبَةٍ فِيها، وبِكُلٍّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فارَقَ غَيْرَهُ مِنَ الصِّفاتِ، وثانِيَتُها: أنْ يَخْلَعَ عَنْهُ ما امْتازَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ ويَتَجَرَّدَ لِلْمَعْنى الوَصْفِيِّ، وثالِثَتُها: أنْ تُبْقى عَلَيْهِ مَعانِيهِ الثَّلاثَةُ ولَكِنْ يُخْلَعُ عَنْهُ قَيْدُ المَعْنى الثّانِي، ويَخْلُفُهُ قَيْدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى الثّانِيَ وهو الِاشْتِراكُ كانَ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي هي المَعْنى الأوَّلُ، فَيَصِيرُ مُقَيَّدًا بِالزِّيادَةِ الَّتِي هي المَعْنى الثّالِثُ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى في قَوْلِهِمْ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ؛ أنَّ لِلْعَسَلِ حَلاوَةً وأنَّ تِلْكَ الحَلاوَةَ ذاتُ زِيادَةٍ، وأنَّ زِيادَةَ حَلاوَةِ العَسَلِ أكْثَرُ مِن زِيادَةِ حُمُوضَةِ الخَلِّ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ في حَواشِي التَّسْهِيلِ وهو بَدِيعٌ جِدًّا، ورابِعَتُها: أنْ يُخْلَعَ عَنْهُ المَعْنى الثّانِي وهو المُشارَكَةُ، وقُيِّدَ المَعْنى الثّالِثُ وهو كَوْنُ الزِّيادَةِ عَلى مُصاحِبِهِ فَيَكُونُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى زِيادَةٍ مُطْلَقَةٍ لا مُقَيَّدَةٍ؛ وذَلِكَ في نَحْوِ: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ. انْتَهى.
وعَدَمُ اشْتِراكِ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ في الحُسْنِ المُرادِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ وإنْ كانَ الحُسْنُ مُطْلَقًا كَما في البَحْرِ مُشْتَرَكًا فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ أحْسَنُ مِن حَيْثُ الِامْتِثالُ وتَرَتُّبُ الثَّوابِ عَلَيْهِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ حَسَنٌ بِاعْتِبارِ المَلاذِ والشَّهْوَةِ. وقالَ قُطْرُبٌ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحْيِي السُّنَّةِ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِحَسَنِها وكُلُّها حَسَنٌ، وهو ظاهِرٌ في حَمْلِ أفْعَلَ عَلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِها وأحْسَنَ صِلَةً. ولَيْسَ لَهُ مِنَ القَبُولِ عائِدٌ. وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: يَأْخُذُوا بِالنّاسِخِ دُونَ المَنسُوخِ، وقِيلَ: الأخْذُ بِالأحْسَنِ هو أنْ تُحْمَلَ الكَلِمَةُ المُحْتَمِلَةُ لِمَعْنَيَيْنِ أوْ لِمَعانٍ عَلى أشْبَهِ مُحْتَمَلاتِها بِالحَقِّ وأقْرَبِها لِلصَّوابِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأخْذُ عَلى الشُّرُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أخَذَ زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ. أيْ: شَرَعَ في الكَلامِ، والأحْسَنُ عَلى العَقائِدِ فَيَكُونُ المُرادُ أمَرَهم لِيَشْرَعُوا بِالتَّحَلِّي بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ، وهي -لِكَوْنِها أُصُولَ الدِّينِ ومَوْقُوفَةً عَلَيْها صِحَّةُ الأعْمالِ- أحْسَنُ مِن غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِأمْرِهِمْ بِجَمِيعِ ما فِيها كَما لا يَخْفى فَإنَّ أخَذَ
صفحة 60
بِالمَعْنى المَعْنِيِّ مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ لَيْسَ هَذا اسْتِعْمالَها المَعْهُودَ في كَلامِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدَ ما فِيهِ، ومِثْلُ هَذا كَوْنُ ضَمِيرِ أحْسَنِها عائِدًا إلى قُوَّةٍ عَلى مَعْنى مُرْهم يَأْخُذُوها بِأحْسَنِ قُوَّةٍ وعَزِيمَةٍ، فَيَكُونُ أمْرًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْمُرَهم بِأخْذِها كَما أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ سُبْحانَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى اكْتَفى في أمْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الأحْسَنِ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ خِلافُ المَأْثُورِ المُنْساقِ إلى الفَهْمِ مَعَ أنّا لَمْ نَجِدْ في كَلامِهِمْ أحْسَنَ قُوَّةً، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ غَيْرَ أنَّهُ فَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ.
﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ تَوْكِيدٌ لِأمْرِ القَوْمِ بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ وبَعَثَ عَلَيْهِ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ دارُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمِصْرَ، ورَأى بَصَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً والمَفْعُولُ الثّالِثُ مَحْذُوفٌ، أيْ: سَأُرِيكم إيّاها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها لِتَعْتَبِرُوا وتَجِدُّوا ولا تَهاوَنُوا في امْتِثالِ الأمْرِ ولا تَعْمَلُوا أعْمالَ أهْلِها لِيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وحَسَّنَ مَوْقِعَهُ قَصْدُ المُبالِغَةِ في الحَثِّ وفي وضْعِ الإراءَةِ مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ إقامَةُ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ مُبالَغَةً أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفي وضْعِ (دارَ الفاسِقِينَ) مَوْضِعَ أرْضِ مِصْرَ الإشْعارُ بِالعِلِّيَّةِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنْ يَحْتَرِزُوا ولا يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ مِنَ الفِسْقِ، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى مِصْرَ كَما في الكَشْفِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِدارِ الفاسِقِينَ مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ هَلَكُوا، وعَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِها جَهَنَّمُ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى النَّهْجِ الأوَّلِ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى نَهْجِ الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، أيْضًا مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ أرْضُ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ بِالشّامِ؛ فَإنَّها مِمّا أُبِيحَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُتِبَ لَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ومَعْنى الإراءَةِ الإدْخالُ بِطَرِيقِ الإيراثِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ: (سَأُورِثُكُمْ) وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالدّارِ مِصْرُ، وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وإرادَةِ أرْضِ مِصْرَ مِنَ الدّارِ تَغْلِيبٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: سَأُورِثُكَ وقَوْمَكَ أرْضَ مِصْرَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَيْها إذا أُرِيدَ مِنَ الدّارِ أرْضَ الجَبابِرَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْخُلْها، وإنَّما دَخَلَها مَعَ القَوْمِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَصِحُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَها ويُوشَعُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّغْلِيبِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا، وقَرَأ الحَسَنُ: (سَأُورِيكُمْ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وواوٍ ساكِنَةٍ وراءٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ في الحِجازِ، والمَعْنى: سَأُبَيِّنُ لَكم ذَلِكَ وأُنَوِّرُهُ عَلى أنَّهُ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، واخْتارَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ -ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ- أنَّها عَلى الإشْباعِ كَقَوْلِهِ:
مِن حَيْثُما سَلَكُوا ادْنُوا فانْظُرُوا
الأعراف 7:146
﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ الَّتِي كُتِبَتْ في ألْواحِ التَّوْراةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَواعِظِ والأحْكامِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدُوا إراءَتَهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها مَنعُهم بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ويَرَوْنَ أنَّ لَهُمُ ارْتِفاعًا في العالَمِ السُّفْلِيِّ ومِزْيَةً عَلى الخَلْقِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم فَتَكُونُوا
صفحة 61
أمْثالَهم. وقِيلَ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ وبِالصَّرْفِ عَنْها إزالَةُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى أوْ يُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَرى دارَهم وهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهُمْ: سَأُهْلِكُهُمْ، وإنَّما عُدِلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الكَلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ وإمّا بِما تَقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وأْمُرْ ) إلَخْ. عَلى مَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وأمّا الإرادَةُ فَإنِّي سَأصْرِفُ عَنِ الأخْذِ بِآياتِي أهْلَ الطَّبْعِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ مَعَ كافِرِي مَكَّةَ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ الآيَةَ، وإيرادُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ لِلِاعْتِبارِ، أيْ: سَأصْرِفُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ إبْطالِ الآياتِ وإنِ اجْتَهَدُوا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ فَعادَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِعَكْسِ ما أرادَ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اعْتِراضٌ في خِلالِ ما سِيقَ لِلِاعْتِبارِ ومِن حَقِّ مَن ساقَ قِصَّةً لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى مَكانِهِ كُلَّما وجَدَ فُرْصَةَ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصَّرْفِ المَنعُ عَنِ الإيمانِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ كَما عَلِمْتَ، وقَدْ خاضَ المُعْتَزِلَةُ في تَأْوِيلِها فَأوَّلُوها بِوُجُوهٍ ذَكَرَها الطَّبَرْسِيُّ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةً لِلتَّكَبُّرِ عَلى مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَزَّزُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ومَآلِهِ، يَتَكَبَّرُونَ غَيْرَ مُحِقِّينَ لِأنَّ التَّكَبُّرَ بِحَقٍّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظَمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي في واحِدٍ مِنهُما قَذَفْتُهُ في النّارِ»».
وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَتَكَبَّرُ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأمّا التَّكَبُّرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا صُورَةُ تَكَبُّرٍ لا تَكَبُّرٌ حَقِيقَةً فَلَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِما ذُكِرَ لِإظْهارِ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ حَقِيقَةً.
﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عُطِفَ عَلى يَتَكَبَّرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ إمّا المَنزِلَةُ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُشاهَدَتُها والإحْساسُ بِها بِسَماعِها أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ المُعْجِزاتِ، فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُطْلَقُ المُشاهَدَةِ المُنْتَظِمَةِ لِلسَّماعِ والإبْصارِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآياتِ فِيما تَقَدَّمَ بِالمَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والآيَةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ أوِ المُعْجِزَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ الدَّوْرُ عَلى ما قِيلَ فَلْيُفْهَمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: سَأصْرِفُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى رَأْيِ صاحِبِ المِفْتاحِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ: أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ أيَّةِ آيَةٍ.
﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى والسَّدادِ.
﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: لا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ولا يَسْلُكُونَهُ أصْلًا لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (الرَّشَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ: (الرَّشادِ) وثَلاثُها لُغاتٌ والسَّقَمِ والسُّقْمِ والسَّقامِ، وفَرَّقَ
صفحة 62
أبُو عَمْرٍو كَما قالَ الجُبّائِيُّ بَيْنَ الرُّشْدِ والرَّشَدِ بِأنَّ الرُّشْدَ بِالضَّمِّ الصَّلاحُ في الأمْرِ، والرَّشَدَ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ الفَرْقِ.
﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ أيْ: طَرِيقَ الضَّلالِ.
﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مَسْلَكًا مُسْتَمِرًّا لا يَكادُونَ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِمُوافَقَتِهِ لِأهْوائِهِمْ وإفْضائِهِ بِهِمْ إلى شَهَواتِهِمْ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُ مِنَ التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الهُدى وإقْبالِهِمِ التّامِّ إلى سَبِيلِ الضَّلالِ حاصِلٌ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ وعَلى حَقِّيَّةِ أضْدادِها.
﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ غَيْرَ مُعْتَدِّينَ بِها؛ فَلا يَتَكَفَّرُونَ فِيها وإلّا لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الأباطِيلِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الصَّرْفِ، وما فِيهِ البَحْثُ يَدْفَعُ بِأدْنى عِنايَةٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن مَدَّتْ إلَيْهِ العِنايَةُ أسْبابَها، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقِيلَ: مَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَأصْرِفُهم ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِنا وغَفْلَتِهِمْ عَنْها، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ العامِلِ أصْرِفُ المُقَدَّمَ لِأنَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ.
الأعراف 7:147
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: لِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ عَلى أنَّهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وحَذْفِ الفاعِلِ أوْ لِقائِهِمْ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ عَلى التَّوَسُّعِ. والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ كالفاعِلِ ومُحَلُّ المَوْصُولِ في الِاحْتِمالَيْنِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ خَبَرُهُ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها مِن صِلَةِ الأرْحامِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ بَعْدَ ما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إيمانِهِمْ بِها، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِأعْمالِهِمْ وإلّا فَهي أعْراضٌ لا تَحْبَطُ حَقِيقَةً.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أيْ: لا يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَقْدِيرُ هَذا المُضافِ لِظُهُورِ أنَّ المُجْزى لَيْسَ نَفْسَ العَمَلِ، وقِيلَ: إنَّ أعْمالَهم تَظْهَرُ في صُوَرِ ما يُجْزَوْنَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: هي الخَبَرُ. والجُمْلَةُ السّابِقَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، واحْتَجَّتِ الأشاعِرَةُ عَلى ما قِيلَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أبِي هاشِمٍ أنَّ تارِكَ الواجِبِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ فِعْلُ الضِّدِّ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا عَلى عَمَلٍ وتَرْكُ الواجِبِ لَيْسَ بِهِ.
وأجابَ أبُو هاشِمٍ بِأنِّي لا أُسَمِّي ذَلِكَ العِقابَ جَزاءً، ورُدَّ بِأنَّ الجَزاءَ ما يُجْزِي أيْ: يَكْفِي في المَنعِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والحَثُّ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والعُقابُ عَلى تَرْكِ الواجِبِ كافٍ في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ فَكانَ جَزاءً.
الأعراف 7:148
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الجَبَلِ لِمُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو ما يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ ويُتَحَلّى بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّخَذَ كَمِن بَعْدِهِ، مِن قَبْلِهِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنى الجارَّيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلِابْتِداءِ أيْضًا، وتَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ واعْتِبارِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: الجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلى ضَمِيرِ القَوْمِ لَأدْنى مُلابَسَةٍ؛ لِأنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ فاسْتَعارُوها مِنهم قُبَيْلَ الغَرَقِ فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ
صفحة 63
وقِيلَ: إنَّها عَلى ما يُتَبادَرُ مِنها بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ مَلَكُوها بَعْدَ أنْ ألْقاها البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ غَرَقِ القِبْطِ أوْ بَعْدَ أنِ اسْتَعارُوها مِنهم وهَلَكُوا. قالَ الإمامُ: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إغْراقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ مِنهم أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَعِيرُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِيَخْرُجُوا خَلْفَهم لِأجْلِ المالِ أوْ لِتَبْقى أمْوالُهم في أيْدِيهِمْ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أمْرًا بِأخْذِ مالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّما يَكُونُ غَنِيمَةً بَعْدَ الهَلاكِ مَعَ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ حَلالًا لَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ»» الحَدِيثَ.
عَلى أنَّ ما نُقِلَ عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِمْ: ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ الحِلِّ أيْضًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهم لَمّا اسْتَعْبَدُوهم بِغَيْرِ حَقٍّ واسْتَخْدَمُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم وقَتَلُوا أوْلادَهم مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَهم وما فِيها، فالأرْضُ لِلَّهِ تَعالى يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا عَلى طَرِيقِ الغَنِيمَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وكَمْ في الشَّرائِعِ مِثْلُهُ، والقَوْلُ المَحْكِيُّ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وواعَدْنا مُوسى﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ كَدِلِيٍّ، وبَعْضٌ: (حَلْيَهُمْ) عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِجْلا﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ بِمَعْنى صاغَ وعَمِلَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: إنَّ اتَّخَذَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ وهو بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: إلَهًا، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرِ خاصَّةً، وهَذا كَما يُقالُ لِوَلَدِ النّاقَةِ حِوارٌ ولِوَلَدِ الفَرَسِ مُهْرٌ، ولِوَلَدِ الحِمارِ جَحْشٌ، ولِوَلَدِ الشّاةِ حَمَلٌ، ولِوَلَدِ العَنْزِ جَدْيٌ، ولِوَلَدِ الأسَدِ شِبْلٌ، ولِوَلَدِ الفِيلِ دَغْفَلٌ، ولِوَلَدِ الكَلْبِ جَرْوٌ، ولِوَلَدِ الظَّبْيِ خَشْفٌ، ولِوَلَدِ الأُرْوِيَّةِ غَفْرٌ، ولِوَلَدِ الضَّبْعِ فَرْغَلٌ، ولِوَلَدِ الدُّبِّ دَيْسَمٌ، ولِوَلَدِ الخِنْزِيرِ خِنَّوْصٌ، ولِوَلَدِ الحَيَّةِ حَرْبَشٌ، ولِوَلَدِ النَّعامِ رَأْلٌ، ولِوَلَدِ الدَّجاجَةِ فَرُّوجٌ، ولِوَلَدِ الفَأْرِ دَرْصٌ، ولِوَلَدِ الضَّبِّ حَسْلٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ هُنا ما هو عَلى صُورَةِ العِجْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ بَدَلٌ مِن عِجْلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ بِتَأْوِيلِ مُتَجَسِّدًا، وفُسِّرَ بِبَدَنٍ ذِي لَحْمٍ ودَمٍ، قالَ الرّاغِبُ: الجَسَدُ كالجِسْمِ لَكِنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقالُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، ويُقالُ أيْضًا لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ، ومِن هُنا عَلى ما قِيلَ قِيلَ لِلزَّعْفَرانِ الجَسّادُ، ولِما أُشْبِعَ صَبْغُهُ مِنَ الثِّيابِ مُجَسَّدٌ، وجاءَ المُجَسَّدُ أيْضًا بِمَعْنى الأحْمَرِ، وبَعْضٌ فَسَّرَ الجَسَدَ بِهِ هُنا فَقالَ: أيْ: أحْمَرُ مِن ذَهَبٍ.
﴿لَهُ خُوارٌ﴾ هو صَوْتُ البَقَرِ خاصَّةً كالثُّغاءِ لِلْغَنَمِ واليَعارِ لِلْمَعْزِ، والنَّبِيبِ لِلتَّيْسِ، والنُّباحِ لِلْكَلْبِ، والزَّئِيرِ لِلْأسَدِ، والعُواءِ والوَعْوَعَةِ لِلذِّئْبِ، والضِّباحِ لِلثَّعْلَبِ، والقُباعِ لِلْخِنْزِيرِ والمُواءِ لِلْهِرَّةِ، والنَّهِيقِ والسَّحِيلِ لِلْحِمارِ والصَّهِيلِ والضَّبْحِ والقَنْعِ والحَمْحَمَةِ لِلْفَرَسِ والرُّغاءِ لِلنّاقَةِ والصَّنى لِلْفِيلِ، والبَتْغَمِ لِلظَّبْيِ والضَّغِيبِ لِلْأرْنَبِ والعَرارِ لِلظَّلِيمِ، والصَّرْصَرَةِ لِلْبازِيِّ والعَقْعَقَةِ لِلصَّقْرِ والصَّفِيرِ لِلنَّسْرِ والهَدِيرِ لِلْحَمامِ والسَّجْعِ لِلْقُمْرِيِّ والسَّقْسَقَةِ لِلْعُصْفُورِ والنَّعِيقِ والنَّعِيبِ لِلْغُرابِ والصِّقاءِ والزُّقاءِ لِلدِّيكِ والقَوْقاءِ والنَّقِيقَةِ لِلدَّجاجَةِ والفَحِيحِ لِلْحَيَّةِ والنَّقِيقِ لِلضِّفْدَعِ والصَّئِيِّ لِلْعَقْرَبِ والفَأْرَةِ والصَّرِيرِ لِلْجَرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ: (جُؤارٌ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وهَمْزَةٍ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، ومِثْلُهُ الصِّياحُ
صفحة 64
والصُّراخُ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وخُوارٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِ عِجْلًا.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ حَيًّا.
وذَكَرَ بَعْضُهم في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرُّوحَ الأعْظَمَ سَرَتْ قُوَّةٌ مِنهُ إلى ذَلِكَ التُّرابِ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرٍ يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَحْيا ما يَطَؤُهُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِالإذْنِ وهو إنَّما يَكُونُ بِحَسْبِ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا الحَكِيمُ الخَبِيرُ فَتَدَبَّرْ. وإلى القَوْلِ بِالحَياةِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الخُوارَ إنَّما يَكُونُ لِلْبَقَرِ لا لِصُورَتِهِ، وبِأنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه كالصَّرِيحِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ. وقالَ جَمْعٌ مِن مُفَسِّرِي المُعْتَزِلَةِ: إنَّ العِجْلَ كانَ بِلا رُوحٍ، وكانَ السّامِرِيُّ قَدْ صاغَهُ مُجَوَّفًا ووَضَعَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ وجَعَلَهُ في مَهَبِّ الرِّيحِ فَكانَتْ تَدْخُلُ في تِلْكَ الأنابِيبِ فَيُسْمَعُ لَها صَوْتٌ يُشْبِهُ خُوارَ العِجْلِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ خُوارًا. وما في طه سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ. واخْتُلِفَ في هَذا الخُوارِ فَقِيلَ: كانَ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانَ مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وكانُوا كُلَّما خارَ سَجَدُوا لَهُ، وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُؤُوسَهم. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ كانَ يَخُورُ ويَمْشِي. وعَنْ وهْبٍ نَفْيُ الحَرَكَةِ، والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنْ إثْباتِها، ولَيْسَ في الأخْبارِ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ عَنْ إثْباتِ المَشْيِ أوْلى، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ، وإنَّما نُسِبَ الِاتِّخاذُ إلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو فِعْلُ السّامِرِيِّ لِأنَّهم رَضُوا بِهِ وكَثِيرًا ما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى قَوْمٍ مَعَ وُقُوعِهِ مِن واحِدٍ مِنهم فَيُقالُ: قَتَلَ بَنُو فُلانٍ قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا، فالمَعْنى صَيَّرُوهُ إلَهًا وعَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ لا تَجُوزُ في الكَلامِ لِأنَّ العِبادَةَ لَهُ وقَعَتْ مِنهم جَمِيعًا.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتَثْنى آخَرُونَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وعَلى القَوْلِ قِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فَعَبَدُوهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَصَبَّ الإنْكارِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ التَّصْوِيرِ حَدَثَتْ في شَرْعِنا عَلى المَشْهُورِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُ عِبادَتِهِ.
﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ تَقْرِيعٌ لَهم وتَشْنِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحادُ البَشَرِ مِنَ الكَلامِ وإرْشادِ السَّبِيلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَكَيْفَ عَدَلُوهُ بِخالِقِ الأجْسامِ والقُوى والقَدَرِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَعْرِيضًا بِالإلَهِ الحَقِّ وكَلامِهُ الَّذِي لا يَنْفَدُ وهِدايَتِهِ الواضِحَةِ الَّتِي لا تُجْحَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِكَلامِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهِدايَتِهِ لِقَوْمِهِ، ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تَكْرارٌ لِجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الِاتِّخاذِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ المُشْتَمِلِ عَلى الذَّمِّ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى أُسْلُوبِ: أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ، أيْ: أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ المُنْكَرِ.
﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ أيْ: إنَّ دَأْبَهم قَبْلَ ذَلِكَ الظُّلْمُ ووَضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم هَذا المُنْكَرُ العَظِيمُ، وكَرَّرَ الفِعْلَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيِ اتَّخَذُوهُ في هَذِهِ الحالَةِ المُسْتَمِرَّةِ لَهم.
الأعراف 7:149
﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ شَدَّةِ النَّدَمِ وغايَتِهِ؛ لِأنَّ النّادِمَ إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وأصْلُهُ سَقَطَ فُوهُ أوْ عَضَّهُ في يَدِهِ أيْ: وقَعَ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَصارَ سَقَطَ في يَدِهِ كَقَوْلِكَ: مُرَّ بِزَيْدٍ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (سَقَطَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى الأصْلِ، واليَدُ عَلى ما ذُكِرَ حَقِيقَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ
صفحة 65
القُطْبُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ حَيْثُ شَبَّهَ حالَ النَّدَمِ في النَّفْسِ بِحالِ الشَّيْءِ في اليَدِ في التَّحْقِيقِ والظُّهُورِ، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّقُوطِ في اليَدِ، ولا لُطْفَ لِلِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ يُقالُ لِما يَحْصُلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في اليَدِ: وقَعَ في يَدِهِ، وحَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، فَيُشَبَّهُ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ وفي القَلْبِ بِما يُرى بِالعَيْنِ، وخُصَّتِ اليَدُ لِأنَّ مُباشَرَةَ الأُمُورِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أوْ لِأنَّ النَّدَمَ يَظْهَرُ أثَرُهُ بَعْدَ حُصُولِهِ في القَلْبِ في اليَدِ لِعَضِّها والضَّرْبِ بِها عَلى أُخْتِها ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في النّادِمِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ .
وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقَنَهُ عَلى يَدِهِ بِحَيْثُ لَوْ أزالَها سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّ اليَدَ مَسْقُوطٌ فِيها، و(فِي) بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: هو مِنَ السِّقاطِ وهو كَثْرَةُ الخَطَأِ، وقِيلَ: مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ لا ثَباتَ لَهُ، فَهو مَثَلٌ لِمَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى طائِلٍ مِن سَعْيِهِ، وعَدَّ بَعْضُهم سَقَطَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ كَنِعْمَ وبِئْسَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (أُسْقِطَ) عَلى أنَّهُ رُباعِيٌّ مَجْهُولٌ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ، ولَمْ يُوجَدْ في أشْعارِهِمْ وكَلامِهِمْ؛ فَلِذا خَفِيَ عَلى الكَثِيرِ وأخْطَئُوا في اسْتِعْمالِهِ كَأبِي حاتِمٍ، وأبِي نُواسٍ، وهو العالِمُ النِّحْرِيرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ لَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ.
﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: تَبَيَّنُوا ضَلالَهم بِاتِّخاذِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ تَبَيُّنًا كَأنَّهم قَدْ أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ. قِيلَ: وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
وقالَ القُطْبُ في بَيانِ تَأخُّرِ تَبَيُّنِ الضَّلالِ عَنِ النَّدَمِ مَعَ كَوْنِهِ سابِقًا عَلَيْهِ: إنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الجَزْمِ بِالشَّيْءِ إلى تَبَيُّنِ الجَزْمِ بِالنَّقِيضِ لا يَكُونُ دَفْعِيًّا في الأغْلَبِ بَلْ إلى الشَّكِّ ثُمَّ الظَّنِّ بِالنَّقِيضِ ثُمَّ الجَزْمِ بِهِ ثُمَّ تَبَيُّنِهِ، والقَوْمُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ صَوابٌ، والنَّدَمُ عَلَيْهِ رُبَّما وقَعَ لَهم في حالِ الشَّكِّ فِيهِ؛ فَقَدْ تَأخَّرَ تَبَيُّنُ الضَّلالِ عَنْهُ. انْتَهى. فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنْ خَطِيئَتِنا، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ أنَّ التَّخْلِيَةَ حَقُّها أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ قِيلَ: إمّا لِلْمُسارَعَةِ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ مُطْلَقُ إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، وهو مَبْدَأٌ لِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ، واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ إلَخْ ... وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِجَوابِ القَسَمِ كَما هو المَشْهُورُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ و(رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدامَةِ والرُّؤْيَةِ والقَوْلِ كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المِيقاتِ كَما يَنْطِقُ بِهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في طه، وقُدِّمَ لِيَتَّصِلَ ما قالُوهُ بِما فَعَلُوهُ.
الأعراف 7:150
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ مِمّا حَدَثَ مِنهم.
﴿أسِفًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ كَما قالَ أبُو الدَّرْداءِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ وعَطاءٌ والزَّجّاجُ، أوْ حَزِينًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الغَضَبُ والأسَفُ بِمَعْنًى، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
صفحة 66
وقالَ الواحِدِيُّ: هُما مُتَقارِبانِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، حَزِينًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهُمْ، وقَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ، ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ بِأنْ يَكُونَ الثّانِي حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الأوَّلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى وهو بَدَلُ كُلٍّ لا بَعْضٍ كَما تُوُهِّمَ.
﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ خِطابٌ إمّا لِعَبَدَةِ العِجْلِ، وإمّا لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ بَعْدَ غَيْبَتِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ، أوْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ لَمْ تُراعُوا عَهْدِي ولَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن حَمْلِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ وكَفِّهِمْ عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخِلافَةِ الخِلافَةُ فِيما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ إلَيْهِما، ولا تَكْرارَ في ذِكْرِ ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾؛ لِأنَّ المُرادَ مِن بَعْدِ وِلايَتِي وقِيامِي بِما كُنْتُ أقُومُ؛ إذْ بَعْدِيَّتُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّما تَكُونُ عَلى ما قِيلَ بَعْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ (مِن بَعْدِي) تَأْكِيدٌ مِن بابِ رَأيْتُهُ بِعَيْنِي، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ نِيابَةِ المُسْتَخْلَفِ ومُزاوَلَةِ سِيرَتِهِ كَما أنَّ هُنالِكَ تَصْوِيرَ الرُّؤْيَةِ وما يَتَّصِلُ بِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكُمْ، والذَّمُّ فِيما إذا كانَ الخِطابُ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِلْخِلافَةِ نَفْسِها بَلْ لِعَدَمِ الجَرْيِ عَلى مُقْتَضاها، وأمّا إذا كانَ لِلسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ.
﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: أعَجِلْتُمْ عَمّا أمَرَكم بِهِ رَبُّكم وهو انْتِظارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِمْ حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاهم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ. رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ لَهُمُ العِجْلَ: وقالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ.
ورُوِيَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها فَجَعَلُوها أرْبَعِينَ، ثُمَّ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، والمَعْرُوفُ تَعَدِّي (عَجِلَ) بِعَنْ لا بِنَفْسِهِ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ عَلَيْهِ، وأعْجَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وضَمَّنُوهُ هُنا مَعْنى السَّبْقِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّرْكِ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ ولَمْ يُضَمَّنِ ابْتِداءً مَعْنى التَّرْكِ لِخَفاءِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما وعَدَمِ حُسْنِها، وذَهَبَ يَعْقُوبُ إلى أنَّ السَّبْقَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينٍ، والأمْرُ واحِدُ الأوامِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: أعَجِلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ؟ فالأمْرُ عَلَيْهِ واحِدُ الأُمُورِ والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْبَعِينَ عَلى ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ غَيْرُ الأرْبَعِينَ الَّتِي أشارَ اللَّهُ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: وضَعَها عَلى الأرْضِ كالطّارِحِ لَها لِيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ مِمّا عَراهُ مِن فَرْطِ الغَيْرَةِ الدِّينِيَّةِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا غَضِبَ اشْتَعَلَتْ قَلَنْسُوَتُهُ نارًا. وقالَ القاضِي ناصِرُ الدِّينِ: أيْ: طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ، ثُمَّ نُقِلَ أنَّهُ انْكَسَرَ بَعْضُها حِينَ ألْقاها، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ شَيْخُ مَشايِخِنا صِبْغَةُ اللَّهِ أفَنْدِي الحَيْدَرِيُّ بِأنَّ الحَمِيَّةَ لِلدِّينِ إنَّما تَقْتَضِي احْتِرامَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتَهُ أنْ يَلْحَقَ بِهِ نَقْصٌ أوْ هَوانٌ بِحَيْثُ
صفحة 67
تَنْكَسِرُ ألْواحُهُ ثُمَّ قالَ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَرْطِ حَمِيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ وشِدَّةِ غَضَبِهِ لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَتَمالَكْ ولَمْ يَتَماسَكْ أنْ وقَعَتِ الألْواحُ مِن يَدِهِ بِدُونِ اخْتِيارٍ فَنُزِّلَ تَرْكُ التَّحَفُّظِ مَنزِلَةَ الإلْقاءِ الِاخْتِيارِيِّ، فَعُبِّرَ بِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ صالِحُ أفَنْدِي المَوْصِلِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ هَذا الإيرادَ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ قَوْلِ القاضِي حَمِيَّةً لِلدِّينِ مَفْعُولًا لَهُ لِطِراحِها وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ صَرَّحَ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ طه بِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ لا يَتَعَدّى لِعِلَّتَيْنِ وإنَّما هُوَ: مَفْعُولٌ لَهُ لِشِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي ذُكِرَ لِلْآيَةِ هو ما أرادَهُ القاضِي، وتَفْسِيرُهُ الإلْقاءَ بِالطَّرْحِ لا يُنافِي ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى. اه. وأقُولُ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ هَذا التَّوْجِيهِ هو ما أرادَهُ القاضِي غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٍ عَلى أنَّ حَدِيثَ كَوْنِ التَّعْبِيرِ بِالإلْقاءِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ جِدًّا؛ إذْ لَيْسَ في السِّباقِ ولا في السِّياقِ ما يَقْضِي بِكَوْنِ المَقامِ عِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُفْتِيَ بِهَذا التَّغْلِيظِ نَظَرًا إلى مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلِ المَقامُ ظاهِرٌ في الحَطِّ عَلى قَوْمِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى حَظٍّ مِن رَفِيعِ النَّظَرِ، والَّذِي يَراهُ هَذا الفَقِيرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا. وحاصِلُهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن قَوْمِهِ ما رَأى غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَمِيَّةً لِلدِّينِ وغَيْرَةً مِنَ الشِّرْكِ بِرَبِّ العالَمِينَ، فَعَجِلَ في وضْعِ الألْواحِ لِتَفْرُغَ يَدُهُ فَيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الوَضْعِ بِالإلْقاءِ تَفْظِيعًا لِفِعْلِ قَوْمِهِ حَيْثُ كانَتْ مُعايَنَتُهُ سَبَبًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ غَيْرَتِهِ وفَرْطِ حَمِيَّتِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ نَوْعُ إهانَةٍ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وانْكِسارُ بَعْضِ الألْواحِ حَصَلَ مِن فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ غَرَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مَرَّ بِبالِهِ ولا ظَنَّ تَرَتُّبَهُ عَلى ما فَعَلَ، ولَيْسَ هُناكَ إلّا العَجَلَةُ في الوَضْعِ النّاشِئَةُ مِنَ الغَيْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في مِقْدارِ ما تَكَسَّرَ ورُفِعَ، وبَعْضُهم أنْكَرَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ خِلافُهُ.
نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مُوسى، لَيْسَ المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخْبَرَهُ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الألْواحَ، فَلَمّا رَآهم وعايَنَهم ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ»».
فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبْعٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ نَحْوُهُ مُنافٍ لِما رُوِيَ فِيما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ سَبْعِينَ وِقْرًا، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وكَذا لِما يُذْكَرُ بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ العَهْدُ. والجَوابُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِما فِيها مِنَ الخَطِّ دُونَ الألْواحِ خِلافُ الظّاهِرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ أيْ: بِشَعَرِ رَأْسِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْخَذُ ويُمْسَكُ عادَةً ولا يُنافِي أخْذَهُ بِلِحْيَتِهِ كَما وقَعَ في سُورَةِ طه، أوْ أُدْخِلَ فِيهِ تَغْلِيبًا.
﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ ظَنًّا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ ولَمْ يَتَمالَكْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ وفَرْطِ غَيْظِهِ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ بِثَلاثِ سِنِينَ، إلّا أنَّ مُوسى أكْبَرُ مِنهُ مَرْتَبَةً ولَهُ الرِّسالَةُ والرِّياسَةُ اسْتِقْلالًا، وكانَ هارُونُ وزِيرًا لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمُولًا لَيِّنًا جِدًّا، ولَمْ يَقْصِدْ مُوسى بِهَذا الأخْذِ إهانَتَهُ والِاسْتِخْفافَ بِهِ، بَلِ اللَّوْمَ الفِعْلِيَّ عَلى التَّقْصِيرِ المَظْنُونِ بِحُكْمِ الرِّياسَةِ وفَرْطِ الحَمِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخَذَ رَأْسَ أخِيهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَشْكِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ مِمّا يَأْباهُ
صفحة 68
الذَّوْقُ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما كانَ لِتَسْكِينِ هارُونَ لِما رَأى بِهِ مِنَ الجَزَعِ والقَلَقِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أجْرى أخاهُ مَجْرى نَفْسِهِ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الإنْسانُ بِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الغَضَبِ، وقالَ الشَّيْخُ المُفِيدُ مِنَ الشِّيعَةِ: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّألُّمِ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ وإعْلامِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عِظَمَ ما فَعَلُوهُ لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مِثْلِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ:
غَيْرِي جَنى وأنا المُعاقَبُ فِيكُمُ فَكَأنَّنِي سَبّابَةُ المُتَنَدِّمِ
ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الأوْلى، وجُمْلَةُ (يَجُرُّهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُوسى، أوْ مِن (رَأْسِ) أوْ مِن أخِيهِ؛ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنهُ، وهو أحَدُ ما يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ﴿قالَ﴾ أيْ: هارُونُ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إزاحَةً لِظَنِّهِ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ لِضِيقِ المَقامِ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ عَلى الأصَحِّ لِلتَّرْقِيقِ، وقِيلَ: لِأنَّها قامَتْ بِتَرْبِيَتِهِ وقاسَتْ في تَخْلِيصِهِ المَخاوِفَ والشَّدائِدَ، وقِيلَ: إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ آثارُ الجَمالِ والرَّحْمَةِ فِيهِ ظاهِرَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ وكانَ مَوْرِدُهُ ومَصْدَرُهُ ذَلِكَ؛ ولِذا كانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، ألا تَرى كَيْفَ تَلَطَّفَ بِالقَوْمِ لَمّا قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا فَقالَ: يا قَوْمِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ومِن هُنا ذَكَرَ الأُمَّ ونَسَبَ إلَيْها؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ فِيها أتَمُّ، ولَوْلاها ما قَدَرَتْ عَلى تَرْبِيَةِ الوَلَدِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فِيها، وهو مَنزَعٌ صُوفِيٌّ كَما لا يَخْفى، واخْتُلِفَ في اسْمِ أُمِّهِما عَلَيْهِما السَّلامُ فَقِيلَ: مِحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهَرَ بْنِ لاوِي، وقِيلَ: يُوحانِذُ، وقِيلَ: يارْخا، وقِيلَ: يازْخِتُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خاصِّيَّةً في فَتْحِ الأقْفالِ، ولَهُ رِياضَةٌ مَخْصُوصَةٌ عِنْدَ أرْبابِ الطَّلاسِمِ والحُرُوفِ، وما هي إلّا رَهْبانِيَّةٌ ابْتَدَعُوها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي طه: (ابْنَ أُمِّ) بِالكَسْرِ وأصْلُهُ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ تَخْفِيفًا كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ أوْ تَشْبِيهًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.
﴿إنَّ القَوْمَ﴾ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيِ اسْتَذَلُّونِي وقَهَرُونِي ولَمْ يُبالُوا بِي لِقِلَّةِ أنْصارِي.
﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وقارَبُوا قَتْلِي حِينَ نَهَيْتُهم عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ أنِّي بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ ولَمْ آلُ جُهْدًا في مَنعِهِمْ.
﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ أيْ: فَلا تَفْعَلْ ما يَشْمَتُونَ بِي لِأجْلِهِ؛ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ سِرَّ فِعْلِكَ، والشَّماتَةُ: سُرُورُ العَدُوِّ بِما يُصِيبُ المَرْءَ مِن مَكْرُوهٍ.
وقُرِئَ: (فَلا تَشْمُتُ بِي الأعْداءُ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ - حَطَّهُمُ اللَّهُ تَعالى - وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا عَلى حَدِّ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. والمُرادُ مِنَ الأعْداءِ القَوْمُ المَذْكُورُونَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ ضَمِيرِهِمْ، ولا يَخْفى سِرُّهُ.
﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تَجْعَلْنِي مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ، ولا تَسْلُكْ بِي سُلُوكَهم بِهِمْ في المُعاتَبَةِ، أوْ لا تَعْتَقِدْنِي واحِدًا مِنَ الظّالِمِينَ مَعَ بَراءَتِي مِنهم ومِن ظُلْمِهِمْ، فالجَعْلُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾
الأعراف 7:151
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ الِاعْتِذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اعْتِذارِ أخِيهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما فَعَلْتُ بِأخِي قَبْلَ جَلِيَّةِ الحالِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
﴿ولأخِي﴾ إنْ كانَ اتَّصَفَ بِما يُعَدُّ ذَنْبًا
صفحة 69
بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ في أمْرِ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ، وفي هَذا الضَّمِّ تَرْضِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِلشَّماتَةِ عَنْهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِلشّامِتِينَ رِضاهُ لِئَلّا تَتِمَّ شَماتَتُهم بِهِ ولِأخِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِغْفارِ حَيْثُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلَهم لِي فِيهِ تَوَقُّفٌ لا يَخْفى وجْهُهُ.
﴿وأدْخِلْنا﴾ جَمِيعًا.
﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾ الواسِعَةِ بِمَزِيدِ الإنْعامِ عَلَيْنا، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِالمَغْفِرَةِ، والعُدُولُ عَنِ ارْحَمْنا إلى ما ذُكِرَ ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَلا غَرْوَ في انْتِظامِنا في سِلْكِ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَجابَ دُعاءَهُ وفِيهِ خَفاءٌ.
الأعراف 7:152
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: بَقُوا عَلى اتِّخاذِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ كالسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَوْنُ المَوْصُولِ الثّانِي عِبارَةً عَنِ التّائِبِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةٌ عَنِ المُصِرِّينَ.
﴿سَيَنالُهُمْ﴾ أيْ: سَيَلْحَقُهم ويُصِيبُهم في الآخِرَةِ جَزاءَ ذَلِكَ ﴿غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ مُسْتَتْبِعٌ لِفُنُونِ العُقُوباتِ لِعِظَمِ جَرِيمَتِهِمْ وقُبْحِ جَرِيرَتِهِمْ.
﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مالِكِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَنالُهُمْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِ غَضَبٌ، مُؤَكِّدًا لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: كائِنٌ مِن رَبِّهِمْ ﴿وذِلَّةٌ﴾ عَظِيمَةٌ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهي عَلى ما أقُولُ: الذِّلَّةُ الَّتِي عَرَتْهم عِنْدَ تَحْرِيقِ إلَهِهِمْ ونَسْفِهِ في اليَمِّ نَسْفًا، مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ، وقِيلَ: هي ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ والمَسْكَنَةُ المُنْتَظِمَةُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ جَمِيعًا، والذِّلَّةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِها السّامِرِيُّ مِنَ الِانْفِرادِ عَنِ النّاسِ والِابْتِلاءِ بِلا مِساسٍ، ورُوِيَ أنَّ بَقاياهُمُ اليَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإذا مَسَّ أحَدَهم أحَدٌ غَيْرُهم حَما جَمِيعًا في الوَقْتِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى والرِّوايَةُ لَمْ نَرَ لَها أثَرًا، وإيرادُ ما نالَهم بِالسِّينِ لِلتَّغْلِيبِ، وقِيلَ: وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي العالِيَةِ المُرادُ بِهِمُ التّائِبُونَ، وبِالغَضَبِ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وبِالذِّلَّةِ إسْلامُهم أنْفُسَهم لِذَلِكَ واعْتِرافُهم بِالضَّلالِ، واعْتُذِرَ عَنِ السِّينِ بِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ فَإنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ إلَخْ. فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الغَضَبِ، وجُعِلَ الكَلامُ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ والنَّدَمُ تَوْبَةٌ؛ ولِذَلِكَ عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا، وذِكْرُ عِتابِ مُوسى لِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ اسْتِغْفارِهِ اتَّجَهَ لِسائِلٍ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، إلى ماذا يَصِيرُ أمْرُ القَوْمِ وتَوْبَتُهم واسْتِغْفارُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى؟ وهَلْ قَبِلَ اللَّهُ تَعالى تَوْبَتَهُمْ؟ فَأجابَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ: نِقَمٌ قَبْلَ تَوْبَةِ مُوسى وأخِيهِ وغَفَرَ لَهُما خاصَّةً، وكانَ مِن تَمامِ تَوْبَةِ القَوْمِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ فَسَلَّمُوها لِلْقَتْلِ، فَوَضَعَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ مَوْضِعَ القَوْمِ إشْعارًا بِالعِلِّيَّةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وكَذا سِباقُهُ نابَ عَنْ ذَلِكَ نَبْوًا ظاهِرًا، كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ يُنادِي عَلى خِلافِهِ؛ فَإنَّهم شُهَداءُ تائِبُونَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِافْتِراءِ؟ وأيْضًا لَيْسَ يَجْزِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُفْتَرِينَ بِهَذا الجَزاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ قَهْرٌ وباطِنُهُ لُطْفٌ ورَحْمَةٌ إلّا أنْ يُقالَ: يَكْفِي في صِحَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُودُ وجْهِ الشَّبَهِ في الجُمْلَةِ ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أيْضًا، وما ذُكِرَ في
صفحة 70
تَحْرِيرِ السُّؤالِ، والجَوابُ مِمّا تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ.
وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: المُرادُ: سَيَنالُ أوْلادَ الَّذِينَ تَعَبَّدُوا العِجْلَ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ بِالغَضَبِ والذِّلَّةِ ما أصابَ بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ، أوْ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ، ومِن ضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا حَذْفُ مُضافٍ وهو الأوْلادُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ وهو مِن تَعْيِيرِ الأبْناءِ بِما فَعَلَ الآباءُ، ومُثُلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُتَّخِذُونَ حَقِيقَةً، وبِالضَّمِيرِ في يَنالُهم أخْلافُهُمْ، وبِالغَضَبِ الغَضَبُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالذِّلَّةِ الجِزْيَةُ الَّتِي وضَعَها الإسْلامُ عَلَيْهِمْ أوِ الأعَمُّ مِنها لِيَشْمَلَ ما ضَرَبَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَلَيْهِمْ. وتُعُقِّبَ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ تَوْسِيطَ حالِ هَؤُلاءِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ المُتَّخِذِينَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، والمُرادُ بِالمُفْتَرِينَ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وافْتِراءُ أُولَئِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَوْلُ السّامِرِيِّ في العِجْلِ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ورِضاهم بِهِ، ولا أعْظَمَ مِن هَذِهِ الفِرْيَةِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْتَرِ مِثْلَها أحَدٌ قَبْلَهم ولا بَعْدَهُمْ، وعَنْ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
الأعراف 7:153
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيَّ سَيِّئَةٍ كانَتْ لِعُمُومِ المَغْفِرَةِ، ولِأنَّهُ لا داعِيَ لِلتَّخْصِيصِ، ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْها ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِها وهو تَصْرِيحٌ بِما تَقْتَضِيهِ. ثُمَّ ﴿وآمَنُوا﴾ أيْ: واشْتَغَلُوا بِالإيمانِ وما هو مُقْتَضاهُ وبِهِ تَمامُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا كالطّائِفَةِ الأُولى، وهو عَطْفٌ عَلى تابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ مِن ذِكْرِ الخاصِّ بِعَدَمِ العامِّ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الكُفْرِ هي الإيمانُ، فَلا يُقالُ: التَّوْبَةُ بَعْدَ الإيمانِ كَيْفَ جاءَتْ قَبْلَهُ؟
قِيلَ: حَيْثُ كانَ المُرادُ بِالإيمانِ ما تَدْخُلُ فِيهِ الأعْمالُ يَكُونُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا التَّصْدِيقُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِلتّائِبِ. أيْ: ثُمَّ تابُوا وصَدَّقُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن تابَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ: مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ المَقْرُونَةِ بِما لا تُقْبَلُ بِدُونِهِ وهو الإيمانُ، ولَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ لِلسَّيِّئاتِ لِأنَّهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ لا لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ ومَعْطُوفٍ مِن عَمَلِها والتَّوْبَةِ عَنْها؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ بَعْدَها إلّا ذَلِكَ.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وإنْ عَظُمَتْ وكَثُرَتْ.
﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ فُنُونِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ: ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ. خَبَرٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ - عِنْدَ أبِي البَقاءِ - لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلتّائِبِ، ولا يَخْفى لُطْفُ ذَلِكَ أيْضًا، وفي الآيَةِ إعْلامٌ بِأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، وما ألْطَفَ قَوْلَ أبِي نُواسٍ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ:
يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً
فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ عَفْوَكَ أعْظَمُ
إنْ كانَ لا يَرْجُوكَ إلّا مُحْسِنٌ فَبِمَن يَلُوذُ ويَسْتَجِيرُ المُجْرِمُ
ومِمّا يُنْسَبُ لِلْإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
ولَمّا قَسا قَلْبِي وضاقَتْ مَذاهِبِي ∗∗∗ جَعَلْتُ الرَّجا رَبِّي لِعَفْوِكَ سُلَّما
تَعاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمّا قَرَنْتُهُ ∗∗∗ بِعَفْوِكَ رَبِّي كانَ عَفْوُكَ أعْظَما
صفحة 71
ويُعْجِبُنِي قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وما أوْلى هَذا المُذْنِبَ بِهِ:
أنا مُذْنِبٌ أنا مُخْطِئٌ أنا عاصِي ∗∗∗ هو غافِرٌ هو راحِمٌ هو عافِي
قابَلْتُهُنَّ ثَلاثَةً بِثَلاثَةٍ ∗∗∗ وسَتَغْلِبَنْ أوْصافُهُ أوْصافِي
الأعراف 7:154
﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَقِيَّةِ الحِكايَةِ أثَرَ ما بَيْنَ تَحَزُّبِ القَوْمِ إلى مُصِرٍّ وتائِبٍ، والإشارَةُ إلى ما لِكُلٍّ مِنهُما إجْمالًا، أيْ: ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ وتَوْبَةِ القَوْمِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ مِنَ النَّدَمِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ: ولَمّا كُسِرَتْ سَوْرَةُ غَضَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَلَّ غَيْظُهُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ فَقَطْ لِأنَّهُ زالَ غَضَبُهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ القَوْمِ ما كانَتْ خالِصَةً بَعْدُ، وأصْلُ السُّكُوتِ قَطْعُ الكَلامِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الغَضَبَ بِشَخْصٍ ناهٍ آمِرٍ، وأثْبَتَ لَهُ السُّكُوتَ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ، وقالَ السُّكانِيُّ: إنَّ فِيهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ سُكُونَ الغَضَبِ وذَهابَ حِدَّتِهِ بِسُكُونِ الآمِرِ النّاهِي، والغَضَبُ قَرِينَتُها، وقِيلَ: الغَضَبُ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ عَنِ الشَّخْصِ النّاطِقِ، والسُّكُوتُ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِسُكُونِ هَيَجانِهِ وغَلَيانِهِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ مَكْنِيَّةٌ قَرِينَتُها تَصْرِيحِيَّةٌ لا تَخْيِيلِيَّةٌ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُبالَغَةٌ وبَلاغَةٌ لا يَخْفى عُلُوُّ شَأْنِهِما، وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرُ سَكَتَ الغَضَبُ السَّكْتَةُ، ومَصْدَرُ سَكَتَ الرَّجُلُ السُّكُوتُ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سَكَتَ الغَضَبُ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، وقِيلَ: ونُسِبَ إلى عِكْرِمَةَ: إنَّ هَذا مِنَ القَلْبِ؛ وتَقْدِيرُهُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، ولا يَخْفى أنَّ السُّكُوتَ كانَ أجْمَلَ بِهَذا القائِلِ؛ إذْ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: (سَكَنَ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْلى كَعْبًا عِنْدَ كُلِّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ وذَوْقٍ صَحِيحٍ، وقُرِئَ: (سُكِتَ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ. و(أُسْكِتَ) بِالبِناءِ لِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ المُسْكِتَ هو اللَّهُ تَعالى أوْ أخُوهُ أوِ التّائِبُونَ.
﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ الَّتِي ألْقاها.
﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ: فِيما نُسِخَ فِيها وكُتِبَ، فَفِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ، والنَّسْخُ الكِتابَةُ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى فِي، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: مَعْنى مَنسُوخَةٍ ما نُسِخَ فِيها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: النَّسْخُ هُنا بِمَعْنى النَّقْلِ، والمَعْنى فِيما نُقِلَ مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ صامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ في لَوْحَيْنِ، وفِيهِما ما في الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، فَكَأنَّهُ نُسِخَ مِنَ الأوَّلِ.
﴿هُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ لِلْحَقِّ عَظِيمٌ.
﴿ورَحْمَةٌ﴾ جَلِيلَةٌ بِالإرْشادِ إلى ما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ.
﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ أشَدَّ الخَوْفِ، واللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ، أوْ هي لامُ الأجْلِ؛ أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ، والثّانِيَةُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أوْ هي لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، واحْتِمالُ تَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَ لِرَبِّهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ بِعِيدٌ.
الأعراف 7:155
﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّهُ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِدْعاءِ التَّوْبَةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، (واخْتارَ) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مَجْرُورٌ بِمِن وقَدْ حُذِفَتْ هُنا، وأُوصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ مِن قَوْمِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
صفحة 72
مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ
وقَوْلُهُ الآخَرُ:
فَقُلْتُ لَهُ اخْتَرْها قَلُوصًا سَمِينَةً ∗∗∗ ونابًا عَلا بِأمْثَلِ نابِكَ في الحَيا
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ اخْتارَ عَلى المُخْتارِ، وأُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِما مَرَّ مِرارًا، وقِيلَ: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ومَنَعَهُ الأكْثَرُونَ بِناءً عَلى أنَّ البَدَلَ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، والِاخْتِيارُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخْتارٍ ومُخْتارٍ مِنهُ، وبِالطَّرْحِ يَسْقُطُ الثّانِي، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ عَلى ضَعْفٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: سَبْعِينَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو عَطْفُ بَيانٍ ( لِمِيقاتِنا ) ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُما مِن مُفَسِّرِي السُّنَّةِ والشِّيعَةِ إلى أنَّهُ المِيقاتُ الأوَّلُ وهو المِيقاتُ الكَلامِيُّ قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتارَ لِذَلِكَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا مَن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً حَتّى تَتامُّوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَتَشاحُّوا فَقالَ:
لِمَن قَعَدَ مِنكم مِثْلُ أجْرِ مَن خَرَجَ، فَقَعَدَ كالِبُ ويُوشَعُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ إلّا سِتِّينَ شَيْخًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْتارَ مِنَ الشُّبّانِ عَشَرَةً، فاخْتارَهم فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وقِيلَ: كانُوا أبْناءً ما عَدا العِشْرِينَ ولَمْ يَتَجاوَزُوا الأرْبَعِينَ، فَذَهَبَ عَنْهُمُ الجَهْلُ والصِّبا، فَأمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنا مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ، ودَنا مُوسى ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا. فَدَنَوْا حَتّى إذا دَخَلُوا الغَمامَ وقَعُوا سُجَّدًا فَسَمِعُوهُ وهو سُبْحانُهُ يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ؛ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ فَوَعَظَهم وكانَ ما كانَ. وذَهَبَ آخَرُونَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، إلى أنَّهُ غَيْرُ المِيقاتِ الأوَّلِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهُ في أُناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ فاخْتارَ مَنِ اخْتارَهُ، فَلَمّا أتَوُا الطُّورَ قالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما اخْتارَهم لِيَتُوبُوا إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكُوا وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ. ورَجَّحَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مُدَّعِيًا أنَّ الأوَّلَ خِلافُ نَظْمِ الآياتِ وأقْوالِ المُفَسِّرِينَ، أمّا الأوَّلُ فَلَمّا قالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أتْبَعَها بِقِصَّةِ العِجْلِ وما يَتَّصِلُ بِها فَظاهِرُ الحالِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُغايِرَةً لِلْمُتَقَدِّمَةِ؛ إذْ لا يَلِيقُ بِالفَصاحَةِ ذِكْرُ بَعْضِ القِصَّةِ ثُمَّ النَّقْلُ إلى أُخْرى، ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى الأُولى، وإنَّهُ اضْطِرابٌ يُصانُ عَنْهُ كَلامُهُ تَعالى، وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى خُرُورُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِقًا، وفي الثّانِيَةِ قَوْلُهُ بَعْدَ أخْذِ الرَّجْفَةِ: ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ﴾ وأيْضًا لَوْ كانَتِ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ لَقِيلَ: أتُهْلِكُنا بِما قالَ السُّفَهاءُ، وضَمَّ إلَيْهِ الطِّيبِيُّ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ صاعِقَتَهم لَمْ يَذْكُرْ صَعْقَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالعَكْسِ فَدَلَّ عَلى التَّغايُرِ، وأمّا الثّانِي فَلِما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِمّا ذَكَرْناهُ آنِفًا، وتَعَقَّبَ ما ذُكِرَ في التَّرْجِيحِ أوَّلًا صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الإنْصافَ أنَّ المَجْمُوعَ قِصَّةٌ واحِدَةٌ في شَأْنِ ما مَنَّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إنْجائِهِمْ مِن تَحْقِيقِ وعْدِ إيتاءِ الكِتابِ وضَرْبِ مِيقاتِهِ وعِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ كانَ في تِلْكَ الأيّامِ، وفي ذَلِكَ الشَّأْنِ فالبَعْضُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ بَقِيَ إيثارُ هَذا الأُسْلُوبِ وهو بَيِّنٌ لِأنَّ الأوَّلَ في شَأْنِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ عُطِفَ (واعَدْنا) عَلى (أنْجَيْناكُمْ)، وقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ تَبْيِينٌ لِلتَّفْضِيلِ، وتَعْقِيبُ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ مُسْتَطْرِدٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الطَّلَبَيْنِ عِنْدَنا ولِيُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ عِنْدَ المُعْتَزِلِيِّ. والثّانِي في شَأْنِ جِنايَتِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الإحْسانِ البالِغِ بِاتِّخاذِ العِجْلِ والمُلاحَّةِ والِافْتِراقِ مِن لَوازِمِ النَّظْمِ، وتُعُقِّبَ ما ذُكِرَ فِيهِ ثانِيًا بِأنَّ قَوْلَ السُّدِّيِّ وحْدَهُ لا يَصْلُحُ رَدًّا، كَيْفَ وهَذا يُخالِفُ ما نَقَلَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 73
﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ﴾ إنَّهم كانُوا لَهُ وُزَراءَ مُطِيعِينَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- فَقْدُهم فَرَحِمَهم وخافَ عَلَيْهِمُ الفَوْتَ، وأيْنَ: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) مِنَ الطّاعَةِ وحُسْنِ الِاسْتِئْزارِ قالَ: ثُمَّ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ خِلافَ ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، والحَمْلُ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ. كَيْفَ ولا يُنافِي التَّراخِيَ الزَّمانِيَّ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ يَخُصُّهُ بِهِ، هَذا وقَدِ اعْتَرَفَ المُفَسِّرُونَ في سُورَةِ طه بِأنَّهُ اخْتارَ سَبْعِينَ لِمِيقاتِ الكَلامِ ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ وما اعْتَذَرَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ اخْتِيارُ السَّبْعِينَ كانَ مَرَّتَيْنِ، ولَيْسَ في النَّقْلِ أنَّهم كانُوا مَعَهُ عِنْدَ المُكالَمَةِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَظاهِرٌ لِلْمُنْصِفِ سُقُوطُهُ. انْتَهى.
وذَكَرَ القُطْبُ في تَوْهِينِ ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ: بِأنَّ الخُرُوجَ لِلِاعْتِذارِ إنْ كانَ بَعْدَ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ ونُزُولِ التَّوْبَةِ فَلا مَعْنى لِلِاعْتِذارِ، وإنْ كانَ قَبْلَ قَتْلِهِمْ فالعَجَبُ مِنَ اعْتِذارٍ ثَمَرَتُهُ قَتْلُ الأنْفُسِ، ثُمَّ قالَ: ولا رَيْبَ أنَّ قِصَّةً واحِدَةً تَتَكَرَّرُ في القُرْآنِ يُذْكَرُ في سُورَةٍ بَعْضُها، وفي أُخْرى بَعْضٌ آخَرُ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِتَكْرارِ اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ القِصَّةِ، فَإذا جازَ ذِكْرُ قِصَّةٍ في سُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ في كُلِّ سُورَةٍ شَيْءٌ مِنها فَلِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِن سُورَةٍ واحِدَةٍ لِتَكَرُّرِ الِاعْتِبارِ. اه، وهو ظاهِرٌ في تَرْجِيحِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ، وأنا أقُولُ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو المِيقاتُ الأوَّلُ لَيْسَ بِعاطِلٍ مِنَ القَوْلِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وكَلامُنا في البَقَرَةِ ظاهِرٌ فِيهِ إلّا أنَّ الإنْصافَ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ هُنا يَقْتَضِي أنَّهُ غَيْرُهُ وما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ ظاهِرٌ في خِلافِهِ، وإلى القَوْلِ بِالغَيْرِيَّةِ ذَهَبَ جُلٌّ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مِن طَرِيقِ أبِي سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِالسَّبْعِينَ مِن قَوْمِهِ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْألُونَهُ أنْ يَكْشِفَ عَنْهُمُ البَلاءَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهم أصابُوا مِنَ المَعْصِيَةِ ما أصابَ قَوْمُهم.
قالَ أبُو سَعْدٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ أنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهم مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ ولَمْ يَأْمُرُوهم بِالمَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى ابْنِ أخِي الرَّقاشِيِّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا ذاتَ يَوْمٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتَ ابْنَ عَمِّنا ومِنّا؟ وتَزْعُمُ أنَّكَ كَلَّمْتَ رَبَّ العِزَّةِ؟ فَإنّا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَلَمّا أبَوْا إلّا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنِ اخْتَرْ مِن قَوْمِكَ سَبْعِينَ رَجُلًا، فاخْتارَ سَبْعِينَ خِيرَةً ثُمَّ قالَ لَهُمْ: اخْرُجُوا، فَلَمّا بَرَزُوا جاءَهم ما لا قِبَلَ لَهم بِهِ. الخَبَرَ.
وهُوَ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا المِيقاتَ لَيْسَ هو الأوَّلَ. نَعَمْ إنَّهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، لَكِنَّهُما مُتَّفِقانِ عَلى القَوْلِ بِالغَيْرِيَّةِ، ويُوافِقُ السُّدِّيَّ في ذَلِكَ الحَسَنُ أيْضًا، فَلَيْسَ هو مُتَفَرِّدًا بِذَلِكَ كَما ظَنَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ، وما ذَكَرَهُ مِن مُخالَفَةِ كَلامِ السُّدِّيِّ لِما نَقَلَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ، وقَوْلُهُ: فَإنّا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلَخْ يَظْهَرُ جَوابُهُ مِمّا ذَكَرْناهُ في البَقَرَةِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الِاحْتِمالاتِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاخْتِيارَ كانَ مَرَّتَيْنِ غَيْرُ بَعِيدٍ وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وما ذَكَرَهُ القُطْبُ مِنَ التَّرْدِيدِ في الخُرُوجِ لِلِاعْتِذارِ ظاهِرُ بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ السُّدِّيِّ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنهُ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: انْطَلَقَ مُوسى إلى رَبِّهِ فَكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ فَأجابَهُ مُوسى بِما أجابَهُ. فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ الآيَةَ. فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم إلّا بِالحالِ الَّتِي كَرِهُوا فَفَعَلُوا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ فَوَعَدَهم مَوْعِدًا فاخْتارَ مُوسى سَبْعِينَ
صفحة 74
رَجُلًا إلَخْ. وهو كَما تَرى ظاهِرٌ فِيما قُلْناهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلِاعْتِذارِ بَعْدَ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ ونُزُولِ التَّوْبَةِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَعْنى يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ طَلَبًا لِزِيادَةِ الرِّضى واسْتِنْزالِ مَزِيدِ الرَّحْمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْإيذانِ بِعِظَمِ الجِنايَةِ وزِيادَةً فِيهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا في السُّوءِ لا يَكْفِي في العَفْوِ عَنْهُ قَتْلُ الأنْفُسِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِذارُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ، والسِّرُّ في أنَّهم أُمِرُوا بِهِ أنْ يَعْلَمُوا أيْضًا عِظَمَ الجِنايَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِعَدَمِ قَبُولِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الصّاعِقَةُ أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها، والكَثِيرُ عَلى أنَّهم ماتُوا جَمِيعًا، ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: غُشِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أفاقُوا، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ القائِلِينَ ذَلِكَ مِن قَوْمِهِمْ مَزِيدُ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ لِمُجَرَّدِ التَّأْدِيبِ عَلى ما في خَبَرِ القُرَظِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ إلَخْ. صَدَرَ مِنهم في ذَلِكَ المَكانِ لا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَما قِيلَ، ونَقَلْناهُ في البَقَرَةِ وحِينَئِذٍ يَبْعُدُ عَلى ما قِيلَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو المِيقاتُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ فِيهِ طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ فَيَكُونُ هَذا الطَّلَبُ بَعْدَهُ، وبَعِيدٌ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ بَعْدَ أنْ رَأوْا ما وقَعَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا حَضَرَ أجَلُ هارُونَ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ انْطَلِقْ أنْتَ وهارُونُ وابْنُهُ إلى غارٍ في الجَبَلِ؛ فَإنّا قابِضُو رُوحِهِ، فانْطَلَقُوا جَمِيعًا فَدَخَلُوا الغارَ فَإذا سَرِيرٌ فاضْطَجَعَ عَلَيْهِ مُوسى ثُمَّ قامَ عَنْهُ فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا المَكانَ يا هارُونُ، فاضْطَجَعَ عَلَيْهِ هارُونُ فَقُبِضَ رُوحُهُ، فَرَجَعَ مُوسى وابْنُ أخِيهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ حَزِينَيْنِ فَقالُوا لَهُ: أيْنَ هارُونُ؟ قالَ: ماتَ. قالُوا: بَلْ قَتَلْتَهُ، كُنْتَ تَعْلَمُ أنّا نُحِبُّهُ. فَقالَ لَهُمْ: ويْلَكُمْ، أقْتُلُ أخِي وقَدْ سَألْتُهُ اللَّهَ تَعالى وزِيرًا، ولَوْ أنِّي أرَدْتُ قَتْلَهُ أكانَ ابْنُهُ يَدَعُنِي. قالُوا: بَلى قَتَلْتَهُ حَسَدًا. قالَ: فاخْتارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا فانْطَلَقَ بِهِمْ فَمَرِضَ رَجُلانِ في الطَّرِيقِ فَخَطَّ عَلَيْهِما خَطًّا، فانْطَلَقَ هو وابْنُ هارُونَ وبَنُو إسْرائِيلَ حَتّى انْتَهَوْا إلى هارُونَ فَقالَ: يا هارُونُ، مَن قَتَلَكَ؟ قالَ: لَمْ يَقْتُلْنِي أحَدٌ ولَكِنِّي مُتُّ. قالُوا: ما تُعْصى يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُنا أنْبِياءَ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَصَعِقُوا وصَعِقَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ خُلِّفُوا، وقامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو رَبَّهُ فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أنْبِياءَ، لا يَكادُ يَصِحُّ فِيما أرى لِتَظافُرِ الآثارِ بِخِلافِهِ وإباءِ ظَواهِرِ الآياتِ عَنْهُ.
﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾ عَرَّضَ لِلْعَفْوِ السّابِقِ لِاسْتِجْلابِ العَفْوِ اللّاحِقِ، يَعْنِي أنَّكَ قَدَرْتَ عَلى إهْلاكِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَمْلِ فِرْعَوْنَ عَلى إهْلاكِهِمْ وبِإغْراقِهِمْ في البَحْرِ وغَيْرِهِما، فَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِمْ ولَمْ تُهْلِكْهم فارْحَمْهُمُ الآنَ كَما رَحِمْتَهم مِن قَبْلُ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى كَرَمِكَ، وإنَّما قالَ: ﴿وإيّايَ﴾ تَسْلِيمًا مِنهُ وتَواضُعًا، وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ( مِن قَبْلُ ) حِينِ فَرَّطُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ وما فارَقُوا عَبَدَتَهُ حِينَ شاهَدُوا إصْرارَهم عَلَيْها، أيْ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَهم بِذُنُوبِهِمْ إذْ ذاكَ وإيّايَ أيْضًا حِينَ طَلَبْتُ مِنكَ الرُّؤْيَةَ، وقِيلَ: حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ لَأهْلَكْتَنا، وقِيلَ: هو تَمَنٍّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإهْلاكِ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ أنْ لا يَرى ما يَرى مِن مُخالَفَتِهِمْ لَهُ مَثَلًا أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ.
﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ مِنَ العِنادِ وسُوءِ الأدَبِ أوْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والهَمْزَةُ إمّا لِإنْكارِ وُقُوعِ الإهْلاكِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ
صفحة 75
لِلِاسْتِعْطافِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، أيْ: لا تُهْلِكْنا، وأيًّا ما كانَ فَهو مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالَّذِي قَبْلَهُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: كانَ ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُهم غَيْرُ ظاهِرٍ ولا داعِيَ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الدّاعِيَ ما فِيهِ مِنَ التَّضَجُّرِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَلَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُشْبِهُ قَوْلَ أحَدِ السَّبْعِينَ فَكَأنَّهُ قالَهُ عَلى لِسانِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ دُونَهُ فافْهَمْ.
﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، واعْتِذارٌ عَمّا وقَعَ مِنهُمْ، وإنْ نافِيَةٌ، وهي لِلْفِتْنَةِ المَعْلُومَةِ لِلسِّياقِ، أيْ: ما الفِتْنَةُ إلّا فِتْنَتُكَ. أيْ: مِحْنَتُكَ وابْتِلاؤُكَ حَيْثُ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ فَطَمِعُوا في رُؤْيَتِكَ واتَّبَعُوا القِياسَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، أوْ أوْجَدْتَ في العِجْلِ خُوارًا فَزاغُوا بِهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ قَوْمَكَ اتَّخَذُوا عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ قالَ: يا رَبِّ فَمَن جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ؟ قالَ: أنا. قالَ: فَأنْتَ أضْلَلْتَهم يا رَبِّ. قالَ: يا رَأْسَ النَّبِيِّينَ، يا أبا الحُكَماءِ، إنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَيَسَّرْتُهُ لَهم.
ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ عَلى الرَّجْفَةِ؛ أيْ: ما هي إلّا تَشْدِيدُكَ التَّعَبُّدَ والتَّكَلُّفَ عَلَيْنا بِالصَّبْرِ عَلى ما أنْزَلْتَهُ بِنا، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ، وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَسْألَةِ الإراءَةِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ.
﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ الفِتْنَةِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أوِ المُضافِ. أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِها مَن تَشاءُ إضْلالَهُ بِالتَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ أوْ بِاتِّباعِ المَخايِلِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ. وتَهْدِي مَن تَشاءُ هُداهُ، فَيَقْوى بِها إيمانُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: تُصِيبُ بِهَذِهِ الرَّجْفَةِ مَن تَشاءُ وتَصْرِفُها عَمَّنْ تَشاءُ، وقِيلَ: تُضِلُّ بِتَرْكِ الصَّبْرِ عَلى فِتْنَتِكَ وتَرْكِ الرِّضا بِها مَن تَشاءُ عَنْ نَيْلِ ثَوابِكَ ودُخُولِ جَنَّتِكَ وتَهْدِي بِالرِّضا لَها والصَّبْرِ عَلَيْها مَن تَشاءُ، وهو كَما تَرى.
﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيْ: أنْتَ القائِمُ بِأُمُورِنا الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرُكَ.
﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُؤاخَذَتُكَ.
﴿وارْحَمْنا﴾ بِإفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْنا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن يَلِي الأُمُورَ ويَقُومُ بِها دَفْعُ الضُّرِّ وجَلْبُ النَّفْعِ، وقُدِّمَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ عَلى طَلَبِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ أهَمُّ مِنَ التَّحْلِيَةِ، وسُؤالُ المَغْفِرَةِ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ضِمْنِ سُؤالِها لِمَن سَألَها لَهُ مِمّا لا ضَيْرَ فِيهِ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ نَحْوَ ما صَدَرَ مِنهُ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِأنَّ إقْدامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها مِمّا يَأْباهُ السَّوْقُ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ، ولا أظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ ذَلِكَ ذَنْبًا مِنهُ لِيَسْتَغْفِرَهُ عَنْهُ، وفي نِدائِهِ السّابِقِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ.
﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ إذْ كَلُّ غافِرٍ سِواكَ إنَّما يَغْفِرُ لِغَرَضٍ نَفْسانِيٍّ؛ كَحُبِّ الثَّناءِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وأنْتَ تَغْفِرُ لا لِطَلَبِ عِوَضٍ، ولا غَرَضٍ، بَلْ لِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلُ، وتَخْصِيصُ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ.
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما ذُكِرَ بِغُفْرانِ السَّيِّئَةِ وتَبْدِيلِها بِالحَسَنَةِ لِيَكُونَ تَذْيِيلًا لِ اغْفِرْ وارْحَمْ مَعًا.
الأعراف 7:156
﴿واكْتُبْ لَنا﴾ أيْ: أثْبِتْ واقْسِمْ لَنا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي عَرانا فِيها ما عَرانا ﴿حَسَنَةً﴾ حَياةً طَيِّبَةً وتَوْفِيقًا لِلطّاعَةِ.
وقِيلَ: ثَناءً جَمِيلًا ولَيْسَ بِجَمِيلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ: اقْبَلْ وِفادَتَنا ورُدَّنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: واكْتُبْ لَنا أيْضًا في الآخِرَةِ حَسَنَةً وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ.
قِيلَ: إنَّ هَذا كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: اغْفِرْ وارْحَمْ.
﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: تُبْنا إلَيْكَ مِن هادَ يَهُودُ إذا رَجَعَ
صفحة 76
وتابَ كَما قالَ:
إنِّي امْرُؤٌ مِمّا جَنَيْتُ هائِدُ
ومِن كَلامِ بَعْضِهِمْ:
يا راكِبَ الذَّنْبِ هُدْ ∗∗∗ هُدْ واسْجُدْ كَأنَّكَ هُدْهُدْ
وقِيلَ: مَعْناهُ مالَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (هِدْنا) بِكَسْرِ الهاءِ مِن هادَ يَهِيدُ إذا حُرِّكَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وجْرَةَ السَّعْدِيِّ أنَّهُ أنْكَرَ الضَّمَّ وقالَ: واللَّهِ لا أعْلَمُهُ في كَلامِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، وإنَّما هُوَ: هِدْنا بِالكَسْرِ، أيْ: مِلْنا وهو مَحْجُوجٌ بِالتَّواتُرِ، وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ بِمَعْنى حَرَّكْنا أنْفُسَنا أوْ حَرَّكَنا غَيْرُنا، وكَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ عَلَيْها عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: عُودَ المَرِيضُ، ولا بَأْسَ بِذَلِكَ إذا كانَ الهَوْدُ بِمَعْنى المَيْلِ سِوى أنَّ تِلْكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومِمَّنْ جَوَّزَ الأمْرَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ. وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِالتِباسُ وجَبَ أنْ يُؤْتى بِحَرَكَةٍ تُزِيلُهُ فَيُقالُ: عِقْتُ إذا عاقَكَ غَيْرُكَ بِالكَسْرِ فَقَطْ أوِ الإشْمامِ إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ في نَحْوِ قِيلَ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن غَيْرِ احْتِرازٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ النَّشاطِ والرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَعْدَ دُعائِهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أيْ: شَأْنِي أُصِيبُ بِعَذابِي مَن أشاءُ تَعْذِيبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِغَيْرِي فِيهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرٌو الأسْوَدُ: (مَن أساءَ) بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، ونُسِبَتْ إلى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأنْكَرَ بَعْضُهم صِحَّتَها.
﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: شَأْنُها أنَّها واسِعَةٌ تَبْلُغُ كُلَّ شَيْءٍ، ما مِن مُسْلِمٍ ولا كافِرٍ ولا مُطِيعٍ ولا عاصٍ إلّا وهو مُتَقَلِّبٌ في الدُّنْيا بِنِعْمَتِي، وفي نِسْبَةِ الإصابَةِ إلى العَذابِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ ونِسْبَةِ السِّعَةِ إلى الرَّحْمَةِ بِصِيغَةِ الماضِي إيذانٌ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضى الذّاتِ، وأمّا العَذابُ فَمُقْتَضى مَعاصِي العِبادِ، والمَشِيئَةُ مُعْتَبَرَةٌ في جانِبِ الرَّحْمَةِ أيْضًا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِها قِيلَ: تَعْظِيمًا لِأمْرِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: لِلشِّعارِ بِغايَةِ الظُّهُورِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فَإنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى اعْتِبارِ المَشِيئَةِ كَما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ: كَما ذُكِرَ مِن إصابَةِ عَذابِي وسِعَةِ رَحْمَتِي لِكُلِّ مَن أشاءُ فَسَأُثْبِتُها إثْباتًا خاصًّا: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيِ الكُفْرَ والمَعاصِيَ؛ إمّا ابْتِداءً أوْ بَعْدَ المُلابَسَةِ.
﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: يُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والظّاهِرُ خِلافُهُ، وتَخْصِيصُ إيتاءِ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مَعَ اقْتِضاءِ التَّقْوى لَهُ لِلتَّعْرِيضِ بِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِمَزِيدِ حُبِّهِمْ لِلدُّنْيا، ولَعَلَّ الصَّلاةَ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ مَعَ إنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ وكَوْنِها عِمادَ الدِّينِ اكْتِفاءً مِنها بِالِاتِّقاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ بِأسْرِها وتَرْكِ المَنهِيّاتِ عَنْ آخِرِها.
﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ كُلَّها كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ المُضافُ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ عَيْنُ ما أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ دُونَ أنْ يُقالَ: ويُؤْمِنُونَ بِآياتِنا عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ كَما سَلَكَ في سابِقِهِ قِيلَ: لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ القَصْرِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: هم بِجَمِيعِ آياتِنا يُؤْمِنُونَ لا بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ بِبَعْضٍ وكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ كَقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ هَذا الجَوابِ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ جَعَلَ تَوْبَةَ عَبَدَةِ العِجْلِ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم وكانَ الكَلامُ الَّذِي أطْمَعَ السَّبْعِينَ في الرُّؤْيَةِ في ذَلِكَ ضَمَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءَهُ التَّخْفِيفَ والتَّيْسِيرَ
صفحة 77
حَيْثُ قالَ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ: خَصْلَةً حَسَنَةً عارِيَةً عَنِ المَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّ في القَتْلِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ ما لا يَخْفى، فَأجابَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ وقَوْمُكَ، مِمَّنْ تَناوَلَتْهُ مَشِيئَتِي؛ ولِذَلِكَ جَعَلْتُ تَوْبَتَهم مَشُوبَةً بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وقَدْ نالَ قَوْمَكَ نَصِيبٌ مِنها في ضِمْنِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. وسَأكْتُبُ الرَّحْمَةَ خالِصَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ كَما دَعَوْتَ لِمَن صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ لا لِقَوْمِكَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَيَكْفِيهِمْ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً العَذابَ، وعَلى هَذا فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ سُؤالُهُ في قَوْمِهِ، ومَنَّ اللَّهُ تَعالى بِما سَألَهُ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُجِيبَ بِما ذَكَرَ قالَ: أتَيْتُكَ يا رَبِّ بِوَفْدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَتْ وِفادَتُنا لِغَيْرِنا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: دَعا مُوسى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَجَعَلَ دُعاءَهُ لِمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واتَّبَعَهُ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها جَمْعٌ عَنْهُ: سَألَ مُوسى رَبَّهُ مَسْألَةً فَأعْطاهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَلا الآيَةَ.
لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ ما قَرَّرَهُ هَذا الشَّيْخُ بَعِيدٌ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في ذَلِكَ: كَأنَّهُ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ أُجِيبَ بِأنَّ عَذابِي لِغَيْرِ التّائِبِينَ إنْ شِئْتُ، ورَحْمَتِي الدُّنْيَوِيَّةُ تَعُمُّ التّائِبَ وغَيْرَهُ، وأمّا الجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَتَيْنِ فَهو لِلْمُسْتَعِدِّينَ، فَإنْ تابَ مَن دَعَوْتُ لَهم وثَبَتُوا كَأعْقابِهِمْ نالَتْهُمُ الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ الجامِعَةُ، وأثَّرَ فِيهِمْ دُعاؤُكَ، وإنْ داوَمُوا عَلى ما هم فِيهِ بَعُدُوا عَنِ القَبُولِ، والغَرَضُ تَرْغِيبُهم عَلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ وتَحْذِيرُهم عَنِ المُعاوَدَةِ عَمّا فَرَطَ مِنهم مَعَ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والحَثِّ عَلى اتِّباعِهِ أحْسَنَ تَخَلُّصٍ وحَثٍّ يُحَيِّرُ الألْبابَ ويُبْدِي لِلْمُتَأمِّلِ فِيهِ العَجَبَ العُجابَ، وإلى بَعْضِ هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ العَلّامَةَ الطِّيبِيُّ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ هَذا الجَوابَ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَذابِي﴾ إلَخْ كالتَّمْهِيدِ لِلْجَوابِ، والجَوابُ: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ والحَسَنَةَ في الدّارَيْنِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا﴾ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ فَأجابَهُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِأنَّ تَقْيِيدَكَ المُطْلَقَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ فَإنَّ عَذابِي مِن شَأْنِهِ أنَّهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِي، فَأُمَتُّكَ لَوْ تَعَرَّضُوا لِما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَعْذِيبَ مَن باشَرَهُ لا يَنْفَعُهم دُعاؤُكَ لَهُمْ، وإنَّ رَحْمَتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعُمَّ في الدُّنْيا الخَلْقَ صالِحَهم وطالِحَهم مُؤْمِنَهم وكافِرَهُمْ، فالحَسَنَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ عامَّةٌ فَلا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِكَ فَتَخْصِيصُها تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ، وأمّا الحَسَنَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَهي لِلْمَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا، وجُعِلَ ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ كالقَوْلِ بِالمُوجِبِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ما طَلَبَ وجَعَلَ العِلَّةَ ما جَعَلَ، فَضَمَّ اللَّهُ تَعالى ما ضَمَّ، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يُوجِبُ اخْتِصاصَ الحَسَنَتَيْنِ مَعًا هَذِهِ الصِّفاتُ المُتَعَدِّدَةُ لا التَّوْبَةُ المُجَرَّدَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ تَرْتِيبَ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى جَوابًا عَنْ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾
وأُيِّدَ هَذا التَّقْرِيرُ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ: وسِعَتْ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وهي يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً. اه. ما أُرِيدَ مِنهُ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّحَجُّرِ في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما في دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما التَّحَجُّرُ في مِثْلِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ««جاءَ أعْرابِيٌّ فَأناخَ راحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَها وصَلّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نادى: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحَمَّدًا ولا تُشْرِكْ في رَحْمَتِنا أحَدًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ حَظَرْتَ رَحْمَةً واسِعَةً، إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأنْزَلَ رَحْمَةً يَتَعاطَفُ بِها الخَلْقُ جِنُّها وإنْسُها وبَهائِمُها، وعِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ»».
وأنا أقُولُ:
صفحة 78
قَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ لَهُ ولِقَوْمِهِ وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، ولا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ لِلْقَوْمِ كَيْفَ كانُوا وفي أيِّ حالَةٍ وُجِدُوا، وعَلى أيِّ طَرِيقَةٍ سَلَكُوا، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَقَعُ مِمَّنْ لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِرَبِّهِ فَضْلًا عَنْ مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما هَذا الطَّلَبُ لَهم مِن حَيْثُ إنَّهم تائِبُونَ راجِعُونَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِاسْتِجابَةِ دُعائِهِ بِذَلِكَ بَلْ هي أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَيْفَ يَشُكُّ في أنَّهُ غُفِرَ لَهُ ورُحِمَ وأُوتِيَ خَيْرَ الدّارِينَ وهو - هو - وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمِهِ فالظّاهِرُ أنَّ التّائِبَ مِنهم أُوتِيَ خَيْرَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ إنْ كانَتْ هي التَّوْبَةَ بِالقَتْلِ فَقَدْ جاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ ما كانَ: ما يُحْزِنُكَ؟ أمّا مَن قُتِلَ مِنكم فَحَيٌّ يُرْزَقُ عِنْدِي، وأمّا مَن بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ غَيْرَها فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّوْبَةَ تُقْبَلُ بِمُقْتَضى الوَعْدِ المَحْتُومِ، وخَيْرُ مَن قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ في الآخِرَةِ كَثِيرٌ، وأمّا خَيْرُ الدُّنْيا فَقَدْ نَطَقَتِ الآياتُ بِأنَّ القَوْمَ غَرْقى فِيهِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ .
وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ في تَوْجِيهِ الجَوابِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا رَأى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شِدَّةَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ ولِهَذا بالَغَ في الدُّعاءِ خَشْيَةً مِن طُولِ غَضَبِهِ تَعالى عَلى مَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ سَكَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ رَوْعَتَهُ وأجابَ طُلْبَتَهُ بِأُسْلُوبٍ عَجِيبٍ، وطَرِيقٍ بَدِيعٍ غَرِيبٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿عَذابِي﴾ أيْ: الَّذِي تَخْشى أنْ تُصِيبَ بَعْضُ نِبالِهِ الَّتِي أرْمِيها بِيَدِ جَلالِي عَنْ قِسِيِّ إرادَتِي مَن دَعَوْتَ لَهُ، أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ فَلا يَتَعَيَّنُ قَوْمُكَ الَّذِينَ تَخْشى عَلَيْهِمْ ما تَخْشى لِأنْ يَكُونَ غَرَضًا لَهُ بَعْدَ أنْ تابُوا مِنَ الذَّنْبِ وتَرَكُوا فِعْلَهُ.
﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إنْسانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ مُطِيعًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فَما مِن شَيْءٍ إلّا وهو داخِلٌ فِيها سابِحٌ في تَيّارِها أوْ سايِحٌ في فَيافِيها، بَلْ ما مِن مُعَذَّبٍ إلّا ويَرْشَحُ عَلَيْهِ ما يَرْشَحُ مِنها، ولا أقَلَّ مِن أدْنى لَمْ أُعَذِّبْهُ بِأشَدَّ مِمّا هو فِيهِ مَعَ قُدْرَتِي عَلَيْهِ، فَطِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَيْنًا، فَدُخُولُ قَوْمِكَ في رَحْمَةٍ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ولَمْ تَضِقْ عَنْ شَيْءٍ أمْرٌ لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ كَيْفَ وقَدْ هادُوا إلَيَّ ووَفَدُوا عَلَيَّ، أفَتَرى أنِّي أُضَيِّقُ الواسِعَ عَلَيْهِمْ؟ وأُوَجِّهُ نِبالَ الخَيْبَةِ إلَيْهِمْ وأرُدُّهم بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ فَيَرْجِعُ كُلٌّ مِنهم صِفْرَ الكَفَّيْنِ؟ لا أرانِي أفْعَلُ، بَلْ إنِّي سَأرْحَمُهم وأُذْهِبُ عَنْهم ما أهَمَّهُمْ، وأكْتُبُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِن رَحْمَتِي لِأخْلافِهِمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ آخِرَ الزَّمانِ ويَتَّصِفُونَ بِما يُرْضِينِي ويَقُومُونَ بِأعْباءِ ما يُرادُ مِنهُمْ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلَخْ. ولَعَلَّ تَقْدِيمَ وصْفِ العَذابِ دُونَ وصْفِ الرَّحْمَةِ لِيَفْرَغَ ذِهْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَخافُ مِنهُ مَعَ أنَّ في عَكْسِ هَذا التَّرْتِيبِ ما يُوجِبُ انْتِشارَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ووَصْفُ أخْلافِهِمْ بِما وُصِفُوا بِهِ لِاسْتِنْهاضِ هَمِّهِمْ إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُ اتِّصافُهم بِهِ مِنهُ، أوْ إلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ في الجَوابِ بِحُصُولِ السُّؤالِ بِأنْ يُقالَ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى مَثَلًا اخْتِيارًا لِما هو أبْلَغُ فِيهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَثِيرٍ مِمّا وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ، وأقُولُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ: خَيْرُ الِاحْتِمالاتِ ما تَشْهَدُ لَهُ الآثارُ، وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي. فَتَأمَّلْ.
والسِّينُ فِي: (فَسَأكْتُبُها) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما لا يَخْفى وجْهُهُ عَلى ذَوِي الكَمالِ.
الأعراف 7:157
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِتَبْلِيغِ الأحْكامِ.
﴿النَّبِيَّ﴾
صفحة 79
أيِ الَّذِي أنْبَأ الخَلْقَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فالأوَّلُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، والثّانِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الإضافَةُ إلى الخَلْقِ، وقُدِّمَ الأوَّلُ عَلَيْهِ لِشَرَفِهِ، وتَقَدَّمَ إرْسالُ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وجَعَلُوا إشارَةً إلى أنَّ الرَّسُولَ والنَّبِيَّ هَنا مُرادٌ بِهِما مَعْناهُما اللُّغَوِيُّ لِإجْرائِهِما عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ كَما أنَّهُما كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ) وفُسِّرَ في الكَشّافِ الرَّسُولُ بِالَّذِي يُوحى إلَيْهِ كِتابٌ، والنَّبِيُّ بِالَّذِي لَهُ مُعْجِزَةٌ، ويُشِيرُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ بِأنَّ الرَّسُولَ مَن لَهُ كِتابٌ خاصٌّ والنَّبِيُّ أعَمُّ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ أكْثَرَ الرُّسُلِ لَمْ يَكُونُوا أصْحابَ كِتابٍ مُسْتَقِلٍّ كَإسْماعِيلَ ولُوطٍ وإلْياسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَمْ وكَمْ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّ النَّبِيَّ هو الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ وما لا تَسْتَقِلُّ العُقُولُ بِدِرايَتِهِ ابْتِداءً بِلا واسِطَةِ بَشَرٍ، والرَّسُولُ هو المَأْمُورُ مَعَ ذَلِكَ بِإصْلاحِ النَّوْعِ، فالنُّبُوَّةُ نُظِرَ فِيها إلى الإنْباءِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والرِّسالَةُ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، والثّانِي وإنْ كانَ أخَصَّ وُجُودًا إلّا أنَّهُما مَفْهُومانِ مُفْتَرِقانِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ رَسُولًا نَبِيًّا مِثْلَ إنْسانٍ حَيَوانٍ. اه.
وفِيهِ مُخالَفَةٌ بَيِّنَةٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا، ولا حَجْرَ في الِاعْتِبارِ. نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الفَرْقَ المَذْكُورَ مَعَ تَغايُرِ المَفْهُومَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ والِاسْتِعْمالِ، وأمّا في الوَضْعِ والحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فَهُما عامّانِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ بِالِاسْتِعْمالَيْنِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَهُما.
ولا يَرِدُ أنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ العامَّ بَعْدَ الخاصِّ لا يُفِيدُ والمَعْرُوفُ في مِثْلِ ذَلِكَ العَكْسُ، ولا يَخْفى أنَّ المُرادَ بِهَذا الرَّسُولِ النَّبِيِّ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ﴿الأُمِّيَّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وهو عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ نِسْبَةً إلى أُمَّةِ العَرَبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»».
أوْ إلى أُمِّ القُرى؛ لِأنَّ أهْلَها كانُوا كَذَلِكَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ إلى أُمِّهِ كَأنَّهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي ولَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْها، ووُصِفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَمالَ عِلْمِهِ مَعَ حالِهِ إحْدى مُعْجِزاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - بِأبِي هو وأُمِّي - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صِفَةُ مَدْحٍ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ فَلا، وذَلِكَ كَصِفَةِ التَّكَبُّرِ؛ فَإنَّها صِفَةُ مَدْحٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفَةُ ذَمٍّ لِغَيْرِهِ.
واخْتُلِفَ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ صَدَرَ عَنْهُ الكِتابَةُ في وقْتٍ أمْ لا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ صَدَرَتْ عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الصُّلْحَ وهي مُعْجِزَةٌ أيْضًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ أصْلًا، وإنَّما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ في الحَدِيثِ مَجازًا.
وجاءَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ تُنْطَقُ لَهُ الحُرُوفُ المَكْتُوبَةُ إذا نَظَرَ فِيها.
ولَمْ أرَ لِذَلِكَ سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوْقَ ذَلِكَ.
نَعَمْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «(ما ماتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى قَرَأ وكَتَبَ)». فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ لِلشَّعْبِيِّ فَقالَ: صَدَقَ، سَمِعْتُ أصْحابَنا يَقُولُونَ ذَلِكَ. وقِيلَ: الأُمِّيُّ نِسْبَةً إلى الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وضَمُّ الهَمْزَةِ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (الأمِّيِّ) بِالفَتْحِ وإنِ احْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ أيْضًا، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، هو إمّا بَدَلُ كُلٍّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ هَؤُلاءِ المَعْهُودِينَ أوْ بَعْضٍ عَلى أنَّهُ عامٌّ ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مِنهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى القَطْعِ وإضْمارِ ناصِبٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (يَأْمُرُهُمْ)، أوْ (أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)،
صفحة 80
وكِلاهُما خِلافُ المُتَبادَرِ مِنَ النَّظْمِ.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ بِاسْمِهِ ونُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ هُوَ؛ ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: يَجِدُونَ اسْمَهُ أوْ وصْفَهُ مَكْتُوبًا.
﴿عِنْدَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِ مَكْتُوبًا الواقِعِ حالًا أوْ لِ يَجِدُونَ، وذُكِرَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرَةٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا.
﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ اللَّذَيْنِ يَعْتَدُّ بِهِما بَنُو إسْرائِيلَ سابِقًا ولاحِقًا، وكَأنَّهُ لِهَذا المَعْنى اقْتَصَرَ عَلَيْهِما وإلّا فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ أيْضًا.
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّوْراةِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويَفْتَحَ أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا». ومِثْلُهُ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وجاءَ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ يَعْقُوبَ الرَّبْعِيِّ عَنْ سَهْلٍ مَوْلى خَيْثَمَةَ قالَ: «قَرَأْتُ في الإنْجِيلِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لا قَصِيرٌ ولا طَوِيلٌ، أبْيَضُ ذُو ضَفِيرَتَيْنِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمٌ، لا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، ويَرْكَبُ الحِمارَ والبَعِيرَ ويَحْلِبُ الشّاةَ، ويَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ وهو يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهو مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، اسْمُهُ أحْمَدُ».
وجاءَ مِن خَبَرٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى في الزَّبُورِ: يا داوُدُ، إنَّهُ سَيَأْتِي مِن بَعْدِكَ نَبِيٌّ اسْمُهُ أحْمَدُ ومُحَمَّدٌ، لا أغْضَبُ عَلَيْهِ أبَدًا، ولا يَعْصِينِي أبَدًا، وقَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَنِي ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أعْطَيْتُهم مِنَ النَّوافِلِ مِثْلَ ما أعْطَيْتُ الأنْبِياءَ، وافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الفَرائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ حَتّى يَأْتُونِي يَوْمَ القِيامَةِ ونُورُهم مِثْلُ نُورِ الأنْبِياءِ؛ وذَلِكَ أنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَطَهَّرُوا إلى كُلِّ صَلاةٍ كَما افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ كَما أمَرْتُ الأنْبِياءَ قَبْلَهم وأمَرْتُهم بِالحَجِّ كَما أمَرْتُ الأنْبِياءَ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالجِهادِ كَما أمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يا داوُدُ، إنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ عَلى الأُمَمِ كُلِّهِمْ، أعْطَيْتُهم سِتَّ خِصالٍ لَمْ أُعْطِها غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ: لا أُؤاخِذُهم بِالخَطَأِ والنِّسْيانِ، وكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلى غَيْرِ عَمْدٍ إذا اسْتَغْفَرُونِي مِنهُ غَفَرْتُهُ، وما قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِن شَيْءِ طَيِّبَةٍ بِهِ أنْفُسُهم عَجَّلْتُهُ لَهم أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولَهم عِنْدِي أضْعافٌ مُضاعَفَةٌ، وأفْضَلُ مِن ذَلِكَ، وأعْطَيْتُهم عَلى المَصائِبِ إذا صَبَرُوا وقالُوا: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، فَإنَّ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، فَإمّا أنْ يَرَوْهُ عاجِلًا، وإمّا أنْ أصْرِفَ عَنْهم سُوءًا، وإمّا أنْ أدَّخِرَهُ لَهم في الآخِرَةِ، يا داوُدُ، مَن لَقِيَنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدِي لا شَرِيكَ لِي صادِقًا بِها فَهو مَعِي في جَنَّتِي وكَرامَتِي، ومَن لَقِيَنِي وقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا وكَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ واسْتَهْزَأ بِكِتابِي صَبَبْتُ عَلَيْهِ مِن قَبْرِهِ العَذابَ صَبًّا، وضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ عِنْدَ مَنشَرِهِ في قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكْتُوبٌ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِ يَجِدُونَهُ أوْ بِ مَكْتُوبًا. وذِكْرُ الإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والقُرْآنِ الكَرِيمِ قَبْلَ مَجِيئِهِما.
﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وهو عَلى ما قِيلَ مُتَضَمِّنٌ لِتَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ
صفحة 81
الرَّحْمَةِ الَّتِي وعَدَ فِيما سَبَقَ بِكَتْبِها إجْمالًا؛ إذْ ما أشارَتْ إلَيْهِ المُتَعاطِفاتُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ يَجِدُونَهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في مَكْتُوبًا، وقِيلَ: هو مُفَسِّرٌ لِ مَكْتُوبًا، أيْ: لِما كُتِبَ، والمُرادُ بِالمَعْرُوفِ قِيلَ الإيمانُ، وقِيلَ: ما عُرِفَ في الشَّرِيعَةِ، والمُرادُ بِالمُنْكَرِ ضِدُّ ذَلِكَ.
﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ فُسِّرَ الأوَّلُ بِالأشْياءِ الَّتِي يَسْتَطِيبُها الطَّبْعُ كالشُّحُومِ، والثّانِي بِالأشْياءِ الَّتِي يَسْتَخْبِثُها كالدَّمِ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في كُلِّ ما تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ ويَسْتَلِذُّهُ الطَّبْعُ الحِلُّ، وفي كُلِّ ما تَسْتَخْبِثُهُ النَّفْسُ ويَكْرَهُهُ الطَّبْعُ الحُرْمَةُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الطَّيِّبَ بِما طابَ في حُكْمِ الشَّرْعِ، والخَبِيثَ بِما خَبُثَ فِيهِ كالرِّبا والرَّشْوَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ يُحِلُّ ما يُحْكَمُ بِحِلِّهِ ويُحَرِّمُ ما يُحْكَمُ بِحُرْمَتِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ. ورَدُّوهُ بِأنَّهُ يُفِيدُ فائِدَةً، وأيَّ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ والرَّأْيِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخَبِيثِ بِمَعْنى ما يُسْتَخْبَثُ طَبْعًا، أوْ ما خَبُثَ شَرْعًا، وقالَ: كالدَّمِ أوِ الرِّبا ومُثِّلَ لِلطَّيِّبِ بِالشَّحْمِ، وجُعِلَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى اقْتِضاءِ التَّحْلِيلِ سَبْقُ التَّحْرِيمِ، والشَّحْمُ كانَ مُحَرَّمًا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى اقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ سَبْقُ التَّحْلِيلِ، وجَعْلُ الدَّمِ وأخِيهِ مِمّا حُرِّمَ عَلى هَذا؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ، ولا يَرِدُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لِأنَّهُ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أوْ لِأنَّ المُرادَ إبْقاؤُهُ عَلى حِلِّهِ لِمُقابَلَتِهِ بِتَحْرِيمِ الرِّبا، ودَفَعَ بِهَذا ما تُوُهِّمَ مِن عَدَمِ الفائِدَةِ.
﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ كَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أوْ مِنهُ ومِنَ البَدَنِ، وإحْراقِ الغَنائِمِ، وتَحْرِيمِ السَّبْتِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ، وتَعَيُّنِ القِصاصِ في العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ شَرْعِ الدِّيَةِ؛ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ في الألْواحِ إلّا أنَّهُ شُرِعَ بَعْدُ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ عَلى ما قِيلَ، وأصْلُ الأصْرِ الثِّقْلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ عَنِ الحَراكِ، والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي في الأصْلِ كَما قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ ويُقالُ لَها جامِعَةٌ أيْضًا، ولَعَلَّ غَيْرَ الحَدِيدِ إذا جُمِعَ بِهِ يَدٌ إلى عُنُقٍ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ أيْضًا، والمُرادُ مِنهُما هُنا ما عَلِمْتَ، وهو المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَمْثِيلٌ، وعَنْ عَطاءٍ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قامَتْ تُصَلِّي لَبِسُوا المُسُوحَ، وغَلُّوا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرَفَ السِّلْسِلَةِ وأوْثَقَها عَلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ، وعَلى هَذا فالأغْلالُ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ حَقِيقَتُهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (آصارَهُمْ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ: (أصْرَهُمْ) بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ، وبِالضَّمِّ عَلى الجَمْعِ أيْضًا.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أيْ: صَدَّقُوا بِرِسالَتِهِ ونَبُّوتِهِ.
﴿وعَزَّرُوهُ﴾ أيْ: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ الرّاغِبُ: التَّعْزِيرُ النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ، والتَّعْزِيرُ الَّذِي هو دُونَ الحَدِّ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَأْدِيبٌ، والتَّأْدِيبُ نُصْرَةٌ؛ لِأنَّ أخْلاقَ السُّوءِ أعْداءٌ، ولِذا قالَ في الحَدِيثِ: ««انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا. فَقِيلَ: كَيْفَ أنْصُرُهُ ظالِمًا؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ»».
وأصْلُهُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ المَنعُ، والمُرادُ مَنعُهُ حَتّى لا يَقْوى عَلَيْهِ عَدُوٌّ، وقُرِئَ: (عَزَرُوهُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ونَصَرُوهُ﴾ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ، وعَطْفُ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ ظاهِرٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ، وكَذا عَلى ما قالَهُ الجَمْعُ؛ إذِ الأوَّلُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ دَرْءِ المَفاسِدِ، وهَذا مِن قَبِيلِ جَلْبِ المَصالِحِ، ومَن فَسَّرَ الأوَّلَ بِالتَّعْظِيمِ مَعَ التَّقْوِيَةِ أخْذًا مِن كَلامِ الرّاغِبِ قالَ هُنا: نَصَرُوهُ لِي.
صفحة 82
أيْ: قَصَدُوا بِنَصْرِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءَ كَلِمَتِهِ فَلا تَكْرارَ؛ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ.
﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القُرْآنُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنُّورِ لِظُهُورِهِ في نَفْسِهِ بِإعْجازِهِ وإظْهارِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ وصِدْقِ الدَّعْوى، فَهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّورِ الظّاهِرِ بِنَفْسِهِ، والمُظْهِرِ لِغَيْرِهِ، بَلْ هو نُورٌ عَلى نُورٍ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ أنْزَلَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مَعَ نُبُوَّتِهِ أوْ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مَعَهُ وإنَّما نَزَلَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
نَعَمْ اسْتِباؤُهُ أوْ إرْسالُهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّبَعُوا عَلى مَعْنى شارَكُوهُ في اتِّباعِهِ وحِينَئِذٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وقَدْ يُعَلَّقُ بِهِ عَلى مَعْنى اتَّبَعُوا القُرْآنَ مَعَ اتِّباعِهِمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إشارَةً إلى العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اتَّبَعُوا، أيِ اتَّبَعُوا النُّورَ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، وحاصِلُهُ ما ذُكِرَ في الِاحْتِمالِ الثّانِي، وأنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن نائِبِ فاعِلِ أُنْزِلَ. وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ مَعَ بِمَعْنى عَلى وهو مُتَعَلِّقٌ بِ أُنْزِلَ ولَمْ يَشْتَهِرْ، ورُوِيَ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي هُنا مُرادِفَةٌ لِعِنْدَ وهو أحَدُ مَعانِيها المَشْهُورَةِ إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ وإنْ قِيلَ حاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ لا المُتَّصِفُونَ بِأضْدادِ صِفاتِهِمْ، وفي الإشارَةِ إشارَةٌ إلى عِلِّيَّةِ تِلْكَ الصِّفاتِ لِلْحُكْمِ، وكافُ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اليَهُودُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَّصِفِينَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والِاتِّصافُ بِذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى إدْراكِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما لا يَخْفى وهو الأوْلى عِنْدِي.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المَعْنى الأعَمُّ أيْضًا، وجَعَلَهُ ابْنُ الخازِنِ قَوْلَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ ما فِيهِ ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ كَوْنُ المُرادِ مِنهُ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن نُعُوتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ، وقِيلَ: عَلى كَتْبِ الرَّحْمَةِ لِمَن مَرَّ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ مُتَّبِعِيهِ واغْتِنامِهِمْ مَغانِمَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في الدّارَيْنِ إثْرَ بَيانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ والإشارَةِ إلى إرْشادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيّاهم بِما في ضِمْنِ ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ إلَخْ، وجُعِلَ الحَصْرُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ ثُمَّ قالَ: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا حَيْثُ لَمْ يَنْجُوا عَمّا في تَوْبَتِهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ الهائِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما سَلَكَهُ في تَفْسِيرِ الآياتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ.
الأعراف 7:158
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ لَمّا حَكى ما في الكِتابَيْنِ مِن نُعُوتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَفِ مَن يَتَّبِعُهُ عَلى ما عَرَفْتَ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَصْدَعَ بِما فِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ حَرَّمُوا اتِّباعَهُ. وتَنْبِيهٌ لِسائِرِ النّاسِ عَلى افْتِراءِ مَن زَعَمَ مِنهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ سَعادَةَ الدّارَيْنِ المُشارَ إلَيْهِما فِيما تَقَدَّمَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ بَلْ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن يَتَّبِعُهُ كائِنًا مَن كانَ؛ وذَلِكَ بِبَيانِ عُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهي عامَّةٌ لِلثَّقَلَيْنِ كَما نَطَقَتْ بِهِ النُّصُوصُ حَتّى صَرَّحُوا بِكَفْرِ مُنْكِرِهِ وما هُنا لا يَأْبى ذَلِكَ، والمَفْهُومُ
صفحة 83
فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ القائِلِ بِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وهو ظاهِرٌ.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ نَحْوِهِ أوْ رُفِعَ عَلى إضْمارِ هو.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِمّا لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ وفي حُكْمِ ما لا يَكُونُ فِيهِ فَصْلٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِالفَخامَةِ؛ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المَذْكُورَ عُلِمَ في ذَلِكَ، أيِ اذْكُرْ مَن لا يَخْفى شَأْنُهُ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ، وقَدْ نَصَّ عَلى جَوازِ هَذا النَّحْوِ سِيبَوَيْهِ، وذَكَرَ العَلّامَةُ أنَّ سَوْقَ كَلامِهِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ بَدَلُ اسْتِعْمالٍ، ووَجْهُ البَيانِ أنَّ مَن مَلَكَ العالَمَ عُلْوِيَّهُ وسُفْلِيَّهُ هو الإلَهُ، فَبَيْنَهُما تَلازُمٌ يُصَحِّحُ جَعْلَ الثّانِي مُبَيِّنًا لِلْأوَّلِ ولَيْسَ المُرادُ بِالبَيانِ الإثْباتَ بِالدَّلِيلِ حَتّى يُقالَ: الظّاهِرُ العَكْسُ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ مِلْكُهُ لِلْعالَمِ بِأسْرِهِ مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَيْهِ أيْضًا فَيُقالُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ المالِكُ المُتَصَرِّفُ في ذَلِكَ انْحِصارُ الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ؛ إذْ لَوْ كانَ إلَهٌ غَيْرُهُ لَكانَ لَهُ ذَلِكَ، واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالبَدَلِيَّةِ بِأنَّ إبْدالَ الجُمَلِ مِنَ الجُمَلِ غَيْرِ المُشْتَرَكَةِ في عامِلٍ لا يُعْرَفُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ أهْلَ المَعانِي ذَكَرُوهُ، وتَعْرِيفُ التّابِعِ بِكُلِّ ثانٍ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ إلَهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِزِيادَةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِذَلِكَ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيرادُ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ، ووَصْفُ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ لِمَدْحِهِ ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ.
﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ، وقُرِئَ: (وكَلِمَتِهِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ القُرْآنِ أوْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُعْتَبَرْ إيمانُهُ، والإتْيانُ بِهَذا الوَصْفِ بِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ والتَّصْرِيحُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الإيمانِ بِكَلِماتِهِ ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِهِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ والتَّفادِي عَنِ العَصَبِيَّةِ لِلنَّفْسِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ نُكْتَةً لِلِالتِفاتِ وإجْراءِ هاتِيكَ الصِّفاتِ.
﴿واتَّبِعُوهُ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلَيْنِ أوْ حالٌ مِن فاعِلَيْهِما. أيْ: رَجاءً لِاهْتِدائِكم إلى المَطْلُوبِ أوْ راجِينَ لَهُ. وفي تَعْلِيقِهِ بِهِما إيذانٌ بِأنَّ مَن صَدَّقَهُ ولَمْ يَتَّبِعْهُ بِالتِزامِ شَرْعِهِ فَهو بَعْدُ في مَهامِهِ الضَّلالِ.
الأعراف 7:159
﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿يَهْدُونَ﴾ النّاسَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقِّينَ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ عَلى أنَّ الباءَ لِلْآلَةِ والجارَّ لَغْوٌ، ﴿وبِهِ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في الأحْكامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهم فَقِيلَ: أُناسٌ كانُوا كَذَلِكَ عَلى عَهْدِ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ
صفحة 84
كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِالآياتِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كُلِّ خَيْرٍ وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهُمْ، بَلْ مِنهُمُ المَوْصُوفُونَ بِكَيْتَ وكَيْتَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.
واخْتارَ هَذا شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِقِسْمٍ آخَرَ مِنَ القَوْمِ مُقابِلٍ لِما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: أُناسٌ وُجِدُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أقْرَبُ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلَخْ. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَصْدَعَ بِما فِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْيَهُودِ وتَنْبِيهٌ عَلى افْتِرائِهِمْ فِيما يَزْعُمُونَهُ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إظْهارِ النَّصَفَةِ؛ وذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ إلَخْ. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَآمِنُوا ) إلَخْ. عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ إلَخْ. والمَعْنى أنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكَيْنا عَنْهم ما حَكَيْنا آمَنُوا وأنْصَفُوا مِن أنْفُسِهِمْ. يَهْدُونَ النّاسَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّسُولُ المَوْعُودُ ويَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا الرَّسُولُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويَعْدِلُونَ في الحُكْمِ لا يَجُورُونَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم ما أنْصَفُوا ولَبَّسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وكَتَمُوهُ وجارُوا في الأحْكامِ فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الفِرْقَةِ تَعْرِيضًا بِالأكْثَرِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِ مُوسى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ أُمَّتِهِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وأيْضًا إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ لا سِيَّما إذا كانَ لَهُ شَأْنٌ، بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وبِأنَّ ذِكْرَهم هُنا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ لا يَأْبى ذِكْرَهم فِيما سَلَفَ لِغَيْرِ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وتَكْرارُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ الأغْراضِ سُنَّةٌ مَشْهُورَةٌ في الكِتابِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهم فِيما تَقَدَّمَ قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم مُهْتَدُونَ، وهُنا قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم هادُونَ، فَيَحْصُلُ مِنَ الذِّكْرَيْنِ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالوَصْفَيْنِ. نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في نُكْتَةِ الفَصْلِ ولَعَلَّها لا تَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُجِدُوا بَيْنَ مُوسى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ الآنَ مَوْجُودُونَ أيْضًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ، فَهم هُنالِكَ حُنَفاءُ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ وفُسِّرَ وعْدُ الآخِرَةِ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنَّهم سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ كَما رَوى أبُو الشَّيْخِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى مَعَهم نَهْرًا وجَعَلَ لَهم مِصْباحًا مِن نُورٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأنَّ أرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها تَجْتَمِعُ فِيها الهَوامُّ والبَهائِمُ والسِّباعُ مُخْتَلِطِينَ، وأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهم لَيْلَةَ المِعْراجِ ومَعَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ وعَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَّمَهُمُ الزَّكاةَ وعَشْرَ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمَرَهم أنْ يُجْمِعُوا ويَتْرُكُوا السَّبْتَ، وأقْرَأهُ سَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ السَّلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَهم نَهْرٌ مِن رَمْلٍ
صفحة 85
يَجْرِي، وضَعَّفَ هَذِهِ الحِكايَةَ ابْنُ الخازِنِ، وأنا لا أراها شَيْئًا، ولا أظُنُّكَ تَجِدُ لَها سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولَوِ ابْتَغَيْتَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ.
* * *
(هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ): ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ دُونَ رُؤْيَتِي عَلى ما يَقُولُهُ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ.
﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ بِالتَّمْكِينِ.
﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ في القِيامِ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ الَّتِي لا مَقامَ أعْلى مِنها:
لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي
وبِالشُّكْرِ تَزْدادُ النِّعَمُ كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ.
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ أيْ: أظْهَرْنا نُقُوشَ اسْتِعْدادِهِ في ألْواحِ تَفاصِيلِ وُجُودِهِ مِنَ الرُّوحِ والقَلْبِ والعَقْلِ والفِكْرِ والخَيالِ، فَظَهَرَ فِيها ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِعَزْمٍ لِتَكُونَ مِن ذَوِيهِ.
﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ: أكْثَرِها نَفْعًا، وهي العَزائِمُ.
﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ بِذَلِكَ.
﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهُمُ الَّذِينَ في مَقامِ النَّفْسِ، فَيَكُونُ تَكَبُّرُهم حِجابًا لَهم عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا المُتَكَبِّرُونَ بِالحَقِّ وهُمُ الَّذِينَ فَنِيَتْ صِفاتُهم وظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ مَوْلاهم فَلَيْسُوا بِمَحْجُوبِينَ ولا يُعَدُّ تَكُبُّرُهم مَذْمُومًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ تَكَبُّرُهم حَقِيقَةً، وإنَّما حَظُّهم مِنهُ كَوْنُهم مَظْهَرًا لَهُ.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ حَيْثُ حُجِبُوا بِصِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ. حَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا تُقَرِّبُهم شَيْئًا.
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا﴾ صَنَعَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ، وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، أوْ مِمَّنْ رَآهم فَوَقَعَ في قَلْبِهِ -لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ- حُبُّهُ، وأضْمَرَ عِبادَتَهُ، واخْتارَ صِياغَتَهُ مِن حُلِيِّهِمْ لِيَكُونَ مَيْلُهم إلَيْهِ أتَمَّ؛ لِأنَّ قَلْبَ الإنْسانِ يَمِيلُ حَيْثُ مالُهُ سِيَّما إذا كانَ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَبِيدُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ، وهُما العِجْلُ المَعْنَوِيُّ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وفي كَلامِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ صارَ ذا رُوحٍ بِواسِطَةِ التُّرابِ الَّذِي وطِئَهُ الرُّوحُ الأمِينُ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ ذا لَحْمٍ ودَمٍ.
﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: ذُهِلَ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَنْها وتَجافى عَنْ حُكْمِ ما فِيها ونِسْيانِ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الحِلْمِ مَثَلًا عِنْدَ الغَضَبِ مِمّا يَجِدُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِهِ.
﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ ظَنًّا أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ.
﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ لِغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ في الأنْفُسِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُؤَوِّلِينَ أنَّ سامِرِيَّ الهَوى بَعْدَ تَوَجُّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّوحِ لِمِيقاتِ مُكالَمَةِ الحَقِّ اتَّخَذَ مِن حُلِيِّ زِينَةِ الدُّنْيا ورُعُوناتِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي اسْتَعارَها بَنُو إسْرائِيلَ صِفاتِ القَلْبَ مِن قِبْطِ صِفاتِ النَّفْسِ مَعْبُودًا يَتَعَجَّلُونَ إلَيْهِ لَهُ خُوارٌ يَدْعُونَ الخَلْقَ بِهِ إلى نَفْسِهِ.
﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ بِما يَنْفَعُهم.
﴿ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ إلى الحَقِّ.
﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ حَيْثُ عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ الحَقِّ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ في نَظَرِهِمْ، ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا عِنْدَ رُجُوعِ مُوسى الرُّوحِ قالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِجَذَباتِ العِنايَةِ، ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ بِأنْ يَسْتُرَ صِفاتِنا بِصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ رَأْسَ مالِ هَذِهِ النَّشْأةِ وهو الِاسْتِعْدادُ.
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ وهُمُ الأوْصافُ الإنْسانِيَّةُ: ﴿غَضْبانَ﴾ مِمّا عَبَدَتْ صِفاتُ القَلْبِ عِجْلَ الدُّنْيا ﴿أسِفًا﴾ عَلى ما فاتَ لَها مِن عِبادَةِ الحَقِّ.
﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ حَيْثُ لَمْ تَسِيرُوا سَيْرِي.
﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى الفانِي مِن غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى.
﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: ما لاحَ لَهُ مِنَ اللَّوائِحِ الرَّبّانِيَّةِ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الغَضَبِ الطَّبِيعِيِّ.
﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ وهو القَلْبُ. يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَسْرًا، ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ
صفحة 86
أخُوهُ مِن أبِيهِ؛ وهو عالَمُ الأمْرِ، وأُمِّهِ؛ وهو عالَمُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُما في عالَمِ الخَلْقِ؛ ﴿إنَّ القَوْمَ﴾ أيْ: أوْصافَ البَشَرِيَّةِ.
﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ عِنْدَ غَيْبَتِكَ.
﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ يُزِيلُونَ مِنِّي حَياةَ اسْتِعْدادِي بِالكُلِّيَّةِ.
﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ وهم - هُمْ، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي﴾ اسْتُرْ صِفاتِنا.
﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بِإفاضَةِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ عَلَيْنا.
﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ رَحْمَةٍ فَهو شُعاعُ نُورِ رَحْمَتِكَ.
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: عِجْلَ الدُّنْيا إلَهًا.
﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ. وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا بِاسْتِعْبادِ هَذا الفانِي المُدْنِي لَهم.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيُثْبِتُونَ وُجُودًا لِما سِواهُ.
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا﴾ رَجَعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسِهِمْ وإفْنائِهِمْ. إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ فَيَسْتُرُ صِفاتِهِمْ. رَحِيمٌ فَيَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِمْ. ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ الرَّبّانِيَّةَ، ﴿وفِي نُسْخَتِها هُدًى﴾ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يَخافُونَ لِحُسْنِ اسْتِعْدادِهِمْ.
ويُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا﴾ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِهِ ونُجَبائِهِمْ أهْلِ الِاسْتِعْدادِ والصَّفاءِ والإرادَةِ والطَّلَبِ والسُّلُوكِ. فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أيْ: رَجْفَةُ البَدَنِ الَّتِي هي مِن مَبادِي صَعْقَةِ الفَناءِ عِنْدَ طَرَيانِ بِوارِقِ الأنْوارِ وظُهُورِ طَوالِعِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجَسَدِ وارْتِعادِهِ، وكَثِيرًا ما تَعْرِضُ هَذِهِ الحَرَكَةُ لِلسّالِكِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ أوْ سَماعِ القُرْآنِ أوْ ما يَتَأثَّرُونَ بِهِ حَتّى تَكادَ تَتَفَرَّقُ أعْضاؤُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ في الخالِدِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ، ورُبَّما يَعْتَرِيهِمْ في صَلاتِهِمْ صِياحٌ مَعَهُ؛ فَمِنهم مَن يَسْتَأْنِفُ صَلاتَهُ لِذَلِكَ، ومِنهم مَن لا يَسْتَأْنِفُ، وقَدْ كَثُرَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وسَمِعْتُ بَعْضَ المُنْكِرِينَ يَقُولُونَ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ مَعَ الشُّعُورِ والعُقَلِ فَهي سُوءُ أدَبٍ ومُبْطِلَةٌ لِلصَّلاةِ قَطْعًا، وإنْ كانَتْ مَعَ عَدَمِ شُعُورٍ وزَوالِ عَقْلٍ فَهي ناقِضَةٌ لِلْوُضُوءِ ونَراهم لا يَتَوَضَّئُونَ، وأُجِيبَ بِأنَّها غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ العَقْلِ والشُّعُورِ، وهي كالعُطاسِ والسُّعالِ، ومِن هُنا لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بَلْ ولا تَبْطُلُ الصَّلاةُ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ المُصَلِّيَ لَوْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ في الصَّلاةِ لا تَبْطُلُ صَلاتُهُ ويُعْذَرُ بِذَلِكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَلْحَقَ ما يَحْصُلُ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ الغَيْرِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ كَوْنُهُ صادِرًا مِن غَيْرِ شُعُورٍ؛ فَإنَّ حَرَكَةَ المُرْتَعِشَ غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ الشُّعُورِ بِها، وهو ظاهِرٌ فَلا مَعْنًى لِلْإنْكارِ.
نَعَمْ، كانَ حَضْرَةُ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ قُدِّسَ سِرُّهُ يَأْمُرُ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ بِالوُضُوءِ واسْتِئْنافِ الصَّلاةِ سَدًّا لِبابِ الإنْكارِ، والحَقُّ أنَّ ما يَعْتَرِي هَذِهِ الطّائِفَةَ غَيْرُ ناقِضٍ الوُضُوءَ لِعَدَمِ زَوالِ العَقْلِ مَعَهُ لَكِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلاةِ لِما فِيهِ مِنَ الصِّياحِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ حَرْفانِ مَعَ أُمُورٍ تَأْباها الصَّلاةُ، ولا عُذْرَ لِمَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ إلّا إذا ابْتُلِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ مِنَ الوَقْتِ يَسَعُ الصَّلاةَ بِدُونِهِ؛ فَإنَّهُ يُعْذَرُ حِينَئِذٍ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ إذا ذَهَبَ مِنهُ ذَلِكَ الحالُ كَمَن بِهِ حَكَّةٌ لا يَصْبِرُ مَعَها عَلى عَدَمِ الحَكِّ.
وقَدْ نَصَّ الجَدُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الحَضْرَمِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في صُورَةٍ ابْتُلِيَ بِسُعالٍ مُزْمِنٍ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَرْعٌ: لَوِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وعَلِمَ مِن عادَتِهِ أنَّ الحَمّامَ يُسَكِّنُهُ عَنْهُ مُدَّةً تَسَعُ الصَّلاةَ وجَبَ عَلَيْهِ دُخُولُهُ، حَيْثُ وجَدَ أُجْرَةَ الحَمّامِ فاضِلَةً عَمّا يُعْتَبَرُ في الفِطْرَةِ، وإنْ فاتَتْهُ الجَماعَةُ وفَضِيلَةُ أوَّلِ الوَقْتِ. انْتَهى.
نَعَمْ، ذَكَرَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الفِعْلِ الكَثِيرِ المُبْطِلِ لِلصَّلاةِ وهو ثَلاثَةُ أفْعالٍ؛ أنَّهُ لَوِ ابْتُلِيَ بِحَرَكَةٍ اضْطِرارِيَّةٍ نَشَأ عَنْها عَمَلٌ كَثِيرٌ فَمَعْذُورٌ، وقالَ أيْضًا: إنَّهُ لا يَضُرُّ الصَّوْتُ الغَيْرُ المُشْتَمِلِ عَلى النُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ مِن أنْفٍ
صفحة 87
أوْ فَمٍ وإنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ هَمْهَمَةُ شَفَتَيِ الأخْرَسِ ولَوْ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وإنْ فَهِمَ الفَطِنُ كَلامًا أوْ قَصَدَ مُحاكاةَ بَعْضِ أصْواتِ الحَيَواناتِ إنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّلاعُبَ وإلّا بَطَلَتْ، ويَنْبَغِي التَّحَرِّي في هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ فَإنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُتَفاوِتٌ، لَكِنَّ أكْثَرَ ما شاهَدْناهُ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ غَلَبَةِ الشَّوْقِ، و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي. أتُهْلِكُنا بِعَذابِ الحِجابِ والحِرْمانِ؛ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ. إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِكَ، وهَذا مُقْتَضى مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ، فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَ صِفاتِنا وذَواتِنا كَما غَفَرْتَ ذُنُوبَ أفْعالِنا، وارْحَمْنا بِإفاضَةِ أنْوارِ شُهُودِكَ ورَفْعِ حِجابِ الإنِّيَّةِ بِوُجُودِكَ، واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وهي حَسَنَةُ الِاسْتِقامَةِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً المُشاهَدَةَ، والكَلامُ في بَقِيَّةِ الكَلامِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.
خَلا أنَّ بَعْضَهم أوَّلَ العَذابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ بِعَذابِ الشَّوْقِ المَخْصُوصِ الَّذِي يُصِيبُ أهْلَ العِنايَةِ مِنَ الخَواصِّ وهو الرَّحْمَةُ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، وإنَّها لَأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ، وأهْلُ الظّاهِرِ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، والقَوْمُ يَقُولُونَ: نَراهُ قَرِيبًا، وقالُوا: الأُمِّيُّ نِسْبَةً إلى الأُمِّ لَكِنْ عَلى حَدِّ أحْمَرِيٍّ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أُمُّ المَوْجُوداتِ وأصْلُ المَكْنُوناتِ، واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ وهو الَّذِي جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَأشْفَقُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِها؛ إذْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وذَكَرُوا أنَّ أتْباعَهُ مِن حَيْثُ النُّبُوَّةُ الخَواصُّ، ومِن حَيْثُ الأُمِّيَّةُ خَواصُّ الخَواصِّ، ومِن حَيْثُ الرِّسالَةُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كُلُّهم والعَوامُّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِاتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سائِرِ شُؤُونِهِ.
الأعراف 7:160
﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ: قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ كَما يُوهِمُهُ القُرْبُ (وقَطَّعَ) يُقْرَأُ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، والأوَّلُ هو المُتَواتِرُ، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ، وقَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: فَرَّقْناهم مَعْدُودِينَ بِهَذا العَدَدِ، أوْ صَيَّرْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أسْباطًا﴾ كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ بَدَلٌ مِنَ العَدَدِ لا تَمْيِيزَ لَهُ، وإلّا لَكانُوا سِتَّةً وثَلاثِينَ، وعَلَيْهِ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِرْقَةً أوْ نَحْوَهُ، قالَ الحُوفِيُّ: إنَّ صِفَةَ التَّمْيِيزِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والأصْلُ: فِرْقَةً أسْباطًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا لِأنَّهُ مُفْرَدٌ تَأْوِيلًا، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ السِّبْطَ مُفْرَدًا ولَدُ الوَلَدِ، أوْ ولَدُ البِنْتِ أوِ الوَلَدِ، أوِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، أقْوالٌ ذَكَرَها ابْنُ الأثِيرِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ جَماعَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، ولَعَلَّهُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ أصْلِهِمْ كَتَمِيمٍ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنهم أسْباطٌ أيْضًا كَما غَلَبَ الأنْصارُ عَلى جَمْعٍ مَخْصُوصٍ فَهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الحَيِّ والقَبِيلَةِ، فَلِهَذا وقَعَ مَوْقِعَ المُفْرَدِ في التَّمْيِيزِ، وهَذا كَما ثَنّى الجَمْعَ في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ يَصِفُ رَمْكَةً تَعَوَّدَتِ الحَرْبَ:
تَبَقَّلَتْ في أوَّلِ التَّبَقُّلِ بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ
وتَأْنِيثُ اثْنَتَيْ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ وما قَبْلَ الثَّلاثَةِ يَجْرِي عَلى أصْلِ التَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمُؤَنَّثٍ وهو ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْنا، وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ (عَشِرَةَ) بِكَسْرِ الشِّينِ ورُوِيَ عَنْهُ فَتْحُها أيْضًا، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والسُّكُونُ لُغَةُ الحِجازِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُمَمًا﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لا مِن أسْباطٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ
صفحة 88
يَكُونَ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ البَدَلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنهُ إذا لَمْ يَكُنْ بَدَلًا ونَعْتًا إنْ كانَ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ.
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ العَطَشُ في التِّيهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ (فَأنْ) بِمَعْنى أيْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً.
﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الِانْبِجاسَ خُرُوجُ الماءِ بِقِلَّةٍ، والِانْفِجارَ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا تارَةً وبِالأُخْرى أُخْرى بِاعْتِبارِ أوَّلِ الخُرُوجِ وما انْتَهى إلَيْهِ، والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، ولِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ الِامْتِثالِ حَتّى كَأنَّ الإيحاءَ وضَرْبَهُ أمْرٌ واحِدٌ، وأنَّ الِانْبِجاسَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى كَأنَّ فِعْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا دَخْلَ فِيهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الفاءَ عَلى ما قُرِّرَ فَصِيحَةٌ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ شَرْطًا في الكَلامِ فَإذا ضَرَبْتَ فَقَدِ انْبَجَسَتْ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالنَّظْمِ الجَلِيلِ.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ: سِبْطٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَثْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأسْباطِ، وأُناسٌ إمّا جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ، وذَكَرَ السَّعْدُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ اسْمَ الجَمْعِ جَمْعًا، و(عَلِمَ) بِمَعْنى عَرَفَ، النّاصِبِ مَفْعُولًا واحِدًا أيْ: قَدْ عَرَفَ.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ.
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ بِحَيْثُ يُلْقِي عَلَيْهِمْ ظِلَّهُ لِيَقِيَهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، وكانَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويَسْكُنُ بِإقامَتِهِمْ.
﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى، فَكانَ الواحِدُ مِنهم يَأْخُذُ ما يَكْفِيهِ مِن ذَلِكَ.
﴿كُلُوا﴾ أيْ: قُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمْ: كُلُوا.
﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهُ، و(ما) مَوْصُولَةٌ كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى.
﴿وما ظَلَمُونا﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ. أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.
﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِذَلِكَ.
﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفي الكَلامِ مِنَ التَّهَكُّمِ والإشارَةِ إلى تَمادِيهِمْ عَلى ما فِيهِمْ ما لا يَخْفى.
الأعراف 7:161
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ مَعْمُولٌ لِ اذْكُرُوا، وإيرادُ الفِعْلِ هُنا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الفاعِلَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ، أيِ اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِنا لِأسْلافِهِمُ ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ القَرِيبَةَ مِنكم وهي بَيْتُ المَقْدِسِ أوْ أرِيحا، والنَّصْبُ مَبْنِيٌّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَ سَكَنْتُ الدّارَ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ اتِّساعًا، والتَّعْبِيرُ بِالسُّكْنى هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في البَقَرَةِ الدُّخُولُ بِقَصْدِ الإقامَةِ، أيْ: أقِيمُوا في هَذِهِ القَرْيَةِ.
﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ: مَطاعِمِها وثِمارِها أوْ مِنها نَفْسِها، عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ.
﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ: مِن نَواحِيها مِن غَيْرِ أنْ يُزاحِمَكم أحَدٌ، وجِيءَ بِالواوِ هُنا وبِالفاءِ في البَقَرَةِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ هُناكَ: ادْخُلُوا فَحَسُنَ ذِكْرُ التَّعْقِيبِ مَعَهُ، وهُنا: اسْكُنُوا والسُّكْنى أمْرٌ مُمْتَدٌّ، والأكْلُ مَعَهُ لا بَعْدَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ إذا تَفَرَّعَ المُسَبَّبُ عَنِ السَّبَبِ اجْتَمَعا في الوُجُودِ فَيَصِحُّ الإتْيانُ بِالواوِ والفاءِ، وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العِبارَتَيْنِ ولَيْسَ السُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ ﴿رَغَدًا﴾ هُناكَ لِأنَّ الأكْلَ في أوَّلِ الدُّخُولِ يَكُونُ ألَذَّ وبَعْدَ السُّكْنى، واعْتِبارُهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
صفحة 89
وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِالتَّعْبِيرِ بِ اسْكُنُوا عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الأكْلَ المُسْتَمِرَّ مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ لا يَكُونُ إلّا رَغَدًا واسِعًا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ صاحِبُ اللُّبابِ، ويَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ ذَكَرَ (رَغَدًا) مَعَ الأمْرِ بِالسُّكْنى في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ.
﴿وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ في البَقَرَةِ غَيْرَ أنَّ ما فِيها عَكْسُ ما هُنا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما، وقالَ القُطْبُ: فائِدَةُ الِاخْتِلافِ التَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِ تَقْدِيمِ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورَيْنِ عَلى الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُما تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى وإظْهارَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: (تُغْفَرْ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و(خَطِيئاتُكُمْ) بِالرَّفْعِ والجَمْعِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ وحَّدَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (خَطاياكُمْ) كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنَ القُطْبُ فائِدَةَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ ما هُناكَ وبَيْنَ ما هُنا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِأنَّها الإشارَةُ إلى أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سَواءٌ كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً فَهي مَغْفُورَةٌ بَعْدَ الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وطَرْحُ الواوِ هُنا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ ما أُمِرُوا بِهِ كَما قِيلَ.
والمُرادُ أنَّ امْتِثالَهم جازاهُ اللَّهُ تَعالى بِالغُفْرانِ، وزادَ عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ فَضْلٌ مَحْضٌ مِنهُ تَعالى؛ فَقَدْ يَدْخُلُ في الجَزاءِ صُورَةٌ لِتَرَتُّبِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ، ولِذا قُرِنَ بِالسِّينِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ وعْدٌ وتَفَضُّلٌ، ومَفْعُولُ نَزِيدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ثَوابًا وزِيادَةً مِنهم في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ:
الأعراف 7:162
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ لِزِيادَةِ البَيانِ أيْ: بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وأُمِرُوا بِقَوْلِهِ، و(غَيْرَ) نَعْتٌ لِلْقَوْلِ وصَرَّحَ بِالمُغايَرَةِ مَعَ دَلالَةِ التَّبْدِيلِ عَلَيْها تَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ أثَرَ ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ عَذابًا كائِنًا مِنها وهو الطّاعُونُ في رِوايَةٍ.
﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المُسْتَمِرِّ السّابِقِ واللّاحِقِ، وهَذا بِمَعْنى ما في البَقَرَةِ لِأنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِمْ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا والإرْسالُ مِن فَوْقٍ إنْزالٌ، والتَّصْرِيحُ بِهَذا التَّعْلِيلِ لِما أنَّ الحُكْمَ هاهُنا مُرَتَّبٌ عَلى المُضْمَرِ دُونَ المَوْصُولِ بِالظُّلْمِ كَما في البَقَرَةِ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِالفِسْقِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ هُناكَ فَلِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ وخُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ وغُلُوٌّ في الظُّلْمِ، وأنَّ تَعْذِيبَهم بِجَمِيعِ ما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ.
وقالَ القُطْبُ في وجْهِ المُغايَرَةِ: إنَّ الإرْسالَ مُشْعِرٌ بِالكَثْرَةِ بِخِلافِ الإنْزالِ فَكَأنَّهُ أنْزَلَ العَذابَ القَلِيلَ ثُمَّ جُعِلَ كَثِيرًا، وإنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ الظُّلْمِ والفِسْقِ في المَوْضِعَيْنِ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِما فِيهِمْ مَعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في وُجُوهِ المُغايَرَةِ بَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ الآيَةِ ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ.
الأعراف 7:163
﴿واسْألْهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى (اذْكُرْ) المُشارِ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِمَن بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَسْلِ اليَهُودِ، أيْ: واسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ بِتَقَدُّمِ تَجاوُزِهِمْ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ إعْلامُهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَهُ، وفي الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ
صفحة 90
مِمَّنْ مارَسَ كُتُبَهم أوْ تَعَلَّمَهُ مِن عُلَمائِهِمْ ما يَقْضِي بِأنَّ ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ فَيَكُونُ مُعْجِزَةً شاهِدَةً عَلَيْهِمْ؛ ﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: عَنْ خَبَرِها وحالِها وما وقَعَ بِأهْلِها مِن ثالِثَةِ الأثافِيِّ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ ما يَعُمُّ السُّؤالَ عَنِ النَّفْسِ وعَنِ الأهْلِ أوِ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ عَنْ حالِ أهْلِ القَرْيَةِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيها، وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ - أيْلَةُ - قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ.
وعَنِ ابْنِ شِهابٍ هي طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَقْتا بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.
﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أيْ: قَرِيبَةً مِنهُ مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِهِ.
﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ أيْ: يَظْلِمُونَ ويَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ أوْ بِتَعْظِيمِهِ، وإذْ بَدَلٌ مِنَ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَصْدَرِ، قِيلَ: واحْتِمالُ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِكانَتْ أوْ حاضِرَةً لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا فائِدَةَ بِتَقْيِيدِ الرُّكُونِ أوِ الحُضُورِ بِوَقْتِ العُدْوانِ، وضَمِيرُ يَعْدُونَ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ أوِ المَعْلُومِ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: إلى القَرْيَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ، وقُرِئَ: (يَعَدُّونَ) بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّاءِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ حَيْثُ كانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ وهم مَنهِيُّونَ عَنِ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ.
﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، وهو الأوْلى؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ عُدْوانِهِمْ أبْلَغُ في التَّقْرِيعِ، وحِيَتانٌ جَمْعُ حُوتٍ أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها كَنُونٍ ونِيناتٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإضافَتُها إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ الحِيتانُ الكائِنَةُ في تِلْكَ النّاحِيَةِ الَّتِي هم فِيها، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ لِاسْتِقْلالِها بِما لا يَكادُ يُوجَدُ في سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِنَ الخَواصِّ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِ تَأْتِيهِمْ. أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ لِأمْرِ السَّبْتِ، وهو مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ بِتَرْكِ العَمَلِ والتَّفَرُّغِ لِلْعِبادَةِ فِيهِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْيَوْمِ، والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (يَوْمَ إسْباتِهِمْ)، وكَذا النَّفْيُ الآتِي ﴿شُرَّعًا﴾ أيْ: ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، وهو جَمْعُ شارِعٍ مِن شَرَعَ عَلَيْهِ إذا دَنا وأشْرَفَ، وفي الشَّرْعِ مَعْنى الإظْهارِ والتَّبْيِينِ، وقِيلَ: حِيتانٌ شُرَّعٌ رافِعَةٌ رُؤُوسَها كَأنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ إظْهارًا وتَبْيِينًا، وقِيلَ: المَعْنى مُتَتابِعَةً، ونُسِبَ إلى الضَّحّاكِ، والظّاهِرُ أنَّها ظاهِرَةٌ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الحِيتانِ.
﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أيْ: لا يُراعُونَ أمْرَ السَّبْتِ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: (عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ) إذِ المَقْصُودُ انْتِفاءُ السَّبْتِ والمُراعاةُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ؛ كَأصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (لا يُسْبَتُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِما أُمِرُوا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقُرِئَ: (لا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ الباءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: لا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ حَذَرًا مِن صَيْدِهِمْ لِاعْتِيادِها أحْوالَهُمْ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ تَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ قَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفِعْلِ ولَمْ يَعْكِسْ لِما أنَّ الإتْيانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ مَظِنَّةٌ كَما قِيلَ لِأنْ يُقالَ: فَماذا حالُها يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ؟ فَقِيلَ: يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ: نُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِينَ لَهم لِيَظْهَرَ مِنهم ما يَظْهَرُ فَنُؤاخِذُهم بِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها والتَّعْجِيبِ
صفحة 91
مِنها، والإشارَةُ إمّا إلى الِابْتِلاءِ السّابِقِ أوْ إلى الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ بَعْدُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلُ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ عِنْدَ الطَّبَرْسِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إتْيانًا كائِنًا كَذَلِكَ، وجُمْلَةُ نَبْلُوهُمُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلافِ حالِ الحِيتانِ بِالإتْيانِ تارَةً وعَدَمِهِ أُخْرى.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَعَلُّقُ إذْ يَعْدُونَ بِ نَبْلُوهم وبِما يَبْعُدُونَ عَلى مَعْنى نَبْلُوهم وقْتَ العُدْوانِ بِالفِسْقِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.
الأعراف 7:164
﴿وإذْ قالَتْ﴾ عُطِفَ عَلى إذْ يَعْدُونَ مَسُوقٌ لِبَيانِ تَمادِيهِمْ في العُدْوانِ وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ.
قالَ العَلّامَتانِ الطِّيبِيُّ والتَّفْتازانِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: إذْ تَأْتِيهِمْ وإنْ كانَ أقْرَبَ لَفْظًا لِأنَّهُ إمّا بَدَلٌ أوْ ظَرْفٌ فَيَلْزَمُ أنْ يَدْخُلَ هَؤُلاءِ القائِلُونَ في حُكْمِ أهْلِ العُدْوانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى ما قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ الإبْدالِ فَلِأنَّ البَدَلَ أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ، واسْتُظْهِرَ في بَيانِ وجْهِ ذَلِكَ أنَّ زَمانَ القَوْلِ بَعْدَ زَمانِ العُدْوانِ ومُغايِرٌ لَهُ، واعْتِبارُ كَوْنِهِ مُمْتَدًّا كَسَنَةٍ مَثَلًا يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ كُلُّهُ تَكَلُّفٌ مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ، والقَوْلُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى ذاكَ يُشْعِرُ أوْ يُوهِمُ أنَّ القائِلِينَ مِنَ العادِينَ في السَّبْتِ لا مِن مُطْلَقِ أهْلِ القَرْيَةِ فِيهِ ما فِيهِ.
﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في عِظَتِهِمْ حِينَ يَئِسُوا مِنَ احْتِمالِ القَبُولِ لِآخَرِينَ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ التَّذْكِيرِ رَجاءَ النَّفْعِ والتَّأْثِيرِ.
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ: مُسْتَأْصِلُهم بِالكُلِّيَّةِ ومُطَهِّرٌ وجْهَ الأرْضِ مِنهم.
﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ دُونَ الِاسْتِئْصالِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: مُهْلِكُهم في الدُّنْيا أوْ مُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ لِعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ والتَّرْدِيدِ لِمَنعِ الخُلُوِّ عَلى هَذا، وإيثارُ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ في الشِّقَّيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ وتَقَرُّرِهِما البَتَّةَ كَأنَّهُما واقِعانِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مُبالَغَةً في أنَّ الوَعْظَ لا يُنْجِعُ فِيهِمْ؛ إذِ المَقْصُودُ: لا تَعِظُوا، أوْ: أتَعِظُونَ؛ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ لِاسْتِغْرابِهِ لِأنَّ الأمْرَ العَجِيبَ لا يُدْرى سَبَبُهُ، أوْ سُؤالًا عَنْ حِكْمَةِ الوَعْظِ ونَفْعِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَقاوُلٌ وقَعَ بَيْنَ الصُّلَحاءِ الواعِظِينَ كَأنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لِمَ نَشْتَغِلُ بِما لا يُفِيدُ، ويُحْتَمَلُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنَ القائِلِ بِمَحْضَرٍ مِنَ القَوْمِ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِحَثِّهِمْ عَلى الِاتِّعاظِ، فَإنَّ بَتَّ القَوْلِ بِهَلاكِهِمْ أوْ عَذابِهِمْ مِمّا يُلْقِي في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ والخَشْيَةَ، وقِيلَ: قائِلُو ذَلِكَ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ قالُوا تَهَكُّمًا بِالنّاصِحِينَ المُخَوِّفِينَ لَهم بِالهَلاكِ والعَذابِ، وفِيهِ بُعْدٌ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَقُولُ لَهم ذَلِكَ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ: نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِمْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ أوْ نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِلْقَوْلِ، وهو إنْ كانَ مُفْرَدًا في مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ. والمَعْذِرَةُ في الأصْلِ بِمَعْنى العُذْرِ وهو التَّنَصُّلُ مِنَ الذَّنْبِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّهُ بِمَعْنى الِاعْتِذارِ، وعَدّاهُ بِ إلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِالسّائِلِينَ، وهَذا الجَوابُ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ قِيلَ: إنَّهُ مِن تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ فَهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وقَرَأ مَن عَدا حَفْصٍ والمُفَضَّلِ: (مَعْذِرَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ
صفحة 92
مَحْذُوفٍ أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ إلَيْهِ تَعالى حَتّى لا نُنْسَبَ إلى نَوْعِ تَفْرِيطٍ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عُطِفَ عَلى (مَعْذِرَةً) أيْ: ورَجاءَ أنْ يَتَّقُوا بَعْضَ التُّقاةِ؛ فَإنَّ اليَأْسَ المُحَقَّقَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالهَلاكِ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ... إلَخْ. لَيْسُوا مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ وإلّا لَوَجَبَ الخِطابُ. اهـ.
وقَدْ يُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ بِأنَّهُ التِفاتٌ أوْ مُشاكَلَةٌ لِتَعْبِيرِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ في السُّؤالِ بِقَوْمٍ، وإمّا لِجَعْلِهِ بِاعْتِبارِ غَيْرِ الطّائِفَةِ القائِلِينَ إلّا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ.
الأعراف 7:165
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهم تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، فَما مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ اسْتِعارَةٌ حَيْثُ شُبِّهَ التَّرْكُ بِالنِّسْيانِ بِجامِعِ عَدَمِ المُبالاةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، ولَمْ يُحْمَلْ عَلى ظاهِرِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ، ولِأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِالنِّسْيانِ، ولِأنَّ التَّرْكَ عَنْ عَمْدٍ هو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إنْجاءُ النّاهِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ إذْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهم بِخِلافِ ما لَوْ نَسُوهُ فَإنَّهُ كانَ يَلْزَمُهم تَذْكِيرُهُمْ، وظاهِرُ الآيَةِ تَرَتُّبُ الإنْجاءِ عَلى النِّسْيانِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُرَتَّبٌ عَلى النِّسْيانِ والتَّذْكِيرِ، وما في حَيِّزِ الشَّرْطِ مُشِيرٌ إلَيْهِما فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا ذَكَرَ المُذَكِّرُونَ ولَمْ يَتَذَكَّرِ المُعْتَدُونَ. وأعْرَضُوا عَمّا ذُكِّرُوا بِهِ، أنْجَيْنا الأوَّلِينَ وأخَذْنا الآخِرِينَ، وعُنْوانُ النَّهْيِ عَنِ السُّوءِ شامِلٌ لِلَّذِينِ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ إلَخْ. ولِلْمَقُولِ لَهم ذَلِكَ، أمّا شُمُولُهُ لِلْمَقُولِ لَهم فَواضِحٌ، وأمّا شُمُولُهُ لِلْقائِلِينَ فَلِأنَّهم نُهُوا أيْضًا إلّا أنَّهم رَأوْا عَدَمَ النَّفْعِ فَكَفُّوا، وذَلِكَ لا يَضُرُّهم فَقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ إذا عَلِمَ النّاهِي حالَ المَنهِيِّ وأنَّ النَّهْيَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ سَقَطَ عَنْهُ النَّهْيُ، ورُبَّما وجَبَ التَّرْكُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِدُخُولِهِ في بابِ العَبَثِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ ذَهَبْتَ إلى المَكّاسِينَ القاعِدِينَ عَلى الطَّرِيقِ لِأخْذِ أمْوالِ الفُقَراءِ وغَيْرِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ لِتَعِظَهم وتَكُفَّهم عَمّا هم عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا مِنكَ ولَمْ يَكُنْ إلّا سَبَبًا لِلتَّلَهِّي بِكَ، ولَمْ يُعْرِضْ أُولَئِكَ كَما أعْرَضَ هَؤُلاءِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ في اليَأْسِ كَما بَلَغَ إخْوانُهم أوْ لِفَرْطِ حِرْصِهِمْ وجِدِّهم في أمْرِهِمْ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ما فَعَلَتِ الفِرْقَةُ السّاكِتَةُ، وعَنى بِهِمُ القائِلِينَ. ومَنشَأُ قَوْلِهِ هَذا كَما نَطَقَتْ بِهِ بَعْضُ الرِّواياتِ أنَّهُ سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِالِاعْتِداءِ ومُخالَفَةِ الأمْرِ ولَمْ يَغُصْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ أنَّهُ الغَوّاصُ، فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَراهم كَيْفَ أنْكَرُوا وكَرِهُوا ما القَوْمُ عَلَيْهِ وقالُوا ما قالُوا، وإنْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْجَيْتُهم لَمْ يَقُلْ: أهْلَكْتُهم. فَأعْجَبَهُ قَوْلُهُ وأمَرَ لَهُ بِبُرْدَيْنِ وقالَ: نَجَتِ السّاكِتَةُ، ونَسَبَ الطَّبَرْسِيُّ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ في السّاكِتَةِ، أحَدُهُما القَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ، وثانِيهِما القَوْلُ بِالهَلاكِ وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. فالمَأْخُوذُ حِينَئِذٍ السّاكِتُونَ والظّالِمُونَ.
﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ، وفَسَّرَهُ الحَبْرُ بِما لا رَحْمَةَ فِيهِ، ويَرْجِعُ إلى ما ذَكَرَهُ، وهو فَعِيلٌ إمّا وصْفٌ أوْ مَصْدَرٌ كالنَّكِيرِ وصْفٌ بِهِ مُبالَغَةٌ، والأكْثَرُونَ عَلى كَوْنِهِ وصْفًا مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ.
صفحة 93
وقالَ الرّاغِبُ: البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْساءُ الشِّدَّةُ والمَكْرُوهُ، إلّا أنَّ البُؤْسَ في الفَقْرِ والحَرْبِ أكْثَرُ، والبَأْسَ والبَأْساءَ في النِّكايَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: (بَيْئَسٍ) عَلى فَيْعَلٍ كَضَيْغَمٍ، وهو مِنَ الأوْزانِ الَّتِي تَكُونُ في الصِّفاتِ والأسْماءِ، والياءُ إذا زِيدَتْ في المَصْدَرِ هَكَذا تُصَيِّرُهُ اسْمًا أوْ صِفَةً كَصَقْلٍ وصَيْقَلٍ وعَيْنُهُ مَفْتُوحَةٌ في الصَّحِيحِ مَكْسُورَةٌ في المُعْتَلِّ كَسَيِّدٍ، ومِن هُنا قِيلَ في قِراءَةِعاصِمٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ: (بِيئِسٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إنَّها ضَعِيفَةٌ رِوايَةً ودِرايَةً، ويُخَفِّفُها أنَّ المَهْمُوزَ أخُو المُعْتَلِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (بِئْسٍ) بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ بَئِسَ بِباءٍ مَفْتُوحَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ كَحَذِرٍ فَسُكِّنَ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في كَبِدٍ كِبْدٌ وفي كَلِمَةٍ كِلْمَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ: (بَيِّسٍ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً كَما قُلِبَتْ في ذِيبٍ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: إنَّ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مُخَرَّجَتانِ عَلى أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ بِئْسَ الَّتِي هي فِعْلُ ذَمٍّ جُعِلَتِ اسْمًا كَما في قِيلَ وقالَ، والمَعْنى: بِعَذابٍ مَذْمُومٍ مَكْرُوهٍ، وقُرِئَ (بَيِّسٍ) كَرَيِّسٍ وكَيِّسٍ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً ثُمَّ إدْغامِها في الياءِ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ بِالواوِ وأصْلُهُ بَيْوِسٌ كَ مَيْوِتٍ فَأُعِلَّ إعْلالَهُ و(بَيْسٍ) عَلى التَّخْفِيفِ كَهَيِّنٍ و(بائِسٍ) بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ: ذُو بَأْسٍ وشِدَّةٍ، وقُرِئَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأوْصَلَ بَعْضُهم ما فِيهِ مِنَ القِراءاتِ إلى سِتٍّ وعِشْرِينَ، وتَنْكِيرُ العَذابِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا كالباءِ الأُولى، ولا ضَيْرَ فِيهِ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى. أيْ: أخَذْناهم بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأخْذِ كَما كانَ سَبَبًا لِلِابْتِداءِ، وكَذا لا مانِعَ مِن تَعْلِيلِهِ بِما ذُكِرَ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِالظُّلْمِ الَّذِي في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ أيْضًا، ولَمْ يَكْتَفِ بِالأوَّلِ لِما لا يَخْفى.
الأعراف 7:166
﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا.
﴿عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ إذِ التَّكَبُّرُ والإباءُ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا يُذَمُّ.
﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مُبْعَدِينَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والأمْرُ تَكْوِينِيٌّ لا تَكْلِيفِيٌّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِهِمْ حَتّى يُكَلَّفُوا بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ في أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ وأنْ يَكُونَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ التَّمْثِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ بِهِمْ نَكالًا في الدُّنْيا غَيْرَ المَسْخِ فَلَمْ يُقْلِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَمَسَخَهم قِرَدَةً.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَذابِ البَئِيسِ هو المَسْخُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَفْصِيلًا لِما قَبْلَها. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ إنَّما افْتُرِضَ عَلَيْهِمُ اليَوْمُ الَّذِي افْتُرِضَ عَلَيْكم وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوا إلى يَوْمِ السَّبْتِ واخْتارُوهُ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدُ فِيهِ وابْتُلُوا بِهِ؛ فَكانَتِ الحِيتانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمانًا حَتّى لا يُرى الماءُ مِن كَثْرَتِها فَمَكَثُوا ما شاءَ تَعالى لا يَصِيدُونَ، ثُمَّ أتاهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ فاتَّخِذُوا الحِياضَ والشَّبَكاتِ، فَكانُوا يَسُوقُونَ الحِيتانَ إلَيْها فِيهِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَها يَوْمَ الأحَدِ، وفي رِوايَةٍ أنَّ رَجُلًا مِنهم أخَذَ حُوتًا فَحَزَمَهُ بِخَيْطٍ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ وتِدًا في السّاحِلِ ورَبَطَهُ فِيهِ وتَرَكَهُ في الماءِ، فَلَمّا كانَ الغَدُ جاءَ فَأخَذَهُ وأكَلَهُ، فَلامُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَأْتِهِ العَذابُ أخَذَ في السَّبْتِ القابِلِ حُوتَيْنِ وفَعَلَ ما فَعَلَ ولَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ العَذابَ لا يُعاجِلُهم تَجاسَرُوا فَأخَذُوا ومَلَّحُوا وباعُوا، وكانُوا نَحْوًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا أوْ مِن سَبْعِينَ ألْفًا، فَصارَ أهْلُ القَرْيَةِ أثْلاثًا كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ المُسْلِمُونَ لِلْمُعْتَدِينَ: نَحْنُ لا نُساكِنُكُمْ، فَقَسَّمُوا القَرْيَةَ بِجِدارٍ، لِلْمُسْلِمِينَ بابٌ، ولِلْمُعْتَدِينَ بابٌ، وكانَتِ القِصَّةُ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَنَهم فَأصْبَحَ المُسْلِمُونَ ذاتَ يَوْمٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنَ المُعْتَدِينَ أحَدٌ فَقالُوا: إنَّ لِهَؤُلاءِ لَشَأْنًا؛ لَعَلَّ الخَمْرَ غَلَبَتْهم فَعَلَوْا عَلى الجِدارِ فَإذا القَوْمُ قِرَدَةٌ، فَفَتَحُوا البابَ ودَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَعَرَفَتِ القِرَدَةُ أنْسابَها مِنَ الإنْسِ ولَمْ تَعْرِفِ الإنْسُ أنْسابَهم مِنها، فَجَعَلَتْ تَأْتِي إلى نَسِيبِها فَتَشَمُّ
صفحة 94
ثِيابَهُ وتَبْكِي فَيَقُولُ: ألَمْ نَنْهَكُمْ؟ فَتَقُولُ القِرَدَةُ بِرَأْسِها: نَعَمْ، ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ثَلاثَةٍ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الشُّبّانَ صارُوا قِرَدَةً والشُّيُوخَ خَنازِيرَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِ الحَقِّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ حُوتًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في يَوْمٍ وأحَلَّهُ لَهم فِيما سِوى ذَلِكَ، فَكانَ يَأْتِيهِمْ في اليَوْمِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَأنَّهُ المَخاضُ ما يَمْتَنِعُ مِن أحَدٍ فَجَعَلُوا يَهُمُّونَ ويُمْسِكُونَ، وقَلَّما رَأيْتَ أحَدًا أكْثَرَ الِاهْتِمامَ بِالذَّنْبِ إلّا واقَعَهُ حَتّى أخَذُوهُ فَأكَلُوا، واللَّهِ أوْخَمَ أكْلَةٍ أكَلَها قَوْمٌ، أثْقَلُها خِزْيًا في الدُّنْيا، وأطْوَلُها عَذابًا في الآخِرَةِ، وايْمُ اللَّهِ تَعالى ما حُوتٌ أخَذَهُ قَوْمٌ فَأكَلُوهُ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ، ولَلْمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن حُوتٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ مَوْعِدَ قَوْمٍ السّاعَةَ، والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ كانَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ الَّذِي هم عِنْدَهُ صَنَمانِ مِن حِجارَةٍ مُسْتَقْبِلانِ الماءَ يُقالُ لِأحَدِهِما لُقَيْمٌ، ولِلْآخَرِ لُقْمانَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى السَّمَكِ أنْ حُجَّ يَوْمَ السَّبْتِ إلى الصَّنَمَيْنِ، وأوْحى إلى أهْلِ القَرْيَةِ أنِّي قَدْ أمَرْتُ السَّمَكَ أنْ يَحُجُّوا إلى الصَّنَمَيْنِ يَوْمَ السَّبْتِ فَلا تَتَعَرَّضُوهُ فِيهِ، فَإذا ذَهَبَ فَشَأْنُكم بِهِ فَصِيدُوهُ، فابْتُلِيَ القَوْمُ ووَقَعَ مِنهم ما مُسِخُوا بِهِ قِرَدَةً، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذا الأثَرِ شَيْءٌ، ولَعَلَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ مَعْنى الحَجِّ مِنَ المُصَلِّينَ، ويُشْبِهُ هَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ عَيْنَ حَقِّ لانَ قُرْبَ جَزِيرَةِ الحَدِيثَةِ مِنَ العِراقِ وهي قَرِيبَةٌ مِن شاطِئِ الفُراتِ؛ فَإنَّ السَّمَكَ يَزُورُها في أيّامٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ السَّنَةِ حَتّى يُخَيَّلَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في بَطْنِ الفُراتِ حُوتٌ إلّا قُذِفَ إلَيْها، فَيَصِيدُ أهْلُ ذَلِكَ الصُّقْعِ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ويَنْقُلُونَهُ إلى الجَزائِرِ والقُرى القَرِيبَةِ مِنهم كَألُوسَ وحَبَّةَ وعاناتٍ وهِيتَ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلا تَرى سَمَكَةً في العَيْنِ بَعْدَ تِلْكَ الأيّامِ إلى مِثْلِها مِن قابِلٍ، وسُبْحانَ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِقِصَّةِ هَؤُلاءِ المُعْتَدِينَ عَلى حُرْمَةِ الحِيَلِ في الدِّينِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَ اليَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى بِأدْنى الحِيَلِ»».
الأعراف 7:167
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واسْألْهُمْ﴾ وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنَ الإذْنِ وهو بِمَعْنى آذَنَ أيْ: أعْلَمَ، والتَّفَعُّلُ يَجِيءُ بِمَعْنى الإفْعالِ كالتَّوَعُّدِ والإيعادِ، وإلى هَذا يُؤَوَّلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: قالَ رَبُّكَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِعَزْمٍ وهو كِنايَةٌ عَنْهُ أوْ مُجازٌ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُشاوِرُ نَفْسَهُ في الفِعْلِ والتَّرْكِ ثُمَّ يَجْزِمُ، فَهو يَطْلُبُ مِنَ النَّفْسِ الإذْنَ فِيهِ، وفي الكَشْفِ: لَوْ جُعِلَ بِمَعْنى الِاسْتِئْذانِ دُونَ الإيذانِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ الإذْنَ مِن نَفْسِهِ لَكانَ وجْهًا، وحَيْثُ جُعِلَ بِمَعْنى عَزْمٍ وكانَ العازِمُ جازِمًا فُسِّرَ عَزَمَ بِجَزَمَ وقَضى فَأفادَ التَّأْكِيدَ، فَلِذا أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، وأُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ وهو هُنا: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ وجاءَ عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّهُ مُقْتَضًى لِجَوازِ نِسْبَةِ العَزْمِ إلَيْهِ تَعالى، وقَدْ صُرِّحَ بِمَنعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَنعَ مَدْفُوعٌ، فَقَدْ ورَدَ: عَزْمَةً مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اليَهُودِ لا المُعْتَدِينَ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً؛ إذْ لَمْ يَبْقَوْا كَما عَلِمْتَ، ويُحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. والمُرادُ حِينَئِذٍ هم وأخْلافُهُمْ، وعَوْدُهُ إلى اليَهُودِ والنَّصارى لَيْسَ بِشَيْءٍ وإنْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ يَبْعَثَنَّ عَلى مَعْنى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: إلى انْتِهاءِ الدُّنْيا، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ يَبْعَثُ، وقِيلَ: بِتَأذُّنٍ ولَيْسَ
صفحة 95
بِالوَجْهِ ولا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى تَعَلُّقُهُ بِالصِّلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ يُذِيقُهم ويُوِلِيهِمْ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ كالإذْلالِ. وضَرْبِ الجِزْيَةِ، وعَدَمِ وُجُودِ مَنَعَةٍ لَهُمْ، وجَعْلِهِمْ تَحْتَ الأيْدِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُخْتَنَصَّرَ فَخَرَّبَ دِيارَهُمْ، وقَتَلَ مُقاتِلَتَهم وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَهِمْ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ حَتّى بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
ولا يُنافِي ذَلِكَ رَفْعَها عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ مُلْحَقٌ بِالآخِرَةِ لِقُرْبِهِ مِنها، أوْ لِأنَّ مَعْنى رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاها عَنْهم أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ ويُخَيِّرُهم بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّيْفِ، فالقَوْمُ حِينَئِذٍ إمّا مُسْلِمُونَ أوْ طُعْمَةٌ لِسُيُوفِهِمْ؛ فَلا إشْكالَ، وما يَحْصُلُ لَهم زَمَنَ الدَّجّالِ مَعَ كَوْنِهِ ذُلًّا في نَفْسِهِ غَمامَةُ صَيْفٍ عَلى أنَّهم لَيْسُوا يَهُودَ حِينَ التَّبَعِيَّةِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لِما شاءَ سُبْحانَهُ أنْ يُعاقِبَهُ في الدُّنْيا ومِنهم هَؤُلاءِ، وقِيلَ: في الآخِرَةِ، وقِيلَ فِيهِما.
﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.
الأعراف 7:168
﴿وقَطَّعْناهُمْ﴾ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ صَيَّرْناهم ﴿فِي الأرْضِ﴾، وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْلُو قُطْرٌ مِنهم تَكْمِلَةً لِأدْبارِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ؛ كالَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُمَمًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا وإمّا حالٌ مِن مَفْعُولِهِ.
﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم كَما قالَ الطَّبَرِيُّ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وثَبَتَ عَلى دِينِهِ قَبْلَ بَعْثِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ وراءَ الصِّينِ، وهو عِنْدِي وراءَ الصِّينِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والصّالِحُونَ مُبْتَدَأٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلظَّرْفِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِأُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ وهي بَدَلٌ مِن أُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، وأنْ تَكُونَ صِفَةَ مَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ هو البَدَلُ عَلى الأوَّلِ، أيْ: قَوْمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: مُنْحَطُّونَ عَنْ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ غَيْرُ بالِغِينَ مَنزِلَتَهم في الصَّلاحِ وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا بَعْضَ الأوامِرِ وخالَفُوا بَعْضًا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هُمُ الكَفَرَةُ مِنهم بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الكَفَرَةَ والفَسَقَةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(دُونَ) عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ مُبْتَدَأٌ إلّا أنَّهُ بَقِيَ مَفْتُوحًا لِتَمَكُّنِهِ في الظَّرْفِيَّةِ مَعَ إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ، ومِثْلُهُ عَلى قَوْلِ أبِي الحَسَنِ (بَيْنَكُمْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أوِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ والظَّرْفُ صِفَتُهُ؛ أيْ: ومِنهم أُناسٌ أوْ فِرْقَةٌ دُونَ ذَلِكَ، ومِنَ المَشْهُورِ عِنْدَ النُّحاةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِظَرْفٍ أوْ جُمْلَةٍ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ كَما فِي: مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ، ومَحَطُّ الفائِدَةِ الِانْقِسامُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن تَكَلَّفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِجَعْلِ الظَّرْفِ الأوَّلِ صِفَةَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجَعَلَ الظَّرْفَ الثّانِيَ خَبَرًا لِما ظَنَّهُ داعِيًا لِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والإشارَةُ لِلصّالِحِينَ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ المُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقِيلَ: أُشِيرَ بِهِ إلى الصَّلاحِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأفْرادِ ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ وهو أهْلٌ مَثَلًا.
﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ الخِصْبِ والعافِيَةِ، ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ الجَدْبِ والشِّدَّةِ.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: يَتُوبُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِمّا نُهُوا عَنْهُ.
الأعراف 7:169
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ: المَذْكُورِينَ، وقِيلَ:
صفحة 96
الصّالِحِينَ.
﴿خَلْفٌ﴾ أيْ: بَدَلُ سُوءٍ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ. ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ جَمْعٌ وهو شائِعٌ في الشَّرِّ، ومِنهُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، والخَلَفَ بِفَتْحِ اللّامِ في الخَيْرِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الوَضْعَ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهُوَ: مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ صالِحًا كانَ أوْ طالِحًا، ومِن مَجِيءِ السّاكِنِ في المَدْحِ قَوْلُ حَسّانَ:
لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا لَأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
ومِن مَجِيءِ المُتَحَرِّكِ في الذَّمِّ قَوْلُ لَبِيدٍ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
وعَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والسُّكُونُ في الرَّدِيِّ، وأمّا الجَيِّدُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ، ووافَقَهم أهْلُ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ وأبا عُبَيْدَةَ، واشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ الخِلافَةِ أوْ مِنَ الخُلُوفِ وهو الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ومِنهُ خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِالسُّكُونِ الأوْلادُ الواحِدُ والجَمْعُ فِيهِ سَواءٌ، والخَلَفُ بِالفَتْحِ البَدَلُ ولَدًا كانَ أوْ غَرِيبًا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ الخَلْفِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الصّالِحِينَ بِمَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّهم مِنَ اليَهُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ النَّصارى ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ، والوِراثَةُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِها في أيْدِيهِمْ، وكَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى ما فِيها بَعْدَ أسْلافِهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ: (وُرِّثُوا) بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَلْفٍ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَصْنَعُونَ بِالكِتابِ بَعْدَ وِراثَتِهِمْ إيّاهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ:
حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ورَثُوا، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ويَكْفِي مُقارَنَتُهُ لِبَعْضِ زَمانِ الوِراثَةِ لِامْتِدادِهِ، والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ العَرَضَ لِمُقابِلِ الجَوْهَرِ. وفي النِّهايَةِ: العَرَضُ بِالفَتْحِ مَتاعُ الدُّنْيا وحُطامُها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو غَيْرُ النَّقْدَيْنِ مِن مَتاعِها وبِالسُّكُونِ المالُ والقَيِّمُ، و(الأدْنى) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيِ: الشَّيْءُ الأدْنى، والمُرادُ بِهِ الدُّنْيا وهو مِنَ الدُّنُوِّ لِلْقُرْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، وكَوْنُها مِنَ الدَّناءَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها لِأنَّهُ مَهْمُوزٌ، والمُرادُ بِهَذا العَرَضِ ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الحُكُوماتِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ.
﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يُؤاخِذُنا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنّا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ ظاهِرَةٍ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ.
﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، قِيلَ: مِن ضَمِيرِ يَقُولُونَ، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ عائِدُونَ إلى مِثْلِهِ غَيْرُ تائِبِينَ عَنْهُ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ لَنا، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَقْيِيدَ القَوْلِ بِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ المَغْفِرَةِ بِهِ والمَطْلُوبُ الثّانِي، والثّانِي مُتَكَفِّلٌ بِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
واخْتارَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا إذْ وُقُوعُها مِمّا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، بَلْ لِأنَّ في القَوْلِ بِالحالِيَّةِ نَزْغَةً اعْتِزالِيَّةً، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ إلّا أنَّ الحالِيَّةَ أبْلَغُ لِأنَّ رَجاءَهُمُ المَغْفِرَةَ في حالٍ يُضادُّها أوْفَقُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ فافْهَمْ.
﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ: المِيثاقُ المَذْكُورُ
صفحة 97
فِي التَّوْراةِ: فالإضافَةُ عَلى مَعْنى في. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى ما ذَكَرَهُ، و(ال) في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمِيثاقٍ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ لا يَقُولُوا، وجُوِّزَ في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمِيثاقٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ، وفي (لا) أنْ تَكُونَ ناهِيَةً، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، واعْتِبارُ كُلٍّ مَعَ ما يَصِحُّ مَعَهُ مُفَوَّضٌ إلى ذِهْنِكَ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ تَوْبِيخُ أُولَئِكَ الوَرَثَةِ عَلى بَتِّهِمُ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم وُبِّخُّوا عَلى إيجابِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى غُفْرانَ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها، وجاءَ البَتُّ مِنَ السِّينِ؛ فَإنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقَدْ عَرَّضَ الزَّمَخْشَرِيُّ -عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ السُّنَّةِ، وزَعَمَ أنَّ مَذْهَبَهم هو مَذْهَبُ اليَهُودِ بِعَيْنِهِ حَيْثُ جَوَّزُوا غُفْرانَ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ونَقَلَ عَنِ التَّوْراةِ: مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا فَإنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اليَهُودَ أكَّدُوا القَوْلَ بِالغُفْرانِ، وأهْلُ السُّنَّةِ لا يَجْزِمُونَ في المُطِيعِ بِالغُفْرانِ فَضْلًا عَنِ العاصِي بِما هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَمَّنْ عَصاهُ سُبْحانَهُ فِيما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ، فالمُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى التّائِبِ أقْرَبُ إلَيْهِمْ فَهَلْ ما ادَّعاهُ إلّا مِن قَبِيلِ ما جاءَ في المَثَلِ: رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ. وما نَقَلَهُ عَنِ التَّوْراةِ إنْ كانَ اسْتِنْباطًا مِنَ الآيَةِ فَلا تَدُلُّ عَلى ما في الكَشْفِ إلّا عَلى تَحْرِيفِهِمْ ما في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ الرَّجْمِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَسْهِيلاتِهِمْ عَلى الخاصَّةِ، وتَخْفِيفاتُهم عَلى العامَّةِ يَأْخُذُونَ الرِّشا بِذَلِكَ، والتَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ عَظِيمَةٌ وإنْ كانَ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ الَّتِي لَمْ تُحَرَّفْ وأنَّها هي تُعِينُ الحَمْلَ عَلى الشِّرْكِ بِقَواطِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ أوْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهم وهَذا لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ خاصَّةً، وقَدْ سَلَّمَ هو نَحْوًا مِنهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وقَدْ أطْبَقَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَمِّ المُتَمَنِّي عَلى اللَّهِ.
ورَوَوْا عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ»».
ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ القَوْمَ ذُمُّوا بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ واتِّباعِ أنْفُسِهِمْ هَواها وتَمَنِّيهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ووُبِّخُوا عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ في الأحْكامِ الَّتِي غَيَّرُوها وأخَذُوا عَرَضَ هَذا الأدْنى عَلى تَغْيِيرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ المَذْكُورُ في كِتابِهِمْ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنُهُ الكِتابُ فَلِمَ حَكَمُوا بِخِلافِهِ وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؟ وفِيهِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (أنْ لا تَقُولُوا) بِالخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ: قَرَؤُوهُ فَهم ذاكِرُونَ لِذَلِكَ، وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنِ اخْتَلَفا خَبَرًا وإنْشاءً؛ إذِ المَعْنى: أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ودَرَسُوا ... إلَخْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى: (لَمْ يُؤْخَذْ)، والِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ داخِلٌ عَلَيْهِما وهو خِلافُ الظّاهِرِ أوْ عَلى: ورِثُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ: (ألَمْ يُؤْخَذْ) مُعْتَرِضَةً وما قَبْلَها حالِيَّةً أوْ يَكُونُ المَجْمُوعُ اعْتِراضًا كَما قِيلَ، ولا مانِعَ مِنهُ خَلا أنَّ الطَّبَرْسِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرَ دَرَسُوا عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ العَطْفِ بِ تَرَكُوا وضَيَّعُوا وفِيهِ بُعْدٌ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقُولُوا بِإضْمارِ قَدْ أيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتابُهم في حالِ دِراسَتِهِمْ ما فِيهِ وتَذَكُّرِهِمْ لَهُ وهو كَما تَرى. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ادّارَسُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ تَدارَسُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ.
صفحة 98
﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ تَعالى ويَخافُونَ عِقابَهُ فَلا يَفْعَلُونَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ ولا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّيَ إلى العَذابِ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ، وهو خِطابٌ لِأُولَئِكَ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ الآخِذِينَ لِعَرَضِ هَذا الأدْنى، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا التِفاتَ فِيهِ.
وقَرَأ جَمْعٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وسَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ. وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّوْبِيخِ عَلى الأخْذِ، وجَعَلَ بَعْضُهم قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ تَوْبِيخًا عَلى ذَلِكَ القَوْلِ في الآيَةِ ما هو مِن قَبِيلِ ما فِيهِ اللَّفُّ والنَّشْرُ.
الأعراف 7:170
﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ يُقالُ:
مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ بِمَعْنًى، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً، وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ الجَلِيلُ الشَّأْنِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ: (يُمْسِكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإمْساكِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (اسْتَمْسَكُوا)، وأُبَيٌّ: (مَسَكُوا) وفي ذَلِكَ مُوافَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِخِلافِ الإقامَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ مَعَ دُخُولِها بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ لِإنافَتِها عَلَيْها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، والِاعْتِراضُ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ:
فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا
وإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أيْ: أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهُمْ، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ فَإنَّها كالعِوَضِ عَنِ الضَّمِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُصْلِحِيهِمْ، وأمّا العُمُومُ في المُصْلِحِينَ فَإنَّهُ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، أوْ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ لِما ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهم لِصَلاحِهِمْ.
وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ إلَخْ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
الأعراف 7:171
﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلُ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، والنَّتْقُ الرَّفْعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وعَنْ مُسْلِمٍ أنَّهُ الجَذْبُ، ومِنهُ نَتَقْتُ الغَرْبَ مِنَ البِئْرِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ القَلْعُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ يُضَمَّنُ مَعْنى الرَّفْعِ لِيَتَطابَقَ الآيَتانِ، والمُرادُ بِالجَبَلِ الطَّوْرُ أوْ جَبَلٌ غَيْرُهُ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ كَمُعَسْكَرِ القَوْمِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِ التَّوْراةِ وقَبُولِها إذْ جاءَتْهم جُمْلَةً مُشْتَمِلَةً عَلى ما يَسْتَثْقِلُونَهُ فَقَلَعَهُ مِن أصْلِهِ ورَفَعَهُ عَلَيْهِمْ ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ: غَمامَةٌ أوْ سَقِيفَةٌ، وفُسِّرَتْ بِذَلِكَ مَعَ أنَّها كُلُّ ما عَلا وأظَلَّ لِأجْلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ؛ إذْ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِدُخُولِهِ وجْهٌ و(فَوْقَ) ظَرْفٌ لِ نَتَقْنا أوْ حالٌ
صفحة 99
مِنَ الجَبَلِ مُخَصِّصَةٌ عَلى ما قِيلَ لِلرَّفْعِ بِبَعْضِ جِهاتِ العُلُوِّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، أيْ: مُشابِهًا ذَلِكَ، ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: تَيَقَّنُوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ: ساقِطٌ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِذَلِكَ بِهَذا الشَّرْطِ، والصّادِقُ لا يَتَخَلَّفُ ما أخْبَرَ بِهِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ المَفْعُولُ واقِعًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ أشْبَهَ المَظْنُونَ الَّذِي قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.
وقِيلَ: تَيَقَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ ثُبُوتِهِ فِيهِ لا يَقْتَضِي التَّيَقُّنَ؛ لِأنَّهُ عَلى جَرْيِ العادَةِ، وأمّا عَلى خَرْقِها فالثّابِتُ الثُّبُوتُ، والواقِعُ عَدَمُ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَرَفْعِهِ فَوْقَهم ووُقُوفِهِ هُناكَ حَتّى كانَ ما كانَ مِنهُمْ، والحَقُّ أنَّ المُتَيَقَّنَ لَهُمُ الوُقُوعُ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا لِكَوْنِهِ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ، فَفي الأثَرِ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ فَرُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهُمْ، وقِيلَ: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَوَقَعَ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا مِن سُقُوطِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ ويَقُولُونَ: هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ،» وامْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ احْتِمالُ الثُّبُوتِ عَلى خَرْقِ العادَةِ كَما لا يَقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ إذا قَبِلُوا، ألا تَرى إلى أنَّهُ يَتَيَقَّنُ احْتِراقُ ما وقَعَ في النّارِ مَعَ إمْكانِ عَدَمِهِ كَما في قِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَهَبَ الرُّمّانِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الظَّنَّ عَلى بابِهِ، والمُرادُ: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى نَتَقْنا أوْ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما قالَ أبُو البَقاءِ.
﴿خُذُوا﴾ أيْ: وقُلْنا: خُذُوا. أوْ قائِلِينَ: خُذُوا.
﴿ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وعَزْمٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ، والمُرادُ خُذُوا ذَلِكَ مُجِدِّينَ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ اعْمَلُوا بِهِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ مَجازٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وتَذَكَّرُوا) وقُرِئَ: واذْكُرُوا بِمَعْنى وتَذَكَّرُوا ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما آتَيْناكُمُ الآيَةُ العَظِيمَةُ، أعْنِي نَتْقَ الجَبَلِ أيْ: خُذُوا ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والإنْذارِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِن نَتْقِ الجَبَلِ إظْهارُ العَجْزِ لا غَيْرُ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن يَدَّعِي الصُّرَعَةَ والقُوَّةَ بَعْدَ ما غَلَبْتَهُ: خُذْهُ مِنِّي، وحاصِلُهُ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ آيَةً قاهِرَةً وتَقْتَرِحُونَها فَخُذُوا ما آتَيْناكم إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والآثارُ عَلى خِلافِهِ،
الأعراف 7:172
﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى طَرْزِ ما سَلَفَ في نَظائِرِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُ مَسُوقٌ لِإلْزامِ اليَهُودِ بِمُقْتَضى المِيثاقِ العامِّ؛ فَإنَّ مِنهم مَن أشْرَكَ فَقالَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، عَزَّ اسْمُهُ بَعْدَ إلْزامِهِمْ بِالمِيثاقِ المَخْصُوصِ بِهِمْ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِالحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ومَنعِهِمْ عَنِ التَّقْلِيدِ، وبَعْضُهم جَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا تَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ وإظْهارًا لِتَمادِي هَؤُلاءِ اليَهُودِ في الغَيِّ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ الخاصِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعَلَيْهِ فَلا عَطْفَ وهو أظْهَرُ مِنَ التَّذْيِيلِ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ وأوْلى مِنهُ إذا خُصَّ العامُّ بِالمُشْرِكِينَ كَما قِيلَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أخْذِ مِيثاقٍ سابِقٍ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ
صفحة 100
وكافِرِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ النَّشْأةِ بِما هو أهَمُّ الأُمُورِ والأصْلُ الأصِيلُ لِجَمِيعِ التَّكْلِيفاتِ عَلى وجْهٍ خالٍ مِمّا يُشْبِهُ الإكْراهَ مُتَضَمِّنٌ لِزامَ المُشْرِكِينَ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَفْعَ احْتِجاجِهِمْ ما كانُوا بَعْدَ الإشارَةِ إلى أخْذِ مِيثاقٍ مِن قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ في هَذِهِ النَّشْأةِ عَلى وجْهٍ هو أشْبَهُ الأشْياءِ بِالإكْراهِ بِما الظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ لِأنَّ القَوْمَ إذْ ذاكَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالرُّبُوبِيَّةِ بَلْ بِها وبِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى نَتْقِ الجَبَلِ فَوْقَهم لِذَلِكَ ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ خِلالَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِاليَهُودِ مِن بابِ الِاسْتِطْرادِ، والمُناسَبَةُ فِيهِ ظاهِرَةٌ لَمْ يَبْعُدْ، لَكِنَّ الأوَّلَ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ أكْثَرُ مُتَأخِّرِي المُفَسِّرِينَ أيْ: واذْكُرْ لَهم أوْ لِلنّاسِ إذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ وُلِدَ لَهم مُؤْمِنِينَ كانُوا أوْ كُفّارًا نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ سِوى مِن لَمْ يُولَدْ لَهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وتَخْصِيصُهم بِأسْلافِ اليَهُودِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وإيثارُ الأخْذِ عَلى الإخْراجِ لِلْإيذانِ بِشَأْنِ المَأْخُوذِ إذْ ذاكَ لِما فِيهِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ الِاجْتِباءِ والِاصْطِفاءِ وهو السَّبَبُ في إسْنادِهِ إلى اسْمِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِلِاسْتِفْهامِ الآتِي، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ، وقِيلَ: إنَّ إيثارَ الأخْذِ عَلى الإخْراجِ لِمُناسَبَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِنَ المِيثاقِ، فَإنَّ الَّذِي يُناسِبُهُ هو الأخْذُ دُونَ الإخْراجِ، والتَّعَيُّرُ بِالرَّبِّ لِما أنَّ ذَلِكَ الأخْذَ بِاعْتِبارِ ما يَتْبَعُهُ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِمُغايَرَةِ أُسْلُوبِ هَذا الكَلامِ بِما فِيهِ مِنَ الِالتِفاتِ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ ولِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ لِكَوْنِهِ اسْتِطْرادِيًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ بِتَكْرِيرِ الجارِّ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ﴾ وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، وبَيَّنَهُ بَعْضُهم بِأنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ مُلابَسَةٌ بِحَيْثُ تُوجِبُ النِّسْبَةَ إلى المَتْبُوعِ إلى التّابِعِ إجْمالًا نَحْوَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ؛ فَإنَّهُ يُعْلَمُ ابْتِداءً أنَّ زَيْدًا مُعْجِبٌ بِاعْتِبارِ صِفاتِهِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، وتَتَضَمَّنُ نِسْبَةُ الإعْجابِ إلَيْهِ نِسْبَتُهُ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ إجْمالًا، ونِسْبَةُ الأخْذِ الَّذِي هو بِمَعْنى الإخْراجِ هُنا إلى بَنِي آدَمَ نِسْبَةٌ إلى ظُهُورِهِمْ إجْمالًا؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ ابْتِداءً أنَّ بَنِي آدَمَ لَيْسُوا مَأْخُوذِينَ بِاعْتِبارِ ذَواتِهِمْ بَلْ بِاعْتِبارِ أجْسادِهِمْ وأعْضائِهِمْ، وتَتَضَمَّنُ الأخْذَ إلَيْهِمْ نِسْبَتُهُ إلى أعْضائِهِمُ إجْمالًا، وادَّعى أنَّ القَوْلَ بِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِبَدَلِ البَعْضِ؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ إلى المُبْدَلِ مِنهُ الكُلِّ تَكُونُ تامَّةً وتَحْصُلُ بِها الفائِدَةُ بِدُونِ ذِكْرِ البَدَلِ نَحْوَ: أكَلْتُ الرَّغِيفَ نَصِفَهُ، فَإنَّ النِّسْبَةَ تامَّةٌ لَوْ لَمْ يُذْكَرِ النِّصْفُ، ولا شَكَّ أنَّ النِّسْبَةَ هُنا لَيْسَتْ تامَّةً بِدُونِ ذِكْرِ البَدَلِ.
وأيْضًا أنَّ الظُّهُورَ لَيْسَ بَعْضَ بَنِي آدَمَ حَقِيقَةً، بَلْ بَعْضُ أعْضائِهِمْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ. و(مِن) في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِابْتِنائِهِ عَلى البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ غِبَّ الإجْمالِ، قِيلَ: وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المِيثاقَ قَدْ أُخِذَ مِنهم وهم في أصْلابِ الآباءِ ولَمْ يُسْتَوْدَعُوا في أرْحامِ الأُمَّهاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَفْعُولُ (أخَذَ) أُخِّرَ عَنِ المَفْعُولِ بِواسِطَةِ الجارِّ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرٍ راجِعٍ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ بِالتَّقْدِيمِ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً وهو لا يَجُوزُ إلّا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، ولِمُراعاةِ أصالَتِهِ ومَنشَئِيَّتِهِ ولِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ: (ذُرِّيّاتِهِمْ) والمُرادُ أوْلادُهم عَلى العُمُومِ، ومَن خَصَّ بَنِي آدَمَ بِأسْلافِ اليَهُودِ عَلى ما مَرَّ خَصَّ هَذا بِأخْلافِهِمْ وفِيهِ ما فِيهِ، والإشْكالُ المَشْهُورُ وهو أنَّ كُلَّ النّاسِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَنُو آدَمَ وذُرِّيَّتُهُ فَيَتَّحِدُ المُخْرَجُ والمُخْرَجُ مِنهُ مَدْفُوعٌ بِظُهُورِ أنَّ المُرادَ إخْراجُ
صفحة 101
الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ حَسْبَ تَرَتُّبِ الوِلادَةِ ولا يَتَوَقَّفُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ التَّخْصِيصِ.
﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الذَّرِّيَّةِ المَأْخُوذِينَ مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِمْ تَقْرِيرًا لَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى التّامَّةِ قائِلًا لَهُمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مَدْخَلٌ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِكم ﴿قالُوا﴾ في جَوابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ: عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ، والمُرادُ: أقْرَرْنا بِذَلِكَ. وجاءَ أنَّ القاضِيَ شُرَيْحًا قالَ لِمُقِرٍّ عِنْدَهُ شَهِدَ عَلَيْكَ ابْنُ أُخْتِ خالَتِكَ، ومِن هُناكَ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ في الإقْرارِ، و(بَلى) حَرْفُ جَوابٍ، وألِفُها أصْلِيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ جَمْعٌ: الأصْلُ بَلْ، والألِفُ زائِدَةٌ، وبَعْضُ أُولَئِكَ يَقُولُ: إنَّها لِتَأْنِيثِ الكَلِمَةِ كالتّاءِ في ثُمَّتْ ورُبَّتْ؛ لِأنَّها أُمِيلَتْ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لِلتَّأْنِيثِ لَكانَتْ زائِدَةً لِمُجَرَّدِ التَّكْثِيرِ كَألِفِ قَبَعْثَرى وتِلْكَ لا تُمالُ، وتُخْتَصُّ بِالنَّفْيِ فَلا تَقَعُ إلّا في جَوابِهِ فَتُفِيدُ إبْطالَهُ سَواءٌ كانَ مُجَرَّدًا أوْ مَقْرُونًا بِالِاسْتِفْهامِ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ تَقْرِيرِيًّا، وقَدْ أجْرَوُا النَّفْيَ مَعَ التَّقْرِيرِ مَجْرى النَّفْيِ المُجَرَّدِ في رَدِّهِ بِبِلى كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَوْ قالُوا: نَعَمْ لَكَفَرُوا. ووَجَّهَهُ أنَّ نَعَمْ تَصْدِيقٌ لِلْمُخْبِرِ بِنَفْيٍ أوْ إيجابٍ، ولِذَلِكَ قالَ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ: ألَيْسَ لِي عَلَيْكَ ألْفٌ؟ فَقالَ: بَلى لَزِمَتْهُ، ونَعَمْ لا. وقالَ آخَرُونَ: تَلْزَمُهُ فِيهِما وجَرَوْا فِيهِ عَلى مُقْتَضى العُرْفِ لا اللُّغَةِ.
ونازَعَ السُّهَيْلِيُّ وجَماعَةٌ في المَحْكِيِّ عَنِ الحَبْرِ وغَيْرِهِ مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ مُوجِبٌ ولِذَلِكَ امْتَنَعَ سِيبَوَيْهِ مِن جَعْلِ (أمْ) مُتَّصِلَةً عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن﴾ فَإنَّها لا تَقَعُ بَعْدَ الإيجابِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ إيجابٌ فَنَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ تَصْدِيقٌ لَهُ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويُشْكِلُ عَلَيْهِمْ أنَّ بَلى لا يُجابُ بِها الإيجابُ؛ وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ مُتَقَدِّمٌ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ لَكِنْ وقَعَ في الحَدِيثِ ما يَقْتَضِي أنَّها يُجابُ بِها الِاسْتِفْهامُ المُجَرَّدُ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ: ««أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قالُوا: بَلى».» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقالَ لَهُ المُجِيبُ: بَلى»».
ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ أنْ يَحْتَجُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَلِيلٌ فَلا يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ. انْتَهى. وأجابَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّهُ لا إشْكالَ في الحَقِيقَةِ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ راعَوْا صُورَةَ النَّفْيِ المَنطُوقِ بِهِ فَيُجابُ بِبِلى حَيْثُ يُرادُ إبْطالُ النَّفْيِ الواقِعِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجَوَّزُوا الجَوابَ بِنَعَمْ عَلى أنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ جَمِيعِهِ، الهَمْزَةِ ومَدْخُولِها وهو إيجابٌ كَما سَلَفَ ودَعْواهُ الِاتِّفاقَ مُناقَشٌ فِيها، أمّا إنْ أرادَ الإيجابَ المُجَرَّدَ مِنَ النَّفْيِ بِالمَرَّةِ فَقَدْ حَكى الرِّضِيُّ الخِلافَ فِيهِ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهم أجازَ اسْتِعْمالَها بَعْدَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ:
وقَدْ بَعُدَتْ بِالوَصْلِ بَيْنِي وبَيْنَها بَلى إنَّ مَن زارَ القُبُورَ لَيَبْعُدا
وإنْ أرادَ ما هو الأعَمُّ حَتّى يَشْمَلَ التَّقْرِيرُ المُصاحِبُ لِلنَّفْيِ فالخِلافُ فِيهِ مَوْجُودٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ هو في حَرْفِ النُّونِ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ البَيْتَ شاذٌّ كَما صَرَّحَ بِهِ الرِّضِيُّ، والمَذْكُورُ في بَحْثِ النُّونِ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ مِنهُمُ الشَّلَوْبِينُ قالُوا: إنَّهُ إذا كانَ قَبْلَ النَّفْيِ اسْتِفْهامٌ فَإنْ كانَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَجَوابُهُ كَجَوابِ النَّفْيِ المُجَرَّدِ وإنْ كانَ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيرُ فالأكْثَرُ أنْ يُجابَ بِما يُجابُ بِهِ النَّفْيُ رَعْيًا لِلَفْظِهِ، ويَجُوزُ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ أنْ يُجابَ بِما يُجابُ بِهِ الإيجابُ رَعْيًا لِمَعْناهُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، وقَدْ قالَ لَهُمْ: ألَسْتُمْ تَرَوْنَ لَهم ذَلِكَ؟ وقَوْلُ جَحْدَرٍ:
صفحة 102
ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وإيّانا فَذاكَ بِنا تَدانِي
نَعَمْ وأرى الهِلالَ كَما تَراهُ ∗∗∗ ويَعْلُوها النَّهارُ كَما عَلانِي
وعَلى ذَلِكَ جَرى كَلامُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: أجْرَتِ العَرَبُ التَّقْرِيرَ في الجَوابِ مَجْرى النَّفْيِ المَحْضِ وإنْ كانَ إيجابًا في المَعْنى، فَإذا قِيلَ: ألَمْ أُعْطِكَ دِرْهَمًا؟ قِيلَ في تَصْدِيقِهِ: نَعَمْ. وفي تَكْذِيبِهِ: بَلى. وذَلِكَ لِأنَّ المُقَرِّرَ قَدْ يُوافِقُكَ فِيما تَدَّعِيهِ وقَدْ يُخالِفُكَ فَإذا قالَ: نَعَمْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ أرادَ نَعَمْ لَمْ تُعْطِنِي عَلى اللَّفْظِ أوْ نَعَمْ أعْطَيْتَنِي عَلى المَعْنى؛ فَلِذَلِكَ أجابُوهُ عَلى اللَّفْظِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى المَعْنى، وأمّا نَعَمْ في بَيْتِ جَحْدَرٍ فَجَوابٌ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو ما قَدَّرَهُ اعْتِقادُهُ مِن أنَّ اللَّيْلَ يَجْمَعُهُ وأُمَّ عَمْرٍو وجازَ ذَلِكَ لِأمْنِ اللَّبْسِ لِعِلْمِهِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّيْلَ يَجْمَعُهُ مَعَ أُمِّ عَمْرٍو، أوْ هو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: وأرى الهِلالَ قَدِمَ عَلَيْهِ، وأمّا قَوْلُ الأنْصارِ فَجازَ لِأمْنِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّهم يُرِيدُونَ نَعَمْ يُعْرَفُ لَهم ذَلِكَ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ اسْتِعْمالُ سِيبَوَيْهِ لَها بَعْدَ التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ نَعَمْ في البَيْتِ جَوابًا لِقَوْلِهِ: فَذاكَ بِنا تَدانِي، ثُمَّ قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويَتَحَرَّرُ عَلى هَذا أنَّهُ لَوْ أُجِيبَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ بِنَعَمْ لَمْ يَكْفِ في الإقْرارِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْجَبَ في الإقْرارِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ما لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ المَعْنى المُرادِ مِنَ المُقِرِّ، ولِهَذا لا يَدْخُلُ في الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بِرَفْعِ إلَهٍ لِاحْتِمالِهِ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ، ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إنَّما قالَ: إنَّهم لَوْ قالُوا: نَعَمْ لَمْ يَكُنْ إقْرارًا وافِيًا، وجَوَّزَ الشَّلَوْبِينُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهم لَوْ قالُوا: نَعَمْ جَوابًا لِلْمَلْفُوظِ عَلى ما هو الأفْصَحُ لَكانَ كُفْرًا إذِ الأصْلُ تَطابُقُ السُّؤالِ والجَوابِ لَفْظًا، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ بِالِاحْتِمالِ، والكَلامُ عِنْدَ جَمْعِ تَمْثِيلٍ لِخَلْقِهِ تَعالى الخَلْقَ جَمِيعًا في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ مُسْتَعِدِّينَ لِلِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى التَّوْحِيدِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»» الحَدِيثَ.
مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن تَعْرِيضِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهم لِمَعْرِفَةِ رِبَوِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ بَعْدَ تَمْكِينِهِمْ مِنها بِما رَكَّزَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ والبَصائِرِ ونَصَبَ لَهم في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الدَّلائِلِ تَمْكِينًا تامًّا ومِن تَمَكُّنِهِمْ مِنها تَمَكُّنًا كامِلًا وتَعَرُّضِهِمْ لَها تَعَرُّضًا قَوِيًّا بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن حَمْلِهِ تَعالى إيّاهم عَلى الِاعْتِرافِ بِها بِطَرِيقِ الأمْرِ ومِن مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ أصْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أخْذٌ وإشْهادٌ وسُؤالٌ وجَوابٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِ ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ومِن ذَلِكَ سائِرُ ما يُحْكى عَنِ الحَيَوانِ والجَمادِ كَقَوْلِهِ:
شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا فَكِلانا مُبْتَلى
وقَوْلِهِ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى مُعاصِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ تَشْدِيدًا في الإلْزامِ أوْ إلَيْهِمْ وإلى مُتَقَدِّمِيهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ وهو مَفْعُولٌ لَهُ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ والإشْهادِ أوْ لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والمَعْنى عَلى ما يَقُولُ البَصْرِيُّونَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. وعَلى ما يَقُولُ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ وإحاطَةِ العَذابِ بِمَن أشْرَكَ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أيْ: وحْدانِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿غافِلِينَ﴾ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَسَعُهم هَذا الِاعْتِذارُ
صفحة 103
حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ لِأنَّهم نُبِّهُوا بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وجُعِلُوا مُتَهَيِّئِينَ تَهَيُّؤًا تامًّا لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإنْكارِ ذَلِكَ مُكابَرَةً فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ.
الأعراف 7:173
﴿أوْ تَقُولُوا﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ إنَّ آباءَنا هُمُ اخْتَرَعُوا الإشْراكَ وهم سَنُّوهُ مِن قَبْلِ زَمانِنا.
﴿وكُنّا﴾ نَحْنُ ﴿ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا نَهْتَدِي إلى سَبِيلِ التَّوْحِيدِ.
﴿أفَتُهْلِكُنا﴾ أيْ: أتُؤاخِذُنا فَتُهْلِكُنا اليَوْمَ بِالعَذابِ ﴿بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ مِن آبائِنا المُضِلِّينَ لا نَراكَ تَفْعَلُ. و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، وفِعْلُ القَوْلِ عُطِفَ عَلى نَظِيرِهِ. وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ عَلَيْها، ووَجْهُ قِراءَةِ الخِطابِ ما عَلِمْتَ. وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذاكَ لِقَوْلِ الرَّبِّ تَعالى رَبُّكم وإنَّما لَمْ يَسَعِ القَوْمَ هَذا القَوْلُ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اسْتِعْدادِهِمْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ المَسالِكَ إلَيْهِ؛ إذِ التَّقْلِيدُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها مِمّا لا مَساغَ إلَيْهِ أصْلًا. هَذا والَّذِي عَلَيْهِ المُحْدَثُونَ والصُّوفِيَّةُ قاطِبَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ مِنَ العِبادِ بِأسْرِهِمْ مِيثاقًا قالِيًّا قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، وأنَّ الإخْراجَ مِنَ الظُّهُورِ كانَ قَبْلُ أيْضًا.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَراها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ كالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهم قُبُلًا ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا»».
وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في التّارِيخِ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَنِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ فَقالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ: إذا خُلِقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»». والبَيْضاوِيُّ حَمَلَ الآيَةَ في تَفْسِيرِهِ عَلى التَّمْثِيلِ وكَذا في شَرْحِهِ لِلْمَصابِيحِ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ ظاهِرَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُساعِدُ ذَلِكَ ولا ظاهِرَ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَذْكُرَ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِن صُلْبِ آدَمَ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَلى تَوْلِيدِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ لَقالَ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَهُما أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن بَنِي آدَمَ في الآيَةِ آدَمُ وأوْلادُهُ، وكَأنَّهُ صارَ اسْمًا لِلنَّوْعِ كالإنْسانِ والبَشَرِ، والمُرادُ بِالإخْراجِ تَوْلِيدُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، واقْتُصِرَ في الحَدِيثِ عَلى ذِكْرِ آدَمَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الأصْلِ عَنْ ذِكْرِ الفَرْعِ.
«وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ: «مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ»» يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ المَلَكَ المُوَكَّلَ عَلى تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ وتَخْلِيقِها وجَمْعِ مَوادِّها، وأُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الآمِرُ كَما أُسْنِدَ التَّوَفِّي إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ والمُتَوَفِّي لَها هو المَلَكُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ هو اللَّهُ تَعالى ويَكُونُ المَسْحُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مِنَ المِساحَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قالَ: قَدَّرَ ما في ظَهْرِهِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ المَعْنى في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الكُلَّ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذّاتِ بَلْ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ أبْناءَهُ الصُّلْبِيَّةَ ومِن ظُهُورِهِمْ
صفحة 104
أبْناءَهُمُ الصُّلْبِيَّةَ وهَكَذا إلى آخِرِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ المَظْهَرُ الأصْلِيُّ ظَهْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مَساقُ الحَدِيثِ بَيانَ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الوَسائِطِ غَرَضٌ عَلى نَسَبِ إخْراجِ الكُلِّ إلَيْهِ، وأمّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَسُوقَةً لِلِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانِ عَدَمِ إفادَةِ الِاعْتِذارِ بِإسْنادِ الإشْراكِ إلى آبائِهِمُ اقْتَضى الحالُ نِسْبَةَ إخْراجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ظَهْرِ أبِيهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإخْراجِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظَهْرِهِ قَطْعًا، وعَدَمُ بَيانِ المِيثاقِ في الخَبَرِ العُمَرِيِّ لَيْسَ بَيانًا لِعَدَمِهِ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ. اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ يَأْبى عَنْهُ كُلَّ الإباءِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأنَّ ما ذَكَرَهُ البَعْضُ مِن أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ بَيانُ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا يَأْباهُ ظُهُورُ عَدَمِ كَوْنِ السُّؤالِ عَنْ حالِهِما لِيُساقَ الحَدِيثُ لِبَيانِهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الصَّحابِيَّ إنَّما سَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ الإشْهادَ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أمْ عَلى الِاسْتِعارَةِ؟ فَلَمّا أجابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عُرِفَ مِنهُ ما أرادَهُ لِأنَّهُ كانَ بَلِيغًا ولَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى لَكانَ الواجِبُ بَيانَ تِلْكَ الجِهَةِ وكَذا فَهِمَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الإمامِ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إخْراجِ الذَّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ بَنِي آدَمَ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ ولا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُهُ إلّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلَيْهِ فَيُثْبِتُ خُرُوجَهم مِن آدَمَ بِالحَدِيثِ ومِن بَنِيهِ بِالآيَةِ لا يُطابِقُ سِباقَ الحَدِيثِ كَما لا يَخْفى، وقالَ الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ التُّورْبَشْتِيُّ: إنَّما جَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في الهَرَبِ عَنِ القَوْلِ في مَعْنى الآيَةِ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ خَبَرِ الحَبْرِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ فَقالُوا: إنْ كانَ هَذا الإقْرارُ عَنِ اضْطِرارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وشاهَدُوهُ عَيْنَ اليَقِينِ فَلَهم ذَلِكَ اليَوْمَ أنْ يَقُولُوا: ﴿شَهِدْنا﴾ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عَنّا عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ مِنّا مَن أصابَ ومِنّا مَن أخْطَأ، وإنْ كانَ عَنِ اسْتِدْلالٍ ولَكِنَّهم عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الخَطَأِ فَلَهم أيْضًا أنْ يَقُولُوا: أُيِّدْنا يَوْمَ الإقْرارِ بِتَوْفِيقٍ وعِصْمَةٍ وحُرِمْناهُما مِن بَعْدُ، ولَوْ أُمْدِدْنا بِهِما أبَدًا لَكانَتْ شَهادَتُنا في كُلِّ حِينٍ كَشَهادَتِنا في اليَوْمِ الأوَّلِ فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يُرادَ بِالمِيثاقِ ما رَكَّبَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ وآتاهم مِنَ البَصائِرِ لِأنَّها هي الحُجَّةُ البالِغَةُ والمانِعَةُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ( إنّا كُنّا ) إلَخْ. لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإقْرارَ والتَّمَكُّنَ مِن مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ كَما جَعَلَ بَعْثَ الرَّسُولِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الغُيُوبِ. انْتَهى.
وحاصِلُهُ أنْ لَوْ لَمْ تُؤَوَّلِ الآيَةُ بِما ذُكِرَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُوا مَحْجُوجِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِاخْتِيارِ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ ورَفْعِ مَحْذُورِهِ. أمّا الأوَّلُ فَبِأنْ يُقالَ: إذا قالُوا: شَهِدْنا يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ كَذا أيُّها الكَذّابُونَ مَتى وُكِلْتُمْ إلى آرائِكُمْ؟ ألَمْ نُرْسِلْ رُسُلَنا تَتْرى لِيُوقِظُوكم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ؟ وأمّا الثّانِي فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الإلْزامِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَهُمْ: ألَمْ نَمْنَحْكُمُ العُقُولَ والبَصائِرَ: فَلَهم أنْ يَقُولُوا: فَإذا حُرِمْنا اللُّطْفَ والتَّوْفِيقَ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لَنا في العَقْلِ والبَصِيرَةِ؟ وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ في جَوابِ أنَّهُ كَيْفَ تَلْزَمُ الحُجَّةُ ولا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أوْضَحَ الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ فَمَن أنْكَرَهُ كانَ مُعانِدًا ناقِضًا لِلْعَهْدِ ولَزِمَتْهُ الحُجَّةُ ونِسْيانُهُ وعَدَمُ حِفْظِهِ لا يُسْقِطُ الِاحْتِجاجَ بَعْدَ إخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ. ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولِهَذا أجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ لَيْسَ مَفْعُولًا لا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهُمْ﴾ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ
صفحة 105
﴿بَلى شَهِدْنا﴾ حَتّى يَجِبَ كَوْنُ ذَلِكَ الإشْهادِ والشَّهادَةِ مَحْفُوظًا لَهم في إلْزامِهِمْ بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، والمَعْنى: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ المِيثاقِ وبَيانِهِ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المِيثاقِ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ في دارِ التَّكْلِيفِ، وإلّا لَعَمِلْنا بِمُوجِبِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِنَفْسِ الأمْرِ المُضْمَرِ العامِلِ فِي: ( إذْ أخَذْ ) والمَعْنى: اذْكُرْ لَهُمُ المِيثاقَ المَأْخُوذَ مِنهم فِيما مَضى لِئَلّا يَعْتَذِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْهُ أوْ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، ثُمَّ قالَ: هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ شَهِدْنا مِن كَلامِ الذُّرِّيَّةِ وهو الظّاهِرُ، فَأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو العامِلُ فِي: ( أنْ تَقُولُوا ) ولا مَحْذُورَ أصْلًا والمَعْنى: شَهِدْنا قَوْلَكم هَذا لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلَخْ. لِأنّا نَرُدُّكم ونُكَذِّبُكم حِينَئِذٍ. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن تَعَلُّقِ (أنْ) وما بَعْدَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُضْمَرِ العامِلِ في (إذْ) واضِحٌ في دَفْعِ السُّؤالِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّهُ لَعَمْرِي في غايَةِ الحُسْنِ إلّا أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِالإشْهادِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، وأرى الجَوابَ مَعَ عَدَمِ العُدُولِ عَنْهُ لا يَخْلُو عَنِ العُدُولِ عَنْهُ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ ثانِيًا مِن كَوْنِ (شَهِدْنا) مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَوْنِهِ العامِلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ: لَمّا أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ تَهْبِيطِهِ مِنَ السَّماءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُمْنى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ: ادْخُلُوا النّارَ ولا أُبالِي؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ ثُمَّ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. فَأعْطاهُ طائِفَةً طائِعِينَ وطائِفَةً كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَّقِيَّةِ فَقالَ هو والمَلائِكَةُ: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الحَدِيثَ.
وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوَّلًا مِن أنَّ الأخْذَ كانَ بِنُعْمانَ إذْ هو ظاهِرٌ في كَوْنِ ذَلِكَ بَعْدَ الهُبُوطِ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ كانَ قَبْلُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ إذْ كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ، وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى، وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. قالَ: يا أصْحابَ الشِّمالِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى»».
فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ. الخَبَرَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ بِالهِنْدِ حَيْثُ هَبَطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وآخَرُونَ أنَّهُ كانَ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ وأنَّ الذُّرِّيَّةَ المُخْرَجَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالذَّرِّ أحاطَتْ بِهِ، وجَعَلَ المَحَلَّ الَّذِي شَغَلَتْهُ إذْ ذاكَ حَرَمًا، ولَيْسَ لِهَذا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ أخْذِ المِيثاقِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، لَكِنْ يُشْعِرُ كَلامُهم بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، فَقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ مَن يَسْتَحْضِرُ قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) سِتَّةَ مَواطِنَ أُخْرى مِيثاقِيَّةً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِشَيْخِنا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ قَصَدَ القائِلُ بِالحَضَراتِ السِّتَّةِ الَّتِي عَرَفَها قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) الكُلِّيّاتِ فَمُسَلَّمٌ، وأمّا إنْ أرادَ جُمْلَةَ الحَضَراتِ المِيثاقِيَّةِ الَّتِي قَبْلَ (ألَسْتُ)
صفحة 106
فَهِيَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في قَوْلِهِمْ: لا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ عَلى وجْهِ السَّلْبِ الكُلِّيَّ مِنَ المَنعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أيْضًا وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: هَلْ تَذْكُرُهُ أنَّهُ قالَ: كَأنَّهُ الآنَ في أُذُنِي. وقالَ بَعْضُهم مُسْتَقْرِبًا لَهُ: إنَّ هَذا المِيثاقَ بِالأمْسِ كانَ وأشارَ فِيهِ أيْضًا إلى مَواثِيقَ أُخَرَ كانَتْ قَبْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهم مِن تِلْكَ السّالِبَةِ لا أحَدَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ لا لا أحَدَ مُطْلَقًا.
وذَكَرَ قُطْبُ الحَقِّ والدِّينِ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والخَبَرِ العُمَرِيِّ كَلامًا ارْتَضاهُ الفُحُولُ وتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ، وحاصِلُهُ: أنَّ جَوابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ بَيانِ المِيثاقِ الحالِيِّ فَأجابَ بِبَيانِ المِيثاقِ المَقالِيِّ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ.
وبَيانُهُ أنَّ سُبْحانَهُ كانَ لَهُ مِيثاقانِ مَعَ بَنِي آدَمَ. أحَدُهُما تَهْتَدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى الِاعْتِرافِ الحالِيِّ. وثانِيهِما المَقالِيُّ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلَيْهِ العَقْلُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى تَوْقِيفِ واقِفٍ عَلى أحْوالِ العِبادِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ؛ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأرادَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعَلِّمَ الأُمَّةَ ويُخْبِرَهم عَنْ أنَّ وراءَ المِيثاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ مِيثاقًا آخَرَ أزَلِيًّا فَقالَ ما قالَ مِن مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأزَلِ وإخْراجِ الذُّرِّيَّةِ لِيُعْرَفَ مِنهُ أنَّ هَذا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ في لا يَزالُ مِن أصْلابِ بَنِي آدَمَ هو الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ في الأزَلِ مِن صُلْبِ آدَمَ وأُخِذَ مِنهُ المِيثاقُ المَقالِيُّ الأزَلِيُّ كَما أُخِذَ مِنهم في لا يَزالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أُخْرِجُوا المِيثاقُ الحالِيُّ اليَزالِيُّ. اهـ. وهو حَسَنٌ كَما قالُوا، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأزَلُ فِيهِ ولا يَزالُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ خُرُوجَ النَّسْلِ مَحْدُودٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ انْقِطاعِهِ بَعْدَهُ هو خاصٌّ بِالسُّعَداءِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ كَما عُلِمَ في مَحَلِّهِ، والأمْرُ حادِثٌ لا أزَلِيٌّ وإلّا لَزِمَ خَرْقُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ والتَّدافُعُ بَيْنَ الآيَةِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ونُقِلَ عَنِ الخَلْخالِيِّ أنَّهُ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ في دَفْعِ ذَلِكَ فَقالَ: المُخاطَبُونَ هُمُ الصُّوَرُ العِلْمِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي هي ماهِيّاتُ الأشْياءِ وحَقائِقُها، ويُسَمُّونَها الأعْيانَ الثّابِتَةَ ولَيْسَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ مَوْجُودَةً في الخارِجِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها بِحَسْبِ ذَلِكَ الثُّبُوتِ جَعْلٌ بَلْ هي في ذَواتِها غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى ما يَجْعَلُها تِلْكَ الصُّوَرَ وهي صادِرَةٌ عَنْهُ تَعالى بِالفَيْضِ الأقْدَسِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها شُؤُوناتٌ واعْتِباراتٌ لِلذّاتِ الأحَدِيِّ وجَوابُهم بِقَوْلِهِمْ: بَلْ إنَّما هو بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ لا بِالألْسِنَةِ الَّتِي هي بَعْدَ تَحَقُّقِها في الخارِجِ. انْتَهى.
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ والوُجُودِ وفِيهِ نِزاعٌ طَوِيلٌ لَكِنّا مِمَّنْ يَقُولُ بِهِ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، ومِن هُنا انْقَدَحَ لِبَعْضِ الأفاضِلِ وجْهٌ آخَرُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ وهو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِيهِ هو الصُّورُ العِلْمِيَّةُ والأعْيانُ الثّابِتَةُ وأنَّ المُرادَ بِاسْتِخْراجِها هو تَجَلِّي الذّاتِ الأحَدِيُّ وظُهُورُهُ فِيها، وأنَّ نِسْبَةَ الإخْراجِ إلى ظُهُورِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ إذا وُجِدَتْ في الأعْيانِ كانَتْ عَيْنَهُمْ، وأنَّ تِلْكَ المُقاوَلَةَ حالِيَّةٌ اسْتِعْدادِيَّةٌ أزَلِيَّةٌ لا قالِيَّةٌ لا يَزالِيَةٌ حادِثَةٌ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَ الشَّيْخُ العارِفُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ في الحَقائِقِ عَنْ بَنانٍ حَيْثُ قالَ: أوَجَدَهم لَدَيْهِ في كَوْنِ الأزَلِ ثُمَّ دَعاهم فَأجابَهم سِراعًا وعَرَّفَهم نَفْسَهُ حِينَ لَمْ يَكُونُوا في الصُّورَةِ الإنْسِيَّةِ، ثُمَّ أخْرَجَهم بِمَشِيئَتِهِ خَلْقًا وأوْدَعَهم في صُلْبِ آدَمَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ أنَّهُ خاطَبَهم وهم غَيْرُ مَوْجُودِينَ إلّا بِوُجُودِهِ لَهُمْ؛ إذْ كانُوا واجِدِينَ لِلْحَقِّ في غَيْرِ وُجُودِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ الحَقُّ بِالحَقِّ في ذَلِكَ مَوْجُودًا ثُمَّ أنْشَدَ السُّلْمِيُّ لِبَعْضِهِمْ:
صفحة 107
لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا
ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْفِيقَ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ ذَوْقِ أرْبابِ الظّاهِرِ لِمُخالَفَتِهِ لِظَواهِرِ الأخْبارِ والمُتَبادَرِ مِنَ الآثارِ، وما نُقِلَ عَنْ بَنانٍ فِيهِ وهو أوَّلُ كَلامِهِ انْتَخَبَهم لِلْوِلايَةِ واسْتَخْلَصَهم لِلْكَرامَةِ، وجَعَلَ لَهم فُسُوحًا في غَوامِضِ غَيْبِ المَلَكُوتِ وبَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ، وشُمُولُهُ لِسائِرِ الخَلْقِ سَعِيدِهِمْ وشَقِيِّهِمْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أبْدَعَ المُبْدَعاتِ وتَجَلّى بِلِسانِ الأحَدِيَّةِ في الرُّبُوبِيَّةِ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ والمُخاطَبُ في غايَةِ الصِّغاءِ فَقالُوا: ﴿بَلى﴾ . فَكانَ كَمِثْلِ الصَّدى، فَإنَّهم أجابُوهُ بِهِ فَإنَّ الوُجُودَ المُحْدَثَ خَيالٌ مَنصُوبٌ، وهَذا الإشْهادُ كانَ إشْهادَ رَحْمَةٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما قالَ لَهم وحْدِي إبْقاءً عَلَيْهِمْ لِما عَلِمَ أنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بِما فِيهِمْ مِنَ الحَظِّ الطَّبِيعِيِّ وبِما فِيهِمْ مِن قَبُولِ الِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ وما يَعْلَمُهُ إلّا قَلِيلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرُوا الوَحْدانِيَّةَ في الإشْهادِ وكَذا في الشَّهادَةِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ونَطَقَتِ الآثارُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى. قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَواتِ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا لَمْ نَعْلَمْ بِهَذا، اعْلَمُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي ولا رَبَّ غَيْرِي ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا إنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي ومِيثاقِي، وأُنْزِلَ عَلَيْكم كُتُبِي. قالُوا: شَهِدْنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ ولا إلَهَ لَنا غَيْرُكَ. فَأقَرُّوا، ورَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَرَأى الغَنِيَّ والفَقِيرَ وحَسَنَ الصُّورَةِ ودُونَ ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ، لَوْلا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبادِكَ قالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ إقْرارَ الذَّرارِيِّ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي الشِّرْكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قائِلُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ أخْذَ المِيثاقِ القالِيِّ المُشارِ إلَيْهِ في الأخْبارِ ويَقُولُونَ: إنَّها مِن جُمْلَةِ الآحادِ فَلا يَلْزَمُنا أنْ نَتْرُكَ لَها ظاهِرَ الكِتابِ، وطَعَنُوا في صِحَّتِها بِمُقَدِّماتِ عَقْلِيَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى قَواعِدَ فَلْسَفِيَّةٍ عَلى ما هو دَأْبُهم في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، قالُوا أوَّلًا: إنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرَ الإنْسانُ في هَذا العالَمِ ذَلِكَ المِيثاقَ؛ إذْ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ نَسْيًا كُلِّيًّا فَحَيْثُ نَسِيَ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِها، وبِنَحْوِ هَذا الدَّلِيلِ بَطَلَ التَّناسُخُ. وأُجِيبَ بِأنَّ العِلْمَ إنَّما هو بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَجازَ أنْ لا يَخْلُقَهُ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ودَلِيلُ بُطْلانِ التَّناسُخِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا بِما ذُكِرَ، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا أيْضًا عَلى بُطْلانِهِ بِلُزُومِ أنْ يَكُونَ لِلْبَدَنِ نَفْسانِ كَما بَيَّنَهُ الإمامُ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ وأنْ يَكُونَ عَدَدُ الهالِكِينَ مُساوِيًا لِعَدَدِ الكائِنِينَ، والطَّوْفاتُ العامَّةُ تَأْبى هَذا التَّساوِيَ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِالفَرْقِ بَيْنَ التَّناسُخِ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ، وذَلِكَ أنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى وبَقِينا فِيها سِنِينَ امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُ أحْوالِها، وأمّا أخْذُ المِيثاقِ فَإنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ. وبَعْضُهم أجابَ بِأنَّ النِّسْيانَ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ هُنا لِبُعْدِ الزَّمانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِن أحْوالِ الدُّنْيا كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآياتُ والأخْبارُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ الدّارِ، وقالُوا ثانِيًا: إنَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةَ المَأْخُوذَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قَدْرٌ مِنَ البِنْيَةِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ العِلْمُ والفَهْمُ فَمَجْمُوعُها لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في ظَهْرِ آدَمَ لِيُؤْخَذَ ثُمَّ يُرَدُّ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الحَياةِ
صفحة 108
مَشْرُوطَةٌ بِالبِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ كَما هو مَذْهَبُ الخُصُومِ، والبُرْهانُ قائِمٌ عَلى بُطْلانِهِ كَما تَقَرَّرَ في الكَلامِ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الحَياةَ في جَوْهَرٍ فَرْدٍ، وتِلْكَ الذُّرِّيَّةُ المُخْرَجَةُ كانَتْ كالذَّرِّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَوْهَرِ، وكَوْنُ المَجْمُوعِ لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا غَيْرَ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ الأخْذُ في السَّماءِ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالدّائِرَةُ واسِعَةٌ، وإنْ كانَ إذْ كانَ العَرْشُ عَلى الماءِ فالدّائِرَةُ أوْسَعُ، ولا مانِعَ إذا كانَ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ اجْتِماعُ الذَّرِّ مُتَراكِمًا بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ، وإنَّهُ لَفَضاءٌ عَظِيمٌ وإنْ صَغُرَتْ قاعِدَتُهُ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وأنَّها جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالَّ فِيهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الفَضاءِ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ، وقالُوا ثالِثًا: إنَّهُ لا فائِدَةَ في أخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهم لا يَصِيرُونَ بِسَبَبِهِ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ عَلى أنَّهم أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، والطِّفْلُ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلى الذَّرِّ؟ (وأُجِيبَ) بِأنَّ فائِدَةَ الأخْذِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في الِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إظْهارَ كَمالِ القُدْرَةِ لِمَن حَضَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ البَعْضِ في الآيَةِ، وكَوْنُهم إذْ ذاكَ أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ في حَيِّزِ البُطْلانِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن هو أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، وقالُوا رابِعًا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وكَوْنُ أُولَئِكَ الذَّرِّ أناسِيٌّ يُنافِي كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِمّا ذُكِرَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ النَّشْأةِ مَخْلُوقٌ مِن ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ في تِلْكَ النَّشْأةِ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وبِالجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُصَدِّقَ بِذَلِكَ الأخْذِ فَقَدْ نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصّادِرَةُ مِن مَنبَعِ الرِّسالَةِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها مَتْرُوكَةُ العَمَلِ لِكَوْنِها مِنَ الآحادِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى سَدِّ بابٍ كَبِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ الغَيْبِيَّةِ ويَحْرِمُ قائِلَهُ مِن عَظِيمِ المِنَحِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ لَقِيناهم كُلَّهم يُثْبِتُونَ خَبَرَ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَجْعَلُونَهُ سُنَّةً حُمِدَ مَن تَبِعَها وعِيبَ مَن خالَفَها، وقالَ: مَن خالَفَ هَذا المَذْهَبَ كانَ عِنْدَنا مُفارِقًا لِسَبِيلِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأهْلِ العِلْمِ بَعْدَهُمْ، وكانَ مِن أهْلِ الجَهالَةِ.
وفِي جامِعِ الأُصُولِ عَنْ رَزِينٍ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا أعْرِفَنّ الرَّجُلَ مِنكُم يَأْتِيهِ الأمْرُ مِن أمْرِي أنا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ وهو مُتَّكِئٌ في أرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: ما نَدْرِي ما هَذا، عِنْدَنا كِتابُ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ هَذا فِيهِ»» الحَدِيثَ.
ولا يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ مِنَ العُلُومِ المَسْكُوتِ عَنْها المُحْتاجَةِ إلى كَشْفِ الغِطاءِ وفَيْضِ العَطاءِ.
ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الجِنْدِيُّ في فَضائِلِ مَكَّةَ وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَجَجْنا مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَلَمّا دَخَلَ الطَّوافَ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قَبَّلَهُ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ:
يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفَعُ قالَ: بِمَ؟ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: وأيْنَ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلى﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَرَّرَهم بِأنَّهُ الرَّبُّ وأنَّهُمُ العَبِيدُ وأخَذَ عُهُودَهم ومَواثِيقَهم وكَتَبَ ذَلِكَ في رَقٍّ وكانَ لِهَذا الحَجَرِ عَيْنانِ ولِسانٌ. فَقالَ لَهُ: افْتَحْ فاكَ فَفَتَحَ فاهُ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ فَقالَ: اشْهَدْ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنِّي أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ:
صفحة 109
««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ ولَهُ لِسانٌ ذَلِقٌ لِيَشْهَدَ لِمَن يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ»» فَهو يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَضُرُّ ويَنْفَعُ. فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ أعِيشَ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.
قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ»».
والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَ أنْ قالُوا: بَلى؛ مِنهم مَن سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ومِنهم مَن لَمْ يَسْجُدْ أصْلًا، ومِنهم مَن سَجَدَ مَعَ الأوَّلِينَ السَّجْدَةَ الأُولى ولَمْ يَسْجُدِ الثّانِيَةَ ومِنهم مَن عَكَسَ، فالصِّنْفُ الأوَّلُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كَذَلِكَ، والثّانِي هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ كَذَلِكَ. والثّالِثُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كُفّارًا. والرّابِعُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ انْتَهى. وهو كَلامٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ بَعْضًا مِنَ القائِلِينَ بَلى قَدْ مَكَرَ مِنهم إذْ ذاكَ حَيْثُ أُظْهِرَ لَهم إبْلِيسُ في ذَلِكَ الجَمْعِ وظَنُّوا أنَّهُ القائِلُ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَعَنَوْهُ بِالجَوابِ.
وأُولَئِكَ هُمُ الأشْقِياءُ، وبَعْضًا تَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ فَعَرَفُوهُ وأجابُوهُ وأُولَئِكَ هُمُ السُّعَداءُ، وهَذا عِنْدِي مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ، والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ أنَّهم كُلَّهم وجَّهُوا الجَوابَ لِرَبِّ الأرْبابِ. نَعَمْ ذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ البَعْضَ أجابَ كُرْهًا، واسْتَدَلُّوا لَهُ بِبَعْضِ الآثارِ السّالِفَةِ، وذَهَبَ أهْلُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ في النّارِ، ومَن قالَ: إنَّهم في الجَنَّةِ ذَهَبَ إلى أنَّهم أقَرُّوا عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ اخْتِيارًا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وإسْنادُ القَوْلِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ إنَّما هُوَ: بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ مِنَ البَعْضِ؛ فَإنَّ وُقُوعَهُ مِنَ الكُلِّ باطِلٌ بَداهَةً، ومِثْلُ هَذا واقِعٌ في الآياتِ كَثِيرًا.
الأعراف 7:174
﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّفْصِيلَ البَلِيغَ المُسْتَتْبِعُ لِلْمَنافِعِ الجَلِيلَةِ نُفَصِّلُها لا غَيْرَ ذَلِكَ.
﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الباطِلِ نَفْعَلُ التَّفْصِيلَ المَذْكُورَ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى المِيثاقِ الأوَّلِ فَيَذْكُرُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ نَفْعَلُ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالواوُ ابْتِدائِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لِيَقِفُوا عَلى ما فِيها مِنَ المُرَغِّباتِ والزَّواجِرِ، أوْ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، وقِيلَ: إنَّها سَيْفُ خَطِيبٍ.
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) قالُوا: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: عَنْ أهْلِ قَرْيَةِ الجَسَدِ، وهُمُ الرُّوحُ والقَلْبُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ وتَوابِعُها: ﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أيْ: مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِ بَحْرِ البَشَرِيَّةِ.
﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَناوُلُ بَعْضِ المَلاذِّ النَّفْسانِيَّةِ والعادِي مِن أُولَئِكَ الأهْلِ إنَّما هُوَ: النَّفْسُ الأمّارَةُ فَإنَّها في مَواسِمِ الطّاعاتِ والكَفِّ عَنِ الشَّهَواتِ كَشَهْرِ رَمَضانَ مَثَلًا حَرِيصَةٌ عَلى تَناوُلِ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ.
﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ وهي الأُمُورُ الَّتِي نُهُوا عَنْ تَناوُلِها ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ الَّذِي أُمِرُوا بِتَعْظِيمِهِ شَرْعًا قَرِيبَةَ المَأْخَذِ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ بِأنْ لا يَتَهَيَّأُ لَهم ما يُرِيدُونَهُ.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ طَبْعًا.
قالَ بَعْضُهُمْ: ما كانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى إلّا كَحالِ الإسْلامِيِّينَ مِن أهْلِ زَمانِنا في اجْتِماعِ أنْواعِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلاهِي والمُناكَحِ ظاهِرَةً في الأسْواقِ والمَحافِلِ في الأيّامِ المُعَظَّمَةِ كالأعْيادِ والأوْقاتِ المُبارَكَةِ كَأوْقاتِ زِيارَةِ مَشاهِدِ الصّالِحِينَ المَعْلُومَةِ المَشْهُورَةِ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ وهي القَلْبُ وأتْباعُهُ لِلْأُمَّةِ الواعِظَةِ وهي الرُّوحُ وأتْباعُها: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ وهُمُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وقُواها.
﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾
صفحة 110
عَلى فِعْلِهِمْ؟ ﴿قالُوا مَعْذِرَةً﴾ إلى رَبِّكم أيْ: نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى؛ وذَلِكَ أنّا خُلِقْنا آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ فَنُرِيدُ أنْ نَقْضِيَ ما عَلَيْنا لِيَظْهَرَ أنّا ما تَغَيَّرْنا عَنْ أوْصافِنا.
﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ لِأنَّهم قابَلُونِ لِذَلِكَ بِحَسْبِ الفِطْرَةِ فَلا نَيْأسُ مِن تَقْواهم.
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِغَلَبَةِ الشِّقْوَةِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهُمُ الرُّوحُ والقَلْبُ وأتْباعُهُما، فَإنَّهم كُلَّهم نَهَوْا عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ بَعْضَهم مَلَّ وبَعْضَهم لَمْ يَمَلَّ.
﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ؛ وهو عَذابُ حِرْمانِ قَبُولِ الفَيْضِ.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ عَلى الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ: جَعَلْنا طِباعَهم كَطِباعِهِمْ؛ وذَلِكَ فَوْقَ حِرْمانِ قَبُولِ الفَيْضِ.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أيْ: أقْسَمَ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: قِيامَتِهِمْ ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ وهو التَّجَلِّي الجَلالِيُّ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ وهو عَذابُ القَهْرِ وذُلُّ اتِّباعِ الشَّهَواتِ ﴿وقَطَّعْناهُمْ﴾ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ الرُّوحَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ البَدَنِ ﴿أُمَمًا﴾ جَماعاتٍ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الصَّلاحِ كالعَقْلِ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ فِيهِ كالقَلْبِ ومَن جَعَلَ القَلْبَ أكْمَلَ مِنَ العَقْلِ عَكَسَ الأمْرَ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ تَجَلِّياتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ بِالفَناءِ إلَيْنا ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ وهي النَّفْسُ وقُواها ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ وهو ما ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والقَلْبَ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ وهي الشَّهَواتُ الدَّنِيَّةُ واللَّذّاتُ الفانِيَةُ ويَجْعَلُونَ ما ورِثُوهُ ذَرِيعَةً إلى أخْذِ ذَلِكَ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا بُدَّ لِأنّا واصِلُونَ كامِلُونَ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن مُتَصَوِّفَةِ زَمانِنا؛ فَإنَّهم يَتَهافَتُونَ عَلى الشَّهَواتِ تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّنا لِأنّا واصِلُونَ.
وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَأْكُلُ الحَرامَ الصِّرْفَ ويَقُولُ: إنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ يَدْفَعُ ضَرَرَهُ وهو خَطَأٌ فاحِشٌ وضَلالٌ بَيِّنٌ، أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِن ذَلِكَ، وأعْظَمُ مِنهُ اعْتِقادُ حِلِّ أكْلِ مِثْلِ المَيْتَةِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِأحَدِهِمْ ويَقُولُ: كُلٌّ مِنّا بَحْرٌ والبَحْرُ لا يَنْجُسُ، ولا يَدْرِي هَذا الضّالُّ أنَّ مَن يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أنْجَسُ مِنَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، ومِنهم يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الكامِلِينَ المُكَمَّلِينَ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى ما يُؤَيِّدُ بِهِ دَعْواهُ وهو كَذا لا أصْلَ لَهُ وحاشا ذَلِكَ الكامِلِ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ حاشا.
﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: إنَّهم مُصِرُّونَ عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ.
﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ الوارِدُ فِيما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والقَلْبَ ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ فَكَيْفَ عَدَلُوا عَنْهُ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مِمّا فِيهِ رَشادُهم ﴿والدّارُ الآخِرَةُ﴾ المُشْتَمِلَةُ عَلى اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ بِما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والقَلْبَ مِنَ الحِكَمِ والمَعارِفِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في الطّاعَةِ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ مِنهم وأجْرُهم مُتَفاوِتٌ حَسْبَ تَفاوُتِ الصَّلاحِ حَتّى إنَّهُ لَيَصِلُ إلى ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ وهو جَبَلُ الأمْرِ الرَّبّانِيِّ والقَهْرِ الإلَهِيِّ ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ غَمامَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا أحْكامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ مِنَ الأسْرارِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ تَنْتَظِمُونَ في سِلْكِ المُتَّقِينَ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ تَقْواهم.
والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ مِن هَذا البابِ يُغْنِي عَنْهُ ما ذَكَرْناهُ خِلالَ تَفْسِيرِهِ مِن كَلامِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم خَلا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أوَّلَ ذَرَّةٍ أجابَتْ بِبِلى ذَرَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا
صفحة 111
هِيَ أوَّلُ مُجِيبٍ مِنَ الأرْضِ لَمّا خاطَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ والأرْضَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وكانَتْ مِن تُرْبَةِ الكَعْبَةِ وهي أوَّلُ ما خُلِقَ مِنَ الأرْضِ، ومِنها دُحِيَتْ كَما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَدْفِنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ حَيْثُ كانَتْ تُرْبَتُهُ الشَّرِيفَةُ مِنها.
وقَدْ رَوَوْا أنَّ المَرْءَ يُدْفَنُ حَيْثُ كانَتْ تُرْبَتُهُ.
ولَكِنْ قِيلَ: إنَّ الماءَ لَمّا تَمَوَّجَ رَمى الزَّبَدَ إلى النَّواحِي فَوَقَعَتْ ذَرَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ما يُحاذِي مَدْفِنَهُ الكَرِيمَ بِالمَدِينَةِ، ويُسْتَفادُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الأصْلُ في التَّكْوِينِ والكائِناتُ تَبَعٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قِيلَ:
ولِكَوْنِ ذَرَّتِهِ أُمَّ الخَلِيقَةِ سُمِّيَ أُمِّيًّا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الباءَ لِكَوْنِهِ أوَّلَ حَرْفٍ فَتَحَتِ الذَّرَّةُ بِهِ فَمَها حِينَ تَكَلَّمَتْ لَمْ تَزَلِ الأطْفالُ في هَذِهِ النَّشْأةِ يَنْطِقُونَ بِهِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ ولا بِدْعَ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، قِيلَ: ولِعِظَمِ ما أوْدَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الباءِ مِنَ الأسْرارِ افْتَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كِتابَهُ بَلِ افْتَتَحَ كُلَّ سُورَةٍ بِهِ لِتَقَدُّمِ البَسْمَلَةِ المُفْتَتَحَةِ بِهِ عَلى كُلِّ سُورَةٍ ما عَدا التَّوْبَةَ، وافْتِتاحُها بِبَراءَةَ وأوَّلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الباءُ أيْضًا، ولِكَوْنِ الهَمْزَةِ وتُسَمّى ألِفًا أوَّلَ حَرْفٍ قَرَعَ أسْماعَهم في ذَلِكَ المَشْهَدِ كانَ أوَّلَ الحُرُوفِ لَكِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ في البَسْمَلَةِ لِسِرٍّ أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ الكِتابِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى صَوْبِ الصَّوابِ
الأعراف 7:175
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في (إذْ أخَذَ) وارِدٌ عَلى نَمَطِ الإنْباءِ عَنِ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، أيْ: واقْرَأْ عَلى اليَهُودِ أوْ عَلى قَوْمِكَ كَما في الخازِنِ ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ: خَبَرُهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وهو كَما رَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ وفي لَفْظٍ: بِلْعامُ بْنُ باعِرٍ، وكانَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنْ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ زَوْجَةٌ تُدْعى البَسُوسَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها ابْنُ حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ النُّعْمانُ بْنُ صَيْفِيٍّ الرّاهِبُ، وكَوْنُهُ إسْرائِيلِيًّا أنْسَبَ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى، والأشْهَرُ أنَّهُ بِلْعامُ أوْ بَلْعَمُ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، ودُونَ ذَلِكَ في الشُّهْرَةِ أنَّهُ أُمَيَّةُ، وكانَ قَدْ قَرَأ بَعْضَ الكُتُبِ ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الآياتِ انْسِلاخَ الجِلْدِ مِنَ الشّاةِ، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ مِنها بِالكُلِّيَّةِ بِأنْ كَفَرَ بِها ونَبْذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وحَقِيقَةُ السَّلْخِ كَشْطُ الجِلْدِ وإزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ المَسْلُوخِ عَنْهُ، ويُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ فارَقَ شَيْئًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ: انْسَلَخَ مِنهُ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ العِلْمَ لا يُنْزَعُ مِنَ الرِّجالِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ ولَمْ يَقُلْ عَزَّ شَأْنُهُ: فانْسَلَخَتْ مِنهُ.
﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ كَما قالَ الرّاغِبُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهُ لِسَبْقِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ يُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ إذا سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم وكَأنَّ المَعْنى: جَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَ ما كُنْتُ تابِعًا لَهُمْ، وفِيهِ حِينَئِذٍ مُبالَغَةٌ في اللُّحُوقِ؛ إذْ جُعِلَ كَأنَّهُ إمامٌ لِلشَّيْطانِ والشَّيْطانُ يَتْبَعُهُ وهو مِنَ الذَّمِّ بِمَكانٍ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وكانَ فَتًى مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فارْتَقى بِهِ الحالُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِهِ
وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْناهُ اسْتَتْبَعَهُ أيْ: جَعَلَهُ تابِعًا لَهُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ حُذِفَ ثانِيهِما أيْ: أتْبَعَهُ خُطُواتِهِ. وقُرِئَ: (فاتَّبَعَهُ) مِنَ الِافْتِعالِ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَصارَ مِن زُمْرَةِ الضّالِّينَ الرّاسِخِينَ في الغِوايَةِ بَعْدَ أنْ كانَ مُهْتَدِيًا، وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِلْعامُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَصَدَ
صفحة 112
حَرْبَ الجَبّارِينَ أتى قَوْمُ بِلْعامَ إلَيْهِ وكانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ فَقالُوا لَهُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ والسَّلامَ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وإنَّ مَعَهُ جُنُودًا كَثِيرَةً، وإنَّهُ قَدْ جاءَ لِيُخْرِجَنا مِن أرْضِنا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرُدَّهُ عَنّا، فَقالَ: ويْلَكم نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى ومَعَهُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ فَكَيْفَ أدْعُو عَلَيْهِمْ وأنا أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما أعْلَمُ، وإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَهَبَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَألَحُّوا عَلَيْهِ، فَقالَ: حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَأُتِيَ في المَنامِ وقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ. فَأخْبَرَ قَوْمَهُ فَأهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَها ولَمْ يَزالُوا يَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ حَتّى فَتَنُوهُ فَجَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْمِهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ يَصْرِفُ لِسانَهُ إلى الدُّعاءِ عَلى قَوْمِهِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: يا بِلْعامُ، أتَدْرِي ما تَصْنَعُ؟ إنَّكَ تَدْعُو عَلَيْنا، فَقالَ: هَذا أمْرٌ غَلَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فانْدَلَعَ لِسانُهُ ووَقَعَ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: يا قَوْمِ، قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الدُّنْيا والآخِرَةُ، ولَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والحِيلَةُ، جَمِّلُوا النِّساءَ وأرْسِلُوهُنَّ وأمْرُوهُنَّ أنْ لا يَمْنَعْنَ أنْفُسَهُنَّ؛ فَإنَّ القَوْمَ سَفْرٌ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُبْغِضُ الزِّنا، وإنْ هم وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ فافْتُتِنَ زَمْرِيُّ بْنُ شَلُومَ رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ ابْنِ يَعْقُونَ بِامْرَأةٍ مِنهُنَّ تُسَمّى كَسْتى بِنْتَ صُورَ فَنَهاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الفاحِشَةِ فَأبى وأدْخَلَها قُبَّتَهُ وزَنا بِها فَوَقَعَ فِيهِمُ الطّاعُونُ حَتّى هَلَكَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا ولَمْ يَرْتَفِعْ حَتّى قَتَلَهُما فِنْحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ وكانَ غائِبًا أوَّلَ الأمْرِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ مَلِكَ البَلْقاءِ قالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: إنَّهُ مِن أهْلِ دِينِي ولا أدْعُو عَلَيْهِ فَنَصَبَ لَهُ خَشَبَةً لِيَصْلُبَهُ عَلَيْها فَدَعا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنْ لا يُدْخِلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَدِينَةَ فاسْتُجِيبَ لَهُ ووَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، بِأيِّ ذَنْبٍ هَذا؟ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِدُعاءِ بِلْعامَ، فَقالَ: رَبِّ، كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَنْزِعَ عَنْهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَنَزَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَعْرِفَةَ وسَلَخَهُ مِنها فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، ورُدَّ هَذا بِأنَّ التِّيهَ كانَ رَوْحًا وراحَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عُذِّبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى أنَّ في الدُّعاءِ بِسَلْبِ الإيمانِ مَقالًا، وأنا أعْجَبُ لِمَ لَمْ يَدْعُ هَذا الشَّقِيُّ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ عَلى مَلِكِ البَلْقاءِ لِيَخْلُصَ مِن شَرِّهِ؟ ودَعا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما هي إلّا جَهالَةٌ سَوْداءُ، وجاءَ في كَلامِ أبِي المُعْتَمِرِ أنَّهُ كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، ويَرُدُّهُ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ وكَأنَّ مُرادَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ ما أُوتِيهُ مِنَ الآياتِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن حَفِظَ القُرْآنَ فَقَدْ طَوى النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ كانَ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقَدِّمُهُ في الشَّدائِدِ ويَكْرَهُهُ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ فَبَعَثَهُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ فَتَرَكَ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واتَّبَعَ دِينَ المَلِكِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ عِنْدِي أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ بِالقَبُولِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ أُمَيَّةُ فَهو أنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ القَدِيمَةَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ رَسُولًا فَرَجا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الرَّسُولَ، فاتَّفَقَ أنْ خَرَجَ إلى البَحْرَيْنِ وتَنَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقامَ هُناكَ ثَمانِيَ سِنِينَ ثُمَّ قَدِمَ فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ فَدَعاهُ إلى الإسْلامِ، وقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةَ يس حَتّى إذا فَرَغَ مِنها وثَبَ أُمَيَّةُ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ فَتَبِعَتْهُ قُرَيْشٌ تَقُولُ: ما تَقُولُ يا أُمَيَّةُ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ. قالُوا: فَهَلْ نَتْبَعُهُ؟ قالَ: حَتّى أنْظُرَ في أمْرِهِ. فَخَرَجَ إلى الشّامِ وقَدِمَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ يُرِيدُ أنْ يُسْلِمَ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِها تَرَكَ الإسْلامَ وقالَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قَتَلَ ذَوِي قَرابَتِهِ فَذَهَبَ إلى الطّائِفِ
صفحة 113
وماتَ بِهِ فَأتَتْ أُخْتُهُ الفارِعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَها عَنْ وفاتِهِ فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ أنْشَدَ عِنْدَ مَوْتِهِ:
كُلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْرًا ∗∗∗ صائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزُولا
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قَدْ بَدا لِي ∗∗∗ في قِلالِ الجِبالِ أرْعى الوُعُولا
إنَّ يَوْمَ الحِسابِ يَوْمٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ شابَ فِيهِ الصَّغِيرُ يَوْمًا ثَقِيلًا
ثُمَّ قالَ لَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْشِدِينِي مِن شِعْرِ أخِيكِ فَأنْشَدَتْهُ:
لَكَ الحَمْدُ والنَّعْماءُ والفَضْلُ رَبَّنا ولا شَيْءَ أعْلى مِنكَ جَدًّا وأمْجَدَ
مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ أتَتْ عَلى آخِرِها، ثُمَّ أنْشَدَتْهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيها:
وقَفَ النّاسُ لِلْحِسابِ جَمِيعًا ∗∗∗ فَشَقِيٌّ مُعَذَّبٌ وسَعِيدُ
والَّتِي فِيها:
عِنْدَ ذِي العَرْشِ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِ ∗∗∗ يَعْلَمُ الجَهْرَ والسِّرارَ الخَفِيّا
يَوْمَ يَأْتِي الرَّحْمَنُ وهْوَ رَحِيمٌ ∗∗∗ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيّا
رَبِّ إنْ تَعْفُ فالمُعافاةُ ظَنِّي ∗∗∗ أوْ تُعاقِبْ فَلَمْ تُعاقِبْ بَرِيّا
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أخاكِ آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ النُّعْمانُ فَهو أنَّهُ كانَ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ فَقَدِمَ المَدِينَةَ فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: الحَنِيفِيَّةُ دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ: فَأنا عَلَيْها. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ عَلَيْها ولَكِنَّكَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها. فَقالَ: أماتَ اللَّهُ تَعالى الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا وحِيدًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى الشّامِ وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعَدُّوا السِّلاحَ، ثُمَّ أتى قَيْصَرَ وطَلَبَ مِنهُ جُنْدًا لِيُخْرِجَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ فَماتَ بِالشّامِ طَرِيدًا وحِيدًا.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ زَوْجُ البَسُوسِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ تُدْعى البَسُوسَ لَهُ مِنها ولَدٌ فَقالَتِ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً. قالَ:
فَما الَّذِي تُرِيدِينَ؟ قالَتِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ فِيهِمْ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ؛ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها فَدَعا فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبَتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ فِيها، ومِن هُنا يُقالُ: أشْأمُ مِنَ البَسُوسِ؛ اسْمٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ لا يُساعِدُ عَلَيْها نِظامُ القُرْآنِ الكَرِيمِ كَما لا يَخْفى، والَّذِي نَعْرِفُهُ أنَّ البَسُوسَ الَّتِي يُضْرَبُ بِها المَثَلُ هي بِنْتُ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيَّةُ خالَةُ جَسّاسِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلٍ الشَّيْبانِيِّ قاتِلِ كُلَيْبٍ، وفي قِصَّتِها طُولٌ، وقَدْ ذَكَرَها المَيْدانِيُّ وغَيْرُهُ.
صفحة 114
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ كِيسانِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيمانًا صَحِيحًا، ويَبْعُدُ ذَلِكَ إفْرادُ المَوْصُولِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا مَثَلٌ لِمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهُدى واسْتَعَدَّ لَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ وأبى أنْ يَقْبَلَهُ، وفِيهِ مُخالَفاتٌ لِلرِّواياتِ المَشْهُورَةِ، وأوْهَنُ الأقْوالِ عِنْدِي قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِهِ فِرْعَوْنُ، والمُرادَ بِالآياتِ الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ فِرْعَوْنَ إذْ آتَيْناهُ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَقْبَلْها.
الأعراف 7:176
﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما ذُكِرَ مِنَ الِانْسِلاخِ وما يَتْبَعُهُ، وضَمِيرُ (رَفَعْناهُ) لِلَّذِي وضَمِيرُ (بِها) لِلْآياتِ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ هو مَضْمُونُ الجَزاءِ كَما هو القاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ، أيْ: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ لَرَفَعْناهُ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ والعَمَلِ بِما فِيها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْكُفْرِ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، أيْ: لَوْ شِئْنا لَأزَلْنا الكُفْرَ بِالآياتِ، فالرَّفْعُ مِن قَوْلِهِمْ: رُفِعُ الظُّلْمُ عَنّا وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وإنْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ومِثْلُهُ بَلْ أبْعَدُ وأبْعَدُ ما نُقِلَ عَنِ البَلْخِيِّ والزَّجّاجِ مِن إرْجاعِ ضَمِيرِ بِها لِلْمَعْصِيَةِ، ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ: رَكَنَ إلى الدُّنْيا ومالَ إلَيْها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ لِلْمَكانِ مِنَ الخُلُودِ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ المَيْلِ فُسِّرَ بِهِ، وتَفْسِيرُ الأرْضِ بِالدُّنْيا لِأنَّها حاوِيَةٌ لِمَلاذِها وما يُطْلَبُ مِنها.
وقالَ الرّاغِبُ: المَعْنى: رَكَنَ إلى الأرْضِ ظانًّا أنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الأرْضَ بِالسَّفالَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ الدُّنْيا، وأعْرَضَ عَنْ مُقْتَضى تِلْكَ الآياتِ الجَلِيلَةِ، وفي تَعْلِيقِ الرَّفْعِ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ الِاسْتِدْراكِ عَنْهُ بِفِعْلِ العَبْدِ تَنْبِيهٌ كَما قالَ ناصِرُ الدِّينِ: عَلى أنَّ المَشِيئَةَ سَبَبٌ لِفِعْلِهِ المُؤَدِّي إلى رَفْعِهِ، وأنَّ عَدَمَهُ دَلِيلُ عَدَمِها دَلالَةُ انْتِفاءِ المُسَبِّبِ عَلى انْتِفاءِ سَبَبِهِ، وأنَّ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ هو المَشِيئَةُ، وأنَّ ما نُشاهِدُهُ مِنَ الأسْبابِ وسائِطُ مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ المُسَبِّبِ مِن حَيْثُ إنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، وكانَ مِن حَقِّهِ كَما قالَ أنْ يَقُولَ: ولَكِنَّهُ أعْرَضَ عَنْها، فَأُوقِعَ مَوْقِعَهُ ما ذُكِرَ مُبالَغَةً لِأنَّهُ كِنايَةٌ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وتَنْبِيهًا عَلى ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وأنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وما ألْطَفَ نِسْبَةَ إتْيانِ الآياتِ والرَّفْعِ إلَيْهِ تَعالى ونِسْبَةَ الِانْسِلاخِ والإخْلادِ إلى العَبْدِ مَعَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ فِيهِ مِن تَعْلِيمِ العِبادِ حُسْنَ الأدَبِ ما فِيهِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّهُمَّ: ««إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرَّ لَيْسَ إلَيْكَ»».
والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا رَأى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ مُخالِفٌ لِمَذْهَبِهِ دالٌّ عَلى وُقُوعِ الكائِناتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلى التَّأْوِيلِ، فَجَعَلَ المَشِيئَةَ مَجازًا عَنْ سَبَبِها وهو لُزُومُ العَمَلِ بِالآياتِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِدْراكِ بِما هو فِعْلُ العَبْدِ المُقابِلُ لِلُزُومِ الآياتِ وهو الإخْلادُ إلى الأرْضِ، أيْ: ولَوْ لَزِمَها لَرَفَعْناهُ وهو مِن قَبِيلِ نَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ والمَصِيرِ إلى المَجازِ قَبْلَ أوانِهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَوْ شِئْنا باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ و(أخْلَدَ إلى الأرْضِ) مَجازًا عَنْ سَبَبِهِ الَّذِي هو عَدَمُ مَشِيئَةِ الرَّفْعِ بَلِ الإخْلادِ، ولَمْ يَعْتَمِدْ عَلى عُكّازَتِهِ لِفَوْتِ المُقابَلَةِ حِينَئِذٍ، وفي الكَشْفِ أنَّ حَمْلَ المَشِيئَةِ عَلى ما هي مُسَبَّبَةٌ عَنْهُ في زَعْمِهِ لَيْسَ أوْلى مِن حَمْلِ الإخْلادِ عَلى ما هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ في زَعْمِنا. كَيْفَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ اسْتِدْراكٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ عَلى أنَّ الإخْلادَ هو المَيْلُ، والإرادَةُ والمَيْلُ ونَحْوُهُما مِنَ المَعانِي لَيْسَتْ مِن أفْعالِ العِبادِ بِالِاتِّفاقِ نَعَمْ الجَزْمُ المُقارِنُ مِن فِعْلِ القَلْبِ فِعْلُ القَلْبِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾
صفحة 115
يُؤَكِّدانِ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ أبْلَغَ تَأْكِيدٍ، ولَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لا يَعْبَأُ بِذَلِكَ؛ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أكْلُبٍ وكِلابٍ وكِلاباتٍ، كَما قالَ ابْنُ سِيدَهْ وكُلَيْبٌ كَعُبَيْدٍ وهو قَلِيلٌ، ويُجْمَعُ أكْلُبٌ عَلى أكالِبَ، وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الخَساسَةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ العَذِرَةَ ويَرْجِعُ في قَيْئِهِ، والجِيفَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّحْمِ الغَرِيضِ، نَعَمْ وهو أحْسَنُ مِنَ الرَّجُلِ السُّوءِ، ومِمّا يُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
لَيْتَ الكِلابَ لَنا كانَتْ مُجاوِرَةً ولَيْتَنا ما نَرى مِمَّنْ نَرى أحَدا
إنَّ الكِلابَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لَيْسَ بِهادٍ شَرُّهم أبَدا
وفِي شُعَبِ الإيمانِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ الفَقِيهِ مَنصُورٍ أنَّهُ كانَ يُنْشِدُ لِنَفْسِهِ:
الكَلْبُ أحْسَنُ عِشْرَةً ∗∗∗ وهو النِّهايَةُ في الخَساسَةْ
مِمَّنْ يُنازِعُ في الرِّياسَةِ ∗∗∗ قَبْلَ أوْقاتِ الرِّياسَةْ
والمَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ فَصِفَتُهُ كَصِفَةِ الكَلْبِ، وقِيلَ المُرادُ: أنَّهُ كالكَلْبِ في الخِسَّةِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: شَدَدْتَ عَلَيْهِ وطَرَدْتَهُ يَلْهَثُ.
﴿أوْ تَتْرُكْهُ﴾ عَلى حالِهِ ﴿يَلْهَثْ﴾ أيْ: إنَّهُ دائِمُ اللَّهْثِ عَلى كُلِّ حالٍ، واللَّهْثُ إدْلاعُ اللِّسانِ بِالنَّفَسِ الشَّدِيدِ؛ وذَلِكَ طَبْعٌ في الكَلْبِ لا يَقْدِرُ عَلى نَغْصِ الهَواءِ المُتَسَخِّنِ وجَلْبِ الهَواءِ البارِدِ بِسُهُولَةٍ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وانْقِطاعِ فُؤادِهِ بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ فَإنَّها لا تَحْتاجُ إلى النَّفَسِ الشَّدِيدِ ولا يَلْحَقُها الكَرْبُ والمُضايَقَةُ إلّا عِنْدَ التَّعَبِ والإعْياءِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: فَصارَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ إلَخْ لِلْإيذانِ بِدَوامِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ وكَمالِ اسْتِمْرارِهِ عَلَيْها، والخِطابُ في فِعْلَيِ الشَّرْطِ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ فَإنَّهُ أدْخَلُ في إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِ، والجُمْلَتانِ الشَّرْطِيَّتانِ قِيلَ: لا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّهُما تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في المِثالِ وتَفْسِيرٌ لِما أُبْهِمَ فِيهِ بَيانُ وجْهِ الشَّبَهِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أثَرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكَلْبِ بِناءً عَلى تَحَوُّلِهِما إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ كَما تَحَوَّلَ الِاسْتِفْهامُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لاهِثًا في الحالَيْنِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما قَدَّمْنا تَقَعُ حالًا مُطْلَقًا، وقالَ صاحِبُ الضَّوْءِ: إنَّها لا تَكادُ تَقَعُ كَذَلِكَ بِتَمامِها، بَلْ إذا أُرِيدَ وُقُوعُها حالًا جُعِلَتْ خَبَرًا عَنْ ذِي الحالِ نَحْوَ: جاءَنِي زَيْدٌ؛ وهو إنْ تَسْألْهُ يُعْطِكَ، فَتَجْعَلُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مَعَ الواوِ لِأنَّ الشَّرْطَ لِصَدارَتِهِ لا يَكادُ يَرْتَبِطُ بِما قَبْلَهُ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ فَضْلُ قُوَّةٍ. نَعَمْ يَجُوزُ إذا أخْرَجْتَها عَنْ حَقِيقَتِها سَواءٌ عُطِفَ عَلَيْها النَّقِيضُ وحِينَئِذٍ يَجِبُ تَرْكُ الواوِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ أوْ لَمْ يُعْطَفْ وحِينَئِذٍ يَجِبُ الواوُ لِئَلّا يَحْصُلَ الِالتِباسُ بِالشَّرْطِ الحَقِيقِيِّ نَحْوَ: آتِيكَ وإنْ لَمْ تَأْتِنِي، والتَّشْبِيهُ قِيلَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ بِالمُفْرَدِ، وقِيلَ -وعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ-: إنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا عَراهُ بَعْدَ الِانْسِلاخِ مِن سُوءِ الحالِ واضْطِرامِ القَلْبِ ودَوامِ القَلِقِ والِاضْطِرابِ وعَدَمِ الِاسْتِراحَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا ذُكِرَ في حالِ الكَلْبِ، وجاءَ -وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا- أنَّ بِلْعامَ لَمّا دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ لِسانُهُ فَتَدَلّى عَلى صَدْرِهِ وجَعَلَ يَلْهَثُ كالكَلْبِ إلى أنْ هَلَكَ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ إمّا عَقْلِيٌّ أوْ حِسِّيٌّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفِ الكَلْبِ أوِ المُنْسَلِخِ مِنَ الآياتِ وما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِالبُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة 116
﴿مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يُرِيدُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أهْلَ مَكَّةَ؛ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ هادِيًا يَهْدِيهِمْ وداعِيًا يَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لَمّا جاءَهم مَن لا يَشُكُّونَ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوِ اليَهُودَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ حَيْثُ قَرَؤُوا نَعْتَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّوْراةِ، وذَكَرَ القُرْآنُ المُعْجِزُ وما فِيهِ فَصَدَّقُوهُ وبَشَّرُوا النّاسَ بِاقْتِرابِ مَبْعَثِهِ وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فانْسَلَخُوا مِن حُكْمِ التَّوْراةِ، أوِ الأعَمُّ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا العُنْوانِ كَما في الخازِنِ وبِهِ أقُولُ، ويَدْخُلُ اليَهُودُ في ذَلِكَ أوَّلِيًّا.
﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالسَّلْبِ، واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها أيْ: إذا تَحَقَّقَ أنَّ المَثَلَ المَذْكُورَ مِثْلُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ فاقْصُصْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَنْزَجِرُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: فاقْصُصْ راجِيًا لِتَفَكُّرِهم أوْ رَجاءً لِتَفَكُّرِهم.
الأعراف 7:177
﴿ساءَ مَثَلا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ البَيانِ السّابِقِ، وساءَ بِمَعْنى بِئْسَ وفاعِلُها مُضْمَرٌ ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، ويُسْتَغْنى بِتَذْكِيرِ التَّمْيِيزِ وجَمْعِهِ وغَيْرِهِما عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِالضَّمِيرِ، وأصْلُها التَّعَدِّي لِواحِدٍ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وحَيْثُ وجَبَ صِدْقُ الفاعِلِ والتَّمْيِيزُ والمَخْصُوصُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ والمَثَلُ مُغايِرٌ لِلْقَوْمِ لَزِمَ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ مِنَ المَخْصُوصِ وهو الظّاهِرُ أوِ التَّمْيِيزُ أيْ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، أوْ ساءَ أهْلٌ مَثَلُ القَوْمِ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ قُرِئَ بِإضافَةِ (مَثَلُ) بِفَتْحَتَيْنِ و(مِثْلُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ لِلْقَوْمِ ورَفْعِهِ فَساءَ لِلتَّعَجُّبِ وتَقْدِيرُها عَلى فِعْلٍ بِالضَّمِّ كَ قَضَوَ الرَّجُلُ و(مَثَلُ القَوْمِ) فاعِلٌ، أيْ: ما أسْوَأهُمْ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ أوْ هي بِمَعْنى بِئْسَ (ومَثَلُ) فاعِلٌ، والمَوْصُولُ هو المَخْصُوصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَثَلُ الَّذِينَ إلَخْ.
وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ في هَذِهِ القِراءَةِ تَمْيِيزًا، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ إذا كانَ الفاعِلُ ظاهِرًا حَتّى جَعَلُوا الجَمْعَ بَيْنَهُما ضَرُورَةً، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: المَنعُ مُطْلَقًا، والجَوازُ كَذَلِكَ، والتَّفْصِيلُ؛ فَإنْ كانَ مُغايِرًا جازَ نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ شُجاعًا زَيْدٌ، وإلّا امْتَنَعَ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا وفي كَوْنِهِ ما هو خِلافٌ وإعادَةُ القَوْمِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُهم لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ السُّوءِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِيَرْبُطَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِهِ فَإنَّهُ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ بِمَعْنى جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ قَبِيحَيْنِ التَّكْذِيبِ وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم خاصَّةً أوْ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم فَإنَّ وبالَها لا يَتَخَطّاها، وأيًّا ما كانَ فَفي ذَلِكَ لَمْحٌ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ بِها، وأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مُعْتَبَرٌ في القَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّقْدِيمِ، وصَرَّحَ الطِّيبِيُّ والقُطْبُ وغَيْرُهُما أنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ تَذْيِيلٌ وتَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى التَّخْصِيصِ وأنَّ سَبَبَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم هو التَّكْذِيبُ، وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، هَذا ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآياتِ مِمّا تَرْمِي عُلَماءَ السُّوءِ بِثالِثَةِ الأثافِي، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ ثَراهُ أنَّ مَن تَفَكَّرَ في هَذا المَثَلِ وسائِرِ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ في التَّنْزِيلِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ والأصْنامِ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ والذُّبابِ تَحَقَّقَ
صفحة 117
لَهُ أنَّ عُلَماءَ السُّوءِ أسْوَأُ وأقْبَحُ مِن ذَلِكَ، فَما أنْعاهُ مِن مَثَلٍ عَلَيْهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ التَّهالُكِ في الدُّنْيا مالِها وجاهِها والرُّكُونِ إلى لَذّاتِها وشَهَواتِها مِن مُتابَعَةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ وإرْخاءِ زِمامِها في مَرامِها عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ.
ونُقِلَ عَنْ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ شِهابِ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيِّ أنَّهُ كَتَبَ إلى الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ تَغَمَّدَهُما اللَّهُ تَعالى بِرِضْوانِهِ مِن تَعَيُّنٍ في الزَّمانِ لِنَشْرِ العِلْمِ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْمُتَيَقِّظِينَ الحُذّاقِ مِن أرْبابِ الدِّياناتِ أنْ يَمُدُّوهُ بِالدُّعاءِ الصّالِحِ لِيُصَفِّيَ اللَّهُ تَعالى مَوْرِدَ عِلْمِهِ بِحَقائِقِ التَّقْوى ومَصْدَرَهُ مِن شَوائِبِ الهَوى إذْ قَطْرَةٌ مِنَ الهَوى تُكَدِّرُ بَحْرًا مِنَ العِلْمِ ونَوازِعِ الهَوى المَرْكُوزِ في النُّفُوسِ المُسْتَصْحِبَةِ إيّاهُ مِن مَحْتِدِها مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إذا شابَتِ العِلْمَ حَطَّتْهُ مِن أوْجُهٍ، وإذا صَفَتْ مَصادِرُ العِلْمِ ومَوارِدُهُ مِنَ الهَوى أمَدَّتْهُ كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يَنْفَدُ البَحْرُ دُونَ نَفادِها، ويَبْقى العِلْمُ عَلى كَمالِ قُوَّتِهِ، وهَذِهِ رُتْبَةُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ لا المُتَرَسِّمِينَ بِهِ، وهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَرَّ عَمَلُهم عَلى عِلْمِهِمْ وتَناوَبَ العِلْمُ والعَمَلُ فِيهِمْ حَتّى صَفَتْ أعْمالُهم ولَطَفَتْ وصارَتْ مُسامَراتٍ سِرِّيَّةً ومُحاوَراتٍ رُوحِيَّةً وتَشَكَّلَتِ الأعْمالُ بِالعُلُومِ لِمَكانِ لَطافَتِها وتَشَكَّلَتِ العُلُومُ بِالأعْمالِ لِقُوَّةِ فِعْلِها وسَرايَتِها إلى الِاسْتِعْداداتِ، وفي اتِّباعِ الهَوى إخْلادٌ إلى الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ فَتَطْهِيرُ نُورِ الفِكْرَةِ عَنْ رَذائِلِ التَّخَيُّلاتِ والِارْتِهانِ بِالمَوْهُوماتِ الَّتِي أوْرَثَتِ العُقُولَ الصِّغارَ والمُداهَنَةُ لِلنُّفُوسِ القاصِرَةِ هو مِن شَأْنِ البالِغِينَ مِنَ الرِّجالِ فَتَصْحَبُ نُفُوسُهُمُ الطّاهِرَةُ المَلَأ الأعْلى فَتَسْرَحُ في مَيادِينِ القُدُسِ، فالنَّزاهَةُ مِن مِحْنَةِ حُطامِ الدُّنْيا والفِرارُ مِنَ اسْتِحْلاءِ نَظَرِ الخَلْقِ وعَقائِدِهِمْ فَتِلْكَ مُصارِعُ الأدْوانِ، وطالِبُ الرَّفِيقِ الأعْلى مُكَلَّمٌ مُحَدَّثٌ، والتَّعْرِيفاتُ الإلَهِيَّةُ وارِدَةٌ عَلَيْهِ لِمَكانِ عِلْمِهِ بِصُورَةِ الِابْتِلاءِ واسْتِئْصالِهِ شَأْفَةَ الِابْتِلاءِ بِصِدْقِ الِالتِجاءِ وكَثْرَةِ وُلُوجِهِ في حَرِيمِ القُرْبِ الإلَهِيِّ وانْغِماسِهِ مَعَ الأنْفاسِ في بِحارِ عَيْنِ اليَقِينِ وغَسْلِهِ نَفْثَ دَلائِلِ البُرْهانِ بِنُورِ العِيانِ فالبُرْهانُ لِلْأفْكارِ لا لِلْأسْرارِ إلى آخِرِ ما قالَ، ويا لَها مِن مَوْعِظَةِ حَكِيمٍ ونَصِيحَةِ حَمِيمٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهْدِيَنا لِما أشارَتْ إلَيْهِ.
الأعراف 7:178
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ السّابِقَةُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ. وقالَ آخَرُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُصَّ عَلى أُولَئِكَ الضّالِّينَ قَصَصَ أخِيهِمْ لِيَتَفَكَّرُوا ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ لِكَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ المُكَلَّفِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، والمُرادُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ ما يُوجِبُ الِاهْتِداءَ قَطْعًا لا لِأنَّ حَقِيقَتَها الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأصْحابِ بَلْ لِأنَّها الفَرْدُ الكامِلُ مِن حَقِيقَةِ الهِدايَةِ الَّتِي هي الدَّلالَةُ إلى ما يُوصِلُ لِإسْنادِها إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْرِيعِ الِاهْتِداءِ عَلَيْها ومُقابَلَتِها بِالضَّلالِ وما مَعَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُها الِاهْتِداءُ فَيَكُونُ الإخْبارُ بِاهْتِداءِ مَن هُداهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما قِيلَ عَلى حَدِّ الأخْبارِ في - شِعْرِي شِعْرِي - وهو يُفِيدُ تَعْظِيمَ شَأْنِ الِاهْتِداءِ وأنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ، وأنَّهُ كافٍ في نَيْلِ كُلِّ شَرَفٍ في الأُولى والعُقْبى.
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِما ذُكِرَ لِيُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإفادَةِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ ويُصارَ إلى تَوْجِيهِهِ بِذَلِكَ بَلْ هو قَصْرُ الِاهْتِداءِ عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى حَسْبَما يَقْضِي بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ، فالمَعْنى مَن يَخْلُقُ
صفحة 118
فِيهِ الِاهْتِداءَ فَهو المُهْتَدِي لا غَيْرَ كائِنًا مَن كانَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمُقابِلِ، وإفْرادُ المُهْتَدِي رِعايَةً لِلَفْظِ (مَن)، وجَمْعُ الخاسِرِينَ رِعايَةً لِمَعْناها لِلْإيذانِ بِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ وطُرُقَ الضَّلالِ مُتَشَعِّبَةٌ، وفي الآيَةِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَسُبْحانَ مَن أضَلَّ المُعْتَزِلَةَ.
الأعراف 7:179
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ، والذَّرْأُ بِالهَمْزَةِ الخَلْقُ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرُهُ أيْ: واللَّهِ تَعالى لَقَدْ خَلَقْنا: ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ:
لَهُ مَلَكٌ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ
وفِي الكَشّافِ أنَّهم جُعِلُوا لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في المُوجِباتِ وتَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِها، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ اليَهُودِ بَعْدَ ما عَدَّ مِن قَبائِحِهِمْ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ الَّذِينَ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الإنْذارُ فَدَعْهم واشْتَغِلْ بِأمْرِ نَفْسِكَ ومَن هو عَلى دِينِكَ في لُزُومِ التَّوْحِيدِ، والآيَةُ عَلى ما قالَ مِن بابِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ عِنْدَ القُطْبِ قُدِّسَ سِرُّهُ، ويُفْهِمُ كَلامُهُ أنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى ذَلِكَ لُزُومُ كَوْنِ الكُفْرِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى إذا أُرِيدَ الظّاهِرُ وهو خِلافُ مَذْهَبِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَثِيرَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِحَمْلِ اللّامِ عَلى ما عَلِمْتَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَإنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ بِالعِبادِ يَأْبى تَعْلِيلَهُ بِجَهَنَّمَ ودُخُولِها، نَعَمْ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنّا إلى الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ وكَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ، وادَّعى أُناسٌ أنَّ التَّأْوِيلَ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في البابِ كَبَعْضِ الأحادِيثِ السّابِقَةِ في آيَةِ أخْذِ المِيثاقِ، وما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أخَذَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي، قالَ قائِلٌ: فَعَلى ماذا العَمَلُ؟ قالَ: عَلى مُوافَقَةِ القَدَرِ»».
وما أخْرَجَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ «عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: أدْرَكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِنازَةَ صَبِيٍّ مِن صِبْيانِ الأنْصارِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُدْرِيكِ؛ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الطِّيبِيُّ وأيَّدَهُ بِما أيَّدَهُ وادَّعى أنَّ فائِدَةَ القَسَمِ التَّنْبِيهُ عَلى قَلْعِ شُبَهِ مَن عَسى أنْ يَتَصَدّى لِتَأْوِيلِ الآيَةِ وتَحْرِيفِ النَّصِّ القاطِعِ، ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ لِصِحَّةِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ وإرادَةِ الكائِناتِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِجَهَنَّمَ ولا مَزِيدَ لِبَيانِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وفي الكِتابِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِمّا يُوافِقُها عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الحَقِيقِيَّ لِأفْعالِهِ تَعالى يَمْنَعُ عَنْهُ في المَشْهُورِ الإمامُ الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ.
وقالَ بَعْضُ الجُلَّةِ: المُرادُ بِالكَثِيرِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ ولَكِنْ لا بِطْرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ
صفحة 119
أبَدًا بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِجَهَنَّمَ كَما أنَّ جَمْعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ انْتَهى، وعِنْدِي أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّأْوِيلِ في هَذا المَقامِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ، ثُمَّ إنَّ الجارَّ الأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بِما بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْهُما إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَثِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجِنِّ لِأنَّهم أعْرَفُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا ولا يُشْكِلُ أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النّارِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُخُولُها ولا يَضُرُّهم شَيْئًا؛ لِأنّا نَقُولُ في دَفْعِ ذَلِكَ عَلى عِلّاتِهِ، خَلْقُهم مِنَ النّارِ بِمَعْنى أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ الجُزْءُ النّارِيُّ لا يَأْبى تَضَرُّرَهم بِها؛ فَإنَّ الإنْسَ خُلِقُوا مِنَ الطِّينِ ويَتَضَرَّرُونَ بِهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ النّارِ لَمْ تَبْقَ فِيهِمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها كَما أنَّ حَقِيقَةَ الطِّينِ لَمْ تَبْقَ في الإنْسِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِنها، عَلى أنَّ المَخْلُوقَ مِن نارٍ هو البَدَنُ والمُعَذَّبُ هو الرُّوحُ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنها، وعَذابُ الرُّوحِ في قالَبٍ نارِيٍّ مَعْقُولٍ كَعَذابِها في قالَبٍ طِينِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٍ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، أوْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها كَذَلِكَ، وأُرِيدَ بِالقَلْبِ اللَّطِيفَةُ الإنْسانِيَّةُ، وبِالفِقْهِ الفَهْمُ وهو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَهُ، يُقالُ: فَقِهَ بِالكَسْرِ أيْ: فَهِمَ. وفَقُهَ بِالضَّمِّ إذا صارَ فَقِيهًا أيْ فَهِمًا أوْ عالِمًا بِالفِقْهِ بِالمَعْنى العُرْفِيِّ المُبَيَّنِ في كُتُبِ الأُصُولِ، والفِعْلُ هُنا مُتَعَدٍّ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْهَمُوا بِها شَيْئًا مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُفْهَمَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ فَيُقالُ: المُرادُ لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ حَيْثُ يُرادُ لا يَسْمَعُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ عَلى طَرْزِ ما سَلَفَ، وأمْرُ الوَصِيفَةِ في الأخِيرَيْنِ مِثْلُهُ في الأوَّلِ، والمُرادُ بِالإبْصارِ والسَّماعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ، وجاءَ في كَلامِهِمْ نَحْوُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ الخَنا. أيْ: لا يَعْتَنِي بِهِ ولا يَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ ولا يَقْبَلُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وعَوْراءُ الكَلامِ صَمَمْتُ عَنْها ∗∗∗ وإنِّي لَوْ أشاءُ لَها سَمِيعُ
وفِي إعادَةِ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى مِن تَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وكَذا في إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم ثُمَّ وصْفِ كُلٍّ بِما وُصِفَ بِهِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما لا يَخْفى عَلى ما قِيلَ مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ، وتَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ
صفحة 120
واعْتِبارُ حَذْفِ المَفْعُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ هو الَّذِي اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما فِيهِ مِنَ الإفْصاحِ بِكُنْهِ حالِهِمْ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّخْصِيصَ أيْ: لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ ودَلائِلَهُ ولا يُبْصِرُونَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى إبْصارَ اعْتِبارٍ، ولا يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا ما خَلَقَ لَهم لِما لَهُ فَكَأنَّهم خُلِقُوا كَذَلِكَ، ولَوْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ ولَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ، ومَنِ ادَّعاها قالَ: إنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إفاضَةِ الحَكِيمِ حَسْبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ فالذَّمُّ بِذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى سُوءِ الِاسْتِعْدادِ لِأنَّهُ كالأثَرِ لَهُ، وبِالجُمْلَةِ لا تَقُومُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْجَبْرِ الصِّرْفِ ولَوْ ضُمَّ إلَيْها ما قَبْلُ، والجَبْرُ المُتَوَسِّطُ مِمّا قالَ بِهِ أهْلُ الحَقِّ وهو لَبَنٌ خالِصٌ أُخْرِجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، وحاصِلُهُ عِنْدَ بَعْضِ المَشايِخِ أنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ، ولَعَلَّ كَلامَ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ حَيْثُ قالَ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ فَعَلْتُ وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ تَرَكْتُ فَيَكُونُ فِعْلِي حاصِلًا بِي لا بِغَيْرِي، أجَبْنا وقُلْنا: هَبْ أنَّكَ وجَدْتَ مِن نَفْسِكَ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: وهَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَشاءَ شِئْتَ وإنْ شِئْتَ أنْ لا تَشَأ لَمْ تَشَأْ؟ ما أظُنُّكَ تَقُولُ ذَلِكَ وإلّا لَذَهَبَ الأمْرُ فِيهِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا مَشِيئَتُكَ بِكَ ولا حُصُولُ فِعْلِكَ بَعْدَ حُصُولِ مَشِيئَتِكَ بِكَ، وإنَّما أنْتَ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ. انْتَهى. يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْنا، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا الكَلامَ في هَذا البَحْثِ في كِتابِنا الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ، وهو لَعَمْرِي مِن مُشْكِلاتِ المَباحِثِ الَّتِي سَألَ عَنْها الإيرانِيُّونَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ ﴿كالأنْعامِ﴾ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقِيلَ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها وكَأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ مُدْرَكٌ مِمّا قَبْلُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لَهُ فَلِذا فُصِلَتْ عَنْهُ.
﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنَ الأنْعامِ لِأنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ فَتَجْهَدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ ما يُمْكِنُها، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الألِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّها إذا زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وإذا أُرْشِدَتْ إلى طَرِيقٍ اهْتَدَتْ، وهَؤُلاءِ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ. وقِيلَ: لِأنَّها لَمْ تُعْطَ قُدْرَةً عَلى تَحْصِيلِ الفَضائِلِ وهَؤُلاءِ أُعْطُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أُعْطُوا، ولِأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ مُطِيعَةً لَمْ تَكُنْ عاصِيَةً وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم ولا يَذْكُرُونَهُ ولا يُطِيعُونَهُ، وبِالجُمْلَةِ كَوْنُ هَؤُلاءِ أضَلَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، ووُجُوهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ كَما لا يَخْفى.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم. وقالَ عَطاءٌ: عَمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الجُمْلَةَ كالبَيانِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها فَلِذا فُصِلَتْ عَنْها
الأعراف 7:180
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ قِيلَ: تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعالى وكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بِذَلِكَ الغافِلِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أثَرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمِ التّامَّةِ وضَلالَتِهِمُ التّامَّةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهٌ آخَرُ لِذِكْرِ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالأسْماءِ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وغَيْرُهُ الألْفاظُ المَصُوغَةُ الدّالَّةُ عَلى المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها:
صفحة 121
وقِيلَ: المُرادُ بِالأسْماءِ الصِّفاتُ ويَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ طارَ اسْمُهُ في البِلادِ أيْ: صِيتُهُ ونَعْتُهُ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ لِأنَّهُ إمّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُهُ زَيْدًا أوْ بِزَيْدٍ أيْ سَمَّيْتُهُ أوْ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى النِّداءِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُ زَيْدًا أيْ: نادَيْتُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إنَّما يُلائِمُ ظاهِرَ المَعْنى الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ.
﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ أيْ: يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ فِيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ يُقالُ: ألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ والِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ لِكَوْنِهِ في جانِبِهِ بِخِلافِ الضَّرِيحِ فَإنَّهُ في وسَطِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي فُصِّلَتْ: (يَلْحَدُونَ) بِالفَتْحِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، والمَعْنى واحِدٌ، ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ أنَّ ألْحَدَ بِمَعْنى مارى وجادَلَ، ولَحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، واخْتارَ الواحِدِيُّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالَ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لاحِدٍ بِمَعْنى مُلْحِدٍ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أنْ يُسَمّى بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، أوْ بِما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَما في قَوْلِ أهْلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِمِ، يا أبْيَضَ الوَجْهِ، يا سَخِيُّ ونَحْوَ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالتَّرْكِ المَأْمُورِ بِهِ الِاجْتِنابُ عَنْ ذَلِكَ، وبِأسْمائِهِ ما أطْلَقُوهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَمَّوْهُ بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ لا أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَرْكُ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: يُلْحِدُونَ بِها، وما قِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِالأسْماءِ التَّسْمِياتُ فَلِذا تَرْكُ الإضْمارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومَن فَسَّرَ الإلْحادَ في الأسْماءِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ إلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ يُراعى فِيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ فَكُلُّ اسْمٍ ورَدَ في هَذِهِ الأُصُولِ جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وما لَمْ يَرِدْ فِيها لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، وبِهَذا صَرَّحَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في مَفاتِيحِ الحُجَجِ ومَصابِيحِ النُّهَجِ، وفي أبْكارِ الأفْكارِ لِلْآمِدِيِّ لَيْسَ مَأْخَذُ جَوازِ تَسْمِياتِ الأسْماءِ الحُسْنى دَلِيلًا عَقْلِيًّا ولا قِياسًا لَفْظِيًّا، وإلّا لَكانَ تَسْمِيَةُ الرَّبِّ تَعالى فَقِيهًا عاقِلًا مَعَ صِحَّةِ مَعانِي هَذِهِ التَّسْمِياتِ في حَقِّهِ وهي العِلْمُ والفِقْهُ أوْلى مِن تَسْمِيَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِكَثِيرٍ مِمّا يُشْكِلُ ظاهِرُهُ بَلْ مَأْخَذُ ذَلِكَ إنَّما هُوَ: الإطْلاقُ والإذْنُ مِنَ الشّارِعِ فَكُلُّ ما ورَدَ الإذْنُ بِهِ مِنهُ جَوَّزْناهُ وما ورَدَ المَنعُ مِنهُ مَنَعْناهُ وما لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إطْلاقٌ ولا مَنعٌ فَقَدْ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا بِالمَنعِ مِنهُ ولَيْسَ القَوْلُ بِالمَنعِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِالجَوازِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ؛ إذِ المَنعُ والجَوازُ حُكْمانِ، ولَيْسَ إثْباتُ أحَدِهِما مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الآخَرِ بَلِ الحَقُّ في ذَلِكَ هو الوَقْفُ وهو أنّا لا نَحْكُمُ بِجَوازٍ ولا مَنعٍ والمُتَّبَعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ الظَّواهِرُ الشَّرْعِيَّةُ كَما هو المُتَّبَعُ في سائِرِ الأحْكامِ وهو أنْ يَكُونَ ظاهِرًا في دَلالَتِهِ وفي صِحَّتِهِ ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَطْعُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأصْحابِ لِكَوْنِ المَنعِ والجَوازِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ حُكْمٍ وحُكْمٍ في اشْتِراطِ القَطْعِ في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأحْكامِ الأُصُولِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ والأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وخُلاصَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ عُلَماءَ الإسْلامِ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَلى البارِي تَعالى إذا ورَدَ بِها الإذْنُ مِنَ الشّارِعِ وعَلى امْتِناعِهِ إذا ورَدَ المَنعُ عَنْهُ، واخْتَلَفُوا حَيْثُ لا إذَنْ ولا مَنعَ في جَوازِ إطْلاقِ ما كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَّصِفًا بِمَعْناهُ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الأعْلامِ المَوْضُوعَةِ في سائِرِ اللُّغاتِ إذْ لَيْسَ جَوازُ إطْلاقِها عَلَيْهِ تَعالى مَحَلَّ نِزاعٍ لِأحَدٍ، ولَمْ يَكُنْ إطْلاقُهُ مُوهِمًا نَقْصًا بَلْ كانَ مُشْعِرًا بِالمَدْحِ، فَمَنَعَهُ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ مُطْلَقًا لِلْخَطَرِ، وجَوَّزَهُ المُعْتَزِلَةُ مُطْلَقًا، ومالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ لِشُيُوعِ إطْلاقِ نَحْوِ: خُدا وتَكْرى مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ورُدَّ بِأنَّ الإجْماعَ كافٍ في الإذْنِ الشَّرْعِيِّ إذا ثَبَتَ.
صفحة 122
واعْتَرَضَهُ أيْضًا إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِالقِياسِ وهو حُجَّةٌ في العَمَلِيّاتِ والأسْماءِ والصِّفاتِ مِنَ العَمَلِيّاتِ، ورَوى بَعْضُهم عَنْهُ التَّوَقُّفَ، وذَكَرَ في شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ القاضِيَ أبا بَكْرٍ ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ لَفْظٍ دَلَّ عَلى مَعْنًى ثابِتٍ لِلَّهِ تَعالى جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُوهِمًا لِما لا يَلِيقُ بِذاتِهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُقالُ: لا بُدَّ مَعَ نَفْيِ ذَلِكَ الإيهامِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ حَتّى يَصِحَّ الإطْلاقُ بِلا تَوَقُّفٍ وجَعْلِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ غَيْرَ مَذْهَبِهِ والمَشْهُورُ ما ذَكَرْناهُ.
وفَصَّلَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَجَوَّزَ إطْلاقَ الصِّفَةِ وهو ما دَلَّ عَلى مَعْنًى زائِدٍ عَلى الذّاتِ ومَنَعَ إطْلاقَ الِاسْمِ وهو ما يَدُلُّ عَلى نَفْسِ الذّاتِ مُحْتَجًّا بِإباحَةِ الصِّدْقِ واسْتِحْبابِهِ والصِّفَةِ لِتَضَمُّنِها النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ راجِعَةً إلَيْهِ وهي لا تَتَوَقَّفُ إلّا عَلى تَحَقُّقِ مَعْناها بِخِلافِ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يَتَضَمَّنُ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ وأنَّهُ لَيْسَ إلّا لِلْأبَوَيْنِ أوْ مَن يَجْرِي مَجْراهُما. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا مانَعَ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى تِلْكَ النِّسْبَةِ والخَطَرُ قائِمٌ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ؟
واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ قالُوا: فَيُطْلَقُ ما سُمِعَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سُمِعَ ولا يُتَجاوَزُ ذَلِكَ إلّا في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ سَواءٌ أوْهَمَ كالصَّبُورِ والشَّكُورِ والجَبّارِ والرَّحِيمِ أوْ لَمْ يُوهِمْ كالقادِرِ والعالِمِ، والمُرادُ بِالسَّمْعِيِّ ما ورَدَ بِهِ كِتابٌ أوْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ أوْ إجْماعٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُما في التَّحْقِيقِ بِخِلافِ الضَّعِيفَةِ، والقِياسُ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَسْألَةَ مِنَ العَمَلِيّاتِ أمّا إنْ قُلْنا: إنَّها مِنَ العَمَلِيّاتِ فالسُّنَّةُ الضَّعِيفَةُ كالحَسَنَةِ الواهِيَةِ جِدًّا، والقِياسُ كالإجْماعِ، وأطْلَقَ بَعْضُهُمُ المَنعَ في القِياسِ وهو الظّاهِرُ لِاحْتِمالِ إيهامِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ دُونَ الآخَرِ.
وجَعَلَ بَعْضُهم مِنَ الثّابِتِ بِالقِياسِ المُتَرادِفاتِ مِن لُغَةٍ أوْ لُغاتٍ، ولَيْسَ بِذاكَ، ومِنَ الثّابِتِ بِالإجْماعِ الصّانِعُ والمَوْجُودُ والواجِبُ القَدِيمُ، قِيلَ: والعِلَّةُ، وقِيلَ: الصّانِعُ والقَدِيمُ مَسْمُوعانِ كالحَنّانِ والمَنّانِ، ونَصَّ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّهُ يُمْنَعُ إطْلاقُ غَيْرِ المُضافِ إذا كانَ مُرادِفًا لِلْمُضافِ المَسْمُوعِ قِياسًا كَما يُمْنَعُ إطْلاقُ ما ورَدَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ والمَجازِ، وأنَّهُ لا يَكْفِي وُرُودُ الفِعْلِ والمَصْدَرِ ونَحْوِهِما في صِحَّةِ إطْلاقِ الوَصْفِ فَلا يُطْلَقُ الحارِثُ والزّارِعُ والرّامِي والمُسْتَهْزِئُ والمُنْزِلُ والماكِرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنْ جاءَتْ آياتٌ تُشْعِرُ بِذَلِكَ.
هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الألْفاظَ عَلى الصِّفاتِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ وهو أصْنافٌ:
مِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا لا مُضافًا نَحْوَ المَوْجُودِ والأزَلِيِّ والقَدِيمِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا ومُضافًا إلى ما لا هُجْنَةَ فِيهِ نَحْوَ المَلِكِ والمَوْلى والرَّبِّ والخالِقِ. ومِنها ما يَصِحُّ مُضافًا غَيْرَ مُفْرَدٍ نَحْوَ يا مُنْشِئَ الرُّفاتِ ومُقِيلَ العَثَراتِ، والثّانِي ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ مُمْتَنِعَةٍ نَحْوَ اليَدِ والوَجْهِ والنُّزُولِ والمَجِيءِ فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ البَتَّةَ، وإنْ ورَدَ بِهِ السَّمْعُ كانَ التَّأْوِيلُ مِنَ اللَّوازِمِ. والثّالِثُ ما لا يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ بَلْ يَدُلُّ عَلى مَعانٍ ثابِتَةٍ نَحْوَ المَكْرِ والخِداعِ وأمْثالِهِما فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ إلّا إذا ورَدَ التَّوْقِيفُ، ولا يُقالُ: يا مَكّارُ، يا خَدّاعُ البَتَّةَ وإنْ كانَ مَذْكُورًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ الحَقَّ الِاعْتِمادُ في الإطْلاقِ عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّوْقِيفِ، وأنَّ كُلَّ ما أذِنَ الشّارِعُ أنْ يُدْعى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سَواءٌ كانَ مُشْتَقًّا أوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ فَهو اسْمٌ، وكُلُّ ما نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ سَواءٌ كانَ مُؤَوَّلًا أوْ غَيْرَ مُؤَوَّلٍ فَهو وصْفٌ، وجَعَلَ الحَيَّ وصْفًا والكِرِيمَ اسْمًا، وادَّعى أنَّهُ يُقالُ: يا كَرِيمُ، ولا يُقالُ: يا حَيُّ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، مِن
صفحة 123
حَدِيثِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««اللَّهُ تَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَهُ أنْ يَرُدَّها صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيها خَيْرًا»» .
وذَكَرَ أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَعْهُودِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَ بِالدُّعاءِ بِها ونَهى عَنِ الدُّعاءِ بِغَيْرِها وأوْعَدَ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ» وفي رِوايَةٍ: أحْصاها،» وفي أُخْرى: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا»».
وأُوتِيَ فِيهِ بِالفَذْلَكَةِ والتَّأْكِيدِ لِئَلّا يُزادَ عَلى ما ورَدَ. وجاءَتْ مَعْدُودَةً في بَعْضِ الرِّواياتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ الغَفّارُ القَهّارُ الوَهّابُ الرَّزّاقُ الفَتّاحُ العَلِيمُ القابِضُ الباسِطُ الخافِضُ الرّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الواسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ الباعِثُ الشَّهِيدُ الحَقُّ الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِئُ المُعِيدُ المُحْيِيُ المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الواجِدُ الماجِدُ الواحِدُ الصَّمَدُ القادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظّاهِرُ الباطِنُ الوالِي المُتَعالِ البَرُّ التَّوّابُ المُنْتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوفُ مالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ المُقْسِطُ الجامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المانِعُ الضّارُّ النّافِعُ النُّورُ الهادِي البَدِيعُ الباقِي الوارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ»».
ونُقِلَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم غَيْرُ ذَلِكَ وأخَذُوها مِنَ القُرْآنِ وجاءَ أيْضًا عِنْدَنا ما يُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ في بَعْضِ الأسْماءِ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ، ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ. ومِنها ما اخْتُلِفَ في رُجُوعِهِ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ وعَدَمِ رُجُوعِهِ، وهو اللَّهُ، والحَقُّ أنَّهُ اسْمٌ لِلذّاتِ وهو الَّذِي إلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، وتَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرى إلى ما لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كاللَّهِ والرَّحْمَنِ وما يَجُوزُ كالرَّحِيمِ والكَرِيمِ وإلى ما يُباحُ ذِكْرُهُ وحْدَهُ كَأكْثَرِها، وإلى ما لا يُباحُ ذِكْرُهُ كَذَلِكَ كالمُمِيتِ والضّارِّ فَإنَّهُ لا يُقالُ: يا مُمِيتُ يا ضارُّ بَلْ يُقالُ: يا مُحْيِي يا مُمِيتُ ويا نافِعُ يا ضارُّ، والَّذِي أراهُ أنَّهُ لا حَصْرَ لِأسْمائِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ في التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أصابَهُ هَمٌّ أوْ حَزَنٌ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ ناصِيَتِي في يَدِكَ ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ لَهُ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ونُورَ صَدْرِي وذَهابَ هَمِّي وجَلاءَ حُزْنِي»» الحَدِيثَ.
وهُوَ صَرِيحٌ في عَدَمِ الحَصْرِ لِمَكانِ أوْ وأوْ.
وحَكى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ الإخْبارُ بِأنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ وهو لا يُنافِي أنَّ لَهُ تَعالى أسْماءً غَيْرَها غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِذَلِكَ. ونَقَلَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ألْفَ اسْمٍ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَلِيلٌ وهو كَما قالَ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها أرْبَعَةُ آلافٍ، وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّها لا تَكادُ تُحْصى، والمُخْتارُ عِنْدِي عَدَمُ تَوَقُّفِ إطْلاقِ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الرّاجِعَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وكَذا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ عَلَيْهِ تَعالى عَلى التَّوْقِيفِ الخاصِّ بَلْ يَصِحُّ الإطْلاقُ بِدُونِهِ لَكِنْ بَعْدَ التَّحَرِّي التّامِّ، وبِذَلِكَ الوُسْعِ فِيما هو نَصٌّ في التَّعْظِيمِ والتَّحَفُّظِ إلى الغايَةِ عَمّا يُوهِمُ أدْنى أدْنى نَقْصٍ
صفحة 124
مَعاذَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنّا مَأْذُونُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِالأقْوالِ والأفْعالِ ولَمْ يُحَدَّ لَنا حَدٌّ فِيهِ، فَمَتى كانَ في الإطْلاقِ تَعْظِيمٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ كانَ مَأْذُونًا بِهِ، والتَّكْلِيفُ مَنُوطٌ بِالوُسْعِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ فَبَعْدَ بَذْلِ الوُسْعِ في التَّعْظِيمِ يَرْتَفِعُ الحَرَجُ.
وحَدِيثُ الخَطَرِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَسْتَدْعِي أنْ لا يَصِحَّ إلّا إطْلاقُ ما ثَبَتَ تَواتُرًا إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إطْلاقِهِ لِأنَّ الثُّبُوتَ فِيما عَدا ذَلِكَ ظَنِّيٌّ والخَطَرُ فِيهِ يَقِينِيٌّ، والأسْماءُ المُتَقَدِّمَةُ آنِفًا لَمْ يُوجَدْ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرُها، وهي مَشْهُورَةٌ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وقَدْ قالَ: إنَّهُ حَدَّثَنا بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ وهو ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَثْبُتُ بِهِ اليَقِينُ بَلْ ولا بِمِثْلِهِ ومِثْلِهِ، عَلى أنَّ عَدَّ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ لِلتِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ وكَذا غَيْرُهم كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ يُخالِفُ هَذا العَدَّ، وسَنَدُ ذَلِكَ الخَبَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في المَتانَةِ كَسَنَدِ هَذا إلّا أنَّهُ لا أقَلَّ يُورِثُ الشُّبْهَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: حَصَلَ الإجْماعُ عَلى ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، دُونَ ما في حَدِيثِ غَيْرِهِ المُخالِفِ لَهُ، لَكِنْ لَمْ أقِفْ عَلى مَن حَكى ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأسْماءَ المَأْخُوذَةَ مِمّا ذَكَرْنا لا مانِعَ مِنَ الدُّعاءِ بِها ومِن إجْرائِها إخْبارًا عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ أوْصافًا لَهُ جَلَّ وعَزَّ، وكُلُّها حُسْنى، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّها بِالمَعْنى المُرادِ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا اخْتِصاصَ الِاسْمِ ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ بِالمَعْنى المُرادِ مِنها حالَ إطْلاقِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما تُطْلَقُ عَلى الغَيْرِ بِمَعْنًى آخَرَ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ المَعْنى إلّا كَما بَيْنَ السَّوادِ والبَياضِ؛ فَإنَّ بَيْنَهُما غايَةَ البُعْدِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ بُعْدٌ فَوْقَهُ، لَكِنَّهُما مُتَشارِكانِ في العَرْضِيَّةِ واللَّوْنِيَّةِ والمُدْرَكِيَّةِ بِالبَصَرِ وأُمُورٍ أُخَرَ سِوى ذَلِكَ، وبِهَذا لا يُعَدُّ البَياضُ مُماثِلًا لِلسَّوادِ أوْ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُشارَكَةِ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ وهي مَفْقُودَةٌ هُنا وكَذا هي مَفْقُودَةٌ بَيْنَ العَلَمِ مَثَلًا الَّذِي يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ والعَلَمِ الَّذِي يُوصَفُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ ولا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وماهِيَّتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما لا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ. نَعَمْ لَوْ قالَ قائِلٌ: لا أعْرِفُ إلّا اللَّهَ تَعالى صَدَقَ، ولَكِنْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ونِهايَةُ مَعْرِفَةِ العارِفِينَ العَجْزُ عَنِ المَعْرِفَةِ، ومَعْرِفَتُهم بِالحَقِيقَةِ أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، فَإذا انْكَشَفَ لَهم ذَلِكَ فَقَدْ عَرَفُوا وبَلَغُوا المُنْتَهى الَّذِي يُمْكِنُ في حَقِّ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ. بَلْ هو الَّذِي عَناهُ سَيِّدُ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»».
فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ: إنِّي لا أُحِيطُ بِمَحامِدِكَ وصِفاتِ إلَهِيَّتِكَ وإنَّما أنْتَ المُحِيطُ بِهِ وحْدَكَ لا أنِّي أعْرِفُ مِنكَ ما لا أسْتَطِيعُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلِسانِي، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ في المَعْرِفَةِ إنَّما هُوَ: بِالوُقُوفِ عَلى عَجائِبِ آياتِهِ في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ وخَلْقِ الأرْواحِ والأجْسادِ وحِينَئِذٍ يَتَفاوَتُونَ في مَعْرِفَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ومَعْرِفَةُ أنَّ زَيْدًا عالِمٌ مَثَلًا لَيْسَ كَمَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ عُلُومِهِ كَما لا يَخْفى، ولا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاخْتِصارِ أنَّهُ يَأْباهُ تَقْسِيمُهم أسْماءَهُ تَعالى إلى مُخْتَصٍّ كالرَّحْمَنِ وغَيْرِ مُخْتَصٍّ كالرَّحِيمِ؛ لِأنَّ مُرادَهم بِالمُخْتَصِّ ما اعْتُبِرَ في مَفْهُومِهِ المُطابَقِيِّ ما يَمْنَعُ مِنَ الإطْلاقِ عَلى الغَيْرِ، وقَدْ نَصَّ البَيْضاوِيُّ عَلى أنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ البالِغُ في الرَّحْمَةِ غايَتَها؛ وذَلِكَ لا يَصْدُقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى؛ فَلِذا لا يُوصَفُ بِهِ، وبِغَيْرِ المُخْتَصِّ ما لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ذَلِكَ بَلِ اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى عامٌّ فَيُطْلَقُ لِذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى غَيْرِهِ، لَكِنْ حالَ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ تَعالى يُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن ذَلِكَ المَفْهُومِ الَّذِي لا يَلِيقُ
صفحة 125
ولا يُمْكِنُ أنْ يُثْبَتَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: لا فَرْقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الَّتِي يُوجَدُ في الغَيْرِ مَبْدَأُ اشْتِقاقِها في الجُمْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ الوُجُودِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الوُجُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ اسْمٍ واسْمٍ إلّا أنّا حَكَمْنا بِالِاخْتِصاصِ في بَعْضٍ وبِعَدَمِهِ في آخَرَ لِأمْرٍ آخَرَ كالِاسْتِعْمالِ وعَدَمِ الِاسْتِعْمالِ وإذْنِ الشّارِعِ وعَدَمِ إذْنِهِ فَلا يَأْبى ما قُلْناهُ أيْضًا، نَعَمْ اعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى في الأسْماءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ لا يَتَأتّى فِيها بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا فَيَكُونُ المَعْنى لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ الأسْماءُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ تَعالى ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى أنَّ الأسْماءَ المُخْتَصَّةَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا وهو مِمّا لا فائِدَةَ فِيهِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ إمّا مِن حَمْلِ الأسْماءِ عَلى الصِّفاتِ كَما قالَ البَعْضُ، ومَعْنى الحُسْنى الكامِلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، أيْ: لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ الصِّفاتُ الكامِلَةُ لِأنَّ صِفاتِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفَما كانَتْ ناقِصَةً لا أقَلَّ مِن أنَّ العَدَمَ مُحِيطٌ بِطَرَفَيْها، ومَعْنى فادْعُوهُ بِها إلَخْ: سَمُّوهُ بِما يُشْتَقُّ مِنها أوْ نادُوهُ بِذَلِكَ، وذَرُوا الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ في صِفاتِهِ فَيُسَمُّونَ بِها غَيْرَهُ أوْ يَدْعُونَ مُعْتَقِدِينَ الشَّرِكَةَ، ودَعُوهم وإلْحادَهُمْ، وأمّا مِنَ ارْتِكابِ ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ إلى آخِرِ ما قالَهُ مِمّا لا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن رَكاكَتِهِ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإلْحادِ العُدُولُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِبَعْضِ أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ كَما قالُوا: وما الرَّحْمَنُ؟ أنّا لا نَعْرِفُ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالتَّرْكِ الِاجْتِنابُ كَما أُرِيدَ أوَّلًا بِالأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، فالمَعْنى: سَمُّوهُ تَعالى بِجَمِيعِ أسْمائِهِ واجْتَنِبُوا إخْراجَ بَعْضِها مِنَ البَيْنِ، وأنْ يُرادَ بِهِ إطْلاقُها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقُ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، فالمُرادُ مِنَ الأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ التَّجْرِيدِ عَنِ الوَصْفِ في الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْحادَهم في نَفْسِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الوَصْفِ. والمُرادُ بِالتَّرْكِ الإعْراضُ وعَدَمُ المُبالاةِ بِما فَعَلُوا تَرَقُّبًا لِنُزُولِ العُقُوبَةِ فِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نُبالِي؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةٌ وتَشْتَفُونَ عَنْ قَرِيبٍ، والمَعْنى عَلى الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ: اجْتَنِبُوا إلْحادَهم كَيْلا يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةُ ذَلِكَ
الأعراف 7:181
﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قِيلَ: بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ مَن عَدا المَذْكُورِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهو عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى ما ظَهَرَ لِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَهْدُونَ﴾ إلَخْ. إذا أُخِذَ بِجُمْلَتِهِ وزُبْدَتِهِ كانَ كالمُقابِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ إلى ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ وكِلْتا الآيَتَيْنِ كالنَّشْرِ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وهو كالتَّذْيِيلِ لِحَدِيثِ الَّذِي أُوتِيَ آياتِ اللَّهِ تَعالى والأسْماءَ العِظامَ فانْسَلَخَ مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اعْتِراضٌ لِمُناسَبَةِ حَدِيثِ الأسْماءِ حَدِيثِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى العِظامِ الَّتِي أُوتِيَها ذَلِكَ المُنْسَلِخُ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ أسْمائِهِ الحُسْنى، وأرْبابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ ذَلِكَ مِن أرْواحِهِمْ؛ لِأنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها وقَعَ في نارِ الحِرْصِ ولا يَزالُ يَهْوِي مِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى دَرَكاتِ الحِرْمانِ، وبِخِلافِ ذَلِكَ إذا انْفَتَحَ عَلى
صفحة 126
القَلْبِ بابُ الذِّكْرِ فَإنَّهُ يَقَعُ في جَنَّةِ القَناعَةِ ولا يَزالُ يَتَرَقّى مِن نُورٍ إلى نُورٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أعْلى دَرَجاتِ الإحْسانِ، و(مِن) إمّا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ بَعْضُ مَن خَلَقْنا أوْ بَعْضٌ مِمَّنْ خَلَقْنا طائِفَةٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةٌ يَهْدُونَ النّاسَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ في الحُكُوماتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم ولا يَجُورُونَ فِيها.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: هَذِهِ أُمَّتِي»».
وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلُها ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»».
ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ مُعاوِيَةَ والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَزالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم عَلى ذَلِكَ»».
واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ في كُلِّ عَصْرٍ سَواءٌ في ذَلِكَ عَصْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُ؛ إذْ لَوِ اخْتُصَّ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ لِأنَّ المُجْتَهِدِينَ هم أرْبابُ الإجْماعِ، قِيلَ: وهو مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى أشْرارِ الخَلْقِ، ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ اللَّهُ،» وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ مُلْحَقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِمُعانَقَتِهِ لَهُ، والمُرادُ عَدَمُ خُلُوِّ العَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ فِيما عَداهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الخَبَرَيْنِ الإشارَةُ إلى غَلَبَةِ الشَّرِّ فَلا يُنافِي وُجُودَ النَّزْرِ مِن أهْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ، والواحِدُ مِنهم كافٍ وهو حِينَئِذٍ الأُمَّةُ، والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِمْ بِهِدايَةِ النّاسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اهْتِداءَهم في أنْفُسِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ.
الأعراف 7:182
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ تَنْفَعْهم هِدايَةُ الهادِينَ كَأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِينَ، والعُمُومُ أوْلى، وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِتَشْرِيفِها واسْتِعْظامِ الإقْدامِ عَلى تَكْذِيبِها، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ: سَنَسْتَدْنِيهِمُ البَتَّةَ إلى الهَلاكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والِاسْتِدْراجُ اسْتِفْعالٌ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى النَّقْلِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ فَيَكُونُ اسْتِصْعادًا أوْ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ اسْتِنْزالًا وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الأعْشى في قَوْلِهِ:
فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
لَيَسْتَدْرِجَنَّكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحَمِ
فِي مُطْلَقِ مَعْناهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو اسْتِفْعالٌ مِن دَرَجَ إمّا بِمَعْنى صَعِدَ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ الصُّعُودِ أوِ الهُبُوطِ أوِ الِاسْتِقامَةِ، وإمّا بِمَعْنى مَشى مَشْيًا ضَعِيفًا ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ وإمّا بِمَعْنى طَوى ومِنهُ أدْرَجَ الكِتابَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِطَلَبِ كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ المُلائِمَةِ لِلْمُنْتَقِلِ المُوافِقَةِ لِهَواهُ، واسْتِدْراجُهُ تَعالى إيّاهم بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، ولِذا قِيلَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْصِيَتِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرَجٌ، وهَذا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِصْعادِ بِاعْتِبارِ نَظَرِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّ مُتَواتِرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو الظّاهِرُ، وعَلى الِاسْتِنْزالِ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ فَإنَّ الجِبِلَّةَ الإنْسانِيَّةَ في أصْلِ الفِطْرَةِ سَلِيمَةٌ مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ لِقَضِيَّةِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ». فَهو في بِقاعِ التَّمَكُّنُ عَلى الهُدى والدِّينِ
صفحة 127
فَإذا أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ الشَّهَواتِ وارْتَكَبَ المَعاصِيَ والسَّيِّئاتِ يَنْزِلُ دَرَجَةً دَرَجَةً إلى أنْ يَصِيرَ أسْفَلَ السّافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ إلّا تَدَرُّجَهم في مِدْراجِ المَعاصِي إلى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ أوِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى ما قِيلَ عَلى أفْظَعِ حالٍ وأشْنَعِها، وإدْرارُ النِّعَمِ وسِيلَةٌ إلى ذَلِكَ ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ أيْ: سَنَسْتَدْرِجُهم كائِنًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
الأعراف 7:183
﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: أُمْهِلُهم والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ السِّينِ لِما أنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ التَّدْرِيجِيَّةِ كالِاسْتِدْراكِ الحاصِلِ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هو مِمّا يَحْصُلُ دُفْعَةً، والحاصِلُ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ آثارُهُ وأحْكامُهُ لَيْسَ إلّا، ويَلُوحُ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِافْتِنانِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَجْدِيدِ القِصَّةِ والعَزِيمَةِ، وجَعْلِهِ غَيْرَ واحِدٍ داخِلًا في حُكْمِها، ولا يَخْفى التَّوْحِيدُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنا أُمْلِي لَهُمْ، والخُرُوجُ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ شَبِيهُ الِالتِفاتِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مِنَ التَّلْوِينِ.
وما قِيلَ: إنَّ هَذا لِلْإشْعارِ بِأنَّ الإمْهالَ بِمَحْضِ التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِدْراجَ بِتَوَسُّطِ المُدَبَّراتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَكانِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، والمَتِينُ مِنَ المَتانَةِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ومِنهُ المَتْنُ لِلظَّهْرِ أوِ اللَّحْمِ الغَلِيظِ في جانِبَيِ الصُّلْبِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الكَيْدَ بِالمَكْرِ. وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ مَعَ نَتِيجَتِهِما، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا لِما أنَّ ظاهِرَهُ لُطْفٌ وباطِنَهُ قَهْرٌ، وبَعْضُهم بِنَفْسِ الأخْذِ فَقَطْ فَتَسْمِيَتُهُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ قِيلَ: لِكَوْنِ مُقَدِّماتِهِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى أنَّ كَيْدِي قَوِيٌّ لا يُدافَعُ بِقُوَّةٍ ولا بِحِيلَةٍ، والآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ. وادَّعى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أخَذَهم في يَوْمِ بَدْرٍ،
الأعراف 7:184
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُلْحِدِينَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ عَنْ آياتِهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بِالجَوابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ وإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ .
فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
و(ما) قالَ أبُو البَقاءِ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً اسْمُها (جِنَّةٍ) وخَبَرُها (بِصاحِبِهِمْ). وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفِيهِ بُعْدٌ. والجِنَّةُ مَصْدَرٌ كالجِلْسَةِ بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَسُّ جِنَّةٍ أوْ تَخَبُّطُها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ وإعْمالُ الخاطِرِ في الأمْرِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُها في أمْرِ التَّعْلِيقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى ذَلِكَ في الوَجْهِ الأخِيرِ، أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الهادِينَ الحَقَّ وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ
صفحة 128
عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ أوْ في الَّذِي بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ بِزَعْمِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الجِنَّةِ في شَيْءٍ فَيُؤْمِنُوا، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، أوْ: أوَلَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها. والمُرادُ بِصاحِبِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِهِ؛ لِأنَّ الصُّحْبَةَ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ شائِبَةٍ مِمّا ذُكِرَ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجِنَّةِ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغُيُوبِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِنَ الأوَّلِ تَعَيَّنَ الثّانِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى ووَقائِعَهُ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: إنَّ صاحِبَكم هَذا المَجْنُونَ باتَ يُهَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
وعَلَيْهِ فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، والتَّعْبِيرُ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى مُشاكَلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ السّالِفَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم كانُوا إذا رَأوْا ما يَعْرِضُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بُرَحاءِ الوَحْيِ قالُوا: جُنَّ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ حَيْثُ تَبَيَّنَ فِيهِ حَقِيقَةُ حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أيْ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا مَبالِغٌ في الإنْذارِ مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ،
الأعراف 7:185
ثُمَّ لَمّا كانَ أمْرُ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ إثْرَ ما نَعى عَلَيْهِمْ ما نَعى، والهَمْزَةُ هُنا كالهَمْزَةِ فِيما قَبْلُ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، أيْ: أكَذَّبُوا، أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ واسْتِدْلالٍ فِيما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدَةِ المُبْدِعِ وعَظِيمِ شَأْنِ المالِكِ لِيَظْهَرَ لَهم صِحَّةُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ذاكَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّظَرِ هُنا دُونَ التَّفَكُّرِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ فِيما قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّلِيلَ هُنا أوْضَحُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَلَكُوتِ) وتَخْصِيصُهُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضافِ هو إلَيْهِ فَيَكُونُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمِيعِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، و( مِن شَيْءٍ ) بَيانٌ (لِما)، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّمَواتِ والأرْضِ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقَلاءِ. نَعَمْ مِنهم مَن جَعَلَ وجْهَ الدَّلالَةِ الحُدُوثَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُتَكَلِّمِينَ، ومِنهم مَن جَعَلَ وجْهَها الإمْكانَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ قُطْبُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ خالِدٌ المُجَدِّدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى حَواشِي عَبْدِ الحَكِيمِ عَلى الخَيالِيِّ فارْجِعْ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 129
﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ) فَهو مَعْمُولٌ لِيَنْظُرُوا لَكِنْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أنَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ قَيْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُ مُلاحَظَتُهُ في المَعْطُوفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو (أنْ يَكُونَ)، وخَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَبَرِيَّةُ ولا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ فَلا مَعْنى لِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ: (قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُمْ)، ولَمْ يَجْعَلُوا هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ لِأنَّ تَنازُعَ كانَ وخَبَرِها مِمّا لَمْ يُعْهَدُ لا لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ عَلى جَعْلِ الِاسْمِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا ضَيْرَ في كُلٍّ، وأمْرُ التَّكْرارِ فِيما ذَكَرْنا سَهْلٌ فَلا يُرْتَكَبُ لَهُ خِلافَ المَعْهُودِ خِلافًا لِلْقُطْبِ الرّازِيِّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لا تُوصَلُ إلّا بِالفِعْلِ المُتَصَرِّفِ، وعَسى لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ومُفاجَأتِهِ ونُزُولِ العَذابِ، فالمُرادُ بِأجَلِهِمْ أجَلُ مَوْتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ إيّاها وبَحْثِهِمْ عَنْها، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ (بَعْدَهُ) لِلْقُرْآنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ، والحَدِيثُ بِمَعْنى الكَلامِ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن يَزْعُمُ حُدُوثَ القُرْآنِ، وقِيلَ: ولَئِنْ سَلَّمْنا كَوْنَهُ دَلِيلًا يُرادُ مِنَ القُرْآنِ الألْفاظُ وهي مُحْدَثَةٌ عَلى المَشْهُورِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ وهو النِّهايَةُ في البَيانِ فَبِأيِّ كَلامٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ أوْ إجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ.
والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِالآياتِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَكْذِيبِها يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ، وقِيلَ: بَعْدَ الأجَلِ؛ أيْ: كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ؟، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ عَسى﴾ إلَخِ ارْتِباطَ التَّسَبُّبِ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ قَبْلَ المَوْتِ؟ وماذا يَنْظُرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا؟ وتَقْدِيرُ ما قُدِّرَ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ لَيْسَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْطاءِ الَّذِي في ضِمْنِ (أيِّ)، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: وهو يَذَرُهُمْ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قُرِئَ: يُشْعِرْكم ويَنْصُرْكُمْ، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ مَعَ النُّونِ عَنْ
صفحة 130
نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهُمْ، والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالِ والتَّحَيُّرُ، أوْ أنْ لا يَعْرِفَ حُجَّةً، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ رِعايَةً لِلَفْظِ (مِن) وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ رِعايَةً لِمَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ هَذا.
* * *
(ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ ابْتُلِيَ بِالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِأنْ سَلَكَ حَتّى ظَهَرَ لَهُ ما ظَهَرَ ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ الشَّقاوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وفي التَّعْبِيرِ بِانْسَلَخَ ما لا يَخْفى.
﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ إلى حَظِيرَةِ القُدُسِ ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ: مالَ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ السُّفْلِيَّةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ السُّوءِ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ في أخَسِّ أحْوالِهِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ بِالزَّجْرِ ﴿يَلْهَثْ﴾ يُدْلِعُ لِسانَهُ مَعَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ.
﴿أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أيْضًا. والمُرادُ أنَّهُ يَلْهَثُ دائِمًا وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ لا يَزالُ يُطْلِقُ لِسانَهُ في أهْلِ الكَمالِ سَواءٌ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُزْجَرْ.
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم مَظاهِرُ القَهْرِ.
﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ الأسْرارَ.
﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الحُجَجَ الكَوْنِيَّةَ.
﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ؛ فَهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ لَيْسَ لَهم هَمٌّ إلّا الأكْلُ والشُّرْبُ.
﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها لِأنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ إذا زُجِرُوا ولا يَهْتَدُونَ إذا أُرْشِدُوا.
ومِمّا يُسْتَبْعَدُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَوّاصِ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ البَهائِمَ مُكَلَّفُونَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ وبِما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّهُ لَيُؤْخَذُ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»».
وهَذا وإنْ كانَ في الشّاةِ لَكِنْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ونُقِلَ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما في الوُجُودِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ حَيٌّ دِراكٌ، ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَهَلْ تَشْبِيهُ الحَقِّ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ بَيانٌ لِنَقْصِ الأنْعامِ عَنِ الإنْسانِ أمْ لِكَمالِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا أعْلَمُ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ بَعْضَهم يَقُولُ: لَيْسَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ نَقْصًا وإنَّما هُوَ: لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى حارَتْ فِيهِ، فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ، فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى، فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ في العِلْمِ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُؤُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ، ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ لَهم ذَلِكَ، والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّها ما سُمِّيَتْ بَهائِمَ إلّا لِأنَّ أمْرَها قَدْ أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ كَما عَرَفَهُ أهْلُ الكَشْفِ. انْتَهى.
وهُوَ كَلامٌ يُورِثُ المُؤْمِنَ بِهِ حَسَدًا لِلْبَهائِمِ، نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِها وأعاذَنا مِنَ الحَسَدِ.
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الَّتِي يُدَبَّرُ كُلُّ أمْرٍ بِاسْمٍ مِنها.
﴿فادْعُوهُ بِها﴾ حَسْبَ المَراتِبِ وأعْلاها الدُّعاءُ بِلِسانِ الفِعْلِ وهو التَّحَلِّي بِمَعانِيها بِقَدْرِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ العَبْدِ وذَلِكَ حَظُّ المُقَرَّبِينَ مِنها، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ حُظُوظَهم مِن مَعانِي أسْمائِهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ مَعْرِفَتُها عَلى سَبِيلِ المُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهم حَقائِقُها بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يَجُوزُ فِيهِ الخَطَأُ ويَنْكَشِفَ لَهُمُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها انْكِشافًا يُجْرِي الوُضُوحَ والبَيانَ مَجْرى اليَقِينِ الحاصِلِ لِلْإنْسانِ بِصِفاتِهِ الباطِنَةِ الَّتِي يُدْرِكُها بِمُشاهَدَةٍ باطِنَةٍ لا بِإحْساسِ ظاهِرِهِ، وكَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ الِاعْتِقادِ المَأْخُوذِ مِنَ الآباءِ والمُعَلِّمِينَ
صفحة 131
تَقْلِيدًا والتَّصْمِيمِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِأدِلَّةٍ جَدَلِيَّةٍ كَلامِيَّةٍ.
الثّانِي: اسْتِعْظامُهم ما يُكْشَفُ لَهم مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ عَلى وجْهٍ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقُهم إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُهم مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَقْرُبُوا بِها مِنَ الحَقِّ قُرْبًا بِالصِّفَةِ لا بِالمَكانِ فَيَأْخُذُوا مِنَ الِاتِّصافِ بِها شَبَهًا بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والخُلُوُّ مِن هَذا الشَّوْقِ لا يَكُونُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِضَعْفِ المَعْرِفَةِ، وإمّا لِكَوْنِ القَلْبِ مُمْتَلِئًا بِشَوْقٍ آخَرَ مُسْتَغْرِقًا بِهِ. والثّالِثُ السَّعْيُ في اكْتِسابِ المُمْكِنِ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ والتَّخَلُّقِ بِها والتَّحَلِّي بِمَحاسِنِها، وبِذَلِكَ يَصِيرُ العَبْدُ رَبّانِيًّا رَفِيقًا لِلْمَلَأِ الأعْلى مِنَ المَلائِكَةِ شَبِيهًا بِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يُؤَثِّرُ القُرْبُ والبُعْدُ في إدْراكِهِ بَلْ لا يَقْتَصِرُ إدْراكُهُ عَلى ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ ويَكُونُ مُقَدَّسًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ فَلا تَكُونُ أفْعالُهُ بِمُقْتَضاها بَلِ الدّاعِي إلَيْها حِينَئِذٍ طَلَبُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا إثْباتُ المُماثَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ العَبْدِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ هي المُشارَكَةُ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ لا مُطْلَقَ المُشارَكَةِ؛ فالفَرَسُ الكَيِّسُ وإنْ كانَ بالِغًا في الكِياسَةِ ما بَلَغَ لا يَكُونُ مُماثِلًا لِلْإنْسانِ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ بِالنَّوْعِ وإنْ شابَهَهُ بِالكِياسَةِ الَّتِي هي عارِضَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُقَوِّماتِ الإنْسانِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى الحَيِّ العَلِيمِ المُرِيدِ القادِرِ المُتَكَلِّمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ وبَيْنَ العَبْدِ المُتَّصِفِ بِالحَياةِ والعِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ إلّا في إطْلاقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، والكَلامُ في خَبَرِ: ««لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» إلَخْ.
يَسْتَدْعِي الخَوْضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ، فَخُذْ ما آتَيْناكَ وذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ يَطْلُبُونَ مَعانِيَها مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويُضِيفُونَها إلَيْهِ وهَؤُلاءِ مِمّا ذَرَأهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِجَهَنَّمَ ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإلْحادِ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وهُمُ المُرْشَدُونَ الكامِلُونَ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كالمُنْكِرِينَ عَلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنّا سَنَسْتَدْرِجُهم ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أُمْهِلُهم.
﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أخْذِي ﴿مَتِينٌ﴾ شَدِيدٌ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِيائِهِ أنْ يَأْخُذَهم أشَدَّ أخْذٍ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ كَثِيرًا نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن مَكْرِهِ، ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وهي الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَلَكُوتِ وهو في مُصْطَلَحِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ المُخْتَصِّ بِالأرْواحِ والنُّفُوسِ، وفَسَّرُوا المُلْكَ بِعالَمِ الشَّهادَةِ مِنَ المَحْسُوساتِ الطَّبِيعِيَّةِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، وكُلُّ جِسْمٍ يَتَرَكَّبُ مِنَ الِاسْتِقْصاءاتِ.
الأعراف 7:186
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ إذْ لا هادِيَ سِواهُ سُبْحانَهُ:
إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ
﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ لِأنَّ اسْتِعْدادَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
الأعراف 7:187
ثُمَّ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ اقْتِرابِ أجَلِهِمْ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ طُغْيانِهِمْ وضَلالِهِمْ، والسّاعَةُ في الأصْلِ اسْمٌ لِمِقْدارٍ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهي عِنْدَ المُنَجِّمِينَ جُزْءٌ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَنْقَسِمُ إلى مُعْوَجَّةٍ ومُسْتَوِيَةٍ، وتُطْلَقُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عَلى يَوْمِ مَوْتِ الخَلْقِ وعَلى يَوْمِ قِيامِ النّاسِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وفَسَّرُوها بِيَوْمِ القِيامَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنهُ أحَدُ ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وإنْ كانَ المَشْهُورُ فِيهِ اليَوْمَ الآخِرَ، والظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ اليَوْمُ الأوَّلُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والسّاعَةُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْهِ وكَذا عَلى وقْتِ القِيامِ ظاهِرٌ إنْ
صفحة 132
أُرِيدَ زَمانُ المَوْتِ أوْ زَمانُ القِيامِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ الِامْتِدادِ لِظُهُورِ أنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ في نَفْسِهِ، وإنْ أُرِيدَ الزَّمانُ المُمْتَدُّ فَإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا لِمَجِيئِهِ بَغْتَةً كَما قِيلَ، أوْ لِأنَّهُ يُدْهِشُ مَن يَأْتِيهِمْ فَيَقِلُّ عِنْدَهم أوْ يُقَلِّلُ ما قَبْلَهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلى طُولِهِ قَدْرٌ يَسِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ تَمْلِيحًا كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، والسّائِلُ عَنْ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ حِمْلُ ابْنُ أبِي قُشَيْرٍ وسَمْوَلُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ؛ فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هِيَ؟ وكانَ ذَلِكَ امْتِحانًا مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.
وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ السّائِلَ قُرَيْشٌ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أسِرَّ إلَيْنا مَتى السّاعَةُ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ. فَنَزَلَتْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أيّانَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها وهو لُغَةٌ فِيها، وهي ظَرْفُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ ويَلِيها المُبْتَدَأُ أوِ الفِعْلُ المُضارِعُ دُونَ الماضِي بِخِلافِ مَتى حَيْثُ يَلِيها كِلاهُما، والتَّحْقِيقُ أنَّها بَسِيطَةٌ مُرْتَجَلَةٌ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن أيٍّ وهي فَعْلانُ مِنهُ لِأنَّ مَعْناهُ أيَّ وقْتٍ، وأيَّ فِعْلٍ، وأيٌّ مِن أوَيْتُ بِمَعْنى رَجَعْتُ؛ لِأنَّ بابَ طَوَيْتُ وشَوَيْتُ أضْعافُ بابِ حَيَيْتُ ووَعَيْتُ ولِقُرْبِهِ مِنهُ مَعْنًى لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ ومُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، وأصْلُهُ عَلى هَذا أوِيٌّ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ أيًّا، وإنَّما لَمْ تُجْعَلْ أيّانَ فِعْلًا لا مِن أيْنَ لِأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَها أيَّ أوانٍ، أوْ أيَّ آنٍ؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وتَعَقَّبَ في الكَشْفِ حَدِيثَ الِاشْتِقاقِ مِن أيٍّ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ النَّمْلِ ولَوْ سُمِّيَ بِهِ لَكانَ فَعالًا مِن آنَ يَئِينُ ولا تُصْرَفُ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ ما ذَكَرَهُ هُناكَ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ في غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ لا وجْهَ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ اشْتِقاقُهُ مِن أيٍّ أوْلى مِنَ اشْتِقاقِهِ مِنَ الأيْنِ بِمَعْنى الحَيْنُونَةِ؛ لِأنَّ أيّانَ زَمانٌ، وكَأنَّهُ غَيَّرَهُ الِاسْتِفْهامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بِالتَّضْمِينِ كَما في مَتى ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ اشْتِقاقُ أيٍّ مِن أوَيْتُ لا وجْهَ لَهُ إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ كَما في حِمارِ قَبّانٍ. اه.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ أمْرٌ قَدَّرُوهُ لِلِامْتِحانِ ولِيُعْلَمَ حُكْمُها إذا سُمِّيَ بِها فَلا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَذا لا يُنافِي لِتَحْقِيقٍ فَتَأمَّلْ، وأيًّا ما كانَ فَهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ومَرْساها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَن أرْساهُ إذا أثْبَتَهُ وأقَرَّهُ أيْ: مَتى إثْباتُها وتَقْرِيرُها؟ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ الإرْساءُ إلّا في الشَّيْءِ الثَّقِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ومِنهُ مُرْساةُ السُّفُنِ، ونِسْبَتُهُ هُنا إلى السّاعَةِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ المَعانِي بِالأجْسامِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ زَمانٌ، وفي جَوازِهِ خِلافُ الفَلاسِفَةِ لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ بِمَتى وُقُوعُ ذَلِكَ؟ والجُمْلَةُ قِيلَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ يَسْألُونَكَ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ قائِلِينَ: أيّانَ مُرْساها؟ وقِيلَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ عَنِ السّاعَةِ.
والتَّحْقِيقُ عِنْدَ بَعْضِ جُلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لا مِنَ المَجْرُورِ فَقَطْ، وفي تَعْلِيقِ السُّؤالِ بِنَفْسِ السّاعَةِ أوَّلًا وبِوَقْتِ وُقُوعِها ثانِيًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ السُّؤالِ نَفْسُها بِاعْتِبارِ حُلُولِها في وقْتِها المُعَيَّنِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لَها، وما في الجَوابِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ مُخَرَّجٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أيْ: إنَّ عِلْمَها بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لا غَيْرُ فَلا حاجَةَ
صفحة 133
إلى أنْ يُقالَ: إنَّما عِلْمُ وقْتِ إرْسائِها عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْضُهم حَيْثُ غَفَلَ عَنِ النُّكْتَةِ المُشارِ إلَيْها حَمَلَ النَّظْمَ الجَلِيلَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً أنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِهِ حَيْثُ لَمْ يُخْبِرْ أحَدًا بِهِ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْجَوابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ وهو أوْلى مِمّا سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ خَفائِها إلى حِينِ قِيامِها، وإقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنْ إظْهارِ أمْرِها بِطَرِيقِ الإخْبارِ، والتَّجْلِيَةُ الكَشْفُ والإظْهارُ، واللّامُ لامُ التَّوْقِيتِ، واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي بِمَعْنى فِي، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: بِمَعْنى عِنْدَ، وقالَ الرَّضِيُّ: هي اللّامُ المُفِيدَةُ لِلِاخْتِصاصِ، وهو عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ إمّا أنْ يَخْتَصَّ الفِعْلُ بِالزَّمانِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ كَ كَتَبْتُ لِغُرَّةِ كَذا أوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ نَحْوَ: لِخَمْسٍ خَلَوْنَ أوْ قَبْلَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ، ومَعَ الإطْلاقِ يَكُونُ الِاخْتِصاصُ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وإلّا فَحَسْبَ القَرِينَةِ، وفَسَّرَها هُنا غَيْرُ واحِدٍ بِفي.
والمَعْنى: لا يَكْشِفُ عَنْها ولا يُظْهِرُ لِلنّاسِ أمْرَها الَّذِي تَسْألُونَ عَنْهُ إلّا الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ فَيَتَوَسَّطُ في إظْهارِهِ لَهُمْ، لَكِنْ لا بِأنْ لا يُخْبِرَهم بِوَقْتِها كَما هو المَسْؤُولُ بَلْ بِأنْ يُقِيمَها فَيَعْلَمُوها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّجْلِيَةِ وهو قَيْدٌ لَها بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُجَلِّيها إلّا هو في وقْتِها إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ تَجَلِّيَها لَيْسَ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِوَقْتِها بَلْ بِإظْهارِ عَيْنِها في وقْتِها الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ، والمُرادُ: كَبُرَتْ وعَظُمَتْ عَلى أهْلِهِما حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا وقْتَ وُقُوعِها. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ مَن خَفِيَ عَلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ كانَ ثَقِيلًا عَلَيْهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى: عَظُمَتْ عَلى أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ حَيْثُ يُشْفِقُونَ مِنها ويَخافُونَ شَدائِدَها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ المُرادَ ثَقُلَ عِلْمُها عَلَيْهِمْ فَلا يَعْلَمُونَها، ويَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، وقِيلَ: المَعْنى: ثَقُلَتْ عِنْدَ الوُقُوعِ عَلى نَفْسِ السَّمَواتِ حَتّى انْشَقَّتْ وانْتَثَرَتْ نُجُومُها وكُوِّرَتْ شَمْسُها وعَلى نَفْسِ الأرْضِ حَتّى سُيِّرَتْ جِبالُها وسُجِّرَتْ بِحارُها وكانَ ما كانَ فِيها، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وعَلَيْهِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وكَلِمَةُ في عَلى سائِرِ الأوْجُهِ اسْتِعارَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى تَمَكُّنِ الفِعْلِ كَما لا يَخْفى.
﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ: إلّا فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ رَجُلانِ ثَوْبَهُما فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها»».
﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أيْ: عالِمٌ بِها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ (فَحَفِيٌّ) فَعِيلٌ مِن حَفِيَ عَنِ الشَّيْءِ إذا بَحَثَ عَنْ تَعَرُّفِ حالِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الحَفاوَةَ في الأصْلِ الِاسْتِقْصاءُ في الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ قالَ الأعْشى:
فَإنْ تَسْألُوا عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى البِرِّ واللُّطْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ والمَعْنى المُرادُ هُنا مُتَفَرِّعٌ عَلى المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن بَحَثَ عَنْ شَيْءٍ وسَألَ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمَهُ بِهِ، فَأُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ مَجازًا أوْ كِنايَةً
صفحة 134
وعُدِّيَ الوَصْفُ بِعْنَ اعْتِبارًا لِأصْلِ مَعْناهُ؛ وهو السُّؤالُ والبَحْثُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الكَشْفِ ولَوْلا ذَلِكَ لَعُدِّيَ بِالباءِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الباءِ، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَآ بِها.
والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ يَسْألُونَكَ أيْ: مُشَبَّهًا حالُكَ عِنْدَهم بِحالِ مَن هو (حَفِيٌّ)، وقِيلَ: إنَّ عَنْها مُتَعَلِّقٌ بِ يَسْألُونَكَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ وصِلَةُ (حَفِيٌّ) مَحْذُوفَةٌ أيْ: بِها أوْ بِهِمْ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ (حَفِيٌّ) مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى الشَّفَقَةِ، فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً فَقُلْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وتُرْجُمانِ القُرْآنِ أيْضًا، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ عِنْدَكَ عِلْمُها لَكِنْ تَكْتُمُهُ فَلِشَفَقَتِكَ عَلَيْهِمْ طَلَبُوا مِنكَ أنْ تَخُصَّهم بِهِ، وتَعَلُّقُ (عَنْ) عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَحْذُوفٍ كَ: تُخْبِرُهم وتَكْشِفُ لَهم عَنْها بِعِيدٌ، وقِيلَ:
هُوَ مِن حَفِيَ بِالشَّيْءِ إذا فَرِحَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وغَيْرِهِما، والمَعْنى كَأنَّكَ فَرِحٌ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ، و(عَنْ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ - بِحَفِيٍّ - كَما قِيلَ: لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى السُّؤالِ، والكَلامُ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ أوْ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الرِّسالَةِ أثَرَ بَيانِ خَطَئِهِمْ في أصْلِ السُّؤالِ بِإعْلامِ بَيانِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، وفي الِانْتِصافِ في تَوْجِيهِ تَكْرِيرِ يَسْألُونَكَ أنَّ المَعْهُودَ في أمْثالِ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إذا بُنِيَ عَلى مَقْصِدٍ وعَرَضَ في أثْنائِهِ عارِضٌ فَأُرِيدَ الرُّجُوعُ لِتَتِمَّةِ المَقْصِدِ الأوَّلِ وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ وطُوِيَ ذِكْرُهُ لِتَتَّصِلَ النِّهايَةُ بِالبِدايَةِ، وهُنا لَمّا ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ثُمَّ اعْتُرِضَ ذِكْرُ الجَوابِ بِقُلْ إلى بَغْتَةٍ أُرِيدَ تَتِمَّةُ سُؤالِهِمْ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وهو المُضَمَّنُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وهو شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالسُّؤالِ وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ فَطُرِّيَ ذِكْرُهُ لِيَلِيَهُ تَمامُهُ، ولا تَراهُ أبَدًا يُطْرِي إلّا بِنَوْعٍ مِنَ الإجْمالِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يَذْكُرِ المَسْؤُولَ عَنْهُ وهو السّاعَةُ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا كَرَّرَ جَلَّ وعَلا السُّؤالَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ كَرَّرَ الجَوابَ أيْضًا مُجْمَلًا فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ ذِكْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ هُنا، وذَكَرَ المُحَقِّقُ الأوَّلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِإعادَةِ الجَوابِ الأوَّلِ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ وتَقْرِيرًا لَهُ وإشْعارًا بِعِلَّتِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بِإيرادِ اسْمِ الذّاتِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِتْباعِها لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ وتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِجَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ السُّؤالَ الأوَّلَ كانَ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وهَذا السُّؤالُ كانَ عَنْ كَيْفِيَّتِها وتَفْصِيلِ ما فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والأحْوالِ قِيلَ:
ولِذَلِكَ خُصَّ جَوابُهُ بِاسْمِ الذّاتِ إذْ هو أعْظَمُ الأسْماءِ مَهابَةً، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ النَّيْسابُورِيُّ ونُقِلَ عَنِ الإمامِ وغَيْرِهِ، ولا أرى لَهم مُسْنَدًا في ذَلِكَ، ومَفْعُولُ العِلْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ مَحْذُوفٌ: أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ مِنَ اخْتِصاصِ عِلْمِها بِهِ تَعالى فَبَعْضُهم يُنْكِرُها رَأْسًا فَلا يَسْألُ عَنْها إلّا مُتَلاعِبًا، وبَعْضُهم يَعْلَمُ أنَّها واقِعَةٌ البَتَّةَ ويَزْعُمُ أنَّكَ واقِفٌ عَلى وقْتِ وُقُوعِها فَيَسْألُ جَهْلًا، وبَعْضُهم يَزْعُمُ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الرِّسالَةِ فَيَتَّخِذُ السُّؤالَ ذَرِيعَةً إلى القَدْحِ فِيها، والواقِفُ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ ويَسْألُ امْتِحانًا مُلْحَقٌ بِالجاهِلِينَ لِعَدَمِ عِمْلِهِ بِعَمَلِهِ هَذا، وإنَّما أخْفى سُبْحانَهُ أمْرَ السّاعَةِ اقْتِضاءَ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ ذَلِكَ فَإنَّهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ كَما أنَّ إخْفاءَ الأجَلِ الخاصِّ لِلْإنْسانِ كَذَلِكَ، ولَوْ قِيلَ بِأنَّ الحِكْمَةَ التَّكْوِينِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ، وظاهِرُ الآياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ وقْتَ قِيامِها. نَعَمْ عَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرْبَها عَلى الإجْمالِ وأُخْبِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ
صفحة 135
عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى»».
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا أيْضًا: ««إنَّما أجَلُكم فِيمَن مَضى قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ»».
وجاءَ في غَيْرِ ما أثَرٍ أنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُعِثَ في أواخِرِ الألِفِ السّادِسَةِ، ومُعْظَمُ المِلَّةِ في الألِفِ السّابِعَةِ.
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عِدَّةَ أحادِيثَ في أنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وذَكَرَ أنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَزِيدُ عَلى ألْفِ سَنَةٍ ولا تَبْلُغُ الزِّيادَةُ عَلَيْها خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْبارٍ وآثارٍ ذَكَرَها في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ - بِالكَشْفِ عَنْ مُجاوَزَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ الألْفَ - وسَمّى بَعْضُهم لِذَلِكَ هَذِهِ الألِفَ الثّانِيَةِ بِالمُخَضْرَمَةِ؛ لِأنَّ نِصْفَها دُنْيا ونِصْفَها الآخَرَ أُخْرى، وإذا لَمْ يَظْهَرِ المَهْدِيُّ عَلى رَأْسِ المِائَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها يَنْهَدِمُ جَمِيعُ ما بَناهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَهُ، وكَأنِّي بِكَ تَراهُ مُنْهَدِمًا، ونَقَلَ السَّفارِينِيُّ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَدْبِيرَ العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لِلسُّنْبُلَةِ فَإذا تَمَّ دَوْرُها وقَعَ الفَسادُ والدُّثُورُ في العالَمِ فَإذا عادَ الأمْرُ إلى المِيزانِ تَجْتَمِعُ المَوادُّ ويُقَدَّرُ النُّشُورُ عَوْدًا، وقالَ البِكْرِيُّ: إنَّ سُلْطانَ الحَمَلِ عِنْدَهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وسُلْطانَ الثَّوْرِ دُونَهُ بِألِفٍ، وهَكَذا يَنْقُصُ ألْفَ ألْفٍ إلى الحُوتِ فَيَكُونُ سُلْطانُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، فَإذا كَمُلَتِ انْقَضى عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ هَرْمَسَ وادَّعى أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حُكْمِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزاءِ عَلى الأرْضِ حَيَوانٌ فَلَمّا كانَ حُكْمُ السَّرَطانِ تَكَوَّنَتْ دَوابُّ الماءِ وهو أُمُّ الأرْضِ ولَمّا كانَ حُكْمُ الأسَدِ تَكَوَّنَتِ الدَّوابُّ ذَواتُ الأرْبَعِ، ولَمّا كانَ حُكْمُ السُّنْبُلَةِ تَوَلَّدَ الإنْسانانِ الأوَّلانِ؛ آدَمُ نَوْسٌ وحَوّا نَوْسٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مُدَّةَ العالَمِ مِقْدارُ قَطْعِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ لِدَرَجِ الفَلَكِ، والكَوْكَبُ مِنها يَقْطَعُ البُرْجَ بِزَعْمِهِ في ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ سِتٌّ وثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ. انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى كُتُبِ الأرْصادِ والزِّيجاتِ أنَّ الأدْوارَ عِنْدَهم ثَلاثَةٌ: أكْبَرُ وأوْسَطُ وأصْغَرُ ويُسَمُّونَها التَّسْيِيراتِ، وهي عَلى السَّوِيَّةِ في جَمِيعِ البُرُوجِ؛ فالدَّوْرُ الأكْبَرُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِمِائَةِ سَنَةٍ، والأوْسَطُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِعَشْرِ سِنِينَ والأصْغَرُ ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِسَنَةٍ، وعِنْدَهم دَوْرٌ أعْظَمُ ويُسَمُّونَهُ أيْضًا التَّسْيِيرَ الأعْظَمَ وهو ما يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ كُلِّ دَرَجَةٍ بِألْفِ سَنَةٍ، والتَّسْيِيرُ اليَوْمَ في المِيزانِ وقَدْ مَضى مِنهُ أرْبَعُ دَرَجاتٍ وسِتٌّ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً وإحْدى وثَلاثُونَ ثانِيَةً واثْنَتا عَشْرَةَ ثالِثَةً، وإذا اعْتُبِرَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ مِن نُقْطَةِ رَأْسِ الحَمَلِ إلى هُنا بَلَغَتْ مِائَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأرْبَعًا وثَمانِينَ ألْفَ سَنَةٍ وتِسْعَمِائَةٍ وثَلاثًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّ مُدَّةَ حَرَكَةِ الثَّوابِتِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ في كُلِّ بُرْجٍ ألْفانِ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وسِتُّونَ سَنَةً وثَمانِيَةُ أشْهُرٍ وسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وتِسْعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وإذا ضُرِبَ ذَلِكَ في اثْنَيْ عَشَرَ عِدَّةِ البُرُوجِ خَرَجَ مُدَّةُ قَطْعِها الفَلَكَ كُلَّهُ وهو أقَلُّ مِمّا ذَكَرَهُ بِكَثِيرٍ، ولَعَلَّ المُرادَ بِدَوْرِ البُرْجِ ما أُرِيدَ بِسُلْطانِهِ مِن حُكْمِ تَأْثِيرِهِ والتَّأثُّرِ العادِيِّ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ كُتُبِ القَوْمِ بِحُكْمِ الأصالَةِ لِلْبُرْجِ وهو الَّذِي يَفِيضُ عَلى الكَواكِبِ النّازِلِ فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلْطانًا، والحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيصُ عَنْهُ القَوْلُ بِحُدُوثِ العالَمِ حُدُوثًا زَمانِيًّا ولا يَعْلَمُ أوَّلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ عُمْرُ الدُّنْيا وأوَّلُ النَّشْأةِ الإنْسانِيَّةِ ومُدَّةُ بَقائِها في هَذا العالَمِ وقَدْرُ زَمانِ لُبْثِها في البَرْزَخِ كُلُّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وجَمِيعُ ما ورَدَ في هَذا البابِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ لا سَنَدَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأكْثَرِها، ووَراءَ هَذا أقْوالٌ لِأهْلِ الصِّينِ وغَيْرِهِمْ هي أدْهى وأمَرُّ مِمّا تَقَدَّمَ، وبِالجُمْلَةِ الباقِي مِن عُمْرِ الدُّنْيا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِفَنائِها أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي مِن ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ما هُناكَ.
الأعراف 7:188
﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ: لا أمْلِكُ لِأجْلِ نَفْسِي جَلْبَ نَفْعٍ ما ولا دَفْعَ ضَرَرٍ ما.
صفحة 136
والجارُّ والمَجْرُورُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ أمْلِكُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَفْعًا، والمُرادُ لا أمْلِكُ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾، أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُمَكِّنَنِي مِن ذَلِكَ فَإنَّنِي حِينَئِذٍ أمْلِكُهُ بِمَشِيئَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وفِيهِ دَلِيلٌ كَما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلى أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقِيلَ:
الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ، وفِيهِ عَلى هَذا مِن إظْهارِ العَجْزِ ما لا يَخْفى، والكَلامُ مَسُوقٌ لِإثْباتِ عَجْزِهِ عَنِ العِلْمِ بِالسّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وإعادَةُ الأمْرِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الجَوابِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ومُغايَرَتِهِ لِلْأوَّلِ.
﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيِ: الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما بَيْنَ الأشْياءِ مِنَ المُناسَباتِ المُصَحَّحَةِ عادَةً لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ ومِنَ المُبايَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْمُدافَعَةِ والمُمانَعَةِ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ: لَحَصَّلْتُ كَثِيرًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نِيطَ بِتَرْتِيبِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيِ السُّوءُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّفَصِّي عَنْهُ بِالتَّوَقِّي عَنْ مُوجِباتِهِ والمُدافَعَةِ بِمَوانِعِهِ وإنْ كانَ مِنهُ ما لا مَدْفَعَ لَهُ، وكَأنَّ عَدَمَ مَسِّ السُّوءِ مِن تَوابِعِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ في الجُمْلَةِ، ولِذا لَمْ يَسْلُكْ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَحْوَ مَسْلَكِ الجُمْلَةِ الأُولى، والِاسْتِلْزامُ في الشَّرْطِيَّةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا وكُلِّيًّا بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ عادِيًّا في البَعْضِ. وقَدْ حَكَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ في الآيَةِ مِنَ العادِيِّ، وبِذَلِكَ دَفَعَ الشِّهابُ ما قِيلَ: إنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ لا يَلْزَمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلَيْهِ ومَنشَؤُهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ.
وحَمْلُ الخَيْرِ والسُّوءِ عَلى ما ذُكِرَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُلَّةُ المُحَقِّقِينَ. وفُسِّرَ بَعْضُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والفَوْزِ بِالخِصْبِ. والثّانِي بِضِدِّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا تُخْبِرُنا بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَنَشْتَرِيَ فَنَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تُجْدِبَ فَنَرْتَحِلَ مِنها إلى ما قَدْ أخْصَبَ. فَنَزَلَتْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والثّانِي بِالفَقْرِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الجَوابُ عَنْ السُّؤالِ والثّانِي التَّكْذِيبُ، وقِيلَ: الأوَّلُ الِاشْتِغالُ بِدَعْوَةِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، والثّانِي النَّصَبُ الحاصِلُ مِن دَعْوَةِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.
وقِيلَ: ونُسِبَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: المُرادُ مِنَ الغَيْبِ المَوْتُ، ومِنَ الخَيْرِ الإكْثارُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ومِنَ السُّوءِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والكُلُّ كَما تَرى ومِنها ما لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ السُّوءِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ حَيْثُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ النَّفْعِ عَلى ذِكْرِ الضُّرِّ وسَلَكَ في ذِكْرِهِما هُناكَ كَذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرَقِّي عَلى ما قِيلَ: فَإنَّ دَفْعَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّ أكْثَرَ ما جاءَ في القُرْآنِ إذْ يُؤْتى بِالضُّرِّ والنَّفْعِ مَعًا تَقْدِيمُ لَفْظِ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ وهو الأصْلُ لِأنَّ العابِدَ إنَّما يَعْبُدُ مَعْبُودَهُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ أوَّلًا ثُمَّ يَعْبُدُهُ طَمَعًا في ثَوابِهِ ثانِيًا كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وحَيْثُ تَقَدَّمَ النَّفْعُ عَلى الضُّرِّ كانَ ذَلِكَ لِسَبْقِ لَفْظٍ تَضَمَّنَ مَعْنى نَفْعٍ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ تَقَدَّمَ آنِفًا لَفْظُ الهِدايَةِ عَلى الضَّلالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ﴾ إلَخْ. وفي الرَّعْدِ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّوْعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ وهو نَفْعٌ، وفي الفُرْقانِ تَقَدَّمَ العَذْبُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ وهو نَفْعٌ، وفي سَبَأٍ تَقَدَّمَ البَسْطُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ ولْيُقَسْ عَلى هَذا غَيْرُهُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: يُفَسِّرُ النَّفْعَ هُنا بِالهُدى والضُّرَّ بِالضَّلالِ، وبِهِ تَقْوى نُكْتَةُ التَّقْدِيمِ الَّتِي اعْتَبَرَها هَذا الفاضِلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ كَما لا يَخْفى.
واسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبَرَ بِالمُغَيَّباتِ الجَمَّةِ وكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ، وعُدَّ
صفحة 137
ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتُلِفَ في الجَوابِ فَقِيلَ: المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ ذاكَ بِالغَيْبِ المُفِيدِ لِجَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ وما يَعْلَمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الغُيُوبِ لَيْسَ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، وعَدَمُ العِلْمِ مِمّا لا يَطْعَنُ في مَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. فَلَمْ يَفْعَلُوا فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ما لَقَّحْتُمْ؟ قالُوا: قُلْتَ كَذا وكَذا. قالَ: أنْتُمْ أعْلَمُ بِأمْرِ دُنْياكُمْ»».
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى لَهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ حِينَ ذُكِرَ لَهُ أنَّهُ صارَ شِيصًا: «إنْ كانَ شَيْءٌ مِن أمْرِ دُنْياكم فَشَأْنُكُمْ، وإنْ كانَ مِن أمْرِ دِينِكم فَإلَيَّ»».
وقَدْ عُدَّ عَدَمُ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأمْرِ الدُّنْيا كَمالًا في مَنصِبِهِ؛ إذِ الدُّنْيا بِأسْرِها لا شَيْءَ عِنْدَ رَبِّهِ.
وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِمْرارِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الغَيْبَ، ومَجِيءُ (كانَ) لِلِاسْتِمْرارِ شائِعٌ، ويُلاحَظُ الِاسْتِمْرارُ أيْضًا في الِاسْتِكْثارِ وعَدَمِ المَسِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْهُ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْلَمْهُ ولَمْ يُخْبَرْ بِهِ أصْلًا، وحِينَئِذٍ يُفَسَّرُ الخَيْرُ والسُّوءُ بِما يُلائِمُ ذَلِكَ كَتَعْلِيمِ السّائِلِينَ وعَدَمِ الطَّعْنِ في أمْرِ الرِّسالَةِ مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: ألْ في الغَيْبِ لِلِاسْتِغْراقِ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ كُلَّ غَيْبٍ فَإنَّ مِنَ الغَيْبِ ما تَفَرَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَمَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ تَبارَكَ وتَعالى وكَمَعَرْفَةِ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ.
وفِي لِبابِ التَّأْوِيلِ لِلْخازِنِ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ والأدَبِ، والمَعْنى: لا أعْلَمُ الغَيْبَ إلّا أنْ يُطْلِعَنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ويُقَدِّرَهُ لِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَيْبِ، فَلَمّا أطْلَعَهُ أخْبَرَ بِهِ، أوْ يَكُونُ خَرَجَ هَذا الكَلامُ فَخَرَجَ الجَوابُ عَنْ سُؤالِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ ودَلالَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ. وكَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشِيرُ إلى تَرْجِيحِ الأوَّلِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ عَلى ذَلِكَ ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ وشَأْنِي حِيازَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ العُلُومِ لا الوُقُوفُ عَلى الغُيُوبِ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَهُما، وقَدْ كَشَفْتُ مِن أمْرِ السّاعَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإنْذارُ مِن مَجِيئِها لا مَحالَةَ واقْتِرابِها، وأمّا تَعْيِينُ وقْتِها فَلَيْسَ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ الإنْذارُ بَلْ هو مِمّا يَقْدَحُ فِيهِ لِما مَرَّ مِن أنَّ إبْهامَهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَقْدِيمُ النَّذِيرِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إنْذارٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتُ بِهِ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَصْفَيْنِ جَمِيعًا والمُؤْمِنُونَ يَنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ كَما يَنْتَفِعُونَ بِالتَّبْشِيرِ، وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِالأخِيرِ ومُتَعَلِّقُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ، وحُذِفَ لِيُطَهَّرَ اللِّسانُ مِنهم.
وأرادَ بَعْضَهم مِنَ الكافِرِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ومِن مُقابِلِهِمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ في أيِّ وقْتٍ كانَ وحِينَئِذٍ في الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِلْكَفَرَةِ في إحْداثِ الإيمانِ وتَحْذِيرٌ عَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.
الأعراف 7:189
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو سُبْحانَهُ ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ أصْلًا ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿وجَعَلَ مِنها﴾
صفحة 138
أيْ: مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَمِن ابْتِدائِيَّةٌ والمَشْهُورُ أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ. أيْ: مِن جَسَدِها لِما يُرْوى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اليُسْرى، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ لَنا، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ داخِلٌ في حُكْمِها ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ عَلى مَضْمُونِ الأوَّلِ وُجُودًا لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ فِيهِ، وهو إمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿زَوْجَها﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى أنْشَأ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.
﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ. أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلنَّفْسِ، وكانَ الظّاهِرُ التَّأْنِيثَ لِأنَّ النَّفْسَ مِنَ المُؤَنَّثاتِ السَّماعِيَّةِ؛ ولِذا أُنِّثَتْ صِفَتُها إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنها آدَمُ، ولَوْ أُنِّثَ عَلى الظّاهِرِ لَتُوُهِّمَ نِسْبَةُ السُّكُونِ إلى الأُنْثى والمَقْصُودُ خِلافُهُ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ التَّذْكِيرَ أحْسَنُ طِباقًا لِلْمَعْنى، وبَيَّنَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ السُّكُونُ مُفَسَّرًا بِالمَيْلِ وهو مُتَناوِلٌ لِلْمَيْلِ الشَّهْوانِيِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ التَّغَشِّي لا سِيَّما وقَدْ أُكِّدَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ والتَّغَشِّي مَنسُوبٌ إلى الذَّكَرِ لا مَحالَةَ كانَ الطِّباقُ في نِسْبَتِهِ أيْضًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ مِنَ الجانِبَيْنِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَكْثِيرَ النَّوْعِ عِلَّةُ المُؤانَسَةِ كَما أنَّ الوَحْدَةَ عِلَّةُ الوَحْشَةِ، وأيْضًا لَمّا جُعِلَ المَخْلُوقُ أوَّلًا الأصْلَ كانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الزَّوْجِ لِسُكُونِهِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ لا العَكْسُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أنَّ النَّفْسَ إذا أُرِيدَ بِهِ الإنْسانُ بِعَيْنِهِ فَمُذَكَّرٌ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ مُؤَنَّثٍ، وجاءَ ثَلاثَةُ أنْفُسٍ عَلى مَعْنى ثَلاثَةِ أشْخاصٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الرُّوحُ فَهي مُؤَنَّثَةٌ لا غَيْرُ، وتَصْغِيرُها نُفَيْسَةٌ فَلْيُفْهَمْ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مِن تَغَشّاها لِلزَّوْجِ وهو بِمَعْنى الزَّوْجَةِ مُؤَنَّثٌ، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ أيْ: فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ أيْ: مَحْمُولًا خَفِيفًا وهو الجَنِينُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَإنَّهُ لا ثِقَلَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ، فَنُصِبَ حَمْلًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى شَجَرٍ وبِالكَسْرِ خِلافُهُ. وقَدْ حُكِيَ في كُلٍّ مِنهُما الكَسْرُ والفَتْحُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُنا مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وأنْ يُرادَ بِالخِفَّةِ عَدَمُ التَّأذِّي أيْ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفَّ عَلَيْها ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما تَلْقى بَعْضُ الحَوامِلِ مِن حَمْلِهِنَّ مِنَ الكَرْبِ والأذِيَّةِ.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِهِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، والمُرادُ: بَقِيَتْ بِهِ كَما كانَتْ قَبْلُ حَيْثُ قامَتْ وقَعَدَتْ وأخَذَتْ وتَرَكَتْ وهو مَعْنًى لا غُبارَ فِيهِ. والقَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ أيْ: فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها مِنَ القَلْبِ عِنْدَ النُّقّادِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ (مَرَتْ) بِالتَّخْفِيفِ فَقِيلَ: إنَّهُ مُخَفَّفُ مَرَّتْ كَما يُقالُ: ظَلَّتْ في ظَلِلْتُ، وقِيلَ: هو مِنَ المِرْيَةِ أيِ: الشَّكِّ أيْ: شَكَّتْ في أمْرِ حَمْلِها.
وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ والجَحْدَرِيُّ (فَمارَتْ) مِن مارَ يَمُورُ إذا جاءَ وذَهَبَ فَهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أوْ هي مِنَ المِرْيَةِ كَقِراءَةِ أبِي العالِيَةِ ووَزْنُهُ فاعَلَتْ، وحُذِفَتْ لامُهُ لِلسّاكِنَيْنِ.
﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ بِكِبَرِ الحَمْلِ في بَطْنِها، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ كَقَوْلِهِمْ: أتْمَرَ وألْبَنَ أيْ: صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقِيلَ: إنَّها لِلدُّخُولِ في زَمانِ الفِعْلِ أيْ: دَخَلَتْ في زَمانِ الثِّقَلِ كَأصْبَحَ دَخَلَ في الصَّباحِ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُتَبادَرُ مِنَ الثِّقَلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، والتَّقابُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى الأوَّلِ لِلْخِفَّةِ ظاهِرٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الكَرْبُ لِيُقابِلَ الخِفَّةَ بِالمَعْنى الثّانِي، لَكِنَّ المُتَبادِرَ في المَوْضِعَيْنِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وقُرِئَ: (أُثْقِلَتْ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: أثْقَلَها حَمْلُها.
﴿دَعَوا اللَّهَ﴾ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ
صفحة 139
لَمّا خافا عاقِبَةَ الأمْرِ فاهْتَمّا بِهِ وتَضَرَّعا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبَّهُما﴾ أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ الدُّعاءُ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُما قَدْ صَدَّرا بِهِ دُعاءَهُما وهو المَعْهُودُ مِنهُما في الدُّعاءِ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ لِإيذانِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ بِهِ، أيْ: دَعَواهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا ووَعَدا بِمُقابَلَتِهِ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ وقالا أوْ قائِلَيْنِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ: نَسْلًا مِن جِنْسِنا سَوِيًّا، وقِيلَ: ولَدًا سَلِيمًا مِن فَسادِ الخِلْقَةِ كَنَقْصِ بَعْضِ الأعْضاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ جَماعَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ: غُلامًا ذَكَرًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ: ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ نَحْنُ أوْ نَحْنُ ونَسْلُنا ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ لَكَ عَلى إيتائِكَ. وقِيلَ: عَلى نَعائِمِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ آتَيْتَنا لَهُما ولِكُلِّ مَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِما ولَيْسَ بِذَلِكَ.
الأعراف 7:190
﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ وهو ما سَألاهُ أصالَةً مِنَ النَّسْلِ أوْ ما طَلَباهُ أصالَةً واسْتِتْباعًا مِنَ الوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ ما تَناسَلُوا ﴿جَعَلا﴾ أيِ النَّسْلَ الصّالِحَ السَّوِيَّ، وثَنّى الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ النَّسْلَ صِنْفانِ ذَكَرٌ وأُنْثى، وقَدْ جاءَ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ كَذَلِكَ ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿شُرَكاءَ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ﴿فِيما آتاهُما﴾ مِنَ الأوْلادِ حَيْثُ أضافُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ (بِما) لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ عِنْدَ الوِلادَةِ، والأوْلادُ إذْ ذاكَ مُلْحَقُونَ بِما لا يَعْقِلُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ ما يَعُمُّ سائِرَ النِّعَمِ؛ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى آلِهَتِهِمْ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ شُرَكاءَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الجَعْلِ لِلنَّسْلِ عَلى حَدِّ: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ عَلى ما فَصَّلَ مِن قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ وآثارِ نِعْمَتِهِ الزّاجِرَةِ عَنِ الشِّرْكِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأُولَئِكَ النَّسْلِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وفِيهِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شِرْكِهِمْ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا التَّسْمِيَةُ أوْ مُطْلَقُ الإشْراكِ، و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ: عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدِي مِنَ المُشْكِلاتِ، ولِلْعُلَماءِ فِيها كَلامٌ طَوِيلٌ ونِزاعٌ عَرِيضٌ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجُبّائِيِّ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ إغْضاءِ العَيْنِ عَنْ مُخالَفَتِهِ لِلْمَرْوِيّاتِ سِوى تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى مَعَ كَوْنِ المَرْجِعِ مُفْرَدًا لَفْظًا ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ في الفَصِيحِ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ في جَعَلا وآتاهُما بَعْدُ مُضافًا مَحْذُوفًا وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِيهِما لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلى طَرْزِ ما قَبْلُ أيْ: جَعَلَ أوْلادُهُما فِيما آتى أوْلادَهُما مِنَ الأوْلادِ وإنَّما قَدَّرُوهُ في مَوْضِعَيْنِ ولَمْ يَكْتَفُوا بِتَقْدِيرِهِ في الأوَّلِ وإعادَةُ الضَّمِيرِ مِنَ الثّانِي عَلى المُقَدَّرِ أوَّلًا لِأنَّ الحَذْفَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ فَهو كالمَعْدُومِ فَلا يَحْسُنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالشِّرْكِ فِيما آتى الأوْلادَ تَسْمِيَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن أوْلادِهِمْ بِنَحْوِ عَبْدِ العُزّى وعَبْدِ شَمْسٍ.
واعْتُرِضَ أوَّلًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ فِيما يَكُونُ لِلْفِعْلِ مُلابَسَةٌ ما بِالمُضافِ إلَيْهِ أيْضًا بِسِرايَتِهِ إلَيْهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا ويَتَضَمَّنُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ صُورَةَ مَزِيَّةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ. فَإنَّ الإنْجاءَ مِنهم مَعَ أنَّ تَعَلُّقَهُ حَقِيقَةً لَيْسَ إلّا بِأسْلافِ اليَهُودِ، وقَدْ نُسِبَ إلى أخْلافِهِمْ بِحُكْمِ سِرايَتِهِ إلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ بَرِيئانِ مِن سِرايَةِ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَلا وجْهَ لِإسْنادِهِ إلَيْهِما صُورَةً، وثانِيًا بِأنَّ إشْراكَهم بِإضافَةِ أوْلادِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ إلى أصْنامِهِمْ مِن لازِمِ اتِّخاذِ تِلْكَ الأصْنامِ آلِهَةً ومُتَفَرِّعٌ
صفحة 140
لَهُ لا أمْرٌ حَدَثَ عَنْهم لَمْ يَكُنْ قَبْلُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّوْبِيخُ عَلى هَذا دُونَ ذَلِكَ، وثالِثًا بِأنَّ إشْراكَ أوْلادِهِما لَمْ يَكُنْ حِينَ آتاهُما اللَّهُ تَعالى صالِحًا بَلْ بَعْدَهُ بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ، ورابِعًا بِأنْ إجْراءَ جَعَلا عَلى غَيْرِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ الأوَّلُ والتَّعْقِيبُ بِالفاءِ يُوجِبُ اخْتِلالَ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ وجْهَ ذَلِكَ الإسْنادِ الإيذانُ بِتَرْكِهِما الأوْلى حَيْثُ أقْدَما عَلى نَظْمِ أوْلادِهِما في سِلْكِ أنْفُسِهِما والتَزَما شُكْرَهم في ضِمْنِ شُكْرِهِما، وأقْسَما عَلى ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ بِبَيانِ أنَّ إخْلالَهم بِالشُّكْرِ الَّذِي وعَداهُ وعْدًا مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ بِمَنزِلَةِ إخْلالِهِما بِالذّاتِ في اسْتِيجابِ الحِنْثِ والخُلْفِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَضاعُفِ جِنايَتِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم بِجَعْلِهِمُ المَذْكُورَ أوْقَعُوهُما في ورْطَةِ الحِنْثِ والخُلْفِ وجَعَلُوهُما كَأنَّهُما باشَراهُ بِالذّاتِ فَجَمَعُوا بَيْنَ الجِنايَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى والجِنايَةِ عَلَيْهِما عَلَيْهِما السَّلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ عَلى هَذا لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ وعَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَناسُلِهِمْ وبَّخَهم عَلى جَهْلِهِمْ وإضافَتِهِمْ تِلْكَ النِّعَمَ إلى غَيْرِ مُعْطِيها وإسْنادِها إلى مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ ولَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا أمْرًا مِن أُمُورِ الأُلُوهِيَّةِ قَصْدًا حَتّى يُوَبَّخُوا عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ كَلِمَةَ لَمّا لَيْسَتْ لِلزَّمانِ المُتَضايِقِ بَلِ المُمْتَدِّ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَقَعَ الشَّرْطُ والجَزاءُ في يَوْمٍ واحِدٍ أوْ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الأُمُورِ كَما يُقالُ: لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ طَهُرَتِ البِلادُ مِنَ الكُفْرِ والإلْحادِ، وعَنِ الرّابِعِ بِما حَرَّرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ في اخْتِيارِ هَذا القَوْلِ وإيثارِهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الشِّرْكَ راجِعٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَيْسَ المُتَعارَفُ بَلْ ما نُقِلَ مِن تَسْمِيَةِ الوَلَدِ عَبْدَ الحَرْثِ وهو أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وأنَّهُ بَعْدَ ما خُتِمَتْ قِصَّةُ اليَهُودِ بِما خُتِمَتْ تَسْلِيَةً وتَشْجِيعًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَمْلًا لَهُ عَلى التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ اقْتِداءً بِإخْوَتِهِ مِن أُولِي العَزْمِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مُصْطَفاهُ وكَلِيمُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ ما قاساهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِما كانَ يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قُرَيْشٍ وذُيِّلَتْ بِما يَقْتَضِي العَطْفَ عَلى المَعْنى الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ أوَّلًا؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ وقَعَ التَّخَلُّصُ إلى ذِكْرِ أهْلِ مَكَّةَ في (حاقَ) مَوْقِعَهُ فَقِيلَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ وذُكِرَ سُؤالُهم عَمّا لا يَعْنِيهِمْ فَلَمّا أُرِيدَ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَهُمُّكم وإنَّما المُهِمُّ إزالَةُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مُنْغَمِسُونَ فِيهِ مِن أوْضارِ الشِّرْكِ والآثامِ مَهَّدَ لَهُ، هو الَّذِي خَلَقَكم مُضَمَّنًا مَعْنى الِامْتِنانِ والمالِكِيَّةِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلتَّوْحِيدِ والعُبُودِيَّةِ ثُمَّ قِيلَ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ أيْ: جَعَلْتُمْ يا أوْلادَهُما، ولَقَدْ كانَ في أبَوَيْكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في قَوْلِهِما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ وكَأنَّ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا ووَفَيا بِما وعَدا بِهِ رَبَّهُما مِنَ القِيامِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ خالَفْتُمْ أنْتُمْ يا أوْلادَهُما فَأشْرَكْتُمْ وكَفَرْتُمُ النِّعْمَةَ، وفي هَذا الِالتِفاتِ ثُمَّ إضافَةُ فِعْلِهِمْ إلى الأبَوَيْنِ عَلى عَكْسِ ما جُعِلَ مِن خَلْقِ الأبِ وتَصْوِيرِهِ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ إيماءً إلى غايَةِ كُفْرانِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ، وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: فَظَهَرَ أنَّ إجْراءَ جَعَلا لَهُ عَلى غَيْرِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ الأوَّلُ، والتَّعْقِيبُ بِالفاءِ لا يُوجِبُ اخْتِلالَ النَّظْمِ بَلْ يُوجِبُ التِئامَهُ، والإنْصافُ أنَّ الأسْئِلَةَ والآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ اللُّغْزِ، وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ ضَمِيرَ جَعَلا وآتاهُما يَعُودُ عَلى النَّفْسِ وزَوْجِها مِن ولَدِ آدَمَ لا إلى آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ قالَ: ويَكُونُ المَعْنى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ
صفحة 141
وتَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ لِكُلِّ نَفْسٍ زَوْجًا مِن جِنْسِها فَلَمّا تَغَشّى كُلُّ نَفْسٍ زَوْجَها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا وهو ماءُ الفَحْلِ، فَلَمّا أثْقَلَتْ بِمَصِيرِ ذَلِكَ الماءِ لَحْمًا ودَمًا وعَظْمًا دَعا الرَّجُلُ والمَرْأةُ رَبَّهُما: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا أيْ: ذَكَرًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ، وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَئِدُوا البَناتِ فَلَمّا آتاهُما أيْ: فَلَمّا أعْطى اللَّهُ تَعالى الأبَ والأُمَّ ما سَألاهُ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ؛ فَسَمَّيا عَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ العُزّى وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَتِ الكِنايَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى الجَمِيعِ. ولا تَعَلُّقَ لِلْآيَةِ بِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا، ولا يَخْفى أنَّ المُتَبادِرَ مِن صَدْرِها آدَمُ وحَوّاءُ ولا يَكادُ يُفْهَمُ غَيْرُهُما رَأْسًا، نَعَمِ اخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ ما مَآلُهُ هَذا في الِانْتِصافِ وادَّعى أنَّهُ أقْرَبُ وأسْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى ولا يُقْصَدُ مُعَيَّنٌ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وكَأنَّ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: هو الَّذِي خَلَقَكم جِنْسًا واحِدًا وجَعَلَ أزْواجَكم مِنكم أيْضًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهِنَّ، فَلَمّا تَغَشّى الجِنْسُ الَّذِي هو الذَّكَرُ الجِنْسَ الَّذِي هو الأُنْثى جَرى مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّما نَسَبَ هَذِهِ المَقالَةَ إلى الجِنْسِ وإنْ كانَ فِيهِمُ المُوَحِّدُونَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم فَجازَ أنْ يُضافَ الكَلامُ إلى الجِنْسِ عَلى طَرِيقَةِ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ بَعْضُهُمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ و﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتُعُقِّبُ بِأنَّ فِيهِ إجْراءَ جَمِيعِ ألْفاظِ الآيَةِ عَلى الأوْجُهِ البَعِيدَةِ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ لِآدَمَ وحَوّاءَ كَما هو الظّاهِرُ إلّا أنَّ حَدِيثَهُما ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ وانْقَطَعَ الحَدِيثُ ثُمَّ خَصَّ المُشْرِكِينَ مِن أوْلادِ آدَمَ بِالذَّكَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ العُمُومُ ثُمَّ يُخَصُّ البَعْضُ بِالذِّكْرِ، وهو كَما تَرى. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَعَلا لِآدَمَ وحَوّاءَ كَما هو الظّاهِرُ والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والكِنايَةِ في (فَتَعالى) إلَخْ لِلْمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ويُشْرِكُ كَما نُشْرِكُ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى آخَرَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ الَّذِي أنْعَمْتَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ إيذاءَكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ في حَقِّهِ كَذا وكَذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بِالشَّرِّ والإساءَةِ؛ ومُرادُهُ أنَّهُ بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ ومَنفِيٌّ عَنْهُ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في (خَلَقَكُمْ) لِقُرَيْشٍ وهم آلُ قُصَيٍّ فَإنَّهم خُلِقُوا مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وكانَ لَهُ زَوْجٌ مِن جِنْسِهِ عَرَبِيَّةٌ قُرَيْشِيَّةٌ وطَلَبا مِنَ اللَّهِ تَعالى الوَلَدَ فَأعْطاهُما أرْبَعَةَ بَنِينَ فَسَمَّياهم عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ شَمْسٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ الدّارِ يَعْنِي بِها دارَ النَّدْوَةِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (يُشْرِكُونَ) لَهُما ولِأعْقابِهِما المُقْتَدِينَ بِهِما، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في قِصَّةِ أُمِّ مَعْبَدٍ:
فَيا لِقُصَيٍّ ما زَوى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِن فَخارٍ لا يُبارى وسُؤْدَدِ
واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يُخْلَقُوا مِن نَفْسِ قُصَيٍّ لا كُلُّهم ولا جُلُّهم وإنَّما هُوَ: مُجْتَمَعُ قُرَيْشٍ وبِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ زَوْجَهُ قُرَشِيَّةٌ خَطَأٌ؛ لِأنَّها إنَّما كانَتْ بِنْتَ سَيِّدِ مَكَّةَ مِن خُزاعَةَ، وقُرَيْشٌ إذْ ذاكَ مُتَفَرِّقُونَ لَيْسُوا في مَكَّةَ، وأيْضًا مِن أيْنَ العِلْمُ أنَّهُما وعَدا عِنْدَ الحَمْلِ أنْ يَكُونا شاكِرَيْنِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولا كُفْرانَ أشَدَّ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي كانا فِيهِ.
وما مِثْلُ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ إلّا كَمَن عَمَّرَ قَصْرًا فَهَدَمَ مِصْرًا، وأمّا البَيْتُ فَإنَّما خُصَّ فِيهِ بَنُو قُصَيٍّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم ألْصَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَيِّدَهم وأمِيرَهم شَمِلَ ذِكْرُهُ الكُلَّ شُمُولَ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ الكُلَّ لَيْسُوا مِن نَسْلِ فِرْعَوْنَ، (وأُجِيبَ) عَنْ قَوْلِهِ: مِن أيْنَ العِلْمُ إلَخْ بِأنَّهُ مِن
صفحة 142
إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ ذَلِكَ هو مَعْنى النَّظْمِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ كَوْنَ زَوْجَتِهِ غَيْرَ قُرَشِيَّةٍ في حَيِّزِ المَنعِ. نَعَمْ في كَوْنِ قُصَيٍّ هو أحَدُ أجْدادِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُشْرِكًا مُخالَفَةٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِن أنَّ أجْدادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّهم غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ لَهُ لِلْوَلَدِ، والمَعْنى أنَّهُما طَلَبا مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْثالًا لِلْوَلَدِ الصّالِحِ الَّذِي آتاهُما، وقِيلَ: هو لِإبْلِيسَ، والمَعْنى جَعَلا لِإبْلِيسَ شُرَكاءَ في اسْمِهِ حَيْثُ سَمَّيا ولَدَهُما بِعَبْدِ الحَرْثِ، وكِلا القَوْلَيْنِ رَدَّهُما الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ، وهُما لَعَمْرِي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، لَكِنِّي ذَكَرْتُهُما اسْتِيفاءً لِلْأقْوالِ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِمْ إلى أنَّ ضَمِيرَ جَعَلا يَعُودُ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، والمُرادُ بِالشِّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما غَيْرُ المُتَبادَلِ بَلْ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَخَلَّصَ إلى قِصَّةِ العَرَبِ وإشْراكِهِمُ الأصْنامَ فَهو كَما قالَ السُّدِّيُّ مِنَ المَوْصُولِ لَفْظًا المَفْصُولِ مَعْنًى، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ كَما قِيلَ تَغْيِيرُ الضَّمِيرِ إلى الجَمْعِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ولَوْ كانَتِ القِصَّةُ واحِدَةً لَقِيلَ: يُشْرِكانِ، وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ بَعْدُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ فَقالَ لَها: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَرْثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ فَسَمَّتْهُ بِذَلِكَ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ، وأمَرَهُ وأرادَ بِالحَرْثِ نَفْسَهُ فَإنَّهُ كانَ يُسَمّى بِهِ بَيْنَ المَلائِكَةِ»».
ولا يُعَدُّ هَذا شِرْكًا بِالحَقِيقَةِ عَلى ما قالَ القُطْبُ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ لا تُفِيدُ مَفْهُوماتِها اللُّغَوِيَّةَ لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الشِّرْكُ تَغْلِيظًا وإيذانًا بِأنَّ ما عَلَيْهِ أُولَئِكَ السّائِلُونَ عَمّا لا يَعْنِيهِمْ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَكادُ يُحِيطُ بِفَظاعَتِهِ عِبارَةٌ.
وفِي لُبابِ التَّأْوِيلِ أنَّ إضافَةَ عَبْدٍ إلى الحَرْثِ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِسَلامَتِهِ وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ العَبْدِ عَلى ما لا يُرادُ بِهِ المُلُوكُ كَقَوْلِهِ:
وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا
ولَعَلَّ نِسْبَةَ الجَعْلِ إلَيْهِما مَعَ أنَّ الحَدِيثَ ناطِقٌ بِأنَّ الجاعِلَ حَوّاءُ لا هي وآدَمُ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَرَّها عَلى ذَلِكَ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُما سَمَّياهُ بِذَلِكَ. وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ بِأنَّ الحَدِيثَ لا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ مُفَسِّرًا لِلْآيَةِ ولا إنْكارًا لِصُدُورِ ذَلِكَ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِشِرْكٍ. نَعَمْ كانَ الأوْلى بِهِما التَّنَزُّهَ عَنْ ذَلِكَ إنَّما المُنْكَرُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لا سِيَّما عَلى قِراءَةِ الأكْثَرِينَ (شُرَكاءَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ، ومَن حَمَلَ (فَتَعالى) إلَخْ عَلى أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ وهو راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الكُفّارِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، وكَوْنُهُ مَنقُولًا عَنِ السَّلَفِ مَعارَضٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مَنقُولٌ أيْضًا عَنْ جَمْعٍ مِنهُمُ. انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَسْمِيَةِ آدَمَ وحَوّاءَ ولَدَيْهِما بِعَبْدِ الحَرْثِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكادُ يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، وهو ظاهِرٌ في كَوْنِ الخَبَرِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ في تَفْسِيرِها مِمّا لا مُخَلِّصَ عَنْهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
ووَجْهُ جَمْعِ الشُّرَكاءِ زِيادَةً في التَّغْلِيظِ لِأنَّ مَن جَوَّزَ الشِّرْكَ جَوَّزَ الشُّرَكاءَ، فَلَمّا جَعَلا شَرِيكًا فَكَأنَّهُما جَعَلا شُرَكاءَ، وحُمِلَ ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ إلَخْ عَلى الِابْتِداءِ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ وبِهِ وصَرَّحَ كَثِيرٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ والذّاهِبُونَ إلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ نَزْرٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاهِبِينَ إلَيْهِ وهم دُونَهم أيْضًا في العِلْمِ والفَضْلِ وشَتّانَ ما بَيْنَ دَنْدَنَةِ النَّحْلِ وألْحانِ مَعْبَدٍ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ بَلْ لا قَوْلَ غَيْرُهُ ولا مُعَوِّلَ إلّا عَلَيْهِ لِأنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ وحَضْرَةِ الرِّسالَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ مِنِّي أنَّهُ إذا
صفحة 143
صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي، وأراهُ قَدْ صَحَّ ولِذَلِكَ أحْجَمَ كُمَيْتُ قَلَمِي عَنِ الجَرْيِ في مَيْدانِ التَّأْوِيلِ كَما جَرى غَيْرُهُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: (شِرْكًا) بِصِيغَةِ المَصْدَرِ أيْ: شَرِكَةً أوْ ذَوِي شَرِكَةٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ.
الأعراف 7:191
﴿أيُشْرِكُونَ﴾ بِهِ تَعالى ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أيْ: ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِعابِدِهِ لا مَحالَةَ، وعَنى (بِما) الأصْنامَ، وإرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْها مُفْرَدًا لِرِعايَةِ لَفْظِها كَما أنَّ إرْجاعَ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْها مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ لِرِعايَةِ مَعْناها وإيرادُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ مَعَ أنَّ الأصْنامَ مِمّا لا يَعْقِلُ إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ اعْتِقادِهِمْ فِيها وإجْرائِهِمْ لَها مَجْرى العُقَلاءِ وتَسْمِيَتِهِمْ لَها آلِهَةً.
والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَخْلُقُ﴾، والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِإبانَةِ كَمالِ مُنافاةِ حالِ ما أشْرَكُوهُ لِما اعْتَقَدُوا فِيهِ، وإظْهارِ غايَةِ جَهْلِهِمْ، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْخالِقِ لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ والِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى.
الأعراف 7:192
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الأصْنامُ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهم ﴿نَصْرًا﴾ أيْ: نَصْرًا ما إذا أحْزَنَهم أمْرُهم وخَطْبٌ مُلِمٌّ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا اعْتَراهم حادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ أيْ: لا يَدْفَعُونَها عَنْ أنْفُسِهِمْ، وإيرادُ النَّصْرِ لِلْمُشاكَلَةِ وهو مَجازٌ في لازِمِ مَعْناهُ، وهَذا لِتَأْكِيدِ العَجْزِ والِاحْتِياجِ المُنافِيَيْنِ لِاسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، ووُصِفُوا فِيما تَقَدَّمَ بِالمَخْلُوقِيَّةِ لِكَوْنِهِمْ أهْلًا لَها ولَمْ يُوصَفُوا هُنا بِالمَنصُورِيَّةِ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لَها.