Tafsir Al-Alusi — الأعراف 7:44 – الأعراف 7:142
المحتويات
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
الأعراف 7:44
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ فِيها كَما هو الظّاهِرُ وصِيغَةُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ والمَعْنى يُنادِي ولا بُدَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ أيْ مَن كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا مِن أهْلِها تَبَجُّحًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأعْدائِهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم لا لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ والِاسْتِخْبارِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ ﴿حَقًّا﴾ حَيْثُ نِلْنا ذَلِكَ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ ما وعَدَكم مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ والعَذابِ ﴿حَقًّا﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ تَخْفِيفًا وإيجازًا واسْتِغْناءً بِالأوَّلِ وقِيلَ: لِأنَّ ما ساءَهم مِنَ الوُعُودِ لَمْ يَكُنْ بِأسْرِهِ مَخْصُوصًا بِهِمْ وعْدَهُ كالبَعْثِ والحِسابِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ فَإنَّهم قَدْ وجَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ حَقًّا وإنْ لَمْ يَكُنْ وعْدُهُ مَخْصُوصًا بِهِمْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا خَفاءَ في كَوْنِ أصْحابِ الجَنَّةِ مُصَدِّقِينَ بِالكُلِّ والكُلُّ مِمّا يَسُرُّهم فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ وعْدُهم أيْضًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى ما تَقَدَّمَ ونُصِبَ ( حَقًّا ) في المَوْضِعَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ ويَكُونُ ( وجَدَ ) بِمَعْنى عَلِمَ والتَّعْبِيرُ بِالوَعْدِ قِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: لِلتَّهَكُّمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ ( وعَدَ ) المَحْذُوفُ ( نا ) وحِينَئِذٍ فَلا مُشاكَلَةَ ولا تَهَكُّمَ وأيًّا ما كانَ لا يُسْتَبْعَدُ هَذا النِّداءُ هُناكَ وإنْ بَعُدَ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ مِنَ المَسافَةِ كَما لا يَخْفى.
﴿قالُوا﴾ في جَوابِ أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿نَعَمْ﴾ قَدْ وجَدْنا ذَلِكَ حَقًّا وقَرَأ الكِسائِيُّ ( نَعِمْ ) بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ نُسِبَتْ إلى كِنانَةَ وهُذَيْلٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ مَعَ القِراءَةِ بِهِ وإثْباتِ أهْلِ اللَّغْوِ لَهُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ.
نَعَمْ ما رُوِيَ مِن أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَ قَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَقالُوا: نَعِمْ فَقالَ عُمَرُ أمّا النَّعِمُ فالإبِلُ قُولُوا:
صفحة 123
نَعَمْ لا أراهُ صَحِيحًا لِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِأصَحِّ الفَصِيحِ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ هو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صاحِبُ الصُّوَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مالِكٌ خازِنُ النّارِ وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ غَيْرُهُما يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ورِوايَةُ الإمامِيَّةِ عَنِ الرِّضا وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِمّا لَمْ يَثْبُتْ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ وبَعِيدٌ عَنْ هَذا الإمامِ أنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا وهو إذْ ذاكَ في حَظائِرِ القُدُسِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ لا بَيْنَ القائِلِينَ نَعَمْ كَما قِيلَ ولا يُرَدُّ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ بَيْنَهُما لِأنَّهُ غَيْرُهُ مُتَعَيِّنٌ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ (44) بِأنِ المُخَفَّفَةِ أوِ المُفَسِّرَةِ والمُرادُ الإعْلامُ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم زِيادَةً لِسُرُورِ أصْحابِ الجَنَّةِ وحُزْنِ أصْحابِ النّارِ أوِ ابْتِداءُ لَعْنٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ ) بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ: وقَرَأ الأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ أوِ التَّقْدِيرِ أوْ عَلى الحِكايَةِ بِأذَّنَ لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ فَيَجْرِي مَجْراهُ.
الأعراف 7:45
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ يَصُدُّونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ دِينِهِ سُبْحانَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ فالمَوْصُولُ صِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلظّالِمِينَ لِأنَّ هَذا الإعْراضَ لازِمٌ لِكُلِّ ظالِمٍ وجُوِّزَ القَطْعُ بِالرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وكِلاهُما عَلى الذَّمِّ وأمْرُ الوَقْفِ ظاهِرٌ وفَسَّرَ الإمامُ النَّسَفِيُّ الصَّدَّ هُنا بِمَنعِ الغَيْرِ وعَلَيْهِ فَلا تَقْرِيرَ والمَعْنى يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْهُ وإدْخالِ الشُّبَهِ في دَلائِلِهِ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَ اعْوِجاجَها ويَذُمُّونَها فَلا يُؤْمِنُونَ بِها أوْ يَطْلُبُونَ لَها تَأْوِيلًا وإمالَةً إلى الباطِلِ فالعِوَجُ إمّا عَلى أصْلِهِ وهو المَيْلُ وإمّا بِمَعْنى التَّعْوِيجِ والإمالَةِ ونَصْبُهُ قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ كَرَجَعَ القَهْقَرى واشْتَمَلَ الصَّمّاءَ وذَكَرَ أنَّ العِوَجَ بِالكَسْرِ يَكُونُ في الدِّينِ والطَّرِيقِ وبِالفَتْحِ في الخِلْقَةِ فَيُقالُ في ساقِهِ عَوَجٌ بِالفَتْحِ وفي دِينِهِ عِوَجٌ بِالكَسْرِ وقالَ الرّاغِبُ: العِوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ كالخَشَبِ المُنْتَصِبِ ونَحْوِهِ والعَوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِفِكْرَةٍ وبَصِيرَةٍ كَما يَكُونُ في أرْضٍ بَسِيطٍ وكالدِّينِ والمَعاشِ وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (45) أيْ غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِالقِيامَةِ وما فِيها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ إشارَةً إلى رُسُوخِ الكُفْرِ فِيهِمْ.
الأعراف 7:46
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حِجابٌ عَظِيمٌ لِيُمْنَعَ وصُولُ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى وإنْ لَمْ يُمْنَعْ وصُولُ النِّداءِ وأُمُورُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بِأُمُورِ الدُّنْيا.
﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ أعْرافِ الحِجابِ أيْ أعالِيهِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما جَمْعُ عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الدّابَّةِ والدِّيكِ وقِيلَ: العُرْفُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ أيْ أعْلى مَوْضِعٍ مِنهُ لِأنَّهُ أشْرَفُ وأعْرَفُ ما فِيهِ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ وقِيلَ: ذاكَ جَبَلُ أُحُدٍ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أُحُدٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» وإنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم وهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقِيلَ: هو الصِّراطُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ المُفَضَّلِ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ الأعْرافَ بِمَكانٍ وأنَّهُ قالَ: المَعْنى وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ والحَقُّ أنَّهُ مَكانٌ والرِّجالُ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئاتُهم عَنِ الجَنَّةِ وتَجاوَزَتْ
صفحة 124
بِهَمْ حَسَناتُهم عَنِ النّارِ جُعِلُوا هُناكَ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ النّاسِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم فَقالَ لَهم: قُومُوا ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَإنِّي غَفَرْتُ لَكم أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ حُذَيْفَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى النّاسَ ثُمَّ يَقُولُ لِأصْحابِ الأعْرافِ ما تَنْتَظِرُونَ قالُوا: نَنْتَظِرُ أمْرَكَ فَيُقالُ: إنَّ حَسَناتِكم تَجاوَزَتْ بِكُمُ النّارَ أنْ تَدْخُلُوها وحالَتْ بَيْنَكم وبَيْنَ الجَنَّةِ خَطاياكم فادْخُلُوها بِمَغْفِرَتِي ورَحْمَتِي وإلى ذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجَلَسُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَلى سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ العَبّاسُ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وجَعْفَرٌ ذُو الجَناحَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَجْلِسُونَ عَلى مَوْضِعٍ مِنَ الصِّراطِ يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَياضِ الوُجُوهِ ومُبْغَضِيهِمْ بِسَوادِها وقِيلَ: إنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الشّاهِدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ وهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ حَكاهُ الزُّهْرِيُّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقالَ هم أُناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آبائِهِمْ ومَنَعَهم مِن دُخُولِ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ» وقِيلَ: هم أُناسٌ رَضِيَ عَنْهم أحَدُ أبَوَيْهِمْ دُونَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم قَوْمٌ كانَ فِيهِمْ عُجْبٌ وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ: هم قَوْمٌ كانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ وقِيلَ: هم أهْلُ الفَتْرَةِ وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أوْلادُ الزِّنا وعَنْهُ أيْضًا أنَّهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُورَةِ الرِّجالِ لا أنَّهم رِجالٌ حَقِيقَةً لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ ولا أُنُوثَةٍ وقِيلَ وقِيلَ وأرْجَحُ الأقْوالِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ الأوَّلُ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَها بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْلِسَ الجَمِيعُ مِمَّنْ ورَدَ فِيهِمْ أنَّهم أصْحابُ الأعْرافِ هُناكَ مَعَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ عَلى أنَّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ما يَخْفى تَداخُلُهُ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَظْهَرَ القَوْلَ بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم لِأنَّ المَقالاتِ الآتِيَةَ وما تَتَفَرَّعُ هي عَلَيْهِ لا تَلِيقُ بِغَيْرِهِمْ ﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها كَبَياضِ الوُجُوهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادِها بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ.
ووَزْنُهُ فَعْلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً أوْ مِن وسَمَ عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ فَوَزْنُهُ عَقْلى ويُقالُ سِيماءُ بِالمَدِّ وسِيمِياءُ كَكِبْرِياءَ قالَ الشّاعِرُ:
لَهُ سِيماءُ ما تَشُقُّ عَلى البَصَرِ
ومَعْرِفَتُهم أنَّ كَذا عَلامَةُ الجَنَّةِ وكَذا عَلامَةُ النّارِ تَكُونُ بِالإلْهامِ أوْ بِتَعْلِيمِ المَلائِكَةِ وهَذا كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم إذْ لا حاجَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ لِلْعَلامَةِ ويُشْعِرُ كَلامُ آخَرِينَ أنَّهُ بَعْدَهُ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ﴿ونادَوْا﴾ أيْ رِجالُ الأعْرافِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ حِينَ رَأوْهم وعَرَفُوهم ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿نادُوا﴾ أوْ مَفْعُولِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ (46) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَدْخُلُوها﴾ أيْ نادَوْهم وهم لَمْ يَدْخُلُوها حالَ كَوْنِهِمْ
صفحة 125
طامِعِينَ في دُخُولِها مُتَرَقِّبِينَ لَهُ أيْ لَمْ يَدْخُلُوها وهم في وقْتِ عَدَمِ الدُّخُولِ طامِعُونَ قالَهُ بَعْضُهم.
وفَسَّرَ الطَّمَعَ بِاليَقِينِ الحَسَنُ وأبُو عَلِيٍّ وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ وفي الكَشّافِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ .. إلَخْ. لا مَحَلَّ لَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ حالِ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِرِجالٍ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ.
الأعراف 7:47
﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ إلى جِهَتِهِمْ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولَيْسَ في المَصادِرِ وما هو عَلى وزْنِ تِفْعالٍ بِكَسْرِ التّاءِ غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ وزِلْزالٍ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ظَرْفَ مَكانٍ بِمَعْنى جِهَةِ اللِّقاءِ والمُقابَلَةِ ويَجُوزُ عِنْدَ السَّبْعَةِ إثْباتُ هَمْزَتِهِ وهَمْزَةِ ( أصْحابَ ) وحَذْفُ الأُولى وإثْباتُ الثّانِيَةِ وفي عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِأصْحابِ الجَنَّةِ والتَّعْبِيرِ عَنْ تَعَلُّقِ أبْصارِهِمْ بِأصْحابِ النّارِ بِالصَّرْفِ إشْعارٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ التَّعَلُّقَ الأوَّلَ بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ والثّانِي بِخِلافِهِ فَمَن زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ الأوَّلِ شَرْطًا مَحْذُوفًا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ قالُوا مُتَعَوِّذِينَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ ما رَأوْا مِن حالِهِمْ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (47) أيْ لا تَجْمَعْنا وإيّاهم في النّارِ وفي وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْسَ العَذابِ فَقَطْ بَلْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ فِيها الدُّعاءَ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِعْظامِ حالِ الظّالِمِينَ وقَرَأ الأعْمَشُ ( وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم ) وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
الأعراف 7:48
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وقِيلَ: لَمْ يَكْتَفِ بِالإضْمارِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُرادِ مِنهم هُنا والمُرادِ مِنهم فِيما تَقَدَّمَ فَإنَّ المُنادِيَ هُناكَ الكُلُّ وهُنا البَعْضُ وفي إطْلاقِ أصْحابِ الأعْرافِ عَلى أُولَئِكَ الرِّجالِ بِناءً عَلى أنَّ مَآلَهم إلى الجَنَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عُنْوانَ الصُّحْبَةِ لِلشَّيْءِ لا يَسْتَدْعِي المُلازِمَةَ لَهُ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ ﴿رِجالا﴾ مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ حَتّى رَأوْهم فِيما بَيْنَ أصْحابِ النّارِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها مِن سَوادِ الوَجْهِ وتَشْوِيهِ الخَلْقِ وزُرْقَةِ العَيْنِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ بِصُوَرِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْرِفُونَهم بِها في الدُّنْيا كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ أوْ بِعَلامَتِهِمُ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ وعَلى رِياسَتِهِمْ في الدُّنْيا كَما قِيلَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وأيًّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِنادى والمَعْنى نادَوْا رِجالًا يَعْرِفُونَهم في الدُّنْيا بِأسْمائِهِمْ وكُناهم وما يُدْعَوْنَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ.
﴿قالُوا﴾ بَيانٌ لِنادى أوْ بَدَلٌ مِنهُ ﴿ما أغْنى عَنْكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ النَّفْيُ أيْ ما كَفاكم ما أنْتُمْ فِيهِ ﴿جَمْعُكُمْ﴾ أتْباعُكم وأشْياعُكم أوْ جَمْعُكُمُ المالَ فَهو مَصْدَرٌ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (48) أيْ واسْتِكْبارُكُمُ المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أوْ عَلى الخَلْقِ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ.
وقُرِئَ ( تَسْتَكْثِرُونَ ) مِنَ الكَثْرَةِ و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْمَ مَوْصُولٍ عَلى مَعْنى ما أغْنى عَنْكم أتْباعُكم والَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَكْثِرُونَهُ مِنَ الأمْوالِ.
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في القِراءَةِ السَّبْعِيَّةِ كَذَلِكَ والمُرادُ بِها حِينَئِذِ الأصْنامُ ومَعْنى اسْتِكْبارِهِمْ
صفحة 126
إيّاها اعْتِقادُهم عِظَمَها وكِبَرَها أيْ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وأصْنامُكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ كِبَرَها وعِظَمَها.
الأعراف 7:49
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولُ القَوْلِ أيْضًا أيْ قالُوا ما أغْنى وقالُوا: أهَؤُلاءِ والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا ويَحْلِفُونَ أنَّهم لا يُصِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَةٍ وخَيْرٍ ولا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ كَسَلْمانَ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْ يَفْعَلُونَ ما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ .
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (49) مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ فالتَفَتُوا إلى أُولَئِكَ المُشارِ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقالُوا لَهم: دُومُوا في الجَنَّةِ غَيْرَ خائِفِينَ ولا مَحْزُونِينَ عَلى أكْمَلِ سُرُورٍ وأتَمِّ كَرامَةٍ.
وقِيلَ: هو أمْرٌ بِأصْلِ الدُّخُولِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ كَوْنُهم عَلى الأعْرافِ وقَوْلُهم هَذا قَبْلَ دُخُولِ بَعْضِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ ولَيْسَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ والمَقُولُ لَهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلٍ وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِمْ هم أهْلُ الأعْرافِ وهُمُ القائِلُونَ أيْضًا والمَقُولُ لَهم أهْلُ النّارِ و﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن قَوْلِ أهْلِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ يَرْجِعُونَ فَيُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَقُولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وقِيلَ: لَمّا عَيَّرَ أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ النّارِ أقْسَمَ أصْحابُ النّارِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ خِطابًا لِأهْلِ النّارِ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مُشِيرًا إلى أصْحابِ الأعْرافِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ .. إلَخْ. وقُرِئَ ( ادْخُلُوا. ودَخَلُوا ) بِالمَزِيدِ المَجْهُولِ وبِالمُجَرَّدِ المَعْلُومِ وعَلَيْهِما فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ .. إلَخْ. مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا لِيَتَّجِهَ الخِطابُ ويَرْتَبِطَ الكَلامُ أيِ ادْخُلُوا أوْ دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ .. إلَخْ.
وقُرِئَ أيْضًا أدْخِلُوا بِأمْرِ المَزِيدِ لِلْمَلائِكَةِ والظّاهِرُ أنَّها تَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَقْدِيرٍ.
الأعراف 7:50
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ: ﴿أنْ أفِيضُوا﴾ أيْ صُبُّوا ﴿عَلَيْنا﴾ شَيْئًا ﴿مِنَ الماءِ﴾ نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ما نَحْنُ فِيهِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ النّارِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أوْ مِنَ الَّذِي رَزَقَكُمُوهُ اللَّهُ تَعالى مِن سائِرِ الأشْرِبَةِ لِيُلائِمَ الإفاضَةَ أوْ مِنَ الأطْعِمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ ويُقَدَّرُ في المَعْطُوفِ عامِلٌ يُناسِبُهُ أوْ يُؤَوَّلُ العامِلُ الأوَّلُ بِما يُلائِمُ المُتَعاطِفَيْنِ أوْ يُضَمَّنُ ما يَعْمَلُ في الثّانِي أوْ يُجْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى نِهايَةِ عَطَشِهِمْ وشَدَّةِ جُوعِهِمْ وأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ لا يَمْنَعُهم عَنْ طَلَبِ أكْلٍ وشُرْبٍ وبِهَذا رَدَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يُرْوى عَلى هارُونَ الرَّشِيدِ إنْكارَهُ أكْلَ أهْلِ المَحْشَرِ مُحْتَجًّا بِأنَّ ما هم فِيهِ أقْوى مانِعٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ هَذا السُّؤالَ هَلْ كانَ مَعَ رَجاءِ الحُصُولِ أوْ مَعَ اليَأْسِ مِنهُ حَيْثُ عَرَفُوا دَوامَ ما هم فِيهِ وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا فَقِيلَ قالُوا في جَوابِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ (50) أيْ مَنَعَ كُلًّا مِنهُما أوْ مَنَعَهُما مَنعَ المُحَرَّمِ عَنِ المُكَلَّفِ فَلا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ قَطْعًا ولا يُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ عَلى مَعْناهُ الشّائِعِ لِأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ
الأعراف 7:51
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوِ الَّذِي يَلْزَمُهُمُ التَّدَيُّنُ بِهِ ﴿لَهْوًا ولَعِبًا﴾ فَلَمْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ أوْ فَحَرَّمُوا ما شاءُوا واسْتَحَلُّوا
صفحة 127
ما شاءُوا واللَّهْوُ كَما قِيلَ صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ واللَّعِبُ طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِما فَتَذَكَّرْ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ شَغَلَتْهم بِزَخارِفِها العاجِلَةِ ومَواعِيدِها الباطِلَةِ وهَذا شَأْنُها مَعَ أهْلِها قاتَلَها اللَّهُ تَعالى تَغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِي بِالمَنسِيِّ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ وتَرْكِهِمْ في النّارِ تَرْكًا كُلِّيًّا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ وقَدْ جاءَ النِّسْيانُ بِمَعْنى التَّرْكِ كَثِيرًا ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى نُؤَخِّرُهم في النّارِ وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنْ نَنْساهم مِنَ النَّسْءِ لا مِنَ النِّسْيانِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ﴾ فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ قِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَنْساهم نِسْيانًا مِثْلَ نِسْيانِهِمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسى ولَيْسَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْضًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذاكِرِي ذَلِكَ حَتّى يَنْسَوْهُ بَلْ شَبَّهَ عَدَمَ إخْطارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِبالِهِمْ وعَدَمَ اسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِحالِ مَن عَرَفَ شَيْئًا ثُمَّ نَسِيَهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى كَما نَسُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا ولَيْسَ هَذا التَّقْدِيرُ ضَرُورِيًّا كَما لا يَخْفى وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الكافَ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا لِلتَّشْبِيهِ إذْ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (51) لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( ما نَسُوا ) وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ النِّسْيانُ مِثْلُهُ.
وتَشْبِيهُ النِّسْيانِ بِالجُحُودِ غَيْرُ ظاهِرٍ ومَنِ ادَّعاهُ قالَ: المُرادُ نَتْرُكُهم في النّارِ تَرْكًا مُسْتَمِرًّا كَما كانُوا مُنْكِرِينَ أنَّ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إنْكارًا مُسْتَمِرًّا قالَ القُطْبُ: الجُحُودُ في مَعْنى النِّسْيانِ وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ إلى وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا لا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ فَقَطْ وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ ذَلِكَ لا غَيْرَ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( اليَوْمَ نَنْساهم ) خَبَرَهُ والفاءُ فِيهِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ كَما قِيلَ.
الأعراف 7:52
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً وقِيلَ: لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ وقِيلَ: لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ والكِتابُ هو القُرْآنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْواعِ بِقَوْلِهِ.
حَلالٌ حَرامٌ مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ بَشِيرٌ نَذِيرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلُ
والمُرادُ مَنعُ الخُلُوِّ كَما لا يَخْفى ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ مِنّاِ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( فَصَّلْناهُ ) وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عالِمِينَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِذَلِكَ حَتّى جاءَ حَكِيمًا مُتْقَنًا وفي هَذا كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِصِفَةٍ زائِدَةٍ عَلى الذّاتِ وهي صِفَةُ العِلْمِ ولَيْسَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ عَيْنَ ذاتِهِ كَما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن ضاهاهم ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَضَّلْناهُ ) بِالضّادِ المَعْجَمَةِ وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ ولا يُجْعَلُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالَمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفَضَّلْناهُ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِ أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنها وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ﴿جِئْناهُمْ﴾ أيْ جِئْناهم بِذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ
صفحة 128
القابِلِينَ لِفَهْمِ ما جِئْناهم بِهِ فَتَأمَّلْ.
﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( فَصَّلْناهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ والكَلامُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ حالًا مَشْهُورٌ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( عِلْمٍ ) وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هو هُدًى عَظِيمٌ ورَحْمَةٌ كَذَلِكَ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (52) لِأنَّهُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ المُنْتَفِعُونَ بِنَوارِهِ.
الأعراف 7:53
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ شَيْئًا ﴿إلا تَأْوِيلَهُ﴾ أيْ عاقِبَتَهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ بِظُهُورِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمُرادُ أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظَرِينَ وفي حُكْمِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّ ما ذُكِرَ يَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ وحِينَئِذٍ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَهُ وهم جاحِدُونَ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ.
وقِيلَ: إنَّ فِيهِمْ أقْوامًا يَشُكُّونَ ويَتَوَقَّعُونَ فالكَلامُ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا زَيْدًا ( يَوْمَ يَأْتِيهِمْ تَأْوِيلُهُ ) وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقِيلَ هو يَوْمُ بَدْرٍ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أيْ تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ جاءُوا بِالحَقِّ وإنَّما فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الواقِعُ هُناكَ ولِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ طَلَبُ الشَّفاعَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليَوْمَ ويَدْفَعُوا عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ و( مِن ) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً في الفاعِلِ بِالظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا ورافِعُهُ وُقُوعُهُ مَوْقِعًا يَصْلُحُ لِلِاسْمِ كَما تَقُولُ: ابْتِداءٌ هَلْ يُضْرَبُ زَيْدٌ ولا يُطْلُبُ لَهُ فِعْلٌ آخَرُ يُعْطَفُ عَلَيْهِ فَلا يُقَدَّرُ هَلْ يَشْفَعُ لَنا شافِعٌ أوْ نُرَدُّ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأرادَ كَما في الكَشْفِ لَفْظًا لِأنَّ الظَّرْفَ مُقَدَّرٌ بِجُمْلَةٍ و( هَلْ ) مِمّا لَهُ اخْتِصاصٌ بِالفِعْلِ والعُدُولُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَمَنِّيَ الشَّفِيعِ أصْلٌ وتَمَنِّيَ الرَّدِّ فَرْعٌ لِأنَّ تَرْكَ الفِعْلِ إلى الِاسْمِ مَعَ اسْتِدْعاءِ هَلْ لِلْفِعْلِ يُفِيدُ ذَلِكَ فَلَوْ قُدِّرَ لَفاتَتْ نُكْتَةُ العُدُولِ مَعْنًى مَعَ الغِنى عَنْهُ لَفْظًا وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَيَشْفَعُوا لَنا المَنصُوبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ أوْ لِأنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلى أنْ أوْ حَتّى أنْ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إظْهارًا لِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ قالَ القاضِي: فَعَلى الرَّفْعِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ الشَّفاعَةُ والرَّدُّ إلى الدُّنْيا وعَلى النَّصْبِ المَسْؤُولُ أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الشَّفاعَةِ في العَفْوِ عَنْهم والرَّدِّ إنْ كانَتْ ( أوْ ) عاطِفَةً وإمّا لِأمْرٍ واحِدٍ إذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ إذْ مَعْناهُ حِينَئِذٍ يَشْفَعُونَ إلى الرَّدِّ وكَذا إذا كانَتْ بِمَعْنى حَتّى أنْ أيْ يَشْفَعُونَ حَتّى يَحْصُلَ الرَّدُّ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ بِالنَّصْبِ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ( نُرَدَّ ) مُسَبَّبٌ عَنْهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ ( نُرَدَّ ) ورَفْعِ ( نَعْمَلُ ) أيْ فَنَحْنُ نَعْمَلُ ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أيْ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ إلى الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غابَ وفُقِدَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (53) أيِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وشُفَعاءَهم يَوْمَ القِيامَةِ والمُرادُ أنَّهُ ظَهَرَ بُطْلانُهُ ولَمْ يُفِدْهم شَيْئًا.
* * *
صفحة 129
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ﴾ أيِ النَّفْسُ وسُمِّيَتْ حَوّاءَ لِمُلازَمَتِها الجِسْمَ الظَّلْمانِيَّ إذِ الحَوَّةُ اللَّوْنُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ السَّوادُ وبَعْضُهم يَجْعَلُ آدَمَ إشارَةً إلى القَلْبِ لِأنَّهُ مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ وهو لِتَعَلُّقِهِ بِالجِسْمِ دُونَ النَّفْسِ سَمِّي بِذَلِكَ ولِشَرَفِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَّهَ النِّداءَ إلَيْهِ وزَوْجُهُ تَبَعٌ لَهُ في السُّكْنى. الجَنَّةُ هي عِنْدَهُمُ إشارَةٌ إلى سَماءِ عالَمِ الأرْواحِ الَّتِي هي رَوْضَةُ القُدُسِ ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ حِجْرٌ عَلَيْكُما في تَلَقِّي المَعانِي والمَعارِفِ والحِكَمِ الَّتِي هي الأقْواتُ القَلْبِيَّةُ والفَواكِهُ الرُّوحانِيَّةُ ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيْ شَجَرَةَ الطَّبِيعَةِ والهَوى الَّتِي بِحَضْرَتِكُما ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ النُّورَ في مَحَلِّ الظُّلْمَةِ أوِ النّاقِصِينَ مِن نُورِ اسْتِعْدادِكُما وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الشَّجَرَةَ بِشَجَرَةِ المَحَبَّةِ المُورِقَةِ بِأنْواعِ المِحْنَةِ أيْ لا تَقْرَباها فَتَظْلِما أنْفُسَكُما لِما فِيها مِنَ احْتِراقِ أنانِيَّةِ المُحِبِّ وفَناءِ هَوِيَّتِهِ في هُوِيَّةِ المَحْبُوبِ ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ غَرَسَها الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما خَمَّرَ طِينَتَهُ بِيَدِهِ لَها:
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إلّا لَهُ ولَمْ يَكُ يَصْلُحُ إلّا لَها
وإنَّ المَنعَ كانَ تَحْرِيضًا عَلى تَناوُلِها فالمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ واخْتارَ هَذا النَّيْسابُورِيُّ وتَكَلَّفَ في باقِي الآيَةِ ما تَكَلَّفَ فَإنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ أيْ لِيَظْهَرَ لَهُما بِالمَيْلِ إلى شَجَرَةِ الطَّبِيعَةِ ما حُجِبَ عَنْهُما عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنَ الأُمُورِ الرَّذِيلَةِ الَّتِي هي عَوْراتٌ عِنْدَ العَقْلِ ﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ أوْهَمَهُما أنَّ في الِاتِّصافِ بِالطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ لَذّاتًا مَلَكِيَّةً وخُلُودًا فِيها أوْ مُلْكًا ورِياسَةً عَلى القُوى بِغَيْرِ زَوالٍ إنْ قُرِئَ ( مَلِكَيْنِ ) بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿فَدَلاهُما﴾ فَنَزَّلَهُما مِن غُرَفِ القُدُسِ إلى التَّعَلُّقِ بِها والرُّكُونِ إلَيْها ﴿بِغُرُورٍ﴾ بِما غَرَّهُما مِن كَأْسِ القَسَمِ المُتْرَعَةِ مِن حِمْيا ذِكْرِ الحَبِيبِ ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ والقَلِيلُ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما كَثِيرٌ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ أيْ يَكْتُمانِ هاتِيكَ السَّوْآتِ والفَواحِشَ الطَّبِيعِيَّةَ بِالآدابِ الحَسَنَةِ والعاداتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي هي مِن تَفارِيعِ الآراءِ العَقْلِيَّةِ ومُسْتَنْبَطاتِ القُوَّةِ العاقِلَةِ العِلْمِيَّةِ ويُخْفِيانِها بِالحِيَلِ العَمَلِيَّةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما﴾ بِما أوْدَعْتُ في عُقُولِكُما مِنَ المَيْلِ إلى التَّجَرُّدِ وإدْراكِ المَعْقُولاتِ ﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وذَلِكَ القَوْلُ بِما ألْهَمَ العَقْلَ مِن مُنافاةِ أحْكامِ الوَهْمِ ومُضادَّةِ مُدْرِكاتِهِ والوُقُوفِ عَلى مُخالَفاتِهِ ومُكابَراتِهِ إيّاهُ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ بِالمَيْلِ إلى جِهَةِ الطَّبِيعَةِ وانْطِفاءِ نُورِها وانْكِسارِ قُوَّتِها: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ بِإلْباسِنا الأنْوارَ الرُّوحانِيَّةَ وإفاضَتِها عَلَيْنا ﴿وتَرْحَمْنا﴾ بِإفاضَةِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الَّذِينَ أتْلَفُوا الِاسْتِعْدادَ الَّذِي هو مادَّةُ السَّعادَةِ وحُرِمُوا عَنِ الكَمالِ التَّجَرُّدِيِّ بِمُلازَمَةِ النَّقْصِ الطَّبِيعِيِّ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ إلى الجِهَةِ السُّفْلى الَّتِي هي العالَمُ الجُسْمانِيُّ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِأنَّ مَطالِبَ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ جُزْئِيَّةٌ لا تَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ فَكُلَّما حَظِيَ بِها أحَدٌ حُرِمَ مِنها غَيْرُهُ فَيَقَعُ بَيْنَهُما العَداوَةُ والبَغْضاءُ بِخِلافِ المَطالِبِ الكُلِّيَّةِ.
وجَمَعَ الخِطابَ لِأنَّهُ في قُوَّةِ خِطابِ النَّوْعِ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ وهو لِباسُ الشَّرِيعَةِ ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ يَسْتُرُ قَبائِحَ أوْصافِكم وفَواحِشَ أفْعالِكم بِشَعارِهِ ودِثارِهِ ﴿ورِيشًا﴾ زِينَةً وجَمالًا في الظّاهِرِ والباطِنِ تَمْتازُونَ بِهِ عَنْ سائِرِ الحَيَواناتِ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ أيْ صِفَةُ الوَرَعِ والحَذَرِ مِن صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ مِن سائِرِ أرْكانِ الشَّرائِعِ والحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّواءِ ويُقالُ: لِباسُ التَّقْوى هو لِباسُ القَلْبِ والرُّوحِ والسِّرُّ والخَفِيُّ ولِباسُ الأوَّلِ
صفحة 130
مِنها الصِّدْقُ في طَلَبِ المَوْلى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ الطَّمَعِ وما فِيها ولِباسُ الثّانِي مَحَبَّةُ ذِي المَجْدِ الأسْنى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ التَّعَلُّقِ بِالسُّوى ولِباسُ الثّالِثِ رُؤْيَةُ العَلِيِّ الأعْلى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ في الأُولى والأُخْرى ولِباسُ الرّابِعِ البَقاءُ بِهِوِيَّةِ ذِي القُدُسِ الأسْنى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ هَوِيَّةِ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وما تَحْتَ الثَّرى قِيلَ: وهَذا إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ ورُبَّما يُقالُ: اللِّباسُ المُوارِي لِلسَّوْآتِ إشارَةٌ إلى الشَّرِيعَةِ والرِّيشُ إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ لِما أنَّ مَدارَها حُسْنُ الأخْلاقِ وبِذَلِكَ يَتَزَيَّنُ الإنْسانُ ولِباسُ التَّقْوى إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ لِما فِيها مِن تَرْكِ السُّوى وهو أكْمَلُ أنْواعِ التَّقْوى ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ لِباسُ التَّقْوى ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ إذِ التَّوَقِّي مِن صِفاتِ النَّفْسِ لا يَتَيَسَّرُ إلّا بِظُهُورِ تَجَلِّياتِ صِفاتِ الحَقِّ أوْ إنْزالِ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ( لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ) عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الأنْوارِ لِباسَكُمُ الأصْلِيَّ النُّورِيَّ أوْ تَذَكَّرُونَ مَعْرِفَتَكم لَهُ عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ فَتَتَمَسَّكُونَ بِأذْيالِها اليَوْمَ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ بِنَزْعِ لِباسِ الشَّرِيعَةِ والتَّقْوى فَتُحْرَمُوا مِن دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ الفِطْرِيَّ النُّورِيَّ ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ وذَلِكَ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ وقَدْ يُرَوْنَ بِواسِطَةِ النُّورِ الرَّبّانِيِّ.
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ ذَواتَكم بِمَنعِها عَنِ المَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أيْ مَقامِ سُجُودٍ أوْ وقْتِهِ والسُّجُودُ عِنْدَهم كَما قالَهُ البَعْضُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ سُجُودُ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِالإخْلاصِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى السُّوى ومُراعاةِ مُوافَقَةِ الأمْرِ وصِدْقِ النِّيَّةِ والِامْتِناعِ عَنِ المُخالَفَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ وسُجُودُ الفَناءِ في الأفْعالِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِأنْ لا يَرى مُؤَثِّرًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى أصْلًا وسُجُودُ الفَناءِ في الصِّفاتِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِأنْ لا يَكْرَهَ شَيْئًا مِن غَيْرِ أنْ يَمِيلَ إلى الإفْراطِ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ولا التَّفْرِيطِ بِالتَّسْخِيطِ عَلى المُخالِفِ والتَّعْيِيرِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ وسُجُودُ الفَناءِ في الذّاتِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِالغَيْبَةِ عَنِ البَقِيَّةِ والِانْطِماسِ بِالكُلِّيَّةِ والِامْتِناعِ عَنْ إثْباتِ الأنِيَّةِ والإثْنِينِيَّةِ فَلا يَطْغى بِحِجابِ الأنِيَّةِ ولا يَتَزَنْدَقُ بِالإباحَةِ وتَرْكِ الإطاعَةِ.
﴿وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بِتَخْصِيصِ العَمَلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أوْ بِرُؤْيَةِ العَمَلِ مِنهُ أوْ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ أظْهَرَكم بِإفاضَةِ هَذِهِ التَّعَيُّناتِ عَلَيْكم ﴿تَعُودُونَ﴾ إلَيْهِ أوْ كَما بَدَأكم لُطْفًا أوْ قَهْرًا تَعُودُونَ إلَيْهِ فَيُعامِلُكم حَسْبَما بَدَأكم ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الوَهْمِيَّةِ والتَّخَيُّلِيَّةِ ﴿أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلْمُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ لِقُوَّةِ سُلْطانِ الوَهْمِ ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَأخْلِصُوا العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وقُومُوا بِحَقِّ الرِّضا وتَمَكَّنُوا في التَّحَقُّقِ بِالحَقِيقَةِ ومُراعاةِ حُقُوقِ الِاسْتِقامَةِ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ بِالإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَإنَّ العَدالَةَ صِراطُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَقِيمُ.
﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أيْ مَنَعَ عَنْها وقالَ: لا يُمْكِنُ التَّزَيُّنُ بِها ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ كَعُلُومِ الإخْلاصِ ومَقامِ التَّوَكُّلِ والرِّضا والتَّمْكِينِ ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الكُبْرى عَنِ التَّلَوُّنِ وظُهُورِ شَيْءٍ مِن بَقايا الأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ رَذائِلَ
صفحة 131
القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ﴾ رَذائِلَ القُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ رَذائِلَ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن مَوانِعِ الزِّينَةِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ يَنْتَهُونَ عِنْدَهُ إلى مَبْدَئِهِمْ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لِأنَّ وُقُوعَ ما يُخالِفُ العِلْمَ مُحالٌ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم وقِيلَ: هي العُقُولُ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: التَّأْوِيلُ إمّا يَأْتِيَنَّكُمُ إلْهاماتٌ مِن طَرِيقِ قُلُوبِكم وأسْرارِكم وفِيهِ أنَّ بَنِي آدَمَ كُلَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِإشاراتِ الحَقِّ وإلْهاماتِهِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ في الفَناءِ ﴿وأصْلَحَ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ عِنْدَ البَقاءِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِوُصُولِهِمْ إلى مَقامِ الوِلايَةِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أخْفَوْا صِفاتِنا بِصِفاتِ أنْفُسِهِمْ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ بِالِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ نارِ الحِرْمانِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِسُوءِ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ قالَ: أكْرَمَنِي اللَّهُ تَعالى بِالكَراماتِ وهو الَّذِي بِالكَرى ماتَ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بِأنْ أنْكَرَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الفائِزِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالحَظِّ الأوْفى ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ مِمّا كُتِبَ لَهم في لَوْحِ القَضاءِ والقَدَرِ.
وقِيلَ: الكِتابُ الإنْسانُ الكامِلُ ونَصِيبُهم مِنهُ نَصِيبُ الغَرَضِ مِنَ السَّهْمِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلَيْنا ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِوُقُوفِهِمْ مَعَ أنْفُسِهِمْ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ فَلا تَعْرُجُ أرْواحُهم إلى المَلَكُوتِ ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ أيْ جَنَّةَ المَعْرِفَةِ والمُشاهَدَةِ والقُرْبَةِ ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ أيْ جَمَلُ أنْفُسِهِمُ المُسْتَكْبِرَةِ ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ أيْ خِياطِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي بِهِ يُخاطُ ما شَقَّتْهُ يَدُ الشِّقاقِ: وسْمُهُ آدابُ الطَّرِيقَةِ لِأنَّها دَقِيقَةٌ جِدًّا وقَدْ يُقالُ: الخِياطُ إشارَةٌ إلى خِياطِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ وسْمُهُ ما يَلْزَمُهُ العَمَلُ بِهِ مِن ذَلِكَ ووُلُوجُ ذَلِكَ الجَمَلِ لا يُمْكِنُ مَعَ الِاسْتِكْبارِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ وتَرْكِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَمَلُ أقَلَّ مِنَ البَعُوضَةِ بَلْ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرَةِ فَحِينَئِذٍ يَلِجُ في ذَلِكَ السَّمِّ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ﴾ الحِرْمانِ ﴿مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أيْ أنَّ الحِرْمانَ أحاطَ بِهِمْ وقِيلَ: لَهم مِن جَهَنَّمَ المُجاهَدَةُ والرِّياضَةُ فِراشٌ ومِن فَوْقِهِمْ مِن مُخالَفاتِ النَّفْسِ وقَطْعِ الهَوى لِحافٌ فَتُذِيبُهم وتَحْرُقُ أنانِيَّتَهم ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ المَرْحُومُونَ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ المُحَرَّمُونَ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ مِنَ القُرْبِ ﴿حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ مِنَ البُعْدِ ﴿حَقًّا﴾ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ وهو مُؤَذِّنُ العِزَّةِ والعَظَمَةِ ﴿بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ السّالِكِينَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: يَصُدُّونَ القَلْبَ والرُّوحَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ بِأنْ يَصِفُوها بِما يُنَفِّرُ السّالِكَ عَنْها مِنَ الزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ وقِيلَ: يَطْلُبُونَ صَرْفَ وُجُوهِهِمُ إلى الدُّنْيا وما فِيها ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ أيِ الفَناءِ بِاللَّهِ تَعالى أوْ بِالقِيامَةِ الكُبْرى ﴿كافِرُونَ﴾ لِمَزِيدِ احْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ ﴿وبَيْنَهُما﴾ أيْ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وهي جَنَّةُ ثَوابِ الأعْمالِ مِنَ العِبادِ والزُّهّادِ وبَيْنَ أهْلِ النّارِ ﴿حِجابٌ﴾ فَكُلٌّ مِنهم مَحْجُوبٌ عَنْ صاحِبِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ أعالِي ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي هو حِجابُ القَلْبِ ﴿رِجالٌ﴾ وأيُّ رِجالٍ وهُمُ العُرَفاءُ أهْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وخاصَّتُهُ وقِيلَ: وإنَّما سُمُّوا رِجالًا لِأنَّهم يَتَصَرَّفُونَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فِيما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ تَصَرُّفَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ ولا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ لِما أُعْطُوا مِن نُورِ الفِراسَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾: أيْ جَنَّةِ ثَوابِ الأعْمالِ ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِهِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ النّارِ وقِيلَ:
صفحة 132
إنَّ سَلامَهم عَلى أهْلِ الجَنَّةِ بِإمْدادِهِمْ بِأسْبابِ التَّزْكِيَةِ والتَّخْلِيَةِ والأنْوارِ القَلْبِيَّةِ وإفاضَةِ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ عَلَيْهِمْ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ لَمْ يَدْخُلْ أُولَئِكَ الرِّجالُ الجَنَّةَ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمُ إلَيْها ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ في كُلِّ وقْتٍ بِما هو أعْلى وأغْلى وقِيلَ: هم أيْ أهْلُ الجَنَّةِ يَطْمَعُونَ في دُخُولِ أُولَئِكَ الرِّجالِ لِيَقْتَبِسُوا مِن نُورِهِمْ ويَسْتَضِيئُوا بِأشِعَّةِ وُجُوهِهِمْ ويَسْتَأْنِسُوا بِحُضُورِهِمْ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ لِيَعْتَبِرُوا ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بِأنْ تَحْفَظَ قُلُوبَنا مِنَ الزَّيْغِ ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا﴾ مِن رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ وإطْلاقُ الرِّجالِ عَلَيْهِمْ وعَلى أصْحابِ الأعْرافِ كَإطْلاقِ المَسِيحِ عَلى الدَّجّالِ اللَّعِينِ وعَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ أيِ الحَياةِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ النَّعِيمِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْكم أوْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ العِلْمِ أوِ العَمَلِ لِنَنالَ بِهِ ما نِلْتُمْ ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ في الأزَلِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ لَمّا كانُوا عَبِيدَ البُطُونِ حُرّاصًا عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ فَماتُوا عَلى ما عاشُوا وحُشِرُوا وأُدْخِلُوا النّارَ عَلى ما ماتُوا طَلَبُوا الماءَ أوِ الطَّعامَ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ وهو النَّبِيُّ ﷺ الجامِعُ لِكُلِّ شَيْءٍ والمُظْهِرُ الأعْظَمُ لَنا ﴿فَصَّلْناهُ﴾ أيْ أظْهَرْنا مِنهُ ما أظْهَرْنا ﴿عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ مِنهُ وإنْ كانَ مِن جِهَةٍ أُخْرى رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ أيْ ما يَؤُولُ إلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرِهِ وقِيلَ: الكِتابُ الَّذِي فُصِّلَ عَلى عِلْمٍ إشارَةٌ إلى البَدَنِ الإنْسانِيِّ المُفَصَّلِ إلى أعْضاءِ وجَوارِحَ وآلاتٍ وحَواسَّ تَصْلُحُ لِلِاسْتِكْمالِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الإلَهِيُّ وتَأْوِيلُهُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في العاقِبَةِ مِنَ الِانْقِلابِ إلّا ما لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ مِن هَيْئاتٍ وصُوَرٍ وأشْكالٍ تُناسِبُ صِفاتِهِمْ وعَقائِدَهم عَلى مُقْتَضى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ وكَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَذْكُورُ إشارَةً إلى الآفاقِ والأنْفُسِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ كُلُّ ظاهِرٍ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ
الأعراف 7:54
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إثْرَ بَيانِ مَعادِ الكَفَرَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ وأشارَ إلى عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَقْدُوراتِهِ ومَصْنُوعاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ودَلَّهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ فَقالَ مُخاطِبًا بِالخِطابِ العامِّ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيْ خالَقَكم ومالِكَكُمُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ السَّبْعَ ﴿والأرْضَ﴾ بِما فِيها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ السَّجْدَةِ عَلى ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ في سِتَّةِ أوْقاتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .
فَإنَّ المُتَعارَفَ أنَّ اليَوْمَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها ولَمْ تَكُنْ هي حِينَئِذٍ نَعَمِ العَرْشُ وهو المُحَدِّدُ عَلى المَشْهُورِ مَوْجُودٌ إذْ ذاكَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ ولَيْسَ بِقَدِيمٍ كَما يَقُولُهُ مَن ضَلَّ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لَكِنَّ ذاكَ لَيْسَ نافِعًا في تَحَقُّقِ اليَوْمِ العُرْفِيِّ وإلى حَمْلِ اليَوْمِ عَلى المُتَعارَفِ وتَقْدِيرِ المُضافِ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ وادَّعَوْا وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَكُنْ في السَّبْتِ خَلْقٌ آخِذًا لَهُ مِنَ السَّبْتِ بِمَعْنى القَطْعِ لِقَطْعِ الخَلْقِ فِيهِ ولِتَمامِ الخَلْقِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ واجْتِماعُهُ فِيهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى
صفحة 133
تِلْكَ الأيّامَ بِأبُو جادٍ وهَوازٍ وحُطِّي وكَلَمُونَ وسَعْفَصْ وقِرِيشاتَ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ في يَوْمِ السَّبْتِ وسُمِّي سَبْتًا لِقَطْعِ بَعْضِ خَلْقِ الأرْضِ فِيهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ لِما أنَّ الأمْرَ كَأنَّهُ قُطِعَ وشُرِعَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ وخَلَقَ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا الخَبَرَ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ فَهو إمّا غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ رَواهُ مُسْلِمٌ وإمّا مُؤَوَّلٌ وأنا أرى أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ وقَعَ فِيهِ الخَلْقُ يُقالُ لَهُ الأحَدُ وثانِيَ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ وهَكَذا ويَوْمَ جُمِعَ فِيهِ الخَلْقُ الجُمُعَةُ فافْهَمْ وإلى حَمْلِهِ عَلى اللُّغَوِيِّ وعَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ آخَرُونَ وقالُوا: كانَ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ ألْفَ سَنَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وفِيهِ خَلْقُهُ سُبْحانَهُ الأشْياءَ مُدَرَّجًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَعْلِيمٌ لِلْخَلْقِ التَّثَبُّتَ والتَّأنِّيَ في الأُمُورِ كَما في الحَدِيثِ التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ في خَلْقِها مُدَرَّجًا مَعَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى إبْداعِها دَفْعَةً دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مُوجِبًا ويَكُونُ وُجُودُ المَعْلُولِ مَشْرُوطًا بِشَرائِطَ تُوجَدُ وقْتًا فَوَقْتًا وبِأنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ تَقَدُّمِ خَلْقِ المَلائِكَةِ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُحَقَّقِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الأوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ قَوْلِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى إبْداعِها دَفْعَةً وبَيانِهِ أنَّ الفاعِلَ إذا كانَ مُخْتارًا كَما يَقُولُهُ أهْلُ الحَقِّ يَتَوَقَّفُ وُجُودُ المَعْلُولِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ فَهو جُزْءُ العِلَّةِ التّامَّةِ حِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أنْ يَتَخَلَّفَ المَعْلُولُ عَنِ الفاعِلِ لِانْتِفاءِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ فَلا يَلْزَمُ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ المَعْلُولِ وأمّا إذا كانَ الفاعِلُ مُوجِبًا مُقْتَضِيًا لِذاتِهِ فَيَضانَ الوُجُودِ عَلى ما تَمَّ اسْتِعْدادُهُ فَإنْ كانَ المَعْلُولُ تامَّ الِاسْتِعْدادِ في ذاتِهِ كالكِبْرِيتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النّارِ يَجِبُ وُجُودُهُ ويَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ وإلّا لَزَمَ التَّخَلُّفُ عَنِ العِلَّةِ التّامَّةِ فَيَلْزَمُ مِن قِدَمِ الفاعِلِ حِينَئِذٍ قِدَمُهُ والأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ وإنْ تَوَقَّفَ تَمامُ اسْتِعْدادِهِ عَلى أمْرٍ مُتَجَدِّدٍ فَما لَمْ يَحْصُلْ يَمْتَنِعُ إيجادُهُ كالحَطَبِ الرَّطْبِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَيْبَسُ لَمْ تَحْرُقْهُ النّارُ والحَوادِثُ اليَوْمِيَّةُ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَهم ولِهَذا أثْبُتُوا بَرْزَخًا بَيْنَ عالَمَيِ القِدَمِ والحُدُوثِ لِيَتَأتّى رَبْطُ الحَوادِثِ بِالمَبادِئِ القَدِيمَةِ فَفي صُورَةِ كَوْنِ الفاعِلِ مُوجِبًا مَشْرُوطًا وُجُودُ مَعْلُولِهِ بِشَرائِطَ مُتَعاقِبَةٍ يَمْتَنِعُ الإبْداعُ دَفْعَةً فِإمْكانُ وُجُودِ هَذِهِ الأشْياءِ المُنْبِئِ عَنْ عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا دَفْعَةً مَعَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ المُسْتَلْزِمِ لِتَأخُّرِ وُجُودِ المَعْلُولِ عَنْ وُجُودِ الفاعِلِ لا يُجامِعُ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِامْتِناعِ التَّأخُّرِ حِينَئِذٍ ويَسْتَلْزِمُ الِاخْتِيارُ المُصَحِّحُ لِذَلِكَ التَّأخُّرَ كَما عَلِمْتَ وبِأنَّ الإبْداعَ التَّدْرِيجِيَّ لِلْأشْياءِ عِبارَةٌ عَنْ إيجاداتٍ يَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنها بِشَيْءٍ فَيَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ بِكُلٍّ مِنها تَفْصِيلًا بِخِلافِ الإيجادِ الدَّفْعِيِّ لَها فَإنَّهُ إيجادٌ واحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَجْمُوعِ فَيَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ ما ذُكِرَ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ إجْمالًا واسْتَوْضَحَ ذَلِكَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ ضَرْبِ الخاتَمِ عَلى نَحْوِ القِرْطاسِ وبَيْنَ أنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الكَلِماتُ فَإنَّكَ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ تَتَخَيَّلُها كَلِمَةً فَكَلِمَةً بَلْ حَرْفًا فَحَرْفًا وتُرِيدُها كَذَلِكَ فَتُوَقِّعُها في الصَّحِيفَةِ بِخِلافِ الصُّورَةِ الأُولى وهو ظاهِرٌ فالنُّظّارُ يَعْتَبِرُونَ مِنَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ ويَفْهَمُونَ شُمُولَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتَهُ وقُدْرَتَهُ لِلْأشْياءِ تَفْصِيلًا قائِلِينَ: سُبْحانَ مَن لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وأيْضًا قالُوا: إنّا فَعَلْنا شَيْئًا تَصَوَّرْناهُ أوَّلًا ثُمَّ اعْتَقَدْنا
صفحة 134
لَهُ فائِدَةٌ ثُمَّ تَحْصُلُ لَنا حالٌ شَوْقِيَّةٌ ثُمَّ مَيَلانٌ نَفْسانِيٌّ هي الإرادَةُ ثُمَّ تَنْبَعِثُ القُوَّةُ الباعِثَةُ لِلْقُوَّةِ المُحَرِّكَةِ لِلْأعْضاءِ نَحْوَ إيجادِهِ فَيَحْصُلُ لَنا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمُورِ دَخْلٌ في وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ قالُوا: فَكَما لا بُدَّ في صُدُورِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ فِينا مِن هَذِهِ الأُمُورِ كَذَلِكَ لا بُدَّ مِن صُدُورِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْواجِبِ مِن نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَأثْبَتُوا لَهُ تَعالى عِلْمًا وإرادَةً وقُدْرَةً وفائِدَةً لِأفْعالِهِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُخْتارًا فالخَلْقُ التَّدْرِيجِيُّ لَمّا كانَ دالًّا عَلى الِاخْتِيارِ الدّالِّ عَلى ما ذُكِرَ صَدَقَ أنَّ فِيهِ اعْتِبارًا لِلنُّظّارِ.
وحاصِلُ هَذا أنَّ المُرادَ مِنَ النُّظّارِ أصْحابُ النَّظَرِ والبَصِيرَةِ مِنَ العُقَلاءِ فَلا يَتَوَقَّفُ ما ذُكِرَ عَلى ما تَقَدَّمَ خَلْقُ المَلائِكَةِ عَلى أنَّ مَن قالَ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ عَلى خَلْقِ الأرْضِ والسَّمَواتِ قائِلٌ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ المَلائِكَةِ بَلْ قِيلَ: إنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَبْلَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وسَمّاهُمُ المُهِيمِينَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُفِيدُنا لِأنَّ المُهِيمِينَ عِنْدَ هَذا القائِلِ لا يَشْعُرُونَ بِسَماءٍ ولا أرْضٍ بَلْ هم مُسْتَغْرِقُونَ فِيهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمُحَقَّقِ كَما يَقُولُهُ المُعْتَرِضُ أيْضًا وقِيلَ: إنَّ الشَّيْءَ إذا حَدَثَ دُفْعَةً واحِدَةً فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ إنَّما وقَعَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ فَإذا حَدَثَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى سَبِيلِ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في القُدْرَةِ وأقْوى في الدَّلالَةِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْجِيلَ في الخَلْقِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ والتَّثَبُّتَ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِ الأشْياءِ بِالتَّثْبِيتِ كَما أظْهَرَ قُدْرَتَهُ في خَلْقِ الأشْياءِ بِكُنْ.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وهو في المَشْهُورِ الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ وهو فَلَكُ الأفْلاكِ سُمِّيَ بِهِ إمّا لِارْتِفاعِهِ أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المُلْكِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ عَرْشٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ لِأنَّ الأُمُورَ والتَّدْبِيراتِ تَنْزِلُ مِنهُ ويُكَنّى بِهِ عَنِ العِزِّ والسُّلْطانِ والمُلْكِ فَيُقالُ: فُلانٌ ثُلَّ عَرْشُهُ أيْ ذَهَبَ عِزُّهُ ومُلْكُهُ وأنْشَدُوا قَوْلَهُ.
إذا ما بَنُو مَرْوانَ ثُلَّتْ عُرُوشُهم وأوْدَتْ كَما أوْدَتْ إيادٌ وحِمْيَرُ
وقَوْلُهُ.
إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثُلِلَتْ عُرُوشُهم ∗∗∗ بِعُيَيْنَةَ بْنِ الحَرْثِ بْنِ شِهابِ
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ العَرْشَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ إلّا بِالِاسْمِ ولَيْسَ هو كَما تَذْهَبُ إلَيْهِ أوْهامُ العامَّةِ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ حامِلًا لَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ولَيْسَ كَما قالَ قَوْمٌ إنَّهُ الفَلَكُ الأعْلى والكُرْسِيُّ فَلَكُ الكَواكِبِ وفِيهِ نَظَرٌ والنّاسُ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مُخْتَلِفُونَ فَمِنهم مَن فَسَّرَ العَرْشَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وفَسَّرَ الِاسْتِواءَ بِالِاسْتِقْرارِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ بِرِواياتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وضَعَّفَها كُلَّها وما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ اسْتَوى فَأطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا حَتّى عَلَتْهُ الرُّحَضاءُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والإيمانُ بِهِ واجِبٌ والسُّؤال عَنْهُ بِدَعَةٌ ثُمَّ قالَ لِلسّائِلِ: وما أظُنُّكَ إلّا ضالًّا ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ لَيْسَ نَصًّا في هَذا المَذْهَبِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: غَيْرُ مَجْهُولٍ أنَّهُ ثابِتٌ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ لا أنَّ مَعْناهُ وهو الِاسْتِقْرارُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ومِن قَوْلِهِ: والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ أنَّ كَلَّ ما هو مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى يُدْرِكُ العَقْلُ لَهُ كَيْفِيَّةً لِتَعالِيَهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَفُّ الكَيْفِ عَنْهُ مَشْلُولَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى هَذا ما جاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وهْبٍ أنَّ مالِكًا سُئِلَ عَنِ الِاسْتِواءِ فَأطْرَقَ وأخْذَتْهُ الرُّحَضاءُ ثُمَّ قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ كَما وصَفَ نَفْسَهُ ولا يُقالُ لَهُ: كَيْفَ وكَيْفَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ إلى آخِرِ
صفحة 135
ما قالَ ثُمَّ إنَّ هَذا إنْ كانَ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ فالأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ وإنْ كانَ مَعَ القَوْلِ بِها والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَهو ضَلالٌ وأيُّ ضَلالٍ وجَهْلٌ وأيُّ جَهْلٍ بِالمَلِكِ المُتَعالِ وما أعْرِفُ ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن تَيّارِ المَعارِفِ غارِفِينَ عَلى لِسانِ حالِ العَرْشِ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ حِينَ أشْرَقَتْ شَمْسُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَلَأِ الأعْلى فَتَضاءَلَ مَعَها كُلُّ نُورٍ وسِراجٍ كَما نَقَلَهُ الإمامُ القَسْطَلانِيُّ مُعَرِّضًا بِضَلالِ مِثْلِ أهْلِ المَذْهَبِ الثّانِي ولَفْظُهُ مَعَ حَذْفٍ ولَمّا انْتَهى ﷺ إلى العَرْشِ تَمَسَّكَ بِأذْيالِهِ وناداهُ بِلِسانِ حالِهِ يا مُحَمَّدُ أنْتَ في صَفاءِ وقْتِكَ آمِنًا مِن مَقْتِكَ إلى أنْ قالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ المُرْسَلُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ ولا بُدَّ لِي مِن نَصِيبٍ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ ونَصِيبِي يا حَبِيبِي أنَّ تَشْهَدَ بِالبَراءَةِ مِمّا نَسَبَهُ أهْلُ الزُّورِ إلَيَّ وتَقَوَّلَهُ أهْلُ الغُرُورِ عَلَيَّ وزَعَمُوا أنِّي أوْسَعُ مَن لا مَثَلَ لَهُ وأُحِيطُ بِمَن لا كَيْفِيَّةَ لَهُ يا مُحَمَّدُ مَن لا حَدَّ لِذاتِهِ ولا عَدَّ لِصِفاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُفْتَقِرًا إلَيَّ ومَحْمُولًا عَلَيَّ إذا كانَ الرَّحْمَنُ اسْمَهُ والِاسْتِواءُ صِفَتَهُ وصِفَتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِذاتِهِ كَيْفَ يَتَّصِلُ بِي أوْ يَنْفَصِلُ عَنِّي يا مُحَمَّدُ وعِزَّتُهُ لَسْتُ بِالقَرِيبِ مِنهُ وصْلًا ولا بِالبَعِيدِ عَنْهُ فَصْلًا ولا بِالمُطِيقِ لَهُ حَمْلًا أوَجَدَنِي مِنهُ رَحْمَةً وفَضْلًا ولَوْ مَحَقَنِي لَكانَ حَقًّا مِنهُ وعَدْلًا يا مُحَمَّدُ أنا مَحْمُولُ قُدْرَتِهِ ومَعْمُولُ حِكْمَتِهِ آهٍ وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ العَرْشَ عَلى مَعْناهُ واسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ
وخُصَّ العَرْشُ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ ورُدَّ هَذا المَذْهَبُ بِأنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى وإنَّما يُقالُ اسْتَوْلى فُلانٌ عَلى كَذا إذا لَمْ يَكُنْ في مِلْكِهِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مالِكًا لِلْأشْياءِ كُلِّها ومُسْتَوْلِيًا عَلَيْها ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْأشْعَرِيَّةِ وبالَغَ ابْنُ القَيِّمِ في رَدِّهِمْ ثُمَّ قالَ: إنَّ لامَ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ وهو لَيْسَ مِنَ الدِّينِ القَيِّمِ عِنْدِي وذَهَبَ الفَرّاءُ واخْتارَهُ القاضِي إلى أنَّ المَعْنى ثُمَّ قَصَدَ إلى خَلْقِ العَرْشِ ويُبْعِدُهُ تَعَدِّي الِاسْتِواءِ بِعَلى وفِيهِ قَوْلٌ بِأنَّ خَلْقَ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وهو كَما تَرى وذَهَبَ القَفّالُ إلى أنَّ المُرادَ نَفاذُ القُدْرَةِ وجَرَيانُ المَشِيئَةِ واسْتِقامَةُ المُلْكِ لَكِنَّهُ أخْرَجَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ألِفَهُ النّاسُ مِن مُلُوكِهِمْ واسْتَقَرَّ في قُلُوبِهِمْ وقِيلَ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ فَإنَّ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ جَرى مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وذُكِرَ أنَّ القَفّالَ يُفَسِّرُ العَرْشَ بِالمُلْكِ ويَقُولُ ما يَقُولُ واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُسْتَقِيمَ المُلْكِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مالِكَها لَكِنْ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: شَبِعَ زَيْدٌ إلّا بَعْدَ أكْلِهِ الطَّعامَ فَإذا فُسِّرَ العَرْشُ بِالمُلْكِ صَحَّ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَوى مُلْكُهُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ومِنهم مَن يَجْعَلُ الإسْنادَ مَجازِيًّا ويُقَدِّرُ فاعِلًا في الكَلامِ أيِ اسْتَوى أمْرُهُ ولا يَضُرُّ حَذْفُ الفاعِلِ إذا قامَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مَقامَهُ وعَلى هَذا لا يَكُونُ الِاسْتِواءُ صِفَةً لَهُ تَعالى ولَيْسَ بِشَيْءٍ ومَن فَسَّرَهُ بِالِاسْتِيلاءِ أرْجَعَهُ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ.
ونَقَلَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَ في العَرْشِ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً كَما فَعَلَ في غَيْرِهِ فِعْلًا سَمّاهُ رِزْقًا ونِعْمَةً وغَيْرَهُما مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي إنَّما يَكُونُ في الأفْعالِ وحَكى الأُسْتاذُ
صفحة 136
أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ اسْتَوى بِمَعْنى عَلا ولا يُرادُ بِذَلِكَ العُلُوُّ بِالمَسافَةِ والتَّحَيُّزُ والكَوْنُ في المَكانِ مُتَمَكِّنًا فِيهِ ولَكِنْ يُرادُ مَعْنًى يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو عَلى هَذا مِن صِفاتِ الذّاتِ وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) تَعَلَّقَتْ بِالمُسْتَوى عَلَيْهِ لا بِالِاسْتِواءِ أوْ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ وهو قَوْلٌ مَتِينٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ مِن مَذْهَبِ السَّلَفِ في مِثْلِ ذَلِكَ تَفْوِيضُ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَهم يَقُولُونَ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ وأنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ تَفْسِيرٌ مَرْذُولٌ إذِ القائِلُ بِهِ لا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ كاسْتِيلائِنا بَلْ لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: هو اسْتِيلاءٌ لائِقٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فَلْيَقُلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو اسْتِواءٌ لائِقٌ بِهِ جَلَّ وعَلا.
وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم وهو أعْلَمُ وأسْلَمُ وأحْكَمُ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إلى هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ يُغَطِّي سُبْحانَهُ النَّهارَ بِاللَّيْلِ ولَمّا كانَ المُغَطِّي يَجْتَمِعُ مَعَ المُغَطّى وُجُودًا وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ هُنا قالُوا: المَعْنى يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَيَكُونُ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ بِإسْنادِ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ ومَكانُهُ هو الجَوُّ عَلى مَعْنى أنَّهُ مَكانٌ لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ لا أنَّهُ مَكانٌ لِنَفْسِ النَّهارِ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ بِأنْ يَجْعَلَ غِشْيانَ مَكانِ النَّهارِ وإظْلامَهُ بِمَنزِلَةِ غِشْيانِهِ لِلنَّهارِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ لَفٌّ عَلَيْهِ لَفَّ الغِشاءِ أوْ يُشْبِهُ تَغْيِيبَهُ لَهُ بِطَرَيانِهِ عَلَيْهِ بِسِتْرِ اللِّباسِ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى يُغَطِّي سُبْحانَهُ اللَّيْلَ بِالنَّهارِ.
ورُجِّحَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ مَفْعُولًا ثانِيًا والنَّهارُ مَفْعُولًا أوَّلًا وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَفْعُولَيْنِ إذا تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلٌ وأحَدُهُما فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هو الأوَّلَ مِنهُما عِنْدَهم كَما لَزِمَ ذَلِكَ في مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا ورُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هي المُوَضِّحَةُ لِأنَّهُ الفاعِلُ مَعْنًى كَما لَزِمَ ذَلِكَ في ضَرَبَ مُوسى عِيسى بِخِلافِ أعْطَيْتُ زَيْدًا دِرْهَمًا فَإنَّ تَعَيُّنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ يَتَوَقَّفُ عَلى التَّقْدِيمِ ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ حُمَيْدَ بْنَ قَيْسٍ قَرَأ ( يَغْشى اللَّيْلَ النَّهارُ ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ اللَّيْلِ ورَفْعِ النَّهارِ ويَلْزَمُ عَلَيْها أنْ يَكُونَ الطّالِبُ النَّهارَ واللَّيْلُ مُلْحَقٌ بِهِ وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما.
وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ يُعْلَمُ مِنهُ عَلى ما قالَ المَرْزُوقِيُّ أنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهارِ لِأنَّ المَسْلُوخَ مِنهُ يَكُونُ قَبْلَ المَسْلُوخِ فالنَّهارُ بِالإدْراكِ أوْلى وبِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أيْ مَحْمُولًا عَلى السُّرْعَةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْفَقُ بِهَذا الوَجْهِ فَإنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ النَّهارِ أظْهَرُ وقَدْ قالُوا: إنَّ ضَوْءَ النَّهارِ هو الهاجِمُ عَلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وأنْشَدَ بَعْضُهم.
كَأنّا وضَوْءُ الصُّبْحِ يَسْتَعْجِلُ ∗∗∗ الدُّجى نُطَيِّرُ غُرابًا ذا قَوادِمَ جَوْنِ
ولِبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ مِن أبْياتٍ.
وكَأنَّ الشَّرْقَ بابٌ لِلدُّجى ما لَهُ ∗∗∗ خَوْفُ هُجُومِ الصُّبْحِ فُتِحَ
وحَدِيثُ أنَّ التَّغْشِيَةَ أنْسَبُ بِاللَّيْلِ قِيلَ مُسَلَّمٌ لَوْ كانَ المُرادُ بِالتَّغْشِيَةِ حَقِيقَتَها لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ بَلِ المُرادُ اللُّحُوقُ والإدْراكُ وهَذا أنْسَبُ بِالنَّهارِ كَما عَلِمْتَ والقاعِدَةُ المَذْكُورَةُ لا تَخْلُو عَنْ كَلامٍ عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَلى ما نُقَرِّرُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ أعْطَيْتُ زَيْدًا دِرْهَمًا والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ اللَّيْلَ أغْشى
صفحة 137
بِالنَّهارِ أيْ مُبَيَّضًا بِنُورِ الفَجْرِ بِناءً عَلى ما في الصِّحاحِ مِن أنَّ الأغْشى مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِهِ ما ابْيَضَّ رَأْسُهُ كُلُّهُ مِن بَيْنِ جَسَدِهِ كالأرْخَمِ مِمّا لا يَكادُ يُقْدَمُ عَلَيْهِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْهُما مَعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ لِلْعِلْمِ بِالآخَرِ مِنَ المَذْكُورِ لِأنَّهُ يُشِيرُ إلَيْهِ أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ عَلى ما قِيلَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ بِمَعْنى كُلِّ لَيْلٍ ونَهارٍ وهو بِتَعاقُبِ الأمْثالِ مُسْتَمِرُّ الِاسْتِبْدالِ فَيَدُلُّ عَلى تَغْيِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِالآخَرِ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ومُخالَفَةٍ لِما اشْتُهِرَ مِن قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ وجُمْلَةُ ﴿يُغْشِي﴾ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ بِأمْرِهِ أوْ بِإذْنِهِ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ بَدَلٌ مَن ﴿يُغْشِي﴾ .. إلَخْ. لِلتَّوْكِيدِ وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ حالٌ مِنَ ﴿اللَّيْلَ﴾ أيْ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ طالِبًا لَهُ حَثِيثًا و﴿حَثِيثًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَطْلُبُهُ﴾ وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ النَّهارِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ حُمَيْدٍ أيْضًا.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ في الجُمْلَةِ الأُولى وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ في ﴿حَثِيثًا﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ بِمَعْنى حاثًّا أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مَحْثُوثًا وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ طَلَبًا حَثِيثًا وإنَّما وُصِفَ الطَّلَبُ بِذَلِكَ لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ وهي أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في أشَدِّ عَدْوِهِ بِمِقْدارِ رَفْعِ رِجْلِهِ ووَضْعِها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ وهي ألْفُ فَرْسَخٍ واعْتُرِضَ بِأنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ إنْ كانَ هو العَرْشُ كَما قالُوا فَحَرَكَتُهُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَدِّثِينَ بَلْ هم لا يُسَلِّمُونَ حَرَكَةَ شَيْءٍ مِن سائِرِ الأفْلاكِ أيْضًا وهو الكُرْسِيُّ والسَّمَواتُ السَّبْعُ بَلِ ادَّعَوْا أنَّ النُّجُومَ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ تَسِيرُ بِها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ شاءَ وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّها تَجْرِي في ثَخَنِ الأفْلاكِ جَرْيَ السَّمَكِ في الماءِ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وفَسَّرَ فِيما نُقِلَ عَنْهُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يَجْعَلُهُ غاشِيًا لَهُ غِشْيانَ الرَّجُلِ المَرْأةَ وقالَ: ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغِشْيانَ هُنا والإيلاجَ في آيَةٍ أُخْرى وهَذا هو التَّناكُحُ المَعْنَوِيُّ وجَعَلَهُ سارِيًا في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ وإنْ صَحَّ هَذا فَما أصَحَّ قَوْلُهم: اللَّيْلَةُ حُبْلى وما ألْطَفَهُ وأمْرُ الحَثِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِمَن ذاقَ عُسَيْلَةَ النِّكاحِ والحاصِلُ مِن هَذا الغِشْيانِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ ما في هَذا العالَمِ مِن مَعْدِنٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ وهي المَوالِيدُ الثَّلاثُ أوْ مِنَ الحَوادِثِ مُطْلَقًا ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُهُ.
أشابَ الصَّغِيرَ وأفْنى الكَبِيرَ ∗∗∗ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِيِّ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنْ لا مُؤَثِّرَ في الوُجُودِ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى ووَجْهُ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ هَذا بَعْدَ ذِكْرِهِ الِاسْتِواءَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا أخْبَرَ العِبادَ بِاسْتِوائِهِ أخْبَرَ عَنِ اسْتِمْرارِ أُمُورِ المَخْلُوقاتِ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ وأراهم ذَلِكَ فِيما يُشاهِدُونَهُ لِيَنْضَمَّ العِيانُ إلى الخَبَرِ وتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِن كُلِّ الجِهاتِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَدْ يَحْسُنُ وجْهًا لِذِكْرِ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ وأمّا لِذِكْرِهِ بِخُصُوصِهِ هُناكَ دُونَ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ فَلا وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ في تَوْجِيهِ اخْتِيارِ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا أنَّ الغاشِيَ هو النَّهارُ وفي الرَّعْدِ هو اللَّيْلُ وتَفْسِيرُهُ التَّغْشِيَةَ هُناكَ بِالإلْباسِ وهُنا بِالإلْحاقِ نَظَرًا إلى الخُلاصَةِ ما يُفْهَمُ مِنهُ وجْهُ تَقْدِيمِ التَّغْشِيَةِ عَلى التَّسْخِيرِ الآتِي في هَذِهِ الآيَةِ وعَكْسُهُ في آيَةِ الرَّعْدِ حَيْثُ قالَ: والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ذُكِرَ هُنالِكَ مِن قَبْلُ في تَعْدِيدِ الآياتِ فَلَمّا فَرَغَ ذَكَرَ إدْخالَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ لِيُطابِقَهُ ولِأنَّهُ
صفحة 138
أظْهَرُ في الآيَةِ وأنَّ الشَّمْسَ مُسَخَّرَةٌ مَأْمُورَةٌ وها هُنا جاءَ بِهِ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الطّاقَةِ وآياتِهِ في شَأْنِكم فَرُجِّحَ جانِبُ اللَّفْظِ عَلى الأصْلِ ولِلْجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ أيْضًا. اهـ. فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرارِ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مُذَلَّلاتٍ تِابِعاتٍ لِتَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ بِما شاءَ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَأنَّهُنَّ مُمَيِّزاتٌ أُمِرْنَ فانْقَدْنَ فَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ والِاسْتِعارَةِ ويَصِحُّ حَمْلُ الأمْرِ عَلى الإرادَةِ كَما قِيلَ أيْ هَذِهِ الأجْرامُ العَظِيمَةُ والمَخْلُوقاتُ البَدِيعَةُ مُنْقادَةٌ لِإرادَتِهِ ومِنهم مَن حَمَلَ الأمْرَ عَلى الأمْرِ الكَلامِيِّ وقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ هَذِهِ الأجْرامَ بِالسَّيْرِ الدّائِمِ والحَرَكِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ إلى حَيْثُ شاءَ ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْطِيَها اللَّهُ تَعالى إدْراكًا وفَهْمًا لِذَلِكَ بَلِ ادَّعى بَعْضُهم أنَّها مُدْرِكَةٌ مُطْلَقًا وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِبَعْضِها إدْراكًا لِغَيْرِ ما ذُكِرَ وإفْرادُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما في النُّجُومِ لِإظْهارِ شَرَفِهِما عَلَيْها لِما فِيها مِن مَزِيدِ الإشْراقِ والنُّورِ وبِسَيْرِهِما في المَنازِلِ تُعْرَفُ الأوْقاتُ وقِدَمِ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ ورِعايَةً لِلْمُطابَقَةِ مَعَ ما تَقَدَّمَ وهي مِنَ البَدِيعِ ولِأنَّها أسْنى مِنَ القَمَرِ وأسْمى مَكانَةً ومَكانًا بِناءً عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وأنَّهُ في السَّماءِ الأُولى ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ كالقَوْلِ بِأنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِن نُورِها لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ عَلى أنْحاءَ مُتَفاوِتَةٍ بِحَسَبِ وضْعِهِ مِنَ الشَّمْسِ في القُرْبِ والبُعْدِ عَنْها مَعَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الخُسُوفِ لا لِاخْتِلافِ التَّشَكُّلاتِ وحْدَهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِنَ الشَّمْسِ قَطْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مُضِيئًا مِن ذاتِهِ ونِصْفُهُ مُظْلِمًا ويَدُورُ عَلى نَفْسِهِ بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ فَلَكِهِ فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ المِحاقِ يَسِيرًا رَأيْناهُ هِلالًا ويَزْدادُ فَنَراهُ بَدْرًا ثُمَّ يَمِيلُ نِصْفُهُ المُظْلِمُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَؤُولَ إلى المِحاقِ وفي كَوْنِها مُسَخَّراتٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لا تَأْثِيرَ لَها بِنَفْسِها في شَيْءٍ أصْلًا وقَرَأ جَمِيعَها ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ والنَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى ( السَّمَواتِ ) والحالِيَّةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وجُوِّزَ تَقْدِيرُ جَعَلَ وجَعَلَ الشَّمْسَ مَفْعُولًا أوَّلًا و﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ أيْ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ السَّمَواتُ والأرْضُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو الَّذِي دَبَّرَها وصَرَّفَها عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ لا أحَدَ غَيْرُهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأمْرَ هُنا بِالإرادَةِ أيْضًا وفَسَّرَ آخَرُونَ الأمْرَ بِما هو مُقابِلُ النَّهْيِ والخَلْقِ بِالمَخْلُوقِ أيْ لَهُ تَعالى المَخْلُوقُونَ لِأنَّهُ خَلَقَهم ولَهُ أنْ يَأْمُرَهم بِما أرادَ واسْتَخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مِن هَذا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ والأمْرِ فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ كَفَرَ يَعْنِي مَن جَعَلَ الأمْرَ الَّذِي هو كَلامُهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ فَقَدْ كَفَرَ لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَقُومُ إلّا بِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ كَذا في تَفْسِيرِ الخازِنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ الخَلْقَ ما دُونَ العَرْشِ والأمْرَ ما فَوْقَ ذَلِكَ وشاعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إطْلاقُ عالَمِ الأمْرِ عَلى عالَمِ المُجَرَّداتِ ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ (54) أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ويُدْخِلُ في ذَلِكَ تَنَزُّهُهُ تَعالى عَنْ نَقْصٍ في الخَلْقِ أوْ في الأمْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
فَفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُما طِبْقُ الحِكْمَةِ وفي غايَةِ الكَمالِ ولا يُقالُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ تَعالى بَلْ هو صِفَةٌ خاصَّةٌ بِهِ سُبْحانَهُ كَما في القامُوسِ وقالَ الإمامُ: إنَّ البَرَكَةَ لَها تَفْسِيرانِ أحَدُهُما البَقاءُ والثَّباتُ والثّانِي كَثْرَةُ الآثارِ
صفحة 139
الفاضِلَةِ فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الأوَّلِ فالثّابِتُ الدّائِمُ هو اللَّهُ تَعالى وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الثّانِي فَكُلُّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهَذا الثَّناءُ لا يَلِيقُ إلّا بِحَضْرَتِهِ جَلَّ وعَلا واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنَ البَرَكَةِ بِمَعْنى الكَثْرَةِ مِن كُلِّ خَيْرٍ ولِمَ يَجِئْ مِنهُ مُضارِعٌ ولا أمْرٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ مَثَلًا وقالَ البَيْضاوِيُّ: المَعْنى تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ وتَعَظَّمَ بِالتَّفَرُّدِ والرُّبُوبِيَّةِ وعَلى هَذا فَهو خِتامٌ لُوحِظَ فِيهِ مَطْلَعُهُ ثُمَّ حَقَّقَ الآيَةَ بِما لا يَخْلُو مِن دَغْدَغَةٍ ومُخالَفَةٍ لِما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ
الأعراف 7:55
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ التَّوْحِيدَ وأخْبَرَ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والأمْرِ أمَرَ عِبادَهُ أنَّهُ يَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ مُتَذَلِّلِينَ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الَّذِي عَرَفْتُمْ شُؤُونَهُ الجَلِيلَةَ والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ السُّؤالُ والطَّلَبُ وهو مُخُّ العِبادَةِ لِأنَّ الدّاعِيَ لا يُقْدِمُ عَلى الدُّعاءِ إلّا إذا عَرَفَ مِن نَفْسِهِ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ وأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِهِ وعَرَفَ أنَّ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَسْمَعُ الدُّعاءَ ويَعْلَمُ الحاجَةَ وهو قادِرٌ عَلى إيصالِها إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ والنَّقْصِ ومَعْرِفَتَهُ رَبَّهُ بِالقُدْرَةِ والكَمالِ مِن أعْظَمِ العِباداتِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ هُنا العِبادَةُ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ( ادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ) والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المُغايَرَةَ تَكْفِي بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقاتِ كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا وضَرَبْتْ عَمْرًا.
وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّها لا تَسْتَدْعِي حَمْلَ الدُّعاءِ هُنا عَلى العِبادَةِ بَلْ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا هُنا أوْ هُنا وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّهُ خِلافُ التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ ذَوِي تَضَرُّعٍ أوْ مُتَضَرِّعِينَ فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وكَذا الكَلامُ فِيما بَعْدُ وهو مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذُّلُّ والِاسْتِكانَةُ يُقالُ ضَرَعَ فُلانٌ لِفُلانٍ إذا ذَلَّ لَهُ واسْتَكانَ وقالَ الزَّجّاجُ التَّضَرُّعُ التَّمَلُّقُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالُوا أيِ ادْعُوهُ تَذَلُّلًا وقِيلَ: التَّضَرُّعُ مُقابِلُ الخُفْيَةِ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أيِ ادْعُوهُ عَلانِيَةً ﴿وخُفْيَةً﴾ أيْ سِرًّا.
أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا فَرَضِيَ لَهُ فِعْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِّرِّ ودَعْوَةِ العَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وجاءَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِقَوْمٍ يَجْهَرُونَ: أيُّها النّاسُ أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وهو مَعَكم وهو أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» والمَعْنى ارْفُقُوا وأقْصِرُوا مِنَ الصِّياحِ في الدُّعاءِ.
ومِن هُنا قالَ جَمْعٌ بِكَراهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ وفي الِانْتِصافِ حَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الأسْرارِ فِيهِ اقْتِرانُهُ في الآيَةِ بِالتَّضَرُّعِ فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ لِقَلِيلِ الجَدْوى فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ فِيهِ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ في الدُّعاءِ خُصُوصًا في الجَوامِعِ حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ ولا يَدْرُونَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ وكَوْنِ ذَلِكَ في المَسْجِدِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ مِنَ الِاعْتِداءِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ (55) وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِثْلَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ودُعاءُ المُعْتَدِينَ الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى هو طَلَبُ ما لا يَلِيقُ بِالدّاعِي كَرُتْبَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصُّعُودِ إلى
صفحة 140
السَّماءِ وأنَّ مِنهُ ما ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كُفْرٌ كَطَلَبِ دُخُولِ إبْلِيسَ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِما الجَنَّةَ وطَلَبِ نُزُولِ الوَحْيِ والتَّنَبِّي ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ إكْذابِ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ وحَسْبَ المَرْءِ أنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ ثُمَّ قَرَأ ( إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ )» وفَصَّلَ آخَرُونَ فَقالُوا: الإخْفاءُ أفْضَلُ عِنْدَ خَوْفِ الرِّياءِ والإظْهارُ أفْضَلُ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِهِ وأوْلى مِنهُ القَوْلُ بِتَقْدِيمِ الإخْفاءِ عَلى الجَهْرِ فِيما إذا خِيفَ الرِّياءُ أوْ كانَ في الجَهْرِ تَشْوِيشٌ عَلى نَحْوِ مُصَلٍّ أوْ نائِمٍ أوْ قارِئٍ أوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ وبِتَقْدِيمِ الجَهْرِ عَلى الإخْفاءِ فِيما إذا خَلا عَنْ ذَلِكَ وكانَ فِيهِ قَصْدُ تَعْلِيمِ جاهِلٍ أوْ نَحْوِ إزالَةِ وحْشَةٍ عَنْ مُسْتَوْحِشٍ أوْ طَرْدِ نَحْوِ نُعاسٍ أوْ كَسَلٍ عَنِ الدّاعِي نَفْسِهِ أوِ إدْخالِ سُرُورٍ عَلى قَلْبِ مُؤْمِنٍ أوْ تَنْفِيرِ مُبْتَدِعٍ عَنْ بِدْعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ومِنهُ الجَهْرُ بِالتَّرَضِّي عَنِ الصَّحابَةِ والدُّعاءُ أمامَ المُسْلِمِينَ في الخُطْبَةِ وقَدْ سَنَّ الشّافِعِيَّةُ الجَهْرَ بِآمِينَ بَعْدَ الفاتِحَةِ وهو دُعاءٌ ويَجْهَرُ بِها الإمامُ والمَأْمُومُ عِنْدَهم.
وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا كَما يَفْعَلُهُ المُؤَذِّنُونَ في الدُّعاءِ بِالفَرَجِ عَلى المَآذِنِ وبَيْنَ رَفْعِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَن عِنْدَهُ فَقالَ: لا بَأْسَ في الثّانِي غالِبًا ولا كَذَلِكَ الأوَّلُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمُعْتَدِينَ المُجاوَزُونَ ما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُعْتَدُونَ في الدُّعاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المَعْنى في الآيَةِ ادْعُوا رَبَّكم في كُلِّ حاجاتِكم مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا تَعْتَدُوا فَتَدْعُوا عَلى مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ بِشَرٍّ كالخِزْيِ واللَّعْنِ وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كُفْرِ مَن دَعا عَلى آخَرَ بِسَلْبِ الإيمانِ أوِ المَوْتِ كافِرًا وهو مِن أعْظَمِ أنْواعِ الِاعْتِداءِ والمُفْتى بِهِ عَدَمُ الكُفْرِ وذَكَرُوا لِلدُّعاءِ آدابًا كَثِيرَةً مِنها الكَوْنُ عَلى طَهارَةِ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وتَخْلِيَةِ القَلْبِ مِنَ الشَّواغِلِ وافْتِتاحُهُ واخْتِتامُهُ بِالتَّصْلِيَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ورَفْعُ اليَدَيْنِ نَحْوَ السَّماءِ وإشْراكُ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وتَحَرِّي ساعاتِ الإجابَةِ ومِنها يَوْمُ الجُمُعَةِ عِنْدَ كَثِيرٍ ساعَةَ الخُطْبَةِ ويَدْعُو فِيها بِقَلْبِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أفْضَلُ مُتَأخِّرِي مِصْرِهِ الفاضِلُ الطَّحْطاوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الدُّرِّ المُخْتارِ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ أفْقَهُ المُعاصِرِينَ ابْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ ووَقْتُ نُزُولِ الغَيْثِ والإفْطارِ وثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ وبَعْدَ خَتْمِ القُرْآنِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ.
الأعراف 7:56
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ نَهْيٌ عَنْ سائِرِ أنْواعِ الإفْسادِ كَإفْسادِ النُّفُوسِ والأمْوالِ والأنْسابِ والعُقُولِ والأدْيانِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيِ إصْلاحِ اللَّهِ تَعالى لَها وخَلْقِها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ وبَعَثَ فِيها الأنْبِياءَ بِما شَرَعَهُ مِنَ الأحْكامِ ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ أيْ ذَوِي خَوْفٍ مِنَ الرَّدِّ لِقُصُورِكم عَنْ أهْلِيَّةِ الإجابَةِ وطَمَعٍ في إجابَتِهِ تَفَضُّلًا مِنهُ وقِيلَ: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في جَزِيلِ ثَوابِهِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ المَعْنى خَوْفَ العَدْلِ وطَمَعَ الفَضْلِ وعَنْ عَطاءٍ خَوْفًا مِنَ المِيزانِ وطَمَعًا في الجِنانِ وأصْلُ الخَوْفِ انْزِعاجُ القَلْبِ لِعَدَمِ أمْنِ الضَّرَرِ وقِيلَ: تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ والطَّمَعُ تَوَقُّعُ مَحْبُوبٍ يَحْصُلُ لَهُ ونَصْبُهُما عَلى الحالِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ قِيلَ: ولَمّا كانَ الدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ كَرَّرَهُ وقَيَّدَهُ أوَّلًا بِالأوْصافِ الظّاهِرَةِ وآخِرًا بِالأوْصافِ الباطِنَةِ وقِيلَ: الأمْرُ السّابِقُ مِن قَبِيلِ بَيانِ شَرْطِ الدُّعاءِ والثّانِي مِن قَبِيلِ بَيانِ فائِدَتِهِ وقِيلَ: لا تَكْرارَ فَما تَقَدَّمَ أمَرَ بِالدُّعاءِ بِمَعْنى السُّؤالِ وهَذا أمْرٌ بِالدُّعاءِ بِمَعْنى العِبادَةِ والمَعْنى
صفحة 141
اعْبُدُوهُ جامِعِينَ في أنْفُسِكُمُ الخَوْفَ والرَّجاءَ في عِبادَتِكُمُ القَلْبِيَّةِ والقالِبِيَّةِ وهو كَما تَرى ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى الدُّعاءَ عَلى المَعْنى الظّاهِرِ وعَمَّمَ في مُتَعَلِّقِ الخَوْفِ والطَّمَعِ والمَعْنى عِنْدَهُ ادْعُوهُ وأنْتُمْ جامِعُونَ في أنْفُسِكُمُ الخَوْفَ والرَّجاءَ في أعْمالِكم كُلِّها ولَيْسَ بِشَيْءٍ والمُخْتارُ عِنْدَ جُلَّةِ المُفَسِّرِينَ ما تَقَدَّمَ.
﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (56) أعْمالَهم ومِنَ الإحْسانِ في الدُّعاءِ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ والطَّمَعِ وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِ تَذْكِيرٍ قَرِيبٍ مَعَ أنَّهُ صِفَةٌ مُخْبَرٌ بِها عَنِ المُؤَنَّثِ وقَدْ نَقَلَ ابْنُ هِشامٍ في ذَلِكَ وجُوهًا ذاكِرًا ما لَها وما عَلَيْها الأوَّلُ أنَّ الرَّحْمَةَ في تَقْدِيرِ الزِّيادَةِ والعَرَبُ قَدْ تَزِيدُ المُضافَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ سَبِّحْ رَبَّكَ ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في التَّسْبِيحِ سُبْحانَ رَبِّيَ ولا يُقالُ سُبْحانَ اسْمِ رَبِّي والتَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبٌ فالخَبَرُ في الحَقِيقَةِ عَنِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ عِنْدَ عُلَماءِ البَصْرَةِ لِأنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ في رَأْيِهِمْ وإنَّما تُزادُ الحُرُوفُ ومَعْنى الآيَةَ عِنْدَهم نَزِّهْ أسْماءَ رَبِّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِها فَلا تُجْرِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اسْمًا لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ أوِ اسْمًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلا زِيادَةَ والثّانِي أنَّ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنَّ مَكانَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى قَرِيبٌ فالإخْبارُ إنَّما هو عَنِ المَكانِ وهو مُذَكَّرٌ ونَظِيرُ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ مُشِيرًا إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّ هَذَيْنِ حَرامٌ» فَإنَّ الإخْبارَ بِالمُفْرَدِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنَّ اسْتِعْمالَ هَذَيْنِ وقَوْلُ حَسّانَ.
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ ماءً بَرَدى فَلِذا قالَ يُصَفِّقُ بِالتَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ بَرَدى مُؤَنَّثٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا المُضافَ بَعِيدٌ جِدًّا لا قَرِيبَ والأصْلُ عَدَمُ الحَذْفِ والمَعْنى مَعَ تَرْكِهِ أحْسَنُ مِنهُ مَعَ وُجُودِهِ الثّالِثُ أنَّهُ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ أيْ شَيْءٌ قَرِيبٌ كَما قالَ الشّاعِرُ.
قامَتْ تَبْكِيهِ عَلى قَبْرِهِ ∗∗∗ مَن لِي مِن بَعْدِكَ يا عامِرُ
تَرَكْتَنِي في الدّارِ ذا غُرْبَةٍ ∗∗∗ قَدْ ذَلَّ مَن لَيْسَ لَهُ ناصِرُ
أيْ شَخْصًا ذا غُرْبَةٍ وعَلى ذَلِكَ يُخَرِّجُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: امْرَأةٌ حائِضٌ أيْ شَخْصٌ ذُو حَيْضٍ وقَوْلَ الشّاعِرِ أيْضًا.
فَلَوْ أنَّكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتَ صَدِيقُ
وتُعُقِّبُ بِأنَّهُ أشَدُّ ضَعْفًا مِن سابِقِهِ لِأنَّ تَذْكِيرَ صِفَةِ المُؤَنَّثِ بِاعْتِبارِ إجْرائِها عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ مَحْذُوفٍ شاذٌّ يُنَزَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّهُ لا فَصاحَةَ في قَوْلِكَ رَحْمَةُ اللَّهِ شَيْءٌ قَرِيبٌ ولا لَطافَةَ بَلْ هو عِنْدَ ذِي الذَّوْقِ كَلامٌ مُسْتَهْجَنٌ ونَحْوَ حائِضٍ مِنَ الصِّفاتِ المُخْتَصَّةِ لا يَحْتاجُ إلى العَلامَةِ لِأنَّها لِدَفْعِ اللَّبْسِ ولا لَبْسَ مَعَ الِاخْتِصاصِ وسِيبَوَيْهِ وإنْ كانَ جَوادًا في هَذا المِضْمارِ إلّا أنَّ الجَوادَ قَدْ يَكْبُو وكُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ ألا تَراهُ كَيْفَ جَوَّزَ في بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ وجْهِهِ بِإضافَةِ حَسَنٍ إلى الوَجْهِ وإضافَةِ الوَجْهِ إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ وخالَفَهُ في ذَلِكَ جَمِيعُ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ لِأنَّهُ قَدْ أضافَ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أيْضًا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَذْفِ الرّابِعُ أنَّ العَرَبَ تُعْطِي المُضافَ حُكْمَ المُضافِ إلَيْهِ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ إذا صَحَّ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ وهو أمْرٌ مَشْهُورٌ فالرَّحْمَةُ لِإضافَتِها إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ قَدِ اكْتَسَبَتْ ما صَحَّحَ الإخْبارَ عَنْها بِالمُذَكَّرِ وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في تَعالِيقِهِ عَلى الكِتابِ بِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ والتَّأْوِيلَ في القُرْآنِ
صفحة 142
بَعِيدٌ فاسِدٌ وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وقالَ الرَّوَذَراوَرِيُّ: إنَّ اكْتِسابَ التَّأْنِيثِ في المُؤَنَّثِ قَدْ صَحَّ بِكَلامِ مَن يُوثَقُ بِهِ وأمّا العَكْسُ فَيَحْتاجُ إلى الشَّواهِدِ ومَنِ ادَّعى الجَوازَ فَعَلَيْهِ البَيانُ الخامِسُ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَرَجُلٍ جَرِيحٍ وامْرَأةٍ جَرِيحٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَطَأٌ فاحِشٌ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ هَذا لا يَنْقاسُ خُصُوصًا مِن غَيْرِ الثّانِي السّادِسُ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يُشَبَّهُ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَيُمْنَعُ مِنَ التّاءِ في المُؤَنَّثِ كَما قَدْ يُشَبِّهُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيُلْحِقُونَهُ التّاءَ فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ومِنهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والثّانِي كَقَوْلِهِمْ خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ وصِفَةٌ حَمِيدَةٌ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِمْ: قَبِيحَةٌ وجَمِيلَةٌ ولَمْ يُتَعَقَّبْ هَذا بِشَيْءٍ وتَعَقَّبَهُ الرَّوَذَراوَرِيُّ بِأنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وإنْ قالَهُ النَّحْوِيُّونَ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ أحَدَ الفِعْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِن لازِمٍ والآخَرَ مِن مُتَعَدٍّ فَلَوْ أُجْرِيَ عَلى أحَدِهِما حُكْمُ الآخَرِ لَبَطَلَ الفِرَقُ بَيْنَ المُتَعَدِّي واللّازِمِ إنْ كانَ عَلى وجْهِ العُمُومِ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الخُصُوصِ فَأيْنَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ السّابِعُ أنَّ العَرَبَ قَدْ تُخْبِرُ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وتَتْرُكُ المُضافَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ فَإنَّ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرٌ عَنِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ الأعْناقُ لا عَنِ الأعْناقِ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: الأعْناقُ خاضِعُونَ لا يَجُوزُ لِأنَّ الجَمْعَ المُذَكَّرَ السّالِمَ إنَّما يَكُونُ مِن صِفاتِ العُقَلاءِ فَلا يُقالُ أيْدٍ طَوِيلُونَ ولا كِلابَ نابِحُونَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ هَذا راجِعٌ إلى القَوْلِ بِالزِّيادَةِ وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأعْناقِ الرُّؤَساءُ والمُعَظَّمُونَ وقِيلَ: الجَماعَةُ كَما يُقالُ: جاءَ زَيْدٌ في عُنُقٍ مِنَ النّاسِ أيْ في جَماعَةٍ وقالَ الرَّوَذَراوَرِيُّ: إنَّهُ لَوْ ساغَ الإعْراضُ عَنِ المُضافِ والحَكْمُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لَساغَ أنْ يُقالَ: كانَ صاحِبُ الدِّرْعِ سابِغَةً ومالِكُ الدّارِ مُتَّسِعَةٌ ولَيْسَ فَلَيْسَ الثّامِنُ أنَّ الرَّحْمَةَ والرَّحِمَ مُتَقارِبانِ لَفْظًا وهو واضِحٌ ومَعْنًى بِدَلِيلِ النَّقْلِ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ فَأعْطى أحَدَهُما حُكْمَ الآخَرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ تَتَقارَبُ أيْضًا فَيَنْبَغِي أنْ يُجِيزَ هَذا القائِلُ أنْ يُقالَ: مَوْعِظَةٌ نافِعٌ وعِظَةٌ حَسَنٌ وكَذَلِكَ الذِّكْرُ والذِّكْرى فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ذِكْرى نافِعٌ كَما يُقالُ: ذِكْرٌ نافِعٌ التّاسِعُ أنَّ فَعِيلًا هُنا بِمَعْنى النَّسَبِ فَقَرِيبٌ مَعْناهُ ذاتُ قُرْبٍ كَما يَقُولُ الخَلِيلُ في حائِضٍ: إنَّهُ بِمَعْنى ذاتِ حَيْضٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ باطِلٌ لِأنَّ اشْتِمالَ الصِّفاتِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ مَقْصُورٌ عَلى أوْزانٍ خاصَّةٍ وهي فِعالٌ وفِعْلٌ وفاعِلٌ.
العاشِرُ ما قالَهُ الرَّوَزَراوَرِيُّ أنَّ فَعِيلًا مُطْلَقًا يَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤَنَّثُ والمُذَكَّرُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِن أفْسَدِ ما قِيلَ لِأنَّهُ خِلافُ الواقِعِ في كَلامِ العَرَبِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: امْرَأةٌ ظَرِيفَةٌ وعَلِيمَةٌ وحَلِيمَةٌ ورَحِيمَةٌ ولا يَجُوزُ التَّذْكِيرُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولِهَذا قالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أنَّ بَغِيًّا فَعُولٌ والأصْلُ بَغَوِيٌّ ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً والضَّمَّةُ كَسْرَةً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وأمّا قَوْلُهُ.
فَتُورُ القِيامِ قَطِيعُ الكَلامِ ∗∗∗ تَفْتَرُّ عَنْ دُرٍّ عُرُوبٌ حَصْرُ
فالجَوابُ عَنْهُ في أوْجُهٍ: أحَدُها أنَّهُ نادِرٌ الثّانِي أنَّ أصْلَهُ قَطِيعَةٌ ثُمَّ حُذِفَ التّاءُ لِلْإضافَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( وإقامِ الصَّلاةِ ) والإضافَةُ مُجَوِّزَةٌ لِحَذْفِ التّاءِ كَما تُوجِبُ حَذْفَ النُّونِ والتَّنْوِينِ وقَدْ نُصَّ عَلى ذَلِكَ في غَيْرِ واحِدٍ مِنَ القُرّاءِ الثّالِثُ أنَّهُ إنَّما جازَ ذَلِكَ لِمُناسَبَةِ فَتُورِ لِأنَّهُ فَعُولٌ وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ الحادِي عَشَرَ أنَّهم يَقُولُونَ في قُرْبِ النَّسَبِ: قَرِيبٌ وإنْ أُجْرِيَ عَلى مُؤَنَّثٍ نَحْوَ فُلانَةُ قَرِيبٌ مِنِّي ويُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرْبِ المَسافَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنْ يُقالَ في القُرْبِ النِّسَبِيِّ: فُلانٌ قَرابَتِي وقَدْ نَصَّ جَمْعٌ عَلى
صفحة 143
أنَّ في ذَلِكَ خَطَأً وأنَّ الصَّوابَ أنْ يُقالَ فُلانٌ ذُو قَرابَتِي كَما قالَ.
يَبْكِي الغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُهُ وذُو قَرابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ
الثّانِي عَشَرَ مِن تَأْوِيلِ المُؤَنَّثِ بِمُذَكَّرٍ مُوافِقٍ لَهُ في المَعْنى واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِذَلِكَ فَمِنهم مَن يُقَدِّرُ أنَّ إحْسانَ اللَّهِ قَرِيبٌ ومِنهم مَن يُقَدِّرُ لُطْفَ اللَّهِ قَرِيبٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.
أرى رَجُلًا مِنهم أسِيفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كِشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبا
فَأُوِّلَ الكَفُّ عَلى مَعْنى العُضْوِ وتُعُقِّبُ بِأنَّهُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَقَعُ في الشِّعْرِ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لا يُقالُ مَوْعِظَةٌ حَسَنٌ مَعَ أنَّ المَوْعِظَةَ بِمَنزِلَةِ الوَعْظِ في المَعْنى ويُقارِبُهُ في اللَّفْظِ أيْضًا وأمّا البَيْتُ فَنَصَّ النُّحاةُ عَلى أنَّهُ ضَرُورَةٌ وما هَذِهِ سَبِيلُهُ لا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ الكَفَّ قَدْ يُذَكَّرُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: إنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ والمَطَرُ مُذَكَّرٌ وأُيِّدَ بِأنَّ الرَّحْمَةَ فِيما بَعْدُ بِمَعْنى المَطَرِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن أوْجُهٍ أحَدُها أنَّهُ لَوْ كانَتِ الرَّحْمَةُ الثّانِيَةُ هي الرَّحْمَةُ الأُولى لَمْ تُذْكَرْ ظاهِرَةً عَلى ما هو الظّاهِرُ إذِ المَوْضِعُ لِلضَّمِيرِ ثانِيها أنَّهُ إذا أمْكَنَ الحَمْلُ عَلى العامِّ لا يُعْدَلُ إلى الخاصِّ ولا ضَرُورَةَ هُنا إلى الحَمْلِ كَما لا يَخْفى ثالِثُها أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي المَطَرُ لا تَخْتَصُّ بِالمُحْسِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْزُقُ الطّائِعَ والعاصِيَ وإنَّما المُخْتَصُّ في عُرْفِ الشَّرْعِ هو الرَّحْمَةُ الَّتِي هي الغُفْرانُ والتَّجاوُزُ والثَّوابُ.
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ كَما جازَ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِالرَّحْمَةِ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ بِالمُحْسِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ كَذَلِكَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ الأرْزاقِ بِهِمْ تَرْغِيبًا في الإحْسانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدِي رابِعُها أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: مَطَرُ اللَّهِ قَرِيبٌ لَوَجَدْتَ هَذِهِ الإضافَةَ مِمّا تَمُجُّها الأسْماعُ وتَنْبُو عَنْها الطِّباعُ بِخِلافِ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَنزِلَتِهِ في المَعْنى.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ مَجْمُوعَ ( رَحْمَةَ اللَّهِ ) اسْتُعْمِلَ مُرادًا بِهِ المَطَرُ وبِأنَّ الإضافَةَ في مَطَرِ اللَّهِ إنَّما لَمْ تَحْسُنْ لِلْعِلْمِ بِالِاخْتِصاصِ ولا كَذَلِكَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وهَذا كَما يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: قُرْآنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ والإنْصافُ أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي ذِهْنٍ طَرِيٍّ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: لا بُعْدَ في أنْ يُقالَ: إنَّ التَّذْكِيرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ واخْتارَ أنَّهُ لَمّا كانَ المُضافُ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّذْكِيرَ وكانَتِ الرَّحْمَةُ مُقارِبَةً لِلرَّحِمِ في اللَّفْظِ وكانَ قَرِيبٌ عَلى صِيغَةِ فَعِيلٍ وفَعِيلٌ الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يُحْمَلُ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ جاءَ التَّذْكِيرُ وادَّعى أنَّهُ لا يُناقِضُ ما قَدِمَهُ مِنَ الِاعْتِراضاتِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ اعْتِبارِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُسْتَقِلًّا انْتِفاءُ اعْتِبارِهِ مَعَ غَيْرِهِ. اهـ. ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ سِوى أنَّهُ إذا أُخِذَ في المَجْمُوعِ كَوْنُ الرَّحْمَةِ بِمَعْنى المَطَرِ يُفْسِدُ الزَّرْعَ وقَدْ جَرى في هَذِهِ الآيَةِ بِحْثٌ طَوِيلٌ بَيْنَ ابْنِ مالِكٍ والرَّوَذَراوَرِيِّ وفي كَلامِ كُلٍّ حَقٌّ وصَوابٌ وفي نَقْلِ ذَلِكَ ما يُورِثُ السَّآمَةَ وأجابَ الجَوْهَرِيُّ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ ولا تُؤَنَّثُ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: التَّذْكِيرُ لِأنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ المُتَضَمِّنَ لِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ ولَوْ كانَ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ لَمْ يَحْسُنْ تَذْكِيرُهُ عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: إنَّ فَعِيلًا هُنا مَحْمُولٌ عَلى فَعِيلٍ الوارِدِ في المَصادِرِ فَإنَّهُ لِلْمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ كَفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّقِيضِ بِالنُّونِ والقافِ والضّادِ المُعْجَمَةِ وهو صَوْتُ الرَّحْلِ ونَحْوِهِ والضَّغِيبِ بِالضّادِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ والياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتُ والباءِ المُوَحَّدَةِ صَوْتُ الأرْنَبِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَهُ عَلى فَعِيلٍ
صفحة 144
بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْلى مِن هَذا الحَمْلِ وهو الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ نَعَمْ رُبَّما يُدَّعى أنَّ في ذَلِكَ إشارَةً ما إلى مَزِيدِ قُرْبِ الرَّحْمَةِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وقَدْ لا يَسْلَمُ والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ فَعِيلًا هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما زَعَمَ الكَرْمانِيُّ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ولِأنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةُ ذاتٍ عِنْدَ جَمْعٍ وصِفاتُ الذّاتِ سَواءٌ قُلْنا بِعَيْنِيَّتِها أوْ بِغَيْرِيَّتِها أوْ بِأنَّها لا ولا لا يَحْسُنُ الإخْبارُ عَنْها بِأنَّها مُقَرَّبَةٌ وذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ ظاهِرٌ وعَلى الأوَّلِ أظْهَرُ والقَوْلُ بِأنَّ في ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الإحْسانِ حَيْثُ أُشِيرَ إلى أنَّهُ كالفاعِلِ وقَدْ أثَّرَ فِيما لا يَقْبَلُ التَّأثُّرُ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ وأنَّهُ قَدْ حُمِلَ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما حُمِلَ عَلى ذَلِكَ في خُصُوصِيَّةِ قَرِيبٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ.
أتَنْفَعُكَ الحَياةُ وأُمُّ عَمْرٍو ∗∗∗ قَرِيبٌ تَزُورُ ولا تُزارُ
وإنَّما لَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ عَلى الأصْلِ لِلْإشارَةِ لِأرْبابِ الأذْهانِ السَّلِيمَةِ إلى أنَّها قَرِيبَةٌ جِدًّا مِنَ المُحْسِنِينَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ الرَّحْمَةِ هُنا بِالإحْسانِ لِمَكانِ المُحْسِنِينَ، وهَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ، ولَعَلَّهُ يُعْتَبَرُ شامِلًا لِلْإحْسانِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ ووَجْهُ القُرْبِ عَلى ما قِيلَ وُجُودُ الأهْلِيَّةِ بِحَسَبِ الحِكْمَةِ مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَّرَها ابْنُ جُبَيْرٍ بِالثَّوابِ والمُتَبادَرُ مِنهُ الإحْسانُ الأُخْرَوِيُّ.
ووَجْهُ القُرْبِ عَلَيْهِ بِأنَّ الإنْسانَ في كُلِّ ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ في إدْبارٍ عَنِ الدُّنْيا وإقْبالٍ عَلى الآخِرَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المَوْتُ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُحْسِنِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ إلّا المَوْتُ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ .. إلَخْ. أيْ عَلَّقَ فِيها الرَّحْمَةَ بِإحْسانِ الأعْمالِ كَما عَلَّقَ الغُفْرانَ فِيهِ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَكَأنَّ ( مَن تابَ وآمَنَ ) .. إلَخْ. تَفْسِيرٌ لِلْمُحْسِنِينَ وهو إشارَةٌ إلى ما يَزْعُمُهُ قَوْمُهُ مِن أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَخْلُصُ مِنَ النّارِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُحْسِنِينَ والتَّخْلِيصُ مِنَ النّارِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها رَحْمَةٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو مُحْسِنٌ بِدَلِيلِ أنَّ الصَّبِيَّ إذا بَلَغَ ضُحًى وآمَنَ وماتَ قَبْلَ الظُّهْرِ فَقَدَ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ فَهو مُحْسِنٌ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ والقَوْلُ بِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ عَلى ما يُؤْذِنُ بِهِ الآيَةُ المُمَثَّلُ بِها أوَّلَ البَحْثِ أوَّلَ المَسْألَةِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ ( المُحْسِنِينَ ) بِالمُؤْمِنِينَ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُهُ بِالدّاعِينَ خَوْفًا وطَمَعًا لِقَرِينَةِ السِّياقِ عَلى ذَلِكَ ونُظِرَ فِيهِ
الأعراف 7:57
﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أوْ عَلى حَدِيثِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى الوَحْدَةِ وهو مُتَحَمِّلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ فَيُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ وخَبَرُ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا مُخَرَّجٌ عَلى قِراءَةِ الأكْثَرِينَ ﴿بُشْرًا﴾ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ الشِّينِ مُخَفَّفُ ( بُشُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشِيرٍ كَنُذُرٍ ونَذِيرٍ أيْ مُبَشِّراتٌ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا ( بُشُرًا ) عَلى الأصْلِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ بَشَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى بَشَّرَهُ المُشَدَّدِ والمُرادُ باشِراتٌ أوْ لِلْبِشارَةِ وقُرِئَ ( بُشْرى ) كَحُبْلى وهو مَصْدَرٌ أيْضًا مِنَ البِشارَةِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ ( نُشُرًا ) بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ بِمَعْنى ناشِرٍ وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يَطَّرِدُ جَمْعُهُ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ ولَمْ يُجْعَلْ جَمْعُ ناشِرٍ كَبازِلٍ وبَزْلٍ لِأنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى فَعْلٍ شاذٌّ
صفحة 145
واخْتُلِفَ في مَعْنى ناشِرٍ فَفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قِيلَ: هو عَلى النَّسَبِ إمّا إلى النَّشْرِ ضِدَّ الطَّيِّ وإمّا إلى النُّشُورِ بِمَعْنى الإحْياءِ لِأنَّ الرِّيحَ تُوصَفُ بِالمَوْتِ والحَياةِ كَقَوْلِهِ.
إنِّي لَأرْجُو أنْ تَمُوتَ الرِّيحُ فَأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ
كَما يَصِفُها المُتَأخِّرُونَ بِالعِلَّةِ والمَرَضِ ومِمّا يَحْكِي النَّسِيمُ مِن ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ.
أظُنُّ نَسِيمَ الرَّوْضِ ماتَ لِأنَّهُ ∗∗∗ لَهُ زَمَنٌ في الرَّوْضِ وهو عَلِيلُ
وقِيلَ: هو فاعِلٌ مِن نَشَرَ مُطاوِعُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ فَنُشِرَ وهو ناشِرٌ كَقَوْلِهِ.
حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
قِيلَ: ناشِرٌ بِمَعْنى مُنْشِرٍ أيْ مُحْيِي وقِيلَ: فَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ إلّا أنَّهُ نادِرٌ مُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( نُشْرًا ) بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ حَيْثُ وقَعَ والتَّخْفِيفُ في فِعْلٍ مُطَّرِدٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( نَشْرًا ) بِفَتْحِ النُّونِ حَيْثُ وقَعَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ بِمَعْنى ناشِراتٍ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَإنَّ الإرْسالَ والنَّشْرَ مُتَقارِبانِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ وهو مِنَ المَجازِ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الأنْبارِيِّ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ المَطَرُ وسَمِّيَ رَحْمَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ مِنَ المَنافِعِ ولا يَخْفى أنَّ الرَّحْمَةَ في المَشْهُورِ عامَّةٌ فَإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ مِن حَيْثُ خُصُوصِهِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ الخاصِّ بِخُصُوصِهِ وإنْ كانَ إطْلاقُها عَلَيْهِ لا بِخُصُوصِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ عُمُومِهِ وكَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فَهو حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيما وُضِعَ لَهُ عَلى ما بُيِّنَ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ وغَيْرِهِ.
وادَّعى الشِّهابُ إثْباتَ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ كَوْنَ المَطَرِ مِن مَعانِي الرَّحْمَةِ وقَوْلُ ابْنِ هِشامٍ في رِسالَتِهِ الَّتِي ألَّفَها في بَيانِ وجْهِ تَذْكِيرِ ( قَرِيبٌ ) المارُّ عَنْ قَرِيبٍ إنّا لا نَجِدُ أهْلَ اللُّغَةِ حَيْثُ يَتَكَلَّمُونَ عَلى الرَّحْمَةِ يَقُولُونَ: ومِن مَعانِيها المَطَرُ فَلَوْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لَهُ لَذَكَرُوهُ قُصارى ما فِيهِ عَدَمُ الوِجْدانِ وهو لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ الوُجُودِ ومِمّا اشْتُهِرَ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ومَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والمَقامُ ظاهِرٌ في إرادَةِ هَذا المَعْنى وبَيانِ كَوْنِ الرِّياحِ مُرْسَلَةً أمامَ ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ والشَّمالَ تَجْمَعُهُ والجَنُوبَ تُدِرُّهُ والدَّبُّورَ تُفَرِّقُهُ وهَذِهِ أحَدُ أنْواعِ الرِّيحِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ العَرَبِ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الرِّياحَ ثَمانِيَةٌ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ وهي القاصِفُ والعاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ وهي النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ.
والرِّيحُ مِن أعْظَمِ مِنَنِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ لَوْ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ عَنْ عِبادِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لَأنْتَنَ أكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ العالَمَ ومَلَأهُ هَواءً ولَوْ أمْسَكَ الهَواءَ ساعَةً لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ يُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ فَقَدْ رَوى الشّافِعِيُّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أخَذَتِ النّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حاجٌّ فاشْتَدَّتْ فَقالَ عُمَرُ لِمَن حَوْلَهُ: ما بَلَغَكم في الرِّيحِ فَلَمْ يُرْجِعُوا إلَيْهِ شَيْئًا وبَلَغَنِي الَّذِي سَألَ عُمَرُ عَنْهُ مِن أمْرِ الرِّيحِ فاسْتَحْثَثْتُ راحِلَتِي حَتّى أدْرَكْتُ عُمَرَ وكُنْتُ مُؤَخَّرَ النّاسِ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أنَّكَ سَألْتَ عَنِ الرِّيحِ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرِّيحُ مِن رُوحِ اللَّهِ تَعالى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وتَأْتِي بِالعَذابِ فَإذا رَأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها واسْألُوا اللَّهَ
صفحة 146
تَعالى مِن خَيْرِها واسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن شَرِّها» ولا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَةِ وهَذا الخَبَرِ إذْ لَيْسَ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرْسِلُها إلّا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَةِ ولَئِنْ سُلِّمَ فَهو خارِجُ مَجْرى الغالِبِ فَإنَّ العَذابَ بِالرِّيحِ نادِرٌ وقِيلَ: ما في الخَبَرِ إنَّما هو الإيتاءُ بِالرَّحْمَةِ والإيتاءُ بِالعَذابِ لا الإرْسالُ بَيْنَ يَدَيْ كُلٍّ ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ غايَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرْسِلُ﴾ والإقْلالُ كَما في جَمْعِ البَيانِ حَمْلُ الشَّيْءِ بِأسْرِهِ واشْتِقاقُهُ مِنَ القِلَّةِ وحَقِيقَةُ أقَلَّهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعَلَهُ قَلِيلًا أوْ وجَدَهُ قَلِيلًا والمُرادُ ظَنَّهُ كَذَلِكَ كَأكْذَبَهَ إذا جَعَلَهُ كاذِبًا في زَعْمِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى حَمَلَهُ لِأنَّ الحامِلَ يَسْتَقِلُّ ما يَحْمِلُهُ أيْ يَعُدُّهُ قَلِيلًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: جُهْدُ المُقِلِّ أيِ الحامِلُ ﴿سَحابًا﴾ أيْ غَيْمًا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الهَواءِ وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ويُفْرَدُ وصْفُهُ ويُجْمَعُ.
وأهْلُ اللُّغَةِ كالجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ تُسَمِّيهِ جَمْعًا فَلِذا رُوعِيَ فِيهِ الوَجْهانِ في وصْفِهِ وضَمِيرِهِ وجاءَ في الجَمْعِ سَحُبٌ وسَحائِبُ ﴿ثِقالا﴾ مِنَ الثِّقَلِ كَعِنَبٍ ضِدُّ الخِفَّةِ يُقالُ: ثَقُلَ كَكَرُمَ ثِقَلًا وثَقالَةً فَهو ثَقِيلٌ وثِقَلُ السَّحابِ بِما فِيهِ مِنَ الماءِ ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أيْ لِأجْلِهِ ومَنفَعَتِهِ أوْ لِإحْيائِهِ أوْ لِسَقْيِهِ كَما قِيلَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قُلْتُ لَكَ وفُرِّقَ بَيْنَ سُقْتُ لَكَ مالًا وسُقْتُ لِأجْلِكَ مالًا بِأنَّ الأوَّلَ مَعْناهُ أوْصَلْتُ لَكَ ذَلِكَ وأبْلَغْتُكَهُ والثّانِيَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُصُولُهُ إلَيْهِ والبَلَدُ كَما قالَ اللَّيْثُ كُلُّ مَوْضِعٍ في الأرْضِ عامِرٌ أوْ غَيْرُ عامِرٍ خالٍ أوْ مَسْكُونٌ والطّائِفَةُ مِنهُ بَلْدَةٌ والجَمْعُ بِلادٌ وتُطْلَقُ البَلْدَةُ عَلى المَفازَةِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى.
وبَلْدَةٌ مِثْلُ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٌ ∗∗∗ لِلْجِنِّ بِاللَّيْلِ في حافاتِها زَجَلُ
﴿فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ أيْ بِالبَلَدِ أوِ السَّحابِ كَما قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ بِالسَّوْقِ أوِ الرِّياحِ كَما قِيلَ والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الماءِ وهو الظّاهِرُ لِقُرْبِهِ لَفْظًا ومَعْنًى ومُطابَقَةُ النَّظائِرِ وانْفِكاكُ الضَّمائِرِ لا بَأْسَ بِهِ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وحُسْنُ المُلاءَمَةِ.
وإذا كانَ لِلْبَلَدِ فالباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ في الثّانِي ولِلْإلْصاقِ في الأوَّلِ لِأنَّ الإنْزالَ لَيْسَ في البَلَدِ بَلِ المُنَزَّلُ وجُوِّزَ الظَّرْفِيَّةُ أيْضًا كَما في رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ عَلى ما عَلِمْتَ فِيما مَرَّ وإذا كانَ لِغَيْرِهِ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ وتَشْمَلُ القَرِيبَةَ والبَعِيدَةَ.
﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن كُلِّ أنْواعِها لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ غَيْرُ مُرادٍ ولا واقِعٌ وهَذا أبْلَغُ في إظْهارِ القُدْرَةِ المُرادِ وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْراقَ عُرْفِيٌّ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ لِلتَّكْثِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ وأنْ تَكُونَ لِتَبْيِينِ الجِنْسِ ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الثَّمَراتِ أوْ إلى إحْياءِ البَلَدِ المَيِّتِ أيْ كَما نُحْيِيهِ بِإحْداثِ القُوى النّامِيَةِ فِيهِ وتَطْرِيَتِها بِأنْواعِ النَّباتِ والثَّمَراتِ نُخْرِجُ المَوْتى مِنَ الأرْضِ ونُحْيِيها بِرَدِّ النُّفُوسِ إلى مَوادِّ أبْدانِها بَعْدَ جَمْعِها وتَطْرِيَتِها بِالقُوى والحَواسِّ كَذا قالُوا وهو إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى طَرِيقَيِ القائِلِينَ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ وهُما إيجادُ البَدَنِ بَعْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ إحْياؤُهُ وضَمُّ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ بَعْدَ تَفَرُّقِها ثُمَّ إحْياؤُهُ.
واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ مِن كَتْمِ العَدَمِ والثّانِي يَحْتاجُ إلى تَمَحُّلِ تَقْدِيرِ الإحْياءِ واعْتِبارِ جَمْعِ الأجْزاءِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ ما في الشِّقِّ الثّانِي مِنَ الإحْياءِ بِرَدِّ النُّفُوسِ .. إلَخْ. إلى الأوَّلِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ الإخْراجِ مِن كَتْمِ العَدَمِ وأدِلَّةُ
صفحة 147
اسْتِحالَةِ ذَلِكَ مِمّا لا تَقُومُ عَلى ساقٍ وقَدَمٍ إلّا أنَّ الأدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ عَلى كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُتَجاذِبَةٌ وإذا صَحَّ القَوْلُ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ فَلا بَأْسَ بِالقَوْلِ بِأيٍّ كانَ مِنهُما وكَوْنُ إخْراجِ الثَّمَراتِ مِن كَتْمِ العَدَمِ قَدْ لا يُسَلَّمُ فَإنَّ لَها أصْلًا في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ إخْراجَ المَوْتى عِنْدَ القائِلِينَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ إعادَةٌ ولَيْسَ إخْراجُ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ قَبْلُ نَعَمْ كَوْنُ الأظْهَرِ أنَّ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ وفي الخازِنِ اخْتَلَفُوا في وجْهِ التَّشْبِيهِ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما يَخْلُقُ النَّباتَ بِواسِطَةِ إنْزالِ المَطَرِ كَذَلِكَ يُحْيِي المَوْتى بِواسِطَةِ إنْزالِ المَطَرِ أيْضًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ النّاسَ إذا ماتُوا في النَّفْخَةِ الأُولى أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ ماءٌ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُدْعى ماءَ الحَياةِ أرْبَعِينَ سَنَةً فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الماءِ وفي رِوايَةٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ نَباتَ الزَّرْعِ حَتّى إذا اسْتُكْمِلَتْ أجْسادُهم تُنْفَخُ فِيهِمُ الرُّوحُ ثُمَّ يُلْقى عَلَيْهِمُ النَّوْمُ فَيَنامُونَ في قُبُورِهِمْ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عاشُوا ثُمَّ يُحْشَرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ في رُؤُوسِهِمْ وأعْيُنِهِمْ كَما يَجِدُ النّائِمُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ مِن نَوْمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا فَيُنادِيهِمُ المُنادِي ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرِجَ المَوْتى أمْطَرَ السَّماءَ حَتّى تَشَقَّقَ عَنْهُمُ الأرْضُ ثُمَّ يُرْسِلُ سُبْحانَهُ الأرْواحَ فَتَعُودُ كُلُّ رُوحٍ إلى جَسَدِها فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ تَعالى المَوْتى بِالمَطَرِ كَإحْيائِهِ الأرْضَ.
وقِيلَ: إنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِأصْلِ الإحْياءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَيْفِيَّةٍ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ ولا يَلْزَمُنا البَحْثُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ ويَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما يَشاءُ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ (57) فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى هَذا مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ والأصْلُ تَتَذَكَّرُونَ فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والخِطابُ قِيلَ: لِلنُّظّارِ مُطْلَقًا وقِيلَ: لِمُنْكِرِي البَعْثِ
الأعراف 7:58
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ الَّتِي لا سَبِخَةَ ولا حَرَّةَ واسْتِعْمالُ البَلَدِ بِمَعْنى القَرْيَةِ عُرْفٌ طارَ ومِن قَبِيلِ ذَلِكَ إطْلاقُهُ عَلى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا وافِيًا غَزِيرَ النَّفْعِ لِكَوْنِهِ واقِعًا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ ﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ أيْ قَلِيلًا لا خَيْرَ فِيهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.
لا تُنْجِزَ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدا
ونُصْبُهُ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وأُقِيمَ المُضافُ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ ونَباتُ الَّذِي خَبُثَ والتَّعْبِيرُ أوَّلًا بِالطَّيِّبِ وثانِيًا بِالَّذِي خَبُثَ دُونَ الخَبِيثِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أصْلَ الأرْضِ أنْ تَكُونَ طَيِّبَةً مُنْبِتَةً وخِلافُهُ طارٍ عارِضٌ وقُرِئَ ( يُخْرَجُ نَباتُهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرَجُ ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعُ ( نَباتُ ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ و( يُخْرِجُ نَباتَهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرِجُ ) لِلْفاعِلِ مِن بابِ الإخْراجِ ونَصْبُ ( نَباتَهُ ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ والفاعِلُ ضَمِيرُ البَلَدِ وقِيلَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوِ الماءِ وكَذا قُرِئَ في ( يُخْرِجُ ) المَنفِيِّ ونُصِبَ ( نَكِدًا ) حِينَئِذٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( نَكَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ ذا نَكَدٍ أوْ خُرُوجًا نَكَدًا وقَرَأ ( نَكْدًا ) بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ كَنَزْهٍ في قَوْلِهِ.
صفحة 148
فَقالَ لِي قَوْلَ ذِي رَأْيٍ ومَقْدِرَةٍ ∗∗∗ مُجَرِّبٍ عاقِلٍ نَزْهٍ عَنِ الرَّيْبِ
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُرَدِّدُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ ونُكَرِّرُها وأصْلُ التَّصْرِيفِ تَبْدِيلُ حالٍ بِحالٍ ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (58) نِعَمَ اللَّهِ تَعالى ومِنها تَصْرِيفُ الآياتِ وشُكْرُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِيها والِاعْتِبارُ بِها وخَصَّ الشّاكِرِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: ذِكْرُ ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ مَن تَذَكَّرَ آلاءَ اللَّهِ تَعالى عَرَفَ حَقَّ النِّعْمَةِ فَشَكَرَ وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ .. إلَخْ. مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: هو طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ والَّذِي خَبُثَ .. إلَخْ. مَثَلٌ لِلْكافِرِ يَقُولُ: هو خَبِيثٌ وعَمَلُهُ خَبِيثٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنهم مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَطابَ ومِنهم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَخَبُثَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا وزَرَعُوا وأصابَ مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وإيثارُ خُصُوصِ التَّمْثِيلِ بِالأرْضِ الطَّيِّبَةِ والخَبِيثَةِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ المَطَرِ وإنْزالِهِ بِالبَلَدِ ومُوازَنَةٌ بَيْنَ الرَّحْمَتَيْنِ كَما في الكَشْفِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ جِيءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنى ما ورَدَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضٍ المُجاشَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِيَ حُنَفاءَ كُلَّهم وإنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ».
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويَنَصِّرانِهِ» ووَجْهُ الإشارَةِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ
الأعراف 7:59
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُحَقِّقُهُ ويُقَرِّرُهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا .. إلَخْ. واطَّرَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ اللّامِ مَعَ قَدْ في الماضِي عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَلَّ الِاكْتِفاءُ بِها وحْدَها نَحْوَ قَوْلِهِ.
حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِي
والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها فَكانَتْ مَظِنَّةً لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ حُصُولَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ فَناسَبَ ذَلِكَ إدْخالَ قَدْ ونُقِلَ عَنِ النُّحاةِ أنَّهم قالُوا: إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ ماضِيًا مُثْبَتًا مُتَصَرِّفًا فِإمّا أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الحالِ فَيُؤْتى بِقَدْ وإلّا أُثْبِتَ
صفحة 149
بِاللّامِ وحْدَها فَجَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ هُنا بِعاطِفٍ وأُتِيَ بِهِ في هُودٍ والمُؤْمِنِينَ عَلى ما قالَ الكَرْمانِيُّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ نُوحٍ صَرِيحًا في هُودٍ وضِمْنًا في المُؤْمِنِينَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيها قَبْلُ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها بِخِلافِ ما هُنا ونُوحُ بْنُ لَمَكَ بِفَتْحَتَيْنِ وقِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وقِيلَ: مَلْكانَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ آخِرِهِ وقِيلَ: لامَكَ كَهاجَرَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والواوِ وسُكُونِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ المُفَعْوِلِ كَما ضَبَطَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ المُشَدَّدَةِ وسُكُونِ الواوِ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ابْنِ أخْنُوخَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَهُ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ أيْضًا ومَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ القُرّاءُ وقِيلَ: خُنُوخَ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بُعِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْفِ الثّانِي وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وُلِدَ لَهُ نُوحٌ في آخِرِ الألْفِ الأوَّلِ وأخْرَجا عَنْ مُقاتِلٍ وجُوَيْبِرٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَبُرَ ودَقَّ عَظْمُهُ قالَ: يا رَبِّ إلى مَتى أكِدُّ وأسْعى قالَ يا آدَمُ حَتّى يُولَدَ لَكَ ولَدٌ مَخْتُونٌ فَوُلِدَ لَهُ نُوحٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أبْطُنٍ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ألْفِ سِنَةٍ إلّا سِتِّينَ عامًا وبُعِثَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى رَأْسِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وقالَ مُقاتِلٌ: وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
وبُعِثَ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ مِنَ الجَزِيرَةِ وهو أوَّلُ نَبِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى قَوْمَهُ وقَدْ لَقِيَ مِنهم ما لَمْ يَلْقَهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واخْتُلِفَ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءً مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى عُمُومِها انْتِهاءً حَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ولا يَقْدَحُ القَوْلُ بِالعُمُومِ في كَوْنِ ذَلِكَ مِن خَواصِّ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ ما هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُمُومُ البَعْثَةِ لِكافَّةِ الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ وذَلِكَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ بَلْ وكَذا المَلائِكَةُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدُّوا عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ وصَرِيحَ آيَةٍ ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إذِ العالَمُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وخَبَرُ مُسْلِمٍ «وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ قالَ البارِزِيُّ: إنَّهُ ﷺ أُرْسِلَ حَتّى لِلْجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً.
وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ طَلَبُ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ ولا كَذَلِكَ بَعْثَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وهو كَما قالَ القامُوسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ صُرِفَ لِخِفَّتِهِ وجاءَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وجُوَيْبِرٌ ومُقاتِلٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ واخْتُلِفَ في سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو دَعْوَتُهُ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ وقِيلَ مُراجَعَتُهُ رَبَّهُ في شَأْنِ ابْنِهِ كَنْعانَ وقِيلَ: إنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ فَقالَ لَهُ اخْسَأْ يا قَبِيحُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ الكَلْبَ وقِيلَ: هو إصْرارُ قَوْمِهِ عَلى الكُفْرِ فَكانَ كُلَّما دَعاهم وأعْرَضُوا بَكى وناحَ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وكانَ اسْمُهُ قَبْلُ السَّكَنَ لِسُكُونِ النّاسِ إلَيْهِ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عَبْدُ الجَبّارِ وأنا لا أُعَوِّلُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ لَهُ حِينَ وُلِدَ ولَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ النِّياحَةِ وأنَّهُ كَما قالَ
صفحة 150
صاحِبُ القامُوسِ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ وتَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها العِبادَةُ حَقِيقَةً وأمّا العِبادَةُ مَعَ الإشْراكِ فَكَلا عِبادَةَ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ﴾ أيْ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ ﴿غَيْرُهُ﴾ عَلَيْهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَذْكُورَةِ أوِ الأمْرِ بِها و( مِن ) صِلَةٌ و( غَيْرُ ) بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ صِفَةُ ( إلَهٍ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ وحُكْمُ غَيْرُ كَما في المُفَصَّلِ حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ إلّا وهو المَشْهُورُ أيْ ما لَكم إلَهٌ إلّا إيّاهُ كَقَوْلِكَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا زَيْدًا وغَيْرَ زَيْدٍ و( إلَهٍ ) إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فَلَكم خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ و( لَكم ) لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ أيْ ما لَكم في الوُجُودِ أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا حَسْبَما أُمِرْتُ بِهِ وتَقْدِيرُ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِما أنَّ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِهِ وهو أهَمُّ أنْواعِها وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( أخافُ ) ولَمْ يَقْطَعْ حُنُوًّا عَلَيْهِمْ واسْتِجْلابًا لَهم بِلُطْفٍ.
﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (59) هو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِوُقُوعِهِ إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا والجُمْلَةُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِبَيانِ الصّارِفِ عَنْ تَرْكِها إثْرَ تَعْلِيلِها بِبَيانِ الدّاعِي إلَيْها ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعِظَمِ لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.
الأعراف 7:60
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما قِيلَ لَهم ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ. والمَلَأُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالأشْرافِ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ القُلُوبَ بِجَلالِهِمْ والأبْصارَ بِجِمالِهِمْ والمَجالِسَ بِأتْباعِهِمْ وقِيلَ: سُمُّوا مَلَأً لِأنَّهم مَلِيُّونَ قادِرُونَ عَلى ما يُرادُ مِنهم مِن كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولاها الضَّمِيرُ والظَّرْفُ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ فَيَكُونُ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿مُبِينٍ﴾ (60) أيْ بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا ( قالَ ) اسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ سابِقِهِ:
الأعراف 7:61
﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ اسْتِمالَةً لَهم نَحْوَ الحَقِّ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ نَفْيٌ لِلضَّلالِ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ التّاءَ لِلْمَرَّةِ لِأنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ في الجَوابِ لِقَوْلِهِمُ الأحْمَقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ والوَحْدَةُ المُسْتَفادَةُ مِنهُ بِاعْتِبارِ أقَلِّ ما يَنْطَلِقُ فَيَرْجِعُ حاصِلُ المَعْنى لَيْسَ بِي أقَلُّ قَلِيلٍ مِنَ الضَّلالِ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ المُبِينِ وما يَتَخايَلُ مِن أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أبْلَغُ فَإنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ مَعَ قَيْدِ الوَحْدَةِ قَدْ يَكُونُ بِانْتِفاءِ الوَحْدَةِ إلى الكَثْرَةِ مُضْمَحِلٌّ بِما حَقَّقَ أنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ صِفَةً مُقَيَّدَةً بَلِ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْجُزْءِ الأقَلِّ وهو الواحِدُ المُتَحَقِّقُ مَعَ الكَثْرَةِ ودُونَها عَلى أنَّ مُلاحَظَةَ قَيْدِ الوَحْدَةِ في العامِّ في سِياقِ النَّفْيِ مَدْفُوعٌ وكَفاكَ لا رَجُلَ شاهِدًا فَإنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْواحِدِ مِنَ الجِنْسِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسامَةَ فَإذا وقَعَ عامًّا لا يُلْحَظُ ذَلِكَ ولَوْ سُلِّمَ جَوازُ أنْ يُقالَ لَيْسَ بِهِ ضَلالَةٌ واحِدَةٌ بَلْ ضَلالاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ ابْتِداءً لَكِنْ لا يَجُوزُ في مَقامِ المُقابَلَةِ كَما نَحْنُ فِيهِ قالَهُ في الكَشْفِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما أوْرَدَ عَلى الكَشّافِ في هَذا المَقامِ.
وفِي المَثَلِ السّائِرِ الأسْماءُ المُفْرَدَةُ الواقِعَةُ عَلى الجِنْسِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ إحْداها تاءُ التَّأْنِيثِ مَتى أُرِيدَ النَّفْيُ كانَ اسْتِعْمالُ واحِدِها أبْلَغَ ومَتى أُرِيدَ الإثْباتُ كانَ اسْتِعْمالُها أبْلَغَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا يُظَنُّ أنَّهُ لَمّا كانَ الضَّلالُ والضَّلالَةُ مَصْدَرَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ضَلَّ يَضِلُّ ضَلالًا وضَلالَةً كانَ القَوْلانِ سَواءً لِأنَّ الضَّلالَةَ هُنا لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ
صفحة 151
المَصْدَرِ بَلْ عَنِ المَرَّةِ والنَّفْيِ كَما عَلِمْتَ وإنَّما بالَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّفْيِ لِمُبالَغَتِهِمْ في الإثْباتِ حَيْثُ جَعَلُوهُ وحاشاهُ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالِ الواضِحِ كَوْنُهُ ضَلالًا وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ (61) اسْتِدْراكٌ عَلى ما قَبْلَهُ رافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِنهُ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ القَوْمَ لَمّا أثْبَتُوا لَهُ الضَّلالَ أرادُوا بِهِ تَرْكَ دِينِ الآباءِ ودَعْوى الرِّسالَةِ فَحِينَ نَفى الضَّلالَةَ تُوُهِّمَ مِنهُ أنَّهُ عَلى دِينِ آبائِهِ وتَرَكَ دَعْوى الرِّسالَةِ فَوَقَعَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ وثابِتٌ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اسْتِدْراكًا لِذَلِكَ وقِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الهِدايَةِ فَإنَّ رِسالَتَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِنَ الضَّلالَةِ لَكِنِّي في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهِدايَةِ وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ لَكِنَّ حَقُّها أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَفْيًا وإثْباتًا والتَّغايُرُ هُنا حاصِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما في قَوْلِكَ جاءَنِي زَيْدٌ لَكِنَّ عَمْرًا غابَ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إرادَةُ المُبالَغَةِ في إثْباتِ الهِدايَةِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما نَفى الضَّلالَةَ كَذَلِكَ وسَلَكَ طَرِيقَ الإطْنابِ لِأنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ زِيادَةٌ عَلى الجَوابِ إذْ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كانَ كافِيًا فِيهِ فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الوارِدِ عَلى التَّخَلُّصِ إلى الدَّعْوَةِ عَلى وجْهِ التَّرْجِيعِ المَعْنَوِيِّ لِأنَّهُ بَدَأ بِالدَّعْوَةِ إلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا أرادَ إثْباتَ الرِّسالَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَمّا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمُ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فانْتَهَزَ الفُرْصَةَ وأدْمَجَ مَقْصُودَهُ في الجَوابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ حَيْثُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المُلاطَفَةِ والكَلامِ المُنْصِفِ يَعْنِي دَعُوا نِسْبَةَ الضَّلالِ إلَيَّ وانْظُرُوا ما هو أهَمُّ لَكم مِن مُتابَعَةِ ناصِحِكم وأمِينِكم ورَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ألا تَرى أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ عَقَّبَ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ إثْباتَ التَّوْحِيدِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ فَإذا اقْتَضى المَقامُ هَذا الإطْنابَ كانَ الِاقْتِصارُ عَلى العِبارَةِ المُوجَزَةِ تَقْصِيرًا. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ غَيْرُ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الِاسْتِدْراكَ في لَكِنَّ أنْ تَنْسِبَ لِما بَعْدَها حُكْمًا مُخالِفًا لِما قَبْلَها سَواءً تَغايَرا إثْباتًا ونَفْيًا أوْ لا وفَسَّرَهُ صاحِبُ البَسِيطِ وجَماعَةٌ بِرَفْعِ ما تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في المُغْنِي واعْتِبارُ اللّازِمِ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى الثّانِي مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ لِأنَّهُ لا يَذْهَبُ وهْمُ واهِمٍ مِن نَفْيِ الضَّلالَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ المُخاطَبُ انْتِفاءَ الرِّسالَةِ أيْضًا كَما انْتَفى الضَّلالَةُ فاسْتَدْرَكَهُ بِلَكِنَّ كَما في قَوْلِكَ زِيدٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ لَكِنَّهُ طَبِيبٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى ما قَرَّرَ أوَّلًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ: إنَّهُ إذا انْتَفى أحَدُ المُتَقابِلَيْنِ يَسْبِقُ الوَهْمُ إلى انْتِفاءِ المُقابِلِ الآخَرِ لا إلى انْتِفاءِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقُ لَها بِهِ ولِهَذا يُؤَوَّلُ ما وقَعَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْراكِ بِما يُقابِلُ الضَّلالَ مَثَلًا يُقالُ زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ لَكِنَّهُ قاعِدٌ ولا يُقالُ لَكِنَّهُ شارِبٌ إلّا بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِأنَّ الشّارِبَ يَكُونُ قاعِدًا وقالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ النَّظَرُ الصّائِبُ في هَذا الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ.
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وقَوْلِهِ.
هُوَ البَدْرُ إلّا أنَّهُ البَحْرُ زاخِرًا ∗∗∗ سِوى أنَّهُ الضِّرْغامُ لَكِنَّهُ الوَبِلُ
كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وعَيْبٌ سِوى أنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّوْعَ يُقالُ لَهُ عِنْدَهم تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ وهو قِسْمانِ ما يُسْتَثْنى فِيهِ مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ لِذَلِكَ
صفحة 152
الشَّيْءِ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها في صِفَةِ الذَّمِّ المَنفِيَّةِ وما يَثْبُتُ فِيهِ لِشَيْءٍ صِفَةُ مَدْحٍ ويُتَعَقَّبُ ذَلِكَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى لِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّأْوِيلِ فَتَأمَّلْ.
و( مِن ) فِيها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً ما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي رَسُولٌ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
الأعراف 7:62
﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ وتَفْصِيلِ أحْكامِها وأحْوالِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) وهَذا كَقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ بارَزَ مَرْحَبًا اليَهُودِيَّ يَوْمَ خَيْبَرَ.
أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهٍ مَنظَرَهْ
أُوَفِّيهِمْ بِالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سَمَّتْهُ حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى لِأمْنِ اللَّبْسِ وأوْجَبَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ما ذُكِرَ قَبِيحٌ حَتّى قالَ المازِنِيُّ: لَوْلا شُهْرَتُهُ لَرَدَدْتُهُ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ المازِنِيُّ في صِلَةِ المَوْصُولِ لا في وصْفِ النَّكِرَةِ فَإنَّهُ وارِدٌ في القُرْآنِ مِثْلَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقَدْ صُرِّحَ بِحُسْنِهِ في كُتُبِ النَّحْوِ والمَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّلَةِ أيْضًا مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ حَتّى اسْتَرْذَلَ قَوْلَ المُتَنَبِّي.
أنا الَّذِي نَظَرَ الأعْمى إلى أدَبِي
وفِي الِانْتِصافِ أنَّهُ حَسَنٌ في الِاسْتِعْمالِ وكَرَمُ أبِي الحَسَنِ أصْدَقُ شاهِدٍ عَلى ما قالَ وعَلى حُسْنِ كَلامِ ابْنِ الحُسَيْنِ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ إذا لَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ مُؤَخَّرًا نَحْوَ الَّذِي قَرى الضُّيُوفَ أنا أوْ كانَ لِلتَّشْبِيهِ نَحْوَ أنا في الشَّجاعَةِ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أبْلِغُكم ) بِتَسْكِينِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبِلاغِ وجَمْعُ الرِّسالاتِ مَعَ أنَّ رِسالَةَ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٌ وهو مَصْدَرٌ والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يُجْمَعَ رِعايَةً لِاخْتِلافِ أوْقاتِها أوْ تَنَوُّعِ مَعانِي ما أُرْسِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ أوْ أنَّهُ أرادَ رِسالَتَهُ ورِسالَةَ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَإدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وشِيثٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بَيانِ عُمُومِها لِلْعالِمِينَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ الَّذِي هو تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ تَعالى إلَيْهِمْ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ مِن مُوجِباتِ امْتِثالِهِ بِأمْرِهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ أيْ أتَحَرّى ما فِيهِ صَلاحُكم بِناءً عَلى أنَّ النُّصْحَ تَحَرِّي ذَلِكَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا وقِيلَ: هو تَعْرِيفُ وجْهِ المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ والمَعْنى هُنا أُبَلِّغُكم أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيَهُ وأُرَغِّبُكم في قَبُولِها وأُحَذِّرُكم عِقابَهُ إنْ عَصَيْتُمُوهُ وأصْلُ النُّصْحِ في اللُّغَةِ الخُلُوصُ يُقالُ: نَصَحْتُ العَسَلَ إذا خَلَّصْتُهُ مِنَ الشَّمْعِ ويُقالُ: هو مَأْخُوذٌ مِن نُصْحِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إذا خاطَهُ شَبَّهُوا فِعْلَ النّاصِحِ فِيما يَتَحَرّاهُ مِن صَلاحِ المَنصُوحِ لَهُ بِفِعْلِ الخَيّاطِ فِيما يَسُدُّ مِن خَلَلِ الثَّوْبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِخُلُوصِ المَحَبَّةِ لِلْمَنصُوحِ لَهُ والتَّحَرِّي فِيما يَسْتَدْعِيهِ حَقُّهُ وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: لِلَّهِ تَعالى ولِكِتابِهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» ويُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ كَما يُقالُ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ قِيلَ: وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى أنَّ الغَرَضَ لَيْسَ غَيْرَ النُّصْحِ ولَيْسَ النُّصْحُ لِغَيْرِهِمْ بِمَعْنى أنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ لا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ( ما سَألْتُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ) وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِاخْتِصاصِ لا زائِدَةً وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ يُشْعِرُ بِأنَّها مَعَ ذَلِكَ زائِدَةٌ وفِيهِ خَفاءٌ.
صفحة 153
وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نُصْحِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (62) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أعْلَمُ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِالوَحْيِ أشْياءَ لا عِلْمَ لَكم بِها مِنَ الأُمُورِ الآتِيَةِ فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ أعْلَمُ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتِهِ القاهِرَةِ وبَطْشِهِ الشَّدِيدِ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ ويُصَدِّقْ بِرُسُلِهِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فَمِن إمّا لِلتَّبْعِيضِ أوْ بَيانِيَّةٌ لِما ولا بُدَّ في الوَجْهَيْنِ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ قِيلَ: كانُوا لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ قَبْلَهم فَكانُوا آمِنِينَ غافِلِينَ لا يَعْلَمُونَ ما عَلِمَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهم أوَّلُ قَوْمٍ عُذِّبُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
الأعراف 7:63
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ رَدٌّ لِما هو مَنشَأٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ لِمَ كانَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لَهُ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويُقَدَّرُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وأتْباعِهِ بَيْنَ الهَمْزَةِ وواوِ العَطْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَبْعَدْتُمْ وعَجِبْتُمْ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أنَّ الهَمْزَةَ مِن جُمْلَةِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلى العاطِفِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِها في التَّصْدِيرِ وضُعِّفَ قَوْلُ الأوَّلِينَ بِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوَّزَ فِيهِ أقَلُّ لَفْظًا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ وبِأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ و﴿أنْ جاءَكُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ بِأنْ لِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ يَتَعَدّى بِها والمُرادُ بِالذِّكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ كَما قِيلَ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ ومِن لِلِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذِكْرٍ أيْ ذِكْرٌ كائِنٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم.
﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم تَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ أوْ مِن جِنْسِكم فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ كَما قِيلَ و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى يَدِ أوْ لِسانِ رَجُلٍ مِنكم أيْ بِواسِطَتِهِ وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مَعَ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وقِيلَ: تَعَلُّقُهُ بِهِ لِأنَّ مَعْناهُ أُنْزِلَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ أبِي البَقاءِ أوْ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْناهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذِكْرٍ أيْ نازِلًا عَلى رَجُلٍ مِنكم ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْمَجِيءِ أيْ لِيُحَذِّرَكُمُ العَذابَ والعِقابَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ (63) عَلى ما هو الظّاهِرُ فالمَجِيءُ مُعَلَّلٌ بِثَلاثَةِ أشْياءَ ولَيْسَ مِن تَوارُدِ العِلَلِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ المَمْنُوعِ وبَيْنَها تَرَتُّبٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَإنَّ الإنْذارَ سَبَبٌ لِلتَّقْوى والتَّقْوى سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِهِمْ ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةً عَلى سَبَبِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ لِما بَعْدَهُ ولَوْ أُرِيدَتِ السَّبَبِيَّةُ لَجِيءَ بِالفاءِ وبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ( لِتَتَّقُوا ) عَلى ( لِيُنْذِرَكم ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ عَلى ( لِتَتَّقُوا ) مَعَ مُلاحَظَةِ التَّرَتُّبِ أيْ لِتَتَّقُوا بِسَبَبِ الإنْذارِ ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ بِسَبَبِ التَّقْوى فَلْيُتَأمَّلْ.
وجِيءَ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى عادَةِ العُظَماءِ في وعْدِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ وأنَّ الرَّحْمَةَ مَنُوطَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَلا اعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ
الأعراف 7:64
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما قالَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءُ في الشُّعَراءِ مِن قَصْدِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وشُؤْمِ ما أضْمَرُوهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ: أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبارِ الإغْراقِ لا فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ
صفحة 154
وتَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً أيِ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّلَةَ ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْجَيْناهُ وفي ظَرْفِيَّةً أوْ سَبَبِيَّةً وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ) نَفْسِهِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِها والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المَلَأ وغَيْرَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ المُصِرِّينَ وتَقْدِيمُ الإنْجاءِ عَلى الإغْراقِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإخْبارِ بِهِ والإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (64) أيْ عُمْيَ القُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ وقُرِئَ ( عامِينَ ) والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَتَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ وأصْلُهُ عَمِيِّينَ فَخُفِّفَ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ عَمٍ وعامٍ بِأنَّ الأوَّلَ لِعَمى البَصِيرَةِ والثّانِيَ لِعَمى البَصَرِ وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ.
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي
وقِيلَ: هُما سَواءٌ فِيهِما.
الأعراف 7:65
﴿وإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿أرْسَلْنا﴾ فِيما سَبَقَ وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم وقِيلَ: لا إضْمارَ والمَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى المَجْمُوعِ السّابِقِ والعامِلُ الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ وغُيِّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ضَمِيرِ ﴿أخاهُمْ﴾ إذْ لَوْ أُتِيَ بِهِ عَلى سَنَنِ الأوَّلِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً وعادٌ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أخاهُمْ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ واشْتُهِرَ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ وأُيِّدَ بِما قِيلَ إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ وهو هُودُ بْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وبَعْضُ القائِلِينَ بِهَذا قالُوا إنَّ نُوحًا ابْنُ عَمِّ أبِي عادٍ وقِيلَ: ابْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهم أنَّهُ مِنهم نَسَبًا وهو قَوْلُ الكَثِيرِ مِنَ النَّسّابِينَ ومَن لا يَقُولُ بِهِ يَقُولُ: إنَّ المُرادَ صاحِبُهم وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ وهو كَما يُقالُ يا أخا العَرَبِ وحِكْمَةُ كَوْنِ النَّبِيِّ يُبْعَثُ إلى القَوْمِ مِنهم أنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ لَهم حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ قالَ .. إلَخْ. ولَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ كَما أُتِيَ بِها في قِصَّةِ نُوحٍ لِأنَّ نُوحًا كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْوَةِ قَوْمِهِ غَيْرَ مُؤَخِّرٍ لِجَوابِ شُبْهَتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُبالِغًا إلى هَذا الحَدِّ فَلِذا جاءَ التَّعْقِيبُ في كَلامِ نُوحٍ ولَمْ يَجِئْ هُنا وذَكَرَ صاحِبُ الفَرائِدِ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءُ كَلامٍ فالسُّؤالُ غَيْرُ مُقْتَضِي الحالِ وأمّا قِصَّةُ هُودٍ فَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قِصَّةِ نُوحٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ السّامِعِ أقالَ هُودٌ ما قالَ نُوحٌ أمْ قالَ غَيْرَهُ فَكانَ مَظِنَّةَ أنْ يُسْألَ ماذا قالَ لِقَوْمِهِ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ.
وقِيلَ: اخْتِيرَ الفَصْلُ هُنا لِإرادَةِ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمَلِ في مَعْناهُ حَيْثُ أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ أعْظَمُ مِن كُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ مِن حَيْثُ أنَّهم عَلِمُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِالكافِرِينَ وأصَرُّوا وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يَعْلَمُوا ويَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ما سَيَأْتِي في ضِمْنِ الآياتِ وفِيهِ نَظَرٌ.
صفحة 155
﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها والتَّعْلِيلِ لَها أوْ لِلْأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ.
وقُرِئَ ( غَيْرُ ) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ كالَّذِي قَبْلُ ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ (65) إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِعَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ ما عَلِمُوا ما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ خاطَبَهم بِكُلٍّ مِنهُما واكْتَفى بِحِكايَةِ كُلٍّ مِنهُما في مَوْطِنٍ عَنْ حِكايَتِهِ في مَوْطِنٍ آخَرَ كَما لَمْ يَذْكُرْ ها هُنا ما ذَكَرَ هُناكَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وقِسْ عَلى ذَلِكَ حالَ بَقِيَّةِ ما ذُكِرُوا ما لَمْ يُذْكَرْ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ بَلْ حالُ نَظائِرِهِ في سائِرِ القِصَصِ لا سِيَّما في المُحاوَراتِ الجارِيَةِ في الأوْقاتِ المُتَعَدِّدَةِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّما قِيلَ ها هُنا: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ وفِيما تَقَدَّمَ مِن مُخاطَبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمُوا بِما حَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِن نُظَرائِهِمْ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ واقِعَةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واقِعَةٌ وقِيلَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا أقْرَبَ إلى الحَقِّ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا دُونَ ( إنِّي أخافُ عَلَيْكم ) .. إلَخْ. في التَّحْوِيفِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى:
الأعراف 7:66
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ حَيْثُ قُيِّدَ هُنا المَلَأُ المُعانِدُ بِمَن كَفَرَ وأُطْلِقَ هُناكَ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذا الوَصْفَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ بَلْ مِن أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ ولا كَذَلِكَ قَوْمُ نُوحٍ ومَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم لَمْ يَكُنْ مِنَ الأشْرافِ كَما هو الغالِبُ في اتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ إنَّهُ وقْتَ مُخاطَبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِخِلافِ قَوْمِ هُودٍ ومِثْلُهُ كَما قالَ الشِّهابُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ واعْتَرَضَ المَوْلى بَهاءُ الدِّينِ عَلى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القَوْمَيْنِ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وصْفُ قَوْمِ نُوحٍ بِما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هُنا فَكَيْفَ لا تَتَأتّى هَذِهِ التَّفْرِقَةُ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ هُناكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لِلذَّمِّ لا لِلتَّمْيِيزِ وإنَّما لَمْ يَذُمَّ ها هُنا لِلْإشارَةِ إلى التَّفْرِقَةِ وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَصْفَ هُنا لِلذَّمِّ أيْضًا ومُقْتَضى المَقامِ يَقْتَضِي ذَمَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهم بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ مُتَمَكِّنًا في خِفَّةِ عَقْلٍ راسِخًا فِيها حَيْثُ فارَقْتَ دِينَ آبائِكَ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ (66) حَيْثُ ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ وهو أبْلَغُ مِن كاذِبًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ والظَّنُّ إمّا عَلى ظاهِرِهِ كَما قالَ الحَسَنُ والزَّجّاجُ وإمّا بِمَعْنى العِلْمِ كَما قِيلَ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا ما قالُوا مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْرُوفًا بَيْنَهم بِضِدِّ ذَلِكَ ولا يَقْتَضِي ذَمَّ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَيْثُ اقْتَضى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ذَمَّهم ذَمَّهم لِأنَّهم قالُوا كَما قَصَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هُناكَ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما نُقِلَ هُنا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ أوْ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ وما نُقِلَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ آخَرَ أوْ مَقالَةُ آخَرِينَ فَرُوعِيَ في المَقامَيْنِ مُقْتَضى كُلٍّ مِنَ المَقالَتَيْنِ.
الأعراف 7:67
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَعْطِفًا لَهم أوْ مُسْتَمِيلًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنها فَضْلًا عَنْ تَمَكُّنِي فِيها كَما زَعَمْتُمْ
صفحة 156
﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
( 67 ) والرِّسالَةُ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَقْتَضِي الِاتِّصافَ بِغايَةِ الرُّشْدِ والصِّدْقِ ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الكَذِبِ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ وقِيلَ: الكَذِبُ نَوْعٌ مِنَ السَّفاهَةِ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُهُ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ
الأعراف 7:68
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ عَلى طُرُزِ ما في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أُبْلِغُكم ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإفْعالِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ (68) مَعْرُوفٌ بِالنُّصْحِ والأمانَةِ مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ بِذَلِكَ فَما حَقِّي أنْ أُتَّهَمَ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمُوهُ وعَلى هَذا لا يُقَدَّرُ لِلْوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ ويُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُما أيْ ناصِحٌ لَكم فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ أمِينٌ عَلى ما أقُولُ لَكم لا أكْذِبُ فِيهِ وعَلى الأوَّلِ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً وعَلى الثّانِي حالِيَّةٌ وفي العُدُولِ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ ما لا يَخْفى ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِها هُنا وبِالفِعْلِيَّةِ فِيما تَقَدَّمَ لِتَجَدُّدِ النُّصْحِ مِن نُوحٍ دُونَ هُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الأعراف 7:69
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في سابِقِهِ وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن يُشافِهُهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالكَلِماتِ الحَمْقاءِ بِما حُكِيَ عَنْهم والإعْراضِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِمِثْلِ كَلامِهِمْ كَمالُ النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وهَضْمُ النَّفْسِ وحُسْنُ المُجادَلَةِ وفي حِكايَةِ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَرْتِيبِ أحْكامِ النُّصْحِ والأمانَةِ والإنْذارِ وتَفْصِيلِها و( إذْ ) عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ وصَرَّحَ بِهِ آخَرُونَ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِآلاءِ المَحْذُوفِ هُنا بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِاذْكُرُوا أيِ اذْكُرُوا هَذا الوَقْتَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِهِ ولِأنَّهُ إذا اسْتُحْضِرَ الوَقْتُ كانَ هو حاضِرًا بِتَفاصِيلِهِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ أوْ أنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى خِلافِ المَشْهُورِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْبُدُوا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْجَبُوا مِن ذَلِكَ أوْ تَدَبَّرُوا فَيَأْمُرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ فالإسْنادُ عَلى هَذا مَجازٌ وفي ذِكْرِ نُوحٍ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى رَفْعِ التَّعَجُّبِ يَعْنِي هَذا الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِبِدْعٍ فاذْكُرُوا نُوحًا وإرْسالَهُ إلى قَوْمِهِ وإلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ أيِ اذْكُرُوا إهْلاكَ قَوْمِهِ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴿وزادَكم في الخَلْقِ﴾ أيِ الإبْداعِ والتَّصْوِيرِ أوْ في المَخْلُوقِينَ أيْ زادَكم في النّاسِ عَلى أمْثالِكم ﴿بَسْطَةً﴾ قُوَّةً وزِيادَةَ جِسْمٍ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ قامَةُ الطَّوِيلِ مِنهم مِائَةَ ذِراعٍ وقامَةُ القَصِيرِ سِتِّينَ ذِراعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ هامَةُ الرَّجُلِ مِنهم مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ يُفْرِخُ فِيها السِّباعُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا وعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانُوا كَأنَّهُمُ النَّخْلُ الطِّوالُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْتِي الجَبَلَ فَيَهْدِمُ مِنهُ بِيَدِهِ القِطْعَةَ العَظِيمَةَ.
صفحة 157
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ إنْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم لَيَتَّخِذُ المِصْراعَ مِنَ الحِجارَةِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُقِلُّوهُ وإنْ كانَ أحَدُهم لَيُدْخِلُ قَدَمَهُ في الأرْضِ فَتَدْخُلُ فِيها.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أحَدَهم كانَ أطْوَلَ مِن سائِرِ الخَلْقِ بِمِقْدارِ ما يَمُدُّ الإنْسانُ يَدَهُ في رَأْسِهِ باسِطًا لَها فَطُولُ كُلٍّ مِنهم قامَةً وبَسْطَةً وهَذا أقْرَبُ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ القَصِيرَةِ عَنِ إدْراكِ طُولِ يَدِ القُدْرَةِ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أصْبَحَهم وجْهًا وكانَ في مِثْلِ أجْسامِهِمْ أبْيَضَ جَعْدًا بادِيَ العُنْفُقَةِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونُصِبَ ﴿بَسْطَةً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ قَبْلَهُ وقِيلَ: تَمْيِيزٌ و﴿فِي الخَلْقِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿بَسْطَةً﴾ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أيْ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهي جَمْعُ إلْيٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ كَحِمْلٍ وأحْمالٍ أوْ أُلْيٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ كَقُفْلٍ وأقْفالٍ أوْ إلى بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ مَقْصُورًا كَمِعًى وأمْعاءٍ أوْ بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورًا كَقَفا وأقْفاءٍ وبِهِما يُنْشَدُ قَوْلُ الأعْشى.
أبْيَضُ يُرْهِبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلا
وقِيلَ: إنَّ ما في البَيْتِ إلّا المُشَدَّدَةُ لَكِنَّها خُفِّفَتْ ومَعْناها العَهْدُ وفِيهِ بُعْدٌ وهَذا تَكْرِيرٌ لِلتَّذْكِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ أيِ اذْكُرُوا الآلاءَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (69) أيْ لِكَيْ يُفْضِيَ بِكم ذِكْرُ النِّعَمِ إلى شُكْرِها الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ العَمَلُ بِالأرْكانِ والطّاعَةُ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ مِنَ الكُرُوبِ والفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ وهَذا لِأنَّ الفَلاحَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ ذِكْرَ الآلاءِ بِشُكْرِها وأمْرُ التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.
الأعراف 7:70
﴿قالُوا﴾ مُجِيبِينَ عَنْ تِلْكَ النَّصائِحِ العَظِيمَةِ المَتَضَمِّنَةِ لِلْإنْذارِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ أيْ لِنَخُصَّهُ بِالعِبادَةِ ﴿ونَذَرَ﴾ أيْ نَتْرُكَ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأوْثانِ وهَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِمَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ ومَنشَؤُهُ إنْهِماكُهم في التَّقْلِيدِ والحُبُّ لِما ألِفُوهُ وألِفُوا عَلَيْهِ أسْلافَهم ومَعْنى المَجِيءِ إمّا مَجِيئُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكانٍ كانَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ بِحِراءَ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ مَجِيئُهُ مِنَ السَّماءِ أيْ أُنْزِلْتَ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ ومُرادُهُمُ التَّهَكُّمُ والِاسْتِهْزاءُ وجاءَ ذَلِكَ مِن زَعْمِهِمْ أنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا مِنَ السَّماءِ أوْ هو مَجازٌ عَنِ القَصْدِ إلى الشَّيْءِ والشُّرُوعِ فِيهِ فَإنَّ جاءَ وقامَ وقَعَدَ وذَهَبَ كَما قالَ جَماعَةٌ تَسْتَعْمِلُها العَرَبُ لِذَلِكَ تَصْوِيرًا لِلْحالِ فَتَقُولُ قَعَدَ يَفْعَلُ كَذا وقامَ يَشْتُمُنِي وقَعَدَ يَقْرَأُ وذَهَبَ يَسُبُّنِي ونُصِبَ ﴿وحْدَهُ﴾ عَلى الحالِيَّةِ وهو عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ومِنهُمُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أعْنِي إيحادَ المَوْضُوعَ مَوْضِعِ الحالِ أعْنِي مُوَحِّدًا واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فِيما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ زَيْدًا وحْدَهُ مَثَلًا فالأكْثَرُونَ يُقَدِّرُونَ في حالِ إيحادٍ لَهُ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجْعَلُونَهُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمُبَرِّدُ يُقَدِّرُهُ في حالِ أنَّهُ مُفْرَدٌ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجْعَلُهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.
ومَنَعَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طَلْحَةَ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الفاعِلِ وأوْجَبَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لا غَيْرَ لِأنَّهم إذا أرادُوا الحالَ مِنَ الفاعِلِ قالُوا رَأيْتُهُ وحْدِي ومَرَرْتُ بِهِ وحْدِي كَما قالَ الشّاعِرُ.
والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وهَذا الَّذِي قالَهُ في البَيْتِ صَحِيحٌ ولا يَمْتَنِعُ مِن أجْلِهِ أنْ يَأْتِيَ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ في رَأيْتُ زَيْدًا وحْدَهُ
صفحة 158
فَإنَّ المَعْنى يَصِحُّ مَعَهُما ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الحالِ ولَمْ يُوضَعْ لَهُ فِعْلٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ وحْدَيْحِدُ وذَهَبَ يُونُسُ وهِشامٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ إلى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصابَ الظُّرُوفِ فَجاءَ زَيْدٌ وحْدَهُ في تَقْدِيرِ جاءَ عَلى وحْدِهِ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ وقَدْ صُرِّحَ بِعَلى في كَلامِ بَعْضِ العَرَبِ وإذا قِيلَ زَيْدٌ وحْدَهُ فالتَّقْدِيرُ زَيْدٌ مَوْضِعُ التَّفَرُّدِ ولَعَلَّ القائِلَ بِما ذُكِرَ يَقُولُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الظَّرْفِ وعَنِ البَعْضِ أنَّهُ في هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما يُقالُ زَيْدٌ إقْبالًا وإدْبارًا هَذا خُلاصَةُ كَلامِهِمْ في هَذا المَقامِ وإذا أحَطْتَ بِهِ خَبَرًا فاعْلَمْ أنَّ نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ في تَقْدِيرِ مُوَحِّدِينَ إيّاهُ بِالعِبادَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ والحاءُ في مُوَحِّدِينَ مَكْسُورَةٌ وعَلى رَأْيِ ابْنِ طَلْحَةَ مُوَحَّدًا هو والحاءُ مَفْتُوحَةٌ وهو مِن أوْحَدَ الرُّباعِيِّ والتَّقْدِيرُ عَلى رَأْيِ هِشامٍ نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى عَلى انْفِرادٍ وهو مِن وحَدَ الثُّلاثِيِّ والمَعْنى في التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ لا يَخْتَلِفُ إلّا يَسِيرًا والكَلامُ الَّذِي هو فِيهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإيجابِ والسَّلْبِ ولَهُ احْتِمالاتٌ نَفْيًا وإثْباتًا وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في رِسالَةِ مَوْلانا تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ المُسَمّاةِ بِالرِّفْدَةِ في مَعْنى وحْدَهُ وفِيها يَقُولُ الصَّفْدِيُّ.
خَلِّ عَنْكَ الرَّقْدَةَ وانْتَبِهْ لِلرِّفْدَةِ ∗∗∗ تَجْنِ مِنها عِلْمًا فاقَ طَعْمَ الشَّهْدَةِ
وأرادَ بِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ العَذابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (70) بِالإخْبارِ بِنُزُولِهِ وقِيلَ بِالإخْبارِ بَأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى إلَيْنا وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ فَأْتِ
الأعراف 7:71
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ وجَبَ وثَبَتَ وأصْلُ اسْتِعْمالِ الوُقُوعِ في نُزُولِ الأجْسامِ واسْتِعْمالُهُ هُنا فِيما ذُكِرَ مَجازًا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ والمَعْنى قَدْ نَزَلَ عَلَيْكم واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ ( وقَعَ ) بِمَعْنى قَضى وقَدَّرَ لِأنَّ المُقَدَّراتِ تُضافُ إلى السَّماءِ وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ وفي الكَشْفِ أنَّ الوُقُوعَ بِمَعْنى الثُّبُوتِ وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ إمّا لِأنَّهُ ثُبُوتٌ قَوِيٌّ آكَدُ ما يَكُونُ وآجَبُهُ أوْ لِأنَّهُ ثُبُوتٌ حِسِّيٌّ لِأمْرٍ نازِلٍ مِن عُلُوٍّ وعَذابُ اللَّهِ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ فَتَدَبَّرْ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَنْزِيلِ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مِن قِبَلِ مالِكِ أمْرِكم سُبْحانَهُ وتَعالى والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدُ والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ الأوَّلِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ المَبْدَأ مُتَقَدِّمٌ عَلى المُنْتَهى كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ إصابَةِ المَكْرُوهِ لَهم وكَذا تَقْدِيمُها عَلى الفاعِلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ فِيهِ نَوْعُ طُولٍ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وغَضَبٌ﴾ فَرُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُما بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ والرِّجْسُ العَذابُ وهو بِهَذا المَعْنى في كُلِّ القُرْآنِ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو والِارْتِجازُ بِمَعْنًى حَتّى قِيلَ: إنَّ أصْلَهُ ذَلِكَ فَأُبْدِلَتِ الزّايُ سِينًا كَما أُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً في قَوْلِهِ.
ألا لَحى اللَّهُ بَنِيَ السَّعَلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعَ شِرارَ النّاتِ لَيْسُوا بِأعْفافٍ ولا أكْياتِ
فَإنَّهُ أرادَ النّاسَ وأكْياسَ وأصْلُ مَعْناهُ الِاضْطِرابُ ثُمَّ شاعَ فِيما ذُكِرَ لِاضْطِرابِ مَن حَلَّ بِهِ وعَلَيْهِ فالعَطْفُ في قَوْلِهِ.
صفحة 159
إذا سِنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً وكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها
لِلتَّفْسِيرِ والغَضَبُ عِنْدَ كَثِيرٍ بِمَعْنى إرادَةِ الِانْتِقامِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الرِّجْسَ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبَ بِالعَذابِ وأنْشَدَ لَهُ البَيْتَ السّابِقَ وفِيهِ خَفاءٌ والذّاهِبُونَ إلى ما تَقَدَّمَ إنَّما يُفَسِّرُوهُ بِالعَذابِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ ما قَبْلَهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يُفَسَّرَ الرِّجْسُ بِالعَذابِ والغَضَبُ بِاللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى عَكْسِ ما نُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويَكُونُ في الكَلامِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ في الأُولى والأُخْرى ويُمْكِنُ إرْجاعُ ما ذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى هَذا وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهُ لا لَطافَةَ في قَوْلِكَ: وقَعَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ وإرادَةُ انْتِقامٍ عَلى ظاهِرِ كَلامِهِمْ وأيًّا ما كانَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإنْكارِهِمْ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ داعِيًا لَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم مِنَ الأصْنامِ.
والأسْماءُ عِبارَةٌ عَنْ تِلْكَ الأصْنامِ الباطِلَةِ وهَذا كَما يُقالُ لِما لا يَلِيقُ ما هو إلّا مُجَرَّدُ اسْمٍ والمَعْنى أتُخاصِمُونَنِي في مُسَمَّياتٍ وضَعْتُمْ لَها أسْماءً لا تَلِيقُ بِها فَسَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيها مِن مِصْداقِ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ ما لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَن أوْجَدَ الكُلَّ وهي بِمَعْزِلٍ عَنْ إيجادِ ذَرَّةٍ وأنَّها لَوِ اسْتَحَقَّتْ لَكانَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ تَعالى إمّا بِإنْزالِ آيَةٍ أوْ نَصْبِ حُجَّةٍ وكِلاهُما مُسْتَحِيلٌ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ ودَلِيلٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في حَيِّزٍ الإمْكانِ تَحَقَّقَ بُطْلانُ ما هم عَلَيْهِ والذَّمُّ الَّذِي يُفْهِمُهُ الكَلامُ مُتَوَجِّهٌ إلى التَّسْمِيَةِ الخالِيَةِ عَنِ المَعْنى المَشْحُونَةِ بِمَزِيدِ الضَّلالَةِ والغِوايَةِ والِافْتِراءِ العَظِيمِ وقِيلَ: إنَّهم سَمَّوْها خالِقَةً ورازِقَةً ومُنَزِّلَةً المَطَرَ ونَحْوَ ذَلِكَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ راجِعٌ لِأسْماءٍ وهو عَلى ما قِيلَ المَفْعُولُ الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ وقِيلَ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ والضَّمِيرُ هو المَفْعُولُ الثّانِي والمُرادُ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم بِها.
وقِيلَ: المُرادُ مِن سَمَّيْتُمُوها وصَفْتُمُوها فَلا حاجَةَ لَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا في تَفْسِيرِها هو الَّذِي اخْتارَهُ جَمْعٌ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أتُجادِلُونَنِي في ذَوِي أسْماءٍ.
وادَّعى آخَرُونَ جَوازًا أنْ يَكُونَ فِيهِ صَنْعَةُ الِاسْتِخْدامِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ إنَّ الِاسْمَ عَيْنُ المُسَمّى ومَن قالَ: إنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَتَوَجَّهِ الإنْكارُ والإبْطالُ بِأنَّها أسْماءٌ مُخْتَرَعَةٌ لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ تَعالى بِها سُلْطانًا ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ ﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ العَذابِ الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ بِقَوْلِكم ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لَمّا وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والجَهالَةِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ (71) لِنُزُولِهِ بِكم والفاءُ في ( فانْتَظِرُوا ) لِلتَّرْتِيبِ عَلى ما تَقَدَّمَ.
الأعراف 7:72
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَوَقَعَ ما وقَعَ فَأنْجَيْناهُ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ مُتابِعِيهِ في الدِّينِ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها ﴿مِنّا﴾ أيْ مِن جِهَتِنا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِرَحْمَةٍ مُؤَكِّدًا لِفَخامَتِها عَلى ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِئْصالِ والدّابِرُ الآخِرِ أيْ أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ ودَمَّرْناهم عَنْ آخِرِهِمْ واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا عَقِبَ لَهم.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (72) عُطِفَ عَلى ﴿كَذَّبُوا﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ أيْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ولَمْ يَرْعَوَوْا عَنْ ذَلِكَ أصْلًا وفائِدَةُ هَذا النَّفْيِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ التَّعْرِيضُ بِمَن آمَنَ مِنهم وبَيانُهُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ
صفحة 160
أنَّهُ إذا سَمِعَ المُؤْمِنُ أنَّ الهَلاكَ اخْتَصَّ بِالمُكَذِّبِينَ وعَلِمَ أنَّ سَبَبَ النَّجاةِ هو الإيمانُ تَزِيدُ رَغْبَتُهُ فِيهِ ويَعْظُمُ قَدْرُهُ عِنْدَهُ ونَظِيرُهُ في اعْتِبارِ شَرَفِ الإيمانِ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ الآيَةَ وقالَ بَعْضُهم فائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّهُ كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ لَمْ يُهْلِكْهم ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَما قالَ جَلَّ شَأْنُهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فَهو كالعُذْرِ عَنْ عَدَمِ إمْهالِهِمْ والصَّبْرِ عَلَيْهِمْ.
وسِرُّ تَقْدِيمِ حِكايَةِ الإنْجاءِ عَلى حِكايَةِ الإهْلاكِ يُعْلَمُ ما تَقَدَّمَ وقِصَّتُهم عَلى ما ذَكَرَ السُّدِّيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما أنَّ عادًا قَوْمٌ كانُوا بِالأحْقافِ وهي رِمالٌ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ وكانُوا قَدْ فَشَوْا في الأرْضِ كُلِّها وقَهَرُوا أهْلَها وكانَتْ لَهم أصْنامٌ يَعْبُدُونَها وهي صُداءُ وصُمُودُ والهَباءُ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا وهو مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأفْضَلِهِمْ حَسَبًا فَأمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ والكَفِّ عَنِ الظُّلْمِ فَكَذَّبُوهُ وازْدادُوا عُتُوًّا وتَجَبُّرًا وقالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ حَتّى جَهَدَهم ذَلِكَ وكانَ النّاسُ إذْ ذاكَ إذا نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ طَلَبُوا رَفْعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ بَيْتِهِ الحَرامِ مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم وأهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ العَمالِقَةُ أوْلادُ عَمْلِيقَ بْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وسَيِّدُهم مُعاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ وكانَتْ أُمُّهُ كَهْلَدَةُ مِن عادٍ فَجَهَّزَتْ عادٌ إلى الحَرَمِ مِن أماثِلِهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم قِيلُ بْنُ عَنْزٍ ولِقِيَمُ بْنُ هُزالٍ ولُقْمانُ بْنُ عادٍ الأصْغَرُ ومَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ الَّذِي كانَ يَكْتُمُ إسْلامَهُ وجَلْهَمَةُ خالُ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ وكانَ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم إذْ كانُوا أخْوالَهُ وأصْهارَهُ فَأقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وتُغَنِّيهِمْ قَيْنَتانِ لِمُعاوِيَةَ اسْمُ إحْداهُما ورْدَةُ والأُخْرى جَرادَةُ ويُقالُ لَهُما الجَرادَتانِ عَلى التَّغْلِيبِ فَلَمّا رَأى طُولَ مُقامِهِمْ وذُهُولَهم بِاللَّهْوِ عَمّا قَدِمُوا لَهُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ هَلَكَ أصْهارِي وأخْوالِي وهَؤُلاءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ وكانَ يَسْتَحِي أنْ يُكَلِّمَهم خَشْيَةَ أنْ يَظُنُّوا بِهِ ثِقَلَ مُقامِهِمْ عِنْدَهُ فَشَكا ذَلِكَ لِقَيْنَتَيْهِ فَقالَتا قُلْ شِعْرًا نُغَنِّيهِمْ بِهِ ولا يَدْرُونَ مَن قالَهُ لَعَلَّ ذَلِكَ يُحَرِّكُهم فَقالَ.
ألا يا قِيلُ ويْحَكَ قُمْ فَهَيْنَمِ لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينا غَماما
فَتُسْقى أرْضُ عادٍ إنْ عادا ∗∗∗ قَدْ أمْسَوْا ما يُبِينُونَ الكَلاما
مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ ∗∗∗ نَرْجُو بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا الغُلاما
وقَدْ كانَتْ نِساؤُهم بِخَيْرٍ ∗∗∗ فَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهم عِياما
وإنَّ الوَحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهارًا ∗∗∗ ولا تَخْشى لِعادِيٍّ سِهاما
وأنْتُمْ ها هُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْ ∗∗∗ نَهارَكم ولَيْلَكُمُ التِماما
فَقَبُحَ وفْدُكم مِن وفْدِ قَوْمٍ ∗∗∗ ولا لَقُوا التَّحِيَّةَ والسِّلاما
فَلَمّا غَنَّتا بِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ يا قَوْمُ إنَّما بَعَثَكم قَوْمُكم يَتَغَوَّثُونَ بِكم مِنَ البَلاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وقَدْ أبْطَأْتُمْ عَلَيْهِمْ فادْخُلُوا هَذا الحَرَمَ واسْتَسْقُوا لِقَوْمِكم فَقالَ مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ واللَّهِ لا تُسْقَوْنَ بِدُعائِكم ولَكِنْ إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكم وأنَبْتُمْ إلى رَبِّكم سُقِيتُمْ فَأظْهَرَ إسْلامَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ.
عَصَتْ عادٌ رَسُولَهم فَأمْسَوْا ∗∗∗ عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صُمُودُ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صَداءُ والهَباءُ
فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرْنا الهُدى وخَلا العَماءُ
صفحة 161
وأنَّ إلَهَ هُودٍ هو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فَقالُوا لِمُعاوِيَةَ: احْبِسْ عَنّا مَرْثَدًا فَلا يَقْدَمَنَّ مَعَنا مَكَّةَ فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ دِينَ هُودٍ وتَرَكَ دِينَنا ثُمَّ دَخَلُوا مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ فَخَرَجَ مَرْثَدٌ مِن مَنزِلِ مُعاوِيَةَ حَتّى أدْرَكَهم قَبْلَ أنْ يَدْعُوا بِشَيْءٍ مِمّا خَرَجُوا لَهُ فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ قامَ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى ويَقُولُ: اللَّهُمَّ سُؤْلِي وحْدِي فَلا تُدْخِلْنِي في شَيْءٍ مِمّا يَدْعُوكَ بِهِ وفْدُ عادٍ وكانَ قِيلٌ رَأْسَ الوَفْدِ فَدَعا وقالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عادًا ما كُنْتَ تَسْقِيهِمْ وقالَ القَوْمُ اللَّهُمَّ أعْطِ قِيلًا ما سَألَكَ واجْعَلْ سُؤْلَنا مَعَ سُؤْلِهِ فَأنْشَأ اللَّهُ تَعالى سَحائِبَ ثَلاثًا بَيْضاءَ وحَمْراءَ وسَوْداءَ ثُمَّ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا قِيلُ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مِن هَذِهِ السَّحائِبِ ما شِئْتَ قِيلَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِمَن دَعاهُ إذْ ذاكَ فَقالَ قِيلٌ اخْتَرْتُ السَّوْداءَ فَإنَّها أكْثَرُهُنَّ ماءً فَناداهُ مُنادٍ اخْتَرْتَ رَمادًا رَمَدًا لا تُبْقِي مِن آلِ عادٍ أحَدًا وساقَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ السَّحابَةَ بِما فِيها إلى عادٍ حَتّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ فَلَمّا رَأوْها اسْتَبْشَرُوا وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فَجاءَتْهم مِنهُ رِيحٌ عَقِيمٌ وأوَّلُ مَن رَأى ذَلِكَ امْرَأةٌ مِنهم يُقالُ لَها مُهْدَرٌ ولَمّا رَأتْهُ صَفَّقَتْ فَلَمّا أفاقَتْ قالُوا: ما رَأيْتِ قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا فِيها كَشُهُبِ النّارِ أمامَها رِجالٌ يَقُودُونَها فَسَخَّرَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَلَمْ تَدَعْ مِنهم أحَدًا إلّا أهْلَكَتْهُ واعْتَزَلَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهم مِنَ الرِّيحِ إلّا ما تَلِينُ بِهِ الجُلُودُ وتَلْتَذُّ الأنْفُسُ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى هو ومَن مَعَهُ مَكَّةَ فَعَبَدُوا اللَّهَ تَعالى فِيها إلى أنْ ماتُوا وقَبْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ هُناكَ في البُقْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ وفِيها كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قُبُورُ تِسْعَةٍ وسَبْعِينَ نَبِيًّا مِنهم أيْضًا نُوحٌ وشُعَيْبٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ قَبْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ عِنْدَ رَأْسِهِ سِدْرَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ أبِي العاتِكَةِ قالَ: قِبْلَةُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعُمِّرَ كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرْبَعَمِائَةٍ واثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ سَنَةً واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) عَلى ما قالَهُ القَوْمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ ﴿والأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ الأبْدانِ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ وهي سِتَّةُ آلافِ سَنَةٍ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكم كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وهي مِن لَدُنْ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ وهي في الحَقِيقَةِ مِنَ ابْتِداءِ دَوْرِ الخُلَفاءِ إلى ابْتِداءِ الظُّهُورِ الَّذِي هو زَمانُ خَتْمِ النُّبُوَّةِ وظُهُورِ الوِلايَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وهو القَلْبُ المُحَمَّدِيُّ بِالتَّجَلِّي التّامِّ وهو التَّجَلِّي بِاسْمِهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ولِلصُّوفِيَّةِ عِدَّةُ عُرُوشٍ نَبَّهْنا عَلَيْها في كِتابِنا الطِّرازُ المُذَّهَبُ في شَرْحِ قَصِيدَةِ البازِ الأشْهَبِ وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْها في شَمْسِ المَعارِفِ لِلْإمامِ البُونِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ﴾ أيْ لَيْلَ البَدَنِ ﴿النَّهارَ﴾ أيْ نَهارَ الرُّوحِ ﴿يَطْلُبُهُ﴾ بِالتَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِهِ بِاعْتِدالِ مِزاجِهِ ﴿حَثِيثًا﴾ أيْ سَرِيعًا ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ شَمْسَ الرُّوحِ ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ ﴿والنُّجُومَ﴾ أيْ نُجُومَ الحَواسِّ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ بِأمْرِهِ الَّذِي هو الشَّأْنُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ إشارَةٌ إلى طَرِيقِ الجَلْوَةِ والخَلْوَةِ أوِ ادْعُوهُ بِالجَوارِحِ والقَلْبِ أوْ بِأداءِ حَقِّ العُبُودِيَّةِ ومَطالِبِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ المُتَجاوِزِينَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ بِتَرْكِ الِامْتِثالِ أوِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مِنهُ سِواهُ ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾
صفحة 162
أيْ أرْضِ البَدَنِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بِالِاسْتِعْدادِ ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ لِئَلّا يَلْزَمَ إهْمالُ إحْدى صِفَتَيِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ أيْ رِياحَ العِنايَةِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ تَجَلِّياتِهِ ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ حَمَلَتْ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾ بِأمْطارِ المَحَبَّةِ ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ﴾ قَلْبٍ ﴿مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ ماءَ المَحَبَّةِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مِنَ المُشاهَداتِ والمُكاشَفاتِ ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ القُلُوبَ المَيِّتَةَ مِن قُبُورِ الصُّدُورِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيّامَ حَياتِكم في عالَمِ الأرْواحِ حَيْثُ كُنْتُمْ في رِياضِ القُدُسِ وحِياضِ الأُنْسِ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وهو ما طابَ اسْتِعْدادُهُ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ حَسَنًا غَزِيرًا نَفْعُهُ ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ وهو ما ساءَ اسْتِعْدادُهُ ﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ لا خَيْرَ فِيهِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ أيْ نُوحَ الرُّوحِ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ مِنَ القَلْبِ وأعْوانِهِ والنَّفْسِ وأعْوانِها ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ كالقَلْبِ وأعْوانِهِ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ وهو سَفِينَةُ الِاتِّباعِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ في بِحارِ الدُّنْيا ومِياهِ الشَّهَواتِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الوُصُولِ ورُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى هَذا المِنوالِ يُنْسَجُ الكَلامُ في باقِي الآياتِ.
ولِمَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَؤُلاءِ القَوْمِ ونَحْوِهِمْ كَلامٌ تَقِفُ الأفْكارُ دُونَهُ حَسْرى فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلى الفُصُوصِ يَرى العَجَبَ العُجابَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ
الأعراف 7:73
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مُوافِقٌ لَهُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ و( ثَمُودُ ) قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ كانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القِرى وسُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ ابْنُ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ .. إلَخْ. وهو المَنقُولُ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.
وقالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ فَهو مِن ثَمَدَ الماءُ إذا قَلَّ والثَّمَدُ الماءُ القَلِيلُ ووَرَدَ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ أمّا الأوَّلُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِلْجَدِّ أوْ لِلْقَلِيلِ مِنَ الماءِ كانَ مَصْرُوفًا لِأنَّهُ عَلَمٌ مُذَكَّرٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ فَبَعْدَ النَّقْلِ حُكِيَ أصْلُهُ وأمّا الثّانِي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ فَفِيهِ العِلْمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ.
وصالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ثَمُودَ فالأُخُوَّةُ نَسَبِيَّةٌ وهو عَلى ما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسَفِ بْنِ ماشِحَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ وهو أخُو صَسْمِ وجُدَيْسَ فِيما قِيلَ وقالَ وهْبٌ: هو ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ جابِرِ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جابِرِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ حِينَ راهَقَ الحُلُمَ وكانَ رَجُلًا أحْمَرَ إلى البَياضِ سَبْطَ الشَّعَرِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أرْبَعِينَ عامًا وقالَ الشّامِيُّ: إنَّهُ بُعِثَ شابًّا فَدَعا قَوْمَهُ حَتّى شَمِطَ وكَبِرَ ونَقَلَ النَّوَوِيُّ أنَّهُ أقامَ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً وماتَ بِمَكَّةَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظائِرِهِ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾ أيْ آيَةٌ ومُعْجِزَةٌ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ شاهِدَةٌ بِنُبُوَّتِي وهي مِنَ الألْفاظِ الجارِيَةِ مَجْرى الأبْطَحِ والأبْرَقِ في الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفاتِها حالَةَ الإفْرادِ والجَمْعِ والتَّنْوِينِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أوْ بِجاءَتْكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ قُدِّرَ مِن بِيِّناتِ رَبِّكم والمُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ النّاقَةُ ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما خاطَبَهم بِهِ أثَرُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ بَلْ إنَّما قالَهُ بَعْدَما نَصَحَهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ وكَذَّبُوهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ما في سُورَةِ هُودٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِبَيانِ البَيِّنَةِ والمُعْجِزَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا
صفحة 163
جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيْ هي وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( بَيِّنَةٌ ) بَدَلَ الجُمْلَةِ مِن مُفْرَدٍ لِلتَّفْسِيرِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وإضافَةُ النّاقَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها كَما يُقالُ بَيْتُ اللَّهِ لِلْمَسْجِدِ بَيْدَ أنَّ الإضافَةَ فِيهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ أوْ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواسِطَةِ نِتاجٍ مُعْتادٍ وأسْبابٍ مَعْهُودَةٍ كَما سَيَتَّضِحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً وأيَّ آيَةٍ وقِيلَ لِأنَّها لا يَمْلِكُها أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: لِأنَّها كانَتْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى قَوْمِ صالِحٍ وانْتِصابُ ( آيَةً ) عَلى الحالِيَّةِ مِن ( ناقَةُ ) والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وسَمّاهُ النُّحاةُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ و( لَكم ) بَيانٌ لِمَن هي آيَةٌ لَهُ كَما في سُقْيًا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ناقَةٌ ) بَدَلًا مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ أوْ مُبْتَدَأً ثانِيًا و( لَكم ) خَبَرًا فَآيَةٌ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ هو أوْ مُتَعَلِّقُهُ ﴿فَذَرُوها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِها آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: عَلى كَوْنِها ناقَةً لَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَها أيْ فاتْرُكُوها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ العُشْبَ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ( تَأْكُلُ ) بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ آكِلَةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِالأمْرِ السّابِقِ فَهُما مُتَنازِعانِ وأُضِيفَتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ في التَّعَرُّضِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأرْضُ أرْضُ اللَّهِ تَعالى والنّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ تَعالى فَذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ تَأْكُلْ في أرْضِهِ فَلَيْسَتِ الأرْضُ لَكم ولا ما فِيها مِنَ النَّباتِ مِن إنْباتِكم فَأيُّ عُذْرٍ لَكم في مَنعِها وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلشُّرْبِ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الأكْلِ وقِيلَ لِتَعْمِيمِهِ لَهُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ.
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ نَهْيٌ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالشَّرِّ الشّامِلِ لِأنْواعٍ الأذى مُبالَغَةً في الزَّجْرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ مِمّا يَسُوءُها أصْلًا كالطَّرْدِ والعَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ الفِعْلِ والمَعْنى لا تَمَسُّوها مَعَ قَصْدِ السُّوءِ بِها فَضْلًا عَنِ الإصابَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ .
﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ (73) مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ والمَعْنى لا تَجْمَعُوا بَيْنَ المَسِّ وأخْذِ العَذابِ إيّاكم والأخِيرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صَنِيعِهِمْ حَقِيقَةً لَكِنْ لِتَعاطِيهِمْ أسْبابَهُ كَأنَّهُ مِن صَنِيعِهِمْ.
الأعراف 7:74
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيْ خُلَفاءَ في الأرْضِ أوْ خُلَفاءَ لَهم قِيلَ ولَمْ يَقُلْ: خُلَفاءَ عادٍ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهُما زَمانًا طَوِيلًا ﴿وبَوَّأكُمْ﴾ أيْ أنْزَلَكم وجَعَلَ لَكم مَباءَةً ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيِ أرْضِ الحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَبْنُونَ في سُهُولِها مَسَكانَ رَفِيعَةً فَمِن بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً أوْ تَبْعِيضِيَّةً أيْ تَعْمَلُونَ القُصُورَ مِن مادَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنَ السَّهْلِ كاللَّبِنِ والآجُرِ المُتَّخَذَيْنِ مِنَ الطِّينِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَتَّخِذُونَ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ والسَّهْلُ خِلافُ الحَزْنِ وهو مَوْضِعُ الحِجارَةِ والجِبالِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّبْوِئَةِ فَإنَّ هَذا
صفحة 164
الِاتِّخاذَ بِإقْدارِهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ أيْ تَنْجُرُونَها والنَّحْتُ مَعْرُوفٌ في كُلِّ صُلْبٍ ومُضارِعُهُ مَكْسُورُ الحاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ لِحَرْفِ الحَلْقِ وفي القامُوسِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنْحاتُونَ ) بِالإشْباعِ كَيَنْباعُ وانْتِصابُ الجِبالِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بُيُوتًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنها لِأنَّها لَمْ تَكُنْ حالَ النَّحْتِ بَيْتًا كَخِطْتُ الثَّوْبَ جُبَّةً والحالِيَّةُ كَما قالَ الشِّهابُ بِاعْتِبارِ أنَّها بِمَعْنى مَسْكُونَةٍ إنْ قِيلَ بِالِاشْتِقاقِ فِيها وقِيلَ: انْتِصابُ الجِبالِ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ مِنَ الجِبالِ ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ وقَعَ في آيَةٍ أُخْرى كَذَلِكَ ونُصِبَ ( بُيُوتًا ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يُضَمَّنَ النَّحْتُ مَعْنى الِاتِّخاذِ فانْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ اتَّخَذُوا القُصُورَ في السُّهُولِ لِيُصَيِّفُوا فِيها ونَحَتُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا لِيُشَتُّوا فِيها وقِيلَ: إنَّهم نَحَتُوا الجِبالَ بُيُوتًا لِطُولِ أعْمارِهِمْ وكانَتِ الأبْنِيَةُ تَبْلى قَبْلَ أنْ تَبْلى أعْمارُهم ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أيْ نِعَمَهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِمّا ذُكِرَ أوْ جَمِيعَ نِعَمِهِ ويَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ كَما عَلِمْتَ.
﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (74) فَإنَّ حَقَّ آلائِهِ تَعالى أنْ تُشْكَرَ ولا يُغْفَلَ عَنْها فَكَيْفَ بِالكُفْرِ والعَثْيُ الإفْسادُ فَمُفْسِدِينَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في ( ولَّوْا مُدْبِرِينَ )
الأعراف 7:75
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ عَتَوْا وتَكَبَّرُوا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وقالَ بِالواوِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ .. إلَخْ. واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ عُدُّوا ضُعَفاءَ أذِلّاءَ لِلتَّبْلِيغِ كَما في ( ألَمْ أقُلْ لَكم ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى قَوْمِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَيَكُونُ المُسْتَضْعَفُونَ قِسْمَيْنِ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهم عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ كَما حَكى سُبْحانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (75) فَإنَّ الجَوابَ المُوافِقَ لِسُؤالِهِمْ نَعَمْ أوْ نَعْلَمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى ومِن هُنا قالَ غَيْرُ واحِدٍ إنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَكَأنَّهم قالُوا العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِما أُرْسِلَ بِهِ ما لا كَلامَ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَدْخُلُهُ لِوُضُوحِهِ وإنارَتِهِ وإنَّما الكَلامُ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ فَنُخْبِرُكُمُ أنّا بِهِ مُؤْمِنُونَ.
واخْتارَ في الِانْتِصافِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إخْبارًا عَنْ وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ بَلْ عَنِ امْتِثالِ الواجِبِ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِوُجُوبِ الإيمانِ بِهِ لا نُسْألُ عَنْهُ وإنَّما الشَّأْنُ في امْتِثالِ الواجِبِ والعَمَلِ بِهِ ونَحْنُ قَدِ امْتَثَلْنا.
الأعراف 7:76
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ وأُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ إيذانًا بِأنَّهم قالُوا ما قالُوهُ بِطَرِيقِ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (76) عُدُولٌ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أيْضًا وهو إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ وفائِدَتُهُ كَما قالُوا الرَّدُّ لِما جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا كَأنَّهم قالُوا لَيْسَ ما جَعَلْتُمُوهُ مَعْلُومًا مُسَلَّمًا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وقالَ في الِانْتِصافِ عَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِمّا في ظاهِرِهِ مِن إثْباتِهِمْ لِرِسالَتِهِ وهم يَجْحَدُونَها ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ التَّهَكُّمِ لِيَكُونَ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ فَإنَّ الغَرَضَ إخْبارُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُكَذِّبِينَ عَنْ حالِهِ فَلِذا خَلَّصَ الكافِرُونَ قَوْلَهم عَنِ إشْعارِ الإيمانِ بِالرِّسالَةِ
صفحة 165
احْتِياطًا لِلْكُفْرِ وغَلَوْا في الإصْرارِ.
الأعراف 7:77
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ أيْ نَحَرُوها قالَ الأزْهَرِيُّ أصْلُ العَقْرِ عِنْدَ العَرَبِ قَطْعُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في النَّحْرِ لِأنَّ ناحِرَ البَعِيرِ يَعْقِرُهُ ثُمَّ يَنْحَرُهُ وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُباشِرَ البَعْضُ مَجازٌ لِمُلابَسَةِ الكُلِّ لِذَلِكَ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وهم مُتَّفِقُونَ عَلى الضَّلالِ والكُفْرِ أوْ لِرِضا الكُلِّ بِهِ أوْ لِأمْرِهِمْ كُلِّهِمْ بِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وقِيلَ: إنَّ العَقْرَ مَجازٌ لُغَوِيٌّ عَنِ الرِّضا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ وهو ما بَلَّغَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ فالأمْرُ واحِدُ الأوامِرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ أيِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى ودِينِهِ وهو بَعِيدٌ.
وأوْجَبَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ أنْ يُضَمَّنَ ( عَتَوْا ) مَعْنى التَّوَلِّي أيْ تَوَلَّوْا عَنِ امْتِثالِ أمْرِهِ عاتِينَ أوْ مَعْنى الإصْدارِ أيْ صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وبِسَبَبِهِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها﴾ .. إلَخْ. ابْتَلاهم فَما امْتَثَلُوا فَصارُوا عاتِينَ بِسَبَبِهِ ولَوْلا الأمْرُ ما تَرَتَّبَ العَقْرُ والدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ بِتَوَلَّوْا أوْ صَدَرَ أنَّ عَتا لا يَتَعَدّى بِعْنَ فَتَعْدِيَتَهُ بِهِ لِذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ وبَعْضُهم يَقُولُ بِالتَّضْمِينِ بِناءً عَلى أنَّ عَتا بِمَعْنى اسْتَكْبَرَ كَما في القامُوسِ وهو يَتَعَدّى بِعْنَ فافْهَمْ وقالُوا مُخاطِبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ والإفْحامِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ وأطْلِقِ العِلْمَ بِهِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (77) فَإنَّ كَوْنَكَ مِنهم يَقْتَضِي صِدْقَ ما تَقُولُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ
الأعراف 7:78
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيِ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هي الصَّيْحَةُ وجُمِعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخَذَتْهُمُ الزَّلْزَلَةُ مِن تَحْتِهِمْ والصَّيْحَةُ مِن فَوْقِهِمْ وقالَ بَعْضُهم: الرَّجْفَةُ خَفَقانُ القَلْبِ واضْطِرابُهُ حَتّى يَنْقَطِعَ وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ الصَّيْحَةُ وفي آخَرَ بِالطّاغِيَةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كَما زَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ فَإنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ الخارِقَةَ لِلْعادَةِ حَصَلَ مِنها الرَّجْفَةُ لِقُلُوبِهِمْ ولِعِظَمِها وخُرُوجِها عَنِ الحَدِّ المُعْتادِ تُسَمّى الطّاغِيَةَ لِأنَّ الطُّغْيانَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكُمْ﴾ أوْ يُقالُ إنَّ الإهْلاكَ بِذَلِكَ بِسَبَبِ طُغْيانِهِمْ وهو مَعْنى الطّاغِيَةِ وهَذا الأخْذُ لَيْسَ أثَرَ ما قالُوا بَلْ بَعْدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى مِن مَبادِي العَذابِ في الأيّامِ الثَّلاثَةِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والفاءُ لا تَأْبى ذَلِكَ.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (78) هامِدِينَ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ وأصْلُ الجُثُومِ البُرُوكُ عَلى الرُّكَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجُثُومُ لِلنّاسِ والطَّيْرِ بِمَنزِلَةِ البُرُوكِ لِلْإبِلِ فَجُثُومُ الطَّيْرِ هو وُقُوعُهُ لاطِئًا بِالأرْضِ في حالِ سُكُونِهِ بِاللَّيْلِ وأصْبَحَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تامَّةً فَجاثِمِينَ حالٌ وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً فَجاثِمِينَ خَبَرٌ والظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقِيلَ: هو خَبَرٌ و﴿جاثِمِينَ﴾ حالٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِإفْضائِهِ إلى كَوْنِ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ في دارِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ والمُرادُ مِنَ الدّارِ البَلَدُ كَما في قَوْلِكَ دارُ الحَرْبِ ودارُ الإسْلامِ وقَدْ جُمِعَ في آيَةٍ أُخْرى بِإرادَةِ مَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ الخاصِّ بِهِ وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَتِ الرَّجْفَةُ وُحِّدَتِ الدّارُ وحَيْثُ ذُكِرَتِ الصَّيْحَةُ جُمِعَتْ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ كَما في غالِبِ الرِّواياتِ لا مِنَ الأرْضِ كَما قِيلَ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فَقُرِنَ كُلٌّ مِنهُما بِما هو ألْيَقُ بِهِ فَتَدَبَّرْ.
الأعراف 7:79
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى عَلى ما هو الظّاهِرُ مُغْتَمًّا مُتَحَسِّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ
صفحة 166
مُتَحَزِّنًا عَلَيْهِمْ ﴿وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ولَمْ آلُ جُهْدًا فَلَمْ يُجْدِ نَفْعًا ولَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (79) حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ أيْ شَأْنُكُمُ الِاسْتِمْرارُ عَلى بُغْضِ النّاصِحِينَ وعَداوَتِهِمْ وخِطابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم كَخِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَتْلى المُشْرِكِينَ حِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ حِينَ «نادى يا فُلانُ يا فُلانُ بِأسْمائِهِمْ إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا» وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرُدُّ أرْواحَهم إلَيْهِمْ فَيَسْمَعُونَ وذَلِكَ مِمّا خَصَّ بِهِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّحَزُّنِ والتَّحَسُّرِ كَما تُخاطَبُ الدِّيارُ والأطْلالُ وجُوِّزَ عَطْفُ ﴿فَتَوَلّى﴾ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَيَكُونُ الخِطابُ لَهم حِينَ أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّ الآيَةَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فَتَقْدِيرُها فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ.
وقِصَّةُ ثَمُودَ عَلى ما ذَكَرَ إسْحاقُ وغَيْرُهُ أنَّ عادًا لَمّا هَلَكُوا عُمِّرَتْ ثَمُودُ بَعْدَها واسْتُخْلِفُوا في الأرْضِ وعُمِّرُوا حَتّى جُعِلَ أحَدُهم يَبْنِي المَسْكَنَ مِنَ المَدَرِ فَيَنْهَدِمُ والرَّجُلُ حَيٌّ فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا وكانُوا في سِعَةٍ مِن مَعاشِهِمْ فَعَتَوْا في الأرْضِ وعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وبُعِثَ إلَيْهِمْ وهو شابٌّ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى شَمِطَ وكَبِرَ ولَمْ يَتْبَعْهُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَلَمّا ألَحَّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّخْوِيفِ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهم آيَةً تُصَدِّقُ ما يَقُولُ فَقالَ لَهم: أيَّةَ آيَةٍ تُرِيدُونَ فَقالُوا: تَخْرُجُ غَدًا مَعَنا إلى عِيدِنا وكانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ بِأصْنامِهِمْ فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُو آلِهَتَنا فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا فَقالَ لَهم صالِحٌ: نَعَمْ فَخَرَجُوا وخَرَجَ مَعَهم فَدَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوها أنْ لا يُسْتَجابُ لِصالِحٍ في شَيْءٍ مِمّا يَدْعُو بِهِ ثُمَّ قالَ جُنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِراشٍ وهو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ ثَمُودَ: يا صالِحُ أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ لِصَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ ناحِيَةَ الحِجْرِ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ ناقَةً مُخْتَرِجَةً أيْ تُشاكِلُ البُخْتَ أوْ مُخْرَجَةً عَلى خِلْقَةِ الجَمَلِ جَوْفاءَ وبْراءَ فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ فَأخَذَ عَلَيْهِمْ صالِحٌ مَواثِيقَهم لَئِنْ فَعَلْتُ لَتُصَدِّقُنِّي ولَتُؤْمِنُّنَّ بِي قالُوا: نَعَمْ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا رَبَّهُ فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها فاصَّدَّعَتْ عَنْ ناقَةٍ عُشَراءَ جَوْفاءَ وبْراءَ كَما وصَفُوا لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى عِظَمًا وهم يَنْظُرُونَ ثُمَّ نَتَجَتْ ولَدًا مِثْلَها في العِظَمِ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعُ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ وأرادَ أشْرافُهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَمَنَعَهم ذُؤابُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ والحَبابُ صاحِبُ أوْثانِهِمْ ورَبابُ بْنُ صُعَرَ كاهِنُهم فَلَمّا خَرَجَتِ النّاقَةُ قالَ لَهم: هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَمَكَثَتِ النّاقَةُ ومَعَها سَقْبُها في أرْضِهِمْ تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ وكانَتْ تَرِدُ غِبًّا فَإذا كانَ يَوْمَها وضَعَتْ رَأْسَها في بِئْرِ الحِجْرِ يُقالُ لَهُ الآنَ بِئْرُ النّاقَةِ فَما تَرْفَعُ رَأْسَها حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَها وتَتَفَحَّجُ لَهم فَيَحْلِبُونَ ما شاءُوا مِنَ اللَّبَنِ فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ ثُمَّ تَصْدُرُ مِن غَيْرِ الفَجِّ الَّذِي ورَدَتْ مِنهُ لا تَقْدِرُ تَصْدُرُ مِن حَيْثُ تَرِدُ لِضِيقِهِ عَنْها حَتّى إذا كانَ الغَدُ يَوْمَهم فَيَشْرَبُونَ ما شاءُوا ويَدَّخِرُونَ ما شاءُوا لِيَوْمِ النّاقَةِ ولَمْ يَزالُوا في سِعَةٍ ورَغَدٍ وكانَتِ النّاقَةُ تُصَيِّفُ إذا كانَ الحَرُّ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها مَواشِيهِمْ وتَهْبِطُ إلى بَطْنِ الوادِي في حَرِّهِ وجَدْبِهِ وتَشْتُو في بَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ في بَرْدٍ وجَدْبٍ فَأضَرَّ ذَلِكَ بِمَواشِيهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ والبَلاءِ والِاخْتِبارِ
صفحة 167
فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأجْمَعُوا عَلى عَقْرِها وكانَتِ امْرَأتانِ مِن ثَمُودَ يُقالُ لِإحْداهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنَيْمِ بْنِ مِجْلَزٍ وتُكَنّى بِأُمِّ غَنْمٍ وكانَتِ امْرَأةَ ذُؤابِ بْنِ عَمْرٍو وكانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً ذاتَ بَناتٍ حِسانٍ وذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ ويُقالُ لِلْأُخْرى صَدُوقٌ بِنْتُ المُخْتارِ وكانَتْ جَمِيلَةً غَنِيَّةً ذاتَ مَواشٍ كَثِيرَةٍ وكانَتْ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتا تُحِبّانِ عَقْرَ النّاقَةِ لِما أضَرَّتْ مِن مَواشِيهِما فَدَعَتْ صَدُوقٌ رَجُلًا يُقالُ لَهُ الحُبابُ لِعَقْرِ النّاقَةِ وعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَها إنْ هو فَعَلَ فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها إنْ هو فَعَلَ فَأجابَها إلى ذَلِكَ ودَعَتْ عُنَيْزَةُ أُمُّ غُنْمٍ قِدارَ بْنَ سالِفٍ وكانَ رَجُلًا أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لِزَنِيَّةٍ ولَمْ يَكُنْ لِسالِفٍ لَكِنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ فَقالَتْ: أُعْطِيكَ أيَّ بَناتِي شِئْتَ عَلى أنْ تَعْقِرَ النّاقَةَ وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ فَرَضِيَ وانْطَلَقَ هو ومُصَدِّعٌ فاسْتَغْوَيا غُواةَ ثَمُودَ فاتَّبَعَهم سَبْعَةٌ فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فانْطَلَقُوا ورَصَدُوا النّاقَةَ حَتّى صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وقَدْ كَمُنَ لَها قِدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ عَلى طَرِيقِها وكَمُنَ لَها مُصَدِّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدِّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غُنْمٍ فَأمَرَتْ إحْدى بَناتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا فَسَفَرَتْ عَنْ وجْهِها لِيَراها قِدارٌ ثُمَّ حَثَّتْهُ عَلى عَقْرِها فَشَدَّ عَلى النّاقَةِ بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عَنْ عُرْقُوبِها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَتَحَدَّرَ سَقْبُها مِنَ الجَبَلِ ثُمَّ طَعَنَ قِدارٌ في لَبَّتِها فَنَحَرَها فَخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها فَلَمّا رَأى سَقْبُها ذَلِكَ انْطَلَقَ هارِبًا حَتّى أتى جَبَلًا مَنِيعًا يُقالُ لَهُ قارَةُ فَرَغا ثَلاثًا وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: أدْرِكُوا الفَصِيلَ عَسى أنْ يَدْفَعَ عَنْكُمُ العَذابَ فَخَرَجُوا في طَلَبِهِ فَرَأوْهُ عَلى الجَبَلِ ورامُوهُ فَلَمْ يَنالُوهُ وانْفَجَّتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ رُغائِهِ فَدَخَلَها فَقالَ لَهم صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.
وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ تَبِعَ السَّقْبَ مِنَ التِّسْعَةِ أرْبَعَةٌ وفِيهِمْ مُصَدِّعٌ فَرَماهُ بِسَهْمٍ فَأصابَ قَلْبَهُ ثُمَّ جَرَّ بِرِجْلِهِ فَأنْزَلَهُ وألْقَوْا لَحْمَهُ مَعَ لَحْمِ أُمِّهِ وقالَ لَهم صالِحٌ: انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ تَعالى فَأبْشِرُوا بِعَذابِهِ ونِقْمَتِهِ فَكانُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ ويَقُولُونَ مَتى هو وما آيَتُهُ فَقالَ: تُصْبِحُونَ غَدًا وكانَ يَوْمَ الخَمِيسِ ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ وبَعْدَ غَدٍ ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ واليَوْمَ الثّالِثَ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَهَمَّ أُولَئِكَ الرَّهْطُ بِقَتْلِهِ فَأتَوْهُ لَيْلًا فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ فَلَمّا أبْطَؤُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ فَقالُوا لِصالِحٍ أنْتَ قَتَلْتَهم ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَمَنَعَ عَنْهُ عَشِيرَتُهُ ثُمَّ لَمّا رَأوُا العَلاماتِ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ ولَحِقَ بِحَيٍّ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهم: بَنُو غُنْمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ واسْمُهُ نُفَيْلٌ ويُكَنّى بِأبِي هُدْبٍ فَطَلَبُوهُ مِنهُ فَقالَ لَيْسَ لَكم إلَيْهِ سَبِيلٌ فَتَرَكُوهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ إلى الشّامِ فَنَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ وارْتَفَعَ الضُّحى تَحَنَّطُوا بِالصَّبْرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وهَلَكُوا جَمِيعًا إلّا جارِيَةً مُقْعَدَةً يُقالُ لَها ذَرِيعَةُ بِنْتُ سِلْفٍ وكانَتْ كافِرَةً شَدِيدَةَ العَداوَةِ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأطْلَقَ اللَّهُ تَعالى رِجْلَيْها بَعْدَ أنْ عايَنَتِ العَذابَ فَخَرَجَتْ مُسْرِعَةً حَتّى أتَتْ وادِيَ القِرى فَأخْبَرَتْهُمُ الخَبَرَ ثُمَّ اسْتَسْقَتْ ماءً فَسُقِيَتْ فَلَمّا شَرِبَتْ ماتَتْ وكانَ رَجُلٌ مِنهم يُقالُ لَهُ: أبُو رِغالٍ وهو أبُو ثَقِيفٍ في حَرَمِ اللَّهِ تَعالى فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا خَرَجَ أصابَهُ ما أصابَهم فَدُفِنَ ومَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِهِ فَأخْبَرَ بِخَبَرِهِ فابْتَدَرَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا عَنْهُ واسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الغُصْنَ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ ساطِعًا فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا
صفحة 168
وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةِ دارٍ ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ صالِحًا لَمّا نَجا هو والَّذِينَ مَعَهُ قالَ: يا قَوْمِ إنَّ هَذِهِ دارٌ قَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْها وعَلى أهْلِها فاظْعَنُوا والحَقُوا بِحَرَمِ اللَّهِ تَعالى وأمْنِهِ فَأهَلُّوا مِن ساعَتِهِمْ بِالحَجِّ وانْطَلَقُوا حَتّى ورَدُوا مَكَّةَ فَلَمْ يَزالُوا بِها حَتّى ماتُوا فَتِلْكَ قُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ ورَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ الَّذِي أصابَهم» وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ صالِحٍ كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ وأنَّهُ خَرَجَ بِهِمْ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلَها ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسُمِّيَتْ لِذَلِكَ حَضْرَمَوْتَ ثُمَّ بَنى الأرْبَعَةُ آلافٍ مَدِينَةً يُقالُ لَها حاضُوراءُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ تُوفِّيَ بِمَكَّةَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ولَعَلَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ وجاءَ أنَّ أشْقى الأوَّلِينَ عاقِرُ النّاقَةِ وأشْقى الآخِرِينَ قاتِلُعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقَدْ أخْبَرَ ﷺ بِذَلِكَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ وعِنْدِي أنَّ أشْقى الآخِرِينَ أشْقى مِن أشْقى الأوَّلِينَ والفَرْقُ بَيْنَهُما كالفَرْقِ بَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والنّاقَةِ وقَدِ أشارَتِ الأخْبارُ بَلْ نَطَقَتْ بِأنَّ قاتِلَ الأمِيرِ كانَ مُسْتَحِلًّا قَتْلَهُ بَلْ مُعْتَقَدًا الثَّوابَ عَلَيْهِ وقَدْ مَدَحَهُ أصْحابُهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ غَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
يا ضَرْبَةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بِها إلّا لِيَبْلُغَ مِن ذِي العَرْشِ رِضْوانا
إنِّي لَأذْكُرُهُ يَوْمًا فَأحْسَبُهُ ∗∗∗ أوْفى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزانا
ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ.
يا ضَرْبَةً مِن شَقِيٍّ أوْرَدَتْهُ لَظى ∗∗∗ فَسَوْفَ يَلْقى بِها الرَّحْمَنَ غَضْبانا
كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا بِضَرْبَتِهِ ∗∗∗ إلّا لِيَصْلى غَدًا في الحَشْرِ نِيرانا
إنِّي لَأذْكُرُهُ يَوْمًا فَألْعَنُهُ ∗∗∗ كَذاكَ ألْعَنُ عِمْرانَ بْنَ حِطّانا
وكَوْنُ فِعْلِهِ كانَ عَنْ شُبْهَةٍ تُنْجِيهِ مِمّا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ ضَرْبًا مِنَ الهَذَيانِ ولَوْ كانَ مِثْلُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ مُنْجِيًا مِن عَذابِ مِثْلِ هَذا الذَّنْبِ فَلْيَفْعَلِ الشَّخْصُ ما شاءَ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وقَدْ ضُرِبَتْ بِقِدارٍ عاقِرِ النّاقَةِ الأمْثالُ وما ألْطَفَ قَوْلَ عِمارَةَ اليَمَنِيِّ.
لا تَعْجَبا لِقِدارِ ناقَةِ صالِحٍ ∗∗∗ فَلِكُلِّ عَصْرٍ ناقَةٌ وقِدارُ
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ أُخَرُ تَرَكْناها اقْتِصارًا عَلى ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ أشْهَرُ
الأعراف 7:80
﴿ولُوطًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ أرْسَلْنا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ أوْ بِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ وما لَحِقَ لِأنَّ قَوْمَهُ عَلى ما قِيلَ لَمْ يُعْهَدُوا باسِمٍ مَعْرُوفٍ يَقْتَضِي الحالُ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُضافًا إلَيْهِمْ كَما في القِصَصِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ وهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَخَ وابْنُ إسْحاقَ ذَكَرَ بَدَلَ تارَخَ مازَرَ وأكْثَرُ النَّسّابِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ﷺ ورَواهُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ أنَّ أبا لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمُّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ لُوطًا كانَ ابْنَ خالَةِ إبْراهِيمَ وكانَتْ سارَةُ زَوْجَتُهُ أُخْتَ لُوطٍ وكانَ في أرْضِ بابِلَ مِنَ العِراقِ مَعَ إبْراهِيمَ فَهاجَرَ
صفحة 169
إلى الشّامِ ونَزَلَ فِلَسْطِينَ وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَ وهو كُرَةٌ بِالشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ وهي بَلْدَةٌ بِحِمْصٍ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُرْسِلَ لُوطٌ إلى المُؤْتَفِكاتِ وكانَتْ قُرى لُوطٍ أرْبَعَ مَدائِنَ سَدُومَ وأُمُورا وعامُورا وصَبُوِيرَ وكانَ في كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ وكانَتْ أعْظَمَ مَدائِنِهِمْ سَدُومُ وكانَ لُوطٌ يَسْكُنُها وهي مِن بِلادِ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهَذا اللَّفْظُ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن لِطْتُ الحَوْضَ إذا ألْزَقْتُ عَلَيْهِ الطِّينَ ويُقالُ: هَذا ألْوَطُ بِقَلْبِي مِن ذَلِكَ أيْ ألْصَقُ بِهِ ولاطَ الشَّيْءَ أخْفاهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِأرْسَلْنا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّ الإرْسالَ قَبْلَ وقْتِ القَوْلِ لا فِيهِ كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ ودُفِعَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ الظَّرْفُ مُمْتَدًّا كَما يُقالُ زَيْدٌ في أرْضِ الرُّومِ فَهو ظَرْفٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ يُعْتَبَرُ وُقُوعُ المَظْرُوفِ في بَعْضٍ أجْزائِهِ كَما قَرَّرَهُ القُطْبُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لُوطًا ) مَنصُوبًا بِاذْكُرْ مَحْذُوفًا فَيَكُونُ في عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ و﴿إذْ﴾ بَدَلٌ مِن لُوطٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ بِناءً عَلى أنَّها تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ ظَرْفُ الرِّسالَةِ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ رِسالَةَ لُوطٍ إذْ قالَ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ أيْ أتَفْعَلُونَ تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي بَلَغَتْ أقْصى القُبْحِ وغايَتَهُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ (80) أيْ ما عَمِلَها أحَدٌ قَبْلَكم في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في الكَشّافِ مِن قَوْلِكَ: سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ إذا ضَرَبْتَها قَبْلَهُ ومِنهُ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ «سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ» وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَعْنى التَّعْدِيَةِ هُنا قَلِقٌ جِدًّا لِأنَّ الباءَ المُعَدِّيَةَ في الفِعْلِ المُعَدّى إلى واحِدٍ تَجْعَلُ المَفْعُولَ الأوَّلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ فَهي كالهَمْزَةِ فَإذا قُلْتَ صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ كانَ مَعْناهُ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرَ أيْ جَعَلْتُ الحَجَرَ يَصُكُّ الحَجَرَ وكَذَلِكَ دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو عَنْ خالِدٍ مَعْناهُ أدْفَعْتُ زَيْدًا عَمْرًا عَنْ خالِدٍ أيْ جَعَلْتُ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا عَنْ خالِدٍ فَلِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ تَأْثِيرٌ عَلى الثّانِي ولا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيما ذُكِرَ إلّا بِتَكَلُّفٍ فالظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ ما سَبَقَكم أحَدٌ مُصاحِبًا ومُلْتَبِسًا بِها ودُفِعَ أنَّ المَعْنى عَلى التَّعْدِيَةِ ومَعْنى سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ أسْبَقْتُ كُرَتِي كُرَتَهُ لِأنَّ السَّبْقَ بَيْنَهُما لا بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ أوِ الضَّرْبَتَيْنِ وكَذا في الآيَةِ ومِثْلُهُ يُفْهَمُ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: إنَّ المَعْنى سَبَقْتُ ضَرْبَهُ الكَرَّةَ بِضَرْبِي الكَرَّةَ أيْ جَعَلْتُ ضَرْبِيَ الكَرَّةَ سابِقًا عَلى ضَرْبِهِ الكَرَّةَ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ جَعْلَ الباءِ لِلظَّرْفِيَّةِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى ما يَحْتاجُهُ جَعْلُها لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما سَبَقَكم في فِعْلِ الفاحِشَةِ أحَدٌ ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ و( مِنَ ) الأُولى صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نَأْتِيها فَقالَ: ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ فَلا تَفْعَلُوا ما لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْهِ مِنَ المُنْكَراتِ لِأنَّهُ أشَدُّ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ سَبَبَ إنْكارِ الفاحِشَةِ كَوْنُها مُخْتَرَعَةً ولَوْلاهُ لَما أُنْكِرَتْ إذْ لا مَجالَ لَهُ بَعْدَ كَوْنِها فاحِشَةً ووَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلنَّكِيرِ أنَّها مُؤْذِنَةٌ بِاخْتِراعِ السُّوءِ ولا شَكَّ أنَّ اخْتِراعَهُ أسْوَأُ إذْ لا مَجالَ لِلِاعْتِذارِ عَنْهُ كَما اعْتَذَرُوا عَنْ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ مَثَلًا بِقَوْلِهِمْ: ( إنّا وجَدْنا آباءَنا ) .
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ والنَّيْسابُورِيُّ جَوَّزَ كَوْنَها صِفَةً لِلْفاحِشَةِ
صفحة 170
عَلى حَدِّ:
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
ورُدَّ بِأنَّ الفاحِشَةَ هُنا مُتَعَيَّنَةٌ دُونَ اللَّئِيمِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ مِن نَفْيِ سَبْقِ أحَدٍ بِها إيّاهم كَوْنُهم سابِقِينَ بِها كُلَّ أحَدٍ مِمّا عَداهم مِنَ العالَمِينَ لا مُساواتُهُمُ الغَيْرَ بِها فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ والَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانَتْ لَهم ثِمارٌ في مَنازِلِهِمْ وحَوائِطِهِمْ وثِمارٌ خارِجَةٌ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وأنَّهم أصابَهم قَحْطٌ وقِلَّةٌ مِنَ الثِّمارِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّكم إنْ مُنِعْتُمْ ثِمارَكم هَذِهِ الظّاهِرَةَ مِن أبْناءِ السَّبِيلِ كانَ لَكم فِيها عَيْشٌ قالُوا: بِأيِّ شَيْءٍ نَمْنَعُها قالُوا: اجْعَلُوا سُنَّتَكم أنْ تَنْكِحُوا مَن وجَدْتُمْ في بِلادِكم غَرِيبًا وتُغَرِّمُوهُ أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَإنَّ النّاسَ لا يَظْهَرُونَ بِبِلادِكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ واسْتَحْكَمَ فِيهِمْ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جاءَهم عِنْدَ ذِكْرِهِمْ ما ذَكَرُوا في هَيْئَةِ صَبِيٍّ أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَرُؤُوا عَلى ذَلِكَ وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنْ طاوُسٍ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ إنَّما أتَوُا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ ثُمَّ أتَوُا الرِّجالَ وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ دُونَ مِنَ النّاسِ مُبالَغَةً لا تَخْفى.
الأعراف 7:81
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ والنَّحْوِيَّ وهو مُبَيِّنٌ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ والإتْيانُ هُنا بِمَعْنى الجِماعِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ ( أئِنَّكم ) بِمِهْمَزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ ومِنهم مَن قَرَأ بِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ ومِنهم مَن مَدَّ وهو حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ وتَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ وفي الإتْيانِ بِأنَّ واللّامِ مَزِيدَةُ تَقْبِيحٍ وتَقْرِيعٍ كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ فَيُؤَكَّدُ تَأْكِيدًا قَوِيًّا وفي إيرادِ لَفْظِ ( الرِّجالَ ) دُونَ الغِلْمانِ والمُرْدانِ ونَحْوِهِما كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُبالَغَةٌ في التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قالَ: لَتَأْتُونَ أمْثالَكم ﴿شَهْوَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ الِاشْتِهاءِ لا غَيْرَ أوْ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُشْتَهِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وناصِبُهُ ( تَأْتُونَ ) لِأنَّهُ بِمَعْنى تَشْتَهُونَ وفي تَقْيِيدِ الجِماعِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنِ الشَّهْوَةِ بِها إيذانٌ بِوَصْفِهِمْ بِالبَهِيمِيَّةِ الصِّرْفَةِ وأنْ لَيْسَ غَرَضُهم إلّا قَضاءَ الشَّهْوَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ القَذِرَةَ الخَبِيثَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الِاشْتِهاءِ عِنْدَ ذَوِي الطِّباعِ السَّلِيمَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (81) فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( تَأْتُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرِّجالِ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ أيْ تَأْتُونَهم مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهْوَةٍ عَلى ما قِيلَ واسْتُبْعِدَ تَعَلُّقُهُ بِهِ و( بَلْ ) لِلْإضْرابِ وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى الإخْبارِ بِما أدّى إلى ذَلِكَ وهو اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ أوْ إلى بَيانِ اسْتِجْماعِهِمْ لِلْعُيُوبِ كُلِّها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ العُذْرِ في ذَلِكَ أيْ لا عُذْرَ لَكم فِيهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ والخُرُوجُ عَنِ الحُدُودِ وهَذا في مَعْنى ذَمِّهِمْ بِالجَهْلِ كَما في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالِاسْمِ هُنا وبِالفِعْلِ هُناكَ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ في كُلٍّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
الأعراف 7:82
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلْعَقْدِ والحِلِّ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ ما كانَ
صفحة 171
جَوابَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلُهم أيْ لِبَعْضِهِمُ الآخَرِينَ المُباشِرِينَ لِلْأُمُورِ أوْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ الَّذِينَ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُعْرِضِينَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا ومَن مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ أيْ بَلْدَتِكُمُ الَّتِي أُجْمِعْتُمْ فِيها وسَكَنْتُمْ بِها والنَّظْمُ الكَرِيمُ مِن قَبِيلِ.
تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ
والقَصْدُ مِنهُ نَفْيُ الجَوابِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ وتَعْظِيمِ أمْرِها ووَسْمِهِمْ بِما هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ ولَوْ قِيلَ: وقالُوا أخْرِجُوهم لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الإفادَةِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (82) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ ومَقْصُودُ الأشْقِياءِ بِهَذا الوَصْفِ السُّخْرِيَةُ بِلُوطٍ ومَن مَعَهُ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وتَباعُدِهِمْ عَنْها وتَنَزُّهِهِمْ عَمّا في المَحاشِّ والِافْتِخارُ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم: أخْرِجُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَوابُ ) عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و﴿إلا أنْ قالُوا﴾ .. إلَخْ. خَبَرٌ قِيلَ: وهو أظْهَرُ وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْوى في الصِّناعَةِ لِأنَّ الأعْرافَ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في مُقابَلَةِ كَلامِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَواعِظِهِ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الباطِلَةُ كَما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ بَلْ إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ المُحاوَراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التُّرَّهاتِ كَما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ قِيلَ: وإنَّما جِيءَ بِالواوِ في ﴿وما كانَ﴾ .. إلَخْ. دُونَ الفاءِ كَما في النَّمْلِ والعَنْكَبُوتِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ قَبْلُ هُنا والفِعْلِ هُناكَ والتَّعْقِيبُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الفِعْلِ حَسَنٌ دُونَ التَّعْقِيبِ بِهِ بَعْدَ الِاسْمِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
ولَعَلَّ ذِكْرَ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ هُنا و﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ في النَّمْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قالُوا مَرَّةً هَذا وأُخْرى ذاكَ أوْ أنَّ بَعْضًا قالَ كَذا وآخَرَ قالَ كَذا وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: إنَّما جاءَ في النَّمْلِ ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ لِيَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الكِنايَةِ وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأعْرافِ وقَدْ صُرِّحَ في الأُولى وكُنِّيَ في الثّانِيَةِ. اهـ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى فَتَأمَّلْ.
الأعراف 7:83
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ مَنِ اخْتَصَّ بِهِ واتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَواءً مِن ذَوِي قَرابَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْ لا وقِيلَ: ابْنَتاهُ رَيْثا ويَغُوثا ولِلْأهْلِ مَعانٍ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ وهو عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في بابِ الوَصِيَّةِ الزَّوْجَةُ لِلْعُرْفِ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ فَتُدْفَعُ الوَصِيَّةُ لَها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةً أوْ مُسْلِمَةً وأجازَتِ الوَرَثَةُ وعِنْدَ الإمامَيْنِ أهْلِ الزَّجَلِ كُلُّ مَن في عِيالِهِ ونَفَقَتِهِ غَيْرَ مَمالِكِيهِ ووَرَثَتِهِ وقَوْلُهُما كَما في شَرْحِ التَّكْمِلَةِ اسْتِحْسانٌ وأيَّدَهُ ابْنُ الكَمالِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الزَّوْجَةِ أصْلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِهِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ في المُطْلَقِ عَلى القَرِينَةِ لا في الأهْلِ مُطْلَقًا واسْمُ امْرَأتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واهِلَةُ وقِيلَ: والِهَةُ ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ (83) أيْ بَعْضًا مِنهم فالتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ وكانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُوالِي أهْلَهُ فَهَلَكَتْ كَما هَلَكُوا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كانَتْ مَعَ القَوْمِ الغابِرِينَ فَلا تَغْلِيبَ والغابِرُ بِمَعْنى الباقِي ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
فَغَبَرَتْ بَعْدَهم بِعَيْشٍ ناصِبِ
ويَجِيءُ بِمَعْنى الماضِي والذّاهِبِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: في الزَّمَنِ الغابِرِ فَهو مِنَ الأضْدادِ كَما في الصِّحاحِ وغَيْرِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الهالِكِ أيْضًا وفي بَقاءِ امْرَأتِهِ مَعَ أُولَئِكَ القَوْمِ رِوايَتانِ ثانِيَتُهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَها مَعَ أهْلِهِ ونَهاهم عَنِ الِالتِفاتِ فالتَفَتَتْ هي فَأصابَها حَجَرٌ فَهَلَكَتْ والآيَةُ هُنا مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ
صفحة 172
والحَسَنُ وقَتادَةُ أنَّ الغُبُورَ هُنا بِالبَقاءِ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِهَذا الكَلامِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا نَشَأ عَنِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُها فَقِيلَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ.
الأعراف 7:84
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ وفي الخازِنِ أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ كانَتْ مَعْجُونَةً بِالكِبْرِيتِ والنّارِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ خُسِفَ بِالمُقِيمِينَ مِنهم وأُمْطِرَتِ الحِجارَةُ عَلى مُسافِرِيهِمْ وُشُذّادِهِمْ حَتّى أنَّ تاجِرًا مِنهم كانَ في الحَرَمِ فَوَقَفَتْ لَهُ حَجَرٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ وفُرِّقَ بَيْنَ مُطِرَ وأُمْطِرَ فَعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الثُّلاثِيَّ في الرَّحْمَةِ والرُّباعِيَّ في العَذابِ ومِثْلُهُ عَنِ الرّاغِبِ وفي الصِّحاحِ عَنْ أُناسٍ أنَّ أُمْطِرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ بِمَعْنًى وفي القامُوسِ لا يُقالُ أمْطَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا في العَذابِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ في الأنْفالِ التَّرادُفُ كَما في الصِّحاحِ لَكِنَّهُ قالَ: وقَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ وذُكِرَ هُنا أنَّهُ يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ ووادٍ مَمْطُورٌ ويُقالُ: أمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ كَذا أيِ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ وحاصِلُ الفَرْقِ كَما في الكَشْفِ مُلاحَظَةُ مَعْنى الإصابَةِ في الأوَّلِ والإرْسالِ في الثّانِي ولِهَذا عُدِّيَ بِعَلى وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ مَقْصُودَ الزَّمَخْشَرِيِّ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ مُطِرَتْ في الخَيْرِ وأُمْطِرَتْ في الشَّرِّ ويُتَوَهَّمُ أنَّها تَفْرِقَةٌ وضْعِيَّةٌ فَبَيَّنَ أنَّ أُمْطِرَتْ مَعْناهُ أرْسَلَتْ شَيْئًا عَلى نَحْوِ المَطَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ إيّاهُ حَتّى لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ أنْواعًا مِنَ الخَيْرِ لَجازَ أنْ يُقالَ فِيهِ أمْطَرَتِ السَّماءُ خَيْرًا أيْ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ فَلَيْسَ لِلشَّرِّ خُصُوصِيَّةٌ في هَذِهِ الصِّيغَةِ الرُّباعِيَّةِ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ السَّماءَ لَمْ تُرْسِلْ شَيْئًا سِوى المَطَرِ إلّا وكانَ عَذابًا فَظُنَّ أنَّ الواقِعَ اتِّفاقًا مَقْصُودٌ في الوَضْعِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويُعْلَمُ مِنهُ كَما في الشِّهابِ أنَّ كَلامَ أبِي عُبَيْدَةَ وأضْرابِهِ مُؤَوَّلٌ وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ فَإنَّهُ عَنى بِهِ الرَّحْمَةَ ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ التَّفْرِقَةَ الِاسْتِعْمالِيَّةَ إنَّما هي بَيْنَ الفِعْلَيْنِ دُونَ مُتَصَرِّفاتِهِما لَمْ يَتَأتَّ هَذا الرَّدُّ إلّا أنَّ كَلامَهم غَيْرُ صَرِيحٍ في ذَلِكَ ولَعَلَّ البَعْضَ صَرَّحَ بِما يُخالِفُهُ ثُمَّ إنَّ ﴿مَطَرًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مَآلُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ المُقْتَرِفِينَ لِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنْعاءِ وهَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن أفْعالِهِمْ وقَدْ مَكَثَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَلاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ صَلاحُهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ عَلى حِمارِهِ فَيَأْتِيهِمْ ويَنْصَحُهم فَيَأْبَوْنَ أنْ يَقْبَلُوا فَكانَ يَأْتِي بَعْدَ أنْ أيِسَ مِنهم فَيَنْظُرُ إلى سَدُومَ ويَقُولُ سَدُومُ أيُّ يَوْمٍ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَدُومُ حَتّى بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمّا عُذِّبَ قَوْمُهُ لَحِقَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وفي هَذِهِ الآياتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّواطَةَ مِن أعْظَمِ الفَواحِشِ.
وجاءَ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى سَبْعَةً مِن خَلْقِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ فَرَدَّدَ لَعْنَةً عَلى واحِدٍ مِنهم ثَلاثًا ولَعَنَ بَعْدَ كُلِّ واحِدٍ لَعْنَةً لَعْنَةً فَقالَ: مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» الحَدِيثَ وجاءَ أيْضًا «أرْبَعَةٌ يُصْبِحُونَ في غَضَبِ اللَّهِ تَعالى ويُمْسُونَ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَدَّ مِنهم مَن يَأْتِي الرَّجُلَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهُ عَنْ
صفحة 173
مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الَّذِي يَعْمَلُ ذَلِكَ العَمَلَ لَوِ اغْتَسَلَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ السَّماءِ وكُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ الأرْضِ لَمْ يَزَلْ نَجِسًا أيْ أنَّ الماءَ لا يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الإثْمَ العَظِيمَ الَّذِي بَعَّدَهُ عَنْ رَبِّهِ والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ أمْرِ تِلْكَ الفاحِشَةِ.
وألْحَقَ بِها بَعْضُهُمُ السِّحاقَ وبَدَأ أيْضًا في قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي المَرْأةَ فَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما حَقَّ القَوْلُ عَلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ والرِّجالُ بِالرِّجالِ.
وعَنْ أبِي حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى نِساءَ قَوْمِ لُوطٍ بِعَمَلِ رِجالِهِمْ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى أعْدَلُ مِن ذَلِكَ اسْتَغْنى الرِّجالُ بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ وآخَرُونَ إتْيانُ المَرْأةِ في عَجِيزَتِها واسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: سَلُونِي فَقالَ ابْنُ الكِواءِ: تُؤْتى النِّساءُ في أعْجازِهِنَّ فَقالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سَفَلْتَ سَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِكَ ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الآيَةَ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِطَرِيقِ القِياسِ وإلّا فالفاحِشَةُ في الآيَةِ مُبَيَّنَةٌ بِما عَلِمْتَ نَعَمْ جاءَ في آثارٍ كَثِيرَةٍ ما يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ إتْيانِ الزَّوْجَةِ في عَجِيزَتِها والمَسْألَةُ كَما تَقَدَّمَ خِلافِيَّةٌ والمُعْتَمَدُ فِيها الحُرْمَةُ.
ولا فَرْقَ في اللِّواطَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ بِمَمْلُوكٍ أوْ تَكُونَ بِغَيْرِهِ واخْتَلَفُوا في كُفْرِ مُسْتَحِلِّ وطْءِ الحائِضِ ووَطْءِ الدُّبُرِ وفي التَّتارَخانِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّرّاجِيَّةِ اللِّواطَةُ بِمَمْلُوكِهِ أوْ مَمْلُوكَتِهِ أوِ امْرَأتِهِ حَرامٌ إلّا أنَّهُ لَوِ اسْتَحَلَّهُ لا يَكْفُرُ وهَذا بِخِلافِ اللِّواطَةِ بِأجْنَبِيٍّ فَإنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّها قَوْلًا واحِدًا وما ذَكَرَ مِمّا يُعْلَمُ ولا يُعْلَمُ كَما في الشَّرَنْبَلالِيَّةِ يَتَجَرَّأُ الفَسَقَةُ عَلَيْهِ بِظَنِّهِمْ حِلَّهُ.
واخْتُلِفَ في حَدِّ اللِّواطَةِ فَقالَ الإمامُ: لا حَدَّ بِوَطْءِ الدُّبُرِ مُطْلَقًا وفِيهِ التَّعْزِيرُ ويُقْتَلُ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ عَلى المُفْتى بِهِ كَما في الأشْباهِ والظّاهِرُ عَلى ما قالَهُ البِيرِيُّ أنَّهُ يُقْتَلُ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ لِصِدْقِ التَّكْرارِ عَلَيْهِ وقالَ الإمامانِ: إنْ فَعَلَ في الأجانِبِ حُدَّ كَحَدِّ الزِّنا وإنْ في عَبْدِهِ أوْ أمَتِهِ أوْ زَوْجَتِهِ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ فاسِدٍ فَلا حَدَّ إجْماعًا كَما في الكافِي وغَيْرِهِ بَلْ يُعَزَّرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ويُقْتَلُ مَنِ اعْتادَهُ وفي الحاوِي القُدْسِيِّ وتَكَلَّمُوا في هَذا التَّعْزِيرِ مِنَ الجَلْدِ ورَمْيِهِ مِن أعْلى مَوْضِعٍ وحَبْسِهِ في أنْتَنِ بُقْعَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ سِوى الإخْصاءِ والجُبِّ والجَلْدُ أصَحُّ وفي الفَتْحِ يُعَزَّرُ ويُسْجُنُ حَتّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَدُّ اللِّواطَةِ القَتْلُ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ ورَواهُ مَرْفُوعًا وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ ما حَدُّ اللُّوطِيِّ فَقالَ: يُنْظَرُ أعْلى بِناءٍ في القَرْيَةِ فَيُلْقى مِنهُ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ بِالحِجارَةِ قالَ في الفَتْحِ وكَأنَّ مَأْخَذَ هَذا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ أُهْلِكُوا بِذَلِكَ حَيْثُ حُمِلَتْ قُراهم ونُكِّسَتْ بِهِمْ ولا شَكَّ في إتْباعِ الهَدْمِ بِهِمْ وهم نازِلُونَ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ وصَحَّحُوا أنَّها لا تَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَقْبَحَها وسَمّاها فاحِشَةً والجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ وفي الأشْباهِ أنَّ حُرْمَتَها عَقْلِيَّةٌ فَلا وُجُودَ لَها في الجَنَّةِ وقِيلَ: سَمْعِيَّةٌ فَتُوجَدُ أيْ فَيُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ وكَأنَّهُ أرادَ بِالحُرْمَةِ هُنا القُبْحَ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أيْ أنَّ قُبْحَها عَقْلِيٌّ بِمَعْنى أنَّهُ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيِّ قالَ جَرَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بَيْنَ أبِي عَلِيِّ بْنِ الوَلِيدِ المُعْتَزِلِيِّ وبَيْنَ أبِي يُوسُفَ القَزْوِينِيِّ فَقالَ ابْنُ الوَلِيدِ: لا يَمْنَعُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ اللَّذّاتِ في الجَنَّةِ لِزَوالِ المَفْسَدَةِ لِأنَّهُ أنَما مُنِعَ في الدُّنْيا لِما فِيهِ مِن قَطْعِ النَّسْلِ وكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْأذى ولَيْسَ في الجَنَّةِ ذَلِكَ ولِهَذا أُبِيحَ شُرْبُ الخَمْرِ لِما لَيْسَ فِيهِ مِنَ السُّكْرِ والعَرْبَدَةِ
صفحة 174
وزَوالِ العَقْلِ بَلِ اللَّذَّةُ الصِّرْفَةُ فَقالَ أبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَيْلُ إلى الذُّكُورِ عاهَةٌ وهو قَبِيحٌ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَحَلٌّ لَمْ يُخْلَقْ لِلْوَطْءِ ولِهَذا لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ بِخِلافِ الخَمْرِ فَقالَ ابْنُ الوَلِيدِ هو قَبِيحٌ وعاهَةٌ لِلتَّلْوِيثِ بِالأذى ولا أذًى في الجَنَّةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ الِالتِذاذِ. انْتَهى. وأنا أرى أنَّ إنْكارَ قُبْحِ اللِّواطَةِ عَقْلًا مُكابَرَةٌ ولِهَذا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُعَيِّرُ بِها ويَقُولُونَ في الذَّمِّ فُلانٌ مُصْفَرٌّ اسْتُهُ ولا أدْرِي هَلْ يَرْضى ابْنُ الوَلِيدِ لِنَفْسِهِ أنْ يُؤْتى في الجَنَّةِ أمْ لا فَإنَّ رَضِيَ اليَوْمَ أنْ يُؤْتى غَدًا فَغالِبُ الظَّنِّ أنَّ الرَّجُلَ مَأْبُونٌ أوْ قَدْ ألِفَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَرْضَ لَزِمَهُ الإقْرارُ بِالقُبْحِ العَقْلِيِّ وإنِ ادَّعى أنَّ عَدَمَ رِضائِهِ لِأنَّ النّاسَ قَدِ اعْتادُوا التَّعْيِيرَ بِهِ وذَلِكَ مَفْقُودٌ في الجَنَّةِ قُلْنا لَهُ يَلْزَمُكَ الرِّضا بِهِ في الدُّنْيا إذا لَمْ تُعَيَّرْ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْكَ أحَدٌ فَإنِ التَزَمَهُ فَهو كَما تَرى ولا يَنْفَعُهُ ادِّعاءُ الفَرْقِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كَما لا يَخْفى عَلى الأحْرارِ وصَرَّحُوا بِأنَّ حُرْمَةَ اللِّواطَةِ أشَدُّ مِن حُرْمَةِ الزِّنا لِقُبْحِها عَقْلًا وطَبْعًا وشَرْعًا والزِّنا لَيْسَ بِحَرامٍ كَذَلِكَ وتَزُولُ حُرْمَتُهُ بِتَزْوِيجٍ وشِراءٍ بِخِلافِها وعَدَمُ الحَدِّ عِنْدَ الإمامِ لا لِخِفَّتِها بَلْ لِلتَّغْلِيظِ لِأنَّهُ مُطَهِّرٌ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ وإنْ كانَ خِلافَ مَذْهَبِنا وبَعْضُ الفَسَقَةِ اليَوْمَ دَمَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى يُهَوِّنُونَ أمْرَها ويَتَمَنَّوْنَ بِها ويَفْتَخِرُونَ بِالإكْثارِ مِنها ومِنهم مَن يَفْعَلُها أخْذًا لِلثَّأْرِ ولَكِنْ مِن أيْنَ ومِنهم مَن يَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ وذَلِكَ لِأنَّهم نالُوا الصَّدارَةَ بِأعْجازِهِمْ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ واعْلَمْ أنَّ لِلِّواطَّةِ أحْكامًا أُخَرَ فَقَدْ قالُوا إنَّهُ لا يَجِبُ بِها المَهْرُ ولا العِدَّةُ في النِّكاحِ الفاسِدِ ولا في المَأْتِيِّ بِها لِشُبْهَةٍ ولا يَحْصُلُ بِها التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ ولا تَثْبُتُ بِها الرَّجْعَةُ ولا حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ عِنْدَ الأكْثَرِ ولا الكَفّارَةُ في رَمَضانَ في رِوايَةٍ ولَوْ قَذَفَ بِها لا يُحَدُّ ولا يُلاعِنُ خِلافًا لَهُما في المَسْألَتَيْنِ كَما في البَحْرِ أخْذًا مِنَ المُجْتَبى وفي الشَّرَنْبَلالِيَّةِ عَنِ السَّرّاجِ يَكْفِي في الشَّهادَةِ عَلَيْهِ عَدْلانِ لا أرْبَعَةٌ خِلافًا لَهُما أيْضًا هَذا ولَمْ أقِفْ لِلسّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عَلى ما هو مِن بابِ الإشارَةِ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَكَرَ بَعْضُهم في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الإيمانِ بِالظّاهِرِ أنَّ النّاقَةَ هي مَرْكَبُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتَها إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مُخْتَصَّةً بِهِ في طاعَتِهِ وقُرْبِهِ وما قِيلَ إنَّ الماءَ قُسِّمَ بَيْنَها وبَيْنَهم لَها شِرْبُ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ إشارَةٌ إلى أنَّ مَشْرَبَهم مِنَ القُوَّةِ العاقِلَةِ العَمَلِيَّةِ ومَشْرَبَهُ مِنَ القُوَّةِ العاقِلَةِ النَّظَرِيَّةِ وما رُوِيَ أنَّها يَوْمَ شِرْبِها كانَتْ تَتَفَحَّجُ فَيُحْلَبُ مِنها اللَّبَنُ حَتّى تُمْلَأ الأوانِي إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْسَهُ تَسْتَخْرِجُ بِالفِكْرِ مِن عُلُومِهِ الكُلِّيَّةِ الفِطْرِيَّةِ العُلُومَ النّافِعَةَ لِلنّاقِصِينَ مِن عُلُومِ الأخْلاقِ والشَّرائِعِ وخُرُوجَها مِنَ الجَبَلِ خُرُوجُها مِن بَدَنِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ آخَرُونَ إنَّ النّاقَةَ كانَتْ مُعْجِزَةَ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُخْرِجَ لَهم مِن حِجارَةِ القَلْبِ ناقَةَ السِّرِّ فَخَرَجَتْ فَسُقِيَتْ سِرَّ السِّرِّ فَأعْطَتْ بَلَدَ القالَبِ مِنَ القُوى والحَواسِّ لَبَنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالَ لَهم ذَرُوها تَرْتَعْ في رِياضِ القُدُسِ وحِياضِ الأُنْسِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ مِن مُخالَفاتِ الشَّرِيعَةِ ومُعارَضاتِ الطَّرِيقَةِ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الِانْقِطاعِ عَنِ الوُصُولِ إلى الحَقِيقَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ أيْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْخِلافَةِ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ القَلْبِ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها﴾ وهي المُعامَلاتُ بِالصِّدْقِ ﴿قُصُورًا﴾ تَسْكُنُونَ فِيها ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ وهي جِبالُ أطْوارِ القَلْبِ ﴿بُيُوتًا﴾ هي مَقاماتُ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهي الأوْصافُ البَشَرِيَّةُ والأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن أوْصافِ القَلْبِ والرُّوحِ ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ لِيَدْعُوَ إلى الأوْصافِ النُّورانِيَّةِ ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ بِسَكاكِينِ
صفحة 175
المُخالَفَةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ لِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ قُوَّةِ عِلْمِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ إلى حَضِيرَةِ القُدُسِ.
وذَكَرَ البَعْضُ أنَّ النّاقَةَ والسَّقْبَ صُوَرَتا الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ ظَهَرا بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ مِنَ الحَجَرِ الَّذِي تُشْبِهُهُ قُلُوبُ القَوْمِ وعَقْرُهُمُ النّاقَةَ مِن قَبِيلِ ذَبْحِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَوْتِ الظّاهِرِ في الكَبْشِ يَوْمَ القِيامَةِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أسْوَأُ النّاسِ اسْتِعْدادًا وأتَمَّهم حِرْمانًا ويَدُلُّ عَلى سُوءِ حالِهِمْ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ لَمْ يَنْظُمْهم في فُصُوصِ الحِكَمِ في سِلْكَ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ حَكَمَ لَهم بِالنَّجاةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وكَذا لَمْ يُنْظَمْ في ذَلِكَ السِّلْكِ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّ لَمَزِيدِ جَهْلِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ وإتْيانِهِمُ البُيُوتَ مِن غَيْرِ أبْوابِها وقَذارَتِهِمْ ودَناءَةِ نُفُوسِهِمْ والَّذِي عَلَيْهِ المُتَشَرِّعُونَ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كُلَّهم حَصَبُ جَهَنَّمَ لا ناجِيَ فِيهِمْ واللَّهُ تَعالى أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
الأعراف 7:85
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ عُطِفَ عَلى ما مَرَّ. والمُرادُ أرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ .. إلَخْ. ومَدْيَنُ وسُمِعَ مَدْيانَ في الأصْلِ عَلَمٌ لِابْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والعُجْمَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ اسْمٌ لِماءٍ كانُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ حِينَئِذٍ أيْ أهْلِ مَدْيَنَ مَثَلًا أوِ المَجازِ والياءُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضٍ زائِدَةٌ وعَنِ ابْنِ بِرِّيٍّ المِيمُ زائِدَةٌ إذْ لَيْسَ في كَلامِهِمْ فَعِيلٌ وفِيهِ مَفْعَلٌ.
وقالَ آخَرُونَ إنَّهُ شاذٌّ كَمَرْيَمَ إذِ القِياسُ إعْلالُهُ كَمَقامٍ وعِنْدَ المُبَرِّدِ لَيْسَ بِشاذٍّ قِيلَ وهو الحَقُّ لِجَرَيانِهِ عَلى الفِعْلِ وشُعَيْبٌ قِيلَ تَصْغِيرُ شِعْبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اسْمُ جَبَلٍ أوْ شِعْبٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ الطَّرِيقُ في الجَبَلِ واخْتِيرَ أنَّهُ وُضِعُ مُرْتَجَلًا هَكَذا والقَوْلُ بِأنَّ القَوْلَ بِالتَّصْغِيرِ باطِلٌ لِأنَّ أسْماءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ تَصْغِيرُها فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ المَمْنُوعَ التَّصْغِيرُ بَعْدَ الوَضْعِ لا المُقارَنُ لَهُ ومُدَّعِي ذَلِكَ قَدْ يَدَّعِي هَذا وهو عَلى ما وجَدَ بِخَطِّ النَّوَوِيِّ في تَهْذِيبِهِ ابْنَ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: ابْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وبَعْضُهم يَقُولُ: مِيكائِيلُ بَدَلَ مِيكِيلَ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ خَطِّ الذَّهَبِيِّ في اخْتِصارِ المُسْتَدْرَكِ وآخَرُ يَقُولُ مَلْكانِيُّ بَدَلَهُ.
وذُكِرَ أنَّ أُمَّ مِيكِيلَ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ الشَّرْقِيِّ ابْنِ القَطامِيِّ وكانَ نَسّابَةً أنَّ شُعَيْبًا هو يَثْرُوبُ بِالعِبْرانِيَّةِ وهو ابْنُ عَيْفاءَ بْنِ يَوْبَبُ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ أوَّلُهُ وواوٌ ومُوَحَّدَتَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: في نَسَبِهِ غَيْرُ ذاكَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ لِقَوْمِهِ أيْ مُحاوَرَتِهِ لَهم وكَأنَّهُ كَما قِيلَ عَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ كَما يُعْلَمُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ وبُعِثَ رَسُولًا إلى أُمَّتَيْنِ مَدِينَ وأصْحابِ الأيْكَةِ قالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا مَرَّةً إلى مَدْيَنَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْحَةِ ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما شُعَيْبًا وهو كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ غَرِيبٌ وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ واخْتارَ أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ
صفحة 176
واحْتَجَّ لَهُ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وُعِظَ بِوَفاءِ المِيزانِ والمِكْيالِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُما واحِدَةٌ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى ثَلاثِ أُمَمٍ والثّالِثَةُ أصْحابُ الرَّسِّ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْمى لا عُكّازَ لَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ نَصَّ العُلَماءُ ذَوُو البَصِيرَةِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِن مُنَفِّرٍ ومَثَّلُوهُ بِالعَمى والبَرَصِ والجُذامِ ولا يَرُدُّ بَلاءَ أيُّوبَ وعَمى يَعْقُوبَ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِطُرُوِّهِ بَعْدَ الإنْباءِ والكَلامُ فِيما قارَنَهُ والفَرْقُ أنَّ هَذا مُنَفِّرٌ بِخِلافَهِ فِيمَنِ اسْتَقَرَّتْ نُبُوَّتُهُ وقَدْ يُقالُ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو مِن هَذا القَبِيلِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم فَقِيلَ قالَ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ولَمْ تُذْكَرْ مُعْجِزَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ العَظِيمِ كَما لَمْ تُذْكَرْ أكْثَرُ مُعْجِزاتِ نَبِيِّنا ﷺ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ.
والقَوْلُ: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزَةٌ غَلَطٌ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى مَجِيءِ البَيِّنَةِ واحْتِمالِ كَوْنِها عاطِفَةً عَلى ﴿اعْبُدُوا﴾ بَعِيدٌ وإنْ كانَتْ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى مُوجِبَةً لِلِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي الَّتِي مُعْظَمُها بَعْدَ الكُفْرِ البَخْسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جاءَتْكم مُعْجِزَةٌ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي أوْجَبَتْ عَلَيْكُمُ الإيمانَ بِها والأخْذَ بِما أمَرْتُكم بِهِ ﴿فَأوْفُوا﴾ .. إلَخْ. ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ النُّبُوَّةَ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ لِأنَّها دَعْوى أمْرٍ غَيْرِ ظاهِرٍ وفِيهِ إلْزامٌ لِلْغَيْرِ ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ نَفْسُ شُعَيْبٍ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ المَوْعِظَةُ وأنَّها نَفْسُ ﴿فَأوْفُوا﴾ .. إلَخْ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مِن مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ مِن مُحارَبَةِ عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّنِّينَ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ غَنَمَهُ ووِلادَةِ الغَنَمِ الدِّرْعَ خاصَّةً حِينَ وعَدَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ الدِّرْعُ مِنَ أوْلادِها ووُقُوعِ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِهِ في المَرّاتِ السَّبْعِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ هَذِهِ كُلَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُسْتَنْبَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ. اهـ.
وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُقاوَلَةِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلَيْهِ ولِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَرامَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ إرْهاصًا لِنُبُوَّتِهِ بَلْ في الكَشْفِ أنَّ هَذا مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ مُوسى أدْرَكَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَلاكِ قَوْمِهِ ولِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْرِضَ التَّحَدِّي.
وزَعَمَ الإمامُ أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ولِهَذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ فِيهِ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ في آلِ عِمْرانَ في تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَرْيَمَ إنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا أوِ إرْهاصٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ والمُرادُ بِالكَيْلِ ما يُكالُ بِهِ مَجازًا كالعَيْشِ بِمَعْنى ما يُعاشُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ( المِكْيالَ ) وكَذا عَطْفُ ( المِيزانَ ) عَلَيْهِ هُنا فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ الآلَةُ وإنْ جازَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الوَزْنِ كالمِيعادِ بِمَعْنى الوَعْدِ وقِيلَ: إنَّ الكَيْلَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَصْدَرانِ والكَلامُ عَلى الإضْمارِ أيْ أوْفُوا آلَةَ الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهم يُقالُ بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ ومِنهُ قِيلَ لِلْمَكْسِ البَخْسُ وفي أمْثالِهِمْ تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ أيْ ذاتُ بَخْسٍ وتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما ﴿النّاسَ﴾ والثّانِي ﴿أشْياءَهُمْ﴾ الكائِنَةَ في المُبايَعاتِ مِنَ الثَّمَنِ والمَبِيعِ وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّقْصِ بَعْدَ الأمْرِ بِالإيفاءِ تَأْكِيدُ ذَلِكَ الأمْرِ
صفحة 177
وبَيانُ قُبْحِ ضِدِّهِ وقَدْ يُرادُ بِالأشْياءِ الحُقُوقُ مُطْلَقًا فَإنَّهم كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ.
وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا قَوْمًا طُغاةً بُغاةً يَجْلِسُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَبْخَسُونَ النّاسَ أمْوالَهم وكانُوا إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ الغَرِيبُ يَأْخُذُونَ دَراهِمَهُ الجِيادَ ويَقُولُونَ دَراهِمُكَ هَذِهِ زُيُوفٌ فَيَقْطَعُونَها ثُمَّ يَشْتَرُونَها مِنهُ بِالبَخْسِ ورُوِيَ أنَّهم يُعْطُونَهُ أيْضًا بَدَلَها زُيُوفًا فَكَأنَّهُ لَمّا نُهُوا عَنِ البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ نُهُوا عَنِ البَخْسِ والمَكْسِ في كُلِّ شَيْءٍ قِيلَ: ويَدْخُلُ في ذَلِكَ بِخْسُ الرَّجُلِ حَقَّهُ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ والتَّوْقِيرِ اللّائِقِ بِهِ وبَيانِ فَضْلِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِلسّائِلِ عَنْهُ وكَثِيرٌ مِمَّنِ انْتَسَبَ إلى أهْلِ العِلْمِ اليَوْمَ مُبْتَلَوْنَ بِهَذا البَخْسِ ولَيْتَهم قَنِعُوا بِهِ بَلْ جَمَعُوا حَشْفًا وسُوءَ كَيْلَةٍ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
وبَدَأ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ عَلى ما قالَ الإمامُ لِأنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم إذا رَأوْا قَوْمَهم مُقْبِلِينَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ إقْبالًا أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى سائِرِ الأنْواعِ بَدَؤُوا بِمَنعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّوْعِ وكانَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَشْغُولِينَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ والمُرادُ مِنَ النّاسِ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم أيْ لا تَبْخَسُوا غَيْرَكم ولا يَبْخَسْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالجَوْرِ أوْ بِهِ وبِالكُفْرِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيِ إصْلاحِ أمْرِها أوْ أهْلِها بِالشَّرائِعِ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ بِحَذْفِ المُضافِ والفاعِلُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم.
وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ ويُعْتَبَرُ التَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ لِأنَّ إصْلاحَ مَن في الأرْضِ إصْلاحٌ لَها وأنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمَكانِ وأنْ تَكُونَ عَلى مَعْنى في أيْ بَعْدَ إصْلاحِ الأنْبِياءِ فِيها ويَأْبى الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الإصْلاحَ يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ نَفْسِها كَتَعْمِيرِها وإصْلاحِ طُرُقِها لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَفاءِ بِالكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ البَخْسِ والإفْسادِ أوْ إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ وأيًّا ما كانَ فَإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ وتَذْكِيرُهُ ظاهِرٌ.
ومَعْنى الخَيْرِيَّةِ إمّا الزِّيادَةُ مُطْلَقًا أوْ في الإنْسانِيَّةِ وحُسْنِ الأُحْدُوثَةِ وما يَطْلُبُونَهُ مِنَ التَّكَسُّبِ والتَّرَبُّحِ لِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوهم بِالأمانَةِ رَغِبُوا في مُعامَلَتِهِمْ ومُتاجَرَتِهِمْ وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِن خَيْرٍ هُنا مَعْنى الزِّيادَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ بَلِ المَعْنى ذَلِكم نافِعٌ لَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (85) قِيلَ المُرادُ بِالإيمانِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وتَخُصُّ الخَيْرِيَّةَ بِأمْرِ الدُّنْيا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ إنَّما يُجاءُ بِهِ في آخِرِ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِالصِّدْقِ والأمانَةِ كَما كانَ نَبِيُّنا ﷺ مَشْهُورًا عِنْدَ قَوْمِهِ بِالأمِينِ وقالَ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى ما ذُكِرَ: إنَّ تَعْلِيقَ الخَيْرِيَّةِ عَلى هَذا التَّصْدِيقِ بِتَأْوِيلِ العِلْمِ بِها وإلّا فَهو خَيْرٌ مُطْلَقًا.
وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا لِلْخَيْرِيَّةِ نَفْسِها بَلْ لِفِعْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ فَأْتُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِي فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا تَوَقُّفَ لِلْخَيْرِيَّةِ في الإنْسانِيَّةِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِهِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُقابِلُ الكُفْرِ وبِالخَيْرِيَّةِ ما يَشْمَلُ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ أيْ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا وشَرْطِ الإيمانِ لِأنَّ
صفحة 178
الفائِدَةَ مِن حُصُولِ الثَّوابِ مَعَ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ ظاهِرَةٌ مَعَ الإيمانِ خِفْيَةً مَعَ فَقْدِهِ لِلِانْغِماسِ في غَمَراتِ الكُفْرِ وبَنى بَعْضُهم نَفْعَ تَرْكِ البَخْسِ ونَحْوِهِ في الآخِرَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى المَعاصِي كَما يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ فَيَكُونُ التَّرْكُ خَيْرًا لَهم بِلا شُبْهَةٍ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَ الإفْسادُ في الأرْضِ بِالإفْسادِ فِيها بِالكُفْرِ لا يَكُونُ لِهَذا التَّعْلِيقِ عَلى الإيمانِ مَعْنًى كَما لا يَخْفى وإخْراجُهُ مِن حَيِّزِ الإشارَةِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وزَعَمَ الخَيالِيُّ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِما سَبَقَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وكَأنَّهُ التَزَمَ ذَلِكَ لِخَفاءِ أمْرِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِ وقَدْ فَرَّ مِن هِرَّةٍ ووَقَعَ في أسَدٍ وهَرَبَ مِنَ القَطْرِ ووَقَفَ تَحْتَ المِيزابِ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الألْبابِ.
الأعراف 7:86
﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ ﴿تُوعِدُونَ﴾ أيْ تُخَوِّفُونَ مَن آمَنُ بِالقَتْلِ كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بِلادَهم كانَتْ يَسِيرَةً وكانَ النّاسُ يَمْتارُونَ مِنهم فَكانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ ويُخَوِّفُونَ النّاسَ أنْ يَأْتُوا شُعَيْبًا ويَقُولُونَ لَهم إنَّهُ كَذّابٌ فَلا يَفْتِنُكم عَنْ دِينِكم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُعُودُ عَلى الصِّراطِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْ قَوْلِ الشَّيْطانِ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الحَقَّ واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِهِ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ مِنَ الحِيَلِ وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَرْجِعُ إلى أحَدِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ وإنْ قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ وتَغْلِيظَ ما كانُوا يَرُومُونَهُ مِن قَطْعِ السَّبِيلِ.
﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي الإيمانُ أوِ السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ دَلالَةً عَلى عِظَمِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ لا ﴿تُوعِدُونَ﴾ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إذْ يَجِبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في مِثْلِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إظْهارُ ضَمِيرِ الثّانِي ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: تَصُدُّونَهم وإذا جُعِلَ تَصُدُّونَ بِمَعْنى تُعْرِضُونَ يَصِيرُ لازِمًا ولا يَكُونُ مِمّا نَحْنُ فِيهِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى أوْ لِكُلِّ صِراطٍ أوْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما قِيلَ وجُمْلَةُ ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَقْعُدُوا﴾ أيْ مُوعِدِينَ وصادِّينَ وقِيلَ: هي عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والأظْهَرُ ما ذَكَرْنا ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِما يَنْقُصُها وهي أبْعَدُ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ: وهَذا إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَيْثُ طَلَبُوا ما هو مُحالٌ إذْ طَرِيقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ وفي الكَلامِ تَرَقٍّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كَفاكم أنَّكم تُوعِدُونَ النّاسَ عَلى مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِفُونَهُ بِالِاعْوِجاجِ لِيَكُونَ الصَّدُّ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ زَيْدٍ جازَ أنْ يُرادَ بِتَبْغُونَها عِوَجًا عَيْشُهم في الأرْضِ واعْوِجاجُ الطَّرِيقِ عِبارَةٌ عَنْ فَواتِ أمْنِها.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ مَعْنى هَذا الطَّلَبِ حِينَئِذٍ مَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وعَلى
صفحة 179
سائِرِ الأوْجُهِ في الكَلامِ الحَذْفُ والإيصالُ.
﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ عَدَدَكم ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ فَوَفَّرَ عَدَدَكم بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُكِيَ أنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ فَوَلَدَتْ فَرَمى اللَّهُ تَعالى في نَسْلِها البَرَكَةَ والنَّماءَ فَكَثُرُوا وفَشَوْا.
وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إذْ كُنْتُمْ مُقِلِّينَ فُقَراءَ فَجَعَلَكم مُكْثِرِينَ مُوسِرِينَ أوْ كُنْتُمْ أقِلَّةً أذِلَّةً فَأعَزَّكم بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ و﴿إذْ﴾ مَفْعُولُ ( اذْكُرُوا ) أوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ كالحادِثِ أوِ النِّعَمِ أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ أوْ ما فِيهِ ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ (86) أيْ آخِرُ أمْرِ مَن أفْسَدَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ واعْتَبِرُوا بِهِمْ
الأعراف 7:87
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ﴿وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِهِ أوْ لَمْ يَفْعَلُوا الإيمانَ ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ ووَعِيدٌ لَهم أيْ تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَنا وبَيْنَكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُ المُحِقَّ عَلى المُبْطِلِ ويَظْهِرُهُ عَلَيْهِ أوْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَوْعِظَةٌ لَهم وحَثٌّ عَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِن أذى المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم ويَنْتَقِمَ لَهم مِنهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لِيَصْبِرِ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ ولِيَصْبِرِ الكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم حَتّى يَحْكُمَ فَيُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ والظّاهِرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ وكَأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إيمانَ البَعْضِ يَنْفَعُكم في دَفْعِ بَلاءِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ (87) إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ فَهو في غايَةِ السَّدادِ.
الأعراف 7:88
صفحة 1
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المُقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَماذا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ هَذِهِ المَواعِظَ؟ فَقِيلَ: قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ المُسْتَكْبِرُونَ مُتَطاوِلِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْصاءِ، بَلْ بِالِغِينَ مِنَ العُتُوِّ مَبْلَغًا عَظِيمًا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ بُغْضًا لَكم ودَفْعًا لِفِتْنَتِكُمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُساكَنَةِ والجِوارِ، والتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ لِلْمُبالَغَةِ والِاعْتِناءِ بِالحُكْمِ، و(مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ لا بِالإيمانِ، ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا وإلى المُؤْمِنِينَ ثانِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ، وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِيهِ، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بِاسْمِهِ العَلِيِّ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ غايَةِ الوَقاحَةِ والطُّغْيانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ البَتَّةَ، الإخْراجُ أوِ العَوْدُ، عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأهَمَّ هو العَوْدُ، وإنَّما ذُكِرَ الأوَّلُ لِمُجَرَّدِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ عَدَمُ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَوابِ الإخْراجِ، والمُتَبادَرُ مِنَ العَوْدِ الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأُولى، وهَذا مِمّا لا يُمْكِنُ في حَقِّ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَمّا دُونَ الكُفْرِ بِمَراتِبَ. نَعَمْ هو مُمْكِنٌ في حَقِّ مَن آمَنَ بِهِ، فَإسْنادُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بابِ التَّغْلِيبِ، قِيلَ: وقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ هُنا كَما غَلَبَ هو عَلَيْهِمْ في الخِطابِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبانِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أنْ تَعُودَ بِمَعْنى تَصِيرُ كَما أثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ واللُّغَوِيِّينَ، فَلا يَسْتَدْعِي العَوْدَ إلى حالَةٍ سابِقَةٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَإنْ لَمْ تَكُ الأيّامُ تُحْسِنُ مَرَّةً ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
فَكَأنَّهم قالُوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا، أوْ لَتَصِيرُنَّ مِثْلَنا، فَحِينَئِذٍ لا إشْكالَ ولا تَغْلِيبَ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ وهو حَسَنٌ ولا يَأْباهُ، ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ فِيهِ، أوْ يُقالَ: إنَّ التَّنْجِيَةَ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَكْرُوهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ وأمْثالِهِ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: عَلى احْتِمالِ تَسْلِيمِ اسْتِعْمالِ العَوْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى أمْرٍ سابِقٍ يُجابُ بِأنَّهُ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّ الإخْراجَ يَسْتَدْعِي دُخُولًا سابِقًا فِيما وقَعَ الإخْراجُ مِنهُ، وهو غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُؤْمِنِ والكافِرِ الأصْلِيَّيْنِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الإيمانُ والكُفْرُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ مُيَسَّرًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَكِّنًا مِنهُ لَوْ أرادَهُ عَبَّرَ عَنْ تَمَكُّنِ المُؤْمِنِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ عُدُولِهِ عَنْهُ إلى الإيمانِ اخْتِيارًا بِالإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ ولُطْفًا بِهِ، وبِالعَكْسِ في حَقِّ الكافِرِ، ويَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ
صفحة 3
تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ وهَذا مِنَ المَجازِ المُعَبَّرِ فِيهِ عَنِ السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ، وفائِدَةُ اخْتِيارِهِ في هَذِهِ المَواضِعِ تَحْقِيقُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ لِإقامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ كانَ جارِيًا عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في مِلَّتِهِمْ لِسُكُوتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ صَدَرَ عَنْ رُؤَسائِهِمْ تَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وإيهامًا لِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ، وما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ المُحاوَرَةِ وقَعَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وذَكَرَ الشِّهابُ احْتِمالًا آخَرَ في الجَوابِ؛ وهو أنَّ الظّاهِرَ أنَّ العَوْدَ هو المُقابِلُ لِلْخُرُوجِ إلى ما خَرَجَ مِنهُ وهو القَرْيَةُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا أوِ العَوْدُ إلَيْها كائِنِينَ في مِلَّتِنا فَيَنْحَلُّ الإشْكالُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ما تَقَدَّمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: أوْ لَنُعِيدَنَّكم عَلى طَرِيقَةِ ما قَبْلَهُ لِما أنَّ مُرادَهم أنْ يَعُودُوا بِصُورَةِ الطَّواعِيَةِ حَذَرَ الإخْراجِ عَنِ الوَطَنِ بِاخْتِيارِ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ لَإعادَتِهِمْ بِسائِرِ وُجُوهِ الإكْراهِ والتَّعْذِيبِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (تَعُودُنَّ) لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِعْلَ المُقْسَمِ، وجَعَلَ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى في بَيانِ المَعْنى مُخَلِّصًا مِن ذَلِكَ، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهِ، وقَدْ شاعَ نَحْوَ: واللَّهِ لَيُضْرَبَنَّ زَيْدٌ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وعُدِّيَ العَوْدُ بِفي إيماءً إلى أنَّ المِلَّةَ لَهم بِمَنزِلَةِ الوِعاءِ المُحِيطِ بِهِمْ، ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ، أيْ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ وتَكْذِيبًا لَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، وقَدْ يُقالُ لَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ: واوَ الحالِ أيْضًا، و(لَوْ) هي الَّتِي يُؤْتى بِها لِبَيانِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَ ثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، والكَلامُ هاهُنا في تَقْدِيرِ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ ولَوْ كُنّا كارِهِينَ غَيْرَ مُبالِينَ بِالإكْراهِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، والمَآلُ: أنَعُودُ فِيها حالَ عَدَمِ الكَراهَةِ وحالَ الكَراهَةِ إنْكارًا لِما تُفِيدُهُ كَلِمَتُهُمُ الشَّنِيعَةُ بِإطْلاقِها مِنَ العَوْدِ عَلى أيِّ حالَةٍ غَيْرَ أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ الحالَةِ الَّتِي هي أشَدُّ الأحْوالِ مُنافاةً لِلْعَوْدِ وأكْثَرِها بُعْدًا مِنهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ وثِقَةً بِإغْنائِها عَنْ ذِكْرِ الأوْلى إغْناءً واضِحًا؛ لِأنَّ العَوْدَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ حِينَ تَحَقَّقَ مَعَ الكَراهَةِ عَلى ما يُوجِبُهُ كَلامُهُمْ، فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ عَدَمِها أوْلى، وهَذا بَعْضٌ مِمّا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ، وقَدْ أطْنَبَ فِيهِ الكَلامَ وأتى بِالنَّقْضِ والإبْرامِ فارْجِعْ إلَيْهِ، وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ باقِيًا عَلى حالِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الهَمْزَةَ بِمَعْنى كَيْفَ، ووَجَّهَ التَّعَجُّبَ إلى العَوْدِ أيْ: كَيْفَ نَعُودُ فِيها ونَحْنُ كارِهُونَ لَها؟ وتَقْدِيرُ فِعْلِ العَوْدِ لِقُوَّةِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى مِن تَقْدِيرِ فِعْلِ الإعادَةِ كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي التَّيْسِيرِ تَقْدِيرُ فِعْلِ الإخْراجِ، أيْ: تُخْرِجُونَنا مِن غَيْرِ ذَنْبٍ ونَحْنُ كارِهُونَ لِمُفارَقَةِ الأوْطانِ، وقَدْ وُجِّهَ بِأنَّ العَوْدَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ لا يُتَصَوَّرُ مِن عاقِلٍ فَلا يَكُونُ إلّا الإخْراجُ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا التَّقْدِيرِ.
وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ (لَوْ) هُنا بِمَعْنى أنْ؛ لِأنَّها لِلْمُسْتَقْبَلِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها، وما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ أبْعَدُ مَغْزًى فَلْيُتَأمَّلْ.
الأعراف 7:89
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
صفحة 4
﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ وزَعَمْنا كَما زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ وعَلِمْنا بُطْلانَها، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَقَدِ افْتَرَيْنا، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ فِيما إذا كانَ الجَوابُ مِثْلَ ما ذُكِرَ أنْ يَتَعَلَّقَ ظُهُورُهُ والعِلْمُ بِهِ بِالشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ و﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وإنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ، والمَقْصُودُ هُنا تَقْيِيدُ نَفْسِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ، ولَفْظُ قَدْ وصِيغَةُ الماضِي يَمْنَعانِهِ، والجَوابُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ مِن بابِ الإخْراجِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإيثارِ قَدْ والماضِي الدّالَّيْنِ عَلى التَّأْكِيدِ؛ إمّا لِأنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أوْ لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ عَلى مَعْنى: ما أكْذَبَنا إنْ عُدْنا إلَخْ. ووَجْهُ التَّعَجُّبِ أنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا، ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدَّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ، وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَمْلُ عَلى التَّعَجُّبِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْلى؛ لِأنَّ حَذْفَ اللّامِ ضَعِيفٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَذْكُورُ قَسَمًا كَما يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ فَعَلْتُ كَذا، وكَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ:
أبْقَيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن ذَهابِ نُفُوسِ
وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ البَدِيعِيّاتِ، ومَثَّلَهُ عِزُّ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ بِقَوْلِهِ:
بَرِئْتُ مِن سَلَفِي والشَّمُّ مِن هِمَمِي ∗∗∗ إنْ لَمْ أدْنُ بِتُقًى مَبْرُورَةِ القَسَمِ
والباغُونِيَّةُ بِقَوْلِها:
لا مَكَّنَتْنِي المَعالِي مِن سِيادَتِها ∗∗∗ إنْ لَمْ أكُنْ لَهم مِن جُمْلَةِ الخَدَمِ
﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا وما يَقَعُ، فَيَكُونُ تامَّةٌ، وقَدْ يَأْتِي ذَلِكَ بِمَعْنى ما يَنْبَغِي وما يَلِيقُ.
﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: إلّا حالَ أوْ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِعَوْدِنا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ المالِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ كُلَّ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ومَشِيئَتُهُ عَلى مُوجِبِ الحِكْمَةِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها، وهَذا إشارَةٌ إلى عَدَمِ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، وفِيهِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَإنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَشاءَ الكُفْرَ.
وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ المُرادَ اسْتِحالَةُ وُقُوعِ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى العَوْدَ وهَيْهاتَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَكُونُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ﴾ فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى إيّاهم مِنها مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لِعَوْدِهِمْ فِيها، وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسِعَ﴾ إلَخْ. بَعْدَ أنْ فَسَّرَهُ بِما فَسَّرَهُ مُحالَيَةُ مَشِيئَتِهِ العَوْدَ، لَكِنْ لُطْفًا وهو وجْهٌ في الآيَةِ، ولَعَلَّ ما ذَهَبْتُ إلَيْهِ فِيها أوْلى، ولا يَرِدُ عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ مَفْعُولًا لِلْمَشِيئَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِذِكْرِ سِعَةِ العِلْمِ بَعْدَ حِينَئِذٍ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ كانَ المُناسِبُ ذِكْرَ شُمُولِ
صفحة 5
الإرادَةِ وأنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِما لا يَخْفى، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ لِدَعْوى الحَصْرِ بِاحْتِمالِ قِسْمٍ ثالِثٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ بَنى تَفْسِيرَهُ عَلى عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ مِن وُجُوبِ رِعايَةِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَشاءَ الكُفْرَ بِوَجْهٍ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسِعَ﴾ إلَخْ، ورَدَّهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ مَوْقِعَ ما ذُكِرَ الِاعْتِرافُ بِالقُصُورِ عَنْ عِلْمِ العاقِبَةِ والِاطِّلاعِ عَلى الأُمُورِ الغائِبَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَدَّ الأمْرَ إلى المَشِيئَةِ وهي مُغَيَّبَةٌ مَجَّدَ اللَّهَ تَعالى بِالِانْفِرادِ بِعِلْمِ الغائِباتِ. انْتَهى، وإلى كَوْنِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ التَّأْبِيدَ ذَهَبَ جَعْفَرُ بْنُ الحارِثِ والزَّجّاجُ أيْضًا وجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي ∗∗∗ وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ
وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ولِلْعِبارَةِ والإشارَةِ، وقالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: المُرادُ بِالمِلَّةِ الشَّرِيعَةُ، وفِيها ما لا يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِهِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ العَوْدُ إلى ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكُمْ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَتَعَبَّدَنا بِها، ويَنْقُلَنا ويَنْسَخَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَكِّنَكم مِن إكْراهِنا، ويُخْلِيَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَنَعُودَ إلى إظْهارِ مِلَّتِكم مُكْرَهِينَ، وقَوِيَ بِسَبْقِ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ .
وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( فِيها ) يَعُودُ إلى القَرْيَةِ لا المِلَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنّا سَنَخْرُجُ مِن قَرْيَتِكم ولا نَعُودُ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِما يُنْجِزُهُ لَنا مِنَ الوَعْدِ في الإظْهارِ عَلَيْكم والظَّفَرِ بِكم فَنَعُودُ فِيها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّكم إلى الحَقِّ فَنَكُونَ جَمِيعًا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى، وبِالجُمْلَةِ: الآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ وسُبْحانَ مَن سَدَّ بابِ الرُّشْدِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ.
﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ إعْراضٌ عَنْ مُفاوَضَتِهِمْ إثْرَ ما ظَهَرَ مِن عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، والفَتْحُ بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، لُغَةٌ لِحِمْيَرَ أوْ لِمُرادٍ. والفَتّاحُ عِنْدَهُمُ القاضِي والفُتاحَةُ بِالضَّمِّ الحُكُومَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ وقَدْ جَرى بَيْنِي وبَيْنَها كَلامٌ فَقالَتْ: أُفاتِحُكَ، تُرِيدُ: أُقاضِيكَ، و﴿بَيْنَنا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّقْيِيدُ بِالحَقِّ لِإظْهارِ النَّصَفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ البَيانِ والإظْهارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ومِنهُ فَتْحُ المُشْكِلِ لِبَيانِهِ وحَلِّهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ البابِ وإزالَةِ الإغْلاقِ، حَتّى يُوصَلَ إلى ما خَلْفَها، وبَيْنَنا عَلى ما قِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ ما بَيْنَنا، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ أيِ الحاكِمِينَ لِخُلُوِّ حُكْمِكَ عَنِ الجَوْرِ والحَيْفِ أوِ المُظْهِرِينَ لِمَزِيدِ عِلْمِكَ وسِعَةِ قُدْرَتِكَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
الأعراف 7:90
﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿قالَ المَلأُ﴾ إلَخْ. والمُرادُ مِن هَؤُلاءِ المَلَأِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ، وتَغْيِيرُ الصِّلَةِ لِما أنَّ مَناطَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ هو الِاسْتِكْبارُ، ويَكُونُ هَذا حِكايَةً لِإضْلالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ ضَلالِهِمْ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم ودُونَهم في الرُّتْبَةِ شَأْنُهُمُ الوَساطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ العامَّةِ والقِيامُ بِأُمُورِهِمْ حَسْبَما يَراهُ المُسْتَكْبِرُونَ، أيْ: قالُوا لِأهْلِ مِلَّتِهِمْ تَنْفِيرًا لَهم وتَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا صَلابَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وخافُوا أنْ يُفارِقُوهم ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾
صفحة 6
ودَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِ وفارَقْتُمْ مِلَّةَ آبائِكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ: مَغْبُونُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى ولِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فالخُسْرانُ عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ وعَلى الثّانِي حَقِيقَةٌ، وإلى تَفْسِيرِ الخاسِرِينَ بِالمَغْبُونِينَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُهُ بِالجاهِلِينَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُهُ بِالفَجَرَةِ، وإذا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُعْتَرِضٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها.
وقِيلَ: هي إذا الظَّرْفِيَّةُ الِاسْتِقْبالِيَّةُ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها وعَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ بِدَلِيلِ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ وسادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَتْ جَوابًا لَهُما مَعًا كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كَما قِيلَ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْقَواعِدِ النَّحْوِيَّةِ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، ولا مَحَلَّ لَها، وإنْ جازَ بِاعْتِبارَيْنِ.
الأعراف 7:91
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ وفي سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّها كانَتْ مِن مَبادِئِ الرَّجْفَةِ فَأُسْنِدُ إهْلاكُهم إلى السَّبَبِ القَرِيبِ تارَةً وإلى البَعِيدِ أُخْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القِصَّةَ غَيْرُ واحِدَةٍ، فَإنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أهْلِ مَدْيَنَ وأهْلِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ إحْداهُما بِالرَّجْفَةِ والأُخْرى بِالصَّيْحَةِ، وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَلاكُ أهْلِ مَدْيَنَ بِالصَّيْحَةِ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِها، وأنَّ أهْلَ الأيْكَةِ أُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أهْلَ مَدْيَنَ أُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ والرَّجْفَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْهِمْ بابًا مِن جَهَنَّمَ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا، فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ ولَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَكانُوا يَدْخُلُونَ الأسْرابَ فَيَجِدُونَها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَأظَلَّتْهم فَوَجَدُوا لَها بَرْدًا، فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اجْتَمَعُوا تَحْتَها رِجالُهم ونِساؤُهم وصِبْيانُهُمْ، فَألْهَبَها عَلَيْهِمْ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلِيُّ، وصارُوا رَمادًا. ويُشْكِلُ عَلى هَلاكِهِمْ جَمِيعًا نِساءً ورِجالًا ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: كانَ أبُو جادٍ وهُوزٌ وحُطِّيٌّ وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرَشَتْ مُلُوكَ مَدْيَنَ، وكانَ مَلِكُهم في زَمَنِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَمُنْ، فَلَمّا هَلَكَ يَوْمَ الظُّلَّةِ رَثَتْهُ ابْنَتُهُ بِقَوْلِها:
كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ
سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الحَ ∗∗∗ ∗∗∗ تْفُ نارٌ تَحْتَ ظُلَّةْ
جُعِلَتْ نارٌ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً فَنَجَتْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا الخَبَرَ مِمّا لَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِشُؤْمِ قَوْلِهِمْ:
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يُقالُ: غَنِيَ بِالمَكانِ يَغْنى غِنًى وغَنَيانًا إذا أقامَ بِهِ دَهْرًا طَوِيلًا، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِالإقامَةِ في عَيْشٍ رَغْدٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ كَغَيْرِهِ: إنَّهُ مِنَ الغِنى ضِدَّ الفَقْرِ، كَما في قَوْلِ حاتِمٍ:
غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَّهْرُ
فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِأحْسابِنا الفَقْرُ
صفحة 7
وعَلى هَذا تَفْسِيرُ قَتادَةَ، ورَدَّ الرّاغِبُ غَنِيَ بِمَعْنى أقامَ إلى هَذا المَعْنى فَقالَ: غَنِيَ بِالمَكانِ: طالَ مَقامُهُ فِيهِ مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ في بَيانِ الآيَةِ: إنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وفي بِناءِ الخَبَرِ عَلى المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ عِلَّةَ الحُكْمِ هي الصِّلَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا هَلَكُوا لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ هَلاكَ الأبَدِ، ويُشْعِرُ ذَلِكَ هُنا بِأنَّ مُصَدِّقِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَجَوْا نَجاةَ الأبَدِ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ بِالِاخْتِصاصِ في الآيَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ كَما يُفِيدُ التَّقْوى قَدْ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ نَحْوَ: ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) والقَرِينَةُ عَلَيْهِ هُنا أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ فِيما سَبَقَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ ولَمْ يَذْكُرْ هُنا إلّا هَلاكَ المُكَذِّبِينَ، ويَرْجِعُ حاصِلُ المَعْنى بِالآخِرَةِ إلى أنَّهم عُوقِبُوا بِتَوَعُّدِهِمُ السّابِقِ بِالإخْراجِ وصارُوا هُمُ المُخْرَجِينَ مِنَ القَرْيَةِ إخْراجًا لا دُخُولَ بَعْدَهُ، دُونَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ،
الأعراف 7:92
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِعُقُوبَةِ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ، واسْتِفادَةُ الحَصْرِ هُنا أوْضَحُ مِنَ اسْتِفادَتِهِ فِيما تَقَدَّمَ، أيِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَصارُوا هُمُ الخاسِرِينَ لِلدُّنْيا والدِّينِ لِتَكْذِيبِهِمْ لا المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، المُصَدِّقُونَ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا القَصْرِ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالإنْجاءِ كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلَخْ، وفي الكَشّافِ أنَّ في هَذا الِاسْتِئْنافِ وتَكْرِيرِ المَوْصُولِ والصِّلَةِ مُبالَغَةً في رَدِّ مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٍ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٍ بِنُصْحِهِمْ بِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٍ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِفادَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن نَفْسِ هَذِهِ الآيَةِ خَفاءً، والظّاهِرُ أنَّ مَجْمُوعَ الِاسْتِئْنافَيْنِ مُؤْذِنٌ بِهِ. وبَيَّنَ الطِّيبِيُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا رَتَّبَ العِقابَ بِأخْذِ الرَّجْفَةِ وتَرْكِهِمْ هامِدِينَ لا حَراكَ بِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والعِنادِ اتَّجَهَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إلى ماذا صارَ مَآلُ أمْرِهِمْ بَعْدَ الجُثُومِ؟
فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ: إنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا وتَلاشَتْ جُسُومُهُمْ، كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها. ثُمَّ سَألَ: أخُصِّصَ الدَّمارُ بِهِمْ أمْ تَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ أيِ اخْتُصَّ بِهِمُ الدَّمارُ فَجُعِلَتِ الصِّلَةُ الأُولى ذَرِيعَةً إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ
وكَذَلِكَ بُولِغَ في الإخْبارِ عَنْ دَمارِ القَوْمِ وجِيءَ بِتَقْوى الحُكْمِ والتَّخْصِيصِ، وجُعِلَتِ الصِّلَةُ الثّانِيَةُ عِلَّةً لِوُجُودِ الخَبَرِ، وجاءَ تَسْفِيهُ الرَّأْيِ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِ ما تَلَفَّظُوا بِهِ في نُصْحِ قَوْمِهِمْ، والِاسْتِهْزاءِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ ما جَعَلُوهُ نَصِيحَةً صارَ فَضِيحَةً، وانْعَكَسَ الحالُ الَّذِي زَعَمُوهُ، ويُسْتَفادُ عِظَمُ الخُسْرانِ مِن تَعْرِيفِ الخَبَرِ بِلامِ الجِنْسِ. وأمّا اسْتِعْظامُ ما جَرى فَمِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَأنْ لَمْ ) إلَخْ. وكَذا مِن مَجْمُوعِ الكَلامِ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالِاسْتِئْنافِ مِن غَيْرِ عَطْفِ جارٍّ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، فَإنَّ عادَتَهُمُ الِاسْتِئْنافُ كَذَلِكَ في الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ فَيَقُولُونَ:
أخُوكَ الَّذِي نَهَبَ مالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ سِتْرَنا، أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَغْنَوْا )، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُبْتَدَأُ والخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا﴾، و( كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( كَذَّبُوا )، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ صِفَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ ( كَأنْ لَمْ ) إلَخْ حالًا، وما اخْتَرْناهُ هو الأوْلى كَما هو ظاهِرٌ فَلْيُتَدَبَّرْ.
الأعراف 7:93
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى
صفحة 8
نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّ هَذا القَوْلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيبًا وتَوْبِيخًا لَهم. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ إنْكارٌ لِمَضْمُونِهِ، أيْ: لَقَدْ أعْذَرْتُ لَكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تُصَدِّقُونِي ﴿فَكَيْفَ آسى﴾، أيْ: لا آسى عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّكم لَسْتُمْ أحِقّاءَ بِالأسى وهو الحُزْنُ كَما في الصِّحاحِ والقامُوسِ أوْ شِدَّةِ الحُزْنِ كَما في الكَشّافِ ومَجْمَعِ البَيانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأسُّفًا بِهِمْ لِشِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( فَكَيْفَ ) إلَخْ. إنْكارٌ عَلى نَفْسِهِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَجْرِيدٌ والتِفاتٌ عَلى ما قِيلَ؛ حَيْثُ جَرَّدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَفْسِهِ شَخْصًا وأنْكَرَ عَلَيْهِ حُزْنَهُ عَلى قَوْمٍ لا يَسْتَحِقُّونَهُ والتُفِتَ مِنَ الخِطابِ إلى التَّكَلُّمِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِالتِفاتِ والتَّجْرِيدِ في شَيْءٍ، فَإنْ قالَ: يَقْتَضِي صِيغَةَ التَّكَلُّمِ وهي تُنافِي التَّجْرِيدَ، وإنَّما هُوَ: نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى الرُّجُوعَ وهو العَوْدُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ بِالنَّقْضِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ قَدْ أبْلَغْتُكم تَأسُّفًا يُنافِي ما بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ بَدا لَهُ ورَجَعَ عَنِ التَّأسُّفِ مُنْكِرًا لِفِعْلِهِ الأوَّلِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
قِفْ بِالدِّيارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ ∗∗∗ بَلى وغَيَّرَها الأرْواحُ والدِّيَمُ
والنُّكْتَةُ فِيهِ الإشْعارُ بِالتَّوَلُّهِ والذُّهُولِ مِن شِدَّةِ الحَيْرَةِ لِعِظَمِ الأمْرِ بِحَيْثُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ ما هو كالمُتَناقِضِ مِنَ الكَلامِ وغَيْرِهِ، وابْنُ حُجَّةَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذا النَّوْعِ ونَوْعِ السَّلْبِ والإيجابِ، وكَأنَّ مَنشَأ ذَلِكَ اعْتِمادُهُ في النَّوْعِ الأخِيرِ عَلى تَعْرِيفِ أبِي هِلالٍ العَسْكَرِيِّ لَهُ، ولَوِ اعْتَمَدَ عَلى تَعْرِيفِ إمامِ الصِّناعَةِ ابْنِ أبِي الإصْبَعِ لَما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الفَرْقُ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى قَوْمٍ ) إلَخْ. إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ التَّأسُّفَ عَلَيْهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ ثابِتٍ: (فَكَيْفَ إيسى) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وقَلْبِ الألِفِ ياءً عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ حَرْفَ المُضارَعَةِ كَقَوْلِهِ:
قَعِيدُكِ أنْ لا تُسْمِعِينِي مَلامَةً ∗∗∗ ولا تَنْكَئِي جُرْحَ الفُؤادِ فَيَيْجَعا
وإمالَةُ الألِفِ الثّانِيَةِ، هَذا ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَلاكِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ نَزَلَ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِمَكَّةَ حَتّى ماتُوا هُناكَ وقُبُورُهم عَلى ما رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبابِ سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما: قَبْرُ إسْماعِيلَ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أمّا قَبْرُ إسْماعِيلَ فَفي الحِجْرِ، وأمّا قَبْرُ شُعَيْبٍ فَمُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ الَّتِي كانَ اللَّهُ تَعالى أنْزَلَها عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومِنَ الغَرِيبِ ما نَقَلَ الشِّهابُ أنَّ شُعَيْبًا اثْنانِ، وأنَّ صِهْرَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَبِيلَةٍ مِنَ العَرَبِ تُسَمّى عَنَزَةَ، وعَنَزَةُ بْنُ أسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَقَدَّمَ دَهْرٌ طَوِيلٌ فَتَبَصَّرْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمٌ.
الأعراف 7:94
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى بَيانِ أحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ تَفْصِيلًا، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِقُرَيْشٍ وتَحْذِيرٌ، ومِن سَيْفُ خَطِيبٍ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ صِفَةِ نَبِيٍّ، أيْ: كُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها.
﴿إلا أخَذْنا أهْلَها﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، ( وأخَذْنا ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( أرْسَلْنا )، وفي الرِّضى أنَّ الماضِيَ الواقِعَ حالًا إذا كانَ بَعْدَ إلّا فاكْتِفاؤُهُ بِالضَّمِيرِ مِن دُونِ الواوِ، وقَدْ كَثُرَ نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا وأكْرَمَنِي؛ لِأنَّ دُخُولَ إلّا في الأغْلَبِ الأكْثَرِ عَلى الِاسْمِ فَهو بِتَأْوِيلِ: إلّا مُكْرِمًا لِي، فَصارَ كالمُضارِعِ المُثْبَتِ وما في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، وقَدْ يَجِيءُ مَعَ الواوِ وقَدْ نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا وقَدْ أكْرَمَنِي، ومَعَ الواوِ وحْدَها
صفحة 9
نَحْوَ: ما لَقِيتُهُ إلّا أكْرَمَنِي؛ لِأنَّ الواوَ مَعَ إلّا تَدْخُلُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ فَكَيْفَ بِالحالِ ولَمْ يُسْمَعْ فِيهِ قَدْ مِن دُونِ الواوِ، وقالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ الألْفِيَّةِ: إنَّ الحالَ المُصَدَّرَةَ بِالماضِي المُثْبَتِ إذا كانَ تالِيًا لِ إلّا يَلْزَمُها الضَّمِيرُ والخُلُوُّ مِنَ الواوِ، ويَمْتَنِعُ دُخُولُ قَدْ. وقَوْلُهُ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لَمْ تَلْفَ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
نادِرٌ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الأشْمُونِيُّ وغَيْرُهُ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ امْتِناعَ قَدْ بَعْدَ إلّا فِيما ذُكِرَ إذا كانَ الماضِي حالًا لا مُطْلَقًا، وإلّا فَقَدْ ذَكَرَ الشِّهابُ أنَّ الفِعْلَ الماضِيَ لا يَقَعُ بَعْدَ إلّا، إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ؛ إمّا تَقَدُّمُ فِعْلٍ كَما هُنا. وإمّا مَعَ قَدْ نَحْوَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، ولا يَجُوزُ: ما زَيْدٌ إلّا ضُرِبَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ ما وقَعَ في غالِبِ نُسَخِ تَفْسِيرِ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ مِن أنَّ الفِعْلَ الماضِيَ لا يَقَعُ بَعْدَ إلّا، إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ إمّا تَقْدِيرُ قَدْ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ مُقارَنَةُ قَدْ كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ. لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي بَلْ هو غَلَطٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى، والمَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِنا آخِذِينَ أهْلَها ﴿بِالبَأْساءِ﴾ أيْ: بِالبُؤْسِ والفَقْرِ، ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِالضُّرِّ والمَرَضِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُما ابْنُ مَسْعُودٍ وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: البَأْساءُ في المالِ، والضَّرّاءُ في النَّفْسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ابْتِداءَ الإرْسالِ مُقارِنٌ لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، بَلْ إنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ: كَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَخْضَعُوا ويَتُوبُوا مِن ذُنُوبِهِمْ ويَنْقادُوا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:95
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ عُطِفَ عَلى أخَذْنا داخِلٌ في حُكْمِهِ ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصابَتْهم لِما تَقَدَّمَ ﴿الحَسَنَةَ﴾ وهي السِّعَةُ والسَّلامَةُ، ونُصِبَ (مَكانَ) كَما قِيلَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ و(بَدَلٌ) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى أعْطى النّاصِبِ لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ والحَسَنَةُ أيْ: أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ في مَكانِ السَّيِّئَةِ، ومَعْنى كَوْنِها في مَكانِها أنَّها بَدَلٌ مِنها. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأظْهَرُ أنَّ مَكانَ مَفْعُولٌ بِهِ لِبَدَّلْنا لا ظَرْفٌ، والمَعْنى بَدَّلْنا مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ الحالَ الحَسَنَةَ، فالحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ الحاصِلَةُ في مَكانِ السَّيِّئَةِ المَتْرُوكَةِ، والمَتْرُوكُ هو الَّذِي تَصْحَبُهُ الباءُ في نَحْوِ: بَدَّلْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو.
﴿حَتّى عَفَوْا﴾ أيْ: كَثُرُوا ونَمَوْا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِن عَفا النَّباتُ وعَفا الشَّحْمُ والوَبَرُ إذا كَثُرَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أحْفُوا الشَّوارِبَ واعْفُوا اللِّحى)».
وقَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيانِ عافٍ نَباتُهُ تُساقِطُنِي والرَّحْلُ مِن صَوْتِ هُدْهُدِ
وقَوْلُهُ:
ولَكِنّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنها بِأسْوُقَ ∗∗∗ عافِياتِ الشَّحْمِ كُومِ
وتَفْسِيرُ أبِي مُسْلِمٍ لَهُ بِالإعْراضِ عَنِ الشُّكْرِ لَيْسَ بَيانًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ كَما لا يَخْفى، (وحَتّى) هَذِهِ الدّاخِلَةُ عَلى الماضِي ابْتِدائِيَّةٌ لا غائِيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها كَما نَقَلَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ، لَهُ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ، وأمّا زَعْمُ ابْنِ مالِكٍ أنَّها جارَّةٌ غائِيَّةٌ وأنْ مُضْمَرَةٌ بَعْدَها عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فَغَلَّطَهُ فِيهِ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ فَقالَ: لا أعْرِفُ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ولا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ولا عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ مَعْنى الغايَةِ لازِمٌ لِحَتّى ولَوْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً أنَّ الماضِيَ لِمُضِيِّهِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غايَةً لَما قَبْلُ لِتَأخُّرِ الغايَةِ عَنْ ذِي الغايَةِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ وإنْ كانَ ماضِيًا لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما صارَ غايَةٌ لَهُ مُسْتَقْبَلٌ فافْهَمْ.
صفحة 10
﴿وقالُوا﴾ غَيْرَ واقِفِينَ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الأمْرَيْنِ ابْتِلاءٌ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا﴾ كَما مَسَّنا.
﴿الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ وما ذَلِكَ إلّا مِن عادَةِ الدَّهْرِ يُعاقِبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ ويُداوِلُهُما بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعِيَةٌ إلَيْهِما أوْ تَبِعَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ولَيْسَ هَذا كَقَوْلِ القائِلِ:
ثَمانِيَةٌ عَمَّتْ بِأسْبابِها الوَرى ∗∗∗ فَكُلُّ امْرِئٍ لا بُدَّ يَلْقى الثَّمانِيَةْ
سُرُورٌ وحُزْنٌ واجْتِماعٌ وفُرْقَةٌ ∗∗∗ وعُسْرٌ ويُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وعافِيَةْ
كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ السَّرّاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَعْقُبُ الضَّرّاءَ، فَلا ضَيْرَ فِيها، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ عَفَوْا وقالُوا أوْ عَلى قالُوا لِأنَّهُ المُسَبَّبُ عَنْهُ، أيْ: فَأخَذْناهم إثْرَ ذَلِكَ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً.
﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا يَخْطُرُونَ بِبالِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَكارِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى البَغْتَةِ، وهَذا أشَدُّ أنْواعِ الأخْذِ كَما قِيلَ: وأنْكَأُ شَيْءٍ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ، وقِيلَ: المُرادُ بِعَدَمِ الشُّعُورِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ بِأخْبارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِذَلِكَ لا خُلُوَّ أذْهانِهِمْ عَنْهُ ولا عَنْ وقْتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الغَفْلَةِ وعَنْ مَحَلِّ الجُمْلَةِ.
الأعراف 7:96
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ أيِ القُرى المُهْلَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ فاللّامُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ،والقَرْيَةُ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَكِنَّها في سِياقِ النَّفْيِ فَتُساوِي الجَمْعَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ إشارَةً إلى مَكَّةَ وما حَوْلَها. وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ السِّياقِ، ووُجِهَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ القُرى الهالِكَةِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وأنَّهم لَوْ آمَنُوا سَلِمُوا وغَنِمُوا انْتَقَلَ إلى إنْذارِ أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها مِمّا وقَعَ بِالأُمَمِ والقُرى السّابِقَةِ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ ما يَتَناوَلُ القُرى المُرْسَلَ إلى أهْلِها مِنَ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها لا ما لا يَتَناوَلُ قُرًى أُرْسِلَ إلَيْها نَبِيٌّ وأخَذَ أهْلَها بِما أخَذَ، وغَيْرُها كَما قِيلَ لِإباءٍ ظاهِرٍ ما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ الآتِي عَنْهُ، ﴿آمَنُوا﴾ أيْ: بِما أُنْزِلَ عَلى أنْبِيائِهِمْ، ﴿واتَّقَوْا﴾ أيْ: ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَما قالَ قَتادَةُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أرادُوهُ مِن كَلِمَتِهِمُ السّابِقَةِ.
﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَيَسَّرْنا عَلَيْهِمُ الخَيْرَ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرَكاتِ السَّماوِيَّةِ المَطَرُ، وبِالبَرَكاتِ الأرْضِيَّةِ النَّباتُ. وأيًّا ما كانَ فَفي ( فَتَحْنا ) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُسْتَعارِ مِنهُ والمُسْتَعارِ لَهُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ سُهُولَةُ التَّناوُلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ، والعَلاقَةُ اللُّزُومُ، ويُمْكِنُ أنْ يُتَكَلَّفَ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشْكالٌ؛ وهو أنَّهُ يُفْهَمُ بِحَسْبِ الظّاهِرِ مِنها أنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٌ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، وفي الأنْعامِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ المُرادَ مِنها الخِصْبُ والرَّخاءُ والصِّحَّةُ والعافِيَةُ لِمُقابَلَةِ أخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَمْلُ فَتْحِ البَرَكاتِ عَلى إدامَتِهِ أوْ زِيادَتِهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وغَيْرُ مُلائِمٍ لِتَفْسِيرِهِمُ الفَتْحَ بِتَيْسِيرِ الخَيْرِ ولا المَطَرِ والنَّباتِ. وأجابَ عَنْهُ الخَيالِيُّ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِالبَرَكاتِ غَيْرِ الحَسَنَةِ أوْ يُرادَ آمَنُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ فَنَجَوْا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ كَما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ
صفحة 11
فِي سُورَةِ الأنْعامِ بِالفَتْحِ ما أُرِيدُ بِالحَسَنَةِ هاهُنا فَلا يُتَوَهَّمُ الإشْكالُ. انْتَهى.
وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إرادَةَ آمَنُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى آخِرِهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَوْ أنَّهم آمَنُوا بَعْدَ أنِ ابْتُلُوا لَيَسَّرْنا عَلَيْهِمْ ما يَسَّرْنا مَكانَ ما أصابَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ الَّتِي بَعْضُها مِنَ السَّماءِ كَإمْطارِ الحِجارَةِ وبَعْضُها مِنَ الأرْضِ كالرَّجْفَةِ، وبِهَذا يَنْحَلُّ الإشْكالُ؛ لِأنَّ آيَةَ الأنْعامِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَتَحَ لَهم هَذا الفَتْحَ كَما هو ظاهِرٌ لِتالِيها، وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ هُناكَ ما أُرِيدَ بِالحَسَنَةِ هاهُنا إنْ كانَ المُرادُ بِهِ أنَّ الفَتْحَ هُناكَ واقِعٌ. وقَعَ إعْطاءُ الحَسَنَةِ بَدَلَ السَّيِّئَةِ هُنا حَيْثُ كانَ ذِكْرُ كُلٍّ مِنهُما بَعْدَ ذِكْرِ الأخْذِ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ وبَعْدَهُ الأخْذُ بَغْتَةً، فَرُبَّما يَكُونُ لَهُ وجْهٌ لَكِنَّهُ وحْدَهُ لا يُجْدِي نَفْعًا، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ أنَّ مَدْلُولَ ذَلِكَ العامِّ المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ هو مَدْلُولُ الحَسَنَةِ فَلا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرَكاتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ الأشْياءُ الَّتِي تُحْمَدُ عَواقِبُها ويَسْعَدُ في الدّارَيْنِ صاحِبُها. وقَدْ جاءَتِ البَرَكَةُ بِمَعْنى السَّعادَةِ في كَلامِهِمْ فَلْتُحْمَلْ هُنا عَلى الكامِلِ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ ولا يُفْتَحُ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ بِخِلافِ نَحْوِ المَطَرِ والنَّباتِ والصِّحَّةِ والعافِيَةِ، فَإنَّهُ يُفْتَحُ لَهُ ولِلْكافِرِ أيْضًا اسْتِدْراجًا ومَكْرًا، ويَتَعَيَّنُ هَذا الحَمْلُ عَلى ما قِيلَ إذا أُرِيدَ مِنَ القُرى ما يَتَناوَلُ قُرًى أُرْسِلَ إلَيْها نَبِيٌّ وأُخِذَ أهْلُها بِما أُخِذَ وغَيْرُها، وقِيلَ: البَرَكاتُ السَّماوِيَّةُ إجابَةُ الدُّعاءِ، والأرْضِيَّةُ قَضاءُ الحَوائِجِ فَلْيُفْهَمْ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (لَفَتَّحْنا) بِالتَّشْدِيدِ، ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَتَّقُوا، وقَدِ اكْتَفى بِذِكْرِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ الثّانِيَ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ أعْظَمُ الأمْرَيْنِ ﴿فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمُ السّابِقُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأخْذَ والمُتَقَدِّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ واحِدٌ ولَيْسَ عِبارَةً عَنِ الجَدْبِ والقَحْطِ كَما قِيلَ: لِأنَّهُما قَدْ زالا بِتَبْدِيلِ الحَسَنَةِ مَكانَ السَّيِّئَةِ، وحَمْلُ أحَدِ الأخْذَيْنِ عَلى الأخْذِ الأُخْرَوِيِّ، والآخَرِ عَلى الدُّنْيَوِيِّ بَعِيدٌ، ومَن ذَهَبَ إلى حَمْلِ ألْ عَلى الجِنْسِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فِيهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَحْمِلَ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم عَلى وُقُوعِ التَّكْذِيبِ والأخْذِ فِيما بَيْنَهُمْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ
الأعراف 7:97
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وقِيلَ: لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ إلَخْ يَأْباهُ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِأهْلِ القُرى قِيلَ: أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ التَّوْبِيخِ أمْنُ كُلِّ طائِفَةٍ ما أتاهم مِنَ البَأْسِ لا أمْنَ مَجْمُوعِ الأُمَمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ وما حَوالَيْها مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الأوْلى عِنْدِي، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ، والعَطْفُ عَلى القَوْلَيْنِ عَلى ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ لا عَلى مَحْذُوفٍ ويُقَدَّرُ بِما يُناسِبُ المَقامَ كَما وقَعَ نَحْوَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرًا، وأمْرُ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ سَهْلٌ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ إلَخْ اعْتِراضٌ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنَّ الأخْذَ المَذْكُورَ مِمّا كَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ نَظَرًا لِلْأوَّلِ، ولِأنَّهُ يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ مِن أنَّ الأخْذَ بَغْتَةً تَرَتَّبَ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، ولَوْ عُكِسَ لانْعَكَسَ الأمْرُ نَظَرًا لِلثّانِي، ولَوْ جَعَلْتَ اللّامَ فِيما تَقَدَّمَ لِلْجِنْسِ أكَّدَ كَذا هَذا الِاعْتِراضَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْها وشَمِلَهُما شُمُولًا سَواءٌ عَلى ما في الكَشْفِ ولَمْ يُجْعَلِ العَطْفُ عَلى (فَأخَذْناهُمْ) الأقْرَبَ لِأنَّهُ لَمْ يُسَقْ لِبَيانِ القُرى وقِصَّةِ هَلاكِها قَصْدًا كالَّذِي قَبْلَهُ فَكانَ العَطْفُ عَلَيْهِ دُونَهُ أنْسَبَ، وهَذا إذا أُرِيدَ بِالقُرى القُرى المَدْلُولُ عَلَيْها بِما سَبَقَ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِها
صفحة 12
مَكَّةُ وما حَوْلَها فَوَجْهُ ذَلِكَ أظْهَرُ؛ لِأنَّ مَنشَأ الإنْكارِ ما أصابَ الأُمَمَ السّالِفَةَ لا ما أصابَ أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها مِنَ القَحْطِ وضِيقِ الحالِ، ورُبَّما يُقالُ: إذا كانَ المُرادُ بِأهْلِ القُرى في المَوْضِعَيْنِ أهْلَ مَكَّةَ وما حَوْلَها يَكُونُ العَطْفُ عَلى الأقْرَبِ أنْسَبَ، والمَعْنى أبَعْدَ ذَلِكَ الأخْذِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وتَعَزَّزَ وخالَفَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وشُيُوعِهِ والعِلْمِ بِهِ يَأْمَنُ أهْلُ القُرى المُشارِكُونَ لَهم في ذَلِكَ ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا﴾ أيْ عَذابُنا ﴿بَياتًا﴾، أيْ: وقْتَ بَياتٍ وهو مُرادُ مَن قالَ لَيْلًا، وهو مَصْدَرُ باتَ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ: بائِتِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ بَيَتَ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِيَأْتِيهم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أيْ: تَبْيِيتًا أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ بِمَعْنى مُبَيِّتًا بِالكَسْرِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مُبَيَّتِينَ بِالفَتْحِ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ الظَّرْفِيَّةَ لِيُناسِبَ ما سَيَأْتِي، ﴿وهم نائِمُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمُ البارِزِ أوِ المُسْتَتِرِ في بَياتًا لِتَأْوِيلِهِ بِالصِّفَةِ كَما سَمِعْتَ وهو حالٌ مُتَداخِلَةٌ حِينَئِذٍ،
الأعراف 7:98
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إنْكارٍ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ والتَّشْدِيدِ، ولَمْ يُقْصَدِ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُما فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: (أوْ) بِسُكُونِ الواوِ وهي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، والمُرادُ التَّرْدِيدُ بَيْنَ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ بَياتًا وما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾ أيْ: ضَحْوَةَ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ ارْتِفاعُ الشَّمْسِ أوْ شُرُوقُها وقْتَ ارْتِفاعِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْوَقْتِ الواقِعِ فِيهِ ذَلِكَ، وهو أحَدُ ساعاتِ النَّهارِ عِنْدَهم وهي الذُّرُورُ، والبُزُوغُ، والضُّحى، والغَزالَةُ، والهاجِرَةُ، والزَّوالُ، والدُّلُوكُ، والعَصْرُ، والأصِيلُ، والصَّنُّوتُ، والحُدُورُ، والغُرُوبُ، وبَعْضُهم يُسَمِّيها البُكُورَ والشُّرُوقَ والإشْراقَ والرّادَّ، والضُّحى، والمُنَوَّعَ، والهاجِرَةَ والأصِيلَ، والعَصْرَ، والطَّفْلَ، والحُدُورَ، والغُرُوبَ، ويَكُونُ كَما قالَ الشِّهابُ مُتَصَرِّفًا: إنْ لَمْ يُرَدْ بِهِ وقْتٌ مِن يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وغَيْرَ مُتَصَرِّفٍ إنْ أُرِيدَ بِهِ ضَحْوَةَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُ النَّصْبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو مَقْصُورٌ، فَإنْ فُتِحَ مُدَّ، وقَدْ عَدُّوا لَفْظَ الضُّحى مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَلْهُونَ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ في ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ، أيْ: يَشْتَغِلُونَ بِما لا نَفْعَ فِيهِ؛ كَأنَّهم يَلْعَبُونَ،
الأعراف 7:99
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِمَجْمُوعِ الإنْكارَيْنِ السّابِقَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ التَّفْرِيقِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، وذَكَرَ جَمْعٌ مِن جُلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ تَكْرِيرًا لَهُ ولِما سَلَفَ مِن غِرَّةِ أهْلِ القُرى السّابِقَةِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ الكُلَّ نَتِيجَةُ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى لَجازَ، إلّا أنَّهُ لَمّا جُعِلَ تَهْدِيدًا لِلْمَوْجُودِينَ كانَ الأنْسَبُ التَّخْصِيصَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ. والمَكْرُ في الأصْلِ الخِداعُ، ويُطْلَقُ عَلى السَّتْرِ يُقالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ أيْ: سَتَرَ بِظُلْمَتِهِ ما هو فِيهِ، وإذا نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فالمُرادُ بِهِ اسْتِدْراجُهُ العَبْدَ العاصِيَ حَتّى يُهْلِكَهُ في غَفْلَتِهِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ بِالخِداعِ، وتَجُوزُ هَذِهِ النِّسْبَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُشاكَلَةٍ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وهو هُنا إتْيانُ البَأْسِ في الوَقْتَيْنِ والحالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهَلْ كانَ تَبْدِيلُ مَكانِ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ المَذْكُورُ قَبْلُ مَكْرًا واسْتِدْراجًا أوْ مُلاطَفَةً ومُراوَحَةً؟ فِيهِ خِلافٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾، أيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَأضاعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها والِاسْتِعْدادَ القَرِيبَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، والفاءُ هُنا مُتَعَلِّقٌ كَما قالَ القُطْبُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ بِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أمِنُوا خَسِرُوا؛ فَلا يَأْمَنُ. إلَخْ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْقِيبِ العَذابِ أمْنَ مَكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِتَعْلِيلِ ما يُفْهِمُهُ الكَلامُ مِن ذَمِّ الأمْنِ
صفحة 13
واسْتِقْباحِهِ، أوْ يُقالُ: إنَّها فَصِيحَةٌ، ويُقَدَّرُ ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ شَرْطًا أيْ: إذا كانَ الأمْنُ في غايَةِ القُبْحِ فَلا يَرْتَكِبُهُ إلّا مَن خَسِرَ نَفْسَهُ، واسْتَدَلَّتِ الحَنَفِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْنَ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى وهو كَما في جَمِيعِ الجَوامِعِ الِاسْتِرْسالُ في المَعاصِي اتِّكالًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، ومِثْلُهُ اليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ وذَهَبَتِ الشّافِعِيَّةُ إلى أنَّهُما مِنَ الكَبائِرِ لِتَصْرِيحِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: ما الكَبائِرُ؟ فَقالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ، وهَذا أكْبَرُ الكَبائِرُ)».
قالُوا: وما ورَدَ مِن أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ مَحْمُولٌ عَلى التَّغْلِيظِ، وآيَةُ: لا يَيْئَسُ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ﴾ و﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ﴾ في قَوْلٍ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ كانَ في الأمْنِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ، وكَذا إذا كانَ في اليَأْسِ اعْتِقادُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الرَّحْمَةِ والإحْسانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في أنَّهُ كُفْرٌ، وإنْ خَلا عَنْ نَحْوِ هَذا الِاعْتِقادِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ تَهاوُنٌ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِاللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ كَبِيرَةٌ، وهو كالمُحاكَمَةِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ،
الأعراف 7:100
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ أيْ: يَخْلُفُونَ مَن خَلا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، والمُرادُ بِهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: المُشْرِكُونَ. وفُسِّرُوا بِأهْلِ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، وعَلَيْهِ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ إذا كانَ المُرادُ بِأهْلِ القُرى سابِقًا أهْلَ مَكَّةَ وما حَوْلَها، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الهِدايَةِ بِاللّامِ لِأنَّها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ بِمَعْنى التَّبْيِينِ، وهو عَلى ما قِيلَ: إمّا بِطْرِيقِ المَجازِ أوِ التَّضْمِينِ أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَأنَّهُ قِيلَ: أغْفَلُوا ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهم ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِجَزاءِ ذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهُمْ، وإذا ضُمِّنَ أصَبْنا مَعْنى أهْلَكْنا لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ فاعِلُ يَهْدِ ومَفْعُولُهُ عَلى احْتِمالِ التَّضْمِينِ مَحْذُوفٌ. أيْ: أوَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم مَآلُ أمْرِهِمْ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ، أيْ: أوَلَمْ يَهْدِ لَهم ما جَرى عَلى الأُمَمِ السّابِقَةِ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ويَعْقُوبَ: (نَهْدِ) بِالنُّونِ، فالمَصْدَرُ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ، ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّ اعْتِبارَ التَّضْمِينِ أوِ المَجازِ بِهَذِهِ القِراءَةِ واعْتِبارَ التَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ بِقِراءَةِ الياءِ، وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ، أيْ: ونَحْنُ مِن شَأْنِنا وسُنَّتِنا أنْ نَطْبَعَ عَلى قَلْبِ مَن لَمْ نُرِدْ مِنهُ الإيمانَ حَتّى لا يَتَّعِظَ بِأحْوالِ مَن قَبْلَهُ ولا يَلْتَفِتَ إلى الأدِلَّةِ، ومَن أرادَ مِن أهْلِ القُرى فِيما تَقَدَّمَ أهْلَ مَكَّةَ جَعَلَهُ تَأْكِيدًا لِما نَعى عَلَيْهِمْ مِنَ الغِرَّةِ والأمْنِ والخُسْرانِ، أيْ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ اقْتَفَوْا آثارَ مَن قَبْلَهم ولَمْ يَعْتَبِرُوا بِالآياتِ وأمِنُوا مِنَ البَياتِ لِمُسْتَخْلَفِيهِمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ. وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ وعَطْفُهُ عَلَيْهِ أيْضًا وهو وإنْ كانَ إنْشاءً إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الإخْبارُ بِغَفْلَتِهِمْ وعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ، أيْ: لا يَهْتَدُونَ أوْ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ أوْ عَنِ التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ ونَطْبَعُ إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يَرِثُونَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صِلَةٌ، والمَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ صِلَةٌ فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ أبْعاضِ
صفحة 14
الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ سَواءٌ كانَتْ فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (أصَبْنا) إذْ كانَ بِمَعْنى نُصِيبُ فَوُضِعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ وُضُوحِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: إنْ يَشَأْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فَجَعَلَ لَوْ شَرْطِيَّةً بِمَعْنى إنْ، ولَمْ يَجْعَلْها الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ وجَعَلَ أصَبْنا بِمَعْنى نُصِيبُ، وقَدْ يَرْتَكِبُ التَّأْوِيلَ في جانِبِ المَعْطُوفِ فَيُؤَوِّلُ (نَطْبَعُ) بِطَبَعْنا، ورَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا العَطْفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ المَعْنى؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ اقْتِرافِ الذُّنُوبِ والإصابَةِ بِها، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّهِمْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لاتَّصَفُوا بِها، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ مَوْصُوفِينَ بِالطَّبْعِ ولا بُدَّ، وهم وإنْ كانُوا كُفّارًا ومُقْتَرِفِينَ لِلذُّنُوبِ فَلَيْسَ الطَّبْعُ مِن لَوازِمِ الِاقْتِرافِ البَتَّةَ؛ إذْ هو التَّمادِي عَلى الكُفْرِ والإصْرارُ والغُلُوُّ في التَّصْمِيمِ حَتّى يَكُونَ المَوْصُوفُ بِهِ مَيْئُوسًا مِن قَبُولِهِ لِلْحَقِّ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ كافِرٍ بِهَذِهِ المَثابَةِ، بَلى إنَّ الكافِرَ يُهَدَّدُ لِتَمادِيهِ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَطْبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى قَلْبِهِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وهو مُقْتَضى العَطْفِ عَلى (أصَبْنا) فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ هَدَّدَتْهم بِأمْرَيْنِ الإصابَةِ بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والثّانِي أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وهو أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الإصابَةِ بِالذُّنُوبِ والعُقُوبَةِ عَلَيْها، ولَكِنَّهُ أنَكى أنْواعِ العَذابِ وأبْلَغُ صُنُوفِ العِقابِ، وكَثِيرًا ما يُعاقِبُ اللَّهُ تَعالى عَلى الذُّنُوبِ بِالإيقاعِ في ذَنْبٍ أكْبَرَ مِنهُ، وعَلى الكُفْرِ بِزِيادَةِ التَّصْمِيمِ عَلَيْهِ والغُلُوِّ فِيهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ كَما زادَتِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ مُناسِبٌ لِما كانَ سَبَبًا فِيهِ وجَزاءً عَلَيْهِ، فَثَوابُ الإيمانِ إيمانٌ، وثَوابُ الكُفْرِ كُفْرٌ، وإنَّما الزَّمَخْشَرِيُّ يُحاذِرُ مِن هَذا الوَجْهِ دُخُولَ الطَّبْعِ في مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ عِنْدَهُ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ بِزَعْمِهِ قَبِيحٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ مُتَعالٍ، وفي التَّقْرِيبِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ نَظَرَ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المَذْكُورَ كَوْنُهم مُذْنِبِينَ دُونَ الطَّبْعِ، وأيْضًا جازَ أنْ يُرادَ: لَوْ شِئْنا زِدْنا في طَبْعِهِمْ أوْ لَأمَّنّاهُ، والحَقُّ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَنعَهُ مِن هَذا العَطْفِ لَيْسَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُوافِقُ رَأْيَهُ فَقَطْ. بَلْ لِأنَّ النَّظْمَ لا يَقْتَضِيهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: سَماعَ تَفَهُّمٍ واعْتِبارٍ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ هَذِهِ الحالِ، لا أنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ المَشِيئَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ السَّماعِ كانَ حاصِلًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَنفِيًّا، وأيْضًا التَّحْقِيقُ لا يُناسِبُ الغَرَضَ، و﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوارِثِينَ والمَوْرُوثِينَ كُلٌّ مِن أهْلِ الطَّبْعِ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَهم مُنافِيَةٌ لِلْإيمانِ، وأنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ البَتَّةَ، وأيْضًا إدامَةُ الطَّبْعِ أوْ زِيادَتُهُ لا يَصْلُحُ عُقُوبَةً لِلْكافِرِينَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عُقُوبَةَ ذَنْبِ المُؤْمِنِ كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ، وما يُورَدُ مِنَ الدَّغْدَغَةِ عَلى هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
الأعراف 7:101
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الفَذْلَكَةِ مِمّا قَبْلَها مُنْبِئَةٌ عَنْ غايَةِ غِوايَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى قُرى الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، والقُرى خَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ كَوْنِ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، وإفادَةُ الكَلامِ بِالتَّقْيِيدِ بِها، واعْتَرَضَهُ في التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الإفادَةِ التَّقْيِيدَ بِالحالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ يَنْتَفِي الشَّرْطُ إلّا أنْ يُرِيدَ تِلْكَ القُرى
صفحة 15
المَعْلُومَةَ حالُها أوْ صِفَتُها عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الِاسْتِغْناءَ عَنِ اشْتِراطِ إفادَتِهِ بِالحالِ. انْتَهى، وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِغْناءِ مَمْنُوعٌ؛ فَإنَّ المَعْنى كَما في الكَشْفِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا يَكُونُ المَقْصُودُ تَقْيِيدَهُ بِالحالِ، كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ في نَحْوِ: هَذا زِيدٌ قائِمًا. إذا جُعِلَ قَيْدًا لِلْخَبَرِ، إنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ زَيْدٌ، وإلّا جاءَ الإحالَةُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ زَيْدٌ قائِمًا كانَ أوْ لا، وإذا جُعِلَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ (فَتِلْكَ القُرى) عَلى أُسْلُوبِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ، (ونَقُصُّ) خَبَرٌ ثانٍ تَفْخِيمًا عَلى تَفْخِيمٍ، حَيْثُ نَبَّهَ عَلى أنَّ لَها قِصَصًا وأحْوالًا أُخْرى مَطْوِيَّةً.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الحالَ لَمّا كانَتْ فَضْلَةً كانَ الإشْكالُ قائِمًا في عَدَمِ إفادَةِ الخَبَرِ، فَأُجِيبَ بِأنَّها لَيْسَتْ فَضْلَةً مِن كُلِّ وجْهٍ، وأمّا الخَبَرُ فَلا عَجَبَ مِن كَوْنِهِ كالجُزْءِ مِنَ الأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهو بِمَنزِلَتِهِ، وفِيهِ أنَّ عَدَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ حامِضٌ ومُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالحُلْوِ، ومِثْلُهُ، بَلْ أدْهى وأمَرُّ. الجَوابُ بِأنَّهُ لَمّا اشْتَرَكَ الحُلْوانِ في ذاتِ المُبْتَدَأِ كَفى إفادَةُ أحَدِهِما وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ انْقِضاءِ القِصَّةِ بَعْدُ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضَ أخْبارِها الَّتِي فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِذِكْرِ القُرى وإضافَةُ الأنْباءِ أيِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ إلَيْها مَعَ أنَّ المَقْصُودَ أنْباءُ أهْلِها وبَيانُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ مِن أنَّ حِكايَةَ هَلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ أماكِنَهم أيْضًا بِالخَسْفِ والرَّجْفَةِ وبَقائِها خاوِيَةً مُعَطَّلَةً أهْوَلُ وأفْظَعُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( بِالبَيِّناتِ ) مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ عَلى مَعْنى أنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ الخاصَّ بِهِمْ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ البَيِّنَةِ الجَمَّةِ، لا أنَّ كَلَّ رَسُولٍ جاءَ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةً، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَقْتَضِي كَما قالَ المَوْلى المُدَقِّقُ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى المُطَوَّلِ أنْ يَلْزَمَ في كُلِّ مُقابَلَةٍ مُقارَنَةُ الواحِدِ لِلْواحِدِ؛ لِأنَّ انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّفاوُتِ، مَثَلًا إذا قِيلَ: باعَ القَوْمُ دَوابَّهُمْ، يُفْهَمُ أنَّ كُلًّا مِنهم باعَ ما لَهُ مِن دابَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَدَّدَ دابَّةُ البَعْضِ، ولِهَذا قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ إنَّ غَسْلَ يَدَيْ كُلِّ شَخْصٍ ثابِتٌ بِالكِتابِ، والمَقامُ هُنا يَقْتَضِي ما ذَكَرْناهُ؛ إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ عُتُوِّهم وعِنادِهِمْ.
وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي لا لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: ( ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) وتَرْتِيبُ حالِهِمْ هَذِهِ عَلى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِالفاءِ لِما أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى فِعْلٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ يُعَدُّ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلًا جَدِيدًا وصُنْعًا حادِثًا كَما فِي: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، ودَعْوَتُهُ فَلَمْ يُجِبْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: فَما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِيُؤْمِنُوا، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنهم إلى أنْ لَقُوا ما لَقُوا لِغايَةِ عُتُوِّهم وشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، ثُمَّ إنْ كانَ المَحْكِيُّ آخِرَ حالِ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم فالمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ هو إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ تَكْذِيبِهِمْ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى وقْتِ الإصْرارِ والعِنادِ، وهَذا مَعْنى كَلامِ الزَّجّاجِ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ رُؤْيَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا قَبْلَ رُؤْيَتِها، يَعْنِي أوَّلَ ما جاءُوهم فَجاءُوهم بِالتَّكْذِيبِ فَأتَوْا بِالمُعْجِزاتِ فَأصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أيْضًا، وإنَّما لَمْ
صفحة 16
يُجْعَلْ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كالأوَّلِ بَلْ جُعِلَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ المَحْذُوفِ عائِدُهُ أيِ الَّذِي كَذَّبُوهُ إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ الباهِرَةِ وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العُقُولِ، والمَوْصُولُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إيجابًا وسَلْبًا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها وإنْ كانَ المَحْكِيُّ أحْوالَ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم فالمُرادُ عَلى ما قِيلَ بِما ذُكِرَ أوَّلًا كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى آخِرِ أمْرِهِمْ، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا تَكْذِيبُهم قَبْلَ مَجِيئِهِمْ فَلا بُدَّ مِن جَعْلِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّبَدُّلَ والتَّغَيُّرَ، واجْتَمَعَتِ الرُّسُلُ قاطِبَةً عَلَيْها ودَعَوُا الأُمَمَ إلَيْها، كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ولَوازِمُها ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِها قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَها مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَها لا أنَّ العَقْلَ يُرْشِدُ إلَيْها ويَحْكُمُ بِها ويُخالِفُونَهُ ثُمَّ كانَتْ حالُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَحالِهِمْ قَبْلُ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِ لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهم أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِما أنَّهُ لَيْسَ مَدارَ العَذابِ بَلْ مَدارُهُ التَّكْذِيبُ بَعْدَ البَعْثَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وإنَّما ذُكِرَ ما وقَعَ قَبْلَها بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا تَكْذِيبُهُمُ الَّذِي أسَرُّوهُ يَوْمَ المِيثاقِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والرَّبِيعِ والسُّدِّيَّ ومُقاتِلٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ الآيَةَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ فالمَعْنى ما كانُوا لَوْ أهْلَكْناهم ثُمَّ أحْيَيْناهم لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا قَبْلَ إهْلاكِهِمْ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ الشَّرائِعِ أُصُولِها وفُرُوعِها وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إصْرارِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى إلّا أنَّهُ في غايَةِ الخَفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ مُتَوافِقَةٌ في المَرْجِعِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كَذَّبُوا ) راجِعٌ إلى أسْلافِهِمْ، والمَعْنى: فَما كانَ الأبْناءُ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ الآباءُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ الياءَ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما قِيلَ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا الآنَ أيْ: عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ لِما سَبَقَ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ، الَّذِي ألِفُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا قَطُّ واسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِما حَصَلَ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ حِينَ مَجِيءِ الرُّسُلِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الشَّدِيدِ المُحْكَمِ ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: قُلُوبِهِمْ، فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الطَّبْعَ بِسَبَبِ الكُفْرِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ وصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، ويَجُوزُ -ولَعَلَّهُ الأوْلى- أنْ يُرادَ بِالكافِرِينَ ما يَشْمَلُ المَذْكُورِينَ وغَيْرَهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَحْذِيرِ السّامِعِينَ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
الأعراف 7:102
﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ﴾ أيْ: أكْثَرِ الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، ووَجَدَ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِها كَما في قَوْلِكَ: ما وجَدْتُ لِزَيْدٍ مالًا. أيْ: ما صادَفْتُ لَهُ مالًا، ولا لَقِيتُهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَهْدٍ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ عَلَيْها انْتَصَبَتْ حالًا ومِن مَزِيدَةٍ لِلِاسْتِغْراقِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ وجَدَ عِلْمِيَّةً والأوَّلُ أظْهَرُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ما وجَدْنا وفاءَ عَهْدٍ كائِنٍ لِأكْثَرِهِمْ، فَإنَّهم نَقَضُوا ما عاهَدُوا عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ مِساسِ البَأْساءِ والضَّرّاءِ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ، وتَخْصِيصُ
صفحة 17
هَذا الشَّأْنِ بِأكْثَرِهِمْ لَيْسَ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا يُوفُونَ بِالعَهْدِ، بَلْ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا لا يَعْهَدُونَ ولا يُوفُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ ما وقَعَ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وأبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى بِنَصْبِ الدَّلائِلِ والحُجَجِ وإنْزالِ الآياتِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالإيمانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ وقِيلَ: هو بِمَعْنى البَقاءِ. أيْ: ما وجَدْنا لَهم بَقاءً عَلى فِطْرَتِهِمْ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ في الكُلِّ الكُلُّ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ ضَمِيرَ أكْثَرِهِمْ لِلنّاسِ وهو مَعْلُومٌ لِشُهْرَتِهِ، والجُمْلَةُ إلى فاسِقِينَ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، لَكِنْ لِعُمُومِهِ يُؤَكِّدُهُ. وعَلى الأوَّلِ تَتْمِيمٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ وغَيْرُهُ، ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرَ الأُمَمِ أوْ أكْثَرَ النّاسِ، أيْ: عَلِمْناهُمْ؛ كَقَوْلِكَ: وجَدْتُ زَيْدًا فاضِلًا، وبَيْنَ وجَدَ هَذِهِ ووَجَدَ السّابِقِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فِيهِ الجِناسُ التّامُّ المُماثِلُ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ولا عَمَلَ لَها فِيهِ؛ لِأنَّها مُلْغاةٌ عَلى المَشْهُورِ، وتَعَيَّنَ تَفْسِيرُ وجَدَ بِعَلِمَ النّاصِبَةِ لِلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِدُخُولِها عَلَيْهِما، فَقَدْ صَرَّحَ الجُمْهُورُ أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المُبْتَدَأِ أوْ عَلى الأفْعالِ النّاسِخَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الأخْفَشُ فَلا يَرى ذَلِكَ.
وجَوَّزَ دُخُولَها عَلى غَيْرِهِما، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَفاسِقِينَ﴾ اللّامُ الفارِقَةُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، أيْ: ما وجَدْنا أكْثَرَهُمُ إلّا خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ نَقْضُ العَهْدِ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ إذا فُسِّرَ الفاسِقُونَ بِالنّاكِثِينَ يَكُونُ في الآيَةِ الطَّرْدُ والعَكْسُ، وهو أنْ يُؤْتى بِكَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ بِمَنطُوقِهِ مَفْهُومَ الثّانِي وبِالعَكْسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فَمَنطُوقُ الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ خاصَّةً مُقَرِّرٌ لِمَفْهُومِ رَفْعِ الجُناحِ فِيما عَداها وبِالعَكْسِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الإطْنابِ يُقابِلُهُ في الإيجازِ نَوْعُ الِاحْتِباكِ،
الأعراف 7:103
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ: أرْسَلْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرُّسُلِ أوْ بَعْدَ الأُمَمِ، والأوَّلُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ والثّانِي مَدْلُولٌ عَلَيْهِ (بِتِلْكَ القُرى)، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى، والتَّصْرِيحُ بِالبَعْدِيَّةِ مَعَ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلَيْها قِيلَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فَإنَّها كَثِيرًا ما تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ بَعْثَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَرى عَلى سُنَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ بَعَثْنا أوْ صِفَةً لِمَصْدَرِهِ، أيْ: بَعَثْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُلْتَبِسًا بِها، أوْ بَعَثْناهُ بَعْثًا مُلْتَبِسًا بِها، وأُرِيدَ بِها الآياتُ التِّسْعُ المُفَصَّلَةُ ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾، هو عَلَمُ شَخْصٍ ثُمَّ صارَ لَقَبًا لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِصْرَ مِنَ العَمالِقَةِ، كَما أنَّ كِسْرى لَقَبُ مَن مَلَكَ فارِسَ، وقَيْصَرُ لَقَبُ مَن مَلَكَ الرُّومَ، والنَّجّاشِيُّ لَقَبُ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وتُبَّعٌ لَقَبُ مَن مَلَكَ اليَمَنَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَقَبٌ لِمَن ذُكِرَ، واسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ، وقِيلَ: قابُوسٌ وكُنْيَتُهُ أبُو العَبّاسِ، وقِيلَ: أبُو مُرَّةَ، وقِيلَ: أبُو الوَلِيدِ، وعَنْ جَماعَةٍ أنَّ قابُوسًا والوَلِيدَ اسْمانِ لِشَخْصَيْنِ أحَدُهُما فِرْعَوْنُ مُوسى والآخَرُ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وعَنِ النَّقّاشِ وتاجِ القُرّاءِ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو والِدُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ابْنُهُ، وذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، ويُلَقَّبُ بِهِ كُلُّ عاتٍ، ويُقالُ فِيهِ فُرْعُونُ كَزُنْبُورٍ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ
صفحة 18
الفَّراءِ ضَمَّ فائِهِ وفَتْحَ عَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ نادِرَةٌ، ويُقالُ فِيهِ: فُرَيْعٌ كَزُبَيْرٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
حَيِّ داوُدَ بْنَ عادٍ ومُوسى ∗∗∗ وفُرَيْعٌ بُنْيانُهُ بِالثِّقالِ
وقِيلَ: هو فِيهِ ضَرُورَةُ شِعْرٍ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وحَكى أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ في مُرُوجِ البَحْرِينِ عَنْ أبِي النَّصْرِ القُشَيْرِيِّ في التَّيْسِيرِ أنَّهُ بِلُغَةِ القِبْطِ اسْمٌ لِلتِّمْساحِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ كَإبْلِيسَ عِنْدَ مَن أخَذَهُ مِن أبْلَسَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو وأضْرابُهُ السّابِقَةُ أعْلامُ أشْخاصٍ ولَيْسَتْ مِن عَلَمِ الجِنْسِ لِجَمْعِها عَلى فَراعِنَةٍ وقَياصِرَةٍ وأكاسِرَةٍ، وعَلَمُ الجِنْسِ لا يُجْمَعُ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِوَضْعٍ خاصٍّ لِكُلِّ مَن تُطْلَقُ عَلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الَّذِي غَرَّهُ قَوْلُ الرَّضِيِّ إنَّ عَلَمَ الجِنْسِ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ كالنَّكِرَةِ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ لِوَضْعِهِ لِلْماهِيَّةِ فَلا حاجَةَ لِجَمْعِهِ، وقَدْ صَرَّحَ النُّحاةُ بِخِلافِهِ، ومِمَّنْ ذَكَرَ جَمْعَهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ فَكَأنَّ مُرادَ الرَّضِيِّ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ جَمْعُهُ، وما ذَكَرَهُ تَعَسُّفٌ نَحْنُ في غِنًى عَنْهُ، ﴿ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كافَّةً لِأصالَتِهِمْ في تَدْبِيرِ الأُمُورِ واتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ، ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِالآياتِ، وأصْلُ الظُّلْمِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لا بِالباءِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ هو والكُفْرُ مِن وادٍ واحِدٍ عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ أوْ هو بِمَعْنى الكُفْرِ مَجازًا أوْ تَضْمِينًا أوْ هو مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ، أيْ: ظَلَمُوا كافِرِينَ بِها أوْ مُكَذِّبِينَ بِها، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المَعْنى: كَفَرُوا بِها مَكانَ الإيمانِ الَّذِي هو مِن حَقِّها لِوُضُوحِها ظاهِرٌ في التَّضْمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَفَرُوا بِها واضِعِينَ الكُفْرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ كانَ اللّائِقُ بِهِمُ الإيمانَ.
وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَفْعُولُ ظَلَمُوا مَحْذُوفٌ، أيْ: ظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإيمانِ أوْ أنْفُسَهم كَما قالَ الحَسَنُ، والجُبّائِيُّ بِسَبَبِها، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ بِها إلى أنْ لَقُوا مِنَ العَذابِ ما لَقُوا.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: آخِرَ أمْرِهِمْ، ووَضَعَ المُفْسِدِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الظُّلْمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإفْسادِ، والفاءُ لِأنَّهُ كَما أنَّ ظُلْمَهم بِالآياتِ مُسْتَتْبِعٌ لِتِلْكَ العاقِبَةِ الهائِلَةِ كَذَلِكَ حِكايَتُهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ إلَيْها، والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ النَّظَرُ، و( كَيْفَ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها لِاقْتِضائِهِ الصَّدارَةَ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِإسْقاطِ الخافِضِ كَما قِيلَ، أيْ: فانْظُرْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ إلى كَيْفِيَّةِ ما فَعَلْنا بِهِمْ،
الأعراف 7:104
﴿وقالَ مُوسى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيما قَبْلَهُ.
﴿يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ﴾ أيْ: إلَيْكم كَما يُشْعِرُ بِهِ، ( قَدْ جِئْتُكم )الى الأزَلِيُّ، والمَعْنى: مَضى واسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُقَدَّرًا مِن إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وتَوْرِيثِهِمُ الأرْضَ، و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ بِما يُحِبُّونَ ويَسْتَحْسِنُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ عِدَتُهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم بِالجَنَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ، والتَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ فِ" أوْ إلَيْكَ كَما يُشْعِرُ بِهِ فَأرْسِلْ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: سَيِّدِهِمْ ومالِكِ أمْرِهِمْ، ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ جَوابٌ لِتَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾، وحَقِيقٌ صِفَةُ رَسُولٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنا حَقِيقٌ وهو بِمَعْنى جَدِيرٍ، و( عَلى ) بِمَعْنى الباءِ كَما قالَ الفَرّاءُ أوْ بِمَعْنى حَرِيصٍ، و( عَلى ) عَلى ظاهِرِها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى واجِبٍ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ قَوْلَ الحَقِّ هو الواجِبُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا العَكْسُ، والكَلامُ ظاهِرٌ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ أصْلَهُ
الأعراف 7:105
﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ كَما في قِراءَةِ نافِعٍ ومُجاهِدٍ (أنْ لا أقُولَ) إلَخْ. فَقُلِبَ لِأمْنِ الِالتِباسِ، كَما في قَوْلِ خِراشِ بْنِ زُهَيْرٍ:
كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللَّهِ حَتّى تُعالِجُوا قَوادِمَ حَرْبٍ لا تَلِينُ ولا تَمْرِي
صفحة 19
وتَلْحَقُ خَيْلٌ لا هَوادَةَ بَيْنِها ∗∗∗ وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَياطِرَةِ الحُمْرِ
وضُعِّفَ بِأنَّ القَلْبَ سَواءٌ كانَ قَلْبَ الألْفاظِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَ خَرَقَ الثَّوْبُ المِسْمارَ، أمْ قَلْبَ المَعْنى فَقَطْ كَما هُنا إنَّما يُفْصِحُ إذا تَضَمَّنَ نُكْتَةً كَما في البَيْتِ، وهي فِيهِ الإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الطَّعْنِ حَتّى شَقِيَتِ الرِّماحُ بِهِمْ لِتَكَسُّرِها بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْ هَذا المُتَنَبِّي بِقَوْلِهِ:
والسَّيْفُ يَشْقى كَما تَشْقى الضُّلُوعُ بِهِ ∗∗∗ ولِلسُّيُوفِ كَما لِلنّاسِ آجالُ
وبِأنَّ بَيْنَ الواجِبِ ومَن يَجِبُ عَلَيْهِ مُلازَمَةٌ فَعَبَّرَ عَنْ لُزُومِهِ لِلْواجِبِ بِوُجُوبِهِ عَلى الواجِبِ كَما اسْتَفاضَ العَكْسُ، ولَيْسَ هو مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
أوَما رَأيْتَ الجُودَ ألْقى رَحْلَهُ ∗∗∗ في آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ
وقَوْلِ ابْنِ هانِئٍ:
فَما جازَهُ جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ يَسِيرُ الجُودُ حَيْثُ يَسِيرُ
بَلْ هو تَجَوُّزٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ، وبانَ ذَلِكَ مِنَ الإغْراقِ في الوَصْفِ بِالصِّدْقِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ جُعِلَ قَوْلُ الحَقِّ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ جَعَلَ نَفْسَهُ، أيْ: قابِلِيَّتَهُ لِقَوْلِ الحَقِّ وقِيامَهُ بِهِ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ عَلى قَوْلِ الحَقِّ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً وتَخْيِيلِيَّةً، والمَعْنى: أنا واجِبٌ عَلى الحَقِّ أنْ يَسْعى في أنْ أكُونَ قائِلَهُ والنّاطِقَ بِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنِّي الكَذِبُ، واعْتَرَضَهُ القُطْبُ الرّازِّيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلى قَوْلِهِ الحَقَّ، وجُعِلَ قَوْلُهُ الحَقَّ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى في أنْ يَكُونَ قائِلَهُ لا مَعْنى لَهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ لا بُدَّ مِن إضافَتِهِ إلى ما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ فَإنَّهُ قَدْ يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ ذَلِكَ.
وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ النُّحاةِ بِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً نَحْوَ ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ أيِ: افْتِراءً، وهاهُنا قَدْ قُطِعَ النَّظَرُ فِيهِ عَنِ الفاعِلِ إذِ المَعْنى: حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ وهو مُحَصَّلُ مَجْمُوعِ الكَلامِ فَلا إشْكالَ، وذَكَرَ ابْنُ مِقْسَمٍ في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وادَّعى أنَّهُ الأوْلى أنَّ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ مُتَعَلِّقٌ بِرَسُولٍ، إنْ قُلْنا بِجَوازِ إعْمالِ الصِّفَةِ إذا وُصِفَتْ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ وهو المَشْهُورُ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: أرْسَلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ إلَخْ، والأوْلى عِنْدِي كَوْنُ عَلى بِمَعْنى الباءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (بِأنْ لا أقُولَ).
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (أنْ لا أقُولَ) بِتَقْدِيرِ الجارِّ وهو عَلى أوِ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ يُقَدَّرُ عَلى بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ولَمْ يَكُنْ هَذا وما بَعْدَهُ مِن جَوابِ فِرْعَوْنَ إثْرَ ما ذُكِرَ هاهُنا، بَلْ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَراتِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُها هُنا لِلْإيجازِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِجِئْتُكم عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ مُفِيدَةٍ لِفَخامَتِها الإضافِيَّةِ مُؤَكِّدَةٍ لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وإضافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بَعْدَ إضافَتِهِ فِيما قَبْلُ إلى العالَمِينَ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها، وذُكِرَ الِاسْمُ الجَلِيلُ الجامِعُ في بَيانِ كَوْنِهِ جَدِيرًا بِقَوْلِ الحَقِّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ مَعَ الإشارَةِ إلى التَّعْلِيلِ بِما لَيْسَ وراءَهُ غايَةٌ.
﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: خَلِّهِمْ حَتّى يَذْهَبُوا مَعِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي
صفحة 20
هِيَ وطَنُ آبائِهِمْ، وكانَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى والقِبْطُ قَدِ اسْتَبْعَدُوهم بَعْدَ انْقِراضِ الأسْباطِ يَسْتَعْمِلُونَهم ويُكَلِّفُونَهُمُ الأفاعِيلَ الشّاقَّةَ كالبِناءِ وحَمْلِ الماءِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، واسْتِعْمالُ الإرْسالِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى ما يَظْهَرُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ حَقِيقِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن إرْسالِ الطَّيْرِ مِنَ القَفَصِ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ ساقِطٌ عَنْ وكْرِ القَبُولِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإرْسالِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ.
الأعراف 7:106
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ فِرْعَوْنُ؟ فَقِيلَ: قالَ:
﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ كَما تَدَّعِيهِ ﴿فَأْتِ بِها﴾ أيْ: فَأحْضِرْها عِنْدِي لِيَثْبُتَ بِها صِدْقُكَ في دَعْواكَ، فالمُغايَرَةُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ التِزامِ ذَلِكَ لِحُصُولِهِ بِما لا أظُنُّهُ يَخْفى عَلَيْكَ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ، فَإنَّ كَوْنَكَ مِن جُمْلَةِ المَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ يَقْتَضِي إظْهارَ الآيَةِ لا مَحالَةَ،
الأعراف 7:107
﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ وكانَتْ كَما رَوى ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن عَوْسَجٍ.
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها كانَتْ مِن لَوْزٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْطاها لِمُوسى مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَيَخْرُجُ لَهُ رِزْقُهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ، والمَشْهُورُ أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ وكانَتْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ وصَلَتْ إلى شُعَيْبٍ فَأعْطاهُ إيّاها، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اسْمَها مَأْشا، ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ﴾ أيْ: حَيَّةٌ ضَخْمَةُ طَوِيلَةٌ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الثُّعْبانَ هو الذَّكَرُ العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الحَيَّةُ مُطْلَقًا.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ثَعَبَ الماءُ إذا انْفَجَرَ، فَكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي كَعُنُقِ الماءِ إذا انْفَجَرَ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ أمْرُهُ لا يُشَكُّ في كَوْنِهِ ثُعْبانًا، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّيْرُورَةَ حَقِيقِيَّةٌ لا تَخْيِيلِيَّةٌ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ وثَباتِ وصْفِ الثُّعْبانِيَّةِ فِيها كَأنَّها في الأصْلِ كَذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها صارَتْ حَيَّةً صَفْراءَ شَعْراءَ فاغِرَةً فاهًا بَيْنَ لَحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وارْتَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ مِيلٍ، وقامَتْ عَلى ذَنَبِها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ ولَحْيَها الأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَوَثَبَ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أحْدَثَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْبَعَمِائَةِ مَرَّةً، وفي أُخْرى أنَّهُ اسْتَمَرَّ مَعَهُ داءُ البَطْنِ حَتّى غَرِقَ، وقِيلَ: إنَّها أخَذَتْ قُبَّةَ فِرْعَوْنَ بَيْنَ أنْيابِها، وأنَّها حَمَلَتْ عَلى النّاسِ، فانْهَزَمُوا مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، فَصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى، أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ أنْ تَأْخُذَها، وأنا أُؤْمِنُ بِكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها فَعادَتْ عَصًا كَما كانَتْ.
وعَنْ مَعْمَرٍ أنَّها كانَتْ في العِظَمِ كالمَدِينَةِ، وقِيلَ: كانَ طُولُها ثَمانِينَ ذِراعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْها اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا، وعَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ لا تَعارُضَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الجانَّ هي الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، لِما قالُوا: إنَّ القِصَّةَ غَيْرُ واحِدَةٍ، أوْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ تَشْبِيهُها في خِفَّةِ الحَرَكَةِ بِالجانِّ لا بَيانُ جُثَّتِها، أوْ لِما قِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ جانًّا وصارَتْ ثُعْبانًا فَحُكِيَتِ الحالَتانِ في آيَتَيْنِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 21
تَحْقِيقُ ذَلِكَ. والآيَةُ مِن أقْوى أدِلَّةِ جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كالنُّحاسِ إلى الذَّهَبِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ تَخْيِيلًا لَبَطَلَ الإعْجازُ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ (مُبِينٌ) مَعْنًى مُبِينٌ، وارْتِكابُ غَيْرِ الظّاهِرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ما ذُكِرَ وتَخْصِيصِ الإرادَةِ لَهُ، والقَوْلُ بِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلا يَكُونُ النُّحاسُ ذَهَبًا رَصاصَ مُمَوِّهٍ، والحَقُّ جَوازُ الِانْقِلابِ إمّا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ المُحَقِّقِينَ، أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقَ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هُوَ: انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وعَلى أحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ تَوَكَّأ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في أمْرِ العَصا،
الأعراف 7:108
﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ أيْ: أخْرَجَها مِن جَيْبِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُمْكِنٌ في زَمانٍ واحِدٍ، وكانَتِ اليَدُ اليُمْنى كَما صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ الآثارِ ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النُّظّارُ.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أضاءَ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ يَدَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما هَذِهِ؟ فَقالَ: يَدُكَ. ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا غَلَبَ شُعاعُهُ شُعاعَ الشَّمْسِ.
وقِيلَ: المَعْنى بَيْضاءُ لِأجْلِ النُّظّارِ لا أنَّها بَيْضاءُ في أصْلِ خِلْقَتِها؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آدَمَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(وأمّا مُوسى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ الزُّطِّ)»
وعَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالزُّطِّ جِنْسًا مِنَ السُّودانِ والهُنُودِ، ونَصَّ البَعْضُ عَلى أنَّ ذَلِكَ البَياضَ إنَّما كانَ في الكَفِّ، وإطْلاقُ اليَدِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ.
وفِي القامُوسِ: اليَدُ الكَفُّ أوْ مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الكَفِّ، وأصْلُها يَدْيٌ بِدَلِيلِ جَمْعِها عَلى أيْدِي، ولَمْ تَرِدِ اليَدُ عِنْدَ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ لِما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ، وجاءَ في كَلامِهِمْ يَدٌّ بِالتَّشْدِيدِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
الأعراف 7:109
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم وهم أهْلُ مَشُورَتِهِ ورُؤَساءُ دَوْلَتِهِ.
﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَبالِغٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ماهِرٌ فِيهِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: مِن أرْضِ مِصْرَ.
﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: تُشِيرُونَ في أمْرِهِ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَهو مِنَ الأمْرِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ، يُقالُ: آمَرْتُهُ فَآمَرَنِي. أيْ: شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيَّ، وقِيلَ: مِنَ الأمْرِ المَعْهُودِ، و(ماذا) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِتَأْمُرُونَ بِحَذْفِ الجارِّ، أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ، وقِيلَ: (ما) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(ذا) اسْمُ مَوْصُولٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ: ما الَّذِي تَأْمُرُونَ بِهِ؟
الأعراف 7:110
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم وهم أهْلُ مَشُورَتِهِ ورُؤَساءُ دَوْلَتِهِ.
﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَبالِغٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ماهِرٌ فِيهِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: مِن أرْضِ مِصْرَ.
﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: تُشِيرُونَ في أمْرِهِ كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَهو مِنَ الأمْرِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ، يُقالُ: آمَرْتُهُ فَآمَرَنِي. أيْ: شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيَّ، وقِيلَ: مِنَ الأمْرِ المَعْهُودِ، و(ماذا) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِتَأْمُرُونَ بِحَذْفِ الجارِّ، أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ، وقِيلَ: (ما) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(ذا) اسْمُ مَوْصُولٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ: ما الَّذِي تَأْمُرُونَ بِهِ؟
الأعراف 7:111
﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ: أخِّرْ أمَرَهُما وأصْدِرْهُما عَنْكَ ولا تُعَجِّلْ في أمْرِهِما حَتّى تَرى رَأْيَكَ فِيهِما، وقِيلَ: احْبِسْهُما، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنهُ الحَبْسُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ بِهِ لا يُوجِبُ وُقُوعَهُ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الحَبْسِ بَعْدَ أنْ رَأى ما رَأى، وقَوْلُهُ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ في الشُّعَراءِ كانَ قَبْلَ هَذا، وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلِينَ لَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: الأمْرُ بِالتَّأْخِيرِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهُ أمْرٌ آخَرُ، وهو الهَمُّ بِقَتْلِهِ، فَقالُوا: أخِّرْهُ لِيَتَبَيَّنَ حالُهُ لِلنّاسِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى، وأصْلُ أرْجِهْ أرْجِئْهُ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهاءٍ مَضْمُومَةٍ دُونَ واوٍ ثُمَّ
صفحة 22
حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وسُكِّنَتِ الهاءُ لِتَشْبِيهِ المُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ، وجُعِلَ أرْجِهْ كَإبْلٍ في إسْكانِ وسَطِهِ، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ عَلى أنَّهُ مِن أرْجاتُ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وهِشامٍ وابْنِ عامِرٍ: (أرْجِئْهُو) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهاءٍ مُتَّصِلَةٍ بِواوِ الإشْباعِ.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلُ والكِسائِيُّ: (أرْجِهِي) بَهاءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مِن أرْجَيْتُ، وفي رِوايَةِ قالُونَ: (أنْ أرْجِهِ) بِحَذْفِ الياءِ لِلِاكْتِفاءِ عَنْها بِالكَسْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ (أرْجِئْهِ) بِالهَمْزَةِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ضَمَّ الهاءِ وكَسْرَها والهَمْزَ وعَدَمَهُ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَلْ هُما مادَّتانِ أوِ الياءُ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَتَوَضَّأْتُ وتَوَضَّيْتُ؟ قَوْلانِ، وطُعِنَ في القِراءَةِ عَلى رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ، فَقالَ الحُوفِيُّ: إنَّها لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ، وقالَ الفارِسِيُّ: إنَّ ضَمَّ الهاءِ مَعَ الهَمْزَةِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ وكَسْرُها غَلَطٌ؛ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ أوْ كَسْرَةٍ، وأُجِيبَ كَما قالَ الشِّهابُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الهَمْزَةَ ساكِنَةٌ، والحَرْفُ السّاكِنُ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ؛ فَكَأنَّ الهاءَ ولِيَتِ الجِيمَ المَكْسُورَةَ فَلِذا كُسِرَتْ، والثّانِي أنَّ الهَمْزَةَ عُرْضَةٌ لِلتَّغْيِيرِ كَثِيرًا بِالحَذْفِ وإبْدالِها ياءً إذا سَكَنَتْ بَعْدَ كَسْرَةٍ، فَكَأنَّها ولِيَتْ ياءً ساكِنَةً فَلِذا كُسِرَتْ. وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ أبُو شامَةَ أنَّ الهَمْزَةَ تُعَدُّ حاجِزًا، وأنَّ الهَمْزَةَ لَوْ كانَتْ ياءً كانَ المُخْتارُ الضَّمَّ نَظَرًا لِأصْلِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ بَعْدَ أنْ قالُوا: إنَّ القِراءَةَ مُتَواتِرَةٌ وما ذُكِرَ لُغَةٌ ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، هَذا واسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ ما هُنا وما في الشُّعَراءِ، فَإنَّ فِيها: ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ وهو صَرِيحٌ في أنَّ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ﴾ إلى: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ، وما هُنا صَرِيحٌ في نِسْبَةِ قَوْلِ ذَلِكَ لِلْمَلَأِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ القائِلُ في المَوْضِعَيْنِ؟ وهَلْ هَذا إلّا مُنافاةٌ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ لِاحْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ فِرْعَوْنُ والمَلَأُ مِن قَوْمِهِ فَهو كَوَقْعِ الحافِرِ عَلى الحافِرِ، فَنُقِلَ في الشُّعَراءِ كَلامُهُ وهُنا كَلامُهُمْ، والثّانِي أنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ فِرْعَوْنُ ابْتِداءً، ثُمَّ قالَهُ المَلَأُ إمّا بِطْرِيقِ الحِكايَةِ لِأوْلادِهِمْ وغَيْرِهِمْ وإمّا بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ لِسائِرِ النّاسِ فَما في الشُّعَراءِ كَلامُ فِرْعَوْنَ ابْتِداءً، وما هُنا كَلامُ المَلَأِ نَقْلًا عَنْهُ.
واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ما هُنا هو قَوْلُ المَلَأِ نَقْلًا عَنْ فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا سَمِعُوهُ خاطَبُوا فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِمْ: أرْجِهْ إلَخْ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَلامَ المَلَأِ ابْتِداءً لَكانَ المُطابِقُ أنْ يُجِيبُوهم بِأرْجِئُوا، ولا سَبِيلَ إلى أنَّهُ كانَ نَقْلًا بِطَرِيقِ الحِكايَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُؤامَرَةً ومُشاوَرَةً مَعَ القَوْمِ فَلَمْ يَتَّجِهْ جَوابُهم أصْلًا، فَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ؛ فَلِذا خاطَبُوهُ بِالجَوابِ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَذا الجَوابُ بِالتَّأْخِيرِ في الشُّعَراءِ كَلامُ المَلَأِ لِفِرْعَوْنَ، وهاهُنا كَلامُ سائِرِ القَوْمِ، لَكِنْ لا مُنافاةَ لِجَوازِ تَطابُقِ الجَوابَيْنِ. وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ: إنَّ كَوْنَ ذَلِكَ جَوابَ العامَّةِ يَأْباهُ أنَّ الخِطابَ لِفِرْعَوْنَ، وأنَّ المُشاوَرَةَ لَيْسَتْ مِن وظائِفِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي تُصِيبُ تَبِعَتُهُ أهْلَ البَلَدِ يُشاوِرُ فِيهِ المَلِكُ الحازِمُ عَوامَّهم وخَواصَّهُمْ، وقَدْ يَجْمَعُهم لِذَلِكَ ويَقُولُ لَهُمْ: ماذا تَرَوْنَ فَهَذا أمْرٌ لا يُصِيبُنِي وحْدِي ورُبَّ رَأْيٍ حَسَنٍ عِنْدَ مَن لَمْ يُظَنَّ بِهِ. عَلى أنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا لِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ وعَلى الِاحْتِفالِ بِشَأْنِهِ، وقَدْ شاهَدْنا أنَّ الحَوادِثَ العِظامَ يُلْتَفَتُ فِيها إلى العَوامِّ، وأمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أعْظَمِ الحَوادِثِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ شاهَدَ مِنهُ ما شاهَدَهُ، ثُمَّ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ المَلَأِ، واسْتَظْهَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ مَعَ كَلامِهِمْ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فالأنْسَبُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقالَ الفَرّاءُ، والجُبّائِيُّ: إنَّ كَلامَ المَلَأِ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾
صفحة 23
ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: فَماذا تَأْمُرُونَ؟ قالُوا: أرْجِهْ، وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ كَما قالَ القُطْبُ أنْ يَكُونَ كَلامُ المَلَأِ مَعَ فِرْعَوْنَ وخِطابُ الجَمْعِ في يُخْرِجَكم إمّا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ أوْ لِاعْتِبارِهِ مَعَ خَدَمِهِ وأعْوانِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ والمُشاوَرَةُ مِنهُ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما التَزَمُوا هَذا التَّعَسُّفَ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِما في الشُّعَراءِ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلَهُ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ كَلامُ المَلَأِ. لَكِنْ ما ارْتَفَعَتِ المُخالَفَةُ بِالمَرَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ لِلْمَلَأِ. وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ما وجَّهُوهُ كَلامُ المَلَأِ لِفِرْعَوْنَ، ولَعَلَّهم يَحْمِلُونَ عَلى أنَّهُ قالَهُ لَهم مَرَّةً وقالُوهُ لَهُ أُخْرى انْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَلَأ لَمّا رَأوْا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَأوْا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تُشِيرُونَ وما تَسْتَحْسِنُونَ في أمْرِهِ؟ ولَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ أنَّهم مُهْتَمُّونَ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم تَنْشِيطًا لَهم وتَصْوِيبًا لِما هم عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ بَعْضُهم بَعْضًا بِما عِنْدَهُ مِثْلَ ما قالُوهُ فِيما بَيْنَهم فالتَفَتُوا إلَيْهِ وقالُوا: أرْجِهْ وأخاهُ، فَحَكى سُبْحانَهُ هُنا مُشاوَرَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وعَرْضَ ما عِنْدَهم عَلى فِرْعَوْنَ أوَّلَ وهْلَةٍ قَبْلَ ذِكْرِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وحَكى في الشُّعَراءِ كَلامَهُ لَهم ومُشاوَرَتَهُ إيّاهُمُ الَّتِي هي طِبْقُ مُشاوَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا المَحْكِيَّةِ هُنا وجَوابِهِمْ لَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُشاوَرَةِ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ العَوّامُ في الشُّورى، ويَكُونُ هاهُنا أبْلَغَ في ذَمِّ المَلَأِ فَلْيُتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ﴾ أيِ البِلادِ؛ جَمْعُ مَدِينَةٍ، وهي مِن مَدَنَ بِالمَكانِ كَنَصَرَ إذا أقامَ بِهِ، ولِكَوْنِ الياءِ زائِدَةً كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تُقْلَبُ هَمْزَةً في الجَمْعِ، وأُرِيدَ بِها مُطْلَقُ المَدائِنِ، وقِيلَ: مَدائِنُ صَعِيدِ مِصْرَ.
﴿حاشِرِينَ﴾ أيْ: رِجالًا يَجْمَعُونَ السَّحَرَةَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالشُّرَطِ وهم أعْوانُ الوُلاةِ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ لَهم عَلامَةً، ويُقالُ لِلْواحِدِ شُرْطِيٌّ بِسُكُونِ الرّاءِ نِسْبَةً لِلشُّرْطَةِ، وحَكى في القامُوسِ فَتْحَها أيْضًا، وفي الأساسِ أنَّهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ نِسْبَةٌ إلى الشُّرَطِ الَّذِي هو جَمْعٌ، ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المَحْذُوفِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْضًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الأجْهُورِيُّ
الأعراف 7:112
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ: ماهِرٍ في السِّحْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) وجاءَ فِيهِ الإمالَةُ وعَدَمُها وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ الَّذِي يُدِيمُ السِّحْرَ، والسّاحِرُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ سَحَرَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وقِيلَ: السّاحِرُ هو المُبْتَدِئُ في صِناعَةِ السِّحْرِ، والسَّحّارُ هو المُنْتَهِي الَّذِي يُتَعَلَّمُ مِنهُ ذَلِكَ،
الأعراف 7:113
﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بَعْدَ ما أرْسَلَ إلَيْهِمُ الحاشِرِينَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ بِالإرْسالِ ومُبادَرَةِ الحاشِرِينَ والسَّحَرَةِ إلى الِامْتِثالِ.
واخْتُلِفَ في عِدَّتِهِمْ. فَعَنْ كَعْبٍ أنَّهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ أبِي ثُمامَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وفي رِوايَةٍ تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ السُّدِّيِّ بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، وعَنْ أبِي بَزَّةَ أنَّهم سَبْعُونَ ألْفًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: السَّحَرَةُ ثَلاثُمِائَةٍ مِن قَوْمِهِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ العَرِيشِ، ويَشُكُّونَ في ثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا، وقَدْ أخَذُوا السِّحْرَ مِن رَجُلَيْنِ مَجُوسِيَّيْنِ مِن أهْلِ نِينَوى مَدِينَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ؛ لِأنَّ المَجُوسِيَّةَ
صفحة 24
ظَهَرَتْ زَمَنَ زَرادِشْتَ عَلى المَشْهُورِ، وهو إنَّما جاءَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُ رَئِيسِهِمْ كَما قالَ مُقاتِلٌ: شَمْعُونُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو يُوحَنّا، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ نَقْلًا عَنْ عُلَماءِ السِّيَرِ: إنَّ رُؤَساءَهم سابُورُ وعازُورُ وحُطْحُطُ ومُصَفّى.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ ولِذا لَمْ يُعْطَفُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إيّاهُ؟ فَقِيلَ: قالُوا إلَخْ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا أيْ: جاءُوا قائِلِينَ: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا﴾ أيْ: عِوَضًا وجَزاءً عَظِيمًا.
﴿إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ إيجابُ الأجْرِ واشْتِراطُهُ كَأنَّهم قالُوا: بِشَرْطِ أنْ تَجْعَلَ لَنا أجْرًا إنْ غَلَبْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ وهو مُطَّرِدٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُ: (أئِنْ) بِإثْباتِ الهَمْزَةِ وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما، ومِن هُنا رَجَّحَ الواحِدِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ، وذُكِرَ الشَّرْطُ لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ مَناطِ ثُبُوتِ الأجْرِ لا لِتَرَدُّدِهِمْ في الغَلَبَةِ، وقِيلَ: لَهُ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ وتَحْلِيَةُ الخَبَرِ بِاللّامِ لِلْقَصْرِ، أيْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الأعراف 7:114
﴿قالَ نَعَمْ﴾ إنَّ لَكم لَأجْرًا.
﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ هو عَيْنُ الكَلامِ السّابِقِ الدّالُّ عَلَيْهِ حَرْفُ الإيجابِ، ويُسَمّى مِثْلُ هَذا عَطْفَ التَّلْقِينِ، ومَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى السّابِقِ أرادَ ما ذَكَرْنا، والمَعْنى: إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ ذَلِكَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ، أيْ: إنِّي لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى العَطاءِ وحْدَهُ، وإنَّ لَكم مَعَهُ ما هو أعْظَمُ مِنهُ وهو التَّقْرِيبُ والتَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ مَن أُعْطِيَ شَيْئًا إنَّما يَتَهَنَّأُ بِهِ، ويَغْتَبِطُ إذا نالَ مَعَهُ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ والتَّحْرِيضِ ما لا يَخْفى، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ مَجْلِسِي وآخِرَ مَن يَخْرُجُ عَنْهُ.
الأعراف 7:115
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظِيرِهِ السّابِقِ، ﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ ما تُلْقِي أوَّلًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِما نُلْقِي أوَّلًا أوِ الفاعِلِينَ لِلْإلْقاءِ أوَّلًا، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَدْءِ بِالإلْقاءِ مُراعاةً لِلْأدَبِ؛ ولِذَلِكَ كَما قِيلَ: مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ، أوْ إظْهارًا لِلْجَلادَةِ وأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الحالُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ولَكِنْ كانَتْ رَغْبَتُهم في التَّقْدِيمِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُهم لِلنَّظْمِ بِتَعْرِيفِ الخَبَرِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وتَوْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ في المَحْكِيِّ كَذَلِكَ بِما يُرادِفُهُ، وقَوْلُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ: إنَّ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ إمّا أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ تَأْكِيدًا ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما لِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَهُ مَحَلٌّ كالمُؤَكِّدِ -وهْمٌ كَما لا يَخْفى.
وفَرَّقَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ كَوْنِ الضَّمِيرِ فَصْلًا وبَيْنَ كَوْنِهِ تَوْكِيدًا بِأنَّ التَّوْكِيدَ يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ التَّخْصِيصُ مِن تَعْرِيفِ الخَبَرِ، أيْ: نَحْنُ نُلْقِي البَتَّةَ لا غَيْرُنا، والفَصْلُ يُخَصِّصُ الإلْقاءَ بِهِمْ لِتَخْصِيصِ المُسْنَدِ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ فَيَعْرى عَنِ التَّوْكِيدِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
الأعراف 7:116
﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -وُثُوقًا بِشَأْنِهِ وتَحْقِيرًا لَهم وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِمْ-: ﴿ألْقُوا﴾ أنْتُمْ ما تُلْقُونَ أوَّلًا، وبِما ذَكَرْنا يُعْلَمُ جَوابُ ما يُقالُ: إنَّ إلْقاءَهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ وهي كُفْرٌ، والأمْرُ بِهِ مِثْلُهُ. فَكَيْفَ أمَرَهم وهو هُوَ؟ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَّلَ مَن ألْقى﴾ فَجَوَّزَ لَهُمُ التَّقْدِيمَ لا لِإباحَةِ فِعْلِهِمْ بَلْ لِتَحْقِيرِهِمْ، ولَيْسَ هُناكَ دَلالَةٌ عَلى الرِّضا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أذِنَ لَهم لِيُبْطِلَ سِحْرَهُمْ، فَهو إبْطالٌ لِلْكُفْرِ بِالآخِرَةِ وتَحْقِيقٌ لِمُعْجِزَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا
صفحة 25
يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّهم لَمّا قالُوا سَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيًا يَقُولُ: بَلْ ألْقُوا أنْتُمْ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِن ذَلِكَ حَتّى أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا وكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْها ما الحَقِيقَةُ بِخِلافِهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ سَحَرُوا النّاسَ. فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أيْ: أرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهم طَلَبُوا إرْهابَهم ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في بابِهِ.
يُرْوى أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا فَإذا حَيّاتٌ كَأمْثالِ الجِبالِ قَدْ مَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الأرْضَ كانَ سِعَتُها مِيلًا في مِيلٍ وقَدِ امْتَلَأتْ مِنَ الحَيّاتِ والأفاعِي، ويُقالُ: إنَّهم طَلَوْا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ ولَوَّنُوها وجَعَلُوا داخِلَ العِصِيِّ زِئْبَقًا أيْضًا وألْقَوْها عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أثَّرَ حَرُّ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حَتّى تَخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها حَيّاتٌ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ كالمُعْتَزِلَةِ إنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإنَّما هُوَ: مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ، وفِيهِ أنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ ما وقَعَ في القِصَّةِ مِنَ السَّحَرِ كانَ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادُوا أنَّ كُلَّ سِحْرٍ تَخْيِيلٌ فَمَمْنُوعٌ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ السِّحْرَ أقْسامٌ، وأنَّ مِنهُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ومِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ سِحْرُ اللَّعِينِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسِحْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ ذَهَبَ لِيَخْرِصَ تَمْرَهم.
وذَكَرُوا أنَّهُ قَدْ يَصِلُ السِّحْرُ إلى حَدِّ المَشْيِ عَلى الماءِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَرَتُّبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَرَتُّبِ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ والرِّيِّ عَلى الشُّرْبِ والإحْراقِ عَلى النّارِ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. نَعَمْ قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ إنْزالِ الجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ وفَلْقِ الحَجَرِ وقَلْبِ العَصا وإحْياءِ المَوْتى وإنْطاقِ العَجْماءِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومَن أنْكَرَ حَقِيقَتَهُ اسْتَدَلَّ بِلُزُومِ الِالتِباسِ بِالمُعْجِزَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفَرْقَ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.
الأعراف 7:117
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ بِواسِطَةِ المَلَكِ كَما هو الظّاهِرُ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ الَّتِي عَلِمْتَ مِن أمْرِها ما عَلِمْتَ، وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِتَقَدُّمِ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فالمَصْدَرُ مَفْعُولُ الإيحاءِ، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فَصَيْحَةٌ، أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً فَإذا هي إلَخْ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإلْقاءِ وبِغايَةِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ كَأنَّ لَقْفَها لِما يَأْفِكُونَ قَدْ حَصَلَ مُتَّصِلًا بِالأمْرِ بِالإلْقاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الغَرِيبَةِ، واللَّقْفُ كاللَّقَفانِ التَّناوُلُ بِسُرْعَةٍ، وفَسَّرَهُ الحَسَنُ هُنا بِالسَّرْطِ والبَلْعِ، والإفْكُ صَرْفُ الشَّيْءِ وقَلْبُهُ عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ، ويُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ لِكَوْنِهِ مَقْلُوبًا عَنْ وجْهِهِ، واشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: ما يَأْفِكُونَهُ ويَكْذِبُونَهُ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ وهي مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ المَأْفُوكِ لِأنَّهُ المُتَلَقَّفُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَقَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ وحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
الأعراف 7:118
﴿فَوَقَعَ﴾ أيْ: ظَهَرَ وتَبَيَّنَ كَما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والفَرّاءُ.
﴿الحَقُّ﴾ وهو أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفَسَّرَ بَعْضُهم وقَعَ بِثَبَتَ عَلى أنَّهُ قَدِ اسْتُعِيرَ الوَقْعُ لِلثُّبُوتِ والحُصُولِ أوْ لِلثَّباتِ والدَّوامِ لِأنَّهُ في مُقابِلِ
صفحة 26
بَطَلَ والباطِلُ زائِلٌ، وفائِدَةُ الِاسْتِعارَةِ كَما قِيلَ الدَّلالَةُ عَلى التَّأْثِيرِ؛ لِأنَّ الوَقْعَ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن وقَعَ الحَقُّ صَيْرُورَةُ العَصا حَيَّةً في الحَقِيقَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى عَمَلِهِ
الأعراف 7:119
﴿فَغُلِبُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ.
﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ، فالِانْقِلابُ إمّا مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ أوْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ، فَصاغِرِينَ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنَ قَطْعًا، وجُوِّزَ رُجُوعُ ضَمِيرِ غُلِبُوا وانْقَلَبُوا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إلى السَّحَرَةِ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لا ذِلَّةَ لَهُمْ، والحَمْلُ عَلى الخَوْفِ مِن فِرْعَوْنَ أوْ عَلى ما قَبْلَ الإيمانِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِن ( أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) إلَخْ أنَّهم خَرُّوا ساجِدِينَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَقَّ بَهَرَهم واضْطَرَّهم إلى السُّجُودِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم تَمالُكٌ فَكَأنَّ أحَدًا دَفَعَهم وألْقاهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَهم ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، فالمُلْقِي هو اللَّهُ تَعالى بِإلْهامِهِ لَهم حَتّى يَنْكَسِرَ فِرْعَوْنُ بِالَّذِينِ أرادَ بِهِمْ كَسْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا مَجْرى التَّمْثِيلِ مُبالَغَةً في سُرْعَةِ خُرُورِهِمْ وشِدَّتِهِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأخْفَشِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُشاكَلَةً لِما مَعَهُ مِنَ الإلْقاءِ إلّا أنَّهُ دُونَ ما تَقَدَّمَ، يُرْوى أنَّ اجْتِماعَ القَوْمِ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، وأنَّهُ بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البَحْرِ، وأنَّها فَتَحَتْ فاهًا ثَمانِينَ ذِراعًا فابْتَلَعَتْ ما صَنَعُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وقَصَدَتِ النّاسَ فَفَزِعُوا ووَقَعَ الزِّحامُ فَماتَ مِنهم لِذَلِكَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، ثُمَّ أخَذَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعادَتْ في يَدِهِ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، فَلَمّا رَأى السَّحَرَةُ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن أمْرِ السَّماءِ ولَيْسَ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ: خَرُّوا سُجَّدًا، والمُتَبادَرُ مِنَ السُّجُودِ حَقِيقَتُهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِكَيْفِيَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ظُهُورِ الحَقِّ فاقْتَدَوْا بِهِما وسَجَدُوا مَعَهُما، وحُمِلَ السُّجُودُ عَلى الخُضُوعِ، أيْ أنَّهم خَضَعُوا لَمّا رَأوْا ما رَأوْا خِلافَ الظّاهِرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ارْتِكابِهِ.
الأعراف 7:120
﴿فَغُلِبُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ.
﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ، فالِانْقِلابُ إمّا مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ أوْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ، فَصاغِرِينَ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنَ قَطْعًا، وجُوِّزَ رُجُوعُ ضَمِيرِ غُلِبُوا وانْقَلَبُوا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إلى السَّحَرَةِ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لا ذِلَّةَ لَهُمْ، والحَمْلُ عَلى الخَوْفِ مِن فِرْعَوْنَ أوْ عَلى ما قَبْلَ الإيمانِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِن ( أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) إلَخْ أنَّهم خَرُّوا ساجِدِينَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَقَّ بَهَرَهم واضْطَرَّهم إلى السُّجُودِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم تَمالُكٌ فَكَأنَّ أحَدًا دَفَعَهم وألْقاهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَهم ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، فالمُلْقِي هو اللَّهُ تَعالى بِإلْهامِهِ لَهم حَتّى يَنْكَسِرَ فِرْعَوْنُ بِالَّذِينِ أرادَ بِهِمْ كَسْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا مَجْرى التَّمْثِيلِ مُبالَغَةً في سُرْعَةِ خُرُورِهِمْ وشِدَّتِهِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأخْفَشِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُشاكَلَةً لِما مَعَهُ مِنَ الإلْقاءِ إلّا أنَّهُ دُونَ ما تَقَدَّمَ، يُرْوى أنَّ اجْتِماعَ القَوْمِ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، وأنَّهُ بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البَحْرِ، وأنَّها فَتَحَتْ فاهًا ثَمانِينَ ذِراعًا فابْتَلَعَتْ ما صَنَعُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وقَصَدَتِ النّاسَ فَفَزِعُوا ووَقَعَ الزِّحامُ فَماتَ مِنهم لِذَلِكَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، ثُمَّ أخَذَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعادَتْ في يَدِهِ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، فَلَمّا رَأى السَّحَرَةُ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن أمْرِ السَّماءِ ولَيْسَ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ: خَرُّوا سُجَّدًا، والمُتَبادَرُ مِنَ السُّجُودِ حَقِيقَتُهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِكَيْفِيَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ظُهُورِ الحَقِّ فاقْتَدَوْا بِهِما وسَجَدُوا مَعَهُما، وحُمِلَ السُّجُودُ عَلى الخُضُوعِ، أيْ أنَّهم خَضَعُوا لَمّا رَأوْا ما رَأوْا خِلافَ الظّاهِرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ارْتِكابِهِ.
الأعراف 7:121
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ انْقَلَبُوا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ مِن ضَمِيرِهِمِ المُسْتَتِرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ أيْ أنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ حالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِهِمْ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ.
﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلُ، وإنَّما أبْدَلُوا لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أرادُوا فِرْعَوْنَ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ رُبَّما يَبْقى لِلتَّوَهُّمِ رائِحَةٌ؛ لِأنَّهُ كانَ رَبّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في صِغَرِهِ، ولِذا قُدِّمَ هارُونُ في مَحَلٍّ آخَرَ لِأنَّهُ أدْخَلُ في دَفْعِ التَّوَهُّمِ أوْ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ أكْبَرُ سِنًّا مِنهُ، وقُدِّمَ مُوسى هُنا لِشَرَفِهِ أوْ لِلْفاصِلَةِ، وأمّا كَوْنُ الفَواصِلِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا في كَلامِهِمْ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَضُرُّ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ قالَ فِرْعَوْنُ: أنا رَبُّ العالَمِينَ. فَقالُوا رَدًّا عَلَيْهِ: رَبِّ مُوسى وهارُونَ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما كَإضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ الإضافَةَ عَلى مَعْنى الِاعْتِقادِ، أيِ: الرَّبِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ رُبُوبِيَّتَهُ مُوسى وهارُونُ ويَكُونُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلى فِرْعَوْنَ بِزَعْمِهِ أيْضًا ظاهِرًا جِدًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الإضافَةِ، ويُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا سِرُّ
صفحة 27
تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى هَذا القَوْلِ.
وقالَ الخازِنُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم إلَيْهِ وألْهَمَهم مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أظْهَرُوا بِذَلِكَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ: إنَّهم بادَرُوا إلى السُّجُودِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى لِما رَأوْا مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ثُمَّ إنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا قالَ بِالمُقارَنَةِ فافْهَمْ، وأوَّلُ مَن بادَرَ بِالإيمانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: الرُّؤَساءُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الجَوْزِيِّ ثُمَّ اتَّبَعَتْهُمُ السَّحَرَةُ جَمِيعًا،
الأعراف 7:122
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ انْقَلَبُوا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ مِن ضَمِيرِهِمِ المُسْتَتِرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ أيْ أنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ حالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِهِمْ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ.
﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلُ، وإنَّما أبْدَلُوا لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أرادُوا فِرْعَوْنَ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ رُبَّما يَبْقى لِلتَّوَهُّمِ رائِحَةٌ؛ لِأنَّهُ كانَ رَبّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في صِغَرِهِ، ولِذا قُدِّمَ هارُونُ في مَحَلٍّ آخَرَ لِأنَّهُ أدْخَلُ في دَفْعِ التَّوَهُّمِ أوْ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ أكْبَرُ سِنًّا مِنهُ، وقُدِّمَ مُوسى هُنا لِشَرَفِهِ أوْ لِلْفاصِلَةِ، وأمّا كَوْنُ الفَواصِلِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا في كَلامِهِمْ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَضُرُّ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ قالَ فِرْعَوْنُ: أنا رَبُّ العالَمِينَ. فَقالُوا رَدًّا عَلَيْهِ: رَبِّ مُوسى وهارُونَ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما كَإضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ الإضافَةَ عَلى مَعْنى الِاعْتِقادِ، أيِ: الرَّبِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ رُبُوبِيَّتَهُ مُوسى وهارُونُ ويَكُونُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلى فِرْعَوْنَ بِزَعْمِهِ أيْضًا ظاهِرًا جِدًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الإضافَةِ، ويُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا سِرُّ
صفحة 27
تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى هَذا القَوْلِ.
وقالَ الخازِنُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم إلَيْهِ وألْهَمَهم مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أظْهَرُوا بِذَلِكَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ: إنَّهم بادَرُوا إلى السُّجُودِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى لِما رَأوْا مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ثُمَّ إنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا قالَ بِالمُقارَنَةِ فافْهَمْ، وأوَّلُ مَن بادَرَ بِالإيمانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: الرُّؤَساءُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الجَوْزِيِّ ثُمَّ اتَّبَعَتْهُمُ السَّحَرَةُ جَمِيعًا،
الأعراف 7:123
﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مُنْكِرًا عَلى السَّحَرَةِ مُوَبِّخًا لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِرَبِّ مُوسى وهارُونَ، أوْ بِاللَّهِ تَعالى لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ أوْ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ فِيها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ إلَخْ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ التَّوْبِيخُ لِأنَّ الخَبَرَ إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ فائِدَتُهُ ولا لازِمُها تَوَلَّدَ مِنهُ بِحَسْبِ المَقامِ ما يُناسِبُهُ، وهُنا لَمّا خاطَبَهُمُ الجَبّارُ بِما فَعَلُوا مُخْبِرًا لَهم بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ قَصْدِ إفادَةِ أحَدِ الأمْرَيْنِ والمَقامُ هو المَقامُ أفادَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ، ويَجُوزُ أنْ تُقَدَّرَ فِيهِ الهَمْزَةُ بِناءً عَلى اطِّرادِ ذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٍ عَنْ يَعْقُوبَ: (أآمَنتُمْ) بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وتَحْقِيقِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ مِمّا قُرِئَ بِهِ أيْضًا.
﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ آمُرَكم أنا بِذَلِكَ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لا أنَّ الإذْنَ مِنهُ مُمْكِنٌ في ذَلِكَ، وأصْلُ آذَنَ أأْذَنَ بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى لِلتَّكَلُّمِ، والثّانِيَةُ مِن صُلْبِ الكَلِمَةِ، قُلِبَتْ ألْفًا لِوُقُوعِها ساكِنَةً بَعْدَ هَمْزَةٍ، ﴿إنَّ هَذا﴾ الصَّنِيعَ ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ لَحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى ولَيْسَ مِمّا اقْتَضى الحالُ صُدُورَهُ عَنْكم لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وهَذا تَمْوِيهٌ مِنهُ عَلى القِبْطِ يُرِيهِمْ أنَّهم ما غُلِبُوا ولا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، قِيلَ: وكَذا قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيْ: في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا إلى المِيعادِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأمِيرُ السَّحَرَةِ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي، وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِينَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وهو الَّذِي نَشَأ عَنْهُ هَذا القَوْلُ، ﴿لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾ أيِ القِبْطَ، وتَخْلُصَ لَكم ولِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ ما فَعَلْتُمْ، وهَذا وعِيدٌ ساقَهُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ لِلتَّهْوِيلِ.
الأعراف 7:124
ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ جانِبٍ عُضْوًا مُغايِرًا لِلْآخَرِ كاليَدِ مِن جانِبٍ والرِّجْلِ مِن آخَرَ، والجارُّ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُخْتَلِفَةً، والقَوْلُ بِأنَّ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ أيْ لِأجْلِ خِلافِكم بَعِيدٌ.
﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ تَفْضِيحًا لَكم وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكُمْ، والتَّصْلِيبُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلْبِ وهو الشَّدُّ عَلى خَشَبَةٍ أوْ غَيْرِها، وشاعَ في تَعْلِيقِ الشَّخْصِ بِنَحْوِ حَبْلٍ في عُنُقِهِ لِيَمُوتَ وهو المُتَعارَفُ اليَوْمَ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الصَّلْبَ الَّذِي عَناهُ الجَبّارُ هو شَدُّ الشَّخْصِ مِن تَحْتِ الإبِطَيْنِ وتَعْلِيقُهُ حَتّى يَهْلَكَ، وهو كَقَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ أوَّلُ مَن سَنَّهُ فِرْعَوْنُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وشَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ، ولِهَذا
صفحة 28
سَمّاهُ سُبْحانَهُ مُحارَبَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
الأعراف 7:125
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: إلى رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ وثَوابِهِ عائِدُونَ إنْ فَعَلْتَ بِنا ذَلِكَ فَيا حَبَّذاهُ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّحَرَةَ حِينَ خَرُّوا سُجَّدًا رَأوْا مَنازِلَهم تُبْنى لَهُمْ، وأخْرَجَ عَنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهم رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا أنّا ولا بُدَّ مَيِّتُونَ فَلا ضَيْرَ فِيما تَتَوَعَّدُنا بِهِ، والأجَلُ مَحْتُومٌ لا يَتَأخَّرُ عَنْ وقْتِهِ:
ومَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدُ
ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ المَعْنى إنّا جَمِيعًا نَنْقَلِبُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيَحْكُمُ بَيْنَنا:
إلى دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ∗∗∗ وعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ
وضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِلسَّحَرَةِ فَقَطْ، وعَلى الثّانِي لَهم ولِفِرْعَوْنَ، وعَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ.
الأعراف 7:126
﴿وما تَنْقِمُ﴾ أيْ: ما تَكْرَهُ، وجاءَ في الماضِي نَقَمَ ونَقِمَ عَلى وزْنِ ضَرَبَ وعَلِمَ.
﴿مِنّا﴾ مَعْشَرَ مَن آمَنَ، ﴿إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وذَلِكَ أصْلُ المَفاخِرِ وأعْظَمُ المَحاسِنِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمَصْدَرُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ ضُيُوفَهم تُعابُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنْ
وقِيلَ: إنَّ (تَنْقِمُ) مُضارِعُ نَقِمَ بِمَعْنى عاقَبَ، يُقالُ: نَقَمَ مِنهُ نَقَمًا وتِنْقامًا، وانْتَقَمَ إذا عاقَبَهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ﴿أنْ آمَنّا﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حَسْمُ طَمَعِ فِرْعَوْنَ في نَجْعِ تَهْدِيدِهِ إيّاهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى الثّانِي تَحْقِيقًا لِما أشارُوا إلَيْهِ أوَّلًا مِنَ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ، ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَتِهِ وفَزِعُوا والتَجَئُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أيْ: أفِضْ عَلَيْنا صَبْرًا يَغْمُرُنا كَما يُفْرَغُ الماءُ، أوْ صُبَّ عَلَيْنا ما يُطَهِّرُنا مِنَ الآثامِ وهو الصَّبْرُ عَلى وعِيدِ فِرْعَوْنَ، (فَأفْرِغْ) عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وصَبْرًا قَرِينَتُها.
والمُرادُ: هَبْ لَنا صَبْرًا تامًّا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي يَكُونُ (صَبْرًا) اسْتِعارَةً أصْلِيَّةً مَكْنِيَّةً و(أفْرِغْ) تَخْيِيلِيَّةً، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى الأوَّلِ كالكَلامِ عَلى الثّانِي إلّا أنَّ الجامِعَ هُناكَ الغَمْرُ وهاهُنا التَّطْهِيرُ، ولَيْسَ بِذاكَ وإنْ جَلَّ قائِلُهُ.
﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: ثابِتِينَ عَلى ما رَزَقْتَنا مِنَ الإسْلامِ غَيْرَ مَفْتُونِينَ مِنَ الوَعِيدِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم بِهِ، وقِيلَ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ .
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ أوْ في عاقِبَةِ الأمْرِ ونِهايَتِهِ، وهَذا لا يُنافِي قَتْلَ البَعْضِ.
الأعراف 7:127
﴿وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ بَعْدَ ما شاهَدُوا مَن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاهَدُوا: ﴿أتَذَرُ مُوسى﴾ أيْ: أتَتْرُكُهُ ﴿وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِ مِصْرَ.
والمُرادُ بِالإفْسادِ ما يَشْمَلُ الدِّينِيَّ والدُّنْيَوِيَّ، ومَفْعُولُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ لِلتَّعْمِيمِ، أوْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ يُقَدَّرُ: يُفْسِدُوا النّاسَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى دِينِهِمْ والخُرُوجِ عَلَيْكَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ أتْبَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ويَذَرَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى يُفْسِدُوا المَنصُوبِ بِأنْ،
صفحة 29
أوْ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ كَما يُنْصَبُ بَعْدَ الفاءِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الحَطِيئَةِ:
ألَمْ أكْ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ
والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمَهُ مُفْسِدِينَ في الأرْضِ وتَرْكِهِمْ إيّاكَ إلَخْ. أيْ: لا يُمْكِنُ وُقُوعُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (تَذَرُ) أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ، أيْ: وهو يَذَرُكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُضارِعِيَّةَ لا تَقْتَرِنُ بِالواوِ عَلى الفَصِيحِ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ما سَبَقَ، أيْ: تَذَرُهُ وعادَتُهُ تَرْكُكَ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ هو عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ كَما في احْتِمالِ الحالِ لِيَدُلَّ عَلى الدَّوامِ، وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ تَكُونُ مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإشْكالِ. وعَنِ الأشْهَبِ أنَّهُ قَرَأ بِسُكُونِ الرّاءِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّهُ تُرِكَتِ الضَّمَّةُ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو: (يَأْمُرْكُمْ) بِإسْكانِ الرّاءِ اسْتِقْلالًا لِلضَّمَّةِ عِنْدَ تَوالِي الحَرَكاتِ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ عُطِفَ عَلى ما تَقَدَّمَ بِحَسْبِ المَعْنى، ويُقالُ لَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ عَطْفُ التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُفْسِدُوا ويَذَرَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وآلِهَتَكَ﴾ أيْ: مَعْبُوداتِكَ. يُرْوى أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الكَواكِبَ فَهي آلِهَتُهُ، وكانَ يَعْتَقِدُ أنَّها المُرَبِّيَةُ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ مُطْلَقًا، وهو رَبُّ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدِ اتَّخَذَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا وأمْرَهم بِأنْ يَعْبُدُوها تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ لَهُ بَقَرَةٌ يَعْبُدُها وكانَ إذا رَأى بَقَرَةً حَسَنَةً أمَرَ قَوْمَهُ بِعِبادَتِها، ولِذَلِكَ أخْرَجَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِجْلًا وهو رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ في عُنُقِهِ شَيْئًا يَعْبُدُهُ، وأمْرُ الجَمْعِ عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى عِنايَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ: و(إلَهَتَكَ) كَعِبادَتِكَ لَفْظًا ومَعْنًى فَهو مَصْدَرٌ.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ قِراءَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ ويَقْرَأُ بِالمَصْدَرِ ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: الأقْرَبُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ، وقِيلَ: الإلَهَةُ اسْمٌ لِلشَّمْسِ، وكانَ يَعْبُدُها وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
وأعْجَلَنا الإلَهَةُ أنْ تَؤُبا
قالَ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ كَما كُنّا نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِن قَبْلُ لِيُعْلَمَ أنّا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ: (سَنَقْتُلُ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّضْعِيفِ كَما في مُوِّتَتِ الإبِلُ.
﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ أيْ: غالِبُونَ كَما كُنّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُنا وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ أيْدِينا، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ انْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَعِدِ المَلَأ بِقَتْلِهِ لِما رَأى مِن عُلُوِّ أمْرِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَعِدْ بِقَتْلِ قَوْمِهِ أيْضًا، والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ هَذا مِن فِرْعَوْنَ بَيانٌ لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ وإيذانٌ بِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وأنَّ أمْرَهم فِيما بَعْدُ كَأمْرِهِمْ فِيما قَبْلُ، وأنَّ قَتْلَهم عَبَثٌ لا ثَمَرَةَ فِيهِ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وإنْ صَدَرَ مِنَ الأحْمَقِ، وأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها. فافْهَمْ.
الأعراف 7:128
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تَسْلِيَةً لَهم حِينَ تَضَجَّرُوا مِمّا سَمِعُوا بِأُسْلُوبٍ حَكِيمٍ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ عَلى ما سَمِعْتُمْ مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ أيْ أرْضَ مِصْرَ أوِ الأرْضَ مُطْلَقًا، وهي داخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا
صفحة 30
﴿يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ أنْتُمْ مِنهُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لِمَن صَبَرَ واسْتَعانَ بِاللَّهِ، ولِمَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى تَوْرِيثَ الأرْضِ، وأنا ذَلِكُمُ المَوْعُودُ الَّذِي وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النُّصْرَةَ بِهِ وقَهْرَ الأعْداءِ وتَوْرِيثَ أرْضِهِمْ، وقَوْلُهُ: (والعاقِبَةُ) إلَخْ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ.
الأعراف 7:129
﴿قالُوا﴾ أيْ قَوْمُ مُوسى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أُوذِينا﴾ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ بِالرِّسالَةِ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ قَتْلَ الجَبّارِ أوْلادَهم قَبْلَ مَوْلِدِهِ وبَعْدَهُ إذْ قِيلَ لَهُ: يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ غُلامٌ يَسْلُبُكَ مُلْكَكَ ويَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ.
﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أيْ: رَسُولًا. يَعْنُونَ بِهِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن إعادَةِ قَتْلِ الأبْناءِ وسائِرِ ما كانَ يَفْعَلُ بِهِمْ لِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُنُونِ الجَوْرِ والعَذابِ، وقِيلَ: إنَّ نَفْسَ ذَلِكَ الإيعادِ إيذاءٌ، وقِيلَ: جَعَلَ إيعادَهُ بِمَنزِلَةِ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ جَبّارًا.
وقِيلَ: أرادُوا الإيذاءَ بِقَتْلِ الأبْناءِ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْدَ مَوْلِدِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ بِهِ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَلْحَقُهم بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَيْسَ لِذِكْرِهِ كَثِيرُ مُلاءَمَةٍ بِالمَقامِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الإتْيانِ والمَجِيءِ، وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما لِلتَّفَنُّنِ والبُعْدِ عَنِ التَّكْرارِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى مُعاداةِ المُعاداتِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِأنْ المَصْدَرِيَّةِ أوَّلًا وبِما أُخْتِها ثانِيًا.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ الإتْيانَ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي والأزْمانِ، والمَجِيءَ في الجَواهِرِ والأعْيانِ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ هُنا إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: أنَّ الإتْيانَ هو المَجِيءُ بِسُهُولَةٍ، فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ المَجِيءِ وهو كَسابِقِهِ هُنا أيْضًا، وهَذا مِنهم جارٍ مَجْرى التَّحَزُّنِ لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِما كَنّى لَهم عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَرْطِ ما عَراهم وفَظاعَةِ ما اعْتَراهُمْ، والمَقامُ يَقْتَضِي الإطْنابَ؛ فَإنَّ شَأْنَ الحَزِينِ الشّاكِي إطالَةُ الكَلامِ رَجاءَ أنْ يُطْفِئَ بِذَلِكَ بَعْضَ الأُوامِ، وقِيلَ: هو اسْتِبْطاءٌ مِنهم لِما وعَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّجاةِ والظَّفَرِ، والأوَّلُ أوْلى؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الَّذِي فَعَلَ بِكم ما فَعَلَ وتَوَعَّدَكم بِما تَوَعَّدَ.
﴿ويَسْتَخْلِفَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلَكم خُلَفاءَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ . أيْ: أرْضِ مِصْرَ تَصْرِيحٌ بِما كَنّى عَنْهُ وتَوْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وفِيهِ إدْماجُ مَعْنى مَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ وحَقَّ لَهُ الدَّمارُ والخَسارُ. وعَسى في مِثْلِهِ قَطْعٌ في إنْجازِ المَوْعُودِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ، ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكُرَماءِ.
وقِيلَ: تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ الأمْرُ مَجْزُومًا بِهِ بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الجَزْمِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُمُ المُسْتَخْلَفُونَ بِأعْيانِهِمْ أوْ أوْلادِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مِصْرَ إنَّما فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ اسْتِخْلافُ المُسْتَضْعَفِينَ أنْفُسِهِمْ لا اسْتِخْلافُ أوْلادِهِمْ، والمَجازُ خِلافُ الأصْلِ. نَعَمْ المَشْهُورُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْها في حَياتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ أيْ: يَرى أوْ يَعْلَمَ.
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أحَسَنًا أمْ قَبِيحًا، فَيُجازِيكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ. إرْشادٌ لَهم
صفحة 31
إلى الشُّكْرِ وتَحْذِيرٌ لَهم عَنِ الوُقُوعِ في مُهاوِي الكُفْرِ، وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
الأعراف 7:130
﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَبادِئِ الهَلاكِ المَوْعُودِ بِهِ وإيذانٌ بِأنَّهم لَمْ يُمْهَلُوا حَتّى تَحَوَّلُوا مِن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ أتْباعُهُ مِنَ القِبْطِ، وإضافَةُ الآلِ إلَيْهِ وهو لا يُضافُ إلّا إلى الأشْرافِ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ الدُّنْيَوِيِّ الظّاهِرِ وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ خَسِيسًا، وعَنِ الخَطِيبِ أنَّ المُرادَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ، والسِّنِينُ جَمْعُ سَنَةٍ والمُرادُ بِها عامُ القَحْطِ وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ حَتّى صارَتْ كالعَلَمِ لَهُ لِكَثْرَةِ ما يُذْكَرُ ويُؤَرَّخُ بِهِ، ولا كَذَلِكَ العامُ الخِصْبُ، ولامُها واوٌ أوْ هاءٌ، وقَدِ اشْتَقُّوا مِنها فَقالُوا: أسْنَتَ القَوْمُ إذا قَحِطُوا، وقَلَبُوا اللّامَ تاءً لِيُفَرِّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ وقَوْلِهِمْ: أسْنى القَوْمُ إذا لَبِثُوا في مَوْضِعِ سَنَةٍ، قالَ المازِنِيُّ: وهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَوَهَّمُوا أنَّ الهاءَ أصْلِيَّةٌ إذْ وجَدُوها أصْلِيَّةً فَقَلَبُوها تاءً، وجاءَ: أصابَتْنا سُنِّيَّةٌ حَمْراءُ؛ أيْ: جَدْبٌ شَدِيدٌ، فالتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وإجْراءُ الجَمْعِ مَجْرى سائِرِ الجُمُوعِ السّالِمَةِ المُعْرَبَةِ بِالحُرُوفِ هو اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ، واللُّغَةُ الأُخْرى إجْراءُ الإعْرابِ عَلى النُّونِ لَكِنْ مَعَ الياءِ خاصَّةً فَيُسْلَكُ فِيهِ مَسْلَكَ حِينَ في الإعْرابِ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ التَّنْوِينِ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وبَنُو تَمِيمٍ لا يُنَوِّنُونَ تَخْفِيفًا وحِينَئِذٍ لا تُحْذَفُ النُّونُ لِلْإضافَةِ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دَعانِي مِن نَجِدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا
ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى: ««اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» وهو عَلى اللُّغَةِ المَشْهُورَةِ.
﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بِكَثْرَةِ عاهاتِ الثِّمارِ وخُرُوجِ اليَسِيرِ مِنها حَتّى لا تَحْمِلَ النَّخْلَةُ كَما رُوِيَ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ إلّا بُسْرَةً واحِدَةً، وكانَ القَحْطُ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ في بادِيَتِهِمْ وأهْلِ ماشِيَتِهِمْ، والنَّقْصُ في أمْصارِهِمْ وقُراهُمْ، وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُمْ، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ فاجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ وقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ. فَقالَ: غَدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعَتُ؟ أنا لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَغَدًا يُكَذِّبُونَنِي، فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ واغْتَسَلَ ولَبِسَ مِدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى النَّيْلَ فَقامَ في بَطْنِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِخَرِيرِ الماءِ يُقْبِلُ فَخَرَجَ وأقْبَلَ النَّيْلُ مُتْرَعًا بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ، وهَذا إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ كَما قالَ البَعْضُ، ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّعِظُوا فَيَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ، أوْ لِكَيْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى فَيَتَضَرَّعُوا لَهُ ويَلْتَجِئُوا إلَيْهِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ، وقِيلَ: لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ كانَ إلَهًا لَدَفَعَ ذَلِكَ الضُّرَّ.
وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهم إنَّما أُخِذُوا بِالضَّرّاءِ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾
الأعراف 7:131
﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ إلَخْ. بَيانٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ الخِصْبُ والرَّخاءُ، وفَسَّرَها مُجاهِدٌ بِالرَّخاءِ والعافِيَةِ وبَعْضُهم بِأعَمَّ مِن ذَلِكَ. أيْ: إذا جاءَهم ما يَسْتَحْسِنُونَهُ ﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ: إنّا مُسْتَحِقُّوها بِيُمْنِ الذّاتِ، ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: ضَيِّقَةٌ
صفحة 32
وجَدْبٌ أوْ جَدْبٌ ومُرْضٌ أوْ عُقُوبَةٌ وبَلاءٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾، أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ ويَقُولُوا: ما أصابَنا ذَلِكَ إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وأصْلُ إطْلاقِ التَّطَيُّرِ عَلى التَّشاؤُمِ عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَزْجُرُ الطَّيْرَ فَتَتَشاءَمُ بِالبارِحِ وتَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ. وفي المَثَلِ: مَن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَألَ يُونُسُ رُؤْبَةَ -وأنا شاهِدٌ- عَنِ السّانِحِ والبارِحِ فَقالَ: السّانِحُ ما ولّاكَ مَيامِنَهُ، والبارِحُ ما ولّاكَ مَياسِرَهُ، وقِيلَ: البارِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ الشِّمالِ والسّانِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ وأنْشَدُوا:
زَجَرْتُ لَها طَيْرَ الشِّمالِ فَإنْ يَكُنْ هَواكَ الَّذِي تَهْوى يُصِبْكَ اجْتِنابُها
ثُمَّ إنَّهم سَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا والتَّشاؤُمَ تَطَيُّرًا، وقَدْ يُطْلِقُونَ الطّائِرَ عَلى الحَظِّ والنَّصِيبِ خَيْرًا أوْ شَرًّا حَتّى قِيلَ: إنَّ أصْلَ التَّطَيُّرِ تَفْرِيقُ المالِ وتَطْيِيرُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَيَطِيرُ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبُهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ثُمَّ غَلَبَ في الشَّرِّ. وفي الآيَةِ إغْراقٌ في وصْفِهِمْ بِالغَباوَةِ والقَساوَةِ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُذَلِّلُ العَرائِكَ وتُزِيلُ التَّماسُكَ لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وقَدْ كانُوا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنها بَلِ ازْدادُوا عُتُوًّا وعِنادًا، وتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ وذِكْرُها بِأداةِ التَّحْقِيقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها بِالذّاتِ؛ لِأنَّ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ سَبْقَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ النِّعْمَةِ قَبْلَ حُصُولِ الأعْمالِ، وتَنْكِيرُ السَّيِّئَةِ وذِكْرُها بِأداةِ الشَّكِّ لِنُدُورِها وعَدَمِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها إلّا بِالتَّبَعِ؛ فَإنَّ النِّقْمَةَ بِمُقْتَضى تِلْكَ العِنايَةِ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالأعْمالِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ بَيَّنَ الحَسَنَةَ بِالخِصْبِ والرَّخاءِ، ثُمَّ قالَ في تَعْلِيلِ ما ذُكِرَ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا شَيْءٌ مِنها. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ التَّقْرِيرِيِّ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذُكِرَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجِنْسَ إلَخْ أيْ: جِنْسُ الخِصْبِ والرَّخاءِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ. أيْ أنَّهُ لِكَثْرَةِ الوُقُوعِ كَأنَّ الجِنْسَ كُلَّهُ واجِبُ الوُقُوعِ، ولِهَذا لا يَزالُ يَتَكاثَرُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ الجِنْسَ. وقَوْلُهُ: وأمّا السَّيِّئَةُ إلَخْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى فَلا تَخالُفَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، ولَمْ يُرِدْ بِالجِنْسِ العَهْدَ الذِّهْنِيَّ وهَذا مُرادُ صاحِبِ المِفْتاحِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما تَوَهَّمَهُ صاحِبُ الإيضاحِ. انْتَهى.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ حَيْثُ حَمَلَ الجِنْسَ عَلى العَهْدِ الذِّهْنِيِّ وقالَ ما قالَ، والبَحْثُ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَلْيُطْلَبْ مِن شُرُوحِ المِفْتاحِ وشَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْعَلّامَةِ الثّانِي وحَواشِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ في ذَلِكَ، وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ أيْ: لَيْسَ شُؤْمُهم إلّا عِنْدَ اللَّهِ أيْ: مِن قِبَلِهِ وحُكْمِهِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَيْسَ الشُّؤْمُ الَّذِي يَلْحَقُهم إلّا الَّذِي وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ عِنْدَهُ لا ما يَنالُهم في الدُّنْيا، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: ألا إنَّ ما تَشاءَمُوا مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ حَتّى يُجازِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الطّائِرَ هُنا بِالحَظِّ أيْ: إنَّما حَظُّهم وما طارَ إلَيْهِمْ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ بِسَبَبِ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (إنَّما طَيْرُهُمْ) وهو اسْمُ جَمْعِ طائِرٍ عَلى الصَّحِيحِ؛ لِأنَّهُ عَلى أوْزانِ المُفْرَداتِ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لَهُ، ورُوِيَ عَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الطَّيْرَ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا وكَذا الطّائِرُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ:
كَأنَّهُ تَهْتانُ يَوْمٍ ماطِرٍ ∗∗∗ عَلى رُؤُوسٍ كَرُؤُوسِ الطّائِرِ
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، وإسْنادُ عَدَمِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ
صفحة 33
بَعْضَهم يَعْلَمُ ولَكِنْ لا يَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ،
الأعراف 7:132
﴿وقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذُوا بِهِ مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمُ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِنَ العَصا والسِّنِينَ ونَقْصِ الثَّمَراتِ.
﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ كَلِمَةُ مَهْما مِمّا اخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي كَلِمَةٌ بِرَأْسِها مَوْضُوعَةٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ اسْمِ فِعْلٍ لِلْكَفِّ، إمّا باقٍ عَلى مَعْناهُ أوْ مُجَرَّدٌ عَنْهُ وما الشَّرْطِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُها ما ما عَلى أنَّ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةَ إبْهامِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِها لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ فَقُلِبَتْ ألْفُ ما الأُولى هاءً فِرارًا مِن بَشاعَةِ التَّكْرارِ، وأسْلَمُ الأقْوالِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلُ بِالبَساطَةِ. وفي حاشِيَةِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ هِشامٍ يَنْبَغِي لِمَن قالَ بِالبَساطَةِ أنْ يَكْتُبَ مَهْما بِالياءِ، ولِمَن قالَ: أصْلُها ما ما أنْ يَكْتُبَها بِالألْفِ، وفي الشَّرْحِ: وكَذا إذا قِيلَ أصْلُها مَهْ ما. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشُّمُنِّيُّ بِأنَّ القائِلِينَ بِالأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ مَهْما أصْلٌ آخَرُ، فَما يَنْبَغِي في كَتْبِ آخِرِها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَنْبَغِي عَلى القَوْلِ الثّانِي، وفِيهِ نَظَرٌ.
وهِيَ اسْمُ شَرْطٍ لا حَرْفٌ عَلى الصَّحِيحِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ هُنا عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُها إمّا الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ أيٍّ، أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُهُ لَدَيْنا تَأْتِنا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ مَجِيئَها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وشَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْكارَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهُ غَرَّ القائِلَ بِظَرْفِيَّتِها كَلامُ الخَلِيلِ أوْ شَبَهُها بِمَتى ما، وخالَفَ ابْنُ مالِكٍ في ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا
ويُوافِقُهُ كَما قالَ الشِّهابُ اسْتِعْمالُ المَنطِقِيِّينَ لَها بِمَعْنى كُلَّما وجَعْلُها سُورَ الكُلِّيَّةِ فَإنَّها تُفِيدُ العُمُومَ كَما صَرَّحُوا بِهِ ولَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِهِمْ كَما تُوُهِّمَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَها هُنا ظَرْفًا مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِإباءِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مِن آيَةٍ﴾ عَنْهُ لِأنَّهُ بَيانٌ لِمَهْما ولَيْسَ بِزَمانٍ، وتَسْمِيَتُهم إيّاها آيَةً مِن بابِ المُجاراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِها مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ هَذا العُنْوانَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ وإلّا فَهم يُنْكِرُونَ كَوْنَها آيَةً في نَفْسِ الأمْرِ ويَزْعُمُونَ أنَّها سِحْرٌ كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُمْ: ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إنَّما رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِآيَةٍ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ الثّانِي إلى آيَةٍ، ولَعَلَّهُ راعى القُرْبَ، والذّاهِبُ إلى الأوَّلِ راعى أنَّ (آيَةً) مَسُوقَةٌ لِلْبَيانِ فالأوْلى رُجُوعُ الضَّمِيرِ عَلى المُفَسِّرِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا؛ أيْ: لِتَسْحَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا: ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّتِكَ أصْلًا،
الأعراف 7:133
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما قَوْلُهم هَذا؛ ﴿الطُّوفانَ﴾ أيْ: ما طافَ بِهِمْ وغَشى أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ فَهو اسْمُ جِنْسٍ مِنَ الطَّوافِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كَنُقْصانٍ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حادِثٍ يُحِيطُ بِالجِهاتِ ويَعُمُّ كالماءِ الكَثِيرِ والقَتْلِ الذَّرِيعِ والمَوْتِ الجارِفِ، وقَدِ اشْتُهِرَ في طُوفانِ الماءِ، وجاءَ تَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وعَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ الجُدَرِيُّ، وهم أوَّلُ
صفحة 34
مَن عُذِّبُوا بِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ يَنْجَرّانِ إلى الخَبَرِ المَرْفُوعِ، ﴿والجَرادَ﴾ هو المَعْرُوفُ، واحِدُهُ جَرادَةٌ سُمِّيَ بِهِ لِجَرْدِهِ ما عَلى الأرْضِ، وهو جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّطُهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ مَرْفُوعًا النَّهْيُ عَنْ مُقاتَلَتِهِ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مُرادٌ بِهِ إذا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإفْسادِ المَزارِعِ، فَإذا تَعَرَّضَ لَهُ جازَ دَفْعُهُ بِما يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ إلى تَعَذُّرِ مُقاوَمَتِهِ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ ومَن مَعَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الجَرادِ فَقالَ: «أكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ»».
وزَعْمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن ذُنُوبِ ابْنِ آدَمَ مُؤَوَّلٌ، ﴿والقُمَّلَ﴾ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ قِيلَ: هو الدَّبى وهو الصِّغارُ مِنَ الجَرادِ، ولا يُسَمّى جَرادًا إلّا بَعْدَ نَباتِ أجْنِحَتِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: هو القِرْدانُ جَمْعُ القُرادِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: صِغارُ الذَّرِّ، وعَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ أنَّها الجُعْلانُ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها البَراغِيثُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها السُّوسُ وهي الدّابَّةُ الَّتِي تَكُونُ في الحِنْطَةِ وغَيْرِها، ويُسَمّى قَمْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، ﴿والضَّفادِعَ﴾ جَمْعُ ضِفْدِعٍ كَزِبْرِجٍ وجَعْفَرٍ وجُنْدَبٍ ودِرْهَمٍ وهَذا أقَلُّ أوْ مَرْدُودٌ، الدّابَّةُ المائِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، ﴿والدَّمَ﴾ مَعْرُوفٌ وتَشْدِيدُ دالِهِ لُغَةٌ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ العِنادَ والإصْرارَ دَعا وقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ، وإنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ. رَبِّ فَخُذْهم بِعُقُوبَةٍ تَجْعَلُها عَلَيْهِمْ نِقْمَةً ولِقَوْمِي عِظَةً ولِمَن بَعْدَهم آيَةً وعِبْرَةً، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَطَرَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ لَها أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ فَدَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وكانَتْ مُشْتَبِكَةً في بُيُوتِهِمْ وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ ودامَ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ فَقالُوا: يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ذَلِكَ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهم فَنَبَتَ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ قَبْلَهُ، فَقالُوا: ما كانَ هَذا الماءُ إلّا نِعْمَةً عَلَيْنا فَلَمْ يُؤْمِنُوا. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ زُرُوعَهم وثِمارَهم وأبْوابَهم وسُقُوفَهم وثِيابَهم وأمْتِعَتَهم حَتّى أكَلَ مَسامِيرَ الحَدِيدِ الَّتِي في الأبْوابِ ولَمْ يُصِبُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَعَجُّوا وضَجُّوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا لَهُ كَما قالُوا أوَّلًا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الصَّحْراءِ فَأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَ مِنها.
وقِيلَ: جاءَتْ رِيحٌ فَألْقَتْهُ في البَحْرِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ القُمَّلَ فَأكَلَ ما أبْقى الجَرادُ، وكانَ يَدْخُلُ بَيْنَ ثَوْبِ أحَدِهِمْ وجِلْدِهِمْ فَيَمُصُّهُ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ طَعامًا امْتَلَأ قَمْلًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ابْتُلُوا بِالسُّوسِ؛ فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَخْرُجُ بِعَشَرَةِ أجْرِبَةٍ إلى الرَّحى فَلا يَرِدُ إلّا بِثَلاثَةِ أقْفِزَةٍ مِنها، وأخَذَ حَواجِبَهم وأشْفارَ عُيُونِهِمْ وسائِرَ شُعُورِهِمْ، وفَعَلَ في جُلُودِهِمْ ما يَفْعَلُهُ الجُدَرِيُّ، ومَنَعَهُمُ النَّوْمَ والقَرارَ فَفَزِعُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُفِعَ عَنْهُمْ، فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ فامْتَلَأتْ بُيُوتُهم وأفْنَيْتُهم وأمْتِعَتُهم وآنِيَتُهم مِنها فَلا يَكْشِفُ أحَدٌ إناءً إلّا وجَدَها فِيهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ
صفحة 35
فِي الضَّفادِعِ فَتَبْلُغُ إلى حَلْقِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ يَشِبُّ الضِّفْدَعُ فَيَدْخُلُ في فِيهِ، وكانَتْ تَشِبُّ في قُدُورِهِمْ فَتُفْسِدُ عَلَيْهِمْ طَعامَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهُمْ، وإذا اضْطَجَعَ أحَدُهم رَكِبَتْهُ حَتّى تَكُونَ عَلَيْهِ رُكامًا فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْقَلِبَ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ سَبَقَتْهُ إلى فِيهِ، ولا يَعْجِنُ عَجِينًا إلّا امْتَلَأ مِنها، فَفَزِعُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَضَرَّعُوا فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَسالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا عَبِيطًا وصارَتْ مِياهُهم دِماءً، فَكانَ فِرْعَوْنُ يَجْمَعُ بَيْنَ القِبْطِيِّ والإسْرائِيلِيِّ في إناءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً وما يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا، ويَقُومانِ إلى الجَرَّةِ فِيها الماءُ فَيَخْرُجُ لِلْقِبْطِيِّ دَمٌ ولِلْإسْرائِيلِيِّ ماءٌ حَتّى إنَّ المَرْأةَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ تَأْتِي المَرْأةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَتَقُولُ لَها: اسْقِينِي ماءً، فَتَصُبُّ لَها مِن قِرْبَتِها فَيَصِيرُ في الإناءِ دَمًا حَتّى كانَتْ تَقُولُ: اجْعَلِيهِ في فِيكِ ثُمَّ مُجِّيهِ في فِيَّ فَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ دَمًا.
وقالَ ابْنُ أسْلَمَ: إنَّ الدَّمَ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ كانَ الرُّعافَ.
﴿آياتٍ﴾ حالٌ مِنَ الأشْياءِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ مُبَيَّناتٍ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّها آياتٌ إلَهِيَّةٌ لا سِحْرٌ كَما يَزْعُمُونَ، أوْ مُمَيَّزًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ مُنْفَصِلَةٌ بِالزَّمانِ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنها شَهْرٌ، وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها شَهْرًا، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَتِ الآياتُ التِّسْعُ في تِسْعِ سِنِينَ في كُلِّ سَنَةٍ آيَةٌ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنْ نَوْفٍ الشّامِيِّ قالَ: مَكَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ الجَرادَ والقُمَّلَ إلَخْ ... فَأبَوْا أنْ يُسْلِمُوا.
وفِي رِوايَةِ أبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ مَكَثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ غَلَبَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ ما ذُكِرَ، ورَأيْتُ في مُسامَراتِ الشَّيْخِ ابْنِ العَرَبِيِّ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ يُنْذِرُ آلَ فِرْعَوْنَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِها.
﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
الأعراف 7:134
﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ: العَذابُ المَذْكُورُ عَلى التَّفْصِيلِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، و(لَمّا) لا تُنافِي التَّفْصِيلَ والتَّكْرِيرَ كَما لا يَخْفى.
وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أصابَهم ثَلْجٌ أحْمَرُ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلُ، فَهَلَكَ مِنهم كَثِيرٌ.
وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ الطّاعُونُ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ المَرْفُوعِ «وهُوَ الطّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلى طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِهِ في أرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: لِيَذْبَحْ كُلٌّ مِنكم كَبْشًا ثُمَّ لِيَخْضِبْ كَفَّهُ في دَمِهِ ثُمَّ لِيَضْرِبْ عَلى بابِهِ فَفَعَلُوا، فَقالَ القِبْطُ لَهُمْ: لِمَ تَجْعَلُونَ هَذا الدَّمَ عَلى أبْوابِكُمْ؟ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم عَذابًا فَنَسْلَمُ وتَهْلَكُونَ، قالَ القِبْطُ: فَما يَعْرِفُكُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِهَذِهِ العَلامَةِ؟ قالُوا: هَكَذا أمَرَنا نَبِيُّنا، فَأصْبَحُوا وقَدْ طُعِنَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفًا. فَأمْسَوْا وهم لا يَتَدافَنُونَ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهم كُلَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ مِنَ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، في كُلِّ مَرَّةٍ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالرِّجْزِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الثَّلْجُ المُهْلِكُ أوِ الطّاعُونُ الجارِفُ ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ: بِعَهْدِهِ سُبْحانَهُ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ (فَما) مَصْدَرِيَّةٌ،
صفحة 36
وسُمِّيَتِ النُّبُوَّةُ عَهْدًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَهِدَ إكْرامَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِها وعَهِدُوا إلَيْهِ تَحَمُّلَ أعْبائِها، أوْ لِأنَّ لَها حُقُوقًا تُحْفَظُ كَما تُحْفَظُ العُهُودُ، أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَهْدٍ ومَنشُورٍ مِنهُ جَلَّ وعَلا أوْ بِالَّذِي عُهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ فَيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ، (فَما) مَوْصُولَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِلَةٌ – لِ ادْعُ - أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، يَعْنِي: ادْعُ اللَّهَ تَعالى مُتَوَسِّلًا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ الِاسْتِعْطافِيِّ كَما يُقالُ: بِحَياتِكَ افْعَلْ كَذا، فالمُرادُ اسْتِعْطافُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْ يَدْعُوَ، وأنْ تَكُونَ لِلْقَسَمِ الحَقِيقِيِّ، وجَوابُهُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ الَّذِي وقَعَ عَلَيْنا ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ إلَخْ، وخُلاصَةُ ما ذَكَرُوهُ في الباءِ هُنا أنَّها إمّا لِلْإلْصاقِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْقَسَمِ بِقِسْمَيْهِ.
الأعراف 7:135
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ: إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم واصِلُونَ إلَيْهِ ولا بُدَّ فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ أوْ مُهْلَكُونَ، وهو وقْتُ الغَرَقِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ أنْجَيْناهم مِنَ العَذابِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِن هُنا صَحَّ تَعَلُّقُ الغايَةِ بِالكَشْفِ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرِّجْزِ خِلافًا لِزاعِمِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ ما عَيَّنُوهُ لِإيمانِهِمْ ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾، أيْ: يَنْقُضُونَ العَهْدَ، وأصْلُ النَّكْثِ فَلُّ طاقاتِ الصُّوفِ المَغْزُولِ لِيُغْزَلَ ثانِيًا، فاسْتُعِيرَ لِنَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ إبْرامِهِ، وجَوابُ (لَمّا) فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُؤْذِنُ بِهِ إذا الفُجائِيَّةُ لا الجُمْلَةُ المُقْتَرِنَةُ بِها، وإنْ قِيلَ بِهِ فَتَساهُلٌ، أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم ذَلِكَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ وتَأمُّلٍ كَذا قِيلَ، وعَلَيْهِ فَكِلا الِاسْمَيْنِ أعْنِي لِما وإذا مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلى أنَّ الأوَّلَ ظَرْفُهُ، والثّانِي مَفْعُولُهُ قالَهُ العَلّامَةُ، والدّاعِي لِذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ ما يَلِي كَلِمَةَ لَمّا مِنَ الفِعْلَيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لَفْظًا أوْ مَعْنًى، إلّا أنَّ مُقْتَضى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ إذْ وإذا المُفاجَأةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُتَضَمِّنَيْنِ هُما إيّاهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فاجَئُوا زَمانَ النَّكْثِ أوْ مَكانَهُ.
وقَدْ يُقالُ أيْضًا: تَقْدِيرُ الفِعْلِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ إذْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ لَمّا تُجابُ بِإذا المُفاجَأةِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، نَعَمْ هم يَذْكُرُونَ ما يُوهِمُ التَّقْدِيرَ ولَيْسَ بِهِ بَلْ هو بَيانُ حاصِلِ المَعْنى وتَفْسِيرٌ لَهُ فَتَدَبَّرْ.
الأعراف 7:136
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهُمْ، وأُوِّلُ بِذَلِكَ لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ وإلّا فالإغْراقُ عَيْنُ الِانْتِقامِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وقَدْ أثْبَتَها البَعْضُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ: البَحْرِ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويَقَعُ عَلى ما كانَ مُلِحًّا زُعافًا وعَلى النَّهْرِ الكَبِيرِ العَذْبِ الماءِ ولا يُكَسَّرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ السَّلامَةِ، وقالَ اللَّيْثُ: هو البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ وهو عَرَبِيٌّ في المَشْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وأصْلُهُ كَما قِيلَ: يَمًّا؛ فَعُرِّبَ إلى ما تَرى. والقَوْلُ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْبَحْرِ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ غَرِيقٌ في يَمِّ الضَّعْفِ.
﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ. يَعْنِي أنَّ سَبَبَ الإغْراقِ وما اسْتَوْجَبُوا بِهِ ذَلِكَ العِقابَ هو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ العِظامِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَعَلُّقَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا، وهَذا لا يُنافِي تَفْرِيعَ الإرادَةِ عَلى النَّكْثِ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ هو
صفحة 37
العِلَّةُ الأخِيرَةُ والسَّبَبُ القَرِيبُ، ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ الأسْبابِ وتَرَتُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الشِّهابُ ونُورُ الحَقِّ ساطِعٌ مِنهُ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: الفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وما عُطِفَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. انْتَهى، وفِيهِ مُناقَشَةٌ لا تَخْفى.
﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْآياتِ والغَفْلَةُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الذِّكْرِ والمُبالاةِ، أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِها وتَفَكُّرِهِمْ فِيها بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فالمُكَذِّبُ بِأمْرٍ لا يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ لِلتَّنافِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَها لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُكَذِّبَ بِها مَعَ عِلْمِهِ بِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلنِّقْمَةِ وأُرِيدَ بِها الغَرَقُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قَدْ، ولا مَجازَ في الغَفْلَةِ حِينَئِذٍ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.
الأعراف 7:137
﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعِظَمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ حَيْثُ رُفِعُوا مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عِنْدَ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ. ونُصِبَ القَوْمُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأوْرَثْنا والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ أيْ: جَمِيعَ جِهاتِها ونَواحِيها، والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أرْضُ الشّامِ، وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّها أرْضُ الشّامِ ومِصْرُ، وفي رِوايَةٍ أنَّها أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي المُسْتَضْعَفِينَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أيْ: أوْرَثْنا المُسْتَضْعَفِينَ أرْضَ مُسْتَضْعِفِيهِمْ ومُلْكَهُمْ، ومَعْنى تَوْرِيثِهِمْ إيّاها عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إدْخالُها تَحْتَ مِلْكِهِمْ وعَدَمُ وُجُودِ مانِعٍ لَهم عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها أوْ تَمْكِينُ أوْلادِهِمْ فِيها؛ وذَلِكَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ تَمَكُّنٌ فِيها واسْتِقْرارٌ، وإنَّما كانَ مِلْكٌ وتَصَرُّفٌ، وكانَ التَّمَكُّنُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، والسَّوْقُ عَلى ما قِيلَ يَقْتَضِي ذِكْرَ ما تَمَكَّنُوا فِيهِ لا ما مَلَكُوهُ، وأقُولُ: قَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلَيْها؛ فَإنَّها مَوْطِنُ آبائِهِمْ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وعَدَهم هَلاكَ عَدُوِّهِمُ المانِعَ لَهم مِنَ الذَّهابِ إلَيْها، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى إيّاهم خُلَفاءَ فِيها بَعْدَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ أوْ بَعْدَ مَن هي في يَدِهِ إذْ ذاكَ مِنَ العَمالِقَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّ الوَعْدَ قَدْ نُجِزَ، وقَدْ أهْلَكْنا أعْداءَ أُولَئِكَ المَوْعُودِينَ وأوْرَثْناهُمُ الأرْضَ الَّتِي مَنَعُوهم عَنْها ومَكَّنّاهم فِيها، وفي حُصُولِ بُغْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وما ألْطَفَ تَوْرِيثَ الأبْناءِ مَساكِنَ الآباءِ ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالخِصْبِ وسِعَةِ الأرْزاقِ أوْ بِذَلِكَ وبِكَوْنِها مَساكِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الشّامُ ونَواحِيها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: لَيُهاجِرَنَّ الرَّعْدُ والبَرْقُ والبَرَكاتُ إلى الشّامِ.
صفحة 38
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا مِنَ الشّامِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِنها أُسْرِيَ بِهِ إلَيْها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِوالَةَ الأزْدِيِّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خِرْ لِي بَلَدًا أكُونُ فِيهِ. قالَ: «عَلَيْكَ بِالشّامِ؛ فَإنَّهُ خِيرَةُ اللَّهِ تَعالى مِن أرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهِ خِيرَتَهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««عَلَيْكم بِالشّامِ؛ فَإنَّها صَفْوَةُ بِلادِ اللَّهِ تَعالى يَسْكُنُها خِيَرَتُهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى فِيهِ مُؤْمِنٌ إلّا لَحِقَ بِالشّامِ».
وجاءَ مِن حَدِيثِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ حِبّانَ والحاكِمِ أيْضًا وصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««طُوبى لِلشّامِ». فَقِيلَ لَهُ: ولِمَ؟ قالَ: «إنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها»».
والأحادِيثُ في فَضْلِ الشّامِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ جَمَعَها غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّ في الكَثِيرِ مِنها مَقالًا، وسَبَبُ الوَضْعِ كانَ قَوِيًّا، وهو اسْمٌ لِأحَدِ الأقالِيمِ العُرْفِيَّةِ، وفي القامُوسِ أنَّها بِلادٌ عَنْ مَشْأمَةِ القِبْلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمًا مِن بَنِي كَنْعانَ تَشاءَمُوا إلَيْها، أيْ: تَياسَرُوا أوْ سُمِّيَ بِسامَ بْنِ نُوحٍ فَإنَّهُ بِالشِّينِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، أوْ لِأنَّ أرْضَها شاماتٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ وعَلى هَذا لا تُهْمَزُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأغْبَشِ، وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا بُورِكَ مِنَ الشّامِ أيْنَ مَبْلَغُ حَدِّهِ؟ فَقالَ: أوَّلُ حُدُودِهِ عَرِيشُ مِصْرَ، والحَدُّ الآخَرُ طَرَفُ الثَّنِيَّةِ، والحَدُّ الآخَرُ الفُراتُ، والحَدُّ الآخَرُ جُعِلَ فِيهِ قَبْرُ هُودٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِها ما هو مُتَعارَفُ النّاسِ اليَوْمَ، أعْنِي دِمَشْقَ. نَعَمْ هي داخِلَةٌ فِيها، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى حُدُودِها بِأبْسَطَ مِن هَذا في حَواشِينا عَلى شَرْحِ مُخْتَصَرِ السَّمَرْقَنْدِيَّةِ لِابْنِ عِصامٍ، وقَدْ ولِعَ النّاسُ في دِمَشْقَ مَدْحًا وذَمًّا فَقالَ بَعْضُهُمْ:
تَجَنَّبْ دِمَشْقَ ولا تَأْتِها وإنْ شاقَكَ الجامِعُ الجامِعُ
فَسُوقُ الفُسُوقِ بِها نافِقٌ ∗∗∗ وفَجْرُ الفُجُورِ بِها طالِعُ
وقالَ آخَرُ:
دِمَشْقُ غَدَتْ جَنَّةً لِلْوَرى زَها ∗∗∗ وصَفا العَيْشُ في ظِلِّها
وفِيها لَدى النَّفْسِ ما تَشْتَهِي ∗∗∗ ولا عَيْبَ فِيها سِوى أهْلِها
وقالَ آخَرُ في الشّامِ ولَعَلَّهُ عَنى مُتَعارَفَ النّاسِ:
قِيلَ لِي ما يَقُولُ في الشّامِ ∗∗∗ حَبْرُ شامٍ مِن بارِقِ الهَنا ما شامَهْ
قُلْتُ ماذا أقُولُ في وصْفِ أرْضٍ ∗∗∗ هي في وجْنَةِ المَحاسِنِ شامَهْ
وأنا أقُولُ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي، ونَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الهَوى، والمَوْصُولُ صِفَةُ المَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ العَطْفَ عَلى المَوْصُوفِ قَبْلَ الصِّفَةِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: قامَ أُمُّ هِنْدٍ وأبُوها العاقِلَةُ، وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِأوْرَثْنا أيِ: الأرْضَ الَّتِي؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ نَصْبُ المَشارِقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِ يُسْتَضْعَفُونَ عَلى مَعْنى يُسْتَضْعَفُونَ فِيها، وأنْ يَكُونَ المَشارِقُ مَنصُوبَةً بِ يُسْتَضْعَفُونَ والَّتِي صِفَةٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِأوْرَثْنا مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الأرْضَ أوِ المُلْكَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأنَّ المُتَبادَرَ هو الأوَّلُ.
﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ مِن قَوْلِهِمْ: مَضى عَلى الأمْرِ إذا اسْتَمَرَّ، والمُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ وعْدُهُ تَعالى لَهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ السّابِقُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ إلَخْ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ الوَعْدُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ﴾
صفحة 39
وقِيلَ: المُرادُ بِها عِلْمُهُ تَعالى الأزَلِيُّ، والمَعْنى: مَضى واسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُقَدَّرًا مِن إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وتَوْرِيثِهِمُ الأرْضَ، و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ بِما يُحِبُّونَ ويَسْتَحْسِنُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ عِدَتُهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم بِالجَنَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ، والتَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( رَبِّكَ ) عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ كانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا كَوْنُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُنْجِزًا لِما وعَدَ ومُجْرِيًا لِما قَضى وقَدَّرَ فَهو مَعْلُومٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أدْمَجَ في هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ سَتَتِمُّ كَلِمَةُ رَبِّكَ في شَأْنِكَ أيْضًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ. (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ لِأنَّها مَواعِيدُ، والوَصْفُ بِالحُسْنى لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ كُلِّ جَمْعٍ بِمُفْرِدٍ مُؤَنَّثٍ إلّا أنَّ الشّائِعَ في مِثْلِهِ التَّأْنِيثُ بِالتّاءِ، وقَدْ يُؤَنَّثُ بِالألْفِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَسْبُكَ بِهَذا حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الفَرَجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ أنَّ النّاسَ إذا ابْتُلُوا مِن قِبَلِ سُلْطانِهِمْ بِشَيْءٍ صَبَرُوا ودَعَوُا اللَّهَ تَعالى لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يَرْفَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ،ولَكِنَّهم يَفْزَعُونَ إلى السَّيْفِ فَيُوكَلُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: ما أُوتِيَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ما أُوتِيَتْ إلّا بِصَبْرِهِمْ، وما فَزِعَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ إلى السَّيْفِ قَطُّ فَجاءَتْ بِخَيْرٍ، وأقُولُ: قَدْ شاهَدْنا النّاسَ سَنَةَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ والثَّمانِي والأرْبَعِينَ قَدْ فَزِعُوا إلى السَّيْفِ فَما أغْناهم شَيْئًا، ولا تَمَّ لَهم مُرادٌ ولا حُمِدَ مِنهم أمْرٌ، بَلْ وقَعُوا في حَرَّةِ رَحِيلَةَ، ووادِي خِدْباتٍ، وأُمِّ حُبُوكَرَ، ورُمُوا لَعَمْرِ اللَّهِ بِثالِثَةِ الأثافِيِّ، وقُصَّ مِن جَناحِ عَزِّهِمُ القُدامى والخَوافِي، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ عَيْشَ المُضَرِّ حُلْوُهُ مُرٌّ مُقَرٌّ، وأنَّ الفَرَجَ إنَّما يُصْطادُ بِشِباكِ الصَّبْرِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ: عَجِبْتُ مِمَّنْ خَفَّ كَيْفَ خَفَّ وقَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَلا الآيَةَ، ويُعْلَمُ مِنها أنَّ التَّحَزُّنَ لا يُنافِي الصَّبْرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾، ﴿ودَمَّرْنا﴾ أيْ: خَرَّبْنا وأهْلَكْنا: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ في أرْضِ مِصْرَ مِنَ العِماراتِ والقُصُورِ. أيْ: دَمَّرْنا الَّذِي كانَ هو يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْها وجُمْلَةُ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ خَبَرُ كانَ والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ اسْمَ كانَ، ويَصْنَعُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ الكَوْنِيَّةُ صِلَةُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا. وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ يَصْنَعُ يَصْلُحُ أنْ يَعْمَلَ في فِرْعَوْنَ فَلا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُهُ، كَما لا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ. وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ المِثالِ وما نَحْنُ فِيهِ وهو مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ وكانَ سَيْفُ خَطِيبٍ، والتَّقْدِيرُ ما يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ كَما ذُكِرَ وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ودَمَّرْنا الَّذِي يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ إلَخْ. أيْ: صَنَعَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ مِنَ الجَنّاتِ أوْ ما كانُوا يَرْضَوْنَهُ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ وإلى الثّانِي كَلامُ مُجاهِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ هُنا وفي النَّحْلِ (يِعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، والكَسْرُ
صفحة 40
عَلى ما ذَكَرَ اليَزِيدِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ أفْصَحُ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ: (يَغْرِسُونَ) مِن غَرْسِ الأشْجارِ، وفي الكَشّافِ: أنَّها تَصْحِيفٌ ولَيْسَ بِهِ.
* * *
(وهَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما وجَدْتُهُ لِبَعْضِ أرْبابِ التَّأْوِيلِ مِنَ العارِفِينَ أنَّ العَصا إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها. أيْ: يَعْتَمِدُ في الحَرَكاتِ والأفْعالِ الحَيَوانِيَّةِ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ السَّلِيمَةِ ورِقِّ المَلَكاتِ الفاضِلَةِ والعاداتِ الحَمِيدَةِ مِن شَجَرَةِ الفِكْرِ، وكانَتْ لِتَقَدُّسِها مُنْقادَةً لِأوامِرِهِ مُرْتَدِعَةً عَنْ أفْعالِها الحَيَوانِيَّةِ إلّا بِإذْنِهِ كالعَصا، وإذا أرْسَلَها عِنْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى الخُصُومِ صارَتْ كالثُّعْبانِ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ مِنَ الأكاذِيبِ ويُظْهِرُونَ مِن حِبالِ الشُّبَهاتِ وعَصا المُغالَطاتِ فَيَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم. وأنَّ نَزْعَ اليَدِ إشارَةٌ إلى إظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ السّاطِعَةِ مِنها أنْوارُ الحَقِّ. وجَعَلَ بَعْضُهم فِرْعَوْنَ إشارَةً إلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وقَوْمَهُ إشارَةً إلى صِفاتِها، وكَذا السَّحَرَةُ ومُوسى إشارَةً إلى الرُّوحِ، وقَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ العَقْلُ والقَلْبُ والسِّرُّ وعَلى هَذا القِياسِ. وأوَّلَ النَّيْسابُورِيُّ الطُّوفانَ بِالعِلْمِ الكَثِيرِ، والجَرادَ بِالوارِداتِ والقُمَّلَ بِالإلْهاماتِ، والضَّفادِعَ بِالخَواطِرِ، والدَّمَ بِأصْنافِ المُجاهَداتِ والرِّياضاتِ وهو كَما تَرى.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ ما كانَتْ، والطِّبَّ ما كانَ غالِبًا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، والفَصاحَةَ كانَتْ غالِبًا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّفاخُرُ بِها أشْهَرُ مِن (قِفا نَبْكِ) فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ القُرْآنَ، وإنَّما كانَتْ مُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما غَلَبَ عَلى زَمانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى إجابَةِ دَعْواهُ.
الأعراف 7:138
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ وأراهم مِنَ الآياتِ ما أراهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا رَآهُ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ؛ فَإنَّهم جَرَوْا مَعَهُ عَلى دَأْبِ أسْلافِهِمْ مَعَ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ وقَعُوا فِيما وقَعُوا لِغَفْلَتِهِمْ عَمّا مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وجاوَزَ بِمَعْنى جازَ وقُرِئَ: (جَوَّزْنا) بِالتَّشْدِيدِ وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: قَطَعْنا البَحْرَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالبَحْرِ بَحْرُ القُلْزُمِ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ وهو كَما في البَحْرِ خَطَأٌ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿فَأتَوْا﴾ أيْ: مَرُّوا بَعْدَ المُجاوَزَةِ.
﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا مِن لَخْمٍ اسْمِ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُونَ كَما صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى لَخْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ.
﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الكافِ، قالُوا عِنْدَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ: ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَ (إلَهًا) و(ما) مَوْصُولَةٌ، و(لَهُمْ) صِلَتُها، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ما كافَّةً لِلْكافِ، ولِذا وقَعَ بَعْدَها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً،
صفحة 41
ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا بَعْدَ ما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والبَيِّنَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُتَعَلِّقًا ومَفْعُولًا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ لِأنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ. أيْ: تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ، وتَوْسِيطِ قَوْمٍ وجَعْلِ ما هو المَقْصُودُ بِالأخْبارِ وصْفًا لَهُ لِيَكُونَ كَما قالَ العَلّامَةُ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ، وهَذِهِ كَما ذَكَرَ الشِّهابُ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ في الخَبَرِ المُوَطِّئِ لِادِّعاءِ أنَّ الخَبَرَ لِظُهُورِ أمْرِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ مَعْلُومٌ مُتَحَقِّقٌ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِتَوْسِيطِ المَوْصُوفِ وجْهٌ مِنَ البَلاغَةِ.
الأعراف 7:139
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: القَوْمَ الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ: مُدَمَّرٌ مُهْلَكٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ما هم فِيهِ﴾ مِنَ الدِّينِ، يَعْنِي يُدَمِّرُ اللَّهُ تَعالى دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ عَلى يَدَيَّ ويُهْلِكُ أصْنامَهم ويَجْعَلُها فُتاتًا.
﴿وباطِلٌ﴾ أيْ: مُضْمَحِلٌّ بِالكُلِّيَّةِ، وهو أبْلَغُ مِن حَمْلِهِ عَلى خِلافِ الحَقِّ.
﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن عِبادَتِها، وإنْ قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم أصْلًا، وحَمْلُ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى الأصْنامِ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لَهم خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ الجَهْلِ المُؤَكَّدِ لِلْقَوْمِ، وفي إيقاعِ اسْمِ الإشارَةِ كَما في الكَشّافِ اسْمًا لِأنَّ، وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها وسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا، ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ بَعْدَ إفادَةِ الإحْضارِ وأكْمَلِ التَّمْيِيزِ يُفِيدُ أنَّهم أحِقّاءُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ بِهِ بِواسِطَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ العُكُوفِ، والتَّقْدِيمُ يُؤْذِنُ بِأنَّ حالَ ما هم فِيهِ لَيْسَتْ غَيْرَ التَّبارِ، وحالَ عَمَلِهِمْ لَيْسَتْ إلّا البُطْلانَ، فَهم لا يَعْدُونَهُما فَهُما لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( ما هم فِيهِ ) فاعِلُ (مُتَبَّرٌ) لِاعْتِمادِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو في نَفْسِهِ مُساوٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ مُبْتَدَأً، ومُتَبَّرٌ خَبَرٌ لَهُ أوْ أرْجَحُ مِنهُ إلّا أنَّ المَقامَ كَما قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ اقْتَضى ذَلِكَ. فَلْيُفْهَمْ.
الأعراف 7:140
﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ قِيلَ: هَذا هو الجَوابُ وما تَقَدَّمَ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لَهُ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ أُعِيدَ لَفْظُ قالَ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو شُرُوعٌ في بَيانِ شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما طَلَبُوا عِبادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ طَلَبُهُ أصْلًا؛ لِكَوْنِهِ هالِكًا باطِلًا أصْلًا؛ ولِذَلِكَ وُسِّطَ بَيْنَهُما قالَ. مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الشِّهابُ: أُعِيدَ لَفْظُ قالَ مَعَ اتِّحادِ ما بَيْنَ القائِلِينَ؛ لِأنَّ هَذا دَلِيلٌ خِطابِيٌّ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلى العالَمِينَ، ولَمْ يُسْتَدَلَّ بِالتَّمانُعِ العَقْلِيِّ لِأنَّهم عَوامُّ. انْتَهى.
وفِي إقامَةِ بُرْهانِ التَّمانُعِ عَلى الوَثَنِيَّةِ القائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى والمُجِيبِينَ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِخَلْقِهِنَّ اللَّهُ خَفاءٌ، والظّاهِرُ إقامَتُهُ عَلى التَّنْوِيهِ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وانْتِصابُ (غَيْرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبْغِيكُمْ، وهو عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ أبْغِي لَكُمْ، وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ والهاءَ تَمْيِيزٌ، وجُوِّزَ أنَّ البَقاءَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأبْغِي و(غَيْرَ) صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ هُنا اخْتِصاصُ الإنْكارِ بِغَيْرِهِ تَعالى دُونَ إنْكارِ الِاخْتِصاصِ، والمَعْنى: أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا.
﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِكم أوْ جَمِيعِ العالَمِينَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ تَفْضِيلَهم بِتِلْكَ الآياتِ لا مُطْلَقًا حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى
صفحة 42
أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ، بَلْ هم خارِجُونَ عَنْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِوَجْهِ الإنْكارِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَصَّ التَّفْضِيلَ بِكم فَأعْطاكم نِعَمًا لَمْ يُعْطِها غَيْرَكُمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما صَنَعُوا مِن سُوءِ المُعامَلَةِ حَيْثُ قابَلُوا التَّفَضُّلَ بِالتَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصَ بِأنْ قَصَدُوا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا الِاخْتِصاصُ مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الكَلامِ، وإلّا فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ لا يُفِيدُهُ وإنْ كانَ اخْتِصاصًا آخَرَ عَلى ما قِيلَ، أيْ: هو المَخْصُوصُ بِأنَّهُ فَضَّلَكم عَلى مَن سِواكُمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً.
الأعراف 7:141
﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِكم مِنهُمْ، وإذْ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ لِ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ذِكْرِ ما فِيهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِمَفْعُولِ اذْكُرُوا المَحْذُوفِ، أيِ اذْكُرُوا صَنِيعَنا مَعَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو تَذْكِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ العَظِيمَةِ، وقُرِئَ (نَجَّيْناكُمْ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (أنْجاكُمْ) فَيَكُونُ مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا كَذَلِكَ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ أنْجَيْنا لِمُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ لَهُما ولِمَن مَعَهُما، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا بِالتَّعْظِيمِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْجاءِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَتْمِيمًا لِكَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم ذَلِكَ ويُكَلِّفُونَكم إيّاهُ، إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ مِمَّ أُنْجُوا؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِهِما.
وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن يَسُومُونَكم. مُبَيِّنٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا، ﴿وفِي ذَلِكُمْ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ ﴿بَلاءٌ﴾ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُهُما.
﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وفي الآيَةِ التِفاتٌ عَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الطَّلَبَ لَمْ يَكُنْ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ عَنْ شَكٍّ مِنهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ غَرَضُهم إلَهًا يُعَظِّمُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِتَعْظِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بِالدِّيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ كَما أذِنَتْ بِهِ الآياتُ، وقِيلَ: إنَّ غَرَضَهم عِبادَةُ الصَّنَمِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِدَّةً مِنهُمْ، وأيًّا ما كانَ فالقائِلُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ، وقَدِ اتَّفَقَ في هَذِهِ الأُمَّةِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْها أسْلِحَتَهم ويَعْكُفُونَ حَوْلَها يُقالُ لَها ذاتُ أنْواطٍ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَ اللَّهِ» وفي رِوايَةٍ: «اللَّهُ أكْبَرُ»» هَذا كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««غَزْوَنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الفَتْحِ ونَحْنُ ألْفٌ ونَيِّفٌ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ وحُنَيْنًا حَتّى إذا كُنّا بَيْنَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ في أرْضٍ فِيها سِدْرَةٌ عَظِيمَةٌ كانَ يُناطُ بِها السِّلاحُ فَسُمِّيَتْ ذاتَ أنْواطٍ، فَكانَتْ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرَفَ
صفحة 43
عَنْها في يَوْمٍ صائِفٍ إلى ظِلٍّ هو أدْنى مِنها. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّها السُّنَنُ قُلْتُمْ - والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ - كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ»».
وفِي هَذا الخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ القائِلَ رَجُلٌ واحِدٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ جَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ ولا يَكُونُ بِهِ كافِرًا وإلّا لَأمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَجْدِيدِ الإسْلامِ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ، والنّاسُ اليَوْمَ قَدِ اتَّخَذُوا مِن قَبِيلِ ذاتِ الأنْواطِ شَيْئًا كَثِيرًا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الحَصْرِ، والآمِرُ بِالمَعْرُوفِ أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، والِامْتِثالُ بِفَرْضِ الأمْرِ مَنُوطٌ بِالعَيُّوقِ، والأمْرُ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ.
الأعراف 7:142
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الكِتابَ فَأمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: «لَمّا أتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ بَعْدَ الثَّلاثِينَ وقَدْ صامَ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ فَتَناوَلَ مِن نَباتِ الأرْضِ فَمَضَغَهُ. فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: لِمَ أفْطَرْتَ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ. قالَ: أيْ رَبِّ، كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ، قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدِي أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارْجِعْ فَصُمْ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾» والتَّعْبِيرُ عَنْها بِاللَّيالِي كَما قِيلَ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ وكُلِّمَ فِيها، وقَدْ أُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، ﴿وواعَدْنا﴾ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ عَلى بابِها بِناءً عَلى تَنْزِيلِ قَبُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ الوَعْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
و(ثَلاثِينَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إتْمامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً أوْ إتْيانَها.
﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مِن قَبِيلِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ أنَّ إتْمامَ الثَّلاثِينَ بِعَشْرٍ يَحْتَمِلُ المَعْنى المُتَبادَرَ وهو ضَمُّ عَشَرَةٍ إلى ثَلاثِينَ لِتَصِيرَ بِذَلِكَ أرْبَعِينَ، ويَحْتَمِلَ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَتَمَّتْ بِعَشَرَةٍ ثَلاثِينَ كَما يُقالُ: أتْمَمْتُ العَشَرَةَ بِدِرْهَمَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّها لَوْلا الدِّرْهَمانِ لَمْ تَصِرْ عَشَرَةً فَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاحْتِمالِ الثّانِي جِيءَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الإتْمامَ بِعَشْرٍ مُطْلَقٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْيِينُها بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِإرادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجِيءَ بِما ذُكِرَ لِيُفِيدَ أنَّ المُرادَ الأوَّلُ، وقِيلَ: جِيءَ بِهِ رَمْزًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في تِلْكَ العَشْرِ ما يُوجِبُ الجَبْرَ، والمِيقاتُ بِمَعْنى الوَقْتِ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَهُما بِأنَّ الوَقْتَ مُطْلَقٌ، والمِيقاتَ وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، ومِنهُ مَواقِيتُ الحَجِّ، ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) قِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ أيْ: بالِغًا أرْبَعِينَ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْحالِ المَحْذُوفِ لا حالًا، وأُجِيبَ بِأنَّ النَّحْوِيِّينَ يُطْلِقُونَ الحُكْمَ الَّذِي لِلْعامِلِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَهُ فَيَقُولُونَ فِي: زَيْدٌ في الدّارِ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ، مَعَ أنَّ الخَبَرَ إنَّما هو مُتَعَلِّقُهُ. وتُعُقِّبَ بِأنِ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ في الظَّرْفِ دُونَ غَيْرِهِ، فالأحْسَنُ أنَّهُ حالٌ بِتَقْدِيرِ: مَعْدُودًا، وفِيهِ أنَّ دَعْوى تَخْصِيصِ الذِّكْرِ في الظَّرْفِ خِلافُ الواقِعِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وأنَّ ما زَعَمَهُ أحْسَنُ مِمّا تَقَدَّمَ يَرِدُ عَلَيْهِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ
صفحة 44
( تَمَّ ) مَعْنى بَلَغَ، وقِيلَ: إنَّ تَمَّ مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وهَذا خَبَرُهُ، وهو خَبَرٌ غَرِيبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ تَكُونُ الأرْبَعِينَ ظَرْفًا لِلتَّمامِ والتَّمامُ إنَّما هو بِآخِرِها إلّا أنْ يُتَجَوَّزَ فِيهِ.
﴿وقالَ مُوسى﴾ حِينَ تَوَجَّهَ إلى المُناجاةِ حَسْبَما أُمِرَ بِهِ.
﴿لأخِيهِ هارُونَ﴾ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عِبْرانِيٌّ لَمْ يَقَعْ في كَلامِ العَرَبِ بِطَرِيقِ الأصالَةِ، ويُكْتَبُ بِدُونِ ألِفٍ، وهو هُنا بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِن أخِيهِ أوْ بَيانًا لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أعْنِي أعْنِي، وقُرِئَ شاذًّا بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو (هُوَ) أوْ مُنادى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ أيْ: يا هارُونُ ﴿اخْلُفْنِي﴾ . أيْ: كُنْ خَلِيفَتِي في قَوْمِي وراقِبْهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، واسْتِخْلافُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأخِيهِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا مِثْلَهُ. قِيلَ: لِأنَّ الرِّياسَةَ كانَتْ لَهُ دُونَهُ، واجْتِماعُ الرِّياسَةِ مَعَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ لَيْسَ أمْرًا لازِمًا كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ سَبْرُ قَصَصِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ -قُدِّسَ سِرُّهُ- في فُتُوحاتِهِ أنَّ هارُونَ ذُكِرَ لَهُ أنَّهُ نَبِيٌّ بِحُكْمِ الأصالَةِ، ورَسُولٌ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ، فَلَعَلَّ هَذا الِاسْتِخْلافَ مِن آثارِ تِلْكَ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا كَما يَقُولُ أحَدُ المَأْمُورَيْنِ بِمَصْلَحَةٍ لِلْآخَرِ إذا أرادَ الذَّهابَ لِأمْرٍ: كُنْ عِوَضًا عَنِّي عَلى مَعْنى: ابْذُلْ غايَةَ وُسْعِكَ ونِهايَةَ جُهْدِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِعْلُكَ فِعْلَ شَخْصَيْنِ، ﴿وأصْلِحْ﴾ ما يَحْتاجُ إلى الإصْلاحِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، أوْ كُنْ مُصْلِحًا عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ الرِّفْقَ بِهِمْ والإحْسانَ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ: احْمِلْهم عَلى الطّاعَةِ والصَّلاحِ.
﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ مَن سَلَكَ الإفْسادَ بِدَعْوَةٍ وبِدُونِها، وهَذا مِن بابِ التَّوْكِيدِ كَما لا يَخْفى.