Tafsir Al-Alusi — يونس 10:1 – يونس 10:70
المحتويات
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:6
- يونس 10:7
- يونس 10:8
- يونس 10:9
- يونس 10:10
- يونس 10:11
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:17
- يونس 10:18
- يونس 10:19
- يونس 10:20
- يونس 10:21
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:24
- يونس 10:25
- يونس 10:26
- يونس 10:27
- يونس 10:28
- يونس 10:29
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:32
- يونس 10:33
- يونس 10:34
- يونس 10:35
- يونس 10:36
- يونس 10:37
- يونس 10:38
- يونس 10:39
- يونس 10:40
- يونس 10:41
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:44
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:47
- يونس 10:48
- يونس 10:49
- يونس 10:50
- يونس 10:51
- يونس 10:52
- يونس 10:53
- يونس 10:54
- يونس 10:55
- يونس 10:56
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:59
- يونس 10:60
- يونس 10:61
- يونس 10:62
- يونس 10:63
- يونس 10:64
- يونس 10:65
- يونس 10:66
- يونس 10:67
- يونس 10:68
- يونس 10:69
- يونس 10:70
يونس 10:1
صفحة 58
سُورَةُ يُونُسَ
مَكِّيَّةٌ عَلى المَشْهُورِ واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم ثَلاثَ آياتٍ 1 ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ، وحَكى ابْنُ الفُرْسِ والسَّخاوِيُّ أنَّ مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ أرْبَعِينَ آيَةً مَكِّيٌّ والباقِي مَدَنِيٌّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رِوايَتانِ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ الرِّوايَةُ الأُولى، وآياتُها مِائَةٌ وتِسْعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ غَيْرَ الشّامِيِّ فَإنَّها عِنْدَهُ مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ بَراءَةَ أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِذِكْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذِهِ ابْتُدِئَتْ بِهِ وأيْضًا أنَّ في الأُولى بَيانًا لِما يَقُولُهُ المُنافِقُونَ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ وفي هَذِهِ بَيانٌ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ وأيْضًا في الأوْلى ذَمُّ المُنافِقِينَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ والتَّذَكُّرِ إذا أصابَهُمُ البَلاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ عَلى أحَدِ الأقْوالِ وفي هَذِهِ ذَمٌّ لِمَن يُصِيبُهُ البَلاءُ فَيَرْعَوِي ثُمَّ يَعُودُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وأيْضًا في الأُولى بَراءَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وفي هَذِهِ بَراءَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن عَمَلِهِمْ لَكِنْ مِن دُونِ أمْرٍ بِقِتالٍ بَلْ أُمِرَ فِيها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُظْهِرَ البَراءَةَ فِيها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِالإعْراضِ وتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ كَما قِيلَ عَلى ضِدِّ ما في الأُولى وهَذا نَوْعٌ مِنَ المُناسَبَةِ أيْضًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والعَجَبُ مِنَ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَيْفَ لَمْ يَلُحْ لَهُ في تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذِكْرُ وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ وقَدْ يُوجَدُ في الأسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الأسْفاطِ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ بِتَفْخِيمِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ وهو الأصْلُ وأمالَ أبُو عَمْرٍو وبَعْضُ القُرّاءِ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ فَإنَّهم يُمِيلُونَها تَنْبِيهًا عَلى أصْلِها، وفي الإمالَةِ هُنا دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ را حَرْفٌ كَما ولا فَقْدَ صَرَّحُوا أنَّ الحُرُوفَ يَمْتَنِعُ فِيها الإمالَةُ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ والمُرادُ مِن (الر) عَلى ما رَوى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا اللَّهُ أرى، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها بَعْضُ الرَّحْمَنِ وتَمامِهِ حَم ون، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها بَعْضُ الرّاحِمِ وهو مِن أسْماءِ القُرْآنِ وقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلْأحْرُفِ المَعْلُومَةُ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي أُتِيَ بِها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي وعَلَيْهِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والكَلامُ فِيها وفي نَظائِرِها شَهِيرٌ.
صفحة 59
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِكَذا وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِعَدَمِ سَبْقِ العِلْمِ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها لا جَعْلُها عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِ بِالِانْتِسابِ والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِصَيْرُورَتِها في حُكْمِ الحاضِرِ لِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ كَما يُقالُ في الصُّكُوكِ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ وجُوِّزَ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لائِقٍ بِالمَقامِ كاذْكُرْ واقْرَأْ وكَلِمَةُ ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْها إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿الر﴾ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَدْ نَزَلَ حُضُورُ مادَّتِها مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ إلَخْ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اسْمًا لِلسُّورَةِ فَقَدْ نَوَّهْتُ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها أوِ الأمْرِ بِذِكْرِها أوْ بِقِراءَتِها وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿الر﴾ مُبْتَدَأً فَهو إمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ والمَعْنى هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ مُتَرْجَمَةٌ بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ وصْفِيَّتُها بِما أُشِيرَ إلى اتِّصافِهِ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا جَمِيعُ القُرْآنِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ إمّا بِاعْتِبارِ تَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ في العِلْمِ أوْ في اللَّوْحِ أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ جُمْلَةً إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا وإمّا جَمِيعُ القُرْآنِ النّازِلِ وقْتَئِذٍ المُتَفاهِمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ ما نَزَلَ في كُلِّ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ عَنِ السَّلَفِ تَفْوِيضُ مَعْنى ﴿الر﴾ وأمْثالِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وحَيْثُ لَمْ يَظْهَرِ المُرادُ مِنها لا مَعْنى لِلتَّعَرُّضِ لِإعْرابِها وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ في الإشارَةِ أنْ تَكُونَ لِآياتِ هَذِهِ السُّورَةِ وأنْ تَكُونَ لِآياتِ القُرْآنِ ويَجُوزُ في الكِتابِ أنْ يُرادَ بِهِ السُّورَةُ وأنْ يُرادَ القُرْآنُ فَتَكُونُ الصُّوَرُ أرْبَعًا إحْداها الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ والكِتابِ بِمَعْنى السُّورَةِ ولا يَصِحُّ إلّا بِتَخْصِيصِ آياتٍ أوْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ وثانِيها عَكْسُهُ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وثالِثُها الإشارَةُ إلى آياتِ السُّورَةِ والكِتابِ بِمَعْنى السُّورَةِ ورابِعُها الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ والكِتابِ بِمَعْنى القُرْآنِ ومَرْجِعُ إفادَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ صِفَةِ الكِتابِ الآتِيَةِ وجُوِّزَ الإشارَةُ إلى الآياتِ لِكَوْنِها في حُكْمِ الحاضِرِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ كَما في المِثالِ المَذْكُورِ آنِفًا وفي أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حاضِرًا بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا ذِهْنًا وفي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ ما يُؤَيِّدُهُ وأوْثَرُ لَفْظِ تِلْكَ لِما أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ولِكَوْنِهِ في حُكْمِ الغائِبِ مِن وجْهٍ ولا يَخْلُو ما ذَكَرُوهُ عَنْ دَغْدَغَةٍ وأمّا حَمْلُ الكِتابِ عَلى الكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ فَهو في غايَةِ البُعْدِ فَتَأمَّلْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَكِيمِ 1﴾ صِفَةٌ لِلْكِتابِ ووُصِفَ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ فَيُرادُ بِالحَكِيمِ ذُو الحِكْمَةِ عَلى أنَّهُ لِلنِّسْبَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَشْبِيهُ الكِتابِ بِإنْسانٍ ناطِقٍ بِالحِكْمَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ وإثْباتُ الحِكْمَةِ قَرِينَةٌ لَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ فالمَعْنى حَكِيمٌ قائِلُهُ فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ كَلَيْلِهِ قائِمٌ ونَهارُهُ صائِمٌ وقِيلَ: لِأنَّ آياتِهِ مُحْكَمَةٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ بِكِتابٍ آخَرَ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ
يونس 10:2
﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ ولِتَعْجِيبِ السّامِعِينَ مِنهُ لِوُقُوعِهِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ العَرَبِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ
صفحة 60
الجِنْسِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكُفْرِهِمُ الَّذِي هو المَدارُ لِتَعَجُّبِهِمْ كَما تَعَرَّضَ لَهُ فِيما بَعْدُ لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَهم وتَعْيِينِ مَدارِ التَّعْجِيبِ في زَعْمِهِمْ ثُمَّ تَبْيِينِ خَطَئِهِمْ وإظْهارِ بُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿عَجَبًا﴾ كَما هو القاعِدَةُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِعَجَبًا بِناءً عَلى التَّوَسُّعِ المَشْهُورِ في الظُّرُوفِ وبَعْضُهم جَعَلَها مُتَعَلِّقَةً بِهِ لا عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ
عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بَيْنِي وبَيْنَها
بَلْ عَلى طَرِيقِ التَّبْيِينِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وسُقْيا لَكَ ومِثْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المَصْدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِالتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ في التَّحْقِيقِ وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُعْجَبِ والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ فاعِلٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ وجُوِّزَ أيْضًا تَعَلُّقُهُ بِكانَ وإنْ كانَتْ ناقِصَةً بِناءً عَلى جَوازِهِ و﴿عَجَبًا﴾ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في الِاسْمِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ فَفي تَقْدِيمِهِ رِعايَةٌ لِلْأصْلِ نَوْعُ إخْلالٍ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (عَجَبٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهو نَكِرَةٌ والخَبَرُ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وهو مَعْرِفَةٌ لِأنَّ أنَّ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ المُضافِ إلى المَعْرِفَةِ فَهو كَقَوْلِ حَسّانَ:
كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْنِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى القَلْبِ وفي قَبُولِهِ مُطْلَقًا أوْ إذا تَضَمَّنَ لَطِيفَةً خِلافٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اشْتِراطُ التَّضَمُّنِ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ هُنا، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ قالَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ في البَيْتِ مِن حَيْثُ كانَ عَسَلٌ وماءٌ جِنْسَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ: يَكُونُ مِزاجُها العَسَلَ والماءَ ونَكِرَةُ الجِنْسِ تُفِيدُ مُفادَ مَعْرِفَتِهِ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ أيْ فَإذا الأسَدُ بِالبابِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما لِأنَّكَ في المَوْضِعَيْنِ لا تُرِيدُ أسَدًا مُعَيَّنًا ولِهَذا لَمْ يَجُزْ هَذا في قَوْلِكَ: كانَ قائِمٌ أخاكَ وكانَ جالِسٌ أباكَ لِأنَّهُ لَيْسَ في جالِسٍ وقائِمٍ مَعْنى الجِنْسِيَّةِ الَّتِي تَتَلاقى مَعْنى نَكِرَتِها ومَعْرِفَتِها
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا كانَ الوَحْيَ لِلنّاسِ هَذا الجِنْسَ مِنَ الفِعْلِ وهو التَّعَجُّبُ ولا يَخْفى أنَّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ هو المَصْدَرُ المُضافُ إلى المَعْرِفَةِ كَما سَمِعْتَ فاعْتِبارُهُ مُحَلًّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ وأجازَ بَعْضُهُمُ الإخْبارَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ في بابِ النَّواسِخِ خاصَّةً سَواءٌ كانَ هُناكَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ أمْ لا. وابْنُ جِنِّيٍّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذا كانَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ ولا يُجَوِّزُ إذا لَمْ يَكُنْ وفي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ عَلى النّاسِخِ وهو في حُكْمِ النَّفْيِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ كانَ تامَّةً و(عَجَبٌ) فاعِلٌ لَها و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِعَجَبٍ أيْ لِأنْ أوْحَيْنا أوْ مِن أنْ أوْحَيْنا أوْ هو بَدَلٌ مِنهُ كُلٌّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِهِ عَجَبًا لا إلى حُدُوثِهِ وكَوْنُ الإبْدالِ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ لَيْسَ مَعْناهُ إهْدارَهُ بِالمَرَّةِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ واقْتَصَرَ في اللَّوامِحِ عَلى أنَّ ﴿لِلنّاسِ﴾ خَبَرُ كانَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ مَعْنًى لِأنَّهُ يُفِيدُ إنْكارَ صُدُورِهِ مِنَ النّاسِ لا مُطْلَقًا وفِيهِ رَكاكَةٌ ظاهِرَةٌ فافْهَمْ وإنَّما قِيلَ: لِلنّاسِ لا عِنْدَ النّاسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ إلى بَشَرٍ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أوْ إلى رَجُلٍ مِن أفْناءِ رِجالِهِمْ مِن حَيْثُ المالُ لا مِن حَيْثُ النَّسَبُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن مَشاهِيرِهِمْ فِيهِ وكانَ مِنهُ بِمَكانٍ لا يُدْفَعُ فَهو كَقَوْلِهِمْ: مَبْحَثٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ إلَخْ
صفحة 61
﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: العَجَبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ والعَجَبُ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ أمّا في قَوْلِهِمُ الأوَّلِ فَحَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ بَعْثَ المَلَكِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ كَوْنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مَلائِكَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ مُفاوَضَةِ المَلائِكَةِ لِأنَّها مَنُوطَةٌ بِالتَّناسُبِ فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ وإنَّما الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بَعْثُ المَلَكِ مِن بَيْنِهِمْ إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ لِيَتَأتّى لَهُمُ الِاسْتِفاضَةُ والإفاضَةُ وهَذا تابِعٌ لِلِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ كَما لا يَخْفى وأمّا في قَوْلِهِمُ الثّانِي فَلِأنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلْإيحاءِ إلى شَخْصٍ هو التَّقَدُّمُ في الِاتِّصافِ بِما عَلِمْتَ والسَّبْقُ في إحْرازِ الفَضائِلِ وحِيازَةِ المَلَكاتِ السَّنِيَّةِ جِبِلَّةً واكْتِسابًا ولا رَيْبَ لِأحَدٍ في أنَّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَدَحَ المُعَلّى مِن ذَلِكَ بَلْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ غايَةُ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةُ النِّهاياتِ النّائِيَةِ يَقُولُ رائِيهِ
وأحْسَنُ مِنكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ∗∗∗ ومِثْلُكَ قَطُّ لَمْ تَلِدِ النِّساءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيْبٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ
وكَذا يَقُولُ: ولَوْ صُوِّرَتْ نَفْسُكَ لَمْ تَزِدْها عَلى ما فِيكَ مِن كَرَمِ الطِّباعِ وأمّا التَّقَدُّمُ في الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّبْقُ في نَيْلِ الحُظُوظِ الدَّنِيَّةِ فَلا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ قَطْعًا بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِهِ غالِبًا وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أبْياتٍ:
لَكِنَّ مِن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقِ
وما ذَكَرُوهُ مِنَ اليُتْمِ إنْ رُجِعَ إلى ما في الآيَةِ عَلى التَّوْجِيهِ الثّانِي فَبُطْلانُهُ بُطْلانُهُ وإنْ أرادُوا أنَّ أصْلَ اليُتْمِ مانِعٌ مِنَ الإيحاءِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو أظْهَرُ بُطْلانًا وأوْضَحُ هَذَيانًا وما ألْطَفَ ما قِيلَ إنَّ أنْفَسَ الدُّرِّ يَتِيمُهُ وقِيلَ لِلْحَسَنِ: لِمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتِيمًا؟ فَقالَ: لِئَلّا يَكُونُ لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهِ مِنَّةٌ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي آواهُ وأدَّبَهُ ورَبّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿هَذا﴾ والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الَّذِي أرادَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ولَمْ يَرْتَضِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وزَعَمَ أنَّ التَّحامِيَ عَنْهُ أوْلى ثُمَّ قالَ: والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ إلى مَشْهُورٍ بَيْنَهم يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وجَلالَتَهُ وأمانَتَهُ وعِفَّتَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ في آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلُ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّ هَذا هو مَحَلُّ إنْكارِ العَجَبِ ويَكُونُ هَذا وجْهَ مُناسَبَةِ وضْعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ تِلْكَ واعْتِلاقِ أوَّلِ هَذِهِ بِآخِرِ تِلْكَ ونَظِيرِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما قالَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ وإنْ كانَ أعْظَمَ مِمّا ذُكِرَ لَكِنَّ السِّياقَ يَقْتَضِي بَيانَ كُفْرِهِمْ وتَذْلِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى وعَظَّمَهُ والَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ تَعَيُّنُ الوَجْهِ الأوَّلِ هُنا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم فَقالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ الآيَةَ.
صفحة 62
فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَجَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ فَلَوْلا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما حُكِيَ في الوَجْهِ الثّانِي سَبَبٌ لِنُزُولِ آيَةٍ أُخْرى ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ أخْبِرْهم بِما فِيهِ تَخْوِيفٌ لَهم مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ يُمْكِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبْلِيغُهم ذَلِكَ لا ما أُرِيدَ بِالنّاسِ أوَّلًا وهو النُّكْتَةُ في إيثارِ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ وكَوْنُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ عِنْدَ إعادَةِ المَعْرِفَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ لِمَفْعُولِ الإيحاءِ المُقَدَّرِ وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وهو الإيحاءُ أوْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ المُثْقَلَةِ عَلى أنَّ اسْمَها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرُها وفي وُقُوعِها خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ دُونَ تَأْوِيلِ وتَقْدِيرِ قَوْلٍ اخْتِلافٌ فَذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ إلى أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّفْسِيرُ وخالَفَهُ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ وذَهَبُوا إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ خَبَرِهِ وخَبَرِ غَيْرِهِ
وقالَ بَعْضُهُمْ: هي المَصْدَرِيَّةُ الخَفِيفَةُ في الوَضْعِ بِناءً عَلى أنَّها تُوصِلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والكَثِيرُ عَلى المَنعِ وذَكَرَ أبُو حَيّانَ هَذا الِاحْتِمالَ هُنا مَعَ أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ في المُغْنِي أنَّ مَذْهَبَهُ المَنعُ لِما أنَّهُ يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ إذا سُبِكَ بِالمَصْدَرِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُفَوِّتُ مَعْنى المُضِيِّ والحالِيَّةِ والِاسْتِقْبالِ المَقْصُودُ أيْضًا مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى جَوازِ وصْلِها بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: بِأنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا فَإنَّ المَصْدَرَ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ التِزامًا فَقَدْ تُنْصَبُ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَلا يَفُوتُ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ بِخِلافِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْمَصْدَرِ وعَلَيْهِما أصْلًا. وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ المَصْدَرَ كَما يَجُوزُ أخْذُهُ مِن جَوْهَرِ الكَلِمَةِ يَجُوزُ أخْذُهُ مِنَ الهَيْئَةِ وما يُتْبِعُها فَيُقَدَّرُ في هَذا ونَحْوِهِ أوْحَيْنا إلَيْهِ الأمْرَ بِالإنْذارِ كَما قُدِّرَ في - أنْ لا تَزْنِي خَيْرٌ - عَدَمُ الزِّنا خَيْرٌ ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ يَجْرِي في أنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْضًا وإنَّ أقَلَّ الِاحْتِمالاتِ مُؤْنَةً احْتِمالُ التَّفْسِيرِ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ وصَدَّقُوهُ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ بِأنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ أيْ سابِقَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وأصْلُ القَدَمِ العُضْوُ المَخْصُوصُ وأُطْلِقَتْ عَلى السَّبَقِ مَجازًا مُرْسَلًا لِكَوْنِها سَبَبَهُ وآلَتَهُ وأُرِيدَ مِنَ السَّبْقِ الفَضْلُ والشَّرَفُ والتَّقَدُّمُ المَعْنَوِيُّ إلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ مَجازًا أيْضًا فالمَجازُ هُنا بِمَرْتَبَتَيْنِ وقِيلَ: المُرادُ تَقَدُّمُهم عَلى غَيْرِهِمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى أدْخُلَها أنا وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخُلَها أُمَّتِي» . وقِيلَ: تَقَدُّمُهم في البَعْثِ وأصْلُ الصِّدْقِ ما يَكُونُ في الأقْوالِ ويُسْتَعْمَلُ كَما قالَ الرّاغِبُ في الأفْعالِ فَيُقالُ: صَدَقَ في القِتالِ إذا وفاهُ حَقَّهُ وكَذا في ضِدِّهِ يُقالُ: كَذَبَ فِيهِ فَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فاضِلٍ ظاهِرًا وباطِنًا ويُضافُ إلَيْهِ كَمَقْعَدِ صِدِقٍ ومَدْخَلِ صِدْقٍ ومُخْرَجِ صِدْقٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وصَرَّحُوا هُنا بِأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ والأصْلُ قَدَمُ صِدْقِ أيِّ مُحَقَّقَةٌ مُقَرَّرَةٌ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِجَعْلِها عَيْنَ الصِّدْقِ ثُمَّ جَعْلِ الصِّدْقِ كَأنَّهُ صاحِبُها ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما نالُوهُ مِنَ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ كانَ بِسَبَبِ صِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذا التَّنْبِيهَ قَدْ يَحْصُلُ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِأنَّ الصِّدْقَ قَدْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ تَوْفِيَةِ الأُمُورِ الفاضِلَةِ حَقَّها لِلُزُومِ الصِّدْقِ لَها حَتّى كَأنَّها تُوجَدُ بِدُونِهِ ويَكْفِي مِثْلُهُ في ذَلِكَ التَّنْبِيهِ وهَذا كَما قالُوا: إنَّ أبا لَهَبٍ
صفحة 63
يُشِيرُ إلى أنَّهُ جَهَنَّمِيٌّ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى ويَجُوزُ إلى يُرادُ بِالقَدَمِ المَقامَ بِإطْلاقِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ القَدَمَ الشَّيْءُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ قُدّامَكَ لِيَكُونَ عُدَّةً لَكَ حِينَ تُقْدِمُ عَلَيْهِ ويُشْعِرُ بِأنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ وبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهم وقالَ إنَّهُ كالنَّقْضِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلْحُسْنى مِنَ العَبْدِ كَما أنَّ اليَدَ اسْمٌ لِلْحُسْنى مِنَ السَّيِّدِ وفَعَلُوا ذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العَبْدِ والسَّيِّدِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ ولا يَكادُ يَصِحُّ في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَتْ عَلى البَحْرِ
وقَوْلِهِ:
وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ ∗∗∗ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ في المَفاخِرِ
والسَّبْقِ هو الأسْبَقُ إلى الذِّهْنِ في ذَلِكَ وكَذا في قَوْلِ حَسّانَ:
لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
(وقَوْلِ الآخَرِ)
صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ تُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلِ
مُحْتَمِلٌ لِسائِرِ المَعانِي وهَلْ يُطْلَقُ عَلى سابِقَةِ السُّوءُ أوْ لا الظّاهِرُ الأوَّلُ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ
وقالَ صاحِبُ الِانْتِصافِ لَمْ يُسَمُّوا سابِقَةَ السُّوءِ قَدَمًا إمّا لِكَوْنِ المَجازِ يَطَّرِدُ وإمّا لِأنَّهُ غَلَبَ في العُرْفِ عَلى سابِقَةِ الخَيْرِ وفِيهِ نَظَرٌ وتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَهُ بِالأجْرِ وابْنِ مَسْعُودٍ بِالعَمَلِ لا يَخْرُجُ عَمّا ذَكَرْنا مِن مَعانِيهِ وكَذا تَفْسِيرُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ لَهُ بِرَأْسِ المَوْجُوداتِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرْجِعُ إلى تَفْسِيرِهِ بِالخَيْرِ والسَّعادَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ وكَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيْرًا وسَعادَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا لا يَمْتَرِي فِيهِ مُؤْمِنٌ أوْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ شَفاعَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والأمْرُ في ذَلِكَ حِينَئِذٍ في غايَةِ الظُّهُورِ وخُصَّ التَّبْشِيرُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالكَفّارِ وتَبْشِيرُهم إنْ آمَنُوا راجِعٌ إلى تَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ وهَذا بِخِلافِ الإنْذارِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يَذْكُرْ جَلَّ وعَلا المُنْذَرَ بِهِ لِلتَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ وذَكَرَ المُبَشَّرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِتَقْوى رَغْبَةُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ وقَدَّمَ الإنْذارَ عَلى التَّبْشِيرِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ وإزالَةِ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ في الرُّتْبَةِ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي
﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ هُمُ المُتَعَجِّبُونَ وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ عَلى بابِهِ وتَرْكُ العاطِفِ لِجَرَيانِهِ مَجْرى البَيانِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ أوْ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ هَلْ بَقُوا عَلى التَّرَدُّدِ والِاسْتِبْعادِ أوْ قَطَعُوا فِيهِ بِشَيْءٍ؟ فَقِيلَ: قالَ الكافِرُونَ عَلى طَرِيقَةِ التَّأْكِيدِ ﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكِتابِ المُنْطَوِي عَلى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وزَعَمَ الخازِنُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرْ وبَشِّرْ فَلَمّا جاءَهم بِالوَحْيِ وأنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ 2﴾ أيْ ظاهِرٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ (لَساحِرٌ) عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى رَجُلٍ وعَنَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ) وأرادُوا بِالسِّحْرِ الحاصِلَ بِالمَصْدَرِ وفي هَذا اعْتِرافٌ بِأنَّ ما عايَنُوهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ نازِلٌ مِن حَضْرَةِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ ولَكِنَّهم
صفحة 64
يُسَمُّونَهُ بِما قالُوا تَمادِيًا في العِنادِ كَما هو شَنْشَنَةُ المُكابِرِ اللَّجُوحِ ونَشْنَشَةُ المُفْحَمِ المَحْجُوجِ
يونس 10:3
﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما تَبِعَهُ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غَبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ غَيْرُ ما آيَةٍ في الكِتابِ الكَرِيمِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْ أنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكِمُ الَّذِي تَعْجَبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتَعُدُّونَ ما أوْحى إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ سِحْرًا هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ أوْقاتٍ فالمُرادُ مِنَ اليَوْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو مُطْلَقُ الوَقْتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن أيّامِ الآخِرَةِ الَّتِي يَوْمٌ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وقِيلَ: هي مِقْدارُ سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ بِخَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ ولِأنَّهُ تَعْرِيفٌ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمِ اليَوْمُ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ كَما قِيلَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ واليَوْمَ بِهَذا المَعْنى يُسَمّى النَّهارَ المُفْرَدَ ويُطْلَقُ اليَوْمُ أيْضًا عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ ومِقْدارُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الإرادَةِ هُنا أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّماواتِ ما عَدا المُحَدَّدَ وأنَّ اليَوْمَ هُنا عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةِ دَوْرَةٍ تامَّةٍ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ اليَوْمَ اللُّغَوِيَّ يَتَناوَلُ هَذا أيْضًا إلّا أنَّ إرادَتَهُ كَإرادَةِ مِقْدارِ مَجْمُوعِ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّقْلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهِ يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ مُتَحَرِّكًا بِالحَرَكَةِ الوَضْعِيَّةِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى النَّقْلِ أيْضًا وكَذا يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ خارِجًا عَنِ السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ في الأيّامِ السِّتِّ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إذِ الآياتُ والأخْبارُ شاهِدَةٌ بِالخُرُوجِ كَما لا يَخْفى وفي خَلْقِها مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ اعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ وفِيهِ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِن خَلْقِ مَوادِّ السَّماواتِ وصُوَرِها ورَبْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وخَلْقِ مادَّةِ الأرْضِ وصُورَتِها ورَبْطِ إحْداهُما بِالأُخْرى وقْتًا فَلِذا صارَتِ الأوْقاتُ سِتًّا وفِيهِ تَأمُّلٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الدُّخانِ تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ عَلى وجْهٍ يَنْكَشِفُ بِهِ الغُبارُ عَنْ بَصائِرِ النّاظِرِينَ
وإيثارُ جَمْعِ السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإيذانِ بِأنَّها أجْرامٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّباعِ مُتَبايِنَةُ الآثارِ والأحْكامِ وتَقْدِيمُها عَلى الأرْضِ إمّا لِأنَّها أعْظَمُ مِنها خَلْقًا أوْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلَيْها في آيَةِ طه لِكَوْنِها أقْرَبَ إلى الحِسِّ وأظْهَرَ عِنْدَهُ وسَيَأْتِي أيْضًا تَحْقِيقُهُ هُناكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ وكَفُّ الكَيْفِ مَشْلُولَةٌ وقِيلَ: الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ مَجازٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ مُتَفَرِّعٌ عَنِ الكِنايَةِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ القُعُودُ عَلى السَّرِيرِ يُقالُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ ويُرادُ مِنهُ مُلْكٌ وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِواءَ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ وأرْجَعُوهُ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ التَّشابُهِ ولِلنّاسِ فِيهِ مَذاهِبُ
صفحة 65
وما أشَرْنا إلَيْهِ هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ سَلَفِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقَدْ صَرَّحَ بَعْضٌ أنَّ الِاسْتِواءَ صِفَةٌ غَيْرُ الثَّمانِيَةِ لا يَعْلَمُ ما هي إلّا مَن هي لَهُ والعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإدْراكِ إدْراكٌ واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الخَلَفِ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُلْكُ والسُّلْطانُ وذَكَرَهُ لِبَيانِ جَلالَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ وسِعَةِ قُدْرَتِهِ بِما مَرَّ مِن خَلْقِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حِكْمَةِ اسْتِوائِهِ جَلَّ وعَلا عَلى العَرْشِ وتَقْرِيرِ عَظَمَتِهِ والتَّدْبِيرُ في اللُّغَةِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَحْمُودِ والمُرادُ بِهِ هُنا التَّقْدِيرُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والوَجْهِ الأتَمِّ الأكْمَلِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يَقْضِي الأمْرَ والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ الكائِناتِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها حَتّى العَرْشُ فَألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أيْ يُقَدِّرُ أمْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى الوَجْهِ الفائِقِ والنَّمَطِ اللّائِقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ وتَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ دُخُولًا ظاهِرًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى يُدَبِّرُ ذَلِكَ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ويُهَيِّئُ أسْبابَهُ بِسَبَبِ تَحْرِيكِ العَرْشِ وهو فَلَكُ الأفْلاكِ عِنْدَهم وبِحَرَكَتِهِ يُحَرَّكُ غَيْرُهُ مِنَ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ وغَيْرِها لِقُوَّةِ نَفْسِهِ وقِيلَ: لِأنَّ الكُلَّ في جَوْفِهِ فَيَلْزَمُ مِن حَرَكَتِهِ حَرَكَتُهُ لُزُومُ حَرَكَةِ المَظْرُوفِ لِحَرَكَةِ الظَّرْفِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ مَكانٌ طَبِيعِيٌّ لِلْمَظْرُوفِ وإلّا فَفِيهِ نَظَرٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الزَّعْمِ عَلى ما فِيهِ مِمّا لا يَقْبَلُهُ المُحْدَثُونَ وسَلَفُ الأُمَّةِ إذْ لا يَشْهَدُ لَهُ الكِتابُ ولا السُّنَّةُ وحِينَئِذٍ فَلا يُفْتى بِهِ وإنْ حَكَمَ القاضِي، وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبَ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿اسْتَوى﴾ وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ وعَلى كُلِّ حالٍ فَإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّدْبِيرِ واسْتِمْرارِهِ مِنهُ تَعالى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ تَعالى في التَّدْبِيرِ والتَّقْدِيرِ ونَفْيٍ لِلشَّفاعَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِ الشَّفِيعِ بِمِنِ الِاسْتِغْراقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفاعَةِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ ما مِن شَفاعَةٍ لِشَفِيعٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَقْرِيرٍ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ ما مِن شَفِيعٍ يَشْفَعُ لِأحَدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ تَعالى المَبْنِيِّ عَلى الحِكْمَةِ الباهِرَةِ وذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الشَّفِيعِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ والمَشْفُوعِ لَهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالشَّفاعَةِ وذَهَبَ القاضِي إلى أنَّ فِيهِ رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ تامٍّ لِأنَّهم لَمّا ادَّعَوْا شَفاعَتَها فَقَدْ يَدَّعُونَ الإذْنَ لَها فَكَيْفَ يَتِمُّ هَذا الرَّدُّ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهم لا يُؤْذَنُ لَهم وما قِيلَ: إنَّها دَعْوى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ واحْتِمالُها غَيْرُ مُجْدٍ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُقالَ: مُرادُهُ أنَّ الأصْنامَ لا تُدْرِكُ ولا تَنْطِقُ فَكَوْنُها لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يُؤْذَنَ لَها بَدِيهِيٌّ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّذْكِيرِ ولِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ والإشارَةُ إلى الذّاتِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِاسْتِحْقاقِ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ وهو اللَّهُ ورَبُّكم فَإنَّهُما خَبَرانِ لِذَلِكم وحَيْثُ كانَ وجْهُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهُ ما ذُكِرَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ اقْتَضى انْحِصارَهُ فِيهِ وأفادَ أنْ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) خَبَرُهُ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولا يَخْلُو الكَلامُ مِن إفادَةِ الِانْحِصارِ وإذا فُرِّعَ الأمْرُ المَذْكُورُ عَلى ذَلِكَ أفادَ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ
صفحة 66
سُبْحانَهُ وحْدَهُ أيْ فاعْبُدُوهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن مَلَكٍ أوْ نَبِيٍّ فَضْلًا عَنْ جَمادٍ لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولَيْسَ الدّاعِي لِهَذا الحَمْلِ أنَّ أصْلَ العِبادَةِ ثابِتٌ لَهم فَيُحْمَلُ الأمْرُ بِها عَلى ذَلِكَ لِيُفِيدَ لِما قِيلَ: مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ ولا عِبادَةَ مَعَ الشِّرْكِ (أفَلا يَتَذَكَّرُونَ ) أيْ أتَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كَما فُصِّلَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ حَتّى تَقِفُوا عَلى فَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرْتَدِعُوا عَنْهُ وتَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وإيثارُ (تَذَكَّرُونَ) عَلى تَفَكَّرُونَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ الأمْرِ وأنَّهُ كالمَعْلُومِ الَّذِي لا يَفْتَقِرُ إلى فِكْرٍ تامٍّ ونَظَرٍ كامِلٍ بَلْ إلى مُجَرَّدِ التِفاتِ وإخْطارٍ بِالبالِ
يونس 10:4
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ و﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لا اسْمُ مَكانٍ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ و﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِكَوْنِهِ فاعِلًا في المَعْنى أيْ إلَيْهِ تَعالى رُجُوعُكم مُجْتَمِعِينَ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِالبَعْثِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّها وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالبَعْثِ وحَيْثُ كانَتْ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الوَعْدِ كانَ ذَلِكَ مِن أفْرادِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِكَ: لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وعَدَ اللَّهُ وعْدًا وأيّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعُ بِالبَعْثِ لِأنَّ ما بِالمَوْتِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الوَعْدِ كَما أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِاجْتِماعِ فَما وقَعَ في بَعْضِ نُسَخِ القاضِي بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي
وقُرِئَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ورَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأوَّلُ وهو مِن قِسْمِ المُؤَكِّدِ لِغَيْرِهِ لِأنَّ الأوَّلَ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ فَإنَّ الوَعْدَ يَحْتَمِلُ الحَقِّيَّةَ والتَّخَلُّفَ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِوَعَدَ عَلى تَقْدِيرِ - في - وتَشْبِيهُهُ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: أفِي الحَقِّ أنِّي هائِمٌ بِكِ مُغْرَمٌ
والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فَإنَّ غايَةَ البَدْءِ والإعادَةِ هو الجَزاءُ بِما يَلِيقُ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ (وعْدَ) أيْ وعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ أيْ إعادَتَهُ بَعْدَ بَدْئِهِ ويَكُونُ الوَعْدُ واقِعًا عَلى المَجْمُوعِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ لِأنَّ البَدْءَ لَيْسَ مَوْعُودًا وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ حَقًّا أيْ حَقَّ بَدْءُ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتُهُ نَظِيرُ قَوْلِ الحَماسِيِّ:
أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ رائِيًا رِفاعَةَ طُولَ الدَّهْرِ إلّا تَوَهُّمًا
وعَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّهُ خَرَّجَهُ عَلى النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو إمّا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أوْ ظَرْفٌ مُعْتَمَدٌ وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِوَعْدَ اللَّهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والرَّفْعُ بِحَقًّا عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لَهُ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ العامِلَيْنِ في المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هُما اللَّذانِ يَعْمَلانِ فِيما ذُكِرَ لا فِعْلانِ آخَرانِ مِثْلُهُما وحِينَئِذٍ يَفُوتُ أمْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لِأنَّ فاعِلَ العامِلِ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ مِمّا أكَّدَهُ وقُرِئَ (حَقٌّ أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) وهو كَقَوْلِكَ: حَقٌّ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وقُرِئَ (يُبْدِئُ) مِن أبْدَأ ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ نَحْوَ المُكَلَّفِينَ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ والجَماداتِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ يُحْيِي الخَلْقَ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يَجْزِي) أيْ مُتَلَبِّسًا بِالعَدْلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْزِي أيْ لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ ويُوَفِّيَهم
صفحة 67
أُجُورَهم وإنَّما أجْمَلَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَفِي بِهِ الحَصْرُ، ويُرَشِّحُ ذَلِكَ جَعْلَ ذاتِهِ الكَرِيمَةِ هي المُجازِيَةَ أوْ بِقِسْطِهِمْ وعَدْلِهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ بِإيمانِهِمْ؛ ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 4﴾ فَإنَّ مَعْناهُ ويَجْزِي الَّذِينَ كَفَرُوا بِشَرابٍ مِن ماءٍ حارٍّ وقَدِ انْتَهى حَرُّهُ وعَذابٍ ألِيمٍ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَيَظْهَرُ التَّقابُلُ بَيْنَ سَبَبَيْ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ وجَزاءِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ العَدْلِ بِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ بَلْ جَزاءُ الآخِرِينَ أوْلى بِهِ كَما لا يَخْفى وتَكْرِيرُ الإسْنادِ بِجَعْلِ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ بِجَعْلِهِ حَقًّا مُقَرَّرًا لَهم والإيذانِ بِأنَّ التَّعْذِيبَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلْإعادَةِ بِناءً عَلى تَعَلُّقٍ لِيَجْزِيَ بِها أوَّلَها ولِلْبَدْءِ بِناءً عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِما عَلى التَّنازُعِ وإنَّما المُنْتَظِمُ في ذَلِكَ السِّلْكِ هو الإثابَةُ فَهي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ والعِقابُ واقِعٌ بِالعَرَضِ
يونس 10:5
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ بِآثارِ صَنِيعِهِ في النَّيِّرَيْنِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ وبَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ التَّدْبِيرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ دَبَّرَ أُمُورَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعاشِهِمْ هَذا التَّدَبُّرَ البَدِيعَ فَلَأنْ يُدَبِّرَ مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعادِهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ أوْلى وأحْرى، أوْ جَعَلَ إمّا بِمَعْنى أنْشَأ وأبْدَعَ فَضِياءً حالٌ مِن مَفْعُولِهِ وإمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، والكَلامُ عَلى حَدِّ - ضِيقِ فَمِ القِرْبَةِ - إذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وهي عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِن شِمْسَةِ القِلادَةِ لِلْخَرَزَةِ الكَبِيرَةِ وسَطُها وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أعْظَمُ الكَواكِبِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ ويَشْهَدُ لَهُ الحِسُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومِنهم مَن قالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها في الفَلَكِ الأوْسَطِ بَيْنَ أفْلاكِ العُلْوِيَّةِ وبَيْنَ أفْلاكِ الثَّلاثَةِ الأُخَرِ وهو أمْرٌ ظَنِّيٌّ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والضِّياءُ مَصْدَرٌ كَقِيامٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: كَوْنُهُ جَمْعًا كَحَوْضٍ وحِياضٍ وسَوْطٍ وسِياطٍ أقْيَسُ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفْرادَ النُّورِ فِيما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وأصْلُ الكَلامِ جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُضِيئَةً وأنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ مُضافٍ فَيُفِيدَ المُبالَغَةَ بِجَعْلِها نَفْسَ الضِّياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِئاءً بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ والوَجْهُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ آخِرَ الياءِ وقَدَّمَ الهَمْزَةَ فَلَمّا وقَعَتِ الياءُ طَرَفًا بَعْدَ ألْفِ زائِدَةٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً عِنْدَ قَوْمٍ وعِنْدَ آخَرِينَ قُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ قُلِبَتِ الألِفُ هَمْزَةً لِئَلّا يَجْتَمِعَ ألِفانِ ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ مُنِيرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ آنِفًا والنُّورُ قِيلَ: أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ ما قَوِيَ مِنَ النُّورِ والنُّورُ شامِلٌ لِلْقَوِيِّ والضَّعِيفِ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَشْبِيهُ هُداهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِلنّاسِ بِالنُّورِ المَوْجُودِ في اللَّيْلِ أثْناءَ الظَّلامِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ كالنُّورِ في الظَّلامِ فَيُهْدى قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ ظَلامٌ لَمْ يَضِلَّ أحَدٌ وهو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ وفِيهِ نَظَرٌ وقِيلَ: هُما مُتَبايِنانِ فَما كانَ بِالذّاتِ فَهو ضِياءٌ وما كانَ بِالعَرَضِ فَهو نُورٌ ولِكَوْنِ الشَّمْسِ نَيِّرَةً بِنَفْسِها نُسِبَ إلَيْها الضِّياءُ ولِكَوْنِ نُورِ القَمَرِ مُسْتَفادًا مِنها نَسَبَ إلَيْهِ النُّورَ وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الحُكَماءِ ولَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ فَإنَّهُ شاعَ نُورُ الشَّمْسِ ونُورُ النّارِ
صفحة 68
ونَحْنُ قَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وفي كِتابِنا الطِّرازِ المُذَهَّبِ وأتَيْنا فِيهِ هُدًى لِلنّاظِرِينَ
بَقِيَ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِفادَةِ المَذْكُورَةِ سَواءٌ كانَتْ عَلى سَبِيلِ الِانْعِكاسِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِيرَ جَوْهَرُ القَمَرِ مُسْتَنِيرًا كَما في المِرْآةِ أوْ بِأنْ يَسْتَنِيرَ جَوْهَرُهُ عَلى ما هو الأشْبَهُ عِنْدَ الإمامِ قَدْ ذَكَرَها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ حَتّى القاضِي في تَفْسِيرِهِ وهو مِمّا لَمْ يَجِئْ مِن حَدِيثِ مَن عَرَجَ إلى السَّماءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنَّما جاءَ عَنِ الفَلاسِفَةِ وقَدْ زَعَمُوا أنَّ الأفْلاكَ الكُلِّيَّةَ تِسْعَةٌ أعْلاها فَلَكُ الأفْلاكِ ثُمَّ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ فَلَكُ كِيوانَ ثُمَّ فَلَكُ بَرْجِيسَ ثُمَّ فَلَكُ بَهْرامَ ثُمَّ فَلَكُ الشَّمْسِ ثُمَّ فَلَكُ الزُّهْرَةِ ثُمَّ فَلَكُ الكاتِبِ ثُمَّ فَلَكُ القَمَرِ وزَعَمَ صاحِبُ التُّحْفَةِ أنَّ فَلَكَ الشَّمْسِ تَحْتَ فَلَكِ الزُّهْرَةِ وما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ هو الأوَّلُ واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنهم عَلى هَذا التَّرْتِيبِ بِما يَبْقِي مَعَهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ الشَّمْسِ وبَيْنَ الزُّهْرَةِ والكاتِبِ كالكَسْفِ والِانْكِسافِ واخْتِلافُ المَنظَرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِذاتِ الشُّعْبَتَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ لا يُتَصَوَّرُ هُناكَ لِأنَّ الزُّهْرَةَ والكاتِبَ يَحْتَرِقانِ عِنْدَ الِاقْتِرانِ في مُعْظَمِ المَعْمُورَةِ والَثّانِي أيْضًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لِتِلْكَ الآلَةِ لِأنَّها تُنْصَبُ في سَطْحِ نِصْفِ النَّهارِ وهَذانِ الكَوْكَبانِ لا يَظْهَرانِ هُناكَ لِكَوْنِهِما حَوالَيِ الشَّمْسِ بِأقَلَّ مِن بُرْجَيْنِ فَإذا بَلَغا نِصْفَ النَّهارِ كانَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ الأرْضِ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً فَلا يَرَيانِ أصْلًا وجَعَلَ الشَّمْسَ في الفَلَكِ الأوْسَطِ لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ كَأنَّها شِمْسَةُ القِلادَةِ أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ المَلِكِ في العالَمِ فَكَما يَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أنْ يَكُونَ في وسَطِ العَسْكَرِ يَنْبَغِي لَها أنْ تَكُونَ في وسَطِ كُراتِ العالَمِ أمْرٌ إقْناعِيٌّ بَلْ هو مِن قَبِيلِ التَّمَسُّكِ بِجِبالِ القَمَرِ ومِثْلُ ذَلِكَ تَمَسُّكُهم في عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ الأفْلاكِ بِأنَّهُ لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ثَخَنُ الفَلَكِ الأعْظَمِ أقَلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْأجْسامِ مِنَ الثَّخانَةِ إذْ لا كَوْكَبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ ثَخَنُهُ مُساوِيًا لِقُطْرِهِ فالزّائِدُ عَلى أقَلِّ ما يُمْكِنُ فَضْلٌ وقَدْ بَيَّنَ في رِسالَةِ الأبْعادِ والأجْرامِ أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في الثَّخَنِ وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الثَّوابِتِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ الأفْلاكُ مُتَوافِقَةً في حَرَكاتِها جِهَةً وقُطْبًا ومِنطَقَةً وسُرْعَةً بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَخالُفِ بَعْضِها لَمْ يَكُنْ هُناكَ دَلِيلٌ يَنْفِيهِ لَأنَّ المَرْصُودَ مِنها أقَلُّ قَلِيلٍ. فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما لَمْ يُرْصَدْ مُتَخالِفًا عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما اسْتُدِلَّ ومَن عَلِمَ أنَّ أرْبابَ الأرْصادِ مُنْذُ زَمانٍ يَسِيرٍ وجَدُوا كَوْكَبًا سَيّارًا أبْطَأ سَيْرًا مِن زُحَلَ وسَمَّوْهُ هِرَشْلًا وقَدْ رَصَدَهُ لالِنْتُ فَوَجَدَهُ يَقْطَعُ البُرْجَ في سِتِّ سِنِينَ شَمْسِيَّةٍ وأحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وسَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وهو يَوْمُ تَحْرِيرِنا هَذا المَبْحَثَ وهو اليَوْمُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ مِن جُمادى الآخِرَةِ سَنَةَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ والسِّتِّ والخَمْسِينَ حَيْثُ الشَّمْسُ في السُّنْبُلَةِ قَدْ قُطِعَ مِنَ الحُوتِ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ وثَلاثَ عَشْرَةَ دَقِيقَةً راجِعًا لا يَبْقى لَهُ اعْتِمادٌ عَلى ما قالَهُ المُتَقَدِّمُونَ ويَجُوزُ أمْثالُ ما ظَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرُونَ وأيْضًا مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ ثَمانِيَةً لا مَكانَ كَوْنَ جَمِيعِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبٍ مُمَثِّلِ زُحَلَ أيْ في مُتَمِّمِهِ الحاوِي عَلى أنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ والفَلَكَ الثّامِنَ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ دائِرَةُ البُرُوجِ المارَّةُ بِأوائِلِ البُرُوجِ مُنْتَقِلَةً بِحَرَكَةِ الثّامِنِ غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ بِحَرَكَةِ المُمَثِّلِ لِيَحْصُلَ انْتِقالُ الثَّوابِتِ بِحَرَكَةِ المُمَثِّلِ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ كَما هو الواقِعُ وقَدْ صَرَّحَ البَرْجَنْدِيُّ أنَّ القُدَماءَ لَمْ يُثْبِتُوا الفَلَكَ الأعْظَمَ وإنَّما أثْبَتَهُ المُتَأخِّرُونَ وأيْضًا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبْعَةً بِأنْ يُفْرَضَ الثَّوابِتُ ودائِرَةُ البُرُوجِ عَلى مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ ويَكُونَ هُناكَ نَفْسانِ تَتَّصِلُ إحْداهُما بِمَجْمُوعِ السَّبْعَةِ وتُحَرِّكُها إحْدى الحَرَكَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والأُخْرى بِالكُرَةِ السّابِعَةِ وتُحَرِّكُها الأُخْرى ولَكِنْ بِشَرْطِ
صفحة 69
أنْ تُفْرَضَ دَوائِرُ البُرُوجِ مُتَحَرِّكَةً بِالسَّرِيعَةِ دُونَ البَطِيئَةِ كَتَحَرُّكِها مُتَوَهِّمَةً عَلى سُطُوحِ المُمَثِّلاتِ بِالسَّرِيعَةِ دُونَ البَطِيئَةِ لِيَنْقُلَ الثَّوابِتَ بِالبَطِيئَةِ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ كَما هو الواقِعُ ونَحْنُ مِن وراءِ المَنعِ فِيما يَرُدُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ وأيْضًا ذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثَّوابِتُ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ فَتَكُونُ تَحْتَ كُراتِ السَّيّارَةِ لا فَوْقُها وما يُقالُ: مِن أنّا نَرى أنَّ هَذِهِ السَّيّارَةَ تَكْسِفُ الثَّوابِتَ والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ لا مَحالَةَ مَدْفُوعٌ بِأنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ إنَّما تَكْسِفُ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ مِنَ المِنطَقَةِ دُونَ القَرِيبَةِ مِنَ القُطْبَيْنِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ المِنطَقَةِ مَرْكُوزَةٌ في الفُلْكِ الثّامِنِ والقَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ مَرْكَوَزَةٌ في كُرَةٍ أُخْرى تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ عَلى أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في جِسْمٍ آخَرَ ودُونَ إثْباتِ الِامْتِناعِ خَرْطَ القَتادِ
وذَكَرُوا في اسْتِفادَةِ نُورِ القَمَرِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ أنَّهُ مِنَ الحَدَسِيّاتِ لِاخْتِلافِ أشْكالِهِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ وبُعْدِهِ مِنها وذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ الهَيْثَمِ لا يُفِيدُ الجَزْمَ بِالِاسْتِفادَةِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ القَمَرُ كُرَةٌ نِصْفُها مُضِيءٌ ونِصْفُها مُظْلِمٌ ويَتَحَرَّكُ عَلى نَفْسِهِ فَيَرى هِلالًا ثُمَّ بَدْرًا ثُمَّ يَنْمَحِقُ وهَكَذا دائِمًا ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلى اخْتِلافِ الأشْكالِ حَسَبَ القُرْبِ والبُعْدِ لِيَدُلَّ عَلى المُدَّعِي وهو حُصُولُ الخُسُوفِ عِنْدَ تَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَصاحِبِ حِكْمَةِ العَيْنِ وصاحِبِ المَواقِفِ نَقَلُوا ما نَقَلُوا عَنِ ابْنِ الهَيْثَمِ ولَمْ يَقِفُوا عَلى مَقْصُودِهِ مِنهُ فَقالُوا: إنَّهُ ضَعِيفٌ وإلّا لَما انْخَسَفَ القَمَرُ في شَيْءٍ مِنَ الِاسْتِقْبالاتِ أصْلًا وذَلِكَ كَما قالَ العامِلِيُّ عَجِيبٌ مِنهم وأنْتَ تَعْلَمُ أنْ لا جَزْمَ أيْضًا وأنَّ ضَمَّ ما ضُمَّ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سَبَبٌ آخَرُ لِاخْتِلافِ تِلْكَ الأشْكالِ النُّورِيَّةِ لَكُنّا لا نَعْلَمُهُ كَأنْ يَكُونَ كَوْكَبٌ كَمَدٌ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ يَنْخَسِفُ بِهِ في بَعْضِ اسْتِقْبالاتِهِ
وإنْ طُعِنَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ لَرُئِيَ
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ والخُسُوفُ مِن آثارِ إرادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ مِن دُونِ تَوَسُّطِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنَ الشَّمْسِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَها وبَيْنَهُ بَلْ لَيْسَ هُناكَ إلّا تَوَسُّطُ الكافِ والنُّونِ وهو كافٍ عِنْدَ مَن سَلِمَتْ عَيْنُهُ مِنَ الغَيْنِ ولِلْمُتَشَرِّعِينَ مِنَ المُحْدَثِينَ وكَذا لِساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم كَلِماتٌ شَهِيرَةٌ في هَذا الشَّأْنِ ولَعَلَّكَ قَدْ وقَفْتَ عَلَيْها وإلّا فَسَتَقِفُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى
وقَدِ اسْتَنَدُوا فِيما يَقُولُونَ إلى أخْبارٍ نَبَوِيَّةٍ وأرْصادٍ قَلْبِيَّةٍ وغالِبُ الأخْبارِ في ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ وما بَلَغَ مِنها آحادٌ ومَعَ هَذا قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِما لا يُنافِي مَذْهَبَ الفَلاسِفَةِ والحَقُّ أنَّهُ لا جَزْمَ بِما يَقُولُونَهُ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وما يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ وأنَّ القَوْلَ بِهِ مِمّا لا يَضُرُّ بِالدِّينِ إلّا إذا صادَمَ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (هَذا) وسُمِّيَ القَمَرُ قَمَرًا لِبَياضِهِ كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ واعْتَبَرَ هو وغَيْرُهُ كَوْنَهُ قَمَرًا بَعْدَ ثَلاثٍ
﴿وقَدَّرَهُ﴾ أيْ قَدَّرَ لَهُ وهَيَّأ ﴿مَنازِلَ﴾ أوْ قَدَّرَ مَسِيرَهُ في مَنازِلَ فَمَنازِلُ عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ بِهِ وعَلى الثّانِي نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدَّرَ بِمَعْنى جَعَلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ و(مَنازِلَ) حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ جَعَلَهُ وخَلَقَهُ مُتَنَقِّلًا وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى جَعَلَ المُتَعَدِّيَ لِاثْنَيْنِ أيْ صَيَّرَهُ ذا مَنازِلَ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ لِلْقَمَرِ وتَخْصِيصُهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ ولِأنَّ مَنازِلَهُ مَعْلُومَةٌ مَحْسُوسَةٌ ولِكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ ولِأنَّ أحْكامَ الشَّرْعِ مَنُوطَةٌ بِهِ في الأكْثَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ ولِلشَّمْسِ بِتَأْوِيلِ كُلٍّ مِنهُما والمَنازِلُ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وهي الشَّرَطانُ والبُطَيْنُ والثُّرَيّا والدَّبَرانُ والهُقَعَةُ والهُنَعَةُ والذِّراعُ والنُّثَرَةُ والطَّرَفُ والجَبْهَةُ والزُّبَرَةُ والصُّرَفَةُ
صفحة 70
والعُواءُ والسِّماكُ الأعْزَلُ والعُفَرَةُ والزَّبانى والإكْلِيلُ والقَلْبُ والشُّوَلَةُ والنَّعائِمُ والبَلْدَةُ وسَعْدُ الذّابِحِ وسَعْدُ بَلْعَ وسَعْدُ السُّعُودِ وسَعْدُ الأخْبِيَةِ وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ والفَرْغُ المُؤَخَّرُ وبَطْنُ الحُوتِ وهي مُقَسَّمَةٌ عَلى البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ المَشْهُورَةِ فَيَكُونُ لِكُلِّ بُرْجٍ مَنزِلانِ وثُلُثٌ والبُرْجُ عِنْدَهم ثَلاثُونَ دَرَجَةً حاصِلَةً مِن قِسْمَةِ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ أجْزاءَ دائِرَةِ البُرُوجِ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ والدَّرَجَةُ عِنْدَهم مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ دَقِيقَةً وهي مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ ثانِيَةً وهي مُنْقَسِمَةٌ بِسِتِّينَ ثالِثَةً وهَكَذا إلى الرَّوابِعِ والخَوامِسِ والسَّوادِسِ وغَيْرِها ويَقْطَعُ القَمَرُ بِحَرَكَتِهِ الخاصَّةِ في كُلِّ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً وثَلاثَ دَقائِقَ وثَلاثًا وخَمْسِينَ ثانِيَةً وسِتًّا وخَمْسِينَ ثالِثَةً وتَسْمِيَةُ ما ذَكَرْنا مَنازِلَ مَجازٌ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَواكِبَ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الثَّوابِتِ قَرِيبَةٌ مِنَ المِنطَقَةِ والمَنزِلَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْقَمَرِ الفَراغُ الَّذِي يَشْغَلُهُ جِرْمُ القَمَرِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ في المَكانِ فَمَعْنى نُزُولِ القَمَرِ في هاتِيكَ المَنازِلِ مُسامَتَتُهُ إيّاها وكَذا تُعْتَبَرُ المُسامَتَةُ في نُزُولِهِ في البُرُوجِ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ أوَّلًا في الفَلَكِ الأعْظَمِ وأمّا تَسْمِيَةُ نَحْوِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزَةِ بِذَلِكَ فَبِاعْتِبارِ المُسامَتَةِ أيْضًا
وكانَ أوَّلُ المَنازِلِ الشَّرَطِينَ ويُقالُ لَهُ النَّطْحُ وهو لِأوَّلِ الحَمَلِ ثُمَّ تَحَرَّكَتْ حَتّى صارَ أوَّلُها عَلى ما حَرَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ الفَرْغَ المُؤَخَّرَ ولا يَثْبُتُ عَلى ذَلِكَ لِلثَّوابِتِ حَرَكَةً عَلى التَّوالِي عَلى الصَّحِيحِ وإنْ كانَتْ بَطِيئَةً وهي حَرَكَةُ فَلَكِها ومُثْبِتُو ذَلِكَ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِها جُزْأً واحِدًا مِن دَرَجاتِ مِنطَقَتِهِ فَقِيلَ هي سِتٌّ وسِتُّونَ سَنَةً شَمْسِيَّةً أوْ ثَمانٍ وسِتُّونَ سَنَةً قَمَرِيَّةً وذَهَبَ ابْنُ الأعْلَمِ إلى أنَّها سَبْعُونَ سَنَةً شَمْسِيَّةً وطابَقَهُ الرَّصْدُ الجَدِيدُ الَّذِي تَوَلّاهُ نُصَيْرٌ الطُّوسِيُّ بِمَراغَةَ وزَعَمَ مُحْيِي الدِّينِ أحَدُ أصْحابِهِ أنَّهُ تَوَلّى رَصْدَ عِدَّةٍ مِنَ الثَّوابِتِ كَعَيْنِ الثَّوْرِ وقَلْبِ العَقْرَبِ بِذَلِكَ الرَّصْدِ فَوَجَدَها تَتَحَرَّكُ في كُلِّ سِتٍّ وسِتِّينَ سَنَةً شَمْسِيَّةً دَرَجَةً واحِدَةً وادَّعى بَطْلَيْمُوسُ أنَّهُ وجَدَ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ إلى المِنطَقَةِ مُتَحَرِّكَةً في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ دَرَجَةً واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأحْوالِ وهو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ حَسْبَما يَشاءُ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحِسابَ﴾ أيْ ولِتَعْلَمُوا الحِسابَ بِالأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ واللّامُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن أمالِيِّ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَدَّرَ واسْتَشْكَلَ هو ذَلِكَ بِأنَّ عِلْمَ العَدَدِ والحِسابِ لا يَفْتَقِرُ لِكَوْنِ القَمَرِ مُقَدَّرًا بِالمَنازِلِ بَلْ طُلُوعُهُ وغُرُوبُهُ كافٍ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ صَلاحُ الثِّمارِ بِوُقُوعِ شُعاعِ القَمَرِ عَلَيْها وُقُوعًا تَدْرِيجِيًّا وكَوْنُهُ أدَلَّ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ كَثْرَةُ اخْتِلافِ أحْوالِ المُمْكِنِ وزِيادَةِ تَفاوُتِ أوْصافِهِ أدْعى إلى احْتِياجِهِ إلى صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبٍ بِالذّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ وأجابَ مَوْلانا سَرِيِّ الدِّينِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الحِسابِ حِسابُ الأوْقاتِ بِمَعْرِفَةِ الماضِي مِنَ الشَّهْرِ والباقِي مِنهُ وكَذا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ قالَ: وهَذا إذا عُلِّقَتِ اللّامُ بِقَدَّرَهُ مَنازِلَ فَإنَّ عَلَّقْتَهُ بِجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَمْ يَرِدِ السُّؤالُ
ولَعَلَّ الأُولى عَلى هَذا أنْ يُحْمَلَ ﴿السِّنِينَ﴾ عَلى ما يَعُمُّ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةَ والقَمَرِيَّةَ وإنْ كانَ المُعْتَبَرُ في التّارِيخِ العَرَبِيِّ الإسْلامِيِّ السَّنَةَ القَمَرِيَّةَ والتَّفاوُتَ بَيْنَ السَّنَتَيْنِ عَشَرَةَ أيّامٍ وإحْدى عَشْرَةَ ساعَةً ودَقِيقَةً واحِدَةً فَإنَّ السَّنَةَ الأُولى عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا وخَمْسَ ساعاتٍ وتِسْعٍ وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى الرَّصْدِ الأبْلَخانِيِّ والسَّنَةُ الثّانِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا وثَمانِي ساعاتٍ وثَمانٍ وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً، ويَنْقَسِمُ
صفحة 71
كُلٌّ مِنهُما إلى بَسِيطَةٍ وكَبِيسَةٍ وبَيانُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وتَخْصِيصُ العَدَدِ بِالسِّنِينَ والحِسابَ بِالأوْقاتِ لِما أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ مَعْنى مُغايِرٌ لِمَراتِبِ الأعْدادِ كَما اعْتُبِرَ في الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ وتَحْقِيقُهُ أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ انْفِصالِيَّةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها عَدَدٌ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ كالسَّنَةِ المُتَحَصِّلَةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مِن أيّامٍ مَعْلُومَةٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلٌّ مِنها مِن ساعاتٍ كَذَلِكَ والعَدُّ مُجَرَّدُ إحْصائِهِ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنْ يَتَحَصَّلَ بِذَلِكَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ولَمّا لَمْ يُعْتَبَرْ في السِّنِينَ المَعْدُودَةِ تَحْصِيلُ حَدٍّ مُعَيَّنٍ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ غَيْرُ أسامِيِّ مَراتِبِ الأعْدادِ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ وتَحَصُّلُ مَراتِبُ الأعْدادِ مِنَ العَشَراتِ والمِئاتِ والأُلُوفِ اعْتِبارِيٌّ لا يُجْدِي في تَحْصِيلِ المَعْدُودِ نَفْعًا وحَيْثُ اعْتُبِرَ في الأوْقاتِ المَحْسُوبَةِ تَحْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي لَها أسامٍ خاصَّةٌ وأحْكامٌ مُسْتَقِلَّةٌ عُلِّقَ بِها الحِسابُ المُنْبِئَ عَنْ ذَلِكَ والسَّنَةُ مِن حَيْثُ تَحَقَّقِها في نَفْسِها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِسابُ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةً مِنها وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ لَيْسَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ أعْنِي حَيْثِيَّةَ تَحَصُّلِها مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ قَدْ حَصَلَ كُلٌّ مِنها مِن عِدَّةِ ساعاتٍ فَإنَّ ذَلِكَ وظِيفَةُ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المَعْدُودَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَها شَيْءٌ غَيْرَ ذَلِكَ
وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِما وُجُودًا وعِلْمًا عَلى العَكْسِ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ لَهُ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا وإنْ لَمْ تَتَّحِدِ الجِهَةُ أوْ لِأنَّ العَدَدَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَحْصِيلُ أمْرٍ آخَرَ حَسْبَما حَقَّقَ آنِفًا نازِلٌ مِنَ الحِسابِ الَّذِي اعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ
﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما حَكى سُبْحانَهُ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ ما خَلَقَ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا فِيهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ أوْ مُراعًى فِيهِ ذَلِكَ فالمُرادُ بِالحَقِّ هُنا خِلافُ الباطِلِ والعَبَثِ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَذْكُورَةَ أوِ الأعَمَّ مِنها ويَدْخُلُ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ نُفَصِّلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ المُنَبِّهَةَ عَلى ذَلِكَ وقُرِئَ (نُفَصِّلُ) بِنُونِ العَظَمَةِ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5﴾ الحِكْمَةَ في إبْداعِ الكائِناتِ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى شُؤُونِ مُبْدِعِها جَلَّ وعَلا أوْ يَعْلَمُونَ ما في تَضاعِيفِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ فَيُؤْمِنُونَ بِها
وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، والمُرادُ لِقَوْمٍ عُقَلاءَ مِن ذَوِي العِلْمِ فَيَعُمُّ مَن ذَكَرْنا وغَيْرَهُمْ
يونس 10:6
﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَنْبِيهٌ آخَرُ إجْمالِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ أيْ في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ عِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ حَوْلَ مَرْكَزِهِ عَلى خِلافِ التَّوالِي فَإنَّهُ يَلْزَمُها حَرَكَةُ سائِرِ الأفْلاكِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ عَلى ما تَقَدَّمَ مَعَ سُكُونِ الأرْضِ وهَذا في أكْثَرِ المَواضِعِ وأمّا في عَرْضِ تِسْعِينَ فَلا يَطَّلِعُ شَيْءٌ ولا يَغْرُبُ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ أصْلًا بَلْ بِحَرَكاتٍ أُخْرى وكَذا فِيما يَقْرُبُ مِنهُ قَدْ يَقَعُ طُلُوعٌ وغُرُوبٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ وتُسَمّى تِلْكَ الحَرَكَةُ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ وجَعَلَها بَعْضُهم بِتَمامِها لِلْأرْضِ وجَعَلَ آخَرُونَ بَعْضَها لِلْأرْضِ وبَعْضَها لِلْفَلَكِ الأعْظَمِ والمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحْدَثِينَ أنَّ الشَّمْسَ نَفْسَها تَجْرِي مُسَخَّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في بَحْرٍ مَكْفُوفٍ فَتَطْلُعُ وتَغْرُبُ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 72
ولا حَرَكَةَ لِلسَّماءِ وإلى مَثَلِ ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما في أنْفُسِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصُهُ بِازْدِيادِهِ وهو ناشِئٌ عِنْدَهم مِنِ اخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِسَبَبِ حَرَكَتِها الثّانِيَةِ الَّتِي بِها تَخْتَلِفُ الأزْمِنَةُ وتَنْقَسِمُ السَّنَةُ إلى فُصُولٍ وقَدْ يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ في بَعْضِ الأزْمانِ عِنْدَ بَعْضٍ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا اتَّفَقَ حُلُولُ الشَّمْسِ نُقْطَةَ الِاعْتِدالِ عِنْدَ الطُّلُوعِ أوِ الغُرُوبِ وكانَ الأوْجُ في أحَدِ الِاعْتِدالَيْنِ فَإنَّهُ إذا تَحَقَّقَ الأوَّلُ كانَ قَوْسُ النَّهارِ كَقَوْسِ اللَّيْلِ وإذا تَحَقَّقَ الثّانِي كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ وهَذا نادِرٌ جِدًّا ولا يُمْكِنُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ مِن عَدَمِ حَرَكَةِ الأوْجِ فَلا يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ عِنْدَهُ أصْلًا، وقَدْ يُرادُ اخْتِلافُهُما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ أمّا في الطُّولِ والقَصْرِ فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها وأمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرِّيَّةَ الأرْضِ عَلى ما قالُوا تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بْعَضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا
﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتْقَنَةِ والآثارِ المُحْكَمَةِ ﴿لآياتٍ﴾ . عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وبالِغِ حِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَةِ مُقْتَضَياتِهِ ما أنْكَرُوا مِن إرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الهُدى وتَعْيِينِ مَهاوِي الرَّدى ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6﴾ اللَّهَ تَعالى ويَحْذَرُونَ مِنَ العاقِبَةِ وخَصَّصَهم سُبْحانَهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ التَّقْوى هي الدّاعِيَةُ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ
يونس 10:7
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بَيانٌ لِما آلَ أمْرُ مَن كَفَرَ بِالبَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، وأعْرَضَ عَنِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى شَأْنُهُ إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِالبَعْثِ أوْ لِقاءِ الحِسابِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ ما لا يَخْفى
والرَّجاءُ يُطْلَقُ عَلى تَوَقُّعِ الخَيْرِ كالأمَلِ وعَلى الخَوْفِ وتَوَقُّعِ الشَّرِّ وعَلى مُطْلَقِ التَّوَقُّعِ وهو في الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وفي الأخِيرَيْنِ مَجازٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ المَعْنى المَجازِيَّ الأخِيرَ المُنْتَظِمَ لِلْأمَلِ والخَوْفِ فالمَعْنى لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا أوْ لِقاءَ حِسابِنا المُؤَدِّيَ إلى حُسْنِ الثَّوابِ أوْ إلى سُوءِ العِقابِ فَلا يَأْمُلُونَ الأوَّلَ ولا يَخافُونَ الثّانِيَ ويُشِيرُ إلى عَدَمِ أمَلِهِمْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ إيثارِ الأدْنى الخَسِيسِ عَلى الأعْلى النَّفِيسِ وإلى عَدَمِ خَوْفِهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهم سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا بَراحُ لَهُ آمَنِينَ مِنِ اعْتِراءِ المُزْعِجاتِ غَيْرَ مُخْطِرِينَ بِبالِهِمْ ما يَسُوءُهم مِنَ العَذابِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالرَّجاءِ المَعْنى الأوَّلُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لا يُؤَمِّلُونَ حُسْنَ لِقائِنا بِالبَعْثِ والإحْياءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ورَضُوا بَدَلًا مِنها ومِمّا فِيها مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ بِالحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ وسَكَنُوا إلَيْها مُكَبِّينَ عَلَيْها قاصِرِينَ مَجامِعَ هِمَمِهِمْ عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْنى الثّانِي والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْضًا أيْ لا يَخافُونَ سُوءَ لِقائِنا الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخافَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَلِمَةَ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّها مُنْبِئَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن تَرْكِ الأعْلى وأخْذِ الأدْنى وقالَ الإمامُ: إنَّ حَمْلَ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ بَعِيدٌ لِأنَّ تَفْسِيرَ الضِّدِّ بِالضِّدِّ غَيْرُ جائِزٍ ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعُ فَقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ وذَكَرَهُ الرّاغِبُ
صفحة 73
والإمامُ المَرْزُوقِيُّ وأنْشَدُوا شاهِدًا لَهُ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعُها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلَ ووَجَّهَ
ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ يَتَلازَمانِ وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الإمامِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الضِّدِّ في الضِّدِّ جائِزٌ في الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَقْصُودَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في غَيْرِ الِاسْتِعارَةِ المَذْكُورَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ دُونَ اسْتِعارَةٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجُوزُ اعْتِبارُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا لِأنَّ التَّهَكُّمَ غَيْرُ مُرادٍ كَما لا يَخْفى، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَّرْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ الباءَ لِلظَّرْفِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى سَكَنُوا بِسَبَبِ زِينَتِها وزَخارِفِها واخْتِيارُ صِيغَةِ الماضِي في الخَصْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في الأوْلى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا﴾ المُفَصَّلَةِ في صَحائِفِ الأكْوانِ حَسْبَما أُشِيرَ إلى بَعْضِها أوْ آياتِنا المُنَزَّلَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها المُتَّفِقَةِ مَعَها في الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما لا يَرْجُونَهُ مِنَ اللِّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى البَعْثِ وعَلى بُطْلانِ ما رَضُوا بِهِ واطْمَأنُّوا فِيهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿غافِلُونَ 7﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها أصْلًا وإنْ نُبِّهُوا بِما نُبِّهُوا لِانْهِماكِهِمْ بِما يَصُدُّهم عَنْها مِنَ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلى هَذِهِ الصِّلَةِ المُؤْذِنَةِ بِدَوامِ غَفْلَتِهِمْ واسْتِمْرارِها والعَطْفُ لِمُغايِرَةِ الوَصْفِ المَذْكُورِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِهَذا وتِلْكَ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَيِّزٌ مُسْتَقِلٌّ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَنشَأً لِلذَّمِّ والوَعِيدِ والقَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الذُّهُولِ عَنِ الآياتِ رَأْسًا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ بِحَيْثُ لا يَخْطِرُ بِبالِهِمُ الآخِرَةُ أصْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ أنَّ كُلًّا مِنهُما غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْوَعِيدِ بِالِاسْتِقْلالِ بَلِ المُوجِبُ لَهُ المَجْمُوعُ وهو كَما تَرى وكَوْنُهُ لِتَغايُرِ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يُرادَ مِنَ الأوَّلِينَ مَن أنْكَرَ البَعْثَ ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا وبِالآخِرِينَ مَن ألْهاهُ حُبُّ العاجِلِ عَنِ التَّأمُّلِ في الآجِلِ والإعْدادِ لَهُ كَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ألْهاهم حُبُّ الدُّنْيا والرِّياسَةِ عَنِ الإيمانِ والِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ في هَذا المَقامِ
يونس 10:8
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَسْكَنُهم ومَقَرُّهُمُ الذِّي لا بَراحَ لَهم مِنهُ ﴿النّارُ﴾ لا ما اطْمَأنُّوا بِهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ونَعِيمِها ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ 8﴾ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ المَعْدُودَةِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَعاصِي أوْ يُكْسِبُهم ذَلِكَ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ الواقِعَةُ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جُوزُوا وجُمْلَةُ (أُولَئِكَ) الخَبَرُ. إنَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ إلَخْ
يونس 10:9
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِالآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقَدْ يَخُصُّ المُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَقامِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةِ بِالإيمانِ وتَرَكَ ذِكْرَ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِ الصِّفَةِ مَجْرى الأسْماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ وإنَّما تُذْكَرُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ وما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ.
صفحة 74
والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لَمّا ذُكِرَ الإيمانُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا المُجَرَّدُ عَنْها ولا ما هو الأعَمُّ ولا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ في ذَلِكَ كَبْشانِ والآيَةُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ فَإنَّ مَنطُوقَها أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ وأمّا أنْ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ بِناءً عَلى ما أطْبَقُوا عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ بِفِعْلٍ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ وإلى حَمْلِ الإيمانِ عَلى ما قُلْنا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ المُعْتَبَرَ في الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جَعَلَ فِيها الصِّلَةَ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ثُمَّ قِيلَ: بِإيمانِهِمْ أيْ هَذا المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ وخُلُودِ غَيْرِ الصّالِحِ في النّارِ ثُمَّ قالَ إنَّهُ لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ مُطْلَقُ الإيمانِ وأمّا أنَّ إضافَتَهُ الى ضَمِيرِ الصّالِحِينَ يَقْتَضِي أخْذَ الصَّلاحِ قَيْدًا في التَّسَبُّبِ فَمَمْنُوعٌ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذَّواتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفاتِ وأيْضًا فَإنَّ كَوْنَ الصِّلَةِ عِلَّةً لِلْخَبَرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ فَلا يُعارِضُ السَّبَبَ الصَّرِيحَ المَنطُوقَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ المَوْصُولِ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ نَحْوَ الَّذِي كانَ مَعَنا بِالأمْسِ فَعَلَ كَذا خالٍ عَمّا يَذْكُرُونَهُ في نَحْوِ الَّذِي يُؤْمِنُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ظاهِرٌ في أنَّهُما السَّبَبُ والتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ذَلِكَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِما مَعَهُ لا المُطْلَقُ لَكِنَّهُ ذُكِرَ لِأصالَتِهِ وزِيادَةِ شَرَفِهِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا اسْتِدْراكُ ذِكْرِهِ ولا اسْتِقْلالُهُ بِالسَّبَبِيَّةِ
وفِيهِ رَدٌّ عَلى القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ ادَّعى أنَّ مَفْهُومَ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنَّ مَنطُوقَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ ومَنَعَ في الكَشْفِ أيْضًا كَوْنَ المَنطُوقِ ذَلِكَ وفَرْعِهِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ مِن جَعْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ واقِعَيْنِ في الصِّلَةِ لِيَجْرِيا مَجْرى العِلَّةِ ثُمَّ لَمّا أُعِيدَ الإيمانُ مُضافًا كانَ إشارَةً إلى الإيمانِ المَقْرُونِ لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ مَعْهُودٌ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو هَذا والأصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: ولَوْ سَلِمَ أنَّ المَنطُوقَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لِأنَّ العَمَلَ يُعَدُّ شَرْطًا حِينَئِذٍ جَمْعًا بَيْنَ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ بِقَدْرِ الإمْكانِ فَلَمْ يَلْغِ اقْتِرانَ العَمَلِ ولا دَلالَةَ السَّبَبِيَّةِ وهَذا فائِدَةُ إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ ثانِيًا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأصالَةِ وزِيادَةِ الشَّرَفِ ولا مُخالِفَ لَهُ مِنَ الجَماعَةِ لِأنَّ العُصاةَ غَيْرُ مَهْدِيِّينَ وأمّا أنَّ كُلَّ مَن لَيْسَ مُهْتَدِيًا فَهو خالِدٌ في النّارِ فَهو مَمْنُوعٌ غايَةَ المَنعِ انْتَهى (وفِي القَلْبِ) مِن هَذا المَنعِ شَيْءٌ والأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى ما قَدَّمْناهُ في تَقْرِيرِ كَوْنِ الآيَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ والهِدايَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُحْتَمَلُ أنْ تُفَسَّرَ بِالدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى البُغْيَةِ وبِمُجَرَّدِ الدَّلالَةِ والمُخْتارِ الأوَّلِ واخْتارَ الثّانِيَ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى يَهْدِيهِمْ طَرِيقَ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ وذَلِكَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أوْ عَلى أنَّ إيمانَهم يُظْهِرُ نُورًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يُسَدِّدُهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ السَّبِيلِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ والهِدايَةِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقِيلَ: المُرادُ يَهْدِيهِمْ إلى إدْراكِ حَقائِقِ الأُمُورِ فَتَنْكَشِفُ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فالِالتِفاتُ في
صفحة 75
قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ لِتَشْرِيفِهِمْ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِمْ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ فَمَحَلُهُ الرَّفْعُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ ما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وإنْ جُعِلَ حالًا مُنْتَظِرَةً لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِهَذا التَّقْدِيرِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا فَسَّرَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ بِيُسَدِّدُهم إلَخْ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَيانًا لَهُ وتَفْسِيرًا لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِسَبَبِ السَّعادَةِ كالوُصُولِ إلَيْها ولا يَخْفى أنَّ سَبِيلَ هَذا البَيانِ سَبِيلُ البَدَلِ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ وحِينَئِذٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ 9﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ أُخْرى مِن مَفْعُولِ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ ﴿الأنْهارُ﴾ فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي أوْ بِيَهْدِي والمُرادُ عَلى ما قِيلَ بِالمَهْدِيِّ إلَيْهِ إمّا مَنازِلُهم في الجَنَّةِ أوْ ما يُرِيدُونَهُ فِيها
يونس 10:10
﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ خَبَرُهُ أيْ دُعاؤُهم هَذا الكَلامَ والدَّعْوى وإنِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنى الِادِّعاءِ لَكِنَّها ورَدَتْ بِما ذَكَرْنا أيْضًا وكَوْنُ الخَبَرِ مِن جِنْسِ الدُّعاءِ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أكْثَرُ دُعائِي ودُعاءِ الأنْبِياءِ قَبْلِي بِعَرَفاتٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ الدُّعاءِ عَلى ذَلِكَ مَجازٌ وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ كَلامُ ابْنِ الأثِيرِ حَيْثُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ التَّهْلِيلُ والتَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ دُعاءً لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ في اسْتِيجابِ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ وفي الحَدِيثِ: إذا شَغَلَ عَبْدِي ثَناؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ. وجاءَتْ بِمَعْنى العِبادَةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وجُوِّزَ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ نَفْيُ التَّكْلِيفِ أيْ لا عِبادَةَ لَهم غَيْرُ هَذا القَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِبادَةٍ وإنَّما يُلْهِمُونَهُ ويَنْطِقُونَ بِهِ تَلَذُّذًا لا تَكْلِيفًا ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُقالُ: يَأْتِي نَظِيرُ هَذا في الآيَةِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالدَّعْوى الدُّعاءُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المَعْنى عَلى طَرْزِ ما قَرَّرَ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى سِوى ذَلِكَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُؤالٍ فَيُفِيدُ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم أصْلًا
والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى حُصُولِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِمْ بِالفِعْلِ فَلَيْسَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى سُؤالِ شَيْءٍ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ ونَصْبُ سُبْحانَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا وهو بِمَعْنى التَّسْبِيحِ وقُدِّرَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً أيْ أنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا لِأنَّها أبْلَغُ والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها كَذَلِكَ و﴿اللَّهُمَّ﴾ بِتَقْدِيرِ يا أللَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النِّداءِ وعَوَّضَ عَنْهُ المِيمَ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ فَتَذَكَّرْ وكانَ القِياسُ تَقْدِيمَ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِأنَّ النِّداءَ يُقَدَّمُ عَلى الدُّعاءِ لَكِنَّهُ اسْتُعْمِلَ في التَّسْبِيحِ كَذَلِكَ قِيلَ: لِأنَّهُ تَنْزِيهٌ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ وفي النِّداءِ رُبَّما يُتَوَهَّمُ تَرْكُ الأدَبِ
﴿وتَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ ما يُحَيُّونَ بِهِ ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ سَلامَتُهم مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وهو خَبَرُ (تَحِيَّتُهُمْ) و﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها، والتَّحِيَّةُ التَّكْرِمَةُ بِالحالِ الجَلِيلَةِ وأصْلُها أحْياكَ اللَّهُ تَعالى حَياةً طَيِّبَةً وإضافَتُها هُنا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْ تَحِيَّةُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ذَلِكَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ .
صفحة 76
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ إلى الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا آخِرُ ذَلِكَ وقَدْ يَعْتَبِرُ البَعْضُ المُقَدَّرَ مَفْعُولًا فالإضافَةُ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا أُضِيفَ فِيهِ المَصْدَرُ لِفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ مَعًا إذا كانَ المَعْنى يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ونَظِيرُهُ في الإضافَةِ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ حَيْثُ أُضِيفَ حُكْمٌ إلى ضَمِيرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهُما حاكِمانِ وغَيْرُهُما وهُمُ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ المُخْتَلَفِ فِيهِ حَيْثُ إنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ حَقِيقَةٌ ولِمَفْعُولِهِ مَجازٌ لِأنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ الجَمْعِ إذا كانَ المَجازُ عَقْلِيًّا إنَّما الخِلافُ فِيهِ إذا كانَ لُغَوِيًّا ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ أيْ خاتِمَةُ دُعائِهِمْ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ 10﴾ أيْ أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ فَأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ خَبَرُها وأنَّ ومَعْمُولاها خَبَرٌ آخَرُ ولَيْسَتْ مُفَسَّرَةً لِفَقْدِ شَرْطِها ولا زائِدَةٌ لِأنَّ الزِّيادَةَ خِلافُ الأصْلِ ولا داعِيَ إلَيْها عَلى أنَّهُ قَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ ﴿الحَمْدُ﴾ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِما قُلْنا والظّاهِرُ أنَّ تَحَقُّقَ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ لِكَوْنِها اسْمِيَّةً عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ وفي الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ فَلَعَلَّ القَوْمَ لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَحْصُلْ لَهم قَبْلَهُ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ
وقَدْ صَرَّحَ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ في الكَلامِ بِتَفاوُتِ أهْلِ الجَنَّةِ في المَعْرِفَةِ فَقالَ: إنَّ عَوامَّ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ يَكُونُونَ في العِلْمِ كالعُلَماءِ في الدُّنْيا والعُلَماءُ فِيها يَكُونُونَ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الدُّنْيا والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَكُونُونَ في ذَلِكَ كَنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَكُونُ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العِلْمِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ الغايَةُ القُصْوى الَّتِي لا تَكُونُ لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَقامَ المَحْمُودَ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنَّهم مَعَ تَفاوُتِهِمْ في المَعْرِفَةِ لا يَزالُونَ يَتَرَقَّبُونَ فِيها عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ، والسَّيْرُ في اللَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُتَناهٍ والوُقُوفُ عَلى الكُنْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وحِينَئِذٍ التَّفاوُتُ في مَعْرِفَةِ الصِّفاتِ وهي كَما قِيلَ إمّا سَلْبِيَّةٌ وتُسَمّى بِصِفاتِ الجَلالِ لِأنَّها يُقالُ فِيها: جَلَّ عَنْ كَذا جَلَّ عْنَ كَذا وإمّا غَيْرُها وتُسَمّى بِصِفاتِ الإكْرامِ وبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ فَلا يَزالُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى نَعْتِهِ بِنُعُوتِ الجَلالِ وبِالتَّحْمِيدِ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى وصْفِهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ والدَّوامُ عُرْفِيٌّ وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في وصْفِ أهْلِ الجَنَّةِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «(يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا)» يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ ذَلِكَ والمُرادُ بِالبُكْرَةِ والعَشِيَّةِ كَما قالَ النَّوَوِيُّ قَدْرُهُما وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم يُقَدِّمُونَ نَعْتَهُ تَعالى بِنُعُوتِ الجَلالِ ويَخْتِمُونَ دُعاءَهم بِوَصْفِهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ لِأنَّ الأُولى مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الثّانِيَةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ والمُخْتارُ عِنْدِي كَوْنُ فاعِلِ التَّحِيَّةِ هو اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم حِينَ يَشْرَعُونَ بِالدُّعاءِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويُنَزِّهُونَهُ فَيُقابَلُونَ بِالسَّلامِ وهو دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ فَإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ تَعالى وإنْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا مانِعَ مِن بَقائِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنْ يُوَجَّهُ الطَّلَبُ فِيهِ إلى الدَّوامِ لِأنَّ أصْلَ السَّلامَةِ حاصِلٌ لَهم وإنْ قُلْنا: إنَّها تَقْبَلُ الزِّيادَةَ فَلا بُعْدَ في أنْ يُوَجَّهَ إلى طَلَبِها وما ألْطَفَ مُقابَلَةَ التَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ بِالسَّلامَةِ عَنِ المَكْرُوهِ لِقُرْبِها مِن ذَلِكَ مَعْنًى كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ثُمَّ يَخْتِمُونَ دُعاءَهم بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وهَكَذا لا يَزالُ دَأْبُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ الصَّحِيحِ ولَعَلَّ
صفحة 77
عَدَمَ ذِكْرِ التَّحْمِيدِ فِيهِ اكْتِفاءٌ بِما في الآيَةِ وهَذا ما عِنْدِي فِيها وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ أْهَلَ الجَنَّةِ إذا مَرَّ بِهِمُ الطّائِرُ يَشْتَهُونَهُ قالُوا: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وذَلِكَ دُعاؤُهم بِهِ فَيَأْتِيهِمُ المَلَكُ بِما اشْتَهَوْا فَإذا جاءَ المَلَكُ بِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ فَإذا أكَلُوا قَدْرَ حاجَتِهِمْ قالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهو ظاهِرٌ في أنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ أيْضًا لَكِنْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوى بِمَعْنى الدُّعاءِ ومَعْنى كَوْنِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ دُعاءً وطَلَبًا لِما يَشْتَهُونَ حِينَئِذٍ أنَّهُ عَلامَةٌ لِلطَّلَبِ ونَظِيرُ ذَلِكَ تَسْبِيحُ المُصَلِّي إذا نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلامَةٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والخَدَمِ في الطَّعامِ فَإذا قالُوها أتَوْهم بِما يَشْتَهُونَ
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ ولا بَأْسَ في ذَلِكَ نَعَمْ فَيَكُونُ الحَمْدُ بَعْدَ أكْلِ قَدْرِ حاجَتِهِمْ مَدْلُولُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَفاءٌ
وقالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ: لَعَلَّ المَعْنى أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِبْرِياءَهُ مَجَّدُوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ أوِ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدُوهُ وأثْنَوْا عَلَيْهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ وهو أيْضًا ظاهِرٌ فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ كَما قُلْنا إلّا أنَّهُ تُعُقِّبَ بِأنَّ إضافَةِ (آخِرُ) إلى دَعْواهم يَأْباهُ وكَأنَّ وجْهَ الإباءِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى هَذا آخِرُ الحالِ وبِأنَّ اعْتِبارَ الفَوْزِ بِالكَراماتِ في مَفْهُومِ السَّلامِ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ عِنْدَما يُعايِنُونَ مِن تَعاجِيبِ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى ونَتائِجِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ تَقْدِيسًا لِمَقامِهِ تَعالى عَنْ شَوائِبِ العَجْزِ والنُّقْصانِ وتَنْزِيهًا لِوَعْدِهِ الكَرِيمِ عَنْ سِماتِ الخُلْفِ ويَكُونُ خاتِمَةُ دُعائِهِمْ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ نَعْتًا لَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِصِفاتِ الإكْرامِ إثْرَ نَعْتِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والمَعْنى دُعاؤُهم مُنْحَصِرٌ فِيما ذُكِرَ إذْ لَيْسَ لَهم مَطْلَبٌ مُتَرَقَّبٌ حَتّى يُنَظِّمُوهُ في سِلْكِ الدُّعاءِ ولَعَلَّ تَوْسِيطَ ذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ عِنْدَ الحِكايَةِ بَيْنَ دُعائِهِمْ وخاتِمَتِهِ لِلتَّوَسُّلِ إلى خَتْمِ الحِكايَةِ بِالتَّحْمِيدِ تَبَرُّكًا مَعَ أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ عَلى الإطْلاقِ انْتَهى وكَأنَّهُ أرادَ بِعَدَمِ كَوْنِ التَّحِيَّةِ أجْنَبِيَّةً عَلى الإطْلاقِ كَوْنَها دُعاءً مَعْنًى وكَلامُهُ نَصٌّ في أنَّ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ مُخالِفٌ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ولا يَخْفى أنَّ تَوْجِيهَ تَوْسِيطِ ذِكْرِ التَّحِيَّةِ بِما ذَكَرَهُ مِمّا لا يَكادُ يَرْتَضِيهِ مُنْصِفٌ عَلى أنَّهُ غَفَلَ هو وسائِرُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ تَوْجِيهِ اسْمِيَّةِ الجُمَلِ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ
يونس 10:11
﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ إلَخْ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُمْهِلُهُمُ اسْتِدْراجًا وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً وجِيءَ بِالنّاسِ بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ تَفْظِيعًا لِلْأمْرِ
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أوْرَدُوا بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْراجِ والمُرادُ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ ﴿الشَّرَّ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً
صفحة 78
مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ اللَّهُمَّ العَنْهُ. وفِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى العُمُومِ والمُخْتارُ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُهُ: ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والأصْلُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ فَحُذِفَ تَعْجِيلًا وصِفَتُهُ المُضافَةُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَها
وفِي الكَشّافِ وضَعَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ وهو كَلامٌ رَصِينٌ يَدُلُّ عَلى دِقَّةِ نَظَرِ صاحِبِهِ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ إذْ لا يَكادُ يُوضَعُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُقارَنًا لِغَيْرِ فِعْلِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِدُونِ مِثْلَ هَذِهِ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ والنُّحاةِ يَقُولُونَ في ذَلِكَ: أُجْرِيَ المَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ولا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ وإذا راجَعَ الفَطِنُ قَرِيحَتَهُ وناجى فِكْرَتَهُ عَلِمَ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لِفائِدَةٍ وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ وسُرْعَةِ إمْضاءِ حُكْمِها حَتّى كَأنَّ إنْباتَ اللَّهِ تَعالى لَهم نَفْسَ نَباتِهِمْ أيْ إذا وُجِدَ الإنْباتُ وُجِدَ النَّباتُ حَتْمًا حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما عَيْنُ الآخَرِ فَقُرِنَ بِهِ وقالَ الطِّيبِيُّ: كانَ أصْلُ الكَلامِ ولَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ ثُمَّ وضَعَ مَوْضِعَهُ الِاسْتِعْجالَ ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ فَأُرِيدَ مَزِيدُ المُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهُمُ الخَيْرَ أسْرَعُ مِن تَعْجِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهم ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ عُجُولًا واللَّهُ تَعالى صَبُورٌ حَلِيمٌ يُؤَخِّرُ لِلْمَصالِحِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها عَقْلُ الإنْسانِ ومَعَ ذَلِكَ يُسْعِفُهم بِطِلْبَتِهِمْ ويُسْرِعُ إجابَتَهم وأوْجَبَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيرِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ أوْ أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ قالَ: لِأنَّ مَدْلُولَ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْجِيلِ وذَلِكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَجُوزُ ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأتْباعُهُ: وأجابَ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَلَبِهِ كاسْتَقَرَّ بِمَعْنى أقَرَّ وقَوْلُهُ: وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ لِلْفاعِلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ ناشٍ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا بِالمَرَّةِ يُقالُ: قُضِيَ إلَيْهِ أجْلُهُ أيْ أنْهى إلَيْهِ مُدَّتَهُ الَّتِي قُدِّرَ فِيها مَوْتُهُ فَهَلَكَ وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَضَيْنا) وفِيهِ التِفاتٌ واخْتِيارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجَلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُقَدَّمَ هَهُنا لَيْسَ نَفْسَ التَّعْجِيلِ المَذْكُورِ بَلْ هو إرادَتُهُ المُسْتَتْبِعَةُ لِلْقَضاءِ المَذْكُورِ وُجُودًا وعَدَمًا لِأنَّ القَضاءَ لَيْسَ أمْرًا مُغايِرًا لِتَعْجِيلِ الشَّرِّ في نَفْسِهِ بَلْ هو إمّا نَفْسُهُ أوْ جُزْئِيٌّ مِنهُ
صفحة 79
كَسائِرِ جُزْئِيّاتِهِ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَهُ عَلى البَقِيَّةِ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ما لَيْسَ في مَفْهُومِ تَعْجِيلِ الشَّرِّ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ فَلا يَكُونُ في تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا أوْ عَدَمًا مَزِيدُ فائِدَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِجَعْلِهِ تالِيًا لَهُ فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ولا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ إذا فُسِّرَ الجَوابُ بِالِاسْتِئْصالِ وأيْضًا في تَرْتِيبِ التّالِي عَلى إرادَةِ المُقَدَّمِ ما لَيْسَ في تَرْتِيبِهِ عَلى المُقَدَّمِ نَفْسِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُمُورَ مَنُوطَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ نَتْرُكُهم إمْهالًا واسْتِدْراجًا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الَّذِي هو عَدَمُ رَجاءِ اللِّقاءِ وإنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ وما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ والمَقالاتِ الشَّنِيعَةِ ﴿يَعْمَهُونَ 11﴾ أيْ يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى شَرْطِ (لَوْ) ولا عَلى جَوابِها لِانْتِفائِهِ وهو مَقْصُودُ إثْباتِهِ ولَيْسَتْ (لَوْ) بِمَعْنى أنَّ كَما قِيلَ فَهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّها في مَعْنى لا يُعَجِّلُ لَهم وفي قُوَّتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُعَجِّلُ بَلْ يَذَرُهم أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ أيْ ولَكِنْ يُمْهِلُهم أوْ ولَكِنْ لا يُعَجِّلُ ولا يَقْضِي فَيَذَرُهم وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والتَّقْدِيرُ فَنَحْنُ نَذْرُهم وقِيلَ: إنَّ الفاءَ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى ما اسْتَعْجَلُوهُ لَأبادَهم ولَكِنْ يُمْهِلُهم لِيَزِيدُوا في طُغْيانِهِمْ ثُمَّ يَسْتَأْصِلُهم وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَذَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ثُمَّ نَقْطَعُ دابِرَهم وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَما قَرَّرَ أنَّ اتِّصالَ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ إلَخْ وأنَّ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ إنَّما وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ قالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَعْلِ هَذا جَوابَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وفي وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ نَوْعُ بَيانٍ لِلطُّغْيانِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٌ بِعِلِّيَّتِهِ لِلتَّرْكِ والِاسْتِدْراجِ
يونس 10:12
﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ إذا أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ إصابَةً يَسِيرَةً وقِيلَ: مُطْلَقًا ﴿دَعانا﴾ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿لِجَنْبِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ الحالَ الصَّرِيحَةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا أوْ مُلْقًى لِجَنْبِهِ واللّامُ عَلى ظاهِرِها وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِعَلى وهي تُفِيدُ اسْتِعْلاءَهُ عَلَيْهِ واللّامُ تُفِيدُ اخْتِصاصَ كَيْنُونَتِهِ واسْتِقْرارَهُ بِالجَنْبِ إذْ لا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْرارُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ زائِدَةٌ
واخْتُلِفَ في ذِي الحالِ فَقِيلَ: إنَّهُ فاعِلُ ﴿دَعانا﴾ وقِيلَ: هو مَفْعُولُ ﴿مَسَّ﴾ واسْتُضْعِفَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما تَأخُّرُ الحالِ عَنْ مَحَلِّها مِن غَيْرِ داعٍ الثّانِي أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا في كُلِّ أحْوالِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ المَعْدُوداتِ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الإنْسانِ عَنْها عادَةً لا أنَّ الضُّرَّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ: وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ فِيها أيْضًا لِأنَّ القَيْدَ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ فَإذا قُلْتَ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ فالمَعْنى أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ واعْتَبَرَ بَعْضُهم تَوْزِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى أفْرادِ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّ مِنَ الإنْسانِ مَن يَدْعُو عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومِنهُ مَن يَدْعُو عَلى تِلْكَ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الأحْوالِ تَعْمِيمَ أصْنافِ المَضارِّ لِأنَّها إمّا خَفِيفَةٌ
صفحة 80
لا تَمْنَعُ الشَّخْصَ القِيامَ أوْ مُتَوَسِّطَةٌ تَمْنَعُهُ القِيامَ دُونَ القُعُودِ أوْ شَدِيدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنها وانْفَهامَ ذَلِكَ مِنها بِمَعُونَةِ السِّياقِ و(إذا) قِيلَ إنَّها عَلى أصْلِها وقِيلَ إنَّها لِلْمُضِيِّ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الَّذِي مَسَّهُ غَبَّ ما دَعانا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿مَرَّ﴾ أيْ مَضى واسْتَمَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ ونَأى بِجانِبِهِ والمُرُورُ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ وعَلى الثّانِي باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الدُّعاءِ ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ أيْ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخَفَّفَ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ
فَإنَّ الأصْلَ فِيهِ كَأنَّهُ فَخَفَّفَ كَأنَّ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في شَواهِدِهِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إذْ يَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْوَجْهِ أوْ لِلصَّدْرِ عَلى رِوايَةٍ – وصَدْرٍ - ورُوِيَ كَأنَّ ثَدْيَيْهِ عَلى إعْمالِ كَأنَّ في اسْمٍ مَذْكُورٍ ولا يَبْعُدُ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿مَرَّ﴾ أيْ مَرَّ مُشَبَّهًا بِمَن لَمْ يَدْعُنا ﴿إلى ضُرٍّ﴾ أيْ إلى كَشْفِهِ لِأنَّهُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وإلى بِمَعْنى اللّامِ أيْ لِضُرٍّ ﴿مَسَّهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا وصْفٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ مُطْلَقًا أوالكافِرِ مِنهُ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ الأفْرادِ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ
وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالإنْسانِ هُنا ثَلاثَةَ أقْوالٍ فَقِيلَ: الجِنْسُ وقِيلَ: الكافِرُ وقِيلَ: شَخْصٌ مُعَيَّنٌ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى الِاعْتِبارِ لَكِنْ لا اعْتِبارَ لَهُ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أيْ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ (ما كانُوا يَعْلَمُونَ 12) مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذَّكَرِ والدُّعاءِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ وسُمُّوا أُولَئِكَ مُسْرِفِينَ لَمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أعْطاهُمُ القُوى والمَشاعِرَ لِيَصْرِفُوها إلى مَصارِفِها ويَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ العُلُومِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وهم قَدْ صَرَفُوها إلى ما لا يَنْبَغِي مَعَ أنَّها رَأْسُ مالِهِمْ وفاعِلُ التَّزْيِينِ إمّا مالِكُ المُلْكِ جَلَّ شَأْنُهُ وإمّا الشَّيْطانُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها قِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما إمْلاءً لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ بَعْدَ الإنْقاذِ مِنَ الشَّرِّ المُقَرَّرِ في الأُولى ومِنَ الضُّرِّ المُقَرَّرِ في الأُخْرى
وذَكَرَ الإمامُ في وجْهِ الِانْتِظامِ مَعَ الآيَةِ الأُولى وجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الأُولى أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ العَذابَ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا لَهَلَكَ وأكَّدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى غايَةِ ضَعْفِهِ ونِهايَةِ عَجْزِهِ والثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ في الأُولى إلى أنَّ الكَفَرَةَ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ وبَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ الطَّلَبِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِالإنْسانِ أدْنى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ فَإنَّهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَتِهِ عَنْهُ انْتَهى ولِكُلِّ وُجْهَةٌ
وفِي الآيَةِ ذَمٌّ لِمَن يَتْرُكُ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ ويُهْرَعُ إلَيْهِ في الشِّدَّةِ واللّائِقُ بِحالِ الكامِلِ التَّضَرُّعُ إلى مَوْلاهُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَإنَّ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ فَفي الحَدِيثِ: «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ»
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «ادْعُ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ سَرّائِكَ يَسْتَجِبْ لَكَ يَوْمَ ضَرائِكَ» وفي حَدِيثٍ لِلتِّرْمِذِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ الحاكِمُ عَنْ سَلْمانَ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ» . والآثارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ
يونس 10:13
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ﴾ مِثْلَ
صفحة 81
قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وهو جَمْعُ قَرْنٍ بِفَتْحِ القافِ أهْلُ كُلِّ زَمانٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرانِ كَأنَّ أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ اقْتَرَنُوا في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ: ثَمانُونَ وقِيلَ مِائَةٌ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الزَّمانِ والمُرادُ هُنا المَعْنى الأوَّلُ وكَذا في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» وقَوْلُهُ:
إذا ذَهَبَ القَرْنُ الَّذِي أنْتَ فِيهِمْ وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فَأنْتَ غَرِيبُ
﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِكم والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ بَعْدَ تَأْيِيدِهِ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا ومَنَعَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ القُرُونِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا وجَعْلُ لَمّا شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ جَوابٍ هو أهْلَكْناهم بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ظَلَمُوا﴾ بِإضْمارِ قَدْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن رُسُلِهِمْ دالَّةٌ عَلى إفْراطِهِمْ في الظُّلْمِ وتَناهِيهِمْ في المُكابَرَةِ أيْ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها حِينَ لا مَجالَ لِلتَّكْذِيبِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ظَلَمُوا﴾ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ مَحَلُّهُ الجَرُّ وذَلِكَ عِنْدَ مَن يَرى إضافَةَ الظَّرْفِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ولا حاجَةَ إلى هَذا الِاعْتِذارِ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في التَّكْذِيبِ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى سائِرِ أنْواعِ الظُّلْمِ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ لِأنَّ اللّامَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ
وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى ﴿ظَلَمُوا﴾ ولَيْسَ مِنَ العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ خِلافًا لِلطِّيبِيِّ لِأنَّ الأوْلى إخْبارٌ بِأحْداثِ التَّكْذِيبِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِالإصْرارِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي عَطْفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ بَيْنَ الفِعْلِ وما يَجْرِي مَجْرى مَصْدَرِهِ التَّشْبِيهِيِّ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِهِ أيْ مِثْلَ الجَزاءِ الفَظِيعِ أيِ الإهْلاكِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ 13﴾ أيْ كُلَّ طائِفَةٍ مُجْرِمَةٍ فَيَشْمَلُ القُرُونَ وجَعْلُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْهم غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وقُرِئَ (يَجْزِي) بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا مِنَ التَّكَلُّمِ في ﴿أهْلَكْنا﴾ إلَيْها وحاصِلُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وأنَّهم ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ويَقْتَصِرُ عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في بَيانِ الحاصِلِ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِراضِ وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلَ الأمْرِ الثّانِي عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَعَلَ بَيانًا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ وفِيهِ ما يَحْتاجُ إلى الكَشْفِ فَتَدَبَّرْهُ، وتَعْلِيلُ عَدَمِ الإيمانِ بِالخِذْلانِ ونَحْوِهِ ظاهِرٌ، وكَلامُ القاضِي صَرِيحٌ في تَعْلِيلِهِ أيْضًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُنافٍ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وتَكَلَّفَ بَعْضُ الفُضَلاءِ في تَصْحِيحِهِ ما تَكَلَّفَ ولَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ:
صفحة 82
مَعْنى كَوْنِ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى في الأزَلِ بِالمَعْلُومِ المُعَيَّنِ الحادِثِ تابِعٌ لِماهِيَّتِهِ بِمَعْنى أنَّ خُصُوصِيَّةَ العِلْمِ وامْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العُلُومِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الماهِيَّةِ وأمّا وُجُودُ الماهِيَّةِ وفِعْلِيَّتُها فِيما لا يَزالُ فَتابِعٌ لِعِلْمِهِ الأزَلِيِّ التّابِعِ لِماهِيَّتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَها في الأزَلِ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ لَزِمَ أنْ تَتَحَقَّقَ وتُوجَدَ فِيما لا يَزالُ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ فَنَفْسُ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمُ إيمانِهِمْ مَتْبُوعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ ووُقُوعُهُ تابِعٌ لَهُ وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبِهِ يَنْحَلُّ إشْكالاتٌ كَثِيرَةٌ فَلْيُحْفَظْ. وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كاشِفٌ لَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ وبَنى عَلى ذَلِكَ كَوْنَ الماهِيّاتِ ثابِتَةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ في ثُبُوتِها والقَوْلُ بِالتَّبَعِيَّةِ المَذْكُورَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ ونازَعَ في ذَلِكَ عَبْدِ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ وقالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عُمَرَ البَغْدادِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّ كَوْنَ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ إلى حَضْرَةِ الأعْيانِ القَدِيمَةِ الَّتِي أعْطَتِ الحَقَّ العِلْمَ التَّفْصِيلِيَّ بِها وأمّا بِالنَّظَرِ إلى العِلْمِ الإجْمالِيِّ الكُلِّيِّ فالمَعْلُومُ تابِعٌ لِلْعِلْمِ لِأنَّ الحَقَّ تَعالى لَمّا تَجَلّى مِن ذاتِهِ لِذاتِهِ بِالفَيْضِ الأقْدَسِ حَصَلَتِ الأعْيانُ واسْتِعْداداتُها فَلَمْ تَحْصُلْ عَنْ جَهْلٍ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وحِينَئِذٍ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ والجِيلِيِّ عَلى أنَّهُ إنْ بَقِيَتْ هُناكَ مُخالَفَةٌ فالحَقُّ مَعَ الشَّيْخِ لِأنَّ الجِيلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَحْلَةٌ تُدَنْدِنُ حَوْلَ الحِمى والدَّلِيلُ أيْضًا مَعَ الشَّيْخِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ لَكِنَّهُ قَدْ أبْعَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشَّوْطَ بِقَوْلِهِ: العِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ والمَعْلُومُ أنْتَ وأنْتَ هو والبَحْثُ وعْرُ المَسْلَكِ صَعْبُ المُرْتَقى وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ
واسْتِفادَةُ مَعْنى العِلْمِ هُنا عَلى ما قِيلَ مِنَ التَّأْكِيدِ الَّذِي أفادَتْهُ اللّامُ وفي الآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ أكِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم وأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ مُشْتَرِكُونَ فِيما يَقْتَضِي الإهْلاكَ ويُعْلَمُ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿كانُوا﴾ لِلْقُرُونِ وهو ظاهِرٌ وجَوَّزَ مُقاتِلٌ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكَذا جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ بِالقَوْمِ المُجْرِمِينَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ إيذانًا بِأنَّهم أعْلامٌ في الأجْرامِ وذِكْرُ ﴿القَوْمَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العَذابَ عَذابُ اسْتِئْصالٍ
والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا ظاهِرٌ إذِ المَعْنى يَجْزِيكم مِثْلَ جَزاءِ مَن قَبْلَكم وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهو عَلى مِنوالِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وأضْرابِهِ وفِيهِ بُعْدٌ أيْضًا بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يَأْباهُ كُلَّ الإباءِ
يونس 10:14
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ابْتِداءُ تَعُرُّضٍ لِأُمُورِهِمْ وأنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ مَبادِئُ أحْوالِهِمْ لِاخْتِبارِ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ مُنْتَهى أمْرِهِمْ وخِطابِهِمْ بِبَتِّ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ لِكَمالِ إجْرامِهِمْ والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ لا عَلى ما قَبْلَهُ والمَعْنى ثُمَّ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتُشاهِدُونَ آثارَها (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْلَمُونَ 14) أيْ لِنَعْلَمَ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ فَكَيْفَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَعْلَمُونِ، وقَدْ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ كَيْفَ تَأْتِي كَذَلِكَ وأنَّ مِنهُ ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ فَيُمْنَعُ ما قَبْلَهُ مِنَ العَمَلِ فِيهِ ولِذا لَزِمَ تَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ هُنا
وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ كَما هو المَشْهُورُ فِيها إذا كانَ بَعْدَها فِعْلٌ نَحْوَ كَيْفَ ضَرَبَ زَيْدٌ أيْ عَلى أيِّ حالٍ تَعْمَلُونَ الأفْعالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ مِن أوْصافِ الحُسْنِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في
صفحة 83
الزَّجْرِ عَنِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ما فِيهِ وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَعْلَمُونِ أيْ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَدْ صَرَّحُوا بِمَجِيئِها كَذَلِكَ أيْضًا وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ نَحْوَ كَيْفَ ظَنَنْتَ زَيْدًا وبِما ذُكِرَ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ وتَعَقَّبَهُ القُطْبُ بِما تَعَقَّبَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ جَعَلَ كَيْفَ هَهُنا مَجازًا بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَعْنى كَيْفَ السُّؤالُ عَنِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لا عَنِ الذَّواتِ وغَيْرِها فالسُّؤالُ هُنا عَنْ أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ ولا مَعْنى لِلسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ إلّا عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا أوْ قَبِيحًا وخَيْرًا أوْ شَرًّا فَكَيْفَ لَيْسَتْ مَجازًا بَلْ هي عَلى حَقِيقَتِها ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمالَ النَّظَرِ بِمَعْنى العِلْمِ مَجازٌ حَيْثُ شُبِّهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في تَحَقُّقِهِ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ تَصْرِيحِيَّةٍ تَبَعِيَّةٍ والمُرادُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ بِأعْمالِكم لِيُجازِيَكم بِحَسَبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالعِلْمِ المَعْلُومُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا مَجازًا مُرَتَّبًا عَلى اسْتِعارَةٍ وأيًّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِأعْمالِهِمْ قَبْلَ اسْتِخْلافِهِمْ ولَيْسَ مَبْنى تَفْسِيرِ النَّظَرِ بِالعِلْمِ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القَدَرِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَرى ولا يَرى فَإنّا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَرى ويُرى والشُّرُوطُ في الشّاهِدِ لَيْسَتْ عَقْلِيَّةً كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الرُّؤْيَةَ صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْعِلْمِ وكَذا السَّمْعُ أيْضًا ومِمَّنْ يَقُولُ أيْضًا: إنَّ صُوَرَ الماهِيّاتِ الحادِثَةَ مَشْهُودَةٌ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا في حالِ عَدَمِها في أنْفُسِها في مَرايا الماهِيّاتِ الثّابِتَةِ عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بَلْ هو مَبْنِيٌّ عَلى اقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: أكْرَمْتُكَ لِأرى ما تَصْنَعُ. فَمَعْناهُ أكْرَمْتُكَ لِأخْتَبِرَكَ وأعْلَمَ صُنْعَكَ فَأُجازِيَكَ عَلَيْهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ حَمْلَ النَّظَرِ عَلى الِانْتِظارِ والتَّرَبُّصِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وبَعْضُ النّاسِ حَمَلَ كَلامَ بَعْضِ الأفاضِلِ عَلَيْهِ وارْتَكَبَ شَطَطًا وتَكَلَّمَ غَلَطًا
(هَذا) وقُرِئَ (لِنَظُّرَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الظّاءِ ووَجْهُ ذاكَ أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ قُلِبَتْ ظاءً وأُدْغِمَتْ
يونس 10:15
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلِكَةِ وصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ
وقِيلَ: ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ونَصْبُ ﴿بَيِّناتٍ﴾ عَلى الحالِ أيْ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعْيِينِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ ولَوْ تَلاهُ رَجُلٌ مَن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُعَظَّمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى أنْفُسِها فَقَطْ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ أيِ ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ
صفحة 84
لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ وتَوابِعِهِ أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم إنَّما سَألُوا ذَلِكَ كَيْدًا وطَمَعًا في إجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَتَوَسَّلُوا إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ ولَيْسَ مُرادَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ أجابَهم آمَنُوا ﴿قُلْ﴾ أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ المَصْدَرُ فاعِلُ يَكُونُ وهي مِن كانَ التّامَّةِ وتُفَسَّرُ بِوَجَدَ ونَفْيُ الوُجُودِ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ فَإنَّ وُجُودَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَلا وُجُودٍ فالمَعْنى هُنا ما يَصِحُّ لِي أصْلًا تَبْدِيلُهُ ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أيْ مِن جِهَتِي ومِن عِنْدِي وأصْلُ تِلْقاءَ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعالِ التّاءِ ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ بِكَسْرِها غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ في المَشْهُورِ
وقُرِئَ شاذًّا بِالفَتْحِ وهو القِياسُ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى التَّكْرارِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ وقَدْ خَرَجَ هُنا مِن ذَلِكَ إلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ والجَرُّ بِمَن لا يُخْرِجُ الظَّرْفَ عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ ولِذا اخْتُصَّتِ الظُّرُوفُ الغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ كَعِنْدَ بِدُخُولِها عَلَيْها
ومِنَ النّاسِ مَن وهِمَ في ذَلِكَ وقَصَرَ الجَوابَ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَهو بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةُ جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ فِيما آتى وأذَرُ ﴿إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهُ في شَيْءٍ أصْلًا عَلى مَعْنى قِصَرِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ ما يُوحى لا قِصَرِ اتِّباعِهِ عَلى ما يُوحى إلَيْهِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانًا لِما يَكُونُ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ اتِّباعَ الوَحْيِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ دُونَهُ أصْلًا وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَوابٌ لِنَقْضٍ مُقَدَّرٍ وهو أنَّهُ كَيْفَ هَذا وقَدْ نَسَخَ بَعْضَ الآياتِ بِبَعْضِ ورَدَّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا تَقْيِيدُ التَّبْدِيلِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ لِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ أيْضًا سَمّاهُ عِصْيانًا عَظِيمًا مُسْتَتْبِعًا العَذابَ عَظِيمٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنِ امْتِناعِ التَّبْدِيلِ واقْتِصارِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ أيْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ تَعالى بِتَعاطِي التَّبْدِيلِ والإعْراضِ عَنِ الوَحْيِ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ اللِّقاءِ الَّذِي لا يَرْجُونَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ لِأنَّ اقْتِراحَ ما يُوجِبُهُ يَسْتَوْجِبُهُ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ كَفِعْلِهِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العِصْيانِ وإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي إيرادِ اليَوْمَ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ ووَصْفِهِ بِعَظِيمٍ ما لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وتَفْظِيعِهِ وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الجَوابِ المَذْكُورِ جَوابًا عَنِ الِاقْتِراحَيْنِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ بِحَمْلِ التَّبْدِيلِ فِيهِ عَلى ما يَعُمُّ تَبْدِيلَ ذاتٍ بِذاتٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وتَبْدِيلُ صِفَةٍ بِصِفَةٍ أُخْرى كَبَدَّلْتُ الخاتَمَ حَلْقَةً وهو الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَقْيِيدَ التَّبْدِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعالى والتَّبْدِيلُ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى إنَّ المُقْتَرِحِينَ يَعْلَمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَرَحُوهُ
صفحة 85
لِما مَرَّ وقالُوا: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا مُكابَرَةً وعِنادًا ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا التَّبْدِيلَ والإتْيانَ بِطَرِيقِ الِافْتِراءِ قِيلَ: لا مَساغَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَكَأنَّهم قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ كَما أتَيْتَ بِالقُرْآنِ مِن جِهَتِهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ إلَخْ ما يَتَسَهَّلُ لِي ولا يُمْكِنُنِي أنْ أُبَدِّلَهُ لِما في الكَشّافِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ يَرُدُّ ذَلِكَ ووُجِّهَ بِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا ما هو عِصْيانٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَتّى يَقُولَ في جَوابِهِمْ ما ذَكَرَ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن غَيْرِ إذْنٍ عِصْيانٌ فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ ما يَتَسَهَّلُ لِي عَلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ كانَ الجَوابُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِسُؤالِهِمْ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تَبْدِيلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: لا يُمْكِنُنِي التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي في الجَوابِ وإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ فالعِصْيانُ أيْضًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ حَمَلَ ﴿ما يَكُونُ﴾ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ ولا يَتَسَهَّلُ والعِصْيانُ يَقَعُ عَلى المُمْكِنِ المَقْدُورِ لا أنَّهم طَلَبُوا ما هو عِصْيانٌ أوْ لَيْسَ والمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ بَلْ أشَدُّها لِأنَّ الحاصِلَ أمّا التَّبْدِيلُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وأما مِن قِبَلِ الوَحْيِ فَأنا تابِعٌ غَيْرُ مَتْبُوعٍ نَعَمْ لا يُنْكِرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ وجْهٌ آخَرُ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لِي ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ وصاحِبُ الكَشّافِ لَمْ يَنْفِهِ
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لا مَساغَ لِحَمْلِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلى ما هو مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِمَكانِ التَّعْلِيلِ بِـ ﴿إنِّي أخافُ﴾ إلَخْ إذِ المَقْصُودُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مَعْصِيَةُ الِافْتِراءُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ صَرِيحُ ما بَعْدَهُ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ وحِينَئِذٍ لا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تِلْكَ المَعْصِيَةُ ومَعْصِيَةُ اسْتِدْعاءِ تَبْدِيلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لا سِيَّما بِمُوجِبِ اقْتِراحِ الكَفَرَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَلا يَنْفَعُ تَحَقُّقُها وهو كَلامٌ وجِيهٌ يُعْلَمُ مِنهُ ما في الكَلامِ السّابِقِ مِنَ النَّظَرِ بَقِيَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّهم طَلَبُوا الإتْيانَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومُكَرَّزِ بْنِ حَفْصٍ وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ والعاصِ بْنِ عامِرِ بْنِ هِشامٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ نُؤْمِنَ لَكَ فائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناتَ ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُها وإنْ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَقُلْ أنْتَ مِن نَفْسِكَ أوْ بَدِّلْهُ فاجْعَلْ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ ومَكانَ حَرامٍ حَلالًا ومَكانَ حَلالٍ حَرامًا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَأْبى أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ تالِي الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن كَلامِهِمْ فَتَدَبَّرْ
يونس 10:16
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وصَدَرَ بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ إظْهارُ الكَمالِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ وإيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ مَفْهُومًا وأُسْلُوبًا فَإنَّهُ بُرْهانٌ دالٌّ عَلى كَوْنِهِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وما سَبَقَ مُجَرَّدُ إخْبارٍ بِاسْتِحالَةِ ما اقْتَرَحُوهُ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ يُنْبِئُ عَنْهُ الجَزاءُ كَما هو المُطَّرِدُ في أمْثالِهِ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذَلِكَ وهو ظاهِرٌ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ولَيْسَ لِي مِنهُ شَيْءٌ أصْلًا ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ عَدَمَ تِلاوَتِي لَهُ عَلَيْكم وعَدَمَ إدْرائِكم بِهِ بِواسِطَتِي بِأنْ لَمْ يُنْزِلْهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيَّ ولَمْ يَأْمُرْنِي بِتِلاوَتِهِ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ ولا أعْلَمَكم بِهِ بِواسِطَتِي والتّالِي وهو عَدَمُ التِّلاوَةِ والإدْراءُ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي المُقَدَّمُ وهو مَشِيئَتُهُ العَدَمَ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ الوُجُودَ فانْتِفاؤُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفائِهِ وهو إنَّما يَكُونُ بِتَحَقُّقِ مَشِيئَةِ الوُجُودِ فَثَبَتَ أنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقُرْآنِ وإدْراءَهُ تَعالى بِواسِطَتِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.
صفحة 86
وتَقْيِيدُ الإدْراءِ بِذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ وحَيْثُ اقْتَصَرَ بَعْضُهم في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ في الشَّرْطِ عَلى عَدَمِ التِّلاوَةِ عَلَّلَ التَّقْيِيدَ بِأنَّ عَدَمَ الإعْلامِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو عَدَمُ مَشِيئَةِ تِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَجُوزُ نُظُمُهُ في سِلْكِ الجَزاءِ ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمُ ضَمِّ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ العَطْفَ ظاهِرٌ فِيهِ وفي إسْنادِ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ تَعالى المُنْبِئِ عَنِ اسْتِنادِ الإدْراءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إعْلامٌ بِأنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْضًا وفي رِوايَةِ أبِي رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (ولَأدْراكُمْ) بِلامِ التَّوْكِيدِ وهي الواقِعَةُ في جَوابِ (لَوْ) أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولَأعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِي عَلى مَعْنى أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ لَوْ لَمْ أُرْسَلْ بِهِ لَأرْسَلَ بِهِ غَيْرِي وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْلامَهم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشَدُّ انْتِفاءً وأقْوى ولَعَلَّ (لا) في القِراءَةِ الأُولى لِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ وإلّا فَهي لا تَقَعُ في جَوابِ (لَوْ) فَلا يُقالُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لا قامَ عَمْرٌو بَلْ ما قامَ ومِن هُنا نَصَّ السَّمِينُ عَلى أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهم قَرَأُوا (ولا أدْرَأْتُكُمْ) بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالفِعْلِ السّابِقِ والأصْلُ ولا أدْرَيْتُكم فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ السّاكِنَةَ المَفْتُوحَ ما قَبْلَها ألِفًا وهي لُغَةٌ بِلْحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ وقَبائِلَ مِنَ اليَمَنِ حَتّى قَلَبُوا ياءَ التَّثْنِيَةِ ألِفًا وجَعَلُوا المُثَنّى في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ وحَكى ذَلِكَ قُطْرُبٌ عَنْ عَقِيلٍ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ (ولا أدْرَأْتُكُمْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ كَما سَمِعْتَ وقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ ابْتِداءً كَما يُقالُ في لَبَيْتُ لَبِئْتُ وعَلى القَوْلَيْنِ هي غَيْرُ أصْلِيَّةٍ وجاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ اللُّغاتِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أصْلِيَّةً عَلى أنَّ الفِعْلَ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ والمَنعُ ويُقالُ: أدَرْأتُهُ أيْ جَعَلْتُهُ دارِئًا أيْ دافِعًا والمَعْنى ولا جَعَلْتُكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وقُرِئَ (ولا أدْراكُمْ) بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ أيْضًا مَعَ إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ يَقْرَأُ (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ نَوْعُ تَعْلِيلٍ لِلْمُلازَمَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجُلَّ حَسْبَما مَرَّ آنِفًا واللُّبْثُ الإقامَةُ ونَصْبُ (عُمُرًا) عَلى التَّشْبِيهِ بِظَرْفِ الزَّمانِ والمُرادُ مِنهُ مُدَّةٌ وقِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِقْدارَ عُمُرٍ وهو بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم مُدَّةً مَدِيدَةً وهي مِقْدارُ أرْبَعِينَ سَنَةً تَحْفَظُونَ تَفاصِيلَ أحْوالِي وتُحِيطُونَ خَبَرًا بِأقْوالِي وأفْعالِي ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ مِن قَبْلِ وقْتِ نُزُولِهِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلتِّلاوَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لا أتَعاطى شَيْئًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذاكَ لا مِن حَيْثُ نَظْمُهُ المُعْجِزُ ولا مِن حَيْثُ مَعْناهُ الكاشِفُ عَنْ أسْرارِ الحَقائِقِ وأحْكامِ الشَّرائِعِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ 16﴾ أيْ ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ امْتِناعَ صُدُورِهِ عَنْ مِثْلِي ووُجُوبَ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ بَلْ لَعَمْرِي أنَّ مَن كانَ لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِن عَقْلٍ إذا تَأمَّلَ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ نَشَأ فِيما بَيْنَهم هَذا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ مِن غَيْرِ مُصاحَبَةِ العُلَماءِ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ ولا مُراجَعَةٍ إلَيْهِمْ في فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ ولا مُخالَطَةٍ
صفحة 87
لِلْبُلَغاءِ في المُحاوَرَةِ والمُفاوَضَةِ ولا خَوْضٍ مَعَهم في إنْشاءِ الخُطَبِ والمُعارَضَةِ ثُمَّ أتى بِكِتابٍ بَهَرَتْ فَصاحَتُهُ كُلَّ ذِي أدَبٍ وحَيَّرَتْ بَلاغَتُهُ مَصاقِعَ العَرَبِ واحْتَوى عَلى بَدائِعِ أصْنافِ العُلُومِ ودَقائِقِ حَقائِقِ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ وغَدا كاشِفًا عَنْ أسْرارِ الغَيْبِ الَّتِي تَنالُها الظُّنُونُ ومُعْرِبًا عَنْ أقاصِيصِ الأوَّلِينَ وأحادِيثِ الآخِرِينَ مِنَ القُرُونِ ومُصَدِّقًا لَما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْها في أحْكامِهِ المُجْمَلَةِ والمُفَصَّلَةِ لا يَبْقى عِنْدَهُ اشْتِباهٌ في أنَّهُ وحْيٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ إفْضالُهُ هَذا هو الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الجُمْهُورِ وهو أوْفَقُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ
وقِيلَ: إنَّ الأنْسَبَ بِبِناءِ الجَوابِ فِيما سَلَفَ عَلى امْتِناعِ صُدُورِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلْعَذابِ العَظِيمِ واقْتِصارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ وامْتِناعِ الِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ هُناكَ ولا هُنا لِكَوْنِ القُرْآنِ في نَفْسِهِ أمْرًا خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ولا بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ أنْ يُسْتَشْهَدَ هَهُنا بِما يُلائِمُ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُسْتَمِرَّةِ في تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ مِن كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَما يُوهِمُ شائِبَةَ صُدُورِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ عَنْهُ في حَقِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْقِيبُهُ بِتَظْلِيمِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ تَعالى والمَعْنى قَدْ لَبِثْتُ فِيما بَيْنَ ظَهْرانَيْكم قَبْلَ الوَحْيِ لا أتَعَرَّضُ لِأحَدٍ قَطُّ بِتَحَكُّمٍ ولا جِدالٍ ولا أحُومُ حَوْلَ مَقالٍ فِيهِ شائِبَةُ شُبْهَةٍ فَضْلًا عَما فِيهِ كَذِبٌ وافْتِراءٌ ألا تُلاحِظُونَهُ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ المُطَّرِدُ في هَذا العَهْدِ البَعِيدِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَحَكَّمَ عَلى كافَّةِ الخَلْقِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي المُوجِبَةِ لِسَلْبِ الأمْوالِ وسَفْكِ الدِّماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنَّ ما أتى بِهِ وحْيٌ مُبِينٌ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ انْتَهى
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْساقٍ إلى الذِّهْنِ وأنَّ الكَلامَ الأوَّلَ مُشِيرٌ في الجُمْلَةِ إلى كَوْنِ القُرْآنِ أمْرًا خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ ﷺ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ عَلى أنَّهُ بُعْدٌ لا يَخْلُو عَنْ مَقالٍ فَتَأمَّلْ،
يونس 10:17
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ ونَفْيُ الأظْلَمِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ فالمُرادُ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ
والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَفادِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا لَوَّحُوا بِهِ مِن نِسْبَةِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ وتَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ وكُفْرِهِمْ بِهِ وزِيادَةٌ ﴿كَذِبًا﴾ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَوَّحُوا بِهِ ضِمْنًا وحَمَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ صَرِيحًا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَذِبٌ في نَفْسِهِ فَرُبَّ افْتِراءٌ يَكُونُ كَذِبُهُ في الإسْنادِ فَقَطْ كَما إذا أسْنَدْتَ ذَنْبَ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو وهَذا لِلْمُبالَغَةِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّفادِي مِمّا ذُكِرَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى ما سَبَقَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ أيْ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَخْلُقَ كَلامًا فَيَقُولُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُبَدِّلُ بَعْضَ آياتِهِ بِبَعْضٍ كَما تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ في شَأْنِي وكَذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ أظْلَمُ مَن كُلِّ ظالِمٍ وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَظْلِيمُ المُشْرِكِينَ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ تَعالى عَما يَقُولُونَ ذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ وتَكْذِيبُهم بِآياتِهِ سُبْحانَهُ وهي مُرْتَبِطَةٌ إما بِما قَبْلَها أيْضًا عَلى مَعْنى أنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ وأنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا وأنَّ لَهُ
صفحة 88
ولَدًا وكَذَّبْتُمْ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وأما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ إلَخْ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ إلى هُنا إعْلامًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَنُّوا بِسُنَنِ مَن قَبْلَهم في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى الأوَّلِ بَعْدَ الفَراغِ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: وجْهُ تَعَلُّقِها بِما تَقَدَّمَ أنَّهم إنَّما سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَبْدِيلَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن ذَمِّ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا في جَعْلِها آلِهَةً وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَوْطِئَةٌ لَما بَعْدَها ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالفاءِ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأقْرَبُ انْسِياقًا إلى الذِّهْنِ السَّلِيمِ (أنَّهُ) أيِ الشَّأْنَ ﴿لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ 17﴾ أيْ لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ والمُرادُ جِنْسُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المُفْتَرِي والمُكَذِّبُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى ما في اخْتِيارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ
يونس 10:18
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ (ومِن دُونِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَعْبُدُونَ) أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إما بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّها لا تَصِحُّ ولا تَقَعُ عِبادَةٌ مَعَ الشَّرِكَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما اخْتارَهُ البَعْضُ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ والمُرادُ بِها الأصْنامُ ومَعْنى كَوْنِها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها جَماداتٌ والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةَ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المَعْنى لا تَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ولا تَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها والمَقْصُودُ أيْضًا نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُثِيبَ عابِدَهُ ويُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ إطْلاقُ النَّفْعِ والضُّرِّ في الأوَّلِ والتَّقْيِيدُ بِالعِبادَةِ وتَرْكِها في الثّانِي وقِيلَ: المَقْصُودُ عَلى الأوَّلِ مِنَ المَوْصُولِ الأصْنامُ بِعَيْنِها وعَلى الثّانِي فاقِدُ أوْصافِ المَعْبُودِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ الأصْنامِ مِنَ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا الأصْنامُ لِأنَّ العَرَبَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ وأهْلَ مَكَّةَ ومَناةَ وهُبَلَ وأسافا ونائِلَةَ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِي اللّاتُ والعُزّى وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ
والظّاهِرُ أنَّ سائِرَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ أيْ إنْ كانَ بُعِثَ كَما زَعَمْتُمْ فَهَؤُلاءِ يَشْفَعُونَ لَنا فَلا يُقالُ: إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَعْثِ وهم يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وكَذا ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ فَيَلْزَمُ المُنافاةُ بَيْنَ مَفاهِيمِ الآياتِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهم أرادُوا مِن هَذِهِ الشَّفاعَةِ الشَّفاعَةَ في الدُّنْيا لِإصْلاحِ المَعاشِ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ومَن سَبَرَ حالَ القَوْمِ رَآهم مُتَرَدِّدِينَ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ كَلِماتُهم ونِسْبَةُ الشَّفاعَةِ لِلْأصْنامِ قِيلَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهم كَما هو المَشْهُورُ وضَعُوها عَلى صُوَرِ رِجالٍ صالِحِينَ ذَوِي خَطَرٍ عِنْدَهم وزَعَمُوا
صفحة 89
أنَّهم مَتّى اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها فَإنَّ أُولَئِكَ الرِّجالَ يَشْفَعُونَ لَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحُ مُعَيِّنٍ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ مِنَ الأصْنامِ ما وُضِعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِنها ما وُضِعَ لِكَوْنِها كالهَياكِلِ لِلرُّوحانِيّاتِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ بِما لا وُجُودَ لَهُ ولا تَحَقُّقَ أصْلًا وهو كَوْنُ الأصْنامِ شُفَعاءَهم عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ما لا يَعْلَمُهُ عَلّامُ الغُيُوبِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ بِالكُلِّيَّةِ وذَكَرُوا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسَمّى شَيْئًا بِناءً عَلى أنَّهُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ وهو يَشْمَلُ المَوْجُودَ والمَعْدُومَ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أصْحابِنا كالمُعْتَزِلَةِ وسَمَّوْا ما لا يُعْلَمُ بِالمَنفِيِّ كالشَّرِيكِ وكاجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وحَقَّقَ ذَلِكَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أتى فِيها بِالعَجَبِ العُجابِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا والمَقْصُودُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن ذِكْرِ أنْباءِ اللَّهِ تَعالى بِما لا تَحَقُّقَ لَهُ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُهُ التَّهَكُّمُ والهَزْءُ بِهِمْ وإلّا فَلا أنْباءَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ كائِنًا في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ قَدْ جَرى في العُرْفِ أنْ يُقالَ عِنْدَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلشَّيْءِ لَيْسَ هَذا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ لاعْتِقادِ العامَّةِ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ إمّا في السَّماءِ وإمّا في الأرْضِ كَما هو رَأْيُ المُتَكَلِّمِينَ في كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المَعْبُودُ المُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ والآياتِ الَّتِي ظاهِرُها ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ والمَذاهِبُ فِيهِ شَهِيرَةٌ وهَذا إذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ والأرْضِ جِهَتا العُلُوِّ والسُّفْلِ وقِيلَ: الكَلامُ إلْزامِيٌّ لِزَعْمِ المُخاطَبِينَ الكافِرِينَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أتُخْبِرُونَهُ تَعالى بِشَرِيكٍ أوْ شَفِيعٍ لا يَعْلَمُ شَيْئًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ 18﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ أوْ عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَهم شُرَكاءَ وقُرِئَ (أتُنَبِّئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وعَلى الأوَّلِ هو اعْتِراضٌ تَذْلِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
يونس 10:19
﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى) وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ وقِيلَ: كانُوا كَذَلِكَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارٌ إلى أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمُ الكُفْرُ وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ﴿النّاسُ﴾ العَرَبُ خاصَّةً وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ مِنهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.
صفحة 90
﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ الآخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهي لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانٍ الِاتِّفاقِ إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمِ أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمَ الفَصْلِ والجَزاءِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19﴾ بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعِ الحَقِّ ورَفْعِ الِاخْتِلافِ أوْ بِأنْ يُهْلِكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّوْحِيدَ هو الدِّينُ الحَقُّ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلَيْها الأُمَمُ قاطِبَةً وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْمِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وبَيَّنَ في هَذِهِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بَلْ كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقَّ الخالِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنَّما حَدَثَتْ فِيهِمْ عِبادَتُها بِتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ
قِيلَ: والغَرَضُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ ما هم عَلَيْهِ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ فِيهِمْ وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِهِ وإبْطالِهِ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ مِن لَدُنْ وفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ آمَنَ مَن آمَنَ وبَقِيَ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ وفائِدَةُ إيرادِ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَطْمَعْ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ وإنَّما حَدَثَ الإيمانُ في بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا خُلُوُّ الأرْضِ في عَصْرٍ عَنْ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٍ بِهِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأرْضَ في كُلِّ وقْتٍ لا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ في حَيِّزِ المَنعِ فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ المُرادِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الكَفْرِ اتِّفاقُ الأكْثَرِ
والحَقُّ أنَّ هَذا القَوْلَ في حَدِّ ذاتِهِ ضَعِيفٌ فَلا يَنْبَغِي دَفْعُ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ وأضْعَفَ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ كَوْنُ المُرادِ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا بِأنْ أحْدَثَ كُلٌّ مِنهم مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ إذْ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ أوْ بِإلْجاءِ أحَدِهِما إلى اتِّباعِ الحَقِّ لِيَرْتَفِعَ الِاخْتِلافُ كَما لا يَخْفى هَذا
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿الر﴾ –ا- إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ و(ل) إشارَةٌ إلى العَقْلِ المُسَمّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوْسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى و(ر) إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي هي الذّاتُ المُحَمَّدِيَّةُ وهي في الحَقِيقَةِ أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ لَكِنَّ الِاعْتِباراتِ مُخْتَلِفَةٌ وكَأنَّ ذَلِكَ قَسَمٌ مِنهُ تَعالى بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ آياتُ الكِتابِ المُتْقَنِ وقِيلَ: المَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ أرْكانُ كِتابِ الكُلِّ ذِي الحِكْمَةِ أوِ المُحْكَمِ ومُعْظَمُ تَفاصِيلِهِ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ الجارِيَةِ وهي الإيحاءُ إلى رَجُلٍ وكانَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ خَوِّفْهم
صفحة 91
مِن أنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةً عَظِيمَةً وقُرْبَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُها وقِيلَ: سابِقَةَ رَحْمَةٍ أوْدَعَها في مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ أيِ المَحْجُوبُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لَمّا رَأوْهُ خارِجًا عَنْ قَدْرِهِمْ واحْتَجَبُوا بِالشَّيْطَنَةِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ قالُوا ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ أوْقاتٍ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِنها دَوْرَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَرَّةً واحِدَةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ والسِّتَّةُ عَدَدٌ تامٌّ واخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيِ المُلْكِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ فِيهِ عَلى وفْقِ حَكَمَتْهُ بِيَدِ قُدْرَتِهِ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ بِقَلْبِ الكامِلِ فالكَلامُ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ بِأسْرِهِ ﴿ما مِن شَفِيعٍ﴾ يَشْفَعُ لِأحَدٍ بِدَفْعِ ما يَضُرُّهُ أوْ جَلْبِ ما يَنْفَعُهُ ﴿إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ بِمَوْهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ﴿ذَلِكُمُ﴾ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي يَرُبُّكم ويُدَبِّرُ أمْرَكم فاعْبُدُوهُ فَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ واعْرِفُوهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ ولا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولا تَحْتَجِبُوا عَنْهُ تَعالى فَتَنْسُبُوا قَوْلَهُ وفِعْلَهُ إلى الشَّيْطانِ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ آياتِهِ الَّتِي خَطَّها بِيَدِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الآفاقِ والأنْفُسِ فَتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَنْزَجِرُوا عَنِ الشِّرْكِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ بِالعَوْدِ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ في القِيامَةِ الصُّغْرى أوْ إلى عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ بِالفَناءِ فِيهِ تَعالى عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى كَذا قِيلَ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ مَرْجِعَ العاشِقِينَ جَمالُهُ ومَرْجِعَ العارِفِينَ جَلالُهُ ومَرْجِعَ المُوَحِّدِينَ كِبْرِياؤُهُ ومَرْجِعَ الخائِفِينَ عَظَمَتُهُ ومَرْجِعَ المُشْتاقِينَ وِصالُهُ ومَرْجِعَ المُحِبِّينَ دُنُوُّهُ ومَرْجِعَ أهْلِ العِنايَةِ ذاتُهُ وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى مِنهُ الِابْتِداءُ وإلَيْهِ الِانْتِهاءُ وما بَيْنَ ذَلِكَ مَرابِعُ فَضْلِهِ وتَواتُرُ نِعَمِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ يَبْدَؤُهُ في النَّشْأةِ الأُولى ثُمَّ يُعِيدُهُ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ أوْ يَبْدَأُ الخَلْقَ بِاخْتِفائِهِ وإظْهارِهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِإفْنائِهِمْ وظُهُورِهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ عَمَلُ كُلٍّ، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أيْ جَعَلَ شَمْسَ الرُّوحِ ضِياءَ الوُجُودِ ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ ﴿نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أيْ مَقاماتٍ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أيْ سِنِي مَراتِبِكم وأطْوارِكم في المَسِيرِ إلَيْهِ وفِيهِ تَعالى ﴿والحِسابَ﴾ أيْ حِسابَ دَرَجاتِكم ومَواقِعِ أقْدامِكم في كُلِّ مَقامٍ ومَرْتَبَةٍ ويُقالُ: جَعَلَ شَمْسَ الذّاتِ ضِياءً لِلْأرْواحِ العارِفَةِ وجَعَلَ قَمَرَ الصِّفاتِ نُورًا لِلْقُلُوبِ العاشِقَةِ فَفَنِيَتِ الأرْواحُ بِصَوْلَةِ الذّاتِ في عَيْنِ الذّاتِ وبَقِيَتِ القُلُوبُ بِمُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في عَيْنِ الصِّفاتِ وهَذِهِ الشَّمْسُ المُشارُ إلَيْها لا تَغِيبُ أصْلًا عَنْ بَصائِرِ الأرْواحِ ومِن هُنا قالَ قائِلُهُمْ:
هِيَ الشَّمْسُ إلّا أنَّ لِلشَّمْسِ غَيْبَةً وهَذا الَّذِي نَعْنِيهِ لَيْسَ يَغِيبُ
﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ﴾ أيْ غَلَبَةِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ عَلى القَلْبِ ﴿والنَّهارِ﴾ أيْ نَهارِ إشْراقِ ضَوْءِ الرَّوْحِ عَلَيْهِ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿والأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ الأجْسادِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ حَجْبَ صِفاتِ النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يُوصِلُهم إلى الجَنّاتِ الثَّلاثِ بِحَسَبِ نُورِ إيمانِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ كالبَيانِ لِذَلِكَ ﴿دَعْواهُمْ﴾ الِاسْتِعْدادِيُّ ﴿فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى والتَّنْزِيهُ في الأوْلى عَنِ الشِّرْكِ في الأفْعالِ بِالبَراءَةِ عَنْ حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وفي الثّانِيَةِ عَنِ الشِّرْكِ في الصِّفاتِ بِالِانْسِلاخِ عَنْ صِفاتِهِمْ وفي الثّالِثَةِ
صفحة 92
عَنِ الشِّرْكِ في الوُجُودِ بِفَنائِهِمْ و(تَحِيَّتُهُمْ) أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ تَحِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ إفاضَةُ أنْوارِ التَّزْكِيَةِ وإمْدادُ التَّصْفِيَةِ أوْ إشْراقُ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ وإمْدادُ التَّجْرِيدِ وإزالَةُ الآفاتِ ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ آخِرُ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم قِيامُهم بِاللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ كَمالاتِهِ وصِفاتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ عَلَيْهِمْ وهو الحَمْدُ الحَقِيقِيُّ مِنهُ ولَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ أيِ اسْتَغْرَقَ أوْقاتَهُ في الدُّعاءِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ هَذا وصْفُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقائِقَ العُبُودِيَّةِ في مَشاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهم إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلُ البَلاءِ قامُوا إلى إيقادِ مِصْباحِ التَّضَرُّعِ فَإذا انْجَلَتْ عَنْهُمُ الغَياهِبُ بِسُطُوعِ أنْوارِ فَجْرِ الفَرَجِ نَسُوا ما كانُوا فِيهِ ومَرُّوا كَأنْ لَمْ يَدْعُوا مَوْلاهم إلى كَشْفِ ما عَناهُمْ
كَأنَّ الفَتى لَمْ يُعِرْ يَوْمًا إذا اكْتَسى ولَمْ يَكْ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلا ولَوْ كانُوا عارِفِينَ لَمْ يَبْرَحُوا دارَةَ التَّضَرُّعِ وإظْهارَ العُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في كُلِّ حِينٍ ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مُتَوَجِّهِينَ إلى التَّوْحِيدِ مُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِمُقْتَضَياتِ النَّشْأةِ واخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والأهْوِيَةِ والعاداتِ والمُخالَطاتِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهو قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ بِتَقْدِيرِ الآجالِ والأرْزاقِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ والمُرادُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى اقْتَضَتْ أنْ يَبْلُغَ كُلٌّ مِنهم وُجْهَتَهُ الَّتِي ولّى وجْهَهُ إلَيْها بِأعْمالِهِ الَّتِي يُزاوِلُها هو وإظْهارُ ما خَفِيَ في نَفْسِهِ وسُبْحانَ اللَّهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ
يونس 10:20
﴿ويَقُولُونَ﴾ حِكايَةً لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وفي الكَشّافِ تَفْسِيرُ المُضارِعِ بِالماضِي أيْ وقالُوا وجَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ العَطْفَ لَيْسَ عَلى ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وإنَّما هو عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وأوْثَرَ المُضارِعَ عَلى الماضِي لِيُؤْذَنَ بِاسْتِمْرارِ هَذِهِ المَقالَةِ وأنَّها مِن دَأْبِهِمْ وعادَتِهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَتِها الشَّنِيعَةِ
وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (يَعْبُدُونَ) وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأبْقى بَعْضُهُمُ الفِعْلَ عَلى ظاهِرِهِ ولَهُ وجْهٌ والقائِلُ كَفّارُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أرادُوا آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها كَآيَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ومَعْنى إنْزالِها عَلَيْهِ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى لَها عَلى يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبُوا ذَلِكَ تَعَنُّتًا وعِنادًا وإلّا فَقَدْ أتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ باهِرَةٍ تَعْلُو عَلى جَمِيعِ الآياتِ وتَفُوقُ سائِرَ المُعْجِزاتِ لا سِيَّما القُرْآنَ العَظِيمَ الباقِيَ إعْجازُهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَعَمْرِي لَوْ أنْصَفُوا لاسْتَغْنَوْا عَنْ كُلِّ آيَةٍ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ الآيَةُ الكُبْرى ومَن رَآهُ وسَبَرَ أحْوالَهُ لَمْ يَكَدْ يَشُكُّ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم في الجَوابِ ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 20﴾ وهو جَوابٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَإنَّهم حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مَعَ وُجُودِ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ سُؤالَهم لِلتَّعَنُّتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا لِيُؤْذَنَ بِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ المُقْتَرِحِينَ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ نِقْمَةَ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ عِقابِهِ ويَعْنِي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَكم لَكِنْ لا أعْلَمُ مَتى يَكُونُ وأنْتُمْ كَذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبِ وهو مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فانْتَظِرُوا ما يُوجِبُهُ اقْتِراحُكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ إيّاهُ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والصّارِفُ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مَغِيبٌ فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُعَيَّنٌ وهو عِنادُهم قالَ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
صفحة 93
وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ عِنادَهم هو الصّارِفُ وقَدْ يُجابُ المُعانِدُ والآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى بَقائِهِمْ عَلى العِنادِ وإنْ جاءَتْ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ العِنادَ هو الصّارِفُ
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ فانْتَظِرُوا نُزُولَهُ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها واعْتُرِضَ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى والَّذِي يَخْطِرُ بِالبالِ أنَّ سُؤالَ القَوْمِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِدَعْوى أنَّ الصَّلاحَ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا ما نَزَلَ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ فَكَأنَّهم قالُوا: لا صَلاحَ في نُزُولِ ما نَزَلْ وإنَّما الصَّلاحُ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا نَقْتَرِحُ فَلَوْلا نَزَلَتْ وفي ذَلِكَ دَعْوى الغَيْبِ بِلا رَيْبٍ فَأجِيبُوا بِأنَّ الغَيْبَ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ ما بِهِ الصَّلاحُ لا أنْتُمْ ولا غَيْرُكم ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى وإذا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعالى وقَدِ ادَّعَيْتُمْ مِن ذَلِكَ ما ادَّعَيْتُمْ وطَعَنْتُمْ فِيما طَعَنْتُمْ فانْتَظِرُوا نُزُولَ العَذابِ بِكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ إيّاهُ ولا يُرَدُّ عَلى هَذا ما أوْرَدَ عَلى غَيْرِهِ ولا ما عَسى أنْ يُورِدَ أيْضًا فَتَأمَّلْ
يونس 10:21
﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصِّحَّةِ والسَّعَةِ ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ وإسْنادُ المِساسِ إلى الضَّرّاءِ بَعْدَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ الآدابِ القُرْآنِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ ويَنْبَغِي التَّأدُّبُ في ذَلِكَ فَفي الخَبَرِ: اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرَّ لَيْسَ إلَيْكَ. والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى ما قِيلَ لِما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمُ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلِكُونَ فَطَلَبُوا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ لَهم بِالخِصْبِ ووَعَدُوهُ بِالإيمانِ فَلَمّا دَعا لَهم ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالحَياءِ طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِهِ تَعالى ويُعانِدُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكِيدُونَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ بِالطَّعْنِ فِيها وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها والِاحْتِيالِ في دَفْعِها والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وقِيلَ: المُرادُ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ كَإنْزالِ الحَياءِ ومَكْرُهم فِيها إضافَتُها إلى الأصْنامِ والكَواكِبِ وقِيلَ: إنَّ ﴿النّاسَ﴾ عامٌّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ما يَشْمَلُ العُصاةَ كَما لا يَخْفى وكانَتِ العَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ وكَذا الرِّياحُ والحَرُّ والبَرْدُ إلى الأنْواءِ وهو جَمِيعُ نَوْءٍ مَصْدَرُ ناءَ يَنُوءُ إذا نَهَضَ بِجَهْدٍ ومَشَقَّةٍ ويُقالُ ذَلِكَ أيْضًا إذا سَقَطَ فَهو مِنَ الأضْدادِ ويُطْلَقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي هو أحَدُ المَنازِلِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ الَّتِي ذَكَّرْناها فِيما سَبَقَ وهو المُرادُ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ سُقُوطِهِ مَعَ الفَجْرِ وغُرُوبِهِ كَما هو المَشْهُورُ أوْ بِاعْتِبارِ طُلُوعِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ كَما قالَ الأصْمَعِيُّ
وقَدْ عُدَّ القائِلُ بِتَأْثِيرِ الأنْواءِ كافِرًا فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ وكافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». ولَعَلَّ كَوْنَ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا اخْتِيارِيًّا ذاتِيًّا في ذَلِكَ وإلّا فاعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها كَما هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ في سائِرِ الأسْبابِ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ وكَذا اعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ بِها عَلى مَعْنى
صفحة 94
أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ فَمَتى شاءَ سُبْحانَهُ أثَّرَتْ ومَتى لَمْ يَشَأْ لَمْ تُؤَثِّرْ كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في الأسْبابِ عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في مَسْلَكِ السَّدادِ ولَوْ كانَ نِسْبَةُ التَّأْثِيرِ مُطْلَقًا إلى الأنْواءِ ونَحْوِها مِنَ العَلَوِيّاتِ كُفْرًا لاتَسْعَ الخَرْقُ ولَزِمَ إكْفارُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى أفاضِلِهِمْ لِقَوْلِهِمْ بِنِسْبَةِ الكَثِيرِ مِن عالِمِ الكَوْنِ والفَسادِ إلى العُلْوِيّاتِ ويُسَمُّونَها بِالآباءِ العُلْوِيَّةِ وقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّ لِلْكَواكِبِ السَّيّاراتِ وغَيْرِها تَأْثِيرًا في هَذا العالِمِ إلّا أنَّ الوُقُوفَ عَلى تَعْيِينِ جُزْئِيّاتِهِ مِمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا أرْبابُ الكَشْفِ والأرْصادِ القَلْبِيَّةِ ولَيْسَ مُرادُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ وكَذا مُرادُ مَن أطْلَقَ التَّأْثِيرَ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ في الأسْبابِ وحاشا ثُمَّ حاشا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأفاضِلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى بَلْ مَن وقَفَ عَلى حَقِيقَةِ كَلامِ الحُكَماءِ الَّذِينَ هم بِمَعْزِلٍ عَنِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وجَدَهم مُتَّفِقِينَ عَلى أنَّ الوُجُودَ مَعْلُولٌ لَهُ تَعالى عَلى الإطْلاقِ وقالَ بِهْمِنيارُ في التَّحْصِيلِ فَإنْ سُئِلَتِ الحَقَّ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عِلَّةُ الوُجُودِ إلّا ما هو بَرِيءٌ مِن كُلِّ وجْهٍ مِن مَعْنى ما بِالقُوَّةِ وهَذا هو المَبْدَأُ الأوَّلُ لا غَيْرُ وما نُقِلَ عَنْ أفْلاطُونَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ العالَمَ كُرَةٌ والأرْضَ مَرْكَزٌ والإنْسانَ هَدَفٌ والأفْلاكَ قِسِيٌّ والحَوادِثَ سِهامٌ واللَّهُ تَعالى هو الرّامِي فَأيْنَ المَفَرُّ يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضً (نَعَمْ) إنَّهم قالُوا بِالشَّرائِطِ العَقْلِيَّةِ وهي المُرادُ بِالوَسائِطِ في كَلامِ بَعْضِهِمْ وهو خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ وبِالجُمْلَةِ لا يَكْفُرُ مَن قالَ: إنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ عَلى مَعْنى أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها أوْ بِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَن قالَ: إنَّ النّارَ مُحْرِقَةٌ والماءَ مُرْوٍ مَثَلًا ولا فَرْقَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ إلّا بِما عَسى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ في نَحْوِ النّارِ والماءِ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والتَّأْثِيرَ في الكَواكِبِ لَيْسَ كَذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ رَجْمٌ بِالغَيْبِ لَكِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لا يُوجِبُ كَوْنَ أحَدِ القَوْلَيْنِ كُفْرًا دُونَ الآخَرِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ومَعَ هَذا الأحْوَطُ عَدَمُ إطْلاقِ نِسْبَةِ التَّأْثِيرِ إلى الكَواكِبِ والتَّجَنُّبُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِنَحْوِ ما أكْفَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُتَلَفِّظَ بِهِ هَذا (وإذا) الأُولى شَرْطِيَّةٌ والثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ وتَنْكِيرُ ﴿مَكْرٌ﴾ لِلتَّفْخِيمِ و(فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ
﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ مِنكم فَأسْرَعُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ وهو مَأْخُوذٌ إما مِن سَرَعَ الثُّلاثِيِّ كَما حَكاهُ الفارِسِيُّ أوْ مِن أسْرَعَ المَزِيدِ إلّا أنَّ في أخْذِ أفْعَلَ مِنَ المَزِيدِ خِلافًا فَمِنهم مَن مَنَعَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن قالَ: إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ امْتَنَعَ وإلّا جازَ ومِثْلُهُ في ذَلِكَ بِناءُ التَّعَجُّبِ ووَصْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالسُّرْعَةِ دَلَّ عَلَيْهِ المُفاجَأةُ عَلى أنَّ صِحَّةَ اسْتِعْمالِ أسْرَعَ في ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى دَلالَةِ الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ خِلافًا لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأصْلُ المَكْرِ إخْفاءُ الكَيْدِ والمَضَرَّةِ والمُرادُ بِهِ الجَزاءُ والعُقُوبَةُ عَلى المَكْرِ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ مُشاكَلَةً وهي لا تُنافِيهِ كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ وقَدْ شاعَ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ الحَفَظَةَ مِن قِبَلِنا عَلى أعْمالِكم ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ 21﴾ أيْ مَكْرَكم أوْ ما تَمْكُرُونَهُ وكَيْفِيَّةَ كِتابَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلْزَمُ العِلْمُ بِهِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ العِلْمِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ مِنهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الكَتَبَةِ فَضْلًا عَنْ مُنْزِلِ الكِتابِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ لَهم كَما لا يَخْفى والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الكَلامِ المُلَقَّنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وهي تَعْلِيلٌ لِأسْرَعِيَّةِ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في ذَلِكَ وفي
صفحة 95
﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ التِفاتًا إذْ لَوْ أُجْرِيَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لَقِيلَ: إنَّ رُسُلَهُ فَلا إشْكالَ فِيهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا وجْهَ لِأمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ رُسُلَنا إذِ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى لا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ رُسُلِ رَبِّنا أوْ بِالإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَما قِيلَ
وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: إنَّهُ حِكايَةُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى كَوْنِ المُرادِ أداءَ هَذا المَعْنى لا بِهَذِهِ العِبارَةِ
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ (يَمْكُرُونَ) عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ وفِيهِ الجَرْيُ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَسَّتْهُمْ) و(لَهُمْ) والمُناسِبُ الخِطابِ كَما قَرَأ الباقُونَ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ إذِ المَعْنى قُلْ لَهم ومُناسَبَةُ الخِطابِ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ وفِيهِ أيْضًا مُبالَغَةٌ في الإعْلامِ بِمَكْرِهِمْ وجَعَلَها بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ وعَدَمِ دُخُولِها في حَيِّزِ القَوْلِ تَعْلِيلًا لِلْأسْرَعِيَّةِ أوْ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
يونس 10:22
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ وهو عَلى ما قِيلَ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى لَهم مَبْنِيَّةٍ عَلى ما مَرَّ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِهِمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الضَّرّاءِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ﴾ إلَخْ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الإمامِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا أذَقْنا﴾ الآيَةَ وهو كَلامٌ كُلِّيٌّ ضُرِبَ لَهم مَثَلًا بِهَذا لِيَتَّضِحَ ويَظْهَرَ ما هم عَلَيْهِ
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهُكُمُ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ إلَخْ وأوَّلُ التَّسْيِيرِ بِالحَمْلِ عَلى السَّيْرِ والتَّمْكِينِ مِنهُ والدّاعِي لِذَلِكَ قِيلَ: عَدَمُ صِحَّةِ جَعْلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ غايَةٌ لِلتَّسْيِيرِ في البَحْرِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وغايَةُ الشَّيْءِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ وبَعْدَ التَّأْوِيلِ لا إشْكالَ في جَعْلِ ما ذُكِرَ غايَةً لِما قَبْلَهُ
وقِيلَ: هو دَفْعُ لُزُومِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وذَلِكَ لِأنَّ المُسَيِّرَ في البَحْرِ هو اللَّهُ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المُحْدِثُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ في الفُلْكِ بِالرِّيحِ ولا دَخْلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ بَلْ في مُقَدِّماتِهِ وأما سَيْرُ البِرِّ فَمِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الصّادِرَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ أنْفُسِهِمْ إنْ كانُوا مُشاةً أوْ مِن دَوابِّهِمْ إنْ كانُوا رُكْبانًا وتَسْيِيرُ اللَّهِ تَعالى فِيهِ إعْطاءُ الآلاتِ والأدَواتِ ولُزُومُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّسْيِيرِ ما ذُكِرَ وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ
وادَّعى بَعْضُهُمُ اتِّحادَ التَّسْيِيرِ في البَرِّ والبَحْرِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يُؤَوِّلِ التَّسْيِيرَ بِما ذَكَرْنا وجَعَلَ الغايَةَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى بِما في حَيِّزِها كَأنَّهُ قِيلَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِّيحِ العاصِفِ وتَراكُمِ الأمْواجِ والظَّنِّ لِلْهَلاكِ والدُّعاءِ بِالإنْجاءِ دُونَ الكَوْنِ في البَحْرِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ القُطْبُ بِأنَّهُ لَوْ جُعِلَ الكَوْنُ في الفُلْكِ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ كَفى ولَمْ يَحْتَجْ إلى اعْتِبارِ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّ الغايَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِما يَنْتَهِي إلَيْهِ الشَّيْءُ بِالذّاتِ فَهي لَيْسَ إلّا ما وقَعَ شَرْطًا في مِثْلِ ذَلِكَ وإنْ فُسِّرَتْ بِما يَنْتَهِي إلَيْهِ الشَّيْءُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فَهي مَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ واسْتَوْضِحْ ذَلِكَ مِن قَوْلِكَ: مَشَيْتُ حَتّى إذا بَلَغْتُ البَلَدَ اتَّجَرْتُ فَإنَّ ما انْتَهى إلَيْهِ الشَّيْءُ بِالذّاتِ الوُصُولُ إلى البَلَدِ وأمّا الِاتِّجارُ
صفحة 96
فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ فَيَكُونُ مِمّا انْتَهى إلَيْهِ المَشْيُ بِالواسِطَةِ والتَّضْعِيفُ في (يُسَيِّرُ) لِلتَّعْدِيَةِ تَقُولُ: سارَ الرَّجُلُ وسَيَّرْتُهُ وقالَ الفارِسِيُّ: إنَّ سارَ مُتَعَدٍّ كَسَيَّرَ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَّجُلَ وسَيَّرْتُهُ بِمَعْنًى ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
فَلا تَجْزَعِي مِن سَنَةٍ أنْتِ سُرَّتُها فَأوَّلُ راضٍ سَنَةٌ مِن يَسِيرِها
وقالَ في الصِّحاحِ: سارَتِ الدّابَّةُ وسارَها صاحِبُها يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى وأنْشَدَ لَهُ هَذا البَيْتَ وأوَّلَهُ النَّحْوِيُّونَ حَيْثُ لَمْ يَرْتَضُوا ذَلِكَ و﴿الفُلْكِ﴾ السُّفُنِ ومُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ واحِدٌ وتَغايُرُ الحَرَكاتِ بَيْنَهُما اعْتِبارِيٌّ وفي الصِّحاحِ أنَّهُ واحِدٌ وجَمْعٌ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ وكَأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَرْكَبِ والسَّفِينَةِ وكانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: الفُلْكُ الَّتِي هي جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْفُلْكِ الَّذِي هو واحِدٌ ولَيْسَتْ مِثْلَ الجُنُبِ الَّذِي هو واحِدٌ وجَمْعٌ والطِّفْلِ وما أشْبَهَهُما مِنَ الأسْماءِ لِأنَّ فَعَلًا وفُعْلًا يَشْتَرِكانِ في الشَّيْءِ الواحِدِ مِثْلَ العَرَبِ والعُرْبِ والعَجَمِ والعُجْمِ والرَّهَبِ والرُّهْبِ فَحَيْثُ جازَ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فُعْلٍ مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُجْمَعَ فَعَلٌ عَلى فَعْلٍ وضَمِيرُ (جَرَيْنَ) لِلْفُلْكِ وضَمِيرُ ﴿بِهِمْ﴾ لِمَن فِيها وهو التِفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ كَأنَّهُ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِ وحُكِيَ لِغَيْرِهِمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ وقِيلَ: لا التِفاتَ بَلْ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ حَتّى إذا كانَ بَعْضُكم فِيها إذِ الخِطابُ لِلْكُلِّ ومِنهُمُ المُسَيَّرُونَ في البَرِّ فالضَّمِيرُ الغائِبُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ فَإنَّهُ في تَقْدِيرِ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ يَغْشاهُ مَوْجٌ والباءُ الأوْلى لِلتَّعْدِيَةِ والثّانِيَةُ وكَذا الثّالِثَةُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَلِذا تَعَلَّقَ الحَرْفانِ بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ وإلّا فَقَدَ مَنَعُوا تَعَلُّقَ حَرْفَيْنِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ واعْتِبارُ تَعَلُّقِ الثّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ ومُلاحَظَتِهِ مَعَهُ يُزِيلُ اتِّحادَ المُتَعَلِّقِ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ لِلْحالِ أيْ جَرَيْنَ بِهِمْ مُلْتَبِسَةً بِرِيحٍ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَما في البَحْرِ، وقَدْ تَجْعَلُ الأُولى لِلْمُلابَسَةِ أيْضًا ﴿وفَرِحُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (جَرَيْنَ) وهو عَطْفٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ﴾ وقَدْ تُجْعَلُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ وضَمِيرُ ﴿بِها﴾ لِلرِّيحِ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ بِرُجُوعِهِ لِلْفُلْكِ ولا يَكادُ يَجْرِي بِهِ القَلَمُ والمُرادُ بِطَيِّبَةٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ لَيِّنَةَ الهُبُوبِ مُوافِقَةَ المَقْصِدِ
وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ يَقْتَضِي أنَّ راكِبَ السَّفِينَةِ مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَتِها خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّهُ ساكِنٌ ولا وجْهَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا الخِلافِ فَإنَّهُ ساكِنٌ بِالذّاتِ سائِرٌ بِالواسِطَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يَنْشُرُكُمْ) بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ النَّشْرِ ضِدَّ الطَّيِّ أيْ يُفَرِّقُكم ويَبُثُّكم وقَرَأ الحَسَنُ (يُنْشِرُكُمْ) مِن أنْشَرَ بِمَعْنى أحْيا وقَرَأ بَعْضُ الشّامِيِّينَ (يُنَشِّرُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ مِنَ النَّشْرِ أيْضًا وعَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ أنَّها قَرَأتْ (فِي الفُلْكِي) بِزِيادَةِ ياءَيِ النَّسَبِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُما زائِدَتانِ كَما في الخارِجِيِّ والأحْمَرِيِّ ولا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ في الصِّفاتِ لِمَجِيءِ دُودُوي وأنا الصَّلَتانِيِّ في قَوْلِ الصَّلَتانِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اللَّجُّ والماءُ الغَمْرُ الَّذِي لا تَجْرِي الفُلْكُ إلّا فِيهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ إذا والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْفُلْكِ أوْ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ عَلى مَعْنى تَلَقَّتْها واسْتَوْلَتْ عَلَيْها مِن طَرَفٍ مُخالِفٍ لَها فَإنَّ الهُبُوبَ عَلى وفْقِها لا يُسَمّى عَلى ما قِيلَ مَجِيئًا لِرِيحٍ أُخْرى عادَةً بَلْ هو اشْتِدادٌ لِلرِّيحِ الأوْلى ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ الأظْهَرُ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْأوَّلِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ لِأنَّ الهُبُوبَ عَلى طَرِيقَةِ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ يُعَدُّ مَجِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلى الفُلْكِ دُونَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَسْتَتْبِعُ تَلاطُمًا لِأمْواجِ المُوجِبِ لِمَجِيئِها مِن كُلِّ مَكانٍ ولِأنَّ التَّهْوِيلَ في بَيانِ اسْتِيلائِها عَلى ما فَرِحُوا بِهِ وعَلَّقُوا بِهِ حِبالَ
صفحة 97
رَجائِهِمْ أكْثَرَ وفِيهِ تَأمَّلْ ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ ذاتُ عَصْفٍ فَهو مِن بابِ النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَما صَرَّحُوا بِهِ فَلِذا لَمْ يَقُلْ: عاصِفَةٌ مَعَ أنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ لا تُذَكَّرُ بِدُونِ تَأْوِيلٍ
وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ عاصِفَةٌ لِأنَّ العُصُوفَ مُخْتَصٌّ بِالرِّيحِ فَهو كَحائِضٍ فَلا حاجَةَ إلى الفارِقِ أوْ أنَّهُ اعْتُبِرَ التَّذْكِيرُ في الرِّيحِ كَما اعْتُبِرَ فِيها التَّأْنِيثُ والأوْلى ما قَدَّمْناهُ وأصْلُ العَصْفِ الكَسْرُ والنَّباتُ المُتَكَسِّرُ والمُرادُ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ وهو ما عَلا وارْتَفَعَ مِنِ اضْطِرابِ الماءِ وقِيلَ: هو اضْطِرابُ البَحْرِ والأوَّلُ هو المَشْهُورُ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن أمْكِنَةِ مَجِيءِ المَوْجِ عادَةً وقَدْ يَتَّفِقُ مَجِيئُهُ مِن جِهاتٍ حَسَبَ أسْبابٍ تَتَّفِقُ لِذَلِكَ ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أُهْلِكُوا كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ وقِيلَ: إنَّ الإحاطَةَ اسْتِعارَةٌ لِسَدِّ مَسالِكِ الخَلاصِ تَشْبِيهًا لَهُ بِإحاطَةِ العَدُوِّ بِإنْسانٍ ثُمَّ كُنِّيَ بِتِلْكَ الِاسْتِعارَةِ عَنِ الهَلاكِ لِكَوْنِها مِن رَوادِفِها ولَوازِمِها
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ في الهَلاكِ والظَّنُّ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ في اعْتِقادِهِمْ أوْ كَوْنِ الكِنايَةِ عَنِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ جَعْلُهُ غَيْرَ واحِدٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ظَنُّوا لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمُ الهَلاكَ فَبَيْنَهُما مُلابَسَةٌ تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ وقِيلَ: هو جَوابُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْنى مِن مَعْنى الشَّرْطِ أيْ لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ إلَخْ
وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ حالُهم إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: دَعَوْا إلخ، ورُجِّحَ القَوْلُ بِالبَدَلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في اتِّصالِ الكَلامِ والدَّلالَةِ عَنْ كَوْنِهِ المَقْصُودَ مَعَ إفادَتِهِ ما يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ تَقْدِيرِ السُّؤالِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَقْدِيرَ السُّؤالِ لَيْسَ تَقْدِيرًا حَقِيقِيًّا بَلْ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ وفِيهِ مِنَ الإيجازِ ما فِيهِ ولَيْسَ بِأبْعَدَ مِمّا تُكَلِّفَ لِلْبَدَلِيَّةِ ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ جَوازَ كَوْنِهِ جَوابَ الشَّرْطِ و﴿جاءَتْها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ الآيَةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى الجَوابِ يَقْتَضِي صَرْفَ ما يَصْلُحُ لَهُ إلَيْهِ لا إلى الحالِ الفَضْلَةِ المُفْتَقِرَةِ إلى تَقْدِيرِ قَدْ مَعَ أنَّ عَطْفَ ﴿وظَنُّوا﴾ عَلى ﴿جاءَتْها﴾ يَأْبى الحالِيَّةَ والفَرَحَ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ لا يَكُونُ حالَ مَجِيءِ العاصِفَةِ والمَعْنى عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ لا عَلى تَقْدِيرِهِ لِيَجْعَلَ حالًا مُقَدَّرَةً ولا يَخْلُوَ عَنْ حُسْنٍ والظّاهِرُ أنَّ ما عَدَّهُ مانِعًا مِنَ الحالِيَّةِ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِهِ جَوابَ (إذا) لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (دَعَوْا) ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُخْلِصِينَ و(الدِّينَ) مَفْعُولُهُ أيْ دَعَوْهُ تَعالى مِن غَيْرِ إشْراكٍ لِرُجُوعِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها كُلُّ أحَدٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ المَرْكُوزُ في طَبائِعِ العالَمِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ فَرَّ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ فَرَكِبَ البَحْرَ فَأصابَتْهم عاصِفٌ فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِي
صفحة 98
فِي يَدِهِ فَلْأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا قالَ فَجاءَ فَأسْلَمَ. وفي رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ وأنَّ عِكْرِمَةَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ وأخَذَتْهُمُ الرِّيحُ فَجَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى ويُوَحِّدُونَهُ قالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: هَذا مَكانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى قالَ: فَهَذا لَهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ فارْجِعُوا بِنا فَرَجَعَ وأسْلَمَ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَخْصِيصَ الدُّعاءِ فَقَطْ بِهِ سُبْحانَهُ بَلْ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى أيْضًا لِأنَّهم بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لا يَكُونُونَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَدْعُونَ غَيْرَهُ تَعالى في تِلْكَ الحالِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النّاسَ اليَوْمَ إذا اعْتَراهم أمْرٌ خَطِيرٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ دَعَوْا مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَرى ولا يَسْمَعُ فَمِنهم مَن يَدْعُو الخَضِرَ وإلْياسَ ومِنهم مَن يُنادِي أبا الخَمِيسِ والعَبّاسَ ومِنهم مَن يَسْتَغِيثُ بِأحَدِ الأئِمَّةِ ومِنهم مَن يَضْرَعُ إلى شَيْخٍ مِن مَشايِخِ الأُمَّةِ ولا تَرى فِيهِمْ أحَدًا يَخُصُّ مَوْلاهُ بِتَضَرُّعِهِ ودُعاهُ ولا يَكادُ يَمُرُّ لَهُ بِبالِهِ أنَّهُ لَوْ دَعا اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ يَنْجُو مِن هاتِيكَ الأهْوالِ فَبِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ قُلْ لِي أيُّ الفَرِيقَيْنِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ أهْدى سَبِيلًا وأيُّ الدّاعِيَيْنِ أقْوَمُ قِيلًا؟ وإلى اللَّهِ تَعالى المُشْتَكى مِن زَمانٍ عَصَفَتْ فِيهِ رِيحُ الجَهالَةِ وتَلاطَمَتْ أمْواجُ الصَّلّالَةِ وخُرِقَتْ سَفِينَةُ الشَّرِيعَةِ واتُّخِذَتِ الِاسْتِغاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِلنَّجاةِ ذَرِيعَةً وتَعَذَّرَ عَلى العارِفِينَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وحالَتْ دُونَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ صُنُوفُ الحُتُوفِ هَذا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشّاكِرِينَ 22﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ السّابِقِ ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ الدُّعاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ مِن أنْواعِهِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ مَحْكِيَّةً بِهِ والأوَّلُ هو الأوْلى هُنا واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ و﴿لَنَكُونَنَّ﴾ جَوابُهُ
والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الحالِ الَّتِي هم فِيها أيْ واللَّهِ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ لَنَكُونَنَّ البَتَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا شاكِرِينَ لِنِعَمِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةِ المَسْؤُولَةِ، والعُدُولُ عَنْ لَنَشْكُرَنَّ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ في الشُّكْرِ والمُثابَرَةِ عَلَيْهِ
يونس 10:23
﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ مِمّا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الشَّدَّةِ والكُرْبَةِ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ فاجَأوُا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلَيْهِ مُتَرامِينَ في ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ إذا تَرامى في الفَسادِ وزِيادَةُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ بَغْيِهِمْ لِأقْطارِها وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ البَغْيُ إذْ مَعْناهُ أنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أيْضًا بِأنْ يَكُونَ ظُلْمًا ظاهِرًا لا يَخْفى قُبْحُهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وقَدْ فُسِّرَ البَغْيُ بِإفْسادِ صُورَةِ الشَّيْءِ وإتْلافِ مَنفَعَتِهِ وجُعِلَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لِلِاحْتِرازِ مِمّا يَكُونُ مِن ذَلِكَ بِحَقٍّ كَتَخْرِيبِ الغُزاةِ دِيارَ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وحَرْقِ زُرُوعِهِمْ كَما فَعَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِأنَّ البَغْيَ بِالمَعْنى الأوَّلِ هو اللّائِقُ بِحالِ المُفْسِدِينَ فِيَنْبَغِي بِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ كَوْنَ ذَلِكَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا ذُكِرَ وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الفَسادَ اللُّغَوِيَّ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الِانْتِفاعِ فَلا كُلُّ بَغْيٍ أيْ فَسادٍ في الأرْضِ واسْتِطالَةٌ فِيها كَذَلِكَ كَما عَلِمْتَ وإنْ كانَ مَوْضُوعُهُ العُرْفِيُّ لِلِاسْتِطالَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنَّ النَّظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ الَّذِي يَتَعَدّى بِفي بِمَعْنى الإتْلافِ والإفْسادِ وهو يَكُونُ حَقًّا وغَيْرُهُ والَّذِي يَتَعَدّى بِعَلى بِمَعْنى الظُّلْمِ وتَقْيِيدُ الأوَّلِ بِغَيْرِ
صفحة 99
الحَقِّ لِلِاحْتِرازِ وتَقْيِيدُ الثّانِي بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّ مَن يَجْعَلُ البَغْيَ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ يَقُولُ: إنَّ المَعْنى يَبْغُونَ عَلى المُسْلِمِينَ مَثَلًا فافْهَمْ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى أُولَئِكَ الباغِينَ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ عَلَيْكم في الحَقِيقَةِ لا عَلى الَّذِينَ تَبْغُونَ عَلَيْهِمْ وإنَّ ظُنَّ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا والمُرادُ مِن ذَلِكَ بَيانُ كَوْنِ ما في البَغْيِ مِنَ المَنفَعَةِ العاجِلَةِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ سَرِيعِ الزَّوالِ دائِمِ الوَبالِ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْ مُتَمَتِّعِينَ والعامِلُ هو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في الخَبَرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ البَغْيِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ وأيْضًا لا يُخْبَرُ عَنِ المَصْدَرِ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلاتِهِ ومَعْمُولاتِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ كَوْنِ بَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحالِ تَمَتُّعِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ
وقِيلَ: عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ كَمَقْدَمِ الحاجِّ أيْ زَمانِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أيْضًا وفِيهِ ما في سابِقِهِ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ تَبْغُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ البَغْيُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والمَصْدَرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وجُعِلَ المَصْدَرُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ البَغْيِ المُفَسَّرِ عَلى المُخْتارِ بِالفَسادِ المُفْرِطِ اللّائِقِ بِحالِهِمْ وحِينَئِذٍ تَنْتَفِي المُناسَبَةُ ويَفُوتُ الِانْتِظامُ وجُعِلَ الأوَّلُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ
وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُعَلَّلَ بِما ذُكِرَ نَفْسُ البَغْيِ لا كَوْنُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالمَصْدَرِ أيْ تَبْغُونَ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْمَصْدَرِ وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا خَبَرٌ لِما مَرَّ والمُرادُ بِالأنْفُسِ الجِنْسُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الكَلامِ والتَّقْدِيرُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ أوْ مَنهِيٌّ عَنْهُ أوْ ضَلالٌ أوْ ظاهِرُ الفَسادِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وفِيهِ الِابْتِناءُ عَلى أنَّ البَغْيَ بِمَعْنى الطَّلَبِ وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ. نَعَمْ لَوْ جُعِلَ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ أيْ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم لَكانَ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ الحَقَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النُّظُمِ هو الأوَّلُ وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَتاعُ) بِالرَّفْعِ
قالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما كَوْنُهُ الخَبَرَ والظَّرْفُ صِلَةُ المَصْدَرِ والثّانِي كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ وزِيدَ وجْهٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِبَغْيِكم والمُخْتارُ بَلِ المُتَعَيَّنُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ كَوْنُ المُرادِ بِأنْفُسِكم أبْناءَ جِنْسِكم أوْ أمْثالَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلتَّشْفِيقِ والحَثِّ عَلى تَرْكِ إيثارِ التَّمَتُّعِ المَذْكُورِ عَلى ما يَنْبَغِي مِنَ الحُقُوقِ ولا مانِعَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ وقُرِئَ بِنَصْبِ المَتاعِ (والحَياةَ) وخَرَجَ نَصْبُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ ونُصِبَ الثّانِي عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأوَّلِ
وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ إذا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ بِجَرِّهِما عَلى أنَّ الثّانِيَ مُضافٌ إلَيْهِ والأوَّلُ نَعْتٌ لِلْأنْفُسِ أيْ ذاتُ مَتاعٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ
صفحة 100
المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُتَمَتِّعاتٍ وضَعُفَ كَوْنُهُ بَدَلًا إذْ قَدْ أمْكَنَ كَوْنُهُ صِفَةً ﴿هَذا﴾ وفي الآيَةِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ البَغْيِ ما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها المَكْرُ والنَّكْثُ والبَغْيُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ ﴿ومَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾»
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن ذَنْبٍ أجْدَرَ أنْ يُعَجَّلَ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةُ مِنَ البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» . وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ بِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَبْغِي عَلى النّاسِ إلّا ولَدُ بَغِيٍّ أوْ فِيهِ عِرْقُ مِنهُ»
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وكانَ المَأْمُونُ يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ لِأخِيهِ
يا صاحِبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ فارْبَعْ فَخَيْرُ فَعالِ المَرْءِ أعْدَلُهُ
فَلَوْ بَغى جَبَلٌ يَوْمًا عَلى جَبَلٍ لانْدَكَّ مِنهُ أعالِيهِ وأسْفَلُهُ وعَقَدَ ذَلِكَ الشِّهابُ فَقالَ:
إنْ يَعْدُ ذُو بَغْيٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ∗∗∗ وارْقُبْ زَمانًا لِانْتِقامِ باغِي واحْذَرْ
مِنَ البَغْيِ الوَخِيمِ فَلَوْ بَغى ∗∗∗ جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي
﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ المُقَدَّرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ تَرْجِعُونَ إلَيْنا وإنَّما غُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والقِصَرِ
﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 23﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ البَغْيِ فَهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ
يونس 10:24
﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ شَأْنِ الحَياةِ الدُّنْيا وقِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ فِيها وأصْلُ المَثَلِ ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ يُسْتَعارُ لِلْأمْرِ العَجِيبِ المُسْتَغْرَبِ أيْ إنَّما حالُها في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْصِرامِ نَعِيمِها بَعْدَ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ فَكَثُرَ بِسَبَبِهِ ﴿نَباتُ الأرْضِ﴾ حَتّى التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومِنهم مَن أبْقاها عَلى المُصاحَبَةِ وجَعَلَ الِاخْتِلاطَ بِالماءِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ كالغِذاءِ لِلنَّباتِ فَيَجْرِي فِيهِ ويُخالِطُهُ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ كالبُقُولِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ والمَراعِي والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّباتِ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ﴾ أيِ اسْتَوْفَتْ واسْتَكْمَلَتْ زُخْرُفَها أيْ حُسْنَها وبَهْجَتَها ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ بِأصْنافِ النَّباتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ:
كَأذْيالِ خَوْدٍ أقْبَلَتْ في غَلائِلَ مُصْبَغَةٍ والبَعْضُ أقْصَرُ مِن بَعْضٍ
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ شُبِّهَتِ الأرْضُ بِالعَرُوسِ وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِ وأُقِيمَ المُشَبَّهُ مَقامَهُ وإثْباتُ أخْذِ الزُّخْرُفَ لَها تَخْيِيلٌ وما بَعْدَهُ تَرْشِيحٌ وقِيلَ: الزُّخْرُفُ الذَّهَبُ اسْتُعِيرَ لِلنَّضارَةِ
صفحة 101
والمَنظَرِ الشّارِّ وأصْلُ ازَّيَنَتْ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وسُكِّنَتْ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةَ وصْلٍ لِلتَّوَصُّلِ لِلِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ وبِالأصْلِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وقَرَأ الأعْرَجُ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والحَسَنُ بِخِلافِ (وأزْيَنَتْ) بِوَزْنِ أفْعَلَتْ كَأكْرَمَتْ وكانَ قِياسُهُ أنْ يُعَلَّ فِيُقَلْبُ ياؤُهُ ألِفًا فَيُقالُ أزانَتْ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ في بابِ الأفْعالِ المُعْتَلِّ العَيْنِ لَكِنَّهُ ورَدَ عَلى خِلافِهِ كَأغْلَيَتِ المَرْأةُ إذا سَقَتْ ولَدَها الغَيْلَ وهو لَبَنُ حَمْلِها عَلَيْهِ وقَدْ جاءَ أغالَتْ عَلى القِياسِ
ومَعْنى الأفْعالِ هُنا الصَّيْرُورَةُ أيْ صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ أوْ صَيَّرَتْ نَفْسَها كَذَلِكَ وقَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ (ازْيانَتْ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ بَعْدَها زايٌ ساكِنَةٌ وياءٌ مَفْتُوحَةٌ وهَمْزَةٌ كَذَلِكَ ونُونٌ مُشَدَّدَةٌ وتاءُ تَأْنِيثٍ وأصْلُهُ ازْيانَتْ بِوَزْنِ احْمارَتْ بِألِفٍ صَرِيحَةٍ فَكَرِهُوا اجْتِماعَ ساكِنَيْنِ فَقَلَبُوا الألِفَ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً كَما قُرِئَ الضَّألِينَ وجاءَ أيْضًا احْمَأرَتْ بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ
إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَتْ
وقَرَأ عَوْفُ بْنُ جَمِيلٍ (ازْيانَتْ) بِألِفٍ مِن غَيْرِ إبْدالٍ وقُرِئَ (ازايَنَتْ) لِقَصْدِ المُبالَغَةِ ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى الأرْضِ والمُرادُ ظَنُّوا أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن مَنفَعَتِها مُحَصِّلُونَ لِثَمَرَتِها رافِعُونَ لِغَلَّتِها وقِيلَ: الكِنايَةُ لِلزُّرُوعِ وقِيلَ: لِلثَّمَرَةِ وقِيلَ: لِلزِّينَةِ لِانْفِهامِ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ (إذا) أيْ نَزَلَ بِها ما قَدَّرْناهُ مِنَ العَذابِ وهو ضَرْبُ زَرْعِها ما يَجْتاحُهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ كالبَرَدِ والجَرادِ والفَأْرِ والصَّرْصَرِ والسَّمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا﴾ أيْ في لَيْلٍ أوْ في نَهارٍ ولَعَلَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ في إتْيانِ العَذابِ بَيْنَ زَمَنِ غَفْلَتِهِمْ وزَمَنِ يَقَظَتِهِمْ إذْ لا يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ دافِعٌ ﴿فَجَعَلْناها﴾ أيْ فَجَعَلْنا نَباتَها ﴿حَصِيدًا﴾ أيْ شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ فَإنَّ المَحْذُوفَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ والأصْلُ جَعَلْنا نَباتَها هالِكًا فَشَبَّهَ الهالِكِ بِالحَصِيدِ وأُقِيمَ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ مَقامَهُ ولا يُنافِيهِ تَقْدِيرُ المُضافِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّهُ لَمْ يُشَبِّهْ الزَّرْعَ بِالحَصِيدِ بَلِ الهالِكَ بِهِ وذَهَبَ السَّكّاكِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ شُبِّهَتِ الأرْضُ المُزَخْرَفَةُ والمُزَيَّنَةُ بِالنَّباتِ النّاضِرِ المُوَنَّقِ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ ما يُزِيلُهُ ويُفْنِيهِ وجَعَلَ الحَصِيدَ تَخَيُّلًا ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُغْنِ نَباتُها أيْ لَمْ يَمْكُثْ ولَمْ يَقُمْ فَتَغَنَّ مَن غَنِيَ بِالمَكانِ إذا أقامَ ومَكَثَ فِيهِ ومِنهُ قِيلَ لِلْمَنزِلِ مُغْنًى وقَدْ حُذِفَ المُضافُ في هَذا وفِيما قَبْلَهُ فانْقَلَبَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَنصُوبًا في أوَّلِهِما ومَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا في الثّانِي واخْتِيرَ الحَذْفُ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ أفادَ ظاهِرُ الكَلامِ جَعْلَ الأرْضِ نَفْسِها حَصِيدًا وكَأنَّها نَفْسُها لَمْ تَكُنْ لِتُغِيَّرَها بِتَغَيُّرِ ما فِيها وقَدْ عَطَفَ بَعْضُهم عَلَيْهِما (عَلَيْها) لَمّا أنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ عَلى نَباتِها فَحُذِفَ المُضافُ وجُرَّ الضَّمِيرُ بِعَلى ولَيْسَ بِالبَعِيدِ خَلا أنَّ في كَوْنِ الحَذْفِ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا تَرَدُّدًا وقِيلَ: ضَمِيرُ (تُغْنِ) وما قَبْلُهُ يَعُودانِ عَلى الزَّرْعِ كَما قِيلَ في ضَمِيرِ (عَلَيْها) وقِيلَ: يَعُودانِ عَلى الأرْضِ ولا حَذْفَ بَلْ يُجْعَلُ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إرْجاعَ الضَّمائِرِ كُلِّها لِلْأرْضِ ولَوْ مَعَ ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ أوْلى مِن إرْجاعِها لِغَيْرِها كائِنًا ما كانَ. نَعَمْ إنَّهُ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْها في قِراءَةِ الحَسَنِ (يُغْنِي) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وجَعْلُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها كَما تَرى فِيَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ لِلنَّباتِ أوْ لِلزَّرْعِ مَثَلًا ومَآلُ المَعْنى كَأنْ لَمْ يَكُنْ نابِتًا ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ فِيما قَبْلَ إتْيانِ أمْرِنا بِزَمانٍ قَرِيبٍ فَإنَّ الأمْسَ مَثَلٌ في ذَلِكَ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ والمُمَثَّلِ
صفحة 102
بِهِ في الآيَةِ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ وهو زَوالُ خُضْرَةِ النَّباتِ فَجْأةً وذَهابُهُ حُطامًا لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ بَعْدَ ما كانَ غَضًّا طَرِيًّا فَقَدِ التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وازَّيَّنَتِ الأرْضُ بِألْوانِهِ حَتّى طَمِعَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الجَوائِحِ لا الماءِ وإنْ دَخَلَتْهُ كافُ التَّشْبِيهِ فَإنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ مَعَ اشْتِمالِ الكَلامِ نَفْسِهِ عَلى أُمُورٍ حَقِيقِيَّةٍ وأُمُورٍ مَجازِيَّةٍ فِيها مِنَ اللَّطافَةِ ما لا يَخْفى وعَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ (كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها) ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيِ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ المُنَبِّهَةُ عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نُوَضِّحُها ونُبَيِّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24﴾ في مَعانِيها ويَقِفُونَ عَلى حَقائِقِها وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما ذُكِرَ في أثْناءِ التَّمْثِيلِ مِنَ الكائِناتِ والفاسِداتِ وبِتَفْصِيلِها تَصْرِيفُها عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ إيجادًا وإعْدامًا فَإنَّها آياتٌ وعَلاماتٌ يَسْتَدِلُّ بِها المُتَفَكِّرُ فِيها عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا حالًا ومَآلًا والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّهُ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا إلى جَنْبِ هَذِهِ الآيَةِ فَمُحِيَ (ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ) .
يونس 10:25
﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ تَرْغِيبٌ لِلنّاسِ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفانِيَةِ أيْ يَدْعُو النّاسَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ حَيْثُ يَأْمُرُهم بِما يُفْضِي إلَيْها وسُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِذَلِكَ لِسَلامَةِ أهْلِها عَنْ كُلِّ ألَمٍ وآفَةٍ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أوْ لِأنَّ خَزَنَتَها يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ أوْ لِأنَّ بَعْضَهم يَسْلَمُ فِيها عَلى بَعْضٍ
فالسَّلامُ إمّا بِمَعْنى السَّلامَةِ أوْ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أوْ لِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى ومَعْناهُ هو الَّذِي مِنهُ وبِهِ السَّلامَةُ أوْ ذُو السَّلامَةِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِضِ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ كَما في بَيْتِ اللَّهِ تَعالى لِلْكَعْبَةِ ولِأنَّهُ لا مِلْكَ لِغَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن فِيها سالِمٌ عَما مَرَّ لِلنَّظَرِ إلى مَعْنى السَّلامَةِ في أصْلِهِ ويَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ تَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 25﴾ مُوَصِّلٍ إلى تِلْكَ الدّارِ وهو الدِّينُ الحَقُّ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ غَيْرُ الدَّعْوَةِ إلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ الأمْرَ مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ حَيْثُ عَمَّمَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إذْ حَذَفَ مَفْعُولَها وخَصَّ الهِدايَةَ بِالمَشِيئَةِ المُساوِيَةِ لِلْإرادَةِ عَلى المَشْهُورِ إذْ قَيَّدَها بِها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ وقالَ المُعْتَرِلَةُ: إنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ والإلْطافُ ومُغايَرَةُ الدَّعْوَةِ والأمْرُ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ فَإنَّ الكافِرَ مَأْمُورٌ ولَيْسَ بِمُوَفَّقٍ وأنَّ مْنَ يَشاءُ هو مِن عِلْمِ سُبْحانَهُ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى شَأْنُهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ فَمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ اللُّطْفُ لَمْ يُوَفِّقْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ إذِ التَّوْفِيقُ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ عَبَثٌ والحِكْمَةُ مُنافِيَةٌ لِلْعَبَثِ فَهو جَلَّ وعَلا يَهْدِي مَن يَنْفَعُهُ اللُّطْفُ وإنْ أرادَ اهْتِداءَ الكُلِّ
يونس 10:26
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ العَمَلَ بِأنْ فَعَلُوا المَأْمُورَ بِهِ واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ عَنْهُ وفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿الحُسْنى﴾ أيِ المَنزِلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ ﴿وزِيادَةٌ﴾ وهي النَّظَرُ إلى وجْهِ رَبِّهِمُ الكَرِيمِ جَلَّ جَلالُهُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وخَلْقٍ آخَرِينَ ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن طُرُقٍ شَتّى وقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ
صفحة 103
وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حَيّانَ وأبُو الشَّيْخِ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ صُهَيْبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إلَخْ فَقالَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ: وما هُوَ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ ويُزَحْزِحْنا عَنِ النّارِ؟ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» فَحِكايَةُ هَذا التَّفْسِيرِ بِقِيلَ: كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ: إنَّ الحَدِيثَ مَرْقُوعٌ بِالقافِ أيْ مُفْتَرًى لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ رَقِيعٍ فَإنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ وقَدْ أخْرَجَهُ حُفّاظٌ لَيْسَ فِيهِمْ ما يُقالُ
نَعَمْ جاءَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ غَيْرُ ما ذُكِرَ لَكِنْ لَيْسَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الصِّحَّةِ ولا رَفَعَ فِيهِ صَرِيحًا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الزِّيادَةُ المَغْفِرَةُ والرِّضْوانُ وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها تَضْعِيفُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها أنْ لا يُحاسِبَهم عَلى ما أعْطاهم في الدُّنْيا وأخْرَجَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ وقِيلَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِهِمْ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنا أُمْطِرُكم فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهُمْ
وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَمُنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما ذُكِرَ ويُصَدِّقُ عَلَيْهِ أنَّهُ زِيادَةٌ عَلى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَنَّةِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ اخْتِلافٌ إنَّما هو كَلامٌ جامِعٌ يُرادُ بِهِ هَذا وهَذا والَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِمادِ عَلى الرِّواياتِ النّاطِقَةِ بِحَمْلِ الزِّيادَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى زَعْمُهُ الفاسِدُ كَأصْحابِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى وقَدْ عَلِمْتَ مَنشَأ ذَلِكَ الزَّعْمِ وقَدْ رَدَّهُ أهْلُ السُّنَّةِ بِوُجُوهٍ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ أيْ لا يَغْشاها غَبَرَةٌ ما فِيها سَوادٌ ولا أثَرُ هَوانٍ ما وكُسُوفُ بالٍ والمَعْنى لا يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ ما يَعْرِضُ لِأهْلِ النّارِ أوْ لا يَعْرِضُ لَهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الحُزْنِ وسُوءِ الحالِ والكَلامُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وعَلى الثّانِي كِنايَةٌ لِأنَّ عَدَمَ غَشَيانِ ذَلِكَ لازِمٌ لِعَدَمِ غَشَيانِ ما يُوجِبُهُما فَذَكَرَ اللّازِمَ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ أمْدَحُ والمَقْصُودُ بَيانُ خُلُوصِ نَعِيمِهِمْ مِن شَوائِبِ المَكارِهِ إثْرَ بَيانِ ما مَنَّ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعِيمِ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما يُنْقِذُهم مِنهُ فَإنَّهم إذا ذَكَرُوا ذَلِكَ زادَ ابْتِهاجُهم ومَسَرَّتُهم كَما أنَّ أهْلَ النّارِ إذا ذَكَرُوا ما فاتَهم مِنَ النَّعِيمِ ازْدادَ غَمُّهم وحَسْرَتُهم وقِيلَ: الغَرَضُ إدْخالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ بِتَذْكِيرِ حالِ أعْدائِهِمْ أهْلِ النّارِ فَإنَّ الإنْسانَ مَتى عَلِمَ أنَّ عَدُوَّهُ في الهَوانِ وسُوءِ الحالِ ازْدادَ سُرُورًا وقَدْ شاهَدْنا مَن يَكْتَفِي بِمَضَرَّةِ عَدُوِّهِ عَنْ حُصُولِ المَنفَعَةِ لَهُ بَلْ مَن يَسُرُّهُ ضَرَرُ عَدُّوِهِ وإنْ تَضَرَّرَ هو وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ أنَّ المَصُونَ مِنَ الرَّهَقِ أشْرَفُ أعْضائِهِمْ ولِلتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في الفاعِلِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ 26﴾ دائِمُونَ بِلا زَوالٍ ويَلْزَمُ ذَلِكَ عَدَمُ زَوالِ نَعِيمِها
يونس 10:27
﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَزاءُ وهو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لا اسْمٌ لِلْعِوَضِ كَما في بَعْضِ الأوْجُهِ الآتِيَةِ
صفحة 104
عَلى ما قِيلَ أيْ جَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتُ أنْ تُجازى سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها عَلى مَعْنى عَدَمِ الزِّيادَةِ بِمُقْتَضى العَدْلِ وإلّا فَلا مانِعَ عَنِ العَفْوِ بِمُقْتَضى الكَرَمِ لَكِنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّرْكِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ لَكِنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها عَلى حَدِّ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ
وأجازَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أيْ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وحَذْفُ لَهم لِقَرِينَةٍ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ (الَّذِينَ كَسَبُوا) وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ كَما لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) عَطْفًا عَلى الَّذِينَ المَجْرُورِ الَّذِي هو مَعَ جارِهِ خَبَرٌ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ مَعْطُوفٌ عَلى الحُسْنى الَّذِي هو المُبْتَدَأُ وفي ذَلِكَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وفِيهِ مَذاهِبُ المَنعِ مُطْلَقًا وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجَوازُ مُطْلَقًا وهو مَذْهَبُ الفَرّاءِ والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَتَقَدَّمَ المَجْرُورُ نَحْوُ في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو فَيَجُوزُ أوْ لا فَيَمْتَنِعُ والمانِعُونَ يَحْمِلُونَ نَحْوَ هَذا المِثالِ عَلى إضْمارِ الجارِّ ويَجْعَلُونَهُ مُطَّرِدًا كَقَوْلِهِ:
أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا
وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ جُمْلَةٌ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أوْ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ﴾ أوْ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وفي تَعَدُّدِ الِاعْتِراضِ خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ و﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ و﴿بِمِثْلِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ واقِعٌ أوْ (بِمِثْلِها) هو الخَبَرُ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى أنَّ الباءَ غَيْرُ زائِدَةٍ والأوْلى تَقْدِيرُ المُتَعَلِّقِ خاصًّا كَمُقَدَّرٍ ويَصِحُّ تَقْدِيرُهُ عامًّا والقَوْلُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ حاصِلٌ وهْمٌ ظاهِرٌ وأيًّا ما كانَ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الفَضْلُ دُونَ الرُّؤْيَةِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ هو المَأْثُورُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجُمْلَةٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِما يَتَراءى مِنهُ خِلافُهُ لا سِيَّما وقَدْ أتى الإمامُ وغَيْرُهُ بِدَلائِلَ جَمَّةٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِها ذَلِكَ ولَمْ يُؤْتَ بِالآيَتَيْنِ عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ لِمُراعاةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كَمالِ التَّنائِي والتَّبايُنِ وإيرادِ الكَسْبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وجِنايَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ هَوانٌ عَظِيمٌ فالتَّنْوِينُ هُنا لِلتَّفْخِيمِ عَلى عَكْسِ التَّنْوِينِ فِيما قَبْلُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفي إسْنادِ الرَّهَقِ إلى أنْفُسِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ إيذانٌ بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ غاشِيَةٌ لَهُمْ
وقُرِئَ (يُرْهِقُهُمْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِكَوْنِ الفاعِلِ ظاهِرًا وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّلَّةِ سَبَبُها مَجازًا ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى لِأنَّ التَّذْكِيرَ في مَجازِيِّ التَّأْنِيثِ لا سِيَّما المَفْصُولُ كَثِيرُ جِدًّا
والواوُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كَسَبُوا﴾ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يُعْطَفُ عَلى الماضِي وأُجِيبُ بِالمَنعِ وفي العَطْفِ هَهُنا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ حَيْثُ أخْرَجَ نِسْبَةَ الرَّهَقِ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مَخْرَجَ المَعْلُومِ حَيْثُ جُعِلَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ العَطْفِ صِلَةَ المَوْصُولِ وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ تُجازى سَيِّئَتُهم بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ولَعَلَّهُ أوْلى مِنَ الأوَّلِ وأمّا جَعْلُ الواوِ حالِيَّةً والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿كَسَبُوا﴾ فَلا يَخْفى حالُهُ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ ما لَهم أحَدٌ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ فَمِنَ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِعاصِمٍ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ و(مِنَ) الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ أوْ ما لَهم مِن جِهَتِهِ وعِنْدَهُ تَعالى مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَمِنَ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ
صفحة 105
حالًا مِن (عاصِمٍ) وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الظَّرْفِ ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ و(مِن) الثّانِيَةُ عَلى حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ) وفي نَفْيِ العاصِمِ مِنَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العِصْمَةِ ما لا يَخْفى ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ كَأنَّما أُلْبِسَتْ ذَلِكَ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ قِطَعًا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُظْلِمًا﴾ حالٌ مِنَ (اللَّيْلِ) والعامِلُ فِيهِ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ فِعْلًا كانَ أوِ اسْمًا
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِن (قِطَعًا) أوْ صِفَةً لَهُ وكانَ الواجِبُ الجَمْعَ لِأنَّ ﴿قِطَعًا﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَتْ حالُهُ أوْ صِفَتُهُ لِتَأْوِيلٍ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِلَّيْلِ مَعْنَيانِ زَمانٌ تَخْفى فِيهِ الشَّمْسُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا كَما يُقالُ: دَخَلَ اللَّيْلُ والآنَ لَيْلٌ وما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها أوْ قُرْبِها مِنَ الطُّلُوعِ فَمِن إمّا تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ وبَيانِيَّةٌ عَلى الثّانِي وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ مِن قَبْلِ أنْ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صِفَةٌ لِقِطَعًا فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ لَيْسَ صِلَةَ أُغْشِيَتْ حَتّى يَكُونَ عامِلًا في المَجْرُورِ بَلِ التَّقْدِيرُ أنَّهُ صِفَةٌ فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ وأيْضًا الصِّفَةُ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ وذُو الحالِ هو - اللَّيْلُ - فَلا يَكُونُ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ عامِلًا في ذِي الحالِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ وقَدْ يُقالُ: إنَّ (مِن) لِلتَّبْيِينِ والتَّقْدِيرُ كائِنَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَأُغْشِيَتْ عامِلٌ في الصِّفَةِ وهي كائِنَةٌ فَكَأنَّهُ عامِلٌ في (اللَّيْلِ) وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العامِلَ في العامِلِ في الشَّيْءِ عامِلٌ فِيهِ وهو فاسِدٌ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَعْضُ اللَّيْلِ ويَكُونُ بَدَلًا مِن (قِطَعًا) ويُجْعَلُ (مُظْلِمًا) حالًا مِنَ البَعْضِ لا ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَيَكُونُ العامِلُ في ذِي الحالِ (أُغْشِيَتْ) ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ أغْشى قِطَعًا مِن لَيْلِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ مُظْلِمًا. وأجابَ الإمامُ أمِينُ الدِّينِ بِأنَّ نِسْبَةَ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ إلى ﴿قِطَعًا﴾ إنَّما هي بِاعْتِبارِ ذاتِها المُبْهَمَةِ المُفَسَّرَةِ بِاللَّيْلِ لا بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ القِطَعِ في نَفْسِها وإنَّما ذُكِرَتْ لِبَيانِ مِقْدارِ ما أُغْشِيَتْ بِهِ وُجُوهُهم وهو اللَّيْلُ مُظْلِمًا فَإفْضاءُ الفِعْلِ إلى (قِطَعًا) بِاعْتِبارِ ما لا يَتِمُّ مَعْناها المُرادُ إلّا بِهِ كَإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ كَما إذا قِيلَ: اشْتَرَيْتُ أرْطالًا مِنَ الزَّيْتِ صافِيًا فَإنَّ المُشْتَرى فِيهِ الزَّيْتُ والأرْطالُ مَبْنِيَّةٌ لِمِقْدارِ ما اشْتَرى صافِيًا فالعامِلُ في الحالِ إنَّما هو العامِلُ اللَّفْظِيُّ ولا يُلاحَظُ مَعْنى الفِعْلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ مِن جِهَةِ العَمَلِ لِغَلَبَةِ العامِلِ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ بِالظُّهُورِ ولا يَخْفى ما فِيهِ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لَهُ اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ مِن قَبْلِ أنَّ الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ مُتَّحِدانِ لا سِيَّما والقِطَعُ بَعْضُ اللَّيْلِ فَجازَ أنْ يَكُونَ عامِلًا في الصِّفَةِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَأنَّهُ قِيلَ أُغْشِيَتِ اللَّيْلُ مُظْلِمًا وهَذا كَما جُوِّزَ في نَحْوِ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالمُضافِ وكَأنَّهُ قِيلَ: ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا وكَما جُوِّزَ في ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا إبْراهِيمَ حَنِيفًا وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو سِرٌّ هَذا المَوْضِعِ لا ما طَوَّلَهُ كَثِيرُونَ لا سِيَّما حَمْلُ (مِن) عَلى التَّجْرِيدِ فَإنَّهُ مَعَ أنَّ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ لا البَيانِ ولَيْسَ كُلُّ بَيانٍ تَجْرِيدًا لا يَتِمُّ مَقْصُودُهُ انْتَهى
وقَدْ عَرَّضَ في ذَلِكَ بِشَيْخِهِ العَلّامَةِ الطِّيبِيِّ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَدْ تَكَلَّفَ ما تَكَلَّفَ والإنْصافُ أنَّ ما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي والسَّعْيُ في إصْلاحِهِ مَعَ وُجُودِ الوَجْهِ الواضِحِ الَّذِي لا تَرْهَقُهُ قَتَرَةٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَبَثًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (قِطْعًا) بِسُكُونِ الطّاءِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْناهُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أوْ ظُلْمَةُ آخِرِهِ أوِ اسْمُ جِنْسٍ لِقِطْعَةٍ وأنْشَدُوا
صفحة 106
افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ ∗∗∗ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ
وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) صِفَةً لَهُ أوْ حالًا مِنهُ بِلا تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ وقُرِئَ (كَأنَّما يَغْشى وُجُوهَهم قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) والكَلامُ فِيهِ ظاهِرٌ والجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهم ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ 27﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا واحْتَجَّتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمُ الفاسِدِ بِخُلُودِ أهْلِ الكَبائِرِ وأُجِيبَ بِأنَّ السَّيِّئاتِ شامِلَةٌ لِلْكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّهُ لا خُلُودَ لِأصْحابِ المَعاصِي فَخُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن عَداهم وأيْضًا قَدْ يُقالُ إنَّهم داخِلُونَ في الَّذِينَ أحْسَنُوا بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أيِ المُؤْمِنُونَ مُطْلَقًا فَلا يَدْخُلُونَ في القِسْمِ الآخَرِ لِتَنافِي الحُكْمَيْنِ وقِيلَ: إنْ ألْ في السَّيِّئاتِ لِلِاسْتِغْراقِ فالمُرادُ مَن عَمِلَ جَمِيعَ ذَلِكَ والقَوْلُ بِخُلُودِهِ في النّارِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ
يونس 10:28
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ وتَأْخِيرُهُ في الذَّكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ عَلى بَعْضِ أحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ لِلِاعْتِبارِ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَعُدَّ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا ولِذَلِكَ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الجَزاءِ بَيَّنَ بِهَذا وقْتَ ذَلِكَ وعَلَيْهِ فالآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما ذُكِرَ آنِفًا لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ البَيانِ وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى عَدَمِ نَفْعِ الشُّرَكاءِ لَهم. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَذَكِّرْهم وخَوِّفْهم وضَمِيرُ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ ومِن أفْرادِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن بَيْنِهِمْ ولِأنَّ تَوْبِيخَهم وتَهْدِيدَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ أفْظَعُ والإخْبارُ بِحَشْرِ الكُلِّ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ أدْخَلُ وإلى هَذا ذَهَبَ القاضِي البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وكَوْنُ مُرادِهِ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقَيِ الكَفّارِ والمُشْرِكِينَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ الثّانِي خاصَّةً فَيَكُونُ الَّذِينَ أشْرَكُوا مِن وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ والنُّكْتَةُ في تَخْصِيصِ وصْفِ إشْراكِهِمْ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ ابْتِناءُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ مُعْظَمَ جِناياتِهِمْ وعُمْدَةَ سَيِّئاتِهِمْ وهو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ ﴿مَكانَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ فَسَدَّ هو مَسَدَّهُ وهو مُضافٌ إلى الكافِ والمِيمُ عَلامَةُ الجَمْعِ أيِ الزَمُوا مَكانَكم والمُرادُ انْتَظِرُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ مَكانَ اسْمُ فِعْلٍ وحَرَكَتَهُ حَرَكَةُ بِناءٍ وهَلْ هو اسْمُ فِعْلٍ لِالزَمْ أوْ لِاثْبَتْ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلِ والمَنقُولُ عَنْ شَرْحِ التَّسْهِيلِ الثّانِي لِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كالزَمْ مَعَ أنَّهُ لازِمٌ وأُجِيبُ بِمَنعِ اللُّزُومِ وقالَ السَّفاقِسِيُّ: في كَلامِ الجَوْهَرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَمْ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا فَلَعَلَّ ما هو اسْمٌ لَهُ اللّازِمُ: وذَكَرَ الكُوفِيُّونَ
صفحة 107
أنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وسَمِعُوا مِنَ العَرَبِ: مَكانَكَ زَيْدًا أيِ انْتَظِرْهُ واخْتارَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَدَمَ كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ فَقالَ: لا أدْرِي ما الدّاعِي إلى جَعْلِ هَذا الظَّرْفِ اسْمَ فِعْلٍ إمّا لازِمًا وإما مُتَعَدِّيًا وهَلّا جَعَلُوهُ ظَرْفًا عَلى بابِهِ ولَمْ يُخْرِجُوهُ عَنْ أصْلِهِ أيِ اثْبَتْ مَكانَكَ أوِ انْتَظِرْ مَكانَكَ وإنَّما يَحْسُنُ دَعْوى اسْمِ الفِعْلِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاسْمِ وذَلِكَ الفِعْلِ نَحْوَ صَهٍ وعَلَيْكَ وإلَيْكَ وأمّا إذا أمْكَنَ فَلا كَوَراءَكَ وأمامَكَ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلى الظَّرْفِ مِن عامِلِهِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ولِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في اسْمِ الفِعْلِ عَلى القَوْلِ الثّانِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ (أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مُهانُونَ أوْ مَجْزِيُّونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ وقِيلَ: ولِأنَّهُ يَأْباهُ قِراءَةُ (وشُرَكاءَكُمْ) بِالنَّصْبِ إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِثْلَ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ ومِثْلُهُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ ما يَكُونُ عامِلًا فِيهِ والعامِلُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ ظاهِرٌ لِمَكانِ ﴿مَكانَكُمْ﴾ ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ فَفَرَّقْنا وهو مِن زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ أيْ أزَلْتُهُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ وهو يائِيٌّ ووَزْنُهُ فَعَلَ بِدَلِيلِ زايَلَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو بِمَعْناهُ نَحْوَ كَلَّمْتُهُ وكالَمْتُهُ وصَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ واوِيٌّ لِأنَّهُ مِن زالَ يَزُولُ وإنَّما قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِأنَّهُ فَيْعَلٌ والأوَّلُ أصَحُّ لِما عَلِمْتَ ولِأنَّ مَصْدَرَهُ التَّزْيِيلُ لا الزُّيُولَةُ مَعَ أنَّ فِعْلَ أكْثَرُ مِن فَيْعَلٍ ونَصْبُ – بَيْنَ - عَلى الظَّرْفِيَّةِ لا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما تُوُهِّمَ والمُرادُ بِالتَّفْرِيقِ قَطْعُ الإقْرانِ والوُصَلِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الشُّرَكاءِ في الدُّنْيا وقِيلَ: التَّفْرِيقُ الجُسْمانِيُّ وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ لا يُساعِدُهُ والعَطْفُ عَلى ﴿نَقُولُ﴾ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّحْسِيرِ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ التَّزْيِيلِ ومَبادِيهِ عَقِيبَ الخِطابِ مِن غَيْرِ مُهْمَلَةٍ إيذانًا بِكَمالِ رَخاوَةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ والوُصْلَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها عَلى الخِلافِ والإضافَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ الكُفّارَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
وقِيلَ: لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَصَيَّرُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ قِيلَ: الأصْنامُ فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِأكْثَرِ هَذِهِ الآياتِ ونِسْبَةُ القَوْلِ لَها غَيْرُ بَعِيدٍ مِن قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَيُنْطِقُها اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ في ذَلِكَ المَوْقِفِ فَتَقُولُ لَهم ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ 28﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَبَرِّيهِمْ مِن عِبادَتِهِمْ وأنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهُمُ الدّاعِيَةَ لَهم وما أعْظَمَ هَذا مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي كانُوا يَتَوَقَّعُونَها مِنهم وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ الآيَةَ والمُرادُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ ما أُرِيدَ مِنهُ أوَّلًا أيْضًا لِأنَّ نَفْيَ العِبادَةِ لا يَصِحُّ لِثُبُوتِها في الواقِعِ والكَذِبُ لا يَقَعُ في القِيامَةِ مِمَّنْ كانَ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَ الشُّرَكاءِ مُجْرًى عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ فَذَلِكَ الكَذِبُ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى كَذِبِ الصِّبْيانِ والمَجانِينِ المَدْهُوشِينَ ويُمْكِنُ أنْ
صفحة 108
يُقالُ أيْضًا: إنَّهم ما أقامُوا لِأعْمالِ الكُفّارِ وزْنًا وجَعَلُوها لِبُطْلانِها كالعَدَمِ فَلِذا نَفَوْا عِبادَتَهم إيّاهم أوْ يُقالُ: إنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا تَخَيَّلُوا فِيما عَبَدُوهُ أوْصافًا كَثِيرَةً غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ كانُوا في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا ذَواتًا مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ ولَمّا كانَتْ ذَواتُ الشُّرَكاءِ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ صَدَقَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ ما عَبَدُوا الشُّرَكاءَ وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِينَ بَلْ لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِما وكَأنَّ حاصِلَ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّكم عَبَدْتُمْ مَن زَعَمْتُمْ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الشَّفاعَةِ لَكم وتَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ وأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَيْتَ وكَيْتَ فاطْلُبُوهُ فَإنّا لَسْنا كَذَلِكَ والمُرادُ مِن ذَلِكَ قَطْعُ عُرى أطْماعِهِمْ وإيقاعُهم في اليَأْسِ الكُلِّيِّ مِن حُصُولِ ما كانُوا يَرْجُونَهُ ويَعْتَقِدُونَهُ فِيهِمْ ولَعَلَّ اليَأْسَ كانَ حاصِلًا لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ ولَكِنْ يَحْصُلُ بِما ذُكِرَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَ تِلْكَ المَرْتَبَةِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الشَّياطِينُ وقَطْعُ الوَصْلِ عَلَيْهِ مِنَ الجانِبَيْنِ لا مِن جانِبِ العَبَدَةِ فَقَطْ كَما يَقْتَضِيهِ ما قَبْلُ والمُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وظاهِرُ العَطْفِ انْصِرافُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ أيْضًا وتَهْدِيدُ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُقَدَّمُ عَلى القَوْلِ بِهِ
واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الإلْزامِ فَإنَّهُ يُرَدُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ أيْضًا إذْ لا مَعْنى لِلْوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ في حَقِّ الأصْنامِ مَعَ عَدَمِ صُدُورِ شَيْءٍ مِنها يُوجِبُ ذَلِكَ ولا مُخَلِّصٍ إلّا بِالتِزامِ أنَّ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ لِلْمُخاطَبِينَ فَقَطْ أوْ لِلْمَجْمُوعِ بِاعْتِبارِهِمْ
وأُجِيبُ بِجَوازِ كَوْنِ تَهْدِيدِ الأصْنامِ نَظِيرَ إدْخالِها النّارَ مَعَ عَبَدَتِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ودَعْوى الفَرْقِ بَيْنَ التَّهْدِيدِ والإدْخالِ في النّارِ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. نَعَمْ قالُوا: يَجِبُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ تُحْمَلَ الغَفْلَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
يونس 10:29
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ 29﴾ عَلى عَدَمِ الِارْتِضاءِ لا عَلى عَدَمِ الشُّعُورِ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ هَذا الحَمْلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ لِأنَّ عَدَمَ شُعُورِهِ بِعِبادَتِهِمْ مَعَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ كَذَلِكَ ولا يَكادُ يَصِحُّ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ إلّا إذا كانَ المُرادُ الأصْنامَ فَإنَّ عَدَمَ شُعُورِهِمْ بِذَلِكَ ظاهِرٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَتِهِمْ لِيَصْرِفَ لَهُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ هُمُ الحَفَظَةَ أوِ الكَتَبَةَ بَلْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ ولَعَلَّهم مُشْغَلُونَ بِأداءِ ما أُمِرُوا بِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ ونَحْنُ لا نَدَّعِي في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا يَوْمَ اسْتُنْبِئُوا عَنِ الأسْماءِ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ وهَذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أجَلِّهِمْ قَدْرًا كانَ كَثِيرًا ما يَسْألُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أشْياءَ فَيَقُولُ: لا أعْلَمُ، وسَوْفَ أسْألُ رَبِّي. وكَذا لا دَلِيلَ عَلى شُعُورِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ عِنْدَ إيقاعِها وكَوْنُهُ سَيَنْزِلُ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ لا يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ بِها كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ
صفحة 109
مُطْلَقًا لِأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم هَذِهِ الشَّنِيعَةَ الشَّنْعاءَ وأغْرَوْهم عَلَيْها فَكَيْفَ يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّهم غافِلُونَ حَقِيقَةً عَنْها أوْ أنَّهم غَيْرُ مُرْتَضِينَ لَها ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَلْتَزِمُ الكَذِبَ ويَقُولُ بِجَوازِ وُقُوعِهِ يَوْمَ القِيامَةِ
وقِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ مَعَ هَذا القَوْلِ أيْضًا مُطْلَقًا لِأنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِالغَفْلَةِ حَقِيقَةً لِأنَّها كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ اسْمٌ لِتَرْكِ الشَّيْءِ وذَهابِ القَلْبِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ وهَذا شَأْنُ ذَوِي القُلُوبِ والأوْثانُ لَيْسَتْ مِن ذَلِكَ وكَذا لا تَتَّصِفُ بِها مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مِن عَدَمِ الِارْتِضاءِ السَّخَطُ والكَراهَةُ وظاهِرٌ أنَّ الأوْثانَ لا تَتَّصِفُ بِسَخَطٍ ولا ارْتِضاءٍ إذْ هُما تابِعانِ لِلْإدْراكِ ولا إدْراكَ لَها ومَن أثْبَتَهُ لِلْجَماداتِ حَسَبَ عالَمِها فالأمْرُ عِنْدَهُ سَهْلٌ ومَن لا يُثْبِتُهُ يَقُولُ: إنَّها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الشُّعُورِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ عَدَمُ طَلَبِهِمُ الِاسْتِعْدادِيُّ لَها ويَرْجِعُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وإثْباتِ الظُّلْمِ لِعابِدِيهِمْ
وحِينَئِذٍ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِالشُّرَكاءِ جَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ والكُلُّ صادِقٌ في قَوْلِهِ ذَلِكَ وقَدْ يُرادُ مِن عَدَمِ الطَّلَبِ ما يَشْمَلُ عَدَمَ الطَّلَبِ الحالِيِّ والقالِيِّ إذا اعْتُبِرَ كَوْنُ القائِلِ مِمَّنْ يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ لَهُ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا الوَجْهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى شُعُورِ الشُّرَكاءِ بِعِبادَتِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم شُعُورٌ بِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ والظّاهِرُ أنَّ تَفْسِيرَ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ الِارْتِضاءُ المُرادُ مِنهم عَلى ما قِيلَ السَّخَطُ والكَراهَةُ يَسْتَدْعِي الشُّعُورَ إذْ كَراهَةُ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وإثْباتُهُ لِجَمِيعِ الشُّرَكاءِ ولَوْ إجْمالًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالغَفْلَةِ أكْثَرُ تَهْجِينًا لِلْمُخاطَبِينَ ولِعِبادَتِهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الطَّلَبِ مَثَلًا فَتَأمَّلْ والباءُ في ﴿بِاللَّهِ﴾ صِلَةٌ و﴿شَهِيدًا﴾ تَمْيِيزٌ و﴿إنْ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِغافِلِينَ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى كُنْهِ الحالِ إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ عِبادَتِكم والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ﴿فَكَفى﴾ إلَخْ اسْتِشْهادٌ عَلى النَّفْيِ السّابِقِ لا عَلى الإثْباتِ اللّاحِقِ
يونس 10:30
﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ والمَكانِ الدَّهْشِ وهو مَقامُ الحَشْرِ فَهُنالِكَ باقٍ عَلى أصْلِهِ وهو الظَّرْفِيَّةُ المَكانِيَّةُ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفَ زَمانٍ مَجازًا أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تَبْلُو﴾ أيْ تُخْتَبَرُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضُرَّهُ أتَمَّ مُعايَنَةٍ
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَتْلُو) مِنَ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ والمُرادُ قِراءَةُ صُحُفِ ما أسْلَفَتْ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ الأعْمالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلْوِ عَلى مَعْنى أنَّ العَمَلَ يَتَجَسَّمُ ويَظْهَرُ فَيَتَّبِعُهُ صاحِبُهُ حَتّى يَرِدَ بِهِ الجَنَّةَ أوِ النّارَ أوْ هو تَمْثِيلٌ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ (نَبْلُو) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والنُّونِ ونَصْبِ (كُلٍّ) عَلى أنَّ فاعِلَ نَبْلُو ضَمِيرُهُ تَعالى و(كُلّ) مَفْعُولُهُ و(ما) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أيْ هُنالِكَ نُعامِلُ كُلَّ نَفْسٍ مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوها ويَتَعَرَّفُ أحْوالَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ بِاخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيِ العَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ السَّبَبِيَّةُ
﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى زَيَّلْنا والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الحِكايَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها والمَعْنى رُدُّوا إلى جَزائِهِ وعِقابِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ ذَلِكَ فالرَّدُّ إمّا مَعْنَوِيٌّ أوْ حِسِّيٌّ وقالَ الإمامُ: المَعْنى جُعِلُوا مُلْجَئِينَ إلى الإقْرارِ بِأُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ رَبِّهِمُ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ المُتَحَقَّقِ الصّادِقِ في رُبُوبِيَّتِهِ لا ما اتَّخَذُوهُ
صفحة 110
رَبًّا باطِلًا وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ والمُرادُ بِهِ ما يُقابِلُ الباطِلَ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ لِاخْتِلافِ مَعْنى المَوْلى فِيهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الأوْلى مَنسُوخَةٌ بِالثّانِيَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وضَلَّ﴾ أيْ ضاعَ وذَهَبَ ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ 30﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (رُدُّوا) ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها عَطْفًا عَلى - زَيَّلْنا - وجُمْلَةُ – رُدُّوا- مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ - تَبْلُو - إلَخْ داخِلَةٌ في الِاعْتِراضِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ، والعُدُولُ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رَدَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَكُونُ عَلى طَرِيقِ الِاجْتِماعِ وما ذَكَرْناهُ أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى، وتَعَقَّبَ شَيْخُ الإسْلامِ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلنُّفُوسِ وعَطَفَ (رُدُّوا) عَلى ﴿تَبْلُو﴾ إلَخْ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الحَقِّيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمَرْدُودِينَ ثُمَّ قالَ: ولَئِنِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِهِمْ أوْ حُمِلَ ﴿الحَقِّ﴾ عَلى مَعْنى العَدْلِ في الثَّوابِ والعِقابِ أيْ مَعَ تَفْسِيرِ المَوْلى بِمُتَوَلِّي الأُمُورِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وضَلَّ﴾ إلَخْ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّدارُكِ قَطْعًا فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ لِلْمُشْرِكِينَ فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ حَتْمًا وتَخْصِيصُ كُلِّ نَفْسٍ بِالنُّفُوسِ المُشْرِكَةِ مَعَ عُمُومِ البَلْوى لِلْكُلِّ يَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ المَقامِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ عَلى (رُدُّوا) مَعَ رُجُوعِ ضَمِيرِهِ لِلنُّفُوسِ وهو غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ فَلا تَغْفَلْ
يونس 10:31
﴿قُلْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَيْتُ أحْوالَهم وبَيْنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أفْعالُهُمُ الَّتِي هي أفْعى لَهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ
﴿مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَطَرِ وحَرارَةِ الشَّمْسِ المُنْضَجَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ والأُولى بِمَنزِلَةِ الفاعِلِ والثّانِيَةُ بِمَنزِلَةِ القابِلِ أوْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالِاسْتِقْلالِ كالإمْطارِ والمَنِّ والأغْذِيَةِ الأرْضِيَّةِ تَوْسِعَةً عَلَيْكم – فَمِن - عَلى هَذا لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي لِبَيانِ (مِن) عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والِاضْطِرابُ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كِفايَةِ هَذا الِاسْتِفْهامِ فِيما هو المَقْصُودُ أيْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ ومَن وقَفَ عَلى تَشْرِيحِهِما وقَفَ عَلى ما يُبْهِرُ العُقُولَ أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما عَنْ أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما أوْ مَن يَتَصَرَّفُ بِهِما إذْهابًا وإبْقاءً والمُلْكُ عَلى كُلٍّ مَجازٌ وقِيلَ: والمَعْنى الأوَّلُ أوْفَقُ لِنَظْمِ الخالِقِيَّةِ مَعَ الرّازِقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ والأرْضِ﴾ ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ أيْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ مَثَلًا والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مَن يُحْيِي أوْ يُمِيتُ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإخْراجِ التَّحْصِيلَ مِن قَوْلِهِمُ: الخارِجُ كَذا أيِ الحاصِلُ أيْ مَن يُحَصِّلُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ الحَياةَ ويُحَصِّلُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ المَوْتَ ويَسْلُبَ عَنْهُ الحَياةَ والمَآلَ ما عَلِمْتَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَيَّ والمَيِّتَ هُنا بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وإلَيْهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُكم عِلْمُ تَفاصِيلِهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾
صفحة 111
بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿اللَّهِ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ والعِنادِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿هَذا﴾ ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى جَوازِ أنْ يُقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، وكَوْنُ المُرادِ هُناكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الجَوابَ ومَن لَمْ يَرَ الجَوازَ تَعْنِي ومَن رَآهُ بِناءً عَلى ظَواهِرِ الآياتِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِهِ تَعالى في السَّماءِ «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجارِيَةِ الَّتِي أشارَتْ إلى السَّماءِ حِينَ قِيلَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» . وإقْرارُهُ حُصَيْنًا حِينَ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَمْ تَعْبُدُ يا حُصَيْنُ؟ فَقالَ: سَبْعَةَ سِتَّةٍ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَمَنِ الَّذِي أعْدَدْتَهُ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟ فَقالَ حُصَيْنٌ: الإلَهُ الَّذِي في السَّماءِ» . أبْقى الآيَةَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُها وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا كَوْنُهُ تَعالى مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ وإنْ ورَدَ كَوْنُهُ جَلَّ وعَلا في السَّماءِ عَلى المَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَلا أرى جَوازَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لِإخْراجِ (مِن) عَنِ ابْتِداءِ الغايَةِ لِيُحْتاجَ إلى العِنايَةِ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ كَما لا يَخْفى وفي الِانْتِصافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةٌ لِوُجُوهِ القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ الأرْزاقَ مُنْقَسِمَةٌ فَمِنها ما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ وهو الحَلالُ ومِنها ما رَزَقَهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ وهو الحَرامُ فَهي ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ هَذا الشِّرْكَ الخَفِيَّ لَوْ سَمِعُوا ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ وكَذا فِيما قِيلَ تَكْفَحُ في وُجُوهِ أُناسٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في كُلِّ عَصْرٍ قُطْبُهُ وهو عِمادُ السَّماءِ عِنْدَهم ولَوْلاهُ لَوَقَعَتْ عَلى الأرْضِ فَكَأنِّي بِكَ إذا سَألْتَهم مَن يُدَبِّرُ الأمْرَ يَقُولُونَ القُطْبُ، وقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهم بِأنَّ مُرادَهم أنَّهُ المُدَبِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وجاءَ إطْلاقُ المُدَبِّرِ بِهَذا المَعْنى عَلى غَيْرِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ القُطْبِ إلّا بِالِاعْتِبارِ لِأنَّهُ الَّذِي فازَ بِقُرْبى النَّوافِلِ والفَرائِضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فارْتَفَعَتِ الغَيْرِيَّةُ فالقَوْلُ بِأنَّ القُطْبَ هو المُدَبِّرُ كالقَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُدَبِّرُ بِلا فَرْقٍ
واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ ذَهابٌ إلى القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ وبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ كالإمامِ الرَّبّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ والأوَّلُ بِأنَّهُ هَلّا قالَ المُشْرِكُونَ في جَوابِ ذَلِكَ: المَلائِكَةُ أوْ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا عَلى مَعْنى أنَّهُمُ المُدَبِّرُونَ لِلْأمْرِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَذْكُورُونَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الأقْطابِ عِنْدَ أُولَئِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَمَّنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الأمْرُ فَلا يَتَسَنّى لَهم إلّا الجَوابُ المَذْكُورُ ولَعَلَّ غَيْرَ أهْلِ الوَحْدَةِ لَوْ سُئِلُوا كَذَلِكَ ما عَدَلُوا في الجَوابِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وأمّا أهْلُ الوَحْدَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَلَهم كَلِماتٌ لا يَقُولُها المُشْرِكُونَ وهي لَعَمْرِي فَوْقَ طَوْرِ العَقْلِ ولِذا أنْكَرَها أهْلُ الظّاهِرِ عَلَيْهِمْ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿أفَلا تَتَّقُونَ 31﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الِاتِّقاءِ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما في قَوْلِكَ: أتَضْرِبُ أباكَ لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أأضْرِبُ أبِي والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَ والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ شَهِيرٌ وما ذَكَرْناهُ هو ما عَلَيْهِ البَعْضُ ومَفْعُولُ ﴿تَتَّقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ أيْ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي لَكم بِما تَتَعاطَوْنَهُ مِن إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ، وكَلامُ القاضِي يُوهِمُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ
يونس 10:32
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَرَّرَ والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ حَسْبَما اعْتَرَفُوا بِهِ وهي مُبْتَدَأٌ والِاسْمُ الجَلِيلُ صِفَةٌ لَهُ و﴿رَبُّكُمُ﴾ خَبَرٌ و(الحَقُّ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِفَةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ
صفحة 112
الجَلِيلُ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ و(الحَقُّ) صِفَةُ الرَّبِّ أيْ مالِكُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكُمُ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ والمُتَحَقَّقُ أُلُوهِيَّتُهُ تَحَقُّقًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ أيْ لا يُوجَدُ غَيْرُ الحَقِّ شَيْءٌ يُتَّبَعُ إلّا الضَّلالُ، فَمَن تَخَطّى الحَقَّ وهو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ في الضَّلالِ وهو عِبادَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى الِانْفِرادِ أوِ الِاشْتِراكِ لِأنَّ عِبادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَعَ الِاشْتِراكِ لا يُعْتَدُّ بِها - فَما اسْمُ اسْتِفْهامٍ و- ذا - مَوْصُولٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ اسْمًا واحِدًا قَدْ غَلَبَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (بَعْدَ الحَقِّ) عَلى ما في النَّهْرِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ و(بَعْدَ) بِمَعْنى غَيْرُ مُجازٍ والحَقُّ ما عَلِمْتَ وهو غَيْرُ الأوَّلِ ولِذا أُظْهِرَ وإطْلاقُ الحَقِّ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وكَذا إطْلاقُ الضَّلالِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى لِما أنَّ المَدارَ في العِبادَةِ الِاعْتِقادُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ والإظْهارُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ومُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ والمُرادُ بِهِ هو الأصْنامُ والمَعْنى فَماذا بَعْدَ الرَّبِّ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا الضَّلالُ أيِ الباطِلُ الضّائِعُ المُضْمَحِلُّ وإنَّما سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الضَّلالِ والضَّياعِ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ والضَّلالِ ما يَعُمُّ التَّوْحِيدَ وعِبادَةَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ويَدْخُلُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أشْهَبَ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ شَهادَةِ اللُّعّابِ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ فَقالَ: أمّا مَن أدْمَنَ فَما أرى شَهادَتَهم طائِلَةٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ فَهَذا كُلُّهُ مِنَ الضَّلالِ
﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ 32﴾ أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِن أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مُتَوَجِّهانِ في الحَقِيقَةِ إلى مَنشَأِ الصَّرْفِ وإلّا فَنَفْسُ الصَّرْفِ مِنهُ تَعالى عَلى ما هو الحَقُّ فَلا مَعْنى لِإنْكارِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى الفاعِلِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ غَرَضٍ بِهِ وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ فاعِلَ الصَّرْفِ نَفْسِهِ المُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ صَرَفُوا أنْفُسَهم وعَدَلُوا بِها عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ بِناءً عَلى أنَّ العِبادَ هُمُ الخالِقُونَ لِأفْعالِهِمْ وأمْرُ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وإنَّما لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهُ بَلَغَ مِنَ الشَّناعَةِ إلى حَيْثُ إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُصَرَّحَ بِوُقُوعِهِ مِنهم فَتَدَبَّرْ
يونس 10:33
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ كَما حَقَّتْ كَلِمَةُ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ أوْ كَما أنَّهم مُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ حُكْمُهُ ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ تَمَرَّدُوا في الكُفْرِ وخَرَجُوا إلى أقْصى حُدُودِهِ والمُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَصُّلِ إلى ذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ 33﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ بِناءً عَلى أنَّ الحُكْمَ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَحْكُومِ بِهِ وقَدْ تُفَسَّرُ الكَلِمَةُ بِالعِدَةِ بِالعَذابِ فَيَكُونُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِحَقِّيَّتِها أيْ لِأنَّهم إلخ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُحَصِّلَ الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلى أُولَئِكَ المُتَمَرِّدِينَ لِتَمَرُّدِهِمْ في كُفْرِهِمْ ولِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وهو تَكْرارٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَوْ سَلِمَ أنَّ في الآيَةِ تَكْرارًا مُطْلَقًا فَهو تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإيمانِ بِأنَّ عَذابَ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإيمانِ
يونس 10:34
﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ
صفحة 113
وبُطْلانِ الإشْراكِ ولَمْ يَعْطِفْ إيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والسُّؤالُ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ الإعادَةَ لِسُطُوعِ البَراهِينِ القائِمَةِ عَلَيْها بِمَنزِلَةِ البَدْءِ في إلْزامِهِمْ ولَمْ يُبالِ بِإنْكارِهِمْ لَها لِأنَّهم مُكابِرُونَ فِيهِ والمُكابِرُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَلا يُقالُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِجاجَ إنَّما يَتَأتّى عَلى مَنِ اعْتَرَفَ بِأنَّ مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةَ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ لِيَلْزَمَ مِن نَفْيِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ وهم غَيْرُ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ فَفي الآيَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإعادَةَ أمْرٌ مَكْشُوفٌ ظاهِرٌ بَلَغَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ فِيهِ دَعْوى أُخْرى وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مِن صَنْعَةِ الإدْماجِ كَقَوْلِ ابْنِ نُباتَةَ:
فَلا بُدَّ لِي مِن جَهَلَةٍ في وِصالِهِ فَمَن لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الحِلْمَ عِنْدَهُ
فَقَدْ ضَمَّنَ الغَزَلَ الفَخْرَ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا والفَخْرُ شِكايَةُ الإخْوانِ ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قِيلَ هو أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ أيْ قُلْ لَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو يَفْعَلُهُما لا غَيْرُهُ كائِنًا ما كانَ لا بِأنْ يَنُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهم في الجَوابِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ الجَوابِ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ إذْ لَيْسَ المَسْؤُولُ عَنْهُ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ حَتّى يَكُونَ القَوْلُ المَأْمُورُ بِهِ عَيْنَ الجَوابِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم ويَكُونُ ﷺ نائِبًا عَنْهم في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو وُجُودُ مَن يَفْعَلُ البَدْءَ والإعادَةَ مِن شُرَكائِهِمْ فالجَوابُ المَطْلُوبُ مِنهم لا غيرُ نَعَمْ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُضَمِّنَهُ مَقالَتَهُ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ وتَحَتُّمِهِ وإشْعارًا بِأنَّهم لا يَجْتَرِئُونَ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ مَخافَةَ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ لا مُكابَرَةً ولَجاجًا انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ إلَخْ هَلِ المُبْدِئُ المُعِيدُ اللَّهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ إلَخْ اللَّهُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ لا غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَكاءِ وحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ السُّؤالُ والجَوابُ وانْفِهامُ الحَصْرِ بِدَلالَةِ الفَحْوى فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: مَن يَهَبُ الأُلُوفَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ يَهَبُ الأُلُوفَ أفادا الحَصْرَ بِلا شُبْهَةٍ
وبِما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في الكَلامِ السّابِقِ في الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ الجَمْعُ وكَذا رَدُّ ما قالَهُ القُطْبُ مِن أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهَذا الكَلامُ في اللَّهِ تَعالى بَلْ هو اسْتِدْلالٌ عَلى إلَهِيَّتِهِ تَعالى وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِأنَّهُ المُبْدِئُ المُعِيدُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشُّرَكاءِ فَتَأمَّلْ، وفي إعادَةِ الجُمْلَةِ في الجَوابِ بِتَمامِها غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ الخَبَرُ كَما في الجَوابِ السّابِقِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ 34﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الشَّيْءِ يُقالُ: أفَكَهُ عَنِ الشَّيْءِ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا قَلَبَهُ عَنْهُ وصَرَفَهُ ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أفَكُوا وقَدْ يُخَصُّ كَما في القامُوسِ بِالقَلْبِ عَنِ الرَّأْيِ ولَعَلَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ أيْ كَيْفَ تُقْلَبُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ والكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
يونس 10:35
﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى ما ذُكِرَ جِيءَ بِهِ إلْزامًا غَبَّ إلْزامٍ وإفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ. وفَصَّلَهُ إيذانًا بِفَضْلِهِ واسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ كَما في سابِقِهِ
والمُرادُ هَلْ مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ بِإعْطاءِ العَقْلِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ والتَّوْفِيقِ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ بِما نَصَبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ آلَّلَهُ سُبْحانَهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟ ومِنهم مَن يُبْقِي الكَلامَ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ فِيما قَبْلُ ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّصَ طَرِيقَ الهِدايَةِ، والتَّعْمِيمُ أوْفَقُ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن كَمالِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَما لا يَخْفى ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ يَهْدِي لَهُ دُونَ غَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والكَلامُ في
صفحة 114
الأمْرِ عَلى طَرْزِ ما سَبَقَ وفِعْلُ الهِدايَةِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما بِواسِطَةٍ وهي إلى أوِ اللّامُ وقَدْ يَتَعَدّى لَهُما بِنَفْسِهِ وهو لُغَةٌ عَلى ما قِيلَ كاسْتِعْمالِهِ قاصِرًا بِمَعْنى اهْتَدى، والمُبَرِّدُ أنْكَرَ هَذا حَيْثُ قالَ: إنَّ هُدًى بِمَعْنى اهْتَدى لا يُعْرَفُ لَكِنْ لَمْ يُتابِعْهُ عَلى ذَلِكَ الحُفّاظُ كالفَرّاءِ وغَيْرِهِ وقَدْ جُمِعَ هُنا بَيْنَ صِلَتَيْهِ إلى اللّامِ تَفَنُّنًا وإشارَةً بِإلى إلى مَعْنى الِانْتِهاءِ وبِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةٌ لِلْهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ بَلْ عَلى قَصْدٍ مِنَ الفِعْلِ وجَعْلِهِ ثَمَرَةً لَهُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِها ما أُسْنِدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما تَرى وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ فالمَقْصُودُ بِهِ التَّعْمِيمُ وإنْ كانَ الفاعِلُ في الواقِعِ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ
وقِيلَ: اللّامُ هُنا لِلِاخْتِصاصِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجَوازُ اللُّزُومِ في الأوَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُقَدَّرُ فِيها عَلى طَرْزٍ واحِدٍ كالشَّخْصِ ونَحْوِهِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ أفَمَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ (أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهي قِراءَةُ يَعْقُوبَ وحَفْصٍ وأصْلُهُ يَهْتَدِي وكَسْرُ الهاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ وكُسِرَتِ الياءُ اتِّباعًا لِلْهاءِ وكانَ سِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ كَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لُغَةً إلّا الياءَ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلَيْها وهَذِهِ القِراءَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى الهاءِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ دالًّا لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وأُدْغِمَتْ فِيها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ اخْتَلَسَ فَتْحَةَ الهاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَرَكَةَ فِيها عارِضَةٌ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ عَنْ نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى ما قَبْلَها أوِ التَّحْرِيكِ بِالكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولِذا قالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً قالَ ابْنُ النَّحّاسِ: إذْ بِدُونِهِ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ وذَكَرَ القاضِي أنَّهُ لَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ وادَّعى أنَّهُ إنَّما قَرَأ بِالِاخْتِلاسِ والحَقُّ أنَّهُ قَرَأ بِهِما ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ أيْضًا وتَفْصِيلُهُ في لَطائِفِ الإشاراتِ والطَّيِّبَةِ
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَهْدِي) كَيَرْمِي وهو إمّا لازِمٌ بِمَعْنى يَهْتَدِي كَما هو أحَدُ اسْتِعْمالاتِ فِعْلِ الهِدايَةِ عَلى المُعَوَّلِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا أوْ مُتَعَدٍّ أيْ لا يُهْدى غَيْرُهُ ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِما قَبْلُ فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ نَفْيُ الهِدايَةِ لا الِاهْتِداءِ وقَدْ يُرَجَّحُ الأوَّلُ بِأنْ فِيهِ تَوافُقَ القِراءاتِ مَعْنًى وتَوافُقُها خَيْرٌ مِن تَخالُفِها وإنَّما نُفِيَ الِاهْتِداءُ مَعَ أنَّ المَفْهُومَ مِمّا سَبَقَ نَفْيُ الهِدايَةِ كَما ذُكِرَ لَمّا أنَّ نَفْيَها مُسْتَتْبِعٌ لِنَفْيِهِ غالِبًا فَإنَّ مَنِ اهْتَدى إلى الحَقِّ لا يَخْلُو عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ في الجُمْلَةِ وأدْناها كَوْنُهُ قُدْوَةً لَهُ بِأنْ يَراهُ فَيَسْلُكَ مَسْلَكَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأنا أسْألُكم أمَّنْ يَهْدِي إلى الحَقِّ إلَخْ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإلْزامُ والهَمْزَةُ عَلى هَذا مُتَأخِّرَةٌ في الِاعْتِبارِ وإنَّما قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِإظْهارِ عَراقَتِها في اقْتِضاءِ الصَّدارَةِ كَما هو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ
وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى حَقِيقَتِها والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما اخْتارَهُ مَكِّيٌّ والتَّقْدِيرُ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ مِمَّنْ لا يَهْدِي أمْ مَن لا يَهْدِي أحَقُّ وإمّا بِمَعْنى حَقِيقٍ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وهو خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ والفَصْلُ بِالخَبَرِ بَيْنَ أمْ وما عُطِفَتْ عَلَيْهِ هو الأفْصَحُ كَما قالَ السَّمِينِ، وقَدْ لا يُفْصَلُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 115
﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ و﴿أنْ يُتَّبَعَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ أوْ بِأنْ يُتَّبَعَ ﴿إلا أنْ يُهْدى﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا يَهْتَدِي أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ هِدايَتِهِ تَعالى لَهُ إلى الِاهْتِداءِ أوْ إلى هِدايَةِ الغَيْرِ وهَذا عَلى ما قالَهُ جَمْعُ حالِ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ الأوْثانِ لِأنَّ الِاهْتِداءَ الَّذِي هو قَبُولُ الهِدايَةِ وهِدايَةُ الغَيْرِ مُخْتَصّانِ بِذَوِي العِلْمِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيها وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما أنَّ المُرادَ الأوْثانُ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ جارٍ عَلى تَنْزِيلِهِمْ لَها مَنزِلَةَ ذَوِي العِلْمِ وقِيلَ: المَعْنى أمْ مَن لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيُنْقَلُ إلَيْهِ إلّا أنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ أوْ إلّا أنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُكَلَّفًا فَيَهْدِيهِ وهو مِن قَوْلِكَ: هُدِيَتِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقَدْ هُدِيَتْ إلَيْهِ وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في الأصْنامِ أوْ فِيما يَعُمُّهم ونَحْوِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذِهِ في رُؤَساءَ الضَّلالَةِ كالأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أرْبابًا مَن دُونِ اللَّهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ فِيما أرى ويُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاتِّباعِ فَإنِّهِ يَقْتَضِي العَمَلَ بِأوامِرِهِمْ والِاجْتِنابَ عَنْ نَواهِيهِمْ وهَذا لا يُعْقَلُ في الأوْثانِ إلّا بِتَكَلُّفٍ وهو وإنْ عُقِلَ في أشْرافِ شُرَكائِكم لَكِنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا إلى خَيْرٍ واتِّباعُهم في ذَلِكَ لا يَنْعى عَلى أحَدِهِمُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ تَقَوَّلُوا عَلَيْهِمْ أوامِرَ ونَواهِيَ فَنَعى عَلَيْهِمُ اتِّباعَهم لَهم في ذَلِكَ وعَبَّرَ بِالِاتِّباعِ ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعِبادَةِ بِأنْ يُقالَ: أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُعْبَدَ أمْ مَن لا يَهْدِي إلّا أنْ يُهْدى مَعَ أنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ إبْطالَ صِحَّةِ عِبادَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَهْدُونَ وأدْنى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ هِدايَةُ المَعْبُودِ لِعَبَدَتِهِ إلى ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِهِمْ مُبالَغَةً في تَفْظِيعِ حالِ عِبادَتِهِمْ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْسُنِ الِاتِّباعُ لَمْ تَحْسُنِ العِبادَةُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وإذا قَبُحَ حالُ ذاكَ فَحالُ هَذِهِ أقْبَحُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وقُرِئَ إلّا أنْ (يُهَدّى) مَجْهُولًا مُشَدَّدًا دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في الهِدايَةِ ﴿فَما لَكُمْ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ
وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَتِمُّ بِدُونِ حالٍ بَعْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فَلَعَلَّ الحالَ هُنا مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَكم مُتَّخِذِينَ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا بَلْ هو اسْتِفْهامٌ آخَرُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ أيْضًا أيْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ الَّذِي يَأْباهُ صَرِيحُ العَقْلِ ويَحْكُمُ بِبُطْلانِهِ مِنِ اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما ظَهَرَ مِن وُجُوبِ اتِّباعِ
يونس 10:36
﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ سُوءِ إدْراكِهِمْ وعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِ ما أفْحَمَهم مِنَ البَراهِينِ النَّيِّرَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ أيْ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ إلّا ظَنًّا واهِيًا مُسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ باطِلَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وقِياسِ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْلُكُوا مَسالِكَ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ فَيَفْهَمُوا مَضْمُونَها ويَقِفُوا عَلى صِحَّتِها وبَطَلانِ ما يُخالِفُها فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُطْلَقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِما يُقارِنُ القَبُولَ والِانْقِيادَ وما لا يُقارِنُهُ وبِالقَصْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهم في أثْنائِهِ اتِّباعٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ والتِفاتٌ إلَيْهِ
وتَنْكِيرُ ﴿ظَنًّا﴾ لِلنَّوْعِيَّةِ وفي تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِالأكْثَرِ الإشارَةُ إلى أنَّ مِنهم مَن قَدْ يَتَّبِعُ فَيَقِفُ
صفحة 116
عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ لَكِنْ لا يَقْبَلُهُ مُكابَرَةً وعِنادًا ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ بِأنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ مِن أنَّهُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَجاجَهم وعِنادَهم يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ أنَّ فِيهِمْ مَن عَلِمَ وكانَ مُعانِدًا ولَعَلَّ النِّيابَةَ حِينَئِذٍ عَنِ الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ هَذا البَعْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم مُدَّةَ عُمْرِهِ إلّا ظَنًّا ولا يَتْرُكُونَهُ أبَدًا فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدّاخِلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ هو الإذْعانُ والِانْقِيادُ والقَصْرُ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ وفي التَّخْصِيصِ تَلْوِيحٌ بِما سَيَكُونُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ والتَّوْبَةِ وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا لِأنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهم وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ إنَّها آلِهَةٌ وإنَّها شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا الظَّنُّ والأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ وهَذا كَما ورَدَ القَلِيلُ بِمَعْنى العَدَمِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وفي قَوْلِهِ:
قَلِيلُ التَّشَكِّي في المُصِيباتِ حافِظٌ مِنَ اليَوْمِ أعْقابَ الأحادِيثِ في غَدِ
وحَمَلَ النَّقِيضَ عَلى النَّقِيضِ حُسْنٌ وطَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَمْلُ الأكْثَرِ عَلى الجَمِيعِ بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ أيْضًا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ لِلنّاسِ وحِينَئِذٍ يَجِبُ الحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ بِلا كُلْفَةٍ ﴿إنَّ الظَّنَّ﴾ مُطْلَقًا ﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ فَكَيْفَ الظَّنُّ الفاسِدُ والمُرادُ مِنَ الحَقِّ العِلْمُ والِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ (وشَيْئًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ إغْناءٍ ما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ وفِيهِ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الِاعْتِقادِيّاتِ واجِبٌ وإنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ غَيْرُ صَحِيحٍ وإنَّما لَمْ يُؤْخَذْ عامًّا لِلْعَمَلِيّاتِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ التَّقْلِيدِ والِاكْتِفاءِ بِالظَّنِّ فِيها كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ 36﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ ويَنْدَرِجُ فِيها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ البَراهِينِ القاطِعَةِ واتِّباعِ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقُرِئَ (تَفْعَلُونَ) بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ
يونس 10:37
﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِهِمْ مِنَ القُرْآنِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ مَعَ الأدِلَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ غَبَّ المَنعِ مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَصَّهُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ (وكانَ) هُنا ناقِصَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الكامِلِينَ (وهَذا) اسْمُها (والقُرْآن) نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ (وأنْ يُفْتَرى) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيِ افْتِراءً خَبَرُ (كانَ) وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ أيْ مُفْتَرًى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في قاعِدَةِ أنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرٍ وذَلِكَ المُقَدَّرُ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ
لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ اللِّحى
وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنَّ (ما كانَ) بِمَعْنى ما صَحَّ وإنَّ في الكَلامِ لامًا مُقَدَّرَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والأصْلُ ما كانَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (وأنْ يُفْتَرى) خَبَرُ كانَ (ومِن دُونِ اللَّهِ) خَبَرٌ ثانٍ وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتُها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ صادِرًا مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ وقِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ لَكِنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَما قالَهُ في مَحَلِّ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وما ذُكِرَ في حاصِلِ المَعْنى أمْرٌ مَقْبُولٌ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ البَدْرُ
صفحة 117
الدَّمامِينِيُّ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً (وأنْ يُفْتَرى) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن (هَذا القُرْآنِ) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا لِأنَّ ما وجَدَ القُرْآنَ يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرَ نَفْيَ وُجُودِهِ وأيْضًا لا بُدَّ مِنَ المُلابَسَةِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ فَيَلْزَمُ أنْ يُبْتَنى الكَلامُ عَلى المُلابَسَةِ بَيْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ والِافْتِراءِ وفي التِزامِ كُلِّ ما تَرى وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا أراهُ مُثْبِتًا لِلْحُسْنِ أصْلًا واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُبالَغَةَ حِينَئِذٍ راجِعَةٌ إلى النَّفْيِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ: وما يَصِحُّ وما اسْتَقامَ وكانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في عُلُوِّ أمْرِهِ وإعْجازِهِ مُفْتَرًى رُبَّما يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ إذْ مُجَرَّدُ تَوْسِيطِ - كانَ - لا يُفِيدُ ذَلِكَ والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ إنَّهم فِيما رَأيْنا لَمْ يَعْتَبِرُوا المَصْدَرَ هُنا إلّا نَكِرَةً والمَشْهُورُ اتِّفاقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ أنَّ والفِعْلَ المُؤَوَّلَ بِالمَصْدَرِ مَعْرِفَةٌ ولِذَلِكَ لا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في الخاطِرِيّاتِ مِن أنَّهُ يَكُونُ نَكِرَةً وذُكِرَ أنَّهُ عَرَضَهُ عَلى أبِي عَلِيٍّ فارْتَضاهُ واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ أنْ تُخَلِّصَ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ والمُشْرِكُونَ إنَّما زَعَمُوا كَوْنَ القُرْآنِ مُفْتَرًى في الزَّمانِ الماضِي كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَكَيْفَ يَنْبَغِي كَوْنُهُ مُفْتَرًى في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ الفِعْلَ فِيها مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الزَّمانِ وقَدْ نَصَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في الفِعْلِ ابْنُ الحاحِبِ وغَيْرُهُ ونَقَلَهُ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ لِمُغْنِي اللَّبِيبِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ مَعَ أنَّهُ المُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ مُلاحَظَةِ أحَدِ الأزْمِنَةِ نَحْوَ أعْجَبَنِي قِيامُكَ أنَّ المَجازَ أبْلَغُ مِنَ الحَقِيقَةِ وقِيلَ: لَعَلَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ اسْتِقامَةُ الحَمْلِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمُؤَوَّلِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شارِحُ اللُّبابِ وغَيْرُهُ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِن أنَّ أنْ والفِعْلَ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ
قِيلَ: وقَدْ يُجابُ أيْضًا عَنْ أصْلِ الإشْكالِ بِأنَّهُ إنَّما نَفى في الماضِي إمْكانَ تَعَلُّقِ الِافْتِراءِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وكَوْنَهُ مَحَلًّا لِذَلِكَ فَيَنْتَفِي تَعَلُّقُ الِافْتِراءِ بِهِ بِالفِعْلِ مِن بابٍ أوْلى وفي ذَلِكَ سُلُوكُ طَرِيقِ البُرْهانِ فَيَكُونُ في الكَلامِ مَجازٌ أصْلِيٌّ أوْ تَبَعِيٌّ وقَدْ نَصَّ أبُو البَقاءِ عَلى جَوازِ كَوْنِ الخَبَرِ مَحْذُوفًا وأنَّ التَّقْدِيرَ وما كانَ هَذا القُرْآنُ مُمْكِنًا أنْ يُفْتَرى وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ الآيَةَ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ وهو طَلَبٌ لِلِافْتِراءِ في المُسْتَقْبَلِ وأمّا الجَوابُ عَنْ زَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ افْتَراهُ وحاشاهُ فَسَيَأْتِي عِنْدَ حِكايَةِ زَعْمِهِمْ ذَلِكَ فَلا إشْكالَ عَلى أنَّ عُمُومَ تَخْلِيصِ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما عَدا خَبَرَ كانَ المَنفِيَّةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ عَنِ اسْتِغْفارٍ سَبَقَ مِنهم لِلْمُشْرِكِينَ كَما قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وقَدْ أطالَ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في ذَيْلِ فَتاوِيهِ فَتَبَصَّرْ
﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الجِنْسُ وعَنى بِالتَّصْدِيقِ بَيانَ الصِّدْقِ وهو مُطابَقَةُ الواقِعِ وإظْهارُهُ وإضافَتُهُ إمّا لِفاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ وتَصْدِيقُ الكُتُبِ لَهُ بِأنَّ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ مُطابِقٌ لِما فِيها وهي مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وما عَداهم إنِ اعْتَرَفَ بِها وإلّا فَلا عِبْرَةَ بِهِ.
صفحة 118
وفِي جَعْلِ الإضافَةِ لِلْمَفْعُولِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الِافْتِراءِ عَنْهُ لِأنَّ ما يَثْبُتُ ويَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ غَيْرِهِ فَهو أوْلى بِالصِّدْقِ ووَجْهُ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها أنَّهُ دالٌّ عَلى نُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ الأوَّلِينَ حَسْبَما ذُكِرَ فِيها وهو مُعْجِزٌ دُونَها فَهو الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ حُجَّةً وبُرْهانًا لِغَيْرِهِ لا بِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أخْبارُ الغُيُوبِ والإضافَةُ لِلْفاعِلِ وتَصْدِيقُها لَهُ مَجِيئُها عَلى وفْقِ ما أخْبَرَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ونَصْبُ التَّصْدِيقِ عَلى العَطْفِ عَلى خَبَرِ - كانَ – أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ مُقَدَّرَةٍ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أُنْزِلَ لِتَصْدِيقِ ذَلِكَ وجَعْلُ العِلَّةِ هُنا ما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ أنْزَلَ الأُمُورَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِمَقامِ رَدِّ دَعْوى افْتِرائِهِ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُصَدِّقُ تَصْدِيقَ إلَخْ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ إلَخْ وكَذا قَرَأ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَفْصِيلُ الكِتابِ) أيْ ما كُتِبَ وأُثْبِتَ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ والعَطْفُ نَصْبًا أوْ رَفْعًا عَلى (تَصْدِيقُ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلَكِنْ أوْ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ وفُصِّلَ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ وإنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ بَيانِيًّا جَوابًا بِالسُّؤالِ عَنْ حالِ الكِتابِ والأوَّلُ أظْهَرُ والمَعْنى لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ 37﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِكانَ أوِ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ في سابِقِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقَ أوْ بِتَفْصِيلُ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بهما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكِتابِ و(لا رَيْبَ فِيهِ) اعْتِراضٌ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ أوِ الحالِ وذْيها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيهِ)
يونس 10:38
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أيْ بَلْ يَقُولُونَ وبَلِ انْتِقالِيَّةٌ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ أيْ ما كانَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ والمَعْنَيانِ عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: إنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ ومُعادِلَها مُقَدَّرٌ أيْ أتُقِرُّونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ افْتَراهُ وقِيلَ: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى الهَمْزَةِ وقِيلَ: عاطِفَةٌ بِمَعْنى الواوِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ طَوِيلَةً كانَتْ أوْ قَصِيرَةً ﴿مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ الِارْتِباطِ وجَزالَةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كانَ ذاكَ افْتِراءً مِنِّي فافْتَرُوا سُورَةً مِثْلَهُ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا واعْتِيادًا في النَّظْمِ والنَّثْرِ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِإتْيانِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إنْشاؤُهم لَهُ والتَّكَلُّمُ بِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ وإيرادُهُ مِن كَلامِ الغَيْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذُكِرَ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في العُدُولِ عَنْ قُولُوا سُورَةً مِثْلَهُ مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَأْتُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِكم أوْ مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ فُصَحاءِ العَرَبِ وبُلَغائِها كامْرِئِ القَيْسِ وزُهَيْرٍ وأضْرابِهِما بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ فَحَيْثُ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ تَمَرُّنِكم ولَمْ يُوجَدْ في كَلامِ أُولَئِكَ وهُمُ الَّذِينَ نُصِبَتْ لَهُمُ المَنابِرُ في عُكاظَ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ وبِهِمْ دارَتْ رَحا النَّظْمِ والنَّثْرِ وتَصَرَّمَتْ أيّامُهم في الإنْشاءِ والإنْشادِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بَلْ هو مِن كَلامِ خالِقِ القُوى والقَدَرِ وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ أيْ بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ
﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ والمُداراةِ الَّذِينَ
صفحة 119
تَلْجَأُونَ إلَيْهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْعُوا كَما قِيلَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الدُّعاءَ مُبْتَدَأٌ مَن غَيْرِهِ تَعالى لا مُلابَسَةَ لَهُ مَعَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِوَجْهٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ ومِن بَيانِيَّةً أيِ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ
وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ قِيلَ: التَّنْصِيصُ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنُهم في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إفادَةَ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ لَأجابَهم إلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: لا بَأْسَ بِإفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ المَذْكُورَ مِمّا يُؤَيِّدُ المَقْصُودَ وهو كَوْنُ ما أتى بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ هو مِنهُ تَعالى والإيهامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّ دُعاءَهم إيّاهُ تَعالى بِمَعْنى طَلَبِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَأْتِيَ بِما كُلِّفُوهُ مُسْتَبَدًّا بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ يُنافِي زَعْمَهُمُ السّابِقَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 38﴾ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإمْكانِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِقُدْرَتِكم عَلَيْهِ وجَوابُ ﴿إنْ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّى مَصاقِعَ العَرَبِ بِسُورَةٍ ما مِنهُ فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ وإلّا لَنُقِلَ إلَيْنا لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ وزَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا فَإنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ في الشَّخْصِ خُصُوصِيَّةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مُمْتازًا بِها عَنْ سائِرِ العَرَبِ فَأتى بِما أتى دُونَهم وقَدْ جاءَ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أنا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أنِّي مِن قُرَيْشٍ» . وأُجِيبُ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ في أقْصى الغاياتِ مِنَ الفَصاحَةِ حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّتْ قُدْرَتُهُ مَخَّضَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ وألْقى زُبْدَتَهُ عَلى لِسانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما مِن خَطِيبٍ يُقاوِمُهُ إلّا نَكَصَ مُتَفَكِّكَ الرَّجُلِ وما مِن مِصْقَعٍ يُناهِرُهُ إلّا رَجَعَ فارِغَ السِّجِلِّ إلّا أنَّ كَلامَهُ ﷺ لا يُشْبِهُ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وكَلامُ شَخْصٍ واحِدٍ مُتَشابِهٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأذْواقِ الواقِفِينَ عَلى كَلامِ البُلَغاءِ قَدِيمًا وحَدِيثًا
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ الزَّعْمَ لِما فِيهِ ظاهِرًا مِن تَسْلِيمِ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْجِزًا لا تُسْتَطاعُ مُعارَضَتُهُ وحِينَئِذٍ العَجْزُ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ يَجْعَلُهُ دائِرًا بَيْنَ كَوْنِهِ كَلامَهُ تَعالى وكَوْنِهِ كَلامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَثْبُتُ كَوْنُهُ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا بِضَمِّ امْتِيازِهِ عَلى كَلامِهِ ﷺ والزّاعِمُ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ وأيْضًا يُنافِي هَذا التَّسْلِيمُ ما تَقَدَّمَ في بَيانِ حاصِلِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ حَيْثُ عَلَّلَ بِأنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ إلَخْ ومِن هُنا قِيلَ: الأوْجَهُ في الجَوابِ أنْ يُلْتَزَمَ عَدَمُ إعْجازِ كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفْصَحَ العَرَبِ ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وأطالَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وبَعْضٌ أدْرَجَ مَسْألَةَ خَلْقِ الأفْعالِ في البَيْنِ وجَعَلَ مَدارَ الجَوابِ مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ فِيها ولَعَلَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ الإطالَةِ عِنْدَ مَنِ انْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ الغَيْنُ
يونس 10:39
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ قِيلَ: هو إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكُنْهِ أمْرِهِ والِاطِّلاعِ عَلى شَأْنِهِ الجَلِيلِ فَما عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ دِينَهم كالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ سَواءٌ كانَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو المُتَبادَرُ أمْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وصَفَ آنِفًا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ
صفحة 120
يُؤْتى بِسُورَةٍ مِثْلِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أوْ نَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ إحاطَتِهِمْ بِعِلْمِهِ لِما أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ وأصْلُ الكَلامِ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى مَعانِيهِ الوَضْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ فالتَّأْوِيلُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والإتْيانُ مَجازٌ عَنِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الأذْهانِ مُنْساقَةٌ إلَيْها بِنَفْسِها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّأْوِيلِ وُقُوعُ مَدْلُولِهِ وهو عاقِبَتُهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ فَإتْيانُهُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنْ تَبَيُّنِهِ وانْكِشافِهِ أيْ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم إلى الآنَ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهم فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ (لَمّا) الدّالَّةِ عَلى تَوَقُّعِ مَنفِيِّها بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ عَنِ التَّكْذِيبِ عِنادًا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ إلَخْ فَإنَّ الإلْزامَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ ظُهُورِ العَجْزِ ومَعْنى هَذا الإضْرابِ ذَمُّهم عَلى التَّقْلِيدِ وتَرْكُ النَّظَرِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنهُ وهو أدْخَلُ في الذَّمِّ مِنَ العِنادِ مِن وجْهٍ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْلِيدَ اعْتِرافٌ مِن صاحِبِهِ بِالقُصُورِ في الفِطْنَةِ ثُمَّ لا يُعْذَرُ فِيهِ فَلا يَرْتَضِي ذُو عَقْلٍ أنْ يُقَلِّدَ رَجُلًا مِثْلَهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ بِفِطْنَةٍ وتَجْرِبَةٍ وأمّا العِنادُ فَقَدْ يَحْمَدُهُ بَعْضُ النُّفُوسِ الأبِيَّةِ بَلْ في إشْعارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ
فَعانِدْ مَن تُطِيقُ لَهُ عِنادًا
ولا يَرِدُ أنَّ العِنادَ لَمّا كانَ بَعْدَ العِلْمِ كانَ أدْخَلَ في الذَّمِّ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ أدْخَلَ فِيهِ مِنَ التَّقْلِيدِ بَلْ مِنَ الجَهْلِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ دُونَ اقْتِرانِ التَّقْلِيدِ بِهِ وإنْ سَلِمَ فَهَذا أيْضًا أدْخَلُ مِن وجْهٍ وقَدْ جُعِلَ مَصَبُّ الإنْكارِ عَلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ والجَمْعُ عَلى كُلِّ حالٍ أدْخَلُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِواحِدٍ صَحَّ الإضْرابُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ تَحَدِّيَهم وإلْزامَهم فَإنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ الخِطابَ لِأنَّهم مُقَلِّدُونَ مُتَهافِتُونَ في الأمْرِ لا عَنْ خَبَرٍ وحِجًى وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ الوَجْهُ الأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ أمْ كَذَّبُوا وقالُوا وهو مُفْتَرًى بَعْدَ العِلْمِ بِإعْجازِهِ عِنادًا بَلْ كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ العِلْمُ بِوَجْهِ إعْجازِهِ أيْضًا فَهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ في الحالَيْنِ مَذْمُومُونَ بِهِ مَوْسُومُونَ بِرَذِيلَتَيِ التَّقْلِيدِ والعِنادِ جامِعُونَ بَيْنَهُما بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ العِلْمِ بِوَجْهِ الإعْجازِ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى امْتِدادِ هَذا التَّكْذِيبِ إلى مَجِيءِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الإخْبارِ فَإنَّ التَّأْوِيلَ أيْضًا واقِعٌ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ قَدْ زالَ فَلا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الذَّمُّ بِالتَّكْذِيبِ الأوَّلِ وإمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا وهو الواجِبُ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ وارِدًا ذَمًّا لَهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو مَنطُوقُ النَّصِّ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّهم كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَهُ أيْضًا ويَكُونُ الجِهَتانِ مَنظُورَتَيْنِ وأنَّهم مَذْمُومُونَ فِيهِما.
والحاصِلُ أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ لا مِرْيَةَ فِيهِ أنَّهُ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ لِمَكانِ الأمْرِ بَعْدَهُ. لَكِنْ لَما جُعِلَ التَّوَقُّعُ
صفحة 121
المُفادُ بِلَمّا لِعِلْمِ الإعْجازِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى حالِهِمُ الأُولى وهو التَّكْذِيبُ قَبْلَ العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَتَوَقَّعُ زَوالَهُ بِالعِلْمِ ويَكُونُ مَعْنى المُبالَغَةِ في (لَمّا) الإشْعارِ بِاسْتِغْراقِ الوَقْتِ لِلتَّكْذِيبِ إلى زَمانِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ الواقِعِ الَّذِي كَذَّبُوا فِيهِ عِنادًا وبَغْيًا
الوَجْهُ الثّانِي حَمْلُ التَّأْوِيلِ عَلى المَعْنى الثّانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ والمَعْنى بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ لِيَعْرِفُوا إعْجازَ نَظْمِهِ وقِيلَ: إتْيانُ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ وهو ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ في الأخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّهم بِالتَّسارُعِ إلى التَّكْذِيبِ مِنَ الوَجْهَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَ مَعَ الوَجْهَيْنِ عِلْمُ ما يَتَضَمَّنُهُ لَوْ يَدَبِّرُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مُنْتَظَرٌ والثّانِي لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ فِيهِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ وأتى بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ دَلِيلًا عَنْ أنَّ هَذا المُنْتَظَرَ كائِنٌ وسَيَظْهَرُ أنَّهم مُبْطِلُونَ فِيهِ أيْضًا كالأوَّلِ ولا نَظَرَ إلى أنَّهم مَذْمُومُونَ حالَتَيِ العِنادِ والتَّقْلِيدِ بَلِ المَقْصُودُ كَمالُ إظْهارِ الإلْزامِ بِأنَّهُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَعَ أمْثالِهِمْ لِلتَّهافُتِ المَذْكُورِ
الوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ذَمٌّ لِطائِفَةٍ كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا ذَمٌّ لِأُخْرى كَذَّبَتْ عَنْ شَكٍّ ولَمّا وُجِدَ فِيما بَيْنَهُمُ القِسْمانِ أُسْنِدَ الكُلُّ إلى الكُلِّ ولَيْسَ بِدْعًا في القُرْآنِ، والغَرَضُ مِنَ الإضْرابِ تَعْمِيمُ التَّكْذِيبِ وإنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى الشّاكِّ التَّوَقُّفَ لا التَّسَرُّعَ إلى التَّكْذِيبِ ومَعْنى التَّوَقُّعِ أنَّهُ سَيَزُولُ شَكُّهم فَسَيَعْلَمُ بَعْضُهم ويَبْقى بَعْضٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ التَّفْصِيلِ ناطِقَةٌ بِزَوالِ الشَّكِّ ولا خَفاءَ أنَّ الشّاكَّ يَنْتَظِرُ وكَذَلِكَ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَوَقَّعُ زَوالَ شَكِّهِمْ. انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما نَقَلْنا أوَّلًا أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ
وأوْرَدَ عَلى دَعْوى أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ أنَّها ناشِئَةٌ مِن عَدَمِ العِلْمِ وما سِيقَ لِإثْباتِها في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ الِالتِزامَ بَعْدَ التَّحَدِّي وذَلِكَ القَوْلُ قَبْلَهُ وكَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِالتَّحَدِّي الوارِدِ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَرُدُّهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ
نَعَمْ رُبَّما يُقالُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ القَوْلِ بَعْدَ العِلْمِ بِوُقُوعِ حِكايَتِهِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَعْدَ حِكايَةِ الإشارَةِ إلى مَضْمُونِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ ورَدَّهُ بِما سَمِعْتَهُ هُناكَ حَسْبَما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهم نُقِلَ عَنْهم أوَّلًا الإشارَةُ إلى نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى سَيِّدِ الصّادِقِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ حَسْبَما نُقِلَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإشارَةِ وقَدْ تَخَلَّلَ رَدُّ ما أشارُوا إلَيْهِ في البَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَلُوهُ وعَلِمُوا الحَقَّ لَكِنَّهم لَمْ يُقِرُّوا بِهِ عِنادًا وبَغْيًا فَصَرَّحُوا بِما صَرَّحُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم بَعْدَ العِلْمِ ولِتَرَقِّيهِمْ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّصْرِيحِ تَرَقّى في إلْزامِهِمْ فَإنَّ هَذا التَّحَدِّيَ أظْهَرُ في الإلْزامِ مِمّا تَقَدَّمَ كَما هو ظاهِرٌ لَكِنْ لِلْمُناقَشَةِ في هَذا مَجالٌ ويَخْطِرُ بِالبالِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ عَنْ ذَمِّهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ إلى ذَمِّهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا وأنَّ الوُقُوفَ عَلى العِلْمِ بِهِمْ مُتَوَقَّعٌ سَواءٌ كانَ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ فَما عامَّةٌ لِلْأمْرَيْنِ ويَدْخُلُ القُرْآنُ في العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ويَنْبَغِي أنَّ تُسَمّى بَلْ هَذِهِ فَصِيحَةً فَإنَّ المَعْنى فَما أجابُوا أوْ ما قَدَرُوا أنْ يَأْتُوا بَلْ كَذَّبُوا إلَخْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَعَلُوا التَّكْذِيبَ أوْ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم فِيما أتَوْا بِهِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ 39﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِ التَّكْذِيبِ ظُلْمًا
صفحة 122
وبِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ وبِدُخُولِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى عَنْهم ما حَكى في زُمْرَتِهِمْ جُرْمًا ووَعِيدًا دُخُولًا أوَّلِيًّا والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَأهْلَكْناهم فانْظُرْ إلَخْ وكَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ كانَ وقَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها فَتُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو كَيْفِيَّةٌ ويُخْلَعُ عَنْها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بِالكُلِّيَّةِ وهي هُنا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وكَذا قَوْلُ البُخارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ كَما قالَ السَّمِينُ ونُقِلَ عَنْهُ أنَّ فِعْلَ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَكانِ كَيْفَ لِأنَّهم عامَلُوها في كُلِّ مَوْضِعٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ
يونس 10:40
﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وصْفٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ التَّأْوِيلِ المُتَوَقَّعِ كَما قِيلَ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَنْوِيعُهم إلى المُؤْمِنِ بِهِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ بِهِ ضَرُورَةَ امْتِناعِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ واشْتِراكِ الكُلِّ في التَّكْذِيبِ قَبْلَ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ لِلْمُكَذِّبِينَ ومَعْنى الإيمانِ بِهِ إمّا الِاعْتِقادُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَطْ أيْ مِنهم مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ أنَّهُ حَقٌّ عِنْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ وإتْيانِ تَأْوِيلِهِ لَكِنَّهُ يُعانِدُ ويُكابِرُ وأمّا الإيمانُ الحَقِيقِيُّ أيْ مِنهم مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ لا يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ كَما لا يُصَدِّقُ بِهِ ظاهِرًا لِفَرْطِ غَباوَتِهِ المانِعَةِ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ كَما يَنْبَغِي أوْ لِسَخافَةِ عَقْلِهِ واخْتِلالِ تَمْيِيزِهِ وعَجْزِهِ عَنْ تَخْلِيصِ عُلُومِهِ عَنْ مُعارَضَةِ الظُّنُونِ والأوْهامِ الَّتِي ألَّفَها فَيَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي بَلْ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ مُعانِدًا كانَ أوْ شاكًّا ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ 40﴾ أيْ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ التَّفْسِيرِ لا بِالمُعانِدِينَ فَقَطْ لِاشْتِراكِهِما في أصْلِ الإفْسادِ المُسْتَدْعِي لِاشْتِراكِهِما في الوَعِيدِ المُرادِ مِنَ الكَلامِ أوْ بِالمُصِرِّينَ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنهُ
يونس 10:41
﴿وإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وأُوِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِقْبالُ المُفادُ بِالشَّرْطِ وأيْضًا جَوابُهُ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيَةُ إنَّما يُناسِبُ الإصْرارَ عَلى التَّكْذِيبِ واليَأْسَ مِنَ الإجابَةِ والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم كَيْفَما كانا وتَوْحِيدُ العَمَلِ المُضافِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ ولِمُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ كَما قِيلَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ 41﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ لامُ الِاخْتِصاصِ مِن عَدَمِ تَعَدِّي جَزاءِ العَمَلِ إلى غَيْرِ عامِلِهِ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم وعَلى هَذا فالآيَةُ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِآيَةِ السَّيْفِ لِما أنَّ مَدْلُولَها اخْتِصاصُ كُلٍّ بِأفْعالِهِ وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وآيَةُ السَّيْفِ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِها وكَأنَّ ذَلِكَ لَمّا فَهِمُوا مِنها الإعْراضَ وتَرْكَ التَّعَرُّضِ بِشَيْءٍ ولَعَلَّ وجْهَ تَقْدِيمِ حُكْمِ المُتَكَلِّمِ أوَّلًا وتَأْخِيرِهِ ثانِيًا والعَكْسُ في حُكْمِ المُخاطَبِينَ ظاهِرٌ مِمّا ذَكَرْناهُ في مَعْنى الآيَةِ فافْهَمْ
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ وهو احْتِجابُهم عَنْ قَبُولِ صِفاتِ الحَقِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِتَوَفُّرِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والمُراداتِ الجُسْمانِيَّةِ يَقْوى مَيْلُ النَّفْسِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَتَحْتَجِبُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ كَما أنَّهُ بِأنْواعِ البَلاءِ تَنْكَسِرُ سَوْرَةُ النَّفْسِ ويَتَلَطَّفُ القَلْبُ ويَحْصُلُ المَيْلُ إلى الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ والتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ ذَلِكَ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ بِإخْفاءِ القَهْرِ الحَقِيقِيِّ في هَذا اللُّطْفِ الصُّورِيِّ ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ في ألْواحِ المَلَكُوتِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ يُسَيِّرُ نُفُوسَكم في بَرِّ المُجاهَداتِ وقُلُوبَكم في بَحْرِ المُشاهَداتِ وقِيلَ: يُسَيِّرُ عُقُولُكم في بَرِّ الأفْعالِ وأرْواحِكم في بَحْرِ الصِّفاتِ والذّاتِ
صفحة 123
﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيْ فُلْكِ العِنايَةِ الأزَلِيَّةِ ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهي رِيحُ صَبا وِصالِهِ سُبْحانَهُ ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ لِإيذانِها بِذَلِكَ وتَعَطُّرِها بِشَذا دِيارِ الأُنْسِ ومَرابِعِ القُدْسِ:
ألا يا نَسِيمَ الرِّيحِ ما لَكَ كُلَّما تَقَرَّبْتَ مِنّا زادَ نَشْرُكَ طِيبًا
أظُنُّ سُلَيْمى خَبُرَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبًا
﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ وذَلِكَ عاصِفُ القَهْرِ وأمْواجُ صِفاتِ الجَلالِ وهَذِهِ سُنَّةٌ جارِيَةٌ في العاشِقِينَ لا يَسْتَمِرُّ لَهم حالٌ ولا يَدُومُ لَهم وِصالٌ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ:
فَبِتْنا عَلى رَغْمِ الحَسُودِ وبَيْنَنا ∗∗∗ شَرابٌ كَرِيحِ المِسْكِ شِيبَ بِهِ الخَمْرُ
فَوَسَّدْتُها كَفِّي وبِتُّ ضَجِيعَها ∗∗∗ وقُلْتُ لِلَيْلِي طُلْ فَقَدْ رَقَدَ البَدْرُ
فَلَمّا أضاءَ الصُّبْحُ فَرَّقَ بَيْنَنا ∗∗∗ وأيُّ نَعِيمٍ لا يُكَدِّرُهُ الدَّهْرُ
﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أنَّهم مِنَ الهالِكِينَ في تِلْكَ الأمْواجِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بِالتَّبَرِّي مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى قائِلِينَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشّاكِرِينَ﴾ لَكَ بِكَ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهو تَجاوُزُهم عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ بِسُكْرِهِمْ في جَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ وذَلِكَ مِثْلُ ما عَرَّ الحَلّاجَ وأضْرابِهِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ السُّكْرِ إلى الصَّحْوِ عَلى أنَّ الأمْرَ وراءَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ أنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْكم ما ادَّعَيْتُمْ لا إلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ المَوْجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ كَذا قالُوا، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في الآيَةِ (حَتّى إذا رَكِبُوا) مَراكِبَ المَعْرِفَةِ وجَرَتْ بِهِمْ رِياحُ العِنايَةِ وطابَتْ نُفُوسُهم وقُلُوبُهم بِذَلِكَ وفَرِحُوا بِتَوَجُّهِهِمْ إلى مَقْصُودِهِمْ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أفْنَتْهم عَنْ أحْوالِهِمْ وإرادَتِهمْ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ تَيَقَّنُوا أنَّهم مَأْخُوذُونَ عَنْهم ولَمْ يَبْقَ لَهم ولا عَلَيْهِمْ صِفَةٌ يَرْجِعُونَ إلَيْها وأنَّ الحَقَّ خَصَّهم مِن بَيْنِ عِبادِهِ بِأنْ سَلَبَهم عَنْهم ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حَيْثُ صَفّى سُبْحانَهُ أسْرارَهم وطَهَّرَها مِمّا سِواهُ ﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ أيْ رَدَّهم إلى أوْصافِهِمْ وأشْباحِهِمْ رَجَعُوا إلى ما عَلَيْهِ عَوّامُ الخَلْقِ مِن طَلَبِ المَعاشِ لِلنُّفُوسِ انْتَهى.
وكَأنَّهُ حَمَلَ البَغْيَ عَلى الطَّلَبِ وضَمَّنَهُ مَعْنى الِاشْتِغالِ أيْ يَطْلُبُونَ في الأرْضِ مُشْتَغِلِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وهو المَعاشُ الَّذِي بِهِ قِوامُ أبْدانِهِمْ ويُشَكِّلُ أمْرَ الوَعِيدِ المُنْبِئِ بِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ إلَخْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ وما قَبْلَهُ لِأنَّ ما يَقَعُ في السُّكْرِ لا وعِيدَ عَلَيْهِ وكَذا طَلَبُ المَعاشِ وانْظُرْ هَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الأمْرَ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ مَثَّلَ الحَياةَ في سُرْعَةِ زَوالِها وانْصِرامِ نَعِيمِها غَبَّ إقْبالِها واغْتِرارَ صاحِبِها بِها بِما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ إلَخْ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِضُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى لِمَن سَبَقَتْ شَقاوَتَهُ في الأزَلِ مِنَ الحَوَرِ بَعْدَ الكَوَرِ فَبَيْنَما تَراهُ وأحْوالُهُ حالِيَّةٌ وأعْوامُهُ عَنْ شَوائِبِ الكَدَرِ خالِيَةٌ وغُصُونُ أُنْسِهِ مُتَدَلِّيَةٌ ورِياضُ قُرْبِهِ مُونِقَةٌ قَلَبَ الدَّهْرُ لَهُ ظَهَرَ المِجَنِّ وغَزاهُ بِجُيُوشِ المِحَنِ وهَبَّتْ عَلى هاتِيكَ الرِّياضِ عاصِفاتُ القَضاءِ وضاقَتْ عَلَيْهِ فَسِيحاتُ الفَضاءِ وذَهَبَ السُّرُورُ والأُنْسُ وجُعِلَ حَصِيدًا كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ وأنْشَدَ لِسانُ حالِهِ:
قِفْ بِالدِّيارِ فَهَذِهِ آثارُهم ∗∗∗ نَبْكِي الأحِبَّةَ حَسْرَةً وتَشَوُّقًا
كَمْ قَدْ وقَفْتُ بِهُنا أُسائِلُ مُخْبِرًا ∗∗∗ عَنْ أهْلِها أوْ صادِقًا أوْ مُشْفِقًا
فَأجابَنِي داعِي الهَوى في رَسْمِها ∗∗∗ فارَقَتْ مَن تَهْوى فَعَزَّ المُلْتَقى
صفحة 124
﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ وهو العالَمُ الرُّوحانِيُّ السَّلِيمُ مِنَ الآفاتِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا شُعُوبَ فِيهِ وهو طَرِيقُ الوَحْدَةِ وقَدْ يُقالُ: يَدْعُو الجَمِيعُ إلى دارِهِ ويَهْدِي خَواصَّ العارِفِينَ إلى وِصالِهِ أوْ يَدْعُو السّالِكِينَ إلى الجَنَّةِ ويَهْدِي المَجْذُوبِينَ إلى المُشاهَدَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وهم خَواصُّ الخَواصِّ ﴿الحُسْنى﴾ وهي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ﴿وزِيادَةٌ﴾ وهي دَوامُ الرُّؤْيَةِ أوْ لِلَّذِينِ جاءُوا بِما يَحْسُنُ بِهِ حالُهم مِن خَيْرٍ قَلْبِيٍّ أوْ قالَبِيٍّ، المَثُوبَةُ الحُسْنى مِنَ الكَمالِ الَّذِي يُفاضُ عَلَيْهِمْ وزِيادَةٌ في اسْتِعْدادِ قَبُولِ الخَيْرِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ وقَدْ يُقالُ: الحُسْنى ما يَقْتَضِيهِ قُرْبُ النَّوافِلِ والزِّيادَةُ ما يَقْتَضِيهِ قُرْبُ الفَرائِضِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ أيْ لا يُصِيبُهم غُبارُ الخَجالَةِ ولا ذُلُّ الفُرْقَةِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ الَّتِي تَقْتَضِيها أفْعالُهم ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ الَّذِينَ أساءُوا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ وأشارَ إلى أنَّهُ عَكْسُ حالِ أُولَئِكَ الكِرامِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ في المَجْمَعِ الأكْبَرِ (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا مِنهُمْ) وهُمُ المَحْجُوبُونَ الواقِفُونَ مَعَ الغَيْرِ بِالمَحَبَّةِ والطّاعَةِ ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ قِفُوا جَمِيعًا وانْتَظَرُوا الحُكْمَ ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ قَطَعْنا الأسْبابَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ بَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أشْياءَ اخْتَرَعْتُمُوها في أوْهامِكُمُ الفاسِدَةِ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ لَمْ نَطْلُبْها مِنكم لا بِلِسانِ حالٍ ولا بِلِسانٍ قالَ ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ تَذُوقُ وتَخْتَبِرُ ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ في الدُّنْيا ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ المُتَوَلِّي لِجَزائِهِمْ بِالعَدْلِ والقِسْطِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنِ اخْتِراعاتِهِمْ وتَوَهُّماتِهِمُ الكاذِبَةِ وأمانِيِّهِمُ الباطِلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ما ذَكَرَ والرِّزْقُ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ العارِفِينَ هو رِزْقُ الأرْواحِ ومِنَ الأرْضِ رِزْقُ الأشْباحِ والحَيُّ عِنْدَهُمُ العارِفُ والمَيِّتُ الجاهِلُ ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ ذَمٌّ لَهم بِعَدَمِ العِلْمِ بِما يَجِبُ لِمَوْلاهم وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ ولا يَكادُ يَنْجُو مِن هَذا الذَّمِّ إلّا قَلِيلٌ ومِنهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ لا بِالفِكْرِ بَلْ قَدْ يَكادُ يَقْصُرُ العِلْمُ عَلَيْهِمْ فَإنَّ أدِلَّةَ أهْلِ الرُّسُومِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وغَيْرِهِمْ مُتَعارِضَةٌ وكَلِماتُهم مُتَجاذِبَةٌ فَلا تَكادُ تَرى دَلِيلًا سالِمًا مِن قِيلَ وقالَ ونِزاعٍ وجِدالٍ والوُقُوفُ عَلى عِلْمٍ مِن ذَلِكَ مَعَ ذَلِكَ أمْرٌ أبْعَدُ مِنَ العَيُوقِ وأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ
لَقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها ∗∗∗ وسَرَحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ
فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنَّ نادِمِ
فَمَن أرادَ النَّجاةَ فَلْيَفْعَلْ ما فَعَلَ القَوْمُ لِيَحْصُلَ لَهم أوَّلًا فَلْيَتَّبِعِ السَّلَفَ الصّالِحَ فِيما كانُوا عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم مِنَ المُتَكَلِّمِينَ الَّتِي لا تَزِيدُ طالِبَ الحَقِّ إلّا شَكًّا ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ الَّذِي هو الأُمُّ أيْ كَيْفَ يَكُونُ مُخْتَلَقًا وقَدْ أُثْبِتَ قَبْلَهُ في كِتابَيْنِ مُفَصَّلًا ومُجْمَلًا ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ذَمٌّ لَهم بِالمُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِ الحَقِّ قَبْلَ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والِاطِّلاعِ عَلى الحَقِيقَةِ وهَذِهِ عادَةُ المُنْكِرِينَ أهْلَ الحِجابِ مَعَ كَلِماتِ القَوْمِ حَيْثُ إنَّهم يُسارِعُونَ إلى إنْكارِها قَبْلَ التَّأمُّلِ فِيها وتَدَبُّرِ مَضامِينِها والوُقُوفِ عَلى الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها وكانَ الحَرِيُّ بِهِمُ التَّثَبُّتَ والتَّدَبُّرَ
صفحة 125
واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ
يونس 10:42
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ (ومَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو إمّا مَوْصُولٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ إما صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ وجُمِعَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى كَما أُفْرِدَ فِيما بَعْدُ رِعايَةً لِجانِبِ اللَّفْظِ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى كَثْرَةِ المُسْتَمِعِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ تَوَقُّفِ الِاسْتِماعِ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ الشُّرُوطِ العادِيَّةِ أوِ العَقْلِيَّةِ والمَعْنى ومِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ أوْ أُناسٌ يُصْغُونَ إلى القُرْآنِ أوْ إلى كَلامِكَ إذا عُلِمَتِ الشَّرائِعُ وتَصِلُ الألْفاظُ لِآذانِهِمْ ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها ولا يَقْبَلُونَها كالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ 42﴾ أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عَقْلِهِمْ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ إذا وصَلَ إلى صِماخِهِ دَوِيٌّ وأما إذا اجْتَمَعَ فِقْدانُ السَّمْعِ والعَقْلِ فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ وإنَّما جُعِلُوا كالصُّمِّ الَّذِينَ لا عَقْلَ لَهم مَعَ كَوْنِهِمْ عُقَلاءَ لِأنَّ عُقُولَهم قَدْ أُصِيبَتْ بِآفَةِ مُعارَضَةِ الوَهْمِ لَها وداءِ مُتابَعَةِ الإلْفِ والتَّقْلِيدِ، ومِن هُنا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ فَهْمُ مَعانِي القُرْآنِ والأحْكامِ الدَّقِيقَةِ وإدْراكُ الحِكَمِ الرَّشِيقَةِ الأنِيقَةِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَرْدِ الألْفاظِ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما تَنْتَفِعُ بِهِ البَهائِمُ مِن كَلامِ النّاعِقِ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿أفَأنْتَ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ وجَعَلَهُ العَلّامَةُ لِلتَّخْصِيصِ فَفي تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ وإيلائِهِ هَمْزَةَ الإنْكارِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَصَوَّرَ في نَفْسِهِ مِن حِرْصِهِ عَلى إيمانِ القَوْمِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإسْماعِ أوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن تَصَوَّرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ نَفى ذَلِكَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى إسْماعِ أُولَئِكَ بَلْ نَحْنُ القادِرُونَ عَلَيْهِ كَذا قِيلَ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ ولِذا اخْتِيرَ هُنا مَذْهَبُ السَّكّاكِيِّ وجُعِلَ إنْكارُ الإسْماعِ مُتَفَرِّعًا عَلى المُقَدَّمَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ المَطْوِيَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ المَقامِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ وفِيهِ اعْتِبارُ كَوْنِ الهَمْزَةِ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ
وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعِها وأُدْخِلَتِ الفاءُ لِإنْكارِ تَرَتُّبِ الأسْماعِ عَلى الِاسْتِماعِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى فِعْلِهِ المَذْكُورِ الواقِعِ صِلَةً أوْ صِفَةً لِلُزُومِ اخْتِلالِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ بَلْ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى فِعْلٍ مِثْلِهِ مَفْهُومٍ مِن فَحْوى النَّظْمِ غَيْرِ واقِعٍ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَسْمَعُهم وقَدْ يُرادُ إنْكارُ مَكانِ وُقُوعِ الإسْماعِ عَقِيبَ ذَلِكَ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وضْعُ الصُّمِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ووَصْفُهم بِعَدَمِ العَقْلِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُقابِلَةٍ لَها والكُلُّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ السّابِقِ أيْ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ عَلى مَعْنى أفَأنْتَ تُسْمِعُهم عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ ويُقالُ لِلَوْ هَذِهِ وصْلِيَّةٌ وذَلِكَ أمْرٌ مَشْهُورٌ واسْتَشْكَلَ الإتْيانُ بِها هُنا بِأنَّ الأصْلَ فِيها أنْ يَكُونَ الحُكْمُ عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ مَدْخُولِها ثابِتًا كَما أنَّهُ ثابِتٌ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ إلّا أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ أوْلى والأمْرُ هُنا بِالعَكْسِ وأُجِيبُ بِأنَّ اتِّصالَ الوَصْلِ بِالإثْباتِ جارٍ عَلى المَعْرُوفِ فَإنَّ تَقْدِيرَهُ تُسْمِعُهم ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وظاهِرٌ أنَّ إسْماعَهم مَعَ العَقْلِ بِطَرِيقِ الأوْلى والِاسْتِفْهامُ إثْباتٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَإنْ نُظِرَ إلَيْهِ فَذاكَ وإنْ نُظِرَ إلى الإنْكارِ وأنَّهُ نَفْيٌ بِحَسَبِ المَعْنى اعْتُبِرَ أنَّهُ داخِلٌ عَلى المَجْمُوعِ بَعْدَ ارْتِباطِهِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ فَتَأمَّلْ فِيهِ ولا تَغْفُلْ
يونس 10:43
﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ ويُعايِنُ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ الواضِحَةَ ولَكِنْ لا يَهْتَدِي
صفحة 126
بِها كالأعْمى ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ 43﴾ أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ هو الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ هي البَصِيرَةُ ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصِرَ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُ البَصِيرُ الأحْمَقُ فَلا يُقالُ: كَيْفَ أُثْبِتَ لَهَمُ النَّظَرُ والإبْصارُ أوَّلًا ونُفِيَ عَنْهم ثانِيًا
يونس 10:44
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُهم ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا نِيطَتْ بِهِ مَصالِحُهم وكَمالاتُهم مِن مَبادِئِ الإدْراكاتِ وأسْبابِ العُلُومِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصْبِ الأدِلَّةِ بَلْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ وكَرَمًا ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ 44﴾ أيْ يَنْقُصُونَ ما يَنْقُصُونَ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ وإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وتَرْكِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ فَشَيْئًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَظْلِمَ بِناءً عَلى أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَنْقُصُ كَما قِيلَ أوْ أنَّهُ بِمَعْناهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ كَما نَقُولُ وإنَّ النَّقْصَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ كَما يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ولَمْ يُذْكُرْ ثانِيَ مَفْعُولَيِ الثّانِي لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِكابْنِ الأثِيرِ ومَن تَبِعَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِذَلِكَ كالجُمْهُورِ ومَن تَبِعَهم ولَعَلَّ إيثارَ قَصْرِها عَلى قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في بُطْلانِ أفْعالِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ عَلى أنَّ قَصْرَ الأُولى عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ كَما قِيلَ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن قَصْرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِمْ فاكْتُفِيَ بِالقَصْرِ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ تَأْكِيدًا لِلنّاسِ والمَفْعُولُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ في قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَعَ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا بِالكُلِّيَّةِ لِمُراعاةِ جانِبِ قَرِينِهِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ نَفْيًا وإثْباتًا أما الثّانِي فَظاهِرٌ وأما الأوَّلُ فَلِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ بِحَسَبِ المَقامِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ
وقِيلَ: المَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ بِتَعْذِيبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ظُلْما مُسْتَمِرًّا فَإنَّ مُباشَرَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ لِلسَّيِّئاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْذِيبِ عَيْنُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فالظُّلْمُ عَلى مَعْناهُ المَشْهُورِ و﴿شَيْئًا﴾ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والمُضارِعُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِقْبالِ والمُثْبَتُ لِلِاسْتِمْرارِ ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأوَّلِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وعَلى الثّانِي لِلْوَعِيدِ وعَلى الوَجْهَيْنِ هي تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ وجَعَلَها عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ والأقاصِيصِ المَذْكُورَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ وإنْ كانَ مُتَّجِهًا خِلافَ الظّاهِرِ لا سِيَّما وما بَعْدَ لَيْسَ ابْتِداءٌ مَشْرُوعٌ في قِصَّةِ آخَرِينَ
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ إنْ سَلَبَها لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في خالِصِ مِلْكِهِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِإفْسادِ ذَلِكَ وصَرْفِهِ لِما لا يَلِيقُ وهي جَوابٌ لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ والظُّلْمُ فِيها عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا ولَيْسَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَبْرِيَّةُ والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ نَفْيَ ظُلْمِ النّاسِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَوادٌ حَكِيمٌ يُفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ اسْتِعْدادِها الأزَلِيِّ الثّابِتِ في العِلْمِ فَما مِن كَمالٍ أوْ نَقْصٍ في العَبْدِ إلّا هو كَمالُهُ أوْ نَقْصُهُ الَّذِي اقْتَضاهُ
صفحة 127
اسْتِعْدادُهُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ وأنَّ إثْباتَ ظُلْمِ النّاسِ لِأنْفُسِهِمْ بِاعْتِبارِ اقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِمّا اسْتَحَقُّوا بِهِ التَّعْذِيبَ
وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ غَيْرُ مَجْعُولٍ ضَرُورَةُ أنَّ الجَعْلَ مَسْبُوقٌ بِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ المَسْبُوقِ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ المَسْبُوقِ بِتَعَلُّقِ العِلْمِ والِاسْتِعْدادُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ العِلْمُ إلّا وهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ بَلْ بِسائِرِ الأشْياءِ أيْضًا لِأنَّ التَّعَلُّقَ بِالمَعْلُومِ مِن ضَرُورِيّاتِ العِلْمِ والتَّعَلُّقُ بِما لا ثُبُوتَ لَهُ أصْلًا مِمّا لا يُعْقَلُ ضَرُورَةَ أنَّهُ نِسْبَةٌ وهي لا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ ثُبُوتِ الطَّرَفَيْنِ ولا يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ اسْتِغْناءُ المَوْجُوداتِ عَنِ المُؤَثِّرِ لِأنّا نَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ اسْتِغْناءَها عَنْ ذَلِكَ نَظَرًا إلى الوُجُودِ العِلْمِيِّ القَدِيمِ فالأمْرُ كَذَلِكَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وإنْ كانَ المُرادُ اسْتِغْناءَها عَنْ ذَلِكَ نَظَرًا إلى وُجُودِها الخارِجِيِّ الحادِثِ فَلا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ وتَحْقِيقَ ذَلِكَ بِما لِهِ وما عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفي الآيَةِ عَلى هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَوْنَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ كَما وصَفُوا إنَّما نَشَأ عَنِ اقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ لَهُ ولِذَلِكَ ذَمُّوا بِهِ لا عَنْ مَحْضِ تَقْدِيرِهِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهم طَلَبٌ لَهُ بِاسْتِعْدادِهِمْ ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ التَّصَرُّفِ عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ لَوْ كانَ ظُلْمًا مِن بابِ المَجازِ وتَنْزِيلِ المُقْتَضى مَنزِلَةَ المِلْكِ وإلّا فَحَقِيقَةُ الظُّلْمِ مِمّا لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى تَصَرُّفٍ مِن تَصَرُّفاتِهِ تَعالى كَيْفَ كانَ إذْ لا مِلْكَ حَقِيقَةً لِأحَدٍ سِواهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ووُضِعَ الظّاهِرُ في الجُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ (لَكِنْ) ورَفْعِ النّاسِ
يونس 10:45
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ بِالياءِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ عَلى عاصِمٍ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ و(يَوْمَ) عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيِ اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَجْمَعُهم لِمَوْقِفِ الحِسابِ ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم أُناسٌ لَمْ يَلْبَسُوا إلّا ﴿ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (نَحْشُرُهُمْ) أيْ نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ ظاهِرَهُ عَلى ما قِيلَ وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ المِفْتاحِ أنَّ التَّشْبِيهَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ مَعانٍ أُخَرُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فالمُرادُ إما التَّأسُّفُ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِأعْمارِهِمْ أوْ تَمَنِّي أنْ يَطُولَ مُكْثُهم قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى لا يُشاهِدُوا ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ فَمَآلُ الجُمْلَةِ في الآخِرَةِ نَحْشُرُهم مُتَأسِّفِينَ أوْ مُتَمَنِّينَ طُولَ مُكْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (نَحْشُرُهُمْ) مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا يَسِيرًا فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهْرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةٍ الهَيْئَةِ وسُوءِ الحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم والظّاهِرُ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لِإبْقاءِ التَّشْبِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى وأيًّا ما كانَ فَفائِدَةُ التَّشْبِيهِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ والعَجَبُ مِمَّنْ لَمْ يَرَها فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ (كَأنَّ) لِلظَّنِّ وادَّعى البَعْضُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ اللُّبْثُ في البَرْزَخِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وإظْهارِ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بَيانِ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ ولَعَلَّ مَآلَ الحالِ عَلى هَذا ويَوْمَ نَحْشُرُهم عَلى صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ غَيْرَ مُتَغَيِّرِينَ وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والعائِدُ كَذَلِكَ أيْ
صفحة 128
حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ والأوَّلَ بِأنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِ المُضافِ وهو المَوْصُوفُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمٌ مُعَيَّنٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ يَوْمَ حَشْرِهِ أوْ يَوْمَ حَشْرِنا فَيَكُونُ المَوْصُوفُ مَعْرِفَةً والجُمَلُ نَكِراتٍ ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ المَنعَ مِن جَوازِ حَذْفِ مِثْلَ ذَلِكَ الرّابِطِ في حَيِّزِ المَنعِ وبِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ قَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى مَعْرِفَةٍ فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْها مَعْرِفَةً وقَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى نَكِرَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَكِرَةً ولَعَلَّ أبا عَلِيٍّ يَتَكَلَّفُ لِاعْتِبارِ حَلِّها إلى نَكِرَةٍ ويَكُونُ المَوْصُوفُ هُنا نَكِرَةً عِنْدَهُ فَيَرْتَفِعُ مَحْذُورُ نَعْتِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ إنَّما يَدْفَعُ البَطَلانَ لا غَيْرُ فالحَقُّ تَرْجِيحُ الحالِيَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وأنْ يَكُونَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ التَّشْبِيهِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْها كَما قِيلَ وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ طالَ العَهْدُ لَمْ يَبْقَ التَّعارُفُ لَأنَّ طُولَ العَهْدِ مُنْسٍ مُفْضٍ إلى التَّناكُرِ لَكِنَّ التَّعارُفَ باقٍ فَطُولَ العَهْدِ مُنْتَفٍ وهو مَعْنى ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ
وزَعَمَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مُقَدَّرَةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ كَوْنِها مُقَدَّرَةً لِأنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ تَأخُّرِ التَّعارُفِ عَنِ الحَشْرِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ لِيُحْتاجَ إلَيْهِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ التَّعارُفَ بَيْنَهم يَكُونُ أوَّلَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ لِشِدَّةِ الأهْوالِ المُذْهِلَةِ واعْتِراءِ الأحْوالِ المُعْضِلَةِ المُغَيِّرَةِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ المُبَدِّلَةِ لَها مِن حالٍ إلى حالٍ وعِنْدِي أنْ لا قَطْعَ بِالِانْقِطاعِ فالمَواقِفُ مُخْتَلِفَةٌ والأحْوالُ مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ يَتَعارَفُونَ بَعْدَ التَّناكُرِ في مَوْقِفٍ دُونَ مَوْقِفٍ وحالٍ دُونَ حالٍ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهُمُ المُنافاةَ بَيْنَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ مِن عَدَمِ التَّعارُفِ لَوْلا اعْتِبارُ الزَّمانَيْنِ
وقِيلَ: لا مُنافاةَ بِناءً عَلى أنَّ المُثْبَتَ تَعارُفُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ والمَنفِيَّ تَعارُفُ تَواصُلٍ وشَفَقَةٍ ولِمانِعٍ أنْ يَمْنَعَ دَلالَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ عَلى نَفْيِ التَّعارُفِ وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُ نَفْعِ الأنْسابِ وسُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا والتَّعارُفُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ لا يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ فِيها: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ ثُمَّ إنَّ حَمْلَ التَّعارُفِ عَلى مَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّعْرِيفُ أيْ يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ وفِيهِ ما فِيهِ
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ السّابِقُ مُتَعَلِّقًا بِيَتَعارَفُونَ قِيلَ فَيُعْطَفُ عَلى ما سَبَقَ ولا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلشَّهادَةِ مِنهُ تَعالى عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهُ وهي خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيَّةٌ مَعْنًى وقِيلَ: مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ حالًا أيْضًا لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها أجْنَبِيٌّ والِاسْتِئْنافُ أظْهَرُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ إضْمارٍ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعُلِّيَّتِهِ لِما أصابَهم والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقُ الحِسابِ والجَزاءِ وبِالخُسْرانِ الوَضِيعَةُ أيْ قَدْ وُضِعُوا في تِجارَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ واشْتِرائِهِمُ الكُفْرَ بِالإيمانِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ سُوءُ اللِّقاءِ وبِالثّانِي الهَلاكُ والضَّلالُ أيْ قَدْ ضَلُّوا وهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ 45﴾ أيْ لِطُرُقِ التِّجارَةِ عارِفِينَ بِأحْوالِها وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ إلَخْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ عَلى أنَّها كالتَّأْكِيدِ لَها
يونس 10:46
﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾
صفحة 129
أصْلُهُ إنْ نُرِيَنَّكَ و(ما) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ ومِن ثَمَّتْ أكَّدَ الفِعْلَ بِالنُّونِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ بِعَيْنِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ بِأنْ نُعَذِّبَهم في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ والمَعْنى إنَّ عَذابَهم في الآخِرَةِ مُقَرَّرٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا وقِيلَ: هو جَوابُ (نَتَوَفَّيَنَّكَ) كَأنَّهُ قِيلَ: إما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ فَذاكَ المُرادُ أوِ المُتَمَنّى أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وقالَ الطِّيبِيُّ: أيْ فَذاكَ حَقٌّ وصَوابٌ أوْ واقِعٌ أوْ ثابِتٌ واخْتارَ الأوَّلَ أبُو حَيّانَ والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ الرُّجُوعَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الإراءَةِ فَيُحْتاجُ إلى التِزامِ كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ اتِّفاقِيَّةَ ناشِئٍ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المَعْنى المُرادِ والمُرادُ مِن ﴿نَعِدُهُمْ﴾ وعَدْناهم إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ أيْ نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ غَبَّ إنْذارٍ
وفِي تَخْصِيصِ البَعْضِ بِالذِّكْرِ قِيلَ رَمْزٌ إلى أنَّ العِدَةَ بِإراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ وقَدْ أراهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ 46﴾ مِنَ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم والمُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ لازِمُها مَجازًا وهو المُعاقَبَةُ والجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ اللَّهُ تَعالى مُعاقِبٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنها إقامَتُها وأداؤُها بِإنْطاقِ الجَوارِحِ وإلّا فَشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى كَوْنِهِ رَقِيبًا وحافِظًا أمْرٌ دائِمٌ في الدّارَيْنِ و(ثُمَّ) لا تُناسِبُ ذاكَ والظّاهِرُ أنَّها عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى ظاهِرِها وفي الكَشْفِ وغَيْرِهِ هي عَلى الأوَّلِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وعَلى الثّانِي عَلى الظّاهِرِ وظاهِرَ كَلامِ البَعْضِ اسْتِحْسانُ حَمْلِها عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ مُطْلَقًا ولا أرى لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ بَعْدَ ذَلِكَ الِارْتِكابِ داعِيًا وأنَّ العَطْفَ بِها عَلى الجَزاءِ لا عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى ذاكَ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ التَّعْذِيبِ مِنهُ أوْ إراءَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى المَعْطُوفُ بِثُمَّ بَعْدَهُ ومُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ولَعَلَّ ما اعْتَبَرُوهُ هُناكَ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلرُّجُوعِ بَلْ هو بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ التَّهْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ثَمَّ) بِالفَتْحِ أيْ هُنالِكَ
يونس 10:47
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿رَسُولٌ﴾ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَشْهَدَ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وحَكَمَ بِنَجاةِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 47﴾ أصْلًا والجُمْلَةُ قِيلَ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُؤَكِّدَةٌ لَهُ
وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسْتَمِرًّا عَدَمُ ظُلْمِهِمْ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أوْ لِكُلِّ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ فَإذا جاءَ رَسُولُهم فَبَلَّغَهم ودَعاهم فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم أيْ بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها بِالعَدْلِ وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكَذِّبِينَ والأوَّلُ مِمّا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ والِاسْتِقْبالُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِثْلَ ما احْتِيجَ في التَّفْسِيرِ الثّانِي وقَدْ رُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعالى
يونس 10:48
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 48﴾ بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالوَعْدِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ المَوْعُودُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ واسْتَشْكَلَ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلْ أُمَّةً مِنَ
صفحة 130
الأُمَمِ قَطُّ بَلْ بَعَثَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهم رَسُولًا بِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لَيْسَ فِيهِمْ رَسُولٌ كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ وأُجِيبُ بِأنَّ عُمُومَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حاضِرًا مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم لِأنَّ تَقَدُّمَهُ عَلى بَعْضٍ مِنهم لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلى ذَلِكَ البَعْضِ كَما لا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْنا إلى آخِرِ الأبَدِ غايَةُ ما في البابِ أنَّ ما وقَعَ مِن تَخْلِيطِ القَوْمِ في زَمَنِ الفَتْرَةِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إلى ضَعْفِ أثَرِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ انْتَهى وهو كَما تَرى. وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ كُلُّ جَماعَةٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَكْلِيفَها حَسْبَما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ أوْ أرادَ سُبْحانَهُ تَنْفِيذَ كَلِمَتِهِ فِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَصَّصاتِ الَّتِي لا يَلْغُو مَعَها الحُكْمُ لا كُلُّ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا فَلا إشْكالَ أصْلًا فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُكَذِّبِينَ اسْتِعْجالٌ لِما وُعِدُوا بِهِ وغَرَضُهم مِنهُ عَلى ما قِيلَ اسْتِبْعادُ المَوْعُودِ وأنَّهُ مِمّا لا يَكُونُ وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ الِاسْتِبْعادُ ابْتِداءً إذِ المَقامُ يَقْتَضِيهِ ولا مانِعَ عَنْهُ والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ ابْتِداءً بِأيْنَ وأنّى ونَحْوِهِما دُونَ مَتى غَيَّرَ مُسْلِمٌ كَيْفَ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ والمَجازُ لا حَجْرَ فِيهِ والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةَ لِذَلِكَ وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ يَأْتِينا فَلْيَأْتِنا عَجَلَةً
يونس 10:49
ولِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الواسِطَةَ في إتْيانِ ذَلِكَ ومِنهُ نَشَأ الوَعْدُ دُونَ المُؤْمِنِينَ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وتَقْدِيمُ الضَّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِلتَّعْمِيمِ إظْهارًا لِكَمالِ العَجْزِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالضَّرِّ والأوَّلُ أوْلى وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ فَلِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ والمَقامُ مَقامُهُ والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُؤُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا فَكَيْفَ أمْلِكُ شُؤُونِكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ حَسْبَما تُرِيدُونَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمْعٍ أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أمْلِكَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبْرِئِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والمُعْتَزِلَةُ قالُوا بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِأفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَراحِلَ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهم نَعَمِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ مَن يَرى رَأْيَ السَّلَفِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أصْلًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً لَكِنَّها غَيْرُ مُؤْثِرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَشَأْ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ وقالَ: المَعْنى لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أقْدِرَ عَلَيْهِ مِنهُما فَإنِّي أقْدِرُ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المِلْكُ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وإذا أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ تَعَيَّنَ الِانْقِطاعُ ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ الِاتِّصالُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ حَيْثُ أمْكَنَ مِن دُونِ تَعَسُّفٍ وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المَفْعُولِ إلّا أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ لَيْسَ المَعْنى عَلى إخْراجِ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذا جُعِلَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنَّهُ كائِنٌ دُونَ أمْلِكُهُ مَثَلًا فَلا تَدافُعَ في كَلامِ مَن حَكَمَ بِالِانْقِطاعِ وقالَ
صفحة 131
فِي بَيانِ المَعْنى أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى النَّفْعِ والضَّرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ المُقْتَضِي لِلِاتِّصالِ لِأنَّ المَدارَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ في الأمْرَيْنِ عَلى الإخْراجِ مِنَ الحُكْمِ وعَدَمِهِ
ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ زَعْمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن فاعِلِ ﴿لا أمْلِكُ﴾ وجَعْلُ المَعْنى لا أمْلِكُ أنا ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ ما يَشاءُ يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ ﴿أجَلٌ﴾ لِعَذابِهِمْ يَحِلُّ بِهِمْ عِنْدَ حُلُولِهِ لا يَتَعَدّى إلى أُمَّةٍ أُخْرى ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ أجَلُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ كَمالِ التَّعْيِينِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكُلِّ أُمَّةٍ ووَجْهُ إظْهارِ الأجَلِ مُضافًا لِذَلِكَ بِأنَّهُ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِعَيْنِها مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِإضافَتِهِ عُمُوما يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَتْهم آجالُهم بِالجَمْعِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ بِأنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها ويُفَسَّرُ الأجَلُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ والمَجِيءُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وبِما امْتَدَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ فَمَجِيئُهُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضائِهِ إذْ هُناكَ يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهُ بِتَمامِهِ أيْ إذا تَمَّ وانْقَضى أجَلُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ 49﴾ عَلَيْهِ والِاسْتِفْعالُ عِنْدَ جَمْعٍ عَلى أصْلِهِ ونَفْيُ طَلَبِ التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ أبْلَغُ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بِمَعْنى التَّفَعُّلِ أيْ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ إما مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ ومَنَعُوا عَطْفَها عَلى (لا يَسْتَأْخِرُونَ) لِئَلّا يَرِدُ أنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ التَّقَدُّمَ بَعْدَ مَجِيءِ الأجَلِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ وأجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ والفائِدَةُ عِنْدَهُ في ذَلِكَ المُبالَغَةُ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ لِأنَّهُ لَما نُظِمَ في سِلْكِهِ أشْعَرَ بِأنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى مَرْتَبَتِهِ فَهو مُسْتَحِيلٌ مِثْلُهُ لِلتَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وإنْ أمْكَنَ في نَفْسِهِ قِيلَ: وهَذا هو السِّرُّ في إيرادِ صِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ أيْ أنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى أنَّهُ لا يَطْلُبُ إذِ المُحالُ لا يُطْلَبُ ودَفَعَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ ﴿جاءَ﴾ بِمَعْنى قارَبَ المَجِيءَ نَحْوَ قَوْلِكَ: إذا جاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لَهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِالقُرْبِ والدُّنُوِّ مَزِيدُ فائِدَةٍ وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابٍ آخَرَ وهو أنْ لا يَتَأخَّرَ ولا يَتَقَدَّمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ وأجَلٌ مَضْرُوبٌ لا يَتَعَدّاهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ كَقَوْلِ الحَماسِيِّ:
وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَقَدِّمٌ عَنْهُ ولا مُتَأخِّرُ
فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المَرْزُوقِيُّ حَبَسَنِي الهَوى في مَوْضِعٍ تَسْتَقِرِّينَ فِيهِ فَألْزَمُهُ ولا أُفارِقُهُ وأنا مَعَكِ مُقِيمَةً وظاعِنَةً لا أعْدِلُ عَنْكَ ولا أمِيلُ إلى سِواكِ ووَجْهُ تَقْدِيمِ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ عَلى بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ قَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ الأعْرافِ مَعَ بَسْطِ كَلامِ فِيها ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الجَوابِ ولَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِها فِيهِ. قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: إنَّ الجَوابَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ﴾ إلَخْ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهم ما أرادُوا بِالسُّؤالِ إلّا اسْتِبْعادَ أنَّ المَوْعُودَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الوَقْتِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً فَقِيلَ في الجَوابِ هَذا التَّهَكُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا ادَّعَيْتُ بِأنِّي أنا الجالِبُ لِذَلِكَ المَوْعُودِ: إذا كُنْتُ مُقِرًّا بِأنِّي مِثْلُكم في أنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا كَيْفَ أدَّعِي ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؟ ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ الصَّحِيحِ ولَمْ يَلْتَفِتْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَهَكُّمِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشّافِ إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ
صفحة 132
عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَدٌّ مَحْدُودٌ مِنَ الزَّمانِ إذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَكم لا مَحالَةَ فَلا تَسْتَعْجِلُوا ومِن هُنا يُعْلَمُ سِرُّ إسْقاطِ الفاءِ مِن ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ وزِيادَتِها في ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَلى عَكْسِ آيَةِ الأعْرافِ حَيْثُ أُتِيَ بِها أوَّلًا ولَمْ يُؤْتَ بِها ثانِيًا وذَلِكَ أنَّهُ لَما سِيقَتِ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ المَوْعُودَ حَسْبَما عَلِمْتَ آنِفًا اعْتُنِيَ بِأمْرِ الشَّرْطِيَّةِ ولُزُومِها كَمالَ الِاعْتِناءِ فَأْتِيَ بِها غَيْرَ مُتَفَرِّعَةٍ عَلى شَيْءٍ كَأنَّها مِنَ الأُمُورِ الثّابِتَةِ في نَفْسِها الغَيْرِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى غَيْرِها وقَوّى لُزُومَ التّالِي فِيها لِلْمُقَدَّمِ بِزِيادَةِ الفاءِ الَّتِي بِها يُؤْتى لِلرَّبْطِ في أمْثالِ ذَلِكَ ولا كَذَلِكَ آيَةُ الأعْرافِ كَما لا يَخْفى إلّا عَلى الأنْعامِ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِنَ الأنْفالِ ولا يَأْباهُ ما مَرَّ في تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ كَما هو ظاهِرٌ لَدى ذَوِي الأفْهامِ وكَذا لا يَأْباهُ ما قِيلَ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن أنَّها بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الِاسْتِثْناءِ وتَقْيِيدُ لَمّا في القَضاءِ السّابِقِ مِنَ الإطْلاقِ المُشْعِرِ بِكَوْنِ المَقْضِيِّ بِهِ أمْرًا مُنْجَزًا غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَجِيءِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِ الأُمَّةِ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ ما فِيهِ نْكارُ المَدْخَلِيَّةِ في الجَوابِ ولَعَلَّ الغَرَضَ يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّغايُرِ بَيْنَ مَساقَيِ الآيَتَيْنِ بِهِ أيْضًا وقَدْ يُقالُ: إنَّ إسْقاطَ الفاءِ أوَّلًا لِتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لِأجَلٍ - تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجْلٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ إذا جاءَ لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولا يَسْتَقْدِمُونَ عْلَيْهِ البَتَّةَ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مِثْلَ ما مَرَّ آنِفًا ولَيْسَ بِذاكَ ومِمّا تَضْحَكُ مِنهُ المَوْتى ما قالَهُ بَعْضُ العِظامِيِّينَ بَعْدَ أنْ كادَ يُقْضى عَلَيْهِ فِكْرًا مِن أنَّ السِّرَّ في اخْتِلافِ الآيَتَيْنِ الإشارَةُ مِنهُ تَعالى إلى جَوازِ الأمْرَيْنِ عَرَبِيَّةً ولَمْ يَعْلَمْ عافاهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَنْزِلْ مُعَلِّما لِلْعَرَبِيَّةِ مُبَيِّنًا لِقَواعِدِها وشارِحًا لِما يَجُوزُ فِيها وما لا يَجُوزُ بَلْ نَزَلَ مُعْجِزًا بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأسْرارِ أقْوامًا كُلٌّ مِنهم في ذَلِكَ الشَّأْنِ -الجُذَيْلُ المُحَكَّكُ والعُذَيْقُ المُرَجَّبُ
وذَكَرَ بَعْضُ مَن أحْيا مَيِّتَ الفَضْلِ عِلْمُهُ وصَفا عَنْ تَخْلِيطِ أبْناءِ العَصْرِ فَهْمُهُ صَفاءُ الدِّينِ عِيسى البَنْدَنِيجِيُّ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآيَةِ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرْحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَما عَسى يَضِيقُ بِهِ بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ولِتَلْقِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَدَّ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ فَناسَبَ قَطْعَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى لِيَسْتَقِلَّ كُلٌّ مِنهُما في إفادَةِ التَّثْبِيتِ والرَّدِّ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فِيها ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في صَدْرِ الشَّرْطِيَّةِ وجِيءَ بِها في الجَوابِ زِيادَةً في ذَلِكَ لِإفادَتِها تَحَقُّقِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما يَقْتَضِيهِ بِلا مُهْلَةٍ وآيَةُ الأعْرافِ سِيقَتْ وعِيدًا لِأهْلِ مَكَّةَ ومِنَ البَيْنِ أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في إشْعارِ أنَّهُ وعِيدٌ وأنَّ ما هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لِأنَّها النَّصُّ في نُزُولِ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ وأنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ دُونَ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَقَطْ فَكانَ المَقامُ مَقامَ رَبْطٍ ووَصْلٍ فَجِيءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ وتُؤْذِنَ بِاتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في كَوْنِهِما وعِيدًا ولِمُسامَحَتِهِ سُبْحانَهُ في الوَعِيدِ لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في الجَوابِ انْتَهى.
ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَنْهُ مِن وجْهٍ وإنْ خالَفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ
يونس 10:50
﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَما بَيَّنْتُ لَهم كَيْفِيَّةَ حالِكَ وجَرَيانَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ ونَبَّهْتُهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ولَعَلَّ اسْتِعْمالَ ﴿إنْ﴾ مِن بابِ المُجاراةِ ﴿بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ أوْ ﴿نَهارًا﴾ أيْ عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكم وإنَّما لَمْ يَقُلْ لَيْلًا ونَهارًا لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ لِأنَّ المُرادَ الإشْعارُ بِالنَّوْمِ والغَفْلَةِ والبَياتُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ العَدُوُّ ويُوقَعُ فِيهِ ويَغْتَنِمُ فُرْصَةَ
صفحة 133
غَفْلَتِهِ ولَيْسَ في مَفْهُومِ اللَّيْلِ هَذا المَعْنى ولَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ النَّهارِ بِالِاشْتِغالِ بِالمَصالِحِ والمَعاشِ حَتّى يَحْسُنَ الِاكْتِفاءُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كَما في النَّهارِ وقَدْ يُقالُ: النَّهارُ كُلُّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ لِأنَّهُ إمّا زَمانُ اشْتِغالٍ بِمَعاشٍ أوْ زَمانُ قَيْلُولَةٍ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ مَحَلَّ الغَفْلَةِ فِيهِ ما قارَبَ وسَطَهُ وهو وقْتُ البَياتِ فَلِذا خُصَّ بِالذِّكْرِ والبَياتُ جاءَ بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ وبِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والمَعْنى المُرادُ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى هَذا ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ 50﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ يُوجِبُ الِاسْتِعْجالَ لَمّا أنَّ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِلنِّفارِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ والتَّنْكِيرُ في شَيْءٍ لِلْفَرْدِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ وهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيْ هَوْلٌ شَدِيدٌ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ فَمِن بَيانِيَّةٌ وتَجْرِيدِيَّةٌ بِناءً عَلى عَدِّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها مِنها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ فالمَعْنى عَلى الثّانِي ولَكِنْ تَزُولُ فائِدَةُ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ وما فِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ
وما قِيلَ: إنَّهُ أبْلَغُ عَلى مَعْنى هَلْ تَعْرِفُونَ ما العَذابُ المُعَذِّبُ بِهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ (1) فَهو مُشْتَرَكٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابُهُ﴾ و﴿ماذا﴾ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ مَنصُوبُ المَحَلِّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُبْتَدَأً ومَن فَعَلَ قَدَّرَ العائِدَ ومَن قالَ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿مِنهُ﴾ هو الرّابِطُ مَعَ تَفْسِيرِهِ بِالعَذابِ جَنَحَ إلى أنَّ المُسْتَعْجَلَ مِنَ العَذابِ فَهو شامِلٌ لِلْمُبْتَدَأِ فَيَقُومُ مَقامَ رابِطِهِ لِأنَّ عُمُومَ الخَبَرِ في الِاسْمِ الظّاهِرِ يَكُونُ رابِطًا عَلى المَشْهُورِ فَفي الضَّمِيرِ أوْلى وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُبْتَدَأِ وهو الرّابِطُ وجَعَلَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخَذْتُ مِنهُ دِرْهَمًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ المُجْرِمُونَ المُخاطَبُونَ وعُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ إظْهارُهُ تَحْقِيرَهم وذَمَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ الفَظِيعَةِ والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرَأيْتُمْ عَلى أنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وعُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى أخْبِرُونِي لِما بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والإخْبارِ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَهو مَجازٌ فِيما ذُكِرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في الأمْرِ العَجِيبِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ أتاكم عَذابُهُ في أحَدِ ذِينِكَ الوَقْتَيْنِ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ أوْ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ
وزَعَمَ أبُو حَيّانَ تَعَيُّنَ الأخِيرِ لِأنَّ الجَوابَ إنَّما يُقَدَّرُ مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا ولَمْ يَدْرِ أنَّ تَقْدِيرَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِ المَذْكُورِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ ولَئِنْ سَلَّمَ صِحَّةَ الحَصْرِ الَّذِي ادَّعاهُ فَما ذَكَرَ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ﴿أرَأيْتُمْ﴾ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ﴾ إلَخْ تَنْدِيمُهم أوْ تَجْهِيلُهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ
وفِي الكَشْفِ تَقْرِيرًا لِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ أنَّ ﴿ماذا﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والشَّرْطُ مَعَ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِخْبارِ ولِهَذا وسُطَ بَيْنَهُما ولَمّا كانَ في الِاسْتِفْهامِ تَجْهِيلٌ وتَنْدِيمٌ قُدِّرَ الجَوابُ تَنْدَمُوا أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ ولا مانِعَ مِن تَقْدِيرِهِما مَعًا أوْ ما يُفِيدُ المَعْنَيَيْنِ ولِهَذا حُذِفَ الجَوابُ ووُسِّطَ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ انْتَهى
وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي والمَجْمُوعُ بِتَمامِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأرَأيْتُمْ ورُدَّ بِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو ولا تُحْذَفُ إلّا ضَرُورَةً وقَدْ صُرِّحَ في المُفَصَّلِ بِأنَّ الجُمْلَةَ إذا كانَتْ إنْشائِيَّةً لا بُدَّ مِنَ الفاءِ مَعَها والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ حَقِيقَتُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإنْشائِيَّةِ والمِثالُ مَصْنُوعٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ
صفحة 134
وأُجِيبُ بِأنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ جَوابًا بِدُونِ الفاءِ ثابِتٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ ولَوْ سَلِمَ ما ذُكِرَ فَيُقَدَّرُ القَوْلُ وحَذْفُهُ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ بِلا خِلافٍ وأوْرَدَ أيْضًا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ قَبْلَ إتْيانِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وجَزاءً لَهُ وأُجِيبُ بِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ حالٍ ماضِيَةٍ أيْ ماذا كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّصْرِيحِ - بِكُنْتُمْ - فِيما بَعْدُ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جَوابًا لِأنَّ الِاسْتِعْجالَ الماضِيَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى إتْيانِ العَذابِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ نَحْوَ تَعْلَمُوا أيْ تَعْلَمُوا ماذا إلَخْ وقِيلَ: إنْ أتاكم بِمَعْنى إنْ قارَبَ إتْيانُهُ إيّاكم أوِ المُرادُ إنْ أتاكم أماراتُ عَذابِهِ وقِيلَ: حَيْثُ إنَّ المُرادَ إنْكارُ الِاسْتِعْجالِ بِمَعْنى نَفْيِهِ رَأْسًا صَحَّ كَوْنُهُ جَوابًا واعْتُرِضَ عَلى جَعْلِ مَجْمُوعِ الشُّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقًا (بِأرَأيْتُمْ)بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهو مُتَعَدٍّ بِعْنَ ولا تَدْخُلُ الجُمْلَةُ إلّا أنَّها إذا اقْتَرَنَتْ بِالِاسْتِفْهامِ وقُلْنا بِجَوازِ تَعْلِيقِها وفِيهِ كَلامٌ في العَرَبِيَّةِ ودَفْعٌ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِالتَّعَلُّقِ التَّعَلُّقُ اللُّغَوِيُّ لِأنَّ المَعْنى أخْبِرُونِي عَنْ صَنِيعِكم إنْ أتاكم إلَخْ
يونس 10:51
والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ زِيادَةُ التَّنْدِيمِ والتَّجْهِيلِ والمَعْنى أئِذا وقَعَ العَذابُ وحَلَّ بِكم حَقِيقَةً آمَنتُمْ بِهِ وعادَ اسْتِهْزاؤُكم وتَكْذِيبُكم تَصْدِيقًا وإذْعانًا وجِيءَ بِثُمَّ دَلالَةً عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ وفِيهِ أنَّ هَذا الثّانِيَ أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابَ الشَّرْطِ والِاسْتِفْهامِيَّةُ الأُولى اعْتِراضٌ والمَعْنى أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ وأصْلُ الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ووَقَعَ وتَحَقَّقَ آمَنتُمْ ثُمَّ جِيءَ بِحَرْفِ التَّراخِي بَدَلَ الواوِ دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ ثُمَّ زِيدَ أداةُ الشَّرْطِ دَلالَةً عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالاسْتِبْعادِ وعَلى أنَّ الأوَّلَ كالتَّمْهِيدِ لَهُ وجِيءَ بِإذا - مُؤَكِّدًا - بِما - تَرْشِيحًا لِمَعْنى الوُقُوعِ والتَّحْقِيقِ وزِيادَةً لِلتَّجْهِيلِ وأنَّهم لَمْ يُومَنُوا إلّا بَعْدُ إنْ لَمْ يَنْفَعْهُمُ البَتَّةَ وهَذا الوَجْهُ مِمّا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ لَمْ يَسْمَعْ تَصْدِيرَ الجَوابِ بِهِ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا بِدُونِ الفاءِ وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِما مَرَّ
وأمّا الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ أجْرى (ثُمَّ) مَجْرى الفاءِ فَكَما أنَّ الفاءَ في الأصْلِ لِلْعَطْفِ والتَّرْتِيبِ وقَدْ رَبَطَتِ الجَزاءَ فَكَذَلِكَ هَذِهِ فَمُخالِفٌ لِإجْماعِ النُّحاةِ وقِياسُهُ عَلى الفاءِ غَيْرُ جَلِيٍّ ولِهَذِهِ الدَّغْدَغَةِ قِيلَ: مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجَوابِ والتَّقْدِيرُ إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوَ ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى تَكَلُّفُهُ فَإنَّ عَطْفَ التَّأْكِيدِ بِثُمَّ مَعَ حَذْفِ المُؤَكِّدِ مِمّا لا يَنْبَغِي ارْتِكابُهُ ولَوْ قِيلَ: المُرادُ إنَّ (آمَنتُمْ) هو الجَوابُ و﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ مُعْتَرِضٌ فالِاعْتِراضُ بِالواوِ والفاءِ وأمّا بِثُمَّ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ وبِالجُمْلَةِ قَدْ كَثُرَ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ لِهَذا الوَجْهِ ولا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ وقُرِئَ (ثَمَّ) بِفَتْحِ الثّاءِ بِمَعْنى هُنالِكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿آلآنَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ وهو الأظْهَرُ والأقْوى مَعْنًى أيْ قِيلَ لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ آلآنَ آمَنتُمْ بِهِ فالآنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِآمَنتُمْ مُقَدَّرًا ومُنِعَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَذْكُورِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ وقُرِئَ بِدُونِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ والظّاهِرُ عِنْدِي عَلى هَذا تَعَلُّقُهُ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا لِأنَّ الكَلامَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وبَعْضٌّ جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ ولَيْسَ بِذاكَ وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قُرِئَ (آلْآنَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 135
﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ 51﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (آمَنتُمْ) المُقَدَّرِ والكَلامُ عَلى ما قِيلَ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ المُلَقَّنِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونٍ ما سَبَقَ مِن إنْكارِ التَّأْخِيرِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ وفائِدَةُ الحالِ تَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعُ وزِيادَةُ التَّنْدِيمِ والتَّحْسِيرِ قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لا (تَسْتَعْجِلُونَ) إلّا أنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الِاسْتِعْجالُ السّابِقُ وهو ما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وكانَ ذَلِكَ تَهَكُّمًا مِنهم وتَكْذِيبًا واسْتِبْعادًا وفي العُدُولِ اسْتِحْضارٌ لِتِلْكَ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ فَيَكُونُ أبْلَغَ مِن تُكَذِّبُونَ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ
يونس 10:52
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى قِيلَ المُقَدِّرِ قَبْلَ ﴿آلآنَ﴾ لِتَوْكِيدِ التَّوْبِيخِ ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ وضَعُوا ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَوْضِعَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْهَلاكِ والعَذابِ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ أيِ المُؤْلِمِ عَلى الدَّوامِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ أيْ ما تُجْزَوْنَ اليَوْمَ ﴿إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ 52﴾ أيْ إلّا ما اسْتَمْرَرْتُمْ عَلى كَسْبِهِ في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الكُفْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنَ الِاسْتِعْجالِ وزادَ غَيْرُ واحِدٍ في البَيانِ سائِرَ أنْواعِ المَعاصِي بِناءَ أنَّ الكُفّارَ مُكَلَّفُونَ بِالفُرُوعِ فَيُعَذَّبُونَ عَلى ذَلِكَ لَكِنْ هَلِ العَذابُ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ تَبَعًا لِلْكُفْرِ أوْ مُنْتَهٍ كَعَذابِ غَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ قِيلَ: الظّاهِرُ الثّانِي وبِهِ جُمِعَ بَيْنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى تَخْفِيفِ عَذابِ الكُفّارِ وما يُعارِضُها فَقالُوا: إنَّ المُخَفَّفَ عَذابُ المَعاصِي والَّذِي لا يُخَفَّفُ عَذابُ الكُفْرِ
يونس 10:53
﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ كَما هو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ دُونَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ الَّذِي جَوَّزَهُ بَعْضُهم ورُجِّحَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَتَأتّى إثْباتُ النُّبُوَّةِ لِمُنْكِرِيها بِالقَسَمِ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إثْباتُها بَلْ كَوْنُ تِلْكَ الدَّعْوى جِدًّا لا هَزْلًا أوْ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَن يُقْنَعُ بِالإثْباتِ بِمِثْلِهِ وقَدْ يُقالُ: ما ذُكِرَ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لِأنَّ العَذابَ المَوْعُودَ لا يَثْبُتُ عِنْدَ الزّاعِمِينَ أنَّهُ افْتِراءٌ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ القَسَمِ أيْضًا فَلا يَصْلُحُ ما ذُكِرَ مُرَجَّحًا والحَقُّ أنَّ القَسَمَ لَمْ يُذْكَرْ لِلْإلْزامِ بَلْ تَوْكِيدٌ لِما أنْكَرُوهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِنْباءُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ كَما هو المَعْلُومُ مِن حالِهِمْ فَلا يَقْتَضِي بَقاءَهُ عَلى أصْلِهِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الِاسْتِنْباءَ بِمَعْنى طَلَبِ النَّبَأِ حَقِيقَةٌ لَكِنْ لا عَنِ الحَقِّيَةِ ومُقابِلِها بِالمَعْنى المُتَبادَرِ لِأنَّهم جازِمُونَ بِالثّانِي بَلِ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجِدُّ والهَزْلُ كَأنَّهم قالُوا: إنّا جازِمُونَ بِأنَّ ما تَقُولُهُ كَذِبٌ لَكُنّا شاكُّونَ في أنَّهُ جِدٌّ مِنكَ أمْ هَزْلٌ فَأخْبِرْنا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُمْ: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ عَلى ما قَرَّرَهُ الجَماعَةُ إلّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ و﴿حَقٌّ﴾ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (هُوَ) لِيَلِيَ الهَمْزَةَ المَسْؤُولُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وهو مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ثابِتٌ فَهو حِينَئِذٍ صِفَةٌ وقَعَتْ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ فَتَعْمَلُ ويُكْتَفى بِمَرْفُوعِها عَنِ الخَبَرِ إذا كانَ اسْمًا ظاهِرًا أوْ في حُكْمِهِ كالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ هُنا والمَشْهُورُ أنَّ اسْتَنْبَأ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أحَدُهُما بِدُونِ واسِطَةٍ والآخَرُ بِواسِطَةِ - عَنْ - فالمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى هَذا لِيَسْتَنْبِئُونَ الكافُ والثّانِي قامَتْ مَقامَهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى مَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ جَوابِ هَذا السُّؤالِ إذِ الِاسْتِفْهامُ لا يُسْألُ عَنْهُ وإنَّما يُسْألُ عَنْ جَوابِهِ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا رَأى أنَّ الجُمْلَةَ هُنا لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا مَعْنًى لِما عَرَفْتَ ولَفْظًا
صفحة 136
لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دُخُولُ - عَنْ - عَلَيْها جُعِلَ الفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ لَكَ هَذا والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولُ القَوْلِ وقَرَأ الأعْمَشُ (آلْحَقُّ هُوَ) بِالتَّعْرِيفِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ وهي تُؤَيِّدُ كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ لِبُطْلانِهِ المُقْتَضِي لِإنْكارِهِ لِإفادَةِ الكَلامِ عَلَيْها القَصْرُ وهو مِن قَصْرِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المَشْهُورِ والمَعْنى أنَّ الحَقَّ ما تَقُولُ أمْ خِلافُهُ وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ حَيْثُ قالَ كَأنَّهُ قِيلَ: أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ أوْ أهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ وأشارَ بِالتَّرْدِيدِ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا الوَجْهِ لا يَخْتَلِفُ جَعْلُ الحَصْرِ حَقِيقِيًّا تَهَكُّمًا أوِ ادِّعائِيًّا واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَتَخايَلُ أنَّ الحَصْرَ عَلى مَعْنى أهُوَ الحَقُّ لا غَيْرُهُ لا مَعْنى أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ عَلى ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ المُنْطَلِقُ والمُنْطَلِقُ زَيْدٌ فَعَلى هَذا لا يَسُدُّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ولَكِنَّهُ يَضْمَحِلُّ بِما حَقَّقْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ وأنَّ انْحِصارَ أحَدِهِما في الآخَرِ يُلاحَظُ بِحَسَبِ المَقامِ وحِينَئِذٍ لا يُبالى قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ وهَهُنا المَعْنى عَلى حَصْرِ العَذابِ في الحَقِّيَّةِ لا عَلى حَصْرِ الحَقِّيَّةِ في العَذابِ
وقَدْ قالَ هُناكَ: إنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ نَحْوَ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَكْسِهِ إنَّما يُحْكَمُ فِيهِ بِقَصْرِ الثّانِي أعْنِي الِانْطِلاقَ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ المُناسِبَ قَصْرُ العامِّ عَلى الخاصِّ وكَذَلِكَ نَحْوَ النّاسُ هُمُ العُلَماءُ والعُلَماءُ هُمُ النّاسُ وإنْ كانَ بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيْنَ، وأمّا في نَحْوِ قَوْلِنا: الخاشِعُونَ هُمُ العُلَماءُ والعُلَماءُ هُمُ الخاشِعُونَ فالحُكْمُ مُخْتَلِفٌ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأحَدُ القَصْرَيْنِ غَيْرُ الآخَرِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ إلى مُقْتَضى المَقامِ إنْ تَعَيَّنَ أحَدُهُما لِذَلِكَ حُكِمَ بِهِ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ وإلّا رُوعِيَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ وقَدْ يَكُونُ القَصْرُ مُتَعاكِسًا نَحْوَ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ إذا أُرِيدَ المَعْهُودُ وهَذا ذاكَ وكَذَلِكَ الجِنْسانِ إذا اتَّحَدا مَوْرِدًا كَقَوْلِكَ: الضّاحِكُ الكاتِبُ إلى آخِرِ ما قالَ وكَوْنُ المَعْنى هَهُنا عَلى حَصْرِ العَذابِ في الحَقِّيَّةِ دُونَ العَكْسِ هو المُناسِبُ ومُخالَفَةُ عُلَماءِ المَعانِي لَيْسَتْ بِدَعًا مِن صاحِبِ الكَشّافِ وأمْثالِهِ والحَقُّ لَيْسَ مَحْصُورًا بِما هم عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أيْ قُلْ لَهم غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِاسْتِهْزائِهِمْ مُغْضِيًا عَما قَصَدُوا بانِيًا لِلْأمْرِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ: نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ العَذابَ المَوْعُودَ ثابِتٌ البَتَّةَ فَضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلْعَذابِ أيْضًا و(إي) حَرْفُ جَوابٍ وتَصْدِيقٍ بِمَعْنى نَعَمْ قِيلَ: ولا تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ القَسَمِ خاصَّةً كَما أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً ولِذَلِكَ سُمِعَ مِن كَلامِهِمْ وصْلُها بِواوِ القَسَمِ إذْ لَمْ يُذْكَرِ المُقْسَمُ بِهِ فَيَقُولُونَ - إيُو - ويُوصِلُونَ بِهِ هاءَ السَّكْتِ أيْضًا فَيَقُولُونَ: -أيْوَهْ- وهَذِهِ اللَّفْظَةُ شائِعَةٌ اليَوْمَ في لِسانِ المِصْرِيِّينَ وأهْلِ ذَلِكَ الصَّقْعِ وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُها مَعَ القَسَمِ وبِدُونِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ هو الأكْثَرُ قالَ: وما ذُكِرَ مِنَ السَّماعِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأنَّ اللُّغَةَ فَسَدَتْ بِمُخالَطَةِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَمْ يَبْقَ وُثُوقٌ بِالسَّماعِ وحَذْفُ المَجْرُورِ بِواوِ القَسَمِ والِاكْتِفاءُ بِها لَمْ يُسْمَعْ مِن مَوْثُوقٍ بِهِ وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وأُكِّدَ الجَوابُ بِأتَمِّ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ حَسَبَ شِدَّةِ إنْكارِهِمْ وقُوَّتِهِ وقَدْ زِيدَ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 53﴾ أيْ بِفائِتِينَ العَذابَ عَلى أنَّهُ مِن فاتَهُ الأمْرُ إذا ذَهَبَ عَنْهُ ويَصِحُّ جَعْلُهُ مِن أعْجَزَهُ بِمَعْنى وجَدَهُ عاجِزًا أيْ ما أنْتُمْ بِواجِدِي العَذابِ أوْ مَن يُوقِعُهُ بِكم عاجِزًا عَنِ إدْراكِكم وإيقاعِهِ بِكم وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الخَلاصِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ
يونس 10:54
﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أيْ بِالكُفْرِ أوْ بِالتَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الظُّلْمِ كَذا
صفحة 137
قِيلَ ورُبَّما يُقْتَصَرُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مَعَ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ الكُفّارِ و(لَوْ) قِيلَ بِمَعْنى إنَّ وقِيلَ عَلى ظاهِرِها واسْتُبْعِدَ ولا أراهُ بَعِيدًا ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ ما في الدُّنْيا مِن خَزائِنِها وأمْوالِها ومَنافِعِها قاطِبَةً ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ مِنِ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لافْتَدَتْ نَفْسَها بِهِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ افْتَدى لازِمًا عَلى أنَّهُ مُطاوِعُ فَدى المُتَعَدِّي يُقالُ: فَداهُ فافْتَدى وتُعُقِّبَ بَأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ إذِ المُتَبادَرُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ فَداهُ لِأنَّ مَعْناهُ قَبِلْتُ الفِدْيَةَ والقابِلُ غَيْرُ الفاعِلِ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ يَتَّحِدُ القابِلُ والفاعِلُ إذْ فَدى نَفْسَهُ نَعَمِ المُتَبادِرُ الأوَّلُ ﴿وأسَرُّوا﴾ أيِ النُّفُوسَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ بِكَوْنِ الإسْرارِ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ والِاجْتِماعِ وإنَّما لَمْ يُراعَ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ لِتَحْقِيقِ ما يُتَوَخّى مِن فَرْضِ كَوْنِ جَمْعِ ما في الأرْضِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ وإيثارِ صِيَغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِحَمْلِ لَفْظِ النَّفْسِ عَلى الشَّخْصِ أوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ مَدْلُولِهِ عَلى إناثِهِ والإسْرارُ الإخْفاءُ أيْ أخْفَوُا ﴿النَّدامَةَ﴾ أيِ الغَمَّ والأسَفَ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والمُرادُ إخْفاءُ آثارِها كالبُكاءِ وعَضِّ اليَدِ وإلّا فَهي مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا سِرًّا وذَلِكَ لِشِدَّةِ حَيْرَتِهِمْ وبَهَتَهم ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ مِن فَظاعَةِ الحالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ ما لَمْ يَمُرَّ لَهم بِبالٍ فَأشْبَهَ حالُهم حالَ المُقَدَّمِ لِلصَّلْبِ يُثْخِنُهُ ما دَهَمَهُ مِنَ الخَطْبِ ويَغْلِبُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ التَّفَوُّهَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ويَبْقى جامِدًا مَبْهُوتًا وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْلاصُ أيْ أخْلَصُوا النَّدامَةَ وذَلِكَ إمّا لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها وإمّا مِن قَوْلِهِمْ: سِرُّ الشَّيْءِ لِخالِصِهِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْفى ويُصانَ ويُضَنَّ بِهِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والجِبائِيُّ: إنَّ الإسْرارَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ وفي الصِّحاحِ أسْرَرْتُ الشَّيْءَ كَتَمْتُهُ وأعْلَنْتُهُ أيْضًا وهو مِنَ الأضْدادِ والوَجْهانِ جَمِيعًا يُفَسَّرانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
انْتَهى وفي القامُوسِ أيْضًا أسَرَّهُ كَتَمَهُ وأظْهَرَهُ ضِدٌّ وفِيهِ اخْتِلافُ اللُّغَوِيِّينَ فَإنَّ الأزْهَرِيَّ مِنهُمُ ادَّعى أنَّ اسْتِعْمالَ أسَرَّ بِمَعْنى أظْهَرَ غَلَطٌ وأنَّ المُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ المَعْنى هو أشَرُّ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ لا غَيْرُ ولَعَلَّهُ قَدْ غَلِطَ في التَّغْلِيطِ وعَلَيْهِ فالإظْهارُ أيْضًا بِاعْتِبارِ الآثارِ عَلى ما لا يَخْفى
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْفاءَ إلّا أنَّ المُرادَ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ الرُّؤَساءُ أيْ أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وفِيهِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿أسَرُّوا﴾ عامٌّ لا قَرِينَةَ عَلى تَخْصِيصِهِ عَلى أنَّ هَوْلَ المَوْقِفِ أشَدُّ مِن أنْ يُتَفَكَّرَ مَعَهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ﴿أسَرُّوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الظّاهِرِ وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ و﴿لَمّا﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِأسَرُّوا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ والجَوابِ مَحْذُوفٌ عَلى الصَّحِيحِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أيْ لَمّا رَأوُا العَذابَ أسَرُّوا النَّدامَةَ و﴿قُضِيَ﴾ أيْ حُكِمَ وفُصِلَ بَيْنَهم أيْ بَيْنِ النُّفُوسِ الظّالِمَةِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 54﴾ أصْلًا لِأنَّهُ لا يُفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لِلظّالِمِينَ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ والمَظْلُومِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لَكِنَّ الظُّلْمَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَيْهِمْ وتَخْصِيصُ الظُّلْمِ بِالتَّعَدِّي والمَعْنى وقَعَتِ الحُكُومَةُ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ وعُومِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَقامَ لا يُساعِدُ
صفحة 138
عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَضِ حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى ما يَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةُ ﴿قُضِيَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿رَأوُا﴾ فَتَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ لِما
يونس 10:55
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ إنَّ لَهُ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِهِ تَعالى ما وُجِدَ في هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ داخِلًا في حَقِيقَتِها أوْ خارِجًا عَنْها مُتَمَكِّنًا فِيها وكَلِمَةُ (ما) لِتَغْلِيبِ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ وهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ وتَأْكِيدٌ واسْتِدْلالٌ عَلَيْهِ بِأنْ مَن يَمْلِكُ جَمِيعَ الكائِناتِ ولَهُ التَّصَرُّفُ فِيها قادِرٌ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ كَأنَّهُ بَيانٌ لِعِقْدِهِمْ ما يَفْتَدُونَ بِهِ وعَدَمِ مِلْكِهِمْ شَيْئًا حَيْثُ أفادَ أنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكُهُ لا مِلْكَ لِأحَدٍ فِيهِ سِواهُ جَلَّ وعَلا ولَيْسَ بِشَيْءٍ وإنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ جَمِيعَ ما وعَدَ بِهِ كائِنًا ما كانَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ وما ذُكِرَ في أثْناءِ بَيانِ حالِهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا فالمَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ أيْ وعْدُهُ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ ما ذَكَرَ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ ثابِتٌ واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ والظّاهِرُ أنَّ حَمْلَ الوَعْدِ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِ العَذابُ المَذْكُورُ والعِقابُ لِلْعُصاةِ أوِ الوَعْدُ بِهِما يَسْتَدْعِي اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ في الكَلامِ وبَعْضُهم حَمَلَ الوَعْدَ عَلى ما وعَدَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن نَصْرِهِ وعِقابِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ وقالَ: إنَّ اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ تَوَهُّمٌ ولَيْسَ بِالمُتَعَيَّنِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الوَعْدِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها المُقَرِّرِ لِمَضْمُونِ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ اسْتِحْضارِهِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ
وذَكَرَ الإمامُ في تَوْجِيهِ ذِكْرِ أداةِ التَّنْبِيهِ في الجُمْلَةِ الأُولى أنَّ أهْلَ هَذا العالَمِ مَشْغُولُونَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ فَيُضِيفُونَ الأشْياءَ إلى مِلاكِها الظّاهِرَةِ المَجازِيَّةِ ويَقُولُونَ مَثَلًا الدّارُ لِزَيْدٍ والغُلامُ لِعَمْرٍو والسَّلْطَنَةُ لِلْخَلِيفَةِ والتَّصَرُّفُ لِلْوَزِيرِ فَكانُوا مُسْتَغْرِقِينَ في نَوْمِ الجَهْلِ والغَفْلَةِ حَيْثُ يَظُنُّونَ صِحَّةَ تِلْكَ الإضافاتِ فَلِذَلِكَ زادَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ﴾ إلَخْ واسْتِنادُ جَمِيعِ ذَلِكَ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِما ثَبَتَ مِن وُجُوبِ وجُودِهِ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّ جَمِيعَ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وأنَّ المُمْكِنَ لِذاتِهِ مُسْتَنِدٌ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ إمّا ابْتِداءً أوْ بِواسِطَةٍ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الكُلَّ مَمْلُوكٌ لَهُ تَعالى والكَلامُ في ذِكْرِ الأداةِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفِ والحَقُّ ما أشَرْنا إلَيْهِ في وجْهِ التَّصْدِيرِ ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما تَقَدَّمَ ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْنا ولِلطَّبَرْسِيِّ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ كَلامٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْداداتِهِمْ وقُصُوُرِ عُقُولِهِمْ واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ ﴿لا يَعْلَمُونَ 55﴾ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ
يونس 10:56
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ وهَذا عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ اسْتِدْلالٌ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ في الدُّنْيا فَهو قادِرٌ عَلَيْهِما في العُقْبى لِأنَّ القادِرَ لِذاتِهِ لا تَزُولُ قُدْرَتُهُ والمادَّةُ القابِلَةُ بِالذّاتِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ قابِلَةٌ لَهُما أبَدًا ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ القُدْرَةِ اسْتِطْرادِيٌّ لا دَخْلَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ كالَّذِي قَبْلَهُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ 56﴾ في الآخِرَةِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ
يونس 10:57
﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ التِفاتٌ ورُجُوعٌ إلى
صفحة 139
اسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِهِ واتِّباعِهِ غَبَّ تَحْذِيرِهِمْ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ بِما تَلا عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ وإيذانٌ بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِمَصالِحِهِمْ وهَذا وجْهُ الرَّبْطِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ أبُو حِبّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إلَيْها وهو المُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ والأوَّلُ أوْلى ولا يَأْباهُ عُمُومُ الخِطابِ كَما هو الظّاهِرُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ خِلافًا لِمَن جَعَلَهُ خاصًّا بِقُرَيْشٍ والمَوْعِظَةُ كالوَعْظِ والعِظَةُ تَذْكِيرُ ما يُلَيِّنُ القَلْبَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وقِيلَ: زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ والشِّفاءُ الدَّواءُ ويُجْمَعُ عَلى أشْفِيَةٍ وجَمْعُ الجَمْعِ أشافِيُّ والهُدى مَعْلُومٌ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والرَّحْمَةُ الإحْسانُ أوْ إرادَتُهُ أوْ صِفَةُ غَيْرِهِما لائِقَةٌ بِمَن قامَتْ بِهِ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٌ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ رَبِّكم و﴿لِما﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ واللّامُ مُقَوِّيَةٌ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ وكَذا يُقالُ عَلى ما قِيلَ فِيما بَعْدُ والمُرادُ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ والمَنافِعِ كاشِفٌ عَنْ أحْوالِ الأعْمالِ حَسَناتِها وسَيِّئاتِها مُرَغِّبٌ في الأُولى ورادِعٌ عَنِ الأُخْرى ومُبَيِّنٌ لِلْمَعارِفِ الحَقَّةِ المُزِيلَةِ لِأدْواءِ الشُّكُوكِ وسُوءِ مِزاجِ الِاعْتِقادِ وهادٍ إلى طَرِيقِ الحَقِّ واليَقِينِ بِالإرْشادِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ نَجَوْا بِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ وتَخَلَّصُوا مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ وارْتَقَوْا إلى دَرَجاتِ الجِنانِ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ مَراتِبَ كَمالٍ مَن تَمَسَّكَ بِالقُرْآنِ فازَ بِها أحَدُها تَهْذِيبُ الظّاهِرِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وإلْيِهِ الإشارَةُ (بِالمَوْعِظَةِ) بِناءً عَلى أنَّ فِيها الزَّجْرَ عَنِ المَعاصِي وثانِيها تَهْذِيبُ الباطِنِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمَلَكاتِ الرِّدْيَةِ وإلَيْهِ الإشارَةُ (بِشِفاءٍ لِما في الصُّدُورِ) وثالِثُها تَحَلِّي النَّفْسِ بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا بِالهُدى ورابِعُها تَجَلِّي أنْوارِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ وتَخْتَصُّ بِالنُّفُوسِ الكامِلَةِ المُسْتَعِدَّةِ بِما حَصَلَ لَها مِنَ الكَمالِ الظّاهِرِ والباطِنِ لِذَلِكَ وقالَ الإمامُ: المَوْعِظَةُ إشارَةٌ إلى تَطَهُّرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ والشِّفاءُ إلى تَطَهُّرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ والهُدى إلى ظُهُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ والرَّحْمَةُ إلى بُلُوغِ الكَمالِ والإشْراقِ حَتّى يُكْمِلَ غَيْرَهُ ويُفِيضَ عَلَيْهِ وهو النُّبُوَّةُ والخِلافَةُ فَهَذِهِ دَرَجاتٌ لا يُمْكِنُ فِيها تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ كَوْنُ المَذْكُوراتِ أوْصافًا لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا وآلَةً لَها وجُعِلَتْ عَيْنَهُ مُبالَغَةً وبَيْنَها تَلازُمٌ في الجُمْلَةِ والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ والهِدايَةُ إنْ أُخِذَتْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ مُطْلَقًا فَعامَّةٌ أوْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ المَوْصُولَةِ فَخاصَّةٌ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَيْدُ الأمْرَيْنِ ويُؤَيِّدُ تَقْيِيدَ الهُدى بِذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فالقُرْآنُ واعِظٌ بِما فِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي كَيْفَما كانَتِ المُقْتَرَنَ بِالتَّخْوِيفِ فَقَطْ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْمَوْعِظَةِ وشافٍ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الأدْواءِ المُفْضِيَةِ إلى الهَلاكِ كالجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ والنِّفاقِ وغَيْرِها ومُرْشِدٌ بِبَيانِ ما يَلِيقُ وما لا يَلِيقُ إلى ما فِيهِ النَّجاةُ والفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ أوْ مُوَصِّلٌ إلى ذَلِكَ وسَبَبُ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وامْتَثَلُوا ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ وأمّا إذا ارْتُكِبَ خِلافُ الظّاهِرِ فَيُقالُ غَيْرُ ما قِيلَ أيْضًا مِمّا سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ واسْتُدِلَّ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ البَدَنِيَّةِ كَما يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ:
صفحة 140
إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اقْرَأِ القُرْآنَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَعَ حَلْقِهِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ» . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ والخَبَرُ الثّانِي لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشّاكِيَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ إرْشادًا لَهُ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَزُولُ بِهِ وجَعُهُ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ لِقِراءَةِ القُرْآنِ بَرَكَةً قَدْ يَذْهَبُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِها الأمْراضَ والأوْجاعَ وإنَّما نُنْكِرُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ والخَبَرُ الأوَّلُ وإنْ كانَ ظاهِرًا في المَقْصُودِ لَكِنْ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ كَأنْ يُقالَ: لَعَلَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلى أنَّ في صَدْرِ الرَّجُلِ مَرَضًا مَعْنَوِيًّا قَلْبِيًّا قَدْ صارَ سَبَبًا لِلْمَرَضِ الحِسِّيَّ البَدَنِيِّ فَأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِيَزُولَ عَنْهُ الأوَّلُ فَيَزُولُ الثّانِي ولا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ بَعْضِ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِبَعْضِ الأمْراضِ القالَبِيَّةِ فَإنّا نَرى أنَّ نَحْوَ الحَسَدِ والحِقْدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ ومِن كَلامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى دَرُّ الحَسَدِ ما أعْدَلَهُ بَدَأ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ: وهَذا أوْلى مِن إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ
والحَسَنُ البَصْرِيُّ يُنْكِرُ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً لِلْأمْراضِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم والحَقُّ ما ذَكَرْنا
يونس 10:58
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ أيْ قُلْ لَهم ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ ثُمَّ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفِعْلَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِالمَجْرُورِ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الفاءَ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ فَصارَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ ثُمَّ حَذَفَ الفِعْلَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأوْلى قِيلَ جَزائِيَّةٌ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والأصْلُ أنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ زِيدَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ وقِيلَ: إنَّ الأُولى هي الزّائِدَةُ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ فَلْيَفْرَحُوا وبِذَلِكَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ وزِيدَتْ فِيهِ الفاءُ لِلتَّحْسِينِ ولِذَلِكَ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاخْتِلافِ في تَعْيِينِ الزّائِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفَسًا أهْلَكَتْهُ فَإذا هَلَكَتْ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي
ومِن غَرِيبِ العَرَبِيَّةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وقَدْ أُقِيمَ اسْمُ الإشارَةِ مَقامَ ضَمِيرِ المَعْمُولِ وتَوْحِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ كَما هو شائِعٌ فِيهِ ووَجْهُ غَرابَتِهِ أنَّ المَعْرُوفَ في شَرْطِ البابِ اشْتِغالُ العامِلِ بِضَمِيرِ المَعْمُولِ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ اشْتِغالَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ (فَلْيَعْتَنُوا)أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا والقَرِينَةُ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْرَحُ بِهِ يَكُونُ مِمّا يُعْتَنى ويُهْتَمُّ بِشَأْنِهِ أوْ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ وقالَ الحَلَبِيُّ: الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ واضِحَةٌ ولَيْسَ شَرْطُ الدَّلالَةِ أنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ ذَلِكَ إضْمارٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وأنْ يُقَدَّرَ جاءَتْكم بَعْدَ ﴿قُلْ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ أيْ قُلْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ وشِفاءٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِجاءَتْكُمُ المَذْكُورُ لِأنَّ ﴿قُلْ﴾ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ
صفحة 141
الفِعْلِ وهو المَجِيءُ أيْ فَبِمَجِيءِ المَذْكُوراتِ فَلْيَفْرَحُوا وتَكْرِيرُ الباءِ في بِرَحْمَتِهِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ إمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُ فِيهِ ما في مَجِيءِ القُرْآنِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وإمّا ما في مَجِيئِهِ مِن ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ القُرْآنُ
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وجاءَ عَنْ جَمْعٍ جَمٍّ أنَّ الفَضْلَ القُرْآنُ والرَّحْمَةَ الإسْلامُ وهو في مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الفَضْلَ العِلْمُ والرَّحْمَةَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ تَفْسِيرَ الفَضْلِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرَّحْمَةِ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والمَشْهُورُ وصْفُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ دُونَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ رَحْمَةً جَلِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأرْضاهُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الجَنَّةُ والنَّجاةُ مِنَ النّارِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ ما أُرِيدَ بِها أوَّلًا بَلْ هي في غَيْرِ الأُولى كَما لا يَخْفى ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ (فَلْتَفْرَحُوا) بِتاءِ الخِطابِ ولامِ الأمْرِ عَلى أصْلِ المُخاطَبِ المَتْرُوكِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ الأمْرُ بِاللّامِ فَحُذِفَتْ مَعَ تاءِ المُضارَعَةِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ لا عَلى القَوْلِ بِأنَّها صِيغَةٌ أصْلِيَّةٌ وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا وقَرَأ بِها أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما وفي تَعْلِيقاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى كَشّافِهِ كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما آثَرَ القِراءَةَ بِالأصْلِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الأمْرِ بِالفَرَحِ وأشَدُّ تَصْرِيحًا بِهِ إيذانًا بِأنَّ الفَرَحَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ بَلِيغُ التَّوْصِيَةِ بِهِ لِيُطابِقَ التَّقْرِيرَ والتَّكْرِيرَ وتَضْمِينَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِذَلِكَ ونَظِيرِهِ مِمّا انْقَلَبَ فِيهِ ما لَيْسَ بِفَصِيحٍ فَصِيحًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اللَّغْوِ لِيَكُونَ الغَرَضُ اخْتِصاصَ التَّوْحِيدِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ اللُّبِّ في تَوْجِيهِهِ أنَّهُ لَما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَبْعُوثًا إلى الحاضِرِ والغائِبِ جُمِعَ بَيْنَ اللّامِ والتّاءِ قِيلَ: وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ حاضِرِهِمْ وغائِبِهِمْ غُلِّبَ الحاضِرُونَ في الخِطابِ عَلى الغائِبِينَ وأُتِيَ بِاللّامِ رِعايَةً لِأمْرِ الغائِبِينَ وهي نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ إلّا أنَّهُ أمْرٌ مُحْتَمَلٌ وما نُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أوْلى بِالقَبُولِ
وقُرِئَ (فافْرَحُوا) وهي تُؤَيِّدُ القِراءَةَ السّابِقَةَ لِأنَّها أمْرُ المُخاطَبِ عَلى الأصْلِ وقُرِئَ (فَلْيَفْرَحُوا) بِكَسْرِ اللّامِ هو ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ 58﴾ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ وسائِرِ حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وهو مُفْرَدٌ فُرُوعِيَ لَفْظُهُ وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ
ويَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِما ابْتِداءً بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كَما فُعِلَ في ذَلِكَ أوْ جَعْلَهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ راجِعًا إلى المَصْدَرِ أعْنِي المَجِيءَ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ و(ما) تَحْتِمَلُ المَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَجْمَعُونَ) بِالخِطابِ لِمَن خُوطِبَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ سَواءٌ كانَ عامًّا أوْ خاصًّا بِكُفّارِ قُرَيْشٍ وضَمِيرُ ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ وعَلى قِراءَةِ (فَلْتَفْرَحُوا) (وافْرَحُوا)
صفحة 142
يَكُونُ الخِطابُ عَلى ما قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ أيْضًا التِفاتًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَمْعَ أنَسَبُ بِغَيْرِهِمْ وإنْ صَحَّ وصْفُهم بِهِ في الجُمْلَةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَ القَوْلُ بِما يَسْتَلْزِمُهُ ما دامَ مَندُوحَةٌ عَنْهُ
يونس 10:59
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ أيْ ما قَدَّرَ لِانْتِفاعِكم مِن ذَلِكَ وإلّا فالرِّزْقُ لَيْسَ كُلُّهُ مُنْزَلًا واسْتِعْمالُ أنَزَلَ في ما ذُكِرَ مَجازٌ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ وجُوِّزَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِأنْ أسَنَدَ الإنْزالَ إلى الرِّزْقِ لِأنَّ سَبَبُهُ كالمَطَرِ مُنْزَلٌ وقِيلَ: إنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً تَخَيُّلِيَّةٌ وهو بَعِيدٌ وجُعِلَ الرِّزْقُ مَجازًا عَنْ سَبَبِهِ أوْ تَقْدِيرِ لَفْظِ سَبَبٍ مِمّا لا يَنْبَغِي و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلُ - لِأرَأيْتُمْ - والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أنْزَلَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿أنْزَلَ﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِصَدارَتِهِ وهو مُعَلِّقٌ لِما قَبْلَهُ إنْ قُلْنا بِالتَّعْلِيقِ فِيهِ أيْ أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن رِزْقٍ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ أيْ فَبَعَضْتُمُوهُ وقَسَّمْتُمُوهُ إلى حَرامٍ وحَلالٍ وقُلْتُمْ هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثُ حَجْرٍ وما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا إلى غَيْرِ ذَلِكَ
﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في جَعْلِ البَعْضِ مِنهُ حَرامًا والبَعْضِ الآخَرِ حَلالًا ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ 59﴾ (أمْ) والهَمْزَةُ مُتَعادِلَتانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي - لِأرَأيْتُمْ - و(قُلْ) مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ فَلا يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ والعائِدُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مُقَدَّرٌ والمَعْنى أرَأيْتُمُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم مِن رِزْقٍ فَفَعَلْتُمْ فِيهِ ما فَعَلْتُمْ أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ فِيهِ الإذْنُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِجَعْلِهِ قِسْمَيْنِ أمِ الِافْتِراءُ مِنكم وكانَ أصْلُ ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ إلَخْ آللَّهُ أذِنَ أمْ غَيْرُهُ فَعُدِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيِّ دَلالَةً عَلى أنَّ الثّابِتَ هو الشِّقُّ الثّانِي وهم نَسَبُوا ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلِاسْتِخْبارِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ لِيُنافِيَ تَحَقُّقَ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الإذْنِ وثُبُوتِ الِافْتِراءِ بَلْ قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيرُ والوَعِيدُ وإلْزامُ الحُجَّةِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الإذْنِ وتَكُونُ (أمْ) مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والمَقْصُودُ الإضْرابُ عَنْ ذَلِكَ لِتَقْرِيرِ افْتِرائِهِمْ والجُمْلَةُ عَلى هَذا مَعْمُولَةٌ لِلْقَوْلِ ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأرَأيْتُمْ وهو قَدِ اكْتَفى بِالجُمْلَةِ الأُولى كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ كَوْنَ (أمْ) مُتَّصِلَةً وكَوْنَها مُنْفَصِلَةً عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجُمْلَةِ بِفِعْلِ القَوْلِ وأوْجَبَ الِاتِّصالَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِها بِأرَأيْتُمْ وجَعْلِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً مُخْبِرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ بَعْضٍ ولِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ عِنْدَ آخَرَ والإظْهارُ بَعْدُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُبْحِ افْتِرائِهِمْ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ مُطْلَقًا في رَأْيٍ ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولِلْقَصْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في آخَرَ
واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ ولا دَلِيلَ لَهم فِيها عَلى ما ذَكَرْناهُ لِأنَّ المُقَدَّرَ لِلِانْتِفاعِ هو الحَلالُ فَيَكُونُ المَذْكُورُ هُنا قِسْمًا مِنَ الرِّزْقِ وهو شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والكَفَرَةُ إنَّما أخْطَأُوا في جَعْلِ بَعْضِ الحَلالِ حَرامًا ومَن جَعَلَ أهْلَ السُّنَّةِ نَظِيرًا لَهم في جَعْلِهِمُ الرِّزْقَ مُطْلَقًا مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ
يونس 10:60
﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ هَوْلِ ما سَيَلْقَوْنَهُ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِقَطْعِ احْتِمالِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ التَّرْدِيدِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالِافْتِراءِ وزِيادَةِ الكَذِبِ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِإظْهارِ
صفحة 143
لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما افْتَعَلُوا وكَوْنُهُ كَذِبًا في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ و﴿ظَنُّ﴾ خَبَرُها هو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الظَّنِّ لا بِيَفْتَرُونَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعْنًى ولا بِمُقَدَّرٍ لِأنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنِّي فاعِلٌ بِهِمْ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ ويَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِهِ بِالظَّنِّ قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ (وما ظَنُّ) بِصِيغَةِ الماضِي و(ما) في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الظَّنِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأكْثَرُ أحْوالِ القِيامَةِ يُعَبَّرُ عَنْها بِذَلِكَ في القُرْآنِ لِما ذُكِرَ والعَمَلُ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ لا يُمْنَعُ لِتَصْيِيرِهِ الفِعْلَ نَصًّا في الِاسْتِقْبالِ التَّجَوُّزُ المَذْكُورُ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ لِتَحَقُّقِهِ أيْضًا ماضِيًا وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ظَنُّهُمُ اليَوْمَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ تَنْزِيلًا لَهُ ولِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ لِمَكانِ وُضُوحِ أمْرِهِ في التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ مَنزِلَةَ المُسْلِمِ عِنْدَهم أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم لِما سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ أيَحْسَبُونَ أنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ افْتِرائِهِمْ أوْ لا يُجازُونَ عَلَيْهِ أوْ يُجازُونَ جَزاءً يَسِيرًا ولِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ يَفْعَلُونَ كَلّا إنَّهم لَفي أشَدِّ العَذابِ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي والآيَةُ السّابِقَةُ قِيلَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ أقَرُّوا أنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّزّاقُ قُلْ لَهم أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَخْ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إلَخْ وذَلِكَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَهُ وأمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرْغَبَ بِاغْتِنامِ ما فِيهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالَفَتِهِمْ لِما جاءَ بِهِ وتَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّ وقِيلَ: إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ سُوءَ اعْتِقادِهِمْ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ نَعى عَلَيْهِمْ أُصُولَهم بَيَّنَ بُطْلانَ فُرُوعِهِمْ ولَعَلَّ خَيْرَ الثَّلاثَةِ وسَطُها
﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ جَمِيعًا حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ ورَحِمَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وبَيَّنَ لَهم ما لا تَسْتَقِلُّ عُقُولُهم بِإدْراكِهِ وأرْشَدَهم إلى ما يُهِمُّهم مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ ورَغَّبَهم ورَهَّبَهم وشَرَحَ لَهُمُ الأحْوالَ وما يَلْقاهُ الحائِدُ عَنِ الرَّشادِ مِنَ الأهْوالِ
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ 60﴾ ذَلِكَ الفَضْلَ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ولَعَلَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ
يونس 10:61
﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ أيْ في أمْرٍ مُعْتَنًى بِهِ مِن شَأنَهُ بِالهَمْزِ كَسَألَهُ إذا قَصَدَهُ وقَدْ تُبْدَلُ هَمْزَتُهُ ألِفًا وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ وقَدْ أُرِيدَ المَفْعُولُ ﴿وما تَتْلُو مِنهُ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلشَّأْنِ والتِّلاوَةُ أعْظَمُ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ و(مِن) قِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّالِثِ والَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن قُرْآنٍ﴾ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القُطْبُ وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ (مِن) الأُولى عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ وعَلى الثّانِي الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ والظَّرْفِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً كائِنَةً مِنَ الشَّأْنِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وتَبْعِيضِيَّةٌ أوْ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ومِنِ الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وبَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ والتِزامُ تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ كَذَلِكَ في جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ. نَعَمِ اللّازِمُ بِناءٌ عَلى المَشْهُورِ أنْ لا يَتَعَلَّقَ حَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ
صفحة 144
واحِدٍ وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ و(مِن) الأُولى لِلْأجَلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ و(مِن) الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتْلُوَ ولَهُ وجْهٌ ومِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (مِنهُ) لِلشَّأْنِ إمّا عَلى تَقْدِيرِ ما تَتْلُو حالَ كَوْنِ القِراءَةِ بَعْضَ شُئُونِكَ وإمّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ وما تَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ بِأنْ يَحْدُثَ لَكَ شَأْنٌ فَتَتْلُو القُرْآنَ مِن أجْلِهِ فَإنَّ الحالِيَّةَ مِمّا لا تَكادُ تَخْطِرُ بِبالِ مِن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في العَرَبِيَّةِ ولَمْ نَرَ القَوْلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في الكَلامِ إذا كانَ فِيهِ مِنَ الأجَلِيَّةِ أوْ نَحْوِها وما في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأفاضِلِ في أمْثالِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ ويَبْعُدُ حَمْلُ هَذا البَعْضِ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى (هَذا) ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ عامٌّ لِلْمَقْرُوءِ كَلّا وبَعْضًا وهو حَقِيقَةٌ في كُلٍّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ مَجازٌ في البَعْضِ بِإطْلاقِ الكُلِّ وإرادَةِ الجُزْءِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ أيْ أيُّ عَمَلٍ كانَ، والخِطابُ الأوَّلُ خاصٌّ بِرَأْسِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذا عامٌّ ويَشْمَلُ سائِرَ العِبادِ بَرَّهُمَ وفاجِرَهم لا الأخِيرَيْنِ فَقَطْ وقَدْ رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ فَعَبَّرَ في مَقامِ الخُصُوصِ في الأوَّلِ بِالشَّأْنِ لِأنَّ عَمَلَ العَظِيمِ عَظِيمٌ وفي الثّانِي بِالعَمَلِ العامِّ لِلْجَلِيلِ والحَقِيرِ وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ عامٌّ لِلْأُمَّةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ ﴿إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ المُخاطَبِينَ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ أيْ وما تُلابِسُونَ بِشَيْءٍ مِنها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ كَوْنَنا رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ حافِظِينَ لَهُ كَذا قالُوا ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ لِلِاهْتِمامِ بِتَخْوِيفِ مَن أُرِيدَ تَخْوِيفُهُ مِنَ المُخاطِبِينَ وكَأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ جِيءَ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعُ عَلى عَمَلِهِمْ ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَشْرَعُونَ فِيهِ وتَتَلَبَّسُونَ بِهِ وأصْلُ الإفاضَةِ الِانْدِفاعُ بِكَثْرَةٍ أوْ بِقُوَّةٍ وحَيْثُ أُرِيدَ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ الحالَّةِ المُسْتَمِرَّةِ الدّائِمَةِ المُقارَنَةُ لِلزَّمانِ الماضِي أيْضًا أُوثِرَ في الِاسْتِثْناءِ صِيغَةُ الماضِي وفي الظَّرْفِ كَلِمَةُ إذا الَّتِي تُفِيدُ المُضارِعَ مَعْنى الماضِي كَذا قِيلَ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِبَيانِ وجْهِ اخْتِيارِ النَّفْيِ بِما الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلْحالِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافَهُ في الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والنَّفْيُ بِلا الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ في الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلافِ الخِطابِ خُصُوصًا وعُمُومًا فَتَأمَّلَهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أيْ ما يَبْعُدُ وما يَغِيبُ ومِنهُ يُقالُ: الرَّوْضُ العازِبُ ورَوْضٌ عَزِيبٌ إذا كانَ بَعِيدًا مِنَ النّاسِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ رَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الإشْعارِ بِاللُّطْفِ ما لا يَخْفى
وقَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ مِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والمِثْقالُ اسْمٌ لِما يُوازِنُ الشَّيْءَ ويَكُونُ في ثِقَلِهِ وهو في الشَّرْعِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا فَقَدْ نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ عَلى التَّقْدِيرِ بِهَذا الوَزْنِ وهو أنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوانِيقَ وكُلُّ عَشَرَةِ دَراهِمَ سَبْعَةُ مَثاقِيلَ ولَمْ يَتَغَيَّرِ المِثْقالُ في الجاهِلِيَّةِ ولا في الإسْلامِ والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ وهو النَّمْلُ الأحْمَرُ الصَّغِيرُ وسُئِلَ
صفحة 145
ثَعْلَبٌ عَنْها فَقالَ: إنَّ مِائَةَ نَمْلَةِ وزْنُ حَبَّةٍ والذَّرَّةُ واحِدَةٌ مِنها وقِيلَ: الذَّرَّةُ لَيْسَ لَها وزْنٌ ويُرادُ بِها ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ الدّاخِلِ في النّافِذَةِ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ في جِهَتَيِ السُّفْلِ والعُلْوِ أوْ في دائِرَةِ الوُجُودِ والإمْكانِ لِأنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ سِواهُما مُمْكِنًا لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما والكَلامُ شامِلٌ لَهُما أنْفُسِهِما أيْضًا كَما لا يَخْفى وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ مَعَ أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْها في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ووَقَعَتْ أيْضًا في سَبَأٍ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مُقَدَّمَةً لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودِ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِتَفاصِيلِها وذَكَرَ السَّماءَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ومَن يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ لا يَعْلَمُ حالَ أهْلِ الأرْضِ وما هم عَلَيْهِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ وأصْغَرَ اسْمُها مَنصُوبٌ لِشَبَهِهِ بِالمُضافِ وكَذا أكْبَرُ لِتَقْدِيرِ عَمَلِهِ وقَوْلُ السَّمِينِ: إنَّهُما مَبْنِيّانِ عَلى الفَتْحِ ضَعِيفٌ وهو مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ وزَعَمَ أنَّهُ سَبَقَ قَلَمٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ حَيِّزِ القَبُولِ و(فِي كِتابٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وسَهْلٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ ولا يَجُوزُ إلْغاؤُها إذا تَكَرَّرَتْ وأما قَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ يَجِبُ نَصْبُهُ فالمُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ البِناءِ لا المَنعُ مِنَ الرَّفْعِ والإلْغاءِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جَعْلِ لا عامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ وقِيلَ: إنَّ أصْغَرَ عَلى القِراءَةِ الأُولى عَطْفٌ عَلى مِثْقالُ أوْ ذَرَّةٍ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وجِيءَ بَدَلًا عَنِ الكَسْرِ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ ووَزْنِ الفِعْلِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى مَعْطُوفٌ عَلى مِثْقالٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ ومِن كَما عَرَفْتَ مَزِيدٌ واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ مِنهُ إلّا في كِتابٍ فَيَعْزُبُ عَنْهُ ومَعْناهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ انْقِطاعِهِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ وهو مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ إلَخْ وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ بِأنَّهُ عَلى حَدٍّ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ في رَأْيٍ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ إلّا ما في اللَّوْحِ الَّذِي هو مَحَلُّ صُوَرِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الكِتابِ المُبِينِ بِهِ أوْ إلّا ما في عِلْمِهِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الكِتابَ العِلْمُ فَإنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ العُزُوبِ فَهو عازِبٌ عَنْ عِلْمِهِ وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العُزُوبِ قَطْعًا فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ قَطْعًا ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في دَفْعِ الإشْكالِ أنَّ العُزُوبَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ والمَخْلُوقاتُ قِسْمانِ قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالأرْضِ والسَّماءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِسْمٌ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِثْلَ الحَوادِثِ في العالَمِ وقَدْ تَتَباعَدُ سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ والمَعْلُولِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ تَعالى ذَرَّةً في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ أثْبَتَ فِيهِ سُبْحانَهُ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فَهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ وإثْباتُ العُزُوبِ بِمَعْنى البُعْدِ عَنْهُ تَعالى في سِلْسِلَةِ الإيجادِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو وجْهٌ دَقِيقٌ إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِتَدْقِيقاتِ الحُكَماءِ وإنْ خالَفَ ما هم عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ
وقالَ الكَواشِيُّ: مَعْنى يَعْزُبُ يَبِينُ ويَنْفَصِلُ أيْ لا يَصْدُرُ عَنْ رَبِّكَ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ إلّا وهو في اللَّوْحِ وتَلْخِيصُهُ
صفحة 146
أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَفْسِيرَهُ بِيبَيْنِ ويَنْفَصِلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وقِيلَ: المُرادُ بِالبُعْدِ عَنِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ البُعْدُ والخُرُوجُ عَنْ غَيْبِهِ أيْ لا يَخْرُجُ عَنْ غَيْبِهِ إلّا ما كانَ في اللَّوْحِ فَيَعْزُبُ عَنِ الغَيْبِ ويَبْعُدُ إذْ لا يَبْقى ذَلِكَ غَيْبًا حِينَئِذٍ لِاطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ فَيُفِيدُ إحاطَةَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ
ومِن هُنا يَظْهَرُ وجْهٌ آخَرُ لِتَقْدِيمِ الأرْضِ عَلى السَّماءِ وقِيلَ: إنَّ (إلّا) عاطِفَةٌ بِمَنزِلَةِ الواوِ كَما قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلا مَن ظَلَمَ﴾ والأخْفَشُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ وقَوْمٌ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ وهو مُقَدَّرٌ بَعْدَها والكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا في كِتابٍ﴾ أيْ وهُو فِيَ كِتابٍ ونَقَلَ ذَلِكَ مَكِّيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بْنِ يَحْيى الجُرْجانِيِّ ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا أنَّ جَمِيعَ البَصْرِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ والإنْصافُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى ذَلِكَ ولَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ إنْسُهم وجِنُّهم عَلى مَجِيءِ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ أيْ ولا شَيْءَ إلّا في كِتابٍ ونَظِيرُهُ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ ويَكُونُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ إثْباتُ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ مَعْلُومٍ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ في الكِتابِ ويَشْهَدُ لِهَذا عَلى ما قِيلَ كَثِيرٌ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ كِتابِ تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (لا يَعْزُبُ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَرْتِيبُها وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا في كُتّابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إلَيَّ ولا أكْبَرُ وتَخْلِيصُهُ وما مِن شَيْءٍ إلّا وهو في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ونَحْنُ نُشاهِدُهُ في كُلِّ آنٍ ونَظَرَ فِيهِ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ بِالِاسْتِغْناءِ بِالفَتْحِ المُبِينِ في الِاسْتِثْناءِ في ﴿ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِتَرْكِيبٍ في الكَلامِ المَجِيدِ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُهُ أعْنِي إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرٌ
أمْرِرْ رَبِّهِمْ إلّا الفَتى إلّا العُلا كَما لا يَخْفى
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أقَلَّ الأقْوالِ تَكَلُّفًا القَوْلُ بِالِانْقِطاعِ وأجَلُّها قَدْرًا وأدَقُّها سِرًّا القَوْلُ بِالِاتِّصالِ وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ نَثْرًا ونَظْمًا ولا عَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ أبْلَغُ فَلْيُفْهَمْ
يونس 10:62
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَمَّمَ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ في حَقِّ كافَّةِ مَن أطاعَ وعَصى أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ أوْلِيائِهِ تَعالى المُخْلِصِينَ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ بَيانٌ عَلى وجْهِ التَّبْشِيرِ والوَعْدِ لِما هو نَتِيجَةٌ لِأعْمالِ المُؤْمِنِينَ وغايَةٌ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُهَيْمِنًا عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذْرُونَ وأحاطَهُ عِلْمُهُ جَلَّ وعَلا بَعْدَما أُشِيرَ إلى فَظاعَةِ حالِ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ وما سَيَعْتَرِيهِمْ مِنَ الهَوْلِ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِها والأوْلِياءُ جَمْعُ ولِيٍّ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ والدُّنُوِّ يُقالُ: تَباعَدَ بُعْدَ ولِيٍّ أيْ قُرْبَ والمُرادُ بِهِمْ خَلَّصَ المُؤْمِنِينَ لِقُرْبِهِمُ الرُّوحانِيِّ مِنهُ سُبْحانَهُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَفْسِيرُهُمُ الآتِي ويُفَسَّرُ الوَلِيُّ بِالمُحِبِّ وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ تَلازُمٌ وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجاءَ بِمَعْنى النَّصِيرِ ويُشِيرُ كَلامُ البَعْضِ إلى صِحَّةِ اعْتِبارِ هَذا المَعْنى هُنا والمُرادُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المَنفِيَّتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ دَوامُ انْتِفاءِ مَدْلُولِهِما كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ قِيلَ: والمَعْنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ولا هم يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ في جَمِيعِ الأوْقاتِ أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ
صفحة 147
ما يُوجِبُ ذَلِكَ أصْلًا لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ خَوْفٌ وحُزْنٌ أصْلًا بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّشاطِ والسُّرُورِ وكَيْفَ واسْتِشْعارُ الخَوْفِ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى واسْتِقْصارًا لِلْجِدِّ والسَّعْيِ في إقامَةِ حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ مِن خَصائِصِ الخَواصِّ والمُقَرَّبِينَ بَلْ كُلَّما ازْدادَ العَبْدُ قُرْبًا مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ ازْدادَ خَوْفًا وخَشْيَةً مِنهُ سُبْحانَهُ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ غَيْرُ ما خَبَرٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وإنَّما يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ لِأنَّ مَقْصِدَهم لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى ونَيْلَ رِضْوانِهِ المُسْتَتْبِعَ لِلْكَرامَةِ والزُّلْفى وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في حُصُولِهِ ولا احْتِمالَ لِفَواتِهِ بِمُوجِبِ الوَعْدِ الإلَهِيِّ وأما ما عَدا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الحُصُولِ والفَواتِ فَهي عِنْدَهم أحْقَرُ مِن ذُبالَةٍ (1) عِنْدَ الحَجّاجِ بَلِ الدُّنْيا بِأسْرِها في أعْيُنِهِمْ أقْذَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْهِ كَلْبٌ في يَدٍ مَجْذُومٍ فَهَيْهاتَ أنْ تَنْتَظِمَ في سِلْكِ مَقْصِدِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا حَتّى يَخافُوا مِن حُصُولِ ضارِّها أوْ يَحْزَنُوا مِن فَواتِ نافِعِها وقِيلَ: المُرادُ بِانْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ أمْنُهم مِن ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما لَهم مِنَ القُرْبِ والسَّعادَةِ وإلّا فالخَوْفُ والحُزْنُ يُعْرَضانِ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ سَبَبُهُما دُنْيَوِيًّا أوْ أُخْرَوِيًّا ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ أمْنُهم مِمّا ذُكِرَ في الدُّنْيا أوْ فِيما يَعُمُّها والآخِرَةِ لِأنَّ في ذَلِكَ أمْنًا مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى (ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ) وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الخَوْفَ المَنفِيَّ مُسْنَدٌ إلَيْهِمْ ولَيْسَ بِالمُتَعَيَّنِ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الجُلَّةِ إلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى غَيْرِهِمُ أيْ غَيْرُهم لا يَخافُ عَلَيْهِمْ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَخافُونَ لِيَجِيءَ حَدِيثُ لُزُومِ الأمْنِ وجُعِلَ ذَلِكَ نُكْتَةَ اخْتِلافِ أُسْلُوبِ الجُمْلَتَيْنِ والعُدُولِ عَنْ لا هم يَخافُونَ الأنْسَبُ - بِلا هم يَحْزَنُونَ - إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقَدْ يُقالُ: إذا كانَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والحُزْنَ لا يَبْقى لِحَدِيثِ لُزُومِ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى مَجالٌ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ لَكِنْ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ نُكْتَةُ اخْتِلافِ أُسْلُوبِ الجُمْلَتَيْنِ وكَوْنُها اخْتِلافَ شَأْنِ الخَوْفِ والحُزْنِ بِشُيُوعِ وصْفِ الأخِيرِ بِعَدَمِ الثَّباتِ كَما قِيلَ
فَلا حُزْنٌ يَدُومُ ولا سُرُورٌ
دُونَ الأوَّلِ ولِذا ناسَبَ أنْ يُعَبِّرَ بِالِاسْمِ في الأوَّلِ وبِالفِعْلِ المُفِيدِ لِلْحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ في الثّانِي كَما تَرى
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ نَفْيُ اسْتِيلاءُ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ ونَفْيُ الحُزْنِ أصْلًا ومُفادُ ذَلِكَ اتِّصافُهم بِالخَوْفِ في الجُمْلَةِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ غَيْرُ آيِسِينَ ولا آمِنِينَ ولِهَذا لَمْ يُؤْتَ بِالجُمْلَتَيْنِ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ وكَذا لَمْ يَقُلْ لا خَوْفٌ لَهم مَثَلًا والأوْجَهُ عِنْدِي ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الجُلَّةِ مِن أنَّ مَعْنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم ويَجْعَلُ الجُمْلَةَ الأوْلى عَلَيْهِ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ حالِهِمْ وأنْتَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِالخِيارِ والخَوْفُ عَلى ما قالالرّاغِبُ تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وضِدُّهُ الأمْنُ والحُزْنُ مِنَ الحَزَنِ بِالفَتْحِ وهو خُشُونَةٌ في النَّفْسِ لِما يَحْصُلُ مِنَ الغَمِّ ويُضادُّهُ الفَرَحُ وعلى هَذا قالُوا في بَيانِ المَعْنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ولا هم يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَأْمُولِ
يونس 10:63
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ 63﴾ عَما يَحِقُّ الِاتِّقاءُ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ اتِّقاءً دائِما حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ؟ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؟ ولَكَ أنْ تَقْصُرَ في السُّؤالِ عَلى مَن أُولَئِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِلْمُرادِ مِنَ الأوْلِياءِ فَقَطْ وعَلى الأوَّلِ هَذا مَعَ الإشارَةِ إلى ما بِهِ نالُوا مالُوا، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْأوْلِياءِ ورُدَّ بِأنَّ في ذَلِكَ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ وقَدْ
صفحة 148
أباهُ النُّحاةُ. نَعَمْ جَوَّزَهُ الحَفِيدُ وجَوَّزَ فِيهِ البَدَلِيَّةَ أيْضًا والمُرادُ مِنَ التَّقْوى عِنْدَ جَمْعِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ مِنها وهي التَّقْوى المَأْمُورُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وفُسِّرَتْ بِتَنَزُّهِ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ الَّذِي يَدُورُ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ وهَكَذا كانَ حالُ مَن دَخَلَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ إلَخْ خَلا أنَّ لَهم في شَأْنِ التَّبَتُّلِ والتَّنَزُّهِ دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةً حَسْبَما دَرَجاتِ تَفاوُتِ اسْتِعْداداتِهِمْ وأقْصى الدَّرَجاتِ ما انْتَهى إلَيْهِ هِمَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى جَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ رِياسَةِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ ولَمْ يَعُقْهُمُ التَّعَلُّقُ بِعالَمِ الأشْباحِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في عالَمِ الأرْواحِ ولَمْ تَصُدَّهُمُ المُلابَسَةُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ لِكَمالِ اسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمُ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ كَذا قِيلَ وفي كَوْنِ حالِ كُلِّ مَن دَخَلَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الخِطابِ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما أشارَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْوى الحَقِيقِيَّةِ المَأْمُورِ بِها في الآيَةِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ بَحْثٌ وقُصارى ما تَحَقَّقَ بَعْدَ نِزاعٍ طَوِيلٍ ذَكَرْناهُ في جَوابِنا لِسُؤالِ أهْلِ - لاهُورَ - أنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهم عُدُولٌ مَن لابَسَ مِنهُمُ الفِتْنَةَ ومَن لَمْ يُلابِسْها ودَعْوى أنَّ العَدالَةَ تَسْتَلْزِمُ الوِلايَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ إنْ تَمَّتْ تَمَّ المَقْصُودُ وإلّا فَلا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأوْلِياءَ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ وأقَلُّ ما يَكْفِي في إطْلاقِ الوَلِيِّ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالفَرائِضِ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ الزَّواجِرِ والأكْمَلُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِكُلِّ ما يُمَكِّنُ مِنَ القُرْبِ وفي المُبِينِ المُعِينِ الوَلِيِّ هو مَن يَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى بِذاتِهِ أمْرَهُ فَلا تَصَرُّفَ لَهُ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ لَهُ ولا ذاتَ ولا فِعْلَ ولا وصْفَ والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى القُرْبِ فَكَأنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِاسْتِدامَةِ عِباداتِهِ واسْتِقامَةِ طاعاتِها ولِاسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ مَعْرِفَتِهِ ومُشاهَدَةِ طَلْعَةِ عَظَمَتِهِ انْتَهى وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ الوَلِيَّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ وفُسِّرَ بِأنَّهُ مَن يَتَوَلّى عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ عَلى التَّوالِي مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ وعَنِ القُشَيْرِيِّ أنَّ كِلا الوَصْفَيْنِ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ وتَوْلِيَةُ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ شَرْطٌ في الوَلايَةِ غَيْرَ أنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ غالِبٌ عَلى المَجْذُوبِ المُرادِ والثّانِي عَلى السّالِكِ المُرِيدِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا الكَلامَ وكَذا ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنْ تَخَلُّلَ المَعْصِيَةِ مُنافٍ لِلْوَلايَةِ وهو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ ولَيْسَ في ذَلِكَ قَوْلٌ بِالعِصْمَةِ الَّتِي لَمْ يُثْبِتْها الجَماعَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ قُصارى ما فِيهِ القَوْلُ بِالحِفْظِ وقَدْ قِيلَ: الأوْلِياءُ مَحْفُوظُونَ وفُسِّرَ بِعَدَمِ صُدُورِ الذَّنْبِ مَعَ إمْكانِهِ والقَيْدُ لِإخْراجِ العِصْمَةِ
نَعَمْ جاءَتِ العِصْمَةُ بِمَعْنى الحِفْظِ المُفَسَّرِ بِما ذُكِرَ وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُ صاحِبِ حِزْبِ البَحْرِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ لِأنَّ الدُّعاءَ بِما هو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجُوزُ كالدُّعاءِ بِسائِرِ المُسْتَحِيلاتِ كَمّا حُقِّقَ في مَحَلِّهِ وأطْلَقَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّ تَخَلُّلَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنافٍ احْتِجاجًا بِما حُكِيَ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَزْنِي العارِفُ؟ فَقالَ: نَعَمْ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الإمْكانِ سُؤالًا وجَوابًا ولا كَلامَ فِيهِ وإنَّما الكَلامُ في أنَّ الوُقُوعَ مُنافٍ أوْ غَيْرُ مُنافٍ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا شُبْهَةَ في عَدَمِ بَقاءِ وصْفِ الوَلايَةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِالمَعْصِيَةِ إذْ لا تَقْوى حِينَئِذٍ بِالإجْماعِ ومَدارُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْها وكَذا عَلى الإيمانِ وهو غَيْرُ كامِلٍ إذْ ذاكَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ وغَيْرُ مُتَحَقَّقٍ أصْلًا بَلِ المُتَحَقِّقُ الفِسْقُ المَعْنى بِالواسِطَةِ أوِ الكَفْرُ عِنْدَ آخَرِينَ وكَذا لا شُبْهَةَ في عَدَمِ مُنافاةِ وُقُوعِ المَعْصِيَةِ الِاتِّصافُ بِالوَلايَةِ بَعْدَهُ بِأنْ يَعُودَ مَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ إلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى ويَتَّصِفُ بِما تَتَوَقَّفُ الوَلايَةُ عَلَيْهِ وهو نَظِيرُ مَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ أوْ بِالعَدالَةِ مَثَلًا بَعْدَ أنْ لَمْ
صفحة 149
يَكُنْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ بَقِيَ الكَلامُ في مُنافاةِ الوُقُوعِ الِاتِّصافُ قَبْلُ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُنافٍ لَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا قَبْلُ بِما هو إيمانٌ وتَقْوى عِنْدَ النّاسِ فَلا شُبْهَةَ أيْضًا في عَدَمِ المُنافاةِ بِهَذا المَعْنى وهو ظاهِرٌ وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُنافٍ لَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مُتَّصِفًا بِما ذُكِرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي شَرْطُ الوَلِيِّ التَّقْوى الكامِلَةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُبُّ اللَّهِ تَعالى المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الحِفْظُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ولا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فاذًّا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» الحَدِيثُ
وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ في مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ حافِظًا حَواسَّهُ وجَوارِحَهُ فَلا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَأْخُذُ ولا يَمْشِي إلّا فِيما أرْضى وأُحِبُّ ويَنْقَلِعُ عَنِ الشَّهَواتِ ويَسْتَغْرِقُ في الطّاعاتِ وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الخَطّابِيِّ: المُرادُ مِن ذَلِكَ تَوْفِيقُهُ في الأعْمالِ الَّتِي يُباشِرُها بِهَذِهِ الأعْضاءِ يَعْنِي يُيَسِّرُ عَلَيْهِ فِيها سَبِيلَ ما يُحِبُّهُ ويَعْصِمُهُ عَنْ مُوافَقَةِ ما يَكْرَهُهُ مِن إصْغاءٍ إلى لَهْوٍ يَسْمَعُهُ ونَظَرٍ إلى ما نَهى عَنْهُ بِبَصَرِهِ وبَطْشٍ بِما لا يَحِلُّ بِيَدِهِ وسَعْيٍ في باطِلٍ بِرِجْلِهِ وكَذا قَوْلُ بَعْضِهِمُ المَعْنى أجْعَلُ سُلْطانَ حُبِّي غالِبًا عَلَيْهِ حَتّى أسْلُبَ عَنْهُ الِاهْتِمامَ بِشَيْءٍ غَيْرِ ما يُقَرِّبُهُ إلَيَّ فَيَصِيرُ مُتَخَلِّيًا عَنِ اللَّذّاتِ مُتَجَنِّبًا عَنِ الشَّهَواتِ مَتى ما يَتَقَلَّبُ وأيْنَما يَتَوَجَّهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى بِمَرْأًى فِيهِ ومَسْمَعٍ مِنهُ ويَأْخُذُ حُبُّ اللَّهِ تَعالى مَجامِعَ قَلْبِهِ فَلا يَسْمَعُ ولا يَرى ولا يَفْعَلُ إلّا ما يُحِبُّهُ ويَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ عَوْنًا ومُؤَيِّدًا ووَكِيلًا يَحْمِي جَوارِحَهُ وحَواسَّهُ فَلَهُ وجْهٌ لِأنَّهُ إذا وقَعَتِ المَعْصِيَةُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْفُوظًا وبِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّبًا إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ومُتَّقِيًا إيّاهُ حَقَّ تُقاتِهِ وإنْ ظَنَّهُ النّاسُ كَذَلِكَ فَهو لَيْسَ مِن أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ في نَفْسِ الأمْرِ نَعَمْ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفاتِ الأوْلِياءِ ظاهِرًا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ واحْتِرامُهُ والتَّأدُّبُ مَعَهُ والكَفُّ عَنْ إيذائِهِ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ الإيذاءِ الَّتِي لا مُسَوِّغَ لَها شَرْعًا كالإنْكارِ عَلَيْهِ عِنادًا أوْ حَسَدًا دُونَ المُنازَعَةِ في مُحاكَمَةٍ أوْ خُصُومَةٍ راجِعَةٍ لِاسْتِخْراجِ حَقٍّ أوْ كَشْفِ غامِضٍ ونَحْوِ ذَلِكَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ السّابِقُ المُشْتَمِلُ مِن تَهْدِيدِ المُؤْذِي عَلى الغايَةِ القُصْوى والحَكَمِ عَلى مَن ذَكَرَهُ لِوَلايَةٍ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَصٌّ مِن مَعْصُومٍ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِها في نَفْسِ الأمْرِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ لا إلى ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ ومِنها الذُّنُوبُ القَلْبِيَّةُ الَّتِي هي أدْواءٌ قاتِلَةٌ وسُمُومٌ ناقِعَةٌ مَعَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِيمِها وهي مَجْهُولَةٌ إلّا لِلْمُبْدِئِ المُعِيدِ جَلَّ جَلالُهُ هَذا وهو تَحْقِيقٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ القَبُولِ ومِنَ النّاسِ مَن قَسَّمَ الوَلايَةَ إلى صُغْرى قَدْ يَقَعُ فِيها الذَّنْبُ عَلى النُّدْرَةِ لَكِنْ يُبادِرُ لِلتَّنَصُّلِ مِنهُ فَوْرًا وعَدَّ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مَن وقَعَ مِنهُ الذَّنْبُ كَذَلِكَ فَبادَرَ لِلتَّنَصُّلِ مِنهُ مَحْفُوظًا فالوُقُوعُ عِنْدَهُ عَلى النُّدْرَةِ مَعَ المُبادَرَةِ لِلتَّنَصُّلِ لا يُنافِي الحِفْظَ وإنَّما يُنافِيهِ تَكَرُّرُ الوُقُوعِ وكَثْرَتُهُ وكَذا نُدْرَتُهُ مَعَ عَدَمِ المُبادَرَةِ لِلتَّنَصُّلِ، وكُبْرى لا يَقَعُ فِيها الذَّنْبُ أصْلًا مَعَ إمْكانِ الوُقُوعِ ولَوْ قِيلَ أوْ مَعَ اسْتِحالَتِهِ كَما في وِلايَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِ ولايَتِهِمْ فَيَكُونُ الحِفْظُ أعَمَّ مِنَ العِصْمَةِ لَمْ يَبْعُدْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ ظاهِرٌ في كَوْنِ العِصْمَةِ مِن تَوابِعِ النُّبُوَّةِ ومُعَلَّلَةٌ بِها وهو مُخالِفٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما لا يَخْفى وما ذُكِرَ مِنَ التَّقْسِيمِ حَسَنٌ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الكَثِيرَ مِمَّنْ يَدَّعِي الوَلايَةَ في زَمانِنا أوْ تُدَّعى لَهُ لَيْسَ لَهُ مِنها سِوى الدَّعْوى لِإصْرارِهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَبائِرَ تَقَعُ مِنهُ في اليَوْمِ مِرارًا عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ
صفحة 150
الأوْلِياءِ ما يَظُنُّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ: والتِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وآخَرُونَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوْلِياءُ اللَّهِ قالَ: الَّذِينَ إذا رُؤُا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى أيْ لِحُسْنِ سَمْتِهِمْ وإخْباتِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولاشُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ عَلى مَجالِسِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْعتْهم لَنا قالَ: هم أُناسٌ مِن أفْناءِ النّاسِ ونَوازِعِ القَبائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمُ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ تَحابُّوا في اللَّهِ وتَصافُّوا في اللَّهِ يَضَعُ اللَّهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيَجْلِسُونَ عَلَيْها يُفْزَعُ النّاسُ وهم لا يُفْزَعُونَ وهُمُ أوْلِياءُ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» . ولا مُخالَفَةَ في الحَقِيقَةِ فَإنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن حُسْنِ السَّمْتِ والإخْباتِ والتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى مِنَ الأحْكامِ اللّازِمَةِ لِلْإيمانِ والتَّقْوى والآثارُ الخاصَّةُ بِهِما الحَقِيقَةُ بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِها وقُرْبِها مِن أفْهامِ النّاسِ وقَدْ أوْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الإرْشادِ والتَّذْكِيرِ تَرْغِيبًا لِسائِلٍ أوْ حاضِرٍ فِيما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مِن أحْكامِهِما، وأُرِيدَ بِوَصْفِهِمْ بِأنَّهم يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ عَلى مَجالِسِهِمْ وقُرْبِهِمُ الإشارَةُ إلى راحَتِهِمْ مِمّا يَعْتَرِي الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن الِاشْتِغالِ بِأُمَمِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم يَغْبِطُونَهم عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وعَنِ الكَواشِي أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكانُوا هَؤُلاءِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحُسْنِ حالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ أفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ وقَدْ كَفَرَ مُعْتَقِدُ ذَلِكَ، وقَدْ يُؤَوَّلُ لَهُ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّ وِلايَةَ النَّبِيِّ أفْضَلُ مِن نُبُوَّتِهِ كَما حُمِلَ ما قالَهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ المُخالِفُ لِلْأصَحِّ مِن أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الرِّسالَةِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ وكَذا لِنَظِيرِ ما ذَكَرْنا لا يُخالِفُ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ: يا عِيسى مَن أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ نَظَرُوا إلى باطِنِ الدُّنْيا حِينَ نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها والَّذِينَ نَظَرُوا إلى آجِلِ الدُّنْيا حِينَ نَظَرَ النّاسُ إلى عاجِلِها وأماتُوا مِنها ما يَخْشَوْنَ أنْ يُمِيتَهم وتَرَكُوا ما عَلِمُوا أنْ سَيَتْرُكَهم فَصارَ اسْتِكْثارُهم مِنها اسْتِقْلالًا وذِكْرُهم إيّاها فَواتًا وفَرَحُهم بِما أصابُوا مِنها حُزْنًا وما عارَضَهم مِن نائِلِها رَفَضُوهُ وما عارَضَهم مِن رِفْعَتِها بِغَيْرِ الحَقِّ وضَعُوهُ. خَلِقَتْ الدُّنْيا عِنْدَهم فَلَيْسُوا يُجَدِّدُونَها وخَرِبَتْ بَيْنَهم فَلَيْسُوا يُعَمِّرُونَها وماتَتْ في صُدُورِهِمْ فَلَيْسُوا يُحْيُونَها، يَهْدِمُونَها فَيَبْنُونَ بِها آخِرَتَهم ويَبِيعُونَها فَيَشْتَرُونَ بِها ما يَبْقى لَهُمْ، رَفَضُوها فَكانُوا بِرَفْضِها هُمُ الفَرِحِينَ، باعُوها فَكانُوا بِبَيْعِها هُمُ الرّابِحِينَ ونَظَرُوا إلى أهْلِها صَرْعى قَدْ خَلَتْ فِيهِمُ المَثُلاتُ فَأحْيَوْا ذِكْرَ المَوْتِ وأماتُوا ذِكْرَ الحَياةِ، يُحِبُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَسْتَضِيؤُونَ بِنُورِهِ ويُضِيئُونَ بِهِ، لَهم خَبَرٌ عَجِيبٌ وعِنْدَهُمُ الخَبَرُ العَجِيبُ، بِهِمْ قامَ الكِتابُ وبِهِ قامُوا وبِهِمْ نَطْقُ الكُتّابِ وبِهِ نَطَقُوا وبِهِمْ عِلْمُ الكِتابِ وبِهِ عَلِمُوا لَيْسَ، يَرَوْنَ نائِلًا مَعَ ما نالُوا ولا أمانِيَّ دُونَ ما يَرْجُونَ ولا فَرْقًا دُونَ ما يَحْذَرُونَ.
يونس 10:64
﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ حُزْنِهِمْ والخَوْفِ عَلَيْهِمْ في قَوْلٍ، وفي آخَرَ جِيءَ بِهِ بَيانًا لِما أوْلاهم سُبْحانَهُ مِن خَيْراتِ الدّارَيْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ جَلَّ وعَلا بِإنْجائِهِمْ
صفحة 151
مِن شُرُورِهِما ومَكارِهِهِما وكَأنَّهُ عَلى هَذا قِيلَ: هَلْ لَهم وراءَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ؟ فَقِيلَ: لَهُمُ البُشْرى إلَخْ. وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ سابِقَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حَقِّ المُقابَلَةِ بَيْنَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وسُوءِ حالِ المُفْتَرِينَ وتَعْجِيلِ إدْخالِ المَسَرَّةِ بِتَبْشِيرِ الخَلاصِ عَنِ الأهْوالِ وتَوْسِيطِ البَيانِ السّابِقِ بَيْنَ التَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهَ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ انْتِفاءَ ما تَقَدَّمَ لِإيمانِهِمْ واتِّقائِهِمْ عَمّا يُؤَدّى إلَيْهِ مِنَ الأسْبابِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الأوْلِياءَ بِالَّذِينِ يَتَوَلَّوْنَهُ تَعالى بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ وجَعَلَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ تَفْسِيرًا لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ تَعالى وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِتَوْلِيَتِهِ تَعالى إيّاهم.
وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ القَيْدِ الأخِيرِ في مَفْهُومِ الوِلايَةِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِها والثَّباتِ عَلَيْها وبِشارَتِهِمْ بِآثارِها ونَتائِجِها بَلْ مُخِلٌّ بِذَلِكَ إذِ التَّحْصِيلُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُورِ والِاسْتِبْشارُ لا يَحْصُلُ إلّا بِما عُلِمَ وُجُودُ سَبَبِهِ. والقَيْدُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِمَقُدُورٍ لَهم حَتّى يَحْصُلُوا الوِلايَةَ بِتَحْصِيلِهِ ولا بِمَعْلُومٍ لَهم عِنْدَ حُصُولِهِ حَتّى يَعْرِفُوا حُصُولَ الوِلايَةِ لَهم ويَسْتَبْشِرُوا بِمَحاسِنِ آثارِها بَلِ التَّوَلِّي بِالكَرامَةِ عَيْنُ نَتِيجَةِ الوِلايَةِ فاعْتِبارُهُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ ثُمَّ الإخْبارُ بِعَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ارْتَكَبَهُ ذَلِكَ البَعْضُ تَكَلَّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ إلَيْهِ وإنْ كانَ ما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةِ خَبَرَهُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ. و﴿البُشْرى﴾ في الأصْلِ الخَبَرُ بِما يُظْهِرُ السُّرُورَ في بَشْرَةِ الوَجْهِ، ومِثْلُها البِشارَةُ وتُطْلَقُ عَلى المُبَشَّرِ بِهِ مِن ذَلِكَ وإلى إرادَةِ كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والظَّرْفانِ بَعْدَهُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، والعامِلُ ما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ لَهُمُ البُشْرى حالَ كَوْنِها في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِها في الآخِرَةِ أيْ عاجِلَةً وآجِلَةً، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والثّابِتُ في أكْثَرِ الرِّواياتِ أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ الَّتِي هي جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ كَما هو المَشْهُورُ، أوْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ وهو وابْنُ ماجَهْ عَنِ الأوَّلِ. فَقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ أيْضًا، وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ وأبُو القاسِمِ ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ المَذْكُورِ قالَ: «أتى رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ إلَخْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَهي الرُّؤْيا الحَسَنَةُ تُرى لِلْمُؤْمِنِ فَيُبَشَّرُ بِها في دُنْياهُ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ فَإنَّها بِشارَةُ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ،» وجاءَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا عَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي قَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ . وعَنِ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ أنَّها هَذا وما يُشاكِلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
صفحة 152
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ الآيَةَ وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: إنَّهم يَعْلَمُونَ أيْنَ هم قَبْلَ أنْ يَمُوتُوا. وجاءَ في تَفْسِيرِ البُشْرى في الآخِرَةِ ما سَمِعْتَ في الخَبَرِ عَنْ جابِرٍ الأخِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّها الجَنَّةُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّ البُشْرى في الدُّنْيا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِالرَّحْمَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلْقى المَلائِكَةُ إيّاهم مُسْلِمِينَ مُبَشَّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ وما يَقْرَأُونَ مِنها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُشْرى العاجِلَةِ نَحْوَ النَّصْرِ والفَتْحِ والغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ ومَحَبَّةِ النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأمّا البُشْرى الآجِلَةُ فَغَنِيَّةٌ عَنِ البَيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَمّا ورَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ إذا صَحَّ وحَيْثُ عَدَلَ مَن عَدَلَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلى ذَلِكَ فِيما أظُنُّ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ البُشْرى في الدّارَيْنِ عَلى البِشارَةِ بِما يُحَقِّقُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ كائِنًا ما كانَ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ السِّباقِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ بُشْرى المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ وقْتًا فَوَقْتًا حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وقَدْ نَطَقَ الكِتابُ العَزِيزُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِهَذِهِ البُشْرى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا بِها بِرَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَواعِيدُهُ الوارِدَةُ بِشارَةً لِلْمُومِنِينَ المُتَّقِينَ فَيَدْخُلُ فِيها البِشاراتُ الوارِدَةُ هَهُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ويَثْبُتُ امْتِناعُ الإخْلافِ فِيها لُطْفًا وكَرَمًا ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، وأُرِيدَ مِن عَدَمِ تَبْدِيلِ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ البُشْرى الرُّؤْيا الصّالِحَةِ عَدَمُ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ ما دَلَّ عَلى ثُبُوتِها ووُقُوعِها فِيما سَيَأْتِي بِطَرِيقِ الوَعْدِ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ لا عَدَمَ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ نَتائِجِها الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ، والمَشْهُورُ أنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ لا يَتَخَلَّفُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ. وقَدْ جاءَ مِن حَدِيثِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ «عَنْ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ في الرُّؤْيا الصّالِحَةَ: كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ رَبُّكَ عَبْدَهُ في المَنامِ» ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن أنَّ لَهُمُ البُشْرى في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ 64﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى البُشْرى بِمَعْنى التَّبْشِيرِ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي وقَعَتْ بِهِ البُشْرى وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الجُمْلَةَ الأوْلى وهَذِهِ الجُمْلَةَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الِاعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في آخِرِ الكَلامِ ولِذا قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: ولَوْ جَعَلْتَ الأُولى مُعْتَرِضَةً والثّانِيَةَ تَذْيِيلًا لِلْمُعْتَرِضِ والمُعْتَرِضِ فِيهِ ومُؤَكِّدَةً لَهُما كانَ أحْسَنَ بِناءً عَلى أنَّ ما في آخِرِ الكَلامِ يُسَمّى تَذْيِيلًا اعْتِراضًا وهو مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ.
يونس 10:65
ومَن جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلُ أيْ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى فالِاعْتِراضُ عِنْدَهُ بَيْنَ مُتَّصِلَيْنِ لا في آخِرِ الكَلامِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَلْقاهُ مِن جِهَةِ الأعْداءِ مِنَ الأذِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن مَقالاتِهِمُ الرَّدِيئَةِ الوَحْشِيَّةِ وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والعِزِّ إثْرَ بَيانِ أنَّ لَهُ ولِأتْباعِهِ أمْنًا مِن كُلِّ مَحْذُورٍ وفَوْزًا بِكُلِّ مَطْلُوبٍ فَهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ إلَخْ مَعْنى وقِيلَ: إنَّهُ
صفحة 153
مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمُ) الآيَةَ. واخْتارَهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ الطَّبَرْسِيُّ
وقَرَأ نافِعٌ ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ مَن أحْزَنَ وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُزْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِكُلِّ ما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ في شَأْنِكَ، مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وإنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالِغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِما أنَّ النَّهْيَ عَنِ ألتَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ قَوْلُهُمْ، لا أرَيَنَّكَ هَهُنا ولا يَأْكُلْكَ السَّبْعُ ونَحْوَهُ، وقَدْ وُجِّهَ فِيهِ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ والمُرادُ هو النَّهْيُ عَنْ المَلْزُومِ قِيلَ: وتَخْصِيصُ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ بِالإيرادِ مَعَ شُمُولِ النَّفْيِ السّابِقِ لِلْخَوْفِ أيْضًا لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يَنْهى عَنْهُ ورُبَّما كانَ يَعْتَرِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ حُزْنٌ فَسَلّى عَنْهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا قُلْنا: إنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ مُتَقارِبانِ فَإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا كَما عَلِمْتَ آنِفًا كانَ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيًا عَنِ الخَوْفِ أيْضًا إلّا أنَّ الأوْلى عَدَمُ اعْتَبارِ ما فِيهِ تَوَهُّمُ نِسْبَةِ الخَوْفِ إلى ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ نَقْصٌ فَقَدْ جاءَ نَهْيُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الخَوْفِ كَنَهْيِهِمْ عَنِ الحُزْنِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ صَرِيحًا نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وهو مِمّا لا يُخِلُّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ خَوْفٍ نَقْصًا لِيُنَزِّهُوا عَنْهُ كَيْفَ كانَ.
﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وقِيلَ: جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا يُحْزِنُهُ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا مِنها أصْلًا لا هم ولا غَيْرُهم فَلا يَقْهَرُ ولا يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ بَلْ يَقْهَرُهم ويَغْلِبُهم ويَعْصِمُكَ مِنهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (أنَّ) بِالفَتْحِ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّ، وحَمَلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلى البَدَلِ ثُمَّ أنْكَرَ القِراءَةَ لِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُقالَ: فَلا يَحْزُنْكَ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وهو فاسِدٌ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى البَدَلِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ أيْضًا عَلى أُسْلُوبِ (ولا تَكُونُنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَيَكُونُ لِلتَّهْيِيحِ والإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ وفِيهِ بَعْدٌ ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ 65﴾ يَسْمَعُ أقْوالَهم في حَقِّكَ ويَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ عَلَيْكَ فَيُكافِؤُهم عَلى ذَلِكَ وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا مَعَ ما فِيهِ مِن تَعْلِيقِ العَلَمِ بِما عُلِّقَ بِالسَّمْعِ، ولَعَلَّ رِوايَتَهُ عَنِ الحَبْرِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْها.
يونس 10:66
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ –بِمَنِ- الشّائِعُ في العُقَلاءِ، والتَّغْلِيبُ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإيذانُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمْ فَإنَّهم مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ إذا كانُوا عَبِيدًا للَّهِ مَمْلُوكِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فَما عَداهم مِنَ المَوْجُوداتِ أوْلى بِذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ المُوجِبُ لِسَلْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَقالاتِ المُشْرِكِينَ تَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ ودَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ ظُنُونِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها والِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ قُصُورٌ فَلا تَكُنْ مِنَ القاصِرِينَ، و(ما) نافِيَةٌ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في
صفحة 154
الحَقِيقَةِ وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ لِجَهْلِهِمْ فالمُرادُ سَلْبُ الصِّفَةِ في الحَقِيقَةِ ونَفْسُ الأمْرِ فَما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ مِن عَدَمِ جَوازِ هَذا الوَجْهِ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمُ الشُّرَكاءَ مَعَ أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (شُرَكاءَ) المَذْكُورَ مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) ويَكُونُ مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) مَحْذُوفًا لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ أوْ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ بِتَقْدِيرِ مَعْمُولِ الظَّنِّ أوْ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مَفْعُولَ (يَتَّبِعُونَ) شُرَكاءَ مَيْلًا إلى إعْمالِ الثّانِي في التَّنازُعِ، وتُعُقِّبُ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ لِأنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ الأوَّلِ مُقَيَّدٌ دُونَ الثّانِي فَلا يَتَحَدُّ المَعْمُولُ والِاتِّحادُ شَرْطٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُ التَّقْيِيدِ عارِضًا بَعْدَ الإعْمالِ بِقَرِينَةِ عامِلِهِ فَلا يُنافِي ما شُرِطَ في البابِ بِالبابِ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِيَتَّبِعُ و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) أيْ أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ المُشْرِكُونَ أيْ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى (مَن) أيْ ولَهُ تَعالى ما يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ خَلْقًا ومَلَكًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ سُبْحانَهُ، وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ عِبارَةٌ أوْ دِلالَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانٍ الاتْباعِ وفَسادِ ما بَنَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي هو الفَسادُ بِمَكانٍ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ باطِلٌ ونَحْوَهُ أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (أنْ يَتَّبِعُونَ) والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ في عِبادَتِهِ أوِ اتْباعِهِ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ الخَطابِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وهي قِراءَةٌ مُتَّجِهَةٌ خِلافًا لِزاعِمِ خِلافِهِ فَإنَّ (ما) فِيها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والعائِدُ عَلى (الَّذِينَ) مَحْذُوفٌ و(شُرَكاءَ) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ (الَّذِينَ) المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم حالَ كَوْنِهِمْ شُرَكاءَ في زَعْمِكم مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ لَهُ وتَوْبِيخًا لَهم عَلى عَدَمِ اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وحاصِلُهُ أنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لكم لا تَقْتَدُونَ بِهِمْ ولا تَتْبَعُونَهم في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقِيلَ: إنْ يَتَّبِعْ هَؤُلاءِ إلّا الظَّنَّ ولا يَتَّبِعُونَ ما يَتْبَعُهُ المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ 66﴾ أيْ يَحْزَرُونَ ويُقَدَّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا أوْ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ الخَرْصَ إمّا بِمَعْنى الحِرْزِ والتَّخْمِينِ كَما هو الأصْلُ الشّائِعُ فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الكَذِبِ فَإنَّهُ جاءَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ في مِثْلِهِ.
يونس 10:67
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ لِيَدُلَّهم عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فَتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرُ تَعْيِينٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِما سَلَفَ مِن كَوْنِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومِلْكَتِهِ المُفْصِحِ عَنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ.
والجُعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْداعِ والخَلْقِ فَمُبْصِرًا حالٌ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَلَكُمُ المَفْعُولُ الثّانِي أوْ حالٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ فالمَفْعُولُ الثّانِي ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أوْ هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كَما أنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ مِنها مَحْذُوفَةٌ اعْتِمادًا عَلى ما في الأُولى، والتَّقْدِيرُ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكم فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما ذَكَرَ في الآخَرِ اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ، وفِيهِ عَلى هَذا صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ والآيَةُ شائِعَةٌ في التَّمْثِيلِ بِها لِذَلِكَ وهو الظّاهِرُ فِيها وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، ومِن هُنا ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لا احْتِباكَ فِيها، والعُدُولُ عَنْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما قَبْلُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ
صفحة 155
لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ المَجْرُورِ الَّذِي هو سَبَبٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ كالَّذِي في قَوْلِ جَرِيرٍ:
لَقَدْ لُمْتِنا ياأُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
وقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ وقِيلَ: إنَّ مُبْصِرًا لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ ذا إبْصارٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في الجُعْلِ المَذْكُورِ أوْ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ حُجَجًا ودَلالاتٍ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةً أوْ آياتٍ أُخَرَ غَيْرَ ما ذَكَرَ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ 67﴾ أيِ الحُجَجَ مُطْلَقًا سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ أوْ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ المَتْلُوَّةَ ونَظائِرَها المُنَبِّهَةَ عَلى تِلْكَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآمِرَةِ بِالتَّأمُّلِ فِيها ذَلِكَ السَّماعَ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاها وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الآياتِ مَنصُوبَةٌ لِمَصْلَحَةِ الكُلِّ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها
يونس 10:68
﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وبَيانُ بُطْلانِهِ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى ما قِيلَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ فَإنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى واليَهُودُ والنَّصارى القائِلُونَ: عُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْناهُ عَزَّ وجَلَّ والِاتِّخاذُ صَرِيحٌ في التَّبَنِّي وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ كُلِّ المُشْرِكِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ بِالوِلادَةِ والتَّوْلِيدِ حَقِيقَةً كانَ ما هُنا قَوْلَ البَعْضِ ولْيُنْظَرُ هَلْ يَجْرِي فِيهِ احْتِمالُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ لِتَحَقُّقِ شَرْطِهِ أمْ لا يَجْرِي لِفَقْدِ ذاكَ والوَلَدُ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا.
وفِي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةً وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووَلَدَةٍ وإلْدَةٍ بِالكَسْرِ فِيهِما ووُلْدٍ بِالضَّمِّ وهو يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى عَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ عَلى ما هو الأصْلُ في مَعْنى سُبْحانَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ مَجازًا ويَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقى وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ التَّعَجُّبَ مَعْنًى كِنائِيٌّ وأنَّهُ يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في الكِنايَةِ وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المُسالَةِ وقِيلَ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ اسْتِفادَةُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِنهُ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ فِيهِ بَلْ هو مِنَ المَعانِي الثَّوانِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ عِلَّةٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مُسَبِّبٌ عَنِ الحاجَةِ وهي التَّقْوى أوْ بَقاءُ النَّوْعِ مَثَلًا وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الغَنِيِّ لِأنَّ المالِكَ لِجَمِيعِ الكائِناتِ هو الغَنِيُّ وما عَداهُ فَقِيرٌ وقِيلَ: هو عِلَّةٌ أُخْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنِ التَّبَنِّي لِأنَّهُ يُنافِي المالِكِيَّةَ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ ﴿بِهَذا﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المُعارِضِ والمُنافِي فَإنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ومَجْرُورُها مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ المُقَدَّمُ خَبَرُهُ أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ كَما سَمِعْتَ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ وقِيلَ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلَيْهِ وإمّا بِما في ﴿عِنْدَكُمْ﴾ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا كَوْنُ ﴿سُلْطانٍ﴾ فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ المَعْنَوِيِّ ومُتَعَلِّقِهِ بِأجْنَبِيٍّ وِالِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ المُبالَغَةِ في الإلْزامِ والإفْحامِ وتَأْكِيدُ ما في قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 156
أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما تَعْمَلُونَ 68 مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى جَهْلِهِمْ واخْتِلاقِهِمْ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو جَهالَةٌ وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن قاطِعٍ وأنَّ التَّقْلِيدَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاهْتِداءِ ولا تَصْلُحُ مُتَمَسِّكًا لِنَفْيِ القِياسِ والعَمَلِ بِخَبَرِ الآحادِ لِأنَّ ذَلِكَ في الفُرُوعِ وهي مَخْصُوصَةٌ بِالأُصُولِ لِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَخْصِيصِها وإنْ عَمَّ ظاهِرُها.
يونس 10:69
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُبَيِّنَ سُوءَ مَغَبَّتِهِمْ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ وفي ذَلِكَ إنْذارٌ لَهم عَنْ الِاسْتِمْرِارِ عَلى ما هم فَيِهِ ولِغَيْرِهِمْ عَنِ الوُقُوعِ في مِثْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في كُلِّ أمْرٍ ويَدْخُلُ الِافْتِراءُ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو أوْلى مِن الِاقْتِصارِ عَلى ما الكَلامُ فِيهِ وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ وغَيْرَهُمُ أيْ إنَّ مَن تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهم كائِنًا ما كانُوا ﴿لا يُفْلِحُونَ 69﴾ لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ عَدَمُ النَّجاةِ مِنَ النّارِ وعَدَمُ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في مَقامِ المُبالِغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ دُونَ التَّعْمِيمِ في المُناسَبَةِ.
يونس 10:70
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَمّا يَتَراءى فِيهِمْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن نَيْلِ المُطالِبِ والفَوْزِ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في ضِمْنِ افْتِرائِهِمْ وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ فَقِيلَ: هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ حَقِيرٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى انْتِفاءِ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ إلى حُكْمِنا رُجُوعُهم بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 70﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا فَأيْنَ هم مِنَ الفَلاحِ وما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ مَتاعٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعَرِّبِينَ غَيْرَ أنَّ أبا البَقاءِ وآخَرِينَ مِنهم قَدَّرُوا المُبْتَدَأ حَياتُهم أوْ تَقَلُّبُهم أوِ افْتَراؤُهُمْ، واعْتُرِضَ عَلى تَقْدِيرِ الأخِيرِ بِأنَّ المَتاعَ إنَّما يُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مَطْبُوعًا عِنْدَ النَّفْسِ مَرْغُوبًا فِيهِ في نَفْسِهِ يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ وإنَّما عَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ونَفْسُ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أقْبَحُ القَبائِحِ عِنْدَ النَّفْسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَطْبُوعًا عِنْدَها وأُجِيبُ بِأنَّ إطْلاقَ المَتاعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عِنْدَ نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ وفِيهِ انْتِفاعٌ لَهم بِهِ حَسْبَما يَرَوْنَهُ انْتِفاعًا وإنْ كانَ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ وغَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مَعَ هَذا أوْجَهُ وقِيلَ إنَّ المَذْكُورَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ لَهم مَتاعٌ إلَخْ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ والآيَةُ إمّا مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ إفْلاحِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ في الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ﴾ وإمّا داخِلَةٌ فِيهِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَأْمُورٌ بِنَقْلِهِ وحِكايَتِهِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ العَزِيزِ