Tafsir Al-Alusi — يونس 10:71 – هود 11:30
المحتويات
- يونس 10:71
- يونس 10:72
- يونس 10:73
- يونس 10:74
- يونس 10:75
- يونس 10:76
- يونس 10:77
- يونس 10:78
- يونس 10:79
- يونس 10:80
- يونس 10:81
- يونس 10:82
- يونس 10:83
- يونس 10:84
- يونس 10:85
- يونس 10:86
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:90
- يونس 10:91
- يونس 10:92
- يونس 10:93
- يونس 10:94
- يونس 10:95
- يونس 10:96
- يونس 10:97
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:102
- يونس 10:103
- يونس 10:104
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- يونس 10:109
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:4
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:9
- هود 11:10
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:15
- هود 11:16
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:21
- هود 11:22
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:26
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:30
يونس 10:71
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ مِن عَدَمِ إفْلاحِ المُفْتَرِينَ وكَوْنِ ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عَلى جَناحِ الفَواتِ وأنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى الشَّقاءِ المُؤَبَّدِ والعَذابِ الشَّدِيدِ ﴿نَبَأ نُوحٍ﴾ أيْ خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ هم أضْرابُ قَوْمِكَ في الكُفْرِ والعِنادِ
صفحة 157
لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِمّا فِيهِ مُزْدَجَرٌ فَلَعَلَّهم يَنْزَجِرُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ أوْ تَنْكَسِرُ شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ولَعَلَّ بَعْضَ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ مِمَّنْ أنْكَرَ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ أنْ يَعْتَرِفَ بِصِحَّتِها فَيُؤْمِنُ بِكَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ ما يُوافِقُ ما تَضَمَّنَهُ المَتْلُوُّ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لَهُ أصْلًا فَيَسْتَحْضِرُ أنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ مِن أحَدٍ ولَمْ تَسْتَفِدْهُ مِن كِتابٍ فَلا طَرِيقَ لِعِلْمِكَ بِهِ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ وهو مَدارُ النُّبُوَّةِ.
وفِي ذَلِكَ مِن تَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن كَوْنِ الكُلِّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ واخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى وانْتِفاءِ الخَوْفِ عَلى أوْلِيائِهِ وحُزْنِهِمْ وتَشْجِيعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَمْلِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ما لا يَخْفى، والِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ قُصُورٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ أوِ التَّعْلِيلِ و(إذْ) بَدَلٌ مِن (نَبَأ) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ مَعْمُولَةٌ لَهُ لا لِاتْلُ لِفَسادِ المَعْنى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (نَبَأ) وأيًّاما كانَ فالمُرادُ بَعْضُ نَبَئِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا كُلُّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ وكانُوا عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ مِن بَنِي قابِيلٍ ﴿يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ نَفْسِي عَلى أنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ مِنهُ النَّفْسُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَما يُقالُ: المَجْلِسُ السّامِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الإقامَةِ يُقالُ: قُمْتُ بِالمَكانِ وأقَمْتُ بِمَعْنًى أيْ إقامَتِي بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً مَدِيدَةً، وكَوْنُها ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَوْلُ في آخِرِ عُمُرِهِ ومُنْتَهى أمْرِهِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلٍ أوِ المُرادُ قِيامُهُ بِدَعْوَتِهِمْ وقَرِيبٌ مِنهُ قِيامُهُ لِتَذْكِيرِهِمْ ووَعْظِهِمْ لِأنَّ الواعِظَ كانَ يَقُومُ بَيْنَ مَن يَعِظُهم لِأنَّهُ أظْهَرُ وأعْوَنُ عَلى الِاسْتِماعِ كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ وكَثِيرًا ما كانَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُومُ عَلى المِنبَرِ فَيَعِظُ الجَماعَةَ وهم قُعُودٌ فَيُجْعَلُ القِيامُ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ ثَباتِ ذَلِكَ وتَقَرُّرِهِ ﴿وتَذْكِيرِي﴾ إيّاكم ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُبْطِلَةِ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ مُبالاتِهِ والتِفاتِهِ إلى اسْتِثْقالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قائِمَةً مَقامَهُ وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهَذا عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِهِ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن مَراتِبِ التَّوَكُّلِ وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ دائِمًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ المَذْكُورِ عِنْدَ الجُمْهُورِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإجْماعِ عَلى التَّوَكُّلِ لا لِتَرْتِيبِ نَفْسِ الإجْماعِ عَلَيْهِ وقِيلَ: إنَّهُ الجَوابُ وما سَبَقَ اعْتِراضٌ وهو يَكُونُ بِالفاءِ. فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ.
ولَعَلَّهُ أقَلَّ غائِلَةً مِمّا تَقَدَّمَ لِما سَمِعْتَهُ مَعَ ما فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وفِيهِ كَلامٌ. و(أجْمِعُوا) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مِن أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ إذا عَزَمْتَ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فَوَصَلَ الفِعْلَ وقِيلَ: إنْ أجْمَعَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ الحَرْثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ
ونَصَّ السُّدُوسِيُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِعَلى كَأجْمَعْتُ الأمْرَ أفْصَحُ مِنَ الإتْيانِ بِها كَأجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: مَعْنى أجْمَعَ أمْرَهُ جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا وتَفَرَّقْتُهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ
صفحة 158
كَذا، فَإذا عَزَمَ فَقَدْ جَمَعَ ما تَفَرَّقَ مِن عَزْمِهِ ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وصَلَ بِعَلى وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَ أجْمَعَ وجَمَعَ عِنْدَ بَعْضٍ وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي والثّانِي في الأعْيانِ فَيُقالُ: أجْمَعْتُ أمْرِي وجَمَعْتُ الجَيْشَ ولَعَلَّهُ أكْثَرِي لا دائِمِي والمُرادُ بِالأمْرِ هُنا نَحْوُ المَكْرِ والكَيْدِ ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ أيِ الَّتِي زَعَمْتُمُ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ لِأنَّ الشُّرَكاءَ عازِمُونَ لا مَعْزُومَ عَلَيْهِمْ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ بِالرَّفْعِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ، ووُجُودُ الفاصِلِ قائِمٌ مَقامَ التَّأْكِيدِ بِالضَّمِيرِ المُفَصَّلِ
وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ وشُرَكاؤُكم يَجْمَعُونَ ونَحْوَهُ وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ بِالعَطْفِ عَلى (أمْرَكُمْ) بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وأمْرَ شُرَكائِكم بِناءً عَلى أنْ أجْمَعَ تَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامُ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِمْ مَن عَلى دِينِهِمْ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ حَذْفٌ والكَلامُ مِنَ الإسْنادِ إلى المَفْعُولِ المَجازِيِّ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ وقِيلَ: إنَّ ذاكَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ لِمُقَدَّرٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وادْعُوا شُرَكاءَكم كَما قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَرَأ نافِعٌ (فاجْمَعُوا) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وعَطْفُ الشُّرَكاءِ عَلى الأمْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: جَمَعْتُ شُرَكائِي كَما يُقالُ: جَمَعْتُ أمْرِي وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى ذَوى أمَرَكم وهو كَما تَرى، والمَعْنى أمَرَهم بِالعَزْمِ والإجْماعِ عَلى قَصْدِهِ والسَّعْيِ في إهْلاكِهِ عَلى أيْ وجْهٍ يُمَكِّنُهم مِنَ المَكْرِ ونَحْوَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ تَعالى وقِلَّةَ مُبالاتِهِمْ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الأمْرِ ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ﴾ ذَلِكَ ﴿عَلَيْكم غُمَّةً﴾ أيْ مَسْتُورًا مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومِنهُ حَدِيثُ وائِلِ ابْنِ حُجْرٍ «(لا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى)» أيْ لا تُسْتَرُ ولا تَخْفى وإنَّما تَظْهَرُ وتُعْلَنُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـغُمَّةَ والمُرادُ نَهْيُهم عَنْ تَعاطِي ما يَجْعَلُ ذَلِكَ غُمَّةً فَإنَّ الأمْرَ لا يُنْهى ويَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإظْهارِ، فالمَعْنى أظْهِرُوا ذَلِكَ وجاهِرُونِي بِهِ فَإنَّ السِّتْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِسَدِّ بابِ تَدارُكِ الخَلاصِ بِالهَرَبِ أوْ نَحْوَهُ فَحَيْثُ اسْتَحالَ ذَلِكَ في حَقِّي لَمْ يَكُنْ لِلسِّتْرِ وجْهٌ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ وإظْهارُ الأمْرِ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وقِيلَ: أظْهَرُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحالِ الشَّدِيدَةِ عَلَيْهِمُ المَكْرُوهَةِ لَدَيْهِمْ لا الأمْرُ الأوَّلُ والمُرادُ بِالغُمَّةِ الغَمُّ كالكُرْبَةِ والكَرْبِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنها، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الزَّمانِ والمَعْنى ثُمَّ لا يَكُنْ حالُكم غَمًّا كائِنًا عَلَيْكم وتَخْلُصُوا بِهَلاكِي مِن ثِقَلِ مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ 71﴾ أيْ أدُّوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ ولا تُمْهِلُونِي عَلى أنَّ القَضاءَ مَن قَضى دَيْنَهُ إذا أدّاهُ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ والقَضاءُ تَخْيِيلٌ وقَدْ يُفَسَّرُ القَضاءُ بِالحُكْمِ أيِ احْكُمُوا بِما تُؤَدُّوهُ إلَيَّ فَفِيهِ تَضْمِينٌ واسْتِعارَةٌ مُكَنِّيَةٌ أيْضًا لِأنَّ تَوْسِيطَ ما يَحْصُلُ بَعْدَ الإهْلاكِ بَيْنَ الأمْرِ بِالعَزْمِ عَلى مُبادِيهِ وبَيْنَ الأمْرِ بِقَضائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ سالِمٌ عَنْ ذَلِكَ وهو ظاهِرٌ وقِيلَ: المُرادُ بِالغُمَّةِ المَعْنى الأوَّلُ وبِالأمْرِ ما تَقَدَّمَ وبِالنَّهْيِ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ أيْ أجْمِعُوا أمْرَكم ثُمَّ تَشاوَرُوا فِيهِ وفِيهِ بَعْدُ لِعَدَمِ ظُهُورِ كِلا التَّرْتِيبَيْنِ الدّالَّةِ عَلَيْهِما ثُمَّ سَواءٌ اعْتُبِرَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ أوْ قِراءَةُ نافِعٍ في (اجْمَعُوا) وقُرِئَ (أفْضُوا) إلَيَّ بِالفاءِ أيِ انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكُمُ أوِ ابْرَزُوا إلَيَّ مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ كَأبْرَزَ إذا خَرَجَ إلى البِرازِ وهو المَكانُ الواسِعُ
يونس 10:72
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ بَقِيتُمْ عَلى إعْراضِكم عَنْ تَذْكِيرِي أوْ أحْدَثْتُمْ إعْراضًا
صفحة 159
مَخْصُوصًا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوفِكم عَلى أمْرِي ومُشاهَدَتِكم مِنِّي ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِي ﴿فَما سَألْتُكُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ تَذْكِيرِي ووَعْظِي ﴿مِن أجْرٍ﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى يُؤَدّى ذَلِكَ إلَيْكم إلى تَوَلِّيكم إمّا لِاتِّهامِكم إيّايَ بِالطَّمَعِ أوْ لِثِقَلِ دَفْعِ المَسْؤُولِ عَلَيْكُمُ أوْ حَتّى يَضُرَّنِي تَوَلِّيكُمُ المُؤَدِّي إلى الحِرْمانِ فالأوَّلُ لِإظْهارِ بُطْلانِ التَّوَلِّي بِبَيانِ عَدَمِ ما يُصَحِّحُهُ والثّانِي لِإظْهارِ عَدَمِ مُبالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وعَلى التَّقْدِيرِ فالفاءُ الأُولى لِتَرَتُّبِ هَذا الشَّرْطِ عَلى الجَزاءِ قَبْلَهُ والفاءُ الثّانِيَةُ لِسَبَبِيَّةِ الشَّرْطِ لِلْإعْلامِ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ بَعْدَهُ كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنْ لَيْسَ في مُصَحِّحٍ لَهُ أوَّلًا تَأثَّرَ مِنهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ ما ذُكِرَ وهو عِلَّتُهُ مَقامَهُ أيْ فَلا باعِثَ لَكم عَلى التَّوَلِّي ولا مُوجِبَ لَهُ أوْ فَلا ضَيْرَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، وكَلامُ البَعْضِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإقامَةِ المَذْكُورَيْنِ يَجِيءُ حَدِيثُ اعْتِبارِ سَبَبِيَّةِ الشَّرْطِ لِلْإعْلامِ وهو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الذَّوْقُ و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ فَما سَألَتْكُمُ أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وتَعْلِيلٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَعْنى الثّانِي أيْ ما ثَوابِي عَلى العِظَةِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ تَعالى يُثِيبُنِي بِذَلِكَ آمَنتُمُ أوْ تَوَلَّيْتُمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ 72﴾ تَذْيِيلٌ عَلى ما قِيلَ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لَهُ والمَعْنى وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مُنْتَظِمًا في عِدادِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ عَلى تَعْلِيمِ الدِّينِ شَيْئًا ولا يَطْلُبُونَ بِهِ دُنْيا، وفِيهِ حَمْلُ الإسْلامِ عَلى ما يُساوِقُ الإيمانَ واعْتِبارِ التَّقْيِيدِ، وعَدَلَ عَنْهُ بَعْضُهم لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَكَلُّفٍ فَحَمَلَ الإسْلامَ عَلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ ولَمْ يُقَيِّدْ، أيْ وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِن جُمْلَةِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ تَعالى لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرَجُو غَيْرَهُ، وفِيهِ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا مِن تَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ وتَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ ما لا يَخْفى ولا يَظْهَرُ أمْرُ التَّأْكِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِكُلِّ ما يُصِيبُ مِنَ البَلاءِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ظُهُورُهُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُقَصِّرْ في إرْشادِهِمْ بِهَذا الكَلامِ وبَلَغَ الغايَةَ القُصْوى فِيهِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم وجْهَ نَظْمِهِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المُحْتَمَلَةِ فَقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في أوَّلِ الأمْرِ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَبَيَّنَ وُثُوقَهُ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ أيْ إنِّي وثَقْتُ بِهِ فَلا تَظُنُّوا بِي أنَّ تَهْدِيدَكم إيّايَ بِالقَتْلِ والإيذاءِ يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ فَقالَ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: أجْمِعُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوجِبُ حُصُولَ مَطْلُوبِكم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلْ أمَرَهُمُ أنْ يُضِيفُوا إلى أنْفُسِهِمْ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حالَهم يَقْوى بِمَكانِهِمْ وبِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذَيْنَ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِما ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ فَأرادَ أنْ يَسْعَوْا في أمْرِهِ غايَةَ السَّعْيِ ويُبالِغُوا فِيهِ غايَةَ المُبالَغَةِ حَتّى يَطِيبَ عَيْشُهم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ رابِعًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ آمِرًا لَهم بِأداءِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيْهِ ثُمَّ ضَمَّ إلى ذَلِكَ خامِسًا ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ فَنَهاهم عَنِ الإمْهالِ وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ كَيْدَهم لا يَضُرُّهُ ولا يَصِلُ إلَيْهِ وأنَّ مَكْرَهم لا يَنْفُذُ فِيهِ ما هو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأبْيَنُ مِن أمْسِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ الحُجَّةَ لازِمَةً عَلَيْهِمْ ويُبَرِّئَ ساحَتَهُ فَنَفى سُؤالَهُ إيّاهم شَيْئًا مِنَ الأجْرِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ أجْرَهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ مُشِيرًا إلى مَزِيدِ
صفحة 160
كَرْمِهِ جَلَّ جَلالُهُ وأنَّهُ يُثِيبُهُ عَلى فِعْلِهِ سَألَهُ أوْ لَمْ يَسْألْهُ ولِذا لَمْ يَقُلْ إنَّ سُؤالِي الأجْرَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِما يَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ سُؤالِهِمْ والِالتِفاتُ إلى ما عِنْدَهم وأنْ يَتَّصِفَ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِأنَّ ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أبْلَغُ مِن مُسْلِمًا كَما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ وفي ذَلِكَ قَطْعُ ما عَسى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ إجابَةِ دَعَوْتِهِ والِاتِّعاظِ بِعِظَتِهِ إلّا أنَّ القَوْمَ قَدْ بَلَغُوا الغايَةَ في العِنادِ والتَّمَرُّدِ.
يونس 10:73
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ فَأصَرُّوا بَعْدَ أنْ لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْسِ الإلْزامِ مَنزَعًا وفي كَأْسِ بَيانِ أنْ لا سَبَبَ لِتَوَلِّيهِمْ غَيْرُ التَّمَرُّدِ مُكْرِعًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ وهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ فَصِيحَةٌ في رَأْيٍ أيْ فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْجَيْناهُ وأنْكَرَ ذَلِكَ الشِّهابُ وادَّعى أنَّ ذِكْرَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ في عِبارَةِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ تَوْطِئَةٌ لِلتَّفْرِيعِ لا إشارَةٌ إلى أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ وأنا لا أرى فِيهِ بَأْسًا إلّا أنَّ تَقْدِيرَ فَعامَلْنا كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ونَحْوَهُ عِنْدِي أوْلى، ومُتَعَلِّقُ الإنْجاءِ مَحْذُوفٌ أيْ مِنَ الغَرَقِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وقِيلَ: مِن أيْدِي الكُفّارِ فَخَلَّصْناهُ مِن ذَلِكَ ﴿ومَن مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ وكانُوا في المَشْهُورِ أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ دُونَ ذَلِكَ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ وهو مُفْرَدٌ هَهُنا، والجارُّ كَما قالَ الأجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِأنْجَيْناهُ أيْ وقَعَ الإنْجاءُ في الفُلْكِ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ قَبْلَهُ الواقِعُ صِلَةً أيْ والَّذِينَ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ ﴿وجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ عَمَّنْ هَلَكَ بِالإغْراقِ بِالطُّوفانِ وهو جَمْعُ خَلِيفَةٍ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهُمُ الباقُونَ مِن قَوْمِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْإغْراقِ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الإنْجاءِ والِاسْتِخْلافِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ ولِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى الغَضَبِ الَّذِي هو مِن مُسْتَتْبَعاتِ جَرائِمِ المُجْرِمِينَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ 73﴾ المُخَوَّفِينَ بِاللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبِينَ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى إصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَنْجَعِ الإنْذارُ فِيهِمْ ولَمْ يُفِدْهم شَيْئًا وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَ قَوْمًا بِالِاسْتِئْصالِ إلّا بَعْدَ الإنْذارِ لِأنَّ مَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ والنَّظَرُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَكُونُ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ والثّانِي أكْثَرُ عِنْدَ الخاصَّةِ وسِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ ما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرِ مَن كَذَّبَ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ اعْتُبِرَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا مَن أنْذَرَهُ
يونس 10:74
﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ أيْ أرْسَلْنا مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿رُسُلا﴾ أيْ كِرامًا ذَوَيْ عُذْرٍ كَثِيرٍ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ قِيلَ: أيْ إلى أقْوامِهِمْ عَلى مَعْنى أرْسَلَنا كُلَّ رَسُولِ اللَّهِ إلى قَوْمٍ خاصَّةً مِثْلَ هُودٍ إلى عادٍ وصالِحٍ إلى ثَمُودَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ قَصَّ مِنهم ومَن لَمْ يَقُصَّ لا عَلى مَعْنى أرْسَلْنا كُلَّ رَسُولٍ مِنهم إلى أقْوامِ الكُلِّ أوْ إلى قَوْمٍ أيَّ قَوْمٍ كانُوا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عُمُومَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وظاهِرُ كَلامِهِمُ الإجْماعُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِمَّنْ أُرْسِلَ بَعْدَ نُوحٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ كافَّةً أوْ إلى أهْلِ
صفحة 161
صَقْعٍ مِنها وعَلَيْهِ يُبْنى النَّظَرُ في الغَرَقِ هَلْ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ أوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ وهم أهْلُ دَعْوَتِهِ المُكَذِّبِينَ بِهِ كَما هو ظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرّاجِحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هو الثّانِي وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الأرْضِ كَأهْلِ الصِّينِ وغَيْرِهِمْ يُنْكِرُونَ عُمُومَ الغَرَقِ، والأوَّلُ لا يُنافِي القَوْلَ بِاخْتِصاصِ عُمُومِ الرِّسالَةِ عَلى العُمُومِ المَشْهُورِ بَيْنَ الخُصُوصِ والعُمُومِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الغَرَقَ كانَ عامًّا مَعَ خُصُوصِ البَعْثَةِ ولا مانِعَ مِن أنْ يُهْلِكَ اللَّهُ تَعالى مَن لا جِنايَةَ لَهُ مَعَ مَن لَهُ جِنايَةٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ إذْ هو تَصَرَّفَ في خالِصِ مُلْكِهِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ نَوْعُ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ نَعَمْ قَدْ ثَبَتَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عُمُومُ الرِّسالَةِ انْتِهاءً حَيْثُ لَمَّ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ إذْ ذاكَ فالفَرْقُ بَيْنَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورِسالَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ فَإنَّ رِسالَةَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عامَّةٌ ابْتِداءً وانْتِهاءً ورِسالَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عامَّةٌ انْتِهاءً لا ابْتِداءً ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ في اخْتِصاصِ عُمُومِ رِسالَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنُها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ نُوحٍ وبَعْدَهُ مِمّا لا يُتَنازَعُ فِيهِ وهَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يُلاحِظْ في العُمُومِ الجِنُّ وكَذا المَلائِكَةُ إذا لُوحِظَ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فَأمْرُ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأظْهَرُ.
﴿فَجاءُوهُمْ﴾ أيْ فَأتى كُلُّ رَسُولِ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما يَقُولُونَ والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَما عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ لَكِنْ لا بِأنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ بِبَيِّنَةٍ فَقَطْ بَلْ بِأنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أوْ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ خاصَّةٍ بِهِ مُعَيَّنَةٍ لَهُ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وإلى نَفْيِ إرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ وإرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: فَإنَّ مُراعاةَ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ إنَّما هي في ضَمِيرَيْ (جاءوهُمْ) كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ صَنِيعَنا أحْسَنُ مِن صَنِيعِهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ انْفِهامَ إرْسالِ كُلِّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ مِن إضافَةِ القَوْمِ إلى ضَمِيرِ ﴿رُسُلا﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ المُقْتَضِي لِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ ولا شَكَّ أنَّ انْفِهامَ مَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ تابِعٌ لِذَلِكَ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ إذا اعْتَبِرَ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ في (جاءوهُمْ) بِالبَيِّناتِ وقِيلَ بِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ بَيِّنَةٌ جاءَ بِها كَما أنَّ باعَ القَوْمُ دَوابَّهم لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ دابَّةٌ واحِدَةٌ باعَها فَإنَّ مَعْناهُ باعَ كُلٌّ مِنَ القَوْمِ ما لَهُ مِنَ الدَّوابِّ وهو يَعُمُّ الدّابَّةَ الواحِدَةَ وغَيْرَها وهَذا بِخِلافِ رَكْبِ القَوْمِ دَوابَّهم فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ إرادَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الدَّوابِّ لِاسْتِحالَةِ رُكُوبِ الشَّخْصِ دابَّتَيْنِ مَثَلًا وقَدْ نَصَّ العَلّامَةُ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ انْقِسامُ الآحادِ عَلى الآحادِ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أحَدِ الجَمْعَيْنِ واحِدٌ مِنَ الجَمْعِ الآخَرِ وهو ظاهِرٌ فِيما قُلْنا والمِعْوَلُ عَلَيْهِ في كَوْنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ المِثالِ الأوَّلِ أمْرٌ خارِجٌ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ جاءَ قَوْمَهُ بِبَيِّناتٍ فَوْقَ الواحِدَةِ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَيانٌ
صفحة 162
لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي أيْ فَما صَحَّ ولا اسْتَقامَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يُؤْمِنُوا لِشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ومَزِيدِ عِنادِهِمْ، وضَمِيرُ الجَمْعِ هُنا لِلْقَوْمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ والباءُ فِيهِ صِلَةُ يُؤْمِنُوا و(ما) مَوْصُولَةٌ والمُرادُ بِها جَمِيعُ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها والمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِها إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللتيا والَّتِي وبِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن حِينَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ الإصْرارِ والعِنادِ وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَحْكِيَّ آخِرُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ حِكايَةُ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يُجْعَلْ التَّكْذِيبُ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كَما جُعِلَ عَدَمُ إيمانِهِمْ كَذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أهْلِ العُقُولِ وإذا كانَ المَحْكِيُّ جَمِيعَ أحْوالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ فالمُرادُ بِهَدْمِ إيمانِهِمُ المُفادِ بِالنَّفْيِ السّابِقِ كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ إصْرارِهِمْ وبِعَدَمِ إيمانِهِمُ المَفْهُومِ مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ كُفْرُهم قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرادُ حِينَئِذٍ مِنَ المَوْصُولِ أُصُولُ الشَّرائِعِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ قاطِبَةً ودَعَوْا أُمَمَهم إلَيْها كالتَّوْحِيدِ ولَوازِمِهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ تَبَدُّلُهُ وتَغَيُّرُهُ ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ أنَّهم ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوا بِذَلِكَ قَطُّ بَلْ كَأنَّ كُلَّ قَوْمٍ يَتَسامَعُونَ بِهِ مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَهُ ثُمَّ كانَتْ حالُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ كَحالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالبَعْثَةِ وكانَتْ حالُهم بَعْدَ البَعْثَةِ كَحالِهِمْ قَبْلَها في كَوْنِهِمْ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ والأوَّلُ أوْلى، وتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمُ الإيمانِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأُصُولِ لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكافَّةُ فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ البَعْضُ أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِأنَّ ما عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ العَذابِ عِنْدَ اجْتِماعِ التَّكْذِيبِيِّنَ هو التَّكْذِيبُ الواقِعُ بَعْدَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وإنَّما ذَكَرَ ما وقَعَ قَبْلُ بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وفَكَّكَ بَعْضُهم بَيْنَ الضَّمائِرِ فَقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿كانُوا﴾ و(يُؤْمِنُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ وضَمِيرُ ﴿كَذَّبُوا﴾ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ أيْ بِمِثْلِهِ والمُرادُ بِهِ ما بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإبْلاغِهِ.
وجُوِّزَ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ نُوحٌ نَفْسُهُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَوْ آمَنُوا بِهِ آمَنُوا بِأنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعْلِ الباءِ سَبَبِيَّةً و(ما) مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى كَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ وأيَّدَهُ بِالآيَةِ الآتِيَةِ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الجُمْهُورِ مِن جَعْلِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ اسْمًا كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ وابْنِ السَّرّاجِ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَيْها وفي إرْجاعِهِ إلى الحَقِّ بِادِّعاءِ كَوْنِهِ مَرْكُوزًا في الأذْهانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعَسُّفِ وقِيلَ: (ما) مَوْصُوفَةٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْضًا أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ بِشَيْءٍ كَذَّبُوا بِهِ وهو العِنادُ والتَّمَرُّدُ وهو كَما تَرى.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحَكِّمِ ﴿نَطْبَعُ﴾ فالإشارَةُ عَلى حَدِّ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا مَرَّ، وجَعْلُ الإشارَةِ إلى الإغْراقِ كَما فَعَلَ الخازِنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والطَّبْعُ يُطْلَقُ عَلى تَأْثِيرِ الشَّيْءِ بِنَقْشِ الطّابَعِ وعَلى الأثَرِ الحاصِلِ عَنِ النَّقْشِ والخَتْمُ مِثْلُهُ في ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ بِصُورَةٍ ما كَطَبْعِ السِّكَّةِ وطَبْعِ الدَّراهِمِ وأنَّهُ أعَمُّ مِنَ الخَتْمِ وأخَصُّ مِنَ النَّقْشِ والأكْثَرُونَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالخَتْمِ مُرادًا بِهِ المَنعُ أيْ نَخْتِمُ
صفحة 163
﴿عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ 74﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ في الكُفْرِ والعِنادِ ونَمْنَعُها لِذَلِكَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِ الرَّشادِ وقَدْ جاءَ الطَّبْعُ بِمَعْنى الدَّنَسِ ومِنهُ طَبْعُ السَّيْفِ لِصَدَئِهِ ودَنَسِهِ وبَعْضُهم حَمَلَ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وفَسَّرَهُ المُعْتَزِلَةُ حَيْثُ وقَعَ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى بِالخِذْلانِ تَطْبِيقًا لَهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ جارٍ مَجْرى الكِنايَةِ عَنْ عِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لِأنَّ مَن عانَدَ وثَبَتَ عَلى اللَّجاجِ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهُ التَّوْفِيقَ واللُّطْفَ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَراكَمَ الرَّيْنُ والطَّبْعُ عَلى قَلْبِهِ، ومُرادُهُ كَما قِيلَ أنْ ﴿نَطْبَعُ﴾ بِمَعْنى نَخْذُلَ عَلى سَبِيلِ الاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ لَكِنْ لَمّا كانَ الطَّبْعُ الَّذِي هو الخِذْلانُ تابِعًا لِعِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لازِمًا لَهُما أُجْرِي مَجْرى الكِنايَةِ عَنْهُما وقُرِئَ (يَطْبَعُ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
يونس 10:75
﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوسى وهارُونَ أوْثَرَ التَّنْصِيصَ عَلى بَعْثَتِهِما عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ ضَرْبِ تَفْصِيلٍ إيذانًا بِخَطَرِ شَأْنِ القِصَّةِ وعِظَمِ وقْعِها ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ أشْرافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلى رَأْيٍ فَيَمْلَأُونَ العَيْنَ رِواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأصالَتِهِمْ في إقامَةِ المَصالِحِ والمُهِمّاتِ ومُراجَعَةِ الكُلِّ إلَيْهِمْ في النَّوازِلِ والمُلِمّاتِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُنا مُطْلَقُ القَوْمِ مِنِ اسْتِعْمالِ الخاصِّ في العامِّ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ أدِلَّتِنا ومُعْجِزاتِنا وهي الآياتُ المُفَصَّلاتُ في الأعْرافِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِها ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ تَكَبَّرُوا وأُعْجِبُوا بِأنْفُسِهِمْ وتَعَظَّمُوا عَنْ الاتِّباعِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَأتَياهم فَبَلَّغاهُمُ الرِّسالَةَ فاسْتَكْبَرُوا وأُشِيرَ بِهَذا الِاسْتِكْبارِ إلى ما وقَعَ مِنهم أوَّلَ الأمْرِ مِن قَوْلِ اللَّعِينِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ 75﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ وجُوِّزَ فِيها الحالِيَّةُ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تُفِيدُ اعْتِيادَهُمُ الإجْرامَ وهو فِعْلُ الذَّنْبِ العَظِيمِ أيْ وكانُوا قَوْمًا شَأْنُهم ودَأْبُهم ذَلِكَ.
وقَدْ يُؤْخَذُ مِمّا ذُكِرَ تَعْلِيلُ اسْتِكْبارِهِمْ والحَمْلُ عَلى العَطْفِ السّاذَجِ لا يُناسِبُ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ ولا يُلائِمُها فَمَعْلُومٌ هَذا القَدْرُ مِن سَوابِقِ أوْصافِهِمْ
يونس 10:76
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْضًا مُعْرِبَةٌ عَمّا صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ مُوسى: قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ﴿قالُوا﴾ مِن فَرْطِ عِنادِهِمْ وعُتُوِّهِمْ مَعَ تَناهِي عَجْزِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ 76﴾ أيْ ظاهِرُ كَوْنِهِ سِحْرًا أوْ واضِحٌ في بابِهِ فائِقٌ فِيما بَيْنَ أضَرابِهِ فَمُبِينٌ مِن أبانَ بِمَعْنى ظَهَرَ واتَّضَحَ لا بِمَعْنى أظْهَرَ وأوْضَحَ كَما هو أحَدُ مَعْنَيَيْهِ والإشارَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَهم والمُرادُ بِهِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ الآياتُ، وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورٍ حَقِّيَّتِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدِ، ونِسْبَةُ المَجِيءِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ تُشِيرُ أيْضًا إلى غايَةِ ظُهُورِهِ وشِدَّةِ سُطُوعِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ، ومِن هُنا قِيلَ في المَعْنى: فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا وعَرَفُوهُ قالُوا إلَخْ فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَعْرِفَةِ، وإنَّما تُعْلَمُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ مِن قِلَّةِ المَعْرِفَةِ لِظُهُورِ دَلالَةِ ما عَلِمْتَ وكَذا ما قالُوا بِناءً عَلى ما قِيلَ مِن دَلالَتِهِ عَلى الِاعْتِرافِ وتَناهِي العَجْزِ عَلَيْها وقُرِئَ (لَساحِرٌ)
صفحة 164
وعَنَوْا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الَّذِي ظَهَرَ عَلى يَدِهِ ما أعْجَزَهُمْ
يونس 10:77
﴿قالَ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي هو الباطِلُ البَحْتُ ﴿لَمّا جاءَكُمْ﴾ أيْ حِينَ مَجِيئِهِ إيّاكم ووُقُوفِكم عَلَيْهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا أوْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ كَما قِيلَ، وأيًّا ما كانَ فَهو مِمّا يُنافِي القَوْلَ الَّذِي في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ ولَوْ عَلى نَهْجِ الحِكايَةِ أيْ أتَقُولُونَ لَهُ ما تَقُولُونَ مِن أنَّهُ سِحْرٌ مُبِينٌ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ قائِلٌ ويَتَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقُولُ القَوْلِ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى أنَّ مَقْصُودَهم بِالِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا الِاسْتِفْهامُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّهم قَدْ بَتُّوا القَوْلَ بِأنَّهُ سِحْرٌ فَكَيْفَ يَسْتَفْهِمُونَ عَنْهُ والمَحْكِيُّ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَفْهُومُ قَوْلِهِمْ ومَعْناهُ وإلّا فالقِصَّةُ واحِدَةٌ والصّادِرُ فِيها بِحَسَبِ الظّاهِرِ إحْدى المَقالَتَيْنِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ وأنْ يَكُونَ القَوْلُ بِمَعْنى العَيْبِ والطَّعْنِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَخافُ القالَةَ وبَيْنَ النّاسِ تُقاوِلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُهُ ونَظِيرُهُ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنِ المَفْعُولِ واللّامِ لِبَيانِ المَطْعُونِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ وكَذا الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ سِحْرًا وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلَيْهِ إثْرَ تَوْبِيخٍ وتَجْهِيلٌ إثْرَ تَجْهِيلٍ، أمّا عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فَوَجْهُ إيثارِ إنْكارِ كَوْنِهِ سِحْرًا عَلى إنْكارِ كَوْنِهِ مَعِيبًا بِأنْ يُقالَ: أفِيهِ عَيْبٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإنْكارِ السّابِقِ التَّصْرِيحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ في خُصُوصِيَّةِ ما عابُوهُ بِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ بِالإنْكارِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ عَيْبٍ ما، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَصَبُّ الإنْكارِ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى القُرْبِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ واسْتِحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى المُنادِيَةِ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ سِحْرًا هَذا الَّذِي أمْرُهُ واضِحٌ مَكْشُوفٌ وشَأْنُهُ مُشاهَدٌ مَعْرُوفٌ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ مُبْصِرَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ 77﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ وما فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ وقَدِ اسْتَلْزَمَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ سِحْرًا القَوْلَ بِكَوْنِ مَن أتى بِهِ ساحِرًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والرّابِطُ الواوُ بِلا ضَمِيرٍ كَما في قَوْلِهِ: جاءَ الشِّتاءُ ولَسْتُ أمْلِكُ عُدَّةً، وقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ ولَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ فاعِلُهُ أيْ لا يَظْفَرُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ وأنا قَدْ أفْلَحْتُ وفُزْتُ بِالحُجَّةِ ونَجَوْتُ مِنَ الهَلَكَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ الحالِ وذْيها لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ سِحْرًا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ قَبْلَ بَيانِ اسْتِحالَتِهِ بِالنَّظَرِ إلى صُدُورِهِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن جَعَلَها مَقُولَ القَوْلِ أبْقى الحالِيَّةَ عَلى حالِها، ولا اعْتِراضَ عِنْدَهُ وكانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ أتَحْمِلُونِي عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وما أنا عَلَيْهِ مِنَ الفَلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّحْرِ أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في حَيِّزِ قَوْلِهِمْ وهي حالِيَّةٌ أيْضًا لَكِنْ عَلى نَمَطٍ آخَرَ والِاسْتِفْهامُ مَصْرُوفٌ إلَيْها والمَعْنى أجِئْتَنا بِسِحْرٍ تَطْلُبُ بِهِ الفَلاحَ والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ أوْ هم يَتَعَجَّبُونَ مِن فَلاحِهِ وهو ساحِرٌ ولا يَخْفى أنَّ السِّباقَ والسِّياقَ يَأْبَيانِ
صفحة 165
هَذا التَّجْوِيزَ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ تَجْوِيزَ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مَقُولَ القَوْلِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أصْلًا، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ ما قالُوا هو الحُكْمُ بِأنَّهُ سِحْرٌ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما تَعَسَّفَ فِيهِ مِنَ المَعْنى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَصَرَفَ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ صَرِيحِ ما خاطَبُوهُ بِهِ إلى ما لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ وكَوْنُ ذَلِكَ اعْتِراضًا عَنْ رَدِّ الإنْكارِ السّابِقِ إلى رَدِّ ما هو أبْلَغُ مِنهُ في الإنْكارِ لا أراهُ يَحْسُنُ الِالتِفاتُ هُنا إلى قَبُولِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ.
وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ إفْلاحِ السَّحَرَةِ عَلى الإطْلاقِ مِن وظائِفِ مَن يَتَمَسَّكُ بِالحَقِّ المُبِينِ دُونَ الكَفَرَةِ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ بَعْضٍ مِنهم في مُعارَضَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَلامَهم لَناسَبَ تَخْصِيصَ عَدَمِ الإفْلاحِ بِمَن زَعَمُوهُ ساحِرًا بِناءً عَلى غَلَبَةِ مَن يَأْتُونَ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ، والِاعْتِذارُ بِأنَّ التَّشَبُّثَ بِأذْيالِ بَعْضِ السَّحَرَةِ لا يُنافِي التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ إفْلاحِهِمْ عَلى الإطْلاقِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم عَدَمَ الفَلاحِ مُطْلَقًا وتَشَبُّثُهم بَعْدَ بِما تَشَبَّثُوا بِهِ مِن بابِ تَلَقِّي الباطِلِ بِالباطِلِ لا أُراهُ إلّا مِن بابِ تَشَبُّثِ الغَرِيقِ بِالحَشِيشِ،
يونس 10:78
وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ فانْقَطَعُوا عَنِ الإتْيانِ بِكَلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضْلًا عَنِ الجَوابِ الصَّحِيحِ واضْطُرُّوا إلى التَّشَبُّثِ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو دَأْبُ كُلِّ عاجِزٍ مَحْجُوجٍ ودَيْدَنُ كُلِّ مُعالِجٍ لَجُوجٍ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا قَبْلَهُ مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى طَرِيقَةِ ﴿قالَ مُوسى﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهم ما قالَ فَقِيلَ: قالُوا عاجِزِينَ عَنِ المُحاجَّةِ: أجِئْتَنا ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ أيْ لِتَصْرِفْنا، وبَيْنَ اللَّفْتِ والفَتْلِ مُناسِبَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ واشْتِقاقِيَّةٌ وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُما أخَوانِ ولَيْسَ أحَدُهُما مَقْلُوبًا مِنَ الآخَرِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَسَنّى بِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شُرِحَ إذْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَحْكِيًّا مِن قِبَلِهِمْ يَكُونُ جَوابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خالِيًا عَنِ التَّبْكِيتِ المُلْجِئِ لَهم إلى العُدُولِ عَنْ سُنَنِ المُحاجَّةِ ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: ﴿أجِئْتَنا﴾ إلَخْ وبَيْنَ إنْكارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما حَكى عَنْهم مُصَحِّحَةٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا عَنْهُ وهَذا ظاهِرٌ إلّا عَلى مَن حُجِبَ عَنْ إدْراكِ البَدِيهِيّاتِ، وبِالجُمْلَةِ الحَقُّ أنْ لا وجْهَ لِذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِوَجْهٍ والِانْتِصارُ لَهَ مِنَ الفُضُولِ كَما لا يَخْفى ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ أيِ المُلْكُ، كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ فَهو مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءَ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا وقِيلَ: أيِ العَظَمَةُ والتَّكَبُّرُ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ. وزَيْدُ عَنْ يَعْقُوبَ (يَكُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وقِيلَ: أُرِيدَ الجِنْسُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَكُونَ أوْ بِالكِبْرِياءِ أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في لَكُما لِوُقُوعِهِ خَبَرًا أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ﴿الكِبْرِياءُ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَكُما﴾ لِتَحَمُّلِهِ إيّاهُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ 78﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ أصْلًا، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ والمُرادُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما لَمْ يَفْرِدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخِطابِ هُنا كَما أفْرَدُوهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ المُشافِهُ لَهم بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ تَعْظِيمًا لِأمْرٍ ما هو أحَدُ سَبَبَيِ الإعْراضِ مَعْنى ومُبالَغَةً في
صفحة 166
إغاظَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإقْناطِهِ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ إفْرادِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ المَقامَيْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِ الكِبْرِياءِ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ واسْتِلْزامِ التَّصْدِيقِ لِأحَدِهِما التَّصْدِيقَ لِلْآخَرِ، وأمّا اللَّفْتُ والمَجِيءُ لَهُ فَحَيْثُ كانا مِن خَصائِصِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ أُسْنِدَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً انْتَهى فَتَدَبَّرْ.
يونس 10:79
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْهِ وحْدَهُ لِأنَّ الأمْرَ مِن وظائِفِهِ دُونَ المَلَأِ وهَذا بِخِلافِ الأفْعالِ السّابِقَةِ مِن الِاسْتِكْبارِ ونَحْوِهِ فَإنَّها مِمّا تُسْنَدُ إلَيْهِ وإلى مَلَئِهِ لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ في القائِلِينَ ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ عِبادَةَ أحَدٌ كَما كانَ يَفْعَلُهُ مَلَؤُهُ وسائِرُ قَوْمِهِ أيْ قالَ لِمَلَئِهِ يَأْمُرُهم بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ الإلْزامِ بِالفِعْلِ بَعْدَ اليَأْسِ عَنِ الإلْزامِ بِالقَوْلِ ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ 79﴾ بِفُنُونِ السِّحْرِ حاذِقٍ ماهِرٍ فِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (سَحّارٍ)
يونس 10:80
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ قَدْ حُذِفَ إيذانًا بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِمْ لِلْأمْرِ كَما هو شَأْنُ الفاءِ الفَصِيحَةِ وقَدْ نُصَّ عَلى نَظِيرِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ فَأتَوْا بِهِ فَلَمّا جاؤُوا ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ 80﴾ أيْ ما ثَبَتُّمْ واسْتَقَرَّ رَأْيُكم عَلى إلْقائِهِ كائِنًا ما كانَ مِن أصْنافِ السِّحْرِ، وأصْلُ الإلْقاءِ طَرْحُ الشَّيْءِ حَيْثُ تَلْقاهُ أيْ تَراهُ ثُمَّ صارَ في العُرْفِ اسْمًا لِكُلِّ طَرْحٍ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما قالُوا لَهُ ما حُكِيَ عَنْهم في السُّوَرِ الأُخَرِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ مَجِيئِهِمْ و(ما) مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مُلْقُونَ إيّاهُ ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإشْعارِ بِعَدَمِ المُبالاةِ والمُرادُ أمْرُهم بِتَقْدِيمِ ما صَمَّمُوا عَلى فِعْلِهِ لِيَظْهَرَ إبْطالُهُ ولَيْسَ المُرادُ الأمْرَ بِالسِّحْرِ والرِّضا بِهِ
يونس 10:81
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا مِنَ العِصِيِّ والحِبالِ واسْتَرْهَبُوا النّاسَ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿قالَ﴾ لَهم ﴿مُوسى﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ (ما) مَوْصُولَةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً و(السِّحْرُ) خَبَرٌ وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والتَّعْرِيفِ لِإفادَةِ القَصْرِ إفْرادًا أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا الَّذِي سَمّاهُ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى سِحْرًا وهو لِلْجِنْسِ ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِتَقَدُّمِ السِّحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ ورَدَ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِها لِلْعَهْدِ اتِّحادُ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ ذاتًا كَما في ﴿أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ولا اتِّحادَ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ السِّحَرالمُتَقَدِّمَ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا ما جاءَ بِهِ السَّحَرَةُ ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ اشْتِراطَ الِاتِّحادِ الذّاتِيِّ مُدَّعِيًا أنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ كافٍ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ مَعَ أنَّ السَّلامَ الواقِعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ السَّلامِ الواقِعِ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ذاتًا والظّاهِرُ اشْتِراطُ ذَلِكَ وعَدَمُ كِفايَةِ الِاتِّحادِ في الجِنْسِ وإلّا لَصَحَّ في رَأيْتُ رَجُلًا وأكْرَمْتُ الرَّجُلَ إذا كانَ الأوَّلُ زَيْدًا والثّانِي عَمْرًا مَثَلًا أنْ يُقالَ: إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِأنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ ظاهِرٌ ولَمْ نَجِدْ مَن يَقُولُهُ بَلْ لا أظُنُّ أحَدًا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وما في الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ بَلِ المُغايِرَةُ بَيْنَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ أظْهَرُ إذِ الأوَّلُ سِحْرٌ ادِّعائِيٌّ والثّانِي حَقِيقِيٌّ و(السَّلامُ) فِيما قَلَوْا مُتَحِدٌّ، وتَعَدُّدُ مَن وقَعَ عَلَيْهِ لا يَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا في العُرْفِ والتَّدْقِيقُ الفَلْسَفِيُّ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ مَعَ دَعْوى اسْتِفادَةِ القَصْرِ مِنهُ مِمّا يَتَنافَيانِ لِأنَّ
صفحة 167
القَصْرَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ نَعَمْ إذا لَمْ يُرِدْ بِالنَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا مُعَيَّنَ ثُمَّ عُرِّفَتْ لا يُنافِي التَّعْرِيفُ الجِنْسِيَّةَ لِأنَّ النَّكِرَةَ تُساوِي تَعْرِيفَ الجِنْسِ فَحِينَئِذٍ لا يُنافِي تَعْرِيفُ العَهْدِ القَصْرَ وإنْ كانَ كَلامُهم يُخالِفُهُ ظاهِرًا فَلْيُحَرَّرِ انْتَهى.
وأقُولُ: دَعْوى الفَرّاءِ العَهْدَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجِنْسَ وإنْ عَبَّرَ بِالعَهْدِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عُصْفُورٍ أنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُسَمّى الألِفُ واللّامُ اللَّتانِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عَهْدِيَّتَيْنِ لِأنَّ الأجْناسَ عِنْدَ العُقَلاءِ مَعْلُومَةٌ مُذْ فَهِمُوها والعَهْدُ تُقَدِّمُ المَعْرِفَةَ. وادَّعى أبُو الحَجّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ أنَّ ألْ لا تَكُونُ إلّا عَهْدِيَّةً وتَأوَّلَهُ بِنَحْوِ ما ذَكَرَ إلّا أنَّ ظاهِرَ التَّعْلِيلِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (سِحْرٌ) بِالتَّنْكِيرِ وأُبَيٌّ (ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةِ التَّعْرِيضِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وجُوِّزَ في (ما) في جَمِيعِ هَذا القِراءاتِ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (آلسِّحْرُ) بِقَطْعِ الألِفِ ومَدِّها عَلى الِاسْتِفْهامِ فَما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلى الِابْتِداءِ و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ خَبَرُها و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ شَيْءٌ جَسِيمٌ جِئْتُمْ بِهِ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هُوَ، وقَدْ يُجْعَلُ السِّحْرُ بَدَلًا مِن (ما) كَما تَقُولُ ما عِنْدَكَ أدِينارٌ أمْ دِرْهَمٌ، وقَدْ تُجْعَلُ (ما) نَصْبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بَعْدَها أيْ أيُّ شَيْءٍ أتَيْتُمْ بِهِ و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ مُفَسِّرٌ لَهُ وفي (السِّحْرُ) الوَجْهانِ الأوَّلانِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أيْ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هو خَبَرُهُ وفِيهِ الإخْبارُ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ ما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا.
﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيْ مِنَ المُعْجِزَةِ فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ أصْلًا أوْ سَيَظْهَرُ بُطْلانُهُ وفَسادُهُ لِلنّاسِ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ 81﴾ أيْ جِنْسَهم عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُفْسِدِينَ المُخاطَبُونَ فَيَكُونُ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإفْسادِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ والمُرادُ بِعَدَمِ إصْلاحِ ذَلِكَ عَدَمُ إثْباتِهِ أوْ عَدَمُ تَقْوِيَتِهِ بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ لا عَدَمُ جَعْلِ الفاسِدِ صالِحًا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُثْبِتُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ولا يُدِيمُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ويَمْحَقُهُ أوْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُؤَيِّدُهُ بَلْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ ويَجْعَلُهُ مَعْلُومًا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَحْثًا، والحَقُّ أنَّ مِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ ومِنهُ ما هو تَخَيُّلٌ باطِلٌ ويُسَمّى شَعْبَذَةً وشَعْوَذَةً
يونس 10:82
﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَقامَيْنِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ، وعَنِ الحَسَنِ أيْ بِوَعْدِهِ النَّصْرَ لِمَن جاءَ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُخْلِفُ ذَلِكَ، وعَنِ الجِبائِيِّ أيْ بِما يُنْزِلُهُ مُبَيِّنًا لِمَعانِي الآياتِ الَّتِي أتى بِها نَبِيُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقُرِئَ (بِكَلِمَتِهِ) وفُسِّرَتْ بِالأمْرِ واحِدِ الأوامِرِ حَسْبَما فُسِّرَتِ الكَلِماتُ بِالأوامِرِ وأُرِيدَ مِنها الجِنْسُ فَيَتَطابَقُ القِراءَتانِ وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها قَوْلُ كُنْ وأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ ويُرادَ بِالكَلِماتِ الأُمُورُ والشُّؤُونُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ 82﴾ ذَلِكَ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّصِفَ بِالإجْرامِ مِنَ السَّحَرَةِ وغَيْرِهِمْ
يونس 10:83
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أيْ
صفحة 168
﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ إلَخْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مَما لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا ولَعَلَّ عَطْفَهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ الإيجابِ الحادِثِ الَّذِي هو أحَدُ مَفْهُومَيْ الحَصْرِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى ما قامَ إلّا زِيدٌ قامَ زَيْدٌ ولَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ وبَعْضُهم لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ عَطْفَهُ بِالفاءِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًّا مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ أيْ فَما آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَبْدَأِ أمْرِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ أيْ إلّا أوْلادُ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ فالمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الشُّبّانُ لا الأطْفالُ.
و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّنْوِينِ والضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِفِرْعَوْنَ وبِهِ قالَ جَمْعٌ فالمُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنهم زَوْجَتُهُ آسِيَةُ وماشِطَتُهُ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ والخازِنُ وامْرَأتُهُ وفي إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ نَوْعُ خَفاءٍ ورَجَّحَ بَعْضُهم إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وبِأنَّ المُناسِبَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ الإضْمارُ فِيما بَعْدُ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في القَصَصِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في قَهْرِ فِرْعَوْنَ وكانُوا قَدْ بُشِّرُوا بِأنَّ خَلاصَهم عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَكُونُ نَبِيًّا صِفَتُهُ كَذا كَذا، فَلَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يُعْرَفْ أنَّ أحَدًا مِنهم خالَفَهُ فالظّاهِرُ القَوْلُ الثّانِي وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُمُ القائِلُونَ إنَّهُ ساحِرٌ ولِأنَّ وعْظَ أهْلِ مَكَّةَ وتَخْوِيفَهُمُ المَسُوقَ لَهُ الآياتُ قاضٍ بِأنَّ المَقْصُودَ هُنا شَرْحُ أحْوالِهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْبَحْثِ في هَذا مَجالًا والمَعْرُوفُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا لا يَضُرُّ القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ فَما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أخْفَوْهُ ولَمْ يُظْهِرُوهُ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ حالٌ مِن ذُرِّيَّةٍ و﴿عَلى﴾ بِمَعْنى مَعَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كائِنِينَ مَعَ خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ والجَمْعُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ ورَدَ بِأنَّ الوارِدَ في كَلامِ العَرَبِ الجَمْعُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَنَحْنُ وضَمِيرِ المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وقَوْلِهِ: ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ. ولَمْ يُنْقَلْ في ضَمِيرِ الغائِبِ كَما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وأُجِيبُ بِأنَّ الثَّعالِبِيَّ والفارِسِيَّ نَقَلاهُ في الغائِبِ أيْضًا والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي وبِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ فَإنْ كانَ عَلى زَعْمِهِ وزَعْمِ قَوْمِهِ فَإنَّما يَحْسُنُ في كَلامٍ ذُكِرَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْهم ولَيْسَ فَلَيْسَ. ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّعْظِيمِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ المُتَعَدِّدِ، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ عِظَمِ الخَوْفِ المُتَضَمِّنِ زِيادَةَ مَدْحِ المُومِنِينَ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى عادَتِهِمْ في مُحاوَراتِهِمْ في مُجَرَّدِ جَمْعِ ضَمِيرِ العُظَماءِ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ التَّعْظِيمُ أصْلًا فَتَأمَّلْهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فِرْعَوْنَ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا إنَّما عُرِفَ في القَبِيلَةِ وأبِيها إذْ يُطْلَقُ اسْمُ الأبِ عَلَيْهِمْ وفِرْعَوْنُ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ، عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ إطْلاقَ أبِي نَحْوَ القَبِيلَةِ عَلَيْها لا يَجُوزُ ما لَمْ يُسْمَعْ ويَتَحَقَّقْ جَعْلُهُ عَلَمًا لَها ألا تَراهم لا يَقُولُونَ:
صفحة 169
فُلانٌ مِن هاشِمٍ ولا مِن عَبْدِ المُطَّلِبِ بَلْ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَكَيْفَ يُرادُ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ جَعْلُهُ عَلَمًا لَهُمْ، ودَعْوى التَّحَقُّقِ هُنا أوَّلُ المَسْألَةِ فالقَوْلُ بِأنَّ الجَمْعَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ آلُهُ كَرَبِيعَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ فِرْعَوْنَ ونَحْوَهُ مِنَ المُلُوكِ إذا ذُكِرَ خَطَرَ بِالبالِ خَطَرُ أتْباعِهِ مَعَهُ فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ما في الذِّهْنِ، وتَمْثِيلُهُ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ نُطِيرُهُ في الجُمْلَةِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ آلَ فِرْعَوْنَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ وفِيهِ أنَّ الحَذْفَ يَعْتَمِدُ القَرِينَةَ ولا قَرِينَةَ هُنا وضَمِيرُ الجَمْعِ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ قَرِينَةً وأمّا أنَّ المَحْذُوفَ لا يَعُودُ إلَيْهِ ضَمِيرٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ فَلَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ أُرِيدَ إذا حُذِفَ لِقَرِينَةٍ فَمَمْنُوعٌ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ المَذْكُورِ وقَدْ كَثُرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وقَرِيبٌ مِن هَذا القِيلِ زَعَمَ أنَّ هُناكَ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما قِيلَ: إنَّ هَذا الحَذْفَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلذُّرِّيَّةِ أوْ لِلْقَوْمِ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمُ أوْ عَلى أنْفُسِهِمُ أوْ مِن أشْرافِ القِبْطِ ورُؤَسائِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم انْتِصارًا لِفِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ رُجُوعُهُ إلى الذُّرِّيَّةِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهم آمَنُوا عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ قَوْمِهِمُ ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يَبْتَلِيَهم ويُعَذِّبَهُمْ، وأصْلُ الفِتَنِ كَما قالَ الرّاغِبُ: إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِن رَداءَتِهِ واسْتُعْمِلَ في إدْخالِ الإنْسانِ النّارَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ويُسَمّى ما يَحْصُلُ مِنهُ العَذابُ فِتْنَةً ويُسْتَعْمَلُ في الِاخْتِبارِ وبِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ وهو المُرادُ هُنا، و(أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ فِتْنَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ﴿خَوْفٍ﴾ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَثُرَ إعْمالُهُ وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والأصْلُ لِأنْ يَفْتِنَهم فَحَذَفَ الجارَّ وهو مِمّا يَطَّرِدُ فِيهِ الحَذْفُ ولا يَضُرُّ في مِثْلِ هَذا عَدَمُ اتِّحادِ فاعِلِ المَصْدَرِ والمَعَلَّلِ بِهِ عَلى أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ الأئِمَّةِ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ في جَوازِ النَّصْبِ وإلَيْهِ مالَ الرَّضِيُّ وأيَّدَهُ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً لِأنَّهُ مَدارُ أمْرِ التَّعْذِيبِ، وفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ في رَأْيٍ حَيْثُ أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ أوَّلًا آلُهُ وثانِيًا هو وحْدَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ.
﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لَغالِبٌ قاهِرٌ في أرْضِ مِصْرَ، واسْتِعْمالُ العُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ مَجازٌ مَعْرُوفٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ 83﴾ أيِ المُتَجاوِزِي الحَدَّ في الظُّلْمِ والفَسادِ بِالقَتْلِ وسَفْكِ الدِّماءِ أوْ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرْقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ وفِيهِما مِنَ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى
يونس 10:84
﴿وقالَ مُوسى﴾ لَما رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ أيِ اعْتَمِدُوا لا عَلى أحَدٍ سِواهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ
صفحة 170
﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84﴾ أيْ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلْ مِن تَعْلِيقِ شَيْئَيْنِ بِشَرْطَيْنِ لِأنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ وتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ بِالإيمانِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ وعَلَّقَ نَفْسَ التَّوَكُّلِ ووُجُودِهِ بِالإسْلامِ والإخْلاصِ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَإنَّ وُجُوبَ الإجابَةِ مُعَلَّقٌ بِالدَّعْوَةِ ونَفْسَ الدَّعْوَةِ مُعَلَّقَةٌ بِالقُدْرَةِ، وحاصِلُهُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْكُمُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فافْعَلُوهُ واتَّصِفُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُسْتَسْلِمِينَ لَهُ تَعالى.
وهَذا النَّوْعُ عَلى ما في الكَشْفِ يُفِيدُ مُبالِغَةً في تُرَتِّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ زَوْجَتِي. وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطَيْنِ المُقْتَضِي لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ في الوُجُودِ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَأنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ لَمْ تُطَلَّقْ ما لَمْ تَدْخُلْ قَبْلَ الكَلامِ لِأنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ شَرْطٌ لِلْأوَّلِ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، وقَرَّرَهُ بِأنَّ هَهُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الإيمانُ والتَّوَكُّلُ والإسْلامُ والمُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ وبِالتَّوَكُّلِ إسْنادُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالإسْلامِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَطْعُ الأسْبابِ فَعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ بِالإسْلامِ لِأنَّ الجَزاءَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ وتَفْسِيرٌ لِلْجَزاءِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ فَخُصُّوهُ سُبْحانَهُ بِإسْنادِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلَيْهِ وذَلِكَ لا يَتَحَصَّلُ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مُسْتَسْلِمِينَ بِأنْفُسِكم لَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيكم نَصِيبٌ وإلّا فاتْرُكُوا أمْرَ التَّوَكُّلِ.
ويُعْلَمُ مِنهُ أنْ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُومِنِينَ الخَوْضُ في التَّوَكُّلِ بَلْ لِلْآحادِ مِنهم وأنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ دُونَ مَقامِ التَّسْلِيمِ، والأكْثَرُ عَلى الأوَّلِ ولَعَلَّهُ أدَقُّ نَظَرًا
يونس 10:85
﴿فَقالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وبَلْعِ رِيقٍ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ويُؤْخَذُ مِن هَذا القَصْرِ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي دُونَ نَتَوَكَّلُ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ قِيلَ: ولِذا أُجِيبَ دُعاؤُهم ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ 85﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ وعَذابٍ لَهم بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا أوْ يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا أوْ يُفْتَنُوا بِنا ويَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أُصِيبُوا
يونس 10:86
﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ دُعاءٌ بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ فَفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ المَلَأُ الَّذِينَ تَخَوَّفُوا مِنهم ومِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ وإنْ كانَ بَيانًا لِامْتِثالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ أرْجى لِلْإجابَةِ ولا يَتَوَهَّمَنَّ أنَّ التَّوَكُّلَ مُنافٍ لِلدُّعاءِ لِأنَّهُ أحَدُ الأسْبابِ لِلْمَقْصُودِ، والتَّوَكُّلُ قَطْعُ الأسْبابِ لِأنَّ المُرادَ بِذاكَ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ العادِيَّةِ وقِصَرُهُ عَلى مُسَبِّبِها عَزِّ وجَلَّ واعْتِقادُ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الشَّخْصَ إذا تَعاطى الأسْبابَ مُعْتِقَدًا ذَلِكَ يُعَدُّ مُتَوَكِّلًا أيْضًا، ومِثْلُ التَّوَكُّلِ في عَدَمِ المُنافاةِ لِلدُّعاءِ عَلى ما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الِاسْتِسْلامُ نَعَمْ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِسْلامَ مِن صِفاتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن آثارِهِ تَرْكُ الدُّعاءِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ واكْتِفاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، ما يُشْعِرُ بِالمُنافاةِ، ومَن عَرَفَ المَقاماتِ وأمْعَنَ النَّظَرَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمْعِ
يونس 10:87
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ
صفحة 171
تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والتَّبَوُّءُ اتِّخاذُ المُباءَةِ أيِ المَنزِلِ كالتَّوَطُّنِ اتِّخاذُ الوَطَنِ، والجُمْهُورُ عَلى تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ ومِنهم مَن قَرَأ (تَبَوَّيا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ فَجَعَلَها ياءً وهي مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا والفِعْلُ عَلى ما قِيلَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَيُقالُ: تَبَوَّأ زَيْدٌ كَذا لَكِنْ إذا أُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى الفاعِلِ فَقِيلَ: تَبَوَّأ لِزَيْدٍ كَذا تَعَدّى لَمّا كانَ فاعِلًا بِاللّامِ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وخَرَجَتِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ فَلِقَوْمِكُما أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ و﴿لِقَوْمِكُما﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ البُيُوتِ، واللّامُ عَلى الوَجْهَيْنِ غَيْرُ زائِدَةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِاثْنَيْنِ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وفَعَلَ وتَفَعَّلَ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى مِثْلَ عَلَّقْتُها وتَعَلَّقْتُها، والتَّقْدِيرُ بَوِّئا قَوْمَكُما بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها أوْ يَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ. و(مِصْرَ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ مُؤَنَّثُ مَعْرِفَةٍ ولَوْ صَرَفْتَهُ لِخِفَّتِهِ كَما صَرَفْتَ هِنْدًا لَكانَ جائِزًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَبَوَّآ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿بُيُوتًا﴾ أوْ مِن قَوْمِكُما أوَ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (تَبَوَّآ) وفِيهِ ضَعْفٌ ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما فَفِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى غَيْرِهِ ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ ﴿قِبْلَةً﴾ أيْ مُصَلًّى وقِيلَ: مَساجِدُ مُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها، وعَلى التَّفْسِرَيْنِ تَكُونُ القِبْلَةُ مَجازًا فِيما فُسِّرَتْ بِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، والِاخْتِلافُ في المُرادِ هُنا ناظِرٌ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ المُتَّخَذَةَ هَلْ لِلسُّكْنى أوْ لِلصَّلاةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالقِبْلَةُ مَجازٌ عَنِ المُصَلّى وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَجازٌ عَنِ المَساجِدِ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِحَمْلِ القِبْلَةِ عَلى المَساجِدِ المُتَوَجِّهَةِ إلى الكَعْبَةِ بِأنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ والنَّصارى مَطْلِعَ الشَّمْسِ ولَمْ يَشْتَهِرْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ في صَلاتِهِ فالقَوْلُ بِهِ غَرِيبٌ وأغْرَبُ مِنهُ ما قالَهُ العَلائِيُّ: مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَتْ قِبْلَتَهم كُلَّهُمُ الكَعْبَةُ قِيلَ: وجَعْلُ البُيُوتِ مُصَلًّى يُنافِيهِ ما في الحَدِيثِ: جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا. مِن أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في كَنائِسِهِمْ، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ مَحَلَّهُ إذا لَمْ يُضْطَرُّوا فَإذا اضُطِرُّوا جازَتْ لَهُمُ الصَّلاةُ في بُيُوتِهِمْ كَما رَخَّصَ لَنا صَلاةَ الخَوْفِ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى خَرَّبَ مَساجِدَهم ومَنَعَهم مِنَ الصَّلاةِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ صَلُّوا في بُيُوتِكم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا مُنافاةَ أصْلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ تَعْيِينُ البُيُوتِ لِلصَّلاةِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ في غَيْرِها فَيَكُونُ حُكْمُها إذْ ذاكَ حُكْمَ الكَنائِسِ اليَوْمَ وما هو مِنَ الخَصائِصِ صِحَّةُ الصَّلاةِ في أيْ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ وعَدَمُ تَعَيُّنِ مَوْضِعٍ مِنها لِذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى ما يُقالُ: مِن أنَّ اعْتِبارَ جَعْلِ الأرْضَ كُلِّها مَسْجِدًا خُصُوصِيَّةٌ بِالنَّظَرِ إلى ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعَيُّنِ الصَّلاةِ في الكَنائِسِ وعَدَمِ جَوازِها في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ المُصَلِّي مِنَ الأرْضِ وما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْبالِ اليَهُودِ الصَّخْرَةَ فالمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمّا قَبْلَ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ فَكانُوا يَسْتَقْبِلُونَ التّابُوتَ وكانَ يُوضَعُ في قُبَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِقْبالَ في بَيْتِ المَقْدِسِ كانَ لِلتّابُوتِ أيْضًا وكانُوا يَضَعُونَهُ عَلى الصَّخْرَةِ فَيَكُونُ اسْتِقْبالُهُ اسْتِقْبالَها وأمّا اسْتِقْبالُهم في مِصْرَ فَيَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ لِلْكَعْبَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وما في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى آخِرِ أحْوالِهِمْ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ لِلصَّخْرَةِ حَسْبَما هو اليَوْمَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿قِبْلَةً﴾ مُتَقابِلَةٌ ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيِ اجْعَلُوا بُيُوتَكم يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فِيها قِيلَ: أُمِرُوا بِذَلِكَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُونَهم ويَفْتِنُونَهم
صفحة 172
فِي دِينِهِمْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبُيُوتِ المَساكِنُ أمّا لَوْ أُرِيدَ بِها المَساجِدُ فَلا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ التَّوْجِيهَ عَلى ذَلِكَ هو أنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لِيَسْتَعِينُوا بِبَرَكَتِها عَلى مَقْصُودِهِمْ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وهي في المَساجِدِ أفْضَلُ فَتَكُونُ أرْجى لِلنَّفْعِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 87﴾ بِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ وقِيلَ: بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا إجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ والجَنَّةِ في العُقْبى وإنَّما ثَنّى الضَّمِيرَ أوَّلًا لِأنَّ التَّبَوُّءَ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدِ مِمّا يَتَوَلّاهُ رُؤَساءُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جَمَعَ ثانِيًا لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَفْعَلُهُ كُلُّ أحَدٍ مَعَ أنَّ في إدْخالِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ القَوْمِ في الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ ثُمَّ وحَّدَ ثالِثًا لِأنَّ بِشارَةَ الأُمَّةِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ وهي مِنَ الأعْظَمِ أسَرُّ وأوْقَعُ في النَّفْسِ، ووَضَعَ المْؤُمِنِينَ مَوْضِعَ القَوْمِ لِمَدْحِهِمْ بِالإيمانِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَدارُ في التَّبْشِيرِ
يونس 10:88
﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها وتُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا ﴿وأمْوالا﴾ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الجَمْعُ والتَّنْوِينُ، وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ الزِّينَةِ مَن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلشُّمُولِ وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ما عَداهُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ بِالجَمالِ وصِحَّةِ البَدَنِ وطُولِ القامَةِ ونَحْوِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ لِكَيْ يَضِلُّوا عَنْها وهو تَعْلِيلٌ لِلْإيتاءِ السّابِقِ، والكَلامُ إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَدَّهم بِالزِّينَةِ والأمْوالِ اسْتِدْراجًا لِيَزْدادُوا إثْمًا وضَلالَةً كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ وإلى كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ولا يَلْزَمُ ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَ مُرادًا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ أوْ مُسْتَلْزَمٌ لَهُ لِما أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ هَذا المَبْنى في الكَلامِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم حَذَرًا مِن ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا كَما قُدِّرَ في ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا﴾ شَهِدْنا أنْ لا تَقُولُوا ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ مَجازِيٌّ لِأنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ جُعِلَ إيتاؤُهُ كَأنَّهُ لِلضَّلالِ فَيَكُونُ في اللّامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُمارَسَتِهِ لَهم وتَفَرُّسِهِ بِهِمُ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الإيتاءِ الضَّلالُ.
والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ وهَذا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ أيْضًا أنَّ في التَّعْلِيلِ ذِكْرَ ما هو سَبَبٌ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ إيتاؤُهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا وفي لامِ العاقِبَةِ لَمْ يُذْكَرْ سَبَبٌ أصْلًا وهي كاسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها لِلدُّعاءِ، ولا مَغْمَزَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ إمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالمُمارَسَةِ أوْ نَحْوِها أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَدَعا بِهِ وحاصِلُهُ أنَّهُ دُعاءٌ بِما لا يَكُونُ إلّا ذَلِكَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما جَرى قَضاءُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَحْوَهُ لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ وإمّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِدُعاءٍ حَقِيقَةً ولَيْسَ النَّظَرُ إلى تَنْجِيزِ المَسْؤُولِ وعَدَمِهِ بَلِ النَّظَرُ إلى وصْفِهِمْ بِالعُتُوِّ وإبْلاءِ عُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ عَلى هَذا وما قِيلَ: هَذا شَهادَةٌ بِسُوءِ حالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ في الكِنايَةِ لِأنَّ الضَّلالَ رَدِيفُ الإضْلالِ وهو مَنعُ اللُّطْفِ فَكُنِّيَ بِالضَّلالِ عَنِ الإضْلالِ والإضْلالُ رَدِيفُ كَوْنِهِمْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْهِمْ فَكانَ هَذا كَشْفًا وبَيانًا لِحالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَهو عَلى ما فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُ غِنًى لِأنَّ الطَّبْعَ مُصَرَّحٌ بِهِ بَعْدُ بَلِ النَّظَرُ هَهُنا إلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ مِن هَذِهِ المَطالِبِ كُلِّها، ويُشْعِرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِاخْتِيارِ كَوْنِها لِلدُّعاءِ وفي الِانْتِصافِ أنَّهُ اعْتِزالٌ أدَقُّ مِن دَبِيبِ النَّمْلِ يَكادُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ كَشْفًا والظّاهِرُ أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: لَوْلا التَّعْلِيلُ لَمْ يَتَّجِهْ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ ولَمْ يَنْتَظِمْ
صفحة 173
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ يُنافِي غَرَضَ البَعْثَةِ وهو الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والهُدى ولا يَخْفى أنَّ دَفْعَ هَذا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا آنِفًا، وأمّا وجْهُ انْتِظامِ الكَلامِ فَهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِلتَّخَلُّصِ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ أيْ أنَّكَ أوْلَيْتَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ لِيَعْبُدُوكَ ويَشْكُرُوكَ فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا وإذا كانَتِ الحالُ هَذِهِ فَلْيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، ولَوْ دَعا ابْتِداءً لَمْ يَحْسُنْ إذْ رُبَّما لَمْ يُعْذَرْ فَقَدَّمَ الشِّكايَةَ مِنهم والنَّعْيَ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِيَتَسَلَّقَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ مَعَ مُراعاةِ تَلازُمِ الكَلامِ مِن إيرادِ الأدْعِيَةِ مَنسُوقَةً نَسَقًا واحِدًا وعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ تَكْرِيرِ النِّداءِ كَما احْتاجَ القَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ إلى الِاعْتِذارِ عَنْهُ بِأنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدُ. وادَّعى الطِّيِّبِيُّ أنَّهُ لا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ إذا التَذَّتِ النَّفْسُ بِسَماعِهِ ولِذا عِيبَ قَوْلُ النّابِغَةِ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِلُ
وفِي كَلامِهِ مَيْلٌ إلى القَوْلِ بِأنَّ اللّامَ لِلدُّعاءِ وهو لَدى المُنْصِفِ خِلافُ الظّاهِرِ وما ذَكَرُوهُ لَهُ لا يُفِيدُهُ ظُهُورًا.
وقُرِئَ (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ أيْ أهْلِكْها كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالطَّمْسُ بِمَعْنى الإهْلاكِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ ودَخَلَ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ (اطْمُسْ) بِضَمِّ المِيمِ ويَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، وجاءَ بِمَعْنى مَحْوِ الأثَرِ والتَّغْيِيرِ وبِهَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى رَبَّنا غَيِّرْها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إلى جِهَةٍ لا يَنْتَفِعُ بِها.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَغْيِيرَها عَنْ جِهَةِ نَفْعِها إهْلاكٌ لَها أيْضًا فَلا يُنافِي ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ صارَتْ دَراهِمُهم ودَنانِيرُهم ونُحاسُهم وحَدِيدُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً. وعَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ حَتّى صارَتْ حِجارَةً فَقالَ عُمْرُ: مَكانَكَ حَتّى آتِيَكَ فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ فَإذا فِيهِ البَيْضَةُ مَشْقُوقَةً وهي حِجارَةٌ وكَذا الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ وأشْباهُ ذَلِكَ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ صارَ سُكْرُهم حِجارَةً وأنَّ الرَّجُلَ بَيْنَما هو مَعَ أهْلِهِ إذْ صارا حَجَرَيْنِ وبَيْنَما المَرْأةُ قائِمَةٌ تَخْبُزُ إذْ صارَتْ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ أصْلًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وعِنْدِي أنَّ أخْبارَ تَغْيِيرِ أمْوالِهِمْ إلى الحِجارَةِ لا تَخْلُو عَنْ وهَنٍ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُرادَ مِن طَمْسِها إتْلافُها مِنهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ والمُرادُ بِالأمْوالِ ما يَشْمَلُ الزِّينَةَ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً واطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ كَما هو قَضِيَّةُ شَأْنِهِمْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أعَنِي ﴿اشْدُدْ﴾ دُونَ ﴿اطْمِسْ﴾ فَهو مَنصُوبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِلَفْظِ النَّهْيِ نَحْوَ إلَهِي لا تُعَذِّبْنِي فَهو مَجْزُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بَيْنَهُما دُعاءٌ مُعْتَرَضٌ فَهو حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ أوْ مَجْزُومٌ حَسْبَما عَلِمْتَ مِنَ الخِلافِ في اللّامِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ 88﴾ أيْ يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ، والمُرادُ بِهِ جِنْسُ العَذابِ الألِيمِ وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَهُ بِالغَرَقِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلى شَخْصٍ بِالكُفْرِ لا يُعَدُّ كُفْرًا إذا لَمْ يْكُنْ عَلى وجْهِ الِاسْتِيجازِ والِاسْتِحْسانِ لِلْكُفْرِ بَلْ كانَ عَلى وجْهِ التَّمَنِّي لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشَّخْصِ أشَدَّ انْتِقامٍ وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ خَواهِرْزادَهْ فَقَوْلُهُمْ: الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهُ بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما إذا
صفحة 174
كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْسانِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الذَّخِيرَةِ: قَدْ عَثَرْنا عَلى رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، والمَنقُولُ عَنْ عَلَمِ الهُدى أبِي مَنصُورٍ الماتَرِيدِيِّ التَّفْصِيلُ فَفي المَسْألَةِ اخْتِلافٌ قِيلَ: والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كُفْرٌ كُفْرٌ وأنَّ الرِّضا بِهِ لا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ بَلْ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْعَذابِ الألِيمِ أوْ كَوْنِهِ أثَرًا مِن آثارِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ مَثَلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ وبِهَذا يَنْدَفِعُ التَّنافِي بَيْنَ قَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ وقَوْلِهِمْ: الرِّضا بِالقَضاءِ واجِبٌ بِناءً عَلى حَمْلِ القَضاءِ فِيهِ عَلى المَقْضِيِّ وعَلى هَذا لا يَتَأتّى ما قِيلَ: إنَّ رِضا العَبْدِ بِكُفْرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ بِلا شُبْهَةٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السّابِقُ في الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ أيْضًا، ومِن هَذا التَّحْقِيقِ يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِمْ: إنَّ مَن جاءَهُ كافِرٌ لِيُسْلِمَ فَقالَ لَهُ: اصْبِرْ حَتّى أتَوَضَّأ أوْ أخَّرَهُ يَكْفُرُ لِرِضاهُ بِكُفْرِهِ في زَمانٍ مِنَ النَّظَرِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في فَتْحِ مَكَّةَ «أنَّ ابْنَ أبِي سَرْحٍ أتى بِهِ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْهُ فَكَفَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ عَنْ بَيْعَتِهِ ونَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى أنْ يُبايِعَهُ فَبايَعَهُ بَعْدَ الثَّلاثِ ثُمَّ أقْبَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلى هَذا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ قالُوا: وما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ ألا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ أعْيُنٍ». وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ وهو مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ التَّوَقُّفَ مُطْلَقًا لَيْسَ كَما قالُوهُ كُفْرًا
يونس 10:89
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ هو خِطابٌ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا بِمِثْلِ ما دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً لَكِنِ اكْتَفى بِنَقْلِ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرَّسُولَ بِالِاسْتِقْلالِ عَنْ نَقْلِ دُعائِهِ وأُشْرِكَ بِالبِشارَةِ إظْهارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَدْعُ حَقِيقَةً لَكِنْ أُضِيفَتْ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى في حُكْمِ دَعْوَتِهِ لِمَكانِ كَوْنِهِ تابِعًا ووَزِيرًا لَهُ، والَّذِي تَضافَرَتْ بِهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ أخِيهِ والتَّأْمِينُ دُعاءٌ، فَإنَّ مَعْنى آمِينَ اسْتَجِبْ ولَيْسَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كَما يَرْوُونَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِيلَ: ولِكَوْنِهِ دُعاءً اسْتَحَبَّ الحَنَفِيَّةُ الإسْرارَ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَدارَ اسْتِحْبابِ الإسْرارِ والجَهْرِ لَيْسَ كَوْنَهُ دُعاءً فَإنَّ الشّافِعِيَّةَ اسَتَحَبُّوا الجَهْرَ بِهِ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْهم أنَّهم قائِلُونَ أيْضًا بِكَوْنِهِ دُعاءً وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ إضافَةَ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ تُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ الإشْعارِ مِنَ الخَفاءِ وقُرِئَ (دَعَواتُكُما) بِالجَمْعِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ ﴿فاسْتَقِيما﴾ فامْضِيا لِأمْرِي وأثْبِتا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُماهُ كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الدَّعْوَةَ أُجِيبَتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَذْكُرِ الزَّعْمَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 89﴾ بِعاداتِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ أوْ سَبِيلِ الجَهَلَةِ في عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والنَّهْيُ لا يَقْتَضِي صِحَّةَ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ كَثُرَ نَهْيُ الشَّخْصِ عَمّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ ولَعَلَّ الغَرَضَ مِنهُ هُنا مُجَرَّدُ تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعْدِ وإفادَةُ أنَّ في تَأْخِيرِ إنْجازِهِ
صفحة 175
حِكَمًا إلَهِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ (ولا تَتَّبِعانِ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ المَكْسُورَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ الحاجِبِ بِأنَّ (لا) نافِيَةٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في - اسْتَقِيما - كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعِينَ، والجُمْلَةُ المُضارِعِيَّةُ المَنفِيَّةُ - بِلا - الواقِعَةِ حالًا يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمُهُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ وُجُوبَ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأً، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها وهي وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إلّا أنَّها طَلَبِيَّةٌ مَعْنًى لِأنَّ المُرادَ مِنها النَّهْيُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ (ولا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ) والنَّهْيُ المُخْرَجُ بِصُورَةِ الخَبَرِ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ المُخْرَجِ بِصُورَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِأنَّهُما لا يَتَّبِعانِ سَبِيلَ الجاهِلِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ (لا) في قِراءَةِ العامَّةِ نافِيَةً أيْضًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ النَّفْيَ لا يُؤَكِّدُ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: (لا) ناهِيَةٌ والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو تَخْرِيجٌ لَيِّنٌ فَإنَّ الكِسائِيَّ وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزانِهِ لِأنَّهُما يَمْنَعانِ وُقُوعَ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ سَواءٌ كانَتْ ألِفَ التَّثْنِيَةِ أوِ الألِفَ الفاصِلَةَ بَيْنَ نُونِ الإناثِ ونُونِ التَّوْكِيدِ نَحْوَ: هَلْ تَضْرِبْنانِ يا نِسْوَةُ وأيْضًا النُّونُ الخَفِيفَةُ إذا لَقِيَها ساكِنٌ لَزِمَ حَذْفُها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا يَجُوزُ تَحْرِيكُها، ولَكِنَّ يُونُسَ والفَرّاءَ أجازا ذَلِكَ وفِيهِ عَنْهُما رِوايَتانِ إبْقاؤُها ساكِنَةً لِأنَّ الألِفَ لِخِفَّتِها بِمَنزِلَةِ الفَتْحَةِ وكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وعَلى هَذا يَتِمُّ ذاكَ التَّخْرِيجُ
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ النُّونَ هي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةُ إلّا أنَّها خُفِّفَتْ وهو كَما تَرى، وعَنْهُ أيْضًا (ولا تَتْبَعانِّ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الثّانِيَةِ وسُكُونِها وبِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ مِن تَبِعَ الثُّلاثِيِّ، وأيْضًا ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ وهي كالأُولى إلّا أنَّ النُّونَ ساكِنَةٌ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ في تَسْكِينِ النُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ عَلى الأصْلِ واغْتِفارِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ ألِفًا كَما في مَحْيايَ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ اشْتُهِرَ في تَعْلِيلِ كَسْرِ النُّونِ في قِراءَةِ العامَّةِ بِأنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وظاهِرُهُ أنَّهُ بِذَلِكَ زالَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذِ السّاكِنانِ هُما الألِفُ والنُّونُ الأُولى ولا شَيْءَ مِنهُما بِمُتَحَرِّكٍ وإنَّما المُتَحَرِّكُ النُّونُ الثّانِيَةُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي النُّحاةِ: إنَّ أصْلَ التَّحْرِيكِ لِيَتَأتّى الإدْغامُ وكَوْنُهُ بِالكَسْرِ تَشْبِيهًا بِنُونِ التَّثْنِيَةِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ أعْنِي الألِفَ والنُّونَ الأُولى غَيْرُ مُضِرٍّ لِما قالُوا مِن جَوازِهِ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ كَما في - دابَّةٍ - لِارْتِفاعِ اللِّسانِ بِهِما مَعًا حِينَئِذٍ وقَدْ حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ فَلْيُراجَعْ هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّهم يَسْتَمِعُونَ لَكِنَّ حُكْمَهم حُكْمُ الأصَمِّ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ وذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِأنْ كانَ ولَكِنْ حَجَبَ نُورُهُ رُسُوخَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَفَعَ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ كَوْنَهم في تِلْكَ الحالَةِ ظُلْمٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ مَثَلًا ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ طَلَبَ اسْتِعْدادَهُمُ الغَيْرَ المَجْعُولِ ذَلِكَ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ لِذُهُولِهِمْ بِتَكاثُفِ ظُلُماتِ المَعاصِي عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بِحُكْمِ سابِقَةِ الصُّحْبَةِ وداعِيَةِ الهَوى اللّازِمَةِ لِلْجِنْسِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، وهَذا التَّعارُفُ قَدْ يَبْقى إذا اتَّحَدُوا في الوُجْهَةِ واتَّفَقُوا في المَقْصِدِ وقَدْ لا يَبْقى وذَلِكَ إذا اخْتَلَفَتِ الأهْواءُ وتَبايَنَتِ الآراءُ فَحِينَئِذٍ تَتَفاوَتُ الهَيْئاتُ المُسْتَفادَةُ مِن لَواحِقِ النَّشْأةِ فَيَقَعُ التَّناكُرُ وعَوارِضُ العادَةِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾
صفحة 176
لِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ مِن جِنْسِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِفاضَةِ مِنهُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْجاءِ مَنِ اهْتَدى بِهِ وإثابَتِهِ وإهْلاكِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ وتَعْذِيبِهِ لِظُهُورِ أسْبابِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَيُعامَلُوا بِخِلافِ ما يَسْتَحِقُّونَ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْكارٌ لِلْقِيامَةِ لِاحْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الكَثافَةِ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ سَلْبٌ لِاسْتِقْلالِهِ في التَّأْثِيرِ وبَيانٌ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ إلّا ما أذِنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وهَذا نَوْعٌ مِن تَوْحِيدِ الأفْعالِ وفِيهِ إرْشادٌ لَهم بِأنَّهُ لا يَمْلِكُ اسْتِعْجالَ ما وعَدَهم بِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ تَزْكِيَةٌ لِنُفُوسِكم بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ الذُّنُوبِ المُتَسَبِّبَةِ لِلْعِقابِ والتَّحْرِيضِ عَلى الطّاعَةِ المُوجِبَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِلثَّوابِ ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ أيْ دَواءٌ لِلْقُلُوبِ مِن أمْراضِها الَّتِي هي أشَدُّ مِن أمْراضِ الأبْدانِ كالشَّكِّ والنِّفاقِ والحَسَدِ والحِقْدِ وأمْثالِ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِ الحَقائِقِ والحِكَمِ المُوجِبَةِ لِلْيَقِينِ والتَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ لِتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ ﴿وهُدًى﴾ لِأرْواحِكم إلى الشُّهُودِ الذّاتِيِّ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِإفاضَةِ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِكُلِّ مَقامٍ مِنَ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ ومَقامِ القَلْبِ بِالتَّصْفِيَةِ ومَقامِ الرُّوحِ بِالهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّصْدِيقِ أوَّلًا ثُمَّ بِاليَقِينِ ثانِيًا ثُمَّ بِالعِيانِ ثالِثًا
وذَكَرَ بَعْضُهُمُ المَوْعِظَةَ لِلْمُرِيدِينَ والشِّفاءَ لِلْمُحِبِّينَ والهُدى لِلْعارِفِينَ والرَّحْمَةَ لِلْمُسْتَأْنِسِينَ والكُلُّ مُؤْمِنُونَ إلّا أنَّ مَراتِبَ الإيمانِ مُتَفاوِتَةٌ والخِطابُ في الآيَةِ لَهم وفِيها إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَدَأ بِالمَوْعِظَةِ لِمَرِيضِ حُبِّهِ لِأنَّها مَعْجُونٌ لِإسْهالِ شَهَواتِهِ فَإذا تَطَهَّرَ عَنْ ذَلِكَ يَسْقِيهِ شَرابَ ألْطافِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِفاءً لَهُ مِمّا بِهِ فَإذا شُفِيَ يُغَذِّيهِ بِهِدايَتِهِ إلى نَفْسِهِ فَإذا كَمُلَ بِصُحْبَتِهِ يُطَهِّرُهُ بِمِياهِ رَحْمَتِهِ مِن وسَخِ المَرَضِ ودَرَنِ الِامْتِحانِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ لِلْقَبُولِ في المَقاماتِ ﴿وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِالمَواهِبِ الخُلُقِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ والكَشْفِيَّةِ فِيها ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لا بِالأُمُورِ الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المِقْدارِ الدَّنِيَّةِ القَدْرِ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِنَ الخَسائِسِ والمُحَقَّراتِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفَضْلَ بِانْكِشافِ صَباحِ الأزَلِ لِعُيُونِ أرْواحِ المُرِيدِينَ وزِيادَةِ وُضُوحِهِ في لَحْظَةٍ حَتّى تَطْلُعَ شُمُوسُ الصِّفاتِ وأقْمارُ الذّاتِ فَيَطِيرُونَ في أنْوارِ ذَلِكَ بِأجْنِحَةِ الجَذَباتِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى والرَّحْمَةِ بِتَتابُعِ مَواجِيدِ الغُيُوبِ لِلْقُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفْرِيدِ بِلا انْقِطاعٍ، ومِن هُنا قالَ ضِرْغامٌ أجَمَةُ التَّصَوُّفِ أبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: وقْتِي سَرْمَدٌ وبَحْرِي بِلا شاطِئٍ وقِيلَ: فَضْلُهُ الوِصالُ ورَحْمَتُهُ الوِقايَةُ عَنِ الِانْفِصالِ، وقِيلَ: فَضْلُهُ إلْقاءُ نِيرانِ المَحَبَّةِ في قُلُوبِ المُرِيدِينَ ورَحْمَتُهُ جَذْبُهُ أرْواحَ المُشْتاقِينَ، وقِيلَ: فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلى العارِفِينَ كَشْفُ الذّاتِ وعَلى المُحِبِّينَ كَشْفُ الصِّفاتِ وعَلى المُرِيدِينَ كَشْفُ أنْوارِ الآياتِ ورَحْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العارِفِينَ العِنايَةُ وعَلى المُحِبِّينَ الكِفايَةُ وعَلى المُرِيدِينَ الرِّعايَةُ وقالَ الجُنَيْدُ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى في الِابْتِداءِ ورَحْمَتُهُ في الِانْتِهاءِ وهو مُناسِبٌ لِما قُلْنا وقالَ الكَتّانِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى النِّعَمُ الظّاهِرَةُ ورَحْمَتُهُ النِّعَمُ الباطِنَةُ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن رِزْقٍ مَعْنَوِيٍّ كالمَعارِفِ الحَقّانِيَّةِ وكالآدابِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا﴾ كالقِسْمِ الأوَّلِ حَيْثُ أنْكَرْتُمُوهُ عَلى أهْلِهِ ورَمَيْتُمُوهُ بِالزَّنْدَقَةِ ﴿وحَلالا﴾ كالقِسْمِ الثّانِي حَيْثُ قَبِلْتُمُوهُ ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في الحُكْمِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أوْعَدَ المُفْتَرِينَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ إلَخْ فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المُنْكِرِينَ عَلى مَن تَحَلّى بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ ولَعَلَّ مَنشَأً ذَلِكَ زَعْمُهُمُ انْحِصارَ العِلْمِ
صفحة 177
فِيما عِنْدَهم ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ وراءَ عُلُومِهِمْ عُلُومًا لا تُحْصى يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ فَما أوْلاهم بِأنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ مُجْتَهِدُوهم رَدُّوهُ وقالُوا: زَيْغٌ وضَلالٌ واعْتَمَدُوا في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ تِلْكَ المُخالَفَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ الحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِيما جاءَ بِهِ أحَدُ أُولَئِكَ المُجْتَهِدِينَ مَعَ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَزَلْ قائِمًا بَيْنَهم عَلى ساقٍ
عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: ما يُدْرِيكم أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي سَمِعْتُمْ مِنهُ ما سَمِعْتُمْ وأنْكَرْتُمُوهُ أنَّهُ مُجْتَهِدٌ أيْضًا كَسائِرِ مُجْتَهِدِيكُمْ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّ لِلْمُجْتَهِدِ شُرُوطًا مَعْلُومَةً وهي غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ. قُلْنا: هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي وُضِعَتْ لِلْمُجْتَهِدِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى هَلْ هي مَنقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا أوْ صَنَعْتُمُوها أنْتُمْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم أوْ صَنَعَها المُجْتَهِدُ؟ فَإنْ كانَتْ مَنقُولَةً عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأْتُوا بِها واتْلُوها وصَحِّحُوا نَقْلَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهَيْهاتَ ذاكَ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها أنْتُمْ وأنْتُمْ أجْهَلُ مِن ابْنِ يَوْمٍ فَهي رَدٌّ عَلَيْكم ولا حُبًّا ولا كَرامَةً عَلى أنَّ في اعْتِبارِها أخْذًا بِكَلامِ مَن لَيْسَ مُجْتَهِدًا وأنْتُمْ لا تُجَوِّزُونَهُ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها المُجْتَهِدَ فَإثْباتُ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا مُتَوَقِّفٌ عَلى اعْتِبارِ تِلْكَ الشُّرُوطِ واعْتِبارُ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُتَوَقِّفٌ عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا وهَلْ هَذا إلّا دَوْرٌ وهو مُحالٌ لَوْ تَعْقِلُونَهُ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّرُوطُ شُرُوطًا لِلْمُجْتَهِدِ النَّقْلِيِّ وهُناكَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ شَرْطُهُ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وتَزْكِيَتُها وتَخَلُّقُها بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ وتَهَيُّؤُها واسْتِعْدادُها لِقَبُولِ العِلْمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟ وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ فِيمَن صَفَتْ نَفْسُهُ وتَهَيَّأتْ بِالفَقْرِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى وصَدَقَ عَزْمُهُ في الأخْذِ ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ كَما يَخْلُقُهُ فِيمَنِ اسْتَوْفى شُرُوطَ الِاجْتِهادِ عِنْدَكم فاجْتَهَدَ وصَرَفَ فِكْرَهُ ونَظَرَهُ؟ والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ العِلْمَ في هَذا دُونَ ذاكَ حَجْرٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ كَما لا يَخْفى فَلا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ العارِفِ بِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إلّا أنْ يُسَلِّمَ لِمَن ظَهَرَتْ فِيهِ آثارُ التَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ وسَطَعَتْ عَلَيْهِ أنْوارُ التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ ما أتى بِهِ ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُجْتَهِدٌ ما لَمْ يُخالِفْ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ بِمِثْلِ ما ذُكِرَ
لَكِنْ ذَكَرَ مَوْلانا الإمامُ الرَّبّانِيُّ ومُجَدِّدُ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ في بَعْضِ مَكْتُوباتِهِ الفارِسِيَّةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أهْلِ الكَشْفِ في كَشْفِهِمْ لِأنَّ الكَشْفَ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى الغَيْرِ ومُلْزِمًا لَهُ وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ في هَذا أكْثَرُ مِن مَنعِ تَقْلِيدِ أهْلِ الكَشْفِ ومَحَلِّ النِّزاعِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ ورَمْيُهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى بِالزَّنْدَقَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أدْنى رائِحَةٍ مِنهُ كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ بِصِنْفَيِ العِلْمَيْنِ وإفاضَتِهِما بَعْدَ تَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِهِما ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ ولا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ فِيُمْنَعُونَ عَنِ الزِّيادَةِ ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِعَظِيمِ اطِّلاعِهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَواطِرِ وما يَجْرِي في الضَّمائِرِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خاطِرٌ ولا ضَمِيرٌ.
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ جَلَّ وعَلا عَنْ سُلْطانِ إحاطَتِهِ عَلى كُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِما في العالَمِ السُّفْلِيِّ والعُلْوِيِّ فَكُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ داخِلَةٌ في حَيْطَةِ عِلْمِهِ كَيْفَ لا وكُلُّها قائِمَةٌ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْظُرُ إلى كُلٍّ في كُلِّ آنٍ
صفحة 178
نَظَرَ الحِفْظِ والرِّعايَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَتِ الذَّرّاتُ واضْمَحَلَّتْ سائِرُ المَوْجُوداتِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَخافُ بِسَبَبِها مِن حِرْمانٍ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِامْتِناعِ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الكَمالاتِ واللَّذّاتِ مِنهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بَقاياهم وظُهُورَ تَلَوُّناتِهِمْ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِوُجُودِ الِاسْتِقامَةِ والأخْلاقِ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ النُّفُوسِ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ بِظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ والحَقائِقِ عَلَيْهِمُ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ القُلُوبِ والظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ بَيانٌ لِلْأوْلِياءِ فالوَلِيُّ هو المُؤْمِنُ المُتَّقِي عَلى الكَمالِ ولَهم في تَعْرِيفِهِ عِباراتٌ شَتّى تَقَدَّمَ بَعْضُها
وفِي الفُتُوحاتِ: هو الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ في مَقامِ مُجاهَدَتِهِ الأعْداءَ الأرْبَعَةَ الهَوى والنَّفْسَ والشَّيْطانَ والدُّنْيا وفِيها تَقْسِيمُ الأوْلِياءِ إلى عِدَّةِ أقْسامٍ مِنها الأقْطابُ والأوْتادُ والأبْدالُ والنُّقَباءُ والنُّخَباءُ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وأنَسٍ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي الدَّرْداءِ وأُمِّ سَلَمَةَ ومِن مُرْسَلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وبَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ومِنَ الآثارِ عَنِ التّابِعَيْنِ ومَن بَعْدَهم ما لا يُحْصى وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ وشَيَّدَ أرْكانَهُ وأنْكَرَهُ كَما قَدَّمْنا بَعْضُهم والحَقُّ مَعَ المُثْبِتِينَ وأنا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى مِنهم وإنْ كُنْتُ لَمْ أُشَيِّدْ قَبْلُ أرْكانَ ذَلِكَ والأئِمَّةُ والحَوارِيُّونَ والرَّجَبِيُّونَ والخَتْمُ والمَلامِيَّةُ والفُقَراءُ وسَقِيطُ الرَّفْرَفِ ابْنُ ساقِطِ العَرْشِ والأُمَناءُ والمُحْدَثُونَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والبَيانُ الَّذِي في الآيَةِ صادِقٌ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ونُسِبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - القَوْلُ بِتَفْضِيلِ الوَلِيِّ عَلى النَّبِيِّ والرَّسُولِ وخاضَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُنْكِرِينَ حَتّى كَفَّرُوهُ وحاشاهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وقَدْ صَرَّحَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فُتُوحاتِهِ وكَذا مِن سائِرِ تَأْلِيفاتِهِ بِما يُنافِي هَذا القَوْلَ حَسْبَما فَهِمَهُ المُنْكِرُونَ وقَدْ ذَكَرَ في كِتابِ القِرْبَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَ لَفْظَةً مِن عارِفٍ مُتَحَقِّقٍ مُبْهَمَةً كَأنْ يَقُولُ: الوَلايَةُ هي النُّبُوَّةُ الكُبْرى أوْ الوَلِيُّ العارِفُ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الرَّسُولِ أنْ يَتَحَقَّقَ المُرادَ مِنها ولا يُبادِرَ بِالطَّعْنِ ثُمَّ ذَكَرَ في بَيانِ ما ذَكَرَ ما نَصُّهُ: أعْلَمُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ لِلشَّخْصِ مِن حَيْثُ ما هو إنْسانٌ فَلا فَضْلَ ولا شَرَفَ في الجِنْسِ بِالحُكْمِ الذّاتِيِّ وإنَّما يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالمَراتِبِ فالأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ما فَضَلُوا الخَلْقَ إلّا بِها، فالنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ والرِّسالَةِ ومَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ دائِمَةُ الوُجُودِ ومَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ مُنْقَطِعَةٌ فَإنَّها تَنْقَطِعُ بِالتَّبْلِيغِ والفَضْلُ لِلدّائِمِ الباقِي، والوَلِيُّ العارِفُ مُقِيمٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ والرَّسُولُ خارِجٌ وحالَةُ الإقامَةِ أعْلى مِن حالَةِ الخُرُوجِ، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ ولِيًّا وعارِفًا أعْلى وأشْرَفُ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ رَسُولًا وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ واخْتَلَفَتْ مَراتِبُهُ لا أنَّ الوَلِيَّ مِنّا أرْفَعُ مِنَ الرَّسُولِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الخِذْلانِ، فَعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ تِلْكَ الكَلِمَةَ أصْحابُ الكَشْفِ والوُجُودِ إذْ لا اعْتِبارَ عِنْدَنا إلّا لِلْمَقاماتِ ولا نَتَكَلَّمُ إلّا فِيها لا في الأشْخاصِ، فَإنَّ الكَلامَ في الأشْخاصِ قَدْ يَكُونُ بَعْضَ الأوْقاتِ غِيبَةً، والكَلامُ عَلى المَقاماتِ والأحْوالِ مِن صِفاتِ الرِّجالِ، ولَنا في كُلِّ حَظٍّ شِرْبٌ مَعْلُومٌ ورِزْقٌ مَقْسُومٌ انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَقُولُ هو ولا غَيْرُهُ مِنَ الطّائِفَةِ بِأنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ حَسْبَما يُنْسَبُ إلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ، فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يُوهِمُ القَوْلَ بِذَلِكَ كَأخْبارِهِ في كِتابِهِ التَّجَلِّياتِ وغَيْرِهِ بِاجْتِماعِهِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإفادَتِهِ لَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ
صفحة 179
عِنْدَهم. وكَقَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ تَقَدَّمَ: يا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ الألْقابَ وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اعْتِقادَ أفْضَلِيَّةِ ولِيٍّ مِنَ الأوْلِياءِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ كُفْرٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ بِعِيدٌ ولَوْ ساغَ تَفْضِيلُ ولِيٍّ عَلى نَبِيٍّ لَفُضِّلَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الأوْلِياءِ قَدْرًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ في كِتابِ القِرْبَةِ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُفَضَّلْ كَذَلِكَ بَلْ فُضِّلَ عَلى مَن عَداهم كَما نَطَقَ بِهِ: ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أفْضَلَ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. فَمَتى لَمْ يُفَضَّلِ الصِّدِّيقُ وهو الَّذِي وقَرَ في صَدْرِهِ ما وقَرَ ونالَ مِنَ الكَمالِ ما لا يُحْصَرُ فَكَيْفَ يُفَضَّلُ غَيْرُهُ؟
وفَضَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكَذا أوْلادَهُ الأئِمَّةَ الطّاهِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ ولا مُسْتَنَدَ لَهم في ذَلِكَ إلّا أخْبارٌ كاذِبَةٌ وأفْكارٌ غَيْرُ صائِبَةٍ
وبِالجُمْلَةِ مَتى رَأيْنا الشَّخْصَ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالوَلايَةِ نَظَرًا لِظاهِرِ الحالِ ووَجَبَ عَلَيْنا مُعامَلَتُهُ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ غَيْرَ غالِينَ فِيهِ بِتَفْضِيلِهِ عَلى رَسُولٍ أوْ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ العَوامُّ اليَوْمَ في مُعامَلَةِ مَن يَعْتَقِدُونَهُ ولِيًّا الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِمُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ مَن يَعْتَقِدُونَهُ إلَهًا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ صُدُورُ كَرامَةٍ عَلى يَدِهِ كَما يُشْتَرَطُ في الرَّسُولِ صُدُورُ مُعْجِزَةٍ، ويَكْفِيهِ الِاسْتِقامَةُ كَرامَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما اشْتُهِرَ عَنْ أبِي يَزِيدَ قُدِّسَ سِرُّهُ، بَلِ الوَلِيُّ الكامِلُ لا التِفاتَ لَهُ إلَيْها ولا يَوَدُّ صُدُورَها عَلى يَدِهِ إلّا إذا تَضَمَّنَتْ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً أوْ عامَّةً وفي الجَواهِرِ والدُّرِّ لِلشَّعْرانِيِّ سَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: إذا زَلَّ الوَلِيُّ ولَمْ يَرْجِعْ لِوَقْتِهِ عُوقِبَ بِالحِجابِ، وهو أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ إظْهارَ خَرْقِ العَوائِدِ المُسَمّاةِ في لِسانِ العامَّةِ كَراماتٍ فَيَظْهَرُ بِها ويَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مُؤاخَذًا بِهَذِهِ الزَّلَّةِ لَقُبِضَ عَنِّي التَّصْرِيفُ وغابَ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ بَلْ ولَوْ سَلِمَ مِنَ الزَّلَّةِ فالواجِبُ خَوْفُهُ مِنَ المَكْرِ والِاسْتِدْراجِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: الكَرامَةُ حَيْضُ الرِّجالِ ومَنِ اغْتَرَّ بِالكَراماتِ بِالكَرى ماتَ وأضَرُّ الكَراماتِ لِلْوَلِيِّ ما أوْجَبَ الشُّهْرَةَ فَإنَّ الشُّهْرَةَ آفَةٌ وقَدْ نُقِلَ عَنِ الخَواصِّ أنَّها تَنْقُصُ مَرْتَبَةَ الكَمالِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِالأثَرِ المَشْهُورِ: خُصَّ بِالبَلاءِ مَن عَرَفَهُ النّاسُ. نَعَمْ ذُكِرَ في أسْرارِ القُرْآنِ أنَّ الوَلايَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعِ مَقاماتٍ الأوَّلُ مَقامُ المَحَبَّةِ، والثّانِي مَقامُ الشَّوْقِ، والثّالِثُ مَقامُ العِشْقِ والرّابِعُ مَقامُ المَعْرِفَةِ، ولا تَكُونُ المَحَبَّةُ إلّا بِكَشْفِ الجَمالِ ولا يَكُونُ الشَّوْقُ إلّا بِاسْتِنْشاقِ نَسِيمِ الوِصالِ ولا يَكُونُ العِشْقُ إلّا بِدُنُوِّ الأنْوارِ ولا تَكُونُ المَعْرِفَةُ إلّا بِالصُّحْبَةِ، وتَتَحَقَّقُ الصُّحْبَةُ بِكَشْفِ الأُلُوهِيَّةِ مَعَ ظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ، ولِحُصُولِ ذَلِكَ آثارٌ وعَلاماتٌ مَذْكُورَةٌ فِيهِ فَلْيُراجِعْهُ مَن أرادَها، والكَلامُ في هَذا المَقامِ كَثِيرٌ، وكُتُبُ القَوْمِ مَلْأى مِنهُ وما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ لِغَرَضِنا. وأحْسَنُ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الوَلِيِّ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وسُلُوكُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فَمَن خَرَجَ عَنْها قَيْدَ شِبْرٍ بَعُدَ عَنِ الوَلايَةِ بِمَراحِلَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلِيِّ ولَوْ أتى بِألْفِ ألْفِ خارِقٍ فالوَلِيُّ الشَّرْعِيُّ اليَوْمَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ
أمّا الخِيامُ فَإنَّها كَخِيامِهِمْ وأرى نِساءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسائِها
﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لِما سَبَقَ لَهم في الأزَلِ مِن حُسْنِ العِنايَةِ، أوْ لا تَبْدِيلَ لِحَقائِقِهِ سُبْحانَهُ الوارِدَةِ عَلَيْهِمْ وأسْمائِهِ تَعالى المُنْكَشِفَةِ لَهم وأحْكامِ تَجَلِّياتِهِ جَلَّ وعَلا النّازِلَةِ بِهِمْ أوَّلًا، أوْ لا تَبْدِيلَ لِفِطَرِهِمُ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلٍّ مُحْدَثٌ - كَلِمَةٌ - لِأنَّهُ أثَرُ الكَلِمَةِ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيْ لا تَتَأثَّرْ بِهِ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ مِنها شَيْئًا فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويَقْهَرُهم (وهُوَ السَّمِيعُ) لِأقْوالِهِمُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ
صفحة 180
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ إنَّ كُلَّ مَن في ذَلِكَ تَحْتَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وتَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إذْنِهِ فَهو كالتَّأْكِيدِ لِما أفادَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ أوْ أنَّ مِن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدٌ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يُعْقَلُ أحَقُّ بِأنْ لا يَصْلُحَ لِذَلِكَ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ إلّا ما يَتَوَهَّمُونَهُ ويَتَخَيَّلُونَهُ شَرِيكًا ولا شَرِكَةَ لَهُ في الحَقِيقَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى سُكُونِ العُشّاقِ والمُشْتاقِينَ في اللَّيْلِ إذا مَدَّ أطْنابَهُ ونَشَرَ جِلْبابَهُ ومَيْلُهم إلى مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ وانْجِذابِهِمْ إلى مُشاهَدَةِ مَطْلُوبِهِمْ وتَلَذُّذِهِمْ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ واسْتِغْراقِهِمْ بِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ الرَّبّانِيَّةِ ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلا اللَّيْلُ لَما أحْبَبْتُ البَقاءَ في الدُّنْيا وهَذِهِ حالَةُ عُشّاقِ الحَضْرَةِ وهُمُ العُشّاقُ الحَقِيقِيُّونَ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ وأنْشَدَ بَعْضُ المَجازِيِّينَ:
أقْضِي نَهارِي بِالحَدِيثِ وبِالمُنى ∗∗∗ ويَجْمَعُنِي بِاللَّيْلِ والهَمِّ جامِعُ
نَهارِي نَهارُ النّاسِ حَتّى إذا بَدا ∗∗∗ لِيَ اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إلَيْكَ المَضاجِعُ
﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ ألْبَسَهُ سِرْبالَ أنْوارِ القُدْرَةِ لِتَقْضُوا فِيها حاجاتِكُمُ الضَّرُورِيَّةَ وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى لَيْلِ الجِسْمِ ونَهارِ الرُّوحِ لِتُبْصِرُوا بِهِ حَقائِقَ الأشْياءِ وما تَهْتَدُونَ بِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كَلامَ اللَّهِ تَعالى فَيُقِيمُونَ بَواطِنَهُ وحُدُودَهُ ويَطَّلِعُونَ بِهِ عَلى صِفاتِهِ وأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ أيْ مَعْلُولًا يُجانِسُهُ ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ أُنَزِّهُهُ جَلَّ وعَلا مِن ذَلِكَ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ الَّذِي وُجُودُهُ بِذاتِهِ وبِهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ يُنافِي الغِنى وأكَّدَ غِناهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ إلَخْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى ونَظَرِهِ إلى قَوْمِهِ وشُرَكائِهِمْ بِعَيْنِ الغِنى وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِمَكايِدِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والقِيامِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الخَلْقِ سَواءٍ أوْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَتْلُوَ نَبَأ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ لِيَتَّعِظَ قَوْمُهُ ويَنْزَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُفْضِي إلى إهْلاكِهِمْ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ إيمانًا حَقِيقِيًّا ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أيْ مُنْقادِينَ أيْ إنْ صَحَّ إيمانُكم يَقِينًا فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ لَكم فِعْلٌ ولا تَرَوْا لِأنْفُسِكم ولا لِغَيْرِكم قُوَّةً ولا تَأْثِيرًا بَلْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ مُغَسِّلِهِ فَإنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّوَكُّلِ فَناءُ بَقايا الأفْعالِ والقُوى ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ أيْ عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ الإجابَةِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما عَلى مَعْرِفَتِكُما مَقامَ السُّؤالِ وهو مَقامُ الرِّضْوانِ لِيُسْتَجابَ لَكُما بَعْدَ إذا دَعَوْتُما فَإنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ مَقامَ السُّؤالِ قَدْ يُوقِعُهُ في غَيْرِ مَقامِهِ فَيُسِيءُ الأدَبَ فَلا يُسْتَجابُ لَهُ وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ قَدْ أُجِيبَ دَعْوَتُكُما لِضَعْفِكُما عَنْ تَحَمُّلِ وارِدِ امْتِحانِي فاسْتَقِيما بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَحَمُّلِ بَلائِي والصَّبْرِ فِيهِ فَإنَّهُ اللّائِقُ بِشَأْنِكُما وقَدْ قِيلَ: المَعْرِفَةُ تَقْتَضِي الرِّضا بِالقَضاءِ والسُّكُونَ في البَلاءِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما في دُعائِكُما والِاسْتِقامَةُ في الدُّعاءِ عَلى ما قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ أنْ لا يَغْضَبَ الدّاعِي لِتَأْخِيرِ الإجابَةِ ولا يَسْألُ سُؤالَ خُصُوصٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى
يونس 10:90
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مِن جاوَزَ المَكانَ إذا قَطَعَهُ وتَخَطّاهُ وهو مُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ فاعِلًا في الأصْلِ بِالباءِ وإلى الثّانِي بِنَفْسِهِ والمَعْنى
صفحة 181
جَعَلْناهم مُجاوِزِينَ البَحْرَ بِأنْ جَعَلْناهُ يَبَسًا وحَفِظْناهم حَتّى بَلَّغُوا الشَّطَّ وقَرَأ الحَسَنُ و(جَوَّزْنا) بِالتَّضْعِيفِ وفَعَلَ بِمَعْنى فاعِلٍ فَهو مَن التَّجْوِيزِ المُرادِفِ لِلْمُجاوَزَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ ولَيْسَ بِمَعْنى نَفَذَ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْدِيَةِ بِالباءِ ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِفي كَما في قَوْلِهِ:
ولا بُدَّ مِن جارٍ يُجِيزُ سَبِيلَها كَما جَوَّزَ السَّكْيَ في البابِ فَيَتَّقِ
فَكانَ الواجِبُ هُنا مِن حَيْثُ اللُّغَةُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ أيْ نَفَذْناهم وأدْخَلْناهم فِيهِ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى انْفِصالِهِمْ عَنِ البَحْرِ وإلى مُقارَنَةِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ لَهم عِنْدَ الجَوازِ كَما هو المَشْهُورُ في الفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا قَفا أثَرَهُ إمّا بِالجِسْمِ أوْ بِالِارْتِسامِ والِائْتِمارِ وظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَيْنِ بِمَعْنًى
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُقالُ تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ إذا كانَ سَبَقَكَ فَلَحِقْتَهُ فالمَعْنى هُنا أدْرَكَهم ولَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ حَتّى تَراءَتِ الفِئَتانِ وكادَ يَجْتَمِعُ الجَمْعانِ ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ أيْ ظُلْمًا واعْتِداءً وهُما مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ باغِينَ وعادِينَ أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ أيْ لِلْبَغْيِ والعُدْوانِ
وقَرَأ الحَسَنُ و(عُدُوًّا) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِإجابَةِ دَعَوْتِهِما أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ لَيْلًا وكانُوا كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ فَخَرَجَ بِهِمْ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنِ ومَلَئِهِ فَلَما أحَسَّ بِذَلِكَ خَرَجَ هو وجُنُودُهُ عَلى أثَرِهِمْ مُسْرِعِينَ فالتَفَتَ القَوْمُ فَإذا الطّامَّةُ الكُبْرى وراءَهم فَقالُوا: يا مُوسى هَذا فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وراءَنا وهَذا البَحْرُ أمامَنا فَكَيْفَ الخَلاصُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وصارَ لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ فَسَلَكُوا ووَصَلَ فِرْعَوْنُ ومِن مَعَهُ إلى السّاحِلِ وهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ومَسْلَكُهم باقٍ عَلى حالِهِ بِمَن مَعَهُ أجْمَعِينَ فَلَمّا دَخَلَ آخِرُهم وهَمَّ أوَّلُهم بِالخُرُوجِ غَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ لَحِقَهُ والمُرادُ بِلُحُوقِهِ إيّاهُ وُقُوعُهُ فِيهِ وتَلَبُّسُهُ بِأوائِلِهِ وقِيلَ: مَعْنى أدْرَكَهُ قارَبَ إدْراكَهُ كَجاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللُّحُوقِ تَمْنَعُهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَصَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قالَ آمَنتُ﴾ إلَخْ ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى الإدْراكَ عَلى ظاهِرِهِ وحَمَلَ القَوْلَ عَلى النَّفْسِيِّ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ قِيامَ الِاحْتِمالِ يُبْطِلُ صِحَّةَ الِاسْتِدْلالِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِإيمانٍ سابِقٍ كَما قِيلَ بَلْ إنْشاءُ إيمانٍ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ بِأنَّهُ وقُدِّرَ الجارُّ لِأنَّ الإيمانَ وكَذا الكُفْرُ مُتَعَدٍّ بِالباءِ ومَحَلُّ مَدْخُولِهِ بَعْدَ حَذْفِهِ الجَرُّ أوِ النُّصْبُ فِيهِ خِلافٌ شَهِيرٌ وجَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَلا تَقْدِيرَ لِأنَّهُ في أصْلِ وضْعِهِ كَذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِلِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ فِيهِ: وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ وقالَ إنَّهُ أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِبَيانِ إيمانِهِ أوْ الإبْدالِ مِن جُمْلَةِ آمَنتُ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ يَجُوزُ إبْدالُها مِنَ الفِعْلِيَّةِ والِاسْتِئْنافُ عَلى البَدَلِيَّةِ بِاعْتِبارِ المَحْكِيِّ لا الحِكايَةِ لِأنَّ الكَلامَ في الأوَّلِ والجُمْلَةُ الأُولى في كَلامِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ والمُبْدَلُ مِنَ المُسْتَأْنَفِ مُسْتَأْنَفٌ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وعَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ وجَعَلَ صِلَتَهُ إيمانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ تَعالى ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ السَّحَرَةُ:
صفحة 182
﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِرُجُوعِهِ عَنِ الِاسْتِعْصاءِ واتِّباعِهِ لِمَن كانَ يَسْتَتْبِعُهم طَمَعًا في القَبُولِ والِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكِ النَّجاةِ ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ 90﴾ أيِ الَّذِينَ أسْلَمُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ تَعالى أيْ جَعَلُوها خالِصَةً سالِمَةً لَهُ سُبْحانَهُ وأرادَ بِهِمْ إمّا بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً وإما الجِنْسَ وهم إذْ ذاكَ داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (آمَنَتْ) وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِادِّعاءِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ
وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ مَعْطُوفَةٌ وعَلى الثّانِي تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أيْ آمَنتُ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى مُنْتَظِمًا في سِلْكِ الرّاسِخِينَ في ذَلِكَ ولَقَدْ كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ بِثَلاثِ عِباراتٍ وبالَغَ ما بالَغَ حِرْصًا عَلى القَبُولِ المُقْتَضِي لِلنَّجاةِ ولَيْتَ بَعْضَ ذَلِكَ قَدْ كانَ حِينَ يَنْفَعُهُ الإيمانُ وذَلِكَ قَبْلَ اليَأْسِ فَإنَّ إيمانَ اليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَما عَلَيْهِ الأئِمَّةُ الفُحُولُ
يونس 10:91
﴿آلآنَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أيِ آلْآنَ تُؤْمِنُ حِينَ يَئِسْتَ مِنَ الحَياةِ وأيْقَنْتَ بِالمَماتِ وقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِيَتَوَجَّهَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ إلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى حَدٍّ يَمْتَنِعُ قَبُولُهُ فِيهِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ﴾ وهَذا إلى ﴿آيَةً﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الغَضَبِ عَلى المَخْذُولِ ومُقابَلَةُ ما أظْهَرَهُ بِالرَّدِّ الشَّنِيعِ وتَقْرِيعِهِ بِالعِصْيانِ والإفْسادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وفي حَذْفِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وإبْرازِ الخَبَرِ المَحْكِيِّ في صُورَةِ الإنْشاءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ وشِدَّةِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى والقائِلُ لَهُ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّهُ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أبْغَضْتُ شَيْئًا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ما أبْغَضْتُ إبْلِيسَ يَوْمَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ وما أبْغَضْتُ شَيْئًا أشَدَّ بُغْضًا مِن فِرْعَوْنَ فَلَمّا كانَ يَوْمُ الغَرَقِ خِفْتُ أنْ يَعْتَصِمَ بِكَلِمَةِ الإخْلاصِ فَيَنْجُوَ فَأخَذْتُ قَبْضَةً مِن حَمَأةٍ فَضَرَبْتُ بِها في فِيهِ فَوَجَدْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ أشَدَّ غَضَبًا مِنِّي فَأمَرَ مِيكائِيلَ فَأتاهُ فَقالَ آلْآنَ» . إلْخَ وما تَضَمَّنَهُ هَذا الخَبَرُ مِن فِعْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ: لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخِذٌ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في في فِرْعَوْنَ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» . واسْتَشْكَلَ هَذا التَّعْلِيلُ
وفِي الكَشّافِ أنَّ ذَلِكَ مِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ فَحالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ، والأُخْرى أنَّ مَن كَرِهَ إيمانَ الكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ وارْتَضاهُ ابْنُ المُنِيرِ قائِلًا: لَقَدْ أنْكَرَ مُنْكَرًا وغَضِبَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما يَجِبُ لَهم والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الثِّقاتِ كالتِّرْمِذِيَ المُقَدَّمِ عَلى المُحْدَثِينَ بَعْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ وقَدْ خاضُوا في بَيانِ المُرادِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ إشْكالٌ
فَفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أيِ النَّجاةُ الَّتِي هي طِلْبَةُ المَخْذُولِ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها صِحَّةُ الإيمانِ كَما في إيمانِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَلْزَمَ مِن كَراهَتِهِ ما لا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّضا بِالكُفْرِ إذْ لا اسْتِحالَةَ في تَرَتُّبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ وإنْ كانَ ذَلِكَ في حالَةِ البَأْسِ واليَأْسِ فَيُحْمَلُ دَسُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ لِكَمالِ الغَيْظِ وشِدَّةِ الحَرْدِ انْتَهى.
صفحة 183
ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الرَّحْمَةِ عَلى الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَعِيدٌ ويَكادُ بِأبى عَنْهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ رَأيْتَنِي يا مُحَمَّدُ وأنا أغُطُّ فِرْعَوْنَ بِإحْدى يَدَيَّ وأدُسُّ مِنَ الحالِ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى فِيُغْفَرَ لَهُ» . فَإنَّهُ رَتَّبَ فِيهِ المَغْفِرَةَ عَلى إدْراكِ الرَّحْمَةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِها الرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ لا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها وإنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النَّجاةُ
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما فَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَ غَضَبًا عَلَيْهِ لِما صَدَرَ مِنهُ وخَوْفًا أنَّهُ إذا كَرَّرَ ذَلِكَ رُبَّما قُبِلَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ لِسِعَةِ بَحْرِ الرَّحْمَةِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ وأمّا الرِّضا بِالكُفْرِ فالحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ مُطْلَقًا بَلْ إذا اسْتَحْسَنَ وإنَّما الكُفْرُ رِضاهُ بِكُفْرِ نَفْسِهِ كَما في التَّأْوِيلاتِ لِعِلْمِ الهُدى انْتَهى وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الرِّضا بِكُفْرِ نَفْسِهِ إنَّما يَكُونُ وهو كافِرٌ فَلا مَعْنى لِعَدِّهِ كُفْرًا والكُفْرُ حاصِلٌ قَبْلَهُ وهو عَلى ما لَهُ وما عَلَيْهِ بَحْثٌ آخَرُ لا يَضُرُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ
والطِّيبِيُّ بَعْدَ أنْ أجابَ بِما أجابَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ مَجالٌ في مِثْلِ هَذا النَّقْلِ الصَّحِيحِ إلّا التَّسْلِيمُ ونِسْبَةُ القُصُورِ إلى النَّفْسِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ الخَبَرَ مَتى خالَفَ صَرِيحَ العَقْلِ أوْ تَضَمَّنَ نِسْبَةَ ما لا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا في حَقِّ شَخْصٍ إلَيْهِ ولَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ عَلى وجْهٍ يُوافِقُ حُكْمَ العَقْلِ ويَنْدَفِعُ بِهِ نِسْبَةُ النَّقْصِ لا يَكُونُ صَحِيحًا واتِّهامُ الرّاوِي بِما يُوهِنُ أمْرَ رِوايَتِهِ أهْوَنُ مِنِ اتِّهامِ العَقْلِ الصَّرِيحِ ونِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ دُونَ نِسْبَةِ النَّقْصِ إلى مَن شَهِدَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِعِصْمَتِهِ وكَمالِهِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ العامِلِ في الظَّرْفِ جِيءَ بِهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى هَذا الآنِ بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ لِما عَسى يُعَدُّ عُذْرًا بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الرَّدِّ والِاسْتِعْصاءِ والإفْسادِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ 91﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿عَصَيْتَ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الحالِ والتَّحْقِيقِ أيْ وقَدْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ الغالِينَ في الضَّلالِ والإضْلالِ عَنِ الإيمانِ فَهَذا عِبارَةٌ عَنْ فَسادِهِ الرّاجِعِ إلى نَفْسِهِ والسّارِي إلى غَيْرِهِ مِنَ الظُّلْمِ والتَّعَدِّي وصَدِّ بَنِي إسْرائِيلَ عَنِ السَّبِيلِ والأوَّلُ عَنْ عِصْيانِهِ الخاصِّ بِهِ
يونس 10:92
وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِ وتَخْيِيبٌ لَهُ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِ بِالمَرَّةِ والمُرادُ فاليَوْمَ نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا مُلابِسًا بِبَدَنِكَ عارِيًا عَنِ الرُّوحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّنْجِيَةِ مَجازًا وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ بِأنَّ مُرادَهُ بِالإيمانِ هو النَّجاةُ وقِيلَ: مَعْنى الحالِ عارِيًا عَنِ اللِّباسِ أوْ تامَّ الأعْضاءِ كامِلَها
وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ الكَلامَ عَلى التَّجْرِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الباءُ زائِدَةً - وبَدَنِكَ - بَدَلُ بَعْضٍ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَأنَّهُ قِيلَ: نُنْجِي بَدَنَكَ وجَعَلَ الباءَ لِلْآيَةِ لِيَكُونَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ - أخَذْتَهُ بِيَدِكَ - ونَظْرَتَهُ بِعَيْنِكَ - إيذانًا بِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ البَعِيدِ التَّناوُلِ وجْهٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ وجِيهٍ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: التَّنْجِيَةُ الإلْقاءَ عَلى النَّجْوَةِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ قِيلَ: وسُمِّيَ بِهِ لِنَجاتِهِ عَنِ السَّيْلِ وإلى هَذا ذَهَبَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى نَجْعَلُكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كَيْ يَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ فَيَعْرِفُوا أنَّكَ قَدْ مِتَّ وجاءَ تَفْسِيرُ البَدَنِ بِالدِّرْعِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأُبَيٍّ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن
صفحة 184
ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها وفي رِوايَةٍ أنَّها كانَتْ مِن لُؤْلُؤٍ
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي جَهْضَمٍ مُوسى بْنِ سالِمٍ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ شَيْءٌ يَلْبَسُهُ يُقالُ لَهُ البَدَنُ يَتَلَأْلَأُ وقَرَأ يَعْقُوبُ (نُنْجِيكَ) مِن بابِ الإفْعالِ وهو مَعْنى التَّفْعِيلِ بِمَعْنَيَيْهِ السّابِقَيْنِ وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمَيْقَعِ اليَمانِيِّ ويَزِيدَ البَرْبَرِيِّ أنَّهُما قَرَآ (نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ المُهْمَلَةِ ونُسِبَتْ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأبِي السَّمالِ أيْ نَجْعَلُكَ في ناحِيَةٍ ونُلْقِيكَ عَلى السّاحِلِ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (بِأبْدانِكَ) عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ بِجَعْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِمَنزِلَةِ البَدَنِ فَأطْلَقَ الكُلَّ عَلى الجُزْءِ مَجازًا وعَلى هَذا جَمْعُ الإجْرامِ في قَوْلِهِ:
وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِإجْرامِهِ مِن قِلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
أوْ بِإرادَةِ دُرُوعِكَ بِناءً عَلى أنَّ المَخْذُولَ كانَ لابِسًا دِرْعًا عَلى دِرْعٍ وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (بِنِدائِكَ) أيْ بِدُعائِكَ ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ أيْ لِتَكُونَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا حالَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَ حالَكَ وما عَراكَ عِبْرَةً ونَكالًا مِنَ الطُّغْيانِ أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ وإنْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وعُلُوِّ الكِبْرِياءِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ فَهو مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وقِيلَ: المُرادُ بِمَن خَلْفَهُ مَن بَقِيَ بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْ لِتَكُونَ لَهم عَلامَةً عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عَظَمَتِهِما ما خَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَهْلِكُ فَكَذَّبُوا لِذَلِكَ خَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَلاكِهِ حَتّى عايَنُوهُ عَلى مَمَرِّهِمْ مِنَ السّاحِلِ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقُرِئَ (لِمَن خَلَفَكَ) فِعْلًا ماضِيًا أيْ حَلَّ مَكانَكَ ونُسِبَ إلى ابْنِ السَّمَيْقَعِ وأبِي السِّمالِ أنَّهُما أيْضًا قَرَآ (لِمَن خَلَقَكَ) بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ أيْ لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ الآياتِ فَإنَّ إفْرادَهُ سُبْحانَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَصَدَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ وإماطَةَ الشُّبُهاتِ في أمْرِكَ وبُرْهانٌ نَيِّرٌ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ وهو مَعْنًى لا بَأْسَ بِهِ يَصِحُّ أنْ تُوَجَّهَ بِهِ الآيَةُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا. ذُكِرَ في النَّشْرِ أنَّ مِمّا لا يُوثَقُ بِنَقْلِهِ قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْقَعِ وأبِي السِّمالِ (نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ و(لِمَن خَلَقَكَ) بِالقافِ وفي تَعْلِيلِ تَنْجِيَتِهِ بِما ذُكِرَ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إيذانٌ بِأنَّها لَيْسَتْ لِإعْزازِهِ أوْ لِفائِدَةٍ أُخْرى عائِدَةٍ إلَيْهِ بَلْ لِكَمالِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ وتَفْضِيحِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ وزِيادَةِ تَفْظِيعِ حالِهِ كَمَن يُقْتَلُ ثُمَّ يُجَرُّ جَسَدُهُ في الأسْواقِ ويُطْرَحُ جِيفَةً في المَيْدانِ أوْ يُدارُ بِرَأْسِهِ في النَّواحِي والبُلْدانِ واللّامُ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ والثّانِيَةُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (آيَةً) أيْ كائِنَةً لِمَن خَلْفَكَ وجادَ الرَّدُّ عَلى هَذا المَخْذُولِ عَلى طَرْزِ ما أتى بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ﴾ إلَخْ في اشْتِمالِهِ عَلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَفَكَّرَ في الآيَةِ وقَدْ قَرَّرَ فَحْوى المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ 92﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِذَلِكَ ولِهَذِهِ الآيَةِ وأشْباهِها وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَفْرِ المَخْذُولِ وعَدَمِ قَبُولِ إيمانِهِ ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا وخَلَقَ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا» . فَهو مِن أهْلِ النّارِ المُخَلَّدِينَ فِيها بِلا رَيْبٍ وبِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في أوَّلِ كِتابِهِ الفُتُوحاتِ في البابِ الثّانِي والسِّتِّينَ مِنهُ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِبادِ جَعَلَهم طائِفَتَيْنِ طائِفَةٌ لا تَضُرُّهُمُ الذُّنُوبُ الَّتِي وقَعَتْ مِنهم وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا﴾ وهَؤُلاءِ لا تَمَسُّهُمُ النّارُ بِما
صفحة 185
تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ واسْتِغْفارِ المَلَأ الأعْلى ودُعائِهِمْ لَهُمْ
وقَسَّمَ الطّائِفَةَ الأُخْرى إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ أخْرَجَهم مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ وهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّوْحِيدِ ماتُوا ولَمْ تُكَفَّرْ عَنْهم خَطاياهم وقِسْمٌ آخَرُ أبْقاهم في النّارِ وهُمُ المُجْرِمُونَ خاصَّةً الَّذِينَ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ولَهم يُقالُ: أهْلُ النّارِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَها وهم عَلى أرْبَعِ طَوائِفَ كُلُّهم في النّارِ لا يَخْرُجُونَ مِنها. الطّائِفَةُ الأُولى المُتَكَبِّرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى كَفِرْعَوْنَ وأشْباهِهِ مِمَّنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ ونَفاها عَنِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ وقالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ يُرِيدُ بِهِ ما في السَّماءِ غَيْرِي وكَذَلِكَ نُمْرُوذُ وغَيْرُهُ
والثّانِيَةُ المُشْرِكُونَ وهُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا اللَّهَ تَعالى إلّا أنَّهم جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرى وقالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ والثّالِثَةُ المُعَطِّلَةُ وهُمُ الَّذِينَ نَفَوُا الإلَهَ جُمْلَةً واحِدَةً فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلْعالَمِ إلَهًا أصْلًا والرّابِعَةُ المُنافِقُونَ وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ لِلْقَهْرِ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِمْ وهم في نُفُوسِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنِ اعْتِقادِ إحْدى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ فَهُؤَلاءِ الأصْنافُ الأرْبَعَةُ هم أهْلُ النّارِ الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ مِنها مِنَ الجِنِّ والإنْسِ انْتَهى.
وهُوَ صَرِيحٌ فِيما قُلْنا إلّا أنَّهُ ذَهَبَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ المَذْكُورِ إلى خِلافِهِ فَقالَ في البابِ السّابِعِ والسِّتِّينَ ومِائَةٍ ما حاصِلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلى كُلِّ قَلْبٍ مُظْهِرٍ لِلْجَبَرُوتِ والكِبْرِياءِ وأنَّ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ أذَلُّ الأذِلّاءِ أمَرَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ يُعامِلاهُ بِالرَّحْمَةِ واللِّينِ لِمُناسَبَةِ باطِنِهِ واسْتِنْزالِ ظاهِرِهِ مِن جَبَرُوتِهِ وكِبْرِيائِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ ولَعَلَّ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجَبَتانِ فَتَذَكَّرْ بِما يُقابِلُهُ مِنَ اللِّينِ والمَسْكَنَةِ ما هو عَلَيْهِ في باطِنِهِ لِيَكُونَ الظّاهِرُ والباطِنُ عَلى السَّواءِ فَما زالَتْ تِلْكَ الخَمِيرَةُ مَعَهُ تَعْمَلُ في باطِنِهِ مَعَ التَّرَجِّي الإلَهِيِّ الواجِبِ فِيهِ وُقُوعُ المُتَرَجّى ويَتَقَوّى حُكْمُها إلى حِينِ انْقِطاعِ يَأْسِهِ مِنِ اتِّباعِهِ وحالَ الغَرَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أطْماعِهِ لَجَأ إلى ما كانَ مُسْتَتِرًا في باطِنِهِ مِنَ الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ وُقُوعُ الرَّجاءِ الإلَهِيِّ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَرُفِعَ الإشْكالُ مِنَ الإشْكالِ كَما قالَتِ السَّحَرَةُ لَمّا آمَنَتْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ أيِ الَّذِي يَدْعُوانِ إلَيْهِ فَجاءَتْ بِذَلِكَ لِدَفْعِ الِارْتِيابِ ورَفْعِ الإشْكالِ وقَوْلُهُ: وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ خِطابٌ مِنهُ لِلْحَقِّ تَعالى لِعِلْمِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْمَعُهُ ويَراهُ فَخاطَبَهُ الحَقُّ بِلِسانِ الغَيْبِ وسَمِعَهُ آلْآنَ أظْهَرْتَ ما قَدْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ لِأتْباعِكَ وما قالَ لَهُ (وأنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) فَهي كَلِمَةُ بُشْرى لَهُ عَرَّفَنا بِها لِنَرْجُوَ رَحْمَتَهُ مَعَ إسْرافِنا وإجْرامِنا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ يَعْنِي لِتَكُونَ النَّجاةُ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ آيَةً أيْ عَلامَةً إذا قالَ ما قُلْتَهُ تَكُونُ لَهُ النَّجاةُ مِثْلَ ما كانَتْ لَكَ وما في الآيَةِ أنَّ بَأْسَ الآخِرَةِ لا يَرْتَفِعُ وأنَّ إيمانَهُ لَمْ يُقْبَلْ وإنَّما فِيها أنَّ بَأْسَ الدُّنْيا لا يَرْتَفِعُ عَمَّنْ نَزَلَ بِهِ إذا آمَنَ في حالِ نُزُولِهِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ بِمَعْنى أنَّ العَذابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِظاهِرِكَ وقَدْ أرَيْتُ الخَلْقَ نَجاتَهُ مِنَ العَذابِ فَكانَ ابْتِداءُ الغَرَقِ عَذابًا فَصارَ المَوْتُ فِيهِ شَهادَةً خالِصَةً بَرِيئَةً لَمْ يَتَخَلَّلْها مَعْصِيَةٌ فَقُبِضَ عَلى أفْضَلِ عَمَلٍ وهو التَّلَفُّظُ بِالإيمانِ كُلُّ ذَلِكَ حَتّى لا يَقْنَطَ أحَدٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى والأعْمالُ بِخَواتِيمِها فَلَمْ يَزَلِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى يَجُولُ في باطِنِهِ وقَدْ حالَ الطّابَعُ الإلَهِيُّ الذّاتِيُّ في الخَلْقِ بَيْنَ الكِبْرِياءِ واللَّطائِفِ الإنْسانِيَّةِ فَلَمْ يَدْخُلْها قَطُّ كِبْرِياءٌ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ فَكَلامٌ مُحَقَّقٌ في غايَةِ الوُضُوحِ فَإنَّ النّافِعَ هو اللَّهُ تَعالى فَما نَفَعَهم إلّا
صفحة 186
هُوَ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ فَيَعْنِي بِذَلِكَ الإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ الغَيْرِ المُعْتادِ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ فَغايَةُ هَذا الإيمانِ أنْ يَكُونَ كَرْهًا وقَدْ أضافَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ إلَيْهِ والكَراهَةُ مَحَلُّها القَلْبُ والإيمانُ كَذَلِكَ واللَّهُ تَعالى لا يَأْخُذُ العَبْدَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ ما يَجِدُهُ مِنَ المَشَقَّةِ فِيها بَلْ يُضاعِفُ لَهُ فِيها الأجْرَ وأمّا في هَذا المَوْطِنِ فالمَشَقَّةُ مِنهُ بَعِيدَةٌ بَلْ جاءَ طَوْعًا في إيمانِهِ وما عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ قُبِضَ ولَمْ يُؤَخَّرْ لِئَلّا يَرْجِعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوى ولَوْ قُبِضَ رُكّابُ البَحْرِ الَّذِينَ قالَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ عِنْدَ نَجاتِهِمْ لَماتُوا مُوَحِّدِينَ وقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ النَّجاةُ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى في تَتْمِيمِ قِصَّتِهِ هَذِهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ عَلى مَعْنى قَدْ ظَهَرَتْ نَجاتُكَ آيَةً أيْ عَلامَةً عَلى حُصُولِ النَّجاةِ فَغَفَلَ أكْثَرُ النّاسِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَضَوْا عَلى المُؤْمِنِ بِالشَّقاءِ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ أنَّهُ يَدْخُلُها مَعَهم بَلْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ولَمْ يَقُلْ أدْخِلُوا فِرْعَوْنَ وآلَهُ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى أوْسَعُ مِن أنْ لا يَقْبَلَ إيمانَ المُضْطَرِّ وأيُّ اضْطِرارٍ أعْظَمُ مِنِ اضْطِرارِ فِرْعَوْنَ في حالِ الغَرَقِ؟ واللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فَقَرَنَ لِلْمُضْطَرِّ إذا دَعاهُ بِالإجابَةِ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ وهَذا آمَنَ لِلَّهِ تَعالى خالِصًا وما دَعاهُ في البَقاءِ في الحَياةِ والدُّنْيا خَوْفًا مِنَ العَوارِضِ وأنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الإخْلاصِ الَّذِي جاءَهُ في هَذِهِ الحالِ فَرَجَّحَ جانِبَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى البَقاءِ بِالتَّلَفُّظِ بِالإيمانِ وجَعَلَ ذَلِكَ الغَرَقَ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى فَلَمْ يَكُنْ عَذابُهُ أكْثَرَ مِن غَمِّ الماءِ الأُجاجِ وقَبْضِهِ عَلى أحْسَنِ صِفَةٍ وهَذا هو الَّذِي يُعْطِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَعْنِي في أخْذِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى
وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الآخِرَةِ عَلى الأُولى لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ أعْنِي عَذابَ الغَرَقِ هو نَكالُ الآخِرَةِ وهَذا هو الفَضْلُ العَظِيمُ انْتَهى وهو نَصٌّ في إيمانِهِ بَلْ في كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْتَ غَرَقًا شَهادَةٌ لِلْمُومِنِينَ كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ الدِّينِ عَلى خِلافٍ في مَوْتِ مَن قَصَّرَ في تَعَلُّمِ السِّباحَةِ غَرِيقًا هَلْ يُعَدُّ شَهادَةً أمْ لا فَإنَّ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ ذَهَبَ إلى أنَّ المُقَصِّرَ المَذْكُورَ إذا ماتَ غَرِيقًا ماتَ عاصِيًا لا شَهِيدًا وإنَّما الشَّهِيدُ مَن ماتَ كَذَلِكَ وكانَ عارِفًا بِالسِّباحَةِ أوْ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في تَعَلُّمِها لَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ وكَأنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَقُولُ بِهَذا التَّفْصِيلِ أوْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ السِّباحَةَ أوْ مِمَّنْ لَمْ يُقَصِّرْ في تَعَلُّمِها أوْ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الإيمانَ كَفَّرَ عَنْهُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَهُ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَعْصِيَةُ التَّقْصِيرِ مَثَلًا الَّتِي هي دُونَ قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ و﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ بِألْفِ ألْفِ مَرْتَبَةٍ لَكِنْ لا أدْرِي هَلِ الغَرِيقُ شَهِيدٌ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو كَذَلِكَ في شَرِيعَتِنا أمْ هَذا الأمْرُ مِن خَواصِّ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِها بِما أنْعَمَ كَرامَةً لِنَبِيِّها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ ذَهَبَ قُدِّسُ سِرُّهُ في كِتابِهِ فُصُوصُ الحُكْمِ إلى نَحْوِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أخِيرًا في كِتابِهِ الفُتُوحاتِ وقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وهو عِنْدِي لَيْسَ بِأعْظَمَ مِن قَوْلِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِإيمانِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَثِيرٍ مِن أضْرابِهِمْ ونَجاتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ في الفُصُوصِ والعَجَبُ أنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ مُعْتَرِضُوهُ في ذَلِكَ كَثْرَتَهم في القَوْلِ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ وقَدِ انْتَصَرَ لَهُ بَعْضُ النّاسِ ومِنهم في المَشْهُورِ الجَلالُ الدَّوانِيُّ ولَهُ رِسالَةٌ في ذَلِكَ أتى فِيها بِما لا يُعَدُّ شَيْئًا عِنْدَ أصاغِرِ الطَّلَبَةِ لَكِنْ في تارِيخِ حَلَبَ لِلْفاضِلِ الحَلَبِيِّ كَما قالَ مَوْلانا الشِّهابُ إنَّها لَيْسَتْ لِلْجَلالِ وإنَّما هي لِرَجُلٍ يُسَمّى مُحَمَّدَ بْنَ هِلالٍ النَّحْوِيَّ وقَدْ رَدَّها القَزْوِينِيُّ
صفحة 187
وشَنَّعَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّما مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ خامِلِ الذِّكْرِ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ بالَ في زَمْزِمَ لِيَشْتَهِرَ بَيْنَ النّاسِ وفي المَثَلِ خالِفْ تُعْرَفْ ويُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ لِلْجَلالِ أنَّهُ شافِعِيُّ المَذْهَبِ كَما يَشْهَدُ لِذَلِكَ حاشِيَتُهُ عَلى الأنْوارِ وفي فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ أنَّ بَعْضَ فُقَهائِنا كَفَّرَ مَن ذَهَبَ إلى إيمانِ فِرْعَوْنَ مَعَ ما عِلِيهِ تِلْكَ الرِّسالَةُ مِنِ اخْتِلالِ العِبارَةِ وظُهُورِ الرَّكاكَةِ وعَدَمِ مُشابَهَتِها لِسائِرِ تَأْلِيفاتِهِ ولَوْلا خَوْفُ الإطالَةِ لَسَرَدْتُها عَلَيْكَ وبِالجُمْلَةِ ظَواهِرُ الآيِ صَرِيحَةٌ في كُفْرِ فِرْعَوْنِ وعَدَمِ قَبُولِ إيمانِهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في اسْتِمْرارِ فِرْعَوْنَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي المُوجِبَةِ لِما حَلَّ بِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِكانَ والفِعْلِ المُضارِعِ ومَعَ الإيمانِ لا اسْتِمْرارَ عَلى أنْ نَظَّمَهُ في سِلْكِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ ظاهِرٌ أيْضًا في المُدَّعى. وألْحَقَ بَعْضُهم بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ بِناءً عَلى أنَّ عَدُوٌّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهي لِلثُّبُوتِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ عَداوَتِهِ لِلَّهِ تَعالى وعَداوَتِهِ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وثُبُوتُ إحْدى العَداوَتَيْنِ كافٍ في سُوءِ حالِهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا بِأنَّ إيمانَ البَأْسِ واليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ولا شَكَّ أنَّ إيمانَ المَخْذُولِ كانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وإنْكارَهُ مُكابَرَةٌ وقَدْ حَكى إجْماعُ الأئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ عَلى عَدَمِ القَبُولِ ومُسْتَنَدُهم فِيهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وما يُنْقَلُ عَنِ الإمامِ مالِكٍ مِنَ القَبُولِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ المُطَّلِعِينَ عَلى أقْوالِ المُجْتَهِدِينَ واخْتِلافاتِهِمْ نَعَمْ صَرَّحَ الإمامُ القاضِي عَبْدُ الصَّمَدِ مِن ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ بِأنَّ مَذْهَبَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ الإيمانَ يَنْتَفِعُ بِهِ ولَوْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ وهَذا الإمامُ مُتَقَدِّمٌ عَلى الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ وحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ حِكايَةُ الإجْماعِ إلّا أنْ يُقالَ: بِعَدَمِ تَسْلِيمِ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ في عَدَمِ النَّفْعِ فَلا يُخِلُّ ذَلِكَ بِالإجْماعِ بِالإجْماعِ وفي الزَّواجِرِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لا يَضُرُّنا ذَلِكَ في دَعْوى إجْماعِ الأُمَّةِ عَلى كُفْرِفِرْعَوْنَ لِأنّا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ لِأجْلِ إيمانِهِ عِنْدَ البَأْسِ فَحَسْبُ بَلْ لِما انْضَمَّ إلَيْهِ مِن أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ تَعالى إيمانًا صَحِيحًا بَلْ كانَ تَقْلِيدًا مَحْضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وإنَّما سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا فَآمَنَ بِذَلِكَ الإلَهِ الَّذِي سَمِعَ بَنِي إسْرائِيلَ يُقِرُّونَ بِوُجُودِهِ وهَذا هو مَحْضُ التَّقْلِيدِ الَّذِي لا يُقْبَلُ لا سِيَّما مِن مِثْلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِوُجُودِ الصّانِعِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن بُرْهانٍ قَطْعِيٍّ يُزِيلُ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الخَبِيثِ البالِغِ نِهايَةَ القُبْحِ والفُحْشِ وأيْضًا لا بُدَّ في إسْلامِ الدَّهْرِيِّ ونَحْوِهِ مِمَّنْ كانَ قَدْ دانَ بِشَيْءٍ أنْ يُقِرَّ بِبُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَوْ قالَ: آمَنتُ بِالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وفِرْعَوْنُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِبُطْلانِ ما كانَ كَفَرَ بِهِ مِن نَفْيِ الصّانِعِ وادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِنَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ لا يُدْرى ما الَّذِي أرادَ بِهِ فَلِذا صَرَّحَ الأئِمَّةُ بِأنَّ آمَنتُ بِالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لا يَحْصُلُ الإيمانُ لِلِاحْتِمالِ فَكَذا ما قالَهُ وعَلى التَّنَزُّلِ فالإجْماعُ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ لا يَصِحُّ فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ فِرْعَوْنَ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى إيمانًا صَحِيحًا فَهو لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا تَعَرَّضَ لَهُ أصْلًا فَلَمْ يَكُنْ إيمانُهُ نافِعًا ألا تَرى أنَّ الكافِرَ لَوْ قالَ أُلُوفًا مِنَ المَرّاتِ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أوْ إلّا الَّذِي آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتّى يَقُولَ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
صفحة 188
والسَّحَرَةُ تَعَرَّضُوا في إيمانِهِمْ لِلْإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ فَلا يُقالُ: إنَّ إيمانَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرْزِ إيمانِهِمْ لِذَلِكَ عَلى أنَّ إيمانَهم حِينَ آمَنُوا كانَ بِمُعْجِزَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ الإيمانِ بِمُعْجِزَةِ الرَّسُولِ إيمانٌ بِالرَّسُولِ فَهم آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ فِرْعَوْنَ فَإنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلًا بَلْ في ذِكْرِهِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهُ مَعَ أنَّهُ الرَّسُولُ العارِفُ بِالإلَهِ وما يَلِيقُ بِهِ والهادِي إلى طَرِيقِهِ إشارَةٌ ما إلى بَقائِهِ عَلى كُفْرِهِ بِهِ وما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَوْجِيهِ آيَةِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ إلَخْ خارِجٌ عَنْ ذَوْقِ الكَلامِ العَرَبِيِّ وتَجَشُّمُ تَكَلُّفٍ لا مَعْنى لَهُ ويُرْشِدُكَ إلى بَعْضِ ذَلِكَ أنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ﴾ إلَخْ عَلى العَتَبِ والبُشْرى مَعَ أنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لَوْ صَحَّ إيمانُهُ وإسْلامُهُ لَكانَ الأنْسَبَ بِمَقامِ الفَضْلِ الَّذِي إلَيْهِ طَمَحَ نَظَرُ الشَّيْخِ أنْ يُقالَ لَهُ: الآنَ نَقْبَلُكَ ونُكْرِمُكَ لِاسْتِلْزامِ صِحَّةِ إيمانِهِ رِضا الحَقِّ عَنْهُ ومَن وقَعَ لَهُ الرِّضا لا يُخاطَبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الخِطابِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ وُقُوفٌ عَلى أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ ومُحاوَراتِهِمْ وأيْضًا كَيْفَ يُخاطَبُ مَن مَحا الإيمانُ عِصْيانَهُ وإفْسادَهُ بِما هو ظاهِرٌ في التَّأْنِيبِ المَحْضِ والتَّقْرِيعِ الصِّرْفِ والتَّوْبِيخِ البَحْتِ فَما ذَلِكَ إلّا لِإقامَةِ أعْظَمِ نَوامِيسِ الغَضَبِ عَلَيْهِ وتَذْكِيرِهِ بِقَبائِحِهِ الَّتِي قَدَّمَها وإعْلامِهِ بِأنَّها هي الَّتِي مَنَعَتْهُ عِنْدَ النُّطْقِ بِالإيمانِ إلى حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ وكَذا تَأْوِيلُهُ فَلَمْ يَكْ يَنْفَعُهم إيمانُهم بِأنَّ النّافِعَ هو اللَّهُ تَعالى مَعَ أنَّ اصْطِلاحَ الكِتابِ والسُّنَّةِ نِسْبَةُ الأشْياءِ إلى أسْبابِها إيجابًا وسَلْبًا فَإذا قِيلَ: لا يَنْفَعُ الإيمانُ فَلَيْسَ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ إلّا الحُكْمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ باطِلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ وأيُّ مَعْنًى سَوَّغَ تَخْصِيصَ نَفْعِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الَّتِي هي حالَةُ وُقُوعِ العَذابِ مَعَ النَّظَرِ إلى ما هو الواقِعُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى هو النّافِعُ حَقِيقَةً في كُلِّ وقْتٍ ولَوْ نَفَعَهم لَما اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم أنَّهم باقُونَ مَعَ ذَلِكَ الإيمانِ عَلى الكُفْرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في كَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ أوَّلًا إلَيْهِ وقَدْ قالُوا: إذا اخْتَلَفَ كَلامُ إمامٍ يُؤْخَذُ مِنهُ بِما يُوافِقُ الأدِلَّةَ الظّاهِرَةُ ( ويُعْرَضُ عَمّا خالَفَها ولا شَكَّ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أوَّلًا هو المُوافِقُ لِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ إلّا القَوْلُ بِقَبُولِ إيمانِهِ لا يَلْزَمُنا اتِّباعُهُ في ذَلِكَ والأخْذُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وشَهِدَتْ بِهِ أئِمَّةُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهم مِنَ المُجْتَهِدِينَ وجَلالَةُ قائِلِهِ لا تُوجِبُ القَبُولَ فَقَدْ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: ما مِن أحَدٍ إلّا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ومَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلّا صاحِبَ هَذا القَبْرِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لا تَنْظُرْ إلى مَن قالَ وانْظُرْ إلى ما قالَ وكَأنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ قالَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والنَّظَرُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ ومَن عَلِمَ أنَّ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتِهادًا جاءَ الوَحْيُ بِخِلافِهِ لَمْ يَسْتَعْظِمْ ما قِيلَ في الشَّيْخِ وإنْ كانَ هو - هو - عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ قالَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الكَشْفِ إلّا أنَّهُ أبْدى الِاسْتِدْلالَ تَفْهِيمًا وإرْشادًا إلى أنَّ فَهْمَهُ لَمْ يُخالِفْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتابُ لَمْ يَلْزَمْنا أيْضًا تَقْلِيدُهُ بَلْ قَدْ مَرَّ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الكَشْفِ وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى الغَيْرِ كالإلْهامِ ولا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ لَوْ كانَ كُلٌّ مِنَ القَوْلَيْنِ مِن طَرِيقِ الكَشْفِ يَلْزَمُ انْقِسامُ الكَشْفِ إلى صَوابٍ وخَطَأٍ كالنَّظَرِ ضَرُورَةَ عَدَمِ اجْتِماعِ الإيجابِ والسَّلْبِ عَلى الكَذِبِ ولا عَلى الصِّدْقِ وهو ظاهِرٌ وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: بِالِانْقِسامِ ويَخْفى وجْهَهُ ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ كَلامَ الشَّيْخِ المُثْبِتَ لِقَبُولِ الإيمانِ بِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ فِيهِ النَّفْسُ
صفحة 189
الأمّارَةُ وبِمُوسى وهارُونَ المَأْمُورَيْنِ بِالقَوْلِ اللَّيِّنِ مُوسى الرُّوحُ وهارُونُ القَلْبُ وأخَذَ يُقَرِّرُ الكَلامَ عَلى هَذا السَّنَنِ ولا يَخْفى أنَّ ارْتِكابَ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الظّاهِرِ الكَلَفِ في كَلامِ الشَّيْخِ ما يَأْباهُ ولَعَلَّهُ خِلافُ مَطْمَحِ نَظَرِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَرْتَكِبْهُ أجِلَّةُ أصْحابِهِ بَلْ أبْقَوْا كَلامَهُ عَلى ظاهِرِهِ وهو الظّاهِرُ وإكْفارُ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَهُ فِيهِ ضَلالٌ وأيُّ ضَلالٍ وظُلْمٍ عَظِيمٍ مُوجِبٍ لِلنَّكالِ فَإنَّ لَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في ذَلِكَ مُسْتَنَدًا كَغَيْرِهِ المُقابِلِ لَهُ وإنِ اخْتَلَفا في القُوَّةِ والضَّعْفِ عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ هَذِهِ المَسْألَةِ لَيْسَ مِمّا كُلِّفْنا بِهِ فَلا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها في الدِّينِ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ
يونس 10:93
﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ إثْرَ نِعْمَةِ الإنْجاءِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها وبَوَّأ بِمَعْنى أنَزَلَ كَأباءَ والِاسْمُ مِنهُ البِيئَةُ بِالكَسْرِ كَما في القامُوسِ وجاءَ بَوَّأهُ مَنزِلًا وبَوَّأهُ في مَنزِلٍ وكَذا بَوَّأْتُ لَهُ مَكانًا إذا سَوَّيْتَهُ وهو مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ ولِاثْنَيْنِ أيْ أنْزَلْناهم بَعْدَ أنْ أنْجَيْناهم وأهْلَكْنا أعْداءَهم ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أيْ مَنزِلًا صالِحًا مَرْضِيًّا وهو اسْمُ مَكانٍ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَكانَ مُبَوَّأٍ وبِدُونِهِ وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولًا ثانِيًا وأصْلُ الصِّدْقِ ضِدَّ الكَذِبِ لَكِنْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ عَلى أنَّهم إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ فَقالُوا: رَجُلُ صِدْقٍ مَثَلًا إذا كانَ كامِلًا في صِفَتِهِ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ كَأنَّهم لاحَظُوا أنَّ كُلَّ ما يُظَنُّ بِهِ فَهو صادِقٌ والمُرادُ بِهَذا المُبَوَّأِ كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ الشّامُ ومِصْرُ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُرادُ هُنا مَلَكُوا ذَلِكَ حَسْبَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الفُضَلاءِ
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ واخْتارَهُ بَعْضهمْ بِناءً عَلى أنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ القَوْلَيْنِ ما يَشْمَلُ ذُرِّيَّتَهم بِناءً عَلى أنَّهم ما دَخَلُوا الشّامَ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما دَخَلَها أبْناؤُهم وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْهُ
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أطْرافُ المَدِينَةِ إلى جِهَةِ الشَّأْمِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ اللَّذائِذِ قِيلَ: وقَدْ يُفَسَّرُ بِالحَوْلِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أُمُورِ دِينِهِمْ بَلْ كانُوا مُتَّبَعِينَ أمْرَ رَسُولِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ إلّا بَعْدَما عَلِمُوا بِقِراءَةِ التَّوْراةِ والوُقُوفِ عَلى أحْكامِها وقِيلَ: المَعْنى ما اخْتَلَفُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا بَعْدَما عَلِمُوا صِدْقَ نُبُوَّتِهِ بِنُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ في كِتابِهِمْ وتَظاهُرِ مُعْجِزاتِهِ وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في المُرادِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ المُبَوَّئِينَ وأمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ أُولَئِكَ المُبَوَّئِينَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أمْرِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرُورَةً لِيُنْسَبَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ حَقِيقَةً ولَيْسَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: (وإذا نْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ) الآيَةَ ولا قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ لِيُعْتَبَرَ المَجازُ وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَعْنى أنَّهم كانُوا جَمِيعًا عَلى الكُفْرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ حَتّى أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَزَلَتِ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 93﴾ فَيَمِيزُ بَيْنَ الحَقِّ والمُبْطَلِ بِالإثابَةِ والعُقُوبَةِ
يونس 10:94
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ أيْ في شَكِّ ما يَسِيرُ والخِطابُ قِيلَ: لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ إنْ كُنْتَ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ لِأنَّ الشَّكَّ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْكِشافِ الغِطاءِ لَهُ ولِذا عَبَّرَ بَإنْ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ غالِبًا في ما لا تَحَقُّقَ لَهُ حَتّى تُسْتَعْمَلَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا وعادَةً
صفحة 190
كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ وصِدْقُ الشَّرْطِيَّةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى وُقُوعِها كَما هو ظاهِرٌ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ القَصَصُ أيْ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِنَ القَصَصِ المُنَزَّلَةِ إلَيْكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قِصَّةُ فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ وأخْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ حَسْبَما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وخُصَّتِ القَصَصُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الأحْكامَ المُنَزَّلَةَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِخَةٌ لِأحْكامِهِمْ مُخالِفَةٌ لَها فَلا يُتَصَوَّرُ سُؤالُهم عَنْها والمُرادُ بِالكِتابِ جِنْسُهُ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ (الكُتُبِ) بِالجَمْعِ وفُسِّرَ المَوْصُولُ بِمَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ إخْبارَهم بِما يُوافِقُ ما أنْزَلَ المُتَرَتِّبَ عَلى السِّوالِ أجْدى في المَقْصُودِ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمُومِنِينَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ابْنَ سَلامٍ وغَيْرَهُ إنَّما أسْلَمُوا بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِدْلالَ عَلى حَقِّيَّةِ المُنَزَّلِ والِاسْتِشْهادُ بِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى ما ذُكِرَ وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لَها ومُحَصِّلُ ذَلِكَ أنَّ الفائِدَةَ دَفْعُ الشَّكِّ إنْ طَرَأ لِأحَدٍ غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبُرْهانِ أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوْبِيخُهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ ولَيْسَ الغَرَضُ إمْكانَ وُقُوعِ الشَّكِّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ جاءَتْهُ الآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْألِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ أيْ ما كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فَإنْ أرَدْتَ أنْ تَزْدادَ يَقِينًا فاسْألْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وفِيما ذُكِرَ غِنًى عَنْهُ ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ الشَّكَّ بِمَعْنى الضِّيقِ والشِّدَّةِ بِما يُعايِنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَعَنُّتِ قَوْمِهِ وأذاهم أيْ إنْ ضِقْتَ ذَرْعًا بِما تَلْقى مِن أذى قَوْمِكَ وتَعَنُّتِهِمْ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ كَيْفَ صَبَرَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ فاصْبِرْ كَذَلِكَ بَلْ هو أبْعَدُ جِدًّا مِن ذَلِكَ وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ أيْ إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ فاسْألْ (فَأنْزَلْنا إلَيْكَ) عَلى هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وفي جَعْلِ القِراءَةِ صِلَةَ المَوْصُولِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى أكْثَرَ مِنها وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ مُراجَعَةُ مَن يُزِيلُها مِن أهْلِ العِلْمِ بَلِ المُسارَعَةُ إلى ذَلِكَ حَسْبَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ الجَزائِيَّةُ بِناءً عَلى أنَّها تُفِيدُ التَّعْقِيبَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ الواضِحُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ولا رَيْبَ في حَقِّيَّتِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ القائِمُ بِما يُصْلِحُ شَأْنَكَ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ 94﴾ أيْ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَزْمِ واليَقِينِ ودُمْ عَلى ذَلِكَ كَما كُنْتَ مِن قَبْلُ والِامْتِراءُ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ وهو أخَفُّ مِنَ التَّكْذِيبِ فَلِذا ذُكِرَ أوَّلًا
يونس 10:95
وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنها ﴿فَتَكُونَ﴾ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ 95﴾ أنْفُسًا وأعْمالًا والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أظْهَرُ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالكافِرِينَ وفائِدَةُ النَّهْيِ في المَوْضِعَيْنِ التَّهْيِيجُ والإلْهابُ نَظِيرَ ما مَرَّ والمُرادُ بِذَلِكَ إعْلامُ أنَّ الِامْتِراءَ والتَّكْذِيبَ قَدْ بَلَغا في القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ إلى حَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَنْهى عَنْهُما مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِما فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ اتِّصافُهُ وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِ الكَفَرَةِ
يونس 10:96
صفحة 191
﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ بَيانُ المَنشَأِ إصْرارُ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يَنْتَفِعُونَ بِالإيمانِ أيْ إنَّ الَّذِينَ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ المُفَسَّرُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِإرادَتِهِ تَعالى الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ فِيما لا يَزالُ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ أوْ يُخَلَّدُونَ في النّارِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ 96﴾ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِضَ قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ وتَتَخَلَّفَ إرادَتُهُ جَلَّ جَلالُهُ
يونس 10:97
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ واضِحَةَ المَدْلُولِ مَقْبُولَةً لَدى العُقُولِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ 97﴾ الإغْراقَ ونَحْوَهُ وحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمُ - الصَّيْفَ ضَيَّعْتَ اللَّبَنَ - وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلِمَةَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَهُ في اللَّوْحِ وأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا وجَعَلَ تِلْكَ كِتابَةَ مَعْلُومٍ لا كِتابَةَ مُقَدَّرٍ ومُرادٍ ولا ضَمِيرَ في تَفْسِيرِ الكَلِمَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ جَعْلَ الكِتابَةِ كِتابَةَ مَعْلُومٍ لا كِتابَةَ مُقَدَّرٍ ومُرادٌ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِأسْرِها مَعْلُومَةٌ لَهُ تَعالى ومُرادَّةٌ ولا يَكُونُ إلّا ما أرادَهُ سُبْحانَهُ وعَلِمَهُ عَزَّ شَأْنُهُ وإرادَتُهُ مُتَوافِقانِ ولا تَجُوزُ المُخالَفَةُ بَيْنَهُما ولا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ ولا يُرِيدُ إلّا ما عَلِمَ ولا يَقْدِرُ إلّا ما يُرِيدُ ولا جَبْرَ هُناكَ ولا تَفْوِيضَ ولَكِنْ أمْرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ وفَسَّرَهُ المَوْلى الكُورانِيُّ في شَرْحِهِ لِلْمُقَدِّماتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في تَوْضِيحِ الأُصُولِ بِأنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ وفَصَّلَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وبِإثْباتِ الِاسْتِعْدادِ وأنَّهُ غَيْرُ مَجْعُولٍ تَتَّضِحُ الحُجَّةُ البالِغَةُ وبَسَطَ الكَلامَ في عِلْمِ الكَلامِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ما يَنْفَعُ في هَذا المَقامِ وإنْ أرَدْتَ ما يَطْمَئِنُّ بِهِ الخاطِرُ وتَنْشَرِحُ لَهُ الضَّمائِرُ فَعَلَيْكَ بِرَسائِلِ ذَلِكَ المَوْلى في هَذا الشَّأْنِ فَإنَّها واضِحَةُ المَسالِكِ في تَحْصِيلِ الإيقانِ
يونس 10:98
﴿فَلَوْلا كانَتْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِتَقْرِيرِ هَلاكِهِمْ و(لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةٌ فِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ كَهَلّا ومِثْلُها ما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرِي لَوْلا الكَمى المُقَنَّعا
ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَهَلّا) والتَّوْبِيخُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّفاقِسِيِّ عَلى تَرْكِ الإيمانِ المَذْكُورِ بَعْدُ (وكانَ) كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ناقِصَةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرْيَةٌ﴾ اسْمُها وجُمْلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿آمَنَتْ﴾ خَبَرُها وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ أيْ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِن القُرى التِّي أُهْلِكَتْ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ إيمانَهُ فَنَفَعَها ذَلِكَ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ويَكْشِفَ بِسَبَبِهِ العَذابَ عَنْها وذَهَبَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ إلى أنَّها تامَّةٌ وقَرْيَةٌ فاعِلُها وجُمْلَةُ آمَنَتْ صِفَةٌ ونَفَعَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ والتَّوْبِيخُ عَلى الوُجُودِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ عَلى الصِّفَةِ وحِينَئِذٍ لا غُبارَ عَلى ما قِيلَ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها مَجازًا شائِعًا والقَرِينَةُ هُنا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ أيْ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ عِنْدَما رَأوْا أماراتِ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوا إلى حُلُولِهِ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ أيِ الذُّلِّ والهَوانِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَعْدَ ما أظَلَّهم وكادَ
صفحة 192
يَنْزِلُ بِهِمْ ﴿ومَتَّعْناهُمْ﴾ بِمَتاعِ الدُّنْيا بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم ﴿إلى حِينٍ 98﴾ أيْ زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ مُقَدَّرٍ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهُمُ اليَوْمَ أحْياءٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَتَرَهم عَنِ النّاسِ عَلى حَدِّ ما يُقالُ في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ ما يُوافِقُهُ إلّا أنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهم يَظْهَرُونَ أيّامَ المَهْدِيِّ ويَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أنْصارِهِ ثُمَّ يَمُوتُونَ والكُلُّ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ وقالَ آخَرُونَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ويُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها المُشْرِفُونَ عَلى الهَلاكِ
وقِيلَ: العاصُونَ ويُعْتَبَرُ النَّفْيُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ التَّحْضِيضُ وهو مُشْعِرٌ بِالأمْرِ أيْضًا ولِذا جَعَلُوهُ في حُكْمِهِ إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ اعْتِبارُهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ لِما يَلْزَمُهُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ المُسْتَثْنَيْنَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وهو غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ فاسِدٌ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ أهْلَ القُرى مَحْضُوضُونَ عَلى الإيمانِ النّافِعِ ولَيْسَ قَوْمُ يُونُسَ مَحْضُوضِينَ عَلَيْهِ لِأنَّهم آمَنُوا والذَّوْقُ يَأْبى إلّا اعْتِبارَ النَّفْيِ فَقَطْ حالَ اعْتِبارِ الِاتِّصالِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:﴿لَمّا آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ نَفْعِ إيمانِهِمْ وقُرِئَ (إلّا قَوْمُ) بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن قَرْيَةٌ المُرادِ بِها أهْلُها وأيَّدَ بِذَلِكَ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ واعْتِبارَ النَّفْيِ لِأنَّ البَدَلَ لا يَكُونُ إلّا في غَيْرِ المُوجِبِ وخَرَّجَ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ وهي صِفَةٌ ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ عَلى رَأْيٍ
وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُطْلَقًا مِن ﴿قَرْيَةٌ﴾ وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِنَ القَرْيَةِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿آمَنَتْ﴾ وعَلَّلَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ بِمَعْنى لَكِنْ في تَوَسُّطٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ فَلا يُعْتَمَدُ ما لا يَسْتَقِلُّ ولِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْوَصْفِ أعْنِي الإيمانَ في المُسْتَثْنى مِنهُ فالِاسْتِثْناءُ عَنْ أصْلِ الكَلامِ وأمّا عَلى الثّانِي فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ مِن حَيْثُ المَعْنى جُعِلَ في اللَّفْظِ مِنهُ أوْ مِنَ القَرْيَةِ إذْ لا فَرْقَ في قَوْلِكَ: كانَ القَوْمُ مُنْطَلِقِينَ إلّا زَيْدًا بَيْنَ جَعْلِهِ مِنَ الِاسْمِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ لِأنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتِمُّ بِالخَبَرِ وإنَّما الفَرْقُ في نَحْوِ ضَرَبْتُ القَوْمَ العالَمِينَ إلّا زَيْدًا ثُمَّ قالَ: ونَظِيرُ هَذا في الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ اخْتِلافُ مَعْنى الهَلاكِ عَلى الوَجْهَيْنِ كاخْتِلافِ مَعْنى الإرْسالِ هُنالِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ وكَأنَّهُ عَنى بِالهَلاكِ المَأْخُوذِ قَيْدًا في قَوْلِهِ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها فَتَدَبَّرْ وفي ﴿يُونُسَ﴾ لُغاتُ تَثْلِيثِ النُّونِ مَهْمُوزًا وغَيْرَ مَهْمُوزٍ والمُتَواتِرُ مِنها الضَّمُّ بِلا هَمْزٍ
وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ وشِرْكٍ فَدَعاهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ فَأبَوْا عَلَيْهِ وكَذَّبُوهُ فَأخْبَرَهم أنَّ العَذابَ مُصَبِّحُهم إلى ثَلاثٍ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ ذَهَبَ عَنْهم مِن جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمّا أصْبَحُوا تَغَشّاهُمُ العَذابُ فَكانَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مَيْلٍ وجاءَ أنَّهُ غامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ هائِلًا يُدَخِّنُ دُخانًا شَدِيدًا فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم واسْوَدَّتْ أسْطِحَتُهم فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلاكِ طَلَبُوا نَبِيَّهم فَلَمْ يَجِدُوهُ فَخَرَجُوا إلى الصَّحْراءِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ ولَبِسُوا المُسُوحَ وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الوالِدَةِ ووَلَدِها مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ فَحَنَّ البَعْضُ إلى البَعْضِ وعَلَتِ الأصْواتُ
صفحة 193
وعَجُّوا جَمِيعًا وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى وأخْلَصُوا النِّيَّةَ فَرَحِمَهم رَبُّهم واسْتَجابَ دُعاءَهم وكَشَفَ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ فِيما بَيْنَهم حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي إلى الحَجْرِ قَدْ وضَعَ أساسَ بُنْيانِهِ عَلَيْهِ فَيَقْلَعُهُ ويَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم عَجُّوا إلى اللَّهِ تَعالى أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى كَشَفَ ما نَزَلَ بِهِمْ وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ غَيْلانَ قالَ: لَمّا غَشى قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ فَقالُوا: ما تَرى؟ قالَ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حِيَّ ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ فَقالُوها فَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: قالُوا: اللَّهُمَّ إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ وأنْتَ أعْظَمُ وأجَلُّ فافْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ ولا تَفْعَلُ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ وكانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذَهَبَ عَنْهم قَعَدَ في الطَّرِيقِ يَسْألُ الخَبَرَ كَما جاءَ مَرْفُوعًا فَمَرَّ بِهِ رْجُلٌ فَقالَ لَهُ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِبْتُهم وانْطَلَقَ مُغاضِبًا حَسْبَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وظاهِرُ الآيَةِ يَسْتَدْعِي أنَّ القَوْمَ شاهَدُوا العَذابَ لِمَكانِ ﴿كَشَفْنا﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهُ أكْثَرُ الأخْبارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَفْعُ الإيمانِ لَهم بَعْدَ المُشاهَدَةِ مِن خُصُوصِيّاتِهِمْ فَإنَّ إيمانَ الكَفّارِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما وُعِدُوا بِهِ إيمانُ بَأْسٍ غَيْرُ نافِعٍ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ وعادَةُ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن غَيْرِ إمْهالٍ كَما أهْلَكَ فِرْعَوْنَ والقَوْلُ بِأنَّهُ بَقِيَ حَيًّا إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وسَكَنَ أرْضَ المَوْصِلِ مِن مُفْتَرَياتِ اليَهُودِ
يونس 10:99
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ تَحْقِيقٌ لِدَوَرانِ إيمانِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وُجُودًا وعَدَمًا عَلى قُطْبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا بَعْدَ بَيانِ تَبَعِيَّةِ كُفْرِ الكَفَرَةِ لِكَلِمَتِهِ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ هُنا مَحْذُوفٌ حَسَبَ المَعْهُودِ في نَظائِرِهِ أيْ لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ إيمانَ مَن في الأرْضِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لَآمَنَ كُلُّهم بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ إلّا ما لَهُ ثُبُوتٌ في نَفْسِهِ فِيما لا ثُبُوتَ لَهُ أصْلًا لا يَعْلَمُ وما لا يَعْلَمُ لا يَشاءُ وإلى هَذا التَّعْلِيلِ ذَهَبَ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وأطالَ الكَلامَ في تَحْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ في غَيْرِ ما رِسالَةٍ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها بِناءُ أساسِ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ الزّاعِمِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ الإيمانَ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ فَلَمْ يُؤْمِن إلّا بَعْضُهم والمَشِيئَةُ عِنْدَهم قِسْمانِ تَفْوِيضِيَّةٌ يَجُوزُ تَخَلُّفُ الشَّيْءِ عَنْها وقَسْرِيَّةٌ لا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْها وحَمَلُوا ما في الآيَةِ عَلى هَذا الأخِيرِ فالمَعْنى عِنْدَهم لَوْ شاءَ رَبُّكَ مَشِيئَةَ إلْجاءِ وقَسْرِ إيمانِ الثَّقَلَيْنِ لَآمَنُوا لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ كَذَلِكَ بَلْ أمَرَهم بِالإيمانِ وخَلَقَ لَهم اخْتِيارًا لَهُ ولِضِدِّهِ وفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِمْ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ وهَذا دَيْدَنُهم في كُلِّ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ في إبْطالِ ما هم عَلَيْهِ وفِيهِ أنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى التَّقْيِيدِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَأْباهُ فِيما قِيلَ فَإنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ وهي لِصَدارَتِها مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والمَقْصُودُ تَفَرُّعُ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلُ ولا
صفحة 194
فائِدَةَ بَلْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِ مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ خاصَّةً في تَفَرُّعِ الإنْكارِ وقِيلَ: إنَّ الهَمْزَةَ في مَوْضِعِها والعَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَبُّكَ لا يَشاءُ ذَلِكَ فَأنْتَ تُكْرِهُهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ 99﴾ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرْتِيبِ الإكْراهِ المَذْكُورِ عَلى عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى والإباءُ هو الإباءُ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ المَشِيئَةِ عَلى إطْلاقِها والمُرادُ بِالنّاسِ مَن طُبِعَ عَلَيْهِمْ أوِ الجَمِيعُ مُبالَغَةً وجُوِّزَ في (أنْتَ) أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ ويَعُدُّونَهُ فاعِلًا مَعْنَوِيًّا وتَقْدِيمُهُ لِتَقْوِيَةِ حُكْمِ الإنْكارِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ إنْكارُ صُدُورِ الفِعْلِ مِنَ المُخاطَبِ لا إنْكارُ كَوْنِهِ هو الفاعِلَ مَعَ تَقَرُّرِ أصْلِ الفِعْلِ وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلتَّخْصِيصِ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الإكْراهَ أمْرٌ مُمْكِنٌ لَكِنَّ الشَّأْنَ في المُكْرَهِ مَن هو وما هو إلّا سُبْحانَهُ وحْدَهُ لا يُشارَكُ فِيهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ
يونس 10:100
﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾ بَيانٌ لِتَبَعِيَّةِ إيمانِ النُّفُوسِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى إيمانَها لِمَشِيئَتِهِ تَعالى وُجُودًا وعَدَمًا بَعْدَ بَيانِ الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ عَلَيْها كَذَلِكَ وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن أنَّ خِلافَ المَشِيئَةِ مُسْتَحِيلٌ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها تُؤْمِنُ ﴿أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ سُبْحانَهُ والأصْلُ في الإذْنِ بِالشَّيْءِ الإعْلامُ بِإجازَتِهِ والرُّخْصَةُ فِيهِ ورَفْعُ الحَجْرِ عَنْهُ وجَعَلُوا ما ذُكِرَ مِن لَوازِمِهِ كالتَّسْهِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهم في تَفْسِيرِهِ وخُصِّصَتِ النَّفْسُ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ولَمْ تُجْعَلْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قِيلَ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ كَوْنِها مُلابِسَةً بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِمّا يَؤُولُ إلَيْهِ حالُها كَما أنَّ المَوْتَ حالٌ لِكُلِّ نَفْسٍ لا مَحِيصَ لَها عَنْهُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِما ذُكِرَ فَإنَّ النُّفُوسَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها لا تُؤْمِنُ لَيْسَ لَها حالٌ تُؤْمِنُ فِيها حَتّى تَسْتَثْنِيَ تِلْكَ الحالَ مِن غَيْرِها انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بِالنَّظَرِ إلى النَّفْسِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها لا تُؤْمِنُ مُفِيدٌ لِعَدَمِ إيمانِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِنَفْسٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها لا تُؤْمِنُ أنْ تُؤْمِنَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ كَسَلامَةِ العَقْلِ وصِحَّةِ البَدَنِ وغَيْرِهِما إلّا في حالِ مُلابَسَتِها إذْنَ اللَّهِ تَعالى وإرادَتَهُ أنْ تُؤْمِنَ وهي تابِعَةٌ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ وعِلْمُهُ بِهِ مُحالٌ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ نَقِيضَهُ فَيَلْزَمُ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا فَتَكُونُ إرادَتُهُ ذَلِكَ مُحالًا فَيَكُونُ إيمانُها مُحالًا إذِ المَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ (ما كانَ) إنْ كانَ بِمَعْنى ما وجَدَ احْتاجَ إلى تَقْيِيدِ النَّفْسِ بِمَن عَلِمَ أنَّها تُؤْمِنُ وإنْ كانَ بِمَعْنى ما صَحَّ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ولِذا ذَكَرَهُ مَن ذَكَرَهُ وتَرَكَهُ مَن تَرَكَهُ وفِيهِ خَفاءٌ فَتَأمَّلْ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الكُفْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ وأصْلُهُ الشَّيْءُ الفاسِدُ المُسْتَقْذَرُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلَمًا في الفَسادِ والِاسْتِقْذارِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العَذابُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِراكِهِما في الِاسْتِكْراهِ والتَّنَفُّرِ وأنَّ إرادَةَ الكُفْرِ مِنهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نُقِلَ أوَّلًا عَنِ المُسْتَقْذَرِ إلى العَذابِ لِلِاشْتِراكِ فِيما ذُكِرَ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ فَيَكُونُ مَجازًا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ واخْتارَ الإمامُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ تَحاشِيًا مِمّا في إطْلاقِ المُسْتَقْذَرِ عَلى عَذابِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِقْذارِ وبَعَّضَ الثّانِيَ لَمّا أنَّ كَلِمَةَ (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ 100﴾ أيْ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ
صفحة 195
وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ تَأْبى الأوَّلَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْنى يُقَدِّرُهُ عَلَيْهِمْ فَلا إباءَ ويُفَسِّرُ ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ بِما يَكُونُ بِهِ تَأْسِيسًا كَما سَمِعْتَ في تَفْسِيرِهِ ومِنهُ تَعْلَمُ أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّامِ أوَّلُهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّرٌ وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ بِأنَّهم عَلى الأوَّلِ لَمْ يُسْلَبُوا قُوَّةَ النَّظَرِ لَكِنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لِذَلِكَ وعَلى الثّانِي بِخِلافِهِ والأمْرُ الآتِي ظاهِرٌ في الأوَّلِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَأْذَنُ لَهم بِالإيمانِ ويَجْعَلُ إلَخْ أوْ فَيَأْذَنُ لِبَعْضِهِمْ بِذَلِكَ ويَجْعَلُ إلَخْ وقُرِئَ (الرِّجْزَ) بِالزّايِ وقَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ (ونَجْعَلُ) بِالنُّونِ
يونس 10:101
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ بِالتَّفَكُّرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما مِن عَجائِبِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ لِيَتَّضِحَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهم مِنَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وكَأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وتَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى لا تُكْرِهُ النّاسَ عَلى الإيمانِ ولَكِنْ اؤْمُرْهم بِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ عادَةً مِنَ النَّظَرِ لا يَخْلُو عَنِ النَّظَرِ وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أفادَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مَن يُؤْمِنُ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ وأنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ لا يُؤْمِنُونَ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْمُرَ بِالنَّظَرِ لِئَلّا يَزْهَدَ فِيهِ بَعْدَ تِلْكَ الإفادَةِ وأرى الأوَّلَ أوْلى وجاءَ ضَمُّ لامِ قُلْ وكَسْرُها وهُما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ لِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَهُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ لِأنَّ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهي مُبْتَدَأٌ و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي والظَّرْفُ صِلَتُهُ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ماذا) كُلُّهُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ خَبَرُهُ أيْ أيُّ شَيْءٍ بَدِيعٍ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن عَجائِبِ صَنْعَتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ماذا﴾ كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وضَعَّفَهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ لا يَخْلُو حِينَئِذٍ مِن أنْ يَكُونَ النَّظَرُ قَلْبِيًّا كَما هو الظّاهِرُ فَيُعَدّى بِفي وأنْ يَكُونَ بَصَرِيًّا فَيُعَدّى بِإلى
﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ 101﴾ أيْ ما تَكْفِيهِمْ وما تَنْفَعُهم وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ والمُرادُ بِالآياتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ (والنُّذُرُ) جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ أيِ الرُّسُلُ المُنْذِرُونَ أوْ بِمَعْنى إنْذارٍ أيِ الإنْذاراتِ وجُمِعَ لِإرادَةِ الأنْواعِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (النَّذُرُ) نَفْسُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمُ المَطْبُوعُ عَلى قُلُوبِهِمْ أيْ لا يُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ و(ما) نافِيَةٌ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قُلْ) وفي القَلْبِ مِن جَعْلِها حالًا مِن ضَمِيرِ (انْظُرُوا) شَيْءٌ فانْظُرُوا ويَتَعَيَّنُ كَوْنُها اعْتِراضِيَّةً إذا جُعِلَتْ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً وهي حِينَئِذٍ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِلْفِعْلِ بَعْدَها أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ والمَفْعُولُ عَلى هَذا وكَذا عَلى احْتِمالِ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ إنْ لَمْ يَنْزِلْ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ ما تُغْنِي شَيْئًا
يونس 10:102
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَأْمُورُونَ بِالنَّظَرِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ وأشْرافِهِمْ ﴿إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ وجاءَ اسْتِعْمالُ الأيّامِ في الوَقائِعِ كَقَوْلِهِمْ: أيّامُ العَرَبِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالزَّمانِ عَما وقَعَ فِيهِ كَما يُقالُ: المَغْرِبُ لِلصَّلاةِ الواقِعَةِ فِيهِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَوْا جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والإيماءِ بِأنَّهم سَيَخْلُونَ كَما خَلَوْا ﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا
صفحة 196
لَهم ﴿فانْتَظِرُوا﴾ ذَلِكَ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 102﴾ إيّاهُ فَمُتَعَلِّقُ الِانْتِظارِ واحِدٌ بِالذّاتِ وهو الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا بِالذّاتِ مُتَّحِدًا بِالجِنْسِ أيْ فانْتَظِرُوا إهْلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ هَلاكَكُمْ
يونس 10:103
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وعَنِ الكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى التَّهْدِيدِ ومُبالَغَةً في تَشْدِيدِ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي المُرْسَلَ إلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِهِمْ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِاسْتِحْضارِ صُوَرِها وتَأْخِيرِ حِكايَةِ التَّنْجِيَةِ عَنْ حِكايَةِ الإهْلاكِ عَلى عَكْسِ ما جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ 103﴾ أيْ نُنْجِيهِمْ إنْجاءً كَذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي كانَ لِمَن قَبْلَهم عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الإنْجاءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِمَعْنى مِثْلَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ويُحْتَمَلُ عِنْدَ بَعْضٍ أنْ يَكُونَ في مَوْقِعِ الحالِ مِنَ الإنْجاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿نُنَجِّي﴾ بِتَأْوِيلِ نَفْعَلُ الإنْجاءَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ و﴿حَقًّا﴾ نُصِبَ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ﴾ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ وفائِدَتُها الِاهْتِمامُ بِالإنْجاءِ وبَيانُ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وهو المُرادُ بِالحَقِّ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ ومَعْنى كَوْنِ الإنْجاءِ واجِبًا أنَّهُ كالأمْرِ الواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا وُجُوبَ حَقِيقَةً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّهُ لا بَأْسَ (1) الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةً إذا بَقِيَ شَيْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الكافِ الَّتِي هي بِمَعْنى مِثْلَ أوْ مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي نابَتْ عَنْهُ
وقِيلَ: إنَّ ﴿كَذَلِكَ﴾ مَنصُوبٌ - بِنُنْجِي الأوَّلِ - و﴿حَقًّا﴾ مَنصُوبٌ بِالثّانِي وهو خِلافُ الظّاهِرِ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا الجِنْسُ المُتَناوِلُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم وإمّا الأتْباعُ فَقَطْ وإنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ الإنْجاءِ هو الإيمانُ وجِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِهِ
يونس 10:104
﴿قُلْ﴾ لِجَمِيعِ مَن شَكَّ في دِينِكَ وكَفَرَ بِكَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أُوثِرَ الخِطابُ بِاسْمِ الجِنْسِ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَعْمِيمًا لِلتَّبْلِيغِ وإظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما بَلَغَ إلَيْهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ الَّذِي أعْبُدُ اللَّهَ تَعالى بِهِ وأدْعُوكم إلَيْهِ ولَمْ تَعْمَلُوا ما هو ولا صِفَتُهُ حَتّى قُلْتُمُ إنَّهُ صَبَأ
﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثُمَّ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِن فُنُونِ العَذابِ وجَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِها جَوابًا بِتَأْوِيلِ الأخْبارِ وإلّا فَلا تَرَتُّبَ لَها عَلى الشَّرْطِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فالمَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن ذَلِكَ فَأُخْبِرُكم أنَّهُ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى ورَفْضُ عِبادَةٍ ما سِواهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِمّا تَعْبُدُونَهُ جَهْلًا وقَدْ كَثُرَ جَعْلُ الأخْبارِ بِمَفْهُومِ الجُمْلَةِ جَزاءً نَحْوَ إنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ وعَلى هَذا الطَّرْزِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ اسْتِقْرارَ النِّعْمَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِحُصُولِها مِنَ اللَّهِ تَعالى بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ وإنَّما سَبَبٌ لِلْأخْبارِ بِحُصُولِها مِنهُ تَعالى كَما قَرَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ
صفحة 197
وقَدْ يَكُونُ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن صِحَّةِ دِينِي وسَدادِهِ فَأُخْبِرُكم أنَّ خُلاصَتَهُ العِبادَةُ لا لَهُ هَذا شَأْنُهُ دُونَ ما تَعْبُدُونَهُ مِمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ الشَّأْنِ فاعْرِضُوا ذَلِكَ عَلى عُقُولِكم وأجِيلُوا فِيهِ أفْكارَكم وانْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ لِتَعْلَمُوا صِحَّتَهُ وحَقِّيَّتَهُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يُحْتاجُ عَلى هَذا إلى جَعْلِ المُسَبِّبِ الإخْبارُ والإعْلامُ بَلْ يُعْتَبَرُ الجَزاءُ الأمْرَ بِعَرْضِ ما ذُكِرَ عَلى عُقُولِهِمْ والتَّفَكُّرُ فِيهِ والأظْهَرُ اعْتِبارُ كَوْنِ الإخْبارِ جَزاءً كَما في المَعْنى الأوَّلِ والتَّعْبِيرُ عَما هم عَلَيْهِ بِالشَّكِّ مَعَ كَوْنِهِمْ قاطِعِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ عُرُوضُهُ لِلْعاقِلِ في هَذا البابِ هو الشَّكُّ في الصِّحَّةِ وأمّا القَطْعُ بِعَدَمِها فَما لا سَبِيلَ إلَيْهِ وقِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا قاطِعِينَ بَلْ كانُوا في شَكٍّ واضْطِرابٍ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ وجِيءَ – بِأنَّ - لِلْإشارَةِ إلّا أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِوُجُودِ ما يُزِيلُهُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ أاثْبُتُ عَلَيْهِ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ ولا تَشُكُّوا في أمْرِي واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ ما قَبْلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ وتَقْدِيمُ تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ كَما في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والإيذانِ بِالمُخالَفَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ وتَخْصِيصُ التَّوَفِّي مِن بَيْنِ سائِرِ صِفاتِ الأفْعالِ بِالذِّكْرِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ لِلتَّخْوِيفِ فَإنَّهُ لا شَيْءَ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ وقِيلَ: المُرادُ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثُمَّ يُعِيدُكم وفِيهِ إيماءٌ إلى الحَشْرِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ وهو مِن أُمَّهاتِ أُصُولِ الدِّينِ ثُمَّ حُذِفَ الطَّرَفانِ وأُبْقِيَ الوَسَطُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِما فَإنَّهُما قَدْ كَثُرَ اقْتِرانُهُما بِهِ في القُرْآنِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ 104﴾ أيْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ فَوُجُوبُ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى شَرْعِيٌّ كَسائِرِ الواجِباتِ وذَكَرَ المَوْلى صَدْرَ الشَّرِيعَةِ أنَّ لِلشَّرْعِيِّ مَعْنَيَيْنِ ما يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الإيمانِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووُجُوبِ تَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ فَهو لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ بِالمَعْنى الأوَّلِ وذَلِكَ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ مَوْقُوفٌ عَلى الإيمانِ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكَلامِهِ وعَلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدَلالَةِ مُعْجِزاتِهِ فَلَوْ تَوَقَّفَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْكامِ عَلى الشَّرْعِ لَزِمَ الدَّوْرَ ولِقائِلٍ أنْ يَمْنَعَ تَوَقُّفَ الشَّرْعِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ ونَحْوِهِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالشَّرْعِ خِطابُ اللَّهِ تَعالى أوْ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوَقُّفُ التَّصْدِيقِ بِثُبُوتٍ شَرْعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وعَلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَلالَةِ مُعْجِزاتِهِ لا يَقْتَضِي تَوَقُّفَهُ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ ولا عَلى العِلْمِ بِوُجُوبِهِما غايَتُهُ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى نَفْسِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ وهو غَيْرُ مُفِيدٍ لِتَوَقُّفِهِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ ولا مُنافٍ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ الإيمانِ ونَحْوِهِ عَلى الشَّرْعِ كَما هو المَذْهَبُ عِنْدَهم مِن أنْ لا وُجُوبَ إلّا بِالسَّمْعِ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيَّ هُنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ أُمِرَ بِالعَقْلِ والوَحْيِ لا يَخْلُو عَنْ نَزْغَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ كَما هو دَأْبُهُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ومَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنّا: إنَّهُ وجَبَ عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ أرادَ بِالعَقْلِ التّابِعَ لِما سُمِعَ بِالشَّرْعِ فَلا تَبَعِيَّةَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ أُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ وحَذْفُهُ مِن أنْ وأنَّ مُطَّرِدٌ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذَلِكَ فالحَذْفُ بَعْدُ أمْرٌ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
صفحة 198
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
وأدْخَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الجُمْلَةَ في الجَزاءِ ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ
يونس 10:105
﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ عَطْفٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى ﴿أنْ أكُونَ﴾ واعْتِراضٌ بِأنَّ (أنْ) في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَصْدَرِيَّةٌ بِلا كَلامٍ لِعَمَلِها النَّصْبَ والَّتِي في جانِبِ المَعْطُوفِ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ لِوُقُوعِ الأمْرِ بَعْدَها وكَذا لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِعَطْفِها عَلى المَصْدَرِيَّةِ ولِأنَّهُ يَلْزَمُ دُخُولُ الباءِ المُقَدَّرَةِ عَلَيْها والمُفَسِّرَةُ لا يَدْخُلُ عَلَيْها ذَلِكَ ودُفِعَ ذَلِكَ بِاخْتِيارِ كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً ووُقُوعُ الأمْرِ بَعْدَها لا يَضُرُّ في ذَلِكَ فَقَدَ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَجُوزُ وصْلُها بِهِ ولا فَرْقَ في صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ بَيْنَ الطَّلَبِ والخَبَرِ لِأنَّهُ إنَّما مُنِعَ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لِأنَّهُ وُضِعَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ والجُمَلِ الطَّلَبِيَّةِ لا تَكُونُ صِفَةً والمَقْصُودُ مِن أنَّ هَذِهِ يُذْكَرُ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي تَأوَّلَ بِهِ وهو يَحْصُلُ بِكُلِّ فِعْلٍ وكَوْنُ تَأْوِيلِهِ يُزِيلُ مَعْنى الأمْرِ المَقْصُودُ مِنهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُؤَوَّلُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ بِالأمْرِ بِالإقامَةِ إذْ كَما يُؤْخَذُ المَصْدَرُ مِنَ المادَّةِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنَ الصِّيغَةِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ هُنا لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: (أُمِرْتُ) عَلَيْهِ وفي الفَرائِدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ وتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ هَذا سائِغٌ إعْرابًا إلّا أنَّ في ذَلِكَ العَطْفِ فائِدَةً مَعْنَوِيَّةً وهي أنَّ (وأنْ أقِمْ) إلَخْ كالتَّفْسِيرِ - لِأنْ أكُونَ - إلَخْ عَلى أُسْلُوبِ - أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ - داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ المَأْمُورِ فَلَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ فاتَ غَرَضُ التَّفْسِيرِ وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى مَثَلِها وفِيهِ تَأمُّلٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ ذَلِكَ وزَعَمَ أنَّ (أنْ) حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِأنَّ في الفِعْلِ المُقَدَّرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ يَزُولُ قَلَقُ العَطْفِ ويَكُونُ الخِطابُ في (وجْهِك) في مَحَلِّهِ ورُدَّ بِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسِّرَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها وأمّا صِحَّةُ وُقُوعِ المَصْدَرِيَّةِ فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا فَلَيْسَ بِلازِمٍ ولا قَلَقَ في العَطْفِ الَّذِي عَناهُ وأمْرُ الخِطابِ سَهْلٌ لِأنَّهُ لِمُلاحَظَةِ المَحْكِيِّ والأمْرِ المَذْكُورِ مَعَهُ
وإقامَةُ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَتِهِ تَعالى والإعْراضِ عَمَّنْ سِواهُ فَإنَّ مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ اسْتِقْصاءٍ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَلْتَفِتُ يَمِينًا ولا شِمالًا إذْ لَوِ التَفَتَ بَطَلَتِ المُقابَلَةُ والظّاهِرُ أنَّ الوَجْهَ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الذّاتُ والمُرادُ اصْرِفْ ذاتَكَ وكُلِّيَّتَكَ لِلدِّينِ واجْتَهِدْ بِأداءِ الفَرائِضِ والِانْتِهاءِ عَنِ القَبائِحِ فاللّامُ صِلَةُ (أقِمْ) وقِيلَ: الوَجْهُ عَلى ظاهِرِهِ وإقامَتُهُ تَوْجِيهُهُ لِلْقِبْلَةِ أيِ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا تَلْتَفِتْ إلى اليَمِينِ أوِ الشِّمالِ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ وهو حالٌ إمّا مِنَ الوَجْهِ أوْ مِنَ الدِّينِ وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً لِأنَّ إقامَةَ الوَجْهِ تَضَمَّنَتِ التَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ والإعْراضَ عَنِ الباطِلِ وعَلى الثّانِي قِيلَ تَكُونُ حالًا مُنْتَقِلَةً وفِيهِ نَظَرٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ 105﴾ عَطْفٌ عَلى (أقِمْ) داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ لا تَكُونَنَّ مِنهُمُ اعْتِقادًا ولا عَمَلًا
يونس 10:106
﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ما لا يَنْفَعُكَ بِنَفْسِهِ إذا دَعَوْتَهُ بِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أوْ جَلْبِ مَحْبُوبٍ ولا يَضُرُّكَ إذا تَرَكْتَهُ بِسَلْبِ المَحْبُوبِ دَفْعًا أوْ رَفْعًا أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ والجُمْلَةُ قِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ قَبْلَها واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَطْفَها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ
صفحة 199
تَحْتَ الأمْرِ لِأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ مُتَّسِقَةٌ لا يُمْكِنُ فَصْلُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ولا وجْهَ لِإدْراجِ الكُلِّ تَحْتَ الأمْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِعْلُ الإيحاءِ في ﴿وأنْ أقِمْ﴾ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ وصاحِبُ الفَرائِدِ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ كَما هو الظّاهِرُ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ المَعْطُوفَةِ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وإدْراجِ جَمِيعِ المُتَّسِقاتِ تَحْتَ الإيحاءِ وقَدْ يُرَجَّحُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِأنَّهُ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِنَ العَطْفِ عَلى البَعِيدِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الإيحاءِ والعَطْفِ كَما قِيلَ والأمْرُ السّابِقُ بِمَعْنى الوَحْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُوحِيَ إلى أنْ أكُونَ إلَخْ والِانْدِراجُ حِينَئِذٍ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو كَما تَرى ولا أظُنُّكَ تَقْبَلُهُ ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ 106﴾ أيْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ والفِعْلُ كِنايَةٌ عَنِ الدُّعاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، وكَنّى عَنْ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ تَنْوِيهًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ في ضِمْنِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ
والكَلامُ في فائِدَةِ نَحْوِ النَّهْيِ المَذْكُورِ قَدْ مَرَّ آنِفًا وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى ما في النَّهْيِ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّكَ﴾ وخَبَرُها أعْنِي ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وتَوَسَّطَتْ ﴿إذًا﴾ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ مَعَ أنَّ رُتْبَتَها بَعْدَ الخَبَرِ رِعايَةٌ لِلْفاصِلَةِ وفي الكَشّافِ أنَّ ﴿إذًا﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ فَجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وهَذِهِ عِبارَةُ النَّحْوِيِّينَ وفُسِّرَتْ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَنْ شَرْطٍ مُحَقِّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وجَوابٌ عَنْ كَلامٍ مُحَقَّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في جَمْعِ الجَوامِعِ بَعْدَ أنْ بَيْنَ أنَّ إذا الظَّرْفِيَّةَ قَدْ يُحْذَفُ جُزْءُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَتْ هي إلَيْها أوْ كُلُّها فَيُعَوَّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ وتُكْسَرُ لِلسّاكِنَيْنِ لا لِلْإعْرابِ خِلافًا لِلْأخْفَشِ وقَدْ تُفْتَحُ أنَّ شَيْخَهُ الكافِيجِيَّ ألْحَقَ بِها (إذَنْ)ثُمَّ قالَ في شَرْحِهِ هَمْعَ الهَوامِعِ: وقَدْ أشَرْتُ بِقَوْلِي: وألْحَقَ شَيْخُنا بِها في ذَلِكَ (إذَنْ) إلى مَسْألَةٍ غَرِيبَةٍ قَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَها وذَلِكَ أنِّي سَمِعْتُ شَيْخَنا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ لَيْسَتْ(إذَنْ) هَذِهِ الكَلِمَةَ المَعْهُودَةَ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي يُضافُ إلَيْها وعُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمَئِذٍ وكُنْتُ أسْتَحْسِنُ هَذا جِدًّا وأظُنُّ أنَّ الشَّيْخَ لا سَلَفَ لَهُ في ذَلِكَ حَتّى رَأيْتُ بَعْضَ المُتَأخِّرِينَ جَنَحَ إلى ما جَنَحَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وقَدْ أوْسَعْتُ الكَلامَ في ذَلِكَ في حاشِيَةِ المُغْنِي انْتَهى
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرَها كالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وما ذَكَرَهُ مِمّا يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتَّبِعُوهُ فَلْيُحْمَلْ ما في الآيَةِ عَلَيْهِ وكانَ كَثِيرًا ما يَخْطِرُ لِي ذَلِكَ إلّا أنِّي لَمْ أكُدْ أُقْدِمُ عَلى إثْباتِهِ حَتّى رَأيْتُهُ لِغَيْرِي مِمَّنْ لا يُنْكِرُ فَضْلَهُ فَأُثْبِتُهُ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى
يونس 10:107
﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ تَقْرِيرٌ لِما أوْرَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن سَلْبِ النَّفْعِ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ وتَصْوِيرٍ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ أيْ وإنْ يُصِبْكَ بِسُوءٍ ما ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ عَنْكَ كائِنًا مَن كانَ وما كانَ ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ فَثَبَتَ عَدَمُ كَشْفِ الأصْنامِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وهو بَيانٌ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِرَفْعِ المَكْرُوهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِجَلْبِ المَحْبُوبِ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا فَإنَّ رَفْعَ المَكْرُوهِ أدْنى مَراتِبِ النَّفْعِ فَإذا انْتَفى انْتَفى النَّفْعُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ تَحْقِيقٌ لِسَلْبِ الضَّرَرِ الوارِدِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ إنْ يُرِدْ أنْ يُصِيبَكَ بِخَيْرٍ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما أرادَكَ بِهِ مِن خَيْرٍ فَهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لا نَفْسِ
صفحة 200
الجَوابِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ فَيَضانَ الخَيْرِ مِنهُ تَعالى بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والكَرَمِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أيْ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ كائِنًا مَن كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الأصْنامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو بَيانٌ لِعَدَمِ ضُرِّها بِدَفْعِ المَحْبُوبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ ضُرِّها بِرَفْعِهِ أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ اسْتِلْزامًا جَلِيًّا ولَعَلَّ ذِكْرَهُ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِأنَّ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ يُصِيبُ وما يُصِيبُ لا يَكُونُ إلّا بِإرادَتِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ الخَيْرَ مَقْصُودٌ لِلَّهِ تَعالى بِالذّاتِ والضُّرِّ إنَّما يَقَعُ جَزاءً عَلى الأعْمالِ ولَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ في كُلٍّ مِنَ الخَيْرِ والضُّرِّ لِاقْتِضاءِ المَقامِ تَأْكِيدَ كُلٍّ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ إلّا أنَّهُ قَصَدَ الإيجازَ في الكَلامِ فَذَكَرَ في أحَدِهِما المَسَّ وفي الآخَرِ الإرادَةَ لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ في كُلِّ جانِبٍ عَلى ما تُرِكَ في الجانِبِ الآخَرِ فَفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى احْتِباكًا وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ ولَمْ يَسْتَثْنِ سُبْحانَهُ في جانِبِ الخَيْرِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ ويُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ حَيْثُ صَرَّحَ جَلَّ شَأْنُهُ بِالإصابَةِ بِالفَضْلِ المُنْتَظِمِ لِما أرادَ مِنَ الخَيْرِ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَسْتَثْنِ جَلَّ وعَلا في ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ فَرَضَ فِيهِ أنَّ تَعَلُّقَ الخَيْرِ بِهِ واقِعٌ بِإرادَتِهِ تَعالى وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَكُونُ بِإرادَةِ ضِدِّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو مُحالٌ وهَذا بِخِلافِ مَسِّ الضُّرِّ فَإنَّ إرادَةَ كَشْفِهِ لا تَسْتَلْزِمُ المُحالَ وهو تَعَلُّقُ الإرادَتَيْنِ بِالضِّدَّيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ وفي العُدُولِ عَنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إيماءً كَما قِيلَ إلى أنَّ المَقْصُودَ هو الإنْسانُ وسائِرُ الخَيْراتِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِهِ وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن رُجُوعِ ضَمِيرِ (بِهِ) إلى الفَضْلِ هو الظّاهِرُ المُناسِبُ وجُوِّزَ رُجُوعُهُ لِما ذَكَرَ ولَيْسَ بِذاكَ وحَمْلُ الفَضْلِ عَلى العُمُومِ أوَّلًا وآخِرًا حَسْبَما عَلِمْتَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ رادًّا عَلى مَن جَعَلَهُ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ الخَيْرِ بِعَيْنِهِ عَلى أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِ أوَّلًا ظاهِرًا مِن بابِ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إظْهارًا لِما ذَكَرَ مِنَ الفائِدَةِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُنادِي بِالعُمُومِ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ - عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ 107﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ إلَخْ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ والكُلُّ تَذْيِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ الأخِيرَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها وذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ لِأنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ أوَّلَ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذا الكَلامِ عَلى ما فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ لَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ ويُجْعَلُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ إشارَةً إلى مَقامٍ هو آخِرُ دَرَجاتِ العارِفِينَ لِأنَّ ما سِوى الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحِينَئِذٍ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ ولا ضارَّ إلّا هو وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رُجُوعَ إلّا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في الدّارَيْنِ
ومَعْنى ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ إلَخْ فَإنِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ أيِ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذْ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مَعْزُولٌ عَنِ التَّصَرُّفِ فَإضافَةُ التَّصَرُّفِ إلَيْهِ وضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وهو الظُّلْمُ وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِالأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لِلِانْتِفاعِ بِها مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَحْوِهِما لا يُنافِي الرُّجُوعَ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ بَصَرُ العَقْلِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلى شَيْءٍ
صفحة 201
مِن ذَلِكَ مُشاهِدًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وجُودِهِ وإحْسانِهِ في إيجادِ تِلْكَ المَوْجُوداتِ وإيداعِ تِلْكَ المَنافِعِ فِيها مَعَ الجَزْمِ بِأنَّها في أنْفُسِها وذَواتِها مَعْدُومَةٌ وهالِكَةٌ ولا وُجُودَ لَها ولا بَقاءَ ولا تَأْثِيرَ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإبْقائِهِ وإفاضَةِ ما فِيها مِنَ الخَواصِّ عَلَيْها بِجُودِهِ وإحْسانِهِ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ إلَخْ تَقْرِيرٌ لِأنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّهُ لا مُعَوَّلَ إلّا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو كَلامٌ حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ زَعْمَهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ إلَخْ لا يَخْفى ما فِيهِ. وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا الكَلامِ في الآياتِ ساداتُنا الصُّوفِيَّةُ فَفي أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَوَّفَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ في إقْبالِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مِنَ الطّالِبِينَ غَيْرِي والمُؤْثِرِينَ عَلى جَمالِ مُشاهَدَتِي ما لا يَلِيقُ مِنَ الحَدَثانِ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ إقامَةَ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ بِتَصْحِيحِ المَعْرِفَةِ وهو لا يَكُونُ إلّا بِتَرْكِ النَّظَرِ إلى ما سِوى الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ تَأْكِيدًا لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ولا تَدْعُ﴾ إلَخْ حَيْثُ أشارَ فِيهِ إلى أنَّ مَن طَلَبَ النَّفْعَ أوِ الضُّرَّ مِن غَيْرِهِ تَعالى فَهو ظالِمٌ أيْ واضِعٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها ومِن هُنا قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: الظّالِمُ مَن طَلَبَ نَفْعَهُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ نَفْعَ نَفْسِهِ واسْتَدْفَعَ الضُّرَّ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ الدِّفاعَ عَنْ نَفْسِهِ ومَن عَجَزَ عَنْ إقامَةِ نَفْسِهِ كَيْفَ يُقِيمُ غَيْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ يَمْسَسْكَ إلَخْ
ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّهُ تَعالى قَطَعَ عَلى عِبادِهِ الرَّهْبَةَ والرَّغْبَةَ إلّا مِنهُ وإلَيْهِ بِإعْلامِهِ أنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ وقَدْ يَكُونُ الضُّرُّ إشارَةً إلى الحِجابِ والخَيْرُ إشارَةً إلى كَشْفِ الجَمالِ أيْ إنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّ الحِجابِ فَلا كاشِفَ لِضُرِّكَ إلّا هو بِظُهُورِ أنْوارِ وِصالِهِ وإنْ يُرِدْكَ بِكَشْفِ جَمالِهِ فَلا رادَّ لِفَضْلِ وِصالِهِ مِن سَبَبٍ وعِلَّةٍ فَإنَّ المُخْتَصَّ في الأزَلِ بِالوِصالِ لا يَحْتَجِبُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ في الفَضْلِ السّابِقِ مَصُونٌ مِن جَرَيانِ القَهْرِ (هَذا) ولَعَلَّهُ مُغْنٍ عَنِ الكَلامِ مِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ حَسْبَما هو العادَةُ في الكِتابِ
يونس 10:108
﴿قُلْ﴾ يا أيُّها الرَّسُولُ مُخاطِبًا لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ بَعْدَ ما بَلَّغْتَهم ما أُوحِيَ إلَيْكَ أوْ لِلْمُكَلَّفِينَ مُطْلَقًا كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ الظّاهِرُ الدَّلالَةِ المُشْتَمِلُ عَلى مَحاسِنِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ آنِفًا مِن أُصُولِ الدِّينِ واطَّلَعْتُمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الحَقِّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَقَّ هو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ إلَخْ وهو كَما تَرى ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِالإيمانِ والمُتابَعَةِ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ لَها ﴿ومَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ والإعْراضِ ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها وقِيلَ: والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ الرِّسالَةِ عَنْ شائِبَةِ غَرَضٍ عائِدٍ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ ويَلُوحُ إلَيْهِ إسْنادُ المَجِيءِ إلى الحَقِّ مِن غَيْرِ إشْعارٍ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِواسِطَتِهِ ﷺ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ 108﴾ أيْ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلى أمْرِكم وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ ولا يُكْرِهُهم عَلَيْهِ وإنَّما عَلَيْهِ البَلاغُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ
يونس 10:109
﴿واتَّبِعْ﴾ في جَمِيعِ شُؤُونِكَ
صفحة 202
مِنَ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ والتَّبْلِيغِ ما يُوحى إلَيْكَ عَلى نَهْجِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ والتَّعْبِيرُ عَنْ بُلُوغِ الحَقِّ المُفَسَّرِ بِالقُرْآنِ إلَيْهِمْ بِالمَجِيءِ وإلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالوَحْيِ تَنْبِيهٌ عَلى ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّنافِي وإذا أُرِيدَ مِنَ الحَقِّ ما قِيلَ فالأمْرُ ظاهِرٌ جِدًّا ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى ما يَعْتَرِيكَ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ وأذى مَن ضَلَّ ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ 109﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ تَعالى لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ كاطِّلاعِهِ عَلى الظَّواهِرِ وغَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مِنَ الحاكِمِينَ إنَّما يَطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ فَيَقَعُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ووَعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى رَبِّ العالَمِينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ الَّذِي يُؤْنِسُ ذِكْرُهُ قُلُوبَ المُوَحِّدِينَ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
هود 11:1
سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ
11 – كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَمْ يَسْتَثْنِيا مِنها شَيْئًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ثَلاثَ آياتٍ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾
﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ ورُوِيَ اسْتِثْناءُ الثّالِثَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ودَلِيلُهُ ما صَحَّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في حَقِّ أبِي اليُسْرِ وهي كَما قالَ الدّانِي في كِتابِ العَدَدِ مِائَةٌ وإحْدى وعِشْرُونَ آيَةً في المَدَنِيِّ الأخِيرِ واثْنَتانِ في المَدَنِيِّ الأوَّلِ وثَلاثٌ في الكُوفِيِّ ووَجْهُ اتِّصالِها بِسُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذُكِرَ في سُورَةِ يُونُسَ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخْتَصَرَةً جِدًّا مُجْمَلَةً فَشُرِحَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ وبُسِّطَتْ فِيها ما لَمْ تُبَسَّطْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ ولا سُورَةِ الأعْرافِ عَلى طُولِها ولا سُورَةِ (إنّا أرْسَلْنا نُوحًا) الَّتِي أُفْرِدَتْ لِقِصَّتِهِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما أُجْمِلَ في تِلْكَ السُّورَةِ وبَسْطًا لَهُ ثُمَّ إنَّ مَطْلَعَها شَدِيدُ الِارْتِباطِ بِمَطْلَعِ تِلْكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى هُنا: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُناكَ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ بَلْ بَيْنَ مَطْلَعِ هَذِهِ وخِتامِ تِلْكَ شِدَّةُ ارْتِباطٍ أيْضًا حَيْثُ خُتِمَتْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ واتِّباعِ الوَحْيِ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِبَيانِ الوَحْيِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ ووَرَدَ في فَضْلِها ما ورَدَ فَقَدْ أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اقْرَأُوا هُودًا يَوْمَ الجُمُعَةِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ عَنْ أنَسٍ «عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ قالَ: أجَلْ شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وأخَواتُها الواقِعَةُ والقارِعَةُ والحاقَّةُ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وسَألَ سائِلٌ»
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أيْضًا «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ يا رَسُولَ اللَّهِ» فَأجابَهُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الأخَواتِ الواقِعَةَ وعَمَّ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ شِبْتَ فَقالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» إلى
صفحة 203
آخِرِ ما في خَبَرِ عُمْرَ وفي بَعْضِها الِاقْتِصارُ عَلى (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها) وفي بَعْضٍ آخَرَ بِزِيادَةٍ (وما فُعِلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِي) وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٌ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ فَقالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها مِنَ المُفَصَّلِ والواقِعَةُ» . وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خَطَرِها وعِظَمِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ وأشارَتْ إلَيْهِ وهو الَّذِي صارَ سَبَبًا لِإسْراعِ الشَّيْبِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَصَصِ الأُمَمِ ويَشْهَدُ لَهُ بَعْضُ الآثارِ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الشَّتْرِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَنامِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ رُوِيَ عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ قالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ: ما الَّذِي شَيَّبَكَ مِنها قَصَصُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَلاكُ الأُمَمِ؟ قالَ: لا ولَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ وهَذا هو الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم وبَيَّنَهُ بِما بَيَّنَهُ والحَقُّ أنَّ الَّذِي شَيَّبَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ أعَمُّ مِن هَذا الأمْرِ وغَيْرِهِ مِمّا عَظُمَ أمْرُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ الجَلِيلِ ومَقامِهِ الرَّفِيعِ وهَذا هو المُنْقَدِحُ لِذِهْنِ السّامِعِ ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابُهُ عَما شَيَّبَهُ مِنها ومِن أخَواتِها بَلِ اكْتَفَوْا بِما يَتَبادَرُ مِن أمْثالِ ذَلِكَ الكَلامِ
ودَعْوى أنَّ المُتَبادَرَ لَهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما خَفِيَ عَلى أبِي عَلِيٍّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِها يَبْقى أنَّهم لِمَ لَمْ يَسْألُوا عَما شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الأخَواتِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وهَلاكُ الأُمَمِ دُونَ ذَلِكَ الأمْرِ؟ وكَوْنُهم عَلِمُوا أنَّ المُشَيِّبَ فِيها ذَلِكَ وفي أخَواتِها شَيْءٌ آخَرُ هو ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وهَلاكُ الأُمَمِ يَأْباهُ ما في خَبَرِ أبِي عَلِيٍّ مِن نَفْيِهِ ﷺ وكَوْنُ ما ذَكَرَ مُشَيِّبًا مَفْهُومًا ما مِن سُورَةٍ دُونَ أُخْرى لا يَخْفى حالُهُ وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ وإنْ سَلِمَ أنَّها صَحَّتْ عَنْ أبِي عَلِيٍّ واتِّهامُ الرّائِي بِعَدَمِ الحِفْظِ أوْ بِعَدَمِ تَحْقِيقِ المَرْئِيِّ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ والتَّكَلُّفِ لِتَوْجِيهِ ما فِيها وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ فَلْيُفْهَمْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿الر﴾ ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُما أوْ لِلْقُرْآنِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: إنَّها إشارَةٌ إلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: هي إقْسامٌ مِنهُ تَعالى بِما هو مِن أُصُولِ اللُّغاتِ ومَبادِئِ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ ومَبانِي أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ وقِيلَ وقِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيما يَنْفَعُكَ هُنا عَلى أتَمِّ تَفْصِيلٍ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ كَوْنَها اسْمًا لِلسُّورَةِ وأنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ السُّورَةِ مُسَماةٌ - بِالر - وقِيلَ: مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرٌ لَها عَلى تَقْدِيرِ ابْتِدائِيَّتِها أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كِتابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جَلِيلُ القَدْرِ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ اخْتِلالٌ فَيَكُونُ فِيهِ تَناقُضٌ أوْ مُخالَفَةٌ لِلْواقِعِ والحِكْمَةِ أوْ شَيْءٌ مِمّا يُخِلُّ بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ فالإحْكامُ مُسْتَعارٌ مِن إحْكامِ البِناءِ بِمَعْنى إتْقانِهِ أوْ مُنِعَتْ مِنَ النَّسْخِ لِبَعْضِها أوْ لِكُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ كَما وقَعَ لِلْكُتُبِ السّالِفَةِ فالإحْكامُ مِن أحْكَمَهُ إذا مَنَعَهُ ويُقالُ: أحْكَمْتُ السَّفِيهَ إذا مَنَعْتَهُ مِنَ السَّفاهَةِ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ
أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم إنْ أغْضَبا
صفحة 204
وقِيلَ: المُرادُ مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ أخْذًا مِن أحْكَمْتُ الدّابَّةَ إذا جَعَلْتَ في فَمِها الحِكْمَةَ وهي حَدِيدَةٌ تُجْعَلُ في فَمِ الدّابَّةِ تَمْنَعُها مِنَ الجِماحِ فَكَأنَّ ما فِيها بَيانُ المَبْدَأِ والمَعادِ بِمَنزِلَةِ دابَّةٍ مَنَعَها الدَّلائِلُ مِنَ الجِماحِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَشْبِيهَها بِالدّابَّةِ مُسْتَهْجَنٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولَعَلَّ الذَّوْقَ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ تَشْبِيهِها بِالجَمَلِ الأنُوفِ الوارِدِ في بَعْضِ الآثارِ لِانْقِيادِها مَعَ المُتَأوِّلِينَ لِكَثْرَةِ وُجُوهِ احْتِمالاتِها المُوافِقَةِ لِأغْراضِهِمْ.
واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى إرادَةِ المَنعِ في الفَسادِ بِأنَّ فِيهِ إيهامَ ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِشَأْنِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّداعِي إلى الفَسادِ لَوْلا المانِعُ فالأوَّلُ إذْ يُرادُ مَعْنى المَنعِ أنْ يُرادَ المَنعُ مِنَ النُّسَخِ ويُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ وعَدَمُ نَسْخِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا عَلى حَسَبِ ما أشَرْنا إلَيْهِ وكَوْنُ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ في حَيِّزِ المَنعِ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ وكُلُّها مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِشَيْءٍ أصْلًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وخُولِفَ فِيهِ وادَّعى أنَّ فِيها مِنَ المَنسُوخِ أرْبَعَ آياتٍ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ والَّتِي تَلِيها ونُسِخَتْ جَمِيعًا بِآيَةِ السَّيْفِ و﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ ونُسِخَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنِعَتْ مِنَ الشُّبَهِ بِالحُجَجِ الباهِرَةِ وأُيِّدَتْ بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً أيْ ذاتَ حِكْمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى أُصُولِ العَقائِدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ والنَّصائِحِ والحِكَمِ والفِعْلُ عَلى هَذا مَنقُولٌ مِن حَكُمَ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَكِيمًا ومِنهُ قَوْلُ نَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
وأبْغِضْ بَغِيضَكَ بُغْضًا رُوَيْدًا ∗∗∗ إذا أنْتَ حاوَلْتَ أنْ تَحْكُما
فَقَدْ قالَ الأصْمَعِيَّ: إنَّ المَعْنى إذا حاوَلْتَ أنْ تَكُونَ حَكِيمًا وفي إسْنادِ الإحْكامِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ إلى الآياتِ دُونَ الكِتابِ نَفْسِهِ لا سِيَّما إذا أُرِيدَ ما يَشْمَلُ كُلَّ آيَةٍ آيَةٍ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ في أقْصى غاياتِهِ ما لا يَخْفى ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أيْ جُعِلَتْ مُفَصَّلَةً كالعِقْدِ المُفَصَّلِ بِالفَرائِدِ الَّتِي تُجْعَلُ بَيْنَ اللَّآلِئِ ووَجْهُ جَعْلِها كَذَلِكَ اشْتِمالُها عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ أوْ فُصِّلَ فِيها مُهِمّاتُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ جُعِلَتْ فَصْلًا فَصْلًا مِنَ السُّوَرِ ويُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ أيْضًا عَلى أنَّ المَعْنى جُعِلَتْ مَعانِي آياتِها في سُوَرٍ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ أوْ فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ فَلَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً بَلْ نُزِّلَتْ نَجْمًا نَجْمًا عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ و(ثُمَّ) عَلى هَذا ظاهِرَةٌ في التَّراخِي الزَّمانِيِّ لِما أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ التَّنْزِيلِ المُنَجَّمِ فِيهِ التَّنْزِيلُ المُنَجَّمُ بِالفِعْلِ وإنْ أُرِيدَ جَعْلُها في نَفْسِها بِحَيْثُ يَكُونُ نُزُولُها مُنَجَّمًا حَسَبَ الحِكْمَةِ فَهو رُتْبِيٌّ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لازِمٌ لَها حَقِيقٌ بِأنْ يُرَتَّبَ عَلى وصْفِ أحْكامِها وهي عَلى الأوْجَهِ الأوَّلُ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا غَيْرُ وقِيلَ: لِلتَّراخِي بَيْنَ الإخْبارَيْنِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَراخِيَ هُناكَ إلّا أنْ يُرادَ بِالتَّراخِي التَّرْتِيبُ مَجازًا أوْ يُقالَ بِوُجُودِهِ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخَبَرِ الأوَّلِ وانْتِهاءِ الثّانِي
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِالتَّراخِي في الرُّتْبَةِ أوْلى خَلا أنَّ تَراخِيَ رُتْبَةِ التَّفْصِيلِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَنْ رُتْبَةِ الإحْكامِ أمْرُ ظاهِرُ وبِالمَعْنى الثّالِثِ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في الآيَةِ الحاصِلَةِ مِن ضَرْبِ مَعانِي الإحْكامِ الأرْبَعَةِ في مَعانِي التَّفْصِيلِ كَذَلِكَ وضَرْبُ المَجْمُوعِ في احْتِمالاتِ المُرادِ بِثُمَّ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ أوْ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ احْتِمالًا ولا حَجْرَ والزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ لِلْإحْكامِ عَلى ما في الكَشْفِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ
صفحة 205
أخْذُهُ مِن إحْكامِ البِناءِ نَظَرًا إلى التَّرَكُّبِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ أوْ مِنَ الإحْكامِ جَعْلُها حَكِيمَةً أوْ جَعْلُها ذاتَ حِكْمَةٍ فَيُفِيدُ مَعْنى المَنعِ مِنَ الفَسادِ ولِلتَّفْصِيلِ أرْبَعَةٌ جَعْلُها كالقَلائِدِ المُفَصَّلَةِ بِالفَرائِدِ لِما فِيها مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وأخَواتِها وجَعْلُها فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وآيَةً آيَةً وتَفْرِيقُها في التَّنْزِيلِ وتَفْصِيلُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ وبَيانُهُ فِيها رُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقالَ: إنَّ مَعْنى (ثُمَّ) لَيْسَ التَّراخِيَ في الوَقْتِ ولَكِنْ في الحالِ كَما تَقُولُ هي مُحْكَمَةٌ أحْسَنَ الإحْكامِ ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أحْسَنَ التَّفْصِيلِ وفُلانٌ كَرِيمُ الأصْلِ ثُمَّ كَرِيمُ الفِعْلِ
والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ في جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ كَذَلِكَ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالإحْكامِ أحَدُ الأوَّلَيْنِ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ فالتَّراخِي رُتْبِيٌّ لِأنَّ الإحْكامَ بِالمَعْنى الأوَّلِ راجِعٌ إلى اللَّفْظِ والتَّفْصِيلِ إلى المَعْنى وبِالمَعْنى الثّانِي وإنْ كانَ مَعْنَوِيًّا لَكِنَّ التَّفْصِيلَ إكْمالٌ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ وإنْ أُرِيدَ أحَدُ الأوْسَطَيْنِ فالتَّراخِي عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ الإحْكامَ بِالنَّظَرِ إلى كُلِّ آيَةٍ في نَفْسِها وجَعْلِها فُصُولًا بِالنَّظَرِ إلى بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ أوْ لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جُمَلٍ مِنَ الألْفاظِ المُرَصَّفَةِ وهَذا تَراخٍ وُجُودِيٌّ ولِما كانَ الكَلامُ مِنَ السّائِلاتِ كانَ زَمانِيًّا أيْضًا ولَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ آثَرَ التَّراخِيَ في الحالِ مُطْلَقًا حَمْلًا عَلى التَّراخِي في الإخْبارِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِيُطابِقَ اللَّفْظُ الوَضْعَ ولِيَظْهَرَ وجْهُ العُدُولِ مِنَ الفاءِ إلى ثُمَّ وإنْ أُرِيدَ الثّالِثُ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ فَرُتْبِيٌّ وإلّا فَإخْبارِيٌّ والأحْسَنُ أنْ يُرادَ بِالإحْكامِ الأوَّلُ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ المُطابَقَةُ بَيْنَ (حَكِيمٌ) و(خَبِيرٌ) و(أُحْكِمَتْ) و(فُصِّلَتْ) ثُمَّ قالَ: ومِنهُ ظَهَرَ أنَّ التَّراخِيَ في الحالِ يَشْمَلُ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ والإخْبارِيَّ انْتَهى فَلْيُتَأمَّلْ وقُرِئَ (أحْكَمْتُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ المُتَكَلِّمِ و(فَصَلْتُ) بِفَتْحَتَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والمَعْنى ثُمَّ فَرَّقْتُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وقِيلَ: (فُصِّلَتْ) هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيِ انْفَصَلَتْ وصَدَرَتْ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ وصَفَ بِها بَعْدَ ما وصَفَ بِإحْكامِ آياتِهِ وتَفْصِيلِها الدّالَّيْنِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ مِن حَيْثُ الذّاتُ إبانَةً لِجَلالَةِ شَأْنِهِ مِن حَيْثُ الإضافَةُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَلْفُوظِ أوِ المُقَدَّرِ أوْ هو مَعْمُولٌ لِأحَدِ الفِعْلَيْنِ عَلى التَّنازُعِ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِهِما مَعْنًى أيْ مِن عِنْدِهِ إحْكامُها وتَفْصِيلُها واخْتارَ هَذا في الكَشْفِ. وفي الكَشّافِ أنَّ فِيهِ طِباقًا حَسَنًا لِأنَّ المَعْنى أحْكَمَها حَكِيمٌ وفَصَّلَها أيْ بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ عالِمٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ فَفي الآيَةِ اللَّفُّ والنَّشْرُ وأصْلُ الكَلامِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ: أحْكَمَ آياتِهِ الحَكِيمُ وفَصَّلَها الخَبِيرُ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إلى أُحْكِمَتْ حَكِيمٌ وفُصِّلَتْ خَبِيرٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقَوْلُهُ:
لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
ثُمَّ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِما في الكِنايَةِ مِنَ الحُسْنِ مَعَ إفادَةِ التَّعْظِيمِ البالِغِ الَّذِي لا يَصِلُ إلى كُنْهِهِ وصْفُ الواصِفِ لا سِيَّما وقَدْ جِيءَ بِالِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ مُنَكَّرَيْنِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ و(لَدُنْ) مِنَ الظُّرُوفِ المَبْنِيَّةِ وهي لِأوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ والمُرادُ هُنا الأخِيرُ مَجازًا وبُنِيَتْ لِشَبَهِها بِالحَرْفِ في لُزُومِها اسْتِعْمالًا واحِدًا وهي كَوْنُها مَبْدَأ غايَةٍ وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها وعَنْها ولا يُبْنى عَلَيْها المُبْتَدَأُ بِخِلافِ عِنْدَ - ولَدى - فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اسْتِعْمالًا واحِدًا بَلْ يَكُونانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وغَيْرِها ويُبْنى عَلَيْهِما المُبْتَدَأُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:(وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ولَدَيْنا مَزِيدٌ) قِيلَ: ولِقُوَّةِ شَبَهِها بِالحَرْفِ وخُرُوجِها عَنْ نَظائِرِها لا تُعْرَبُ إذا أُضِيفَتْ. نَعَمْ جاءَ عَنْ قَيْسٍ إعْرابُها تَشْبِيهًا
صفحة 206
بِعِنْدَ وعَلى ذَلِكَ خَرَجَتْ قِراءَةُ عاصِمٍ (بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهِ) بِالجَرِّ وإشْمامِ الدّالِ السّاكِنَةِ الضَّمَّ واقْتِرانِها بِمِن كَما في الآيَةِ وكَذا إضافَتُها إلى مُفْرَدٍ كَيْفَما كانَ هو الغالِبَ وقَدْ تَتَجَرَّدُ عَنْ – مِن - وقَدْ تُضافُ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ كَقَوْلِهِ
وتَذَكَّرْ نَعْماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعٌ
وفِعْلِيَّةٌ كَقَوْلِهِ:
صَرِيعُ غَوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ ∗∗∗ لَدُنْ شَبَّ حَتّى شابَ سُودُ الذَّوائِبِ
ومَنَعَ ابْنُ الدَّهّانِ مِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ وأوَّلَ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ بِدَلِيلِ ظُهُورِها مَعَها في قَوْلِهِ:
ولَيْتَ فَلَمْ تَقْطَعْ لَدُنْ إنْ ولَيْتَنا ∗∗∗ قَرابَةُ ذِي قُرْبى ولا حَقُّ مُسْلِمٍ
ولا يَخْفى ما في التِزامِ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ لا سِيَّما في مِثْلِ - لَدُنْ أنْتَ يافِعٌ - وتَتَمَحَّضُ لِلزَّمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الجُمْلَةِ وجاءَ نَصْبُ غَدْوَةً بَعْدَها في قَوْلِهِ
لَدُنْ غَدْوَةَ حَتّى دَنَتْ لِغُرُوبٍ
وخُرِّجَ عَلى التَّمْيِيزِ وحَكى الكُوفِيُّونَ رَفْعَها بَعْدَها وخَرَجَ عَلى إضْمارِ كانَ وفِيها ثَمانِي لُغاتٍ فَمِنهم مَن يَقُولُ لَدُنْ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وتُخَفَّفُ الضَّمَّةُ كَما في عَضُدٍ وحِينَئِذٍ يَلْتَقِي ساكِنانِ فَمِنهم مَن يَحْذِفُ النُّونَ لِذَلِكَ فَيَبْقى - لَدْ - بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ الدّالَ فَتْحًا في قَوْلِ (لَدَنْ) بِفَتْحِ اللّامِ والدّالِ وسُكُونِ النُّونِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ الدّالَ كَسْرًا فَيَقُولُ لَدِنْ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ النُّونَ بِالكَسْرِ في قُولُ لَدْنِ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ وكَسْرِ النُّونِ وقَدْ يُخَفَّفُ بِنَقْلِ ضَمَّةِ الدّالِ إلى اللّامِ كَما يُقالُ في عَضُدٍ عُضْدٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ عَلى قِلَّةٍ وحِينَئِذٍ يَلْتَقِي ساكِنانِ أيْضًا فَمِنهم مَن يَحْذِفُ النُّونَ لِذَلِكَ فَيَقُولُ لُدْ بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ النُّونَ بِالكَسْرِ فَيَقُولُ لُدْنِ بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ وكَسْرِ النُّونِ فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ وجاءَ لَدُ بِحَذْفِ نُونِ لَدُنِ الَّتِي هي أُمُّ الجَمِيعِ وبِذَلِكَ تَتِمُّ الثَّمانِيَةُ ويَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ - لَدْ - لَدُنْ أنَّكَ إذا أضَفْتَهَ لِمُضْمَرٍ جِئْتَ بِالنُّونِ فَتَقُولُ: مِن لَدُنْكَ ولا يَجُوزُ مِن لَدُكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وذَكَرَ لَها في هَمْعِ الهَوامِعِ عَشْرَ لُغاتٍ ما عَدا اللُّغَةَ القَيْسِيَّةَ فَلْيُراجَعْ
هود 11:2
﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى جَعْلِ أنَّ مَصْدَرِيَّةً وتَقْدِيرُ اللّامِ مَعَها كَأنَّهُ قِيلَ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أيْ لِتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَتَمَحَّضُوا لِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الإحْكامَ والتَّفْصِيلَ مِمّا يَدْعُوهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ قاطِبَةً
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في التَّفْصِيلِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فُصِّلَ وقالَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أوْ أُمِرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وقِيلَ: إنَّ هَذا كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ اتِّصالًا لَفْظِيًّا بَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ قُصِدَ بِهِ الإغْراءُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى لِسانِهِ ﷺ و(أنْ) وما بَعْدَها في حَيِّزِ المَفْعُولِ بِهِ لِمُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الزَمُوا تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلُ أيْضًا مَفْعُولًا بِهِ بِتَقْدِيرِ قُلْ أوَّلَ الكَلامِ خِلافُ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ احْتِمالُ كَوْنِ (أنَّ) والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْسُنُ أوْ لا يَجُوزُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ 2﴾ ضَمِيرُ الغائِبِ المَجْرُورِ لِلَّهِ تَعالى ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في الأصْلِ صِفَةُ النَّكِرَةِ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْها صارَ حالًا كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ أيْ إنِّي لَكم مِن جِهَتِهِ تَعالى نَذِيرٌ أُنْذِرُكم عَذابَهُ إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وبَشِيرٌ
صفحة 207
أُبَشِّرُكم ثَوابَهُ إنْ آمَنتُمْ وتَمَحَضْتُمْ في عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وجُوِّزَ كَوْنَ (مِن) صِلَةَ النَّذِيرِ والضَّمِيرُ إمّا لَهُ تَعالى أيْضًا والمَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ نَذِيرٌ مِن أجْلِ عَذابِهِ وإمّا لِلْكِتابِ عَلى مَعْنى إنِّي لَكم نَذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ وبَشِيرٌ لِمَن آمَنَ بِهِ
هود 11:3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ سَواءٌ كانَ نَهْيًا أوْ نَفْيًا وفي (أنْ) الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الحَقَّ أنَّ (أنْ) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ كَما تُوصَلُ بِغَيْرِهِما وفي تَوْسِيطِ جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْحِيدِ ورِفْعَةِ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ - وقَدْ رُوعِيَ في تَقْدِيمِ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ ما رُوعِيَ في الخِطابِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْيِ عَلى الإثْباتِ والتَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ لِتَتَجاوَبَ الأطْرافُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَلْقِينٌ لِلْمُخاطِبِينَ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ الِابْتِهالِ في السُّؤالِ وتَرْشِيحٌ لِما يُذْكَرُ مِنَ التَّمْتِيعِ وإيتاءِ الفَضْلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ تَوْسِيطِ ثُمَّ بَيْنَهُما مَعَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِمَعْنى التَّوْبَةِ في العُرْفِ فَقالَ الجِبائِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالِاسْتِغْفارِ هُنا التَّوْبَةُ عَمّا وقَعَ مِنَ الذُّنُوبِ وبِالتَّوْبَةِ الِاسْتِغْفارُ عَمّا يَقَعُ مِنها بَعْدَ وُقُوعِهِ أيِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم مِن ذُنُوبِكُمُ الَّتِي فَعَلْتُمُوها ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِن ذُنُوبٍ تَفْعَلُونَها فَكَلِمَةُ ﴿ثُمَّ﴾ عَلى ظاهِرِها مِنَ التَّراخِي في الزَّمانِ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ ﴿ثُمَّ﴾ بِمَعْنى الواوِ كَما في قَوْلِهِ:
بِهَزٍّ كَهَزِّ الرُّدَيْنِيِّ جَرى في الأنابِيبِ ثُمَّ اضْطَرَبَ
والعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ وقِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ هو التَّوْبَةُ بَلْ هو تَرْكُ المَعْصِيَةِ والتَّوْبَةُ هي الرُّجُوعُ إلى الطّاعَةِ ولَئِنْ سُلِّمَ أنَّهُما بِمَعْنى - فَثُمَّ - لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، والمُرادُ بِالتَّوْبَةِ الإخْلاصُ فِيها والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الِاسْتِغْفارُ هو التَّوْبَةُ إلّا أنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ في جانِبِ المَعْطُوفِ التَّوَصُّلُ إلى المَطْلُوبِ مَجازًا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ و﴿ثُمَّ﴾ عَلى ظاهِرِها وهي قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أصْلَ مَعْنى الِاسْتِغْفارِ طَلَبُ الغَفْرِ أيِ السَّتْرِ ومَعْنى التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ ويُطْلَقُ الأوَّلُ عَلى طَلَبِ سَتْرِ الذَّنْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَفْوِ عَنْهُ والثّانِي عَلى النَّدَمِ عَلَيْهِ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ فَلا اتِّحادَ بَيْنَهُما بَلْ ولا تَلازُمَ عَقْلًا لَكِنِ اشْتُرِطَ شَرْعًا لِصِحَّةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ وقَبُولِهِ النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ وجاءَ أيْضًا اسْتِعْمالُ الأوَّلِ في الثّانِي والِاحْتِياجُ إلى تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وأمّا عَلى ذاكَ فَلِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَأْمُورِ بِهِ الِاسْتِغْفارُ المَسْبُوقُ بِالتَّوْبَةِ بِمَعْنى النَّدَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم بَعْدَ التَّوْبَةِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ولا شُبْهَةَ في ظُهُورِ احْتِياجِهِ إلى التَّوْجِيهِ حِينَئِذٍ والقَلْبُ يَمِيلُ فِيهِ إلى حَمْلِ الأمْرِ الثّانِي عَلى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْها والتَّراخِي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُتْبِيًّا وأنْ يَكُونَ زَمانِيًّا كَما لا يَخْفى ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ مَجْزُومٌ بِالطَّلَبِ ونُصِبَ ﴿مَتاعًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ والمَعْنى كَما قِيلَ يُعِشْكم في أمْنٍ وراحَةٍ ولَعَلَّ هَذا لا يُنافِي كَوْنَ الدُّنْيا سِجْنَ المُؤْمِنِ وجَنَّةَ الكافِرِ ولا كَوْنَ أشَدِّ النّاسِ بَلاءً الأمْثَلَ فالأمْثَلَ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْنِ أمْنُهُ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ وبِالرّاحَةِ طِيبُ عَيْشِهِ بِرَجاءِ اللَّهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ حَتّى يَعُدَّ المِحْنَةِ مِنحَةً
صفحة 208
وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم ∗∗∗ عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ يُبْقِيكم ولا يَسْتَأْصِلُكم بِالعَذابِ كَما اسْتَأْصَلَ أهْلَ القُرى الَّذِينَ كَفَرُوا والخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُقَدَّرٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو آخِرُ أعْمارِكم أوْ آخِرُ أيّامِ الدُّنْيا كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ لِلْإنْسانِ أجَلَيْنِ كَما زَعَمَهُ المُعْتَزِلَةُ ﴿ويُؤْتِ﴾ أيْ يُعْطِ ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أيْ زِيادَةٍ في العَمَلِ الصّالِحِ ﴿فَضْلَهُ﴾ أيْ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ لِأنَّ العَمَلَ لا يُعْطى وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ والمُرادُ المُبالَغَةُ عَلى حَدِّ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ والضَّمِيرُ لِكُلٍّ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الرَّبِّ والمُرادُ بِالفَضْلِ الأوَّلِ ما أُرِيدَ بِهِ أوَّلًا وبِالثّانِي زِيادَةُ الثَّوابِ بِقَرِينَةِ أنَّ الإعْطاءَ ثَوابٌ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنِ التَّأْوِيلِ
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ ثُمَّ قالَ وهَذِهِ تَكْمِلَةٌ لِما أجْمَلَ مِنَ التَّمْتِيعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى وتَبْيِينِ لِما عَسى أنْ يَعْسُرَ فَهْمُ حِكْمَتِهِ مِن بَعْضِ ما يَتَّفِقُ في الدُّنْيا مِن تَفاوُتِ الحالِ بَيْنَ العامِلِينَ فَرُبَّ إنْسانٍ لَهُ فَضْلُ طاعَةٍ وعَمَلٍ لا يُمَتَّعُ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا مُتِّعَ آخَرُ دُونَهُ في الفَضْلِ ورُبَّما يَكُونُ المَفْضُولُ أكْثَرَ تَمْتِيعًا فَقِيلَ: ويُعْطِ كُلَّ فاضِلٍ جَزاءَ فَضْلِهِ إمّا في الدُّنْيا كَما يَتَّفِقُ في بَعْضِ المَوادِّ وإمّا في الآخِرَةِ وذَلِكَ مِمّا لا مَرَدَّ لَهُ انْتَهى.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ عَدَمُ اعْتِبارِ الِانْفِصالِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْعِمُ عَلى ذِي الفَضْلِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا يَخْتَصُّ إحْسانُهُ بِإحْدى الدّارَيْنِ ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ذِي عَمَلٍ صالِحٍ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ بِما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى وكَذا في الدُّنْيا بِتَزْيِينِ العَمَلِ الصّالِحِ في قَلْبِهِ والرّاحَةِ حَسَبَ تَعْلِيقِ الرَّجاءِ بِرَبِّهِ ونَحْوَ ذَلِكَ ولا إشْكالَ في ذَلِكَ كَما هو ظاهِرٌ لِلْمُتَأمِّلِ وقِيلَ في الآيَةِ لَفٌّ ونَشْرٌ فَإنَّ التَّمْتِيعَ مُرَتَّبٌ عَلى الِاسْتِغْفارِ وإيتاءَ الفَضْلِ مُرَتَّبٌ عَلى التَّوْبَةِ. انْتَهى
وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِنَ البِشارَةِ ثُمَّ شَرَعَ في الإنْذارِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ عَمّا أُلْقِيَ إلَيْكم مِنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا فَهو مُضارِعٌ مَبْدُوءٌ بِتاءِ الخِطابِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَقْتَضِيهِ وحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ كَما فُعِلَ في أمْثالِهِ وقِيلَ: إنَّ ﴿تَوَلَّوْا﴾ ماضٍ غائِبٌ فَلا حَذْفَ ويُقَدَّرُ فِيما بَعْدُ فَقُلْ لَهم وهو خِلافُ الظّاهِرِ وأخَّرَ الإنْذارَ عَنِ البِشارَةِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ تَقَدُّمِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ أوْ لِأنَّ العَذابَ قَدْ عُلِّقَ بِالتَّوَلِّي عَما ذُكِرَ مِنَ التَّوْحِيدِ وما مَعَهُ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ ذِكْرِهِ
وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو واليَمانِيُّ (تُوَلُّوا) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الواوِ وضَمِّ اللّامِ وهو مُضارِعُ ولّى مِن قَوْلِهِمْ: ولّى هارِبًا أيْ أدْبَرَ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ بِمُقْتَضى الشَّفَقَةِ والرَّأْفَةِ أوْ أتَوَقَّعُ ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكِبَرِ ما يَكُونُ فِيهِ ولِذا وُصِفَ بِالثِّقَلِ أيْضًا وجُوِّزَ وصْفُهُ بِالكِبَرِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ زَمانَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ في الدُّنْيا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُمُ ابْتُلُوا بِقَحْطٍ عَظِيمٍ أكَلُوا فِيهِ الجِيَفَ وأيًّا ما كانَ فَفي إضافَةِ العَذابِ إلَيْهِ تَهْوِيلٌ وتَفْظِيعٌ لَهُ
هود 11:4
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وكانَ قِياسُهُ فَتْحَ الجِيمِ لِأنَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ وقِياسُ مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ ذَلِكَ كَما عُلِمَ مِن مَحَلِّهِ أيْ إلَيْهِ تَعالى رُجُوعُكم بِالمَوْتِ ثُمَّ البَعْثِ لِلْجَزاءِ في مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعًا لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 4﴾ .
صفحة 209
فَيَنْدَرِجُ في تِلْكَ الكُلِّيَّةِ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى إماتَتِكم ثُمَّ بَعْثِكم وجَزائِكم فَيُعَذِّبُكم بِأفانِينِ العَذابِ وهَذا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما سَلَفَ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ وتَعْلِيلٌ لِلْخَوْفِ
هود 11:5
﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ كَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ وذَلِكَ أنَّهُ لَما ألْقى إلَيْهِمْ ما ألْقى وسِيقَ إلَيْهِمْ ما سِيقَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وقَعَ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّهم بَعْدَما سَمِعُوا مِثْلَ هَذا المَقالِ الَّذِي تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ هَلْ قابَلُوهُ بِالإقْبالِ أمْ تَمادَوْا فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ والضَّلالِ فَقِيلَ مُصَدَّرًا بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ إشْعارًا بِأنَّ ما بَعْدَها مِن هَناتِهِمْ أمْرٌ يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ (ألا إنَّهُمْ) إلَخْ فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ فِيما تَقَدَّمَ و(يَثْنُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مُضارِعُ ثَنى الشَّيْءَ إذا لَواهُ وعَطَفَهُ ومِنهُ عَلى ما قِيلَ الِاثْنانِ لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ والثَّناءُ لِعَطْفِ المَناقِبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وكَذا الِاسْتِثْناءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ بِالإخْراجِ وأصْلُهُ يَثْنِيُونَ فَأُعِلَّ الإعْلالَ المَعْرُوفَ في نَحْوِ يَرْمُونَ وفي المُرادِ مِنهُ احْتِمالاتٌ مِنها أنَّ الثَّنْيَ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى شَيْءٍ واجَهَهُ بِصَدْرِهِ ومَن أعْرَضَ صَرَفَهُ عَنْهُ أيْ أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم عَنِ الحَقِّ ويَتَحَرَّفُونَ عَنْهُ والمُرادُ اسْتِمْرارُهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (فَإنْ تَوَلَّوْا) إلَخْ ومِنها أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الإخْفاءِ لِأنَّ ما يُجْعَلُ داخِلَ الصَّدْرِ فَهو خَفِيٌّ أيْ أنَّهم يُضْمِرُونَ الكُفْرَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ وعَداوَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنها أنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ والمَعْنى أنَّهم إذا رَأوُا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلُوا ذَلِكَ ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ - بِيَثْنُونَ - عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ وكَأنَّ بَعْضَهم رَأى عَدَمَ صِحَّةِ التَّعَلُّقِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لَمّا أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلُهُ بِالِاسْتِخْفاءِ لِعَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فَقَدَّرَ لِذَلِكَ مُتَعَلِّقًا فِعْلَ الإرادَةِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أغْراضِهِمْ وجَعَلَهُ في قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ انْسِياقَ الذِّهْنِ إلى تَوْسِيطِ الإرادَةِ بَيْنَ ثَنْيِ الصُّدُورِ والِاسْتِخْفاءِ لَيْسَ بِمَثابَةِ انْسِياقِهِ إلى تَوْسِيطِ الضَّرْبِ بَيْنَ الأمْرِ والِانْفِلاقِ كَما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ القَسْطَلانِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ إنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ انْحِرافَهم عَنِ الحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ وعَطْفَ صُدُورِهِمْ عَلى الكُفْرِ والتَّوَلِّيَ وعَداوَةَ النَّبِيِّ ﷺ - وعَدَمَ إظْهارِهِمْ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِخْفاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِجَهْلِهِمْ بِما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ إلّا أنْ يُعادَ الضَّمِيرُ مِنهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ - وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ - تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُسْتَتِرِ ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ تَباعُدًا مِنهُ وكَراهَةً لِلِقائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ ﷺ - لَكِنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي.
﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى. واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثِ وأمْرُ التَّعْلِيلِ والضَّمِيرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وأيَّدَهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وكانَ رَجُلًا حُلْوَ المَنطِقِ حَسَنَ السِّياقِ لِلْحَدِيثِ يُظْهِرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ - المَحَبَّةَ ويُضْمِرُ في قَلْبِهِ ما يُضادُّها لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حَيّانَ
صفحة 210
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الكُفّارِ يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي سِتْرَهُ ويَحْنِي ظَهْرَهُ ويَتَغَشّى بِثَوْبِهِ ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي؟ فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانَ أحَدُهم إذا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ - ثَنى صَدْرَهُ وتَغَشّى لِئَلّا يَراهُ وهو في مَعْنى ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي حَيّانَ إلّا أنَّ فِيهِ بَعْضَ الكُفّارِ دُونَ المُنافِقِينَ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَ عَلى هَذا مِن أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ فَكَيْفَ يَتَسَنّى القَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؟ وقَدْ أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالنِّفاقِ ظاهِرَهُ بَلْ ما كانَ يَصْدُرُ مِن بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ لَهم مُداراةٌ تُشْبِهُ النِّفاقَ وقَدْ يُقالُ: إنَّ حَدِيثَ حُدُوثِ النِّفاقِ بِالمَدِينَةِ لَيْسَ إلّا غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ ظُهُورُهُ إنَّما كانَ فِيها والِامْتِيازُ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ ثُمَّ لَوْ سَلِمَ فَلا إشْكالَ بَلْ يَكُونُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ إذا فُسِّرَ بِاليَهُودِ ويُرادُ بِهِ ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَمّا سَيَقَعُ وجَعَلَهُ كالواقِعِ لِتَحَقُّقِهِ وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ وقَعَ كَذَلِكَ فَكَذا ما نَحْنُ فِيهِ. نَعَمِ الثّابِتُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقْرَأُ الآيَةَ فَسَألَهُ عَنْها فَقالَ: أُناسٌ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ وأنْ يُجامِعُوا نِساءَهم فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَيْسَ في الرِّواياتِ السّابِقَةِ ما يُكافِئُ هَذِهِ الرِّوايَةَ في الصِّحَّةِ وأمْرُ (يَثْنُونَ) عَلَيْها ظاهِرٌ خَلا أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالأُناسِ جَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ كَما صَرَّحَ بِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أشْكَلَ الأمْرُ وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُسْلِمِ إذا اسْتَحْيا مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَلِمَ يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ مَثَلًا في خَلْوَةٍ كانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ إظْهارِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَحْجُبُ بَصَرَهُ حاجِبٌ ولا يَمْنَعُ عِلْمَهُ شَيْءٌ ومِثْلُ هَذا الحَياءِ أمْرٌ لا يَكادُ يَذُمُّهُ أحَدٌ بَلْ في الآثارِ ما هو صَرِيحٌ في الأمْرِ بِهِ وهو شِعارُ كَثِيرٍ مِن كِبارِ الأُمَّةِ والقَوْلُ بِأنَّ اسْتِحْياءَ أُولَئِكَ المُسْلِمِينَ كانَ مَقْرُونًا بِالجَهْلِ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَظَنُّوا أنَّ الثَّنْيَ يُحْجَبُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ لا أظُنُّكَ تَقْبَلُهُ وبِالجُمْلَةِ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ لا يَخْلُو عَنْ إشْكالٍ ولا يَكادُ يَنْدَفِعُ بِسَلامَةِ الأمْرِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ ويَسْتَدْعِيهِ رَبْطُ الآياتِ كَوْنُ الآيَةِ في المُشْرِكِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ فَتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ
وقَرَأ الحَبْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (تَثْنُونِي) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وهو مُضارِعُ اثْنُونِيَ كاحْلَوْلى فَوَزْنَهُ تَفْعَوْعَلَ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ وهو مِن أبْنِيَةِ المَزِيدِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ يُقالُ: حَلى فَإذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ قِيلَ احْلَوْلى وهو لازِمٌ فَصُدُورُهم فاعِلُهُ ويُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِنَ المَعانِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُبالَغَةَ مَلْحُوظَةٌ في ذَلِكَ فَيُقالُ: المَعْنى مَثَلًا تَنْحَرِفُ صُدُورُهُمُ انْحِرافًا بَلِيغًا. وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا وعُرْوَةَ وغَيْرِهِما أنَّهم قَرَأُوا (تَثْنُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ النُّونِ الأخِيرَةِ والأصْلُ تَثْنُونَنِ بِوَزْنِ تَفْعَوْعَلَ مِنَ الثِّنِّ بِكَسْرِ الثّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
يا أيُّها المُفَضَّلُ المَعْنِيُّ إنَّكَ رَيّانُ فَصُمْتَ عَنِّي
تَكْفِي اللَّقُوحَ أكْلَةٌ مِن ثِنِّ
ولَزِمَ الإدْغامُ لِتَكْرِيرِ العَيْنِ إذا كانَ غَيْرَ مُلْحَقٍ و﴿صُدُورَهُمْ﴾ عَلى هَذِهِ مَرْفُوعٌ أيْضًا عَلى الفاعِلِيَّةِ والمَعْنى عَلى وصْفِ قُلُوبِهِمْ بِالسَّخافَةِ والضَّعْفِ كَذَلِكَ النَّبْتُ الضَّعِيفُ فالصُّدُورُ مَجازٌ عَما فِيها مِنَ القُلُوبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُطاوِعَ ثَناهُ فَإنَّهُ يُقالُ: ثَناهُ فانْثَنى واثْنُونِي كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ فَقالَ: وافْعَوْعَلَ لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ يُوافِقُ اسْتَفْعَلَ ويُطاوِعُ فِعْلٌ ومَثَّلُوهُ بِهَذا الفِعْلِ فالمَعْنى أنَّ صُدُورَهم قَبِلَتِ الثَّنْيَ ويُؤَوَّلُ إلى مَعْنى انْحَرَفَتْ
صفحة 211
كَما فَسَّرَ بِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وكَذا عُرْوَةُ الأعْشى أنَّهُ قَرَأ (تَثْنَئِنُّ) كَتَطْمَئِنُّ وأصْلُهُ يَثْنانُ فَقُلِبَتِ الألِفُ هَمْزَةً مَكْسُورَةً رَغْبَةً في عَدَمِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ عَلى حَدِّهِ ويُقالُ في ماضِيهِ اثْنَأنَّ كاحْمَأرَّ وابْيَأضَّ وقِيلَ: أصْلُهُ تَثْنُونَ بِواوٍ مَكْسُورَةٍ فاسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الواوِ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً كَما قِيلَ في وِشاحٍ إشاحٌ وفي وِسادَةٍ إسادَةٌ فَوَزْنُهُ عَلى هَذا تَفَوْعَلَ وعَلى الأوَّلِ تَفْعالَ ورُجِّحَ بِاطِّرادِهِ وهو مِنَ الثِّنِّ الكَلَأِ الضَّعِيفِ أيْضًا وقُرِئَ (تَثْنَوِي) كَتَرْعَوِي ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وغَلَطَ النَّقْلُ بِأنَّهُ لا حَظَّ لِلْواوِ في هَذا الفِعْلِ إذْ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَرَعَوْتُهُ فارْعَوى ووَزْنُ ارْعَوى مِن غَرِيبِ الأوْزانِ وفي الصِّحاحِ تَقْدِيرُهُ افْعَوَلَ ووَزْنُهُ افْعَلَلَّ وإنَّما لَمْ يُدْغَمْ لِسُكُونِ الياءِ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ وقُرِئَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وأوْصَلَ بَعْضُهُمُ القِراءاتِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ وفَصَّلَها في الدُّرِّ المَصُونِ ومِن غَرِيبِها أنَّهُ قُرِئَ يُثْنُونَ بِالضَّمِّ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ بِأنَّهُ لا يُقالُ: أثْنَيْتُهُ بِمَعْنى ثَنَيْتُهُ ولَمْ يُسْمَعْ في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يُعْرَفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ عَرَّضُوها لِلِانْثِناءِ كَما تَقُولُ: أبِعْتَ الفَرَسَ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ
أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رَعِيَّتَها ∗∗∗ وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطَمارِي
وحاصِلُهُ حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَلْتَحِفُونَ بِما يَلْتَحِفُ بِهِ النّائِمُ وهو وقْتٌ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ عادَةً، وعَنِ ابْنِ شَدّادٍ حِينَ يَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ لِلِاسْتِخْفاءِ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ الثِّيابِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اللَّيْلُ وهو يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ ألا يَعْلَمُ ﴿ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَقْيِيدُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ فِيهِ يَعْلَمُ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَدَّرَهُ السَّمِينُ وأبُو البَقاءِ يَسْتَخْفُونَ وبَعْضُهم يُرِيدُونَ و(ما) في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يُسِرُّونَهُ في قُلُوبِهِمْ والَّذِي يُعْلِنُونَهُ أيَّ شَيْءٍ كانَ ويَدْخُلُ ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وخَصَّهُ بَعْضُهم بِهِ وقُدِّمَ هُنا السِّرُّ عَلى العَلَنِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ما صَنَعُوا وإيذانًا بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ وتَحْقِيقًا لِلْمُساواةِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكَأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ وحاصِلُ المَعْنى يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سِرَّهم وعَلَنَهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما عَسى أنْ يُظْهِرُوهُ
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَقْرِيرٌ لَهُ والمُرادُ - بِذاتِ الصُّدُورِ - الأسْرارُ المُسْتَكِنَّةُ فِيها أوِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَتِ الذّاتُ مُقْحَمَةً كَما في ذاتِ غَدْوَةٍ ولا مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى اسْمِهِ كَما تُوُهِّمَ أيْ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمَراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمْ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وكانَ التَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُجُودِها الخارِجِيِّ وهَذا مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ سِوى شِرْذِمَةٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ بَعْدَ حُدُوثِها تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ولا يَلْزَمُ هَذا بَعْضَ المُتَكَلِّمِينَ المُنْكِرِينَ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ
صفحة 212
لِأنَّهم إذا لَمْ يَقُولُوا بِهِ مَعَ إنْكارِ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَعْدُومِ الصِّرْفِ وامْتِناعِهِ مِن أجْلِ البَدِيهِيّاتِ والإنْكارُ مُكابَرَةٌ أوْ جَهْلٌ بِمَعْنى التَّعَلُّقِ بِالمَعْدُومِ الصِّرْفِ وقَدْ أوْرَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ المُحَقِّقُ الدَّوانِيُّ وهو ناشِئٌ عَلى ما قِيلَ عَنِ الذُّهُولِ عَنْ مَعْنى إنْكارِ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وبَعْدَ تَحْقِيقِ المُرادِ مِنهُ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ
وبَيانُهُ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى إنْكارِهِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ صُورَةٌ عِنْدَ العَقْلِ إذا تَصَوَّرْنا شَيْئًا أوْ صَدَّقْنا بِهِ لِأنَّ حُصُولَها عِنْدَهُ في الواقِعِ بَدِيهِيٌّ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ وكَيْفَ يُنْكِرُهُ الجُمْهُورُ والعِلْمُ الحادِثُ مَخْلُوقٌ عِنْدَهم والخَلْقُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِأعْيانِ المَوْجُوداتِ بَلْ هو بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الحُصُولَ لَيْسَ نَحْوًا آخَرَ مِن وُجُودِ الماهِيَّةِ المَعْلُومَةِ بِأنْ يَكُونَ لِماهِيَّةٍ واحِدَةٍ كالشَّمْسِ مَثَلًا وُجُودانِ أحَدُهُما خارِجِيٌّ والآخَرُ ذِهْنِيٌّ كَما يَقُولُ بِهِ مُثْبِتُوهُ فَهم لا يُنْكِرُونَ الوُجُودَ عَنْ صُوَرِ الأشْياءِ وأشْباحِها وهي مَوْجُوداتٌ خارِجِيَّةٌ وكَيْفِيّاتٌ نَفْسانِيَّةٌ وهي المَخْلُوقَةُ عِنْدَهم وإنَّما يُنْكِرُونَ الوُجُودَ الذِّهْنِيَّ عَنْ أنْفُسِ تِلْكَ الأشْياءِ وذَلِكَ بِشَهادَةِ أدِلَّتِهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ حَصَلَتِ النّارُ في الأذْهانِ لاحْتَرَقَتِ الأذْهانُ بِتَصَوُّرِها واللّازِمُ باطِلٌ فَإنَّهُ كَما تَرى إنَّما يَنْفِي الوُجُودَ عَنْ نَفْسِ النّارِ لا عَنْ شَبَحِها ومِثالِها، فالحَقُّ أنَّ الجُمْهُورَ إنَّما أنْكَرُوا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو الحُكَماءِ مِن أنَّ الحاصِلَ في الأذْهانِ أنْفُسُ ماهِيّاتِ الأشْياءِ ولَمْ يُنْكِرُوا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الأشْباحُ وحِينَئِذٍ يُقالُ: عِلْمُ الواجِبِ عِنْدَهم إما تَعَلُّقُهُ بِأشْباحِ الأشْياءِ أوْ صِفَةُ ذاتِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فَلا يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِما قالَهُ الشِّرْذِمَةُ ولا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أنَّ التَّعَلُّقَ بِتِلْكَ الأشْباحِ المَوْجُودَةِ في الأزَلِ لِكَوْنِهِ نِسْبَةً بَيْنِها وبَيْنَهُ تَعالى مُتَأخِّرٌ عَنْها فَيَلْزَمُ إيجادُ تِلْكَ الأشْباحِ بِلا عِلْمٍ وهو مُحالٌ لِأنّا نَقُولُ لَمّا كانَ الواجِبُ (1) تَعالى مُوجِبًا في عِلْمِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ كانَ وُجُودُ تِلْكَ الصُّوَرِ الإدْراكِيَّةِ الَّتِي هي تِلْكَ الأشْباحُ مُقْتَضى ذاتِهِ تَعالى فَلا بَأْسَ في كَوْنِها سابِقَةً عَلى العِلْمِ بِالذّاتِ وإنَّما المَسْبُوقُ بِالعِلْمِ هو أفْعالُهُ الِاخْتِيارِيَّةُ ثُمَّ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ عِلْمَ الواجِبِ تَبارَكَ وتَعالى بِالأشْياءِ أزَلِيٌّ وتَعَلُّقَهُ بِها حادِثٌ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا تَعَلُّقٌ حادِثٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُدُوثُ نَفْسِ العِلْمِ فَيَعُودُ ما ارْتَكَبَهُ الشِّرْذِمَةُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهُ لا يَصِيرُ المَعْلُومُ مَعْلُومًا قَبْلَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِ وهو مِنَ الفَسادِ بِمَكانٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ التَّعَلُّقَ الَّذِي لا تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ العِلْمِ حادِثٌ وهُناكَ تَعَلُّقٌ تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الحَقِيقَةُ وهو قَدِيمٌ وذَلِكَ لِأنَّ الأشْباحَ والأمْثالَ مَعْلُومَةٌ بِالذّاتِ وبِواسِطَتِها تُعْلَمُ الأشْياءُ فَتَعَلُّقُ العِلْمِ عِنْدَهم أعَمُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِذاتِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ أوْ بِمِثالِهِ وشَبَحِهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ وُجُودٌ الحَوادِثِ في الأزَلِ كانَ العِلْمُ المُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِالتَّعَلُّقِ بِأمْثالِها وأشْباحِها وبَعْدَ حُدُوثِها يَتَجَدَّدُ التَّعَلُّقُ بِأنْ يَكُونَ بِذاتِ تِلْكَ الحَوادِثِ وبِالجُمْلَةِ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِأمْثالِ الحَوادِثِ وأشْباحِها أزَلِيٌّ وبِأنْفُسِها وذَواتِها حادِثٌ ولا إشْكالَ فِيهِ أصْلًا وبِهَذا التَّحْقِيقِ يَنْدَفِعُ شُبَهاتٌ كَثِيرَةٌ كَما قِيلَ لَكِنْ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ بُرْهانَ التَّطْبِيقِ جارٍ في هاتِيكَ الأشْباحِ لَمّا أنَّها مُتَمَيِّزَةُ الآحادِ في نَفْسِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ أحَدُ المَحْذُورَيْنِ
وفِي المَقامِ أبْحاثٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ وقَدْ بَسَّطَ الكَلامَ في ذَلِكَ مَوْلانا إسْماعِيلُ أفَنْدِيٍّ الكَلْنَبَوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ العَضُدِيَّةِ ولِلْمَوْلى الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ تَحْقِيقٌ عَلى طَرْزٍ آخَرَ ذَكَرَهُ في كِتابِهِ مَطْلَعِ الجُودِ فارْجِعْ إلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ لا تَخْفى صُعُوبَةُ هَذِهِ المَسْألَةِ وهي مِمّا زَلَّتْ فِيها أقْدامُ أقْوامٍ ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْزُقُكَ تَحْقِيقَها بِمَنِّهِ سُبْحانَهُ وقَدْ قالَ بِهِ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ مَوْلانا إسْماعِيلُ أفَنْدِيٍّ الكَلْنَبَوِيُّ
تَمَّ الجُزْءُ الحادِيَ عَشَرَ بِحَوَلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّانِيَ عَشَرَ وأوَّلُهُ (وما مِن دابَّةٍ 12)
هود 11:6
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى عاقِلًا أوْ غَيْرَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ وهو في الأصْلِ المَشْيُ الخَفِيفُ ومِنهُ قَوْلُهُ:
زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخٍ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا
واخْتُصَّتْ في العُرْفِ بِذَواتِ القَوائِمِ الأرْبَعِ وقَدْ تُخَصُّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِها هُنا المَعْنى اللُّغَوِيُّ بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ أيْ: وما مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى غِذاؤُهُ ومَعاشُهُ، والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى إذْ لا وُجُوبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ كَما بَيَّنَ في الكَلامِ، فَكَلِمَةُ (عَلى) المُسْتَعْمَلَةُ لِلْوُجُوبِ مُسْتَعارَةٌ اسْتِعارَةَ تَبَعِيَّةٍ لِما يُشْبِهُهُ ويَكُونُ مِنَ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الرِّزْقَ واجِبٌ بِحَسَبِ الوَعْدِ والفَضْلِ والإحْسانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى تَفَضُّلِهِ لَكِنْ لَمّا وعَدَهُ سُبْحانَهُ وهو جَلَّ شَأْنُهُ لا يُخِلُّ بِما وعَدَ صَوَّرَهُ بِصُورَةِ الوُجُوبِ لِفائِدَتَيْنِ: التَّحْقِيقُ لِوُصُولِهِ. وحَمْلُ العِبادِ عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ، ولا يَمْنَعُ مِنَ التَّوَكُّلِ مُباشَرَةَ الأسْبابِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المُسَبِّبُ لَها، فَفي الخَبَرِ «اعْقِلْ وتَوَكَّلْ» وجاءَ «لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وأجَلَها فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» ولا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الرِّزْقُ بِدُونِ مُباشَرَةِ سَبَبٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَرْزُقُ الكَثِيرَ مِن دُونِ مُباشَرَةِ سَبَبٍ أصْلًا، وفي بَعْضِ الآثارِ «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ صَخْرَةً فَضَرَبَ فانْشَقَّتِ الصَّخْرَةُ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ فَضَرَبَها فَخَرَجَتْ ثالِثَةٌ فَضَرَبَها فانْشَقَّتْ عَنْ دُودَةٍ كالذَّرَّةِ وفي فَمِها شَيْءٌ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ لَها وسَمِعَها تَقُولُ: سُبْحانَ مَن يَرانِي ويَسْمَعُ كَلامِي ويَعْرِفُ مَكانِي ويَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي» وما أحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ أُذَيْنَةَ:
لَقَدْ عَلِمَتْ وما الإشْرافُ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إنَّ الَّذِي هو رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي
أسْعى إلَيْهِ فَيُعْيِينِي تَطَلُّبُهُ ∗∗∗ ولَوْ أقَمْتُ أتانِي لا يُعْنِينِي
وقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ يَوْمَ وفَدَ عَلى هِشامٍ فَقَرَعَهُ بِقَوْلِهِ هَذا فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ فَنَدِمَ هِشامٌ عَلى ذَلِكَ وأرْسَلَ بِجائِزَتِهِ إلَيْهِ، ويَقْرُبُ مِن قِصَّتِهِ قِصَّةُ الثَّقَفِيِّ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ خالِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي مَشْهُورَةٌ حَكاها ابْنُ أبِي الدُّنْيا ونَقَلَها غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ ألْغى أمْرَ الأسْبابِ جِدًّا مَن قالَ:
مَثَلُ الرِّزْقِ الَّذِي تَطْلُبُهُ ∗∗∗ مَثَلُ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي مَعَكَ
أنْتَ لا تُدْرِكُهُ مُتْبَعًا ∗∗∗ وإذا ولَيْتَ عَنْهُ تَبِعَكَ
صفحة 3
وبِالجُمَلَةِ يَنْبَغِي الوُثُوقُ بِاللَّهِ تَعالى ورَبَطُ القَلْبِ بِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (واحْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ) بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ وإلّا فَمَن لَمْ يَأْكُلْ طُولَ عُمُرِهِ إلّا مِنَ الحَرامِ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ مَرْزُوقًا، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُجَرَّدٌ فَرْضٍ إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّغَذِّي بِلَبَنِ الأُمِّ مَثَلًا وهو حَلالٌ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى الرِّزْقِ إذا رُزِقَ فَإنَّما رِزْقُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ هُناكَ مَن لا رِزْقَ لَهُ كالمُتَغَذِّي بِالحَرامِ، وكَذا مَن لَمْ يُرْزَقْ أصْلًا حَتّى ماتَ جُوعًا، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ مَوْضِعَ قَرارِها في الأصْلابِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ مَوْضِعَها في الأرْحامِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ البَيْضِ ونَحْوِهِ، فالمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ اسْما مَكانٍ، وجَوَّزَ فِيهِما أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ وأنْ يَكُونَ المُسْتَوْدَعُ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي فِعْلِهِ، ولا يَجُوزُ في المُسْتَقَرِّ ذَلِكَ لِأنَّ فِعْلَهُ لازِمٌ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وإنَّما خُصَّ كُلٌّ مِن الِاسْمَيْنِ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ المَحَلِّ -كَما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءَ- لِأنَّ النُّطْفَةَ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْلابِ في حَيِّزِها الطَّبِيعِيِّ ومَنشَئِها الخَلْقِيِّ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْحامِ مَثَلًا فَهي مُودَعَةٌ فِيها إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُ المُسْتَقَرِّ بِالأرْحامِ والمُسْتَوْدَعِ بِالأصْلابِ وكَأنَّهُ أخَذَ تَفْسِيرَ الأوَّلِ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ مَساكِنُها مِنَ الأرْضِ حَيْثُ وُجِدَتْ بِالفِعْلِ، وبِالمُسْتَوْدَعِ مَحَلُّها مِنَ المَوادِّ والمَقارِّ حِينَ كانَتْ بَعْدُ بِالقُوَّةِ، وهَذا عامٌّ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ بِخِلافِ الأوَّلِ إذْ مِنَ الحَيَواناتِ ما لَمْ يَسْتَقِرَّ في صُلْبٍ كالمُتَكَوِّنِ مِن عُفُونَةِ الأرْضِ مَثَلًا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ مَحَلِّها بِاعْتِبارِ حالَتِها الأخِيرَةِ لِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ عُنْوانِ كَوْنِها دابَّةً في الأرْضِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: ما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا يَرْزُقُها اللَّهُ تَعالى حَيْثُ كانَتْ مِن أماكِنِها يَسُوقُهُ إلَيْها ويَعْلَمُ مَوادَّها المُخْتَلِفَةَ المُنْدَرِجَةَ في مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ المُتَفاوِتَةِ المُتَطَوِّرَةِ في الأطْوارِ المُتَبايِنَةِ ومَقارِّها المُتَنَوِّعَةِ يُفِيضُ عَلَيْها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ ما يَلِيقُ بِها مِن مَبادِي وُجُودِها وكَمالاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ مُسْتَقَرَّها حَيْثُ تَأْوِي ومُسْتَوْدَعَها حَيْثُ تَمُوتُ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ تَفْسِيرَ المُسْتَوْدَعِ بِذَلِكَ لا يُلائِمُ مَقامَ التَّكَفُّلِ بِأرْزاقِها، وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نِهايَةِ أمَدِ ذَلِكَ التَّكَفُّلِ، وفي خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إشارَةٌ إلى ما هو كالمَبْدَأِ لَهُ أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّهُ قالَ: مُسْتَقَرُّها الأرْحامُ، ومُسْتَوْدَعُها حَيْثُ تَمُوتُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَكَفِّلٌ بِرِزْقِ كُلِّ دابَّةٍ ويَعْلَمُ مَكانَها أوَّلَ ما تَحْتاجُ إلى الرِّزْقِ ومَكانَها آخِرَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ فَهو سُبْحانَهُ يَسُوقُهُ إلَيْها ولا بُدَّ إلى أنْ يَنْتَهِيَ أمَدُ احْتِياجِها، وجَوَّزَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ داخِلَةً في حَيِّزِ (إلّا) وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الأجْهُورِيُّ.
﴿كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّوابِّ ورِزْقُها ومُسْتَقَرُّها ومُسْتَوْدَعُها، أوْ كُلُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوِ المُظْهِرُ لِما أُثْبِتَ فِيهِ لِلنّاظِرَيْنِ، والجُمْلَةُ -عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ- كالتَّتْمِيمِ لِمَعْنى وُجُوبِ تَكَفُّلِ الرِّزْقِ كَمَن أقَرَّ بِشَيْءٍ في ذِمَّتِهِ ثُمَّ كَتَبَ عَلَيْهِ صَكًّا، وفي الكَشْفِ إنَّ الأظْهَرَ أنَّها تَحْقِيقٌ لِلْعِلْمِ وكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ عِلْمِهِ،
هود 11:7
ثُمَّ أتى سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ لِأنَّ مَن شَمِلَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ هو الَّذِي
صفحة 4
يَكُونُ إلَهًا لا غَيْرُهُ مِمّا لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرٍّ ونَفْعٍ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ العالِمَ القادِرَ يُرْجى ويُخْشى، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ) وما بَعْدَها تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّ المُرادَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلَخْ.. خَلْقُهُما وما فِيهِما، أوْ تُجْعَلُ السَّماواتُ مَجازًا عَنِ العُلْوِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها، وتَجْعَلُ الأرْضَ مَجازًا بِمَعْنى السُّفْلِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واحْتِيجَ لِذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ وإلّا فَخَلْقُهُما في تِلْكَ المُدَّةِ لا يُنافِي خَلْقَ غَيْرِهِما فِيها، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا لا المُتَعارَفُ إذْ لا يَتَصَوَّرُ ذَلِكَ حِينَ لا شَمْسَ ولا أرْضَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُدَّةُ زَمانِ دَوْرِ المُحَدَّدِ المُسَمّى بِالعَرْشِ دَوْرَةً تامَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ، وقَدْ عُلِمَتْ حالُهُ فِيما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وفِي عَدَمِ خَلْقِهِما دُفْعَةً كَما عَلِمْتَ دَلِيلٌ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ قادِرًا مُخْتارًا مَعَ ما فِيهِ مِن الِاعْتِبارِ لِلنُّظّارِ والحَثِّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما قِيلَ في وجْهِ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ دُونَ الزّائِدِ عَلَيْهِ كالسَّبْعَةِ أوِ النّاقِصِ عَنْهُ كالخَمْسَةِ لِلْخَلْقِ، ولَعَلَّنا نُحَقِّقُ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِاخْتِلافِها بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ الأرْضِ، وإنْ قِيلَ: إنَّها مِثْلُ السَّماءِ في كَوْنِها سَبْعًا طِباقًا بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ وفِيها مَخْلُوقاتٌ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ والكَثِيرُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ واحِدَةٌ مُنْقَسِمَةٌ إلى سَبْعَةِ أقالِيمَ وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.
﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (خَلَقَ) مَعَ ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى ما هو المَشْهُورُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الماضَوِيَّةِ مِنِ اشْتِراطِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، والمُضِيُّ المُسْتَفادُ -مِن كانَ- بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ لا لِلتَّكَلُّمِ أيْ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِهِما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، وبِهِ صَرَّحَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، ثُمَّ قالَ: لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما أيِ العَرْشِ والماءِ لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ، انْتَهى، وكَذا صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ لَكِنَّهُ قالَ: لَيْسَ تَحْتَهُ -يَعْنِي العَرْشَ- شَيْءٌ غَيْرُهُ أيِ الماءُ سَواءً كانَ بَيْنَهُما فُرْجَةً، أوْ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ كَما ورَدَ في الأثَرِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ كَيْفَ لا ولَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِهِ لا عَلى إمْكانِهِ فَقَطْ ولا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ ما حَدَثَ في العالَمِ بَعْدَ العَرْشِ وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَهُما أقْدَمُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلنِّسْبَةِ بَيْنَهُما، انْتَهى، ولا يَخْفى ما بَيْنَ القاضِي والمُفْتِي مِنَ المُخالَفَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الحَقَّ مَعَ المُفْتِي كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلْقاضِي بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ لَلَزِمَ قَبْلَ خَلْقِ تَمامِ العالَمِ أحَدُ الأُمُورِ السِّتَّةِ: إمّا خُرُوجُ الماءِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ. أوْ خُرُوجُ العَرْشِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ. أوْ تَخَلْخُلُ الماءِ أوْ نُمُوُّهُ أوْ تَخَلْخُلُ العَرْشِ أوْ نُمُوُّهُ، وحِينَ خَلْقِ العالَمِ أحَدُ الأُمُورِ الخَمْسَةِ: إمّا حَرَكَةُ العَرْشِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ. أوْ تَكاثُفُ الماءِ أوْ ذُبُولُهُ أوْ تَكاثُفُ العَرْشِ أوْ ذُبُولُهُ، وهَذِهِ الأُمُورُ باطِلَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَدَرَّبَ في الحِكْمَةِ، ويَحْمِلُ الإمْكانَ في كَلامِهِ عَلى الإمْكانِ الوُقُوعِيِّ، أوْ يُرادُ بِهِ الإمْكانُ الذّاتِيُّ وبِالخَلاءِ الخَلاءُ في عالَمِنا هَذا فَإنَّهُ المُتَنازَعُ فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الخَلاءَ في عالَمِنا مُمْكِنٌ بِالإمْكانِ الذّاتِيِّ وتَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ حِينَئِذٍ عَلى ذَلِكَ هو أنَّ الخَلاءَ قَبْلَ عالَمِنا هَذا كانَ واقِعًا، ووُقُوعُ شَيْءٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِهِ الذّاتِيِّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبٌ، فالمُمْكِنُ في وقْتٍ مُمْكِنٌ في وقْتٍ آخَرَ كَما حَقَّقَهُ شارِحُ حِكْمَةِ العَيْنِ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الماءَ أوَّلُ
صفحة 5
حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ بَسِيطٍ فَلَهُ مَكانٌ طَبِيعِيٌّ، وأنَّ المَكانَ مِن لَوازِمِ وُجُودِ الجِسْمِ، فَإنَّ الفاعِلَ إذا أوْجَدَ الجِسْمَ أوْجَدَهُ لا مَحالَةَ في مَكانٍ كَما صَرَّحُوا بِهِ، والمَكانُ لِلْخَفِيفِ مِنَ الأجْسامِ هو الفَوْقُ، ولِلثَّقِيلِ التَّحْتُ عَلى حَسَبِ الثِّقَلِ والخِفَّةِ وتَحَدُّدُهُما إنَّما هو بِالفَلَكِ الأعْظَمِ فَوُجُودُ الماءِ في جَوْفِ العَرْشِ يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ مَكانِهِ المُتَوَقِّفِ عَلى وُجُودِ العَرْشِ فَيَتَأخَّرُ عَنْهُ حُدُوثًا ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ النَّظَرِ، ولا أقَلَّ مِن أنْ يُقالَ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ والماءَ مَعًا؟ عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الماءَ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ العَرْشِ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ. والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ ماجَهْ. وابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ المُنْذِرِ. والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وغَيْرُهم «عَنْ أبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ قالَ: ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ: كانَ في عَماءٍ ما تَحْتَهُ هَواءٌ وما فَوْقَهُ هَواءٌ وخَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ“» وقالَ بَعْضٌ في بَيانِ وجْهِ ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ أنَّهُ مَوْضُوعٌ فَوْقَهُ لا مُماسُّهُ وأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّما كانَ بَعْدَهُما اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلُ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَهُ وهو مِن فَحْوى الخِطابِ، وقَوْلُهُ: لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا إلَخْ لِأنَّ سِياقَهُ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى يَقْتَضِيهِ وفِيهِ ما فِيهِ كَما لا يَخْفى، وتَعَقَّبَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِأنَّ حاصِلَهُ أنَّ الشِّقَّ الثّانِيَ مِنَ الشِّقَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ في كَلامِ العَلّامَةِ الثّانِي مُسْتَلْزِمٍ لِأحَدِ أُمُورٍ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحِكْمَةِ بُطْلانُها فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ مِنهُما، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ الأوَّلُ، وهو إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَتِ المُقَدِّماتُ المَذْكُورَةُ في إبْطالِ تِلْكَ الأُمُورِ يَقِينِيَّةً وهو مَمْنُوعٌ فَإنَّ أكْثَرَها مَبْنِيٌّ عَلى أُصُولِ الفَلاسِفَةِ، وقَدْ بَيَّنَ القاضِي نَفْسَهُ بُطْلانَ أكْثَرِها في الطَّوالِعِ وهو إنَّما يُراعِي القَواعِدَ الحِكْمِيَّةَ إذا لَمْ تَكُنْ مُخالِفَةً لِلْقَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أنَّ في كَلامِ ذَلِكَ المُنْتَصِرِ خَلَلًا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: يَلْزَمُ إمّا خُرُوجُ الماءِ عَلى حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ إلَخْ.. يُقالُ في جَوابِهِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُجَ الماءُ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ وذَلِكَ غَيْرُ مُحالٍ وإنْ كانَ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ السَّيَلانِ عَنْ حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ مُحالًا، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الماءَ لِثِقَلِهِ الإضافِيِّ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فَوْقَ الأرْضِ والأرْضُ لِثِقَلِها الحَقِيقِيِّ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِأسْرِها فِيهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَفْرِضَ في جَوْفِها نُقْطَةً تَكُونُ الخُطُوطُ الخارِجَةُ مِنها إلى سَطْحِ الماءِ مُتَساوِيَةً مِن جَمِيعِ الجِهاتِ مَعَ أنَّ الأمْرَ اليَوْمَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِانْكِشافِ رُبُعٍ شَمالِيٍّ مِنَ الأرْضِ، وانْحِسارُ الماءِ عَنْهُ إمّا بِسَبَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَنُوبِ إلى الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها في الحَضِيضِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ المَحْوِيِّ كَما قِيلَ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، الثّانِي أنَّ ما ذَكَرَهُ مِنِ اسْتِحالَةِ تَخَلْخُلِ الماءِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم أيْضًا، وما يُقالُ: إنَّ القَوْلَ بِالتَّخَلْخُلِ لا يُتَصَوَّرُ في البَسائِطِ الحَقِيقِيَّةِ لِلُزُومِ تَرْكِيبِ ما فِيهِ مَدْفُوعٌ. فَقَدْ صَرَّحَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحُها بِأنَّ التَّخَلْخُلَ الحَقِيقِيَّ وهو أنْ يَزْدادَ مِقْدارَ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن خارِجٍ مُمْكِنٌ، وحَقَّقَهُ سَيِّدُ المُحَقِّقِينَ في حَواشِيهِ بِأنَّ الجِسْمَ سَواءٌ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ أوْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ التَّخَلْخُلُ والتَّكاثُفُ فِيهِ لِأنَّ مِقْدارَ الجِسْمِ زائِدٌ عَلَيْهِ والجِسْمُ مِن حَيْثُ هو لا مِقْدارَ لَهُ في ذاتِهِ فَنِسْبَتُهُ إلى جَمِيعِ المَقادِيرِ عَلى السَّواءِ فَأمْكَنَ أنْ يَتَّصِفَ بِأكْبَرِ مِمّا هو مُتَّصِفٌ بِهِ أوْ أصَغَرَ، وأيْضًا الجِسْمُ مُتَّصِلٌ واحِدٌ والمِقْدارُ زائِدٌ عَلَيْهِ والجِسْمُ البَسِيطُ جُزْؤُهُ يُساوِي كُلَّهُ فَإذا اتَّصَفَ الكُلُّ بِمِقْدارٍ خاصٍّ فَجُزْؤُهُ إذا انْفَرَدَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِاتِّصافِ بِذَلِكَ المِقْدارِ، والكُلُّ بِالعَكْسِ ضَرُورَةٌ تَساوِي المُتَماثِلاتِ في الأحْكامِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ إمْكانُ ذَلِكَ، والثّالِثُ أنَّ التَّوْجِيهَ بِحَمْلِ الإمْكانِ عَلى الإمْكانِ الذّاتِيِّ إلَخْ مَنظُورٌ فِيهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا إمْكانُ وُجُودِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ الإمْكانُ مُسْتَمِرًّا واجِبًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فَقَوْلُهُ: إنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبٌ فالمُمْكِنُ في وقْتٍ مُمْكِنٍ في كُلِّ وقْتٍ
صفحة 6
إنْ أرادَ بِهِ أنَّ إمْكانَهُ أمْرٌ ثابِتٌ لَهُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى أنَّ قَوْلَهُ في كُلِّ وقْتٍ ظَرْفٌ لِلْإمْكانِ فَهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّ اللّازِمَ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَّصِفًا بِالإمْكانِ إمْكانًا مُسْتَمِرًّا دائِمًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمِ الِاتِّصافِ ولا سابِقَ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في كُلِّ وقْتٍ مُمْكِنًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُ الشَّيْءِ في الجُمْلَةِ مُمْكِنًا إمْكانًا مُسْتَمِرًّا ولا يَكُونُ وُجُودُهُ في كُلِّ وقْتٍ مُمْكِنًا بَلْ مُمْتَنِعًا؛ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِن قَبِيلِ المُمْتَنِعاتِ دُونَ المُمْكِناتِ فَإنَّ إمْكانَ الشَّيْءِ لَيْسَ مَعْناهُ جَوازَ اتِّصافِهِ بِجَمِيعِ أنْحاءِ الوُجُودِ بَلْ مَعْناهُ جَوازُ اتِّصافِهِ بِوُجُودِ ما في الجُمْلَةِ فَيَكْفِي في إمْكانِ الشَّيْءِ جَوازِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ الواقِعِ في وقْتٍ، والمُمْتَنِعُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ الوُجُودَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في كُلِّ وقْتٍ عَلى أنْ يَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ ظَرْفًا لِلْوُجُودِ فَهو مَمْنُوعٌ ولا يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِ ثُبُوتِ الإمْكانِ لِلْمُمْكِنِ واجِبًا، فَإنَّهُ قَدْ حَقَّقَ المُحَقِّقُ الدَّوانِيَ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ أنَّ إمْكانَ المُمْكِنِ وإنْ كانَ مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ في تِلْكَ الأزْمِنَةِ، وعَلى هَذا اعْتَمَدَ المُتَكَلِّمُونَ في الجَوابِ عَنِ اسْتِدْلالِ الفَلاسِفَةِ عَلى قِدَمِ العالَمِ بِأنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في الأزَلِ وإلّا لَزِمَ الِانْقِلابُ وهو مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ، وقُدْرَةُ البارِي تَعالى أزَلِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ فَلَوْ كانَ العالَمُ حادِثًا لَزِمَ تَرْكَ الجُودِ وهو إفاضَةُ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ عَلى المُمْكِناتِ مُدَّةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهو مُحالٌ عَلى الجَوادِ الحَقِّ الكَرِيمِ.
(وحاصِلُ الجَوابِ) أنَّ قَوْلَكُمُ العالَمُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في الأزَلِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ لَهُ الوُجُودُ الأزَلِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ في الأزَلِ مُتَعَلِّقًا بِالوُجُودِ فَهو مَمْنُوعٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في الأزَلِ مُمْتَنِعًا، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ أنَّ إمْكانَ وُجُودِهِ في الجُمْلَةِ مُسْتَمِرٌّ في الأزَلِ عَلى أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِالإمْكانِ فَمُسَلَّمٌ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ العالَمِ في الأزَلِ مُمْكِنًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ في الأزَلِ مُسْتَحِيلًا مَعَ أنَّهُ في الأزَلِ مُتَّصِفٌ بِإمْكانِ وُجُودِهِ فِيما لا يَزالُ، وهَذا ما يُقالُ إنَّ أزَلِيَّةَ الإمْكانِ لا تَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الأزَلِيَّةِ، وما قِيلَ في إثْباتِ الِاسْتِلْزامِ إنَّ إمْكانَهُ إذا كانَ مُسْتَمِرًّا في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ هو في ذاتِهِ مانِعًا مِن قَبُولِ الوُجُودِ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ فَيَكُونُ عَدَمُ مَنعِهِ مِنهُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإذا نَظَرَ إلى ذاتِهِ مِن حَيْثُ هو لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ في شَيْءٍ مِنها بَلْ جازَ اتِّصافُهُ بِهِ في كُلٍّ مِنها بَدَلًا فَقَطْ بَلْ مَعًا أيْضًا، وجَوازُ اتِّصافِهِ في كُلٍّ مِنها هو إمْكانُ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ المُسْتَمِرِّ في جَمِيعِ أجْزاءِ الأزَلِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ فَأزَلِيَّةُ الإمْكانِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِإمْكانِ الأزَلِيَّةِ صَحِيحٌ إلى قَوْلِهِ: لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ في شَيْءٍ مِنها فَإنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ ذاتَهُ لا تَمْنَعُ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ مِن الِاتِّصافِ بِالوُجُودِ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ في شَيْءٍ مِنها مُتَعَلِّقًا بِعَدَمِ المَنعِ فَيَكُونُ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَمْنَعُ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ مِنَ الوُجُودِ بَعْدَهُ فَهو بِعَيْنِهِ أزَلِيَّةُ الإمْكانِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الوُجُودِ الأزَلِيِّ الَّذِي هو إمْكانُ الأزَلِيَّةِ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ ذاتَهُ لا تَمْنَعُ مِنَ الوُجُودِ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأزَلِ بِأنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالوُجُودِ فَهو بِعَيْنِهِ إمْكانُ الأزَلِيَّةِ، والنِّزاعُ إنَّما وقَعَ فِيهِ فَهو مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صَدَرَ هَذا الكَلامُ مِن قائِلِهِ مَعَ أنَّ مِنَ المَوْجُوداتِ ما هو إلى الوُجُودِ كَبَعْضِ الحُرُوفِ ومَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ ماهِيَّةُ الزَّمانِ تَقْتَضِي لِذاتِها عَدَمَ اجْتِماعِ أجْزائِها وتَقَدُّمِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ إذْ يَلْزَمُ مِنهُ إمْكانُ وُجُودِ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ في الأزَلِ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن شَرْحِ المَواقِفِ وحَواشِيهِ.
وأوْرَدَ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالخَلاءِ الخَلاءَ في عالَمِنا لِأنَّهُ المُتَنازَعُ فِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ المُتَنازَعَ فِيهِ إنَّما هو الخَلاءُ داخِلَ العالَمِ وحَقِيقَتُهُ أنْ يَكُونَ الجِسْمانِ بِحَيْثُ لا يَتَماسّانِ ولَيْسَ بَيْنَهُما ما يَماسُّهُما بِناءً عَلى كَوْنِهِ مُتَقَدِّرًا
صفحة 7
قَطْعًا، وأمّا الخَلاءُ خارِجَ العالَمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إذْ لا تُقَدَّرُ هُناكَ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ، فالنِّزاعُ إنَّما هو في التَّسْمِيَةِ بِالبُعْدِ، فالفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ حَقَّهُ أنْ لا يُسَمّى بُعْدًا ولا خَلاءً، والمُتَكَلِّمُونَ يُسَمُّونَهُ بُعْدًا مَوْهُومًا ولا شَكَّ أنَّ عالَمَ كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ مِن داخِلِ العالَمِ فالخَلاءُ فِيهِ داخِلٌ في المُتَنازَعِ فِيهِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أيْضًا بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ لَلَزِمَ إلَخْ.. بِأنَّ الأُمُورَ الَّتِي يَلْزَمُ أحَدَها ذَلِكَ التَّقْدِيرُ -وهِيَ فاسِدَةٌ- أكْثَرُها مِمّا ذُكِرَ وسَوَّدَ وجْهَ القِرْطاسِ بِبَيانِ ذَلِكَ وهو مِمّا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وزَعَمَ البَعْضُ أنَّ ما راعاهُ القاضِي في هَذا الفَصْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ مُخالِفًا لِلْقَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ، ووَسْوَسَتْ لَهُ نَفْسُهُ أنَّ خُرُوجَ الماءِ عَنْ حَيِّزِهِ مِمّا لا يَجُوزُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنْ كانَ مُوجِبًا بِالذّاتِ فَلا يُتَصَوَّرُ الإخْراجُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ بِحَسَبِ الأوْقاتِ فَلا يُمْكِنُ كَوْنُهُ قاصِرًا في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ مُخْتارًا يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ الخُرُوجَ مُمْتَنِعٌ في نَفْسِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يَفْعَلُ المُمْتَنِعَ ولا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِهِ، وكَذا يُقالُ في التَّخَلْخُلِ والتَّكاثُفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالطَّبْعِ وإلّا لَكانا دائِمَيْنِ لِأنَّ مُقْتَضى الذّاتِ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى امْتِناعِهِما الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ حِكْمَةِ المَطالِعِ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُنْتَصِرًا لِنَفْسِهِ. ولِلْقاضِي بِما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي، وقالَ ابْنُ صَدْرِ الدِّينِ بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ العَلّامَتَيْنِ: قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأبْعادِ والأجْرامِ أنْ لَيْسَ لِمَجْمُوعِ كُراتِ العَناصِرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَلَكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو المُرادُ بِالعَرْشِ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ فَلا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ كُرَةِ الماءِ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ عِظَمُ كُرَةِ الماءِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ مَماسًّا مُحَدَّبَهُ مُقَعَّرَهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ المُحَدَّبِ بَلْ إمّا أنْ لا يَتَماسّا أصْلًا أوْ يَتَماسّا بِنُقْطَةٍ عَلى ما يَشْهَدُ بِهِ التَّخَيُّلُ الصَّحِيحُ، وكَيْفَ يَتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مالِئًا لَهُ وهو الآنَ لَمْ يَمْتَلِئْ إلّا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والكُرْسِيِّ والعَناصِرِ بِجُمْلَتِها، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: لَعَلَّ الماءَ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ قَدْ كانَ عَلى هَذا المِقْدارِ الصَّغِيرِ الَّذِي الآنَ عَلَيْهِ فَتَخَلْخَلَ إلى حَيْثُ مَلَأ جَوْفَهُ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، فَلَمّا خَلَقَ سائِرَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ عادَ بِطَبْعِهِ إلى ما تَراهُ لِأنّا نَقُولُ: التَّخَلْخُلُ عِبارَةٌ عَنِ ازْدِيادِ مِقْدارِ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ فَيَسْتَدْعِي حَرَكَةً أيِّنِيَّةً وهي تَسْتَدْعِي وُجُودَ فَضاءٍ خالٍ عَنِ الشّاغُلِ وهو المُرادُ بِالخَلاءِ، وكَذا لَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: فَلْيَكُنْ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ عَظِيمَ المِقْدارِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ وتَكاثَفَ بَعْدَ خَلْقِ سائِرِ الأجْرامِ إلى هَذا المِقْدارِ الصَّغِيرِ لِأنّا نَقُولُ أيْضًا: التَّكاثُفُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ انْتِقاصِ مِقْدارِ الجِسْمِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْءٌ سَبَبُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ عِنْدَهم أمْرانِ: أحَدُهُما التَّخَلْخُلُ السّابِقُ العارِضُ لَهُ بِما يُوجِبُهُ فَإذا زالَ ذَلِكَ العارِضُ عادَ بِطَبْعِهِ إلى مِقْدارِهِ الأوَّلِ كَما في المَدِّ والجَزْرِ، وفي الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ لا يُتَصَوَّرُ هَذا لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّهُ خُلِقَ ابْتِداءً عَظِيمَ المِقْدارِ بِحَيْثُ يَمْلَأُ جَوْفَ العَرْشِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَخَلْخَلَ بِعارِضٍ حَتّى يَعُودَ عِنْدَ زَوالِهِ إلى مِقْدارِهِ الطَّبِيعِيِّ الصَّغِيرِ وهو ظاهِرٌ؛ وثانِيهُما الِانْجِمادُ بِاسْتِيلاءِ البُرُودَةِ الشَّدِيدَةِ، وهَذا أيْضًا لا يُتَصَوَّرُ هَهُنا أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الماءَ المُنْعَقِدَ جَمْدًا وإنْ كانَ أصْغَرَ مِقْدارًا مِنهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لَكِنَّهُ لا إلى مَرْتَبَةٍ لا يَكُونُ لَهُ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مِقْدارِهِ الأوَّلِ بَلْ يَقْرُبُ مِنهُ في الحِسِّ كَما يُشاهَدُ في المِياهِ المُنْعَقِدَةِ ولا قَدْرَ لِكُرَةِ الماءِ المَوْجُودِ الآنَ بِالنِّسْبَةِ إلى المالِئِ جَوْفَ العَرْشِ وهَذا مِثْلُ أنْ يَنْعَقِدَ البَحْرُ فَيَصِيرُ كالعَدَسَةِ ولا يَلْتَزِمُهُ عاقِلٌ.
وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ كُرَةَ الماءِ عَلى ما يُشاهَدُ غَيْرُ مُتَجَمِّدَةٍ بَلْ باقِيَةٌ عَلى طَبْعِها مِنَ الذَّوَبانِ، فَإنْ قُلْتَ: بَقِيَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الماءِ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ عَظِيمَ المِقْدارِ مالِئًا لِجَوْفِ العَرْشِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنْ يُفْرَزَ بَعْضُ أجْزاءِ هَذِهِ الكُرَةِ العَظِيمَةِ ويُجْعَلُ مادَّةً لِسائِرِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ كَما في سُورَةِ انْقِلابِ بَعْضِ العَناصِرِ إلى بَعْضٍ.
صفحة 8
ويُؤَيِّدُهُ ما ورَدَ في الأثَرِ مِن أنَّ العَرْشَ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أحْدَثَ في الماءِ اضْطِرابًا فَأزْبَدَ فارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ، وبَقِيَ الزَّبَدُ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ فِيهِ اليُبُوسَةَ فَصارَ أرْضًا، وخَلَقَ مِنَ الدُّخانِ السَّماواتِ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ قُلْنا: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ واقِعٍ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ تَرَكُّبِ الجِسْمِ مِنَ الهَيُولِي والصُّورَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المَشّاءُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ؛ فَلِأنَّ هَيُولِيَّ العَناصِرِ وإنْ كانَتْ واحِدَةً بِالشَّخْصِ قابِلَةً لِأنْ يَتَوارَدَ عَلَيْها صُوَرُ العَناصِرِ بِواسِطَةِ اسْتِعْداداتٍ مُتَعاقِبَةٍ تَعْرِضُ إلّا أنَّ هَيُولِيَّ كُلِّ فَلَكٍ مُخالِفَةٌ لِهَيُولِيَّ فَلَكٍ آخَرَ لا تَقْبَلُ إلّا الصُّورَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ تَرَكُّبِهِ مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ، فَلِأنَّها مُتَخالِفَةُ الحَقائِقِ عِنْدَ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، فَما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الماءُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَرَكَّبَ مِنهُ سائِرُ الأجْسامِ، وأمّا ما ورَدَ في الأثَرِ وأشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ مِن جَعْلِ الدُّخانِ المُرْتَفِعِ مِنَ الماءِ مادَّةً لِلسَّماواتِ فَمَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذِ الدُّخانُ أجْزاءٌ نارِيَّةٌ خالَطَتْها أجْزاءٌ صِغارٌ أرْضِيَّةٌ تَلَطَّفَتْ بِالحَرارَةِ ولا تَمايُزَ بَيْنَهُما في الحِسِّ لِغايَةِ الصِّغَرِ، فَقَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِما فِيهِما لَمْ تَكُنْ نارٌ وأرْضٌ، فَمِن أيْنَ يَتَوَلَّدُ الدُّخانُ؟ وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالدُّخانِ البُخارُ؛ لِأنَّهُ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ مازَجَتْها أجْزاءٌ صِغارٌ مائِيَّةٌ تَلَطَّفَتْ بِالحَرارَةِ بِحَيْثُ لا تَمايُزَ بَيْنَهُما في الحِسِّ أيْضًا، فَحَيْثُ لا هَواءَ لا بُخارَ؛ ولِهَذا قالَ القاضِي في تَفْسِيرِ ﴿وهِيَ دُخانٌ):﴾ أمْرٌ ظَلَمانِيٌّ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ مادَّتَها أوِ الأجْزاءِ المُتَصَغِّرَةِ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها، ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّ ما في الأثَرِ لا يُؤَيِّدُ كَوْنَ العَرْشِ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ مُلْتَصِقًا بِهِ، بَلْ يُؤَيِّدُ أنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُما حائِلٌ إذِ ارْتِفاعُ الدُّخانِ والبُخارِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ فَضاءٍ تَتَحَرَّكُ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ، وفي صُورَةِ الِالتِصاقُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ تَخَيُّلٌ سَلِيمٌ.
ويَعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ يَجِبُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما فَسَّرَها بِهِ القاضِي، ولا مَجالَ لِلْقَوْلِ بِالوَضْعِ عَلى المَتْنِ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وأمّا قَوْلُ أبِي السُّعُودِ: إنَّهُ لَوْ دَلَّ إلَخْ.. فَفِيهِ أنَّ الوُقُوعَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إمْكانِ الشَّيْءِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِدْلالِ شائِعٌ ذائِعٌ في كَلامِهِمْ، وأمّا أنَّ المُرادَ بِالإمْكانِ الإمْكانُ الوُقُوعِي فَكُلًّا إذِ النِّزاعُ في الإمْكانِ لا الوُقُوعِ، وما يُنْقَلُ عَنِ الأصْمَعِيِّ مِن أنَّ هَذا كَقَوْلِهِمُ: السَّماءُ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّ أحَدَهُما لَيْسَ مُلْتَصِقًا بِالآخَرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِ القاضِي: لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حائِلٌ مَحْسُوسٌ بَيْنَهُما، وكانَ حائِلٌ غَيْرُ مَحْسُوسٍ وهو الهَواءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يَصْلُحُ ما ذُكِرَ مَعْنًى لِذَلِكَ؛ إذِ الفَوْقِيَّةُ كانَتْ قَبْلَ خَلْقِ جَمِيعِ أجْرامِ هَذا العالَمِ، فَعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِالتِصاقِ لا يُتَصَوَّرُ حائِلٌ أصْلًا ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، انْتَهى المُرادُ مِنهُ.
(وأقُولُ): إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الَّذِي أجابَ عَنْهُ بِزَعْمِهِ قَوِيٌّ جِدًّا، وما ذَكَرَهُ عَنْ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ صَرَّحَ الجُمْهُورُ بِخِلافِهِ، وقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الماءِ الأجْرامَ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ، بَلْ وكُلَّ شَيْءٍ، وما ذَكَرَهُ في حَيِّزِ تَعْلِيلِ صَرْفِ الأثَرِ عَنْ ظاهِرِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا إذْ يَجُوزُ أنْ يَحِيلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ذَلِكَ الماءِ المالِئِ أجْزاءً نارِيَّةً وبَعْضَهُ أجْزاءً أرْضِيَّةً، ويَجْعَلُ المَجْمُوعَ دُخانًا، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَحِيلَ البَعْضَ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَتَمازَجَ أجْزاءً صِغارًا مائِيَّةً مُتَلَطِّفَةً بِحَرارَةٍ يَخْلُقُها حَيْثُ شاءَ، فَيَتَكَوَّنُ البُخارُ، وفي الأثَرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الماءِ ثُمَّ فَتَحَ القَبْضَةَ فارْتَفَعَ الدُّخانُ ثُمَّ قَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، ويُؤَوِّلُ حَدِيثَ الِارْتِفاعِ بِما لا يَسْتَدْعِي الفَضاءَ نَحْوَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَوَجَدَ بَعْضَهُ دُخانًا مُرْتَفِعًا، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الماءُ في ابْتِداءِ الخِلْقَةِ مالِئًا لِلْعَرْشِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ ما يَخْلُقُ أفْنى مِنهُ ما أرادَ وخَلَقَ بِلا فاصِلٍ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الخَلاءُ بَدَ لَهُ ما خَلَقَ لا مِن شَيْءٍ. والقَوْلُ بِاسْتِحالَةِ هَذا الخَلْقِ مُفْضٍ إلى فَسادٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسِيمٍ لا يَكادُ يَسْتَسْهِلُهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو ظاهِرٌ،
صفحة 9
وما ذَكَرَهُ في دَفْعِ قَوْلِ شَيْخِ الإسْلامِ: أنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ إلَخْ... غَيْرُ ظاهِرٍ فِيهِ، قِيلَ: إذْ الِاعْتِراضُ بِطَرِيقِ أنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِ الخَلاءِ لا عَلى إمْكانِهِ الصَّرْفُ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مَوْجُودًا كانَ وُجُودَهُ ضَرُورِيًّا لا مُمْكِنًا صَرْفًا عَلى ما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، ويُنادِي عَلى أنَّ الِاعْتِراضَ كَذَلِكَ تَقْيِيدُ الإمْكانِ في عِبارَتِهِ بِقَيْدٍ فَقَطْ مَعَ القَوْلِ بِالدَّلالَةِ عَلى الوُجُودِ.
وأوْرَدَ بَعْضُهم عَلى قَوْلِهِ: قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأبْعادِ والأجْرامِ إلَخْ... أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ظَنِّ أنَّ الماءَ في الآيَةِ هو الماءُ العُنْصُرِيُّ، وأنَّهُ مِن بَعْضِ الظَّنِّ إذْ ذاكَ إنَّما خُلِقَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ العَرْشُ الَّذِي خُلِقَ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ أوْ غَيْرَ مَوْضُوعٍ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حائِلٍ بَيْنَهُما، وإنَّما هو الماءُ الطَّبِيعِيُّ النُّورِيُّ العَمّائِيُّ الَّذِي تَكَوَّنَ العَرْشُ مِنهُ، وفِيهِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قالَهُ الكامِلُ بْنُ الكَمالِ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ العَرْشِ تاسِعُ الأفْلاكِ، ولا مِنَ الماءِ أحَدُ العَناصِرِ لِما شَهِدَ بِذَلِكَ شَهادَةً صَحِيحَةً لا مَرَدَّ لَها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» فَلا وجْهَ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ، وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَلْ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عِبارَةٌ عَنْ قَيُّومِيَّتِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ سَرِيرُ المُلْكِ وهو مَظْهَرُ سُلْطانِهِ، والماءُ إشارَةٌ إلى صِفَةِ الحَياةِ بِاعْتِبارِ أنَّ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فَمَعْنى ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ وكانَ حَيًّا قَيُّومًا، وفي لَفْظَةِ (عَلى) تَنْبِيهٌ عَلى تَرَتُّبِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ فَتَدَبَّرْ، انْتَهى.
ولَعَلَّ وجْهَ شَهادَةِ الخَبَرِ بِذَلِكَ النَّفْيِ تَضَمَّنَهُ عَلى تَقْدِيرِ الإثْباتِ ما يُنافِي ما تَضَمَّنَهُ النَّفْيُ فِيهِ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ شَيْئانِ مَعَهُ سُبْحانَهُ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ الماضَوِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّها كَغَيْرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُسْتَأْنِفَةِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ مَعَ وُجُودِهِ تَعالى بِدُونِ مَعِيَّةِ شَيْءٍ لَهُ لِيَضْطَرَّ إلى حَمْلِ الماءِ والعَرْشِ عَلى ما عَلِمْتُ مِن صِفَتَيْهِ تَعالى، ولا أرى في الحَدِيثِ أكْثَرَ مِن إفادَةِ ثُبُوتِ ما تَضَمَّنَتْهُ المُتَعاطِفاتُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأمّا أنَّ كَوْنَهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وكَوْنَ عَرْشِهِ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ، وكِتابَتَهُ في الذِّكْرِ ما كَتَبَ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ هو وقْتُ وُجُودِهِ تَعالى الواقِعُ بَعْدَهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِمُهْلَةٍ وتَراخٍ- فَلا أراهُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَطْفُ الخَلْقِ عَلى ما قَبْلَهُ بِالواوِ كَسائِرِ المَعْطُوفاتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ. والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «قالَ أهْلُ اليَمَنِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنا عَنْ أوَّلِ هَذا الأمْرِ كَيْفَ كانَ؟ قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرَ كُلِّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» الخَبَرُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَتِمُّ أمْرُ الشَّهادَةِ بِمُجَرَّدِ ما تَقَدَّمَ بَلْ لا بُدَّ أيْضًا مِن حَمْلِ الكِتابَةِ في الذِّكْرِ عَلى التَّقْدِيرِ، ونَفى أنْ يَكُونَ هُناكَ كِتابَةٌ ومَكْتُوبٌ فِيهِ حَسْبَما يَتَبادَرُ مِنهُما، ويَلْتَزِمُ هَذا في الخَبَرِ الثّانِي أيْضًا، ومَعَ ذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ زَمَنِ التَّقْدِيرِ مُتَّحِدًا كَزَمَنِ قَيُّومِيَّتِهِ وحَياتِهِ تَبارَكَ وتَعالى مَعَ زَمَنِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ» لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ المَوْهُومِ الفاصِلِ بَيْنَ زَمانِ وُجُودِهِ تَعالى ووُجُودِ صِفاتِهِ وزَمانِ وُجُودِ الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكَيْفَ تُقَدَّرُ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وضَرْبُها في نَفْسِها وضَرْبُ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ألْفَ ألْفَ مَرَّةٍ أقَلُّ قَلِيلٍ بَلْ لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي؛ ويُعارِضُ هَذِهِ
صفحة 10
الشَّهادَةَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وخَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ» فَإنَّهُ نَصَّ في أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القَيُّومِيَّةُ مَخْلُوقَةً، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، وجاءَ حَدِيثُ كَوْنِ الماءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُمْ، وإباءُ ما ذُكِرَ عَنْ كَوْنِ الماءِ بِمَعْنى صِفَةِ الحَياةِ لَهُ تَعالى ظاهِرٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ فَلَمّا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَسَّمَ ذَلِكَ الماءَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفًا تَحْتَ العَرْشِ -وهُوَ البَحْرُ المَسْجُورُ- فَلا تَقْطُرُ مِنهُ قَطْرَةٌ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ فَيَنْزِلَ مِنهُ مِثْلُ الطَّلِّ فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسامُ، وجَعَلَ النِّصْفَ الآخَرَ تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّدَبُّرِ في كَلامِ هَذا الفاضِلِ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرْنا.
وبِالجُمْلَةِ لا شَكَّ أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الماءِ ما هو أحَدُ العَناصِرٍ، ومِنَ العَرْشِ الجِسْمُ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ مِن وصْفِهِ ما يَبْهَرُ العُقُولَ، وشَهادَةُ الخَبَرِ السّابِقِ مَعَ كَوْنِها شَهادَةَ نَفْيٍ عارَضَتْها شَهاداتُ إثْباتٍ غَيْرَ نَصٍّ في المَطْلُوبِ كَما عَلِمْتُ، ومِن كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ ما يَعُمُّ الشِّقَّيْنِ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ مُماسًّا لَهُ وكَوْنُهُ فَوْقَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما ما يَماسُّهُما، وتَخْصِيصُهُ بِالشَّقِّ الثّانِي مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ ولا يَصْفُو عَنِ القالِ والقِيلِ، وأنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ، ومَن رَجَعَ إلى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها رَأى بَعْضَها كَخَبَرِ أبِي رَزِينٍ الَّذِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ظاهِرًا في أنَّ الماءَ قَبْلَ العَرْشِ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذا المَقامِ: إنَّ الحَقَّ مَعَ شَيْخِ الإسْلامِ وأنَّ نُصْرَةَ القاضِي ٍوَإنْ كانَ ناصِرَ الدِّينِ- نُصْرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَبِينِ، فَلا تَلْتَفِتُ هَداكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى مَن أطالَ في ذَلِكَ بِلا طائِلٍ، وأتى بِكَلامٍ لا يُشْبِهُ كَلامَ عاقِلٍ، وزَعَمَ أنَّ ذاكَ مِنَ الحِكْمَةِ وهو عَنْها -عِلْمُ اللَّهِ- بِمَراحِلَ، ولَوْلا الوُقُوعُ في العَبَثِ لَنَقَلْناهُ ونَبَّهْنا عَلى ما فِيهِ، وإنْ كانَ حالُ ظاهِرِهِ مُؤْذِنًا بِحالٍ خافِيهِ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ البَيْضاوِيَّ إنَّما ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى كَذا وكَذا ولَمْ يَدْعُ أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، فَما يَتَوَجَّهُ مِن الِاعْتِراضاتِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُسْتَدِلِّ دُونَهُ وكَأنَّ مَن وُجِّهَ إلَيْهِ ذَلِكَ ادَّعى ارْتِضاءَهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِدَلِيلِ ما وطَّأهُ لَهُ مِنَ المَقالِ، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ حَيًّا مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ خَلْقَ العَرْشِ عَلى الماءِ لا وجْهَ لِحُسْنِهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ لُطْفٌ بِمُكَلَّفٍ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، ورَدَّهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ ويَكْتَفِي بِكَوْنِ الإخْبارِ بِهِ نافِعًا لِلْمُكَلَّفِينَ واخْتارَهُ المُرْتَضِي، ومَنشَأُ ذَلِكَ الِاعْتِزالِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِ (خَلَقَ) أيْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ، ورَتَّبَ فِيهِما جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَبادِي وُجُودِكم وأسْبابِ مَعاشِكم وأوْدَعَ في تَضاعِيفِهِما ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ والعِبَرِ عَلى مَطالِبِكُمُ الدِّينِيَّةِ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم.
﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَيُجازِيكم حَسَبَ أعْمالِكُمْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْلَمُ بِذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: التَّقْدِيرُ وخَلَقَكم (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: في الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، وفَعَلَ ذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) والكُلُّ كَما تَرى، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ
صفحة 11
والِاسْتِعارَةِ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَعْرِفُ عَواقِبَ الأُمُورِ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ العِلْمِ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ العِلْمِ والِاخْتِبارِ، وهو مَحُوجٌ إلى تَكَلُّفِ أنْ يُرادَ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ، وإلّا فالعِلْمُ القَدِيمُ الذّاتِيُّ لَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلى غَيْرِهِ، وما تَقَدَّمَ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، وهو مَعَ بَلاغَتِهِ مُصادِفٌ مَحَزَّهُ، والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ وعَمَلَ القالَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ (لِيَبْلُوَكُمْ) إلَخْ.. فَقُلْتُ: ما مَعْنى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُكم عَقْلًا أوْرَعَكم عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأعْمَلُكم بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى”». لَكِنْ ذَكَرَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ أنَّ سَنَدَهُ واهٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ مَعْنى ( أحْسَنُ عَمَلًا ) أزْهَدُ في الدُّنْيا، وعَنْ مُقاتِلٍ أتْقى لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ الضَّحّاكِ أكْثَرُهم شُكْرًا، ولَعَلَّ أخْذَ العَمَلِ شامِلًا لِلْأمْرَيْنِ أوْلى، وأفْضَلُها ما كانَ عَمَلُ القَلْبِ كَيْفَ لا ومَدارُ العِبادَةِ القالَبِيَّةِ الواجِبَةِ عَلى العِبادِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَحِلُّ القَلْبَ، وقَدْ يُرْفَعُ بِهِ لِلْعَبْدِ في يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «“تَفَكُّرُ ساعَةٍ يَعْدِلُ عِبادَةَ سَبْعِينَ سَنَةً» واعْتِبارُ خَلْقِ السَّماواتِ في ضِمْنِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ لِما أنَّ في السَّماواتِ مِمّا هو مِن مَبادِي النَّظَرِ وتَهْيِئَةِ أسْبابِ المَعاشِ الأرْضِيَّةِ الَّتِي بِها قَوامُ القالَبِ ما لا يَخْفى، وقَرِيبٌ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ السَّماواتِ وخَلْقَها لِتَكُونَ أمْكِنَةُ الكَواكِبِ والمَلائِكَةِ العامِلِينَ فِيها لِأجْلِ الإنْسانِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ كَوْنَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها لِلِابْتِلاءِ ظاهِرٌ، وأمّا خَلْقُ السَّماواتِ فَذَكَرَ تَتْمِيمًا واسْتِطْرادًا مَعَ أنَّ السَّماواتِ مَقَرُّ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ دَخْلٌ في الِابْتِلاءِ في الجُمْلَةِ، ولَعَلَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ البَلْوى عَلى المَشْهُورِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الفِعْلَ هُنا مُعَلَّقًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ، ومَنَعَ في سُورَةِ المُلْكِ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا مُدَّعِيًا أنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا وقَعَ بَعْدَ الفِعْلِ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا- كَعَلِمْتُ أيَّهُما فَعَلَ كَذا. وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ -وبَيْنَ كَلامَيْهِ في السُّورَتَيْنِ اضْطِرابٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِما حاصِلُهُ أنَّ لِلتَّعْلِيقِ مَعْنَيَيْنِ: مُصْطَلَحٌ ويُعَدّى بِعَنْ وهو المَنفِيُّ في تِلْكَ السُّورَةِ، ولُغَوِيٌّ ويُعَدّى بِالباءِ وعَلى، وهو خاصٌّ بِفِعْلِ القَلْبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالسَّبْعَةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يَكُونُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً دُونَ ما فِيهِ لامُ الِابْتِداءِ ونَحْوِهِ، ومَعْنى تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَلى ما فِيهِ ذَلِكَ أنْ يَرْتَبِطَ بِهِ مَعْنى وإعْرابًا سَواءٌ كانَ لَفْظًا أوْ مَحَلًّا وهو المُثْبَتُ هَهُنا. وقالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما هُنا عَلى إضْمارِ العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ فَيَعْلَمُ ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ والتَّعْلِيقُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما هُناكَ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُعَلِّمَكم أيُّكم إلَخْ.. فَيَصِحُّ النَّفْيُ، ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ أنَّ فِيهِ ما يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِنَ الأفْعالِ بِمَعْنى العِلْمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ وابْنُ كِيسانَ، وإنْ وجَّهَهُ أُوَيْسٌ بِما في هَمْعِ الهَوامِعِ، ورَجَّحَهُ الشُّلُوبِينَ، ولا بِالفِعْلِ القَلْبِيِّ مُطْلَقًا بَلْ يَكُونُ فِيهِ وفي غَيْرِهِ مِمّا أُلْحِقَ بِهِ لَكِنْ مَعَ الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، واقْتَصَرَ بَعْضُهم في المُلْحَقِ عَلى بَصَرٍ. وتَفَكَّرَ. وسَألَ -وزادَ ابْنُ خَرُوفٍ نَظَرَ- ووافَقَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ. وابْنُ مالِكٍ وزادَ الأخِيرُ نَسِيَ كَما في قَوْلِهِ.
ومَن أنْتُمْ إنّا نَسِينا مَن أنْتُمْ.
ونازَعَهُ أبُو حَيّانِ بِأنَّ –مَن- تَحْتَمِلُ المَوْصُولِيَّةَ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مَن هم أنْتُمْ، وكَذا زادَ أيْضًا ما قارَبَ المَذْكُوراتِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِفِعْلِ القَلْبِ -كَتَرى البَصَرِيَّةِ- في قَوْلِهِ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هُنالِكَ، وكَيَسْتَنْبِئُونَ في قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 12
﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ وكَنَبْلُو فِيما نَحْنُ فِيهِ، ونازَعَهُ أبُو حَيّانَ بِأنْ تَرى في الأوَّلِ عِلْمِيَّةٌ، وأيُّكم في الأخِيرِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها فَبُنِيَتْ وهي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ بَدَلُ بَعْضٍ، ونَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ ولَمْ أجِدْهُ في بَحْرِهِ، وفي الرَّضِيِّ أنَّ جَمِيعَ أفْعالِ الحَواسِّ تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ، وفي التَّسْهِيلِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأجازَ يُونُسُ تَعْلِيقَ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرَ ما ذُكِرَ، وخَرَجَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ﴾ والجُمْهُورُ لَمْ يُوافِقُوهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الفِعْلَ القَلْبِيَّ وما جَرى مَجْراهُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ سَواءٌ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَعَرَفَ، أوْ بِحَرْفٍ كَتَفَكَّرَ لِأنَّ مَعْمُولَهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا، وبِالتَّعْلِيقِ بَطَلَ عَمَلُهُ في المُفْرَدِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ وتَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ، ولا مَعْنى لِلتَّعْلِيقِ إلّا إبْطالُ العَمَلِ لَفْظًا لا مَحَلًّا وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَإمّا أنْ يَجُوزَ وُقُوعُ الثّانِي جُمْلَةً كَما في بابِ عَلِمَ أوَّلًا، فَإنْ جازَ عُلِّقَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ نَحْوَ عَلِمْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ لا عَنِ الثّانِي، لِأنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً بِدُونِ تَعْلِيقٍ فَلا وجْهَ لِعَدِّهِ مِنهُ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أداةِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِها، فالتَّعْلِيقُ لا يُبْطِلُ عَمَلَ الفِعْلِ أصْلًا، كَما في عَلِمْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا لا أبُوهُ قائِمٌ، فَإنَّ عَمَلَهُ في مَحَلِّ الجُمْلَةِ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ وُجُودِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِهِ وإنْ لَمْ يَجُزْ، ووَرَدَ فِيهِ كَلِمَةُ تَعْلِيقٍ كانَ مِنهُ نَحْوَ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ فَإنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا.
والفِعْلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامِلًا فِيما بَعْدَهُ وهو المُخْتَبَرُ بِهِ غَيْرُ مُتَضَمِّنٍ عِلْمًا، وفِعْلُ البَلْوى إذا كانَ كَذَلِكَ يَتَعَدّى بِالباءِ إلى المُخْتَبَرِ بِهِ ولا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ قَدْ أبْطَلَ مُقْتَضاهُ لَفْظًا وهو التَّعْلِيقُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى العِلْمِ ويَكُونُ العِلْمُ عامِلًا فِيهِ وهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا تَعْلِيقَ، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ تَعْلِيقَ الفِعْلِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ فِعْلِ البَلْوى، وعَدَمُ تَعْلِيقِهِ عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ العِلْمِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، انْتَهى، وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَ المُعَلِّقِ في بابِ عَلِمَ وأخَواتِها في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ فَإنْ كانَ التَّعْلِيقُ بَعْدَ اسْتِيفاءِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وأمّا في غَيْرِ هَذا البابِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِهِ نَحْوَ فَكَّرْتُ أهَذا صَحِيحٌ أمْ لا، وجَعْلَ ابْنُ مالِكٍ مِنهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ وإنْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَهي في مَوْضِعِهِ نَحْوَ عَرَفْتُ أيُّهم زَيْدٌ، فَإنْ كانَ مَفْعُولُهُ مَذْكُورًا نَحْوَ عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ، فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنهُ عَلى ما اخْتارَهُ السَّيْرافِيُّ. وابْنُ مالِكٍ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ قِصَّةُ زَيْدٍ أوْ أمْرُهُ عِنْدَ ابْنِ عُصْفُورٍ، والتَزَمَ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ جُمْلَةً في المَعْنى، وبَدَلُ اشْتِمالٍ ولا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ عِنْدَ ابْنِ الصّائِغِ، وذَهَبَ المُبَرَّدُ، والأعْلَمُ، وابْنُ خَرُوفٍ. وغَيْرُهم إلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِعَرَفْتُ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَلِمْتُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ في الظّاهِرِ لِما تَقَدَّمَ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ القَوْلَ بِأنَّ ما بَعْدَ فِعْلِ البَلْوى مُخْتَبَرٌ بِهِ بِأنَّ المُخْتَبَرَ بِهِ إنَّما هو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْنِ مُخْتَبَرًا عَنْهُ، والمُخْتَبَرُ بِهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مُخْتَبَرًا بِهِ بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِهِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ في دَفْعِ المُخالَفَةِ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ بِجُمْلَتِهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً فَتَكُونُ مُفْرَداتُهُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْناها الحَقِيقِيِّ مُعْطاةً ما تَسْتَحِقُّهُ، وفِعْلُ البَلْوى يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَكُونُ جُمْلَةً إذْ هو يَتَعَدّى لَهُ بِالباءِ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، وجَرى التَّعْلِيقُ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِفِعْلِ القُلُوبِ مَعْنًى، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِجَرَيانِهِ في ذَلِكَ وجَعْلِهِ ثَمَّةَ مُسْتَعارًا لِمَعْنى العِلْمِ، والفِعْلُ إذْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ عَمِلَ عَمَلَهُ وجَرى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وعَلِمَ لا يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي، فَكَذا
صفحة 13
ما هو بِمَعْناهُ فَيَكُونُ قَدْ سَلَكَ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ مَسْلَكًا تَفَنُّنًا، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ ذَلِكَ في كِتابِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْكِسِ الأمْرَ لِأنَّ ما فَعَلَهُ في كُلِّ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ وخَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يُخْفى أنَّ هَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ.
والإتْيانُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الدّالَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمُخْتَبَرَيْنِ الأحْسَنَيْنِ أعْمالًا مَعَ شُمُولِ الِاخْتِبارِ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ، وتَتَفاوَتُ أعْمالُ الكُفّارِ مِنهم إلى حَسَنٍ شَرْعِيٍّ وقَبِيحٍ لا إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ كَما في أعْمالِ المُؤْمِنِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ المَقْصُودَ بِالِاخْتِبارِ ذَلِكَ الفَرِيقُ لِيُجازِيَهم أكْمَلَ الجَزاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ أنْ يُظْهِرَ أفْضَلِيَّتَكم لِأفْضَلِكم فَإنَّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ لا يَحِيدُ عَنْهُ ذُو لُبٍّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ وأنْ يَكُونَ مِن بابِ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا، وأيّامّا كانَ فالخِطابُ لَيْسَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ إظْهارَ حالِ غَيْرِهِمْ مَقْصُودٌ أيْضًا لَكِنَّهُ لا بِالذّاتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.
﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
أيْ مِثْلُهُ في الخَدِيعَةِ والبُطْلانِ، فالتَّرْكِيبُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ تَلَوْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ إثْباتُ البَعْثِ لَقالُوا هَذا المَتْلُوُّ سِحْرٌ، والمُرادُ إنْكارُ البَعْثِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ إنْكارٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَبْعُوثِينَ وإنْ لَمْ يُجِبْ عَنْ كَوْنِهِ بِطْرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ إلّا أنَّهم عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ تَخَلَّصُوا إلى القُرْآنِ لِأنْبائِهِ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ وكَوْنِهِ عِلْمًا عِنْدَهم في ذَلِكَ فَعَمَدُوا إلى تَكْذِيبِهِ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا تَمادِيًا مِنهم في العِنادِ وتَفادِيًا عَنْ سَنَنِ الرَّشادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى نَفْسِ البَعْثِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّسْمِيَةُ بِالسِّحْرِ، فَإنَّهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ ظاهِرًا لا أصْلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، ونَفْسُ البَعْثِ عِنْدَهم مَعْدُومٌ بَحْتٌ، وفِيهِ بَحْثٌ لِجَوازِ أنَّهم أرادُوا مِنَ السِّحْرِ الأمْرَ الباطِلَ والشَّيْءَ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ لِشُيُوعِهِ فِيما بَيْنَهم بِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى القائِلِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِالسِّحْرِ لِلْمُبالِغَةِ، والخِطابُ في (إنَّكُمْ) إنْ كانَ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فالمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لَيَقُولُنَّ الكافِرُونَ مِنهُمْ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ فَذِكْرُ المَوْصُولِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى ذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ أنَّ البَعْثَ مِن تَتِمّاتِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَما ذُكِرَ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِمُقَدِّمَةٍ فَذَّةٍ مِن مُقَدِّماتِهِ وقَضِيَّةٍ فَرْدَةٍ مِن تَتِمّاتِهِ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ فَضْلًا عَنْ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِما وقَعَ هَذا تَتِمَّةٌ لَهُ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ البَعْثَ خَلْقٌ جَدِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُعِيدُهم تارَةً أُخْرى وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ ما يَعُدُّونَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (ولَئِنْ قُلْتُ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِ تَعالى أيْ (ولَئِنْ قُلْتُ) ذَلِكَ في كِتابِي المُنَزَّلِ عَلَيْكَ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ، وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ مُسْتَدِلًّا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلَخْ.. دَلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعٍ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ، انْتَهى، وهو لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ كَماءِ البَحْرِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (أنَّكُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَضْمِينِ (قُلْتَ) مَعْنى ذَكَرْتَ ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ ذاكِرًا ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ فَإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ مَفْعُولٍ لِلذِّكْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القَوْلِ بِمَعْنى الذِّكْرِ مَجازًا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ
صفحة 14
الذِّكْرَ والقَوْلَ مُتَرادِفانِ فَلا مَعْنى لِلتَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ، ولَمّا كانَ القَوْلُ باقِيًا في التَّضْمِينِ جاءَ الخِطابُ عَلى مُقْتَضاهُ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلَّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وجاءَ ائْتِ السُّوقَ عَلَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا وأنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وهي لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فَإنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ البَعْثَ بَلْ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قاطِعٌ بِالبَعْثِ فَكَيْفَ يَقُولُ لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ، وأيْضًا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ صَرِيحَةٌ في القَطْعِ والبَتِّ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في خِلافِهِ فَيَتَنافَيانِ، ومِنهم مَن قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ والِاسْتِدْراجِ فَرُبَّما يَنْتَبِهُونَ إذا تَفَكَّرُوا ويَقْطَعُونَ بِالبَعْثِ إذا نَظَرُوا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إلّا ساحِرٌ- والإشارَةُ إلى القائِلِ، ولا مُبالَغَةَ في الإخْبارِ كَما كانَتْ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْقَوْلِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما في قَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ
هود 11:8
﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيِ المُتَرَتِّبَ عَلى بَعْثِهِمْ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَتَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةُ نَفَرٍ أُهْلِكُوا قَبْلَ بَدْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ العَذابُ الشّامِلُ لِلْكَفَرَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ قالَ ناسٌ: إنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ فَتَناهَوْا فَتَناهى القَوْمُ قَلِيلًا ثُمَّ عادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فَقالَ أُناسٌ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ: هَذا أمْرُ اللَّهِ تَعالى قَدْ أتى فَتَناهى القَوْمُ ثُمَّ عادُوا إلى عَكْرِهِمْ عَكْرِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الأيّامِ قَلِيلَةٍ لِأنَّ ما يَحْصُرُهُ العَدُّ قَلِيلٌ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ أيْ: ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى جَماعَةٍ يَتَعارَفُونَ ولا يَكُونُ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ، ونُقِلَ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى إلى أُمَّةٍ بَعْدَ هَؤُلاءِ نُكَلِّفُهم فَيَعْصُونَ فَتَقْتَضِي الحِكْمَةُ إهْلاكَهم وإقامَةَ القِيامَةِ، ورَوى الإمامِيَّةُ -وهم بَيْتُ الكَذِبِ- عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ المَعْدُودَةِ أصْحابُ المَهْدِيِّ في آخِرِ الزَّمانِ، وهم ثَلَثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ.
﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ المَجِيءِ فَكَأنَّهُ يُرِيدُهُ ويَمْنَعُهُ مانِعٌ، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ وهو كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَّقُوا بِهِ لَمْ يَسْتَعْجِلُوهُ، ولَيْسَ غَرَضُهم الِاعْتِرافَ بِمَجِيئِهِ والِاسْتِفْسارَ عَنْ حابِسِهِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ.
﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ أوِ الدُّنْيَوِيُّ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْفَعُهُ رافِعٌ أبَدًا أوْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ –بِ مَصْرُوفًا- الواقِعُ خَبَرَ لَيْسَ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِها عَلَيْها كَما يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى اسْمِها بِلا خِلافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقْدِيمِ العامِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وإلّا لَزِمَ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلى أصْلِهِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرَّدُ إلى عَدَمِ الجَوازِ وادَّعَوْا أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ حُجَّةً لِأنَّ القاعِدَةَ المُشارَ إلَيْها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ ألا تَرى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ كَيْفَ تَقَدَّمَ مَعْمُولُ الفِعْلِ مَعَ امْتِناعِ تَقْدِيمِهِ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَلِي أمّا، وجاءَ عَنِ الحِجازِيِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ ما اليَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبًا مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ ما اتِّفاقًا، وأيْضًا المَعْمُولُ فِيها ظَرْفٌ والأمْرُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى
صفحة 15
التَّسامُحِ مَعَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ ألّا يُصْرَفَ عَنْهُمُ العَذابُ أوْ يُلازِمَهم يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا –بِيَخافُونَ- مَحْذُوفًا أيْ ألّا يَخافُونَ يَوْمَ إلَخْ.. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ لا مُتَعَلِّقٌ –بِمَصْرُوفًا- ولا بِمَحْذُوفٍ، وبُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في بِناءِ الظَّرْفِ المُضافِ لِجُمْلَةٍ صَدْرُها مُضارِعٌ مُعَرَّفٌ خِلافًا بَيْنَ النُّحاةِ، وأنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ –بِمَصْرُوفًا- نَعَمْ عَدَمُ صَلاحِيَةِ الآيَةِ لِلِاحْتِجاجِ بِما لا رَيْبَ فِيهِ، وفي البَحْرِ قَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقْدِيمِ خَبَرٍ لَيْسَ عَلَيْها ولا بِتَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَنى لَسْتُ أقْدِمُ
﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ وأحاطَ، وأصْلُهُ حَقَّ فَهو -كَزَلَّ وزالَ، وذَمَّ وذامَ- والمُرادُ يَحِيقُ بِهِمْ.
﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ العَذابُ، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ تَهْوِيلًا لِمَكانِهِ، وإشْعارًا بِعَلِيَّةِ ما ورَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ لِنُزُولِهِ وإحاطَتِهِ ووَضْعِ الِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ الِاسْتِعْجالِ لِأنَّهُ كانَ اسْتِهْزاءً
هود 11:9
﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ، وأمْنٍ وجِدَّةٍ، وغَيْرِها وأوْصَلْناها إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها، فالإذاقَةُ مَجازٌ عَنْ هَذا الإعْطاءِ ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ سَلَبْنا تِلْكَ الرَّحْمَةَ ﴿مِنهُ﴾ صِلَةُ النَّزْعِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإشْعارِ بِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِها وحِرْصِهِ عَلَيْهِ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن عَوْدِ مِثْلِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عاجِلًا أوْ آجِلًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ صَبْرِهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وثِقَتِهِ بِهِ.
﴿كَفُورٌ﴾ كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ عَنْ وصْفِ يَأْسِهِمْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن بابِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ السّالِفَةِ أيْضًا
هود 11:10
﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ كَصِحَّةٍ وأمْنٍ وجِدَّةٍ ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَسَقَمٍ وخَوْفٍ وعَدَمٍ، وفي إسْنادِ الإذاقَةِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ المَسِّ إشْعارٌ بِأنَّ إذاقَةَ النِّعْمَةِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ دُونَ مَسِّ الضُّرِّ بَلْ هو مَقْصُودٌ بِالعَرَضِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ –مِن- في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ أيْ نَزَعْناها مِن أجْلِ شُؤْمِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِ وقُبْحِ فِعْلِهِ لِيَكُونَ مِنّا، و(مِنهُ) مُشِيرًا إلى هَذا المَعْنى ومُنْطَبِقًا عَلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ (مِنهُ) بِذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِبَيانِ تَحَوُّلِ النِّعْمَةِ إلى الشِّدَّةِ وبَيانِ العَكْسِ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ بَلْ خُولِفَ التَّعْبِيرُ فِيهِما حَيْثُ بُدِئَ في الأوَّلِ بِإعْطاءِ النِّعْمَةِ وإيصالِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يَبْدَأْ في الثّانِي بِإيصالِ الضُّرِّ عَلى نَمَطِهِ تَنْبِيهًا عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ واعْتِناءً بِشَأْنِها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَةِ الرَّحْمَةِ والنَّعْماءِ بِالذَّوْقِ المُؤْذِنِ عَلى ما قِيلَ بِلَذَّتِهِما وكَوْنِهِما مِمّا يُرْغَبُ فِيهِ وعَنْ مُلابَسَةِ الضَّرّاءِ بِالمَسِّ المُشْعِرِ بِكَوْنِها في أدْنى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلاقاةِ مِن مَراتِبِها مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّهُ يُقَوِّي عِظَمِ شَأْنِ الرَّحْمَةِ.
وذَكَرَ البَعْضُ أنَّ في لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسَّ بِناءً عَلى أنَّ الذَّوْقَ ما يَخْتَبِرُ بِهِ الطُّعُومَ، والمَسُّ أوَّلُ الوُصُولِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يَجِدُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ المِنَحِ والمِحَنِ نَمُوذَجٌ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي تَسُوؤُنِي ولَنْ يَعْتَرِيَنِي بَعْدُ أمْثالُها ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾
صفحة 16
بَطِرٌ بِالنِّعْمَةِ مُغْتَرٌّ بِها، وأصْلُهُ فارِحٌ إلّا أنَّهُ حُوِّلَ لِما تَرى لِلْمُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ أنَّ فَعِلًا بِكَسْرِ العَيْنِ هو قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فِعْلِ اللّازِمِ، وقُرِئَ (فَرُحَ) بِضَمِّ الرّاءِ كَما تَقُولُ: نَدُسَ، ونَطُسَ، وأكْثَرُ ما ورَدَ الفَرِحُ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ، فَإذا قُصِدَ المَدْحُ قُيِّدَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ﴿فَخُورٌ﴾ مُتَعاظِمٌ عَلى النّاسِ بِما أُوتِيَ مِنَ النِّعَمِ مَشْغُولٌ بِذَلِكَ عَنِ القِيامِ بِحَقِّها، واللّامُ في (لَئِنْ) في الآياتِ الأرْبَعِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ:
لَئِنْ عادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أقِيلُها
هود 11:11
﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الإنْسانِ، وهو مُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وهو الَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ مُخالِفًا لِابْنِ الخازِنِ عَنِ الفَرّاءِ، ومُنْقَطِعٌ إنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ الكافِرِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ كافِرٌ مُعَيَّنٌ وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وحَدِيثُ الِانْقِطاعِ عَلى الرِّوايَتَيْنِ مُتَّصِلٌ، ونُسِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهِما إلى الزَّجّاجِ والأخْفَشِ، وأيّامّا كانَ فالمُرادُ صَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ سابِقًا أوْ لاحِقًا إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ تَعالى.
﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا عَلى نِعَمِهِ سُبْحانَهُ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، قالَ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ: لِما تَضَمَّنَ اليَأْسُ عَدَمَ الصَّبْرِ، والكُفْرانُ عَدَمَ الشُّكْرِ كانَ المُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ ضِدَّهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلَمّا قِيلَ: (إلّا الَّذِينَ) إلَخْ كانَ بِمَنزِلَةِ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وشَكَرُوا وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ، فَكُنِّيَ بِهِما عَنْهُ فَلِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّ عادَتَهم إذا أتَتْهم رَحْمَةٌ أنْ يَشْكُرُوا وإذا زالَتْ عَنْهم نِعْمَةٌ أنْ يَصْبِرُوا؛ فَلِذا حَسُنَتِ الكِنايَةُ بِهِ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ عَرَّضَ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: وأمّا دَلالَةُ (صَبَرُوا) عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ شُكْرٌ لِأنَّهُ ورَدَ في الأثَرِ: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ،» ودَلالَةُ عَمِلُوا عَلى أنَّ الصَّبْرَ إيمانٌ لِأنَّهُما ضَمِيمَتانِ في الأكْثَرِ فَغَيْرُ مُطابِقٍ لِما نَحْنُ فِيهِ إلّا أنْ يُرادَ وجْهٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الصّابِرَ الشّاكِرَ وهو وجْهٌ، لَكِنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حِذامُ لِأنَّ الكِنايَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ ما فِيها مِنَ الحُسْنِ والمُبالَغَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ما كانَتْ ﴿وأجْرٌ﴾ ثَوابٌ لِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿كَبِيرٌ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ والأمْنِ مِنَ العَذابِ ورِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَهُنَّ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ تَعالى، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ البَطَرِ والفَخْرِ، قِيلَ: وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الوَجْهَ تَضَمُّنُ الآياتِ تَعْلِيلَ الحَيْقِ ويُبْعِدُهُ تَعْلِيلُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ قَبْلُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ الِاشْتِراكُ في الذَّمِّ فَما تَضْمَنُهُ الآياتُ قَبْلَ بَيانِ بَعْضِ هِناتِهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ وجْهَ التَّعَلُّقِ مِن حَيْثُ إنَّ إذاقَةَ النَّعْماءِ ومِساسَ الضَّرّاءِ فَصْلٌ مِن بابِ الِابْتِلاءِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ مِنَ الإجْمالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن إذاقَةِ النَّعْماءِ ونَزْعِها مَعَ كَوْنِهِ ابْتِلاءً لِلْإنْسانِ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ لا يَهْتَدِي إلى سَنَنِ الصَّوابِ بَلْ يَحِيدُ في كِلْتا الحالَتَيْنِ عَنْهُ إلى مَهاوِي الضَّلالِ
صفحة 17
فَلا يَظْهَرُ مِنهُ حُسَنُ عَمَلٍ إلّا مِنَ الصّابِرِينَ الصّالِحِينَ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ واسْتِهْزاءَهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ بَطَرِهِمْ وفَخْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا لِأنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ مَجْبُولَةٌ عَلى ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى ما في الأوَّلِ مِنَ البُعْدِ. والثّانِي أقْرَبُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
(ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿الر﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ حَقائِقُهُ وأعْيانُهُ في العالَمِ الكُلِّيِّ فَلا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ في العالَمِ الجُزْئِيِّ وجُعِلَتْ مُبَيِّنَةً مُعَيِّنَةً بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ فَلِذا أُحْكِمَتْ ﴿خَبِيرٍ﴾ فَلِذا فُصِّلَتْ، وقَدْ يُقالُ: الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ قَدْ أُحْكِمَتْ في قُلُوبِ العارِفِينَ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أحْكامُها عَلى أبْدانِ العامِلِينَ، وقِيلَ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بِالكَراماتِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بِالبَيِّناتِ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ أنْ لا تُشْرِكُوا في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وخَصِّصُوهُ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبادَةِ ﴿إنِّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرُ﴾ عِقابِ الشِّرْكِ وتَبِعَتِهِ ﴿وبَشِيرٌ﴾ بِثَوابِ التَّوْحِيدِ وفائِدَتِهِ وقِيلَ: ﴿نَذِيرٌ﴾ بِعَظائِمِ قَهْرِهِ ﴿وبَشِيرٌ﴾ بِلَطائِفِ وصْلِهِ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ اطْلُبُوا مِنهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتُرَكم عَنِ النَّظَرِ إلى الغَيْرِ حَتّى أفْعالَكم وصِفاتِكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ارْجِعُوا بِالفَناءِ ذاتًا، وقِيلَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِنَ الدَّعاوِي (وتُوبُوا إلَيْهِ) مِنَ الخَطِراتِ المَذْمُومَةِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ بِتَوْفِيقِكم لِاتِّباعِ الشَّرِيعَةِ حالَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ويُقالُ: المَتاعُ الحَسَنُ صَفاءُ الأحْوالِ. وسَناءُ الأذْكارِ، وحَلاوَةُ الأفْكارِ وتَجَلِّي الحَقائِقِ وظُهُورُ اللَّطائِفِ، والفَرَحُ بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطِيبِ العَيْشِ بِمُشاهَدَةِ أنْوارِهِ سُبْحانَهُ، والمَتاعُ كُلَّ المَتاعِ مُشاهَدَةُ المُحِبِّ حَبِيبَهُ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ:
مُنايَ مِنَ الدُّنْيا لِقاؤُكَ مَرَّةً فَإنْ نِلْتُها اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ مُنائِيا
﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ وفاتِكم ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ بِالسَّعْيِ والِاجْتِهادِ وبَذْلِ النَّفْسِ ﴿فَضْلَهُ﴾ في الدَّرَجاتِ والقُرْبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ ويُقالُ: (يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ) في الِاسْتِعْدادِ ﴿فَضْلَهُ﴾ في الكَمالِ وسُئِلَ أبُو عُثْمانَ عَنْ مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ: يُحَقِّقُ آمالَ مَن أحْسَنَ بِهِ ظَنَّهُ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تُعْرِضُوا عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يَوْمُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ عَجْزُ ما سِواهُ تَعالى، ويَتَبَيَّنُ قُبْحُ مُخالَفَةِ ما أمَرَ بِهِ وفَظاعَةَ ارْتِكابِ ما نَهى عَنْهُ ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ﴾ يَعْطِفُونَ صُدُورَهم عَلى ما فِيها مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ تَعالى وذَلِكَ لِمَزِيدِ جَهْلِهِمْ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وما لا يَجُوزُ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ وسائِرِ الأحْوالِ، وقِيلَ: ( ما يُسِرُّونَ) مِنَ الخَطِراتِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ مِنَ النَّظَراتِ، وقِيلَ: ﴿ما يُسِرُّونَ﴾ بِقُلُوبِهِمْ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ بِأفْواهِهِمْ، وقِيلَ: ﴿ما يُسِرُّونَ﴾ بِاللَّيْلِ (وما يُعْلِنُونَ) بِالنَّهارِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، ومِن النّاسِ مِن جَعْلِ ضَمِيرٌ مِنهُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ يُبْعِدُهُ ظُهُورَ أنَّ ضَمِيرَ (يَعْلَمُ) لَهُ تَعالى لَكِنَّ ذْكِرَ في أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ تَعالى كَسا أنْوارَ جَلالِهِ أفْئِدَةَ الصِّدِّيقِينَ فَيَرَوْنَ بِأبْصارِ قُلُوبِهِمْ ما يَجْرِي في صُدُورِ الخَلائِقِ مِنَ المُضْمِراتِ والخَطِراتِ كَما يَرَوْنَ الظَّواهِرَ بِالعُيُونِ الظّاهِرَةِ، وقَدْ جاءَ ”اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى“، وعَلى هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (يَعْلَمُ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيّامّا كانَ فالآيَةُ نازِلَةٌ في غَيْرِ المُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّ الأمْرَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُشْكِلٌ.
وقالَ بَعْضُ أرْبابِ الذَّوْقِ: إنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ الأُناسَ لَمْ يَصِلُوا إلى مَقامِ الجَمْعِ ولَمْ يَتَحَقَّقُوا بِأعْلى مَراتِبِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ خَفاءٌ أيْضًا فَتَفَطَّنْ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ أيْ ما تَتَغَذّى بِهِ
صفحة 18
شَبَحًا ورُوحًا، ويُقالُ: لِكُلٍّ رِزْقٌ عَلَيْهِ تَعالى بِقَدْرِ حَوْصَلَتِهِ، فَرِزْقُ الظّاهِرِ لِلْأشْباحِ، ورِزْقُ المُشاهَدَةِ لِلْأرْواحِ، ورِزْقُ الوَصْلَةِ لِلْأسْرارِ؛ ورِزْقُ الرَّهْبَةِ لِلنُّفُوسِ، ورِزْقُ الرَّغْبَةِ لِلْعُقُولِ، ورِزْقُ القُرْبَةِ لِلْقُلُوبِ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الإنْسانِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى سائِرِ الحَيَواناتِ فَلَها أيْضًا رِزْقٌ مَحْسُوسٌ ورِزْقٌ مَعْقُولٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ فَمُسْتَقَرُّ الجَمِيعِ أصْلابُ العَدَمِ ومُسْتَوْدَعُها أرْحامُ الحُدُوثِ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وما في كُلٍّ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ كانَ حَيًّا قَيُّومًا -كَما قالَ ابْنُ الكَمالِ.
وقِيلَ: الماءُ إشارَةٌ إلى المادَّةِ الهَيُولانِيَّةِ، والمَعْنى ﴿وكانَ عَرْشُهُ﴾ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذّاتِ لا بِالزَّمانِ مْسُتَعْلِيًا عَلى المادَّةِ فَوْقَها بِالرُّتْبَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ التَّطْبِيقَ عَلى ما في تَفاصِيلِ وُجُودِكَ فالمَعْنى عَلى ما قِيلَ: خَلَقَ سَماواتِ قُوى الرُّوحانِيَّةِ وأرْضَ الجَسَدِ في الأشْهُرِ السِّتَّةِ الَّتِي هي أقَلُّ مُدَّةَ الحَمْلِ، وكانَ عَرْشُهُ الَّذِي هو قَلْبُ المُؤْمِنِ عَلى ماءِ مادَّةِ الجَسَدِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقَ التَّصْوِيرِ والتَّدْبِيرِ ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ قِيلَ: جَعَلَ غايَةَ الخَلْقِ ظُهُورَ الأعْمالِ أيْ خَلَقْنا ذَلِكَ لِنَعْلَمَ العِلْمَ التَّفْصِيلِيَّ التّابِعَ لِلْوُجُودِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ إلَخْ.. تَضْمَنُ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَكُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ واثِقًا بِرَبِّهِ تَعالى مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُ بِرُؤْيَةِ الأسْبابِ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ لَهُ اليَأْسُ والكُفْرانُ والبَطَرُ والفَخْرُ بِذَلِكَ وُجُودًا وعَدَمًا، فَإنْ آتاهُ رَحْمَةً شَكَرَهُ أوَّلًا بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَلْبِهِ.
وثانِيًا بِاسْتِعْمالِ جَوارِحِهِ في مَراضِيهِ وطاعاتِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى فِيها، وثالِثًا بِإطْلاقِ لِسانِهِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الشُّكْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وإلى ذَلِكَ أشارَ مَن قالَ:
أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحْجَبا
وبِالشُّكْرِ تَزْدادُ النِّعَمُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إذا وصَلَتْ إلَيْكم أطْرافُ النِّعَمِ فَلا تَنْفِرُوا أقْصاها بِقِلَّةِ الشُّكْرِ، ثُمَّ إنْ نَزَعَها مِنهُ فَلْيَصْبِرْ ولا يَتَّهِمِ اللَّهَ تَعالى بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ تَعالى أبَرُّ بِالعَبْدِ وأرْحَمُ وأخْبَرُ بِمَصْلَحَتِهِ وأعْلَمُ، ثُمَّ إذا أعادَها عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَبْطَرَ ويَغْتَرَّ ويَفْتَخِرَ بِها عَلى النّاسِ فَإنَّ الِاغْتِرارَ والِافْتِخارَ بِما لا يَمْلِكُهُ مِنَ الجَهْلِ بِمَكانٍ، وقَدْ أفادَ سُبْحانَهُ أنَّ مِن سَجايا الإنْسانِ في الشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّحْمَةِ اليَأْسَ والكُفْرانَ وبِالنَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ الفَرَحَ والفَخْرَ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَعَ اللَّهِ تَعالى في حالَتَيِ النَّعْماءِ والضَّرّاءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فالفَقْرُ والغِنى مَثَلًا عِنْدَهم مَطِيَّتانِ لا يُبالُونَ أيُّهُما امْتَطَوْا ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ما فِيهِ صَلاحُهم في كُلِّ أحْوالِهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ مِن ذُنُوبِ ظُهُورِ النَّفْسِ بِاليَأْسِ والكُفْرانِ والفَرَحِ والفَخْرِ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مِن ثَوابِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ وجَنانِهِما، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
هود 11:12
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ تَتْرُكُ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ وهو ما يُخالِفُ رَأْيَ المُشْرِكِينَ مَخافَةَ رَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ لِلْمُسْتَقْبَلِ ولِذا عَمِلَ، و–لَعَلَّ- لِلتَّرَجِّي وهو يَقْتَضِي التَّوَقُّعَ، ولا يَلْزَمُ مِن تُوَقِّعِ الشَّيْءِ وُقُوعُهُ ولا تَرَجَّحَ وُقُوعُهُ لِجَوازِ أنْ يُوجَدَ ما يَمْنَعُ مِنهُ، فَلا يَشْكُلُ بِأنَّ تَوَقُّعَ تَرْكِ التَّبْلِيغِ مِنهُ ﷺ مِمّا لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِصْمَتُهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ كَتْمِ الوَحْيِ المَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ والخِيانَةِ فِيهِ وتَرْكِهِ تَقِيَّةً، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَحْرِيضُهُ ﷺ وتَهْيِيجُ داعِيَتِهِ لِأداءِ الرِّسالَةِ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في كُلِّ تَوَقُّعٍ نَظِيرِ هَذا التَّوَقُّعِ، وقِيلَ: إنَّ التَّوَقُّعَ تارَةً يَكُونُ لِلْمُتَكَلِّمِ وهو الأصْلُ
صفحة 19
لِأنَّ المَعانِيَ الإنْشائِيَّةَ قائِمَةٌ بِهِ، وتارَةً لِلْمُخاطَبِ، وأُخْرى لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ تَعَلُّقٌ ومُلابَسَةٌ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُنا هَذا الأخِيرُ ويُجْعَلَ التَّوَقُّعُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّكَ بَلَغَ بِكَ الجُهْدُ في تَبْلِيغِهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ أنَّهم يَتَوَقَّعُونَ مِنكَ تَرْكَ التَّبْلِيغِ لِبَعْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ –لَعَلَّ- هُنا لَيْسَتْ لِلتَّرَجِّي بَلْ هي لِلتَّبْعِيدِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِذَلِكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّكَ تَفْعَلُ كَذا لِمَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى لا تَتْرُكُ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في الحَدِيثِ، «لَعَلَّنا أعْجَلْناكَ» واخْتارَ السَّمِينُ، وغَيْرُهُ كَوْنَها لِلتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِ عَلى ما عَلِمْتُ آنِفًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَأنِّي بِكَ سَتَتْرُكُ بَعْضَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِمّا شَقَّ عَلَيْكَ بِإذْنِي ووَحْيٍ مِنِّي، وهو أنْ يُرَخِّصَ لَكَ فِيهِ كَأمْرِ الواحِدِ بِمُقاوَمَةِ عَشَرَةٍ إذْ أُمِرُوا بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِاثْنَيْنِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّخْفِيفاتِ؛ لِأنَّهُ وإنْ زالَ بِهِ الإشْكالُ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ أنْ يَقُولُوا يَأْباهُ، نَعَمْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ تَرْكُ الجِدالِ بِالقُرْآنِ إلى الجِلادِ، والضَّرْبِ والطِّعانِ؛ لَأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ نازِلَةٌ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ- صَحَّ لَكِنَّ في الكَشْفِ بَعْدَ كَلامِ: اعْلَمْ لَوْ أخَذْتَ التَّأمُّلَ لاسْتَبانَ لَكَ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى إرْشادِهِ تَعالى كِبْرِياؤُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ مِن مُفْتَتِحِها إلى مُخْتَتِمِها وإلى ما يَعْتَرِي لِمَن تَصَدّى لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ السَّنِيَّةِ مِنَ الشَّدائِدِ واحْتِمالُهُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ في الدّارَيْنِ مِنَ العَوائِدِ لا عَلى التَّسَلِّي لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لا يُطابِقُ المَقامَ، وانْظُرْ إلى الخاتِمَةِ الجامِعَةِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ تَقْضِ العَجَبَ وهو يُبْعِدُ هَذِهِ الإرادَةَ إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّخْفِيفِ المُؤْذِنِ بِالتَّسَلِّي فَتَأمَّلْهُ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وضائِقٌ بِهِ﴾ لِما يُوحِي أوْ لِلْبَعْضِ وهو الظّاهِرُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وقِيلَ: لِلتَّبْلِيغِ أوْ لِلتَّكْذِيبِ، وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ أنْ يَقُولُوا، والواوُ لِلْعَطْفِ ﴿وضائِقٌ﴾ قِيلَ: عُطِفَ عَلى ﴿تارِكٌ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صَدْرُكَ﴾ فاعِلُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ خَبَرًا مُقَدَّمًا و( صَدْرُكَ ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿تارِكٌ)،﴾ وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ أنَّ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ لِأنَّ هَذا واقِعٌ لا مُتَوَقَّعٌ فَلا يَصِحُّ العَطْفُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ ضِيقَ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ لَيْسَ بِواقِعٍ، وإنَّما يَضِيقُ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ لِما يَعْرِضُ لَهُ في تَبْلِيغِهِ مِنَ الشَّدائِدِ، وعَدَلَ عَنْ ضِيقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى –ضائِقٍ- اسْمُ الفاعِلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الضِّيقَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحْيانًا، وكَذا كُلُّ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ إذا قُصِدَ بِها الحُدُوثُ تُحَوَّلُ إلى فاعِلٍ فَتَقُولُ في سَيِّدٍ، وجَوادٍ وسَمِينٍ مَثَلًا: سائِدٌ وجائِدٌ وسامِنٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ اللُّصُوصِ يَصِفُ السِّجْنَ ومَن سُجِنَ فِيهِ:
بِمَنزِلَةٍ أمّا اللَّئِيمُ فَسامِنٌ بِها وكِرامُ النّاسِ بادٍ شُحُوبُها
وظاهِرُ كَلامِ البَحْرِ أنَّ ذَلِكَ مَقِيسٌ فَكُلُّ ما يُبْنى مِنَ الثُّلاثِيِّ لِلثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ عَلى غَيْرِ وزْنِ فاعِلٍ يُرَدُّ إلَيْهِ إنْ أُرِيدَ مَعْنى الحُدُوثِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى سَماعٍ، وقِيلَ: إنَّ العُدُولَ لِمُشارَكَةِ (تارِكٍ) ولَيْسَ بِذَلِكَ.
﴿أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مالٌ كَثِيرٌ، وعَبَّرُوا بِالإنْزالِ دُونَ الإعْطاءِ لَأنَّ مُرادَهُمُ التَّعْجِيزُ بِكَوْنِ ذَلِكَ عَلى خِلافِ العادَةِ؛ لِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَكُونُ في الأرْضِ ولا تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بِالإنْزالِ الإعْطاءَ مِن دُونِ سَبَبٍ عادِيٍّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ أيْ: لَوْلا أُعْطِيَ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَنا صِدْقُهُ.
﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ لِنُصَدِّقَهُ، رُوِيَ أنَّهم قالُوا: اجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا أوِ ائْتِنا بِمَلائِكَةٍ يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ قالَتْهُ طائِفَةٌ
صفحة 20
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: القائِلُ لِكُلٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومَحَلُّ ( أنْ يَقُولُوا ) نَصْبٌ أوْ جَرٌّ، وكانَ الأصْلُ كَراهَةَ أوْ مَخافَةَ ( أنْ يَقُولُوا ) أوْ لِئَلّا، أوْ لِأنَّ أوْ بِأنْ يَقُولُوا، ولِوُقُوعِ القَوْلِ قالُوا: إنَّ المُضارِعَ بِمَعْنى الماضِي، و(أنَّ) المَصْدَرِيَّةُ خارِجَةٌ عَنْ مُقْتَضاها، ورَجَّحُوا تَقْدِيرَ الكَراهَةِ عَلى المَخافَةِ لِذَلِكَ، وقَدْ يُرادُ عِنْدَ تَقْدِيرِها مَخافَةُ أنْ يُكَرِّرُوا هَذا القَوْلَ؛ واخْتارَ بَعْضٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى الجَمِيعِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ لَوْلا إلَخْ.. –فَأنَّ- عَلى مُقْتَضاها، ولا يَرِدُ شَيْءٌ ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ غَيْرَ مُبالٍ بِما يَصْدُرُ عَنْهم ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ .
أيْ قائِمٌ بِهِ وحافِظٌ لَهُ فَيَحْفَظُ أحْوالَكَ وأحْوالَهم فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ فَإنَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ ما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ في أقْصى غايَةٍ مِن إصابَةِ المَحَزِّ، والآيَةُ قِيلَ: مَنسُوخَةٌ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ.
هود 11:13
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، وشُرُوعٍ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ، وذَهَبَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ إلى أنَّ (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ البارِزُ في (افْتَراهُ) لِما يُوحى (قُلْ) إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وهو نَعْتٌ –لِسُوَرٍ- وكانَ الظّاهِرُ مُطابَقَتَهُ لَها في الجَمْعِ لَكِنَّهُ أفْرَدَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إذْ هو المَقْصُودُ لا مُماثَلَةُ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: مِثْلَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا يَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ وعَدَمُها فَيُوصَفُ بِهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ وقَدْ يُطابِقُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ هُنا صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ مُقَدَّرٍ أيْ قَدْرَ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَجْمُوعِ العَشْرِ لِأنَّها كَلامٌ وشَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا –عَشْرَ- لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ فَيُعْطى حُكْمَ المُفْرَدِ –كَنَخْلٍ- مُنْقَعِرٍ- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ نَعْتٌ آخَرُ –لِسُوَرٍ- قِيلَ: أُخِّرَ عَنْ نَعْتِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى لِأنَّهُ النَّعْتُ المَقْصُودُ بِالتَّكْلِيفِ إذْ بِهِ قُعُودُهم عَلى العَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا نَعْتُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ ولِأنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ لَهُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ ومَبادِي ذَلِكَ فِيكم مِن مُمارَسَةِ الخُطَبِ والأشْعارِ ومُزاوَلَةِ أسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ وحِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ أتَمُّ.
والكَثِيرُ عَلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ وقَعَ أوَّلًا فَلَمّا عَجَزُوا تَحَدّاهم ﴿بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ كَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ويُونُسَ، وهو وإنْ تَأخَّرَ تِلاوَةً مُتَقَدِّمٌ نُزُولًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ العَكْسُ إذْ لا مَعْنى لِلتَّحَدِّي بِعَشْرٍ لِمَن عَجَزَ عَنِ التَّحَدِّي بِواحِدَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَعْجِيزَهم عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلاتٍ لِعَشْرٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، وجَعَلَ العَشْرَ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّوَرِ إلى هُنا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أكْثَرَ ما ذَكَرَ مَدَنِيٌّ، وهَذِهِ السُّورَةُ حَسْبَما عَلِمْتُ مَكِّيَّةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِمَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ وأنْكَرَ تَقَدُّمَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى نُزُولِ تَيْنَكِ السُّورَتَيْنِ وقالَ: بَلْ نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ أوَّلًا، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ هُودٍ.
صفحة 21
وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ أوَّلًا هو التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، والِاشْتِمالُ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ المَغِيباتِ والأحْكامِ وأخَواتِها، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ أمَرَهم بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ وإنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وضَعَّفَهُ في الكَشْفِ، وقالَ: إنَّهُ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، وهَبْ أنَّ السُّورَةَ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ إلّا أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلى التَّدْرِيجِ جازَ أنَّ تَتَأخَّرَ تِلْكَ الآيَةُ عَنْ هَذِهِ، ولا يُنافِي تَقَدُّمَ السُّورَةِ عَلى السُّورَةِ انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ قَوْلَهُ لا يَطَّرِدُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ مُرادَ المُبَرَّدِ اشْتِمالُهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأنْواعِ السَّبْعَةِ ولا يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ عَنْها، وادِّعاءُ تَأخُّرِ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وادَّعى أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ المُبَرَّدُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ والمَعْنى، ثُمَّ تَنْزِلُ فَتَحَدّاهم بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ مِن غَيْرِ حَجْرٍ في المَعْنى، ويَشْهَدُ لَهُ تَوْصِيفُها بِمُفْتَرَياتٍ، وأيَّدَ بَعْضُهم نَظَرَ المُبَرَّدِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الرَّيْبِ ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ: (افْتَراهُ) فَكَلَّفُوا نَحْوَ ما قالُوا، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ في سُورَةِ يُونُسَ كالأمْرِ هُنا مَسْبُوقٌ بِحِكايَةِ زَعْمِهِمْ الِافْتِراءَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ أنَّهم لَمْ يُكَلَّفُوا إلّا بِنَحْوِ ما كُلِّفُوا بِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ: ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلَخْ .. مَنعًا ظاهِرًا، ولِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ هَهُنا كَلامٌ -زَعَمَ أنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ- وهو عَلى قِلَّةِ جَدْواهُ لا وجْهَ لِما أسَّسَهُ عَلَيْهِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ.
هَذا ونَقَلَ الإمامُ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إعْجازَ القُرْآنِ بِفَصاحَتِهِ لا بِاشْتِمالِهِ عَلى المَغِيباتِ وكَثْرَةِ العُلُومِ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مَعْنًى، أمّا إذا كانَ وجْهُ الإعْجازِ الفَصاحَةَ صَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَظْهَرُ إنْ صِدْقًا وإنْ كَذِبًا، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ بِما هو مَبْنِيٌّ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الِافْتِراءِ والِاخْتِلاقِ، نَعَمْ ما ذُكِرَ إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ ذَلِكَ ولا يَمْنَعُ احْتِمالُ كَوْنِهِ الأُسْلُوبَ الغَرِيبَ وعَدَمُ اشْتِمالِهِ عَلى التَّناقُضِ كَما قِيلَ بِهِ.
﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيِ اسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمَدَّةٌ لَكم في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، والكَهَنَةُ الَّذِينَ تَلْجَأُونَ إلى آرائِهِمُ المُلِمّاتِ لِيُسْعِدُوكم في ذَلِكَ.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِادْعُوا- أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى، وفِيهِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَكم عَلَيْهِ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلُ.
هود 11:14
﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ الخِطابُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ- لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، وضَمِيرُ الجَمْعِ الغائِبِ عائِدٌ إلى مَن أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلى الإسْعادِ والمُظاهَرَةِ عَلى المُعارَضَةِ لِعِلْمِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ وأنَّ طاقَتَهم أقْصَرُ مِن أنْ تَبْلُغَهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ تَعالى لا بِعِلْمِ غَيْرِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ (أنَّما) فَإنَّها تَفِيدُ الحَصْرَ كالمَكْسُورَةِ عَلى الصَّحِيحِ، قِيلَ: وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: أيْ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الحَصْرَ إنَّما أفادَتْهُ الإضافَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ والمُرادُ بِما
صفحة 22
لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ تَعالى الكَيْفِيّاتُ والمَزايا الَّتِي بِها الإعْجازُ والتَّحَدِّي، وذَكَرَ عَدَمَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، وإلّا فالمَذْكُورُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ العِلْمُ دُونَ القُدْرَةِ، وقِيلَ: ذاكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ القُدْرَةِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ما لا يَعْلَمُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، وإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ مَن يَدْعُونَهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِتَعْجِيزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَ ما اضْطَرَرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاعَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ ( فاعْلَمُوا ) إلَخْ.. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَدْعُونَهم إلى المُعارَضَةِ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ عَجْزِ أنْفُسِكم يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرَ وأوْضَحَ.
وبِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يَظْهَرُ أنْ لا إشْكالَ في الآيَةِ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ قَوْلُ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَشْرُوطِ يَعْنِي العِلْمَ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطِ يَعْنِي عَدَمَ الِاسْتِجابَةِ، مُشْكِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ مُشْكِلٌ أيْضًا إذْ لا تَصِحُّ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ العِلْمُ سَبَبًا في إنْزالِهِ، ولا لِلْمُصاحَبَةِ إذِ العِلْمُ لا يَصْحَبُهُ في إنْزالِهِ، وأنَّ الجَوابَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالعِلْمِ إلّا عِلْمَنا نَحْنُ، وأُضِيفَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ حَيْثُ أُضِيفَتِ الشَّهادَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى شَرَعَها، والقُرْآنُ قَدْ نَزَلَ بِأدِلَّةِ العِلْمِ بِأحْكامِ اللَّهِ تَبارَكَ اسْمُهُ، فَعَبَّرَ بِالمَدْلُولِ عَنِ الدَّلِيلِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ﴾ مَصْحُوبًا بِانْتِشارِ عِلْمِ الأحْكامِ، وهي الأدِلَّةُ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُناسِبُ إذا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أدِلَّةُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى. ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ غَفَلَ هَذا العالِمُ الماهِرُ عَنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: مِن شِدَّةِ الظُّهُورِ الخَفاءُ ﴿وأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أيْضًا أنَّهُ تَعالى المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها وأنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . أيْ داخِلُونَ في الإسْلامِ إذا لَمْ يَبْقَ بَعْدُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ في حَقِّيَّتِهِ وفي بُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإذْعانُ بِكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وتارِكُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وفي الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجَبِ وزَوالِ المانِعِ؛ ولِهَذا جِيءَ بِالفاءِ، وفي التَّعْبِيرِ –بِمُسْلِمُونَ- دُونَ تُسْلِمُونَ تَأْيِيدٌ لِما يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُ ما ذُكِرَ عَلى ما قُبِلَ بِها مِن وُجُوبِهِ بِلا مُهْلَةٍ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ أيْضًا إقْناطٌ لَهم مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ)،﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وكانَ المُناسِبُ لِلْأمْرِ -بِقُلْ- الإفْرادَ لَكِنَّهُ جَمَعَ لِلتَّعْظِيمِ، وهو لا يَخْتَصُّ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَما قالَهُ الرَّضِيُّ، ومِن ذَلِكَ: وإنْ شِئْتَ حُرِمَتِ النِّساءُ سِواكُمْ
والجُمْلَةُ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ القَوْلِ بَلْ هي مِن قِبَلِهِ تَعالى لِلْحُكْمِ بِعَجْزِهِمْ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾، وعَبَّرَ بِالِاسْتِجابَةِ إيماءً إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى كَمالِ الأمْنِ مِن أمْرِهِ كَأنَّ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ
صفحة 23
عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعانِدِينَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ.
والمُرادُ بِالعِلْمِ المَأْمُورِ بِهِ ما هو في المَرْتَبَةِ العُلْيا الَّتِي كَأنَّ ما عَداها مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، ويَعْلَمُ مِن ذَلِكَ سِرَّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، ومَعْنى ( مُسْلِمُونَ ) مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِذَلِكَ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ أنْسَبُ بِما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ ولِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ وأشَدُّ بِما يُعْقِبُهُ، وقَدْ يُؤَيِّدُ أيْضًا بِما أشَرْنا إلَيْهِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مُوافِقٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْكُفّارِ، والضَّمِيرُ في هَذِهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ فَلْيَكُنْ لَهم أيْضًا، ولِأنَّ الكُفّارَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، فَرُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ أوْلى، ولِأنَّ في التَّفْسِيرِ الثّانِي تَأْوِيلاتٍ لا يُحْتاجُ إلَيْها في الأوَّلِ.
ومِن هُنا اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ. واسْتَحْسَنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَعَلَّ مُرَجِّحاتِهِ أقْوى مِن مُرَجِّحاتِ الأخِيرِ عِنْدَ مَن تَأمَّلَ؛ فَلِذا قَدَّمْناهُ، وإنْ قِيلَ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، ويُكْتَبُ –فالم- في المُصْحَفِ -عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ- بِغَيْرِ نُونٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما –نَزَّلَ- بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، وفي البَحْرِ أنَّ –ما- يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ أنَّ التَّنْزِيلَ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي أيْ أنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ في مِثْلِ ما ذُكِرَ شائِعٌ، وفاعِلُ –نَزَّلَ- ضَمِيرُهُ تَعالى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ –ما- مَوْصُولَةً عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا، ويَبْعُدُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ أنَّها مَوْصُولَةٌ فافْهَمْ.
هود 11:15
﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ أيْ بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ ما يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والرِّياسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإدْخالِ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ أيْ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُرِيدُ الآخِرَةَ أصْلًا ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ أيْ نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ أُجُورَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وافِيَةً، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الأعْمالُ عِبارَةٌ عَنِ الأُجُورِ مَجازًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، والأوَّلُ أوْلى، و(نُوَفِّ) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نُوَصِّلُ ولِذا عَدّى بِإلى، وإلّا فَهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ –يُوَفِّ- بِالياءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما –يُوفِ- بِالياءِ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أوْفِي، وقُرِئَ –تُوفَ- بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ (أعْمالُهُمْ) والفِعْلُ في كُلِّ ذَلِكَ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ كَما انْجَزَمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ (كانَ) زائِدَةٌ ولِذا جَزَمَ الجَوابَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَكانَ فِعْلُ الشَّرْطِ (يُرِيدُ) وكانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِكَوْنِها زائِدَةً أنَّها غَيْرُ لازِمَةٍ في المَعْنى، وقَرَأ الحَسَنُ –نُوفِي- بِالتَّخْفِيفِ وإثْباتِ الياءِ، وذَلِكَ إمّا عَلى لُغَةِ مَن يَجْزِمُ المَنقُوصَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ كَما في قَوْلِهِ:
ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى.
أوْ عَلى ما سُمِعَ في كَلامِ العَرَبِ إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا مِن عَدَمِ جَزْمِ الجَزاءِ، وإمّا لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ تَعْمَلْ في الشَّرْطِ القَرِيبِ ضَعُفَتْ عَنِ العَمَلِ في لَفْظِ الجَزاءِ البَعِيدِ فَعَمِلَتْ في مَحَلِّهِ
صفحة 24
ونُقِلَ عَنْ عَبْدِ القاهِرِ أنَّها لا تَعْمَلُ فِيهِ أصْلًا لِضَعْفِها، والمَشْهُورُ فِيهِ عَنِ النُّحاةِ مَذْهَبانِ: كَوْنُ الجَزاءِ في نِيَّةِ التَّقْدِيمِ وكَوْنُهُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ والمُبْتَدَأُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إلى هَذا، ولَيْسَ هَذا مَخْصُوصًا فِيما إذا كانَ الشَّرْطُ كانَ عَلى الصَّحِيحِ لِمَجِيئِهِ في غَيْرِهِ كَثِيرًا، ومِنهُ:
وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرُمَ
﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُونَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ -لِلْحَياةِ الدُّنْيا- وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لِلْأعْمالِ لِئَلّا يَكُونَ تَكْرارًا بِلا فائِدَةٍ، ورَدَّ بِأنَّ فائِدَتَهُ إفادَتُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ عَدَمَ البَخْسِ لَيْسَ إلّا في الدُّنْيا فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ تُوُهِّمَ أنَّهُ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ ولا ضَرَرَ فِيهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَخْسِ الَّذِي هو نَقْصُ الحَقِّ، ولِذَلِكَ قالَ الرّاغِبُ: هو نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم شائِبَةُ حَقٍّ فِيما أُوتُوهُ كَما عَبَّرَ عَنْ إعْطائِهِ بِالتَّوْفِيَةِ الَّتِي هي إعْطاءُ الحُقُوقِ مَعَ أنَّ أعْمالَهم بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِها مُسْتَوْجِبَةً لِذَلِكَ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- بِناءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِ الحالِ ومُحافِظَةً عَلى صُوَرِ الأعْمالِ، ومُبالَغَةً في نَفْيِ النَّقْصِ كَأنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِحُقُوقِهِمْ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ والصُّدُورِ عَنِ الكَرِيمِ أصْلًا لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ هَذا لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بَلِ الأمْرُ دائِرٌ عَلى المَشِيئَةِ الجارِيَةِ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ .
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا نَسْخَ في الأخْبارِ، ولَعَلَّ هَذا إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى المُسامَحَةِ
هود 11:16
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوُفِيَتِهِمْ أُجُورَهم فِيها مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى اقْتِناصِ الدُّنْيا وأعْمالُهم كانَتْ مَمْدُودَةً ومَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها؛ وقَدْ ظَفِرُوا بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلَّدُ.
﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ –بِحَبِطَ- و(ما) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ أيْ ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ صُنْعِهِمْ، أوِ الَّذِي صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الدُّنْيا فَيَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا –بِصَنَعُوا- و(ما) عَلى حالِها، والمُرادُ بِحُبُوطِ الأعْمالِ عَدَمُ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها لِفَقْدِ الِاعْتِدادِ بِها لِعَدَمِ الإخْلاصِ الَّذِي هو شَرْطْ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِجَزائِهِمْ عَلَيْها في الدُّنْيا.
﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ أبُو حَيّانَ: هو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (حَبِطَ) إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَمَلَ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى مَعْنى ( ما صَنَعُوا ) والبُطْلانُ عَلى عَدَمِ النَّفْعِ وهو راجِعٌ إلى مَعْنى الحُبُوطِ.
ولَمّا رَأى بَعْضُهم أنَّ التَّأْسِيسَ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ أبْقى ما ( يَعْمَلُونَ ) عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وحَمَلَ بُطْلانَ ذَلِكَ عَلى فَسادِهِ في نَفْسِهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، وقالَ: كَأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلَها عَلى مَعْنى لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارَ لِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ وعَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْها لِبُطْلانِها وكَوْنِها لَيْسَتْ عَلى ما يَنْبَغِي، والأوْلى ما صَنَعَهُ المَوْلى
صفحة 25
أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَيْثُ حَمَلَ البَطَلانَ عَلى الفَسادِ في نَفْسِهِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أعْمالِهِمْ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ ثُمَّ قالَ: ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ عَلَّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطَ المُؤْذِنَ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانَ المُفْصِحَ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ –كانَ- في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم وإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُقَدِّماتُ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيئَةِ، انْتَهى.
ويَحْتَمِلُ عِنْدِي عَلى بُعْدِ أنْ يُرادَ -بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- هو ما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِن إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وهو غَيْرُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْها الحُبُوطُ وإطْلاقُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلى الإرادَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّها مِن أعْمالِ القَلْبِ، ووَجْهُ الإتْيانِ –بِكانَ- فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِما أشارَ هو إلَيْهِ، وفي الجُمْلَةِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِمْرارِ بُطْلانِ تِلْكَ الإرادَةِ وشَرْحُ حالِها بَعْدَ شَرْحِ حالِ المُرِيدِ وشَرْحِ أعْمالِهِ أرادَ بِها الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وأيّامّا كانَ فالظّاهِرُ أنَّ (باطِلَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( ما كانُوا ) هو المُبْتَدَأُ، وجَوَّزَ في البَحْرِ كَوْنَ (باطِلٌ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، و(ما) مُرْتَفِعَةٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ ٍوَبَطَلَ- بِصِيغَةِ الفِعْلِ أيْ ظَهَرَ بُطْلانُهُ حَيْثُ عَلِمَ هُناكَ أنَّ ذاكَ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ أوِ انْقَطَعَ أثَرُهُ الدُّنْيَوِيُّ فَبَطَلَ مُطْلَقًا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ –وباطِلًا- بِالنَّصْبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عاصِمٍ وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى أنَّ (ما) سَيْفُ خَطِيبٍ –وباطِلٌ- مَفْعُولٌ –لِيَعْمَلُونَ- وفِيهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ (كانَ) وفِيهِ -كَتَقْدِيمِ الخَبَرِ- خِلافٌ، والأصَحُّ الجَوازُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ومَن مَنَعَ تَأوَّلَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا –بِيَعْمَلُونَ- و(ما) إبْهامِيَّةٌ صِفَةٌ لَهُ أيْ باطِلًا أيُ باطِلٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ حَدِيثُ ما عَلى قَصْرِهِ ولِأمْرِ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفُهُ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِوَزْنِ فاعِلٍ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ فاعِلُهُ أيْ بَطَلَ بُطْلانًا الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ، ونَظِيرُهُ خارِجًا في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
ألَمْ تَرَنِي عاهَدْتُ رَبِّي وأنَّنِي لَبَيْنَ رِتاجٍ قائِمًا ومَقامِ
عَلَيَّ حَلْفَةٌ لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ ولا (خارِجًا) مَن في زُورُ كَلامٍ
فَإنَّهُ أرادَ ولا يَخْرُجُ مِن في زُورُ كَلامٍ خُرُوجًا، وفي ذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ إعْمالُ المَصْدَرِ الَّذِي هو بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ في غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ والأمْرُ هَذا، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في مُطْلَقِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ البِرَّ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، ولَعَلَّ المُرادَ -كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- أنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ فَيَدْخُلُونَ فِيها لا أنَّها خاصَّةٌ بِهِمْ، ولا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُهُمْ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هي في الَّذِينَ جاهَدُوا مِنَ المُنافِقِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهم مِن ذَلِكَ سَهْمَهم في الغَنائِمِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: في أهْلِ الرِّياءِ يُقالُ لِقارِئِ القُرْآنِ مِنهُمْ: أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ: اذْهَبْ فَلَيْسَ لَكَ عِنْدَنا شَيْءٌ، وهَكَذا لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِ. والمَقْتُولِ في الجِهادِ وغَيْرِهِما مِمَّنْ عَمِلَ مِن أعْمالِ البِرِّ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ورُبَّما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُعاوِيَةَ حِينَ حَدَّثَهُ أبُو هُرَيْرَةَ بِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَبَكى وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن
صفحة 26
تَقْيِيدِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ بِأنْ لَيْسَ لَهم بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الرِّيائِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والسِّياقُ يَقْتَضِي أنَّها في الكَفَرَةِ مُطْلَقًا وبِرِّهِمْ كَما قُلْنا، ومِن هُنا اشْتُهِرَ أنَّ الكافِرَ يُعَجَّلُ لَهُ ثَوابُ أعْمالِهِ في الدُّنْيا بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ وصِحَّةِ البَدَنِ وكَثْرَةِ الوَلَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ ولَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، لَكِنْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَنْهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِصَّةُ أبِي طالِبٍ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلى النِّيَّةِ مِنَ الأعْمالِ لا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِهِ في الآخِرَةِ أصْلًا لِفِقْدانِ شَرْطِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ النِّيَّةِ لِكُفْرِهِ، وما لا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُخَفَّفُ بِهِ عَذابُهُ، وبِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظَّواهِرِ المُقْتَضِي بَعْضُها لِلِانْتِفاعِ في الجُمْلَةِ وبَعْضُها لِعَدَمِهِ أصْلًا فَتَدَبَّرْ.
ووَجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ)؟﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: إنْ أظْهَرْنا الإسْلامَ لِسَلامَةِ النَّفْسِ والمالِ يَكُونُ ماذا؟ فَقِيلَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلَخْ أوْ يُقالُ: إنَّ فِيما قَبْلَ ما يَتَضَمَّنُ إقْناطَ الكَفَرَةِ مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ كَما تَقَدَّمَ، وذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَماعُهم ذَلِكَ سَبَبًا لِعَزْمِهِمْ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ، أوْ فِعْلِ بَعْضِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُجِيرُهم ويَنْفَعُهُمْ، فَشَرَحَ لَهم حُكْمَ مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( مَن كانَ يُرِيدُ ) إلَخْ لَكِنَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ أنَّ ذَلِكَ العَزْمَ مِن بابِ الِاحْتِياطِ، وفي البَحْرِ في بَيانِ المُناسَبَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في القُرْآنِ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وما يُؤَوِّلُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وأبُو السُّعُودِ بَيْنَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُقَوِّي بِهِ ما ادَّعاهُ مِن أنْسَبِيَّةِ كَوْنِ الخِطابِ فِيما سَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ الكَفَرَةِ بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِمُ القادِحُونَ في القُرْآنِ العَظِيمِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَإنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَزْدادُوا عِلْمًا ويَقِينًا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ بِعِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِأنْ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا وهَيَّجَهم عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والرُّسُوخِ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِ الكَفَرَةِ وما يَدَّعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المُعارَضَةِ، وتَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ أصْلًا اقْتَضى الحالُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِبَعْضِ شُؤُونِهِمُ المُوهِمَةِ لِكَوْنِهِمْ عَلى شَيْءٍ في الجُمْلَةِ مِن نَيْلِهِمُ الحُظُوظَ العاجِلَةَ واسْتِوائِهِمْ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أيَّ بَيانٍ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرَ هَذا عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَوْسِيطِ حَدِيثٍ جَعَلَ الخِطابَ السّابِقَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ فَلْيَفْهَمْ. واسْتَدَلَّ في الأحْكامِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ ما سَبِيلُهُ أنْ لا يَفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الأُجْرَةَ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، فَمَن أخَذَ عَلَيْهِ الأُجْرَةَ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِمُقْتَضى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادَّعى الكَيا أنَّها مِثْلُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ“،» وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صامَ في رَمَضانَ لا عَنْ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنْ رَمَضانَ، وعَلى أنَّ مَن تَوَضَّأ لِلتَّبَرُّدِ أوِ التَّنَظُّفِ لا يَصِحُّ وُضُوؤُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَبْسُوطٌ بِما لَهُ وعَلَيْهِ في مَحَلِّهِ.
هود 11:17
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَدُلُّ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإسْلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ، وأصْلُ –البَيِّنَةِ- كَما قِيلَ: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَقْلِيَّةً كانَتْ أوْ مَحْسُوسَةً، وتُطْلَقُ عَلى الدَّلِيلِ مُطْلَقًا، وهاؤُها لِلْمُبالَغَةِ أوِ النَّقْلِ، وهي وإنْ قِيلَ: إنَّها مِن بانَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ واتَّضَحَ لَكِنَّهُ اعْتُبِرَ فِيها دَلالَةُ الغَيْرِ والبَيانُ لَهُ، وأخَذَها بَعْضُهم مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، والتَّنْوِينُ فِيها
صفحة 27
هُنا لِلتَّعْظِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ، والمُرادُ بِها القُرْآنُ وبِاعْتِبارِ ذَلِكَ أوِ البُرْهانِ ذُكِرَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ يَتْبَعُهُ ﴿شاهِدٌ﴾ عَظِيمٌ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وهو كَما قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، الإعْجازُ في نَظْمِهِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ تابِعًا لَهُ أنَّهُ وصْفٌ لَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مُعارَضَتَهُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.
وكَذا الضَّمِيرُ في (مِنهُ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ(شاهِدٌ)، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ أنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ تَعالى أنَّهُ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلشَّهادَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها مِنَ الشَّواهِدِ التّابِعَةِ لِلْقُرْآنِ الوارِدَةِ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمْرُ التَّبَعِيَّةِ فِيها ظاهِرٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الكَيْنُونَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ الآتِي: (أُولَئِكَ) إلَخْ لا يُلائِمُهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّعْظِيمِ، وأيْضًا إنَّ السِّياقَ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ ومَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا لا بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُ البَيِّنَةَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، والشّاهِدَ بِالقُرْآنِ، وضَمِيرَ مِنهُ لِلَّهِ تَعالى، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ لِلْقُرْآنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومِن حِينِئِذٍ إمّا بَيانِيَّةً وإمّا تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ شاهِدًا ولَيْسَ مِنَ التَّجْرِيدِ عَلى ما تَوَهَّمَ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلَيْنِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ، ومَعْنى كَوْنِ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ لا يُخالِفُهُ أصْلًا، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ النَّقْلَ الصَّحِيحَ لا يُخالِفُ العَقْلَ الصَّرِيحَ، ولِذا أوْلَوُا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إذا خالَفَ ظاهِرُهُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيِّنَةِ الَّتِي جاءَ إطْلاقُها في كَلامِ الشّارِعِ عَلى شاهِدَيْنِ، وعَنِ الثّانِي بِالشّاهِدِ الإيماءُ إلى أنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ أقْوى دَلالَةً مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِأنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ قَطْعِيَّةٌ ودَلالَةَ الثّانِي ظَنِّيَّةٌ غالِبًا لِلِاحْتِمالاتِ الشَّهِيرَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ القَطْعُ مَعَها، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الثّانِي بِالشّاهِدِ لِمَكانِ التِّلْوِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ البَيِّنَةَ القُرْآنَ، والشّاهِدُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ –ويَتْلُو- مِنَ التِّلاوَةِ لا التِّلْوُ، وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلَّهِ تَعالى، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ مَلَكٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ ولَيْسَ المُرادُ لِحِفْظِ المُتَعارَفِ لِأنَّهُ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- خاصٌّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (مِنهُ) كَما في سابِقِهِ إلّا أنْ يَتْلُوَ مِنَ التِّلْوِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْبَيِّنَةِ، وقِيلَ: لِمَن كانَ عَلَيْها، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الشّاهِدَ هو الإنْجِيلُ، (ويَتْلُوهُ) وضَمِيرُ (مِنهُ) عَلى طَرْزِ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ سِوى أنْ ضَمِيرَ يَتْلُوهُ لِلْقُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الشّاهِدَ لِسانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ ذَلِكَ؛ وكَذا المَلَكُ مِن مَعانِيهِ، و–يَتْلُو- حِينَئِذٍ مِنَ التِّلاوَةِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ ومَفْعُولُهُ لِلْبَيِّنَةِ، وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: الشّاهِدُ صَوْرَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَخايِلُهُ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَراهُ يَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: ”ما مِن رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ إلّا نَزَلَ
صفحة 28
فِيهِ طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما نَزَلَ فِيكَ؟ قالَ: أما تَقْرَأُ سُورَةَ هُودٍ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ، مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا شاهِدٌ مِنهُ“، وأخْرَجَ المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أنا ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ﴾ عَلِيٌّ"».
وأخْرَجَ الطَّبَرَسِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ في أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هو خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ شاهِدًا كَما سَمّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمُرادُ (شاهِدًا) عَلى الأُمَّةِ كَما يَشْهَدُ لَهُ عَطْفُ (مُبَشِّرًا ونَذِيرًا) عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَقامُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَيْنَ الأُمَّةِ كَمَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَهُمْ، وحَيْثُ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَتْلُوهُ أيْ يُعْقِبُهُ ويَكُونُ بَعْدَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وفِيما سَيَأْتِي في الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إباءٌ عَنْهُ، ويُكَذِّبُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِأبِي كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ أنَّكَ أنْتَ التّالِي؟ قالَ: ودِدْتُ أنِّي هو ولَكِنَّهُ لِسانُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ في تَقْرِيرِ الِاسْتِدْلالِ ضَعْفًا ورَكاكَةً بَلَغَتِ الغايَةَ القُصْوى كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى فِطْنَةٍ.
ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ هَذا الشّاهِدَ هو أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِ ما فِيهِ، وفي عَطْفِ –يَتْلُوهُ- احْتِمالانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ عَلى ما وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ عَلى جُمْلَةِ (كانَ) ومَرْفُوعِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ عُطِفَ عَلى ( شاهِدٌ ) والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لَهُ، وقَدْ تَوَسَّطَ الجارُّ والمَجْرُورُ بَيْنَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكِتابِ أيْ ﴿ويَتْلُوهُ﴾ في التَّصْدِيقِ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ مُنَزَّلًا مِن قَبْلِهِ، وحاصِلُهُ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ ويَشْهَدُ لِصِدْقِهِ شاهِدٌ مِنهُ وشاهِدٌ آخَرُ مِن قَبْلِهِ وهو كِتابُ مُوسى، قِيلَ: وإنَّما قُدِّمَ في الذِّكْرِ المُؤَخَّرِ في النُّزُولِ لِكَوْنِهِ وصْفًا لازِمًا لَهُ غَيْرَ مُفارِقٍ عَنْهُ ولِعَراقَتِهِ في وصْفِ التِّلْوِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدِ الإعْجازَ -كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَأْخِيرَ بَيانِ شَهادَةِ هَذا الشّاهِدِ عَنْ بَيانِ شَهادَةِ الشّاهِدِ الأوَّلِ لِأنَّها لَيْسَتْ في الظُّهُورِ عِنْدَ الأُمَّةِ كَشَهادَةِ الأوَّلِ وهو جارٍ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْضًا، وتَخْصِيصِ كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى عَدَمِ إرادَةِ الإنْجِيلِ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ الإنْجِيلِ فَإنَّ اليَهُودَ مُخالِفُونَ فِيهِ فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى.
وأوْجَبَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ جُمْلَةً مُبْتَدَأةً غَيْرَ داخِلَةٍ في حَيِّزِ شَيْءٍ مِمّا قَبْلَها وهو مَبْنِيٌّ عَلى كَثِيرٍ مِن الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ في الشّاهِدِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ. وغَيْرُهُ (كِتابَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ –يَتْلُوهُ- أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ ويَتْلُو كِتابَ مُوسى، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، ويَتْلُو في هَذِهِ القِراءَةِ مِنَ التِّلاوَةِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْقُرْآنِ والمَجْرُورُ لِمَن، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ لا تَجْرِيدِيَّةٌ، والمَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الكَشّافِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ لا مُفْتَرًى، والمُرادُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ مِمَّنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِّ وأنَّ كِتابَهُ هو الحَقُّ لِما كانُوا وجَدُوهُ في التَّوْراةِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِن هَؤُلاءِ، ويَقْرَأُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابَ مُوسى، والمُرادُ بِهَذا الشّاهِدِ ما أُرِيدَ بِهِ
صفحة 29
فِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي الآيَةِ مَدْحُ أهْلِ الكِتابِ وخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ تالِي الكِتابَيْنِ وشاهِدَهم بِالذِّكْرِ دَلالَةً عَلى مَزِيدِ فَضْلِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مُشايِعُوهُ في اتِّباعِ الحَقِّ وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ الشّاهِدِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (يَتْلُوهُ) اسْتِحْضارٌ لِلْحالِ ودَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ، وهو كَما قِيلَ في غايَةِ التَّطابُقِ لِلْكَلامِ ﴿إمامًا﴾ أيْ مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ ومُقْتَدًى، وفي التَّعَرُّضِ لِهَذا الوَصْفِ بَيانُ تِلْوِ الكِتابِ ما لا يَخْفى مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ، وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى مَن أنْزَلَ إلَيْهِمْ ومَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ أحْكامِهِ الباقِيَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ وهُما حالانِ مِنَ الكِتابِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ وهي الكَوْنُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ حَقَّ التَّصْدِيقِ حَسْبَما يَشْهَدُ بِهِ تِلْكَ الشَّواهِدُ الحَقَّةُ المُعْرِبَةُ عَنْ حَقِّيَّتِهِ ولا يُقَلِّدُونَ أحَدًا مِن عُظَماءِ الدِّينِ؛ فالضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ولا يُناسِبُ ما بَعْدُ، وإنْ لَمْ يَكُ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَعْتَدْ بِتِلْكَ الشَّواهِدِ الحَقَّةِ ولَمْ يُصَدِّقْ بِها ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأحْزابَ الكُفّارْ مُطْلَقًا فَإنَّهم تَحَزَّبُوا عَلى الكُفْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وفي رِوايَةِ أبِي الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالَ السُّدِّيُّ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ. وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ يَرُدُّها لا مَحالَةَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ وآياتٍ أُخَرَ، والمَوْعِدُ اسْمُ مَكانِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ:
أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها
وفِي جَعْلِ النّارِ مَوْعِدًا إشْعارٌ بِأنَّ لَهُ فِيها ما لا يُوصَفُ مِن أفانِينِ العَذابِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ في شَكٍّ مِن أمْرِ القُرْآنِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى غِبَّ ما شَهِدَتْ بِهِ الشَّواهِدُ وظَهَرَ فَضْلُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، أوْ لا تَكُ في شَكٍّ مِن كَوْنِ النّارِ مَوْعِدَهُمْ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأظْهَرُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأيّامّا كانَ فالخِطابُ إنْ كانَ عامًّا لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، فالمُرادُ التَّحْرِيضُ عَلى النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُزِيلِ لِلشَّكِّ، وإنْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو بَيانٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّكِّ تَعْرِيضًا بِمَن شَكَّ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِن نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ وُقُوعُهُ ولا تَوَقُّعُهُ مِنهُ ﷺ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الخَطّابِ السَّدُوسِيُّ والحَسَنُ (مُرْيَةٍ) بِضَمِّ المِيمِ وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والكَسْرُ لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي يَرِيبُكَ في دِينِكَ ودُنْياكَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
بِذَلِكَ إمّا لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ واخْتِلالِ أفْكارِهِمْ، وإمّا لِاسْتِكْبارِهِمْ وعِنادِهِمْ و(النّاسُ) عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أهْلُ مَكَّةَ، وقالَ صاحِبُ الفَيْنانِ: جَمِيعُ الكُفّارِ، هَذا والهَمْزَةُ في (أفَمَن) قِيلَ: لِلتَّقْرِيرِ و–مَن- مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أفَمَن كانَ كَذا كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وحَذْفُ مُعادِلِ الهَمْزَةِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ -ولَعَلَّهُ الأوْلى- خِلافُهُ حَيْثُ قالَ: المَعْنى أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا كَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ أيْ لا يَعْقُبُونَهم ولا يُقارِبُونَهم في المَنزِلَةِ إلى آخِرِ ما قالَ، وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ
صفحة 30
لِلتَّعْقِيبِ مُسْتَدْعِيَةٌ ما يَعْطِفُ عَلَيْهِ وهو الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (مَن كانَ) الآيَةَ، فالتَّقْدِيرُ أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الفاءِ أيْ يَعْقُبُونَهم أوْ يُقَرِّبُونَهُمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ فَيُفِيدُ أنْ لا تَقارُبَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَضْلًا عَنِ التَّماثُلِ فَلِذَلِكَ صارَ أبْلَغَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ وأمّا إنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ) فَلا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى إنْكارِ التَّماثُلِ، ولا مَعْنى لِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ في الأوَّلِ فَإنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ لا إنْكارَ عَلَيْهِ، انْتَهى، وهو جارٍ عَلى أحَدِ مَذْهَبَيْنِ لِلنُّحاةِ في مِثْلِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَن كانَ) إلَخْ، ومَساقُها عِنْدَ شَيْخِ الإسْلامِ لِلتَّرْغِيبِ أيْضًا فِيما ذَكَرَ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ، والتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وادَّعى الطَّبَرَسِيُّ أنَّها مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ وأنَّ المُرادَ أنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ فَقُلْ لَهُمْ: ( أفَمَنَ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ) ولا بَيِّنَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ.
هود 11:18
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ نَسَبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَوْلُهم لِآلِهَتِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ بِمُفْتَرًى، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ حالَ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَيْفَ يَرْتَكِبُهُ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنِّي أنْ أقُولَ لِما لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى إنَّهُ كَلامُهُ كَما زَعَمْتُمْ، أوْ مِنكم إنْ كُنْتُمْ نَفَيْتُمْ أنْ يَكُونَ كَلامُهُ سُبْحانَهُ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ كَلامُهُ جَلَّ وعَلا، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ عِنْدِي إذا كانَ ما قَبْلُ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ أنْ يَكُونَ هَذا في بَيانِ حالِ كَفَرَتِهِمُ الَّذِينَ أسْنَدُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ مِنَ المُحَرَّفِ الَّذِي صَنَعُوهُ ونَفَوْا عَنْهُ سُبْحانَهُ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أظْلَمَ مِن ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا في الظُّلْمِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ البالِغِ وهو الِافْتِراءُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهم مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ حَسْبَما يُرِيدُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إيماءٌ إلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ تُعْرَضُ أعْمالُهُمْ، أوْ عَلى ارْتِكابِ المَجازِ ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِأنَّ عَرْضَهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وبِذَلِكَ العُنْوانِ عَرْضٌ لِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ فَإنَّ عَرْضَ العامِلِ بِعَمَلِهِ أفْظَعُ مِن عَرْضِ عَمَلِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا حَذْفَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى رَبِّهِمْ ) ويُفَوِّضُ مَن يَقِفُ عَلى اللَّهِ.
وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عَلى مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ وأنْبِياءِ رَبِّهِمْ، وهُمُ المُرادُ بِالأشْهادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ﴾ وتَفْسِيرُهم بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَفْسِيرُهم بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: جَوارِحُهُمْ، وعَنْ مُقاتِلٍ، وقَتادَةُ هم جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ، وهو جَمْعٌ شاهِدٌ بِمَعْنى حاضِرٍ –كَصاحِبٍ وأصْحابٍ- بِناءً عَلى جَوازِ جَمْعِ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ، أوْ جَمْعِ شَهِيدٍ بِمَعْناهُ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ أيْ ويَقُولُ الحاضِرُونَ عِنْدَ العَرْضِ أوْ في مَوْقِفِ القِيامَةِ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلى تَعْيِينِ مَن صَدَرَ مِنهُ الكَذِبُ كَأنَّ وُقُوعَهُ
صفحة 31
أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الشَّهادَةِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْها ذَلِكَ ولِذا لَمْ يَقُولُوا: هَؤُلاءِ كَذَّبُوا بِدُونِ المَوْصُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهم بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ لا شَهادَةَ عَلَيْهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويَقُولُ ) دُونَ ويَشْهَدُ، وتَوْطِئَةٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . أيْ بِالِافْتِراءِ المَذْكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ الأشْهادِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ. وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُدْنِي المُؤْمِنَ حَتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ ويَسْتُرَهُ مِنَ النّاسِ ويُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ ويَقُولَ لَهُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ فَيَقُولَ: رَبِّ أعْرِفُ حَتّى إذا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ورَأى في نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ قالَ: فَإنِّي قَدْ سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ ثُمَّ يُعْطى كِتابَ حَسَناتِهِ، وأمّا الكُفّارُ والمُنافِقُونَ فَيَقُولُ: الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ».
وجَوَّزَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالظّالِمِينَ ما يَعُمُّ الظّالِمِينَ بِالِافْتِراءِ، والظّالِمِينَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَدْخُلُ فِيهِ الأوَّلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي ويَلْعَنُ نَفْسَهُ في قِراءَتِهِ فَيَقُولُ: ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ وهو ظالِمٌ.
ورُبَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أيْضًا، وأيًّا ما كانَ -فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ- مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً، و( الَّذِينَ) تابِعٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ خَبَرُهُ، وقَدْ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ أيْ عَلَيْهِمْ لِذَمِّهِمْ بِمَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ كَما تَرى، وجُمْلَةُ يَقُولُ الأشْهادُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ إذْ سَمِعَ أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ -وهُوَ الظّاهِرُ- إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( يُعْرَضُونَ ) عَلى مَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ ويَقُولُ الأشْهادُ في حَقِّهِمْ، أوْ ويَقُولُ أشْهادُهم والحاضِرُونَ عِنْدَ عَرْضِهِمْ (هَؤُلاءِ) إلَخْ، وكَأنَّ هَذا البَيانَ أنَّها مُرْتَبِطَةٌ في التَّقْدِيرِ بِالمُبْتَدَأِ كارْتِباطِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها بِهِ، وقِيلَ: كَفى اسْمُ الإشارَةِ القائِمِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّحْقِيرِ رابِطًا فَتَدَبَّرْ.
هود 11:19
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ كُلْ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ دِينِهِ القَوِيمِ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَجازٌ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَ لَها انْحِرافًا، والمُرادُ أنَّهم يَصِفُونَها بِذَلِكَ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْهُ، وإطْلاقُ الطَّلَبِ عَلى الوَصْفِ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها ويَرْتَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى يَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ ونُصِبَ ( عِوَجًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ ويُؤَوَّلُ بِمُعْوَجِّينَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَصْلِ فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وضَرْبًا مِنَ التَّأْكِيدِ، والِاخْتِصاصُ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ بِها لَيْسَ بِكُفْرٍ في جَنْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْدِيمَ ( بِالآخِرَةِ ) لِلتَّخْصِيصِ، والأوْلى كَوْنُ تَقْدِيمِهِ لِرُءُوسِ الآيِ.
هود 11:20
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما يُوجِبُ التَّدْمِيرَ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ لِلَّهِ تَعالى مُفْلِتِينَ أنْفُسَهم مِن أخْذِهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ
صفحة 32
﴿فِي الأرْضِ﴾ مَعَ سِعَتِها وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ وجَعَلَها بَعْضُهم كِنايَةً عَنِ الدُّنْيا ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِهِ، ولَكِنْ أخَّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ، وجَمَعَ ( أوْلِياءُ ) إمّا بِاعْتِبارِ أفْرادِ الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لِأحَدٍ مِنهم مِن ولِيٍّ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِ آلِهَتِهِمْ مِن سُقُوطِها عَنْ رُتْبَةِ الوِلايَةِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ بَيَّنَ فِيها ما يَكُونُ لَهم ويَحِلُّ بِهِمْ، وادَّعى أنَّها تَتَضَمَّنُ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ المُؤاخَذَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَلامِ الأشْهادِ، وهي دُعائِيَّةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ –يُضَعَّفُ- بِالتَّشْدِيدِ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ويَسْتَكْرِهُونَهُ إلى أقْصى الغاياتِ حَتّى كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَهُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: العاشِقُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ العاذِلِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بَدَلَها، وإنْ قِيلَ بِهِ، وبِالجُمْلَةِ لا تَرُدُّ الآيَةُ عَلى المُعْتَزِلَةِ وكَذا عَلى أهْلِ السُّنَّةِ لِأنَّهم لا يَنْفُونَ الِاسْتِطاعَةَ رَأْسًا وإنْ مَنَعُوا إيجادَ العَبْدِ لِشَيْءٍ ما، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ قُبْحُ حالِهِمْ في عَدَمِ إذْعانِهِمْ لِلْقُرْآنِ الَّذِي طَرِيقُ تَلَقِّيهِ السَّمْعُ أشَدُّ مِنهُ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ سائِرَ الآياتِ المَنُوطَةِ بِالإبْصارِ. بالَغَ سُبْحانَهُ في نَفْيِ الأوَّلِ عَنْهم حَسْبَما عَلِمْتُ واكْتَفى في الثّانِي بِنَفْيِ الإبْصارِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى المَبْسُوطَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ عِلَّةِ مُضاعَفَةِ العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُمُ اسْتَوْجَبُوا تِلْكَ المُضاعَفَةَ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم كَرِهُوا الحَقَّ أشَدَّ الكَراهَةِ واسْتَثْقَلُوا سَماعَهُ أعْظَمَ الِاسْتِثْقالِ وتَعامَوْا عَنْ آياتِ المَلِكِ المُتَعالِ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِمِثْلِ السَّيِّئَةِ ما تَقْتَضِيهِ مِنَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّ ما فَعَلُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ يَقْتَضِي تِلْكَ المُضاعَفَةَ فَتَكُونُ هي المَثَلَ كَما أنَّ مَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ هو الخُلُودُ في النّارِ، وقِيلَ: إنَّ المُضاعَفَةَ لِافْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وبَغْيِهِمْ إيّاها العِوَجَ وكُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نِسْبَةُ مُضاعَفَةِ العَذابِ إلى هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وبِهِ جَمَعَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّ التَّعْلِيلَ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا لِأنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ لِسائِرِ قَبائِحِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُضاعَفَةَ لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلا ذَلِكَ لارْتَفَعَ ولَمْ يُبْقِ عَذابًا لِلْإلْفِ بِطُولِ الأمَدِ وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِما نَفى مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ، فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الوِلايَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يُضاعَفُ ) إلَخِ.. اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَهُما نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِسُوءِ العاقِبَةِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلسِّياقِ ومُسْتَلْزِمٌ تَفْكِيكَ الضَّمائِرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مِن أنْ وأنْ، وفِيهِ بُعْدُ -لَفْظًا ومَعْنًى- .
هود 11:21
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: خَسِرُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمُ الهِدايَةَ بِالضَّلالَةِ والآخِرَةَ بِالدُّنْيا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوهُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والرِّياسَةِ.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: خَسِرُوا سَعادَةَ أنْفُسِهِمْ وراحَتَها، فَإنَّ أنْفُسَهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ
صفحة 33
وتَعَقَّبَ بِأنَّ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى لِأنَّ البَقاءَ في العَذابِ كَلا بَقاءَ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها
هود 11:22
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أبْيَنُ أوْ أكْثَرُ خُسْرانًا مِنهُمْ، فَأفْعَلُ لِلزِّيادَةِ إمّا في الكُمِّ أوِ الكَيْفِ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وإنْ جُعِلَ (هُمْ) ضَمِيرَ فَصْلٍ أفادَ تَأْكِيدَ الِاخْتِصاصِ، وإنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً وما بَعْدُهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ أنَّ أفادَ تَأْكِيدَ الحُكْمِ، وفي ( لا جَرَمَ ) أقْوالٌ: فَفي البَحْرِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ ومَنفِيُّها مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَنْفَعُهم فِعْلُهم مَثَلًا، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ، يُقالُ: جَرَمَتِ الذَّنْبَ إذا كَسَبَتْهُ؛ وقالَ الشّاعِرُ:
نَصَبْنا رَأْسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما (جَرَمَتْ) يَداهُ وما اعْتَدَيْنا
وما بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ وفاعِلُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ كَسَبَ ذَلِكَ أظَهْرِيَّةَ أوْ أكْثَرِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الأزْهَرِيِّ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ حَسْبَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى حَقَّ وما بَعْدُ فاعِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الفِعْلُ حَقَّ ( أنَّهم في الآخِرَةِ ) إلَخْ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وكَذا الخَلِيلُ أيْضًا كَوْنُ مَجْمُوعِ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقَّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: (لا) صِلَةٌ و(جَرَمَ) فِعْلٌ بِمَعْنى كَسَبَ أوْ حَقَّ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (لا) نافِيَةٌ و(جَرَمَ) اسْمُها مَبْنِيٌّ مَعَها عَلى الفَتْحِ نَحْوَ لا رَجُلَ، والمَعْنى لا ضِدَّ ولا مَنعَ، والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن أنْ ويُقَدَّرُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ جَرَمَ اسْمُ (لا) ومَعْناهُ القَطْعُ مِن جَرَمْتُ الشَّيْءَ أيْ قَطَعْتُهُ، والمَعْنى لا قَطْعَ لِثُبُوتِ أكْثَرِيَّةِ خُسْرانِهِمْ أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ فَيَكُونُ خِلافَهُ.
ونَقَلَ السَّيْرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ( لا جَرَمَ ) في الأصْلِ بِمَعْنى لا يُدْخِلَنَّكم في الجَرْمِ أيِ الإثْمِ كَإثْمِهِ أيْ أدْخَلَهُ في الإثْمِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى لا بُدَّ، ونُقِلَ هَذا المَعْنى عَنِ الفَرّاءِ، وفي البَحْرِ أنَّ (جَرَمَ) عَلَيْهِ اسْمُ (لا)، وقِيلَ: إنَّ (جَرَمَ) بِمَعْنى باطِلٍ إمّا عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وإمّا أنَّهُ بِمَعْنى كَسَبَ، والباطِلُ مُحْتاجٌ لَهُ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ نَقِيضُ الباطِلِ، وصارَ لا باطِلَ يَمِينًا كَلا كَذِبَ في قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ“،» وفي القامُوسِ أنَّهُ يُقالُ: (لا جَرَمَ)، ولا (ذا جَرَمَ)، ولا أنْ ذا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمَ، ولا جَرُمَ كَكَرُمَ، و(لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ أيْ لا بُدَّ، أوْ حَقًّا، أوْ لا مَحالَةَ، وهَذا أصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى تَحَوَّلَ إلى مَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ عَنْهُ بِاللّامِ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، انْتَهى، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما نَقَلَهُ السِّيرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ، وما ذَكَرَهُ مِن (لا جَرُمَ) كَكَرُمَ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي عَمْرٍو في الآيَةِ، ومَن لا ذا جُرْمٍ حَكاهُ الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ، وحَكى أيْضًا (لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ عَنْ أُناسٍ مِنَ العَرَبِ، ولَكِنْ قالَ الشِّهابُ: إنَّ في ثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ في فَصِيحِ كَلامِهِمْ تَرَدُّدًا وجَرْمَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا وأنْ يَكُونَ فِعْلًا مَجْهُولًا سَكَنَ لِلتَّخْفِيفِ، وحَكى بَعْضُهم لا ذُو جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمَ ولا جَرَ بِحَذْفِ المِيمِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما حُذِفَتِ الفاءُ مِن سَوْفَ لِذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: سَوْ تَرى.
والظّاهِرُ أنَّ المُقْحَماتِ بَيْنَ (لا) و(جَرَمَ) زائِدَةٌ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وحُكِيَ بِغَيْرِ لا جَرَمَ أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ كَوْنَكَ الفاعِلَ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ فِيهِ لا حَرَمَ فَلْيُراجَعْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَرِيقَ الكُفّارِ وأعْمالَهم وبَيَّنَ مَصِيرَهم وما لَهم شَرَعَ في شَرْحِ حالِ أضْدادِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ وبَيانَ ما لَهم مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ تَكْمِلَةً لِما سَلَفَ مِن مَحاسِنِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَةِ عِنْدَ جَمْعٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 34
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ الآيَةَ لِيَتَبَيَّنَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ حالًا ومَآلًا فَقالَ عَزَّ مَن قائِلٍ:
هود 11:23
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِكُلِّ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِماعِ الحَقِّ ومُشاهَدَةِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والتَّدَبُّرِ فِيها، أوِ المَعْنى فَعَلُوا الإيمانَ واتَّصَفُوا بِهِ كَما في فُلانٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحاتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِها ما يَشْمَلُ التَّرْغِيبَ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونَحْوِهِ مِمّا عَلى ضِدِّهِ فَرِيقُ الكُفّارِ ﴿وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخَشَعُوا لَهُ، وأصْلُ الإخْباتِ نُزُولُ الخَبْتِ وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى اطْمِئْنانِ النَّفْسِ والخُشُوعِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، ومِنهُ الخَبِيتُ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ لِلدَّنِيءِ، وقِيلَ: إنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنَ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدًا، ولَيْسَ المُرادُ حَصْرَ الخُلُودِ فِيهِمْ لِأنَّ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ ويَخْلُدُونَ فِيها، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يُرِيدُ بِنَفْيِ الخُلُودِ عَنِ العُصاةِ نَقْصَهُ مِن أوَّلِهِ كَما قِيلَ بِهِ فِيما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى
هود 11:24
﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، أيِ: حالُهُما العَجِيبُ، وأصْلُ المَثَلِ كالمِثْلِ النَّظِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِقَوْلٍ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يَكُونُ إلّا لِما فِيهِ غَرابَةٌ وصارَ في ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ومِن هُنا يُسْتَعارُ لِلْقِصَّةِ والحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ.
﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ كَحالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ فَهُناكَ تَشْبِيهانِ: الأوَّلُ تَشْبِيهُ حالِ الكَفَرَةِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّعامِي والتَّصامِّ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ مَن خُلِقَ أعْمى أصَمَّ لا تَنْفَعُهُ عِبارَةٌ ولا إشارَةٌ، والثّانِي تَشْبِيهُ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فانْتَفَعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ اهْتِداءً إلى الجَنَّةِ وانْكِفاءً عَمّا كانُوا خابِطِينَ فِيهِ مِن ضَلالِ الكُفْرِ والدُّجْنَةِ بِحالِ مَن هو بَصِيرٌ سَمِيعٌ يَسْتَضِيءُ بِالأنْوارِ في الظَّلامِ ويَسْتَفِيءُ بِمَغانِمِ الإنْذارِ والإبْشارِ فَوْزًا بِالمَرامِ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهَفَ زِيابَةَ لِلْحَرْثِ الصَّ ابِحِ فالغانِمُ فالآيِبِ
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَشْبِيهاتٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقِ الكافِرِ والفَرِيقِ المُؤْمِنِ بِحالِ اثْنَيْنِ، أيْ مَثَّلَ الفَرِيقَ الكافِرَ كالأعْمى ومَثَّلَهُ أيْضًا كالأصَمِّ، ومَثَّلَ الفَرِيقَ المُؤْمِنَ كالبَصِيرِ ومَثَّلَهُ أيْضًا كالسَّمِيعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ تَنْوِيعُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى نَوْعَيْنِ فَيُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكُفّارِ بِالأعْمى ونَوْعٌ مِنهم بِالأصَمِّ، ويُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالبَصِيرِ ونَوْعٌ مِنهم بِالسَّمِيعِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ إذْ تَقْسِيمُ الكُفّارِ إلى مُشَبَّهٍ بِالأوَّلِ ومُشَبَّهٍ بِالثّانِي وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَقْصُودٍ البَتَّةَ بِدَلِيلِ نَظائِرِهِ في الآياتِ الأُخَرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ في الكُفّارِ الخُلَّصِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في المُنافِقِينَ، ولِلْآيَةِ عَلى احْتِمالاتِها شَبَهٌ في الجُمْلَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العَنّابِ والحَشَفِ البالِي
فَتَدَبَّرْهُ، وقَدْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا بِأنْ يَنْتَزِعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ
صفحة 35
فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويَنْتَزِعُ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اِسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَنْبَغِي وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةً تُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الِاحْتِمالاتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا والكَلامُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ، واللَّفُّ إمّا تَقْدِيرِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ في الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ تَحْقِيقِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ إلَخْ.. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وأمْرُ النَّشْرِ ظاهِرٌ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الطِّباقِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ وبَيْنَ الأصَمِّ والسَّمِيعِ، وقَدَّمَ ما لِلْكافِرِينَ قِيلَ: مُراعاةً لِما تَقَدَّمَ ولِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِهِمْ، وقُدِّمَ الأعْمى عَلى الأصَمِّ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنهُ.
وفِي البَحْرِ إنَّما لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ كالأعْمى والبَصِيرِ، والأصَمِّ والسَّمِيعِ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَقابِلِينَ عَلى إثْرِ مُقابِلِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ والأتَمُّ في الإعْجازِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ ثُمَّ الظّاهِرُ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهو مَجْرُورٌ بِالكافِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مَثَلٍ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ ويَكُونُ مَعْناها مَعْنى المَثَلِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ، ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكَّرٌ عَلى ما قِيلَ: لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ إلَخْ. (مَثَلًا) أيْ حالًا وصِفَةً ونَصَبَهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ حالًا وفِيهِ بُعْدٌ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ أوْ تَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما ذُكِرَ لَكم مِنَ المَثَلِ، فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وهو وارِدٌ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَسْمَعُونَ هَذا فَلا تَتَذَكَّرُونَ فَيَكُونُ الإنْكارُ وارِدًا عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ وُجُودَهُ، وهو المَثَلُ المَضْرُوبُ، أيْ أفَلا تَفْعَلُونَ التَّذَكُّرَ أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ ومَعْنى إنْكارِ عَدَمِ التَّذَكُّرِ اسْتِبْعادُهُ مِنَ المُخاطَبِينَ، وأنَّهُ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ الإنْكارِ في ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ)،﴾ و﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ ونَفْيِ الِاسْتِواءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى وبَيانِ حالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ لِيَزْدادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْمِيرًا في الدَّعْوَةِ وتَحَمُّلًا لِما يُقاسِيهِ مِنَ المُعانِدِينَ، فَقالَ عَزَّ مَن قائِلٍ:
هود 11:25
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدَّرُ حَرْفُهُ ياءً لا واوًا وإنْ كانَ هو الشّائِعَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُها ولا يُبالِي بِذَلِكَ.
ونُوحٌ في المَشْهُورِ ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا؛ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وعاشَ بَعْدَ
صفحة 36
الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ( إنِّي لَكم نَذِير ) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ أوْ قائِلًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ فَلَمّا اتَّصَلَ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ بِناءً عَلى أنَّ كانَ مُرَكَّبَةٌ ولَيْسَتْ حَرْفًا بِرَأْسِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُبِينٌ).﴾ أيْ مُوَضِّحٌ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ
هود 11:26
﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والياءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا- و(لا) ناهِيَةٌ أيْ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإشْراكِ إلّا أنَّهُ وسَطٌ بَيْنَهُما بَيانُ بَعْضِ أوْصافِهِ لِيَكُونَ أدْخَلَ في القَبُولِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في صَدْرِ السُّورَةِ لِئَلّا يَكُونَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، وجَوَّزَ كَوْنَ (أنَّ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولًا –لِ مُبِينٌ- أيْ مُبَيِّنًا النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أنَّ) مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِأرْسَلْنا أوْ بِنَذِيرٍ أوْ بِمُبِينٍ- أيْ أرْسَلْناهُ بِشَيْءٍ أوْ نَذِيرٌ بِشَيْءٍ، أوْ مُبِينٌ شَيْئًا هو ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لَكِنْ قِيلَ: الإنْذارُ في هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فِيما مَرَّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَإنَّ (لا) إلَخْ. بَدَلٌ مِن ( إنِّي لَكم ) إلَخْ.. ويُقَدَّرُ القَوْلُ بَعْدَ (أنْ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أرْسَلْناهُ بِقَوْلِهِ: ( إنِّي لَكم نَذِيرٌ ) وبِقَوْلِهِ (لا تَعْبُدُوا) فَهو بَدَلُ البَعْضِ أوِ الكُلِّ عَلى المُبالَغَةِ، وادِّعاءُ (أنَّ) الإنْذارَ كُلَّهُ هُوَ، وجازَ أنْ لا يُقَدَّرَ القَوْلُ، فالأظْهَرُ حِينَئِذٍ بَدَلُ الِاشْتِمالِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ كَذَلِكَ مُطْلَقًا إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُما بِجُزْئِيَّةٍ أوْ كُلِّيَّةٍ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ المُعَلَّلَ بِهِ النَّهْيُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ وهو إنْذارٌ خاصٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْضًا لَهُ أوْ كُلًّا عَلى الِادِّعاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ الطُّوفانِ، ووَصْفُهُ بِالألِيمِ أيِ المُؤْلِمِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ المُؤْلِمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ نَزَلَ الظَّرْفُ مَنزِلَةَ الفاعِلِ نَفْسِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ فِيهِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ وقَعَ الفِعْلُ مِنهُ وكَذا وُصِفَ العَذابُ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، ويُمْكِنُ اعْتِبارُهُ هُنا أيْضًا، وجُعِلَ الجَرُّ لِلْجِوارِ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جُعِلَ وصْفَ الشَّيْءِ لِقُوَّةِ تَلَبُّسِهِ بِهِ كَأنَّهُ عَيَّنَهُ فَأسْنَدَ إلَيْهِ ما يُسْنَدُ إلى الفاعِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ نَهارُهُ صائِمٌ وجَدَّ جَدُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ وصْفَ العَذابِ بِالإيلامِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ ومِثْلُهُ يُعَدُّ فاعِلًا في اللُّغَةِ، فَيُقالُ: آلَمَهُ العَذابُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ -وكَذا ما في مَعْناها- مِمّا قَصَّ في غَيْرِ آيَةٍ لِما لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ كانَ يُكَرِّرُها في مُدَّتِهِ المُتَطاوِلَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ، عُطِفَ عَلى فِعْلِ الإرْسالِ المُقارِنِ لَها أوِ القَوْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَهُ جَوابُهُمُ المُعْتَرِضُ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
هود 11:27
﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم -وهُوَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ قادِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفايَةِ الأُمُورِ وتَدْبِيرِها، أوْ لِأنَّهم مُتَمالِئُونَ أيْ مُتَظاهِرُونَ مُتَعاوِنُونَ، أوْ لِأنَّهم يَمْلَأُونَ القُلُوبَ جَلالًا، والعُيُونَ جَمالًا، والأكُفَّ نَوالًا، أوْ لِأنَّهم مَمْلُئُونَ بِالآراءِ الصّائِبَةِ والأحْلامِ الرّاجِحَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَلَأِ لازِمًا، ومُتَعَدِّيًا
صفحة 37
ووَصَفَهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.
﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أرادُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةً تَخُصُّكَ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ وبَشَرًا واتَّبَعَكَ حالانِ مِنَ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ في الثّانِي أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وهو الظّاهِرُ فَهُما حِينَئِذٍ المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا البَشَرِيَّةُ فَقَطْ، ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهم أرادُوا التَّعْرِيضَ بِأنَّهم أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ كَأنَّهم قالُوا: هَبْ أنَّكَ مِثْلُنا في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ مِن كَثْرَةِ المالِ والجاهِ فَلِمَ اخْتَصَصْتَ بِالنُّبُوَّةِ مِن دُونِنا؟ والثّانِي أنَّهم أرادُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، وتَعَقَّبَ هَذا بِأنَّ فِيهِ اعْتِزالًا خَفِيًّا، وقَدْ بَيَّنَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ ونُوزِعَ في ذَلِكَ فَفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم (مِثْلُنا) عِلْيَةٌ لِتَحْقِيقِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخِ.. اسْتِدْلالٌ بِأنَّهم ضُعَفاءُ العُقُولِ لا تَمْيِيزَ لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا، وقَوْلُهُمُ الآتِي ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ تَسْجِيلٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النُّبُوَّةِ باطِلَةٌ لِإدْخالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأراذِلِ في سِلْكٍ عَلى أُسْلُوبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أنْقَصُ البَشَرِ فَضْلًا عَنْ الِارْتِقاءِ، ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ اعْتِزالٌ خَفِيٌّ ولا المَقامَ عَنْهُ أبِيٌّ انْتَهى.
وفِي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أرادُوا الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهم قالُوا: مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا وأنْتَ بَشَرٌ، وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا فَنَحْنُ أحَقُّ مِنكَ بِالرِّسالَةِ، ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الأُولى قَوْلُهُ في الجَوابِ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ)،﴾ ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الثّانِيَةُ ﴿وما نَرى لَكُمْ)..﴾ إلَخْ. والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُهم ولَيْسَ فِيهِ مَزِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النُّبُوَّةُ ووُجُوبُ الإطاعَةِ والاتِّباعُ، ولَعَلَّ قَوْلَهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخْ.. جَوابٌ عَمّا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِثْلَهم حَيْثُ اتَّبَعَهُ مَن وُفِّقَ لِاتِّباعِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْكَ اتِّباعُ مَنِ اتَّبَعَكَ فَيُوجِبُ عَلَيْنا اتِّباعَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ ﴿إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أيْ أخِسّاؤُنا وأدانِينا، وهو جَمْعُ أرْذَلَ الأغْلَبُ الأقْيَسُ في مِثْلِهِ إذا أُرِيدَ جَمْعُهُ أنْ يَجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ كالأخْسَرُونَ جَمْعُ أخْسَرَ لَكِنَّهُ كُسِرَ هُنا لِأنَّهُ صارَ بِالغَلَبَةِ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ، ولِذا جُعِلَ في القامُوسِ الرَّذْلِ والأرْذَلُ بِمَعْنًى وهو الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، ومَعْنى جَرَيانِهِ مَجْرى الِاسْمِ أنَّهُ لا يَكادُ يُذْكَرُ المَوْصُوفُ مَعَهُ كالأبْطَحِ والأبْرَقِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أرْذَلَ جَمْعِ رَذْلٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أكالِبُ وأكْلُبُ وكَلْبٌ وكَوْنُهُ جَمْعَ رَذْلٍ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إلّا أراذِلُنا مُبالَغَةً في اسْتِرْذالِهِمْ وكَأنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِفَقْرِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأشْرَفُ عِنْدَهُمُ الأكْثَرَ مِنها حَظًّا، والأرْذَلُ مَن حُرِمَها، ولَمْ يَفْقَهُوا أنَّ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ النَّعِيمَ إنَّما هو نَعِيمُ الآخِرَةِ، والأشْرَفُ مَن فازَ بِهِ والأرْذَلُ مَن حُرِمَهُ، ومِثْلُ هَؤُلاءِ في الجَهْلِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ عافانا اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الخِذْلانِ والحِرْمانِ، وكانَ القَوْمُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ حاكَّةً وأساكِفَةً وحَجّامِينَ وأرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ظاهِرَهُ وهو ما يَكُونُ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ، والرَّأْيُ مِن رُؤْيَةِ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ البادِي بِمَعْنى الأوَّلِ، وهو عَلى الأوَّلِ مِنَ البُدُوِّ، وعَلى الثّانِي مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ
صفحة 38
مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَدْ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِها، وانْتِصابُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لِاتَّبَعَكَ- عَلى مَعْنى اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ أوْ أوَّلِهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا ولَمْ يَتَثَبَّتُوا ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وغَرَضُهم مِن هَذا المُبالَغَةَ في عَدَمِ اعْتِبارِ ذَلِكَ الاتِّباعِ، وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عِلَّةَ الِاسْتِرْذالِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ في أوَّلِ رَأْيِهِمْ أوْ ظاهِرِهِ ولَيْسُوا مَعَكَ في الباطِنِ.
واسْتُشْكِلَ هَذا التَّعَلُّقُ بِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إلّا إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدًا خَيْرُ مِن عَمْرٍو، و﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في بادِي الرَّأْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ في الظَّرْفِ لِأنَّهُ يُتَّسَعُ فِيهِ ما لا يُتَّسَعُ في غَيْرِهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ الظَّرْفِيَّةِ بِأنَّ فاعِلًا لَيْسَ بِظَرْفٍ في الأصْلِ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّما جازَ في فاعِلٍ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَما جازَ في فَعِيلٍ كَقَرِيبٍ ومَلِيءٍ؛ لِإضافَتِهِ إلى الرَّأْيِ وهو كَثِيرًا ما يُضافُ إلى المَصْدَرِ الَّذِي يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ جَهْدَ رَأْيِي أنَّكَ مُنْطَلِقٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتابَعَهُ غَيْرُهُ أنَّ الأصْلَ وقْتُ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ أوْ وقْتُ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ فَحُذِفَ ذَلِكَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ولَعَلَّ تَقْدِيرَ الوَقْتِ لِيَكُونَ نائِبًا عَنِ الظَّرْفِ فَيَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، واعْتِبارُ الحُدُوثِ بِناءً عَلى أنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَنُوبُ عَنِ الظَّرْفِ ويَنْتَصِبُ، والمَصْدَرُ يَنُوبُ عَنْهُ كَثِيرًا فَأشارُوا بِذِكْرِهِ إلى أنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الحُدُوثِ بِمَعْنَيَيْهِ فَلِذا جازَ فِيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ مَحْذُوفٌ إذْ لا داعِيَ لِذَلِكَ في المَعْنى عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ هُنا مِن أنَّ الصِّفاتِ لا يَنُوبُ مِنها عَنِ الظَّرْفِ إلّا فَعِيلٌ مِنَ الفَوائِدِ الغَرِيبَةِ كَما قالَ الشِّهابُ- لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ بِالمَنعِ لِأنَّ فاعِلًا وقَعَ ظَرْفًا كَثِيرًا كَفَعِيلٍ، وذَلِكَ مِثْلُ خارِجِ الدّارِ، وباطِنِ الأمْرِ وظاهِرِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ –لِنَراكَ- أيْ ما نَراكَ في أوَّلِ رَأْيِنا أوْ فِيما يَظْهَرُ مِنهُ، وقِيلَ: لِأراذِلِنا أيْ أنَّهم أراذِلُ في أوَّلِ النَّظَرِ أوْ ظاهِرِهِ لِأنَّ رَذالَتَهم مَكْشُوفَةٌ لا تَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ -لِبَشَرًا- وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في ( اتَّبَعَكَ ) أيْ وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ فِيكَ، وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -أيْ يا بادِيَ الرَّأْيِ- أيْ ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فاعِلٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ والعامِلُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ.
﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِمُتَّبِعِيهِ جَمِيعًا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أيْ وما نَرى لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ ﴿عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ زِيادَةٍ تُؤَهِّلُكم لِاتِّباعِنا لَكُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالزِّيادَةِ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُهُ بِكَثْرَةِ المَلْكِ والمُلْكِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى وكَأنَّ مُرادَهم نَفْيُ رُؤْيَةِ فَضْلٍ بَعْدَ الاتِّباعِ أيْ ما نَرى فِيكَ وفِيهِمْ بَعْدَ الِاتِّباعِ فَضِيلَةً عَلَيْنا لِنَتَّبِعَ وإلّا فَهم قَدْ نَفَوْا أوَّلًا أفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ﴾ إلَخْ وصَرَّحُوا بِأنَّ مُتَّبِعِيهِ –وحاشاهُمْ- أراذِلُ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ رُؤْيَةِ فَضْلٍ لَهم عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: إنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِما فُهِمَ أوَّلًا، وقِيلَ: الخِطابُ لِأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَطْ فَيَكُونُ التِفاتًا أيْ ما نَرى لَكم عَلَيْنا شَرَفًا في تِلْكَ التَّبَعِيَّةِ لِنُوافِقَكم فِيها، وحُمِلَ الفَضْلُ عَلى التَّفَضُّلِ والإحْسانِ في احْتِمالَيِ الخِطابِ عَلى أنْ يَكُونَ مُرادُ المَلَأِ مِن جَوابِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ أنّا لا نَتَّبِعُكَ ولا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِكَ لِأنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ
صفحة 39
ما يَسْتَدْعِي نُبُوَّتَكَ وكَوْنَكَ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْنا بِذَلِكَ وأتْباعُكَ أراذِلُ اتَّبَعُوكَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَثَبُّتٍ، فَلا يَدُلُّ اتِّباعُهم عَلى أنَّ فِيكَ ما يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وخَفِيَ عَنّا، وأيْضًا لَسْتَ ذا تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِيَكُونَ تَفَضُّلُكَ داعِيًا لَنا لِمُوافَقَتِكَ كَيْفَما كُنْتَ ولا أتْباعُكَ ذَوُو تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِنُوافِقَهم وإنْ كانُوا أراذِلَ مُراعاةً لِحَقِّ التَّفَضُّلِ، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يُوافِقُ الرَّذِيلَ لِتَفَضُّلِهِ ولا يُبالِي بِكَوْنِهِ رَذِيلًا لِذَلِكَ مِمّا يَدُورُ في الخُلْدِ إلّا أنَّ في القَلْبِ مِنهُ شَيْئًا ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ جَمِيعًا لِكَوْنِ كَلامِهِمْ واحِدًا ودَعْوَتِكم واحِدَةً أوْ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في تَصْدِيقِكَ، قِيلَ: واقْتَصَرُوا عَلى الظَّنِّ احْتِرازًا مِنهم عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى المُجازَفَةِ كَما أنَّهم عَبَّرُوا بِما عَبَّرُوا أوَّلًا لِذَلِكَ مَعَ التَّعْرِيضِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرَأْيِ المُتَّبَعِينَ ومُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الآراءِ عَلى نَهْجِ الإنْصافِ
هود 11:28
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ لِي بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ. وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ، والِاكْتِفاءُ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفاءِ البَيِّنَةِ خَفاءَ المُدَّعِي، وجُمْلَةُ﴿وآتانِي رَحْمَةً﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ أوْ لِكَوْنِهِ لِلرَّحْمَةِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ أخْفَيْتُ الرَّحْمَةَ بَعْدَ إخْفاءِ البَيِّنَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها وحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَعْنى دُونَ تَقْدِيرٍ، أوْ لِتَقْدِيرِ –عُمِّيَتْ- غَيْرِ المَذْكُورِ بَعْدَ لَفْظِ البَيِّنَةِ وحُذِفَ اخْتِصارًا، وفِيهِ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ قَبْلَ الدَّلِيلِ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( فَعَمِيَتْ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو مِنَ العَمى ضِدَّ البَصَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الخَفاءُ مَجازًا يُقالُ: حُجَّةٌ عَمْياءُ كَما يُقالُ: مُبْصِرَةٌ لِلْواضِحَةِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ شِبْهُ خَفاءِ الدَّلِيلِ بِالعَمى في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَقاصِدِ، ثُمَّ فَعَلَ ما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِي لا يَهْتَدِي بِالحُجَّةِ لِخَفائِها عَلَيْهِ بِمَن سَلَكَ مَفازَةً لا يَعْرِفُ طُرُقَها واتَّبَعَ دَلِيلًا أعْمى فِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والأصْلُ فَعَمِيتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
تَرى الثَّوْرَ فِيها يَدْخُلُ الظِّلَّ رَأْسُهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، وكَذا الآيَةُ لَيْسَتْ مِنهُ أيْضًا لِأنَّ أخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ كَذَلِكَ ولَكَ أنْ تُضِيفَهُ إلى أيِّهِما شِئْتَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنَ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا ولا تَقُولُ: عَمِيتُ عَلى كَذا.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ وثّابٍ –وعَمِيَتْ- بِالواوِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: فَعَمّاها عَلَيْكُمْ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الحَسَنَ والقَبِيحَ مِنهُ تَعالى، ولِذا أوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حِفْظًا لِعَقِيدَتِهِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيْ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ أرَأيْتُمْ وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ
صفحة 40
وفِي البَحْرِ أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ البَيِّنَةُ مُقَدَّرًا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( أرَأيْتُمْ ) أيْ ( إنْ كُنْتُ ) إلَخْ.. فَأخْبِرُونِي وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ مَنصُوبانِ وقَدْ قُدِّمَ أعْرَفُهُما -وهُوَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ الأعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ- جازَ في الثّانِي الوَصْلُ والفَصْلُ، فَيَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ أنُلْزِمُكم إيّاها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ووافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وقالَ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ: يَجِبُ الوَصْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ: فَإذا كانَ المَفْعُولانِ اللَّذانِ تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلُ الفاعِلِ مُخاطَبًا وغائِبًا فَبَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، فَإنَّ عَلامَةَ الغائِبِ العَلّامَةُ الَّتِي لا يَقَعُ مَوْقِعُها إيّاهُ وذَلِكَ نَحْوَ: أعْطَيْتُكَهُ وقَدْ أعْطاكَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فَهَذا كَهَذا إذْ بَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، انْتَهى، ولَوْ قُدِّمَ الغائِبُ وجَبَ الِانْفِصالُ عَلى الصَّحِيحِ فَيُقالُ: أنُلْزِمُها إيّاكم.
وأجازَ بَعْضُهم الِاتِّصالَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراهُمُنِي، ولَمْ يَقُلْ: أراهم إيّايَ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وجِيءَ بِالواوِ تَتِمَّةً لِمِيمِ الجَمْعِ، وحُكِي عَنْ أبِي عَمْرٍو إسْكانُ المِيمِ الأُولى تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْكانُ حَرَكَةِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ
فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلَ
وقَوْلِهِ:
وناعٍ يُخْبِرُنا بِمَهْلِكِ سَيِّدٍ ∗∗∗ تُقَطَّعُ مِن وجْدٍ عَلَيْهِ الأنامِلُ
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الإسْكانِ فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الرّاوِي، وقَدْ رَوى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها وهَذا هو الحَقُّ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الإسْكانَ الصَّرِيحَ لَحْنٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وحُذّاقِ البَصْرِيِّينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ مِن شَطْرِ أنْفُسِنا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ مِن شَطْرِ قُلُوبِنا، أيْ مِن تِلْقائِها وجِهَتِها، وفي البَحْرِ أنَّ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.
﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ أيْ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ السَّمِينُ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِن أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، واخْتِيرَ أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وقُدِّمَ الجارُّ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ومَحْصُولُ الجَوابِ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ إلّا أنَّها خافِيَةٌ عَلَيْكم غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لَدَيْكم أيُمْكِنُنا أنْ نُكْرِهَكم عَلى قَبُولِها وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْها غَيْرُ مُتَدَبِّرِينَ فِيها، أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ -كَذا قَرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ- ثُمَّ قالَ: وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِصُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ إظْهارِ اليَأْسِ عَنْ إلْزامِهِمْ والقُعُودِ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ إلَخْ.. لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدُّهم عَنِ الإعْراضِ عَنْها وحَثُّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيها بِصَرْفِ الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الإلْزامِ حالَ كَراهَتِهِمْ لا إلى الإلْزامِ مُطْلَقًا، وقالَ مَوْلانا سَعْدِيُّ جَلْبِيُّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإلْزامِ هُنا الجَبْرُ بِالقَتْلِ ونَحْوُهُ لا الإيجابُ لِأنَّهُ واقِعٌ فَلْيُفْهَمْ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلُ العَقْلِ الَّذِي هو مِلاكُ الفَضْلِ وبِحَسْبِهِ يَمْتازُ أفْرادُ البَشَرِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وبِهِ تُناطُ الكَرامَةُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاجْتِباءُ لِلرِّسالَةِ وبِالكَوْنِ عَلَيْها التَّمَسُّكُ بِهِ والثَّباتُ عَلَيْهِ وبِخَفائِها عَلى الكَفَرَةِ عَلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ عَدَمَ إدْراكِهِمْ لِكَوْنِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها وبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ الَّتِي أنْكَرُوا اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ويَكُونُ المَعْنى: إنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ عَهْدَ النُّبُوَّةِ لا يَنالُهُ إلّا مَن لَهُ فَضِيلَةٌ عَلى سائِرِ النّاسِ مُسْتَتْبَعَةٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ دُونَهم أخْبِرُونِي إنِ امْتَزْتُ عَلَيْكم بِزِيادَةِ مَزِيَّةٍ وحِيازَةِ فَضِيلَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي
صفحة 41
بِحَسَبِها نُبُوَّةً مِن عِنْدِهِ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم تِلْكَ البَيِّنَةُ ولَمْ تُصِيبُوها ولَمْ تَنالُوها، ولَمْ تَعْلَمُوا حِيازَتِي لَها وكَوْنِي عَلَيْها إلى الآنِ حَتّى زَعَمْتُمْ أنِّي مِثْلُكم وهي مُتَحَقِّقَةٌ في نَفْسِها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَهُما، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْحَمْلِ عَلى الإقْرارِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوابًا عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أدْرَجُوها في خِلالِ مَقالِهِمْ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَشَرًا قُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَطْعًا لِشَأْفَةِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ، انْتَهى، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ مَعْنى أنُلْزِمُكُمُوها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَها غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى أنَّ في أمْرِ التَّبَعِيَّةِ نَظَرًا كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِما أتى بِهِ مِنَ الشَّرْطِ مِن بابِ المُجاراةِ وإسْنادِ الإلْزامِ لِضَمِيرِ الجَماعَةِ إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِاعْتِبارِ مُتَّبِعِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ ذَلِكَ،
هود 11:29
﴿ويا قَوْمِ﴾ ناداهم بِذَلِكَ تَلَطُّفًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهم ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيِ التَّبْلِيغِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإنْذارِ، وإفْرادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ، وقِيلَ: لِلدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ ﴿مالا﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ بَعْدَ إيمانِكُمْ، وأجْرًا لِي في مُقابَلَةِ اهْتِدائِكم ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ حَسَبَ وعْدِهِ الَّذِي لا يُخْلَفُ فالمُرادُ بِالأجْرِ الأجْرُ عَلى التَّبْلِيغِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ الأجْرُ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمالِ أوَّلًا وبِالأجْرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِن مَزِيَّةِ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما عِنْدَهم ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قِيلَ: هو جَوابٌ عَمّا لَوَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ الأشْرافُ لَوافَقُوهم وإنَّ اتِّباعَ الفُقَراءِ مانِعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ كَما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ التِماسًا مِنهم لِطَرْدِهِمْ وتَعْلِيقًا لِإيمانِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أنَفَةً مِن الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ، انْتَهى، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا لَهُ يا نُوحُ: إنْ أحْبَبْتَ أنْ نَتْبَعَكَ فاطْرُدْ هَؤُلاءِ، وإلّا فَلَنْ نَرْضى أنْ نَكُونَ نَحْنُ وهم في الأمْرِ سَواءً وذَلِكَ كَما قالَ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ عَنْكَ ونَحْنُ نَتْبَعُكَ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَجْلِسَ مَعَهم في مَجْلِسِكَ، فَهو جَوابٌ عَمّا لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ إشارَةٍ إلَيْهِ، وقُرِئَ (بِطارِدٍ) بِالتَّنْوِينِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ، يَعْنِي أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ فَأصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، واسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما شَبَهُهُ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ والآخَرُ شَبَهُهُ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، وإلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أوْلَوِيَّةَ إلْحاقِهِ بِالأسْماءِ إنَّما يَتِمُّ القَوْلُ بِها إذا كانَتِ الإضافَةُ في الأسْماءِ هي الأصْلَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.
﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ مِن طَرْدِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لا أطْرُدُهم ولا أُبْعِدُهم عَنْ مَجْلِسِي لِأنَّهم مِن أهْلِ الزُّلْفى المُقَرَّبُونَ الفائِزُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْفِهامُ الفَوْزِ بِمَعُونَةِ المَقامِ وإلّا فَمُلاقاةُ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ لِلْفائِزِ وغَيْرِهِ أوْ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ فَيُعاقِبُهُ عَلى ما فَعَلَ -وحَمَلَهُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ في الدُّنْيا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ- خِلافَ الظّاهِرِ عَلى أنَّ هَذا التَّصْدِيقَ مِن تَوابِعِ الإيمانِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهم يُلاقُونَهُ تَعالى فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ أمْرِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ في الفِكْرِ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِهِمْ وأتَعَرَّفَ سِرَّ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، وفِيهِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ
صفحة 42
مَبْنِيًّا عَلى أنَّ سُؤالَ الطَّرْدِ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ لا لِاسْتِرْذالِهِمْ، وحالُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى يَأْباهُ الجَزْمُ بِتَرَتُّبِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، ويَدْخُلُ فِيهِ جَهْلُهم بِمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِما يَتَرَتَّبُ مِنَ المَحْذُورِ عَلى طَرْدِهِمْ وبِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في التِماسِ ذَلِكَ وتَوْقِيفِ إيمانِهِمْ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإيثارُ صِيغَةِ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وعَبَّرَ بِالرُّؤْيَةِ مُوافَقَةً لِتَعْبِيرِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجَهْلُ بِمَعْنى الجِنايَةِ عَلى الغَيْرِ وفِعْلِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ المَذْمُومِ وهو مَعْنًى شائِعٌ كَما في قَوْلِهِ:
ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
أيْ: ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَتَسَفَّهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الخَساسَةِ،
هود 11:30
﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ أيْ مَن يَصُونُنِي مِنهُ تَعالى ويَدْفَعُ عَنِّي حُلُولَ سُخْطِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: لا يَنْصُرُنِي أحَدٌ مِن ذَلِكَ إنْ طَرَدْتُهم وأبْعَدْتُهم عَنِّي وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ والزُّلْفى مِنهُ تَعالى، وفي الكَلامِ ما لا يَخْفى مِن تَهْوِيلِ أمْرِ طَرْدِهِمْ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ أتَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ حَتّى تَعْرِفُوا أنَّ ما تَأْتُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، قِيلَ: ولِكَوْنِ هَذِهِ العِلَّةِ مُسْتَقِلَّةً بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الِامْتِناعِ عَنِ الطَّرْدِ أُفْرِدَتْ عَنِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وصُدِّرَتْ بِيا قَوْمِ- .