Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — هود 11:105 – يوسف 12:36

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. هود 11:105
  2. هود 11:106
  3. هود 11:107
  4. هود 11:108
  5. هود 11:109
  6. هود 11:110
  7. هود 11:111
  8. هود 11:112
  9. هود 11:113
  10. هود 11:114
  11. هود 11:115
  12. هود 11:116
  13. هود 11:117
  14. هود 11:118
  15. هود 11:119
  16. هود 11:120
  17. هود 11:121
  18. هود 11:122
  19. هود 11:123
  20. يوسف 12:1
  21. يوسف 12:2
  22. يوسف 12:3
  23. يوسف 12:4
  24. يوسف 12:5
  25. يوسف 12:6
  26. يوسف 12:7
  27. يوسف 12:8
  28. يوسف 12:9
  29. يوسف 12:10
  30. يوسف 12:11
  31. يوسف 12:12
  32. يوسف 12:13
  33. يوسف 12:14
  34. يوسف 12:15
  35. يوسف 12:16
  36. يوسف 12:17
  37. يوسف 12:18
  38. يوسف 12:19
  39. يوسف 12:20
  40. يوسف 12:21
  41. يوسف 12:22
  42. يوسف 12:23
  43. يوسف 12:24
  44. يوسف 12:25
  45. يوسف 12:26
  46. يوسف 12:27
  47. يوسف 12:28
  48. يوسف 12:29
  49. يوسف 12:30
  50. يوسف 12:31
  51. يوسف 12:32
  52. يوسف 12:33
  53. يوسف 12:34
  54. يوسف 12:35
  55. يوسف 12:36

هود 11:105

﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ المُؤَخَّرُ بِانْقِضاءِ أجَلِهِ المَضْرُوبِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَزاءِ أيْضًا، وقِيلَ: لِلَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ اليَوْمِ ما لا يَخْفى، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ -وما يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ، ونِسْبَةُ الإتْيانِ ونَحْوِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أتَتْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، واعْتُرِضَ الأوَّلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَصِحُّ لِأنَّ تَعَرُّفَ اليَوْمِ بِالإتْيانِ يَأْبى تَعَرُّفَ الإتْيانِ بِهِ، ولِأنَّ إتْيانَ اليَوْمِ لا يَنْفَكُّ عَنْ يَوْمِ الإتْيانِ فَيَكْفِي الإسْنادُ وتَلْغُو الإضافَةُ، ونَقَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ نَصًّا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ كَما لا تَقُولُ: جِئْتُكَ يَوْمَ بُسْرِكَ، وأُجِيبَ أنَّ كُلَّ زَمانٍ لَهُ شَأْنٌ يُعْتَبَرُ تَجَدُّدُهُ كالعِيدِ والنَّيْرُوزِ والسّاعَةِ مَثَلًا، يَجْرِي مَجْرى الزَّمانِيِّ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ زَمانًا فَبِاعْتِبارِ تَغايُرِ الجِهَتَيْنِ صَحَّتِ الإضافَةُ والإسْنادُ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَوْمَ يَأْتِي العِيدُ، والعِيدُ في يَوْمِ كَذا، فالأوَّلُ زَمانٌ وضَمِيرُهُ أعْنِي فاعِلَ الفِعْلِ زَمانِي، وإذًا حَسُنَ مِثْلُ قَوْلِهِ: فَسَقى الغَضى والسّاكِنِيهِ وإنْ هم شَبَوْهُ بَيْنَ جَوانِحِي وضُلُوعِي فَهَذا أحْسَنُ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، ونافِعٌ (يَأْتِي) بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، ووَصْلًا ووَقْفًا التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَفاكَ كَفُّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما وقَرَأ الأعْمَشُ -يَوْمَ يَأْتُونَ- بِواوِ الجَمْعِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ أيْ يَوْمَ يَأْتِي النّاسُ، أوْ أهْلُ المَوْقِفِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أيْ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهَذا الفِعْلُ عَلى الأظْهَرِ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ السّابِقِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالِانْتِهاءِ المُضافِ إلى الأجَلِ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ –لِاذْكُرْ- مَحْذُوفًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ، وأجازَ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَها نَعْتًا لِيَوْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ إضافَتَهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا وهو مَمْنُوعٌ، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الجُمَلَ بِمَنزِلَةِ النَّكِراتِ حَتّى أطْلَقُوا عَلَيْها ذَلِكَ فالإضافَةُ إلَيْها كالإضافَةِ إلَيْها ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ في التَّكَلُّمِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ مِن مَواقِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ في آخَرَ مِنها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَأْذُونَ فِيهِ الأجْوِبَةُ الحَقَّةُ والمَمْنُوعَ مِنهُ الأعْذارُ الباطِلَةُ، نَعَمْ قَدْ يُؤْذَنُ فِيها صفحة 140 أيْضًا لِإظْهارِ بُطْلانِهِمْ كَما في قَوْلِ الكَفَرَةِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ونَظائِرِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأعْذارِ وإنَّما هو إسْنادُ الذَّنْبِ إلى كُبَرائِهِمْ وأنَّهم أضَلُّوهم لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وفي الدُّرَرِ والغُرَرِ لِلسَّيِّدِ المُرْتَضى أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ اخْتِلافًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وأجابَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ مُمْتَدٌّ فَيَجُوزُ أنْ يَمْنَعُوا النُّطْقَ في بَعْضِهِ ويُؤْذَنَ لَهم في بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، ويُضَعِّفُ هَذا الجَوابَ أنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِطُولِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ فِيهِ مُخْتَلِفَةً، وعَلى ما ذَكَرُوهُ يَكُونُ مَعْنى ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ هَذا يَوْمٌ لا يَنْطِقُونَ في بَعْضِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجَوابُ السَّدِيدُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّما أُرِيدَ نَفْيُ النُّطْقِ المَسْمُوعِ المَقْبُولِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَكُونُ لَهم في مِثْلِهِ إقامَةُ حُجَّةٍ وخَلاصٌ لا نَفِيُ النُّطْقِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَعُمُّ ما لَيْسَ لَهُ هَذِهِ الحالَةُ، ويَجْرِي هَذا المَجْرى قَوْلُهُمْ: خَرِسَ فُلانٌ عَنْ حُجَّتِهِ، وحَضَرْنا فُلانًا يُناظِرُ فُلانًا فَلَمْ نَرَهُ قالَ شَيْئًا وإنْ كانَ الَّذِي وصَفَ بِالخَرَسِ والَّذِي نَفى عَنْهُ القَوْلَ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ كَثِيرٍ إلّا أنَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ولَمْ يَتَضَمَّنْ مَنفَعَةً جازَ إطْلاقُ ما حَكَيْناهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ ويَصِمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ سَمْعِي وما بِي غَيْرُهُ وقْرُ وعَلى هَذا فَلا اخْتِلافَ لِأنَّ التَّساؤُلَ والتَّلاوُمَ مَثَلًا لا حُجَّةَ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِالِاعْتِذارِ فَكَيْفَ يَعْتَذِرُونَ، ويُحْمَلُ الإذْنُ عَلى الأمْرِ وإنَّما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ لا تَكْلِيفَ فِيها والعِبادُ مُلْجَئُونَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ إلى الِاعْتِرافِ والإقْرارِ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُحْمَلَ ﴿يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ أنَّهُ لا يَسْمَعُ لَهم ولا يَقْبَلُ عُذْرَهُمُ، انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَضْعِيفَهُ لِما أجابَ بِهِ القَوْمُ مِنِ امْتِدادِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوازُ كَوْنِ المَنعِ مِنَ النُّطْقِ في بَعْضٍ مِنهُ والإذْنِ في بَعْضٍ آخَرَ لَيْسَ بِمُرْتَضًى عِنْدَ ذِي الفِكْرِ الرَّضِيِّ لِظُهُورِ صِحَّةِ وُقُوعِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ ظَرْفًا لِلنَّقِيضَيْنِ فِيما إذا لَمْ يَقْتَضِ كُلٌّ مِنهُما أوْ أحَدُهُما جَمِيعَ ذَلِكَ الزَّمانِ، وقَدْ شاعَ دَفْعُ التَّناقُضِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا ومَرْجِعُهُ إلى القَوْلِ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ كَما أنَّ مَرْجِعَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ إلى القَوْلِ بِاخْتِلافِ المَكانِ، واتِّحادُ الزَّمانِ والمَكانِ مِن شُرُوطِ تَناقُضِ القَضِيَّتَيْنِ ولَيْسَ هَذا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأبْعَدَ مِمّا فَعَلَهُ المُرْتَضِي عَلى أنَّ في كَلامِهِ بُعْدَ ما لا يَخْفى. وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّمِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُرادَ مِن يَوْمَ يَأْتِي حِينَ يَأْتِي، والقَضِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى ذَلِكَ وقْتِيَّةٌ حُكِمَ فِيها بِسَلْبِ المَحْمُولِ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ المَوْضُوعِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وهَذا لا يُنافِي ثُبُوتَ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ ما جاءَ في الآياتِ مِنَ التَّلاوُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو صَرِيحٌ في التَّكَلُّمِ كانَ عَنْ إذْنٍ، وإمّا أنْ يُحْمَلَ التَّكَلُّمُ هُنا عَلى تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وهو مُتَّصِلٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا ويُقَدَّرُ ما لا يَتَناوَلُ المُسْتَثْنى أيْ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ بِاقْتِدارٍ مِن عِنْدِها إلّا بِإذْنِهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وقَدْ طَرَقَ سَمْعَكَ ما هو الأصَحُّ فِيهِ، وقُرِئَ كَما في المَصاحِفِ لِابْنِ الأنْبارِ -يَوْمَ يَأْتُونَ لا تَكَلَّمُ دابَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ- ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ صفحة 141 أهْلِ المَوْقِفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أوِ الجَمِيعُ الَّذِي تَضْمَنُهُ (نَفْسٌ) إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، أوِ النّاسُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ ونَقَلَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ وكَأنَّهُ قَصَدَ هَذا القائِلُ بِذَلِكَ تَمْهِيدًا لِتَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ الآتِي وهو ولِلَّهِ الحَمْدُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شَقِيٌّ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَعِيدٌ﴾ بِتَقْدِيرِ ومِنهم سَعِيدٌ، وحُذِفَ مِنهم لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، والسَّعادَةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: مُعاوَنَةُ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ لِلْإنْسانِ عَلى نَيْلِ الخَيْرِ ويُضادُّها الشَّقاوَةُ، وفَسَّرَ في البَحْرِ الشَّقاوَةَ بِنَكَدِ العَيْشِ وسُوئِهِ، ثُمَّ قالَ: والسَّعادَةُ ضِدُّها، وفي القامُوسِ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ، فالشَّقِيُّ، والسَّعِيدُ هُما المُتَّصِفانِ بِما ذُكِرَ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ بِمَنِ اسْتَحَقَّ النّارَ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ. والثّانِي بِمَنِ اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ بِمُوجِبِ الوَعْدِ، وهَذا هو المُتَعارَفُ بَيْنَ الشَّرْعِيِّينَ، وتَقْدِيمُ الشَّقِيِّ عَلى السَّعِيدِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ

هود 11:106

﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ فِيها ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيَّةِ، والبَصْرِيَّةِ: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ والشَّهِيقُ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ، قالَ رُؤْبَةُ: حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا أوْ شَهِقَ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، قالَ الشَّمّاخُ في حِمارِ وحْشٍ: بَعِيدُ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ وقالَ الرّاغِبُ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ مِن زَفَرَ فُلانٌ إذا حَمَلَ حَمْلًا بِمَشَقَّةٍ فَتَرَدَّدَ فِيهِ نَفَسُهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْإماءِ الحامِلاتِ الماءَ: زَوافِرُ، والشَّهِيقُ طُولُ الزَّفِيرِ وهو رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرُ مَدُّهُ وأصْلُهُ مِن جَبَلٍ شاهِقٍ أيْ مُتَناهٍ في الطُّولِ. وعَنِ السّائِبِ أنَّ الزَّفِيرَ لِلْحَمِيرِ، والشَّهِيقَ لِلْبِغالِ وهو غَرِيبٌ، ويُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَنِ اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ الحَرارَةُ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ أصْواتِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ نَدامَةً ونَفَسًا عالِيًا وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وقَرَأ الحَسَنُ (شَقُوا) بِضَمِّ الشِّينِ فاسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ يُقالُ شَقاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ أشْقاهُ، وجُمْلَةُ ( لَهم فِيها زَفِيرٌ ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ما شَأْنُهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهم فِيها كَذا وكَذا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

هود 11:107

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خَلا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ حُدُوثُ كَوْنِهِمْ في النّارِ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ مُدَّةَ دَوامِها، وهَذا عِبارَةٌ عَنِ التَّأْيِيدِ ونَفْيِ الِانْقِطاعِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أفْعَلُ كَذا ما لاحَ كَوْكَبٌ، وما أضاءَ الفَجْرُ، وما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَّأْيِيدِ عِنْدَهم لا تَعْلِيقَ قَرارِهِمْ فِيها بِدَوامِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ النُّصُوصَ القاطِعَةَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ قَرارِهِمْ فِيها وانْقِطاعِ دَوامِهِما، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيقِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، وهي دائِمَةٌ لِلْأبَدِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَها سَماواتٍ وأرْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: صفحة 142 ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ، وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، انْتَهى. قالَ القاضِي: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وُجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما عَرَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ، وأجابَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ ما يُظِلُّهم وما يُقِلُّهم فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَعْلُومُ الوُجُودِ لِكُلِّ عاقِلٍ، وأمّا الدَّوامُ فَلَيْسَ مُسْتَفادًا مِن دَلِيلِ دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ بَلْ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ سَواءٌ عَرَفَ أنَّهُما دارُ الثَّوابِ والعِقابِ وأنَّ أهْلَهُما السُّعَداءَ والأشْقِياءَ مِنَ النّاسِ أوْ لا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهِ ما يَعْرِفُ بِما لا يَعْرِفُ بَلِ العَكْسُ، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ الجَلْبِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِكُلِّ عاقِلٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ إلّا المُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: الدَّوامُ مُسْتَفادٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ لا يَدْفَعُ ما ذَكَرَهُ القاضِي لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ أعْرَفَ مِنَ المُشَبَّهِ لا عِنْدَ المُتَدَيِّنِ لِأنَّهُ يَعْرِفُ كِلَيْهِما مِن قِبَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ أعْرَفِيَّةَ دَوامِ سَماواتِ الآخِرَةِ وأرْضِها، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ دَوامَهُما مُسْتَفادٌ مِن خُصُوصِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ بِعَيْنِهِ فَإنَّهُ لا يُهِمُّهُ لِيَمْنَعَ ولا عِنْدَ غَيْرِ المُتَدَيِّنِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِهِ ولا بِها ولا يَعْرِفُهُ، وقَوْلُهُ: عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهٍ إلَخْ.. مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَشْبِيهُ تِلْكَ الدّارِ بِهَذِهِ الدّارِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ التَّشْبِيهُ الضِّمْنِيُّ لِدَوامِهِمْ بِدَوامِهِما انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ. والحَقُّ أنَّ صِحَّةَ إرادَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وفي الأخْبارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ، ومَن تَأمَّلَ مُنْصِفًا بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ هُناكَ تَشْبِيهًا يَظْهَرُ لَهُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعْرَفُ مِنَ المُشَبَّهِ وأقْرَبُ إلى الذِّهْنِ، واتِّحادُ طَرِيقِ العِلْمِ بِهِما لا يَضُرُّ في ذَلِكَ شَيْئًا بَداهَةً أنَّ ثُبُوتَ الحَيِّزِ أعْرَفُ وأقْرَبُ إلى الذِّهْنِ مِن ثُبُوتِ ما تَحَيَّزَ فِيهِ وإنْ ورَدا مِن طُرُقِ السَّمْعِ كَما لا يَخْفى عَلى أنَّ اشْتِراطَ كَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ أعْرَفَ في كُلِّ تَشْبِيهٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ النّاظِرِ في المَعانِي، نَعَمِ المُتَبادَرُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ هَذِهِ الأجْرامُ المَعْهُودَةُ عِنْدَنا، فالأوْلى أنْ تَبْقى عَلى ظاهِرِها ويُجْعَلُ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ ما اعْتادَتْهُ العَرَبُ في مُحاوَراتِهِمْ عِنْدَ إرادَةِ التَّبْعِيدِ والتَّأْبِيدِ، وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ولَعَلَّ هَذا أوْلى أيْضًا مِمّا في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن حَمْلِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الجِنْسِ الشّامِلِ لِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ أيِ المُظِلِّ والمُقِلِّ في كُلِّ دارٍ، وفي الدُّرَرِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم خالِدُونَ بِمِقْدارِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي يُعْلَمُ انْقِطاعُها ثُمَّ يَزِيدُهم سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ ويُخَلِّدُهم ويُؤَبِّدُ مَقامَهُمْ، ولَعَلَّهُ أرادَ مُدَّةَ بَقائِهِما مُنْذُ خَلَقَهُما اللَّهُ تَعالى إلى أنْ يُبَدِّلَهُما لا مُدَّةَ بَقائِهِما بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُما يُبَدَّلانِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، والآيَةُ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾، ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( خالِدِينَ ) وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾، أوْ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلَيْهِ مُطْلَقًا. والمُرادُ بِمَن شاءَ فُسّاقُ المُوَحِّدِينَ فَإنَّهم يَخْرُجُونَ مِنها كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، وذَلِكَ كافٍ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ زَوالَ الحُكْمِ عَنِ الكُلِّ يَكْفِيهِ زَوالُهُ عَنِ البَعْضِ وهُمُ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ الثّانِي فَإنَّهم مُفارِقُونَ عَنِ الجَنَّةِ أيّامَ عَذابِهِمْ، والتَّأْبِيدُ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَقِضُ بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ كَما يَنْتَقِضُ بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: مَكَثْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ في البُسْتانِ إلّا ثَلاثَ ساعاتٍ جازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ الواقِعُ فِيهِ عَدَمُ المُكْثِ مِن أوَّلِهِ ومِن آخِرِهِ، وهَؤُلاءِ وإنْ شَقُوا بِعِصْيانِهِمْ فَقَدْ سَعِدُوا بِإيمانِهِمْ، ولا يُقالُ: فَعَلى هَذا لا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: صفحة 143 ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ تَقْسِيمًا صَحِيحًا لِأنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ مَنفِيَّةً عَنْ قِسْمَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حَيْثُ الِانْفِصالُ حَقِيقِيٌّ أوْ مانِعٌ مِنَ الجَمْعِ، وهَهُنا المُرادُ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ القِسْمَيْنِ وأنَّ حالَهم لا تَخْلُو عَنِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ في شَخْصٍ واحِدٍ بِاعْتِبارَيْنِ انْتَهى، وهو ما ذَكَرَهُ الإمامُ وآثَرَهُ القاضِي، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلى المَبْدَأِ المُعَيَّنِ ولَوْ سَلِمَ فالِاسْتِثْناءُ يَقْتَضِي إخْراجًا عَنْ حُكْمِ الخُلُودِ، وهو لا مَحالَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَكَيْفَ يَنْتَقِضُ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ؟ كَيْفَ وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: (فِي الجَنَّةِ)؟ ثُمَّ قِيلَ: فَإنْ قُلْتَ: زَمانُ تَفَرُّقِهِمْ عَنِ المَوْقِفِ هو الِابْتِداءُ وهو آخِرُ يَوْمٍ يَأْتِي، قُلْتُ: إنِ ادَّعى أنَّ الِابْتِداءَ مِنِ ابْتِداءِ ذَلِكَ الزَّمانِ جازَ أنْ يُسَلِّمَ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ ولا يَنْفَعُ لِأنَّ الكُلَّ في الدّارَيْنِ غَيْرُ خالِدِينَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأمّا جَعْلُ ابْتِداءِ المُدَّةِ مِنِ انْتِهائِهِ فَلا، وبِأنَّ تَقابُلَ الحُكْمَيْنِ يَدُلُّ عَلى تَقابُلِ القِسْمَيْنِ بِمَعْنى مَنعِ الجَمِيعِ مُطْلَقًا؛ وأُجِيبَ -بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا في ذَلِكَ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ آدابِ المُناظَرَةِ- بِأنَّ مَبْدَأ زَمانِ خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن زَمانِ دُخُولِ أهْلِ النّارِ في النّارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اتِّحادُ مِعْيارِ الخُلُودَيْنِ، وهو ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى زَمانِ خُلُودِهِما ولا اتِّحادَ مَعَ الِاخْتِلافِ في المَبْدَأِ، والِاسْتِثْناءُ عَنْ حُكْمِ الخُلُودِ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يَكُونُ بِالإخْراجِ عَنْ حُكْمِ الدُّخُولِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الخُلُودُ فِيها لا مَحالَةَ. وخُلاصَةُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ السُّعَداءَ كُلَّهم خالِدُونَ في الجَنَّةِ مِن زَمانِ دُخُولِ أهْلِ النّارِ في النّارِ إلّا العُصاةَ مِنهُمُ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ دُخُولَهم في النّارِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً عِلْمُها عِنْدَهُ جَلَّ وعَلا، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ تَقابُلِ الحُكْمَيْنِ إنْ أُرِيدَ تُقابُلُهُما بِمَعْنى مَنعِ الجَمْعِ، فَلا تَقابُلَ فِيهِما بِهَذا المَعْنى لِاجْتِماعِهِما في العُصاةِ، وإنْ أُرِيدَ مُطْلَقًا فَلا دَلالَةَ عَلى تَقابُلِ القِسْمَيْنِ بِذَلِكَ المَعْنى، انْتَهى. ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ما في ذَلِكَ القَوْلِ مِنَ التَّكَلُّفِ ومُخالَفَةِ الظّاهِرِ والِانْتِصارِ لَهُ بِما ذُكِرَ لا يُجْدِيهِ نَفْعًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُتَقَدِّمِ إلّا أنَّ الحُكْمَ الخُلُودُ في عَذابِ النّارِ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ: إنَّ الحُكْمَ فِيهِ الخُلُودُ في نَعِيمِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ يُنْقَلُونَ مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أحْيانًا، وكَذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ بِما هو أعْلى مِنها كالِاتِّصالِ بِجَنابِ القُدْسِ والفَوْزِ بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أكْبَرُ، وما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ مِمّا لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ سالًّا سَيْفَ البَغِيِّ والِاعْتِزالِ وقَدْ رَدَّهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ ذَلِكَ في أهْلِ النّارِ ظاهِرٌ لِأنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، والرَّدُّ بِأنَّ النّارَ عِبارَةٌ عَنْ دارِ العِقابِ غَيْرُ وارِدٍ لِأنّا لا نُنْكِرُ اسْتِعْمالَ النّارِ فِيها تَغْلِيبًا، أمّا دَعْوى الغَلَبَةِ حَتّى يَهْجُرَ الأصْلَ فَكَلّا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارًا تَلَظّى)،﴾ ﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ)؟﴾ وكَمْ، وكَمْ، وأمّا رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وهم فِيها فَيَأْبى الِاسْتِثْناءَ كَيْفَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّهم مُنْعَمُونَ بِها فَضْلًا عَنِ انْفِرادِها بِتَنَعُّمِهِمْ إلّا أنْ يُخَصَّصَ بِجَنَّةِ الثَّوابِ لا مَحْضِ التَّفَضُّلِ، وكَفاهُ بُطْلانًا التَّخْصِيصُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: هَجَرَ الأصْلَ في الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَتا عِلْمٌ مِنَ الوَصْفِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُها في مُقابَلَةِ الجَنَّةِ يُعَضِّدُ أنَّ المُرادَ بِها دارُ العِقابِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ و(ما) عَلى أصْلِها لِما لا يَعْقِلُ وهو الزَّمانُ والحُكْمُ الكَوْنُ في النّارِ، والمَعْنى أمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ في كُلِّ زَمانٍ بَعْدَ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا زَمانًا شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَدَمَ صفحة 144 كَوْنِهِمْ فِيها وهو زَمانُ مَوْقِفِ الحِسابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ الدّاخِلِينَ النّارَ إمّا سُعَداءُ فَيَلْزَمُ أنْ يَخْلُدُوا في الجَنَّةِ فِيما سِوى الزَّمانِ المُسْتَثْنى ولَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ أشْقِياءُ فَيَلْزَمُ أنْ يَخْلُدُوا في النّارِ وهو خِلافُ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأيْضًا تَأخُّرُهُ عَنِ الحالِ -ولا مَدْخَلَ لَها في الِاسْتِثْناءِ- لا يُفْصِحُ، والإبْهامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) والتَّفْخِيمُ الَّذِي يُعْطِيهِ لا يَبْقى لَهُ رَوْنَقٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ يَخُصُّ الأشْقِياءَ بِالكُفّارِ والسُّعَداءَ بِالأتْقِياءِ، ويَكُونُ العُصاةُ مَسْكُوتًا عَنْهم هُنا فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ كانَ سُنِّيًّا وإنْ كانَ مُعْتَزِلِيًّا، فَقَدْ وافَقَ سَنَنَ طَبْعِهِ، ويُجابُ عَمّا بَعْدُ بِالمَنعِ، وقِيلَ: أمْرُ الِاسْتِثْناءِ ما عَلِمْتُ إلّا أنَّ المُسْتَثْنى مُدَّةُ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوِ البَرْزَخِ، ويَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ ( يَوْمَ يَأْتِي ) والمَعْنى أنَّهم في النّارِ جَمِيعَ أزْمانِ وُجُودِهِمْ إلّا زَمانًا شاءَ اللَّهُ تَعالى لَبْثَهم في الدُّنْيا أوِ البَرْزَخِ، والمُرادُ مَعَ زَمانِ المَوْقِفِ إذْ لَيْسُوا في زَمانِهِ أيْضًا في النّارِ إلّا أنْ يُرادَ بِالنّارِ العَذابُ فَلا يَحْتاجُ لِلْمَعِيَّةِ، لَكِنْ يَرِدُ أنَّهم مُعَذَّبُونَ في البَرْزَخِ أيْضًا إلّا أنْ يُقالَ: لا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ لِأنَّهُ عَذابٌ غَيْرُ تامٍّ لِعَدَمِ تَمامِ حَياتِهِمْ فِيهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ما أوْرَدَ عَلى ما قَبْلَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَرِدُ لَوْ كانَ المُسْتَثْنى في الِاسْتِثْناءِ الثّانِي هو ذَلِكَ الزَّمانُ المُسْتَثْنى في الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَلْيَكُنِ المُسْتَثْنى مِنهُ زَمانَ لَبْثِهِمْ في النّارِ مَعَ ذَلِكَ الزَّمانِ المُسْتَثْنى في الآيَةِ الأُولى، فَإنَّ المُسْتَثْنى لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ زَمانٍ حَتّى لا يُمْكِنَ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ورَدَ بِأنَّ المُقابِلَ لا يَجْرِي فِيهِ هَذا ويَبْقى الإشْكالُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ ما تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ والِاطِّرادُ لَيْسَ بِلازِمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ ضَعْفِ هَذا الوَجْهِ، وكَفى بِعَدَمِ الِاطِّرادِ ضَعْفًا، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى سِوى كَقَوْلِكَ: لَكَ عَلَيَّ ألْفانِ إلّا الألْفَ الَّتِي كانَتْ يَعْنِي سِواها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، والسَّجاوِنْدِيِّ، والمَعْنى سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها عَلى مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، والِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرِ صِفَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى يَخْلُدُونَ فِيها مِقْدارَ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ سِوى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا يَتَناهى، وضَعْفُ هَذا القِيلِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حَمْلُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى هَذَيْنِ الجِسْمَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَعْنى التَّأْبِيدِ وهو فاسِدٌ، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى الواوِ أيْ وما شاءَ رَبُّكَ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، واسْتُشْهِدَ عَلى مَجِيئِها بِمَعْنى الواوِ بِقَوْلِهِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرِ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ النُّحاةِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنْ يُحْمَلَ (ما) عَلى مَن لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ وهي المَرْحُومِيَّةُ، و( خالِدِينَ ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ الِاسْتِقْرارِ أيْ في النّارِ، والمَعْنى وأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ إلّا المَرْحُومَ الَّذِي شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَسْتَقِرَّ مُخَلَّدًا فَيُفِيدُ أنْ لا يَسْتَقِرَّ فِيها مُطْلَقًا أوْ يَسْتَقِرَّ غَيْرَ مُخَلَّدٍ، وأحْوالُ العُصاةِ عَلى هَذا النَّهْجِ كَما عُلِمَ مِنَ النُّصُوصِ، وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ إخْراجَهم بِمَحْضِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَجْرِي في المُقابِلِ إلّا بِتَأْوِيلِ الإمامِ وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ، أوْ بِجَعْلِهِ مِن أصْلِ الحُكْمِ ويَقْتَضِي أنْ لا يَدْخُلُوا أصْلًا، وإذا أُوِّلَ بِمُقَدَّرِينَ فَلَوْ جُعِلَ اسْتِثْناءً مِن مُقَدِّرِينَ لَمْ يَتَّجِهْ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: (فِي النّارِ) فَلا يَكُونُ لَهم دُخُولٌ أصْلًا، ودَلالَةُ (ما) لِإبْهامِها إمّا عَلى التَّفْخِيمِ أوِ التَّحْقِيرِ ولا يُطابِقُ المَقامَ، وقِيلَ: وقِيلَ، والأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَمَعْنى إلّا ما شاءَ إنْ شاءَ أيْ لَوْ فُرِضَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ إخْراجَهم مِنَ النّارِ أوِ الجَنَّةِ في زَمانٍ لَكانَ مُسْتَثْنًى مِن مُدَّةِ خُلُودِهِمْ، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ لِدَلالَةِ القَواطِعِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ، صفحة 145 وهَذا كَما قالَ الطِّيبِيُّ مِن أُسْلُوبِ ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾، و﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ وذَكَرَ أنَّهُ وقَفَ عَلى نَصٍّ مِن قَبْلِ الزَّجّاجِ يُوافِقُ ذَلِكَ. وفِي المَعالِمِ عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا ما يُوافِقُهُ حَيْثُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ سُبْحانَهُ ولا يَفْعَلُهُ كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ وعَزِيمَتُكَ أنْ تَضْرِبَهُ، وحَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ ما نَقَلَهُ قَبْلُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المَعْنى لَوْ شاءَ لَأخْرَجَهم لَكِنَّهُ لا يَشاءُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ لَهم بِالخُلُودِ. وفِي البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ ما هو بِمَعْناهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ شاءَ رَبُّكَ فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أيْضًا الفاضِلُ مَيْرَزاجانُ الشِّيرازِيُّ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى تَفْسِيرِ القاضِي، ونَصَّ عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّعْلِيقِ بِالمَحالِّ حَتّى يُثْبِتَ مَحالِيَّةَ المُعَلَّقِ ويَكُونُ كَدَعْوى الشَّيْءِ مَعَ بَيِّنَةٍ، وهو أحَدُ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها السَّيِّدُ المُرْتَضى في دُرَرِهِ، وتَفْسِيرُ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بِالشَّرْطِ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، ولَعَلَّ النُّكْتَةَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ما قِيلَ: إرْشادُ العِبادِ إلى تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وإعْلامُهم بِأنَّها مَنُوطَةٌ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ).﴾ وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ فائِدَتَهُ دَفْعَ تَوَهُّمِ كَوْنِ الخُلُودِ أمْرًا واجِبًا عَلَيْهِ تَعالى لا يُمْكِنُ لَهُ سُبْحانَهُ نَقْضُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ حَيْثُ أخْبَرَ بِهِ جَلَّ وعَلا مُؤَكِّدًا، والمُرادُ -بِالَّذِينِ شَقُوا- عَلى هَذا الوَجْهِ الكَفّارُ فَقَطْ فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِهَذا الِاسْمِ عَلى الحَقِيقَةِ -وبِالَّذِينِ سَعِدُوا- المُؤْمِنُونَ كافَّةً مُطِيعُهم وعاصِيهِمْ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ لِلِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِي الجَنَّةِ﴾ لِأنَّهُ يَصْدُقُ بِالدُّخُولِ في الجُمْلَةِ. وفِي الكَشْفِ بَعْدُ نُقِلَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن بابِ ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ حَصَلَ مَغْزى الزَّمَخْشَرِيِّ مِن خُلُودِ الفُسّاقِ، قُلْتُ: لا كَذَلِكَ لِأنَّهم داخِلُونَ في السُّعَداءِ، والآيَةُ تَقْتَضِي خُلُودَ السَّعِيدِ وذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيها لا مَحالَةَ، ولا تَنْفِي كَيْنُونَتَهُ في النّارِ قَبْلَ دُخُولِهِ في الجَنَّةِ فَإنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلُوا -أعْنِي السُّعَداءَ- كُلُّهم في الجَنَّةِ مَعًا كَيْفَ والقاطِعُ يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِمْ أوَّلًا فَأوَّلًا عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمُ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ، فَإنَّ الآيَةَ مِنَ المُعْضِلاتِ. وإنَّما لَمْ يُضْمِرْ في ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ.. كَما هو الظّاهِرُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، واللّامُ في ( لِما ) قِيلَ لِلتَّقْوِيَةِ، أيْ فَعّالٌ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ لا يَتَعاصى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

هود 11:108

﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الكَلامُ فِيهِ ما عَلِمْتَ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا أنَّ لَهم بَهْجَةً وسُرُورًا كَما ذَكَرَ في أهْلِ النّارِ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ)؛﴾ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، و﴿سُعِدُوا﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِرَءاةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، ونُسِبَتْ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ (سَعِدُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، واخْتارَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، وكانَ يَقُولُ: عَجَبًا مِنَ الكِسائِيِّ كَيْفَ قَرَأ (سُعِدُوا) مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ فَإنَّهُ ما قَرَأ صفحة 146 إلّا ما صَحَّ عِنْدَهُ ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّأْيِ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ مَسْعُودًا فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنَّ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى أسْعَدَهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ، وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مُسْعَدٌ، وما ألْطَفَ الإشارَةَ في -شَقُوا وسَعِدُوا- عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ في الأوَّلِ، والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الثّانِي، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى، ومَن لَمْ يَجِدْ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْهم ولا مُخْتَرَمٍ، ومَصْدَرُهُ الجَذُّ، وقَدْ جاءَتْ جَذَذْتُ وجَدَدْتُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والدّالِ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وبِالمُعْجَمَةِ أكْثَرُ، ونُصِبَ (عَطاءً) عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ يَقْتَضِي إعْطاءً وإنْعامًا فَكَأنَّهم قِيلَ: يُعْطِيهِمْ إعْطاءً وهو إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ هو الإعْطاءُ، أوْ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وقِيلَ: هو نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ المُقَدَّرِ لِلْمَشِيئَةِ، أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنَّ نِسْبَةَ مَشِيئَةِ الخُرُوجِ إلى اللَّهِ تَعالى تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ عَطاءٍ مَجْذُوذٍ، وعَلى جِهَةِ عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ فَهو رافِعٌ لِلْإبْهامِ عَنِ النِّسْبَةِ، ولَعَلَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْلى وكَأنَّهُ جِيءَ بِذَلِكَ اعْتِناءً ومُبالَغَةً في التَّأْبِيدِ ودَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ مِن الِانْقِطاعِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ -وهُوَ إمّا نَفْسُ الدُّخُولِ أوْ ما هو كاللّازِمِ البَيِّنِ لَهُ- لا يَنْقَطِعُ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ كَما في العِقابِ بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرادُفِ نِعَمٍ ورُضْوانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِبَيانِ النَّقْصِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ، ولِهَذا فَرَّقَ في النَّظْمِ بَيْنَ التَّأْبِيدِ مِن حَيْثُ تَمَّمَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُنَعِّمُ بَعْضَ مَن يُعَذِّبُهُ ويُبْقِي غَيْرَهُ كَما يَشاءُ ويَخْتارُ؛ والثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ( عَطاءً ) إلَخْ .. بَيانًا لِأنَّ إحْسانَهُ لا يَنْقَطِعُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِصَدْرِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْقى في النّارِ أحَدٌ ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ في الجَنَّةِ، وتَقْوى مَطْلَبِهِ ذاكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَوْ لَبِثَ أهْلُ النّارِ في النّارِ كَقَدْرِ رَمْلِ عالِجَ لَكانَ لَهم يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وبِما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَيَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ لا يَبْقى فِيها أحَدٌ، وقَرَأ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى لِأهْلِ النّارِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ( ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ السَّماوات والأرْض إلّا ما شاءَ رَبُّك﴾ ) قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْها زَمانٌ تُصَفِّقُ فِيهِ أبْوابُها، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جَهَنَّمُ أسْرَعُ الدّارَيْنِ عُمْرانًا وأسْرَعُهُما خَرابًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. وقَدْ نَصَّ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَلى وضْعِ بَعْضِها كَخَبَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ يَأْتِي عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ ما فِيها مِنِ ابْنِ آدَمَ أحَدٌ تُصَفِّقُ أبْوابُها كَأنَّها أبْوابُ المُوَحِّدِينَ، وأوَّلَ البَعْضُ بَعْضَها، ومَرَّ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ خُلُودَ الكُفّارِ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ولا عِبْرَةَ بِالمُخالِفِ، والقَواطِعُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولا يُقاوِمُ واحِدًا مِنها كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُخالِفُ لِما عَلِمْتَهُ مِنَ الوُجُوهِ فِيها، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ، هَذا وقَدْ ذُكِرَ أنَّ في الآيَةِ صِيغَةَ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ والتَّقْسِيمِ، أمّا الجَمْعُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾ فَإنَّ النَّفْسَ كَما تَقَرَّرَ عامَّةٌ لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأمّا التَّفْرِيقُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ) وأمّا التَّقْسِيمُ فَفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلَخْ ونَظِيرُها في ذَلِكَ قَوْلُ الشَّرِيفِ القَيْرَوانِيِّ: صفحة 147 لِمُخْتَلِفِي الحاجاتِ جَمْعٌ بِبابِهِ فَهَذا لَهُ فَنٌّ وهَذا لَهُ فَنٌّ فَلِلْخامِلِ العُلْيا ولِلْمُعْدَمِ الغِنى ولِلْمُذْنِبِ العُتْبى ولِلْخائِفِ الأمْنُ ومِن هُنا يُعْلَمُ حالُ الفاءَيْنِ فاءِ ( فَمِنهم ) وفاءِ ( فَأمّا ) إلَخْ.. قِيلَ: وفي العُدُولِ عَنْ فَأمّا الشَّقِيُّ فَفي النّارِ خالِدًا فِيها إلَخْ.. وأمّا السَّعِيدُ -أوِ المَسْعُودُ- فَفي الجَنَّةِ خالِدًا فِيها إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ هَذِهِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ ما هَذانِ الكِتابانِ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ أما تُخْبِرُنا؟ فَقالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في شَمالِهِ: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ النّارِ وآبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَهم عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، فَقالَ أصْحابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؟ فَقالَ: سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وإنَّ صاحِبَ النّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ فَنَبَذَهُما وقالَ: فَرَغَ رَبُّكم مِنَ العِبادِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ“». وجاءَ في حَدِيثٍ: «الشَّقِيِّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ» وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالنُّطْفَةِ وإلّا فالأمْرُ قَبْلَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الأُمَّ بِالثُّبُوتِ العِلْمِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ المَعْلُومُ مِنهُ إلى هَذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى، ولا يَأْبى هَذِهِ الإشارَةَ عِنْدَ التَّأمُّلِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلامَ نَعْمَلُ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أوْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ؟ قالَ: بَلْ عَلى شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ يا عُمَرُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“،» وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ هُنا التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأتى بِالمَوْصُولِ جَمْعًا إيذانًا بِأنَّ المُرادَ -بِشَقِيٍّ وسَعِيدٍ- فَرِيقٌ شَقِيٌّ وفَرِيقٌ سَعِيدٌ، ولَمْ يَقُلْ أشْقِياءَ وسُعَداءَ لِأنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقِيلَ: الإفْرادُ أوَّلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِالشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجَمْعٌ ثانِيًا لِما أنَّ دُخُولَ كُلِّ فَرِيقٍ في الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ جُمْلَةً واحِدَةً بَلْ جَمْعًا جَمْعًا وزُمْرَةً زُمْرَةً ولَهُ شَواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ

هود 11:109

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ في شَكٍّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قُصَّ مِنَ القِصَصِ وبُيِّنَ في تَضاعِيفِها مِنَ العَواقِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أيْ فَلا تَكُ في شَكٍّ بَعْدَ أنْ بُيِّنَ لَكَ ما بُيِّنَ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، -فَمِنِ- ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى فِي، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إذْ لا مَعْنى لِلْمِرْيَةِ في أنْفُسِهِمْ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ تَعْلِيلًا في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ، أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبِّباتِ، ومَعْنى ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ كَما كانَ عَبَدَ صفحة 148 فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ( قَبْلُ) عَلَيْهِ، وكَأنَّ اخْتِيارَ هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً لَهم ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم حُظُوظَهم أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ، وفي هَذا مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ما لا يَخْفى حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ رِزْقَهم مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وفي التَّعْبِيرِ -بِالنَّصِيبِ- عَلى الأوَّلِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ ما يُطْلَبُ ويُرادُ والعَذابُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، و-بِالرِّزْقِ- عَنْ أبِي العالِيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما قُدِّرَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمُوفُوهُمْ) مُخَفَّفًا مِن أوْفى ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ النَّصِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الحَقُّ. وفِي الكَشّافِ أنَّهُ جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ عَنِ النَّصِيبِ المُوَفّى لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ ويُوَفّى وهو كامِلٌ، ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذِهِ مَغْلَطَةٌ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ فالتَّوْفِيَةُ إنَّما وقَعَتْ في الشَّطْرِ وكَذا ثُلْثُ حَقِّهِ، والمَعْنى أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ كامِلًا، فالحالُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ ناقِصًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْمُنافاةِ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ نُقْصانِ المُوَفّى كامِلًا كانَ أوْ بَعْضًا، فَقَوْلُكَ: وفَّيْتُهُ نِصْفَ حَقِّهِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ نُقْصانِ النِّصْفِ المُوَفّى، فالسُّؤالُ عَنْ وجْهِ انْتِصابِ هَذِهِ الحالِ قائِمٌ بَعْدُ، والأوْجَهُ أنْ يُقالَ: اُسْتُعْمِلَتِ التَّوْفِيَةُ بِمَعْنى الإعْطاءِ كَما اسْتُعْمِلَ التَّوَفِّي بِمَعْنى الأخْذِ، ومَن قالَ: أعْطَيْتُ فُلانًا حَقَّهُ كانَ جَدِيرًا أنْ يُؤَكِّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ)،﴾ انْتَهى. وفي الكَشْفِ أقُولُ في تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِالنِّصْفِ مَعَ أنَّ الكُلَّ حَقُّهُ ما يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبِهِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: نِصْفَ حَقِّهِ وحَقَّهُ مُنَصَّفًا، فَجازَ وفَّيْتُهُ نَصِيبَهُ مُنَصَّفًا ونَصِيبَهُ ناقِصًا، ويَحْسُنُ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ ويُظْهِرُ أنَّ الواهِمَ مَن هو فَتَأمَّلْ.

هود 11:110

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أيْ في شَأْنِ الكِتابِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ فَلا تُبالِ بِاخْتِلافِ قَوْمِكَ فِيما آتَيْناكَ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وزَعْمُهم (إنَّكَ افْتَرَيْتَهُ). وجَوَّزَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى مُوسى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا؟ مُسْتَلْزِمًا لِلِاخْتِلافِ في كِتابِهِ هَلْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْ لا، وقِيلَ: إنَّ -فِي- عَلى هَذا الِاحْتِمالِ بِمَعْنى عَلى، أيْ فاخْتَلَفَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ وتَعَنَّتُوا كَما فَعَلَ قَوْمُكَ مَعَكَ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي كَلِمَةُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ عَلى حَسَبِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ لَأُوقِعَ القَضاءُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن قَوْمِكَ بِإنْزالِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُونَ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ عَنِ المُحِقِّينَ، وفي البَحْرِ إنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى قَوْمِ مُوسى، قِيلَ: ولَيْسَ بِذاكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَوْدُهُ عَلى القَوْمَيْنِ أحْسَنُ عِنْدِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ كُلا﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والأوْلى عِنْدِي الأوَّلُ ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيْ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ بَعْضُ مَن رَجَعَ إلَيْهِمْ ضَمِيرٌ بَيْنَهم لِلْأمْنِ مِنَ الإلْباسِ ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ عَظِيمٍ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ وإنْ لَمْ صفحة 149 يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فَإنَّ ذِكْرَ إيتاءِ كِتابِ مُوسى ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيهِ لا سِيَّما بِصَدَدِ التَّسْلِيَةِ يُنادِيهِ نِداءً غَيْرَ خَفِيٍّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعِيدِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن أرابَ إذا صارَ ذا رِيبَةٍ

هود 11:111

﴿وإنَّ كُلا﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المَعْرُوفُ في تَنْوِينِ كُلٍّ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُّحاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِينُ تَمْكِينٍ لَكِنَّهُ لا يَمْنَعُ تَقْدِيرَ المُضافِ إلَيْهِ أيْضًا أيْ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أجْزِيهِ أعْمالَهُمْ، ولامُ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، أيْ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، و(لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ وهو مَعَ تَشْدِيدِ أنَّ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُشْكِلٌ حَتّى قالَ المُبَرَّدُ: إنَّها لَحْنٌ وهو مِنَ الجَسارَةِ بِمَكانٍ لِتَواتُرِ القِراءَةِ ولَيْتَهُ قالَ كَما قالَ الكِسائِيُّ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ أصْلَ (لَمّا) هَذِهِ لَمّا مُنَوَّنًا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ ثُمَّ بُنِيَ عَلى فَعَلى وهو مَأْخُوذٌ مِن لَمَمْتُهُ إذا جَمَعْتَهُ، ولا يُقالُ إنَّها (لَمًّا) المُنَوَّنَةُ وقَفَ عَلَيْها بِالألِفِ، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى المَوْقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّما يَكُونُ في الشِّعْرِ واسْتُبْعِدَ هَذا التَّخْرِيجُ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ بِناءُ فَعْلى مِن لَمَّ، وبِأنَّهُ يَلْزَمُ لِمَن أمالَ فَعْلى أنْ يُمِيلَها ولَمْ يُمِلْها أحَدٌ بِالإجْماعِ، وبِأنَّهُ كانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ بِالياءِ ولَمْ تُكْتَبْ بِها، وسَيُعْلَمُ إعْرابُ الآيَةِ عَلى هَذا مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: (لَما) المُخَفَّفَةُ وشُدِّدَتْ في الوَقْفِ ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وحِينَئِذٍ فالإعْرابُ ما سَتَعْرِفُهُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى إلّا، وإلّا تَقَعُ زائِدَةً كَما في قَوْلِهِ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ يَمِينَ امْرِئٍ إلّا بِها غَيْرَ آثِمٍ فَلا يَبْعُدُ أنَّ (لَمّا) الَّتِي بِمَعْناها زائِدَةٌ وهو وجْهٌ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ في إلّا، وعَنِ المازِنِيِّ أنَّ أنَّ المُشَدَّدَةَ هُنا نافِيَةٌ، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا غَيْرُ زائِدَةٍ وهو باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ تَثْقِيلُ أنَّ النّافِيَةِ، ولِنَصْبِ -كُلَّ- والنّافِيَةُ لا تُنْصَبُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: (إنَّ) عَلى ظاهِرِها، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا كَما في قَوْلِكَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتَ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ (لَمّا) هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ قَبْلَها ولَيْسَ كَما ذُكِرَ فَقَدْ تُفارِقُ؛ وإنَّما يُضْعِفُ ذَلِكَ بَلْ يُبْطِلُهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ دُخُولِ إلّا ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا إلّا ضَرَبْتَ لَمْ يَكُنْ تَرْكِيبًا عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ (لَمّا) هَذِهِ أصْلُها لِمَن ما فَهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللّامِ ومِنَ المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ وما الزّائِدَةِ فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الوُسْطى مِنها ثُمَّ أُدْغِمَ المِثْلانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المَهْدَوِيُّ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَبِعَهُ جَماعَةٌ مِنهم نَصْرٌ الشِّيرازِيُّ: إنَّ أصْلَها لِمَن ما بِمَنِ الجارَّةِ وما المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ فَعَمِلَ بِذَلِكَ نَحْوَ ما عَمِلَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبِلَهُ، وقَدْ جاءَ هَذا الأصْلُ في قَوْلِهِ: وأنا لِمَن ما تَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تَلْقى اللِّسانَ مِنَ الفَمِ واللّامُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ قِيلَ: مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، ونُقِلَ عَنِ الفارِسِيِّ -وهُوَ مُخالِفٌ لِما اشْتُهِرَ عَنِ النُّحاةِ- مِن أنَّ المُوَطِّئَةَ هي الدّاخِلَةُ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّمٍ عَلى جَوابِ قَسَمٍ تَقَدَّمَ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ بِأنَّ الجَوابَ لَهُ نَحْوُ: واللَّهِ لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، ولَيْسَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جَوابَ القِسْمِ، بَلْ ما يَأْتِي بَعْدَها، وكانَ مَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِ الأخْفَشِ أنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ، وإنَّما هي ما دَلَّتْ عَلى أنَّ ما بَعْدَها صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْقَسَمِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّها اللّامُ الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، ومَن مَوْصُولًا أوْ مَوْصُوفًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ هو الخَبَرُ، والقَسَمُ وجَوابُهُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا لِلَّذِينَ أوِ الخَلْقِ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، ومِن ومَجْرُورُها عَلى الوَجْهِ الثّانِي صفحة 150 فِي مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أيْضًا لَكِنَّ لَمّا، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا لَمِنَ الَّذِينَ أوْ لَمِن خَلْقٍ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، قالَ في البَحْرِ: وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ جِدًّا ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ مَن وكَذا حَذْفُ نُونِ مِنِ الجارَّةِ إلّا في الشِّعْرِ إذا لَقِيَتْ لامَ التَّعْرِيفِ أوْ شَبَهَها غَيْرَ المُدْغَمَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: مِلْمالِ يُرِيدُونَ مِنَ المالِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي وغَيْرِهِ إنَّ الأصْلَ لَمِن ما بِمِنِ الجارَّةِ قُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، فَفي المُغْنِي إنَّ حَذْفَ هَذِهِ المِيمِ اسْتِثْقالًا لَمْ يَثْبُتِ انْتَهى، وقالَ الدَّمامِينِيُّ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَعْلِيلُ الحَذْفِ بِالِاسْتِثْقالِ وقَدِ اجْتَمَعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: (عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) ثَمانِي مِيماتٍ انْتَهى، وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإنِّي لَمّا أصْدَرَ الأمْرَ وجَّهَهُ ∗∗∗ إذا هو أعْيا بِالسَّبِيلِ مَصادِرَهُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لَمّا بِمَعْنى حِينَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ لَمّا عَمِلُوا ما عَمِلُوا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والحَذْفُ في الكَلامِ كَثِيرٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: إذا قُلْتَ: سِيرُوا إنَّ لَيْلى لَعَلَّها ∗∗∗ جَرى دُونَ لَيْلى مائِلُ القَرْنِ أعْضَبُ أرادَ لَعَلَّها تَلْقانِي أوْ تَصِلُنِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ التَّخْرِيجاتِ مِمّا تَنَزَّهُ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْ مِثْلِها: كُنْتُ قَدْ ظَهَرَ لِي وجْهٌ جارٍ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ عارٍ مِنَ التَّكَلُّفِ وهو أنَّ (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها المَجْزُومُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَما حَذَفُوهُ في قَوْلِهِمْ: قارَبْتُ المَدِينَةَ ولَمّا يُرِيدُونَ ولَمّا أدْخُلْها، والتَّقْدِيرُ هُنا وإنَّ كُلًّا لَمّا يَنْقُصُ مِن جَزاءِ عَمَلِهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ، وكُنْتُ أعْتَقِدُ أنِّي ما سَبَقْتُ إلى ذَلِكَ حَتّى تَحَقَّقْتُ أنَّ ابْنَ الحاجِبِ وُفِّقَ لِذَلِكَ فَرَأيْتُ في كِتابِ التَّحْرِيرِ نَقْلًا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ ثَبَتَ الحَذْفُ في قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ ولَمّا، وسافَرْتُ ولَمّا ونَحْوَهُ، وهو سائِغٌ فَصِيحٌ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَمّا يَتْرُكُوا أوْ لَمّا يُهْمِلُوا ويَدُلْ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ المَجْمُوعَيْنِ ومُجازاتُهُمْ، ثُمَّ قالَ: وما أعْرِفُ وجْهًا أشْبَهَ مِن هَذا وإنْ كانَتِ النُّفُوسُ تَسْتَبْعِدُهُ مِن جِهَةِ أنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ لَمّا يُوَفُّوا أعْمالَهم أيْ إلى الآنِ لَمْ يُوَفَّوْها وسَيُوَفَّوْنَها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ هِشامٍ لِما يَلْزَمُ عَلى التَّقْدِيراتِ السّابِقَةِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في مَعْنى لَمّا أنَّهم سَيَنْقُصُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ وأنَّهم سَيُتْرَكُونَ ويُهْمَلُونَ، وذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُرادَ وهو ظاهِرٌ، وهَذا وجْهُ النَّظَرِ الَّذِي عَناهُ ابْنُ هِشامٍ في قَوْلِهِ مُعْتَرِضًا عَلى ابْنِ الحاجِبِ: وفي هَذا التَّقْدِيرِ نَظَرٌ. وقالَ الجَلْبِيُّ: وجْهُهُ أنَّ الدّالَّ عَلى المَحْذُوفِ سابِقٌ عَلَيْهِ بِكَثِيرٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ لَيْسَ مِن لَفْظِ هَذا الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ دالٌّ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ، ثُمَّ المُرَجَّحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ أنَّ ولَما بِالتَّخْفِيفِ وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ أنَّ عامِلَةٌ وإنْ خُفِّفَتِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ في العَمَلِ وهو شَبَهُ الفِعْلِ، ولا يَضُرُّ زَوالُ الشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَذْهَبَهم جَوازُ أعْمالِها إذا خُفِّفَتْ لَكِنْ عَلى قِلَّةٍ إلّا مَعَ المُضْمَرِ فَلا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شَعْرٍ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مِنهم أنَّهُ قالَ: أخْبَرَنِي الثِّقَةُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: إنَّ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ. وزَعَمَ بَعْضٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ المَكْسُورَةَ إذا خُفِّفَتْ لا تَعْمَلُ، وتَأوَّلَ الآيَةَ بِجَعْلِ (كُلًّا) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ أرى كُلًّا مَثَلًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ هَذا في البَحْرِ مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ، وفي الِارْتِشافِ إنَّ الكُوفِيِّينَ صفحة 151 لا يُجَوِّزُونَ تَخْفِيفَ المَكْسُورَةِ لا مُهْمَلَةً ولا مُعْمَلَةً، وذَكَرَ بَعْضُهم مِثْلَهُ وأنَّ ما يَعُدُّها البَصْرِيُّونَ مُخَفَّفَةً يَعُدُّها الكُوفِيُّونَ نافِيَةً، واسْتَثْنى مِنهُمُ الكِسائِيَّ فَإنَّهُ وافَقَ البَصْرِيِّينَ ومَذْهَبُهم في ذَلِكَ هو الحَقُّ، و(كُلًّا) اسْمُها واللّامُ هي الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ وما مَوْصُولَةٌ خَبَرُ إنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ في اللّامِ مَذْهَبَهُ، وفي (ما) كَوْنِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والجُمْلَةُ صِفَتُها أيْ وإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ أوْ لَفَرِيقٌ مُوَفًّى عَمَلَهُ، واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ في اللّامِ ما اخْتاراهُ؛ وجَعَلَ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ خَبَرًا وما مَزِيدَةً بَيْنَ اللّامَيْنِ وقَدْ عْهِدَتْ زِيادَتُها في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ إنَّ وتَشْدِيدِ لَمّا، وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِعَكْسِ ذَلِكَ وتَخْرِيجُ القِراءَتَيْنِ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَ في تَخْرِيجِ القِراءَتَيْنِ قَبْلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وأنْ بِالتَّخْفِيفِ كُلٌّ بِالرَّفْعِ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ أنْ نافِيَةٌ وكُلَّ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها خَبَرُهُ، و(لَمّا) بِمَعْنى إلّا أيْ ما كُلٌّ إلّا أقْسَمَ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَجِيءَ (لَمّا) بِمَعْنى إلّا في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ جَعْلَها هُنا بِمَعْنى إلّا وجْهٌ لا نَعْرِفُهُ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ مَعَ اليَمِينِ بِاللَّهِ: لَمّا قُمْتَ عَنّا وإلّا قُمْتَ عَنّا، وأمّا في غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ نَسْمَعْ مَجِيئَها بِمَعْنى إلّا لا في نَثْرٍ ولا في شِعْرٍ؛ ويَلْزَمُ القائِلَ أنْ يُجَوِّزَ قامَ النّاسُ لَمّا زَيْدًا عَلى مَعْنى إلّا زَيْدًا ولا التِفاتَ إلّا إنْكارِهِما، والقِراءَةُ المُتَواتِرَةُ في ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾، و﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ تُثْبِتُ ما أنْكَراهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وكَوْنُ العَرَبِ خَصَّصَتْ مَجِيئَها كَذَلِكَ بِبَعْضِ التَّراكِيبِ لا يَضُرُّ شَيْئًا، فَكَمْ مِن شَيْءٍ خُصَّ بِتَرْكِيبٍ دُونَ ما أشْبَهَهُ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ (وإنَّ كُلًّا لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ والتَّنْوِينِ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا في النَّقْلِ عَنْهُما لِتَشْدِيدِ أنْ ولا لِتَخْفِيفِها، وهي في هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ كَما مَرَّ ونَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ عِنْدَ أبِي البَقاءِ وضَعَّفَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّها صِفَةٌ لِكُلٍّ ويُقَدَّرُ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ لِيَصِحَّ وصْفُهُ بِالنَّكِرَةِ، وكانَ المَصْدَرُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ وإنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مِنهُ مَيْلًا إلى القَوْلِ بِالتَّأْكِيدِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّها مَنصُوبَةٌ –بِلَيُوَفِّيَنَّهُمْ- عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قِيامًا لا أقُومَنَّ، والتَّقْدِيرُ تَوْفِيَةً جامِعَةً لِأعْمالِهِمْ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ وخَبَرُ ( إنَّ في ذَلِكَ ) جُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ، ورَوى أبُو حاتِمٍ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وإنَّ مِن كُلٍّ إلّا لَيُوَفِّيَنَّهم وخُرِّجَ عَلى أنَّ أنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ مِن وهو حَرْفُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والوَجْهُ ظاهِرٌ، قِيلَ: وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِدَّةَ مُؤَكِّداتٍ مِن أنْ واللّامِ وما إذا كانَتْ زائِدَةً والقَسَمِ ونُونِ التَّأْكِيدِ وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في وعْدِ الطّائِعِينَ ووَعِيدِ العاصِينَ ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِما يَعْمَلُهُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ عَلِيمٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، والجُمْلَةُ قِيلَ: تَوْكِيدٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي وما يَقْتَضِيهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنها مِنَ الجَزاءِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ تَتَأتّى تَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. صفحة 152 وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (تَعْمَلُونَ) عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ

هود 11:112

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لِما بَيَّنَ أمْرَ المُخْتَلِفِينَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأطْنَبَ سُبْحانَهُ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أمَرَ بِها، وهَذا يَقْتَضِي أمْرَهُ ﷺ بِوَحْيٍ آخَرَ ولَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا أمْرٌ بِالدَّوامِ عَلى الِاسْتِقامَةِ وهي لُزُومُ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ وهو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وهي كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ وسائِرِ الأخْلاقِ فَتَشْمَلُ العَقائِدَ والأعْمالَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والأُمُورَ الخاصَّةَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَبْلِيغِ الأحْكامِ والقِيامِ بِوَظائِفِ النُّبُوَّةِ وتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ قالُوا: إنَّ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مَيْلٌ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ قِيدَ عُرْضِ شَعْرَةٍ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا بِالِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الحَوْلِ والقُوَّةِ بِالكُلِّيَّةِ، ومَثَّلُوا الأمْرَ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ ذَيْنَكِ الطَّرَفَيْنِ بِخَطٍّ يَكُونُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ لَيْسَ بِشَمْسٍ ولا ظِلٍّ بَلْ هو أمْرٌ فاصِلٌ بَيْنَهُما ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ لَدَقِيقٌ، ولِهَذا قالُوا: لا يُطِيقُ الِاسْتِقامَةَ إلّا مَن أُيِّدَ بِالمُشاهَداتِ القَوِيَّةِ والأنْوارِ السَّنِيَّةِ ثُمَّ عُصِمَ بِالتَّشَبُّثِ بِالحَقِّ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾، وجَعَلَ بَعْضُ العارِفِينَ الصِّراطَ الَّذِي هو أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وأحَدُّ مِنَ السَّيْفِ إشارَةً إلى هَذا المَنهَجِ المُتَوَسِّطِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ هَذا الأمْرِ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”شَمِّرُوا شَمِّرُوا“ وما رُؤِيَ بَعْدَها ضاحِكًا». وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ آيَةٌ أشَدُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولا أشَقُّ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى عُسْرِ الِاسْتِقامَةِ بِما شاعَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ مُتَضافِرَةٌ بِضَمِّ سُوَرٍ أُخْرى إلَيْها وإنِ اخْتَلَفَتْ في تَعْيِينِ المَضْمُومِ كَما مَرَّ أوَّلَ السُّورَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَخْفى ما في الِاسْتِدْلالِ مِنَ الخَفاءِ، ومِن هُنا قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: التَّخْصِيصُ بِهُودٍ لِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ لائِحٍ إذْ لَيْسَ في الأخَواتِ ذِكْرُ الِاسْتِقامَةِ. وذَكَرَ في قُوتِ القُلُوبِ أنَّهُ لَمّا كانَ القَرِيبُ الحَبِيبُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيَّبَهُ ذِكْرُ البُعْدِ وأهْلِهِ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيَّبَهُ ذِكْرُ أهْوالِ القِيامَةِ، وكَأنَّهُ -بِأبِي هو وأُمِّي- شاهِدٌ مِنهُ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانِ شِيبًا، انْتَهى. وبَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِرُؤْيا أبِي عَلِيٍّ الشِّتْرِيِّ السّابِقَةِ وفِيهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ إنَّ رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَتْ حَقًّا حَيْثُ إنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّهُ مِن أيْنَ يُجْزَمُ بِضَبْطِ الرّائِي وتَحْقِيقِهِ ما رَأى عَلى أنَّ مِمّا يُوهِنُ أمْرَ هَذِهِ الرُّؤْيا ويُقَوِّي ظَنَّ عَدَمِ ثُبُوتِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها وما فُعِلَ بِالأُمَمِ قَبْلِي“،» وذَكَرَ الشِّهابُ ما يُقَوِّي اعْتِراضَ صاحِبِ الكَشْفِ مِن أنَّهُ لَيْسَ في الطُّرُقِ المَرْوِيَّةِ في هَذا البابِ الِاقْتِصارُ عَلى هُودٍ بَلْ ذَكَرَ مَعَها أخَواتِها ولَيْسَ فِيها الأمْرُ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ وقَعَ في غَيْرِها مِن آلِ حَمِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لاحَ لَهُ ما يَدْفَعُ الإشْكالَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى إرْشادِهِ تَعالى شَأْنُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ مِن مُفْتَتِحِها إلى مُخْتَتَمِها، وإلى ما يَعْتَرِي مَن تَصَدّى لِهَذِهِ المَرْتَبَةِ السَّنِيَّةِ مِنَ الشَّدائِدِ واحْتِمالِهِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ لا عَلى التَّسْلِيَةِ إذْ لا يُطابِقُ المَقامَ حَسْبَما تَقَدَّمَ لَكَ عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جامِعَةً لِإرْشادِهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لَها فَحِينَما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ هالَهُ ما فِيها مِنَ الشَّدائِدِ وخافَ مِن عَدَمِ القِيامِ بِأعْبائِها صفحة 153 حَتّى إذا لَقِيَ اللَّهَ تَعالى في يَوْمِ الجَزاءِ رُبَّما مَسَّهُ نَصَبٌ مِنَ السُّؤالِ عَنْها، فَذِكْرُ القِيامَةِ في تِلْكَ السُّوَرِ يُخَوِّفُهُ هَوْلُها لِاحْتِمالِ تَفْرِيطِهِ فِيما أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ في هَذِهِ، وهَذا لا يُنافِي عِصْمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقُرْبَهُ لِكَوْنِهِ الأعْلَمَ بِاللَّهِ تَعالى والأخْوَفَ مِنهُ، فالخَوْفُ مِنها يُذَكِّرُهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، فَكَأنَّها هي المُشَيِّبَةُ لَهُ ﷺ مِن بَيْنِها؛ ولِذا بَدَأ بِها في جَمِيعِ الرِّواياتِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الآيَةُ فَذْلَكَةً لَها كانَتْ هي المُشَيِّبَةَ في الحَقِيقَةِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ نِسْبَةِ التَّشْيِيبِ لِتِلْكَ السُّوَرِ ولا لِهَذِهِ السُّورَةِ وحْدَها كَما فَعَلَهُ مَن فِعْلِهِ، ولا لِتِلْكَ الآيَةِ كَما وقَعَ في تِلْكَ الرُّؤْيا، انْتَهى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهٌ آخَرُ لِنِسْبَةِ التَّشْيِيبِ لِهَذِهِ السُّورَةِ فَلْيُتَأمَّلْ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى كَوْنِ الكافِ في (كَما) بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِمْ: كُنْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ، أيْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ: المَعْنى اسْتَقِمْ عَلى القُرْآنِ، وقالَ مُقاتِلٌ: امْضِ عَلى التَّوْحِيدِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْتَقِمْ عَلى الأخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِصِحَّةِ العَزْمِ، والأظْهَرُ إبْقاءُ ما عَلى العُمُومِ، أيِ اسْتَقِمْ عَلى جَمِيعِ ما أُمِرْتَ بِهِ، والكَلامُ في حَذْفِ مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ أمْرٌ شائِعٌ، وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، ومالَ بَعْضُهم إلى كَوْنِ الكافِ لِلتَّشْبِيهِ حَسْبَما هو الظّاهِرُ مِنها إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّها في حُكْمِ مِثْلٍ، في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِمْ الِاسْتِقامَةَ الَّتِي أُمِرْتَ بِها فِرارًا مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ، ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ في تَذْكِرَتِهِ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءَ هَذا التَّشْبِيهُ لِلِاسْتِقامَةِ بِالأمْرِ؟ قُلْتُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ مِثْلُ مَطْلُوبِ الأمْرِ أيْ مَدْلُولِهِ، فَإنْ قُلْتَ: الِاسْتِقامَةُ المَأْمُورُ بِها هي مَطْلُوبُ الأمْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلًا لَها؟ قُلْتُ: مَطْلُوبُ الأمْرِ كُلِّيٌّ والمَأْمُورُ جُزْئِيٌّ فَحَصَلَتِ المُغايَرَةُ وصَحَّ التَّشْبِيهُ كَقَوْلِكَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ كَما أُمِرْتَ، وأبْعَدَ بَعْضُهم فَجَعَلَ الكافَ بِمَعْنى عَلى واسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ كاسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى أيِ اطْلُبِ الغُفْرانَ مِنهُ، وقالَ: المَعْنى اطْلُبِ الإقامَةَ عَلى الدِّينِ. ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ تابَ مِنَ الشِّرْكِ وآمَنَ مَعَكَ، فالمَعِيَّةُ بِاعْتِبارِ اللّازِمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ما تَقَدَّمَهُ وغَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ: يَكْفِي الِاشْتِراكُ في التَّوْبَةِ والمَعِيَّةُ فِيها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَثُوبِ عَنْهُ، وقَدْ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً،» واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الجَلْبِيُّ، و(مِن) عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. وجَماعَةٌ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿واسْتَقِمْ﴾ وأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ لِحُصُولِ الغَرَضِ بِهِ، وفي الكَلامِ تَغْلِيبٌ لِحُكْمِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ في لَفْظِ الأمْرِ، واخْتارَ كَثِيرٌ أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ولْيَسْتَقِمْ مِن.. إلَخْ.. لِأنَّ الأمْرَ لا يَرْفَعُ الظّاهِرَ، وحِينَئِذٍ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ رَجَّحَهُ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّقْدِيرِ ودَفَعَ المَحْذُورَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمَعْنى اسْتَقِمْ مُصاحِبًا لِمَن تابَ، قِيلَ: وهو في المَعْنى أتَمُّ وإنْ كانَ في اللَّفْظِ نَوْعُ نُبُوَّةٍ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلْيَسْتَقِمْ، وجَوَّزَ كَوْنَ الخَبَرِ (مَعَكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ لا تَنْحَرِفُوا عَمّا حُدَّ لَكم بِإفْراطٍ أوْ تَفْرِيطٍ فَإنَّ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ، وسُمِّيَ ذَلِكَ طُغْيانًا وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ تَغْلِيظًا أوْ تَغْلِيبًا لِحالِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ عَلى حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى لا تَطْغَوْا في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا وتُحَرِّمُوا ما لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَعْصُوا رَبَّكُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: لا تَخْلِطُوا التَّوْحِيدَ بِالشِّرْكِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى. ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ السّابِقَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيمُوا ولا تَطْغَوْا صفحة 154 لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناظِرٌ لِأعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّهُ تَتْمِيمٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ وأتَمُّ فائِدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ –يَعْمَلُونَ- بِياءِ الغَيْبَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِيسى الثَّقَفِيِّ أيْضًا، وفي الآيَةِ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وإعْمالِ العَقْلِ الصِّرْفِ، فَإنَّ ذَلِكَ طُغْيانٌ وضَلالٌ، وأمّا العَمَلُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ التّابِعِ لِعِلَلِ النُّصُوصِ فَذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِقامَةِ كَما أُمِرَ عَلى مُوجَبِ النُّصُوصِ الآمِرَةِ بِالِاجْتِهادِ، وقالَ الإمامُ: وعِنْدِي لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّ عُمُومُ النَّصِّ عَلى حُكْمٍ وجَبَ الحُكْمُ بِمُقْتَضاهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ والعَمَلُ بِالقِياسِ انْحِرافٌ عَنْهُ، ولِذا لَمّا ورَدَ القُرْآنُ بِالأمْرِ بِالوُضُوءِ وجِيءَ بِالأعْضاءِ مُرَتَّبَةً في اللَّفْظِ وجَبَ التَّرْتِيبُ فِيها، ولَمّا ورَدَ الأمْرُ في الزَّكاةِ بِأداءِ الإبِلِ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ مِنَ البَقَرِ وجَبَ اعْتِبارُها، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ كَما أمَرَ، انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيجابَ التَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ لِذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ويَلْزَمُهُ أنْ يُوجِبَ التَّرْتِيبَ في الأوامِرِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ مِثْلُ (أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ) وكَذا في نَحْوِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ بِعَيْنِ ما ذُكِرَ في الوُضُوءِ وهو كَما تَرى، وكَأنَّهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَجْزِمُ بِأنَّ الحَنَفِيَّةَ الَّذِينَ لا يُوجِبُونَ التَّرْتِيبَ في أعْمالِ الوُضُوءِ طاغُونَ خارِجُونَ عَمّا حَدَّ اللَّهُ تَعالى لا احْتِمالَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهم مُسْتَقِيمُونَ وهو مِنَ الظُّلْمِ بِمَكانٍ

هود 11:113

﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفَسَّرَ المَيْلَ بِمَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِمْ بِالمَحَبَّةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ كَما يُفَسَّرُ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بِمَن وجَدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا مُطْلَقًا، قِيلَ: ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ إلى الظّالِمِينَ؛ ويَشْمَلُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مُداهَنَتَهم وتَرْكَ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمَ ذِكْرِهِمْ ومُجالَسَتَهم مِن غَيْرِ داعٍ شَرْعِيٍّ، وكَذا القِيامُ لَهم ونَحْوُ ذَلِكَ، ومَدارُ النَّهْيِ عَلى الظُّلْمِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِيَّةِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهم جَماعَةً مَظِنَّةَ الرُّخْصَةِ في مُداهَنَتِهِمْ مَثَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم جَماعَةٌ ولَيْسَ فَلَيْسَ ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ أيْ فَتُصِيبَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ الواقِعَةُ في جَوابِ النَّهْيِ ﴿النّارُ﴾ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وإلى التَّفْسِيرِ الثّانِي -وما أصْعَبَهُ عَلى النّاسِ اليَوْمَ في غالِبِ الأعاصِيرِ مِن تَفْسِيرٍ- ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: وإذا كانَ حالُ المَيْلِ في الجُمْلَةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ ما في الإفُضاءِ إلى مَساسِ النّاسِ النّارُ فَما ظَنَّكَ بِمَن يَمِيلُ إلى الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ كُلَّ المَيْلِ، ويَتَهالَكُ عَلى مُصاحَبَتِهِمْ ومُنادَمَتِهِمْ، ويُتْعِبُ قَلْبَهُ وقالَبَهُ في إدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَنْهِضُ الرَّجْلَ والخَيْلَ في جَلْبِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ، ويَبْتَهِجُ بِالتَّزَيِّيِ بِزِيِّهِمْ والمُشارَكَةِ لَهم في غَيِّهِمْ، ويَمُدُّ عَيْنَيْهِ إلى ما مُتِّعُوا بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، ويَغْبِطُهم بِما أُوتُوا مِنَ القُطُوفِ الدّانِيَةِ غافِلًا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ ذاهِلًا عَلى مُنْتَهى ما هُنالِكَ؟ ويَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا لا مِنَ الرّاكِنِينَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسُفْيانَ: إنِّي أخِيطُ لِلظَّلَمَةِ فَهَلْ أُعَدُّ مِنَ أعْوانِهِمْ؟ فَقالَ لَهُ: لا أنْتَ مِنهم والَّذِي يَبِيعُكَ الإبْرَةَ مِن أعْوانِهِمْ، وما أحْسَنَ ما كَتَبَهُ بَعْضُ النّاصِحِينَ لِلزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ، وهو -عافانا اللَّهُ تَعالى وإيّاكَ- أبا بَكْرٍ مِنَ الفِتَنِ فَقَدْ أصْبَحَتْ بِحالٍ يَنْبَغِي لِمَن عَرَفَكَ أنْ يَدْعُوَ لَكَ اللَّهُ تَعالى ويَرْحَمَكَ أصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا وقَدْ أثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى بِما فَهَّمَكَ مِن كِتابِهِ وعَلَّمَكَ مِن سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ صفحة 155 كَذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ عَلى العُلَماءِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ أيْسَرَ ما ارْتَكَبْتَ وأخَفَّ ما احْتَمَلْتَ إنَّكَ آنَسْتَ وحْشَةَ الظّالِمِ وسَهَّلْتَ سَبِيلَ الغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا ولَمْ يَتْرُكْ باطِلًا حِينَ أدْناكَ اتَّخَذُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْكَ رَحى باطِلِهِمْ وجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إلى بَلائِهِمْ وسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إلى ضَلالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلى العُلَماءِ، ويَقْتادُونَ بِكَ قُلُوبَ الجُهَلاءِ، فَما أيْسَرَ ما عَمَّرُوا لَكَ في جَنْبِ ما خَرَّبُوا عَلَيْكَ، وما أكْثَرَ ما أخَذُوا مِنكَ فِيما أفْسَدُوا عَلَيْكَ مِن دِينِكَ فَما يُؤَمِّنُكَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فَإنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجْهَلُ ويَحْفَظُ عَلَيْكَ مَن لا يَغْفُلُ فَداوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سَقَمٌ وهَيِّئَ زادَكَ فَقَدْ حَضَرَ السَّفَرُ البَعِيدُ، وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والسَّلامُ. وعَنِ الأوْزاعِيِّ ما مِن شَيْءٍ أبْغَضُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عالِمٍ يَزُورُ عامِلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ: الذُّبابُ عَلى العُذْرَةِ أحْسَنُ مِن قارِئٍ عَلى بابِ هَؤُلاءِ، وفي الخَبَرِ مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى في أرْضِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ الآيَةَ أبْلَغُ شَيْءٍ في التَّحْذِيرِ عَنِ الظَّلَمَةِ والظُّلْمِ، ولِذا قالَ الحَسَنُ: جَمْعُ الدِّينِ في لاءَيْنِ يَعْنِي -لا تَطْغُوا ولا تَرْكَنُوا- ويُحْكى أنَّ المُوَفَّقَ أبا أحْمَدَ طَلْحَةَ العَبّاسِيَّ صَلّى خَلْفَ الإمامِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ، فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ فَكَيْفَ الظّالِمُ. هَذا وخِطابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهَذَيْنِ النَّهْيَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّثْبِيتِ عَلَيْها، وقَدْ تُجْعَلُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ بِهِ الدَّوامَ والثَّباتَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ (تِرْكَنُوا) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ. وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٌو (تَرْكُنُوا) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وهي عَلى ما في البَحْرِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّها لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وشَذَّ –تَرْكَنُ- بِالفَتْحِ مُضارِعُ رَكَنَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا تُرْكَنُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿تَرْكَنُوا﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي –رَكِنَ- بِكَسْرِها وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الفُصْحى -عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ فِيما يُرْوى عَنْهُ (فَتِمَسُّكُمْ) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ أيْضًا ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكُمْ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ نَصِيرٌ، والمَقامُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَمَسُّكم ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إذْ قَدْ سَبَقَ في حُكْمِهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَكم بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ ولا يُبْقِيَ عَلَيْكُمْ، و(ثُمَّ) قِيلَ: لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهُمُ العَذابَ عَلى ذَلِكَ، وأوْجَبَهُ لَهُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ أثَرَ الحَرْفِ إنَّما هو مَدْخُولُهُ ومَدْخُولُ (ثُمَّ) عَدَمُ النُّصْرَةِ ولَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، وإنَّما المُسْتَبْعَدُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ عَدَمَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى أشَدُّ وأفْظَعُ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وأيًّا ما كانَ فالمَقامُ مَقامُ الواوِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْها لِما ذُكِرَ. وجَوَّزَ القاضِي أنْ تَكُونَ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ الفاءِ بِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مُعَذِّبُهم وأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ المُقارِنَةِ صفحة 156 لِلنَّتائِجِ إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْكم عِقابَهُ ولا مانِعَ لَكم مِنهُ، فَإذَنْ أنْتُمْ لا تُنْصَرُونَ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى العَطْفِ بِثُمَّ الِاسْتِبْعادِيَّةِ إلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، واسْتِبْعادُ الوُقُوعِ يَقْتَضِي النَّفْيَ، والعَدَمُ الحاصِلُ الآنَ فَهو مُناسِبٌ لِمَعْنى تَسَبُّبِ النَّفْيِ، ودَفَعَ بِذَلِكَ ما قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الدّاخِلَ عَلى النَّتائِجِ هي الفاءُ السَّبَبِيَّةُ لا الِاسْتِبْعادِيَّةُ ولا يَخْفى قُوَّةُ الِاعْتِراضِ، وفَرَّقَ بَيْنَ وجْهَيْ الِاسْتِبْعادِ السّابِقِ والتَّنْزِيلِ المَذْكُورِ بِأنَّ المَنفِيَّ عَلى الأوَّلِ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، وعَلى الثّانِي مُطْلَقُ النُّصْرَةِ

هود 11:114

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيِ المَكْتُوبَةَ، ومَعْنى إقامَتِها أداؤُها عَلى تَمامِها. وقِيلَ: المُداوَمَةُ عَلَيْها، وقِيلَ: فِعْلُها في أوَّلِ وقْتِها ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أيْ أوَّلَهُ وآخِرَهُ وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لِأقِمْ- ويَضْعُفُ كَوْنُهُ ظَرْفًا ووَجْهُ انْتِصابِهِ عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلى الظَّرْفِ ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ. وقالَ اللَّيْثُ: هي طائِفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وكَذا قالَ ثَعْلَبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي مُطْلَقُ ساعاتِهِ وآناؤُهُ وكُلُّ ساعَةٍ زُلْفَةٌ، وأنْشَدُوا لِلْعَجّاجِ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيُّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفًا سَماوَةُ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وهُوَ عَطْفٌ عَلى ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ)،﴾ و﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، والمُرادُ بِصَلاةِ الطَّرَفَيْنِ قِيلَ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِناءً عَلى أنَّ طَرَفَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْءِ، والتَزَمَ أنَّ أوَّلَ النَّهارِ مِنَ الفَجْرِ، وقَدْ يُطْلَقُ طَرَفُ الشَّيْءِ عَلى المُلاصِقِ لِأوَّلِهِ وآخِرِهِ مَجازًا فَيُمْكِنُ اعْتِبارُ النَّهارِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ مَعَ صِحَّةِ ما ذَكَرُوهُ في صَلاةِ الطَّرَفِ الأوَّلِ بِجَعْلِ التَّثْنِيَةِ هُنا مِثْلَها في قَوْلِهِمُ: القَلَمُ أحَدُ اللِّسانَيْنِ إلّا أنَّهُ قِيلَ بِشُذُوذِ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ- أنَّ المُرادَ صَلاةُ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، فَإنْ كانَ النَّهارُ مِن أوَّلِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فالمَغْرِبُ طَرَفٌ مَجازًا وهو حَقِيقَةُ طَرَفِ اللَّيْلِ، وإنْ كانَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها فالصُّبْحُ كالمَغْرِبِ طَرَفٌ مَجازِيٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الطَّرَفُ الأوَّلُ الصُّبْحُ والثّانِي الظَّهْرُ والعَصْرُ، واخْتارَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في جَعْلِ الظُّهْرِ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي خَفاءً، وإنَّما الظَّهْرُ نِصْفُ النَّهارِ والنِّصْفُ لا يُسَمّى طَرَفًا إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، والمُرادُ بِصَلاةِ الزُّلَفِ عِنْدَ الأكْثَرِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ورَوى الحَسَنُ في ذَلِكَ خَبَرًا مَرْفُوعًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ صَلاةَ الزُّلَفِ بِصَلاةِ العَتَمَةِ وهي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى وقْتِ صَلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، وأغْرَبُ مَن قالَ: صَلاةُ الطَّرَفَيْنِ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وصَلاةُ الزُّلَفِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ والصُّبْحِ، وقِيلَ: مَعْنى (زُلَفًا) قُرْبًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا -كَما في الكَشّافِ- أنْ يُعْطَفَ عَلى الصَّلاةِ أيْ أقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وأقِمِ زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ صَلَواتٍ تَتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، انْتَهى، قِيلَ: والمُرادُ بِها عَلى هَذا صَلاةُ العِشاءِ والتَّهَجُّدُ وقَدْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ العِشاءُ، والوِتْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أوِ المَجْمُوعُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الجَمْعِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ -واخْتارَهُ البَعْضُ- وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ قُرْبَةٌ فَتُحَقَّقُ قُرَبٌ فَوْقَ الثَّلاثِ فِيما ذَكَرَ. وقَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ (زُلُفًا) بِضَمِّ اللّامِ إمّا عَلى أنَّهُ جَمْعُ زُلْفَةٍ أيْضًا ولَكِنْ ضُمَّتْ صفحة 157 عَيْنُهُ إتْباعًا لِفائِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَعُنُقٍ، أوْ جَمْعُ زَلِيفٍ بِمَعْنى زُلْفَةٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإسْكانِ اللّامِ كَبُسْرٍ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ في بُسْرَةٍ، وهو عَلى هَذا -عَلى ما في البَحْرِ- اسْمُ جِنْسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ –زُلْفى- كَحُبْلى وهو بِمَعْنى زُلْفَةٍ فَإنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ وألِفَهُ قَدْ يَتَعاقَبانِ نَحْوَ قُرْبى وقُرْبَةٍ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الألِفُ بَدَلًا مِنَ التَّنْوِينِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ يُكَفِّرْنَها ويُذْهِبْنَ المُؤاخَذَةَ عَلَيْها، وإلّا فَنَفْسُ السَّيِّئاتِ أعْراضٌ وُجِدَتْ فانْعَدَمَتْ، وقِيلَ: يَمْحِينَها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، ويَشْهَدُ لَهُ بَعْضُ الآثارِ، وقِيلَ: يَمْنَعْنَ مِنِ اقْتِرافِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ وهو مَعَ بُعْدِهِ في نَفْسِهِ مُخالِفٌ لِلْمَأْثُورِ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَسَناتِ ما يَعُمُّ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها مِنَ الطّاعاتِ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ الفَرائِضُ فَقَطْ لِرِوايَةِ «الصَّلَواتِ الخَمْسِ والجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانُ مُكَفِّراتٌ ما بَيْنَهُنَّ”،» وفِيهِ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «“إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ”،» وفي رِوايَةٍ تَفَرَّدَ بِها يَحْيى بْنُ نُصَيْرٍ -وهُوَ مِنَ الثِّقاتِ- بِزِيادَةِ، وما تَأخَّرَ“ وصَحَّ أنَّ «صِيامَ يَوْمِ عَرَفَةَ تُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والمُسْتَقْبَلَةَ،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن أكَلَ طَعامًا ثُمَّ قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذا الطَّعامَ ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن لَبِسَ ثَوْبًا وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي هَذا ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في تَكْفِيرِ أفْعالٍ لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ لِما في بَعْضِ طُرُقِ خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ مِن «أنَّ أبا اليُسْرِ مِنَ الأنْصارِ قَبَّلَ امْرَأةً ثُمَّ نَدِمَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“أنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّي فَلَمّا صَلّى صَلاةً قالَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَعَمِ اذْهَبْ بِها فَإنَّها كَفّارَةٌ لِما عَمِلْتَ”» ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ المُسَيِّبِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنهُمُ اقْتِصارٌ عَلى بَعْضٍ مُهِمٍّ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَأْبى العُمُومَ كَما لا يَخْفى، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وفِيهِ ما فِيهِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ الصَّغائِرُ لِأنَّ الكَبائِرَ لا يُكَفِّرُها عَلى ما قالُوا: إلّا التَّوْبَةُ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ العَلاءِ «الصَّلَواتُ الخَمْسُ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الصَّغائِرَ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ بِنَصِّ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ فَما الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَواتُ الخَمْسُ؟ وأجابَ البَلْقِينِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ أنْ تَجْتَنِبُوا في جَمِيعِ العُمْرِ ومَعْناهُ المُوافاةُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِن وقْتِ الإيمانِ أوِ التَّكْلِيفِ إلى المَوْتِ، والَّذِي في الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ ما بَيْنَها» أيْ في يَوْمِها إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَلا تَعارُضَ، وتَعَقَّبَهُ السَّمَهُودِيُّ بِقَوْلِهِ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: لا يَتَحَقَّقُ اجْتِنابُ الكَبائِرِ في جَمِيعِ العُمُرِ إلّا مَعَ الإتْيانِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فالتَّكْفِيرُ حاصِلٌ بِما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ فَما فائِدَةُ الِاجْتِنابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ فِعْلِ شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مُكَفِّرٌ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ مُكَفِّراتٌ فَحُكْمُها أنَّها إذا تَرَتَّبَتْ فالمُكَفِّرُ السّابِقُ وإنْ وقَعَتْ مَعًا فالمُكَفِّرُ واحِدٌ مِنها يَشاؤُهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا صفحة 158 البَقِيَّةُ فَثَوابُها باقٍ لَهُ وذَلِكَ الثَّوابُ عَلى كُلٍّ مِنها يَكُونُ بِحَيْثُ يَعْدِلُ تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ لَوْ وُجِدَتْ، وكَذا إذا فَعَلَ واحِدًا مِنَ الأُمُورِ المُكَفِّرَةِ ولَمْ يَكُنْ قَدِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا. وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ صادَفَ فِعْلُ المُكَفِّرِ كَبِيرَةً أوْ كَبائِرَ ولَمْ يُصادِفْ صَغِيرَةً رَجَوْنا أنْ يُخَفِّفَ مِنَ الكَبائِرِ، ويُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ المُرادَ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ في جَمِيعِ العُمُرِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ أنَّ ثَوابَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ في كُلِّ وقْتٍ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ الواقِعَةَ فِيهِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي ما يُؤَيِّدُهُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الكَلامِ عَلى التَّوْبَةِ مِن أنَّ حُكْمَ الكَبِيرَةِ أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا تُكَفِّرُها وأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما﴾ إلَخْ، ولَكِنَّ اجْتِنابَ الكَبِيرَةِ إنَّما يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إذا اجْتَنَبَها مَعَ القُدْرَةِ والإرادَةِ كَمَن يَتَمَكَّنُ مِنِ امْرَأةٍ ومِن مُواقَعَتِها فَيَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الوُقُوعِ ويَقْتَصِرُ عَلى النَّظَرِ واللَّمْسِ فَإنَّ مُجاهَدَتَهُ نَفْسَهُ في الكَفِّ عَنِ الوِقاعِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في تَنْوِيرِ قَلْبِهِ مِن إقْدامِهِ عَلى النَّظَرِ في إظْلامِهِ فَهَذا مَعْنى تَكْفِيرِهِ فَإنْ كانَ عِنِّينًا ولَمْ يَكُنِ امْتِناعُهُ إلّا بِالضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ أوْ كانَ قادِرًا ولَكِنِ امْتَنَعَ لِخَوْفٍ مِن آخَرَ، فَهَذا لا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أصْلًا فَكُلُّ مَن لا يَشْتَهِي الخَمْرَ بِطَبْعِهِ ولَوْ أُبِيحَ لَهُ ما شَرِبَهُ فاجْتِنابُهُ لا يُكَفِّرُ عَنْهُ الصَّغائِرَ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِهِ كَسَماعِ المَلاهِي والأوْتارِ، وهَذا ظاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ولا شَكَّ أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ إذا قارَنَ القَصْدَ حَسَنَةٌ وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ وإنْ كانَ الخُرُوجُ عِنْدَ عُهْدَةِ النَّهْيِ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا يُثابُ عَلى الِاجْتِنابِ بِدُونِ ذَلِكَ، فالأوْلى في الجَوابِ عَنِ الإشْكالِ أنْ يُقالَ: ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرَ في الخَبَرِ لَيْسَ قَيْدًا لِأصْلِ التَّكْفِيرِ بَلْ لِشُمُولِ التَّكْفِيرِ سائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَهو بِمَثابَةِ اسْتِثْناءِ الكَبائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ كَفّارَةٌ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَها، وتَكْفِيرُها لِلْجَمِيعِ في المُدَّةِ الَّتِي اجْتُنِبَتْ فِيها الكَبائِرُ أوْ مُقَيَّدٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وإلّا فَلَيْسَتِ الصَّلَواتُ كَفّارَةً لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ بَلْ لِلصَّغائِرِ فَقَطْ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ مِن عَوْدِ القَيْدِ لِأصْلِ التَّكْفِيرِ، لَكِنَّ قَرِينَةَ الآيَةِ دَعَتْ لِلْعُدُولِ عَنْهُ إلى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، ولا بُدَّ في هَذا مِنِ اعْتِبارِ ما قالُوا في اجْتِماعِ الأُمُورِ المُكَفِّرَةِ لِلصَّغائِرِ، وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ نَقْلِهِ لِكَلامِ البَلْقِينِيِّ ما لَفْظُهُ: وعَلى تَقْدِيرِ وُرُودِ السُّؤالِ فالتَّخَلُّصُ عَنْهُ سَهْلٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ اجْتِنابُ الكَبائِرِ إلّا بِفِعْلِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَمَن لَمْ يَفْعَلْها لَمْ يُعَدَّ مُجْتَنِبًا لِلْكَبائِرِ لِأنَّ تَرْكَها مِنَ الكَبائِرِ، فَيَتَوَقَّفُ التَّكْفِيرُ عَلى فِعْلِها انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ ما اجْتُنِبَتْ إلَخْ.. بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، فَقَدْ قالَ في أحْكامِهِ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أمْرِ تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ بِالعِباداتِ هَلْ هو مَشْرُوطٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما نَعَمْ وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» فَإنَّ ظاهِرَهُ الشَّرْطِيَّةُ كَما يَقْتَضِيهِ“إذا اجْتُنِبَتِ" الآتِي في بَعْضِ الرِّواياتِ، فَإذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتْ مُكَفِّرَةً لَها وإلّا فَلا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُشْتَرَطُ، والشَّرْطُ في الحَدِيثِ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها إلّا الكَبائِرَ وهو الأظْهَرُ. هَذا وقَدْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّكْفِيرَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ أمْ لا؟ فَذَهَبَ إلى الِاشْتِراطِ طائِفَةٌ وإلى عَدَمِهِ أُخْرى، وفي البَحْرِ أنَّ الِاشْتِراطَ نَصُّ حُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في اشْتِراطِ الِاجْتِنابِ وعَدَمِهِ فَمَن جَعَلَ اجْتِنابَ الكَبائِرِ شَرْطًا في تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ لَمْ يُشْتَرَطِ التَّوْبَةُ وجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ ولَمْ يَشْتَرِطْهُ إلّا مَنِ اشْتَرَطَها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ أبِي اليُسْرِ، فَإنَّ الرِّواياتِ مُتَضافِرَةٌ صفحة 159 عَلى أنَّهُ جاءَ نادِمًا والنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وإنَّ إخْبارَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ بِأنَّ صَلاةَ العَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ ما فَعَلَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ نَدَمِهِ، لَكِنَّ ظاهِرَ إطْلاقِ الحَدِيثِ يَقْتَضِي أنَّ التَّكْفِيرَ كانَ بِنَفْسِ الصَّلاةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِها تَجُبُّ ما قَبْلَها، فَلَوِ اشْتَرَطْناها مَعَ العِباداتِ لَمْ تَكُنِ العِباداتُ مُكَفِّرَةً، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها مُكَفِّراتٌ فَيَسْقُطُ اعْتِبارُ التَّوْبَةِ مَعَها، انْتَهى مُلَخَّصًا مَعَ زِيادَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ نَدَمَ أبِي اليُسْرِ لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً صَحِيحَةً وإلّا لَكانَ التَّكْفِيرُ بِهِ لِأنَّهُ السّابِقُ، وبَعْضٌ التَزَمَ القَوْلَ بِكَوْنِهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً إلّا أنَّهُ تَوْبَةٌ لَمْ تُقْبَلْ ولَمْ تُكَفِّرِ الذَّنْبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدَمِ تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ الذَّنْبَ مَقالًا، والمَنقُولُ عَنِ السُّبْكِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِهِ تَفَضُّلًا، وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنَّ تَكْفِيرَ التَّوْبَةِ لِلذَّنْبِ مَظْنُونٌ، وادَّعى النَّوَوِيُّ أنَّهُ الأصَحُّ، وفي شَرْحِ البُرْهانِ: الصَّحِيحُ عِنْدَنا القَطْعُ بِالتَّكْفِيرِ، وقالَ الحَلِيمِيُّ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُ التَّوْبَةِ لَكِنَّهُ لِما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ولَمْ يُجِزْ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ عَلِمْنا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَرُدُّ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ الخِلافُ في التَّكْفِيرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ ونَحْوُهُ هَلْ هو قَطْعِيٌّ أوْ ظَنِّيٌّ، وفي كَلامِ العَلّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ وصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وغَيْرِهِما أنَّ العِقابَ عَلى الصَّغائِرِ جائِزُ الوُقُوعِ سَواءٌ اجْتَنَبَ مُرْتَكِبُها الكَبائِرَ أمْ لا لِدُخُولِها تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ( يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ) ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ والإحْصاءُ إنَّما يَكُونُ لِلسُّؤالِ والمُجازاةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ فَلَمْ يُجِيزُوا وُقُوعَ التَّعْذِيبِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ، واسْتَدَلُّوا بِآيَةِ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ إلَخْ، ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ بِالكَبائِرِ الكُفْرُ والجَمْعُ لِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ أوْ تَعَدُّدِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ إنْ تَجْتَنِبُوا الكُفْرَ نَجْعَلْكم صالِحِينَ لِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِكُمْ، ولا يَخْفى ما في اسْتِدْلالِهِمْ مِنَ الوَهْنِ، وجَوابُهم عَنِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ لَعَمْرِي أوْهَنُ مِنهُ. وذَهَبَ صاحِبُ الذَّخائِرِ إلى أنَّ مِنَ الحَسَناتِ ما يُكْفِّرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ إذْ قَدْ صَحَّ في عِدَّةِ أخْبارٍ مَن فَعَلَ كَذا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وفي بَعْضِها خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، ومَتى حُمِلَتِ الحَسَناتُ في الآيَةِ عَلى الِاسْتِغْراقِ فالمُناسِبُ حَمْلُ السَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أيْضًا، والتَّخْصِيصُ خِلافُ الظّاهِرِ وفَضْلُ اللَّهِ تَعالى واسِعٌ، وإلى هَذا مالَ ابْنُ المُنْذِرِ، وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بَعْضِ المُعاصِرِينَ لَهُ وعَنى بِهِ فِيما قِيلَ: أبا مُحَمَّدٍ المُحَدِّثَ لَكِنْ رُدَّ عَلَيْهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ: إنَّ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ تُكَفِّرُها الطَّهارَةُ والصَّلاةُ لِظاهِرِ الأحادِيثِ وهو جَهْلٌ بَيِّنٌ ومُوافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ في قَوْلِهِمْ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّها فَرْضٌ، وقَدْ صَحَّ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «الصَّلَواتُ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» انْتَهى. وفِيهِ أنَّ دَعْوى أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ لا يَخْلُو عَنِ الإفْراطِ إذا الفَرْقُ بَيْنَ القَوْلِ بِعُمُومِ التَّكْفِيرِ ومَذْهَبِ المُرْجِئَةِ في غايَةِ الوُضُوحِ، ولَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ ذَهابٌ إلى قَوْلِهِمْ لَلَزِمَهُ مِثْلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوْبَةِ فَإنَّهُ يُسَلِّمُ أنَّها تُكَفِّرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ وهي مِن جُمْلَةِ أعْمالِ العَبْدِ، فَكَما جازَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا العَمَلَ سَبَبًا لِتَكْفِيرِ الجَمِيعِ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ غَيْرَهُ مِنَ الأعْمالِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ إلَخْ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ الحاصِلَةِ عَدَمُ الأمْرِ بِالتَّوْبَةِ وكَوْنِها فَرْضًا إذْ تَرْكُها مِنَ الذُّنُوبِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي لا يَشْمَلُها التَّكْفِيرُ السّابِقُ بِفِعْلِ الوُضُوءِ مَثَلًا ألا تَرى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغائِرِ واجِبَةٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ، وحَكى إمامُ الحَرَمَيْنِ وتِلْمِيذُهُ الأنْصارِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ صفحة 160 ومَعَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ الصَّغائِرِ مُكَفَّرَةٌ بِنَصِّ الشّارِعِ وإنْ لَمْ يَتُبْ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الخِلافِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ التَّوْبَةَ واجِبَةٌ في نَفْسِها عَلى الفَوْرِ ومَن أخَّرَها تَكَرَّرَ عِصْيانُهُ بِتَكَرُّرِ الأزْمِنَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ اللَّهِ تَعالى ذُنُوبَ عَبْدِهِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي كُلِّفَ بِها تَكْلِيفًا مُسْتَمِرًّا، وقَرِيبٌ مِن هَذا ارْتِفاعُ الإثْمِ عَنِ النّائِمِ إذا أخْرَجَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها مَعَ الأمْرِ بِقَضائِها، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ إنَّما ورَدَ في أمْرٍ خاصٍّ فَلا يَتَعَدّاهُ إذِ الأصْلُ بَقاءُ ما عَداهُ عَلى عُمُومِهِ، وهَذا مِمّا لا مَجالَ لِلْقِياسِ فِيهِ حَتّى يُخَصَّ بِالقِياسِ عَلى ذَلِكَ فَلا يَلِيقُ نِسْبَةُ ذَلِكَ القائِلِ إلى الجَهْلِ، والرَّجاءُ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ قَوِيٌّ كَذا قِيلَ، وفي المَقامِ بَعْدَ أبْحاثٍ تَرَكْنا ذِكْرَها خَوْفَ الإمْلالِ فَإنْ أرَدْتَها فَعَلَيْكَ بِالنَّظَرِ في الكُتُبِ المُفَصَّلَةِ في عِلْمِ الحَدِيثِ. ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ والرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا وإقامَةِ الصَّلَواتِ في تِلْكَ الأوْقاتِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إقامَةِ الصَّلاةِ وأمْرُ التَّذْكِيرِ سَهْلٌ، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إشارَةٌ إلى الأوامِرِ والنَّواهِي في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، وبَعْضُ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى الإقامَةِ فَسَّرَ الذِّكْرى بِالتَّوْبَةِ

هود 11:115

﴿واصْبِرْ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ امْتِثالِ ما كُلِّفْتَ بِهِ، في الكَشّافِ إنَّ هَذا كُرُورٌ مِنهُ تَعالى إلى التَّذْكِيرِ بِالصَّبْرِ بَعْدَ ما جاءَ بِما هو خاتِمَةٌ لِلتَّذْكِيرِ لِفَضْلِ خُصُوصِيَّةٍ ومَزِيَّةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى مَكانِ الصَّبْرِ ومَحَلِّهِ كَأنَّهُ قالَ: وعَلَيْكَ بِما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِّرْتَ بِهِ وأحَقُّ بِالتَّوْصِيَةِ وهو الصَّبْرُ عَلى امْتِثالِ ما أُمِرْتَ بِهِ والِانْتِهاءُ عَمّا نُهِيتَ عَنْهُ فَلا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِهِ، انْتَهى. ووَجْهُ كَوْنِهِ كَرِيرًا إلى ما ذَكَرَ بِأنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِقامَةِ أمْرٌ بِالثَّباتِ قَوْلًا وفِعْلًا وعَقْدًا وهو الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ضَرُورَةً عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ كُلَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِالصَّبْرِ، فَفي ضِمْنِ الأمْرِ بِهِ أمَرَ بِالصَّبْرِ، واعْتَرَضَ اعْتِبارَ الِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ مِن مُتَعَلِّقاتِ الصَّبْرِ إذْ لا مَشَقَّةَ في ذَلِكَ، واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِما نَهى عَنْهُ مِنَ الطُّغْيانِ والرُّكُونِ ما لا يُمْكِنُ عادَةً خُلُوُّ البَشَرِ عَنْهُ مِن أدْنى مَيْلٍ بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ مِن الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها ومِن يَسِيرِ مَيْلٍ بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ، فَإنَّ في الِاحْتِرازِ عَنْ أمْثالِهِ مِنَ المَشَقَّةِ ما لا يَخْفى، وتَعَقَّبَ بِأنَّ ما هو مِن تَوابِعِ الطَّبِيعَةِ لا يَكُونُ مِن مُتَعَلِّقاتِ النَّهْيِ، ولِهَذا ذَكَرُوا أنَّ حُبَّ المُسْلِمِ لِوَلَدِهِ الكافِرِ مَثَلًا لا إثْمَ فِيهِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ وُجُودَ المَشَقَّةِ في امْتِثالِ مَجْمُوعِ ما كُلِّفَ بِهِ يَكْفِي في الغَرَضِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ المُداوَمَةُ عَلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقِمِ الصَّلاةَ أيْ أدِّها تامَّةً وداوِمْ عَلَيْها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ يُوَفِّيهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ أصْلًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الإضاعَةِ بَيانًا لِكَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ حِرْمانِهِمْ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَعَ إفادَةِ فائِدَةٍ عامَّةٍ لِكُلٍّ مَن يَتَّصِفُ بِذَلِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الإحْسانِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ فَسَّرَ الإحْسانَ هُنا بِالإخْلاصِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُحْسِنُونَ المُصَلُّونَ وكَأنَّهُ نَظَرَ إلى سِياقِ الكَلامِ، هَذا ومِنَ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الأوامِرَ بِأفْعالِ الخَيْرِ أُفْرِدَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَتْ عامَّةً في المَعْنى، والمَناهِي جُمِعَتْ لِلْأُمَّةِ، وما أعْظَمَ شَأْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا

هود 11:116

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ تَحْضِيضٌ فِيهِ مَعْنى التَّفَجُّعِ مَجازًا أيْ فَهَلّا صفحة 161 كانَ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ مِنَ الأقْوامِ المُقْتَرِنَةِ في زَمانٍ واحِدٍ ﴿مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أيْ ذَوُو خَصْلَةٍ باقِيَةٍ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ ذَوُو فَضْلٍ عَلى أنْ يَكُونَ –البَقِيَّةُ- اسْمًا لِلْفَضْلِ والهاءُ لِلنَّقْلِ، وأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ البَقِيَّةِ الَّتِي يَصْطَفِيها المَرْءُ لِنَفْسِهِ ويَدَّخِرُها مِمّا يَنْفَعُهُ، ومِن هُنا يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ بَيْتُ الحَماسَةِ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي (بَقِيَّتُكُمْ) فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوَتٌ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: في الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو إبْقاءٍ لِأنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، والظّاهِرُ أنَّها عَلى هَذا مَصْدَرٌ، وقِيلَ: اسْمُ مَصْدَرٍ، ويُؤَيِّدُ المَصْدَرِيَّةَ أنَّهُ قُرِئَ (بَقِيَّةٍ) بِزِنَةِ المَرَّةِ وهو مَصْدَرُ بَقاهُ يَبْقِيهِ كَرَّماهُ يَرْمِيهِ بِمَعْنى انْتَظَرَهُ وراقَبَهُ، وفي الحَدِيثِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَقِينا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ تَأخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ظَنَّ الظّانُّ أنَّهُ لَيْسَ بِخارِجٍ» الخَبَرَ أرادَ مُعاذٌ انْتَظَرْناهُ، وأمّا الَّذِي مِنَ البَقاءِ ضِدِّ الفَناءِ فَفِعْلُهُ بَقِيَ يَبْقى كَرَضِيَ يَرْضى، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو مُراقَبَةٍ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ، وقُرِئَ (بَقْيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ مِن بَقِيَ نَحْوَ شَجِيَتْ فَهي شَجْيَةٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ (بُقْيَةٍ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ الواقِعِ فِيما بَيْنَهم حَسْبَما ذُكِرَ في قِصَصِهِمْ، وفَسَّرَ الفَسادَ في البَحْرِ بِالكُفْرِ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِكَوْنِهِمْ كانُوا يَنْهُونَ، وقِيلَ أيْ: ولَكِنْ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وسائِرُهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ، و(مِنِ) الأُولى بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ النَّجاةَ إنَّما هي لِلنّاهِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَنعُ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ عَلى ما عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ لِاسْتِلْزامِهِ فَسادَ المَعْنى لِأنَّهُ يَكُونُ تَحْضِيضًا -لِأُولِي البَقِيَّةِ- عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ إلّا لِلْقَلِيلِ مِنَ النّاجِينَ مِنهُمْ، ثُمَّ قالَ: وإنْ قُلْتَ: في تَحْضِيضِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ مَعْنى نَفْيِهِ عَنْهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ القُرُونِ أُولُو بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ومَعْنًى صَحِيحًا، وكانَ انْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ الأفْصَحَ أنْ يُرْفَعَ عَلى البَدَلِ، والحاصِلُ أنَّ في الكَلامِ اعْتِبارَيْنِ: التَّحْضِيضُ والنَّفْيُ، فَإنِ اعْتُبِرَ التَّحْضِيضُ لا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ المُتَّصِلَ يَسْلُبُ ما لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ عَنِ المُسْتَثْنى أوْ يُثْبِتُ لَهُ ما لَيْسَ لَهُ، والتَّحْضِيضُ مَعْناهُ لِمَ ما نُهُوا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلّا قَلِيلًا فَإنَّهم لا يُقالُ لَهُمْ: لِمَ ما نُهُوا لِفَسادِ المَعْنى؛ لِأنَّ القَلِيلَ ناهُونَ وإنِ اعْتُبِرَ النَّفْيُ كانَ مُتَّصِلًا لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القَلِيلَ النّاجِينَ ناهُونَ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ القُطْبُ أنَّ صِحَّةَ السَّلْبِ أوِ الإثْباتِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ لازِمٌ في الخَبَرِ، وأمّا في الطَّلَبِ فَيَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: اضْرِبِ القَوْمَ إلّا زَيْدًا فَلَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّهُ لَيْسَ أضْرِبُ بَلْ عَلى أنَّ القَوْمَ مَأْمُورٌ بِضَرْبِهِمْ إلّا زَيْدًا، فَإنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فَكَذا هُنا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مَحْضُوضُونَ عَلى النَّهْيِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا مَحْضُوضِينَ عَلَيْهِ لِأنَّهم نَهَوْا، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ قَطْعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وقَدْ يَدْفَعُ ما أوْرَدَهُ بِأنَّ مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ أنَّهم غَيْرُ مَحْضُوضِينَ، وذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِمْ نَهَوْا، أوْ لِكَوْنِهِمْ لا يَحُضُّونَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَوَقُّعِهِ مِنهُمْ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ احْتِمالَ الفَسادِ إفْسادًا أوِ ادَّعى أنَّهُ هو المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ، ثُمَّ إنَّ المُدَقِّقَ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ ظاهِرَ تَقْرِيرِ صفحة 162 كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِأنَّ ( يَنْهَوْنَ ) خَبَرُ ( كانَ ) جَعَلَ ( مِنَ القُرُونِ ) خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا قُدِّمَتْ لِأنَّ تَحْضِيضَ -أُولِي البَقِيَّةِ- عَلى النَّهْيِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَتّى لَوْ جُعِلَ صِفَةً و( مِنَ القُرُونِ ) خَبَرًا كانَ المَعْنى تَنْدِيمَ أهْلِ القُرُونِ عَلى أنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ ناهُونَ وإذا جُعِلَ خَبَرًا لا يَكُونُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ ما كانَ مِنَ القُرُونِ أُولُو بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا، بَلْ كانَ مِنهم أُولُو بَقِيَّةٍ ناهِينَ إلّا قَلِيلًا فَإنَّهم نَهَوْا وهو فاسِدٌ، والِانْقِطاعُ عَلى ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا يُفْسِدُ لِما يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ أُولُو بَقِيَّةٍ غَيْرَ ناهِينَ لِأنَّ في التَّحْضِيضِ والتَّنْدِيمِ دَلالَةً عَلى نَفْيِهِ عَنْهُمْ، فالوَجْهُ أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ الخَبَرُ وهو كالتَّمْهِيدِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم ناهُونَ إلّا قَلِيلًا، وفي كَلامِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ نَفْيُ النّاهِي، وأُولُو البَقِيَّةِ إنَّما عَدَلَ إلى المَنزِلِ مُبالَغَةً لِأنَّ أصْحابَ فَضْلِهِمْ وبَقاياهم إذا حَضَّضُوا عَلى النَّهْيِ ونَدِمُوا عَلى التَّرْكِ فَهم أوْلى بِالتَّحْضِيضِ والتَّنْدِيمِ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى خُلُوِّهِمْ عَنْ الِاسْمِ لِخُلُوِّهِمْ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّ ذا البَقِيَّةِ لا يَكُونُ إلّا ناهِيًا فَإذا انْتَفى اللّازِمُ انْتَفى المَلْزُومُ وهو مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. وقَوْلُكَ: ما كانَ شُجْعانُهم يَحْمُونَ عَنِ الحَقائِقِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ تُرِيدُ أنْ لا شُجاعَ ولا حِمايَةَ لَكِنْ بالَغْتَ في الذَّمِّ حَتّى خُيِّلْتَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهم شُجاعٌ كانَ كالعَدَمِ، فَهَذا هو الوَجْهُ الكَرِيمُ والمُطابِقُ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ أنِيقٌ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ( كانَ ) تامَّةٌ، و﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فاعِلُها، وجُمْلَةُ ( يَنْهَوْنَ ) صِفَتُهُ، و( مِنَ القُرُونِ ) حالٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ و( مِن قَبْلِكم ) حالٌ مِنَ ( القُرُونِ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها أيِ الكائِنَةُ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ التَّحْضِيضِ عَلى وُجُودِ أُولَئِكَ فِيهِمْ، وكَذا يَلْزَمُ كَوْنُ المَنفِيِّ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ بَلِ المَدارُ عَلى النَّهْيِ تَحْضِيضًا ونَفْيًا، والتِزامُ تَوَجُّهِ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ لِكَوْنِ الصِّفَةِ قَيْدًا في الكَلامِ؛ والِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ تَوَجُّهٌ نَحْوَ ما ذُكِرَ إلى القَيْدِ كَما قِيلَ زِيادَةُ نَغَمَةٍ في الطَّنْبُورِ مِن غَيْرِ طَرَبٍ، ومِثْلُهُ يُعَدُّ مِنَ النَّصْبِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم تارِكُو النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ. ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الثَّرْوَةِ والعَيْشِ الهَنِئِ والشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأصْلُ التَّرَفِ التَّوَسُّعُ في النِّعْمَةِ. وعَنِ الفَرّاءِ مَعْنى أُتْرِفَ عَوْدُ التُّرْفَةِ وهي النِّعْمَةُ، وقِيلَ: (أُتْرِفُوا) أيْ طَغَوْا مِن أتْرَفَتْهُ النِّعَمُ إذا أطْغَتْهُ، -فَفِي- إمّا سَبَبِيَّةٌ أوْ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا المَعْنى خِلافُ المَشْهُورِ وإنْ صَحَّ هُنا؛ ومَعْنى اتِّباعِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ بِهِ وتَرْكُ غَيْرِهِ أيِ اهْتَمُّوا بِذَلِكَ ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ مُرْتَكِبِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ كافِرِينَ مُتَّصِفِينَ بِما هو أعْظَمُ الإجْرامِ، ولِكُلٍّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ ذَهَبَ بَعْضٌ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) عَلى ما يَعُمُّ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ والمُباشِرِينَ لَهُ، ثُمَّ قالَ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّحْضِيضِ بِالأوَّلِينَ عَدَمُ دُخُولِ مُباشِرِي الفَسادِ في الظُّلْمِ والإجْرامِ عِبارَةً، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ هَيِّنٌ فَلا تَغْفَلْ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلْأخْبارِ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) وبَيانِ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ كانُوا ذَوِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ. وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَمْ يَنْهَوْا ( واتَّبَعَ ) إلَخْ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن مُباشِرِي الفَسادِ وتارِكِي النَّهْيِ عَنْهُ، وجُعِلَ الإظْهارُ عَلى هَذا مُقْتَضى الظّاهِرِ، وعَلى الأوَّلِ لِإدْراجِ المُباشِرِينَ مَعَ التّارِكِينَ صفحة 163 فِي الحُكْمِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلْيَةِ ذَلِكَ لِما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ. وفِي الكَشّافِ ما يَقْضِي ظاهِرُهُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى (نَهَوْا) الواقِعِ خَبَرَ لَكِنْ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ خَبَرًا أيْضًا مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الرّابِطِ، وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ في تَأْوِيلِ سائِرِهِمْ أوْ مُقابِلُوهم وأُخْرى بِأنَّ (نَهَوْا) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ اعْتِبارِ الخَبَرِ فَعُطِفَ عَلَيْها، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ الَّذِينَ) إلَخْ مَعَ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ تَفْسِيرِيًّا عَلى مَعْنى ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بِذَلِكَ الاتِّباعِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأنْ يَكُونَ عَلى (أُتْرِفُوا) عَلى مَعْنى اتَّبَعُوا الإتْرافَ وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ، أوْ أُرِيدَ بِالإجْرامِ إغْفالُهم لِلشُّكْرِ، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِقَوْلِهِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ما في ﴿ما أُتْرِفُوا﴾ مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ مِن (فِيهِ) إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ (كانُوا) مَصْدَرًا إلّا أنْ يُقالَ: يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الظُّلْمِ بِدَلالَةِ (ظَلَمُوا) فَتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةِ الجُعْفِيِّ (وأُتْبِعُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ وسُكُونِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإتْباعِ، قِيلَ: ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيِ أُتْبِعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا، و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والواوُ لِلْحالِ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِلْعَطْفِ عَلى لَمْ يَنْهَوُا المُقَدَّرَ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ نَجَّيْناهم وقَدْ هَلَكَ سائِرُهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ قَيْدًا لِلْإنْجاءِ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ لِإهْلاكِ السّائِرِ فَيَكُونُ اعْتِراضًا أوْ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا)، والحالُ الأوَّلُ مِن مَفْعُولِ (أنْجَيْنا) المُقَدَّرِ، وجَوَّزَ أنْ يُفَسَّرَ بِذَلِكَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ، وتَقَدُّمُ الإنْجاءِ لِلنّاهِينَ يُناسِبُ أنْ يُبَيِّنَ هَلاكَ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْا، والواوُ لِلْحالِ أيْضًا في القَوْلِ الشّائِعِ كَأنَّهُ قِيلَ: (أنْجَيْنا) القَلِيلَ، وقَدِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا جَزاءَهم فَهَلَكُوا، وإذا فُسِّرَتِ المَشْهُورَةُ بِذَلِكَ فَقِيلَ: فاعِلُ -اتَّبَعَ ما أُتْرِفُوا- أوِ الكَلامُ عَلى القَلْبِ فَتَدَبَّرْ.

هود 11:117

﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ بَلِ اسْتَحالَ في الحِكْمَةِ أنْ يُهْلِكَ القُرى الَّتِي أهْلَكَها وبَلَغَتْكَ أنْباؤُها أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ القُرى الظّالِمِ أهْلُها، واللّامُ في مِثْلِ ذَلِكَ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ، وعِنْدَ البَصْرِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِ النَّفْيُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ قِيلَ: هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ ظالِمًا لَها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والإيذانِ بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، والمُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وإلّا فَلا ظُلْمَ مِنهُ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ بِعِبادِهِ كائِنًا ما كانَ لِما عُلِمَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ والعامِلُ فِيهِ عامِلُهُ، ولَكِنْ لا بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ السّابِقَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى تَقْيِيدِ نَفْيِ الإهْلاكِ ظُلْمًا بِحالِ كَوْنِ أهْلِها مُصْلِحِينَ، وفِيهِ مِنَ الفَسادِ عَلى ما قِيلَ ما فِيهِ بَلْ مُطْلَقًا عَنْ ذَلِكَ، وهَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ونَقَلَ الطَّبَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ إشْراكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ يَتَعاطَوْنَ الحَقَّ فِيما بَيْنَهم بَلْ لا بُدَّ في إهْلاكِهِمْ مِن أنْ يَضُمُّوا إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ سُبْحانَهُ، ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ -عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ- حُقُوقَ العِبادِ في الجُمْلَةِ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ قائِلُهُ إلى ما قِيلَ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ والجَوْرِ، ولَعَلَّ وجْهَ ضَعْفِهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّ مَقامَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ الَّتِي أقْبَحُها الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى لا يُلائِمُهُ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في الفَسادِ في الأرْضِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولِذَلِكَ كانَ يَنْهى كُلٌّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَّتَهُ عَنْهُ صفحة 164 ثُمَّ عَنْ سائِرِ المَعاصِي، فالوَجْهُ كَما قالَ: حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى مُطْلَقِ الفَسادِ الشّامِلِ لِسائِرِ القَبائِحِ والآثامِ وحَمْلُ الإصْلاحِ عَلى إصْلاحِهِ والإقْلاعُ عَنْهُ بِكَوْنِ البَعْضِ مُتَصَدِّيًا لِلنَّهْيِ، والبَعْضِ الآخَرِ مُتَوَجِّهًا إلى الِاتِّعاظِ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، انْتَهى، لَكِنْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَرِيرٍ قالَ: «”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وأهْلُها يُنْصِفُ بَعْضُهم بَعْضًا“». وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَرائِطِيُّ في مَساوِئِ الأخْلاقِ عَنْ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا، وهو ظاهِرٌ في المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ ولَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلّا فالأمْرُ مُشْكِلٌ، وجُعِلَ التَّصَدِّي لِلنَّهْيِ مِن بَعْضٍ والِاتِّعاظُ مِن بَعْضٍ آخَرَ مِن إنْصافِ البَعْضِ البَعْضَ كَما تَرى فافْهَمْ.

هود 11:118

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ بِحَيْثُ لا يَقَعُ مِن أحَدٍ مِنهم كُفْرٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ. أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المُرادَ الِاخْتِلافُ في الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَقائِدِ الَّتِي هي أُصُولُ الدِّينِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الِاخْتِلافَ في العَقائِدِ والفُرُوعِ وغَيْرِهِما مِن أُمُورِ الدِّينِ لِعَدَمِ ما يَدُلُّ عَلى الخُصُوصِ في النَّظْمِ، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

هود 11:119

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ مُتَّصِلٌ عَلى الأوَّلِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُخْتَلِفِينَ كَأئِمَّةِ أهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيما سِوى أُصُولِ الدِّينِ مِنَ الفُرُوعِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَوْفِيُّ ومَن تَبِعَهُ. ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أيِ النّاسَ، والإشارَةُ -كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ- إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (مُخْتَلِفِينَ) ونَظِيرُهُ: إذا نَهْيُ السَّفِيهِ جَرى إلَيْهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلِاخْتِلافِ خُلِقَ النّاسُ عَلى مَعْنى لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ مِن كَوْنِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ خَلَقَهُمْ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ لِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ لَيْسَ هَذا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم عَلى ارْتِكابِ الباطِلِ كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ ما يَقْتَضِيهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لا ضَيْرَ في الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي ذَكَرُوها لِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن تَفْسِيرِها في الذّارِياتِ، وما يُرْوى فِيها مِنَ الآثارِ وأنَّ الخَلْقَ مِن تَوابِعِ الإرادَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ، والتَّعْذِيبُ أوِ الإثابَةُ لَيْسَ إلّا لِأمْرٍ أُفِيضَ عَلى المُعَذَّبِ والمُثابِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ، ورُبَّما يَرْجِعُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ التَّعْذِيبَ والإثابَةَ مِن تَوابِعِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي عَلَيْهِ المُعَذَّبُ أوِ المُثابُ في نَفْسِهِ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ المَعْصِيَةَ والطّاعَةَ أمارَتانِ عَلى الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ لا مُقْتَضِيَتانِ لَهُما، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُمْ: ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ، ولِما قَرَّرْناهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لا تَخْفى عَلى المُسْتَعِدِّينَ لِإدْراكِ الحَقائِقِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( خَلَقَهم ) لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، والإشارَةُ لِلرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن ( رَحِمَ)، والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِأنَّ والفِعْلِ أوْ لِكَوْنِها بِمَعْنى الخَيْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ والإشارَةَ لِلرَّحْمَةِ والِاخْتِلافِ أيْ لِاخْتِلافِ الجَمِيعِ ورَحْمَةِ بَعْضِهِمْ ( خَلَقَهم ) وجاءَتِ الإشارَةُ لِاثْنَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ واللّامُ عَلى هَذا قِيلَ: بِمَعْنًى صفحة 165 مَجازِيٍّ عامٍّ لِلْمَعْنى الظّاهِرِ والصَّيْرُورَةِ وعَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْناها، وأظْهَرُ الأقْوالِ في الإشارَةِ والضَّمِيرِ ما قَدَّمْناهُ، والقَوْلانِ الآخَرانِ دُونَهُ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ لِما بَعْدُ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ -وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ، ولِذَلِكَ أيْ لِمَلْءِ جَهَنَّمَ خَلَقَهُمْ- فَبَعِيدٌ جِدًّا مِن تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ، ومِن هَذا الطَّرْزِ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَشْهُودِ وكَذا ما قِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أوْ إلى الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ المَفْهُومَتَيْنِ مِن ذَلِكَ، أوْ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أوْ إلى النَّهْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾، أوْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ، أوْ إلى العِبادَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَتَعَجَّبُ مِنها. وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَحْدَةِ الوَحْدَةُ في الدِّينِ الحَقِّ، ومِن الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ فِيهِ عَلى مَعْنى المُخالَفَةِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ والمُرادُ -بِمَن رَحِمَ- الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يُخالِفُوا الحَقَّ، والإشارَةُ لِلِاخْتِلافِ بِمَعْنى المُخالَفَةِ، وضَمِيرُ ( خَلَقَهم ) لِلَّذِينِ بَقُوا بَعْدَ الثُّنْيا وهُمُ المُخْتَلِفُونَ المُخالِفُونَ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ عَلى الحَقِّ ودِينِ الإسْلامِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَلَمْ يَجْعَلْ، ولا يَزالُونَ مُخالِفِينَ لِلْحَقِّ إلّا قَوْمًا هَداهم سُبْحانَهُ بِفَضْلِهِ فَلَمْ يُخالِفُوا الحَقَّ، ولِما ذُكِرَ مِن الِاخْتِلافِ خَلْقُ المُخْتَلِفِينَ المُخالِفِينَ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ما يَقْتَضِي بَعْضَهُ. ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِن الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ في الأرْزاقِ والأحْوالِ وتَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُرادُ أنَّ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا فَيَكُونُ الآتِي خَلَفًا لِلْماضِي، ومِنهُ ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ أيْ ما خَلَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلّا أنَّهُ قالَ: يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا في الكُفْرِ تَقْلِيدًا، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ مِنَ النّاسِ العُمُومُ ولِيَتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ ولْيُراجَعْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وقالَ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ النّاسِ حَتّى تُخالِفَ ﴿وما كانَ النّاسُ﴾ إلَخْ.. وفِيهِ نَظَرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ أعْنِي لِذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ -بِخَلَقَ- بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الحَصْرَ المُسْتَفادَ مِنَ التَّقْدِيمِ إذا قُلْنا: إنَّ التَّقْدِيمَ لَهُ إضافِيٌّ والمُضافُ هو إلَيْهِ مُخْتَلِفٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الأقْوالِ في تَعْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو عَلى الأوَّلِ الِاتِّفاقُ، وعَلى ما عَداهُ يَظْهَرُ أيْضًا بِأدْنى التِفاتٍ، هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلٍّ وإنَّ ما أرادَهُ سُبْحانَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ. وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مَنشَأ تَشْيِيبِ سُورَةِ هُودٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اشْتِمالُها عَلى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الدَّعْوَةِ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَ النّاسَ لِلِاخْتِلافِ وأنَّهُ لا يَشاءُ اجْتِماعَهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ وهو كَما تَرى ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ، وقَدْ تُفَسَّرُ الكَلِمَةُ بِالوَعِيدِ مَجازًا، وقَدْ يُرادُ مِنها الكَلامُ المُلْقى عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى القَسَمِ، ولِذا جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لِأمْلَأن جَهَنَّمَ مِن الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ) والجِنَّةُ والجِنُّ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ الهاءَ في الجَنَّةِ لِلْمُبالَغَةِ وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، فالجِنَّةُ جَمْعُهُ، انْتَهى، فَيَكُونُ مِنَ الجُمُوعِ الَّتِي صفحة 166 يُفَرَّقُ بَيْنَها وبَيْنَ مُفْرَدِها بِالهاءِ كَكَمْءٍ وكَمْأةٍ عَلى ما ذَكَرْناهُ في تَعْلِيقاتِنا عَلى الألْفِيَّةِ، وفي الآيَةِ سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو أنَّها تَقْتَضِي بِظاهِرِها دُخُولَ جَمِيعِ الفَرِيقَيْنِ في جَهَنَّمَ والمَعْلُومُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ خِلافُهُ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ القاضِي بِما حاصِلُهُ أنَّ المُرادَ -بِالجِنَّةِ والنّاسِ- إمّا عُصاتُهُما عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ والقَرِينَةُ عَقْلِيَّةٌ لِما عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ العَذابَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ وأنَّ الوَعِيدَ لَيْسَ إلّا لَهُمْ، وفي مَعْنى ذَلِكَ ما قِيلَ: المُرادُ -بِالجَنَّةِ والنّاسِ- أتْباعُ إبْلِيسَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الأعْرافِ وص: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ فاللّازِمُ دُخُولُ جَمِيعِ تابِعِيهِ في جَهَنَّمَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عُصاةٍ مُضافًا إلى الفَرِيقَيْنِ كَما قِيلَ فَأجْمَعِينَ- لِاسْتِغْراقِ الأفْرادِ المُرادَةِ حَسْبَما عَلِمْتُ، وأمّا ما يَتَبادَرُ مِنهُما ويُرادُ مِنَ التَّأْكِيدِ بَيانُ أنَّ مَلْءَ جَهَنَّمَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ، وهَذا لا يَقْتَضِي شُمُولَ أفْرادِ كِلا الفَرِيقَيْنِ ويَكُونُ داخِلُوها مِنهُما مَسْكُوتًا عَنْهُ مَوْكُولًا إلى شَيْءٍ آخَرَ، واعْتَرَضَ الأخِيرُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِ (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدًا لِلْمُثَنّى وهو خِلافُ ما صَرَّحُوا بِهِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ لِمُثَنّى حَقِيقِيٍّ لا إذا كانَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهُ جَمْعًا فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْجَمْعِ في الحَقِيقَةِ فَلا وُرُودَ لِما ذُكِرَ. نَعَمْ يُرَدُّ عَلى الشِّقِّ الأوَّلِ أنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ العُصاةِ في النّارِ والمَعْلُومُ مِنَ النُّصُوصِ خِلافُهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ العُصاةُ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَدْخُلُوها، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ الكُلِّ بَلْ قَدَّرَ ما يَمْلَأُ جَهَنَّمَ كَما إذا قِيلَ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الدَّراهِمِ في الكِيسِ، ورَدَّهُ الجَلالُ الدَّوانِيُّ بِأنَّهُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِن جَمِيعِ الدَّراهِمِ وهو بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الدَّراهِمِ فِيهِ، والسُّؤالُ عَلَيْهِ كَما في الآيَةِ باقٍ بِحالِهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِلَفْظِ ( أجْمَعِينَ ) تَعْمِيمُ الأصْنافِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الأفْرادِ كَما إذا قُلْتَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ أصْنافِ الطَّعامِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأصْنافِ لا أنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ أفْرادِ الطَّعامِ، وكَقَوْلِكَ: امْتَلَأ المَجْلِسُ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النّاسِ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في المَجْلِسِ جَمِيعُ أفْرادِ النّاسِ، بَلْ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِن كُلِّ صِنْفٍ فَرْدٌ وهو ظاهِرٌ، وعَلى هَذا يَظْهَرُ فائِدَةُ لَفْظِ ( أجْمَعِينَ ) إذْ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ زَعَمَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النّارَ، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّدْرِ بِقَوْلِهِ: فِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فائِدَةَ التَّأْكِيدِ -بِكُلٍّ وأجْمَعِينَ- دَفَعَ تَوَهُّمَ عَدَمِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الأفْرادِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ المِثالَيْنِ فَإنَّما نَشَأ شُمُولُ الأصْنافِ فِيهِ مِن إضافَةِ لَفْظِ الجَمِيعِ إلى الأصْنافِ كَيْفَ ولَوْ قِيلَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ الطَّعامِ بِإسْقاطِ لَفْظِ الأصْنافِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ في ذَلِكَ رَدًّا عَلى اليَهُودِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَها أصْلًا فَتَدَبَّرْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ. وأجابَ بَعْضُهم بِمَنزِعٍ صُوفِيٍّ وهو أنَّ المُرادَ مِنَ ( الجِنَّةِ والنّاسِ ) الَّذِينَ بَقُوا في مَرْتَبَةِ الجِنِّيَّةَ والإنْسِيَّةِ حَيْثُ انْغَمَسُوا في ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وانْتَكَبُوا في مَقَرِّ الإجْرامِ العُنْصُرِيَّةَ ولَمْ يُرْفَعُوا إلى العالَمِ الأعْلى واطْمَأنُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيا ورَضُوا بِها وانْسَلَخُوا عَنْ عالَمِ المُجَرَّداتِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلَخْ فَإنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ دارَ اللَّهِ تَعالى وقُرْبَهُ، ثُمَّ قالَ: ولِهَذا تَرى اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ يَذُمُّ الإنْسانَ ويَدْعُو عَلَيْهِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ

هود 11:120

﴿وكُلا﴾ أيْ وكُلَّ نَبَأٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْوِيضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ونَصْبُ كُلٍّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ نُخْبِرُكَ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: صفحة 167 ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ صِفَةً لِذَلِكَ المَحْذُوفِ لا –لِكُلًّا- لِأنَّها لا تُوصَفُ في الفَصِيحِ كَما في إيضاحِ المُفَصَّلِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ –لِكُلًّا- بِناءً عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ تَوافُقِ البَيانِ والمُبَيَّنِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، والمَعْنى هو ما نُثْبِتُ إلَخْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن الِاقْتِصاصِ زِيادَةُ يَقِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذى الكُفّارِ، وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (نَقُصُّ) (وكُلًّا) حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ كُلُّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاقْتِصاصِ (نَقُصُّ) (عَلَيْكَ) الَّذِي ﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (ما) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بِهِ) عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ تَقْدِيرِ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، وهو حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ بِمَعْنى جَمِيعًا أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنُ (كُلًّا) مَفْعُولًا بِهِ لِنَقُصَّ، و( مِن أنْباءِ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ وهو مُضافٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، و(ما) صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ أيِ الأمْرُ الثّابِتُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِهَذِهِ السُّورَةِ كَما جاءَ ذَلِكَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلَيْها مَعَ نَظائِرِها ولَيْسَ بِذاكَ كَكَوْنِها إشارَةً إلى دارِ الدُّنْيا، وإنْ جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: إلى الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عُطِفَ عَلى (الحَقُّ) أيْ جاءَكَ الجامِعُ المُتَّصِفُ بِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ وكَوْنِهِ مَوْعِظَةً وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ تَحْلِيَةَ الوَصْفِ الأوَّلِ بِاللّامِ دُونَ الأخِيرَيْنِ لِما قِيلَ: مِن أنَّ الأوَّلَ حالٌ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ والأخِيرانِ وصْفانِ لَهُ بِالقِياسِ إلى غَيْرِهِ. وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنْ يُقالَ إنَّما عُرِفَ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إرْشادِهِ إلى الدَّعْوَةِ وتَسْلِيَتِهِ بِما هو مَعْرُوفٌ مَعْهُودٌ عِنْدَهُ، وأمّا المَوْعِظَةُ والتَّذْكِيرُ فَأمْرٌ عامٌّ لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ لِخُصُوصِيَّةٍ، فَفُرِّقَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُوفِينَ، وفي التَّخْصِيصِ بِهَذِهِ السُّورَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ لِأنَّ مَبْناها عَلى إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما سَمِعْتُ مِن صاحِبِ الكَشْفِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِيَتَمَكَّنَ المُؤَخَّرُ عَنْهُ وُرُودَهُ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

هود 11:121

﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ عَلى جِهَتِنا وحالِنا الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها ﴿وانْتَظِرُوا﴾ بِنا الدَّوائِرِ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ . أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما نَزَلَ بِأمْثالِكم مِنَ الكَفَرَةِ، وصِيغَةُ الأمْرِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والآيَتانِ مَحْكَمَتانِ. وقِيلَ: المُرادُ المُوادَعَةُ فَهُما مَنسُوخَتانِ

هود 11:122

﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ عَلى جِهَتِنا وحالِنا الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها ﴿وانْتَظِرُوا﴾ بِنا الدَّوائِرِ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ . أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما نَزَلَ بِأمْثالِكم مِنَ الكَفَرَةِ، وصِيغَةُ الأمْرِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والآيَتانِ مَحْكَمَتانِ. وقِيلَ: المُرادُ المُوادَعَةُ فَهُما مَنسُوخَتانِ

هود 11:123

﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ جَلَّ وعَلا (وإلَيْهِ) لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿يُرْجَعُ الأمْرُ﴾ أيِ الشَّأْنُ كُلُّهُ فَيَرْجِعُ لا مَحالَةَ أمْرُكَ وأمْرُهم إلَيْهِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (يَرْجِعُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ والتَّوَكُّلُ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِ صفحة 168 الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ، وقِيلَ: عَلى ذَلِكَ، وكَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ غَيْبٍ أيْضًا، وفي تَأْخِيرِ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ تَنْبِيهً عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ لا يَنْفَعُ دُونَها وذَلِكَ لِأنَّ تَقَدُّمَهُ في الذِّكْرِ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِهِ في الرُّتْبَةِ أوِ الوُقُوعِ. وقِيلَ: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ لِأنَّ المُرادَ مِنَ العِبادَةِ امْتِثالُ سائِرِ الأوامِرِ مِنَ الإرْشادِ والتَّبْلِيغِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ التَّوَكُّلِ التَّوَكُّلُ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: امْتَثِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ وداوِمْ عَلى الدَّعْوَةِ والتَّبْلِيغِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ولا تُبالِ بِالَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يَضِقُ صَدْرُكَ مِنهم ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ، وبِذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عامِرٍ وحَفْصٌ وقَتادَةُ، والأعْرَجُ وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ أيْ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُ أنْتَ وما يَعْمَلُونَ هم فَيُجازِي كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِمُوجَبِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وذَلِكَ ظاهِرٌ، هَذا وفي زَوائِدِ الزُّهْدِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وفَضائِلِ القُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فاتِحَةَ التَّوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ وخاتِمَتَها خاتِمَةُ هُودٍ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ﴾ كامِلُ الشَّقاوَةِ ومِنهم سَعِيدٌ كامِلُ السَّعادَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ أيْ نارِ الحِرْمانِ عَنِ المُرادِ وآلامِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الآثامِ وهو عَذابُ النَّفْسِ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَيَخْرُجُونَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ مِن نِيرانِ القَلْبِ وذَلِكَ بِالسُّخْطِ والإذْلالِ ونِيرانِ الرُّوحِ وذَلِكَ بِالحَجْبِ واللَّعْنِ والقَهْرِ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا حَجْرَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ﴾ أيْ جَنَّةِ حُصُولِ المُراداتِ واللَّذّاتِ وهي جَنَّةُ النَّفْسِ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَيَخْرُجُونَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أعْلى وأعْلى مِن جَنّاتِ القَلْبِ في مَقامِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ وجَنّاتِ الرُّوحِ في مَقامِ الشُّهُودِ وهُناكَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقَدْ يُحْمَلُ التَّنْوِينُ عَلى النَّوْعِيَّةِ ويُؤَوَّلُ الِاسْتِثْناءِ بِخُرُوجِ الشَّقِيِّ مِنَ النّارِ بِالتَّرَقِّي مِن مَقامِهِ إلى الجَنَّةِ بِزَكاءِ نَفْسِهِ عَمّا حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَها ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ في القِيامِ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ وذَلِكَ بِالمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِهِ تَعالى والتَّعْظِيمِ لِأمْرِهِ والتَّسْدِيدِ لِخَلْقِهِ مَعَ شُهُودِ الكَثْرَةِ في الوَحْدَةِ والوَحْدَةِ في الكَثْرَةِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ ما بِشَرْطٍ مِن شَرائِطِ التَّعْظِيمِ ﴿ومَن تابَ﴾ عَنْ إنْيَتِهِ وذَنْبِ وُجُودِهِ مَعَك مِن المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ إلى مَقامِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِقامَةَ المَأْمُورَ بِها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوْقَ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها مَن مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَطْفُ لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المُشارَكَةِ في مُطْلَقِ الفِعْلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ عَلى قَوْلٍ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ سِرَّهُ: الِاسْتِقامَةُ مَعَ الخَوْفِ والرَّجاءِ حالُ العابِدِينَ، والِاسْتِقامَةُ مَعَ الهَيْبَةِ والرَّجاءِ حالُ المُقَرَّبِينَ، والِاسْتِقامَةُ مَعَ الغَيْبَةِ عَنْ رُؤْيَةِ الِاسْتِقامَةِ حالُ العارِفِينَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ ولا تَخْرُجُوا عَمّا حَدَّ لَكم مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ الخُرُوجَ عَنْها زَنْدَقَةٌ (ولا تَرْكَنُوا) أيْ لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهي النُّفُوسُ المُظْلِمَةُ المائِلَةُ إلى الشُّرُورِ في أصْلِ الخِلْقَةِ كَما قِيلَ: الظُّلْمُ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ فَإنْ تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَمْ يَظْلِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْتَدُوا بِالمُرائِينَ والجاهِلِينَ وقُرَناءِ السُّوءِ، وقِيلَ: لا تَصْحَبُوا الأشْرارَ ولا تُجالِسُوا أهْلَ البِدَعِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ عَلى ما عَلِمْتَ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ، وفي الأخْبارِ صفحة 169 ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِها والأمْرُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ قالَ الواسِطِيُّ: أنْوارُ الطّاعاتِ تُذْهِبُ بِظُلْمِ المَعاصِي. وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ بِالذَّنْبِ حَتّى سَتَرَ ولَمْ يَرْضَ بِالسَّتْرِ حَتّى غَفَرَ ولَمْ يَرْضَ بِالغُفْرانِ حَتّى بَدَّلَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ في الأوْقاتِ المُشارِ إلَيْها وإذْهابِ الحَسَناتِ السَّيِّئاتِ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ تَذْكِيرٌ لِمَن يَذْكُرُ حالَهُ عِنْدَ الحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في الصَّفاءِ والجَمْعِيَّةِ والأُنْسِ والذَّوْقِ ﴿واصْبِرْ﴾ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في الِاسْتِقامَةِ ومَعَ اللَّهِ تَعالى بِالحُضُورِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ الرُّكُونِ إلى الغَيْرِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ في حالِ القِيامِ بِالحُقُوقِ ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِنَ قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ فِيهِ حَضٌّ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ قِيلَ: القُرى فِيهِ إشارَةٌ إلى القُلُوبِ ﴿وأهْلُها﴾ إشارَةٌ إلى القُوى ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَساوِيَةً في الِاسْتِعْدادِ مُتَّفِقَةً عَلى دِينِ التَّوْحِيدِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الوُجْهَةِ والِاسْتِعْدادِ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ بِهِدايَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ وتَوْفِيقِهِ لِلْكَمالِ فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ في المَذْهَبِ والمَقْصِدِ مُتَوافِقُونَ في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ قِبْلَتُهُمُ الحَقُّ ودِينُهُمُ التَّوْحِيدُ والمَحَبَّةُ وإنِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم كَما قِيلَ: عِباراتُنا شَتّى وحُسْنُكَ واحِدٌ ∗∗∗ وكُلٌّ إلى ذاكَ الجَمالِ يُشِيرُ ﴿ولِذَلِكَ﴾ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ وذَلِكَ لِيَكُونُوا مَظاهِرَ جَمالِهِ وجَلالِهِ ولُطْفِهِ وقَهْرِهِ، وقِيلَ: لِيَتِمَّ نِظامُ العالَمِ ويَحْصُلَ قِوامُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ أُحْكِمَتْ وأُبْرِمَتْ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ لِأنَّ جَهَنَّمَ رُتْبَةٌ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ تَعْطِيلُها وإبْقاؤُها في كَتْمِ العَدَمِ مَعَ إمْكانِها ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن مُقاساتِهِمُ الشَّدائِدَ مِن أُمَمِهِمْ مَعَ ثَباتِهِمْ وصَبْرِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السُّورَةِ (الحَقُّ) الَّذِي لا يَنْبَغِي المَحِيدُ عَنْهُ ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتَخْصِيصُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالذِّكْرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: لِلتَّشْرِيفِ، وإلّا فالقُرْآنُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، والكُلُّ يَغْرِفُ مِن بَحْرِهِ عَلى ما يُوافِقُ مَشْرَبَهُ، ومِن هُنا قِيلَ: العُمُومُ مُتَعَلِّقُونَ بِظاهِرِهِ، والخُصُوصُ هائِمُونَ بِباطِنِهِ، وخُصُوصُ الخُصُوصِ مُسْتَغْرِقُونَ في تَجَلِّي الحَقِّ سُبْحانَهُ فِيهِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ﴾ عَلى اخْتِلافِ مَعانِيها ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ أيْ كُلُّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ فَإنَّ الكُلَّ مِنهُ ﴿فاعْبُدْهُ﴾ أسْقِطْ عَنْكَ حُظُوظَ نَفْسِكَ وقِفْ مَعَ الأمْرِ بِشَرْطِ الأدَبِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ لا تَهْتَمَّ بِما قَدْ كُفِيتَهُ واهْتَمَّ بِما نُدِبْتَ إلَيْهِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ. انْتَهى ما وُفِّقْنا لَهُ مِن تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ بِمَنِّ مَن بِيَدِهِ الكَرَمُ والجُودُ، ونَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ يُيَسِّرَ لَنا إتْمامَ ما قَصَدْناهُ، ويُوَفِّقُنا لِفَهْمِ مَعانِي كَلامِهِ عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَن لا نَبِيَّ مِن بَعْدِهِ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وجُنْدِهِ وحِزْبِهِ، ما غَرَّدَتِ الأقْلامُ في رِياضِ التَّحْرِيرِ، ووَرَدَتِ الأفْهامُ مِن حِياضِ التَّفْسِيرِ.

يوسف 12:1

صفحة 170 (سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ – 12) مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى المُعْتَمَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِها، واسْتَثْنى بَعْضُهم رابِعَةً، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ واهٍ جِدًّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وما اعْتَمَدْناهُ كَغَيْرِنا هو الثّابِتُ عَنِ الحَبْرِ، وقَدْ أخْرَجَهُ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ الأخِيرُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُحْكى فِيهِ قُدُومُ رافِعٍ مَكَّةَ وإسْلامُهُ وتَعْلِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ هَذِهِ السُّورَةَ و(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وآياتُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِالإجْماعِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الدّانِي وغَيْرِهِ، وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَلاهُ عَلى أصْحابِهِ زَمانًا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَتْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُحَدِّثَهم بِأمْرِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنِ يُوسُفَ وما انْتَهى إلَيْهِ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أمَرَتْهُمُ اليَهُودُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَسَألُوهُ فَنَزَلَتْ؛ ويُبْعِدُ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فِيما زَعَمُوا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن عَلَّمَكَها؟ قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها فَعَجِبَ الحَبْرُ لِما سَمِعَ مِنهُ فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ لَهُمْ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَةِ سُورَةِ يُوسُفَ فَتَعَجَّبُوا وأسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ،» وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ ما فِيهِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ ما قاساهُ بَعْضُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الأقارِبِ، وفي الأوْلى ذِكْرُ ما لَقَوْا مِنَ الأجانِبِ، وأيْضًا قَدْ وقَعَ فِيما قَبْلُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ ووَقَعَ هُنا حالُ يَعْقُوبَ مَعَ أوْلادِهِ وما صارَتْ إلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ مِمّا هو أقْوى شاهِدٍ عَلى الرَّحْمَةِ، وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ يُونُسَ نَزَلَتْ، ثُمَّ هُودٌ ثُمَّ يُوسُفَ، وعُدَّ هَذا وجْهًا آخَرَ مِن وُجُوهِ المُناسَبَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الر﴾ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ شَهِيرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مِنهُ ما فِيهِ إقْناعٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إلَيْهِ في قَوْلٍ، وإلى ( آياتِ ) هَذِهِ السُّورَةِ في آخَرَ، وأُشِيرَ إلَيْها مَعَ أنَّها لَمْ تُذْكَرْ بَعْدُ لِتَنْزِيلِها لِكَوْنِها مُتَرَقَّبَةً مَنزِلَةَ المُتَقَدِّمِ أوْ لِجَعْلِ حُضُورِها في الذِّهْنِ بِمَنزِلَةِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ لِلْبَعِيدِ، أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا نَزَلَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِبُعْدِهِ عَنْ حَيِّزِ الإشارَةِ أوِ العَظَمَةِ وبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ وعَلى غَيْرِهِ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ صارَ كالمُتَباعِدِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإشارَةَ إلى ما في اللَّوْحِ وهو بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الإشارَةِ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في سُورَةِ هُودٍ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا هَذِهِ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في يُونُسَ ما يُؤْنِسُكَ تَذَكُّرُهُ هُنا فَتَذَكَّرْ ( المُبِين ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ أيْ ظَهَرَ فَهو لازِمٌ أيِ الظّاهِرُ أمْرُهُ في كَوْنِهِ مِن صفحة 171 عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي إعْجازِهِ أوِ الواضِحُ مَعانِيهِ لِلْعَرَبِ بِحَيْثُ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَقائِقُهُ ولا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ دَقائِقُهُ وكَأنَّهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ ولا يُعَدُّ هَذا مِن حَذْفِ الفاعِلِ المَحْظُورِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ فِرارًا مِنهُ، أوْ بِمَعْنى بُيِّنَ بِمَعْنًى أظْهَرَ فَهو مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيِ المُظْهَرُ ما فِيهِ هُدًى ورُشْدٌ، أوْ ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ، أوْ ما أُمِرْتَ أنْ تَسْألَ عَنْهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ، أوِ الأحْكامُ والشَّرائِعُ وخَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ وأسْرارُ النَّشْأتَيْنِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ والمَعارِفِ والقِصَصِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى الحَلالِ والحَرامِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ الحُرُوفَ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْ ألْسُنِ الأعاجِمِ، وهي سِتَّةُ أحْرُفٍ: الطّاءُ والظّاءُ والصّادُ والضّادُ والعَيْنُ والحاءُ المُهْمَلَتانِ، والمَذْكُورُ في الفَرْهَنْكِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في اللُّغَةِ الفارِسِيَّةِ أنَّ الأحْرُفَ السّاقِطَةَ ثَمانِيَةٌ، ونَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: هَشَّتْ حرفست أنِكْهُ أنْدَر فارِسِيّ نايدهمي تايناموزي بِناشِي أندرين مَعْنى مُعافٍ بشنوا كَنُونٍ تاكدام أسْت أنَّ حُرُوف ويادٍ كِير ∗∗∗ ثا وحا وصاد ضاد وطاء وظا وعَيْن وقاف ومَعَ هَذا فالأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى الشّائِعِ الغالِبِ وإلّا فَبَعْضُ هَذِهِ الأحْرُفِ مَوْجُودٌ في بَعْضِ كَلِماتِهِمْ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى الأقْوالِ الأُوَلِ أمْدَحُ مِنهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الذّاتِيِّ.

يوسف 12:2

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الإضافِيِّ وضَمِيرُ الغائِبِ لِلْكِتابِ السّابِقِ ذِكْرُهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ كُلَّهُ كَما هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلْحالِ فَذاكَ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ فَتَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ والقَلِيلِ فَكَما يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ يُطْلَقُ عَلى البَعْضِ، نَعَمْ إنَّهُ غَلَبَ عَلى الكُلِّ عِنْدَ الإطْلاقِ مُعَرَّفًا لِتَبادُرِهِ، وهَلْ وصَلَ بِالغَلَبَةِ إلى حَدِّ العَلَمِيَّةِ أوْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ فَتَلْزَمُهُ الألِفُ واللّامُ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَهْجُرِ المَعْنى الأوَّلِ، ووَقَعَ في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّهُ وُضِعَ تارَةً لِلْكُلِّ خاصَّةً وأُخْرى لِما يَعُمُّهُ، والبَعْضُ أعْنِي الكَلامَ المَنقُولَ في المُصْحَفِ تَواتُرًا، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الغَلَبَةَ لَيْسَ لَها وضْعٌ ثانٍ وإنَّما هي تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أفْرادِ المَوْضُوعِ لَهُ، ولِذا لَزِمَتِ العِلْمَ بِها اللّامُ أوِ الإضافَةُ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ فِيها وضْعًا تَقْدِيرِيًّا كَذا قِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ التَّعْيِينَ بِالغَلَبَةِ قَسِيمٌ لِلتَّعْيِينِ بِالوَضْعِ -العَلّامَةُ الزَّرْقانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الحِمَّصِيُّ فَقالَ: إنَّ دَلالَةَ الإعْلامِ بِالغَلَبَةِ عَلى تَعْيِينِ مُسَمّاها بِالوَضْعِ وإنْ كانَ غَيْرَ الوَضْعِ الأوَّلِ فَلْيُتَأمَّلْ. وعَنِ الزَّجّاجِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِنَبَأِ يُوسُفَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: هو لِلْإنْزالِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و(قُرْآنًا) هو المَفْعُولُ بِهِ، والقَوْلانِ ضَعِيفانِ كَما لا يَخْفى، ونُصِبَ (قُرْآنًا) عَلى أنَّهُ حالٌ وهو بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا بَعْدَهُ وعَنْ تَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ حالٌ مُوطِّئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي عَرَبِيًّا وإنْ أُوِّلَ بِالمُشْتَقِّ أيْ مَقْرُوءًا فَحالٌ غَيْرُ مُوطِّئَةٍ و(عَرَبِيًّا) إمّا صِفَتُهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ وصْفَ الصِّفَةِ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِتَحَمُّلِ المَصْدَرِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مُؤَوَّلًا بِاسِمِ المَفْعُولِ مَثَلًا، وقِيلَ: (قُرْآنًا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و(عَرَبِيًّا) صِفَتُهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ صفحة 172 (عَرَبِيًّا) أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وهي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لُغَتُهُ في الجَنَّةِ العَرَبِيَّةَ فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ سُلِبَها فَتَكَلَّمَ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَلَمّا تابَ رَدَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: كانَ اللِّسانُ الأوَّلُ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَرَبِيًّا إلى أنْ بَعُدَ وطالَ العَهْدُ حُرِّفَ وصارَ سُرْيانِيًّا، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضِ سُورِيَّةَ وهي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وبِها كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ قَبْلَ الغَرَقِ، وكانَ يُشاكِلُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلّا أنَّهُ مُحَرَّفٌ، وكانَ أيْضًا لِسانَ جَمِيعِ مَن في السَّفِينَةِ إلّا رَجُلًا واحِدًا يُقالُ لَهُ: جُرْهم فَإنَّهُ كانَ لِسانُهُ العَرَبِيَّ الأوَّلَ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ تَزَوَّجَ إرَمُ بْنُ سامٍ بَعْضَ بَناتِهِ وصارَ اللِّسانُ العَرَبِيُّ في ولَدِهِ عُوصٍ أبِي عادٍ، وعَبِيلَ وجاثِرٍ أبِي ثَمُودَ وجَدِيسَ، وسُمِّيَتْ عادٌ بِاسْمِ جُرْهُمَ لِأنَّهُ كانَ جَدَّهم مِنَ الأُمِّ وبَقِيَ اللِّسانُ السُّرْيانِيُّ في ولَدِ أرْفَخَشْدِ ابْنِ سامٍ إلى أنْ وصَلَ إلى قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وكانَ بِاليَمَنِ فَنَزَلَ هُناكَ بَنُو إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَعَلَّمَ مِنهم بَنُو قَحْطانَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ، وقالَ ابْنُ دِحْيَةَ: العَرَبُ أقْسامٌ: الأوَّلُ عارِبَةُ وعَرْباءُ -وهُمُ الخُلَّصُ- وهم تِسْعُ قَبائِلَ مِن ولَدِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ؛ وهي عادٌ وثَمُودُ وأمِيمُ وعَبِيلُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وعَمَلِيقُ وجُرْهُمُ ووِبارُ، ومِنهم تَعَلَّمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العَرَبِيَّةَ، والثّانِي المُتَعَرِّبَةُ قالَ في الصِّحاحِ: وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ وهم بَنُو قَحْطانَ، والثّالِثُ المُسْتَعْرِبَةُ وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ أيْضًا -وهم بَنُو إسْماعِيلَ- وهم ولَدُ مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ بْنِ أُدَدَ، اهـ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ العَرَبُ العارِبَةُ سَبْعُ قَبائِلَ: عادٌ وثَمُودُ وعَمَلِيقُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وأمِيمُ وجاسِمٌ، وقَدِ انْقَرَضَ أكْثَرُهم إلّا بَقايا مُتَفَرِّقِينَ مِنَ القَبائِلِ، وأوَّلُ مَنِ انْعَدَلَ لِسانُهُ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِيَعْرُبُ بْنُ قَحْطانَ، وهو مُرادُ الجَوْهَرِيِّ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِها بِما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ بِسَنَدٍ رَواهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَوْقُوفًا ولا أراهُ يَصِحُّ، ذُكِرَ فِيهِ تَبَلْبُلُ الألْسِنَةِ بِبابِلَ وأنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ «عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلَخْ، ثُمَّ قالَ: ”أُلْهِمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلْهامًا“،» وقالَ الشِّيرازِيُّ في كِتابِ الألْقابِ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إسْماعِيلَ المُدانِيُّ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إسْحاقَ الماشِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جابِرٍ، حَدَّثَنا أبُو يُوسُفَ بْنُ السِّكِّيتِ قالَ: حَدَّثَنِي الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنا مَسْمَعُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ آبائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”أوَّلُ مَن فَتَقَ لِسانُهُ بِالعَرَبِيَّةِ المُبِينَةِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً“». ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ المَحْضَةِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ -عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ- عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، وإلّا فاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ لُغَةَ حِمْيَرَ، وقَحْطانَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ قالَ: العَرَبُ كُلُّها ولَدُ إسْماعِيلَ إلّا حِمْيَرًا وبَقايا جُرْهُمَ وقَدْ جاوَرَهم وأصْهَرَ إلَيْهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لَيْسَ مِن ذُرِّيَّتِهِ كَعادٍ وثَمُودَ وطَسْمَ وجَدِيسَ وأمِيمَ وجُرْهُمَ والعَمالِيقِ وأُمَمٍ غَيْرِهِمْ لا يَعْلَمُهم صفحة 173 إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانُوا قَبْلَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي زَمانِهِ وكانَ عَرَبُ الحِجازِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا عَرَبُ اليَمَنِ -وهم حِمْيَرُ- فالمَشْهُورُ كَما قالَ ابْنُ ماكُولا: إنَّهم مِن قَحْطانَ واسْمُهُ مِهْزَمٌ وهو ابْنُ هُودٍ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: قَحْطانُ هو هُودٌ، وحَكى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ العَرَبَ القَحْطانِيَّةَ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وغَيْرِهِمْ لَيْسُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَهُ وهي إحْدى اللُّغاتِ الَّتِي عَلِمَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَتَكَلَّمُ بِها وبِغَيْرِها أيْضًا، وكَثُرَ تَكَلُّمُهُ فِيما قِيلَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّها أوَّلُ اللُّغاتِ وأنَّ كُلَّ لُغَةٍ سِواها حَدَثَتْ بَعْدَها إمّا تَوْقِيفًا أوِ اصْطِلاحًا، واسْتَدَلُّوا عَلى أسْبَقِيَّتِها وُجُودًا بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وهو عَرَبِيٌّ وفِيهِ ما فِيهِ، وهي أفْضَلُ اللُّغاتِ حَتّى حَكى شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَراهَةَ التَّكَلُّمِ بِغَيْرِها لِمَن يُحْسِنُها مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وبَعْدَها في الفَضْلِ عَلى ما قِيلَ: الفارِسِيَّةُ الدُّرِّيَّةُ حَتّى رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَوازُ قِراءَةِ القُرْآنِ بِها سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ ثَناءً كالإخْلاصِ وغَيْرِهِ، وسَواءٌ كانَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنِ العَرَبِيَّةِ أمْ لا، ورُوِيَ عَنْ صاحِبَيْهِ جَوازُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِمَن لا يُحْسِنُها، وفي النِّهايَةِ والدِّرايَةِ أنَّ أهْلَ فارِسَ كَتَبُوا إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنْ يَكْتُبَ لَهُمُ الفاتِحَةَ بِالفارِسِيَّةِ فَكَتَبَ فَكانُوا يَقْرَأُونَ ما كَتَبَ في الصَّلاةِ حَتّى لانَتْ ألْسِنَتُهم. وقَدْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، نَعَمِ الصَّحِيحُ أنَّ الإمامَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وفي النَّفْحَةِ القُدْسِيَّةِ في أحْكامِ قِراءَةِ القُرْآنِ وكِتابَتِهِ بِالفارِسِيَّةِ لِلشِّرْنِبْلالِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: حُرْمَةُ كِتابَةِ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ إلّا أنْ يَكْتُبَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ويَكْتُبَ تَفْسِيرَ كُلِّ حَرْفٍ وتَرْجَمَتَهُ وحُرْمَةُ مَسِّهِ لِغَيْرِ الطّاهِرِ اتِّفاقًا كَقِراءَتِهِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ بِافْتِتاحِها بِالفارِسِيَّةِ وعَدَمُ صِحَّتِها بِالقِراءَةِ بِها إذا كانَتْ ثَناءً واقْتِصارُهُ عَلَيْها مَعَ القُدْرَةِ عَلى العَرَبِيَّةِ وعَدَمُ الفَسادِ بِما هو ذِكْرٌ وفَسادُها بِما لَيْسَ ذِكْرًا بِمُجَرَّدِ قِراءَتِهِ ولا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا وهو يَعْلَمُ الفارِسِيَّةَ فَقَطْ، وتَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِ قِراءَةٍ لِلْعَجْزِ عَنِ العَرَبِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وفي مِعْراجِ الدِّرايَةِ مَن تَعَمَّدَ قِراءَةَ القُرْآنِ أوْ كِتابَتَهُ بِالفارِسِيَّةِ فَهو مَجْنُونٌ أوْ زِنْدِيقٌ، والمَجْنُونُ يُداوى والزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ البُخارِيِّ ومَعَ هَذا لا يُنْكَرُ فَضْلُ الفارِسِيَّةِ، فَفي الحَدِيثِ: «”لِسانُ أهْلِ الجَنَّةِ العَرَبِيُّ والفارِسِيُّ الدُّرِّيُّ“،» وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ لَكِنْ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النّاسَ يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَإذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَكَلَّمُوا بِالعَرَبِيَّةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ؛ لِأنِّي عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وكَلامُ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ”». وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ما يُعَضِّدُهُ، ولا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ بِمَزايا الكَلامِ أنَّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِن لَطائِفِ المَعانِي ودَقائِقِ الأسْرارِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِأدائِهِ لِسانٌ ويَلِيهِ في ذَلِكَ الكَلامُ الفارِسِيُّ، فَإنْ كانَ هَذا مَدارَ الفَضْلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَنازَعَ اثْنانِ في أفْضَلِيَّةِ العَرَبِيِّ ثُمَّ الفارِسِيِّ مِمّا وصَلَ إلَيْنا مِنَ اللُّغاتِ، وإنْ كانَ شَيْئًا آخَرَ فالظّاهِرُ وُجُودُهُ في العَرَبِيِّ الَّذِي اخْتارَ سُبْحانَهُ إنْزالَ القُرْآنِ بِهِ لا غَيْرَ، وقَدْ قَسَمَ لِنَبِيِّنا صفحة 174 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن هَذا اللِّسانِ ما لَمْ يَقْسِمْ لِأحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لِكَ أفْصَحُنا ولَمْ تَخْرُجْ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا؟ قالَ: كانَتْ لُغَةُ إسْماعِيلَ قَدْ دَرَسَتْ فَجاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفَّظَنِيها فَحَفِظْتُها“». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحَرْثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ مِن حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أفْصَحَكَ ما رَأيْنا الَّذِي هو أعْرَبُ مِنكَ؟ قالَ: حَقَّ لِي فَإنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيَّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"،» هَذا وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَرَبِيُّ مَنسُوبًا إلى عَرَبَةٍ وهي ناحِيَةُ دارِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ الشّاعِرُ: (وعَرَبَةٌ) أرْضٌ ما يَحِلُّ حَرامَها مِنَ النّاسِ إلّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ والمُرادُ لُغَةُ أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ، واسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا عَلى أنَّهُ لا مُعْرَبَ فِيهِ، وشَدَّدَ الشّافِعِيُّ النَّكِيرَ عَلى مَن زَعَمَ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ، وكَذا أبُو عُبَيْدَةَ فَإنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّ فِيهِ غَيْرَ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ أعْظَمَ القَوْلَ. ووَجَّهَ ابْنُ جَرِيرٍ ما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وغَيْرَهُ في تَفْسِيرِ ألْفاظٍ مِنهُ أنَّها بِالفارِسِيَّةِ أوِ الحَبَشِيَّةِ أوِ النَّبَطِيَّةِ كَذا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ تَوارُدُ اللُّغاتِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَ لِلْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ بَعْضُ مُخالَطَةٍ لِأهْلِ سائِرِ الألْسِنَةِ في أسْفارٍ لَهم فَعَلُقَتْ مِن لُغاتِهِمْ ألْفاظٌ غَيَّرَتْ بَعْضَها بِالنَّقْصِ مِن حُرُوفِها واسْتَعْمَلَتْها في أشْعارِها ومُحاوَرَتِها حَتّى جَرَتْ مَجْرى العَرَبِيِّ الفَصِيحِ ووَقَعَ بِها البَيانُ، وعَلى هَذا الحَدِّ نَزَلَ بِها القُرْآنُ. وقالَ آخَرُونَ: كُلُّ تِلْكَ الألْفاظِ عَرَبِيَّةٌ صِرْفَةٌ ولَكِنَّ لُغَةَ العَرَبِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا ولا يَبْعُدُ أنْ تَخْفى عَلى الأكابِرِ الأجِلَّةِ، وقَدْ خَفِيَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى فاطِرٍ وفاتِحٍ، ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيُّ في الرِّسالَةِ: لا يُحِيطُ بِاللُّغَةِ إلّا نَبِيٌّ. وذَهَبَ جَمْعٌ إلى وُقُوعِ غَيْرِ العَرَبِيِّ فِيهِ، وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ الكَلِماتِ اليَسِيرَةَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العَرَبِيَّةِ، فالقَصِيدَةُ الفارِسِيَّةُ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها فارِسِيَّةً بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ أنَّهُ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ، واسْتَدَلُّوا بِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى أنَّ مَنعَ صَرْفِ نَحْوِ إبْراهِيمَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ورَدَ بِأنَّ الأعْلامَ لَيْسَتْ مَحَلَّ خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا اتُّفِقَ عَلى وُقُوعِ الأعْلامِ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِ الأجْناسِ ونُظِرَ فِيهِ، واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ القَوْلَ بِالوُقُوعِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما صَحَّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ التّابِعِيِّ الجَلِيلِ أنَّهُ قالَ: في القُرْآنِ مِن كُلِّ لِسانٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وذُكِرَ أنَّ حِكْمَةَ وُقُوعِ تِلْكَ الألْفاظِ فِيهِ أنَّهُ حَوى عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ونَبَأ كُلِّ شَيْءٍ فَلا بُدَّ أنْ تَقَعَ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنْواعِ اللُّغاتِ لِتَتِمَّ إحاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فاخْتِيرَ لَهُ مِن كُلِّ لُغَةٍ أعْذَبُها وأخَفُّها وأكْثَرُها اسْتِعْمالًا لِلْعَرَبِ وأيْضًا لَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا إلى كُلِّ أُمَّةٍ ناسَبَ أنْ يَكُونَ في كِتابِهِ المَبْعُوثِ بِهِ مِن لِسانِ كُلِّ قَوْمٍ شَيْءٌ، وقَدْ أشارَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ابْنُ النَّقِيبِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ بَعْدَ أنْ حَكى القَوْلَ بِالوُقُوعِ عَنِ الفُقَهاءِ: والمَنعُ عَنْ أهْلِ العَرَبِيَّةِ الصَّوابِ تَصْدِيقُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأحْرُفَ أُصُولُها عَجَمِيَّةٌ كَما قالَ الفُقَهاءُ لَكِنَّها وقَعَتْ لِلْعَرَبِ فَعَرَّبَتْها بِألْسِنَتِها وحَوَّلَتْها عَنْ ألْفاظِ العَجَمِ إلى ألْفاظِها فَصارَتْ عَرَبِيَّةً ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، وقَدِ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الأحْرُفُ بِكَلامِ العَرَبِ فَمَن قالَ: إنَّها عَرَبِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومَن قالَ: إنَّها عَجَمِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومالَ إلى هَذا القَوْلِ الجَوالِيقِيُّ وابْنُ الجَزَرِيِّ وآخَرُونَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ أيْضًا فَلْيُتَفَطَّنْ ولْيُتَأمَّلْ. صفحة 175 واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ وصْفُهُ بِالإنْزالِ، والقَدِيمُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، الثّانِي وصْفُهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا، الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إنْزالِهِ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وهو ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِهِ. الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَرْكُّبِهِ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا ضَرُورَةَ أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ حالَ وُجُودِ الجُزْءِ الأوَّلِ. وأجابَ الأشاعِرَةُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأنَّ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، والَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ نُسَمِّيهِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وهو مِمّا لا يَتَّصِفُ بِالإنْزالِ ولا بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا ولا غَيْرَهُ، ولا بِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الحُرُوفِ ولا غَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَلا تَغْفَلْ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوا مَعانِيهِ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ البَدائِعِ أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقُدَرِ، وهَذا بَيانٌ لِحِكْمَةِ إنْزالِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ –لَعَلَّ- مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومُرادُهُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وجَعْلُها لِلرَّجاءِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ وإنْ كانَ جائِزًا لا يُناسِبُ المَقامَ. وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المَعْنى أنْزَلَهُ لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ فَتَعْرِفُوا الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وما كَلَّفَكم بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَحْصُلْ، وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى ما ذَكَرَ كَما لا يَخْفى

يوسف 12:3

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ نُخْبِرُكَ ونُحَدِّثُكَ مِن قَصَّ أثَرَهَ إذا اتَّبَعَهُ كَأنَّ المُحْدَثَ يَتْبَعُ ما حَدَثَ بِهِ وذَكَرَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ومِثْلُ ذَلِكَ تُلِيَ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيْ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ فَنَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ إمّا لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ قَصَصًا أحْسَنَ القَصَصِ، وفِيهِ مَعَ بَيانِ الواقِعِ إيهامٌ لِما في اقْتِصاصِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ القُبْحِ والخَلَلِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ مَضْمُونُ هَذا القُرْآنِ، والمُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ، وكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما أوْحَيْنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا. ﴿إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ قُرْآنِيَّتِها لِتَحْقِيقِ أنَّ الِاقْتِصاصَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الإلْهامِ أوِ الوَحْيِ غَيْرِ المَتْلُوِّ، ولَعَلَّ كَلِمَةَ (هَذا) لِلْإيماءِ إلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ. وقِيلَ: فِيها إيماءٌ إلى مُغايَرَةِ هَذا القُرْآنِ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ المَجْمُوعَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأحْسَنِيَّتُهُ لِأنَّهُ قَدْ قُصَّ عَلى أبْدَعِ الطَّرائِقِ الرّائِعَةِ الرّائِقَةِ، وأعْجَبِ الأسالِيبِ الفائِقَةِ اللّائِقَةِ كَما لا يَكادُ يَخْفى عَلى مَن طالَعَ القِصَّةَ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ وإنْ كانَ لا يُمَيِّزُ الغَثَّ مِنَ السَّمِينِ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّمالِ واليَمِينِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا المَذْكُورُ مَفْعُولَ (نَقُصُّ). وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ تَنازُعِ الفِعْلَيْنِ، والمَذْهَبُ البَصْرِيُّ أوْلى هُنا أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ القُرْآنَ كَما سَمِعْتَ السُّورَةَ وإيقاعَ الإيحاءِ عَلَيْها أظْهَرُ مِن إيقاعِ (نَقُصُّ) بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى القِصَّةِ وما هو أظْهَرُ أوْلى بِإعْمالِ صَرِيحِ الفِعْلِ فِيهِ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ القُرْآنِ وإحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ وحُسْنِ البَيانِ ما لَيْسَ في إعْمالِ (نَقُصُّ) صَرِيحًا، وجَوَّزَ تَنْزِيلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ) مَفْعُولًا بِهِ -لِنَقُصُّ-، والقَصَصُ: إمّا فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّبَأِ والخَبَرِ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالخَلْقِ والصَّيْدِ أيْ نَقُصُّ صفحة 176 عَلَيْكَ أحْسَنَ ما يُقَصُّ مِنَ الأنْباءِ وهو قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَجْهُ أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى حاسِدٍ ومَحْسُودٍ، ومالِكٍ ومَمْلُوكٍ، وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ وعاشِقٍ ومَعْشُوقٍ وحَبْسٍ وإطْلاقٍ وخِصْبٍ وجَدْبٍ، وذَنْبٍ وعَفْوٍ، وفِراقٍ ووِصالٍ، وسَقَمٍ وصِحَّةٍ، ورَحْلٍ وارْتِحالٍ، وذُلٍّ وعِزٍّ، وقَدْ أفادَتْ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا قَضى لِإنْسانٍ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العالَمِ اجْتَمَعُوا عَلى دَفْعِ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا وأنَّ الحَسَدَ سَبَبُ الخِذْلانِ والنُّقْصانِ، وأنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، وأنَّ التَّدْبِيرَ مِنَ العَقْلِ وبِهِ يَصْلُحُ أمْرُ المَعاشِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ عَنْ بَيانِهِ بَنانُ التَّحْرِيرِ. وقِيلَ: إنَّما كانَتْ (أحْسَنَ) لِأنَّ غالِبَ مَن ذَكَرَ فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، وقِيلَ: المَقْصُوصُ أخْبارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ لا قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ فَقَطْ، والمُرادُ بِهَذا القُرْآنِ ما اشْتَمَلَ عَلى ذَلِكَ، و(أحْسَنَ) لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بَلْ هو بِمَعْنى حَسَنٍ كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنُ القَصَصِ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ القَصَصُ الحَسَنُ، والقَوْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما ذَكَرْنا، قِيلَ: ولِكَوْنِها بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الحُسْنِ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِها ولِذا لَمْ تَتَكَرَّرْ كَغَيْرِها مِنَ القَصَصِ، وقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ مِنِ افْتِتانِ امْرَأةٍ ونِسْوَةٍ بِأبْدَعِ النّاسِ جَمالًا، ويُناسِبُ ذَلِكَ عَدَمَ التَّكْرارِ لِما فِيهِ مِنَ الإغْضاءِ والسَّتْرِ، وقَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ تَعْلِيمِ النِّساءِ سُورَةَ يُوسُفَ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: إنَّما كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى قَصَصَ الأنْبِياءِ وساقَ هَذِهِ القِصَّةَ مَساقًا واحِدًا إشارَةً إلى عَجْزِ العَرَبِ، كَأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُمْ: إنْ كانَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فافْعَلُوا في قِصَّةِ يُوسُفَ ما فَعَلْتُ في سائِرِ القِصَصِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ يُبْقِي عَلَيْهِ أنَّ تَخْصِيصَ سُورَةِ يُوسُفَ لِذَلِكَ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فَإنَّ سَوْقَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا مَساقًا واحِدًا يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى ذَلِكَ أيْضًا بِعَيْنِ ما ذُكِرَ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ في سَوْقِها كَذَلِكَ، وهو أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ طَلَبِ الصَّحابَةِ أنْ يَقُصَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ مَبْسُوطَةً تامَّةً لِيَحْصُلَ لَهم مَقْصُودُ القِصَصِ مِن الِاسْتِيعابِ وتَرْوِيحِ النَّفْسِ بِالإحاطَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ: وأقْوى ما يُجابُ بِهِ أنَّ قِصَصَ الأنْبِياءِ إنَّما كُرِّرَتْ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها إفادَةُ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهم والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ كَتَكْرِيرِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكُلَّما كَذَّبُوا أُنْزِلَتْ قِصَّةٌ مُنْذِرَةٌ بِحُلُولِ العَذابِ كَما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ في آياتٍ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وقِصَّةُ يُوسُفَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها ذَلِكَ، وبِهَذا أيْضًا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنْ عَدَمِ تَكْرِيرِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وقِصَّةِ مُوسى مَعَ الخِضْرِ، وقِصَّةِ الذَّبِيحِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَكَرَّرَتْ قِصَّةُ وِلادَةِ يَحْيى ووِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْتَ، (قُلْتُ) الأُولى في سُورَةِ –كهيعص- وهي مَكِّيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِأهْلِ مَكَّةَ، والثّانِيَةُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وهي مَدَنِيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ حِينَ قَدِمُوا، ولِهَذا اتَّصَلَ بِهَذا ذِكْرُ المُحاجَّةِ والمُباهَلَةِ، اهـ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُرِّرَتْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ فِيها مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ ما فِيها، فَهي أشْبَهُ قِصَّةٍ بِتِلْكَ القِصَصِ الَّتِي كُرِّرَتْ لِذَلِكَ فافْهَمْ. ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ ولَمْ يَقْرَعْ سَمْعَكَ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مُوحًى كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والأكْثَرُ في مِثْلِهِ تَرْكُ صفحة 177 الواوِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَفْلَةِ لِإجْلالِ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا العُدُولُ عَنْ –لَغافِلًا- إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ بَدِيعًا وفِيهِ نَوْعُ غَرابَةٍ إذا وقَفَ عَلَيْهِ قِيلَ لِلْمُخاطَبِ: كُنْتَ عَنْ هَذا غافِلًا فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ الإشارَةَ إلى غَرابَةِ تِلْكَ القِصَّةِ فَيَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فِيهِ ما لا يَخْفى، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ فارِقَةٌ، وجُمْلَةُ (كُنْتَ) إلَخْ خَبَرُ –إنْ-

يوسف 12:4

﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ –اذْكُرْ- بِناءً عَلى تَصَرُّفِها، وذِكْرُ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ ما حَدَثَ فِيهِ، والكَلامُ شُرُوعٌ في إنْجازِ ما وعَدَ سُبْحانَهُ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) الغافِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها (نَقُصُّ)، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ عَلى مَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ (إذْ) إلَخْ، وهي لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ المُجَرَّدِ عَنِ اعْتِبارِ المُضِيِّ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ ما فِيهِ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ بَقاءَها عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وأنَّ العامِلَ فِيها (قالَ يا بُنَيَّ) كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن (أحْسَنَ القَصَصِ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مَفْعُولًا بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ يَكُونُ الوَقْتُ مَقْصُوصًا ولا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لازَمَهُ وهو اقْتِصاصُ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اقْتِصاصَ وقْتِ القَوْلِ مَلْزُومٌ لِاقْتِصاصِ القَوْلِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لا اشْتِمالٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذَكَرَ لَوْ كانَ الوَقْتُ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو إمّا عَيْنُ المَقْصُوصِ أوْ بَعْضُهُ، أمّا لَوْ بَقِيَ عَلى مَعْناهُ وجُعِلَ مَقْصُوصًا بِاعْتِبارِ ما فِيهِ فَلا يَرُدُّ الِاعْتِراضَ. هَذا ولَمْ يُجَوِّزُوا البَدَلِيَّةَ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى حِينَئِذٍ وبِقِيامِ المانِعِ عَرَبِيَّةٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المَقْصُوصَ في ذَلِكَ الوَقْتُ لا الِاقْتِصاصُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ مَصْدَرٌ فَلَوْ كانَ الظَّرْفُ بَدَلًا وهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ لَكانَ مَصْدَرًا أيْضًا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ بِالفِعْلِ، وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ المَصْدَرَ كَما يَكُونُ ظَرْفًا نَحْوَ أتَيْتُكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَكُونُ الظَّرْفُ أيْضًا مَصْدَرًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِسَدِّهِ مَسَدَّ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ: لَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدَ. فَإنَّهم صَرَّحُوا -كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ- أنَّ لَيْلَةَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيِ اغْتِماضُ لَيْلَةٍ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ فَهو مِنَ الأوْهامِ الفارِغَةِ، نَعَمْ إذا نابَ عَنِ المَصْدَرِ فَفي كَوْنِهِ بَدَلَ اشْتِمالٍ شُبْهَةٌ وهو شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وعَلى الأوَّلِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَشْتَمِلِ الوَقْتُ عَلى الِاقْتِصاصِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى المَقْصُوصِ فَلِمَ لَمْ تَجُزِ البَدَلِيَّةُ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ؟ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المُلابَسَةِ لا تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّ الِاشْتِمالَ لَيْسَ كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ كَوْنُهُ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا ومُتَقاضِيًا لَهُ بِوَجْهٍ ما بِحَيْثُ تَبْقى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الأوَّلِ مُتَشَوِّقَةً إلى الثّانِي مُنْتَظِرَةً لَهُ، فَيَجِيءُ الثّانِي مُبَيِّنًا لِما أُجْمِلُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُنْ بَدَلَ غَلَطٍ وعَلى هَذا يُقالُ في عَدَمِ صِحَّةِ البَدَلِيَّةِ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَتَشَوَّقُ لِذِكْرِ وقْتِ الشَّيْءِ لا لِذِكْرِ وقْتٍ لازَمَهُ، ووَقْتُ القَوْلِ لَيْسَ وقْتًا لِلِاقْتِصاصِ، و(يُوسُفُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ وسُمِّيَ بِهِ لِأسَفِ أبِيهِ عَلَيْهِ، أوْ أسَفِهِ عَلى أبِيهِ أوْ أسَفِ مَن يَراهُ عَلى مُفارَقَتِهِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِ كَما قِيلَ، وإلّا لانْصَرَفَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ العَلَمِيَّةِ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ وزْنَ الفِعْلِ أيْضًا إذْ لَيْسَ لَنا فِعْلٌ مُضارِعٌ مَضْمُومُ الأوَّلِ والثّالِثِ، وكَذا يُقالُ في يُونُسَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى ما هو الشّائِعُ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ مِنَ التَّغْيِيرِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوْ لِلْفاعِلِ مِن آسَفَ، لِأنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعَجَمِيَّتِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا وغَيْرَ أعْجَمِيٍّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لَكِنْ صفحة 178 فِي الصِّحاحِ أنَّ يَعْفُرَ ولَدُ الأسْوَدِ الشّاعِرِ إذا قُلْتَهُ بِفَتْحِ الياءِ لَمْ تَصْرِفْهُ لِأنَّهُ مِثْلُ يَقْتُلُ. وقالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ رُؤْبَةَ يَقُولُ: أسْوَدُ بْنُ يُعْفُرَ بِضَمِّ الياءِ وهَذا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ شَبَهُ الفِعْلِ، اهـ. وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأنَّ الأخْفَشَ خالَفَهُ فَمَنَعَ صَرْفَهُ لِعُرُوضِ الضَّمِّ لِلْإتْباعِ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والكَسْرِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأخْفَشُ ويَلْتَزِمُ كَوْنُ ضُمَّ ثالِثُهُ إتْباعًا لِضَمِّ أوَّلِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَوَقَعَ فِيهِ الخِلافُ كَما وقَعَ في يَعْفُرَ، والظّاهِرُ أنَّ أعْجَمِيَّتَهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَهم ولِذا التَزَمُوا مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لَها ولِلْعَلَمِيَّةِ ولا التِفاتَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ -يُؤْسَفُ- بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ مَعَ الهَمْزِ أيْضًا فَيَكُونُ فِيهِ سِتُّ لُغاتٍ ( لِأبِيهِ ) يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ». نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى نُورًا ومِن ضَوْءِ الصَّباحِ عَمُودًا ( يا أبَت ) أصْلُهُ يا أبِي فَعَوَّضْ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَناسُبِهِما في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ، ويُضَمُّ إلى الِاسْمِ في آخِرِهِ ولِهَذا قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وخالَفَ الباقُونَ فَأبْقَوْها تاءً في الوَقْفِ وكُسِرَتْ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ الَّتِي هي أُخْتُ الكَسْرَةِ فَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ أصْلَها لا لِتَدُلَّ عَلى الياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالجَمْعِ بَيْنَ عِوَضَيْنِ أوْ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الكَسْرَةَ كَسْرَةَ الياءِ زُحْلِقَتْ إلى التّاءِ لِما فُتِحَ ما قَبْلُها لِلُزُومِ فَتْحِ ما قَبْلَ تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها لِأنَّ أصْلَها وهو الياءُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لِأنَّ أصْلَ ( يا أبَتِ ) يا أبَتا بِأنْ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وأُبْقِيَتْ فَتْحَتُها دَلِيلًا عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ يا أبَتا ضَعِيفٌ كَيا أبَتِي حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ. يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ: إنَّ الألِفَ المَحْذُوفَةَ مِن يا أبَتا لِلنُّدْبَةِ، ورُدَّ بِأنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ، وعَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الأصْلَ -يا أبَةٍ- بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ والنِّداءُ بابُ حَذْفٍ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ يا ضارِبًا رَجُلًا، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ضَمَّ المُنادى المُضافِ شاذٌّ وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ مَعَ أنَّ الباءَ الَّتِي وقَعَتْ هي عِوَضًا عَنْها تُسَكَّنُ لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الياءَ أُبْدِلَتْ تاءً لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ في نَحْوِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأبُ والأُمُّ مَظِنَّةُ التَّعْظِيمِ، فَعَلى هَذا لا حَذْفَ ولا تَعْوِيضَ، والتّاءُ حِينَئِذٍ اسْمٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الِاسْمَ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وأُبْدِلَ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاسْمِيَّةِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ التّاءَ لِمُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ وياءُ الإضافَةِ مُقَدَّرَةٌ، ويَأْباهُ عَدَمُ سَماعِ يا أبَتِي في السِّعَةِ، وكَذا سَماعُ فَتْحِها عَلى ما قِيلَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تاءَ لاتَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وكَذا تاءُ رُبَّتْ وثَمَّتْ صفحة 179 وهِيَ مَفْتُوحَةٌ ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ أيْ في المَنامِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ و(هَذا) تَأْوِيلُ رُؤْيايَ، فَإنَّ مَصْدَرَ رَأى الحُلْمِيَّةِ الرُّؤْيا ومَصْدَرُ البَصْرِيَّةِ الرُّؤْيَةُ في المَشْهُورِ، ولِذا خُطِّئَ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ. ورُؤْياكَ أحْلى في العُيُونِ مِنَ الغَمْضِ. وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ، وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ الرُّؤْيا سُمِعَتْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ لَيْلًا ومُطْلَقًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِكَوْنِ رَأى حُلْمِيَّةً بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ يَقَظَةً وهو أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ لَشاعَ وعُدَّ مُعْجِزَةً لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ إرْهاصًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في زَمانٍ يَسِيرٍ مِنَ اللَّيْلِ والنّاسُ غافِلُونَ، والحَقُّ أنَّها حُلْمِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهي جِرْبانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وقابِسُ، وعَمُودانِ، والفَيْلَقُ، والمُصْبِحُ والفَزِعُ ووَثّابُ وذُو الكَتِفَيْنِ، والضَّرُوجُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ سِنانًا اليَهُودِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَعَدَّ ﷺ ما ذُكِرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها». وأخْرَجَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ النَّطْحَ بَدَلَ المُصْبِحِ، وأخْرَجَ الخَبَرَ الأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأهْلُ الأخْبارِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وقالَ: إنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ وابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ وغَيْرُهُما (أحَدَ عَشْرَ) بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا، ( والشَّمْس والقَمَر ) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ لِلْمَعِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وعَدَمِ الِانْدِراجِ في عُمُومِ الكَواكِبِ لِاخْتِصاصِهِما بِالشَّرَفِ وتَأْخِيرِهِما لِأنَّ سُجُودَهُما أبْلَغُ وأعْلى كَعْبًا، فَهو مِن بابٍ لا يَعْرِفُهُ فُلانٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ، وتَقْدِيمُ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ لِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ القُرْآنِ إذا جَمَعَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ ذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها أعْظَمَ جُرْمًا وأسْطَعَ نُورًا وأكْثَرَ نَفْعًا مِنَ القَمَرِ وإمّا لِكَوْنِها أعْلى مَكانًا مِنهُ وكَوْنِ فَلَكِها أبْسَطَ مِن فَلَكِهِ عَلى ما زَعَمَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وكَثِيرٌ مِن غَيْرِهِمْ، وإمّا لِأنَّها مُفِيضَةُ النُّورِ عَلَيْهِ كَما ادَّعاهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَأْنَسَ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ وإنَّما أوْرَدَ الكَلامَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ ولَمْ يَطْوِ ذِكْرَ العَدَدِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ أنْ يَتَطابَقَ المَنامُ ومَن هو في شَأْنِهِمْ وبِتَرْكِ العَدَدِ يَفُوتُ ذَلِكَ ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ اسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ ( رَأيْتُهم ) تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ تَطْرِيَةً لِلْعَهْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّأْسِيسَ وأنَّ الكَلامَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها؟ سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ وكَأنَّهُ لا يَرى أنَّ رَأى الحُلْمِيَّةَ مِمّا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كالعِلْمِيَّةِ لِيَلْتَزِمَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْفِعْلِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا، ويَرى أنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ كالبَصَرِيَّةِ فَلا حَذْفَ، و( ساجِدِينَ ) حالٌ عِنْدَهُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يُحْذَفُ ثانِيهُما اقْتِصارًا. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ القَوْلَ بِالتَّعَدِّي إلى ما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ يَقُولُ بِجَوازِ ما مَنَعُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ صفحة 180 أنَّ ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ سالِمٌ عَنِ المُخالَفَةِ، والنَّظَرِيَّةُ أمْرٌ مَعْهُودٌ في الكِتابِ الجَلِيلِ، وإنَّما أُجْرِيَتْ هَذِهِ المُتَعاطِفاتُ مَجْرى العُقَلاءِ في الضَّمِيرِ جَمْعَ الصِّفَةِ لِوَصْفِها بِوَصْفِ العُقَلاءِ أعْنِي السُّجُودَ سَواءٌ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّواضُعَ أوِ السُّجُودَ الحَقِيقِيَّ، وإعْطاءُ الشَّيْءِ المُلابِسِ لِآخَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ حُكْمًا مِن أحْكامِهِ إظْهارًا لِأثَرِ المُلابَسَةِ والمُقارَبَةِ شائِعٌ في الكَلامِ القَدِيمِ والحَدِيثِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ المَذْكُوراتِ بِقَوْمٍ عُقَلاءَ ساجِدِينَ، والضَّمِيرُ والسُّجُودُ قَرِينَةٌ أوْ أحَدُهُما قَرِينَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ والآخَرُ تَرْشِيحٌ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلى أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، واسْتَدَلَّ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، وكَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ يَشْهَدُ لَهُمْ، ولَيْسَ في القَوْلِ بِذَلِكَ إنْكارُ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإظْهارِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مَعَ ما في ضِمْنِهِ عَلى ما قِيلَ: مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِيما قِيلَ: لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولَعَلَّهُ لا مُنافاةَ لِظُهُورِ إمْكانِ كَوْنِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لَيْلَةَ القَدْرِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُها في لَيْلَةِ القَدْرِ بِأنَّها مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما هو مِنَ الخَواصِّ تَضْعِيفُ ثَوابِ العَمَلِ فِيها إلى ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكانَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فِيما يُرْوى عَنْ وهْبٍ. وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَدْ رَأى قَبْلُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ وإذا عَصا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، وتَعْبِيرُ هَذِهِ العِصِيِّ الإحْدى عَشْرَةَ هو بِعَيْنِهِ تَعْبِيرُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما إشارَةٌ إلى إخْوَتِهِ، ولَيْسَ في الرُّؤْيا الأُولى ما يُشِيرُ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ، ولا ضَرُورَةَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِاتِّحادِ المَنامَيْنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في كُلِّ أحَدَ عَشَرَ شَيْئًا إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأوَّلِ عِصِيٌّ وفي الثّانِي كَواكِبُ، ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ مِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وعُبِّرَتِ الشَّمْسُ بِأبِيهِ والقَمَرُ بِأُمِّهِ اعْتِبارًا لِلْمَكانِ والمَكانَةِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ القَمَرَ خالَتُهُ لِأنَّ أُمَّهُ راحِيلَ قَدْ ماتَتْ، والقَوْلُ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها بَعْدُ لِتَصْدِيقِ رُؤْياهُ لا يَخْفى حالُهُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الشَّمْسَ أُمُّهُ والقَمَرَ أبُوهُ، وهو اعْتِبارٌ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ تُعَبَّرُ الشَّمْسُ بِالمُلْكِ وبِالذَّهَبِ وبِالزَّوْجَةِ الجَمِيلَةِ، والقَمَرُ بِالأمِيرِ، والكَواكِبُ بِالرُّؤَساءِ وكَذا بِالعُلَماءِ أيْضًا. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ تُؤَوَّلُ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ وجْهًا، مَلِكٌ أوْ وزِيرٌ أوْ نَدِيمُ المَلِكِ أوْ رَئِيسٌ، أوْ شَرِيفٌ أوْ جارِيَةٌ، أوْ غُلامٌ، أوْ أمْرٌ باطِلٌ، أوْ والٍ، أوْ عالِمٌ مُفْسِدٌ، أوْ رَجُلٌ مُعَظَّمٌ، أوْ والِدٌ، أوْ والِدَةٌ، أوْ زَوْجَةٌ، أوْ بَعْلٌ لَها، أوْ ولَدٌ أوْ عَظَمَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِ الرّائِي وكَيْفِيَّةِ الرُّؤْيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَأى الكَواكِبَ ولا الشَّمْسَ والقَمَرَ وإنَّما رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ويَكادُ يُعَدُّ مِن كَلامِ النّائِمِ، ويُؤَيِّدُ ظاهِرُ ما نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ قَدْ نَزَلَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أبِيهِ

يوسف 12:5

﴿قالَ يا بُنَيَّ﴾ صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ ويُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَ هَذا تَصْغِيرَ التَّحْبِيبِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: صفحة 181 قَدْ صَغَّرَ الجَوْهَرَ في ثَغْرِهِ لَكِنَّهُ تَصْغِيرُ تَحْبِيبٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ ولِصِغَرِ السِّنِّ، وفَتْحِ الياءِ قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الأبُ بَعْدَ سَماعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ العَجِيبَةِ مِنِ ابْنِهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا بُنَيَّ) لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أيْ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً عَظِيمَةً لا تَقْدِرُ عَلى التَّفَصِّي عَنْها أوْ خُفْيَةً لا تَتَصَدّى لِمُدافَعَتِها، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَ مِن رُؤْياهُ أنْ سَيُبَلِّغُهُ اللَّهُ تَعالى مَبْلَغًا جَلِيلًا مِنَ الحِكْمَةِ ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَ الأُخُوَةِ وبَغْيِهِمْ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ صِيانَةً لَهم مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ ولَهُ مِن مُعاناةِ المَشاقِّ ومُقاساةِ الأحْزانِ، وإنْ كانَ واثِقًا بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْوِيلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُحَقِّقُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وطَمَعًا في حُصُولِهِ بِلا مَشَقَّةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبَةِ المَحْظُورَةِ في شَيْءٍ، والرُّؤْيا -مَصْدَرُ رَأى- الحُلْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَقَعُ في النَّوْمِ سَواءٌ كانَ مَرْئِيًّا أمْ لا عَلى ما هو المَشْهُورُ، والرُّؤْيَةُ -مَصْدَرُ رَأى- البَصَرِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إدْراكٍ مَخْصُوصٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ مَصْدَرِ المَعْنَيَيْنِ بِالتَّأُنِيثَيْنِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ القُرْبَةُ لِلتَّقَرُّبِ المَعْنَوِيِّ بِعِبادَةٍ ونَحْوِها، والقُرْبى لِلتَّقَرُّبِ النِّسْبِيِّ وحَقِيقَتُها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، كَما قالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ المازِنِيِّ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في قَلْبِ النّائِمِ اعْتِقاداتٍ كَما يَخْلُقُها في قَلْبِ اليَقِظانِ وهو سُبْحانُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ لا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ ولا يَقَظَةٌ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ عِلْمًا عَلى أُمُورٍ أُخَرَ يَخْلُقُها في ثانِي الحالِ، ثُمَّ إنَّ ما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَسُرُّ يَخْلُقُهُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطانِ، وما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَضُرُّ يَخْلُقُهُ بِحَضْرَتِهِ، ويُسَمّى الأوَّلُ رُؤْيا وتُضافُ إلَيْهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ، والثّانِي حُلْمًا تُضافُ إلى الشَّيْطانِ كَما هو الشّائِعُ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ المَكْرُوهِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ تَعالى، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ ﷺ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها فَإنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذا رَأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْرَهُ فَإنَّما هي مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ومِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لِأحَدٍ فَإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ“». وصَحَّ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا ولْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ولْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ“،» ولا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى ما ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلامَةِ عَنِ المَكْرُوهِ كَما جَعَلَ اللَّهُ الصَّدَقَةَ سَبَبًا لِدَفْعِ البَلاءِ، وإنْ لَمْ نَعْرِفْ وجْهَ مَدْخَلِيَّةِ البَصْقِ عَنِ اليَسارِ والتَّحَوُّلِ عَنِ الجَنْبِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مَثَلًا في السَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: هي أحادِيثُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالأرْواحِ إنْ كانَتْ صادِقَةً ووَسْوَسَةُ الشَّيْطانِ والنَّفْسِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً، ونُسِبَ هَذا إلى المُحَدِّثِينَ، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأنَّ مَقْصُودَ القائِلِ بِأنَّها اعْتِقاداتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في قَلْبٍ إلَخْ أنَّها اعْتِقاداتٌ تُخْلَقُ كَذَلِكَ بِواسِطَةِ حَدِيثِ المَلَكِ، أوْ بِواسِطَةِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَثَلًا، والمُسَبِّباتُ في المَشْهُورِ عَنِ الأشاعِرَةِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها فَتَدَبَّرْ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ هي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيِّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيِّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُها فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتْ عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ. صفحة 182 وذَكَرَ بَعْضُ أكابِرِ الصُّوفِيَّةِ ما يَقْرُبُ مِن هَذا، وهُوَ: إنَّ الرُّؤْيا مِن أحْكامِ حَضْرَةِ المِثالِ المُقَيَّدِ المُسَمّى بِالخَيالِ وهو قَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ العُقُولِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ صُوَرٌ مُناسِبَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، وقَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ القُوى الوَهْمِيَّةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الجُزْئِيَّةِ فَقَطْ فَيَظْهَرُ فِيهِ صُورَةٌ تُناسِبُها، وهَذا قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ سُوءِ مِزاجِ الدِّماغِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَوَجُّهِ النَّفْسِ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ إلى إيجادِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ كَمَن يَتَخَيَّلُ صُورَةَ مَحْبُوبِهِ الغائِبِ عَنْهُ تَخَيُّلًا قَوِيًّا فَتَظْهَرُ صُورَتُهُ في خَيالِهِ فَيُشاهِدُهُ، وهي أوَّلُ مَبادِي الوَحْيِ الإلَهِيِّ في أهْلِ العِنايَةِ لِأنَّ الوَحْيَ لا يَكُونُ إلّا بِنُزُولِ المَلَكِ، وأوَّلُ نُزُولِهِ في الحَضْرَةِ الخَيالِيَّةِ ثُمَّ الحِسِّيَّةِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «”أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةٌ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ“،» والمَرْئِيُّ عَلى ما قالَ بَعْضُهُمْ: سَواءٌ كانَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ لا قَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ المَرْئِيِّ، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ الرّائِي، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَتِهِما مَعًا، وقَدْ يَكُونُ لا بِإرادَةٍ مِن شَيْءٍ مِنهُما، فالأوَّلُ كَظُهُورِ المَلَكِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ وظُهُورِ الكُمَّلِ مِنَ الأناسِيِّ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ في صُوَرٍ غَيْرِ صُوَرِهِمْ، والثّانِي كَظُهُورِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ أوِ الإنْسانِيَّةِ بِاسْتِنْزالِ الكامِلِ إيّاهُ إلى عالَمِهِ لِيَكْشِفَ مَعْنى ما مُخْتَصًّا عِلْمُهُ بِهِ، والثّالِثُ كَظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِنْزالِهِ إيّاهُ وبَعْثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والرّابِعُ كَرُؤْيَةِ زَيْدٍ مَثَلًا صُورَةَ عَمْرٍو في النَّوْمِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وإرادَةٍ مِنهُما، وكانَتْ رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القِسْمِ لِظُهُورِ أنَّها لَوْ كانَتْ بِإرادَةِ الأُخْوَةِ لَعَلِمُوا فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الِاقْتِصاصِ مَعْنًى، ويُشِيرُ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ بِقَصْدِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ . هَذا والمَنقُولُ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّها خَيالاتٌ باطِلَةٌ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ بَعْدَ شَهادَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِصِحَّتِها، ووَجَّهَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّ كَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ النّائِمُ إدْراكًا بِالبَصَرِ رُؤْيَةً وكَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ إدْراكًا بِالسَّمْعِ سَمْعًا باطِلٌ فَلا يُنافِي حَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِمَعْنى كَوْنِهِ أمارَةً لِبَعْضِ الأشْياءِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ أوْ ما يُضاهِيهِ ويُحاكِيهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَيَقَّظَ. والمَشْهُورُ الَّذِي تَعاضَدَتْ فِيهِ الرِّواياتُ أنَّ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمْعٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَقِيَ حَسْبَما أشارَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سِتَّةَ أشْهُرٍ يَرى الوَحْيَ مَنامًا ثُمَّ جاءَهُ المَلَكُ يَقَظَةً، وسِتَّةُ أشْهُرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا. وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَأْتِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ نَوْعًا: مِثْلُ النَّفْثِ في الرُّوعِ، وتَمَثُّلُ المَلَكِ بِصُورَةِ دِحْيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا، وسَماعُهُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ، وذَكَرَ الحافِظُ العَسْقَلانِيُّ أنَّ كَوْنَ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ جُزْءًا مِن كَذا مِنَ النُّبُوَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ صِدْقِها لا غَيْرَ وإلّا لَساغَ لِصاحِبِها أنْ يُسَمّى نَبِيًّا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ما فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن عِدَّةِ الأجْزاءِ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن كُلِّ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: مَدْحُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ والتَّنْوِيهُ بِرِفْعَةِ شَأْنِها لا خُصُوصِيَّةُ العَدَدِ ولا حَقِيقَةُ الجُزْئِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في جامِعِ الأُصُولِ: رَوى قَلِيلٌ أنَّها جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا ولَهُ وجْهُ مُناسَبَةٍ بِأنْ عُمُرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْتَكْمِلْ ثَلاثًا وسِتِّينَ بِأنْ يَكُونَ تُوَفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأثْناءِ السَّنَةِ الثّالِثَةِ والسِّتِّينَ صفحة 183 ورِوايَةُ أنَّها جُزْءٌ مِن أرْبَعِينَ جُزْءًا تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلى كَوْنِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِتِّينَ وهو رِوايَةٌ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّها جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا ولا أعْلَمُ لِذَلِكَ وجْهًا، اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ سَبْعِينَ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في التَّكْثِيرِ فَلَعَلَّهُ هو الوَجْهُ، والغَرَضُ الإشارَةُ إلى كَثْرَةِ أجْزاءِ النُّبُوَّةِ فَتَدَبَّرْ، والمُرادُ –بِإخْوَتِهِ- هَهُنا عَلى ما قِيلَ: الأُخْوَةُ الَّذِينَ يَخْشى غَوائِلَهم ومَكايِدَهم مِن بَنِي عِلاتِهِ الأحَدَ عَشَرَ، وهُمْ: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى ورِيالُونُ ويَشْجُرُ ودِينَهُ بَنُو يَعْقُوبَ مِن لِيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرٍ وهي بِنْتُ خالَتِهِ، ودانُ ويِفْتالى وجادٌ وآشِرُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سَرِّيَّتَيْنِ لَهُ زُلْفَةُ وبِلْهَةُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالكَواكِبِ، وأمّا بِنْيامِينُ الَّذِي هو شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمُّهُما راحِيلُ الَّتِي تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وفاةِ أُخْتِها لِيّا أوْ في حَياتِها إذْ لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الأُخْتَيْنِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، فَلَيْسَ بِداخِلٍ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ إذْ لا تُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُ ولا تُخْشى مَعَرَّتُهُ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهم في الرُّؤْيا إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم في السُّجُودِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ بَنِي عِلاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَشْرَةٌ ولَيْسَ فِيهِمْ مَنِ اسْمُهُ دِينَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ في عِدادِ أوْلادِ يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أُخْتُ يُوسُفَ، وبِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ ظاهِرُ الفَسادِ بَلْ لا تَكادُ تَدْخُلُ في الأُخْوَةِ إلّا بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ جَمْعُ أخٍ فَهو مَخْصُوصٌ بِالذُّكُورِ، فَلَعَلَّ المُخْتارَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأُخْوَةِ ما يَشْمَلُ الأعْيانَ والعِلّاتِ، ويُعَدُّ بِنْيامِينُ بَدَلَ دِينَهِ إتْمامًا لِأحَدَ عَشَرَ عِدَّةٍ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ، والنَّهْيُ عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِ -وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تُخْشى غَوائِلُهُ- مِن بابِ الِاحْتِياطِ وسَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ، ومِمّا ذاعَ كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الِاثْنَيْنِ شاعَ، ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِوُقُوعِ السُّجُودِ مِنهُ كَسائِرِ أهْلِهِ، وإسْنادُ الكَيْدِ إلى الأُخْوَةِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا إشْكالَ كَذا قِيلَ، وهو عَلى عِلّاتِهِ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِإخْوَتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِنْيامِينُ ودِينَهُ لِأنَّهُما لا تُخْشى مَعَرَّتُهُما ولا يُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُما فَهم حِينَئِذٍ تِسْعَةٌ وتُكَمَّلُ العِدَّةُ بِأبِيهِ وأُمِّهِ أوْ خالَتِهِ ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِهِما ما فِيهِ لِما أنَّ في ذَلِكَ ما فِيهِ، ونَصْبُ (يَكِيدُوا) بِأنْ مُضْمَرَةٍ في جَوابِ النَّهْيِ وعُدِّيَ بِاللّامِ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي﴾ لِتَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى بِها وهو الِاحْتِيالُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وذَلِكَ لِتَأْكِيدِ المَعْنى بِإفادَةِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ المُتَضَمِّنِ والمُضَمَّنِ جَمِيعًا، ولِكَوْنِ القَصْدِ إلى التَّأْكِيدِ، والمَقامُ مَقامَهُ أكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ وقَرَّرَ بِالتَّعْلِيلِ بَعْدُ، وجَعْلُ اللّامِ زائِدَةً كَجَعْلِهِ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مِن مُتَعَلِّقاتِ التَّأْكِيدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى فَيَفْعَلُوا لِأجْلِكَ وإهْلاكِكَ كَيْدًا راسِخًا أوْ خَفِيًّا، وزَعَمَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ آكَدُ مِن أنْ يُقالَ: فَيَكِيدُوكَ كَيْدًا إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ نَفْسِ الفِعْلِ مَقْصُودَ الإيقاعِ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ أيْضًا فافْهَمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رُؤْياكَ﴾ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، والكِسائِيُّ ﴿رُؤْياكَ﴾ بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ﴾ أيْ لِهَذا النَّوْعِ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ فَلا يَأْلُو جُهْدًا في تَسْوِيلِ إخْوَتِكَ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ وإنْ كانُوا ناشِئِينَ في بَيْتِ النُّبُوَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ كانُوا صفحة 184 بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ أصْلًا، أمّا السَّلَفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحابَةِ مِنهم أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ ولا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِنَ التّابِعِينَ أيْضًا، وأمّا أتْباعُ التّابِعِينَ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ وتابَعَهُ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ، وأمّا الخَلَفُ فالمُفَسِّرُونَ فِرَقٌ: فَمِنهم مَن قالَ بِقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ كالبَغَوِيِّ، ومِنهم مَن بالَغَ في رَدِّهِ كالقُرْطُبِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ، ومِنهم مَن حَكى القَوْلَيْنِ بِلا تَرْجِيحٍ كابْنِ الجَوْزِيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَسْألَةِ لَكِنْ ذَكَرَ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ كَوْنِهِمْ أنْبِياءَ كَتَفْسِيرِهِ الأسْباطَ بِمَن نُبِّئَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ والمُنَزَّلِ إلَيْهِمْ بِالمُنَزَّلِ إلى أنْبِيائِهِمْ كَأبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ والواحِدَيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولَكِنْ فَسَّرَ الأسْباطَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ فَحَسِبَهُ ناسٌ قَوْلًا بِنُبُوَّتِهِمْ ولَيْسَ نَصًّا فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يُرِيدَ بِالأوْلادِ ذُرِّيَّتَهُ لِابْنَيْهِ لِصُلْبِهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في مُؤَلَّفٍ لَهُ خاصٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ واللُّغَةُ والِاعْتِبارُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خَبَرٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّأهُمْ، وإنَّما احْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهم نُبِّئُوا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَتِيِ البَقَرَةِ والنِّساءِ: (والأسْباطُ) وفَسَّرَ ذَلِكَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ، والصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أوْلادَهُ لِصُلْبِهِ بَلْ ذُرِّيَّتُهُ كَما يُقالُ لَهُمْ: بَنُو إسْرائِيلَ، وكَما يُقالُ لِسائِرِ النّاسِ: بَنُو آدَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأسْباطَ هُمُ الأُمَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّ سِبْطٍ أُمَّةٌ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الأسْباطَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، وأصْلُ السِّبْطِ كَما قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: شَجَرَةٌ واحِدَةٌ مُلْتَفَّةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ فَلا مَعْنى لِتَسْمِيَةِ الأبْناءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ أسْباطًا قَبْلَ أنْ يَنْتَشِرَ عَنْهُمُ الأوْلادُ، فَتَخْصِيصُ الأسْباطِ في الآيَةِ بِبَنِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ غَلَطٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا المَعْنى ومَنِ ادَّعاهُ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، والصَّوابُ أيْضًا أنَّهم إنَّما سُمُّوا أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن حِينَئِذٍ كانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ إلّا يُوسُفَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأنْبِياءَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ الآياتِ، فَذَكَرَ يُوسُفَ ومَن مَعَهُ ولَمْ يَذْكُرِ الأسْباطَ ولَوْ كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَدْ نُبِّئُوا كَما نُبِّئَ لَذُكِرُوا كَما ذُكِرَ، وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَحامِدِ والثَّناءِ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ“،» فَلَوْ كانَتْ إخْوَتُهُ أنْبِياءَ كانُوا قَدْ شارَكُوهُ في هَذا الكَرَمِ، وهو سُبْحانُهُ لَمّا قَصَّ قِصَّتَهم وما فَعَلُوا بِأخِيهِمْ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِالخَطِيئَةِ وطَلَبَهُمُ الِاسْتِغْفارَ مِن أبِيهِمْ ولَمْ يَذْكُرْ مِن فَضْلِهِمْ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، بَلْ ولا ذَكَرَ عَنْهم تَوْبَةً باهِرَةً كَما ذَكَرَ عَمَّنْ ذَنْبُهُ دُونَ ذَنْبِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ولا بَعْدَها أنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِن عُقُوقِ الوالِدِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإرْقاقِ المُسْلِمِ وبَيْعِهِ إلى بِلادِ الكُفْرِ، والكَذِبِ البَيِّنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَكاهُ عَنْهُمْ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ نُبُوَّتِهِمْ سِوى صُدُورِ هَذِهِ العَظائِمِ مِنهم لَكَفى لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وهي أيْضًا أُمُورٌ لا يُطِيقُها مَن هو دُونَ البُلُوغِ فَلا يَصِحُّ الِاعْتِذارُ بِأنَّها صَدَرَتْ مِنهم قَبْلَهُ وهو لا يَمْنَعُ الِاسْتِنْباءَ بَعْدُ، وأيْضًا ذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كُلُّهم ماتُوا بِمِصْرَ وهو أيْضًا ماتَ بِها لَكِنْ أوْصى بِنَقْلِهِ إلى الشّامِ فَنَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ أنَّ أهْلَ مِصْرَ قَدْ جاءَهم نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسى غَيْرُ يُوسُفَ ولَوْ كانَ مِنهم نَبِيٌّ لَذُكِرَ، وهَذا دُونَ ما قَبْلَهُ في الدَّلالَةِ كَما لا يَخْفى صفحة 185 والحاصِلُ أنَّ الغَلَطَ في دَعْوى نُبُوَّتِهِمْ إنَّما جاءَ في ظَنِّ أنَّهم هُمُ الأسْباطُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما الأسْباطُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالأسْباطِ أبْناءَ يَعْقُوبَ لَقالَ سُبْحانَهُ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ فَإنَّهُ أبْيَنُ وأوْجَزُ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ النُّبُوَّةَ حَصَلَتْ فِيهِمْ مِن حِينِ تَقْطِيعِهِمْ أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيُحْفَظْ.

يوسف 12:6

هَذا ولَمّا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ لِرُؤْياهُ شَأْنًا عَظِيمًا وحَذَّرَهُ مِمّا حَذَّرَهُ شَرَعَ في تَعْبِيرِها وتَأْوِيلِها عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ يَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ لِلنُّبُوَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، أوْ لِلسُّجُودِ لَكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ وكَذا يَشْمَلُ إغْناءَ أهْلِهِ ودَفْعَ القَحْطِ عَنْهم بِبَرَكَتِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ خَيْرَ الأقْوالِ وسَطُها؛ وأصْلُ الِاجْتِباءِ مِن جَبَيْتُ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ، وفَسَّرُوهُ بِالِاخْتِيارِ لِأنَّهُ إنَّما يُجْتَبى ما يُخْتارُ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اجْتِباءَ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ تَخْصِيصُهُ إيّاهُ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ المَكْرُماتِ بِلا سَعْيٍ مِنَ العَبْدِ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ إمّا الِاجْتِباءُ لِمِثْلِ تِلْكَ الرُّؤْيا، فالمُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ مُتَغايِرانِ، وإمّا لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ، ( وكَذَلِكَ ) في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ وقُدِّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقِيلَ هُنا: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذِكْرِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفاصِيلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا حَذَرًا مِن إذاعَتِهِ عَلى ما قِيلَ ﴿ويُعَلِّمُكَ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ التَّشْبِيهِ أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَأْكِيدَ مَقالَتِهِ وتَحْقِيقِها وتَوْطِينَ نَفْسِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أخْبَرَ بِهِ عَنْ طَرِيقِ التَّعْبِيرِ والتَّأْوِيلِ أيْ وهو (يُعَلِّمُكَ ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ ذَلِكَ الجِنْسِ مِنَ العُلُومِ، أوْ طَرَفًا صالِحًا مِنهُ فَتَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ ما أقُولُ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ ما سَبَقَ والبَعْثِ عَلى تَلَقِّي ما سَيَأْتِي بِالقَبُولِ، وعُلِّلَ عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ التَّشْبِيهِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنْ يُشَبَّهَ الِاجْتِباءُ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمُ غَيْرُ الِاجْتِباءِ فَلا يُشَبَّهُ بِهِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّعْلِيمَ نَوْعٌ مِن الِاجْتِباءِ والنَّوْعُ يُشَبَّهُ بِالنَّوْعِ، وقِيلَ: العِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ويُعَلِّمُكَ تَعْلِيمًا مِثْلَ الِاجْتِباءِ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا ولا يَخْفى سَماجَتُهُ فَإنَّ الِاجْتِباءَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولَمْ يُلاحَظْ في التَّعْلِيمِ ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن جَعْلِهِ داخِلًا تَحْتَ التَّشْبِيهِ عَلى أنَّ المَعْنى بِذَلِكَ الإكْرامُ بِتِلْكَ الرُّؤْيا، أيْ كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّراتِ يُكْرِمُكَ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمِ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى جَعْلِهِ تَشْبِيهَيْنِ وتَقْدِيرِ كَذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ هو العَطْفُ ولا بَأْسَ فِيما قَرَّرَهُ هَذا المُحَقِّقُ لِتَوْجِيهِهِ، نَعَمْ لِلِاسْتِئْنافِ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا إذْ هي إخْباراتٌ غَيْبِيَّةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَتِها اعْتِقاداتٍ في قَلْبِ النّائِمِ حَسْبَما يَشاؤُهُ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ أحادِيثُ المَلَكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، أوِ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ التَّأْوِيلَ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ، وذَلِكَ رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ والثّانِي كَقَوْلِهِ. ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلٌ. وجاءَ الأوَّلُ بِمَعْنى السِّياسَةِ الَّتِي يُراعى مَآلُها يُقالُ: ألَنا وايِلٌ عَلَيْنا اهـ. وشاعَ التَّأْوِيلُ في إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ ظاهِرِهِ، و(الأحادِيثُ) جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: صفحة 186 باطِلٌ وأباطِيلُ، ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ لَهُ لِأنَّ النُّحاةَ قَدْ شَرَطُوا في اسْمِ الجَمْعِ أنْ لا يَكُونَ عَلى وزْنٍ يَخْتَصُّ بِالجَمْعِ كَمَفاعِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَمْعٌ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، وهو مُرادُهُ مِنِ اسْمِ الجَمْعِ في الكَشّافِ فَإنَّهُ كَغَيْرِهِ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ المُخالِفِ لِلْقِياسِ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، ورُدَّ بِأنَّ الأُحْدُوثَةَ الحَدِيثُ المُضْحِكُ كالخُرافَةِ فَلا يُناسِبُ هُنا، ولا في أحادِيثِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: الأُحْدُوثَةُ مِنَ الحَدِيثِ ما يُتَحَدَّثُ بِهِ ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، ولَعَلَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ذَكَرُوا، وقَدْ نَصَّ المُبَرَّدُ عَلى أنَّها تَرِدُ في الخَيْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ جَمِيلٍ وهو مِمّا سارَ وغارَ: وكُنْتُ إذا ما جِئْتُ سُعْدى أزُورُها أرى الأرْضَ تُطْوى لِي ويَدْنُو بَعِيدُها مِنَ الخَفَراتِ البِيضِ ودَّ جَلِيسُها ∗∗∗ إذا ما انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُها وقِيلَ: إنَّهم جَمَعُوا حَدِيثًا عَلى أُحْدُوثَةٍ ثُمَّ جَمَعُوا الجَمْعَ عَلى أحادِيثَ كَقَطِيعٍ أوْ أقْطِعَةٍ وأقاطِيعَ، وكَوْنُ المُرادِ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ عَواقِبُ الأُمُورِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بَيانُ مَعانِي أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ السّالِفَةِ والكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأحادِيثِ الأُمُورُ المُحْدَثَةُ مِنَ الرُّوحانِيّاتِ والجِسْمانِيّاتِ، وبِتَأْوِيلِها كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ فِيما أرى ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى النُّبُوَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن الِاجْتِباءِ المُلْكَ ويَجْعَلُهُ تَتِمَّةً لَها، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى التَّعْلِيمِ الخَلاصَ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وتَوْسِيطُ ذِكْرِ التَّعْلِيمِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ والِاجْتِباءِ ولِرِعايَةِ تَرْتِيبِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ولِأنَّ التَّعْلِيمَ وسِيلَةٌ إلى إتْمامِ النِّعْمَةِ فَإنَّ تَعْبِيرَهُ لِرُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ ورُؤْيا المَلِكِ صارَ ذَرِيعَةً إلى الخَلاصِ مِنَ السَّجْنِ والِاتِّصالِ بِالرِّياسَةِ العُظْمى. وفَسَّرَ بَعْضُهم الِاجْتِباءَ بِإعْطاءِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ كالمُلْكِ والجَلالَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ، وأُيِّدَ بِأنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَصِيرُ بِهِ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا النُّبُوَّةُ فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. وجَوَّزَ أنْ تَعُدَّ نَفْسُ الرُّؤْيا مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَيَكُونُ جَمِيعُ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ بِحَسَبِها مِصْداقًا لَها تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِن الِاجْتِباءِ إفاضَةُ ما يَسْتَعِدُّ بِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ ومَكْرَمَةٍ، ومِن تَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ومِن إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المِحَنِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَ خَلاصِهِ مِنها مِمَّنْ يَخْضَعُ لَهُ، ويَكُونُ في تَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ إشارَةٌ إلى اسْتِنْبائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ، وفِيهِ أنَّ تَفْسِيرَ الِاجْتِباءِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وكَوْنُ التَّعْلِيمِ فِيهِ إشارَةً إلى الِاسْتِنْباءِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ لا يُثْبِتُهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ إخْوَتَهُ كانُوا يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ وإلّا لَمْ يَنْهَهُ أبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اقْتِصاصِ رُؤْياهُ عَلَيْهِمْ خَوْفَ الكَيْدِ، وكَوْنُهم أنْبِياءَ إذْ ذاكَ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذاهِبٌ ولا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ أصْلًا، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّهُ لا يَعْرِفُ التَّعْبِيرَ كَما يَنْبَغِي إلّا مَن عَرَفَ المُناسَباتِ الَّتِي بَيْنَ الصُّوَرِ ومَعانِيها وعَرَفَ مَراتِبَ النُّفُوسِ الَّتِي تَظْهَرُ في حَضْرَةِ خَيالاتِهِمْ بِحَسَبِها فَإنَّ أحْكامَ الصُّورَةِ الواحِدَةِ تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ المُخْتَلِفَةِ المَراتِبِ، وهَذا عَزِيزُ الوُجُودِ، وقَدْ ثَبَتَ الخَطَأُ في التَّعْبِيرِ مِن عُلَماءَ أكابِرَ، فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ”إنِّي رَأيْتُ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنها السَّمْنُ والعَسَلُ وأرى النّاسَ يَتَكَفَّفُونَ في أيْدِيهِمْ صفحة 187 فالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ وأرى سَبَبًا وأصْلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَأراكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي واللَّهِ لَتَدَعْنِي فَلْأُعَبِّرْها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَبِّرْها، فَقالَ: أمّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإسْلامِ، وأمّا ما يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ والعَسَلِ فَهو القُرْآنُ لِينُهُ وحَلاوَتُهُ، وأمّا المُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ فالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ والمُسْتَقِلُّ مِنهُ، وأمّا السَّبَبُ الواصِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَهو الحَقُّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ أيْ رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثْنِي أصَبْتُ أمْ أخْطَأْتُ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأْتَ بَعْضًا، فَقالَ: أقْسَمْتُ بِأبِي وأُمِّي لَتُحَدِّثْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ما الَّذِي أخْطَأْتُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تُقْسِمْ“،» اهـ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ المُرادَ التَّعْلِيمُ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ بِحَيْثُ لا يُخْطِئُ مَن يُخْطِئُ بِهِ، وهو يُسْتَدْعِي كَوْنَ الرَّجُلِ بِحَيْثُ يَعْرِفُ المُناسَباتِ ومَراتِبَ النُّفُوسِ ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا نَبِيًّا، واخْتِيرَ أنَّ المُرادَ بِالِاجْتِباءِ الإصْفاءُ لِلنُّبُوَّةِ، وبِتَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ ما هو الظّاهِرُ، وبِإتْمامِ النِّعْمَةِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المَكارِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِنهُ إلى تَعْبِيرِ الرُّؤْيا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ وهو أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِلْبِشارَةِ، وهَذا إرْدافٌ لَها بِما هو أجَلُّ في نَظَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَجْهُ تَوْسِيطِ التَّعْلِيمِ عَلَيْهِ لا يَخْفى. وحاصِلُ المَعْنى كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سُجُودِ إخْوَتِكَ لَكَ ورِفْعَةِ شَأْنِكَ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمِ الَّذِي تَعْرِفُ بِهِ تَأْوِيلَ أمْثالِ ما رَأيْتَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بِالخَلاصِ مِنَ المَكارِهِ وهي في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَخْفى، وفي حَقِّ آلِ يَعْقُوبَ، والمُرادُ بِهِمْ أهْلُهُ مِن بَنِيهِ وغَيْرِهِمْ، وأصْلُهُ أهْلٌ، وقِيلَ: أوَّلُ، وقَدْ حَقَّقْناهُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيمَنُ لَهُ خَطَرٌ مُطْلَقًا ولا يُضافُ لِما لا يَعْقِلُ ولَوْ كانَ ذا خَطَرٍ بِخِلافِ أهْلٍ فَلا يُقالُ: آلُ الحِجامِ ولا آلُ الحَرَمِ، ولَكِنْ أهْلُ الحِجامِ وأهْلُ الحَرَمِ، نَعَمْ قَدْ يُضافُ لَما نَزَلْ مَنزِلَةَ العاقِلِ كَما في قَوْلِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكَ. وفِيهِ رَدٌّ عَلى أبِي جَعْفَرٍ الزَّبِيدِيِّ حَيْثُ زَعَمَ عَدَمَ جَوازِ إضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ لِعَدَمِ سَماعِهِ مُضافًا إلَيْهِ، ويَعْقُوبُ كابْنِهِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ فَما قِيلَ: مِن أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ عَقِبَ أخِيهِ العِيصِ غَيْرُ مَرَضِيٍّ عِنْدَ الجُلَّةِ الفاقَةِ والقَحْطِ وتَفَرُّقِ الشَّمْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّ أوْ يَخُصُّ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الآلَ بِالبَنِينَ وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالِاسْتِنْباءِ، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى يَمُنُّ عَلَيْكَ وعَلى سائِرِ أبْناءِ يَعْقُوبَ بِالنُّبُوَّةِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم صارُوا بَعْدُ أنْبِياءَ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ رُؤْيَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهُ كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِدَلالَتِها عَلى مَصِيرِ أمْرِهِمْ إلى النُّبُوَّةِ، فَيَقَعُ كُلُّ ما يَخْرُجُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ مِن كَمالاتِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ لا مَحالَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى أنَّهم صارُوا أنْبِياءَ لِما عَلِمْتَ مِن الِاحْتِمالاتِ صفحة 188 والدَّلِيلُ إذا طَرَقَهُ الِاحْتِمالُ بَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ ورُؤْيَتُهم كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ، وإنَّما تَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى كَوْنِهِمْ هادِينَ لِلنّاسِ وهو مِمّا لا يَلْزَمُهُ النُّبُوَّةُ، فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ“،» ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ القَوْمَ صارُوا هادِينَ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ بَلْ هم لَعَمْرِي حِينَئِذٍ مِن أجِلَّةِ أصْحابِ نَبِيِّهِمْ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ لَوْ دَلَّ رُؤْيَتُهم كَواكِبَ عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ لَكانَتْ رُؤْيَةُ أُمِّهِ قَمَرًا أدَلَّ عَلى ذَلِكَ ولا قائِلَ بِهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ -بِآلِ يَعْقُوبَ- سائِرَ بَنِيهِ، و-بِإتْمامِ النِّعْمَةِ- إتْمامُها بِالنُّبُوَّةِ لَكِنْ لا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نُبُوَّتُهم بَعْدُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بِشَيْءٍ آخَرَ كالخَلاصِ مِنَ المَكْرُوهِ مَثَلًا، وهَذا كَقَوْلِكَ: أنْعَمْتُ عَلى زَيْدٍ وعَلى عَمْرٍو وهو لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْعامُ عَلَيْهِما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِصِدْقِ الكَلامِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أنْعَمْتَ عَلى زَيْدٍ بِمَنصِبٍ وعَلى عَمْرٍو بِإعْطائِهِ ألْفَ دِينارٍ، أوْ بِتَخْلِيصِهِ مِن ظالِمٍ مَثَلًا وهو ظاهِرٌ. ورَجَّحَ بَعْضُهم حَمْلَ الآلِ عَلى ما يَعُمُّ الأبْناءَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الأبْناءَ لَكانَ الأظْهَرُ الأخْصَرُ وعَلى إخْوَتِكَ بَدَلَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ: إنَّما اخْتارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يَتَبادَرُ مِنَ الإخْوَةِ الإخْوَةُ الَّذِي نُهِي عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِمْ فَلا يَدْخُلُ بِنْيامِينُ، والمُرادُ إدْخالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ يَعْقُوبَ أتْباعُهُ الَّذِينَ عَلى دِينِهِ. وقِيلَ: يَعْقُوبُ خاصَّةً عَلى أنَّ الآلَ بِمَعْنى الشَّخْصِ ولا يَخْفى ما في القَوْلَيْنِ مِنَ البُعْدِ، وأبْعَدُهُما الأخِيرُ ومَن جَعَلَ إتْمامَ النِّعْمَةِ إشارَةً إلى المُلْكِ جَعَلَ العَطْفَ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَغْتَنِمُونَ آثارَهُ مِنَ العِزِّ والجاهِ والمالِ هَذا. ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ أيْ إتْمامًا كائِنًا كَإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ أوْ مِن قَبْلِكَ، والِاسْمانِ الكَرِيمانِ عَطْفُ بَيانٍ –لِأبَوَيْكَ- والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالأبِ مَعَ كَوْنِهِما أبا جَدِّهِ وأبا أبِيهِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ ارْتِباطِهِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَذْكِيرُ مَعْنى -الوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ- لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِما أُخْبِرَ بِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ وإمّا بِاتِّخاذِهِ خَلِيلًا وإمّا بِإنْجائِهِ مِن نارِ عَدُوِّهِ، وإمّا مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، وإمّا بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ مِن هَذِهِ، وعَلى إسْحاقَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ مِن صُلْبِهِ أوْ بِإنْجائِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ عَلى رِوايَةِ أنَّهُ الذَّبِيحُ، وذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، وأمْرُ التَّشْبِيهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ سَهْلٌ إذْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ وجْهٍ، والِاقْتِصارُ في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ذِكْرِ إتْمامِ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِاجْتِباءِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ كَما قِيلَ فَإنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي سابِقَةَ النِّعْمَةِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلِاجْتِباءِ لا مَحالَةَ ومَعْرِفَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أخْبَرَ بِهِ مِمّا لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا إمّا بِفِراسَةٍ وكَثِيرًا ما تَصْدُقُ فِراسَةُ الوالِدِ بِوَلَدِهِ كَيْفَما كانَ الوالِدُ، فَما ظَنُّكَ بِفِراسَتِهِ إذا كانَ نَبِيًّا أوْ بِوَحْيٍ؟ وقَدْ يُدَّعى أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِالرُّؤْيا عَلى كُلِّ ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ المَذْكُوراتِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فاعِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ جَرْيًا عَلى سُنَنِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ.

يوسف 12:7

﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ في قِصَصِهِمْ، والظّاهِرْ أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِالإخْوَةِ فِيما مَرَّ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهم هُناكَ بَنُو عِلّاتِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِمْ هَهُنا ما يَشْمَلُ مَن كانَ مِنَ الأعْيانِ لِأنَّ لِبِنْيامِينَ أيْضًا حِصَّةٌ مِنَ القِصَّةِ، ويُبْعِدُهُ عَلى ما قِيلَ: (قالُوا) الآتِي (آياتٌ) عَلاماتٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ دالَّةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ صفحة 189 اللَّهِ تَعالى القاهِرَةِ وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ لِكُلِّ مَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ وعَرَفَها، أوْ لِلطّالِبِينَ لِلْآياتِ المُعْتَبِرِينَ بِها فَإنَّهُمُ الواقِفُونَ عَلَيْها المُنْتَفِعُونَ بِها دُونَ مَن عَداهم مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ نَفْسُ المَقْصُوصِ، أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ سَألُوهُ عَنْ قِصَّتِهِمْ حَسْبَما عَلِمْتَ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ فَأخْبَرَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ اقْتِصاصُها، وجَمْعُ –الآياتِ- حِينَئِذٍ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ اقْتِصاصَ كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ القِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِتَعَدُّدِ جِهَةِ الإعْجازِ لَفْظًا ومَعْنًى، وزَعَمَ بَعْضُ الجُلَّةِ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ (آياتٌ) لِلَّذِينِ يَسْألُونَ والَّذِينَ لا يَسْألُونَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وحُسْنُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِينَ النّاسُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ تَحْضِيضًا عَلى تَعَلُّمِ مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها مِن مَزِيدِ العِبَرِ، وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ. وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٍ –آيَةً- عَلى الإفْرادِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ -عِبْرَةً لِلسّائِلِينَ-

يوسف 12:8

﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِن جانِبَيِ الأُمِّ والأبِ وهي أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ مِن أحَدِهِما، ولَمْ يَذْكُرُوهُ بِاسْمِهِ إشْعارًا بِأنَّ مَحَبَّةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذا لَمْ يَتَعَرَّضُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُوقِعَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، ويُوسُفُ مُبْتَدَأٌ (وأخُوهُ) عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ خَبَرٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وهو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذا عُدِّيَ بِإلى حَسْبَما ذَكَرُوا مِن أنَّ أفْعَلَ مِنَ الحُبِّ والبُغْضِ يُعَدّى إلى الفاعِلِ مَعْنًى بِإلى وإلى المَفْعُولِ بِاللّامِ وفِي، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَكْرٍ إذا كُنْتَ تُكْثِرُ مَحَبَّتَهُ؛ ولِي وفِيَّ إذا كانَ يُحِبُّكَ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يُثَنَّ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِهِ اثْنانِ لِأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ ولا بَيْنَ المُذَكَّرِ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ، فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المَحَلِّيِّ جائِزٌ في المُضافِ إذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، وإذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ مُطْلَقًا فالفَرْقُ لازِمٌ، وجِيءَ بِلامِ الِابْتِداءِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ أيْ كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ قادِرُونَ عَلى خِدْمَتِهِ والجَدِّ في مَنفَعَتِهِ دُونِهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ: العَشْرَةُ فَما زادَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ أيْ تُشَدُّ فَتَقْوى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ العُصْبَةَ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها ما بَيْنَ العَشَرَةِ والأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشْرَةَ. وعَنْ مُقاتِلٍ هي عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ هي الجَماعَةُ مُطْلَقًا ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها كالنَّفَرِ والرَّهْطِ، وقِيلَ: الثَّلاثَةُ نَفَرٌ وإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ، ورَوى النِّزالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ (عُصْبَةً) فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، وعُصْبَةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أيْ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، وقُدِّرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ في الحالِ دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاجْتِماعِ. صفحة 190 وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ الكَلامَ عَلى طَرِيقَةِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، والتَّقْدِيرُ ونَحْنُ نَحْنُ عُصْبَةً، وحُذِفَ الخَبَرُ لِمُساواتِهِ المُبْتَدَأ وعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلَيْهِ لَفْظًا فَفي حَذْفِهِ خَلاصٌ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ عَلى المَحْذُوفِ، ولا غَرْوَ في وُقُوعِ الحالِ بَعْدَ نَحْنُ لِأنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ المَذْكُورِ كَلامٌ تامٌّ فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ ما فِيهِ وقُدِّرَ في ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مِثْلُ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الفَخامَةَ إنَّما تَجِيءُ مِنَ التَّكْرارِ فَلا يَجُوزُ الحَذْفُ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَحْذُوفِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ. وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ذَلِكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عَمَّتُهُ أيْ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ، والدّالُّ عَلى المَحْذُوفِ فِيهِ عَمَّتُهُ فَإنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالَةِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ فَيَلْزَمُ لا مَحالَةَ تَعَهُّدُهُ لَها، والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ نَظِيرُ قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسْمَطًا، فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المُبَرَّدُ: حُكْمُكَ لَكَ مُسْمَطًا، أيْ مُثْبَتٌ نافِذٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وقَدْ شاعَ هَذا فِيما بَيْنَهم لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّ فِيهِ شُذُوذًا مِن وجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أكْثَرُ شُذُوذًا مِنهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَرِّبِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ ﴿إنَّ أبانا﴾ أيْ في تَرْجِيحِهِما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عَلَيْهِما وكَوْنِهِما بِمَعْزِلٍ عَنْ كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ خَطَأٍ في الرَّأْيِ وذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ التَّعْدِيلِ اللّائِقِ مِن تَنْزِيلِ كُلٍّ مِنّا مَنزِلَتَهُ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرُ الحالِ، وجُعِلَ الضَّلالُ ظَرْفًا لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ بِزَعْمِهِمْ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِن أنَّ المَخايِلَ وكانَتْ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا تَضاعَفَتْ لَهُ المَحَبَّةُ فَكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ويَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، ولَعَلَّهُ أحْسَّ قَلْبُهُ بِالفِراقِ فَتَضاعَفَ لِذَلِكَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ سَبَبَ زِيادَةِ حُبِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوسُفَ وأخِيهِ صِغَرُهُما ومَوْتُ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ أمْرٌ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ فَقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟ قالَتِ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُشْفى، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجَزِيرِيُّ مِن قَصِيدَةٍ بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ. وصَغِيرُهم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرْ ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كَفَأ لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرْ إنَّ البَنانَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحُلِيُّ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصَرْ وإذا الفَتى فَقَدَ الشَّبابَ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرْ وفِيهِ أنَّ مَنشَأ زِيادَةِ الحُبِّ لَوْ كانَتْ ما ذُكِرَ لَكانَ بِنْيامِينُ أوْفَرَ حَظًّا في ذَلِكَ لِأنَّهُ أصْغَرُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ أُمَّهُما ماتَتْ في نِفاسِهِ، والآيَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَحَبَّتَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أحَبَّهُ أكْثَرَ مِنهم لِما رَأى فِيهِ مِن مَخايِلِ الخَيْرِ ما لَمْ يَرَ فِيهِمْ وزادَ ذَلِكَ الحُبُّ بَعْدَ الرُّؤْيا لِتَأْكِيدِها تِلْكَ الأماراتِ عِنْدَهُ ولا لَوْمَ عَلى الوالِدِ في تَفْضِيلِهِ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ في المَحَبَّةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مِمّا تَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ البَشَرِ، والمَرْءُ مَعْذُورٌ فِيما لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ، نَعَمْ ظَنَّ أبْناؤُهُ أنَّ ما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ عَنِ اجْتِهادٍ، وأنَّهُ قَدْ أخْطَأ في ذَلِكَ والمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ وإنْ كانَ نَبِيًّا، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: إنَّهم إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِ أبِيهِمْ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا صفحة 191 وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا فِيما هو عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ فَهو يُوجِبُ كُفْرَهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لَمَّ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ ووَجْهُ الِانْحِلالِ ظاهِرٌ

يوسف 12:9

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما حُكِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالُوا﴾ وقَدْ قالَهُ بَعْضٌ مِنهم مُخاطِبًا لِلْباقِينَ وكانُوا راضِينَ بِذَلِكَ إلّا مَن قالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ كُلٌّ مِنهم مُخاطِبًا لِلْبَقِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ هو الِاسْتِثْناءُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القائِلَ رَجُلٌ غَيْرُهم شاوَرُوهُ في ذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا ثَبْتَ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ خَيَّرَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ القَتْلِ والطَّرْحِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قالَ بَعْضٌ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وبَعْضٌ ﴿اطْرَحُوهُ﴾ والطَّرْحُ رَمْيُ الشَّيْءِ وإلْقاؤُهُ، ويُقالُ: طَرَحْتُ الشَّيْءَ أبْعَدْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقَتِّرًا مِنَ المالِ يَطْرَحُ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحٍ ونُصِبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أيْ ألْقُوهُ في أرْضٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ –لِاطْرَحُوهُ- لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أنْزِلُوهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا)،﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُبْهَمًا وحَيْثُ كانَ المُرادُ أرْضًا بَعِيدَةً عَنْ أرْضِهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إبْهامٌ، ودُفِعَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وحاصِلُ المَعْنى اقْتُلُوهُ أوْ غَرِّبُوهُ فَإنَّ التَّغْرِيبَ كالقَتْلِ في حُصُولِ المَقْصُودِ مَعَ السَّلامَةِ مِن إثْمِهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ مُرَّيْنِ فَإنَّ الغُرْبَةَ كُرْبَةٌ أيَّةُ كُرْبَةٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: حَسَّنُوا القَوْلَ وقالُوا غُرْبَةٌ ∗∗∗ إنَّما الغُرْبَةُ لِلْأحْرارِ ذَبْحٌ ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ بِالجَزْمِ جَوابُ الأمْرِ، والوَجْهُ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ خُلُوصِ المَحَبَّةِ، ومِن هُنا قِيلَ: أيْ يُقْبِلُ عَلَيْكم إقْبالَةً واحِدَةً لا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكُمْ، والمُرادُ سَلامَةُ مَحَبَّتِهِ لَهم مِمَّنْ يُشارِكُهم فِيها ويُنازِعُهم إيّاها، وقَدْ فُسِّرَ الوَجْهُ بِالذّاتِ والكِنايَةِ بِحالِها خَلا أنَّ الِانْتِقالَ إلى المَقْصُودِ بِمَرْتَبَتَيْنِ عَلى الأوَّلِ وبِمَرْتَبَةٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والتَّقَيُّدِ بِنَظْمِ أحْوالِهِمْ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ خُلُوَّهُ لَهم يَدُلُّ عَلى فَراغِهِ عَنْ شَغْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَشْتَغِلُ بِهِمْ ويُنَظِّمُ أُمُورَهُمْ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الأوْجَهَ هو الأوَّلُ ﴿وتَكُونُوا﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِالنَّصْبِ بَعْدَ الواوِ بِإضْمارِ أنَّ أيْ يَجْتَمِعُ لَكم خُلُوُّ وجْهِهِ والكَوْنُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدِ يُوسُفَ عَلى مَعْنى بَعْدِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ، أوْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ، فالضَّمِيرُ إمّا لِيُوسُفَ أوْ لِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ الفِعْلَيْنِ. ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الذَّنْبِ -كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ- وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، فالمُرادُ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ الدِّينِيُّ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ لَكِنْ بَيْنَهم وبَيْنَ أبِيهِمْ بِالعُذْرِ، وهو وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلدِّينِ لِكَوْنِهِ كَذِبًا لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ مِن جِهَةِ أنَّهم يَرْجُونَ عَفْوَ أبِيهِمْ وصَفْحَهُ صفحة 192 بِهِ لِيَخْلُصُوا مِنَ العُقُوقِ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الصَّلاحُ الدُّنْيَوِيُّ أيْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكُمْ، وإيثارُ الخِطابِ في (لَكُمْ) وما بَعْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى القَبُولِ فَإنَّ اعْتِناءَ المَرْءِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ واهْتِمامِهِ بِتَحْصِيلِ مَنافِعِهِ أتَمُّ وأكْمَلُ

يوسف 12:10

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ وهو يَهُوذا وكانَ رَأْيُهُ فِيهِ أهْوَنَ شَرًّا مِن رَأْيِ غَيْرِهِ وهو القائِلُ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ إلَخْ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ: هو رُوبِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: دانُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أحَدَ هَذَيْنِ هو القائِلُ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ إلَخْ، وأمّا القائِلُ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَغَيْرُهُ، ولَعَلَّ الأصَحَّ أنَّهُ يَهُوذا. قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِنهم بِاسْمِهِ سَتْرًا عَلى المُسِيءِ، وكُلٌّ مِنهم لَمْ يَخْلُ عَنِ الإساءَةِ وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُها، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا مِنهم بِاسْمِهِ تَأسِّيًا بِالكِتابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وهو فِيهِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ اتَّفَقُوا عَلى ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن خَصْلَتَيِ الصَّنِيعِ أمْ خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ؟ فَقِيلَ: قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ إلَخْ، والإتْيانُ بِيُوسُفَ دُونَ ضَمِيرِهِ لِاسْتِجْلابِ شَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِعْظامِ قَتْلِهِ وهو هُوَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمُ: القَتْلُ عَظِيمٌ ولَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الخِصْلَةِ الأُخْرى، وأحالَهُ عَلى أوْلَوِيَّةِ ما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ في قَعْرِهِ وغَوْرِهِ سُمِّيَ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المِنخَلُ السَّعْدِيُّ: إذا أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي (غَيابَتِي) فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ وقالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شِبْهُ كَهْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فَوْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ، والجُبُّ الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورَقِيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ جُبَّ مِنَ الأرْضِ أيْ قُطِعَ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَأْنِيثِهِ وتَذْكِيرِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في –غَياباتِ- في المَوْضِعَيْنِ كَأنَّ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٍ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى سِعَتِها، أوْ أرادَ بِالجُبِّ الجِنْسَ أيْ في بَعْضِ غَياباتِ الجُبِّ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ –غَيّاباتِ- بِتَشْدِيدِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ووَزْنُهُ عَلى ما نَقَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ غَيَبَةِ بِفُتُحاتٍ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَيْبَةٌ بِسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الغائِبُ. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ أيْ يَأْخُذْهُ عَلى وجْهِ الصِّيانَةِ عَنِ الضَّياعِ والتَّلَفِ، فَإنَّ الِالتِقاطَ أخْذُ شَيْءٍ مُشْرِفٍ عَلى الضَّياعِ كَذا قِيلَ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ هو أنْ يَجِدَ الشَّيْءَ ويَأْخُذَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَحْسَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَنهَلٌ ورَدْتُهُ التِقاطًا. ﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أيْ بَعْضُ جَماعَةٍ تَسِيرُ في الأرْضِ وألْ في السَّيّارَةِ كَما في الجُبِّ وما فِيهِما، وفي –البَعْضِ- مِنَ الإبْهامِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن تَرْوِيجِ كَلامِهِ بِمُوافَقَتِهِ لِغَرَضِهِمُ الَّذِي هو تَنائِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم بِحَيْثُ لا يُدْرى أثَرُهُ ولا يُرْوى خَبَرُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ –تَلْتَقِطْهُ- عَلى التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: إذا بَعْضُ السِّنِينَ (تَعْرِفَتُنا) ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدُ أبِي اليَتِيمِ صفحة 193 وجاءَ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ وجَعَلُوا هَذا مِن بابِ اكْتِسابِ المُضافِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ كَقَوْلِهِ: كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ عازِمِينَ مُصِرِّينَ عَلى أنْ تَفْعَلُوا بِهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ أوْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بِمَشُورَتِي ورَأْيِي فَألْقُوهُ إلَخْ، ولَمْ يَبِتَّ القَوْلَ لَهم بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ وتَوْجِيهًا لَهم إلى رَأْيِهِ وحَذَرًا مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ قَبِلُوا رَأْيَهُ أمْ لا؟ فَأُجِيبَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ عَلى وجْهٍ أدْرَجَ في تَضاعِيفِهِ قَبُولَهم لَهُ بِما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ فَقِيلَ:

يوسف 12:11

﴿قالُوا يا أبانا﴾ خاطَبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ تَحْرِيكًا لِسِلْسِلَةِ النَّسَبِ وتَذْكِيرًا لِرابِطَةِ الأُخُوَّةِ لِيَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما أحَسَّ بِحَسَدِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: ﴿ما لَكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكَ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ لا تَجْعَلْنا أُمَناءَ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ مَعَ أنَّكَ أبُونا ونَحْنُ بَنُوكَ وهو أخُونا ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ ومُشْفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْسَ فِينا ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ –بِما لَكَ- فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والكَلامُ ظاهِرٌ في أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم فَلَمْ يَرْضَ أبُوهم بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ بِالإدْغامِ والإشْمامِ، وفُسِّرَ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنَهُما إشارَةً إلى الحَرَكَةِ مَعَ الإدْغامِ الصَّرِيحِ كَما يَكُونُ في الوَقْفِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم وفِيهِ عُسْرٌ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى إشْرابِ الكَسْرَةِ شَيْئًا مِنَ الضَّمَّةِ كَما قالُوا في قِيلَ، وعَلى إشْمامِ أحَدِ حَرْفَيْنِ شَيْئًا مِن حَرْفٍ آخَرَ كَما قالُوا في الصِّراطِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِالإدْغامِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ، وإرادَةُ النَّفْيِ ظاهِرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الإدْغامِ، وهَذِهِ الضَّمَّةُ مَنقُولَةٌ إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِها. وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: لا تَأْمَنُنا- بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ، وهو خِلافُ خَطِّ المُصْحَفِ لِأنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ -لا تِيمَنّا- بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ؛ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، ولَمْ يُسَهِّلْ أبُو رَزِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِذَلِكَ بِمَحْضَرِ عُبَيْدِ بْنِ فَضْلَةَ فَقالَ لَهُ: لَحَنْتَ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ: ما لَحَنَ مَن قَرَأ بِلُغَةِ قَوْمِهِ

يوسف 12:12

﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ وهو يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ غَدَوٌ فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا أيِ ابْعَثْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصَّحْراءِ ﴿يَرْتَعْ﴾ أيْ يَتَّسِعُ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها، وأصْلُ مَعْنى الرَّتْعِ أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما تَشاءُ في خِصْبٍ وسِعَةٍ، ويُقالُ: رَتَعَ أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ويُسَمّى الخِصْبُ رَتْعَةً بِسُكُونِ التّاءِ وفَتْحِها، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الرَّتْعَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ البَهائِمِ ويُسْتَعارُ لِلْإنْسانِ إذا أُرِيدَ بِهِ الأكْلُ الكَثِيرُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ. وإذْ يَخْلُو لَهُ الحِمى رَتَعَ. ﴿ويَلْعَبْ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ ونَحْوِهِما مِمّا يَتَدَرَّبُ بِهِ لِقِتالِ العَدُوِّ، ولَيْسَ المُرادُ لَعِبَ لَهْوٍ وإلّا لَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ عَلى هَيْئَتِهِ تَحْقِيقًا لِما رَمَوْهُ مِنِ اسْتِصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَصْوِيرِهِمْ لَهُ بِصُورَةِ ما يُلائِمُ حالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صِغَرِ السِّنِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ صفحة 194 والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ والجَزْمِ، وكَسَرَ العَيْنَ الحَرَمِيّانِ، واخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ –نَرْتَعُ- بِالنُّونِ و(يَلْعَبُ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ (ويَلْعَبُ) بِالياءِ أيْضًا وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو يَلْعَبُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –نُرْتَعْ- بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وعَيْنٍ ساكِنَةٍ مِن أرْتَعْنا –ونَلْعَبُ- بِالنُّونِ أيْضًا، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ إلّا أنَّهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ أيْ نُرْتِعِ المَواشِي أوْ غَيْرَها، والفِعْلانِ في هَذِهِ القِراآتِ كُلِّها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (يُرْتَعُ ويُلْعَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ غَدٍ، والأصْلُ يَرْتَعُ فِيهِ ويَلْعَبُ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ واتَّسَعَ فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ فَصارَ يُرْتِعُهُ ويُلْعِبُهُ، ثُمَّ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ فاسْتُتِرَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِنَ الفِعْلِ الأوَّلِ فَهو عِنْدَهُ مِنَ المُراعاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ نَتَدَرَّبُ في الرَّعْيِ وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، والمُرادُ نَرْعى مَواشِيَنا إلّا أنَّهُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَجازًا، أوْ تَجُوزُ عَنْ أكْلِهِمْ بِالرَّعْيِ، وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ القِراءَةَ بِإثْباتِ الياءِ، وقالَ: إنَّ إثْباتَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ ونَحْوِها لِلْجازِمِ لُغَةٌ ولَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ في شَيْءٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ نَلْهُو ونَلْعَبُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ فِيها فِعْلُ الأمْرِ أوِ الجَوابُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الأعْمالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وذَلِكَ البابُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، وقَدْ أكَّدُوا مَقالَتَهم بِأصْنافِ التَّأْكِيدِ مِن إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً وتَحْلِيَتِها بِأنْ واللّامِ، وإسْنادُ الحِفْظِ إلى كُلِّهِمْ وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى الخَبَرِ احْتِيالًا في تَحْصِيلِ مَقْصِدِهِمْ

يوسف 12:13

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ أبُوهم لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ إذا كانَ مُضارِعًا قِيلَ: تَقْصُرُهُ عَلى الحالِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّها لِلْحالِ إنْ خَلَتْ عَنْ قَرِينَةٍ ومَعَها تَكُونُ لِغَيْرِهِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما في الآيَةِ، وبَعْضُهم جَعَلَها هُنا لِلْحالِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الذَّهابَ مُسْتَقْبَلٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الفِعْلِ عَلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ أثَرُهُ ولا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ قَصْدُ أوْ تَوَقُّعُ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو الفاعِلُ ولَيْسَ ذاكَ أمْرًا مُسْتَقْبَلًا بَلْ حالٌ، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ حَذْفُ الفاعِلِ لِما صَرَّحُوا بِهِ أنَّهُ إنَّما يَمْتَنِعُ إذا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ وهُنا قَدْ سَدَّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ السّادُّ هو المُضافُ إلَيْهِ كَما ظُنَّ، بَلْ لَوْ سَدَّ غَيْرُهُ كانَ الحَذْفُ جائِزًا أيْضًا، ومِن هُنا كانَ تَقْدِيرُ قَصْدِكم أنْ تَذْهَبُوا صَحِيحًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: صفحة 195 إنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ الإشْكالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الذَّهابَ يُحْزِنُهُ بِاعْتِبارِ تَصَوُّرِهِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وقالَ شِهابٌ: ذَلِكَ التَّحْقِيقُ أظُنُّ أنَّ ما قالُوهُ في تَوْجِيهِ الإشْكالِ مَغْلَطَةٌ لا أصْلَ لَها، فَإنَّ لُزُومَ كَوْنِ الفاعِلِ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ إنَّما هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لا النَّحْوِيُّ واللُّغَوِيُّ فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ سَواءٌ كانَ حالًا كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، أوْ ماضِيًا كَما أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في مِثْلِهِ أمْرًا مَعْدُومًا كَما في قَوْلِهِ: ومَن سَرَّهُ أنْ لا يَرى ما يَسُوءُهُ فَلا يَتَّخِذُ شَيْئًا يَخافُ لَهُ فَقْدًا ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في مِثْلِهِ إنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ فَإنَّ الحُزْنَ والغَمَّ كالسُّرُورِ والفَرَحِ يَكُونُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِلالٍ في فُرُوقِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ أوْ تَقْدِيرٍ أوْ تَنْزِيلٍ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ عَلى القَوْلِ بِهِ أوْ الِاكْتِفاءِ بِهِ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أوِ اللِّسانُ فَإنْ أبَيْتَ إلّا اللَّجاجَ فِيهِ فَلْيَكُنْ مِنَ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى ما يَسْتَقْبِلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحُزْنِ الآنَ اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فِعْلَ الفاعِلِ الِاصْلاحِيِّ إمّا قائِمٌ بِهِ أوْ واقِعٌ مِنهُ، وقِيامُ الشَّيْءِ بِما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ووُقُوعُهُ مِنهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وحِينَئِذٍ فالتَّأْوِيلُ بِما يَصِحُّ القِيامُ أوِ الوُقُوعُ في فاقِدِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ واجِبٌ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –لِيَحْزُنِّي- بِالإدْغامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَرَأ أيْضًا تَذْهَبُوا بِهِ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى زِيادَةِ الباءِ في (بِهِ) كَما خَرَّجَ بَعْضُهم (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ المُوَحَّدَةَ عَلى ذَلِكَ أيْ -لِيُحْزِنِّي أنْ تُذْهِبُوهُ. ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ هو حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الأرْضَ عَلى ما قِيلَ: كانَتْ مُذْئَبَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبُعٌ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ مِنهُ عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ افْتِراسًا مِن بابِ أوْلى، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لِما بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ما بَلَغَ في قَوْلِهِ: (والذِّئْبُ) أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ ذِئْبًا قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ فَكانَ يَحْذَرُهُ، ولَعَلَّ هَذا الحَذَرَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمُناسَبَتِهِمُ التّامَّةِ بِعالَمِ المَلَكُوتِ تَكُونُ واقِعاتُهم بِعَيْنِها واقِعَةً، وإلّا فالذِّئْبُ في النَّوْمِ يُؤَوَّلُ بِالعَدُوِّ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورى بِالذِّئْبِ عَنْ واحِدٍ مِنهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ لا يَعْلَمَ أنَّ رُؤْياهُ تِلْكَ مِن أيِّ أقْسامِ الرُّؤْيا هِيَ، فَإنَّ مِنها ما يَحْتاجُ لِلتَّعْبِيرِ، ومِنها ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، والكامِلُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ كَما قَدْ خَفِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى جَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِناءٌ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا ابْنُ العَرَبِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن أنَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ مِنَ الرُّؤْيا المُعَبِّرَةِ بِذَبْحِ كَبْشٍ لَكِنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ وكَأنَّ يُوسُفَ في بَطْنِ الوادِي فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ تُرِيدُ أكْلَهُ فَدَرَأ عِنْدَ واحِدٍ ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنا لَمْ أجِدْ لِرِوايَةِ الرُّؤْيا مُطْلَقًا سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى اعْتِبارِها لِتَكَلُّفِ الكَلامِ فِيها، وبِالجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القَوْلِ كانَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ والبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ. صفحة 196 وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكْذِبُوا فَإنَّ بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النّاسَ فَلَمّا لَقَّنَهم أبُوهم كَذَّبُوا فَقالُوا: أكَلَهُ الذِّئْبُ“،» والحُزْنُ ألَمُ القَلْبِ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ، والخَوْفُ انْزِعاجُ النَّفْسِ لِنُزُولِ المَكْرُوهِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الأوَّلَ إلى الذَّهابِ بِهِ المُفَوِّتِ لِاسْتِمْرارِ مُصاحَبَتِهِ ومُواصَلَتِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي إلى ما يُتَوَقَّعُ نُزُولُهُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ أصْلُهُ الهَمْزَةُ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وبِها قَرَأ غَيْرُ واحِدٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو جَعْفَرٍ ووَرْشٌ والأعْشى وغَيْرُهم بِإبْدالِها ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها وهو القِياسُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَدْ هَمَزَهُ عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وقْفًا، وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ دَرَجا وأبْدَلا وقْفًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ في الوَقْفِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّهُ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ يَكُونُ أحْسَنَ. وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ما تَقَدَّمَ رِوايَةً وهَذِهِ أُخْرى، ويَجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، واشْتِقاقُهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّ اشْتِقاقَ تَذاءَبَتْ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّ الذِّئْبَ يَفْعَلُهُ في عَدُوِّهِ، قِيلَ: وهو أنْسَبُ ولِذا عُدَّ تَذاءَبَتِ الرِّيحُ مِنَ المَجازِ في الأساسِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ أخْذَ الفِعْلِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ –كَإبِلٍ- قَلِيلٌ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ ﴿وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ، أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

يوسف 12:14

﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تَعْصِبَ بِنا الأُمُورُ وتَكْفِيَ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا الخُطُوبُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، والخَسارُ إمّا بِمَعْنى الهَلاكِ تَجَوُّزًا عَنِ الضَّعْفِ أوِ اسْتِحْقاقِهِ، أوْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّعاءِ بِهِ أيْ لَضُعَفاءُ عاجِرُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ لا غِناءَ عِنْدَنا ولا نَفْعَ في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ فَيُقالُ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم إذْ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم مَعَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أيْ إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في وجْهِ عَدَمِ مُفارَقَتِهِ أمْرَيْنِ: حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقَصْرِ زَمانِهِ بِناءً عَلى سُرْعَةِ عَوْدِهِمْ بِهِ، أوْ لِأنَّ حُزْنَهُ بِالذَّهابِ إنَّما هو لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَنَفْيُ الثّانِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُ فَلِذَلِكَ أعارُوهُ أُذُنًا صَمّاءَ

يوسف 12:15

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ عَزَمُوا عَزْمًا مُصَمِّمًا عَلى ﴿أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ قِيلَ: هو بِئْرٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هو بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ: بِنَفْسِ أرْضِ الأُرْدُنِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ بَعْضِ السَّيّارَةِ ومَجِيئِهِمْ عِشاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ –لَمّا- مَحْذُوفٌ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكَ العِبارَةُ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَظُمَتْ فِتْنَتُهم وهو أوْلى مِن تَقْدِيرٍ وضَعُوهُ فِيها، وقِيلَ: لا حَذْفَ والجَوابُ أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. قالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ والأخْبارِ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا صفحة 197 إلى مَواشِينا فَنَصِيدُ ونَسْتَبِقُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا، فَقالَ يَعْقُوبُ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ إنِّي أرى مِن إخْوَتِي مِنَ اللِّينِ واللُّطْفِ فَأُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، وكانَ يَعْقُوبُ يَكْرَهُ مُفارَقَتَهُ ويُحِبُّ مَرْضاتَهُ، فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ جَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى رِقابِهِمْ ويَعْقُوبُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمّا بَعِدُوا عَنْهُ وصارُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ ألْقَوْهُ إلى الأرْضِ وأظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ وبَسَطُوا لَهُ القَوْلَ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ إلى واحِدٍ مِنهم واسْتَغاثَ بِهِ ضَرَبَهُ فَلَمّا فَطِنَ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ جَعَلَ يُنادِي يا أبَتا لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما نَزَلَ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ، وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ راحِيلَ أنْتَ صاحِبُ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصُكَ مِن أيْدِينا ولَوى عُنُقَهُ فاسْتَغاثَ بِيَهُوذا وقالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فِيَّ وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ الأُخُوَّةِ ورَقَّ لَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ ما عَلى هَذا عاهَدْتُمُونِي ألا أدُلُّكم عَلى ما هو أهْوَنُ لَكم وأرْفَقُ بِهِ؟ قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ، فَإمّا أنْ يَمُوتَ أوْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى بِئْرٍ هُناكَ واسِعِ الأسْفَلِ ضَيِّقِ الرَّأْسِ فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأسْتَتِرَ بِهِ في الجُبِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها، فَقالَ لَهُمْ: يا إخْوَتاهُ أتَدَعُونِي وحِيدًا؟ قالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسُكَ. وقِيلَ: جَعَلُوهُ في دَلْوٍ ثُمَّ أدْلَوْهُ فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ فِيها. ورُوِيَ أنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا رَضْخَهُ بِصَخْرَةٍ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَمِيصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا خَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ، فَلَمّا صارَ في البِئْرِ أخْرَجَهُ مَلَكٌ وألْبَسَهُ إيّاهُ فَأضاءَ لَهُ الجُبَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا أُلْقِيَ فِيها عَذُبَ ماؤُها وكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، فَلَمّا أمْسى نَهَضَ لِيَذْهَبَ فَقالَ لَهُ: إنِّي أسْتَوْحِشُ إذا ذَهَبْتَ، فَقالَ: إذا رُمْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ قَدْ تَرى مَكانِي وتَعْلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي، فَلَمّا قالَها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ، وقِيلَ: كانَ يَقُولُ: يا إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ ضَعْفِي وقِلَّةَ حِيلَتِي وصِغَرَ سِنِّي، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا غُلامُ مَن ألْقاكَ في هَذا الجُبِّ؟ قالَ: إخْوَتِي، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِمَوَدَّةِ أبِي إيّايَ حَسَدُونِي، قالَ: تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن هَهُنا؟ قالَ: ذاكَ إلى إلَهِ يَعْقُوبَ، قالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ يا بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ أنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي وأنْ تَجْعَلَ مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، وأنْ تَرْزُقَنِي مِن حَيْثُ أحْتَسِبُ ومِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَقالَها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ فَرَجًا صفحة 198 ومَخْرَجًا ورَزَقَهُ مُلْكَ مِصْرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ألْظُوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَإنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ"». ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والرِّواياتُ في كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ وما قالَ: وما قِيلَ لَهُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ ما يَلِينُ لَهُ الصَّخْرُ لَكِنْ لَيْسَ فِيها ما لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ أيْ أعْلَمْناهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالإلْقاءِ في مُبَشِّراتِ المَنامِ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ والمُوحِي إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ وهو بِشارَةٌ لَهُ بِالخَلاصِ أيْضًا أيْ لَتُخَلَّصَنَّ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ وضِيقِ المَجالِ ولَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِأنَّكَ يُوسُفُ لِتَبايُنِ حالَيْكَ: حالُكَ هَذا وحالُكَ يَوْمَئِذٍ بِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ وبُعْدِ حالِكَ مِن أوْهامِهِمْ، وقِيلَ: لِبُعْدِ العَهْدِ المُبْدَلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلْأشْكالِ والأوَّلُ أُدْخِلَ في التَّسْلِيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جِيءَ بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطِنٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ يُدْنِيهِ دُونَكم وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ فَأتَيْتُمْ أباكم فَقُلْتُمْ: إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُهُ بِخَبَرِكُمْ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلا نَرى هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِالإيحاءِ عَلى مَعْنى أنّا آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ الَّتِي أوْرَثُوهُ إيّاها وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ لا أنِيسَ لَهُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وكانَ هَذا الإيحاءُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ سِتٍّ عِنْدَ الضَّحّاكِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الحَسَنِ، وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ ابْنِ السّائِبِ -وهُوَ الَّذِي يَزْعُمُهُ اليَهُودُ- وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَن نَظَرَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إذْ ذاكَ، وعَلى جَمِيعِ الأقْوالِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا الأرْبَعِينَ عِنْدَ الإيحاءِ إلَيْهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نُبِّئُوا في سِنِّ الأرْبَعِينَ وقَدْ أُوحِيَ إلى بَعْضِهِمْ كَيَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. وزَعَمَ بَعْضُهِمْ أنَّ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَيُنَبِّئَنَّهم بِياءِ الغَيْبَةِ وكَذا في مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ سَلامٌ بِالنُّونِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِأوْحَيْنا- لا غَيْرَ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ وأنْ يُرادَ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى إيصالُ فِعْلِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ بِناءٌ عَلى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إنْباءُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ شُعُورِهِمْ بِما أنْبَأهم بِهِ إلّا بِتَأْوِيلٍ كَتَقْدِيرِ لَنُعْلِمَنَّهم بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ قَبْلُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِما فِيهِ

يوسف 12:16

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ- مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، والعِشاآنِ: المَغْرِبُ والعَتَمَةُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ –عُشَيًّا- بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الياءِ مُنَوَّنًا وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ وهو مِن صفحة 199 زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ –عُشى- بِالضَّمِّ والقَصْرِ كَدُجى فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو جَمْعُ أعْشى عِنْدَ بَعْضٍ وعاشَ عِنْدَ آخَرِينَ، وأصْلُهُ عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٍ فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا، وأوْرَدَ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لا جَوازَ لِمِثْلِ هَذا الحَذْفِ وأنَّهُ لا يُجْمَعُ أفْعَلُ فَعْلاءَ عَلى فُعَلٍ بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ بَلْ فُعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، ولِذا قِيلَ: كانَ أصْلُهُ عَشْوا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها لِكَوْنِهِ حَرْفًا صَحِيحًا ساكِنًا ثُمَّ حُذِفَتْ بَعْدَ قَلْبِها ألِفًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ قُدِّرَ ما بَكَوْا بِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَعْشُو مِنهُ الإنْسانُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ المَقْصُودَ المُبالَغَةُ في شِدَّةِ البُكاءِ والنَّحِيبِ لا حَقِيقَتُهُ أيْ كادَ يَضْعُفُ بَصَرُهم لِكَثْرَةِ البُكاءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشْوَةٍ مُثَلَّثُ العَيْنِ وهي رُكُوبُ أمْرٍ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، يُقالُ: أوْطَأهُ عَشْوَةً أيْ أمْرًا مُلْتَبِسًا يُوقِعُهُ في حِيرَةٍ وبَلِيَّةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِكَذِبِهِمْ وهو تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَشْوَةٍ بِالضَّمِّ بِمَعْنى شُعْلَةِ النّارِ عِبارَةً عَنْ سُرْعَتِهِمْ لِابْتِهاجِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ العَظِيمَةِ وافْتَعَلُوا مِنَ العَضِيهَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (عِشاءً) أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعَ عاشٍ مِثْلِ راعٍ ورِعاءٍ ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وإنَّما -جاءُوا عِشاءً- إمّا لِأنَّها لَمْ يَصِلُوا مِن مَكانِهِمْ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإمّا لِيَكُونُوا أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ لِمَكانِ الظُّلْمَةِ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيها الحَياءُ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلُبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَلَجْلَجَ في الِاعْتِذارِ وهَلْ جاءُوا في عِشاءِ اليَوْمِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ أوْ في عِشاءِ يَوْمٍ آخَرَ؟ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلُ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوالَيْهِ وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ. وفِي الكَلامِ عَلى ما في البَحْرِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿وجاءُوا أباهُمْ﴾ دُونَ يُوسُفَ ﴿عِشاءً يَبْكُونَ﴾ أيْ مُتَباكِينَ أيْ مَظْهِرِينَ البُكاءَ بِتَكَلُّفٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ حُزْنٍ لَكِنَّهُ يُشْبِهُهُ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ بَعْضُ الكَذّابِينَ كَذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَقالُوا: يا أبا أُمَيَّةَ أما تَراها تَبْكِي! فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ أباهم عِشاءً يَبْكُونَ، وقالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكم أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم وأيْنَ يُوسُفُ؟

يوسف 12:17

﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ عَلى الأقْدامِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ في الرَّمْيِ بِالسِّهامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، أوْ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ في الصَّيْدِ وأخَذَهُ كَما قِيلَ، ورَجُحَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ -إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ- وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ كَيْفَ ساغَ لَهم الِاسْتِباقُ في العَدْوِ وهو مِن أفْعالِ الصِّبْيانِ الَّتِي لا ثَمَرَةَ فِيها، وأُجِيبَ بِالمَنعِ وثَمَرَتُهُ التَّدْرِيبُ في العَدْوِ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافِعَةِ الذِّئْبِ مَثَلًا؛ وبِالجُمْلَةِ (نَسْتَبِقُ) بِمَعْنى نَتَسابَقُ وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ فَيَكُونانِ بِمَعْنًى كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ وحَيْثُ لا يَكادُ يَطْرَحُ المَتاعَ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ لَمْ يُعَدَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ لا سِيَّما إذْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا صفحة 200 إلّا أنَّ الذِّئْبَ أكَلَ يُوسُفَ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَعْرِيضًا فَما قِيلَ: إنَّهم عَرَضُوا وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ ما أنْتَ مُصَدِّقٌ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ ﴿ولَوْ كُنّا﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ لِفَرْطِ مَحَبَّتِكَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا، قِيلَ: ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ إذْ لَوْ كانَ المَعْنى ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ إذا كُنّا كاذِبِينَ فِيهِ فَيَلْزَمُ اعْتِرافُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ. ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ أوْ وصْفٍ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، ومِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ: أفِيضُوا عَلى عُزّابِكم مِن بَناتِكم فَما في كِتابِ اللَّهِ أنْ يُحْرَمَ الفَضْلَ وفِيهِنَّ فَضْلٌ قَدْ عَرَفْنا مَكانَهُ ∗∗∗ فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ كَذِبٌ بِمَكْذُوبٍ فِيهِ، فَإنَّ المَصْدَرَ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذِبًا بِالنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ (جاءُوا) بِتَأْوِيلِ كاذِبِينَ، وقِيلَ: مِن دَمٍ عَلى تَأْوِيلِ مَكْذُوبًا فِيهِ، وفِيهِ أنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ جاءُوا بِذَلِكَ لِأجْلِ الكَذِبِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها والحَسَنُ –كَدِبٍ- بِالدّالِ المُهْمَلَةِ ولَيْسَ مِن قَلْبِ الذّالِ دالًا بَلْ هو لُغَةٌ أُخْرى بِمَعْنى كَدَرٍ أوْ طَرِيٍّ أوْ يابِسٍ فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: المَعْنى ذِي كَدِبٍ أيْ أثَرٍ لِأنَّ الكَدِبَ بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ الفُوفَ ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَقْدِيرَ المُضافِ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ الدَّمَ في القَمِيصِ يُشْبِهُ الكَدِبَ مِن جِهَةِ مُخالَفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ ما هو فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِن دَمٍ، وفي جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ خِلافٌ، والحَقُّ كَما قالَ السَّفاقِسِّيُّ: الجَوازُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ، وفي اللُّبابِ ولا تَتَقَدَّمُ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ عَلى الأصَحِّ نَحْوَ مَرَرْتُ جالِسَةً بِهِنْدٍ إلّا أنْ يَكُونَ الحالُ ظَرْفًا عَلى أنَّ الحَقَّ ما اخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: إنَّهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ جاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ (عَلى) عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهو ظَرْفٌ لَغْوٌ، ومَنَعَ في البَحْرِ كَوْنَ العامِلِ فِيهِ المَجِيءُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الفَوْقِيَّةَ ظَرْفٌ لِلْجائِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ بَلْ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ. وفِي بَعْضِ الحَواشِي أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: جاءُوا مُسْتَوْلِينَ عَلى قَمِيصِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِدَمٍ﴾ حالٌ مِنَ القَمِيصِ، وجَعَلَ المَعْنى اسْتَوْلَوْا عَلى القَمِيصِ مُلْتَبِسًا بِدَمٍ جائِينَ، وهو عَلى ما قِيلَ: أوْلى مِن جاءُوا مُسْتَوْلِينَ لِما تَقَرَّرَ في التَّضْمِينِ، والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ فَإنَّ جُعِلَ المُضَمَّنُ أصْلًا والمَذْكُورُ حالًا وبِالعَكْسِ كُلٌّ مِنهُما جائِزٌ، وإذا اقْتَضى المَقامُ أحَدَهُما رَجُحَ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْمَجِيءِ المُتَعَدِّي، والمَعْنى أتَوْا بِدَمٍ كَذِبٍ فَوْقَ قَمِيصِهِ ولا يَخْفى اسْتِقامَتُهُ، هَذا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الدَّمَ كانَ دَمَ سَخْلَةٍ ذَبَحُوها ولَطَّخُوا بِدَمِها القَمِيصَ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أخَذُوا ظَبْيًا فَذَبَحُوهُ فَلَطَّخُوا بِدَمِهِ القَمِيصَ، ولَمّا جاءُوا صفحة 201 بِهِ جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَيَقُولُ: ما أرى بِهِ أثَرَ نابٍ ولا ظُفْرٍ إنَّ هَذا السَّبُعَ رَحِيمٌ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ أخَذَ القَمِيصَ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ، وقالَ: تاللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهَ، وجاءَ أنَّهُ بَكى وصاحَ وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجِ نَفَسِهِ فَلَمْ يَحِسَّ بِنَفَسٍ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ، فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا فَلَمْ يَفُقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ

يوسف 12:18

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ ﴿أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ، وأصْلُ التَّسْوِيلِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: هو تَزْيِينُ النَّفْسِ لِما تَحْرِصُ عَلَيْهِ وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سِوالِ الإنْسانِ وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْتِرْخاءٌ في العَصَبِ ونَحْوِهِ كَأنَّ المُسَوِّلَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ اسْتَرْخى عَصَبُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى ما في البَحْرِ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ إلَخْ، وعِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَذِبِهِمْ قِيلَ: حَصَلَ مِن سَلامَةِ القَمِيصِ عَنِ التَّمْزِيقِ وهي إحْدى ثَلاثِ آياتٍ في القَمِيصِ: ثانِيَتُها عَوْدُ يَعْقُوبَ بَصِيرًا بِإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، وثالِثَتُها قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَإنَّهُ كانَ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ وُقُوفُهُ بِالرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِهِ مَرْتَبَةً عَلْياءَ تَنْحَطُّ عَنْها الكَواكِبُ، وقِيلَ: مَن تُناقِضُهم فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما تَقَدَّمَ عَنْ قَتادَةَ قالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ، فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهم إلى قَتْلِهِ؟! ولَعَلَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ إنَّما حَزِنَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما خَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ والشَّدائِدِ غَيْرِ المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّما حَزِنَ لِفِراقِهِ وفِراقُ الأحِبَّةِ مِمّا لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ لا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وجَدَتْ لَها المَنايا إلى أرْواحِنا سُبُلًا ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ أحْزَنَهُ فِراقُهُ وخَوْفُ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ فالَّذِي أفْعَلُهُ ذَلِكَ كَما قالَ الخَلِيلُ، أوْ فَهو صَبْرٌ إلَخْ، كَما قالَ الفَرّاءُ، وصَبْرٌ في كُلِّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ وأجْمَلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهَلِ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أوْ جائِزٌ؟ فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتَلَفُوا فِيما إذا صَحَّ في كَلامٍ واحِدٍ اعْتِبارُ حَذْفِ المُبْتَدَأِ وإبْقاءِ الخَبَرِ واعْتِبارُ العَكْسِ هَلْ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أوْلى أمِ الثّانِي؟ وقَرَأ أُبَيٌّ والأشْهَبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ -فَصَبْرًا جَمِيلًا- بِنَصْبِهِما، وكَذا في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فاصْبِرْ صَبْرًا عَلى أنَّ اصْبِرْ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْرِ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ هُنا بِأنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: صَبْرًا جَمِيلًا عَلى مَعْنى فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما رَوى الحَسَنُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -ما لا شَكْوى فِيهِ أيْ إلى الخَلْقِ وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أتَشْكُو إلى غَيْرِي، فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها. وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أنّى أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ وعُبُوسِ صفحة 202 الجَبِينِ بَلْ أبْقى عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو إنْشاءٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِاسْتِعانَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَعانِ والوَصْفُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِنِعْمَتِهِ وهو قَدْ يَكُونُ صِدْقًا وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ بَلْ قِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ قَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ ومَعْنى اسْتِعانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ طَلَبُهُ مِنهُ سُبْحانَهُ إظْهارُ كَوْنِهِ كَذِبًا بِسَلامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعِ مَعَهُ فَيَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِعانَةِ هَنا نَظِيرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)،﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ يَوْمَ الإفْكِ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُذْرِها ما أنْزَلَ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن هَلاكِ يُوسُفَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ قالَ: صَبْرٌ جَمِيلٌ طَلَبَ الإعانَةَ مِنهُ تَعالى عَلى الصَّبْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُو إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ الصَّبْرُ الجَمِيلُ فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَما لَمْ تَحْصُلِ المَعُونَةُ مِنهُ جَلَّ وعَلا لا تَحْصُلُ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يَجْرِي مَجْرى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾، ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ يَجْرِي مَجْرى ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَعَلَّ الأوَّلَ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ، وهُوَ: أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، فَكانَ اللّائِقُ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّفْتِيشَ والسَّعْيَ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ حَيًّا، وفي إقامَةِ القَصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ الواجِبَ المُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في طَلَبِهِ وتَخْلِيصِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، وأيْضًا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ مُعَظَّمًا في النُّفُوسِ مَشْهُورًا في الآفاقِ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتُهِرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ فَما السَّبَبُ في تَرْكِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الفَحْصَ مَعَ نِهايَةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ وغايَةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وهَلِ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ إلّا مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا؟ ثُمَّ قالَ: والجَوابُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ رُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ، وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ سِتْرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ يَحْتَرِقْ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي ∗∗∗ فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ولَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلًا ∗∗∗ ولَئِنْ سَطَوْتُ لَمُوهِنٌ عَظْمِي فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ ما وقَعَ لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابْ أجَلَهُ صفحة 203

يوسف 12:19

﴿وجاءَتْ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿سَيّارَةٌ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿فَأرْسَلُوا﴾ إلَيْهِ ﴿وارِدَهُمْ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ. وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ. ﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و–الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ كَما في قَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها والظّاهِرُ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ الغِلْمانِ، وذَكَرَ البَغْوِيُّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ». وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ذَهَبَ يُوسُفُ وأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الحُسْنِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: كانَ صفحة 204 يُوسُفُ حَسَنَ الوَجْهِ جَعْدَ الشَّعَرِ ضَخْمَ العَيْنَيْنِ مُسْتَوِي الخَلْقِ أبْيَضَ اللَّوْنِ غَلِيظَ السّاعِدَيْنِ والسّاقَيْنِ خَمِيصَ البَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وكانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ في ضَواحِكِهِ، وإنْ تَكَلَّمَ رَأيْتَ شُعاعَ النُّورِ مِن ثَناياهُ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وصْفَهُ وكانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهارِ عِنْدَ اللَّيْلِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، ويُحْكى أنَّ جَوانِبَ الجُبِّ بَكَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِنها، ولَعَلَّهُ مِن بابِ بَكَتِ الدّارُ لِفَقْدِ فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الوارِدِ ﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ كانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ وُرُودِهِ عَلى أصْحابِهِ صاحَ بِذاكَ ﴿وأسَرُّوهُ﴾ أيْ أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ حَتّى لا تَراهُ فَتَطْمَعَ فِيهِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ وكَوْنَهُ وُجِدَ في البِئْرِ، وقالُوا لِسائِرِ القافِلَةِ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ لِيَتَحَقَّقَ أمْرَهُ فَرَآهُ عِنْدَ السَّيّارَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَجاءُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: هَذا غُلامٌ أبَقَ لَنا فاشْتَرُوهُ فاشْتَرَوْهُ وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا بِالعِبْرانِيَّةِ: لا تُنْكِرِ العُبُودِيَّةَ نَقْتُلْكَ فَأقَرَّ بِها واشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وقِيلَ: كانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَ أُخْرِجَ فَلَمْ يَجِدْهُ في الجُبِّ ووَجَدَهُ عِنْدَ الرُّفْقَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوْهم فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْأُخْوَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِإفْرادِ (قالَ) وجَمْعِ ضَمِيرِ –أسَرُّوا- ولِلْوَعِيدِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ فِيهِ اخْتِلالٌ في النَّظْمِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا، ونَصْبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِضاعَةً﴾ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، وفي الفَرائِدِ أنَّهُ ضَمَّنَ أسَرُّوهُ مَعْنى جَعَلُوهُ أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ إيّاهُ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ التِّجارَةِ ولَيْسَ شَرْطُهُ مَفْقُودًا لِاتِّحادِ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذِ المَعْنى كَتَمُوهُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ المالِ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مِنَ –البِضْعِ- بِمَعْنى القِطْعِ وكَأنَّ البِضاعَةَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُقْطَعُ مِنَ المالِ وتُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، ومِن ذَلِكَ البِضْعُ بِالكَسْرِ لِما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ أوْ لِما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشَرَةِ، والبَضِيعَةُ لِلْجَزِيرَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ البَرِّ، واعْتَبَرَ الرّاغِبُ في البِضاعَةِ كَوْنَها قِطْعَةً وافِرَةً مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الكَثِيرُ كَوْنَها وافِرَةً ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أسْرارُهُمْ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما صَنَعُوا بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ، وهو هو عُرْضَةٌ لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ

يوسف 12:20

﴿وشَرَوْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا لِلْأُخْوَةِ فَشَرى بِمَعْنى باعَ، وإمّا لِلسَّيّارَةِ فَهو بِمَعْنى اشْتَرى كَما في قَوْلِهِ: (وشَرَيْتُ) بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهُ وقَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى باعَ بِناءً عَلى أنَّهم باعُوهُ لَمّا التَقَطُوهُ مِن بَعْضِهِمْ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أيْ نَقْصٍ وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَنقُوصٌ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باخِسٍ أيْ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ لِأنَّهُ ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: البَخْسُ الحَرامُ وكانَ ذَلِكَ حَرامًا لِأنَّهُ ثَمَنُ الحُرِّ وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لِأنَّهُ مَبْخُوسُ البَرَكَةِ أيْ مَنقُوصُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ قَلِيلَةٍ وكُنِّيَ بِالعَدِّ عَنِ القِلَّةِ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم وكانَتْ عِدَّةُ هَذِهِ الدَّراهِمِ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وفي رِوايَةٍ صفحة 205 عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وفي أُخْرى عَنْهُ عِشْرِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ولا يَأْبى هَذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ عادَتَهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّ الأرْبَعِينَ قَدْ تُعَدُّ ﴿وكانُوا فِيهِ﴾ أيْ في يُوسُفَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أيِ الرّاغِبِينَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في ( وكانُوا ) إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزُهْدُهم فِيهِ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ يَنْتَزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ وإنْ كانَ لَهم وكانُوا مُبْتاعِينَ بِأنِ اشْتَرَوْهُ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مِنَ الإخْوَةِ فَزُهْدُهم لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (فِيهِ) لِلثَّمَنِ وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَتِهِ أوْ لِأنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إبْعادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كانُوا) لِلْإخْوَةِ، والجارُّ -عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ- مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ –الزّاهِدِينَ- أيْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الزّاهِدِينَ اسْمٌ مَوْصُولٌ ولا يَتَقَدَّمُ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ما بَعْدَ الجارِّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وهَلْ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِزاهِدِينَ المَحْذُوفِ مُؤَكَّدَةٌ كَما تَقُولُ: عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ، أوْ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أيْ زاهِدِينَ بَلَغَ بِهِمُ الزُّهْدُ إلى أنْ يُعَدُّوا في الزّاهِدِينَ لِأنَّ الزّاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الزّاهِدِينَ حَتّى يُعَدَّ فِيهِمْ إذا عُدُّوا، أوْ يَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ لِوُجُودِ (مِن) مَعَهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ أعْنِي وأنا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّلَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ بِلا شُبْهَةٍ، وإنَّما فَرُّوا مِنهُ لِما فَهِمُوا مِن أنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَ المَوْصُولِ مُطْلَقًا، وبَيْنَ صِلَةِ –ألْ- وغَيْرِها فَرْقٌ فَإنَّ هَذِهِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ المُنْزَلِ مَنزِلَةَ الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِها عَلَيْها فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ إنَّما هو مَذْهَبُ المازِنِيِّ الَّذِي جَعَلَ –ألْ- في مِثْلِ ذَلِكَ حَرْفَ تَعْرِيفٍ وكَأنَّهُ لا يَرى تَقَدُّمَ مَعْمُولِ المَجْرُورِ مُمْتَنِعًا، وإلّا لَمْ يَتِمَّ بِما ذَكَرَهُ ارْتِفاعُ المَحْذُورِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَلْزَمُ بَعْدَ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ مِنَ الغَفْلَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ مَحَلَّ الخِلافِ عَمَلُهُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ لا في الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يَكْفِيهِ رائِحَةَ الفِعْلِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ الصِّفَةَ هُنا مُعْتَمِدَةٌ عَلى اسْمِ –كانُوا- وهو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ، والِاعْتِمادُ عَلى ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُمْ، فَفي الرَّضِيِّ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: والِاعْتِمادُ عَلى صاحِبِهِ ويَعْنِي بِصاحِبِهِ المُبْتَدَأ إمّا في الحالِ نَحْوَ زَيْدٌ ضارِبٌ أخَواهُ، أوْ في الأصْلِ نَحْوَ كانَ زَيْدٌ ضارِبًا أخَواهُ، وظَنَنْتُكَ ضارِبًا أخَواكَ وإنَّ زَيْدًا ضارِبٌ غُلاماهُ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إخْراجِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ حُكْمِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ خِلافًا لِمَن أنْكَرَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَتَمَسَّكُ بِعُمُومٍ يَتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِما في دَفْعِ ما يُورَدُ عَلى تَعَلُّقِ الجارِّ هُنا بِالصِّفَةِ المَجْرُورِ الواقِعَةِ صِلَةً لِألْ كائِنًا ما كانَ فَلْيُفْهَمْ. هَذا والشّائِعُ أنَّ الباعَةَ إخْوَتُهُ والزّاهِدِينَ هُمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم حِينَ باعُوهُ قالُوا لِلتّاجِرِ: إنَّهُ لِصٌّ آبِقٌ فَقَيِّدْهُ ووَكِّلْ بِهِ عَبْدًا أسْوَدَ فَلَمّا جاءَ وقْتُ ارْتِحالِهِمْ بَكى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ما لَكَ تَبْكِي؟ فَقالَ: أُرِيدُ أنْ أصِلَ إلى الَّذِينَ باعُونِي لِأُوَدِّعَهم وأُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَقالَ التّاجِرُ لِلْعَبْدِ: خُذْهُ واذْهَبْ بِهِ إلى مَوالِيهِ لِيُوَدِّعَهم ثُمَّ ألْحِقْهُ بِالقافِلَةِ فَما رَأيْتُ غُلامًا أبَرَّ مِن هَذا بِمَوالِيهِ ولا قَوْمًا أجْفى مِنهُمْ، فَتَقَدَّمَ العَبْدُ بِهِ إلى إخْوَتِهِ وكانَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَيْقِظًا يَحْرُسُ الأغْنامَ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ يُوسُفُ وهو يَعْثُرُ في قَيْدِهِ انْكَبَّ صفحة 206 عَلَيْهِ وبَكى، فَقالَ لَهُ: لِما جِئْتَ؟ فَقالَ: جِئْتُ لِأُوَدِّعَكم وأُسَلِّمَ عَلَيْكم فَصاحَ عَلَيْهِمْ أخُوهم قُومُوا إلى مَن أتاكم يُسَلِّمُ عَلَيْكم سَلامَ مَن لا يَرْجُو أنْ يَراكم أبَدًا فَوَيْلٌ لَكم مِن هَذا الوَداعِ فَقامُوا فَجَعَلَ يُوسُفُ يَنْكَبُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ويُقَبِّلُهُ ويُعانِقُهُ، ويَقُولُ: حَفِظَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ ضَيَّعْتُمُونِي آواكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ طَرَدْتُمُوَنِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَرْحَمُونِي، قِيلَ: إنَّ الأغْنامَ ألْقَتْ ما في بُطُونِها مِن هَوْلِ هَذا التَّوْدِيعِ، ثُمَّ أخَذَهُ العَبْدُ وطَلَبَ القافِلَةَ فَبَيْنَما هو عَلى الرّاحِلَةِ إذْ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ راحِيلَ في مَقابِرِ كَنْعانَ فَلَمّا أبْصَرَ القَبْرَ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ رَمى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يَبْكِي ويَقُولُ: يا أُمّاهُ ارْفَعِي رَأْسَكِ مِنَ التُّرابِ حَتّى تَرَيْ ولَدَكِ مُقَيَّدًا يا أُمّاهُ إخْوَتِي في الجُبِّ طَرَحُونِي ومِن أبِي فَرَّقُونِي وبِأبْخَسِ الأثْمانِ باعُونِي ولَمْ يَرِقُّوا لِصِغَرِ سِنِّي ولَمْ يَرْحَمُونِي فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إنَّهُ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فالتَفَتَ العَبْدُ فَلَمْ يَرَهُ فَرَجَعَ فَرَآهُ عَلى القَبْرِ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ مَوالِيكَ إنَّكَ عَبْدٌ آبِقٌ ثُمَّ لَطَمَهُ لَطْمَةً شَدِيدَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ لَهُ: لا تُؤاخِذْنِي هَذا قَبْرُ أُمِّي نَزَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْها ولا أعُودُ بَعْدُ لِما تَكْرَهُهُ أبَدًا ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقَدْ تَمَرَّغَ بِالتُّرابِ والدُّمُوعُ في وجْهِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ لِي خَطِيئَةٌ أخْلَقَتْ وجْهِي عِنْدَكَ فَبِحُرْمَةِ آبائِي الكِرامِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْ تَعْفُوَ عَنِّي وتَرْحَمَنِي يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ فَضَجَّتِ المَلائِكَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: يا مَلائِكَتِي هَذا نَبِيِّي وابْنُ أنْبِيائِي وقَدِ اسْتَغاثَ بِي وأنا مُغِيثُهُ ومُغِيثُ المُسْتَغِيثِينَ يا جِبْرِيلُ أدْرِكْهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا صَدِيقَ اللَّهِ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: مَهْلًا عَلَيْكَ فَقَدْ أبْكَيْتَ مَلائِكَةَ السَّماواتِ السَّبْعِ أتُرِيدُ أنْ أُطْبِقَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ؟ فَقالَ: لا يا جِبْرِيلُ ارْفُقْ بِخَلْقِ رَبِّي فَإنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ، فَضَرَبَ الأرْضَ بِجَناحِهِ فَهَبَّتْ رِيحٌ حَمْراءُ وكَسَفَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَتِ الغَبْراءُ فَلَمْ يَرَ أهْلُ القافِلَةِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالَ التّاجِرُ: انْزِلُوا قَبْلَ أنْ تَهْلَكُوا إنَّ لِي سِنِينَ عَدِيدَةً أمُرُّ بِهَذا الطَّرِيقِ فَما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَمَن أصابَ مِنكم ذَنْبًا فَلْيَتُبْ مِنهُ فَما أصابَنا هَذا إلّا بِذَنْبٍ اقْتَرَفْناهُ فَأخْبَرَهُ العَبْدُ بِما فَعَلَ مَعَ يُوسُفَ، وقالَ يا سَيِّدِي: إنِّي لَمّا ضَرَبْتُهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ويْحَكَ أهْلَكْتَنا وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ التّاجِرُ وقالَ: يا غُلامُ إنّا ظَلَمْناكَ حِينَ ضَرَبْناكَ فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْتَصَّ مِنّا فَها نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَقالَ يُوسُفُ: ما أنا مِن قَوْمٍ إذا ظَلَمُوا يَقْتَصُّونَ ولَكِنِّي مِن أهْلِ بَيْتٍ إذْ ظَلَمُوا عَفَوْا وغَفَرُوا ولَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكم رَجاءَ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي فانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وأسْفَرَتِ الشَّمْسُ وأضاءَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَسارُوا حَتّى دَخَلُوا مِصْرَ آمِنِينَ، وكانَ هَذا التّاجِرُ فِيما قِيلَ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجُبِّ، وقِيلَ: غَيْرُهُ. ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ ورَدَ بِهِ مِصْرَ باعَهُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخُلُ السُّوقَ لِلْبَيْعِ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًّا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ عِنْدَ مَلِكِها، وقِيلَ: كانَ خَبّازَ المَلِكِ وصاحِبَ شَرابِهِ ودَوابِّهِ وصاحِبَ السِّجْنِ المَشْهُورِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، واسْمُهُ قَطْفِيرُ أوْ أطْفِيرُ أوْ قَنْطُورا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

يوسف 12:21

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ فَهَذا الشِّراءُ غَيْرُ الشِّراءِ السّابِقِ الَّذِي كانَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وزَعَمَ اتِّحادُهُما ضَعِيفٌ جِدًّا وإلّا لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿مِن مِصْرَ﴾ كَثِيرُ جَدْوى، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ صفحة 207 يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ إلى الإيمانِ فَأبى. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ وهو الصَّحِيحُ، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا. واسْتَدَلَّ في البَحْرِ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ في بَعْضِ الرِّواياتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ آمَنَ بَعْدَ ذاكَ، وإلّا فَكَوْنُهُ مُؤْمِنًا يَوْمَ الِاشْتِراءِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، نَعَمْ إنَّهُ اعْتَنى بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قالَ: ﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ بِنْتِ رَعابِيلَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: زُلَيْخا بِنْتُ تَمْلِيخا، وقِيلَ: اسْمُها راعِيلُ ولَقَبُها زُلَيْخا، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والجارُّ الأوَّلُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقٌ –بِاشْتَراهُ- كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُهُ مِن بَغْدادَ أيْ فِيها أوْ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الَّذِي أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في –اشْتَرى- أيْ كائِنًا مِن أهْلِ مِصْرَ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ –بِقالَ- كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا –بِاشْتَراهُ- ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيِ اجْعَلِي مَحَلَّ ثِوائِهِ وإقامَتِهِ كَرِيمًا أيْ حَسَنًا مَرْضِيًّا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ إكْرامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ لِأنَّ مَن أكْرَمَ المَحَلَّ بِتَنْظِيفِهِ وفَرْشِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ أكْرَمَ ضَيْفَهُ بِسائِرِ ما يُكْرَمُ بِهِ، وقِيلَ: المَثْوى مُقْحَمٌ، يُقالُ: المَجْلِسُ العالِي والمَقامُ السّامِي، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ والنَّظَرَ فِيما يَقْتَضِيهِ إكْرامُ الضَّيْفِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ في قَضاءِ مَصالِحِنا إذا تَدَرَّبَ في الأُمُورِ وعَرَفَ مَجارِيها ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ فِيما يُرْوى عَقِيمًا، ولَعَلَّ الِانْفِصالَ لِمَنعِ الخُلُوِّ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِمَنعِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى عَسى أنْ نَبِيعَهُ فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ العَزِيزِ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِاِمْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ إلَخْ، والمَرْأةُ الَّتِي أتَتْ مُوسى فَقالَتْ لِأبِيها: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ أيْ أثْبَتَهُ فِيهِ، ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيهِ، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَقامِ الآخَرِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ والمُرادُ بِالمَكانِ هُنا المَكانَةُ والمَنزِلَةُ لا البُعْدُ المُجَرَّدُ أوِ السَّطْحُ الباطِنُ مِنَ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ مِنَ المَحْوِيِّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ مِنَ الفَلاسِفَةِ إنْ حَقًّا وإنْ باطِلًا، والإشارَةُ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِهِ، والكافُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ أوْ مَكانًا عَلِيًّا في قَلْبِهِ حَتّى أمَرَ امْرَأتَهُ دُونَ سائِرِ حَواشِيهِ بِإكْرامِ مَثْواهُ جَعَلْنا لَهُ مَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، وفُسِّرَ الجَعْلُ المَذْكُورُ بِجَعْلِهِ وجِيهًا فِيما بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ ومُحَبَّبًا في قُلُوبِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ صفحة 208 أيْ بَعْضِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا الَّتِي عُمْدَتُها رُؤْيا المَلِكِ، وصاحِبَيِ السِّجْنِ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الظّاهِرُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ سَواءٌ جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى غايَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ ويَسْتَدْعِيها النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَدِيعِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ وجَعَلْنا قُلُوبَ أهْلِها كافَّةً مَحالَّ مَحَبَّتِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما يَتَرَتَّبُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأةِ العَزِيزِ، ولِنُعَلِّمَهُ بَعْضَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا والرِّياسَةِ العُظْمى، ولَعَلَّ تَرْكَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مُرادًا أوْ جُعِلَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِهَذِهِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَعَلْنا ذَلِكَ التَّمْكِينَ لا لِشَيْءٍ غَيْرِها مِمّا لَيْسَ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ. واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَأْكِيدِ فَخامَةِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ عَلى ما ذَكَرُوا في ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ والمُرادُ بِهِ التَّمْكِينُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ في مَنزِلِهِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَمْكِينًا في الأرْضِ بِمُلابَسَةِ أنَّهُ عَزِيزٌ فِيها لِما أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ تِلْكَ الأُمُورُ، إنَّما هو التَّمْكِينُ في جانِبِ العَزِيزِ، وأمّا التَّمْكِينُ في جانِبِ النّاسِ كافَّةً فَتَأْدِيَتُهُ إلَيْها إنَّما هي بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ التَّمْكِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ عَلى التَّمْكِينِ في قَلْبِ العَزِيزِ، أوْ في مَنزِلِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا حَمْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُهُ عَلى جَعْلِهِ مَلِكًا يَتَصَرَّفُ في أرْضِ مِصْرَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ إلّا أنَّ في جَعْلِ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ غايَةً لَهُ خَفاءً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مِن آثارِهِ ونَتائِجِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ دُونَ العَكْسِ ولَمْ يُعْهَدْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ قَضاياهُ العَمَلَ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ قَبْلَ وُقُوعِها عَهْدًا مُصَحَّحًا لِجَعْلِهِ غايَةً لِذَلِكَ وما وقَعَ مِنَ التَّداوُلِ في أمْرِ السِّنِينَ فَإنَّما هو عَمَلٌ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا السّابِقَةِ المَعْهُودَةِ وإرادَةٌ لِيَظْهَرَ تَعْلِيمُنا لَهُ كَما تَرى، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ -لِأنَّهُ الظّاهِرُ- أرادَ بِتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَفْهِيمَ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ مَكَّنّا لَهُ في أرْضِ مِصْرَ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ مَعانِيَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَها ودَقائِقَ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقْضِي بِها بَيْنَ أهْلِها، والتَّعْلِيمُ الإجْمالِيُّ لِتِلْكَ الأحادِيثِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنْ تَمْكِينِهِ بِذَلِكَ المَعْنى إلّا أنَّ تَعْلِيمَ كُلِّ مَعْنًى شَخْصِيٍّ يَتَّفِقُ في ضِمْنِ الحَوادِثِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ في كُلِّ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ غايَةً لَهُ، وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ الإنْجاءَ تَحْتَ الإشارَةِ بِذَلِكَ، وفِيهِ بَحْثٌ فَتَدَبَّرْ ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، بَلْ إنَّما أمْرُهُ لِشَيْءٍ إذا أرادَ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَصْدَرِ المُضافِ شُؤُونُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقَةُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًا لا أوَّلِيًّا أوْ مُتَوَلٍّ عَلى أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُدَبِّرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، وإلى رُجُوعِ ضَمِيرِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإلى رُجُوعِهِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ القُرْطُبِيُّ، وأيّامّا كانَ فالكَلامُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِجَرْيِهِ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ مِن سابِقِهِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ غالِبًا عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ لا يُزاحِمُهُ أحَدٌ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مُرادٌ كانَتْ إرادَتُهُ تَمْكِينَ يُوسُفَ وكَيْتَ وكَيْتَ، والوُقُوعُ رَضِيعِي لَبّانٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ يَتَوَلّاهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وجَزِيلِ إحْسانِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ فَأيْنَ يَقَعُ كَيْدُ الإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ كامْرَأةِ العَزِيزِ مَوْقِعَهُ فَهو كَقَوْلِهِ: وعَلامَ أرْكَبُهُ إذا لَمْ أنْزِلْ مِن سابِقِهِ أعْنِي فَدَعُوا نِزالَ فَكُنْتُ أوَّلَ نازِلٍ صفحة 209 والآيَةُ عَلى الأوَّلِ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ زَعْمًا مِنهم أنَّ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْئًا، وأنّى لَهم ذَلِكَ؟! وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لا يَعْلَمُونَ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا فَضْلِهِ، والمُرادُ -بِأكْثَرِ النّاسِ- قِيلَ: الكُفّارُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: أهْلُ مِصْرَ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، والمُرادُ أنَّ جَمِيعَ النّاسِ لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يَبْقى عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ولا يَقْتَصِرُ في تَفْسِيرِهِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأقْوالُ قَبْلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ مَن نَفى عَنْهُ العِلْمَ بِما تَقَدَّمَ كائِنًا ما كانَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ في عُمُومِهِ أهْلُ الِاعْتِزالِ

يوسف 12:22

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ زَمانَ انْتِهاءِ اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ المُعْتَدِّ بِهِ أعْنِي ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وسُئِلَ القاضِي النَّحْوِيِّ مُهَذَّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ الخَيْمِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وتَمامُهُ أرْبَعُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ -ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، أوْ ثَلاثُونَ أوْ أحَدُ وعِشْرُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرُونَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ ثَمانٍ وثَلاثُونَ. وقالَ الحَسَنُ: أرْبَعُونَ، والمَشْهُورُ أنَّ الإنْسانَ يَقِفُ جِسْمُهُ عَنِ النُّمُوِّ إذا بَلَغَ ذَلِكَ، وإذا وقَفَ الجِسْمُ وقَفَتِ القُوى والشَّمائِلُ والأخْلاقُ، ولِذا قِيلَ: إذا المَرْءُ وفى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمُرُ وقِيلَ: أقْصى الأشُدِّ اثْنانِ وسِتُّونَ، وإلى كَوْنِ الأشُدِّ مُنْتَهى الشَّبابِ والقُوَّةِ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ في النُّقْصانِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مِن ثِقاتِ اللُّغَوِيِّينَ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ- وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ صَكٍّ وأصُكٍّ وفَلْسٍ وأفْلُسٍ- وهَذا عَلى ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ عَلى أفْعُلٍ مُؤَنَّثٌ. وزَعَمَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ لَكِنَّهُ عَلى بِناءٍ نَدَرَ في المُفْرَداتِ وقَلَّما رَأيْنا اسْمًا عَلى أفْعْلٍ إلّا وهو جَمْعٌ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ حِكْمَةً وهي في لِسانِ الشَّرْعِ العِلْمُ النّافِعُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والعَمَلُ بِخِلافِ العِلْمِ سَفَهٌ، أوْ حُكْمًا بَيْنَ النّاسِ ﴿وعِلْمًا﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيما قَبْلَهُ، أوْ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا لَهُ شَأْنٌ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ اخْتِصاصٌ تامٌّ كَذا قِيلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِكْمَةَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمَ بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها وصَوْنُها عَمّا لا يَنْبَغِي، والعِلْمُ هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ، وقِيلَ: أرادَ بِالحِكْمَةِ الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ، وبِالعِلْمِ العِلْمَ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا إذا تَحاكَمُوا إلى العَزِيزِ أمَرَهُ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم لِما رَأى مِن عَقْلِهِ وإصابَتِهِ في الرَّأْيِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحُكْمَ النُّبُوَّةُ، والعِلْمَ الشَّرِيعَةُ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ أيْ حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، وتُعُقِّبَ كَوْنُ المُرادِ بِالعِلْمِ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ -بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ كُلَّ مَن يُحْسِنُ في عِلْمِهِ -يَأْباهُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأعْمالِهِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاناةُ الأحْزانِ والشَّدائِدِ إلّا أنْ يُخَصَّ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّ ذَلِكَ صفحة 210 حَيْثُ كانَ عِنْدَ تَناهِي أيّامِ البَلاءِ صَحَّ أنْ يُعَدَّ إيتاؤُهُ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ؛ وأمّا رُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ فَقَدْ لَبِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَعْبِيرِها في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وفي تَعْلِيقِ الجَزاءِ المَذْكُورِ بِالمُحْسِنِينَ إشْعارٌ بِعَلِيَّةِ الإحْسانِ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ما آتاهُ لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا في أعْمالِهِ مُتْقِنًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، واسْتُشْكِلَ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ مِنَ العِلْيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الحِكْمَةِ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ مَثَلًا بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ فَلَوْ كانَ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِهِ مَثَلًا عِلَّةً لِلْإحْسانِ بِذَلِكَ لَزِمَ الدَّوْرُ. وأُجِيبَ بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ آخَرَ كالتَّقْلِيدِ والتَّوْفِيقِ الإلَهِيِّ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِهِ عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أوْ سَمْعِيٍّ، أوِ المُرادُ الأعْمالُ غَيْرُ المُتَوَقِّفَةِ عَلى السَّمْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبَ لِلْعِلْمِ بِما شَرَعَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ تَغايُرُ العِلْمَيْنِ كَما في الأثَرِ: ”مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ“. وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ ( المُحْسِنِينَ ) بِالصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ

يوسف 12:23

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ أُنْمُوذَجًا لِلْقِصَّةِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ ما لَقِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي سَتُحْكى بِتَفاصِيلِها لَهُ غايَةٌ جَمِيلَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنٌ في أعْمالِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُخِلُّ بِنَزاهَتِهِ، والمُراوَدَةُ المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ لِطَلَبِ شَيْءٍ، ومِنهُ الرّائِدُ لِطالِبِ الكَلَأِ والماءِ، وبِاعْتِبارِ الرِّفْقِ قِيلَ: رادَتِ الإبِلُ في مِشْيَتِها تَرُودُ رَوَدانًا، ومِنهُ بَنى المِرْوَدِ، ويُقالُ: أرْوَدَ يَرُودُ إذا رَفَقَ، ومِنهُ بَنِي رُوَيْدٍ، والإرادَةُ مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ مُطالَبَةِ الدّائِنِ ومُماطَلَةِ المَدْيُونِ ومُداواةِ الطَّبِيبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ الفِعْلُ ومِنَ الآخَرِ سَبَبُهُ فَإنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وإنْ كانَتْ صادِرَةً عَنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَتْ أسْبابُها صادِرَةً عَنِ الجانِبِ الآخَرِ جُعِلَتْ كَأنَّها صادِرَةٌ عَنْهُما، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ لَطِيفُ المَسْلَكِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارٍ دَقِيقٍ تَحْقِيقُهُ أنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَهُ ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ كَما تَجْزِي تُجْزى، فَإنَّ فِعْلَ البادِئِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَزاءً لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَزاءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْمُهُ، وكَذَلِكَ إرادَةُ القِيامِ إلى الصَّلاةِ وإرادَةُ قِراءَةِ القُرْآنِ حَيْثُ كانَتا سَبَبًا لِلْقِيامِ والقِراءَةِ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما فَقِيلَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ)،﴾ وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ صادِرَةً عَنِ الجانِبِ المُقابِلِ لِجانِبِ فاعِلِها فَإنَّ مُطالَبَةَ الدّائِنِ لِلْمُماطَلَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الغَرِيمِ وهي مِنهُ لِلْمُطالَبَةِ الَّتِي مِن جانِبِ الدّائِنِ، وكَذا مُداواةُ الطَّبِيبِ لِلْمَرَضِ الَّذِي هو مِن جانِبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ مُراوَدَتُها فِيما نَحْنُ فِيهِ لِجَمالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ صُدُورُها عَنْ مَحالِها بِمَنزِلَةِ صُدُورِ مُسَبِّباتِها الَّتِي هي تِلْكَ الأفْعالُ فَبُنِيَ الصِّيغَةُ عَلى ذَلِكَ ورُوعِيَ جانِبُ الحَقِيقَةِ بِأنْ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وأوْقَعَ عَلى صاحِبِ السَّبَبِ فَتَأمَّلْ، اهـ. وكَأنَّهُ أشارَ بِالأمْرِ بِالتَّأمُّلِ إلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وفي الكَشْفِ المُراوَدَةُ مُنازَعَةٌ في الرَّوْدِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ مَجِيئًا وذَهابًا ولِلْمُفاعِلِ مَقْصِدٌ آخَرُ يُقابِلُهُ فِيهِما، ومَعْنى المُفاعَلَةِ هَهُنا إمّا المُبالَغَةُ في رَوْدِها أوِ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِلافِهِما فِيهِ، فَإنَّها طَلَبَتْ مِنهُ الفِعْلَ وهو طَلَبَ مِنها التَّرْكَ وهَذا أبْلَغُ ولِما كانَ مُنازَعَةً جِيءَ –بِعْنَ- في قَوْلِهِ صفحة 211 تَعالى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ كَما تَقُولُ: جاذَبْتُهُ عَنْ كَذا دَلالَةً عَلى الِإبْعادِ وتَحْصِيلِ الجَذْبِ البالِغِ، ولِهَذا قالَ في الأساسِ: ومِنَ المَجازِ راوَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ خادَعَهُ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: أيْ فَعَلَتْ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ بِصِحابِهِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن يَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يَحْصُلُ مِنَ المُنازَعَةِ في الرَّوْدِ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ التَّمَحُّلِ لِمُوافَقَتِهِ إيّاها، والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السَّتْرِ ما أمْكَنَ، أوْ لِلِاسْتِجْهانِ بِذِكْرِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ لِتَقْرِيرِ المُراوَدَةِ فَإنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِمّا يَدْعُو إلى ذَلِكَ ولِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ عَدَمَ مَيْلِهِ إلَيْها مَعَ دَوامِ مُشاهَدَتِهِ لِمَحاسِنِها واسْتِعْصائِهِ عَلَيْها مَعَ كَوْنِهِ تَحْتَ يَدِها يُنادِي بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْلى مَعارِجِ العِفَّةِ، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِها لِما أنَّ العَرَبَ تُضِيفُ البُيُوتَ إلى النِّساءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ القائِماتُ بِمَصالِحِهِ أوِ المُلازِماتُ لَهُ، وخُرِّجَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ وكَثُرَ في كَلامِهِمْ صاحِبَةُ البَيْتِ ورَبَّةُ البَيْتِ لِلْمَرْأةِ، ومِن ذَلِكَ: يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ. ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ أيْ أبْوابَ البَيْتِ، وتَشْدِيدُ الفِعْلِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ إنْ قُلْنا: إنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً كَما قِيلَ، فَإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَهو لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ فَكَأنَّهُ غُلِقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أوْ بِمِغْلاقٍ بَعْدَ مِغْلاقٍ، وجَمْعُ (الأبْوابِ) حِينَئِذٍ إمّا لِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ كَأنَّهُ بابٌ أوْ لِجَعْلِ تَعَدُّدِ إغْلاقِهِ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يُغْلَقْ إلّا بابانِ: بابُ الدّارِ، وبابُ الحُجْرَةِ الَّتِي هُما فِيها. وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ وأنَّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ وهم مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ (غَلَّقَتِ الأبْوابَ) غَلْقًا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ مَتْرُوكَةٌ حَسْبَما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ، ورُدَّ بِأنَّ إفادَةَ التَّعْدِيَةِ لا تُنافِي إفادَةَ التَّكْثِيرِ مَعَها، فَإنَّ مُجَرَّدَ التَّعْدِيَةِ يَحْصُلُ بِبابِ الأفْعالِ، فاخْتِيارُ التَّفْعِيلِ عَلَيْهِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ولِذا قالَ الجَوْهَرِيُّ أيْضًا: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ اهـ. وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لَمْ يَتَنَبَّهِ الرّادُّ لِأنَّ ما نَقَلَهُ عَلَيْهِ لا لَهُ لِأنَّ الرَّدِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّونَ إنَّما هو اسْتِعْمالُ الثُّلاثِيِّ مِنهُ لا أنَّ لَهُ ثُلاثِيًّا لازِمًا حَتّى يَتَعَيَّنَ كَوْنُ التَّفْعِيلِ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَعَدِّيهِ لازِمٌ في الثُّلاثِيِّ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ رَدِيئًا أوْ فَصِيحًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواهِمُ ابْنُ أُخْتِ خالَةِ المُوهَمِ فافْهَمْ. ﴿وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ أسْرِعْ فَهي اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ، وفَسَّرَها الكِسائِيُّ والفَرّاءُ بِتَعالَ، وزَعَما أنَّها كَلِمَةٌ حُورانِيَّةٌ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ فَتَكَلَّمُوا بِها؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: هي عِبْرانِيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ هي سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ هي قِبْطِيَّةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ هي عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها، وهي كَلِمَةُ حَثٍّ وإقْبالٍ، واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيا لَكَ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي كائِنَةٌ لَكَ، أوْ أقُولُ لَكَ، وجَوَّزَ كَوْنَها اسْمَ فِعْلٍ خَبَرِيٍّ كَهَيْهاتَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والمَعْنى تَهَيَّأْتُ لَكَ، وجَعَلَها بَعْضُهم عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ أيْضًا لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ، والتّاءُ مُطْلَقًا مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ، ولَيْسَ تَفْسِيرُها بِتَهَيَّأْتُ لِكَوْنِ الدّالِّ عَلى التَّكَلُّمِ التّاءُ لِيُرَدَّ أنَّها صفحة 212 إذا كانَتْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ لا تَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ بَلْ تَكُونُ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بَلْ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَتِ التَّهَيُّؤَ بِأنَّهُ لَهُ لَزِمَ كَوْنُها هي المُتَهَيَّأةُ كَما إذا قِيلَ لَكَ: قَرِّبْنِي مِنكَ فَقُلْتُ هَيْهاتَ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى بَعُدَتْ بِالقَرِينَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (هَيْتُ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ. وقَرَأ أبُو الأسْوَدِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى البَصْرَةِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (هَيْتِ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَيْرِ، والكَلامُ فِيها عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ كالكَلامِ فِيها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (هِيتَ) بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وتاءٌ مَفْتُوحَةٌ، وحَكى الحَلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الدّانِيُّ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَبِعَهُ أيْضًا جَماعَةٌ بِأنَّ فَتْحَ التّاءِ فِيما ذَكَرَ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي لِأنَّ الفِعْلَ حِينَئِذٍ مِنَ التَّهَيُّؤِ، ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَها بِدَلِيلِ ﴿وراوَدَتْهُ﴾ إلَخْ فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ التّاءِ، ورَدَّ ذَلِكَ صاحِبُ النَّشْرِ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ تَهَيَّأ لِي أمْرُكَ لِأنَّها لَمْ يَتَيَسَّرْ لَها الخَلْوَةُ بِهِ قَبْلُ، أوْ حَسُنَتْ هَيْئَتُكَ و(لَكَ) عَلى المَعْنَيَيْنِ لِلْبَيانِ، والرِّوايَةُ عَنْ هِشامٍ صَحِيحَةٌ جاءَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزَةِ وضَمِّ التّاءِ، وهي رِوايَةٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو أيْضًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، وأبُو وائِلٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ وآخَرُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ، وذَكَرَ النَّحّاسُ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وكَسْرِ ِالتّاءِ، وقُرِئَ أيْضًا هَيّا بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِها وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ هِشامٍ: لُغَةٌ في (هَيْتَ)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القِراآتِ كُلَّها لُغاتٌ وهي فِيها اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى هَلُمَّ، ولَيْسَتِ التّاءُ ضَمِيرًا، وقالَ آخَرُ: إنَّها لُغاتٌ والكَلِمَةُ عَلَيْها اسْمُ فِعْلٍ إلّا عَلى قِراءَةِ ضَمِّ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ وتَرْكِهِ فَإنَّ الكَلِمَةَ عَلَيْها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا رافِعًا لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن هاءَ الرَّجُلُ يَهِيءُ كَجاءَ يَجِيءُ إذا حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ، أوْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ، يُقالُ: هِئْتُ وتَهَيَّأْتُ بِمَعْنًى وإذا كانَتْ فِعْلًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِها، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ هُيِيْتُ مِثْلَ حُبِبْتُ وهي في ذَلِكَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مُسَهَّلُ الهَمْزَةِ مِن هَيَّأْتُ الشَّيْءَ كَأنَّ أحَدًا هَيَّأها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ يُقالُ: عُذْتُ عَوَذًا وعِياذًا وعِياذَةً ومُعاذًا أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعاذًا مِمّا تُرِيدِينَ مِنِّي، وهَذا اجْتِنابٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وإشارَةٌ إلى التَّعْلِيلِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ هائِلٌ يَجِبُ أنْ يُعاذَ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا لِلْخَلاصِ مِنهُ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِما أراهُ اللَّهُ تَعالى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غايَةِ القُبْحِ ونِهايَةِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ تَعْلِيلٌ بِبَعْضِ الأسْبابِ الخارِجَةِ مِمّا عَسى يَكُونُ مُؤَثِّرًا عِنْدَها وداعِيًا لَها إلى اعْتِبارِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِهِ الذّاتِيِّ الَّتِي لا تَكادُ تَقْبَلُهُ لِما سَوَّلَتْهُ لَها نَفْسُها، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ مِنَ الإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها ما فِيهِ مَعَ زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا أيْ هو رَبِّي أيْ سَيِّدِي العَزِيزِ أحْسَنَ تَعَهُّدِي حَيْثُ أمَرَكَ بِإكْرامِي عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أُسِيءَ إلَيْهِ بِالخِيانَةِ في حَرَمِهِ؟ ! وفِيهِ إرْشادٌ لَها إلى رِعايَةِ حَقِّ العَزِيزِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ صفحة 213 وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّبِّ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ فَهو باطِلٌ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُطْلِقَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلى مَخْلُوقٍ ذَلِكَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ السَّيِّدُ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ في الحَقِيقَةِ مَمْلُوكٌ لَهُ، ومِن هُنا -وإنْ كانَ فِيما ذَكَرَ نَظَرٌ ظاهِرٌ- اخْتارَ في البَحْرِ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، و(رَبِّي) خَبَرُ إنَّ، و﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، والأوَّلُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خالِقِي أحْسَنَ مَثْوايَ بِعَطْفِ قَلْبٍ مِن أمْرِكَ بِإكْرامِي عَلَيَّ فَكَيْفَ أعْصِيهِ بِارْتِكابِ تِلْكَ الفاحِشَةِ الكَبِيرَةِ؟ ! وفِيهِ تَحْذِيرٌ لَها عَنْ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وجَوَّزَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلشَّأْنِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاقْتِضائِها الِامْتِناعُ عَمّا دَعَتْهُ إلَيْهِ إيذانٌ بِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ البَيانِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَتِهِ وكَوْنِهِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ غِبَّ تَعْلِيلٍ لِلِامْتِناعِ المَذْكُورِ، والفَلاحُ الظَّفَرُ وإدْراكُ البُغْيَةِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ، فالأوَّلُ الظَّفَرُ بِالسَّعاداتِ الَّتِي تَطِيبُ بِها حَياةُ الدُّنْيا وهو البَقاءُ، والغِنى والعِزُّ، والثّانِي أرْبَعَةُ أشْياءَ: بَقاءٌ بِلا فَناءٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ وعِزٌّ بِلا ذُلٍّ وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الآخِرَةِ، ومَعْنى أفْلَحَ دَخَلَ في الفَلاحِ كَأصْبَحَ وأخَواتِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الفَلاحُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالظّالِمِينَ كُلَّ مَن ظَلَمَ كائِنًا مَن كانَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُجازُونَ لِلْإحْسانِ بِالإساءَةِ والعُصاةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: الزُّناةُ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولِلْمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ، وقِيلَ: الخائِنُونَ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا ولِمَن خانُوهُ

يوسف 12:24

﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ إذًا لَهم -سَواءٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ مُطْلَقًا أوْ بِمَعْنى القَصْدِ الجازِمِ والعَقْدِ الثّابِتِ كَما هو المُرادُ هَهُنا، لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ. والمَعْنى أنَّها قَصَدَتِ المُخالَطَةَ وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِيها وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ولَعَلَّها تَصَدَّتْ هُنالِكَ لِأفْعالٍ أُخَرَ مِن بَسْطِ يَدِها إلَيْهِ وقَصْدِ المُعانَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اضْطَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الهَرَبِ نَحْوَ البابِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ إقْلاعِها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ بِما في مَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزَّواجِرِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ أيْ مالَ إلى مُخالَطَتِها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَيْلِ الصّائِمِ في اليَوْمِ الحارِّ إلى الماءِ البارِدِ، ومِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَذْمُومٌ تُنادِي الآياتُ عَلى عَدَمِ اتِّصافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذَّكَرِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لا لِشَبَهِهِ بِهِ كَما قِيلَ، وقَدْ أُشِيرَ إلى تَغايُرِهِما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: حَيْثُ لَمْ يَلُزّا في قَرْنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ وأكَّدَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي. ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ حُجَّتَهُ الباهِرَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ سَبِيلِهِ، والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ بِها ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةً واصِلَةً إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُؤْيَةِ البُرْهانِ حُصُولُ الأخْلاقِ وتَذْكِيرُ الأحْوالِ الرّادِعَةِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المُنْكَرِ، وقِيلَ: رُؤْيَةٌ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ مَكْتُوبًا في السَّقْفِ، وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَوْلا مُشاهَدَتُهُ البُرْهانَ لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ لَكِنَّهُ حَيْثُ كانَ مُشاهِدًا لَهُ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلٌ بِإثْباتِ هَمَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ هَمٌّ غَيْرُ مَذْمُومٍ. وفِي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمٌّ بِها ألْبَتَّةَ بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: قارَفْتُ الذَّنْبَ صفحة 214 لَوْ لا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى الجَوازِ الكُوفِيُّونَ. ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ كَذا فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُمْ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هَهُنا التَّقْدِيرُ ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ لَهم بِها فَكانَ يُوجَدُ الهَمُّ عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، والمُرادُ بِالبُرْهانِ ما عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العِلْمِ الدّالِّ عَلى تَحْرِيمِ ما هَمَّتْ بِهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ الهَمُّ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: ولَوْ كانَ الكَلامُ ولَهَمَّ بِها كانَ بَعِيدًا فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (هَمَّ بِها) هو جَوابُ (لَوْلا) ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ عَلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الجَوابِ قَدْ يُقالُ: إنَّ اللّامَ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ جَوابُ (لَوْلا) إذا كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي بِاللّامِ وبِدُونِها فَيُقالُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَذْكُورَ هو نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، وكَذا لا التِفاتَ أيْضًا لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ وأنَّ جَوابَ (لَوْلا) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ وأنَّ المَعْنى ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ لَهَمَّ بِها فَلَمْ يَهِمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ، وأقْوالُ السَّلَفِ لِما في قَوْلِهِ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ مِنَ البَحْثِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى الجَوازِ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كادَتْ﴾ إلَخْ؛ إمّا أنْ يَكُونَ هو الجَوابَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلَ الجَوابِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وأمّا أقْوالُ السَّلَفِ فالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ عَنْهم لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ عَلى أنَّ ما رُوِيَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا لِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا بِناءً عَلى ذَلِكَ لَهَمَّ بِها، وكَلامُ العَرَبِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ لِأنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، هَذا ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى تَحَقُّقِ الهَمِّ القَبِيحِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الواحِدِيُّ فَإنَّهُ قالَ في كِتابِ البَسِيطِ: قالَ المُفَسِّرُونَ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمُ المَرْجُوعُ إلى رِوايَتِهِمُ الآخِذُونَ لِلتَّأْوِيلِ عَمَّنْ شاهَدَ التَّنْزِيلَ: هَمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا بِهَذِهِ المَرْأةِ هَمًّا صَحِيحًا وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ فَلَمّا رَأى البُرْهانَ مِن رَبِّهِ زالَ كُلُّ شَهْوَةٍ عَنْهُ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ أنَّهُ قالَ: ”طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها“ وكانَ طَمَعُهُ فِيها أنْ هَمَّ أنْ يَحُلَّ التِّكَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَلَّ الهِمْيانَ وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخاتِنَ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وقَعَدَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَنْزِعُ ثِيابَهُ، ورَوَوْا في البُرْهانِ رِواياتٍ شَتّى: مِنها ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها قامَتْ إلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ في ناحِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أبْيَضَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ؟ فَقالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَّوْأةِ، فَقالَ: تَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا أسْتَحْيِ أنا مِن إلَهِي الَّذِي هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ؟! ثُمَّ قالَ: لا تَنالِيها مِنِّي أبَدًا وهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى، ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ صفحة 215 بِيَدِهِ عَلى صَدْرِهِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى إصْبَعَيْهِ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ أتَهِمُّ بِعَمَلِ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ قالَ: نُودِيَ يا ابْنَ يَعْقُوبَ لا تَكُونَنَّ كالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ فَإذا زَنى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ فَلَمْ يَعْرِضْ لِلنِّداءِ وقَعَدَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى وجْهَ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبَعِهِ فَقامَ مَرْعُوبًا اسْتِحْياءً مِن أبِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ الإمامُ الرّازِيُّ ما ذُكِرَ بِأنَّ هَذِهِ المَعْصِيَةَ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ –وحاشاهُ- مِن أقْبَحِ المَعاصِي وأنْكَرِها، ومِثْلُها لَوْ نُسِبَ إلى أفْسَقِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وأبْعَدِهِمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لاسْتَنْكَفَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى هَذا الصِّدِّيقِ الكَرِيمِ؟ وأيْضًا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِكَوْنِ ماهِيَّةِ السُّوءِ وماهِيَّةِ الفَحْشاءِ مَصْرُوفَتَيْنِ عَنْهُ، ومَعَ هَذِهِ الشَّهادَةِ كَيْفَ يُقْبَلُ القَوْلُ بِنِسْبَةِ أعْظَمِ السُّوءِ والفَحْشاءِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا إنَّ هَذا الهَمَّ القَبِيحَ لَوْ كانَ واقِعًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما زَعَمُوا وكانَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لَهُ لَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ لِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَعْصِيَةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ إقْدامَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ ثُمَّ إنَّهُ يَمْدَحُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأعْظَمِ المَدائِحِ والأثْنِيَةِ، وأيْضًا إنَّ الأكابِرَ كالأنْبِياءِ مَتى صَدَرَتْ عَنْهم زَلَّةٌ أوْ هَفْوَةٌ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وأتْبَعُوهُ بِإظْهارِ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ والتَّخَضُّعِ والتَّنَصُّلِ فَلَوْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ عَلى هَذِهِ الفاحِشَةِ المُنْكَرَةِ لَكانَ مِنَ المُحالِ أنْ لا يُتْبِعَها بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ قَدْ أتْبَعَها لَحُكِيَ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِلْمُنا أنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ ذَنْبٌ أصْلًا، وأيْضًا جَمِيعُ مَن لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الواقِعَةِ قَدْ أفْصَحَ بِبَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، ومَن نَظَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ رَآهُ أفْصَحَ شاهِدٍ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَ إبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وجَدَ إبْلِيسَ مُقِرًّا بِأنَّهُ لَمْ يُغْوِهِ ولَمْ يُضِلَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى كَيْفَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُخْلَصِينَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اسْتَثْناهم مِن عُمُومِ ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ).﴾ وعِنْدَ هَذا يُقالُ لِلْجَهَلَةِ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الفَعْلَةَ الشَّنِيعَةَ: إنْ كانُوا مِن أتْباعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَهارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانُوا مِن أتْباعِ إبْلِيسَ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَتَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ كُنّا في أوَّلِ الأمْرِ مِن تَلامِذَتِهِ إلى أنْ تَخَرَّجْنا فَزِدْنا عَلَيْهِ في السَّفاهَةِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ: وكُنْتُ امْرَءًا مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فانْتَهى بِيَ الحالُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِي فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ ∗∗∗ طَرائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدِي ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في الحُجَجِ وأنْصَفَ جَزَمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في يَدِ الواحِدِي ومَن وافَقَهُ إلّا مُجَرَّدُ التَّصَلُّفِ وتَعْدِيدُ أسْماءِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يَجِدْ مَعَهم شُبْهَةً في دَعْواهُمُ المُخالِفَةِ لِما شَهِدَ لَهُ الآياتُ البَيِّناتُ سِوى رِواياتٍ واهِياتٍ. وقَدْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما حَكاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الحَقائِقِ مِن أنَّ الهَمَّ هَمّانِ: هَمٌّ ثابِتٌ وهو ما كانَ مَعَهُ عَزْمٌ وعَقْدٌ ورِضا مِثْلُ هَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهَمٌّ عارِضٌ وهو الخَطِرَةُ وحَدِيثُ النَّفْسِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ ولا عَزْمٍ مِثْلُ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي يَجِبُ أنْ نَذْهَبَ إلَيْهِ ونَتَّخِذَهُ مَذْهَبًا، وإنْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ ما نَقَلُوا لِأنَّ مُتابَعَةَ النَّصِّ القاطِعِ وبَراءَةَ المَعْصُومِ عَنْ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ وإحالَةِ التَّقْصِيرِ عَلى الرُّواةِ أوْلى بِالمَصِيرِ إلَيْهِ عَلى أنَّ أساطِينَ النَّقْلِ المُتْقِنِينَ لَمْ يَرْوُوا في ذَلِكَ شَيْئًا مَرْفُوعًا في كُتُبِهِمْ، وجُلَّ تِلْكَ الرِّواياتِ بَلْ كُلُّها مَأْخُوذٌ مِن مَسْألَةِ أهْلِ الكِتابِ اهـ، نَعَمْ قَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ بَعْضًا مِنَ الرِّواياتِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْها صفحة 216 مَن نَسَبَ تِلْكَ الشَّنِيعَةَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ ذَوِي الِاعْتِبارِ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ نُبْذَةٍ مِنها إنْ كُلُّ ذَلِكَ إلّا خُرافاتٍ وأباطِيلَ تَمُجُّها الآذانُ وتَرُدُّها العُقُولُ والأذْهانُ ويْلٌ لِمَن لاكَها ولَفَّقَها أوْ سَمِعَها وصَدَّقَها، ثُمَّ إنَّ الإمامَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ أنْ مَنَعَ دَلالَتَها عَلى الهَمِّ ما حاصِلُهُ: إنّا سَلَّمْنا أنَّ الهَمَّ قَدْ حَصَلَ إلّا أنّا نَقُولُ: لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَ الهَمِّ إذِ الذَّواتُ لا تَصْلُحُ لَهُ ولا يَتَعَيَّنُ ما زَعَمُوهُ مِن إيقاعِ الفاحِشَةِ بِها بَلْ نُضْمِرُهُ شَيْئًا آخَرَ يُغايِرُ ما أضْمَرُهُ، فَنَقُولُ: المُرادُ هَمَّ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ ومَنعِها عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَ هَمَمْتُ بِفُلانٍ أيْ قَصَدْتُهُ ودَفَعْتُهُ ويُضْمِرُ في الأوَّلِ المُخالَطَةَ والتَّمَتُّعَ ونَحْوَ ذَلِكَ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِحالِها، فَإنْ قالُوا: لا يَبْقى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ فائِدَةٌ، قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ يُوسُفَ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِدَفْعِها لَفَعَلَتْ مَعَهُ ما يُوجِبُ هَلاكُهُ فَكانَ في الِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ، الثّانِي أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِدَفْعِها فَلَرُبَّما تَعَلَّقَتْ بِهِ فَكانَ يَتَمَزَّقُ ثَوْبُهُ مِن قُدّامَ، وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الشّاهِدَ يَشْهَدُ بِأنَّ ثَوْبَهُ لَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن قُدّامَ لَكانَ هو الجانِي، ولَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن خَلْفٍ لَكانَتْ هي الجانِيَةُ فَأعْلَمَهُ هَذا المَعْنى فَلا جَرْمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَفْعِها وفَّرَ عَنْها حَتّى صارَتِ الشَّهادَةُ حُجَّةً لَهُ عَلى بَراءَتِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وإلى تَقْدِيرِ الدَّفْعِ ذَهَبَ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَفي الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِلشَّعْرانِيِّ: سَألْتُ شَيْخَنا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ ما هَذا الهَمُّ الَّذِي أُبْهِمَ فَقَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ بِرُتَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؟ فَقالَ: لا أعْلَمُ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ مُطْلَقَ اللِّسانِ يَدُلُّ عَلى أُحَدِيَّةِ المَعْنى، ولَكِنَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ فالحَقُّ أنَّها هَمَّتْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَقْهَرَهُ عَلى ما أرادَتْهُ مِنهُ، وهَمَّ هو بِها لِيَقْهَرَها في الدَّفْعِ عَمّا أرادَتْهُ مِنهُ، فالِاشْتِراكُ في طَلَبِ القَهْرِ مِنهُ ومِنها والحُكْمُ مُخْتَلِفٌ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وما جاءَ في السُّورَةِ أصْلًا أنَّهُ راوَدَها عَنْ نَفْسِها اهـ، وجَوَّزَ الإمامُ أيْضًا تَفْسِيرَ الهَمِّ بِالشَّهْوَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في اللُّغَةِ الشّائِعَةِ فَإنَّهُ يَقُولُ القائِلُ فِيما لا يَشْتَهِيهِ: لا يُهِمُّنِي هَذا، وفِيما يَشْتَهِيهِ: هَذا أهَمُّ الأشْياءِ إلَيَّ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَمَلَ الهَمَّ في المَوْضِعَيْنِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ بَعْدُ: فَمَعْنى الآيَةِ ولَقَدِ اشْتَهَتْهُ واشْتَهاها ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَفَعَلَ وهو مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ إذْ لا مَحْذُورَ في نِسْبَةِ الهَمِّ المَذْمُومِ إلَيْها، والظّاهِرُ أنَّ الهَمَّ بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ المُرْتَضِي في دُرَرِهِ لا حَقِيقَةَ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الإمامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى ما شاعَ في الأخْبارِ والعُدُولُ عَمّا ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ الأخْيارُ، وإيّاكَ والهَمَّ بِنِسْبَةِ تِلْكَ الشَّنِيعَةِ إلى ذَلِكَ الجَنابِ بَعْدَ أنْ كَشَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ بَصَرِ بَصِيرَتِكَ فَرَأيْتَ بُرْهانَ رَبِّكَ بِلا حِجابٍ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ قِيلَ: خِيانَةُ السَّيِّدِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ الزِّنا لِأنَّهُ مُفْرَطُ القُبْحِ، وقِيلَ: (السُّوءُ) مُقَدِّماتُ الفَحْشاءِ مِنَ القُبْلَةِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وقِيلَ: هو الأمْرُ السَّيِّئُ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِيهِ الخِيانَةُ المَذْكُورَةُ وغَيْرُها، والكافُ عَلى ما قِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى التَّثْبِيتِ اللّازِمِ لِلْإراءَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ ﴿لِنَصْرِفَ﴾ إلَخْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الكافَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ)،﴾ وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ نُراعِيهِ كَذَلِكَ، والحَوْفِيُّ أرَيْناهُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ الجَمِيعُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَقِيلَ: أيِ الأمْرُ أوْ عِصْمَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ صفحة 217 لَكِنْ قالَ الحَوْفِيُّ: إنَّ النَّصْبَ أجْوَدُ لِمُطالَبَةِ حُرُوفِ الجَرِّ لِلْأفْعالِ أوْ مَعانِيها، واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الإشارَةِ إلى الرُّؤْيا المَفْهُومَةِ مِن رَأى أوِ الرَّأْيِ المَفْهُومِ، وقَدْ جاءَ مَصْدَرُ الرَّأْيِ كالرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ: ورَأْيُ عَيْنَيِ الفَتى أباكا ∗∗∗ يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذاكا والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى﴾ إلَخْ وهو أيْضًا مُتَعَلِّقُ ﴿لِنَصْرِفَ﴾ أيْ مِثْلُ الرُّؤْيَةِ أوِ الرَّأْيِ يَرى بَراهِينَنا ﴿لِنَصْرِفَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ما قِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها كَذَلِكَ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ إلَخْ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ دُونَ لِنَصْرِفَهُ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى رَدِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ما نُسِبَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الأعْمَشُ –لِيَصْرِفَ- بِياءِ الغَيْبَةِ وإسْنادِ الصَّرْفِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمُخْلَصُونَ هُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى واخْتارَهم لِطاعَتِهِ بِأنْ عَصَمَهم عَمّا هو قادِحٌ فِيها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُخْتارٌ لِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ جَلَّ وعَلا: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ المُخْلِصِينَ إذا كانَ فِيهِ ألْ حَيْثُ وقَعَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ أُولَئِكَ العِبادِ الَّذِينَ هم هم مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَدَثَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وفي هَذا عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ ما يَنْقَطِعُ مَعَهُ عُذْرُ أُولَئِكَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ هاتَيْكَ الأخْبارِ الَّتِي ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ

يوسف 12:25

﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (كَذَلِكَ) إلَخِ.. اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وأبى هو واسْتَبَقا أيْ تَسابَقا إلى البابِ عَلى مَعْنى قَصَدَ كُلٌّ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وامْرَأةِ العَزِيزِ سَبْقَ الآخَرِ إلَيْهِ فَهو لِيَخْرُجَ وهي لِتَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ؛ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السَّبْقِ في جانِبِها الإسْراعُ إثْرَهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ، ووَحَّدَ البابَ هُنا مَعَ جَمْعِهِ أوَّلًا لِأنَّ المُرادَ البابُ البَرّانِيُّ الَّذِي هو المَخْلَصُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَسْتَبِقانِ إلَيْهِ ودُونَهُ أبْوابٌ جَوّانِيَّةٌ بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً. وأُجِيبَ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ أقْفالَ هاتَيْكَ الأبْوابِ كانَتْ تَتَناثَرُ إذا قَرُبَ إلَيْها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَتَفَتَّحُ لَهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا بَلْ كانَتْ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبِقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ونُصِبَ البابُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ أصْلَ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى لَكِنْ جاءَ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ ﴿وإذا كالُوهُمْ)،﴾ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا)،﴾ وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ الِاسْتِباقَ مَعْنى الِابْتِداءِ فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اسْتَبَقا)، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أيْ وقَدْ قَدَّتْ، والقَدُّ القَطْعُ والشَّقُّ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا وهو صفحة 218 المُرادُ هُنا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّها جَذَبَتْهُ مِن وراءٍ فانْخَرَقَ القَمِيصُ إلى أسْفَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ القَطُّ فِيما كانَ عَرْضًا، وعَلى هَذا جاءَ ما قِيلَ في وصْفِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّهُ كانَ إذا اعْتَلى قَدَّ وإذا اَعْتُرِضَ قَطَّ، وقِيلَ: القَدُّ هَنا مُطْلَقُ الشَّقِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ –وقُطَّ- وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في مُصْحَفِ المُفَضَّلِ بْنِ حَرْبٍ. وعَنْ يَعْقُوبَ تَخْصِيصُ القَدِّ بِما كانَ في الجِلْدِ والثَّوْبِ الصَّحِيحَيْنِ، والقَمِيصُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أقْمِصَةٌ وقُمُصٌ وقُمْصانٌ، وإسْنادُ القَدِّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ إلَيْها خاصَّةً مَعَ أنَّ لِقُوَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا دَخْلًا فِيهِ إمّا لِأنَّها الجُزْءُ الأخِيرُ لِلْعِلَّةِ التّامَّةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِها في مَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ وبَذْلِ مَجْهُودِها في ذَلِكَ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ أوْ لِخَوْفِ الِافْتِضاحِ ﴿وألْفَيا﴾ أيْ وجَدا، وبِذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿سَيِّدَها﴾ أيْ زَوْجَها وهو فَيْعَلٌ مِن سادَ يَسُودُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى المالِكِ وعَلى الرَّئِيسِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذْ ذاكَ عَلى ما قِيلَ: تَقُولُ لِزَوْجِها سَيِّدِي، ولِذا لَمْ يَقُلْ سَيِّدُهُما، وفي البَحْرِ إنَّما لَمْ يُضِفْ إلَيْهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِيُوسُفَ حَقِيقَةً لِحُرِّيَّتِهِ ﴿لَدى البابِ﴾ أيْ عِنْدِ البابِ البَرّانِيِّ، قِيلَ: وجَداهُ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَها ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَماذا كانَ حِينَ ألْفَيا السَّيِّدَ عِنْدَ البابِ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ مِنَ الزِّنا ونَحْوِهِ. ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) نافِيَةٌ، و(جَزاءُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مُضافٌ إلَيْهِ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ خَبَرٌ، و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وما بَعْدُ مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السَّجْنَ أوِ العَذابَ الألِيمَ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ القَيْدُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً –فَجَزاءُ- مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ غَيْرَ ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ، ولَقَدْ أتَتْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَدْهَشُ فِيها الفَطِنُ اللَّوْذَعِيُّ حَيْثُ شاهَدَها زَوْجُها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها غَرَضَيْها وهُما تَبْرِئَةُ ساحَتِها مِمّا يَلُوحُ مِن ظاهِرِ الحالِ، واسْتِنْزالُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَأْيِهِ في اسْتِعْصائِهِ عَلَيْها وعَدَمِ مُواتاتِهِ لَها عَلى مُرادِها بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قَلْبِهِ مِن مَكْرِها طَمَعًا في مُواقَعَتِهِ لَها مُكْرَهًا عِنْدَ يَأْسِها عَنْ ذَلِكَ مُخْتارًا كَما قالَتْ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ صُدُورَ الإرادَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا مُحَقَّقًا مَفْرُوغًا عَنْهُ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ، وإنَّ ما هي عَلَيْهِ مِنَ الأفاعِيلِ لِأجْلِ تَحْقِيقِ جَزائِها، ولَمْ تُصَرِّحْ بِالِاسْمِ بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ ومُبالَغَةً في التَّخْوِيفِ كَأنَّ ذَلِكَ قانُونٌ مُطَّرِدٌ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، وذَكَّرَتْ نَفْسَها بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ العَزِيزِ إعْظامًا لِلْخَطْبِ وإغْراءً لَهُ عَلى تَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ بِحُكْمِ الغَضَبِ والحَمِيَّةِ كَذا قَرَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ. وذَكَرَ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ ما فِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِذَلِكَ حَيْثُ قالَ: إنَّ في الآيَةِ لَطائِفَ: أحَدُها أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السَّجْنِ وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا إنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِبُ أنْ يُقابَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالشَّرِّ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا، أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ كَيْفَ قالَ حِينَ هَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: صفحة 219 ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ . وثانِيها أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ: إنَّ يُوسُفَ قَصَدَنِي بِسُوءٍ وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ، ولَيْتَ الحَشْوِيَّةَ كانُوا يَكْتَفُونَ بِمِثْلِ ما اكْتَفَتْ بِهِ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوهُ ووَصَفُوهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِما وصَفُوهُ مِنَ القَبِيحِ وحاشاهُ. وثالِثُها أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها ﴿ما جَزاءُ﴾ إلَخْ، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي انْتَهى المُرادُ مِنهُ، وفِيهِ مِنَ الأنْظارِ ما فِيهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ عَذابًا ألِيمًا بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما قالَ الكِسائِيُّ: أيْ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ، وهَذِهِ القِراءَةُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ لِي سِرُّ اخْتِلافِ التَّعْبِيرِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ فَتَدَبَّرْ

يوسف 12:26

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أيْ طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا كَما زَعَمَتْ وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْها لا لِتَفْضِيحِها. وفِي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها كَذا قالُوا، وفي هَذا الضَّمِيرِ ونَحْوِهِ كَلامٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ حَواشِيهِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في ألْفِيَّتِهِ: فَما لِذِي غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ إلَخْ لِيُنْظُرْ إلى نَحْوِ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ فَإنَّ هي ضَمِيرٌ بِاتِّفاقٍ، ولَيْسَ هو لِلْغائِبِ بَلْ لِمَن بِالحَضْرَةِ، وكَذا ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وهَذا في المُتَّصِلِ وذاكَ في المُنْفَصِلِ، وقَوْلُ مَن يُخاطِبُ شَخْصًا في شَأْنٍ آخَرَ حاضِرٍ مَعَهُ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأمَرْتُهُ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ نَزَلَ الضَّمِيرُ فِيهِنَّ مَنزِلَةَ الغائِبِ وكَذا في عَكْسِ ذَلِكَ يَبْلُغُكَ عَنْ شَخْصٍ غائِبٍ شَيْءٌ فَنَقُولُ: ويْحَكَ يا فُلانُ أتَفْعَلُ كَذا؟ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بِالحَضْرَةِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: الحَدُّ المُسْتَفادُ مِمّا ذُكِرَ إنَّما هو لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ اهـ. وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ نَشْرَ العَبِيرِ لِطَيِّ الضَّمِيرِ المُفَسِّرِ لِضَمِيرِ الغائِبِ إمّا مُصَرَّحٌ بِهِ أوْ مُسْتَثْنًى بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا أوْ عِلْمًا، فالحِسُّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ و﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُنا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّ هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى ما قَبْلَهُما فَضَمِيرُ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ عائِدٌ عَلى الأهْلِ في قَوْلِها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ ولِما كَنَّتْ عَنْ نَفْسِها بِذَلِكَ ولَمْ تَقُلْ بِي بَدَلُ (بِأهْلِكَ) كَنّى هو عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ ولَمْ يُخاطِبْها بِأنْتِ راوَدْتِينِي، ولا أشارَ إلَيْها بِهَذِهِ راوَدَتْنِي وكُلُّ هَذا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ في الألْفاظِ والِاسْتِحْياءِ في الخِطابِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأبْرَزُ الِاسْمِ في صُورَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ تَأدُّبًا مَعَ العَزِيزِ وحَياءً مِنهُ، وضَمِيرُ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى فَمُفَسِّرُهُ مُصَرَّحٌ بِلَفْظِهِ، وكَأنَّ ابْنَ مالِكٍ تَخَيَّلَ أنَّ هَذا مَوْضِعُ إشارَةٍ لِكَوْنِ صاحِبِ الضَّمِيرِ حاضِرًا عِنْدَ المُخاطَبِ فاعْتَقَدَ أنَّ المُفَسِّرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا فَجَرى الضَّمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ هَذا كَلامُهُ. وعِنْدِي أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أرْجَحُ مِمّا قالَهُ الشَّيْخُ، وذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا وقَعَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ عِنْدَ حاكِمٍ فَيَقُولُ المُدَّعِي لِلْحاكِمِ: لِي عَلى هَذا كَذا: فَيَقُولُ المُدَّعى عَلَيْهِ: هو يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فالضَّمِيرُ في هو إنَّما صفحة 220 هُوَ لِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا لا لِقَوْلِهِ: لِي كَما هو المُتَبادَرُ إلى الأفْهامِ، وأيْضًا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرَهُ في ضَمِيرِ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قالَتْ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وقَصَدَها بِالضَّمِيرِ الرَّجُلُ الحاضِرُ الَّذِي بانَ لَها مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ الأمْرُ العَظِيمُ، ثُمَّ إنَّ مَن خاصَمَ زَوْجَتَهُ فَقالَ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ: هي طالِقٌ تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ لِوُجُودِ ما قَرَّرَهُ ابْنُ مالِكٍ، ولا يَتَمَشّى عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ إنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَتَيْنِ وإنْ سَلِمَ فِيهِما لَكِنْ لا يَكادُ يَتَمَشّى مَعَهُ في غَيْرِهِما هَذا فَلْيُفْهَمْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كانَ ابْنُ خالِها، وكانَ طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ في المَهْدِ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّهُ دَلالَةُ الحَصْرِ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ“أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ وصَبِيٌّ كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ”». اهـ، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: هَذا مِنهُ عَلى جارِي عادَتِهِ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى طُرُقِ الأحادِيثِ، والحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا زِيادَةٌ عَلى الأرْبَعَةِ: «“الصَّبِيُّ الَّذِي كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ» إلَخْ فَصارُوا خَمْسَةً وهم أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَكَلَّمَ الطِّفْلُ في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقَدْ جَمَعْتُ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ، ونَظَمْتُها فَقُلْتُ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ ومَبْرِيُّ جُرَيْجٍ ثُمَّ شاهِدُ يُوسُفَ ∗∗∗ وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ يَرْوِيهِ مُسْلِمُ وطِفْلٌ عَلَيْهِ مَرَّ بِالأُمَّةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ طِفْلُها ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي المُبارَكِ يُخْتَمُ اهـ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبِيُّ الطَّعْنَ عَلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ كَما تَوَهَّمَ، وإنَّما أرادَ أنَّ بَيْنَ الحَدِيثِ الدّالِّ عَلى الخَصْرِ وغَيْرِهِ تَعارُضًا يَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ؛ وفي الكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثُ الأرْبَعَةِ، وما تَعَقَّبَ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ أنَّهُ نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ البُرُوجِ خامِسًا فَإنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ أيْضًا فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ في المَهْدِ قَيْدًا وتَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ في مَبادِي الصِّبا، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ يُحْمَلُ عَلى الإطْلاقِ أيْ سَواءٌ كانَ في المَبادِي أوْ بِعِيدَها بِحَيْثُ يَكُونُ تَكَلُّمُهُ مِنَ الخَوارِقِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَوْفِيقٌ بَعِيدٌ. وقِيلَ: كانَ ابْنُ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ وكانَ رَجُلًا ذا لِحْيَةٍ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها وكانَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ فَقالَ الحَقَّ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ صفحة 221 المَقْدُودُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشّاهِدَ مِن أهْلِها قِيلَ: لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْفى لِلتُّهْمَةِ وألْزَمَ لَها، وخَصَّ هَذا بِما إذا لَمْ يَكُنِ الشّاهِدُ الطِّفْلَ الَّذِي أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وأمّا إذا كانَ ذَلِكَ فَذَكَرَ كَوْنَهُ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ فَإنَّ شَهادَةَ الصَّبِيِّ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ ولا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ شَهادَةِ القَرِيبِ مُطْلَقًا أقْوى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وسُمِّيَ شاهِدًا لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَهُ في أنْ ثَبَتَ بِكَلامِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ الشَّهادَةَ بِالحُكْمِ أيْ وحَكَمَ حاكِمٌ مِن أهْلِها

يوسف 12:27

﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن قُدّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن قُدّامِ القَمِيصِ؛ و(إنْ) شَرْطِيَّةٌ، و(كانَ) فِعْلُ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو بِتَقْدِيرِ قَدْ، وإلّا فالفاءُ لا تَدْخُلُ في مِثْلِهِ، وعَنِ ابْنِ خَرُوفٍ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ لا الماضِي وحْدَهُ، وفي الكَشّافِ إنِ الشَّرْطِيَّةُ هَنا نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَن يَمْتَنُّ عَلَيْكَ بِإحْسانِهِ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى إنْ تَمْتَنَّ عَلَيَّ أمْتَنَّ عَلَيْكَ، وكَذا هُنا المُرادُ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ونَحْوَهُ وإلّا فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ و(كانَ) تُنافِ قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن أنَّ (كانَ) قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ فَحَرْفُ الشَّرْطِ لا يَقْلِبُ ماضِيها مُسْتَقْبَلًا وإلّا فَكُلُّ ماضٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ قَلَبَهُ مُسْتَقْبَلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ هَهُنا وجَعَلَ حُدُوثَ العِلْمِ ونَحْوِهِ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنْ يُقالَ: إنْ يَعْلَمْ أوْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الصِّدْقُ، ويُقالُ نَظِيرُهُ في الشَّرْطِيَّةِ الأُخْرى الآتِيَةِ: وإنْ كانَتْ (كانَ) مِمّا يَقْلِبُ حَرْفُ الشَّرْطِ ماضِيَها مُسْتَقْبَلًا كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى تَعْلِيقِ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ في المُسْتَقْبَلِ عَلى كَوْنِ القَمِيصِ كَذا أوْ كَذا كَذَلِكَ بَلْ عَلى تَعْلِيقِ ظُهُورِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الصِّدْقِ والكَذِبِ عَلى حُدُوثِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ وهو ظاهِرٌ، وهَلْ هَذا التَّأْوِيلُ مِن بابِ التَّقْدِيرِ، أوْ مِن غَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُدَقِّقِينَ أنَّهُ يَنْزِلُ في مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ اسْتِقْبالِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ كَما قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَخْفى؟ فَقِيلَ: ما لا يَكُونُ فَلْيُفْهَمْ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ ما دَلَّ كَلامُها عَلَيْهِ مِن أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا وهو مُتَعَلِّقُ الكَذِبِ المُسْنَدِ إلَيْها فِيما بَعْدُ، وهُما كَما يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ في دَعْواها أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في دَعْواهُ أنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن خَلْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ خَلْفِ القَمِيصِ (فَكَذَبَتْ) في دَعْواها ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواهُ، والشَّرْطِيَّتانِ مَحْكِيَّتانِ: إمّا بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ أيْ شَهِدَ قائِلًا أوْ فَقالَ (إنْ كانَ) إلَخْ كَما هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وإمّا يَشْهَدُ لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ فَجازَ أنْ تَعْمَلَ في الجُمَلِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ مَعَ رِعايَةِ زِيادَةِ الإيضاحِ، وجُمْلَتا -وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ، وهو مِنَ الصّادِقِينَ- مُؤَكِّدَتانِ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يَعْلَمُ كَذِبَهُ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ يَعْلَمُ صِدْقَهُ ووَجْهُ دَلالَةِ قَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ عَلى كَذِبِها أنَّها تَبِعَتْهُ وجَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ، وأمّا دَلالَةُ قَدِّهِ مِن قُبُلٍ عَلى صِدْقِها فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامٍ بِالدَّفْعِ، وثانِيهُما أنْ يُسْرِعَ إلَيْها لِيَلْحَقَها فَيَتَعَثَّرُ في مَقامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ كَذا في الكَشّافِ، صفحة 222 وتَعَقَّبَ ابْنُ المُنِيرِ الوَجْهَ الأوَّلَ بِأنَّ ما قَرَّرَ في اتِّباعِهِ لَها يَحْتَمِلُ مِثْلَهُ في اتِّباعِها لَهُ فَإنَّها إنَّما تَقُدُّ قَمِيصَهُ مِن قُبُلٍ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِها حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ فَدَفَعَتْهُ عَنْ نَفْسِها، وهَذا بِعَيْنِهِ يَحْتَمِلُ إذا كانَتْ هي التّابِعَةَ بِأنْ تَكُونَ اجْتَذَبَتْهُ حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ ثُمَّ جَذَبَتْ قَمِيصَهُ إلَيْها مِن قُبُلٍ بَلْ هَذا أظْهَرُ لِأنَّ المُوجَبَ لِقَدِّ القَمِيصِ غالِبًا الجَذْبُ لا الدَّفْعُ، والوَجْهُ الثّانِي بِأنَّ ما ذُكِرَ بِعَيْنِهِ مُحْتَمَلٌ لَوْ كانَتْ هي التّابِعَةَ وهو فارٌّ مِنها بِأنْ يَنْقَدَّ قَمِيصُهُ في إسْراعِهِ لِلْفِرارِ اهـ. وأُجِيبَ عَمّا ذَكَرَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ السَّرِيعَةَ لا تَحْتَمِلُ إلّا أيْسَرَ ما يُمْكِنُ وأسْرَعَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ اتِّباعِها لَهُ تَعَيَّنَ القَدُّ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ أهْوَنُ الجَذْبَيْنِ، ثُمَّ لا نَفْرِضُ كَرَّ الفارِّ لِيَدْفَعَها أوْ كَما لَحِقَتْ جَذَبَتْ فَهَذا الفَرْضُ لا وجْهَ لَهُ هُنالِكَ فَإذا ثَبَتَ دَلالَتُهُ في الجُمْلَةِ عَلى هَذا القِسْمِ تَعَيَّنَتْ، وعَمّا ذَكَرَهُ ثانِيًا بِأنَّ الظّاهِرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تابِعَةً أنَّهُ إذا تَعَثَّرَ الفارُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ التّابِعُ مُتَشَبِّثًا وإذا كانا مُنْفَلِتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ. وذَكَرَ الفاضِلُ المُتَعَقِّبُ أنَّ الحَقَّ في هَذا الفَصْلِ أنْ يُقالَ: إنَّ الشّاهِدَ المَذْكُورَ إنْ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ فالآيَةُ في مُجَرَّدِ كَلامِهِ قَبْلَ أوانِهِ حَتّى لَوْ قالَ صَدَقَ يُوسُفُ وكَذَبَتْ لَكَفى بُرْهانًا عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَ مُجَرَّدُ إخْبارِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ بُرْهانًا عَلى صِدْقِ مَرْيَمَ، فَلا تَنْبَغِي المُناسَبَةُ بَيْنَ الأمارَةِ المَنصُوبَةِ وما رُتِّبَ عَلَيْها لِأنَّ العُمْدَةَ في الدَّلائِلِ نَصْبُها لا مُناسَبَتُها، وإنْ كانَ قَرِيبًا لَها قَدْ بَصَرَ بِها مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ فَهَذا -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُصَرِّحَ بِما رَأى فَيُصَدِّقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُكَذِّبُها ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ هو الفاضِحَ لَها، ووَثَّقَ بِأنَّ قَدَّ قَمِيصِهِ إنَّما كانَ مِن دُبُرٍ فَنَصَبَهُ أمارَةً لِصِدْقِهِ وكَذِبِها، ثُمَّ ذَكَرَ القِسْمَ الآخَرَ وهو قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدَّ كَذَلِكَ حَتّى يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ في الشَّهادَةِ وقَصَدَ الفَضِيحَةَ ويُنْصِفُهُما جَمِيعًا فَلِذا ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِها المَعْلُومِ نَفْيُهُ كَما ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ المَعْلُومِ وُجُودُهُ، وأخْرَجَهُما مَخْرَجًا واحِدًا وبَنى (قُدَّ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في المَوْضِعَيْنِ سَتْرًا عَلى قَدِّهِ، وقَدَّمَ أمارَةَ صِدْقِها في الذِّكْرِ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ ووُثُوقًا بِأنَّ الأمارَةَ الثّانِيَةَ هي الواقِعَةُ فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُها. والحاصِلُ أنَّ عُمْدَةَ هَذا الشّاهِدِ الأمارَةُ الأخِيرَةُ فَقَطْ والمُناسَبَةُ فِيها مُحَقَّقَةٌ، وأمّا الأمارَةُ الأُولى فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً وإنَّما هي كالغَرَضِ ذُكِرَتْ تَوْطِئَةً لِلثّانِيَةِ فَلَمْ يَلْتَمِسْ لَها مُناسَبَةً مِثْلَ تِلْكَ المُناسَبَةِ، وأمّا إنْ كانَ الحَكِيمُ الَّذِي كانَ المَلِكُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ فَلا بُدَّ مِنِ التِماسِ المُناسَبَةِ في الطَّرَفَيْنِ لِأنَّها عُمْدَةُ الحَكِيمِ، وأقْرَبُ وجْهٍ في المُناسَبَةِ أنَّ قَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ دَلِيلٌ عَلى إدْبارِهِ عَنْها، وقَدُّهُ مِن قُبُلٍ دَلِيلٌ عَلى إقْبالِهِ عَلَيْها بِوَجْهِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الوَجْهِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَطْمَحَ نَظَرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلّا لِلْيَقِينِيّاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: يُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ الحَكِيمَ كانَ واقِفًا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المُمْكِنَةِ، ويَسْهُلُ أمْرُ ذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها فَهو مُتَيَقَّنٌ بِعَدَمِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى وبِوُجُودِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ، ومِن ضَرُورِيّاتِ ذَلِكَ الجَزْمِ بِانْتِفاءٍ تالِي الأُولى ووُقُوعِ تالِي الثّانِيَةِ فَإذا هو إخْبارٌ بِكَذِبِها وصِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ ساقَ شَهادَتَهُ مَساقًا مَأْمُونًا مِنَ الجَرْحِ والطَّعْنِ حَيْثُ صَوَّرَها بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ ظاهِرًا بَيْنَ نَفْعِها ونَفْعِهِ، وأمّا حَقِيقَةً فَلا تَرَدُّدَ فِيها قَطْعًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وإلى كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى غَيْرَ مَقْصُودَةٍ بِالذّاتِ ذَهَبَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ مُعَرَّضًا بِغَفْلَةِ القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ إلَخْ مِن قَبِيلِ المُسامَحَةِ في أحَدِ شِقَّيِ الكَلامِ لِتَعَيُّنِ الآخَرِ صفحة 223 عِنْدَ القائِلِ تَنْزِيلًا لِلْمُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ لِأنَّ الشَّقَّ بِالجَذْبِ في هَذا الشَّقِّ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا قالَ: لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَصَدَها فَدَفَعَتْ عَنْ نَفْسِها إلى آخِرِ عِبارَةِ البَيْضاوِيِّ، وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ أنَّ القائِلَ: يَعْلَمُ يَقِينًا وُقُوعَ الشَّقِّ مِن دُبُرٍ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الشَّقَّ مِنَ القُبُلِ مَعَ أنَّهُ مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ بِجَذْبِها إيّاهُ إلى طَرَفِها كَما أنَّ كَوْنَهُ مِن دَفْعِها إيّاهُ مِن بَعْضِ مُحْتَمَلاتِهِ تَنْزِيلًا لِهَذا المُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً لِثُبُوتِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ مِن صِدْقِهِ وكَذِبِها يَعْنِي أنّا نَحْكُمُ بِصِدْقِها وكَذِبِهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الشَّقِّ في القُبُلِ، وإنْ كانَ مُحْتَمِلًا لِأسْبابٍ أُخَرَ غَيْرِ دَفْعِها لَكِنَّهُ ما وقَعَ هَذا الشَّقُّ أصْلًا فَلا صِدْقَ لَها وذَلِكَ كَما إذا قِيلَ لَكَ: بَلَّغْتَ إلى زَيْدٍ الكَلامَ الفُلانِيَّ في هَذا اليَوْمِ؟ فَقُلْتُ: إنْ كُنْتَ تَكَلَّمْتَ في هَذا اليَوْمِ مَعَ زَيْدٍ فَقَوْلُكم هَذا صادِقٌ مَعَ أنَّ تَكَلُّمَكَ مَعَهُ في هَذا اليَوْمِ مُطْلَقًا لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ دَعْواهم لِاحْتِمالِ أنَّكَ تَكَلَّمْتَ مَعَهُ بِكَلامٍ غَيْرِ ذَلِكَ الكَلامِ لَكِنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ تَبْلِيغِكَ ذَلِكَ الكَلامَ إلَيْهِ، هَذا وذَكَرَ شَيْخُ مَشايِخِنا العَلّامَةُ صِبْغَةُ اللَّهِ الحَيْدَرِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ مُوافَقَتُهُ لِما ادَّعاهُ صاحِبُهُ فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ: هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا عَلَيَّ فَخَلَّصْتُ نَفْسِي عَنْهُ بِالدَّفْعِ أوِ الفِرارِ وهو كانَ يَقُولُ: هي الطّالِبَةُ فَفَرَرْتُ مِنها وتَبِعَتْنِي واجْتَذَبَتْ ثَوْبِي فَقَدَّتْهُ فَوُقُوعُ الشَّقِّ في شَقِّ الدُّبُرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُدْبِرًا عَنْها لا مُقْبِلًا عَلَيْها وعَكْسُهُ عَلى عَكْسِهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الكَمالِ غَفْلَةٌ عَنِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ وهو تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيْدَ أنَّ دَعْوى وُقُوعِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا شاهِدَ لَها، وعَلى المُدَّعِي البَيانُ عَلى أنَّهُ يَبْعُدُ عَقْلًا أنْ تَقُولَ هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا فَخَلَّصْتُ نَفْسِي مِنهُ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَعْواهُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشَّقَّيْنِ إلَخْ لِظُهُورِ أنَّ ظُهُورَ كَذِبِها حِينَئِذٍ أسْرَعُ ما يَكُونُ، وبِالجُمْلَةِ قِيلَ: إنَّ الِاحْتِمالاتِ المُضْعِفَةَ لِهَذِهِ المُشاهَدَةِ كَثِيرَةٌ: مِنها ما عَلِمْتَ ومِنها ما تَعْلَمُهُ بِأدْنى التِفاتٍ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ مِن بابِ اعْتِبارِ الأمارَةِ، ولِذَلِكَ احْتَجَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: مَن يَرى الحُكْمَ مِنَ العُلَماءِ بِالأماراتِ والعَلاماتِ فِيما لا تَحْضُرُهُ البَيِّناتُ كاللُّقَطَةِ والسَّرِقَةِ والوَدِيعَةِ ومَعاقِدِ الحِيطانِ والسُّقُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وذَكَرَ الإمامُ أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ الحَسَنِ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِسُكُونِ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ أبُو يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ وآخَرُونَ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ ضَمّاتٍ، وقَرَأ الأوَّلانِ، والجارُودُ في رِوايَةٍ عَنْهم بِإسْكانِ الباءِ فِيهِما مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ جَعَلُوهُما -كَقَبْلُ وبَعْدُ- بَعْدَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ بِأنَّ هَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ وإنَّما يَقَعُ بَعْدَ البِناءِ في الظُّرُوفِ، وهَذانِ اللَّفْظانِ اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ -مِن قَبَلٍ ومِن دَبَرٍ- بِالفَتْحِ قِيلَ: كَأنَّهُ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمَنَعَهُما الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ الجِهَةِ

يوسف 12:28

﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيِ السَّيِّدُ وقِيلَ: الشّاهِدُ، والفِعْلُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ القَلْبِيَّهِ أيْ فَلَمّا عَلِمَ ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾ صفحة 224 أيْ هَذا القَدُّ والشَّقُّ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ ناشِئٌ مِنِ احْتِيالِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ ومَكْرِكُنَّ ومُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهَذا تَكْذِيبٌ لَها وتَصْدِيقٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتِ الَّتِي راوَدْتِيهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وفَرَّ فاجْتَذَبْتِيهِ فَشَقَقْتِ قَمِيصَهُ فَهو الصّادِقُ في إسْنادِ المُراوَدَةِ إلَيْكِ وأنْتِ الكاذِبَةُ في نِسْبَةِ السُّوءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ إلَخْ، أيْ إنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ مَكْرِكُنَّ واحْتِيالِكُنَّ، وقِيلَ: هو لِلسُّوءِ وهو نَفْسُهُ وإنْ لَمْ يَكُنِ احْتِيالًا لَكِنَّهُ يُلازِمُهُ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: هو لِهَذا الأمْرِ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مِنَ الحِيلَةِ مَجازٌ أيْضًا كَما في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو لِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ﴾ إلَخْ فَقَطْ، واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ القِيلَ الأوَّلَ وتَكَلَّفَ لَهُ بِما تَكَلَّفَ واعْتَرَضَ عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ بِما اعْتَرَضَ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ لِلذَّوْقِ وأقَلُّ مُؤْنَةٍ مِمّا تَكَلَّفَ لَهُ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ عامٌّ لِلنِّساءِ مُطْلَقًا وكَوْنُهُ لَها ولِجَوارِيها -كَما قِيلَ- لَيْسَ بِذاكَ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكَيْدَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ: ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ، ولِرَبّاتِ القُصُورِ مِنهُنَّ القَدَحُ المُعَلّى مِن ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ أكْثَرُ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ مَعَ كَثْرَةِ اخْتِلافِ الكَيّاداتِ إلَيْهِنَّ فَهُنَّ جَوامِعُ كَوامِلُ، ولِعِظْمِ كَيْدِ النِّساءِ اتَّخَذَهُنَّ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وسائِلَ لِإغْواءِ مَن صَعُبَ عَلَيْهِ إغْواؤُهُ، فَفي الخَبَرِ «ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن أحَدٍ إلّا أتاهُ مِن جِهَةِ النِّساءِ» وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: أنا أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اسْتِدْلالَهُ بِالآيَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ إطْلاقِهِما، ومِثْلُهُ ما تَنْقَبِضُ لَهُ النَّفْسُ وتَنْبَسِطُ يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ القَدْرُ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ضَعْفِ كَيْدِ الشَّيْطانِ إنَّما هو في مُقابَلَةِ كَيْدِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ كَيْدِهِنَّ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ الرِّجالِ، وما قِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ مَحْكِيًّا عَنْ قَطْفِيرٍ -لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَلا جَناحَ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ كَما لا يَخْفى

يوسف 12:29

﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلْطِيفٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ (يُوسُفَ) بِالفَتْحِ، والأشْبَهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ أخْرَجَهُ عَلى أصْلِ المُنادى كَما جاءَ في الشِّعْرِ. يا عَدِيًّا لَقَدْ وقَتْكَ الأواقِي. وقِيلَ: لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الأعْمَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ أجْرى الوَقْفَ مَجْرى الوَصْلِ ونَقَلَ إلى الفاءِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ وطَهارَةُ ثَوْبِكَ، وهَذا كَما حَكى اللَّهُ أكْبَرُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِالوَصْلِ والفَتْحِ، وقُرِئَ (أعْرَضَ) بِصِيغَةِ الماضِي فَيُوسُفُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، ولَعَلَّ المُرادَ الطَّلَبُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى (أعْرِضْ ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أنْتِ أيَّتُها المَرْأةُ، وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّهُ الأشْبَهُ عَلَيْها أنْ صفحة 225 يُقالُ: فاسْتَغْفِرِي ﴿لِذَنْبِكِ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ يُقالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ خَطَأً وخِطْأً إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا أذْنَبَ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الخَطَأ العُدُولُ عَنِ الجِهَةِ وهو أضْرُبٌ: الأوَّلُ أنْ يُرِيدَ غَيْرَ ما تَحْسُنُ إرادَتُهُ فَيَفْعَلُهُ، وهَذا هو الخَطَأُ التّامُّ المَأْخُوذُ بِهِ الإنْسانُ، والثّانِي أنْ يُرِيدَ ما يَحْسُنُ فِعْلُهُ ولَكِنْ يَقَعُ مِنهُ خِلافَ ما يُرِيدُ وهَذا قَدْ أصابَ في الإرادَةِ وأخْطَأ في الفِعْلِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ» والثّالِثُ أنْ يُرِيدَ ما لا يَحْسُنُ فِعْلُهُ ويَتَّفِقُ مِنهُ خِلافُهُ فَهَذا مُخْطِئٌ في الإرادَةِ مُصِيبٌ في الفِعْلِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ راجِعٌ إلى الضَّرْبِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الضُّرُوبِ، والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والتَّذْكِيرِ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، واحْتِمالُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ فَمِنهم سَرى ذَلِكَ العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وهَذا النِّداءُ قِيلَ: مِنَ الشّاهِدِ الحَكِيمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ والصَّفْحِ مِنَ الزَّوْجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ: إنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ وإنْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُثْبِتُونَ الصّانِعَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْقَبائِحِ عاقِبَةَ سُوءٍ مِن لَدَيْهِ سُبْحانَهُ إذا لَمْ يَغْفِرْها، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ الصّانِعَ أيْضًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو العَزِيزُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: كانَ رَجُلًا حَلِيمًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ولِذا اكْتُفِيَ بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ تُرْبَةَ إقْلِيمِ قَطْفِيرَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِ المَغْرِبِ أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٍ تُغَنِّيهم مِن وراءِ سِتْرٍ فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ، وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ المُسْتَعِيدِ ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ المَلِكِ

يوسف 12:30

﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ المَشْهُورُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ- أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ كَصِبْيَةٍ وغِلْمَةٍ، ولَيْسَ لَهُ واحِدٌ مِن لَفْظِهِ بَلْ مِن مَعْناهُ وهو امْرَأةٌ. وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى كُلٍّ فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا التِفاتَ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المُفْرَدِ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهُ مَعَ طُرُوِّ ما عارَضَ ذَلِكَ لَيْسَ كَسائِرِ المُفْرَداتِ ولِذا لَمْ يُؤَنَّثْ فِعْلُهُ، وفي نُونِهِ لُغَتانِ: الكَسْرُ وهي المَشْهُورَةُ والضَّمُّ وبِهِ قَرَأ المُفَضَّلُ والأعْمَشُ والسِّلْمِيُّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ فَلا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وهو إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ بِلا خِلافٍ، ويُكْسَرُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِساءٍ ونِسْوانَ، وكُنَّ فِيما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ خَمْسًا: امْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ البَوّابِ وامْرَأةُ السَّجّانِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ. ورَوى الكَلْبِيُّ أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا بِإسْقاطِ امْرَأةِ البَوّابِ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أُرِيدَ بِها مِصْرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ –لِنِسْوَةٍ- عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ووُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّ إغاظَةَ كَلامِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لِاتِّصافِهِنَّ بِما يُقَوِّي جانِبَ الصِّدْقِ أكْثَرَ فَإنَّ كَلامَ البَدَوِيّاتِ لِبُعْدِهِنَّ عَنْ مَظانِّ الِاجْتِماعِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ أحْوالِ الحَضَرِيّاتِ القَصْرِيّاتِ لا يُلْتَفَتُ إلى كَلامِهِنَّ فَلا يُغِيظُ تِلْكَ الإغاظَةَ، والكَثِيرُ عَلى اخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ –بِقالَ- ومَعْنى كَوْنِ قَوْلِهِنَّ في المَدِينَةِ إشاعَتُهُ وإفْشاؤُهُ فِيها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ هو في الأصْلِ الَّذِي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عَزَّ أيْ حَصَلَ في عِزازٍ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي يَصْعُبُ وطْؤُها صفحة 226 ويُطْلَقُ عَلى المَلِكِ، ولَعَلَّهم كانُوا يُطْلِقُونَهُ إذْ ذاكَ فِيما بَيْنَهم عَلى كُلِّ مَن ولّاهُ المَلِكُ عَلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوِلاياتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ فَكانَ مِن خَواصِّهِ ذَوِي القَدْرِ الرَّفِيعِ والمَحَلِّ المَنِيعِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُرادٌ هُنا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَطْفِيرُ، وهو في المَشْهُورِ كَما عَلِمْتُ إنَّما كانَ عَلى خَزائِنِ المَلِكِ -وكانَ المَلِكُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ- وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَلِكُ، وكانَ قَطْفِيرُ مَلِكَ مِصْرَ وإسْكَنْدَرِيَّةَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لِيَظْهَرَ كَوْنُها مِن ذَواتِ الأخْطارِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمْيَلُ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّ ذاكَ لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ تَطْلُبُ مُواقَعَتَهُ إيّاها وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ، وإيثارُهُنَّ صِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ كَأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَها، والفَتى مِنَ النّاسِ الطَّرِيِّ مِنَ الشُّبّانِ، وأصْلُهُ فَتِيٌّ بِالياءِ لِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ -وهِيَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها- فِتْيانٌ، فالفُتُوَّةُ عَلى هَذا شاذٌّ، وجَمْعُهُ فِتْيَةٌ وفِتْيانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ كَكَنَوْتُ وكَنَيْتُ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ويُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ والخادِمِ لِما أنَّ جُلَّ الخَدَمَةِ شُبّانٌ. وفِي الحَدِيثِ ”لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي“. وأُطْلِقَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها، وقِيلَ: لِأنَّ زَوْجَها وهَبَهُ لَها فَهو مَمْلُوكُها بِزَعْمِ النِّسْوَةِ، وتَعْبِيرُهُنَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُضافًا إلَيْها لا إلى العَزِيزِ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ النّاشِئِ عَنِ الخادِمِيَّةِ والمَخْدُومِيَّةِ أوِ المالِكِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَةِ ما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في اللَّوْمِ فَإنَّ مَن لا زَوْجَ لَها مِنَ النِّساءِ أوْ لَها زَوْجٌ دَنِيءٌ قَدْ تُعْذَرُ في مُراوَدَةِ الأخْدانِ لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِمْ عُلُوُّ الجَنابِ، وأمّا الَّتِي لَها زَوْجٌ وأيُّ زَوْجٍ فَمُراوَدَتُها لِغَيْرِهِ لا سِيَّما لِمَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَها وبَيْنَهُ كَفاءَةٌ لَها وتَمادِيها في ذَلِكَ غايَةُ الغَيِّ ونِهايَةُ الضَّلالِ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ شَقَّ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ. وقِيلَ: هو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها: لِسانُ القَلْبِ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها، وبِهَذا يَحْصُلُ المُبالَغَةُ في وصْفِها بِالحُبِّ لَهُ، وقِيلَ: الشَّغافُ سُوَيْداءُ القَلْبِ، فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ، وإلى هَذا يَرْجِعُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّ الشَّغافَ باطِنُ القَلْبِ، وما حُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ مِن أنَّهُ وسَطُهُ والفِعْلُ مَفْتُوحُ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ثابِتٌ البَنانِيُّ بِكَسْرِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والشَّعْبِيُّ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ –شَعَفَها- بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ هُرْمُزَ ومُجاهِدٍ، وحُمَيْدٍ والزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيُّ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ كَسَرَ العَيْنَ، وهو مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذْ هَنَّأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطِرانِ، فالمَعْنى وصَلَ حُبُّهُ إلى قَلْبِها فَكادَ يَحْتَرِقُ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْشى: يَعْصِي الوُشاةُ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْعُوفِ ما صَنَعا وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ مِن شَعَفَةِ القَلْبِ وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، ويُقالُ: لِأعْلى الجَبَلِ شَعْفَةٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعْفُ حُبٌّ دُونَ ذَلِكَ، وأخْرَجا عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ، والشَّعَفُ الجُنُونُ، وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الشَّغَفَ في الحُبِّ، والشَّعَفَ في البُغْضِ، وهَذا المَعْنى مُمْتَنِعُ الإرادَةِ هُنا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي كِتابِ أسْرارِ البَلاغَةِ في فَصْلِ تَرْتِيبِ الحُبِّ صفحة 227 أنَّ أوَّلَ مَراتِبِ الحُبِّ الهَوى، ثُمَّ العَلاقَةُ وهي الحُبُّ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ ثُمَّ الكَلَفُ وهو شِدَّةُ الحُبِّ، ثُمَّ العِشْقُ وهو اسْمٌ لِما فَضُلَ عَنِ المِقْدارِ المُسَمّى بِالحُبِّ، ثُمَّ الشَّعَفُ بِالمُهْمَلَةِ وهو احْتِراقُ القَلْبِ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُها، وكَذَلِكَ اللَّوْعَةُ واللّاعِجُ، ثُمَّ الشَّغَفُ بِالمُعْجَمَةِ وهو أنْ يَبْلُغَ الحُبُّ شَغافَ القَلْبِ، ثُمَّ الجَوى وهو الهَوى الباطِنُ، ثُمَّ التَّيْمُ وهو أنْ يَسْتَعْبِدَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّبْلُ وهو أنْ يُسْقِمَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّدَلُّهُ وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الحُبِّ، ثُمَّ الهَيُومُ وهو أنْ يَذْهَبَ الرَّجُلُ عَلى وجْهِهِ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلَيْهِ، اهـ. ورَتَّبَ بَعْضُهم ذَلِكَ عَلى طَرْزٍ آخَرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُراوِدُ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، والمَقْصُودُ مِنها تَكْرِيرُ اللَّوْمِ وتَأْكِيدُ العَذَلِ بِبَيانِ اخْتِلافِ أحْوالِها القَلْبِيَّةِ كَأحْوالِها القالَبِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها اسْتِئْنافِيَّةً فَهي حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِدَوامِ المُراوَدَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ مِن حَيْثُ الإنْيَةُ كانَ مَصِيرُهُ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأخْفى عَلى الأجْلى، وإنِ اعْتُبِرَ مِن حَدِيثِ اللَّمِّيَّةِ كانَ فِيهِ مَيْلٌ إلى تَمْهِيدِ العُذْرِ مِن قَبْلِها ولَيْسَ المَقامُ لَهُ، وانْتِصابُ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ إذِ الأصْلُ قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وأدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ دالَ (قَدْ) في شِينِ شَغَفَها. ﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ نَعْلَمُها فالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ واسْتِعْمالُها بِمَعْنى العِلْمِ حَقِيقَةٌ كاسْتِعْمالِها بِمَعْنى الإحْساسِ بِالبَصَرِ، وإذا أُرِيدَ مِنها البَصَرِيَّةُ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِها عَنِ العِلْمِيَّةِ كانَ أبْلَغَ في إفادَةِ كَوْنِها فِيما صَنَعَتْ مِنَ المُراوَدَةِ والمَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ مُسْتَقِرَّةً ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَظِيمٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ أوْ سُنَنِ العَقْلِ ﴿مُبِينٍ﴾ واضِحٌ لا يَخْفى كَوْنُهُ ضَلالًا عَلى أحَدٍ، أوْ مُظْهِرٌ لِأمْرِها بَيْنَ النّاسِ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المَسُوقَتَيْنِ لِلَّوْمِ والتَّشْنِيعِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْها بِأنَّها في أمْرِها عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْنَ: إنَّها لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إشْعارًا كَما قِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ غَيْرُ صادِرٍ مِنهُنَّ مُجازَفَةً، بَلْ عَنْ عِلْمٍ ورَأْيٍ مَعَ التَّلْوِيحِ بِأنَّهُنَّ مُتَنَزِّهاتٌ عَنْ أمْثالِ ما هي عَلَيْهِ، وصَحَّ اللَّوْمُ عَلى الشَّغَفِ قِيلَ: لِأنَّهُ اخْتِيارِيٌّ بِاعْتِبارِ مَبادِيهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: مازَحَتْهُ فَعَشِقَتْهُ ∗∗∗ والعِشْقُ أوَّلُهُ مِزاحٌ وإلّا فَما لَيْسَ بِاخْتِيارِي لا يَنْبَغِي اللَّوْمُ عَلَيْهِ كَما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ بِقَوْلِهِ: يا لائِمِي في الهَوى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً ∗∗∗ مِنِّي إلَيْكَ ولَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ وقِيلَ: اللَّوْمُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِرْسالِ مَعَهُ وتَرْكِ عِلاجِهِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأدْواءِ، وذَكَرُوا لَهُ مِنَ المُعالَجَةِ ما ذَكَرُوا، ومِن أحْسَنِ ما ذُكِرَ لَهُ مِن ذَلِكَ تَذَكُّرُ مَساوِي المَحْبُوبِ والتَّفَكُّرِ في عَواقِبِهِ فَقَدْ قِيلَ: لَوْ فَكَّرَ العاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ الَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهِ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يَطْلُبُ في مَحَلِّهِ

يوسف 12:31

﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أيْ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ مَقالَتِهِنَّ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مَكْرًا لِشَبَهِهِ لَهُ في الإخْفاءِ، وقِيلَ: كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ وأطْلَعْنَ عَلى أمْرِها، وقِيلَ: إنَّهُنَّ قَصَدْنَ بِتِلْكَ المَقالَةِ إغْضابِها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِتُبْدِيَ عُذْرَها فَيَفُزْنَ بِمُشاهَدَتِهِ، والمَكْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقَةٌ ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ أوِ الأرْبَعُ المَذْكُوراتُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى تِلْكَ النِّسْوَةِ القائِلَةِ ما قُلْنَ عَنْها ﴿وأعْتَدَتْ﴾ أيْ هَيَّأتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ صفحة 228 أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِن الِاتِّكاءِ المَيْلُ إلى أحَدِ الشِّقَّيْنِ، وأصْلُهُ مَوْتَكَأٌ لِأنَّهُ مِن تَوَكَّأْتُ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا أنَّ المُتَّكَأ مَجْلِسُ الطَّعامِ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ المُتَكَبِّرِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشَمالِهِ وأنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا،» وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الطَّعامِ، قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ أكَلْنا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ: فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ وهُوَ عَلى هَذا اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُتَّكِئًا لَهُ أوْ مَصْدَرٌ أيِ اتِّكاءً، وعَبَّرَ بِالهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآكِلُ المُتْرَفُ عَنْ ذَلِكَ مَجازًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ الكِنايَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الطَّعامُ يُحَزُّ حَزًّا بِالسِّكِّينِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، وإنَّما يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا ومَوْزًا وبِطِّيخًا، وقِيلَ: الزَّماوَرْدُ وهو الرُّقاقُ المَلْفُوفُ بِاللَّحْمِ وغَيْرُهُ أوْ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالأُتْرُجِّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ بِذَلِكَ لِأنَّ عادَةَ مَن يَقْطَعُ شَيْئًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُتَّكَأً عَلَيْهِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ -مُتَّكًى مُشَدَّدُ التّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ مُتَّقًى وهو حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ مِن الِاتِّكاءِ وفِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ كَما قالُوا في تَوَضَّأْتُ: تَوَضَّيْتُ، أوْ يَكُونُ مُفْتَعَلًا مِن أوْكَيْتُ السِّقاءَ إذا شَدَدْتَهُ بِالوِكاءِ، والمَعْنى أعْتَدَتْ لَهُنَّ ما يُشْتَدُّ عَلَيْهِ بِالِاتِّكاءِ أوْ بِالقَطْعِ بِالسِّكِّينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ مَتْكَأً عَلى وزْنِ مَفْعَلًا مِن تَكَأ يَتْكَأُ إذا اتَّكَأ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ مُتَّكَأٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ وهو مُفْتَعَلٌ مِن الِاتِّكاءِ إلّا أنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تَرْمِي ∗∗∗ وعَنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزاحِ وقَوْلُهُ: يَنْباعُ مِن ذَفْرى عَضُوبٍ حَسْرَةً ∗∗∗ زَيافَةً مِثْلَ الفَنِيقِ المُكَرَّمِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وآخَرُونَ مُتْكًا بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التّاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أيْضًا، وهو الأُتْرُجُّ عِنْدَ الأصْمَعِيِّ، وجَماعَةٍ والواحِدُ مَتْكَةٌ، وأنْشَدَ: فَأهْدَتْ (مَتْكَةً) لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخِبُّ بِها العَثْمَثْمَةَ الوَقاحَ وقِيلَ: هو اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ -كالأُتْرُجِّ وغَيْرِهِ- مِنَ الفَواكِهِ، وأنْشَدَ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ ونَرى (المَتْكَ) بَيْنَنا مُسْتَعارًا وهُوَ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ بِمَعْنى بَتَكَهُ أيْ قَطَعَهُ، وعَنِ الخَلِيلِ تَفْسِيرُ المُتْكِ مَضْمُومُ المِيمِ بِالعَسَلِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو تَفْسِيرُهُ بِالشَّرابِ الخالِصِ، وحَكى الكِسائِيُّ تَثْلِيثَ مِيمِهِ، وفَسَّرَهُ بِالفالَوْذَجِ، وكَذا حَكى التَّثْلِيثَ المُفَضَّلُ لَكِنْ فَسَّرَهُ بِالزَماوَرْدِ، وذَكَرَ أنَّهُ بِالضَّمِّ المائِدَةُ أوِ الخَمْرُ في لُغَةِ كِنْدَةَ، وبِالفَتْحِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُعاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي الآيَةِ عَلى سائِرِ القِراءاتِ حَذْفٌ أيْ فَجِئْنَ وجَلَسْنَ ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ . وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ تُسَمّى هَذِهِ الواوُ فَصِيحَةً، وإنَّما أعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ ذَلِكَ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ لِتَبْكِتَهُنَّ بِالحُجَّةِ. وقِيلَ: غَرَضُها ذاكَ والتَّهْوِيلُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكْرِها إذا خَرَجَ عَلى أرْبَعِينَ نِسْوَةٍ مُجْتَمِعاتٍ في صفحة 229 أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ تُوهِمُهُ أنَّهُنَّ يَثِبْنَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ خائِفًا مِن مَكْرِها دائِمًا فَلَعَلَّهُ يُجِيبُها إلى مُرادِها، والسِّكِّينُ مُذَكَّرٌ عِنْدَ السِّجِسْتانِيِّ قالَ: وسَألْتُ أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ، والأصْمَعِيَّ وغَيْرَهم مِمَّنْ أدْرَكْناهُ فَكُلُّهم يُذَكِّرُهُ ويُنْكِرُ التَّأْنِيثَ فِيهِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وذَلِكَ حُكِيَ عَنِ اللِّحْيانِي ويَعْقُوبَ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ: سِكِّينَةٌ، وأُنْشِدَ عَنِ الكِسائِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: الذِّئْبُ سِكِّينَتُهُ في شِدْقِهِ ∗∗∗ ثُمَّ قِرابًا نَصْلُها في حَلْقِهِ ﴿وقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أيِ ابْرُزْ لَهُنَّ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها بِهِنَّ. والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَأْمُرْهُ بِالخُرُوجِ إلّا لِمُجَرَّدِ أنْ يَرَيْنَهُ فَيَحْصُلَ مَرامُها، وقِيلَ: أمَرَتْهُ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلسَّلامِ، وقَدْ أضْمَرَتْ مَعَ ذَلِكَ ما أضْمَرَتْ يُحْكى أنَّها ألْبَسَتْهُ ثِيابًا بِيضًا في ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّ الجَمِيلَ أحْسَنُ ما يَكُونُ في البَياضِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، وإنَّما حُذِفَ عَلى ما قِيلَ: تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ كَأنَّها تُفَوِّتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِها فِيما لا يُشاهِدُ مَضَرَّتَهُ مِنَ الأفاعِيلِ، ونَظِيرُ هَذا آتٍ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ أعْظَمْنَهُ ودَهِشْنَ بِرُؤْيَةِ جَمالِهِ الفائِقِ الرّائِعِ الرّائِقِ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ،» وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ تَلَأْلَأ وجْهُهُ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُعْطِيَ ثُلْثَ الحُسْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ هو وأُمُّهُ شَطْرَ الحُسْنِ،» وتَقَدَّمَ خَبَرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى أكْبَرْنَ حِضْنَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ∗∗∗ ولا يَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ الحَيْضُ إكْبارًا لِكَوْنِ البُلُوغِ يُعْرَفُ بِهِ فَكَأنَّهُ يُدْخِلُ الصِّغارَ سِنَّ الكِبَرِ فَيَكُونُ في الأصْلِ كِنايَةً أوْ مَجازًا، والهاءُ عَلى هَذا إمّا ضَمِيرُ المَصْدَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أكْبَرْنَ إكْبارًا، وإمّا ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ حِضْنَ لِأجْلِهِ مِن شَدَّةِ شَبَقِهِنَّ، والمَرْأةُ كَما زَعَمَ الواحِدِيُّ إذا اشْتَدَّ شَبَقُها حاضَتْ، ومِن هُنا أخَذَ المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ بِبُرْقُعٍ ∗∗∗ إذا لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ وقِيلَ: إنَّ الهاءَ لِلسَّكْتِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تُحَرَّكُ ولا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وتَحْرِيكُها تَشْبِيهًا لَها بِالضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبَمُ. عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ. واعْتَرَضَ في الكَشْفِ التَّخْرِيجَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَقالَ: إنَّ نَزْعَ الخافِضِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي في الظُّرُوفِ صفحة 230 والصِّفاتِ والصِّلاتِ، وذَلِكَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى مَكانِ الحَذْفِ، وأمّا في مِثْلِ هَذا فَلا، والمَصْدَرُ لَيْسَ مِن مَجازِهِ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِلتَّأْكِيدِ، وزَعَمَ أنَّ الوَجْهَ هو الأخِيرُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى. وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَجِيءَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، وقالَ: لا نَعْرِفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ لا يَعْرِفُهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ، ونُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيِّ. وابْنِ عَطِيَّةَ. وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ورِوايَةُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّما أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وهو -وإنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِ ابْنِ عَبّاسٍ- لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَ مِن رُواةِ العِلْمِ. وعَنِ الكُمَيْتِ الشّاعِرِ تَفْسِيرُ أكْبَرْنَ بِأمْنَيْنَ، ولَعَلَّ الكَلامَ في ذَلِكَ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ تَخْرِيجًا وقَبُولًا، وأنا لا أرى الكُمَيْتَ مِن خَيْلِ هَذا المَيْدانِ وفُرْسانِ ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها بِما في أيْدِيهِنَّ مِنَ السَّكاكِينِ لِفَرْطِ دَهْشَتِهِنَّ وخُرُوجِ حَرَكاتِ جَوارِحِهِنَّ عَنْ مِنهاجِ الِاخْتِيارِ حَتّى لَمْ يَعْلَمْنَ بِما عَمِلْنَ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِمَأْلَمِ ما نالَهُنَّ، وهَذا كَما تَقُولُ: كُنْتُ أقْطَعُ اللَّحْمَ فَقَطَعْتُ يَدِي، وهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلتَّقْطِيعِ عِنْدَ بَعْضٍ. فِي الكَشْفِ إنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ عَلى الأصَحِّ، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القاطِعاتِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القَطْعِ في يَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ التَّقْطِيعَ بِالإبانَةِ، والمَعْنى الأوَّلُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الذِّهْنِ، وحَمْلُ الأيْدِي عَلى الجَوارِحِ المَعْلُومَةِ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ خِلافُهُ، ومِنَ العَجِيبِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِن أنَّ المُرادَ بِها الأكْمامُ، وأظُنُّ أنَّ مَنشَأ هَذا مَحْضُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ التَّقْطِيعِ عَلى الأيْدِي بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، ولَعَمْرِي لَوْ عُرِضَ ما قالَهُ عَلى أدْنى الأفْهامِ لاسْتَبْعَدَتْهُ ﴿وقُلْنَ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ التَّقْصِيرِ والعَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ أصْلُهُ حاشا اللَّهَ بِالألِفِ كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرَجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا، وهو عَلى ما قِيلَ: حَرْفٌ وُضِعَ لِلِاسْتِثْناءِ والتَّنْزِيهِ مَعًا ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا بِمَعْنى التَّنْزِيهِ وتَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ ولَمْ يُنَوَّنْ مُراعاةً لِأصْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ، وكَثِيرًا ما يُراعُونَ ذَلِكَ، ألا تَراهم قالُوا: جَلَسْتُ مِن عَنْ يَمِينِهِ؟ فَجَعَلُوا –عَنْ- اسْمًا ولَمْ يُعْرِبُوهُ، وقالُوا: غَدَتْ مِن عَلَيْهِ فَلَمْ يُثْبِتُوا ألِفَ عَلى مَعَ المُضْمَرِ كَما أثْبَتُوا ألِفَ فَتى في فَتاهُ كُلُّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِلْأصْلِ، واللّامُ لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، ورَدَ في البَحْرِ دَعْوى إفادَتِهِ والتَّنْزِيهِ في الِاسْتِثْناءِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النُّحاةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وحاشا زَيْدًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ ذِكْرِ النُّحاةِ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ وظِيفَةُ اللُّغَوِيِّينَ لا وظِيفَتُهُمْ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم حَدِيثَ النَّقْلِ بِأنَّ الحَرْفَ لا يَكُونُ اسْمًا إلّا إذا نُقِلَ وسُمِّيَ بِهِ وجُعِلَ عَلَمًا، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ فِيهِ الحِكايَةُ والإعْرابُ، ولِذا جَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى بَرِئَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّوءِ، ولَعَلَّ دُخُولَ اللّامِ كَدُخُولِها في ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾، وكَوْنُ المَعْنى عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أسْماءَ الأفْعالِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعانِي المَصادِرِ وهو المَنقُولُ عَنِ الزَّجّاجِ، نَعَمْ ذَهَبَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ وابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى جانِبٍ، وأصْلُهُ مِن حاشِيَةِ الشَّيْءِ وحْشَيُهُ أيْ جانِبُهُ وناحِيَتُهُ، وفِيهِ ضَمِيرُ يُوسُفَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أيْ جانِبَ يُوسُفَ ما قَرِفَ بِهِ لِلَّهِ تَعالى أيْ لِأجْلِ خَوْفِهِ ومُراقَبَتِهِ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ وبُعْدُهُ كَأنَّهُ صارَ في جانِبٍ عَمّا اتُّهِمَ بِهِ لِما رُؤِيَ فِيهِ مِن آثارِ العِصْمَةِ وأُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا يُفَوِّتُ مَعْنى التَّعَجُّبِ، واسْتَدَلَّ عَلى اسْمِيَّتِها بِقِراءَةِ أبِي السِّمالِ صفحة 231 (حاشًا لِلَّهِ) بِالتَّنْوِينِ، وهو في ذَلِكَ عَلى حَدِّ: سَقْيًا لَكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فِعْلٍ والتَّنْوِينُ كَما في صَهٍ وكَذا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -حاشا اللَّهِ- بِالإضافَةِ كَسُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ الفارِسِيُّ أنَّ (حاشا) في ذَلِكَ حَرْفُ جَرٍّ مُرادًا بِهِ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (حاشا) أبِي ثَوْبانَ إنَّ أبا ∗∗∗ ثَوْبانَ لَيْسَ بِبِكْمَةٍ فَدَمِ ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ هُنا ما يُسْتَثْنى مِنهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ -حاشْ لِلَّهِ- بِسُكُونِ الشِّينِ وصْلًا ووَقْفًا مَعَ لامِ الجَرِّ في الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّ الفَتْحَةَ أتْبَعَتِ الألِفَ في الإسْقاطِ لِأنَّها كالعَرَضِ اللّاحِقِ لَها، وضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ فِيها التِقاءَ السّاكِنِينِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ -حاشَ الإلَهَ- وقَرَأ الأعْمَشُ -حَشا لِلَّهِ- بِحَذْفِ الألِفِ الأُولى، هَذا واسْتَدَلَّ المُبَرَّدُ، وابْنُ جِنِّيٍّ، والكُوفِيُّونَ عَلى أنَّ –حاشٍ- قَدْ تَكُونُ فِعْلًا بِالتَّصَرُّفِ فِيها بِالحَذْفِ كَما عَلِمَتْ في هَذِهِ القِراءاتِ، وبِأنَّهُ قَدْ جاءَ المُضارِعُ مِنها كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولا أرى فاعِلًا في النّاسِ يُشْبِهُهُ ∗∗∗ ولا –أُحاشِي- مِنَ الأقْوامِ مِن أحَدٍ ومَقْصُودُهُمُ الرَّدُّ عَلى –س- وأكْثَرِ البَصْرِيَّةِ حَيْثُ أنْكَرُوا فِعْلِيَّتَها، وقالُوا: إنَّها حَرْفٌ دائِمًا بِمَنزِلَةِ إلّا لَكِنَّها تَجُرُّ المُسْتَثْنى، وكَأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّصْبُ بِها كَما في قَوْلِهِ: حاشا قُرَيْشًا فَإنَّ اللَّهَ فَضَّلَهم. ورُبَّما يُجِيبُونَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَذْفِ بِأنَّ الحَذْفَ قَدْ يَدْخُلُ الحَرْفَ كَقَوْلِهِمْ: أما واللَّهِ وأمَ واللَّهِ، نَعَمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ أيْضًا بِأنَّها تَقَعُ قَبْلَ حَرْفِ الجَرِّ، ويُقابِلُ هَذا القَوْلَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ مِن أنَّها لا تَكُونُ حَرْفًا أصْلًا بَلْ هي فِعْلٌ دائِمًا ولا فاعِلَ لَها، والجَرُّ الوارِدُ بَعْدَها كَما في. حاشايَ إنِّي مُسْلِمٌ مَعْذُورٌ. والبَيْتُ المارُّ آنِفًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ، والحَقُّ أنَّها تَكُونُ فِعْلًا تارَةً فَيَنْصِبُ ما بَعْدَها ولَها فاعِلٌ وهو ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها وُجُوبًا يَعُودُ إمّا عَلى البَعْضِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ولِذا لَمْ يُثَنَّ ولَمْ يُجْمَعْ ولَمْ يُؤَنَّثْ، وحُرُوفًا أُخْرى ويُجَرُّ ما بَعْدَها، ولا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ كالحُرُوفِ الزّائِدَةِ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها مِن فِعْلٍ أوْ شَبَهِهِ عِنْدَ بَعْضٍ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا كَما إذا كانَتْ فِعْلًا خِلافًا لِلْكِسائِيِّ في زَعْمِهِ جَوازَ ذَلِكَ إذا جَرَتْ، وأنَّها إذا وقَعَتْ قَبْلَ لامِ الجَرِّ كانَتِ اسْمَ مَصْدَرٍ مُرادِفًا لِلتَّنْزِيهِ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِما شاهَدْنَ مِن جَمالِهِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثالُهُ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وقَصَرَهُنَّ عَلى المَلَكِيَّةِ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿إنْ هَذا﴾ أيْ ما هَذا ﴿إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ شَرِيفٌ كَثِيرُ المَحاسِنِ بِناءً عَلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن أنَّهُ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذا لا يَزالُ يُشَبَّهُ بِهِما كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ وإنْ لَمْ يَرَهُما أحَدٌ، وأنْشَدُوا لِبَعْضِ العَرَبِ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلاكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ وكَثُرَ في شِعْرِ المُحْدَثِينَ ما هو مِن هَذا البابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَرَكَ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً ∗∗∗ حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا وغَرَضُهُنَّ مِن هَذا وصْفُهُ بِأنَّهُ في أقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والكَمالِ المُلائِمِ لِطِباعِهِنَّ، ويُعْلَمُ مِمّا قُرِّرَ أنَّ الآيَةَ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ كَما ظَنَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وأتْباعُهُ وأيَّدَهُ الفَخْرُ -ولا فَخْرَ لَهُ- بِما أيَّدَهُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الغَرَضَ تَنْزِيهُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا رُمِيَ بِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، وافْتَتَحُوا ذَلِكَ -بِحاشا لِلَّهِ- صفحة 232 عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ الِاسْتِعْمالُ عَلى أنَّهم إذا أرادُوا تَبْرِئَةَ أحَدٍ مِن سُوءٍ ابْتَدَأُوا تَبْرِئَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ السُّوءِ ثُمَّ يُبَرِّئُونَ مَن أرادُوا تَبْرِئَتَهُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ لا يُطَهِّرَهُ مِمّا يَضِيمُهُ فَيَكُونُ آكَدَ وأبْلَغَ، والمَنصُورُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، نَعَمْ هَذا الِاسْتِعْمالُ ظاهِرٌ فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى عَنِ النِّسْوَةِ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ و(ما) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ وهي لُغَةٌ لِلْحِجازِيِّينَ لِمُشابَهَتِها لَها في نَفْيِ الحالِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في لَيْسَ مِن أنَّها لِذَلِكَ أوْ في مُطْلَقِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ مِن أنَّها تَرِدُ لِنَفْيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، والغالِبُ عَلى لُغَتِهِمْ جَرُّ الخَبَرِ بِالباءِ حَتّى أنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا عَلى النَّصْبِ في أشْعارِهِمْ غَيْرَ قَوْلِهِ: وأنا النَّذِيرُ بِحُرَّةٍ مُسَوَّدَةٍ ∗∗∗ تَصِلُ الجُيُوشُ إلَيْكم قِوادَها أبْناؤُها مُتَكَنِّفُونَ أباهم ∗∗∗ حَنَقُوا الصُّدُورَ وما هم أوْلادَها والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّي هَذِهِ اللُّغَةَ: اللُّغَةُ القُدْمى الحِجازِيَّةُ، ولُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ومُهَفْهَفُ الأعْطافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأجابَ ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرامُ وبِلُغَتِهِمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ هُنا، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ -ما هَذا بِشِرى- بِالباءِ الجارَّةِ وكَسْرِ الشِّينِ عَلى أنَّ شِرى -كَما قالَ صاحِبُ اللَّوائِحِ- مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ أيْ ما هَذا بِمَشْرِيٍّ أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يُشْتَرى بِمَعْنى أنَّهُ أعَزُّ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كَسَرَ اللّامَ مِن مَلِكٍ، ورَوى الكَسْرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي الحُوَيْرِثِ أيْضًا، والمُرادُ إدْخالُهُ في حَيِّزِ المُلُوكِ بَعْدُ، فَفي كَوْنِهِ مِمّا يَصْلُحُ لِلْمُلُوكِيَّةِ فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَناسُبٌ ظاهِرٌ، وكَأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَرَ أنَّ مَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ أيْضًا (مَلِكٌ) بِكَسْرِ اللّامِ فَقالَ: لِتَحْصِيلِ التَّناسُبِ بَيْنَهُما في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ مُشْتَرًى لَئِيمٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُخالِفَةٌ لِمُقْتَضى المَقامِ، نَعَمْ إنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ بِالياءِ فِيهِ.

يوسف 12:32

﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ والإشارَةُ -حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ- إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفَتْهُ بِهِ الآنَ مِنَ الخُرُوجِ في الحُسْنِ والكَمالِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، والِاقْتِصارِ عَلى المَلَكِيَّةِ، أوْ بِعُنْوانِ ما ذَكَرَ مَعَ الأخْبارِ وتَقْطِيعِ الأيْدِي بِسَبَبِهِ أيْضًا، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُنَّ فَذَلِكُنَّ المَلَكُ الكَرِيمُ الخارِجُ في الحُسْنِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، أوِ الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ ووَصَفْتُنَّهُ بِما وصَفْتُنَّهُ هو ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ عَيَّرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ فِيهِ أوْ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فاسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَخَلَتِ الفاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةُ اسْمِ الإشارَةِ أيْ فَهو ذَلِكُنَّ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ وقُلْتُنَّ فِيهِ وفِيَّ ما قُلْتُنَّ، فالآنَ قَدْ عَلِمْتُنَّ مَن هو وما قَوْلُكُنَّ فِينا، وقِيلَ: أرادَتْ هَذا ذَلِكَ العَبْدَ الكَنْعانِيَّ صفحة 233 الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّكُنَّ لَمْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ وحُضُورِهِ قِيلَ: رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِثْلُهُ. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في وقْتِ اللَّوْمِ غَيْرَ حاضِرٍ وهو عِنْدَ هَذا الكَلامِ كانَ حاضِرًا فَإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الأوَّلِ كانَتْ عَلى أصْلِها، وإنْ لُوحِظَ الثّانِي كانَ قَرِيبًا، وكانَتِ الإشارَةُ بِما ذُكِرَ لِتَنْزِيلِهِ لِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْعَدُ عَنْهُنَّ وقْتَ هَذا الكَلامِ لِئَلّا يَزْدَدْنَ دَهْشَةً وفِتْنَةً ولِذا أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ بِعِيدٌ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى حُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلَيْهِ، وجَعَلَ الإشارَةَ عَلى هَذا إلى غائِبٍ عَلى بابِها ويُبْعِدُهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وهو إباحَةٌ مِنها بِبَقِيَّةِ سِرِّها بَعْدَ أنْ أقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأوْضَحَتْ لَدَيْهُنَّ عُذْرَها وقَدْ أصابَهُنَّ مِن قِبَلِهِ ما أصابَها أيْ واللَّهِ لَقَدْ راوَدْتُهُ حَسْبَما قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي. وفِي الكَشّافِ أنَّ الِاسْتِعْصامَ بِناءً مُبالَغَةٌ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو مُجْتَهِدٌ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوُهُ اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ الفَتْقُ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيُ واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ اهـ. وفِي البَحْرِ والَّذِي ذَكَرَهُ الصَّرْفِيُّونَ في (اسْتَعْصَمَ) أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ أيْضًا مُوافِقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ تَفَحَّلَ نَحْوَ اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، فالمَعْنى فامْتَنَعَ عَمّا أرادَتْ مِنهُ، وبِالِامْتِناعِ فُسِّرَتِ العِصْمَةُ عَلى إرادَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ هو مَعْناها لُغَةً، قِيلَ: وعَنَثَ بِذَلِكَ فِرارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها فَإنَّهُ امْتَنَعَ مِنها أوَّلًا بِالمَقالِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يُفِدْهُ طَلَبَ ما يَمْنَعُهُ مِنها بِالفِرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِصْمَةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَمْنَعُ عَنِ المَيْلِ لِلْمَعاصِي، فَإنَّهُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَلْ لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ مُرادًا كَما لا يَخْفى، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِن مُراوَدَتِها لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا تَحَدَّثَ بِهِ النِّسْوَةُ لِإظْهارِ ابْتِهاجِها بِذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو الِاسْتِعْصامُ كَأنَّها نَظَّمَتْهُ لِقُوَّةِ الدّاعِي إلى خِلافِهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ومَزِيدِ اخْتِلاطِهِ مَعَها ومُراوَدَتِها إيّاهُ مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ فِيما تَظُنُّ في سَلْكِ ما يُنْكِرُ ويُكَذِّبُ المُخْبَرُ بِهِ فَأكَّدَتْهُ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما سَوَّدَ بِهِ القَصّاصُ وُجُوهَ الطُّرُوسِ، ولَيْتَ السُّدِّيَّ لَوْ كانَ قَدْ سَدَّ فاهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ بَعْدَ حَلِّ سَراوِيلِهِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ أنِ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِما سَمِعْنَهُ وتُحَدِّثُهُنَّ بِهِ وأظْهَرَتْ مِن إعْراضِهِ عَنْها واسْتِعْصامِهِ ما أظْهَرَتْ ذَكَرَتْ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ لا يَلْوِيها عَنْها لَوْمٌ ولا إعْراضٌ فَقالَتْ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ أيِ الَّذِي آمُرُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي كَما لَمْ يَفْعَلْ فِيما مَضى –فَما- مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ الهاءُ، وقَدْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُ فاتَّصَلَ بِالفِعْلِ وهَذا أمْرٌ شائِعٌ مَعَ –أمَرَ- كَقَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ. ومَفْعُولُ –أمَرَ- الأوَّلِ إمّا مَتْرُوكٌ لِأنَّ مَقْصُودَها لُزُومُ امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ مُطْلَقًا كَما قِيلَ، وإمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (يَفْعَلُ) عَلَيْهِ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى يُوسُفَ أيْ ما آمُرُهُ بِهِ. صفحة 234 وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَوْجُودُ هو العائِدَ عَلى يُوسُفَ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ بِهِ، ويُعْتَبَرُ الحَذْفُ تَدْرِيجًا لِاشْتِراطِهِمْ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ كَوْنَهُ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وإذا اعْتُبِرَ التَّدْرِيجُ في الحَذْفِ يَكُونُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، وكَذا يُقالُ في أمْثالِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ المُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ هَذا الجارَّ مِمّا أنِسَ حَذْفُهُ فَلا يُقَدَّرُ العائِدُ إلّا مَنصُوبًا مَفْصُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرَ يُوسُفُ إيّاهُ لِتَعَذُّرِ اتِّصالِ ضَمِيرَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِيُوسُفَ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ، ومَعْنى فِعْلِ الأمْرِ فِعْلُ مُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ فَهو إمّا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ، وعَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها بِالأمْرِ إظْهارًا لِجَرَيانِ حُكُومَتِها عَلَيْهِ واقْتِضاءً لِلِامْتِثالِ لِأمْرِها ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ آثَرَتْ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى رَسْمِ المُلُوكِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لِأمْرِها كَأنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ. ﴿ولَيَكُونًا﴾ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيِ الأذِلّاءِ المُهانِينَ، وهو مِن صَغِرَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُ صَغَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، وصُغْرًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وصَغارٌ بِالفَتْحِ، وهَذا في القَدْرِ، وأمّا في الجُثَّةِ والجُرْمِ فالفِعْلُ صَغُرَ كَكَرُمَ، ومَصْدَرُهُ صِغَرٌ كَعِنَبٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الصَّغارَ مَصْدَرًا لِهَذا أيْضًا، وكَذا الصَّغَرُ بِالتَّحْرِيكِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وأكَّدَتِ السَّجْنَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ قِيلَ: لِتَحَقُّقِهِ، وما بَعْدَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ. وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ الكَوْنَ مِن تَوابِعِ السَّجْنِ ولَوازِمِهِ، فاكْتَفَتْ في تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ أنْ أكَّدَتِ الأوَّلَ بِالثَّقِيلَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَّثْقِيلِ فِيهِما، وهو مُخالِفٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ رُسِمَتْ فِيهِ بِالألِفِ –كَنَسْفَعًا- عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وهي يُوقَفُ عَلَيْها بِالألْفِ كَما في قَوْلِ الأعْشى. ولا تَعْبُدُ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا. وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ لَفْظًا لِكَوْنِها نُونًا ساكِنَةً مُفْرَدَةً تَلْحَقُ الآخِرَ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولا يَخْفى شِدَّةُ ما تَوَعَّدْتَ بِهِ كَيْفَ وأنَّ لِلذُّلِّ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في نُفُوسِ الأحْرارِ وقَدْ يُقَدِّمُونَ المَوْتَ عَلَيْهِ وعَلى ما يَجُرُّ إلَيْهِ: قِيلَ: ولَمْ تَذْكُرِ العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ إلَخْ لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظُ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وإقامَةُ عُذْرِها عِنْدَ النِّسْوَةِ فَرَقَّتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وما هو مِن فُرُوعِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَها: ﴿ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ إنَّما أتَتْ بِهِ بَدَلَ قَوْلِها هُناكَ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ذُلُّهُ بِالقَيْدِ أوْ بِالضَرْبِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أنَّها أرادَتْ بِالذُّلِّ والعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ بِالسِّياطِ فَقَطْ، أوْ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ أرادَتْ بِالذُّلِّ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ، وبِالعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ بِالعَكْسِ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَما طَلَبَتْهُ هُنا أعْظَمُ مِمّا لَوَّحَتْ بِطَلَبِهِ هُناكَ لِمَكانِ الواوِ هُنا وأوْ هُناكَ، ولَعَلَّها إنَّما بالَغَتْ في ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِن تِلْكَ النِّسْوَةِ لِمَزِيدِ غَيْظِها بِظُهُورِ كَذِبِها وصِدْقِهِ وإصْرارِهِ عَلى عَدَمِ بَلِّ غَلِيلِها، ولِتُعْلِمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها لَيْسَتْ في أمْرِها عَلى خِيفَةٍ ولا خِفْيَةٍ مِن أحَدٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِ الحِيَلُ ويَعِي بِهِ العِلَلُ ويَنْصَحْنَ لَهُ ويُرْشِدْنَهُ إلى مُوافَقَتِها فَتَدَبَّرْ

يوسف 12:33

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا صَنَعَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: (قالَ) مُناجِيًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ الَّذِي وعَدَتْنِي بِالإلْقاءِ فِيهِ، وهو اسْمٌ لِلْمَحْبَسِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ صفحة 235 سَجَنَهُ أيْ حَبَسَهُ وهو في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ (رَبُّ) بِالضَّمِّ و(السِّجْنِ) بِكَسْرِ السِّينِ والجَرِّ عَلى الإضافَةِ –فَرَبُّ- حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِقاءُ صاحِبِ السِّجْنِ أوْ مُقاساةُ أمْرِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً قَلِيلَةً نافِدَةً إثْرَها راحاتٌ كَثِيرَةٌ أبَدِيَّةٌ ﴿مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُواتاتِها الَّتِي تُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ والعَذابِ الألِيمِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ عَلى بابِها إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِبَةُ مَحَبَّةٍ لِما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ وإنَّما هو والسِّجْنُ شَرّانِ أهْوَنُهُما وأقْرَبُهُما إلى الإيثارِ السِّجْنُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإيثارِ بِالمَحَبَّةِ لِحَسْمِ مادَّةِ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ لَها عَلى مَطْلُوبِها خَوْفًا مِنَ الحَبْسِ، والِاقْتِصارُ عَلى السَّجْنِ لِكَوْنِ الصِّغارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: اكْتَفى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ السِّجْنِ عَنْ ذِكْرِهِ لِوَفائِهِ بِالغَرَضِ وهو قَطْعُ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ خَوْفًا مِمّا تَوَعَّدَتْهُ لِأنَّها تَظُنُّ أنَّ السِّجْنَ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّغارِ بِناءً عَلى زَعْمِها أنَّهُ فَتاها حَقِيقَةً وأنَّ الفِتْيانَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَشَقَّةَ السَّجْنِ، ومَتى كانَ الأشَدُّ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَ غَيْرُ الأشَدِّ أحَبَّ إلَيْهِ مِن بابٍ أوْلى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ عَنْ مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ: أطِعْ مَوْلاتَكَ واقْضِ حاجَتَها لِتَأْمَنَ مِن عُقُوبَتِها فَإنَّها المَظْلُومَةُ وأنْتَ الظّالِمُ، ورُوِيَ أنَّ كُلًّا مِنهُنَّ طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِنَصِيحَتِهِ فَلَمّا خَلَتْ بِهِ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِ سِرًّا تَسْألُهُ الزِّيارَةَ، فَإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ أيْضًا دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ صَرِيحًا أوْ إشارَةً. وفِي أثَرٍ ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ إلَخْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُوسُفُ أنْتَ جَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ ولَوْ قُلْتَ: العافِيَةُ أحَبُّ إلَيَّ عُوفِيتَ، ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصَّبْرَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سَألْتَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ فاسْألْهُ العافِيَةَ“». ﴿وإلا تَصْرِفْ﴾ أيْ وإنْ لَمْ تَدْفَعْ ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ لَدَيَّ بِأنْ تُثَبِّتَنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ أمِلْ عَلى قَضِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ إلى إجابَتِهِنَّ بِمُواتاتِها، أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ وهو كِنايَةٌ عَنْ مُواتاتِهِنَّ، وهَذا فَزَعٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ والنَّجاةِ عَنِ الشُّرُورِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ الإجْبارَ الإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى السُّوءِ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، وقَدْ أخَذَهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَكِنْ قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ فِرارٌ إلى الِاعْتِزالِ وإشارَةٌ إلى جَوابِ اسْتِدْلالِ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الإمامُ بِما قَرَّرَهُ فَلْيُراجَعْ ولْيُتَأمَّلْ، وأصْلُ (إلّا) إنْ لا فَهي مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ ولا النّافِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ بِاللّامِ و(أصْبُ) مِن صَبا يَصْبُو صَبْوًا وصَبْوَةً إذا مالَ إلى الهَوى، ومِنهُ الصَّبا لِلرِّيحِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورُوحِها، مُضارِعٌ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ﴾ وجِيءَ بِالأُولى اسْمِيَّةً دُونَ الثّانِيَةِ لِأنَّ أحْبِيَّتَهُ السِّجْنَ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَتْ ثابِتَةً مُسْتَمِرَّةً ولا كَذَلِكَ الصَّرْفُ المَطْلُوبُ، وقُرِئَ (أصْبُ) مِن صَبَيْتُ صَبابَةً صفحة 236 إذا عَشِقْتَ، وفي البَحْرِ الصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ كَأنَّ صاحِبَها يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ أيْضًا ولِذا عُدِّيَ بِإلى أيْ أصْبُ مائِلًا إلَيْهِنَّ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فالجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ ضِدُّ الحِكْمَةِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

يوسف 12:34

﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ أجابَ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: اصْرِفْهُ عَنِّي بَلْ أقْوى مِنهُ في اسْتِدْعاءِ الصَّرْفِ عَلى ما عَلِمْتَ، وفي إسْنادِ الِاسْتِجابَةِ إلى الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ، وزادَ حُسْنَ مَوْقِعِ ذَلِكَ افْتِتاحُ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ حَسَبَ دُعائِهِ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم وبِما يُصْلِحُهم لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ

يوسف 12:35

﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ المُتَصَدِّينَ لِلْحَلِّ والعَقْدِ رُبَّما اكْتَفَوْا بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتْمانِ والإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ الصّارِفَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ البَدا وهي الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وطَهارَتِهِ مِن قَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ، وعَلَيْهِما اقْتَصَرَ قَتادَةُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وعَنْ مُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى القَدِّ فَقَطْ لِأنَّ القَطْعَ لَيْسَ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى البَراءَةِ في شَيْءٍ حِينَئِذٍ لِلتَّعْظِيمِ، ويُحْمَلُ الجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى التَّعْظِيمِ أوْ ألْ عَلى الجِنْسِيَّةِ وهي تُبْطِلُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَذا قِيلَ، وهو كَما تَرى، ووَجَّهَ بَعْضُهم عَدَّ القَطْعِ مِنَ الشَّواهِدِ بِأنَّ حُسْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الفاتِنُ لِلنِّساءِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وفي أوَّلِ نَظْرَةٍ يَدُلُّ عَلى فِتْنَتِها بِالطَّرِيقِ الأُولى وأنَّ الطَّلَبَ مِنها لا مِنهُ، وعَدَّ بَعْضُهُمُ اسْتِعْصامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النِّسْوَةِ إذْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ فَإنَّ العَزِيزَ وأصْحابَهُ قَدْ سَمِعُوهُ وتَيَقَّنُوا بِهِ حَتّى صارَ كالمُشاهِدِ لَهُمْ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى البَراءَةِ ظاهِرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الآياتِ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ: قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، فَعَدَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأثَرَ مِنَ الآياتِ ولَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ، ومِن هُنا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ آياتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ تُرِكَ ذِكْرُها كَما تُرِكَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفاعِلُ (بَدا) ضَمِيرٌ يَعُودُ إمّا لِلْبَداءِ مَصْدَرُ الفِعْلِ المَذْكُورِ أوْ بِمَعْنى الرَّأْيِ كَما في قَوْلِهِ: 50 لَعَلَّكَ والمَوْعُودَ حَقَّ لِقاؤُهُ (بَدا) لَكَ في تِلْكَ القَلُوصِ بِداءُ وإمّا لِلسَّجْنِ بِالفَتْحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابِهِ إمّا مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وإمّا مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (بَدا) فَلا مَوْضِعَ لَها. وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابٌ –لِبَدا- لِأنَّهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، والعَرَبُ تُجْرِيها مَجْرى القَسَمِ وتَتَلَقّاها بِما يَتَلَقّى بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ هو فاعِلُ (بَدا) كَما قالُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: صفحة 237 ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أنَّ الفاعِلَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا وكَيْفِيَّةُ فِعْلِنا، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ الفاعِلَ في ذَلِكَ الجُمْلَةِ لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرَدِ حَيْثُ قالَ: وجازَ الإسْنادُ في هَذا البابِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ كَما جازَ في بابِ المُبْتَدَأِ نَحْوَ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وجُمْهُورُ النُّحاةِ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ. واخْتارَ المازِنِيُّ في الفاعِلِ الوَجْهَ الأوَّلَ، قِيلَ: وحَسُنَ -بَدا لَهُمْ- بِداءً- وإنْ لَمْ يَحْسُنْ ظَهَرَ لَهم ظُهُورًا لِأنَّ البَداءَ قَدْ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ المَصْدَرِيَّةِ كَما عَلِمْتَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ الوَجْهَ الأخِيرَ وكَوْنَهُ ضَمِيرَ السَّجْنِ السّابِقِ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والأوْلى كَوْنُهُ ضَمِيرَ السِّجْنِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ بَدا لَهم سَجْنُهُ المَحْتُومُ قائِلِينَ: (واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ) وكانَ ذَلِكَ البَداءُ بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها وحُبِّهِ إيّاها وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْصَمَ عَنْها ويَئِسَتْ مِنهُ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ يُخْبِرُهم بِأنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى ويَصِفُ الأمْرَ حَسْبَما يَخْتارُ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرُجُ فَأعْتَذِرُ إلى النّاسِ وأُكَذِّبُهُ، وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ كَما أنِّي مَحْبُوسَةٌ فَحُبِسَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أُمِرَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ وضُرِبَ مَعَهُ الطَّبْلُ ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ راوَدَ سَيِّدَتَهُ فَهَذا جَزاؤُهُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما قالَ أبُو صالِحٍ: كُلَّما ذَكَرَ هَذا بَكى، وأرادَتْ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ وعِيدِها لِتَلِينَ بِهِ عَرِيكَتُهُ وتَنْقادَ لَها قَرُونَتُهُ لِما انْصَرَمَتْ حِبالُ رَجائِها عَنِ اسْتِتْباعِهِ بِعَرْضِ الجَمالِ بِنَفْسِها وبِأعْوانِها. وقَرَأ الحَسَنُ –لَتَسْجُنُنَّهُ- عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِأنْ خاطَبَ بَعْضُهُمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ ومَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِ الرَّأْيِ المُباشِرِينَ لِلسِّجْنِ والحَبْسِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى انْقِطاعِ المَقالِ وما شاعَ في المَدِينَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهَذا بادِي الرَّأْيِ عِنْدَ العَزِيزِ، وأمّا عِنْدَها فَحَتّى يُذَلِّلَهُ السَّجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها ويَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ، وقِيلَ: الحِينُ هَهُنا خَمْسُ سِنِينَ، وقِيلَ: بَلْ سَبْعٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُبِسَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ، وإنَّما يُجْزَمُ بِالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، والحِينُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ وقْتٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ يَقَعُ عَلى القَصِيرِ مِنهُ والطَّوِيلِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ في شَرْحِ القادِرِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ –عَتّى- بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَدْ أقْرَأ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ إلى أنْ كَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ (حَتّى) بِالحاءِ

يوسف 12:36

﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ غُلامانِ كانا لِلْمَلِكِ الأكْبَرِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ: أحَدُهُما خَبّازُهُ وصاحِبُ طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ وصاحِبُ شَرابِهِ، وكانَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن أشْرافِ مِصْرَ أرادُوا المَكْرَ بِالمَلِكِ واغْتِيالَهُ فَضَمَّنُوا لَهُما مالًا عَلى أنْ يُسِمّاهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ فَأجابا إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ نَدِمَ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وقَبِلَ الخَبّازُ الرَّشْوَةَ وسَمَّ الطَّعامَ فَلَمّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ قالَ السّاقِي: لا تَأْكُلْ أيُّها المَلِكُ فَإنَّ الطَّعامَ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ لِلسّاقِي: اشْرَبْهُ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ: كُلْ مِن طَعامِكَ فَأبى فَأُطْعِمَ مِن ذَلِكَ لِدابَّةٍ فَهَلَكَتْ فَأمَرَ المَلِكُ بِحَبْسِهِما فاتَّفَقَ أنْ أُدْخِلا مَعَهُ السِّجْنَ، ولَعَلَّهُ إنَّما عَبَّرَ –بِدَخَلَ- الظّاهِرِ في كَوْنِ الدُّخُولِ صفحة 238 بِالِاخْتِيارِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْإشارَةِ عَلى ما قِيلَ: إلى أنَّهُما لَمّا رَأيا يُوسُفَ هانَ عَلَيْهِما أمْرُ السَّجْنِ لِما وقَعَ في قُلُوبِهِما مِن مَحَبَّتِهِ. وهَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَبِيبُها. فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُما لَمّا رَأياهُ قالا لَهُ: يا فَتى لَقَدْ واللَّهِ أحْبَبْناكَ حِينَ رَأيْناكَ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُكُما اللَّهَ تَعالى أنْ لا تُحِبّانِي فَواللَّهِ ما أحَبَّنِي أحَدٌ قَطُّ إلّا دَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، لَقَدْ أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّها بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّنِي أبِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صاحِبِي هَذا فَدَخَلَ عَلَيَّ بِحُبِّها إيّايَ بَلاءٌ، فَلا تُحِبّانِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكُما فَأبَيا إلّا حُبَّهُ واللَّهِ حَيْثُ كانَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا أنْ ذَكَرَ (مَعَهُ) يُفِيدُ اتِّصافَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يُنْسَبُ إلَيْهِما، والمُناسِبُ في حَقِّهِ نِسْبَةُ الدُّخُولِ لِمَكانِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ لا الإدْخالُ المُفِيدُ لِسَلْبِ الِاخْتِيارِ، ولَوْ عَبَّرَ بِأدْخَلَ لَأفادَ ذَلِكَ نِسْبَةَ الإدْخالِ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالدُّخُولِ تَرْجِيحًا لِجانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ –مَعَ- تَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والمُقارَنَةِ لِفاعِلِ الفِعْلِ في ابْتِداءِ تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ، فَتُفِيدُ أنَّ دُخُولَهُما مُصاحِبِينَ لَهُ وأنَّهم سُجِنُوا الثَّلاثَةَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ حِكايَةً عَنْ بِلْقِيسَ إذْ لَيْسَ إسْلامُهُما مُقارِنًا لِابْتِداءِ إسْلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحَمْلَ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلْصارِفِ ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ مِن أنَّهُ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِتَعَذُّرِ التَّعَلُّقِ –بِبَلَغَ- أوِ (السَّعْيِ) مَعْنًى أوْ لَفْظًا. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ المَحْكِيُّ عَنْها لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ فَجازَ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) لِلْإشْعارِ بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ وأنَّها كانَتْ مُسْلِمَةً فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ نَحْوَ مَعَ بُلُوغِ دَعْوَتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المَعِيَّةِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، اهـ. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الفِعْلِ المُمْتَدِّ كالإسْلامِ وغَيْرِهِ كالدُّخُولِ بِأنَّ الأوَّلَ لا يَقْتَضِي مُقارَنَتَهُما في ابْتِدائِهِ بِخِلافِ الثّانِي، وهو عَلى ما قِيلَ: راجِعٌ إلى الجَمْعِ ولَيْسَ مِنَ المَعِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في آيَةِ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ واخْتِيرَ أنَّ المُقارَنَةَ هي الأصْلُ ولا يَعْدِلُ عَنْها ما أمْكَنَتْ، فَتَأمَّلْ. وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن الِاهْتِمامِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ النَّفْسِ حِينَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ عَلى السِّجْنِ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ المَعِيَّةِ أشَدُّ مِن الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ لِما أنَّها المَنشَأُ لِما كانَ، وقِيلَ: إنَّما قُدِّمَ لِأنَّ تَأْخِيرَهُ يُوهِمُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلى المُبْتَدَأِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ –دَخَلَ- وتُعُقِّبَ بِأنَّ حاصِلَ التَّرْكِيبِ الأوَّلِ مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِما، وحاصِلُ الثّانِي مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ، ويُؤَوَّلُ الأمْرانِ إلى دُخُولِهِما ودُخُولِهِ مُتَصاحِبِينَ فافْهَمْ. والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا بَدا لَهم ذَلِكَ سَجَنُوهُ ﴿ودَخَلَ مَعَهُ﴾ إلَخْ، وقَرَأ (السَّجْنَ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى مَوْضِعِ السَّجْنِ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما صَنَعا بَعْدَما دَخَلا؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ (قالَ) (أحَدُهُما) وهو الشَّرابِيُّ واسْمُهُ بِنُّو ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ رَأيْتُنِي في المَنامِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّوَرِ الماضِيَةِ ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ حَبْلَةً صفحة 239 مِن كَرْمٍ حَسَنَةٍ لَها ثَلاثَةُ أغْصانٍ فِيها عَناقِيدُ عِنَبٍ فَكُنْتُ أعْصِرُها وأسْقِي المَلِكَ، وسَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لِأنَّ الخَمْرَ مِمّا لا يُعْصَرُ إذْ عَصْرُ الشَّيْءِ إخْراجُ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ بِقُوَّةٍ، وكَوْنُ العِنَبِ يُؤَوَّلُ إلى الخَمْرِ وكَوْنُ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ ماؤُهُ لِإجْرَمِهِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنهُ فَما عَداهُ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَجُوُّزانِ بِالنَّظَرِ إلى المُتَعارَفِ فِيهِ، وقِيلَ: الخَمْرُ بِلُغَةِ غَسّانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، وقِيلَ: في لُغَةِ أذَرِعانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ -أعْصِرُ عِنَبًا- قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ لِسَوادِ المُصْحَفَ، والثّابِتُ عَنْهُما بِالتَّواتُرِ قِراءَتُهُما ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَ القِراءَةَ كَذَلِكَ عَنِ الثّانِي البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ أخَذْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَكَذا، فافْهَمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الخَمْرِ بِأنَّها مَعْصُورَةٌ لِأنَّ العَصْرَ مِن أجْلِها فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ: مُؤَنَّثَةٌ ورُبَّما ذُكِّرَتْ، وعَنِ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ التَّذْكِيرَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ مِنَ الفُصَحاءِ، ورَأى الحُلْمِيَّةُ جَرى مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ في جَوازِ كَوْنِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ المَعْنى، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في غَيْرِ ما ذُكِرَ، فَلا يُقالُ: أضْرِبُنِي ولا أكْرِمُنِي، وحاصِلُهُ أرى نَفْسِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴿وقالَ الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ واسْمُهُ مِجْلَثُ ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ –ثَرِيدًا-. ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا كَما قِيلَ أيْضًا: تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، رُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أنِّي أخْرُجُ مِن مَطْبَخَةِ المَلِكِ وعَلى رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ والطَّيْرُ تَأْكُلُ مِن أعْلاهُ، والخُبْزُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أخْبازُ وهو مَفْعُولُ (أحْمِلُ) والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ –بِأحْمِلُ- وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِما مَرَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وجُمْلَةُ (تَأْكُلُ) إلَخْ صِفَةٌ لَهُ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ ﴿نَبِّئْنا﴾ أيْ أخْبِرْنا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بِتَعْبِيرِهِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، والضَّمِيرُ لِلرُّؤْيَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ ما رُؤِيَ وقَدْ أُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُشارُ بِهِ إلى مُتَعَدِّدٍ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، هَذا إذا قالاهُ مَعًا أوْ قالَهُ أحَدُهُما مِن جِهَتِهِما مَعًا، وأمّا إذا قالَهُ كُلٌّ مِنهُما إثْرَ ما قَصَّ ما رَآهُ، فالمَرْجِعُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا الِاحْتِمالِ صِيغَةُ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ واقِعَةً في الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَإنَّهم لَمْ يُخاطَبُوا دُفْعَةً بَلْ خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في زَمانٍ بِصِيغَةٍ مُفْرَدَةٍ خاصَّةٍ بِهِ ﴿إنّا نَراكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَرْضِ رُؤْياهُما عَلَيْهِ واسْتِفْسارِهِما مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ إنّا نَعْتَقِدُكَ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا لَمّا رَأياهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ السِّجْنِ رُؤْياهُ فَيُؤَوِّلُها تَأْوِيلًا حَسَنًا، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَخَلَ السِّجْنَ قَدْ قالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا وأُجِيدُ صفحة 240 أوْ مِنَ العُلَماءِ كَما في قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ وذَلِكَ لِما سَمِعاهُ يَذْكُرُ لِلنّاسِ ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا انْتَهى يُوسُفُ إلى السِّجْنِ وجَدَ فِيهِ قَوْمًا قَدِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم واشْتَدَّ بَلاؤُهم وطالَ حُزْنُهم فَجَعَلَ يَقُولُ: أبْشِرُوا واصْبِرُوا تُؤْجَرُوا إنَّ لِهَذا لَأجْرًا، فَقالُوا: يا فَتى بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ وخَلْقَكَ لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غَيْرِ هَذا مُنْذُ جِئْتَنا لِما تُخْبِرُنا مِنَ الأجْرِ والكَفّارَةِ والطَّهارَةِ، فَمَن أنْتَ يا فَتى؟ قالَ: أنا يُوسُفُ بْنُ صَفِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ تَعالى إسْحاقَ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ فَقالَ لَهُ عامِلُ السِّجْنِ: يا فَتى لَوِ اسْتَطَعْتُ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ ولَكِنْ سَأُحْسِنُ جِوارَكَ فَكُنْ في أيِّ بُيُوتِ السِّجْنَ شِئْتَ، أوْ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى أهْلِ السِّجْنِ أيْ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِكَشْفِ غُمَّتِنا إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الضَّحّاكُ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ ما كانَ إحْسانُ يُوسُفَ؟ فَقالَ: كانَ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ، وإذا ضاقَ عَلَيْهِ مَكانٌ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ.