Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — هود 11:31 – هود 11:104

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. هود 11:31
  2. هود 11:32
  3. هود 11:33
  4. هود 11:34
  5. هود 11:35
  6. هود 11:36
  7. هود 11:37
  8. هود 11:38
  9. هود 11:39
  10. هود 11:40
  11. هود 11:41
  12. هود 11:42
  13. هود 11:43
  14. هود 11:44
  15. هود 11:45
  16. هود 11:46
  17. هود 11:47
  18. هود 11:48
  19. هود 11:49
  20. هود 11:50
  21. هود 11:51
  22. هود 11:52
  23. هود 11:53
  24. هود 11:54
  25. هود 11:55
  26. هود 11:56
  27. هود 11:57
  28. هود 11:58
  29. هود 11:59
  30. هود 11:60
  31. هود 11:61
  32. هود 11:62
  33. هود 11:63
  34. هود 11:64
  35. هود 11:65
  36. هود 11:66
  37. هود 11:67
  38. هود 11:68
  39. هود 11:69
  40. هود 11:70
  41. هود 11:71
  42. هود 11:72
  43. هود 11:73
  44. هود 11:74
  45. هود 11:75
  46. هود 11:76
  47. هود 11:77
  48. هود 11:78
  49. هود 11:79
  50. هود 11:80
  51. هود 11:81
  52. هود 11:82
  53. هود 11:83
  54. هود 11:84
  55. هود 11:85
  56. هود 11:86
  57. هود 11:87
  58. هود 11:88
  59. هود 11:89
  60. هود 11:90
  61. هود 11:91
  62. هود 11:92
  63. هود 11:93
  64. هود 11:94
  65. هود 11:95
  66. هود 11:96
  67. هود 11:97
  68. هود 11:98
  69. هود 11:99
  70. هود 11:100
  71. هود 11:101
  72. هود 11:102
  73. هود 11:103
  74. هود 11:104

هود 11:31

﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- في دَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها تَفْصِيلًا وذَلِكَ مِن قَبِيلِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ ثِقَةً بِعِلْمِ السّامِعِ، وتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ شُبَهِهِمْ وجَوابِها -عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ- لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ وبَيَّنَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ إثْباتٌ لِنُبُوَّتِهِ، يَعْنِي ما قُلْتُ لَكم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ إلّا عَنْ بَيِّنَةٍ عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِي وصِحَّةِ دَعْوَتِي، لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْكم وعَمِيَتْ حَتّى أوْرَدْتُمْ تِلْكَ الشُّبَهَ الواهِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ نَظَرِي فِيما ادَّعَيْتُ إلّا إلى الهِدايَةِ وإنِّي لا أطْمَعُ بِمالٍ حَتّى أُلازِمَ الأغْنِياءَ مِنكم وأطْرُدَ الفُقَراءَ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَ هَذا المَعْنى؛ حَيْثُ تَقُولُونَ: اطْرُدِ الفُقَراءَ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما بَعَثَنِي إلّا لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ الآخِرَةِ ورَفْضِ الدُّنْيا فَمَن يَنْصُرُنِي إنْ كُنْتُ أُخالِفُ ما جِئْتُ بِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِيما شَرَعَ، وفي الكَشْفِ إنَّ قَوْلَهُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الآيَةَ، جَوابٌ إجْمالِيٌّ عَنِ الشُّبَهِ كُلِّها مَعَ التَّعْبِيرِ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ فِيما يَرْمُونَ إلى أدْنى تَدَبُّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكُمْ﴾ تَتْمِيمُ لِلتَّعْبِيرِ وحَثٌّ عَلى ما ضَمَّنَهُ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ (ما أنا بِطارِدِ) تَصْرِيحٌ بِجَوابٍ ما ضَمَّنُوهُ في قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وأنَّهُ لَوْلا مَكانُهم لَكانَ يُمْكِنُ الاتِّباعُ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ فِيها هو فِيهِ وأنَّ ما يُورِدُهُ ويُصْدِرُهُ عَنْ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُوافِيهِ وأنّى يَدَعُ الحَقَّ الأبْلَجَ بِالباطِلِ اللَّجْلَجِ، ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أقُولُ﴾ إلَخْ، وهو أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وجَعَلُوا هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ يَقُولُ: عَدَمُ اتِّباعِي وتَكْذِيبِي إنْ كانَ لِنَفْيِكم عَنِّي فَضْلَ المالِ والجاهِ فَأنا لَمْ أدَعْهُ ولَمْ أقُلْ لَكم إنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ومالَهُ عِنْدِي حَتّى أنَّكم تُنازِعُونِي في ذَلِكَ وتُنْكِرُونَهُ، وإنَّما كانَ مِنِّي دَعْوى الرِّسالَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَعَلَّ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ مُسْتَتْبَعٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عُنِيَ بِهِ مُتَّبِعُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ كَما جَوَّزَهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ الخَزائِنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ. صفحة 43 وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِها مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى أيْ لا أقُولُ لَكم حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدِي مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى فَأفْعَلُ ما أشاءُ وأُعْطِي ما أشاءُ وأمْنَعُ ما أشاءُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ -بَلْ أدْهى وأمَرُّ- قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّ المُرادَ بِها غُيُوبُ اللَّهِ تَعالى وما انْطَوى عَنِ الخَلْقِ، وجَعَلَ ابْنُ الخازِنِ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى ( لا أسْألُكم ) إلَخْ، والمَعْنى عِنْدَهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الَّتِي لا يُفْنِيها شَيْءٌ فَأدْعُوكم إلى اتِّباعِي عَلَيْها لِأُعْطِيَكم مِنها، ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عُطِفَ عَلى ( عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ) المَقُولُ لِلْقَوْلِ، وذَكَرَ مَعَهُ النَّفْيَ مَعَ أنَّ العَطْفَ عَلى مَقُولِ القَوْلِ المَنفِيِّ مَنفِيٌّ أيْضًا مِن غَيْرِ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ أداةُ نَفْيٍ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ السّابِقِ والتَّذْكِيرِ بِهِ ودَفْعِ احْتِمالِ أنْ لا يَقُولَ هَذا المَجْمُوعَ، فَلا يُنافِي أنْ يَقُولَ أحَدُهُما أيْ ولا أقُولُ أنا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى تُكَذِّبُونِي لِاسْتِبْعادِ ذَلِكَ، وما ذَكَرْتُ مِن دَعْوى النُّبُوَّةِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنَّما هو بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُؤَيَّدٍ بِالبَيِّنَةِ والغَيْبِ ما لَمْ يُوحَ بِهِ ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَنْفِ عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلَ بِعِلْمِ الغَيْبِ عَلى نَحْوِ ما فَعَلَ في السّابِقِ واللّاحِقِ مُبالَغَةً في نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي لَيْسَ لِأحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى مِنها نَصِيبٌ أصْلًا، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ( أقُولُ ) أيْ لا أقُولُ لَكم ذَلِكَ ولا أدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ في قَوْلِي إنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ حَتّى تُسارِعُوا إلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى هَذا أوْ ذاكَ إلّا أنَّ المَعْنى لا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ اتَّبَعُونِي بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ وعَقْدِ قَلْبٍ ولا يَخْفى حالُهُ، واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْمَقامِ، ثُمَّ قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّهُ ﷺ حِينَ ادَّعى النُّبُوَّةَ سَألُوهُ عَنِ المَغِيباتِ، وقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أخْبِرْنا عَنْها، فَقالَ: أنا أدَّعِي النُّبُوَّةَ بِآيَةٍ مِن رَبِّي ولا أعْلَمُ الغَيْبَ إلّا بِإعْلامِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَما أنَّ سُؤالَ طَرْدِهِمْ كَذَلِكَ، انْتَهى، وفِيهِ أنَّ زَعْمَ عَدَمِ المُلاءَمَةِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي، وأيْضًا لا يَخْفى أنَّهُ لا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ جَوابًا لِما لَمْ يُذْكَرْ، وأمّا سُؤالُ طَرْدِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِحْقارَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ السَّلَفِ بِهِ ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أيْ لا أقُولُ تَرْوِيجًا لِما أدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ إنِّي مَلَكٌ حَتّى تَقُولُوا لِي ذَلِكَ وتُكَذِّبُونِي، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ لَيْسَتْ مِن مَوانِعِ النُّبُوَّةِ بَلْ مِن مَبادِيها، يَعْنِي كَما قِيلَ: إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ فِقْدانَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِي، والحالُ أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنها، وإنَّما الَّذِي أدَّعِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالفَضائِلِ الَّتِي تَتَفاوَتُ بِها مَقادِيرُ البَشَرِ، وقِيلَ: أرادَ بِهَذا لا أقُولُ: إنِّي رُوحانِيٌّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن ذِكْرٍ وأُنْثى بَلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم فَلا مَعْنى لِرَدِّكم عَلَيَّ بِقَوْلِكم ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ وجَعَلَ ذَلِكَ كَلامًا آخَرَ لَيْسَ رَدًّا لِما قالُوهُ سابِقًا مِمّا لا وجْهَ لَهُ فَتَدَبَّرْ. ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ تَسْتَحْقِرُهم والأصْلُ تَزْتَرِي بِالتّاءِ إلّا أنَّها قُلِبَتْ دالًّا لِتَجانُسِ الزّايِ في الجَهْرِ لِأنَّها مِنَ المَهْمُوسَةِ، وأصْلُ الِازْدِراءِ الإعابَةُ يُقالُ: ازْدَراهُ إذا عابَهُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِمَرارِ أوْ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ الِازْدِراءَ قَدْ وقَعَ، وإسْنادُهُ إلى الأعْيُنِ مَجازٌ لِلْمُبالَغَةِ في رَأْيٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ إسْنادٌ إلى الحاسَّةِ الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ مِنها تَعْيِيبُ أحَدٍ فَكَأنَّ مَن لا يُدْرِكُ ذَلِكَ يُدْرِكُهُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحْقَرُوهم بادِيَ الرُّؤْيَةِ وبِما عايَنُوا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ وقِلَّةِ مَنالِهِمْ دُونَ تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ في مَعانِيهِمْ وكَمالاتِهِمْ، وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ واللّامُ لِلْأجَلِ لا لِلتَّبْلِيغِ وإلّا لَقِيلَ فِيما بَعْدُ يُؤْتِيكم أيْ لا أقُولُ مُساعَدَةً لَكم ونُزُولًا عَلى هَواكم في شَأْنِ الَّذِينَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم واسْتَحْقَرْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ صفحة 44 ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ فَعَسى اللَّهُ سُبْحانَهُ يُؤْتِيهِمْ خَيْرَيِ الدّارِينَ. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ مِمّا يَسْتَعِدُّونَ بِهِ لِإيتاءِ ذَلِكَ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مِنَ الإيمانِ، وفِيهِ تَوْجِيهٌ لِعَطْفِ نَفْيِ هَذا القَوْلِ الَّذِي لَيْسَ مِمّا يَسْتَنْكِرُهُ الكَفَرَةُ ولا مِمّا يَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أصالَةً واسْتِتْباعًا عَلى نَفْيِ هاتَيْكِ الأقْوالِ الَّتِي هي مِمّا يَسْتَنْكِرُونَهُ ويَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إنَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ كِلا النَّفْيَيْنِ رَدٌّ لِقِياسِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَتْبِعُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ مِنِ ادِّعاءِ المَلَكِيَّةِ وعِلْمِ الغَيْبِ وحِيازَةِ الخَزائِنِ، وأنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِها واغْتِنامَ مَغانِمِها لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ، فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ ذَلِكَ جَمِيعًا فَكَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ وُجُودَ تِلْكَ الأشْياءِ مِن مَواجِبِ النُّبُوَّةِ ولا عَدَمَ المالِ والجاهِ مِن مَوانِعِ الخَيْرِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْيِ القَوْلِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جازِمٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُؤْتِيهِمْ خَيْرًا عَظِيمًا في الدّارَيْنِ وأنَّهم عَلى يَقِينٍ راسِخٍ في الإيمانِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الإنْصافِ مَعَ القَوْمِ واكْتِفاءً بِمُخالَفَةِ كَلامِهِمْ وإرْشادًا لَهم إلى مَسْلَكِ الهِدايَةِ بِأنَّ اللّائِقَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَبُتَّ القَوْلَ إلّا فِيما يَعْلَمُهُ يَقِينًا ويَبْنِي أُمُورَهُ عَلى الشَّواهِدِ الظّاهِرَةِ، ولا يُجازِفُ فِيما لَيْسَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَتَّ القَوْلَ بِفَوْزِ هَؤُلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالَّذِينِ آمَنُوا، وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِمْ مُلاقِي رَبِّهِمْ مُقَرَّبُونَ في حَضْرَةِ القُدُسِ كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكَذا الحُكْمُ إذا كانَ المَعْنى بِالمَوْصُولِ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا إذْ يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِما أنَّ المَسْؤُولَ صَرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا طَرْدُهُمْ، ولَعَلَّ البَتَّ تارَةً وعَدَمَهُ أُخْرى لِاقْتِضاءِ المَقامِ، ذَلِكَ وأنَّ في كَوْنِ الكَفَرَةِ قَدْ زَعَمُوا أنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِ النُّبُوَّةِ واغْتِنامِ مَغانِمِها لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ خَفاءً مَعَ دَعْوى أنَّهم لَوَّحُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخِ.. الَّذِي هو مَظِنَّةُ ذَلِكَ الزَّعْمِ إلى التِماسِ طَرْدِهِمْ وتَعْلِيقِ إيمانِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أنَفَةً مِن الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ. وفِي البَحْرِ أنَّ مَعْنى ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ، لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يَنْقُصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم ولَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخْ. عَلى مَعْنى لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمُ، انْتَهى ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ الخَيْرَ بِالإيمانِ، أيْ لا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ إيمانًا، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ أُولَئِكَ المُتَّبِعُونَ المُسْتَرْذِلُونَ وهم مُؤْمِنُونَ عِنْدَهم فَلا مَعْنى لِنَفْيِ القَوْلِ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ الإيمانَ مُساعَدَةً لَهم ونُزُولًا عَلى هَواهم. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن هَذا الإيمانِ هو المُعْتَدُّ بِهِ الَّذِي لا يَزُولُ أصْلًا كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالخَيْرِ وهم إنَّما أثْبَتُوا لَهُمُ الإتْباعَ بادِيَ الرَّأْيِ، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا إيمانًا لا ثَباتَ لَهُ، ويُجْعَلُ ذَلِكَ رَدًّا لِذَلِكَ القَوْلِ، ويُرادُ مِن ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ﴾ ما آتاهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ وآمَنُوا بِكَ بِلا تَأمُّلٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ الإيمانُ في مَعْرِضِ الزَّوالِ فَهم لا يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ ويَرْتَدُّونَ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنِّي لا أحْكُمُ عَلى أُولَئِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما آتاهم إيمانًا لا يَزُولُ وأنَّهم سَيَرْتَدُّونَ كَما زَعَمْتُمْ ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ تَفْوِيضًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى؛ أوْ إشارَةً إلى جَلالَةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الإيمانِ كَما يُقالُ اللَّهُ تَعالى صفحة 45 أعْلَمُ بِما يُقاسِي زَيْدٌ مِن عَمْرٍو إذا كانَ ما يُقاسِيهِ مِنهُ أمْرًا عَظِيمًا لا يُسْتَطاعُ شَرْحُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إيمانَهم عَظِيمُ القَدْرِ جَلِيلُ الشَّأْنِ فَكَيْفَ أقُولُ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيمانًا ثابِتًا وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ ما اللَّهُ تَعالى بِهِ أعْلَمُ وحَمَلَ المَوْصُولَ عَلى أُناسٍ مُسْتَرْذَلِينَ جِدًّا غَيْرِ أُولَئِكَ ولَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدْ أيْ لا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيهِمْ أعْيُنُكم ولَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ لَنْ يُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ حَيْثُ كانُوا في غايَةٍ مِن رَثاثَةِ الحالِ والدَّناءَةِ الَّتِي تَزْعُمُونَها مانِعَةً مِنَ الخَيْرِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ مِمّا يَتَأهَّلُونَ بِهِ لِإفاضَةِ التَّوْفِيقِ عَلَيْهِمْ، وهو المَدارُ لِذَلِكَ لا الأحْوالُ الظّاهِرَةُ مِمّا لا أقُولُ بِهِ ﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ إذا قُلْتُ ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَهم بِحَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ ونَقْصِ حُقُوقِهِمْ أوْ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم ظالِمُونَ في ازْدِرائِهِمْ واسْتِرْذالِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا قُلْتُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن حِيازَةِ الخَزائِنِ وادِّعاءِ عِلْمِ الغَيْبِ والمَلَكِيَّةِ ونَفْيِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى أُولَئِكَ الخَيْرَ، والقَوْمُ لِمَزِيدِ جَهْلِهِمْ مُحْتاجُونَ لِأنْ يُعَلَّلَ لَهم نَحْوَ الأقْوالِ الأُوَلِ بِلُزُومِ الِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الظّالِمِينَ.

هود 11:32

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ خاصَمْتَنا ونازَعْتَنا وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ ومِنهُ الجَدِيلُ وجَدَلْتُ البِناءَ أحْكَمْتُهُ، ودِرْعٌ مَجْدُولَةٌ والأجْدَلُ الصَّقْرُ المُحْكَمُ البِنْيَةَ والمِجْدَلُ القَصْرُ المُحْكَمُ البِناءَ، وسُمِّيَتِ المُنازَعَةُ جِدالًا لِأنَّ المُتَجادِلَيْنِ كَأنَّهُما يَفْتِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ. ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى شَرَعْتَ في جِدالِنا فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الجِدالِ فَأعْقَبْتَهُ بِأنْواعٍ أُخَرَ، فالفاءُ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ جادَلْتَنا بِأرَدْتَ جِدالَنا كَما قالَهُ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ جادَلَ فُلانٌ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ بَعْضُهم مَجْمُوعَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ التَّمادِي والِاسْتِمْرارِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَدَلَنا، وهو -كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ- اسْمٌ بِمَعْنى الجِدالِ ولَمّا حَجَّهم عَلَيْهِ السَّلامُ وأبْرَزَ لَهم ما ألْقَمَهم بِهِ الحَجْرَ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ وقالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَذابَ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ بِناءً عَلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ و(ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالَّذِي تَعِدُنا بِهِ، وفي البَحْرِ تَعِدْناهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وفِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفٍ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في حُكْمِكَ بِلُحُوقِ العَذابِ إنْ لَمْ نُؤْمِن بِكَ.

هود 11:33

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ أيْ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ ولا مِمّا هو داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِي، وإنَّما هو لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وعَصَيْتُمْ أمْرَهُ يَأْتِيكم بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، وفِيهِ كَما قِيلَ: ما لا يَخْفى مِن تَهْوِيلِ المَوْعُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإتْيانُ بِهِ أمْرٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ القُوى البَشَرِيَّةِ وإنَّما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى. وفِي الإتْيانِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ الجامِعِ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ التَّهْوِيلِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِمَصِيرَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عاجِزًا بِدَفْعِ العَذابِ أوِ الهَرَبِ مِنهُ، والباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلِاسْتِمْرارِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ والتَّأْكِيدِ ولَهُ نَظائِرُ.

هود 11:34

﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ النُّصْحُ تَحَرِّي قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وهو كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، وقِيلَ: هو إعْلامُ مَواقِعِ الغَيِّ لِيتَّقى ومَواضِعِ الرُّشْدِ لِيَقْتَفِيَ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُ لَهُ الوِدَّ أيْ أخْلَصْتُهُ صفحة 46 وناصِحُ العَسَلِ خالِصُهُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ الجِلْدَ خِطْتُهُ والنّاصِحُ الخَيّاطُ، والنِّصاحُ الخَيْطُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ (نَصْحِي) بِفَتْحِ النُّونِ وهو مَصْدَرٌ، وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ -عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ وأنْ يَكُونَ اسْمًا ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾ لَكم شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ ولَيْسَ جَوابًا لَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ عَلى الأصَحِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ إنْ أرَدْتُمْ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والجُمْلَةُ كُلُّها دَلِيلُ جَوابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وجَعَلُوا الآيَةَ مِن بابِ اعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ عَقِيلٍ أنَّهُ إذا تَوالى شَرْطانِ مَثَلًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي إنْ وعَدْتُكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فالجَوابُ لِلْأوَّلِ واسْتَغْنى بِهِ عَنْ جَوابِ الثّانِي وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ بِمَنزِلَةِ الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ في المِثالِ: إنْ جِئْتَنِي في حالِ وعْدِي لَكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، والصَّحِيحُ في المَسْألَةِ أنَّ الجَوابَ لِلْأوَّلِ وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابِهِ عَلَيْهِ، فَإذا قُلْتَ: إنْ دَخَلْتَ الدّارَ إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا إنْ جاءَ إلَيْكَ فَأنْتَ حُرٌّ، فَأنْتَ حُرٌّ جَوابُ إنْ دَخَلْتَ وهو وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ كَلَّمْتَ، وإنْ كَلَّمْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ جاءَ، والدَّلِيلُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ في المَعْنى، والجَوابُ مُتَأخِّرٌ فالشَّرْطُ الثّالِثُ مُقَدَّمٌ، وكَذا الثّانِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنْ جاءَ فَإنْ كَلَّمْتَ فَإنْ دَخَلْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَلا يُعْتَقُ إلّا إذا وقَعَ هَكَذا مَجِيءٌ، ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ دُخُولٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ الجَصّاصُ أنَّ فِيها خِلافًا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ولَيْسَ مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ فَقَطْ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إنَّ الجَوابَ لِلْأخِيرِ والشَّرْطُ الأخِيرُ وجَوابُهُ جَوابُ الثّانِي، والشَّرْطُ الثّانِي وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، وعَلى هَذا لا يُعْتَقُ حَتّى يُوجَدَ هَكَذا دُخُولٌ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ مَجِيءٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ العِتْقُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ وهَذا إذا كانَ التَّوالِي بِلا عاطِفٍ، فَإنْ عُطِفَ بِأوْ فالجَوابُ لِأحَدِهِما دُونَ تَعْيِينٍ نَحْوُ: إنْ جِئْتَنِي أوْ إنْ أكْرَمْتَ زَيْدًا أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وإنْ كانَ بِالواوِ فالجَوابُ لَهُما، وإنْ كانَ بِالفاءِ فالجَوابُ لِلثّانِي وهو وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، فَتَخْرُجُ الفاءُ عَنِ العَطْفِ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ في كَوْنِ الآيَةِ مِن ذَلِكَ البابِ نَظَرًا قالَ: إذْ لَمْ يَتَوالَ شَرْطانِ وبَعْدَهُما جَوابٌ كَما فِيما سَمِعْتَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وكَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَها كَرَمُ إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيها جَوابٌ وإنَّما تَقَدَّمَ عَلى الشَّرْطَيْنِ ما هو جَوابٌ في المَعْنى لِلْأوَّلِ فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ إلى جانِبِهِ ويَكُونُ الأصْلُ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الجَوابُ بَعْدَهُما ثُمَّ يُقَدَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا إلى جانِبِ الشَّرْطِ الأوَّلِ فَلا وجْهَ لَهُ، انْتَهى. وقَدْ أُلِّفَ في المَسْألَةِ رِسالَةٌ -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ- وأوْرَدَها في حاشِيَتِهِ عَلى المُغْنِي حَسَنَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُقَدَّرَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ، والكَثِيرُ في تَوالِي شَرْطَيْنِ بِدُونِ عاطِفٍ تَأخُّرُهُ سَماعًا فَيُقَدَّرُ كَذَلِكَ ويَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ. والكَلامُ عَلى ما تَقَدَّمَ مُتَضَمِّنٌ لِشَرْطَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أحَدُهُما جَوابٌ لِلْآخَرِ، وقَدْ جُعِلَ المُتَأخِّرُ في الذِّكْرِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى عَلى ما هو المَعْهُودُ في المَسْألَةِ، وهو عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى ما قِيلَ شَرْطِيَّةٌ واحِدَةٌ مُقَيَّدَةٌ حَيْثُ جُعِلَ لا يَنْفَعُكم دَلِيلَ الجَوابِ لِأنْ كانَ، وجُعِلَ إنْ أرَدْتُ قَيْدًا لِذَلِكَ نَظِيرَ إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي فَتَأمَّلْ، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارًا لِلْعَجْزِ عَنْ رَدِّهِمْ صفحة 47 عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ بِالحُجَجِ والبَيِّناتِ لِفَرْطِ تَمادِيهِمْ في العِنادِ وإيذانًا بِأنَّ ما سَبَقَ مِنهُ إنَّما كانَ بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ لَهم والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وأنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ وهِدايَتِهِمْ إلى سَبِيلِهِ المُسْتَبِينِ، ولَكِنْ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ عِنْدَ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ لِإغْوائِهِمْ وتَقْيِيدِ عَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ بِإرادَتِهِ مَعَ أنَّهُ مُحَقَّقٌ لا مَحالَةَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ النُّصْحَ مُقارَنٌ لِلْإرادَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ ولِتَحْقِيقِ المُقابَلَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ ما وقَعَ بِإزائِهِ مِن إرادَتِهِ تَعالى لِإغْوائِهِمْ، وإنَّما اقْتَصَرَ في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ إرادَةِ الإغْواءِ دُونَ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ إنْ كانَ اللَّهُ يُغْوِيكم مُبالَغَةً في بَيانِ غَلَبَةِ جَنابِهِ جَلَّ جَلالُهُ، حَيْثُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نُصْحَهُ المُقارَنَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا عِنْدَ مُجَرَّدِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى إغْواءَهُمْ، فَكَيْفَ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ وخَلْقِهِ فِيهِمْ، وزِيادَةُ (كانَ) لِلْإشْعارِ بِتَقَدُّمِ إرادَتِهِ تَعالى زَمانًا كَتَقَدُّمِهِ رُتْبَةً، ولِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِها واسْتِمْرارِها، وقَدَّمَ عَلى هَذا الكَلامِ ما يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ مَعَ ما فِيهِ مِنِ اتِّصالِ الجَوابِ بِالسُّؤالِ، قالَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ (إنْ أرَدْتُ) إنْ أُبْقِيَ عَلى الِاسْتِقْبالِ لا يُنافِي كَوْنَهُ نَصَحَهم في الزَّمَنِ الماضِي، وقِيلَ: إنَّهُ مُجاراةٌ لَهم لِاسْتِظْهارِ الحُجَّةِ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ ما فَعَلَهُ لَيْسَ بِنُصْحٍ إذْ لَوْ كانَ نُصْحًا قُبِلَ مِنهُ واللّامُ في (لَكُمْ) لَيْسَتْ لِلتَّقْوِيَةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ لِتَعَدِّي الفِعْلِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا ∗∗∗ رَسُولِي ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ رَسائِلِي لِما في الصِّحاحِ أنَّهُ بِاللّامِ أفْصَحُ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِالإغْواءِ، وأنَّ خِلافَ مُرادِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، وإلّا لَمْ تَصْدُقِ الشَّرْطِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى لُزُومِ الجَوابِ لِلشَّرْطِ، والمُعْتَزِلَةُ وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ مِنها واخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِها فَقِيلَ: إنَّ ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾ بِمَعْنى يُهْلِكُكم مِن غَوى الفَصِيلُ إذا بَشِمَ مِن كَثْرَةِ شُرْبِ اللَّبَنِ فَهَلَكَ، وقَدْ رَوى مَجِيءُ الغَوْيِ -بِمَعْنى الهَلاكِ- الفَرّاءُ وغَيْرُهُ وأنْكَرَهُ مَكِّيٌّ. وقِيلَ: إنَّ الإغْواءَ مَجازٌ عَنْ عُقُوبَتِهِ أيْ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ عُقُوبَةَ إغْوائِكُمُ الخَلْقَ وإضْلالِكم إيّاهم. وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ نُوحٍ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ إغْواءَهم فَأخْرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، أيْ إنَّ نُصْحِي لا يَنْفَعُكم إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: سَمّى تَرْكَ إلْجائِهِمْ تَخْلِيَتَهم وشَأْنَهم إغْواءً مَجازًا وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ أيْ ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم ونَفْيُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإغْواءِ، ويَكُونُ (لا يَنْفَعُكم نُصْحِي) إلَخْ إخْبارًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ المَعْرُوفِ في الِاسْتِعْمالِ وارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي ارْتِكابُ مِثْلِهِ في كَلامِ المَلِكِ المُتَعالِ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَرَضَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الشَّرْطِ ولا جَوازِهِ فَلا يَتِمُّ ولا يُحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ ولا إلى القالِ والقِيلِ، ودُفِعَ بِأنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنْهُ لِعَدَمِ الفائِدَةِ في مُجَرَّدِ فَرْضِ ذَلِكَ فَإنْ أرادُوا إرْجاعَهُ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ فَإمّا أنْ يُسْتَثْنى عَيْنُ المُقَدَّمِ فَهو المَطْلُوبُ أوْ نَقِيضُ التّالِي فَخِلافُ الواقِعِ لِعَدَمِ حُصُولِ النَّفْعِ. وبِالجُمْلَةِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ جِدًّا فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ خالِقُكم ومالِكُ أمْرِكم ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أفْعالِكم لا مَحالَةَ.

هود 11:35

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ بَلْ أيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ أنَّ نُوحًا افْتَرى ما جاءَ بِهِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (قُلْ) يا نُوحُ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ بِالفَرْضِ البَحْتِ صفحة 48 ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ أيْ وبالُهُ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، وفُسِّرَ الإجْرامُ بِكَسْبِ الذَّنْبِ وهو مَصْدَرُ أجْرَمَ، وجاءَ عَلى قِلَّةِ جُرْمٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ كَما قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ جُرْمٍ، واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الشَّرْطِيَّةَ بِأنَّ الِافْتِراءَ المَفْرُوضَ هُنا ماضٍ والشَّرْطُ يَخْلُصُ لِلِاسْتِقالِ بِإجْماعِ أئِمَّةَ العَرَبِيَّةِ، وأجابَ أنَّ المُرادَ -كَما قالَ ابْنُ السِّراجِ- إنْ ثَبَتَ أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، قِيلَ: والأصْلُ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عُقُوبَةُ افْتِرائِي ولَكِنَّهُ فَرْضٌ مُحالٌ وأنا بَرِيءٌ مِنِ افْتِرائِكم أيْ نِسْبَتِكم إيّايَ إلى الِافْتِراءِ، وعَدَلَ عَنْهُ إدْماجًا لِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، وأنَّ المَسْألَةَ مَعْكُوسَةٌ، وحُمِلَتْ (ما) عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِما في المَوْصُولِيَّةِ مِن تَكَلُّفِ حَذْفِ العائِدِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ﴿إجْرامِي﴾ فِيما قَبْلُ، وما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي شَأْنِهِ هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أيْ بَلْ أيَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ افْتَرى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرَ نُوحٍ قِيلَ: وكَأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ عِنْدَ سُوقِ طَرَفٍ مِنها تَحْقِيقًا لِحَقِيقَتِها وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِها وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِها لا سِيَّما وقَدْ قَصَّ مِنها طائِفَةً مُتَعَلِّقَةً بِما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المَحاجَّةِ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ بَعِيدٌ وإنْ وُجِّهَ بِما وُجِّهَ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ كَوْنَها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أظْهَرَ وأنْسَبَ مِن كَوْنِها مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ دَلالَةً عَلى كَمالِ العِنادِ وأنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِالقِصَّةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المُعْجِزِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى افْتِراءٍ فَجاءَ زِيادَةَ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمَعَ هَذا البَيانِ أيْضًا يَقُولُونَ ( افْتَراهُ ) وهو نَظِيرُ اعْتِراضِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ بَيَّنَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، انْتَهى، ولا أُراهُ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ.

هود 11:36

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ إقْناطٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإعْلامٌ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يُتَوَقَّعُ إيمانُهُ. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَضْرِبُ ثُمَّ يَلُفُّ في لُبَدٍ فَيَلْقى في بَيْتِهِ يَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ ماتَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهُمْ، واتُّفِقَ أنْ جاءَهُ رَجُلٌ ومَعَهُ ابْنُهُ وهو يَتَوَكَّأُ عَلى عَصًا فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ هَذا الشَّيْخَ لا يَغُرَّنَّكَ، قالَ: يا أبَتِ أمْكِنِّي مِنَ العَصا فَأخَذَ العَصا ثُمَّ قالَ: ضَعْنِي عَلى الأرْضِ فَوَضَعَهُ فَمَشى إلَيْهِ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً في رَأْسِهِ وسالَتِ الدِّماءُ فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ قَدْ تَرى ما يَفْعَلُ بِي عِبادُكَ فَإنْ يَكُ لَكَ في عِبادِكَ حاجَةٌ فاهْدِهِمْ، وإنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَصَبِّرْنِي إلى أنْ تَحْكُمَ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وآيَسَهُ مِن إيمانِ قَوْمِهِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في أصْلابِ الرِّجالِ ولا في أرْحامِ النِّساءِ مُؤْمِنٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ( يا نُوح إنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ) إلَخْ، والمُرادُ بِمَن آمَنَ قِيلَ: مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ ولِلدَّوامِ حُكْمُ الحُدُوثِ ولِذا لَوْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ هَذا الثَّوْبَ وهو لابِسُهُ فَلَمْ يَنْزَعْهُ في الحالِ حَنِثَ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا مَن قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْإيمانِ وتُوُقِّعَ مِنهُ ولا يُرادُ ظاهِرُهُ وإلّا كانَ المَعْنى إلّا مَن آمَنَ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ صفحة 49 يَقْتَضِي أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو يُنافِي تَقْنِيطِهِ مِن إيمانِهِمْ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو الظّاهِرُ والِاسْتِثْناءُ عَلى حَدِّ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَيُفِيدُ الكَلامُ الإقْناطَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ أيْ لَنْ يُحْدِثَ مِن قَوْمِكَ إيمانًا ويُحَصِّلَهُ بَعْدُ إلّا مَن قَدْ أحْدَثَهُ وحَصَّلَهُ قَبْلُ، وذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ وإحْداثِ المُحُدِثِ، فَإحْداثُ الإيمانِ وتَحْصِيلُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لَوْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وأنَّ المَعْنى لا يُؤْمِنُ أحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ هَؤُلاءِ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ أبُو البَرْهَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وأنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ وعَلى إجْراءِ (أوْحى) مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ التَّكْلِيفَ بِما لا يُطاقُ. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَزِمِ البُؤْسَ ولا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ والإيذاءِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهُمْ

هود 11:37

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ( فَلا تَبْتَئِسْ) والأمْرُ قِيلَ: لِلْوُجُوبِ إذْ لا سَبِيلَ إلى صِيانَةِ الرُّوحِ مِنَ الغَرَقِ إلّا بِهِ فَيَجِبُ كَوُجُوبِها وقِيلَ: لِلْإباحَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وألْ في (الفُلْكِ) إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ بِناءً عَلى أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُهْلِكُهم بِالغَرَقِ ويُنْجِيهِ ومَن مَعَهُ بِشَيْءٍ يَصْنَعُهُ بِأمْرِهِ تَعالى مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ واسْمُهُ كَذا، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، والأعْيُنُ حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ وهي جارِيَةٌ مَجْرى التَّمْثِيلِ كَأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أعْيُنًا تَكْلَؤُهُ مِن تَعَدِّي الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ، والجَمْعُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ لِإضافَتِهِ عَلى ما قِيلَ: مَعْنى القِلَّةِ وأُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وحِينَئِذٍ يُقَوِّي أمْرَ المُبالِغَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأعْيُنَ بِمَعْنى الرُّقَباءِ وأنَّ في ذَلِكَ ما هو مِن أبْلَغِ أنْواعِ التَّجْرِيدِ وذَلِكَ أنَّهم يَنْتَزِعُونَ مِن نَفْسِ الشَّيْءِ آخَرَ مِثْلَهُ في صِفَتِهِ مُبالَغَةً بِكَمالِها كَما أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: أفاتَ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حَكَمٌ عَدْلُ وقَدْ جُرِّدَ هَهُنا مِن ذاتِ المُهَيْمِنِ جَماعَةُ الرُّقَباءِ وهو سُبْحانَهُ الرَّقِيبُ نَفْسُهُ وقِيلَ: إنَّ مُلابَسَةَ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ الحِفْظِ ومُلابَسَةُ الأعْيُنِ لِمَكانِ الجَمْعِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الحِفْظِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ بَسْطُ اليَدِ وبَسْطُ اليَدَيْنِ، فَإنَّ الأوَّلَ كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ والثّانِي عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحِفْظَ الكامِلَ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِما أنَّ الحِفْظَ مِن لَوازِمِ الجارِحَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن أعْيُنِنا مَلائِكَتُنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكَ والجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى حَقِيقَتِهِ لا لِلْمُبالَغَةِ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: ما وصَفَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَقِراءَتُهُ تَفْسِيرَهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُفَسِّرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ولا بِالفارِسِيَّةِ، وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَأعْيُنّا بِالإدْغامِ ووَحْيِنا إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها وتَعْلِيمِنا. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ رَأْسَها كَرَأْسِ الدِّيكِ وجُؤْجُؤَها كَجُؤْجُؤِ الطَّيْرِ وذَنَبَها كَذَنَبِ الدِّيكِ، واجْعَلْ لَها أبْوابًا في جَنْبِها وشُدَّها بِدُسُرٍ، وأمَرَهُ أنْ يَطْلِيَها بِالقارِ ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قارٌ فَفَجَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَيْنَ القارِ حَيْثُ يَنْحِتُها يَغْلِي غَلَيانًا حَتّى طَلاها الخَبَرُ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَّمَهُ صَنْعَتَها، وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تُعَلِّمُهُ صفحة 50 ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تُراجِعُنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ فِيما لَوْ قِيلَ: ولا تَدْعُنِي فِيهِمْ، وحَيْثُ كانَ فِيهِ ما يَلُوحُ بِما يَسْتَتْبِعُهُ أكَّدَ التَّعْلِيلَ فَقِيلَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وقَدْ جَرى بِهِ القَضاءُ وجَفَّ القَلَمُ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ واعِلَّةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ،

هود 11:38

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وأخَذَ أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ مِن خَشَبِ السّاجِ وقَدْ غَرَسَهُ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى صارَ طُولُهُ أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ والذِّراعُ إلى المَنكِبِ في أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الفَرّاسِيِّ، وقِيلَ: أبْقاهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَكَثَ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبَسُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ الحَرْثِ: لَمْ يَغْرِسْهُ بَلْ قَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ وقَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الصَّنَوْبَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ سامٌ وحامٌ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ أيْضًا أُناسٌ اسْتَأْجَرَهم يَنْحِتُونَ وذُكِرَ أنَّ طُولَها ثَلَثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا وارْتِفاعُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ وصَنَعَ لَها بابًا في وسَطِها وأتَمَّ صُنْعَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في ثَلاثِ سِنِينَ. وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ في أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ: في سِتِّينَ، وقِيلَ: في مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ في أيِّ مَوْضِعٍ صَنَعَها، فَقِيلَ: في الكُوفَةِ، وقِيلَ: في الهِنْدِ، وقِيلَ: في أرْضِ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: في أرْضِ الشّامِ، وسَفِينَةُ الأخْبارِ في تَحْقِيقِ الحالِ فِيما أرى لا تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِيها إذْ هي غَيْرُ سالِمَةٍ عَنْ عَيْبٍ، فالحَرِيُّ بِحالِ مَن لا يَمِيلُ إلى الفُضُولِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَعَ الفُلْكَ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ولا يَخُوضُ في مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها وارْتِفاعِها ومِن أيِّ خَشَبٍ صَنَعَها وبِكم مُدَّةٍ أتَمَّ عَمَلَها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَشْرَحْهُ الكِتابُ ولَمْ تُبَيِّنْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، هَذا في التَّعْبِيرِ بِيَصْنَعُ عَلى ما قِيلَ: مُلاءَمَةً لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيِ اسْتَهْزَأُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، ويَشْهَدُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اصْنَعِ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ وما الفُلْكُ؟ قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ، قالَ: يا رَبِّ: وأيْنَ الماءُ؟ قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، وإمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الماءِ وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كانَ نُوحُ قَدْ مَكَثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم حَتّى كانَ آخِرَ زَمانِهِ غَرَسَ شَجَرَةً فَعَظُمَتْ وذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَها ثُمَّ جَعَلَ يَعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَرَوْنَهُ ويَسْألُونَهُ فَيَقُولُ: أعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِينَةً في البَرِّ، وكَيْفَ تَجْرِي؟ فَيَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ» الحَدِيثَ، والأكْثَرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ إذْ ذاكَ، وقَدْ ذَكَرَ في كُتُبِ صفحة 51 الأوَّلِيّاتِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن عَمِلَ السَّفِينَةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ، و–كُلَّ- مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ أيْ كُلَّ وقْتِ مُرُورٍ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُهُ وهو سَخِرُوا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ؟ فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا لِهَذا العَمَلِ ومُباشَرَةِ أسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ومِن الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سُخْطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها سُخْرِيَّتُكم مِنّا واسْتِهْزاؤُكم بِنا وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً وعَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُشاكَلَةِ؛ لِأنَّها لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالِاسْتِجْهالِ وهو مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلسُّخْرِيَةِ، فَأُطْلِقَتِ السُّخْرِيَةُ وأُرِيدَ سَبَبُها. وقِيلَ: إنَّها مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما كانَتْ لِجَزائِهِمْ مِن جِنْسِ صَنِيعِهِمْ لَمْ تُقَبَّحْ فَلا حاجَةَ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ وجَمْعُ الضَّمِيرِ في مِنّا إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، وإمّا في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَأٍ بَعْدَ مَلَأٍ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ الظّاهِرُ، ولا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِحَدِيثِ الجَزاءِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى جَوازِ مُقابَلَةِ نَحْوِ الجاهِلِ والأحْمَقِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى﴾، ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾، ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ واقِعٌ في الحالِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا عِنْدَ الغَرَقِ وفي الآخِرَةِ عِنْدَ الحَرَقِ. قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّ المُرادَ مِن نَسْخَرُ مِنكم عَلى هَذا نُجازِيكم عَلى سُخْرِيَتِكم أوْ نَشْمَتُ بِكم عِنْدَ غَرَقِكم وحَرَقِكُمْ، وفِيهِ خَفاءُ هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عامِلُ كُلَّما قالَ وهو الجَوابُ، وجُمْلَةُ سَخِرُوا صِفَةٌ لِمَلَأٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ مُرُورَهم لِلسُّخْرِيَةِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ السُّخْرِيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى المُرُورِ ولا نَوْعًا مِنهُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ ذَلِكَ مُبْعِدًا لِلْبَدَلِيَّةِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَّجْوِيزِ اسْتِمْرارُ هَذا القَوْلِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ، وعَلى الإعْرابِ قِيلَ: لا اسْتِمْرارَ وإنَّما أجابَهم بِهِ في بَعْضِ المَرّاتِ، ورَجَّحَ بِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَناهِيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحَمُّلِهِ لِأذِيَّتِهِمْ لا مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الجَوابِ (كُلَّما) وقَعَ مِنهم ما يُؤْذِيهِ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ لَمْ يُبالِ بِإغْضابِهِمْ ولِذا هَدَّدَهُمُ التَّهْدِيدَ البَلِيغَ بِقَوْلِهِ:

هود 11:39

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ يَفْضَحُهُ أوْ يُذِلُّهُ أوْ يُهْلِكُهُ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ العَذابِ الغَرَقُ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ و(مَن) عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِلْعِلْمِ وهو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ العِلْمُ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ. صفحة 52 وقِيلَ: إنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ أوِ المَفْعُولَيْنِ، قِيلَ: ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في عَمَلِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يَعُدُّونَهُ عَذابًا قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ ( فَسَوْفَ ) إلَخْ يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مَن يُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ انْتَهى، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ السُّخْرِيَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِجْهالِ. ولَعَلَّهُ يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِها عَلى ظاهِرِها أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ فافْهَمْ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وفِيهِ مِنَ المَجازِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ غايَةُ الجَزالَةِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ يَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ.

هود 11:40

﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ غايَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَصْنَعُ الفُلْكَ) و(حَتّى) إمّا جارَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وإمّا ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وحالُ ما وقَعَ في البَيْنِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأمْرُ إمّا واحِدُ الأوامِرِ بِرُكُوبِ السَّفِينَةِ أوْ بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أوْ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالتَّصَرُّفِ فِيما يُرادُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإمّا واحِدُ الأُمُورِ وهو الشَّأْنُ، أعْنِي نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ نَبَعَ مِنهُ الماءُ وارْتَفَعَ بِشِدَّةٍ كَما تَفُورُ القِدْرُ بِغَلَيانِها وفِيهِ مِن الِاسْتِعارَةِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ التَّنُّورِ تَنُّورُ الخُبْزِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكانَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ تَنُّورًا لِحَوّاءَ تَخْبِزُ فِيهِ ثُمَّ صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: هو تَنُّورٌ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: تَنُّورٌ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِعَيْنِ ورْدَةٍ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ العُمَرِيَّةِ أوْ مِن أرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَنُّورًا مُعَيَّنًا بَلِ الجِنْسُ، والمُرادُ فارَ الماءُ مِنَ التَّنانِيرِ وفي ذَلِكَ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ما لا يَخْفى، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ إذْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّفْجِيرُ غَيْرَ الفَوَرانِ فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ، أوْ يُرادُ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ ووَزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ وأصْلُهُ تَنُوُورٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً لِانْضِمامِها ثُمَّ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا ثُمَّ شُدِّدَتِ النُّونُ عِوَضًا عَمّا حُذِفَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ ثَعْلَبٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وزْنُهُ فَعُّولٌ، وقِيلَ: عَلى هَذا أنَّهُ أعْجَمِيٌّ ولا اشْتِقاقَ لَهُ ومادَّتُهُ تَنَرَ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ نُونٌ قَبْلَ راءٍ ونَرْجِسُ مُعَرَّبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ والعَجَمِ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ هُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ مِنها أيْ أعْلاهُ وأرْفَعُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في اللُّغَةِ العَجَمِيَّةِ بِهَذِهِ المَعانِي الأخِيرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فَوَرانُ التَّنُّورِ عَنْ ظُهُورِ العَذابِ وشِدَّةِ الهَوْلِ، وهَذا كَما جاءَ في الخَبَرِ حَمِيَ الوَطِيسُ مَجازًا عَنْ شِدَّةِ الحَرْبِ، ولَيْسَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ في المَعْنى، وهو مَعْنًى حَسَنٌ بَعِيدٌ عَمّا جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ، ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ في الفُلْكِ وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ جَوابُ إذا ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيٍّ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ يَنْتَفِعُ بِهِ الَّذِينَ يَنْجُونَ مِنَ الغَرَقِ وذَرارِيُّهم بَعْدُ ولَمْ تَكُنِ العادَةُ جارِيَةً بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى صفحة 53 والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ –بِاحْمِلْ- أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ وهو تَثْنِيَةُ زَوْجٍ، والمُرادُ بِهِ الواحِدُ المُزْدَوَجُ بِآخَرَ مِن جِنْسِهِ فالذَّكَرُ زَوْجٌ لِلْأُنْثى كَما هي زَوْجٌ لَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما، ولَيْسَ بِمُرادٍ وإلّا لَزِمَ أنْ يَحْمِلَ مِن كُلِّ صِنْفٍ أرْبَعَةً ولِئَلّا يُرادَ ذَلِكَ وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (اثْنَيْنِ) وحاصِلُ المَعْنى احْمِلْ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ، وقَرَأ الأكْثَرُونَ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ بِالإضافَةِ، فاثْنَيْنِ عَلى هَذا مَفْعُولُ احْمِلْ و﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ حالٌ مِنهُ ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ أيِ احْمِلِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أيْ صِنْفٍ ذَكَرٍ وصِنْفٍ أُنْثى، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ وما بَعْدَها مَفْعُولُ احْمِلْ و(اثْنَيْنِ) نَعْتٌ لِزَوْجَيْنِ بِناءً عَلى جَوازِ زِيادَةِ (مِن) في المُوجَبِ ثُمَّ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ العُمُومِ هو الَّذِي مالَ إلَيْهِ البَعْضُ وأدْرَجَ فِيهِ أُناسٌ الهَوامَّ والطَّيْرَ، وذُكِرَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ لِلسَّفِينَةِ ثَلاثَةَ بُطُونٍ وحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في البَطْنِ الأعْلى مَعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَعَلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وكانَ حَمْلُهُ بِوَصِيَّةٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوارَثَها ولَدُهُ حَتّى وصَلَتْ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُعارِضُ هَذا التَّقْسِيمَ ما رُوِيَ أنَّ الطَّبَقَةَ السُّفْلى لِلْوَحْشِ والوُسْطى لِلطَّعامِ والعُلْيا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِمَن آمَنَ، وتَوَسَّعَ بَعْضُهم في العُمُومِ فَأدْرَجَ فِيهِ ما لَيْسَ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا «أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ مِن جَمِيعِ الشَّجَرِ،» وبِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: أُمِرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فَحَمَلَ مِنَ التَّمْرِ العَجْوَةَ واللَّوْنَ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نازَعَهُ الشَّيْطانُ في عُودِ الكَرْمِ فَقالَ: هَذا لِي، وقالَ نُوحٌ: هو لِي فاصْطَلَحا عَلى أنَّ لِنُوحٍ ثُلُثَها ولِلشَّيْطانِ ثُلُثَيْها ولا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ عِنْدَ التَّنْقِيرِ ومِمّا يَحْمِلُ مَعَها في سَفِينَةٍ ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: تَأذّى أهْلُ السَّفِينَةِ بِالفَأْرِ فَعَطَسَ الأسَدُ فَخَرَجَ مِن مِنخَرَيْهِ سِنَّوْرانِ ذَكَرٌ وأُنْثى، فَأكَلا الفَأْرَ إلّا ما أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْقى مِنهُ، وتَأذَّوْا بِأذى أهْلِ السَّفِينَةِ فَعَطَسَ الفِيلُ فَخَرَجَ مِن مِنخَرَيْهِ خِنْزِيرانِ ذِكْرٌ وأُنْثى فَأكَلا أذى أهْلِ السَّفِينَةِ، وفي رِوايَةِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ شَكا إلى اللَّهِ تَعالى قَرْضَ الفَأْرِ حِبالَ السَّفِينَةِ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَمَسَحَ جَبْهَةَ الأسَدِ فَخَرَجَ سِنَّوْرانِ، وشَكا عَذْرَةً في السَّفِينَةِ فَأوْحى إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الفِيلِ فَخَرَجَ خِنْزِيرانِ فَأكَلا العَذْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا «أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ شَكَوُا الفَأْرَةَ فَقالُوا: الفُوَيْسِقَةُ تُفْسِدُ عَلَيْنا طَعامَنا ومَتاعَنا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الأسَدِ فَعَطَسَ فَخَرَجَتِ الهِرَّةُ مِنهُ فَتَخَبَّأتِ الفَأْرَةُ مِنها،» ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ بَحْثُ الخِنْزِيرِ، ويَفْهَمْ مِنها عَلى ما فِيها أنَّ الهِرَّةَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الحَمْلِ، ومِنَ الأوَّلِينَ أنَّها والخِنْزِيرَ لَمْ يَكُونا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُخالِفُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَمْلِ قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِالأسَدِ والبَقَرَةِ؟ وكَيْفَ أصْنَعُ بِالعَناقِ والذِّئْبِ؟ وكَيْفَ أصْنَعُ بِالحَمامِ، والهِرِّ؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: مَن ألْقى بَيْنَهُما العَداوَةَ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَإنِّي أُؤَلِّفُ بَيْنَهم حَتّى لا يَتَضارُّوا، ولا يَخْفى ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ التَّقْسِيمِ الأوَّلِ أيْضًا، وجاءَ في شَأْنِ الأسَدِ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ: فَفي رِوايَةٍ أنَّ أصْحابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: كَيْفَ نَطْمَئِنُّ ومَعَنا الأسَدُ؟ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الحُمّى، وكانَتْ أوَّلَ حُمّى نَزَلَتِ الأرْضَ صفحة 54 وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يُؤْذِيهِمْ في السَّفِينَةِ فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى لِيَشْتَغِلَ بِنَفْسِهِ، وفي أُخْرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ بِالأسَدِ والفِيلِ؟ فَقالَ لَهُ سُبْحانَهُ: سَأُلْقِي عَلَيْهِما الحُمّى وهي ثَقِيلَةٌ، وفي أُخْرى عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَحْمِلَ الأسَدَ حَتّى أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى فَحَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ، ولا يَخْفى أنَّها دَلالَةُ بَعْضِها عَلى أنَّ إلْقاءَ الحُمّى قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْضِها عَلى أنَّهُ بَعْدَهُ، وكانَ يُغْنِي عَنْ إلْقائِها بَعْدُ دَفْعًا لِإذاءِ التَّأْلِيفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإنْسانِ كَما ألَّفَ بَيْنَ ما مَرَّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، ولَعَلَّ لِدَفْعِ الأذى بِالحُمّى دُونَ التَّأْلِيفِ إنْ صَحَّ ذَلِكَ حِكْمَةً لَكِنَّها غَيْرُ ظاهِرَةٍ لَنا، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كانَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ مِنَ الجِنِّ ما كانَ، وفي بَعْضِها أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ أيْضًا. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الحِمارَ السَّفِينَةَ أخَذَ نُوحٌ بِأُذُنَيِ الحِمارِ، وأخَذَ إبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَجَعَلَ نُوحٌ يَجْذِبُهُ وجَعَلَ إبْلِيسُ يَجْذِبُهُ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلْ شَيْطانُ فَدَخَلَ الحِمارُ ودَخَلَ إبْلِيسُ مَعَهُ، فَلَمّا سارَتِ السَّفِينَةُ جَلَسَ في ذَنَبِها يَتَغَنّى فَقالَ لَهُ نُوحٌ: ويْلَكَ مَن أذِنَ لَكَ؟ قالَ: أنْتَ، قالَ: مَتى؟ قالَ: إذْ قُلْتَ لِلْحِمارِ: ادْخُلْ شَيْطانُ فَدَخَلْتُ بِإذْنٍ مِنكَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلْحِمارِ: ويْحَكَ ادْخُلْ وإنْ كانَ الشَّيْطانُ مَعَكَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى لِسانٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ اللَّعِينَ جاءَ لِيَرْكَبَ السَّفِينَةَ فَدَفَعَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا نُوحُ إنِّي مَنظُورٌ ولا سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ، فَعَرَفَ أنَّهُ صادِقٌ فَأمَرَهُ أنْ يَجْلِسَ عَلى خَيْزُرانِ السَّفِينَةِ وهو بِظاهِرِهِ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ جُمِعَتِ الحَيَواناتُ عَلى تَفَرُّقِها في أكْنافِ الأرْضِ، فَقِيلَ: إنَّها أحَسَّتْ بِالعَذابِ فاجْتَمَعَتْ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ رِيحًا فَحَمَلَ إلَيْهِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ والوَحْشِ والبَهائِمِ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَشَرَها فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلى الزَّوْجَيْنِ فَتَقَعُ يَدُهُ اليُمْنى عَلى الذَّكَرِ واليُسْرى عَلى الأُنْثى فَيُدْخِلُهُما السَّفِينَةَ حَتّى أدْخَلَ عِدَّةَ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ورَوى إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الماعِزَةُ فَدَفَعَها في ذَنَبِها فَمِن ثَمَّ انْكَسَرَ وبَدا حَياها ومَضَتِ النَّعْجَةُ حَتّى دَخَلَتْ فَمَسَحَ عَلى ذَنَبِها فَسَتَرَ حَياها. وفِي كُتُبِ الأخْبارِ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآثارِ الَّتِي يَقْتَضِي مِنها العَجَبُ، وأنا لا أعْتَقِدُ سِوى أنَّ اللَّهَ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ خَلَقَ الماعِزَةَ والنَّعْجَةَ مِن قَبْلُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ اليَوْمَ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقِ الهِرَّةَ مِنَ الأسَدِ وإنْ أشْبَهَتْهُ صُورَةً، ولا الخِنْزِيرَ مِنَ الفِيلِ وإنْ كانَ بَيْنَهُما شَبَهٌ ما كَما شاهَدْناهُ عامَ مَجِيءِ الفِيلِ إلى بَغْدادَ، ولَوْ كَلَّفَ الفِيلَ أكْلَ العُذْرَةِ لَكانَ أحَبَّ إلى أهْلِ السَّفِينَةِ مِن زِيادَةِ خِنْزِيرٍ فِيها، وأحَبُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيْهِمْ أنْ لا يَكُونَ في السَّفِينَةِ غَيْرُهم أوْ يَكُونَ حَيَوانٌ واحِدٌ يُخْلَقُ لَهم مِن عُطاسِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِنَ الحَيَواناتِ ويَحْتاجُونَ إلَيْهِ بَعْدُ. والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَكُنْ عامًا كَما قالَ بِهِ البَعْضُ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ بِحَمْلِ ما جَرَتِ العادَةُ بِتَكَوُّنِهِ مِن عُفُونَةِ الأرْضِ كالفَأْرِ والحَشَراتِ بَلْ أُمِرَ بِحَمْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا نَجا ومَن مَعَهُ مِنَ الغَرَقِ لِئَلّا يَغْتَنِمُوا لِفَقْدِهِ ويَتَكَلَّفُوا مَشَقَّةَ جَلْبِهِ مِنَ الأصْقاعِ الَّتِي لَمْ يَصِلْها الغَرَقُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ ما تَحْتاجُونَهُ إذا نَجَوْتُمْ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وإنْ قُلْنا بِعُمُومِ الغَرَقِ نَقُولُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُكَلَّفْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ المُتَكَوِّناتِ مِنَ العُفُونَةِ بَلْ كُلِّفَ بِالحَمْلِ مِمّا يَتَناسَلُ مِنَ الحَيَواناتِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ النَّوْعِ، وكانَتِ السَّفِينَةُ بِحَيْثُ صفحة 55 تَسَعُ ذَلِكَ عادَةً أوْ مُعْجِزَةُ وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أجَلُّ مِن أنْ تَضِيقَ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ قِيلَ بِالعُمُومِ عَلى وجْهٍ يَبْقى مَعَهُ بَعْضُ الجِبالِ جازَ أنْ يُقالَ: عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا مِمّا لا مَهْرَبَ لَهُ ويَضُرُّ فَقْدُهُ بِجَماعَتِهِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ العُمُومَ عَلى إطْلاقِهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ في السَّفِينَةِ إلّا ما تَتَّسِعُ لَهُ عادَةً مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ لِئَلّا يَضِيقَ أصْحابُهُ ذَرْعًا بِفَقْدِهِ بِالكُلِّيَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ وغَرِقَ ما عَدا ذَلِكَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ خَلَقَ نَظِيرَ ما غَرِقَ بَعْدُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدْعًا مِمَّنْ أمْرُهُ بَيْنَ الكافِ والنُّونِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ. هَذا وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ قِيلَ: لِكَوْنِهِ عَرِيقًا بِالحَمْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَمْيِيزِ بَعْضٍ عَنْ بَعْضٍ وتَعْيِينِ الأزْواجِ، وأمّا البَشَرُ فَإنَّما يَدْخُلُ الفُلْكَ بِاخْتِيارِهِ فَيَخِفُّ فِيهِ مَعْنى الحَمْلِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُحْمَلُ بِمُباشَرَةِ البَشَرِ وهم إنَّما يَدْخُلُونَها بَعْدَ حَمْلِهِمْ إيّاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ حِفْظًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ الِانْتِشارِ وأيّامّا كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (وأهْلَكَ) عُطِفَ عَلى زَوْجَيْنِ أوْ عَلى اثْنَيْنِ، والمُرادُ بِأهْلِهِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ امْرَأتُهُ المُسْلِمَةُ وبَنُوهُ مِنها وهم سامٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أبُو العَرَبِ وأصْلُهُ عَلى ما قالَ البَكْرِيُّ: بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، وحامٌ وهو أبُو السُّودانِ، قِيلَ: إنَّهُ أصابَ زَوْجَتَهُ في السَّفِينَةِ فَدَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تُغَيَّرَ نُطْفَتُهُ فَغُيِّرَتْ. وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي صالِحٍ، ويافِثُ كَصاحِبٍ وهو أبُو التُّرْكِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وزَوْجَةُ كُلٍّ مِنهم إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ لِظُلْمِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةَ، والمُرادُ زَوْجَةٌ لَهُ أُخْرى تُسَمّى واعِلَةَ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وفي رِوايَةٍ والِقَةَ وابْنُهُ مِنها كَنْعانُ وكانَ اسْمُهُ فِيما قِيلَ: يامُ وهَذا لَقَبُهُ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وكانا كافِرَيْنِ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَحِلُّ لَهم نِكاحُ الكافِرَةِ بِخِلافِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ﴾ الآيَةَ، والِاسْتِثْناءُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا إنْ أُرِيدَ بِالأهْلِ الأهْلُ إيمانًا، وأنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الأهْلُ قَرابَةً، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المَعْلُومِيَّةُ عِنْدَ المُراجَعَةِ إلى أحْوالِهِمْ والتَّفَحُّصِ عَنْ أعْمالِهِمْ، وجِيءَ بِعَلى لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا لَهم كَما جِيءَ بِاللّامِ فِيما هو نافِعٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾، ﴿ومَن آمَنَ﴾ عُطِفَ عَلى الأهْلِ أيْ والمُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وإفْرادُ أُولَئِكَ مِنهم لِلِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ وإيثارِ صِيغَةِ الإفْرادِ في آمَنِ مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مَن) لِلْإيذانِ بِالقِلَّةِ كَما أفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ . قِيلَ: كانُوا سَبْعَةً زَوْجَتُهُ وأبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وكَنائِنُهُ الثَّلاثُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، والحَكَمِ بْنِ عُقْبَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، ويَرُدُّهُ عَطْفُ ﴿ومَن آمَنَ﴾ عَلى الأهْلِ إلّا أنْ يَكُونَ الأهْلُ بِمَعْنى الزَّوْجَةِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِهَذا المَعْنى، لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ مُنْقَطِعٌ أيْضًا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم كانُوا عَشَرَةً؛ خَمْسَةَ رِجالٍ وخَمْسَ نِسْوَةٍ، وعَنْهُ أنَّهم كانُوا مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِشْرِينَ نِصْفُهم رِجالٌ ونِصْفُهُمُ الآخَرُ نِساؤُهُمْ، وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ، وقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: وقِيلَ والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أنَّهم كانُوا تِسْعَةً وسَبْعِينَ؛ زَوْجَتُهُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ ونِساؤُهم واثْنانِ وسَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأةٌ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي شِيثَ، واعْتِبارُ المَعِيَّةِ في الإيمانِ لِلْإيماءِ إلى المَعِيَّةِ في مَقَرِّ الإيمانِ والنَّجاةِ. (وقالَ) أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صفحة 56 وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المُناسِبُ إنَّ رَبَّكم إلَخْ.. ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إدْخالِ ما أُمِرَ بِحَمْلِهِ في الفُلْكِ مِنَ الأزْواجِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَ الأزْواجَ حَسْبَما أُمِرَ أوْ أدْخَلَها في الفُلْكِ.

هود 11:41

وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ أيْ صِيرُوا فِيها، وجَعَلَ ذَلِكَ رُكُوبًا لِأنَّها في الماءِ كالمَرْكُوبِ في الأرْضِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ تَشْبِيهِ الصَّيْرُورَةِ فِيها بِالرُّكُوبِ، وقِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ والتَّعْدِيَةُ بِفي لِاعْتِبارِ الصَّيْرُورَةِ، وإلّا فالفِعْلُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، وقِيلَ: التَّعْدِيَةُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ضَمِنَ مَعْنى ادْخُلُوا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها، وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ مُتَحَرِّكٍ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، واسْتِعْمالُهُ بِفي لَيْسَ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ كَوْنُهم في جَوْفِها لا فَوْقَها كَما ظَنَّ، فَإنَّ أظْهَرَ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في الأعْلى بَلْ لِرِعايَةِ جانِبِ المَحَلِّيَّةِ والمَكانِيَّةِ في الفُلْكِ. والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَعْنى الرُّكُوبِ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ إمّا إرادِيَّةٌ كالحَيَوانِ أوْ قَسْرِيَّةٌ كالسَّفِينَةِ والعَجَلَةِ ونَحْوِهِما، فَإذا اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ تَوَفَّرَ لَهُ حَظُّ الأصْلِ فَيُقالُ: رَكِبْتُ الفَرَسَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ وإنِ اسْتُعْمِلَ في الثّانِي يَلُوحُ بِمَحَلِّيَّةِ المَفْعُولِ بِكَلِمَةِ في فَيُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ وعَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ و﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الرُّكُوبَ هَهُنا حَقِيقِيٌّ وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ بِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الرُّكُوبُ في الأصْلِ كَوْنُ الإنْسانِ عَلى ظَهْرِ حَيَوانٍ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في السَّفِينَةِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما صَرَّحَ بِهِ البَعْضُ (بِسْمِ اللَّهِ) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ارْكَبُوا﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ولِما كانَتْ مُلابَسَةُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ بِذِكْرِهِ قالُوا: المَعْنى ارْكَبُوا مُسَمِّينَ اللَّهَ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الحالُ مَحْذُوفَةً وهَذا مَعْمُولٌ لَها سادٌّ مَسَدَّها ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ حالًا، والأصْلُ ارْكَبُوا قائِلِينَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها عَلى أنَّهُما اسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ مِيمِيّانِ بِمَعْنى الإجْراءِ والإرْساءِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو وقْتُ كَما في قَوْلِكَ: أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ وقْتَ خُفُوقِهِ إلّا أنَّهُ لَمّا حُذِفَ المُضافُ سَدَّ المُضافُ إلَيْهِ مَسَدَّهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ وهو كَثِيرٌ في المَصادِرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسَمَيْ مَكانٍ وانْتِصابُهُما بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ أوْ بِقائِلِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ –بِارْكَبُوا- إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى ﴿ارْكَبُوا﴾ في وقْتِ الإجْراءِ والإرْساءِ، أوْ في مَكانِهِما، وإنَّما المَعْنى مُتَبَرِّكِينَ أوْ قائِلِينَ فِيهِما، وتَعَقَّبَ القَوْلُ بِانْتِصابِهِما مُطْلَقًا بِأنَّهُما مَحْدُودانِ ومَحْدُودُ المَكانِ لا بُدَّ لَهُ مِن في وبَعْضُهم يُجَوِّزُ النَّصْبَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وجَوَّزَ رَفْعَهُما فاعِلَيْنِ بِالظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ذِي الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وبِسْمِ اللَّهِ خَبَرٌ أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُتَحَقِّقانِ ونَحْوُهُ وهو صِلَةٌ لَهُما، والجُمْلَةُ إمّا مُقْتَضِيَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِهِما خَبَرًا وطَلَبًا عَلى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِاسْمِهِ تَعالى مُتَحَقِّقانِ لا يَشُكُّ فِيهِما، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الرُّكُوبِ وإزالَةٌ لِما عَسى يَخْتَلِجُ في قُلُوبِهِمْ مِن خَوْفِ الغَرَقِ ونَحْوِهِ، ويُرْوى عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُجْرِيَها يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَتَجْرِي وإذا أرادَ صفحة 57 أنْ يُرْسِيَها قالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْسُو، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ أيِ ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِاسْمِ اللَّهِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا إجْراءَ ولا إرْساءَ وقْتَ الرُّكُوبِ كَذا قِيلَ، وتَعَقَّبَهُ في التَّقْرِيبِ بِأنَّ الحالَ إنَّما تَكُونُ مُقَدَّرَةً إذا كانَتْ مُفْرَدَةً كَمُجْراةٍ، أمّا إذا كانَتْ جُمْلَةً فَلا لِأنَّ مَعْنى ارْكَبُوا وإجْراؤُها (بِسْمِ اللَّهِ) وهَذا واقِعُ حالِ الرُّكُوبِ انْتَهى، وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (ادْخُلُوها خالِدِينَ) وقَوْلِ القائِلِ: ادْخُلُوها وأنْتُمْ مُخَلَّدُونَ في عَدَمِ المُقارَنَةِ والرُّجُوعِ إلى الحالِ المُقَدَّرَةِ، فَكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، واعْتُرِضَ عَلى المُجِيبِ بِأنَّ مُرادَ ذَلِكَ القائِلِ إجْراؤُها مَجْرى المُفْرَدِ عَلى نَحْوِ كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى في بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ في المُسْتَشْهَدِ بِهِ أيْضًا، وإنَّما ذَلِكَ في قَوْلِ القائِلِ كَلَّمْتُهُ فاهٍ إلى في انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ مُرادُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحالِ إذا كانَتْ مُفْرَدَةً وإذا كانَتْ جُمْلَةً أنَّ الثّانِيَةَ تَقْتَضِي التَّحَقُّقَ في نَفْسِها والتَّلَبُّسَ بِها، ورُبَّما أشْعَرَتْ بِوُقُوعِها قَبْلَ العامِلِ واسْتِمْرارِها مَعَهُ كَما إذا قُلْتَ: جاءَنِي وهو راكِبٌ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَلَبُّسَهُ بِالرُّكُوبِ واسْتِمْرارُهُ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي كَوْنَها مُنْتَظَرَةً ولا أقَلَّ مِن أنْ لا يَحْسُنَ الحَمْلُ عَلَيْهِ حَيْثُ تَيَسَّرَ الإفْرادُ فافْهَمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً أيْضًا مِن فاعِلِ ارْكَبُوا، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا عائِدَ عَلى ذِي الحالِ، وضَمِيرُ بِسْمِ اللَّهِ لِلْمُبْتَدَأِ وتَقْدِيرُهُ أيْ فَإجْراؤُها مَعَكم أوْ بِكم كائِنٌ بِسْمِ اللَّهِ تَكَلُّفٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الرَّضِيَّ قَدْ ذَكَرَ أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً قَدْ تَخْلُو مِنَ الرّابِطَيْنِ عِنْدَ ظُهُورِ المُلابَسَةِ نَحْوَ خَرَجْتُ زَيْدٌ عَلى البابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِضَعْفِ ما ذُكِرَ في العَرَبِيَّةِ فَلا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ نَعَمْ كَوْنُ الِاسْمِيَّةِ لا بُدَّ فِيها مِنَ الواوِ، والقَوْلُ بِأنَّ الحالَ المُقَدَّرَةَ لا تَكُونُ جُمْلَةً مُطْلَقًا كُلٌّ مِنهُما في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: فَقُوما وقُولا بِالَّذِي قَدْ عَرَفْتُما ولا تَخْمُشا وجْهًا ولا تَحْلِقا الشَّعَرَ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ ويُرادُ بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها أيْ بِقُدْرَتِهِ أوْ بِأمْرِهِ أوْ بِإذْنِهِ، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ أوْ يُرادُ مَعْنًى، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا الجَوازَ بِما إذا لَمْ يُقَدَّرْ مُسَمِّينَ أوْ قائِلِينَ إذْ لا يَظْهَرُ المَعْنى حِينَئِذٍ، ويَجْرِي عَلى تَقْدِيرِي الكَلامُ الواحِدُ والكَلامَيْنِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ الزَّمانِ والمَكانِ في رَأيٍ، ويُعْتَبَرُ الإسْنادُ مَجازِيًّا مِن قَبِيلِ: نَهارَهُ صائِمٌ وطَرِيقٌ بَرٌّ. وقَرَأ -مَجْراها ومَرْساها- بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرَيْنِ أوْ زَمانَيْنِ أوْ مَكانَيْنِ عَلى أنَّهُما مِن جَرى ورَسا الثُّلاثِيَّيْنِ وقَرَأ مُجاهِدٌ -مُجْرِيها ومُرْسِيها- بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ إضافَةَ اسْمِ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ لَفْظِيَّةً فَهو نَكِرَةٌ لا يَصِحُّ تَوْصِيفُ المَعْرِفَةِ بِهِ فالحَقُّ البَدَلِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ المُعْرِبِ الصِّفَةُ المَعْنَوِيَّةُ لا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ فَلا يُنافِي البَدَلِيَّةَ بَعِيدٌ لَكِنْ عَنِ الخَلِيلِ إنَّ ما كانَتْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً فَتُعَرَّفُ إلّا ما كانَ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَلا تَتَمَحَّضُ إضافَتُها فَلا تُعَرَّفُ، والرُّسُوُّ الثُّبُوتُ والِاسْتِقْرارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَصَبَّرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطْلُعُ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ المُوجِبِ أيْ لَوْلا مَغْفِرَتُهُ لِفُرْطانِكم ورَحْمَتُهُ إيّاكم لَما أنْجاكم مِن هَذِهِ الطّامَّةِ إيمانُكُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ نَجاتَهم لَمْ تَكُنْ عَنِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بَلْ بِمَحْضِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وغُفْرانِهِ عَلى ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ، ومَنعُ صَلاحِيَةِ كَوْنِها عِلَّةً لِارْكَبُوا لِعَدَمِ المُناسَبَةِ صفحة 58 فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ الكَلامُ بِأنْ يُقالَ: امْتَثِلُوا هَذا الحُكْمَ لِيُنْجِيَكم مِنَ الهَلاكِ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، أوْ يُقالُ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ ذاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى ولا تَخافُوا الغَرَقَ لِما عَسى فَرَطَ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ غَفُورٌ لِلْخَطايا والذُّنُوبِ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، وجَعَلَها بَعْضُهم تَعْلِيلًا بِالنَّظَرِ إلى ما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى النَّجاةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْكَبُوا لِيُنْجِيَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ.

هود 11:42

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ جَوَّزَ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، الثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في بِسْمِ اللَّهِ، أيْ جَرَيانُها اسْتَقَرَّ (بِسْمِ اللَّهِ) حالَ كَوْنِها جارِيَةً، الثّالِثُ أنَّهُ حالٌ مِن شَيْءٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَرَكِبُوا فِيها جارِيَةً، والفاءُ المُقَدَّرَةُ لِلْعَطْفِ، و(بِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ -بِتَجْرِي- أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مُلْتَبِسَةٌ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ولا مَعْنى لِلْحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الحالِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ واحِدُهُ مَوْجَةٌ و﴿كالجِبالِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْجٍ أيْ في مَوْجٍ مُرْتَفِعٍ مُتَفاوِتٍ في الِارْتِفاعِ مُتَراكِمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَرَتْ بِهِمْ في مَوْجٍ كَذَلِكَ وقَدْ بَقِيَ مِنها فَوْقَ الماءِ سِتَّةُ أذْرُعٍ، واسْتَشْكَلَ هَذا الجَرَيانُ مَعَ ما رُوِيَ أنَّ الماءَ طَبَقٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وأنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ تَجْرِي في داخِلِهِ كالسَّمَكِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الرِّوايَةَ مِمّا لا صِحَّةَ لَها، ويَكادُ العَقْلُ يَأْبى ذَلِكَ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الماءَ عَلا رَأْسَ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا عَلى أنَّهُ لَوْ سَلِمَ صِحَّةُ ما ذُكِرَ فَهَذا الجَرَيانُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَتَفاقَمَ الخَطْبُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ العَلاقَةُ بَيْنَ السَّفِينَةِ والبَرِّ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ جَرَيانُ ما جَرى بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ مِنَ المُفاوَضَةِ والِاسْتِدْعاءِ إلى السَّفِينَةِ والجَوابِ بِالِاعْتِصامِ بِالجَبَلِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما كانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُها عَلى أنَّ ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ لِامْرَأتِهِ، وفي إضافَتِهِ إلَيْها إشْعارٌ بِأنَّهُ رَبِيبُهُ لِأنَّ الإضافَةَ إلى الأُمِّ مَعَ ذِكْرِ الأبِ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ جَوَّزُوهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ نُسِبَ إلَيْها لِكَوْنِهِ كافِرًا مِثْلَها، وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ فارْتِكابُ عَظِيمَةٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَهَّرَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمّا هو دُونَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْصِ بِمَراحِلَ فَحاشاهم ثُمَّ حاشاهم أنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِأُصْبُعِ الطَّعْنِ، وإنَّما المُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى الحَسَنِ ومُجاهِدٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ كَذِبٌ صَرِيحٌ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ (ابْنَهَ) بِهاءٍ مَفْتُوحَةٍ دُونَ ألْفٍ اكْتِفاءً بِالألِفِ عَنْها وهو لُغَةٌ -كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أما تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ حَتّى خَصَّهُ بَعْضُهم بِالضَّرُورَةِ والضَّمِيرُ لِلْأُمِّ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ابْنَهْ بِسُكُونِ الهاءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيُ لُغَةُ أزْدٍ فَإنَّهم يُسَكِّنُونَ هاءَ الكِنايَةِ مِنَ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ونِضْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ. وقِيلَ: إنَّها لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَخُصُّ هَذا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ ويُنْشِدُ: صفحة 59 وأشْرَبُ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها وقَرَأ السُّدِّيُّ –ابْناهُ- بِألِفٍ وهاءِ سَكْتٍ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى النُّدْبَةِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ لا يُحْذَفُ في النُّدْبَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا حِكايَةٌ والَّذِي مَنَعُوهُ في النُّدْبَةِ نَفْسِها لا في حِكايَتِها، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ -أبْناهُ- بِفَتْحِ هَمْزَةِ القَطْعِ الَّتِي لِلنِّداءِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُنادِي المَندُوبَ بِالهَمْزَةِ، وأنَّ الرِّوايَةَ بِالوَصْلِ فِيها، والنِّداءُ بِالهَمْزَةِ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ، ويَبْعُدُ القَوْلُ بِالنُّدْبَةِ أنَّها لا تُلائِمُ الِاسْتِدْعاءَ إلى السَّفِينَةِ بَعْدُ كَما لا يَخْفى ولَوْ قِيلَ: إنَّ ابْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولُ –نادى- أيْضًا كَما في غَيْرِها مِنَ القِراآتِ، والألِفُ لِلْإشْباعِ والهاءُ السّاكِنَةُ هاءُ الضَّمِيرِ في بَعْضِ اللُّغاتِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَحْذُورٌ مِن جِهَةِ المَعْنى وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ يَتَوَقَّفُ القَوْلُ بِذَلِكَ عَلى السَّماعِ في مِثْلِهِ؛ ومَتى ثَبَتَ تَعَيَّنَ عِنْدِي تَخْرِيجُ القِراءَةِ إنْ صَحَّتْ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (ابْنَهُ) بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ نُوحٍ ووَصَلُوا بِالهاءِ واوًا وتَوَصَّلَ في الفَصِيحِ، وتَنْوِينُ (نُوحٍ) مَكْسُورٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ دَفْعًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ وكِيعٌ بِضَمِّهِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الإعْرابِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ ومَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ، والمُرادُ بَعْدَهُ عَنْهم إمّا حِسًّا أوْ مَعْنًى، وحاصِلُهُ المُخالَفَةُ لَهم في الدِّينِ فَمَعْزِلٌ بِالكَسْرِ اسْمُ مَكانِ العُزْلَةِ، وهي إمّا حَقِيقِيَّةٌ أوْ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ يَكُونُ اسْمَ زَمانٍ، وإذا فُتِحَ كانَ مَصْدَرًا، وقِيلَ: المُرادُ -كانَ في مَعْزِلٍ- عَنِ الكُفّارِ قَدِ انْفَرَدَ عَنْهم وظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُرِيدُ مُفارَقَتَهم ولِذَلِكَ دَعاهُ إلى السَّفِينَةِ، وقِيلَ: إنَّما ناداهُ لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُهُ فَظَنَّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كالماتِرِيدِيِّ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ وبُلُوغِ السَّيْلِ الزُّبى يَنْزَجِزُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ ويَقْبَلُ الإيمانَ، وقِيلَ: لَمْ يَجْزِمْ بِدُخُولِهِ في الِاسْتِثْناءِ لِما أنَّهُ كانَ كالمُجْمَلِ فَحَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الأُبُوَّةِ عَلى أنْ ناداهُ ( يا بُنَيَّ ) بِفَتْحِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ اجْتِزاءً بِالفَتْحَةِ عَلى الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ يا بُنَيا، وقِيلَ: إنَّها سَقَطَتْ لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ الرّاءِ السّاكِنَةِ بَعْدَها، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ حَيْثُ لا ساكِنَ بَعْدُ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: فِيهِ ضَعْفٌ عَلى ما حَكاهُ يُونُسُ مِن ضَعْفِ يا أبِ ويا أُمِّ بِحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ عَنْها بِالفَتْحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ وقِيلَ: إنَّها حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في الألِفِ ونِداؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ مِن بابِ التَّحَنُّنِ والرَّأْفَةِ وكَثِيرًا ما يُنادِي الوالِدُ ولَدَهُ كَذَلِكَ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ أيْ في السَّفِينَةِ ولِتَعَيُّنِها ولِلْإيذانِ بِضِيقِ المَقامِ حَيْثُ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ مَعَ إغْناءِ المَعِيَّةِ عَنْ ذِكْرِها لَمْ تُذْكَرْ وأطْلَقَ الرُّكُوبَ، وتَخْفِيفُ الباءِ وإدْغامُها في المِيمِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ ووَجْهُ الإدْغامِ التَّقارُبُ في المَخْرَجِ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وهو نَهْيٌ عَنْ مُعايَشَةِ الكَفَرَةِ والدُّخُولِ في غِمارِهِمْ وقَطْعٌ بِأنَّ الدُّخُولَ فِيهِ يُوجِبُ الغَرَقَ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ

هود 11:43

﴿قالَ سَآوِي﴾ أيْ سَأنْضَمُّ ﴿إلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ، وقِيلَ: عَنى طَوْرَ زِيتا ﴿يَعْصِمُنِي﴾ أيْ يَحْفَظُنِي بِارْتِفاعِهِ مِنَ الماءِ فَلا يَصِلُ إلَيَّ. قالَ ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى مُرْتَفَعٍ وجَهْلًا مِنهُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ فَلا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ولَوْ كانُوا في قُلَلِ الجِبالِ صفحة 60 (قالَ) مُبَيِّنًا لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ وصارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِجِنْسِ العاصِمِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِهِ ذاتًا وصِفَةً لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ الَّتِي رُبَّما يَتَخَلَّصُ مِنها بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُغالَبُ وعَذابَهُ لا يَرُدُّ؛ وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا هو تَعالى، وإنَّما قِيلَ: ( إلّا مِن رَحِم ) تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ جَلَّ شَأْنُهُ وإشْعارًا بِعِلْيَةِ رَحْمَتِهِ بِمُوجِبِ سَبْقِها غَضَبَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ وصَرْفِ عِنانِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ ولِذا عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ: لا يَعْصِمُكَ الجَبَلُ مِنهُ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو أحَدُ أوْجُهٍ في الآيَةِ وأقْواها. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ عاصِمًا صِيغَةُ نِسْبَةٍ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المَرْحُومُ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ أيْ مَعْصُومٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ ( إلّا مَن رُحِمَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فاعِلًا بِمَعْنى النِّسْبَةِ قَلِيلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ أرادَ قِلَّتَهُ في نَفْسِهِ فَمَمْنُوعٌ وإنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَصْفِ فَلا يَضُرُّ. والثّالِثُ أنَّ عاصِمًا عَلى ظاهِرِهِ و(مَن رَحِمَ) بِمَعْنى المَرْحُومِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لا مُتَّصِلٌ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ أيْ لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَعْصُومٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذا المُنْقَطِعِ قَلِيلٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ تُخالِفُ الأُولى لا في النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَطْ بَلْ في الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أيْضًا، والأكْثَرُ فِيهِ مِثْلُ ما جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا، والرّابِعُ أنَّ –عاصِمًا- بِمَعْنى مَعْصُومٍ كَدافِقٍ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ وفاتِنٍ بِمَعْنى مَفْتُونٍ في قَوْلِهِ: بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلا مِ أمْسى فُؤادِي بِهِ (فاتِنًا) (ومَن رَحِمَ) بِمَعْنى الرّاحِمِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا أيْ لا مَعْصُومَ إلّا الرّاحِمُ عَلى مَعْنى لَكِنَّ الرّاحِمَ يَعْصِمُ مَن أرادَ، والخامِسُ أنَّ الكَلامَ عَلى إضْمارِ المَكانِ والِاسْتِثْناَءُ مُتَّصِلٌ أيْ لا عاصِمَ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو السَّفِينَةُ قِيلَ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ فِيهِ مُقابَلَةٌ لِقَوْلِهِ: يَعْصِمُنِي وهو المُرَجَّحُ بَعْدَ الأوَّلِ، والعاصِمُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ لَكِنَّ إسْنادَهُ إلى المَكانِ مَجازِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ مَكانِ الِاعْتِصامِ، والمَعْنى لا مَكانَ اعْتِصامٍ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، وادَّعى أنَّهُ أرْجَحُ مِنَ الكُلِّ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ إلَخْ ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، والسّادِسُ ما أبْداهُ صاحِبُ الكَشْفِ عِنْدَهُ وهو أنَّ المَعْنى لا مَعْصُومَ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ويُرادُ بِهِ عِصْمَةُ مَن فِيهِ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّ السَّفِينَةَ إذا عُصِمَتْ عُصِمَ مَن فِيها، والسّابِعُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، والمَعْنى لا عاصِمَ اليَوْمَ أحَدًا أوْ لِأحَدٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ أوْ لِمَن رَحِمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَدَّهُ بَعْضُهم أقْرَبَها ولا أظُنُّكَ تَعْدِلُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وجْهًا وهو الَّذِي اخْتارَهُ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: أنَّ خَبَرَ لا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ لا عاصِمَ مَوْجُودٌ والأكْثَرُ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، والتَزَمَ الحَذْفَ فِيهِ بَنُو تَمِيمٍ صفحة 61 ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِهِ فِعْلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ (عاصِمَ) أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ ومَنَعَ جَوازَ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مَنصُوبًا بِاسْمِ –لا- وأنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِهِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا لِلطَّوْلِ. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِلا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْضًا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو الخَبَرُ و(اليَوْمَ) في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِعاصِمٍ، ورَدَّ أبُو البَقاءِ خَبَرِيَّةَ (اليَوْمَ) بِأنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، والتَزَمَ كَوْنَهُ مَعْمُولَ ( مِن أمْرِ اللَّهِ ) وكَوْنَ الخَبَرِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ؛ ورَدَّ أبُو حَيّانَ جَوازَ النَّعْتِيَّةِ بِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ كَما لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْها ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِهِ، فانْقَطَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ المُجاوَبَةِ، قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ هُنا إلّا إثْباتُ الحَيْلُولَةِ، وأمّا عِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَرَقِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ إلّا بَعْدُ؛ وقالَ الفَرّاءُ: (بَيْنَهُما) أيْ بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والجَبَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلى حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ لا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَبَلِ، لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِهِ عاصِمًا وإنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُلْتَجَأِ إلَيْهِ مَوْجٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ فَكانَ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أوْ هو بِناءً عَلى ظَنِّهِ أنَّ الماءَ لا يَصِلُ إلَيْهِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَرَقٍ ساءَ الكَفَرَةَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ، وفي إيرادِ كانَ دُونَ صارَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهُمْ

هود 11:44

﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ انْشَفِي اسْتُعِيرَ مِنِ ازْدِرادِ الحَيَوانِ ما يَأْكُلُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كالكَشْفِ المُعْتادِ التَّدْرِيجِيِّ، وتَخْصِيصُ البَلْعِ بِما يُؤْكَلُ هو المَشْهُورُ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: بَلَعَ الماءَ إذا شَرِبَهُ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِالمَأْكُولِ، وذَكَرَ السَّيِّدُ أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ البَلْعَ بِمَعْنى الِازْدِراءِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ بِمَعْنى الشُّرْبِ لُغَةٌ هِنْدِيَّةٌ ﴿ماءَكِ﴾ أيْ ما عَلى وجْهِكِ مِن ماءِ الطُّوفانِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماءِ بَعْدَ ما عَبَّرَ عَنْهُ فِيما سَلَفَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَقامَ مَقامُ النَّقْصِ والتَّقْلِيلِ لا مَقامُ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيِ امْسِكِي عَنْ إرْسالِ المَطَرِ؛ يُقالُ: أقْلَعَتِ السَّماءُ إذا انْقَطَعَ مَطَرُها، وأقْلَعَتِ الحُمّى إذا كَفَّتْ، والظّاهِرُ أنَّ المَطَرَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَتّى قِيلَ لِلسَّماءِ ما قِيلَ، وهَلْ فَوَرانُ الماءِ كانَ مُسْتَمِرًّا حَتّى قِيلَ لِلْأرْضِ ما قِيلَ، أمْ لا؟ لَمْ أرَ فِيهِ شَيْئًا والآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيْ نَقَصَ، يُقالُ: غاضَهُ إذا نَقَصَهُ وجَمِيعُ مَعانِيهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ. وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ: غاضَ الماءُ إذا قَلَّ ونَضَبَ وغِيضَ الماءُ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لا يُخالِفُهُ، فَإنَّ القِلَّةَ عَيْنُ النُّقْصانِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أُنْجِزَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إهْلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ وإنْجائِهِ بِأهْلِهِ المُؤْمِنِينَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أتَمَّ الأمْرَ ﴿واسْتَوَتْ﴾ اسْتَقَرَّتْ، يُقالُ: اسْتَوى عَلى السَّرِيرِ إذا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَخْفِيفِها وهُما لُغَتانِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ أوْ بِالشّامِ أوْ بِآمُلٍ بِالمَدِّ وضَمِّ المِيمِ والمَشْهُورُ صفحة 62 وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ إذْ ذاكَ وتَواضَعَ هو لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَأكْرَمَهُ سُبْحانَهُ بِاسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ ومَن تَواضَعَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ رَفَعَهُ، وكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُناسٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ صامُوا يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: ما هَذا الصَّوْمُ؟ فَقِيلَ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي أنْجى اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الغَرَقِ وغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وهَذا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أنا أحَقُّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأحَقُّ بِصَوْمِ هَذا اليَوْمِ فَصامَهُ وأمَرَ أصْحابَهُ بِالصَّوْمِ». وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا وأنَّ صِيامَهُ يَعْدِلُ سَنَةً مَبْرُورَةً، وكانَ رُكُوبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ في عَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الغَفُورِ، عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَكِبَ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ فَصامَ هو ومَن مَعَهُ وجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ فانْتَهى ذَلِكَ إلى المُحَرَّمِ، فَأرْسَتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ فَصامَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمَرَ جَمِيعَ مَن مَعَهُ مِنَ الوَحْشِ والدَّوابِّ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّها طافَتْ بِهِمُ الأرْضَ كُلَّها ولَمْ تَدْخُلِ الحَرَمَ لَكِنَّها طافَتْ بِهِ أُسْبُوعًا، وأنَّ الحَجَرَ الأسْوَدَ خُبِّئَ في جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ وأنَّ البَيْتَ رُفِعَ إلى السَّماءِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الحَرَمَ مِنَ الماءِ شَيْءٌ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّهُ لا خَبْءَ كَما أنَّهُ لا رَفْعَ وعِنْدِي أنَّ رِوايَةَ ثُبُوتِهِما جَمِيعًا مِمّا لا تَكادُ تَصِحُّ، وبِفَرْضِ صِحَّتِها لا يَظْهَرُ لِي سِرُّ رَفْعٍ بِلا حَجْرٍ وخَبْءِ الحَجَرِ بِلا بَيْتٍ، بَلْ عِنْدِي في رَفْعِ البَيْتِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ وإنْ كُنْتُ مِمَّنْ لا يَتَرَدَّدُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ هَلاكًا لَهُمْ، واللّامُ صِلَةُ المَصْدَرِ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقِيلَ وإنَّ المَعْنى قِيلَ لِأجْلِهِمْ بُعْدًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْهَلاكِ ولِتَذْكِيرِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ هَلاكِ الكَفَرَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ آياتٌ أُخَرُ وأخْبارٌ كَثِيرَةٌ، بَلْ فِيها ما هو عَلى عِلّاتِهِ ظاهِرٌ في عُمُومِ هَلاكِ مَن عَلى الأرْضِ ما عَدا أهْلَ السَّفِينَةِ، فَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ فِيمَن أصابَ الغَرَقُ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ لَها فَوَضَعَتْهُ عَلى صَدْرِها فَلَمّا بَلَغَها الماءُ وضَعَتْهُ عَلى مَنكِبِها، فَلَمّا بَلَغَها الماءُ وضَعَتْهُ عَلى يَدَيْها فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: لَوْ رَحِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ لَرَحِمْتُها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ سِوى عُوجِ بْنِ عُوقٍ وكانَ الماءُ يَصِلُ إلى حُجْرَتِهِ، وسَبَبُ نَجاتِهِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ إلى خَشَبِ ساجٍ فَلَمْ يُمْكِنْهُ نَقْلُهُ فَحَمَلَهُ عُوجٌ مِنَ الشّامِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَرَقِ لِذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ يَقْتَضِي نَجاتَهُ، فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ عُوجُ بْنُ عُوقٍ -بِضَمِّهِما- رَجُلٌ وُلِدَ في مَنزِلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعاشَ إلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ أصْلًا، وخَبَرُ عُوجٍ يَرْوِيهِ هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ فَلا تَعُجْ إلى القَوْلِ بِهِ ولا يُشَكِّلُ إغْراقُ الأطْفالِ الَّذِينَ لا ذَنْبَ لَهم لِما أنَّهُ مُجَرَّدُ سَبَبٍ لِلْمَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وأيُّ مَحْذُورٍ في إماتَةِ مَن لا ذَنْبَ لَهُ وفي كُلِّ وقْتٍ يُمِيتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ ما لا يُحْصى وهو جَلَّ شَأْنُهُ المالِكُ الحَقُّ والمُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ؟ ولا يُحْتاجُ في الجَوابِ إلى ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادِ بْنِ سَمْعانَ، عَنْ رِجالٍ سَمّاهُمْ، أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْقَمَ رِجالَهم قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ عامًا وأعْقَمَ نِساءَهم فَلَمْ يَتَوالَدُوا أرْبَعِينَ عامًا مُنْذُ دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى أدْرَكَ الصَّغِيرُ فَبَلَغَ الحِنْثَ وصارَتْ لِلَّهِ تَعالى صفحة 63 عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ثُمَّ أنْزَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ بِالطُّوفانِ إذْ يُبْقِي عَلَيْهِ مَعَ ضَعْفِهِ والتَّعارُضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ السّابِقِ آنِفًا أمْرُ إهْلاكِ ما لَمْ يَكُنْ في السَّفِينَةِ مِنَ الحَيَواناتِ، وقَدْ جاءَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَمَلَ مَن حَمَلَ في السَّفِينَةِ رَأتِ البَهائِمُ والوَحْشُ والسِّباعُ العَذابَ، فَجَعَلَتْ تَلْحَسُ قَدَمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَقُولُ: احْمِلْنا مَعَكَ فَيَقُولُ: إنَّما أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ولَمْ يَحْمِلْها، وكَذا لا يُحْتاجُ إلى الجَوابِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أهْلَكَ أُولَئِكَ الأطْفالَ لِعِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما كانُوا فاعِلِينَ، وذَلِكَ كَما يُقالُ في وجْهِ إدْخالِ أطْفالِ الكُفّارِ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ مَن يَراهُ لِما أنَّ فِيهِ ما فِيهِ، وبِالجُمْلَةِ إماتَةُ الأحْياءِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ دَفْعَةً أوْ تَدْرِيجًا مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ ولا يُسْئَلُ عَنْهُ. هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ بَلَغَتْ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ أقاصِيها واسْتَذَلَّتْ مَصاقِعَ العَرَبِ فَسَفَعَتْ بِنَواصِيها، وجَمَعَتْ مِنَ المَحاسِنِ ما يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ، وكانَتْ مِن سَمْهَرِيِّ البَلاغَةِ مَكانَ السِّنانِ، ويُرْوى أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قَصَدُوا أنْ يُعارِضُوا القُرْآنَ فَعَكَفُوا عَلى لُبابِ البُرِّ ولُحُومِ الضَّأْنِ وسُلافِ الخَمْرِ أرْبَعِينَ يَوْمًا لِتَصْفُوَ أذْهانُهُمْ، فَلَمّا أخَذُوا فِيما قَصَدُوهُ وسَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا الكَلامُ لا يُشْبِهُ كَلامَ المَخْلُوقِينَ فَتَرَكُوا ما أخَذُوا فِيهِ وتَفَرَّقُوا. ويُرْوى أيْضًا أنَّ ابْنَ المُقَفَّعِ وكانَ كَما في القامُوسِ فَصِيحًا بَلِيغًا بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أفْصَحُ أهْلِ وقْتِهِ رامَ أنْ يُعارِضَ القُرْآنَ فَنَظَمَ كَلامًا وجَعَلَهُ مُفَصَّلًا وسَمّاهُ سُوَرًا، فاجْتازَ يَوْمًا بِصَبِيٍّ يَقْرَؤُها في مَكْتَبٍ فَرَجَعَ ومَحا ما عَمِلَ وقالَ: أشْهَدُ أنَّ هَذا لا يُعارَضُ أبَدًا وما هو مِن كَلامِ البَشَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَسْتَدْعِي أنْ لا يَكُونَ سائِرُ آياتِ القُرْآنِ العَظِيمِ مُعْجِزًا لِما أنَّ حَدَّ الإعْجازِ هو المَرْتَبَةُ الَّتِي يَعْجُزُ البَشَرُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها ولا تَدْخُلُ عَلى قُدْرَتِهِ قَطْعًا، وهي تَشْتَمِلُ عَلى شَيْئَيْنِ: الأوَّلُ الطَّرَفُ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، أعْنِي ما تَنْتَهِي إلَيْهِ البَلاغَةُ ولا يُتَصَوَّرُ تَجاوُزُها إيّاهُ، والثّانِي ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ الطَّرَفِ أعْنِي المَراتِبَ العَلِيَّةَ الَّتِي تَتَقاصَرُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنْها أيْضًا، ومَعْنى إعْجازِ آياتِ الكِتابِ المَجِيدِ بِأسْرِها هو كَوْنُها مِمّا تَتَقاصَرُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها سَواءٌ كانَتْ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، فَلا يَضُرُّ تَفاوُتُها في البَلاغَةِ وهو الَّذِي قالَهُ عُلَماءُ هَذا الشَّأْنِ، وأنْشَدَ بَعْضُ الفُرْسِ في ذَلِكَ: دَرْ بَيانْ ودَرْ فَصاحَتْ كَيْ بُودِ يكِسانِ سُخْنِ ورَجِهْ كُوينده بودجون حافِظ وجَوْن أصْمَعِيّ دُرْ كَلام أيزد بِيجُون كَهَّ وحَيَّ منزلست ∗∗∗ كَيْ بِوِدٍّ تيت يَدًا جَوْن قِيلَ: يا أرْضٌ ابلعي وقَدْ فَصَّلَ بَعْضَ مَزايا هَذِهِ الآيَةِ المَهَرَةُ المُتْقِنُونَ وتَرَكُوا مِن ذَلِكَ ما لا يَكادُ يَصِفُهُ الواصِفُونَ، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إفادَةً لِجاهِلٍ وتَذْكِيرًا لِفاضِلٍ غافِلٍ فَنَقُولُ: ذَكَرَ العَلّامَةُ السَّكاكِيُّ أنَّ النَّظَرَ فِيها مِن أرْبَعِ جِهاتٍ: مِن جِهَةِ البَيانِ ومِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي وهُما مَرْجِعا البَلاغَةِ، ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ؛ أمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ وهو النَّظَرُ فِيما فِيها مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ القَرِينَةِ والتَّرْشِيحِ والتَّعْرِيضِ، فَهو أنَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ مِنَ الأرْضِ إلى بَطْنِها فارْتَدَّ وأنْ نَقْطَعَ طُوفانَ السَّماءِ فانْقَطَعَ وأنْ نَغِيضَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ فَغاضَ، وأنْ نَقْضِيَ أمْرَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو إنْجازُ ما كُنّا وعَدْناهُ مِن إغْراقِ قَوْمِهِ فَقُضِيَ، وأنْ نُسَوِّيَ السَّفِينَةَ عَلى الجُودِيِّ فاسْتَوَتْ، وأبْقَيْنا الظَّلَمَةَ غَرْقى، بَنى سُبْحانَهُ الكَلامَ عَلى تَشْبِيهِ المُرادِ مِنهُ بِالمَأْمُورِ الَّذِي لا يَتَأتّى مِنهُ لِكَمالِ هَيْبَتِهِ مِنَ الآمِرِ العِصْيانُ وتَشْبِيهِ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمِ النّافِذِ في تَكَوُّنِ المَقْصُودِ تَصْوِيرًا لِاقْتِدارِهِ سُبْحانَهُ العَظِيمِ، وأنَّ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ تابِعَةٌ لِإرادَتِهِ تَعالى إيجادًا وإعْدامًا ولِمَشِيئَتِهِ فِيها تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا صفحة 64 كَأنَّها عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ قَدْ عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وأحاطُوا عِلْمًا بِوُجُوبِ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والإذْعانِ لِحُكْمِهِ، وتَحَتَّمَ بَذْلُ المَجْهُودِ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ وتَصَوَّرُوا مَزِيدَ اقْتِدارِهِ فَعَظُمَتْ مَهابَتُهُ في نُفُوسِهِمْ وضَرَبَتْ سُرادِقَها في أفْنِيَةِ ضَمائِرِهِمْ، فَكَما يَلُوحُ لَهم إشارَتُهُ سُبْحانَهُ كانَ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا، وكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مُتَمِّمًا لا تَلَقِّيَ لِإشارَتِهِ بِغَيْرِ الإمْضاءِ والِانْقِيادِ ولا لِأمْرِهِ بِغَيْرِ الإذْعانِ والِامْتِثالِ، ثُمَّ بَنى عَلى مَجْمُوعِ التَّشْبِيهَيْنِ نَظْمَ الكَلامِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: (قِيلَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنِ الإرادَةِ مِن بابِ ذِكْرِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الإرادَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ القَوْلِ في الجُمْلَةِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ هَذا المَجازِ خِطابَ الجَمادِ وهو يا أرْضُ ويا سَماءُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُرادَ حُصُولُ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالجَمادِ، ولا يَصِحُّ القَوْلُ لَهُ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ كَما تَرى: يا أرْضُ ويا سَماءُ مُخاطِبًا لَهُما عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ ذَكَرَ المُشَبَّهَ أعْنِي السَّماءَ والأرْضَ المُرادُ مِنهُما حُصُولُ أمْرٍ، وأُرِيدَ المُشَبَّهُ بِهِ أعْنِي المَأْمُورَ المَوْصُوفَ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ العِصْيانُ ادِّعاءً بِقَرِينَةِ نِسْبَةِ الخِطابِ إلَيْهِ ودُخُولِ حَرْفِ النِّداءِ عَلَيْهِ، وهُما مِن خَواصِّ المَأْمُورِ المُطِيعِ ويَكُونُ هَذا تَخْيِيلًا. وقَدْ يُقالُ: أرادَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هَهُنا تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في حَرْفِ النِّداءِ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمُرادِ مِنهُ بِتَعَلُّقِ النِّداءِ والخِطابِ بِالمُنادى المُخاطَبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يَحْسُنُ هَذا التَّشْبِيهُ ابْتِداءً بَلْ تَبَعًا لِلتَّشْبِيهِ الأوَّلِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أصْلًا لِمَتْبُوعِهِ! عَلى أنَّ قَوْلَهُ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ يَدْفَعُ هَذا الحَمْلَ، ثُمَّ اسْتَعارَ لِغَوْرِ الماءِ في الأرْضِ البَلْعَ الَّذِي هو أعْمالُ الجاذِبَةِ في المَطْعُومِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما وهو الذَّهابُ إلى مَقَرٍّ خَفِيٍّ. وفِي الكَشّافِ جَعَلَ البَلْعَ مُسْتَعارًا لِنَشْفِ الأرْضِ الماءَ وهو أوْلى، فَإنَّ النَّشَفَ دالٌّ عَلى جَذْبٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ لِما عَلَيْها كالبَلْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَوانِ، ولِأنَّ النَّشَفَ فِعْلُ الأرْضِ والغَوْرَ فِعْلُ الماءِ مَعَ الطِّباقِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ تَعَدِّيًا، ثُمَّ اسْتَعارَ الماءَ لِلْغِذاءِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغِذاءِ لِتَقَوِّي الأرْضِ بِالماءِ في الإنْباتِ لِلزُّرُوعِ والأشْجارِ تَقَوِّي الآكِلِ بِالطَّعامِ، وجَعْلُ قَرِينَةِ الِاسْتِعارَةِ لَفْظَةُ (ابْلَعِي) لِكَوْنِها مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِعْمالِ في الغِذاءِ دُونَ الماءِ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ إذا اعْتُبِرَ مَذْهَبُ السَّلَفِ في الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ (ابْلَعِي) اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ قَرِينَةً لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ في الماءِ عَلى حَدِّ ما قالُوا في ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ)، وأمّا إذا اعْتُبِرَ مَذْهَبُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ البَلْعُ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ كالإنْباتِ في أنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ وهو بَعِيدٌ أوْ يُجْعَلُ مُسْتَعارًا لِأمْرٍ مُتَوَهَّمٍ كَما في نَطَقَتِ الحالُ، فَيَلْزَمُهُ القَوْلُ بِالِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ، إنَّهُ تَعالى أمَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلتَّشْبِيهِ الثّانِي وخاطَبَ في الأمْرِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ النِّداءِ. والحاصِلُ أنَّ في لَفْظِ (ابْلَعِي) بِاعْتِبارِ جَوْهَرِهِ اسْتِعارَةً لِغَوْرِ الماءِ وبِاعْتِبارِ صُورَتِهِ أعْنِي كَوْنَهُ صُورَةَ أمْرٍ اسْتِعارَةً أُخْرى لِتَكْوِينِ المُرادِ، وبِاعْتِبارِ كَوْنِهِ أمْرَ خِطابِ تَرْشِيحٍ لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ الَّتِي في المُنادى فَإنَّ قَرِينَتَها النِّداءُ، وما زادَ عَلى قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ يَكُونُ تَرْشِيحًا لَها، وأمّا جَعْلُ النِّداءِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً حَتّى يَكُونَ خِطابُ الآمِرِ تَرْشِيحًا لَها فَقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: (ماءَكِ) بِإضافَةِ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ بِاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ، واخْتارَ ضَمِيرَ الخِطابِ لِأجْلِ التَّرْشِيحِ، وحاصِلُهُ أنَّ هُناكَ مَجازًا لُغَوِيًّا في الهَيْئَةِ الإضافِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ المَلَكِيِّ، ولِهَذا جَعَلَ الخِطابَ تَرْشِيحًا لِهَذِهِ الِاسْتِعارَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الخِطابَ يَدُلُّ عَلى صُلُوحِ الأرْضِ لِلْمالِكِيَّةِ فَما قِيلَ: إنَّ المَجازَ عَقْلِيٌّ والعِبارَةَ مَصْرُوفَةٌ عَنِ الظّاهِرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ اخْتارَ لِاحْتِباسِ المَطَرِ الإقْلاعَ الَّذِي هو تَرْكُ الفاعِلِ الفِعْلَ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما في عَدَمِ ما كانَ مِنَ المَطَرِ أوِ الفِعْلِ فَفي (أقْلِعِي) صفحة 65 اسْتِعارَةٌ بِاعْتِبارِ جَوْهَرِهِ، وكَذا بِاعْتِبارِ صِيغَتِهِ أيْضًا، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمِ النّافِذِ، والخِطابُ فِيهِ أيْضًا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ النِّداءِ، والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ فِيهِ مِثْلُ ما مَرَّ في (ابْلَعِي)، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا بِمَن غاضَ الماءَ ولا بِمَن قَضى الأمْرَ وسَوّى السَّفِينَةَ وقالَ بُعْدًا، كَما لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِقائِلِ يا أرْضُ ويا سَماءُ في صَدْرِ الآيَةِ سُلُوكًا في كُلِّ واحِدٍ في ذَلِكَ لِسَبِيلِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَصْدُرُ إلّا مِن ذِي قُدْرَةٍ لا يَكْتَنِهُ قَهّارٌ لا يُغالَبُ فَلا مَجالَ لِذَهابِ الوَهْمِ إلى أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ قائِلًا: (يا أرْضُ) و(يا سَماءُ) ولا غائِضَ ما غاضَ ولا قاضِيَ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ، أوْ أنْ يَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّفِينَةِ وإقْرارُها بِتَسْوِيَةِ غَيْرِهِ. والحاصِلُ أنَّ الفِعْلَ إذا تَعَيَّنَ لِفاعِلٍ بِعَيْنِهِ اسْتُتْبِعَ لِذَلِكَ أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُهُ ويُبْنى الفِعْلُ لِمَفْعُولِهِ أوْ يُذْكَرُ ما هو أثَرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ويُسْنَدُ إلى ذَلِكَ المَفْعُولِ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ تَخْصِيصِ الصِّفَةِ الَّتِي هي الفِعْلُ بِمَوْصُوفِها، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ في تَقْرِيرِ الكِنايَةِ هُنا: إنَّ تَرْكَ ذِكْرِ الفاعِلِ وبِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِالفِعْلِ وتَعَيُّنِهِ لِفاعِلِيَّةِ ذَلِكَ الفِعْلِ فَذَكَرَ اللّازِمَ وأُرِيدَ المَلْزُومُ لِما أنَّ اسْتَوَتْ غَيْرُ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ كَقِيلَ وغِيضَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِالتَّعَرُّضِ تَنْبِيهًا لِسالِكِي مَسْلَكِ أُولَئِكَ القَوْمِ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ لا غَيْرَ؛ خَتْمَ إظْهارٍ لِمَكانِ السُّخْطِ ولِجِهَةِ اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاهُ وأنَّ قِيامَةَ الطُّوفانِ وتِلْكَ الصُّورَةَ الهائِلَةَ ما كانَتْ إلّا لِظُلْمِهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ والوَصْفِ بِالظُّلْمِ مَعَ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ البُعْدَ في الأصْلِ ضِدُّ القُرْبِ وهو بِاعْتِبارِ المَكانِ، ويَكُونُ في المَحْسُوسِ وقَدْ يُقالُ في المَعْقُولِ نَحْوُ ﴿ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ واسْتِعْمالُهُ في الهَلاكِ مَجازٌ؛ قالَ ناصِرُ الدِّينِ: يُقالُ بَعُدَ بُعْدًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وبَعَدًا بِالتَّحْرِيكِ إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عَوْدُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، ولَمْ يُفَرَّقْ في القامُوسِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الفِعْلِ في المَعْنَيَيْنِ حَيْثُ قالَ: البُعْدُ مَعْرُوفٌ والمَوْتُ وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا فافْهَمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ أُعْطِيَتا ما يَعْقِلانِ بِهِ الأمْرَ فَقِيلَ لَهُما حَقِيقَةً ما قِيلَ، وأنَّ القائِلَ بُعْدًا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ ولا أثَرَ فِيهِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ أبْلَغُ، وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي وهو النَّظَرُ في فائِدَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِيها وِجْهَةُ كُلِّ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ فِيما بَيْنَ جُمَلِها، فَذَلِكَ أنَّهُ اخْتِيرَ (يا) دُونَ سائِرِ أخَواتِها لِكَوْنِها أكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ وأنَّها دالَّةٌ عَلى بُعْدِ المُنادى الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ إظْهارِ العَظَمَةِ وإبْداءُ شَأْنِ العِزَّةِ والجَبَرُوتِ وهو تَبْعِيدُ المُنادى المُؤْذِنِ بِالتَّهاوُنِ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ يا أرْضِ بِالكَسْرِ لِأنَّ الإضافَةَ إلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ تَقْتَضِي تَشْرِيفًا لِلْأرْضِ وتَكْرِيمًا لَها، فَتُرِكَ إمْدادًا لِلتَّهاوُنِ لَمْ يَقُلْ يا أيَّتُها الأرْضُ مَعَ كَثْرَتِهِ في نِداءِ الأجْناسِ قَصْدًا إلى الِاخْتِصارِ والِاحْتِرازِ عَلى تَكَلُّفِ التَّنْبِيهِ المُشْعِرِ بِالغَفْلَةِ الَّتِي لا تُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ، واخْتِيرَ لَفْظُ الأرْضِ والسَّماءِ عَلى سائِرِ أسْمائِها كالمُقِلَّةِ والغَبْراءِ وكالمُظِلَّةِ والخَضْراءِ لِكَوْنِهِما أخْصَرَ وأوْرَدَ في الِاسْتِعْمالِ وأوْفى بِالمُطابَقَةِ، فَإنَّ تَقابُلَهُما إنَّما اشْتُهِرَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ واخْتِيرَ لَفْظُ (ابْلَعِي) عَلى ابْتَلِعِي لِكَوْنِهِ أخْصَرَ وأوْفَرَ تَجانُسًا بِأقْلِعِي لِأنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ إنِ اعْتُبِرَتْ تَساوَيا في عَدَدِ الحُرُوفِ وإلّا تَقارَبا فِيهِ بِخِلافِ ابْتَلِعِي، وقِيلَ: (ماءَكِ) بِالإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ لِما فِيهِ مِن صُورَةِ الِاسْتِكْثارِ المُتَأبِّي عَنْها مَقامُ إظْهارِ الكِبْرِياءِ وهو الوَجْهُ في إفْرادِ الأرْضِ والسَّماءِ، وإنَّما لَمْ يَقُلِ (ابْلَعِي) بِدُونِ المَفْعُولِ لِئَلّا يَسْتَلْزِمَ تَرْكُهُ ما لَيْسَ بِمُرادٍ مِن تَعْمِيمِ الِابْتِلاعِ لِلْجِبالِ والتِّلالِ والبِحارِ وساكِناتِ الماءِ بِأسْرِهِنَّ نَظَرًا إلى صفحة 66 مَقامِ عَظَمَةِ الآمِرِ المَهِيبِ وكَمالِ انْقِيادِ المَأْمُورِ؛ ولَمّا عُلِمَ أنَّ المُرادَ بَلْعُ الماءِ وحْدَهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالإقْلاعِ إمْساكُ السَّماءِ عَنْ إرْسالِ الماءِ فَلَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ (أقْلِعِي) اخْتِصارًا واحْتِرازًا عَنِ الحَشْوِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، وهَذا هو السَّبَبُ في تَرْكِ ذِكْرِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ فَلَمْ يَقُلْ: (قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي) فَبَلَعَتْ (ويا سَماءُ اقْلَعِي) فَقَلَعَتْ لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ وكَمالَ الِانْقِيادِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ الَّذِي رُبَّما أوْهَمَ إمْكانَ المُخالَفَةِ واخْتِيرَ غِيضَ عَلى غُيِّضَ المُشَدِّدِ لِكَوْنِهِ أخْصَرَ. وقِيلَ: الماءُ دُونَ ماءِ طُوفانِ السَّماءِ وكَذا الأمْرُ دُونَ أمْرِ نُوحٍ، وهو إنْجازُ ما وُعِدَ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ والِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيَّةِ، وإمّا لِأنَّهُ يُغْنِي غِناءَ الإضافَةِ في الإشارَةِ إلى المَعْهُودِ، واخْتِيرَ (اسْتَوَتْ) عَلى سُوِّيَتْ أيْ أقَرَّتْ مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِأخَواتِهِ المَبْنِيَّةِ لِلْمَفْعُولِ؛ اعْتِبارًا لِكَوْنِ الفِعْلِ المُقابِلِ لِلِاسْتِقْرارِ أعْنِي الجَرَيانَ مَنسُوبًا إلى السَّفِينَةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مَعَ أنَّ اسْتَوَتْ أخْصَرُ مِن سُوِّيَتْ، واخْتِيرَ المَصْدَرُ أعْنِي (بُعْدًا) عَلى لِيَبْعُدَ القَوْمُ طَلَبًا لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ مَعَ الِاخْتِصارِ في العِبارَةِ وهو نُزُولُ (بُعْدًا) وحْدَهُ مَنزِلَةَ لِيَبْعُدُوا بُعْدًا مَعَ فائِدَةٍ أُخْرى، هي الدَّلالَةُ عَلى اسْتِحْقاقِ الهَلاكِ بِذِكْرِ اللّامِ، وإطْلاقُ الظُّلْمِ عَنْ مُقَيِّداتِهِ في مَقامِ المُبالِغَةِ يُفِيدُ تَناوُلَ كُلِّ نَوْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم عَلى أنْفُسِهِمْ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى فَظاعَةِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في التَّكْذِيبِ مِن حَيْثُ إنَّ تَكْذِيبَهم لِلرُّسُلِ ظُلْمٌ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّ ضَرَرَهُ يَعُودُ إلَيْهِمْ، هَذا مِن حَيْثُ النَّظَرُ إلى تَرْكِيبِ الكَلِمِ، وأمّا مِن حَيْثُ النَّظَرُ إلى تَرْتِيبِ الجُمَلِ فَذَلِكَ أنَّهُ قَدَّمَ النِّداءَ عَلى الأمْرِ فَقِيلَ: ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: ابْلَعِي يا أرْضُ واقْلَعِي يا سَماءُ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى اللّازِمِ فِيمَن كانَ مَأْمُورًا حَقِيقَةً مِن تَقْدِيمِ التَّنْبِيهِ لِيَتَمَكَّنَ الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبِهِ في نَفْسِ المُنادى قَصْدًا بِذَلِكَ لِمَعْنى التَّرْشِيحِ لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ في الأرْضِ والسَّماءِ، ثُمَّ قَدَّمَ أمْرَ الأرْضِ عَلى أمْرِ السَّماءِ لِكَوْنِها الأصْلَ نَظَرًا إلى كَوْنِ ابْتِداءِ الطُّوفانِ مِنها؛ حَيْثُ فارَ تَنُّورُها أوَّلًا ثُمَّ جُعِلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (وغِيضَ) تابِعًا لِأمْرِ الأرْضِ والسَّماءِ لِاتِّصالِهِ بِقِصَّةِ الماءِ وأخْذِهِ بِحُجْزَتِها، ألا تَرى أصْلَ الكَلامِ (قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) فَبَلَعَتْ ماءَها (ويا سَماءُ أقْلِعِي) عَنْ إرْسالِ الماءِ فَأقْلَعَتْ عَنْ إرْسالِهِ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ فَغاضَ. وقَيَّدَ الماءُ بِالنّازِلِ وإنْ كانَ في الآيَةِ مُطْلَقًا لِأنَّ ابْتِلاعَ الأرْضِ ماءَها فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ).﴾ واعْتَرَضَ بِأنَّ الماءَ المَخْصُوصَ بِالأرْضِ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما عَلى وجْهِها فَهو يَتَناوَلُ القَبِيلَيْنِ الأرْضِيَّ والسَّمائِيَّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما نَبَعَ مِنها فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ ولِهَذا حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الماءَ عَلى مُطْلَقِهِ وأشْعَرَ كَلامُهُ بِأنَّ غِيضَ الماءُ إخْبارٌ عَنِ الحُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ فالتَّقْدِيرُ قِيلَ لَهُما ذَلِكَ فامْتَثَلا الأمْرَ ونَقَصَ الماءُ. ورَجَّحَ الطِّيبِيُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكاكِيُّ زاعِمًا أنَّ مَعْنى الغَيْضِ حِينَئِذٍ ما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وهو عِنْدُهُ مُخالِفٌ لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: إنَّ إضافَةَ الماءِ إلى الأرْضِ لَمّا كانَتْ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِهِ بِها بِاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ ولِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الخِطابِ اقْتَضَتْ إخْراجَ سائِرِ المِياهِ سِوى الَّذِي بِسَبَبِهِ صارَتِ الأرْضُ مُهَيَّأةً لِلْخِطابِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ وهو المَعْهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفارَ التَّنُّورُ)،﴾ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَحْصُلُ التَّواغُلُ في تَناسِي التَّشْبِيهِ والتَّرْشِيحِ، ولَوْ أُجْرِيَتِ الإضافَةُ عَلى غَيْرِ هَذا تَكُونُ كالتَّجْرِيدِ وكَمْ بَيْنَهُما، هَذا ولَوْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ صفحة 67 لاسْتَلْزَمَ تَعْمِيمُ ابْتِلاعِهِ المِياهَ بِأسْرِها لِوُرُودِ الأمْرِ مِن مَقامِ العَظَمَةِ كَما عَلِمْتُ مِن كَلامِ السَّكّاكِيِّ، ولَيْسَ بِذاكَ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ ورَدُّ يَمِينٍ إذْ لا مَعْهُودَ، والظّاهِرُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الماءِ ولا يُنافِي التَّرْشِيحَ وإضافَةَ المالِكِيَّةِ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن تَنْزِيلِ الماءِ مَنزِلَةَ الغِذاءِ أنْ تُجْعَلَ الإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الغِذاءِ إلى المُغْتَذى في النَّفْعِ والتَّقْوِيَةِ وصَيْرُورَتِهِ جُزْءًا مِنهُ، ولا نَظَرَ فِيهِ إلى كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَّعْمِيمُ فَمَطْلُوبٌ وحاصِلٌ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ لِانْحِصارِ الماءِ في الأرْضِيِّ والسَّمائِيِّ، وقَدْ قُلْتُمْ بِنُضُوبِهِما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فَبَلَعَتْ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وغِيضَ)،﴾ ولا شَكَّ أنَّ ما عِنْدَنا مِنَ الماءِ غَيْرُ ماءِ الطُّوفانِ هَذا والمُطابِقُ تَفْسِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيِ الأرْضِيُّ والسَّمائِيُّ وهَهُنا تَقَدَّمَ الماءانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ عَنْ إرْسالِ الماءِ عَلى زَعْمِهِمْ فَإذا قِيلَ: وغِيضَ الماءُ رَجَعَ إلَيْهِما لا مَحالَةَ لِتَقَدُّمِهِما، ثُمَّ إذا جُعِلَ مِن تَوابِعِ أقْلِعِي خاصَّةً لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُهُ عَلى أصْلِ القِصَّةِ أعْنِي ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي)،﴾ كَيْفَ وفي إيثارِ هَذا التَّفْسِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ زالَ كَوْنُهُ طُوفانًا لِأنَّ نُقْصانَ الماءِ غَيْرُ الإذْهابِ بِالكُلِّيَّةِ، وإلى أنَّ الأجْزاءَ الباطِنَةَ مِنَ الأرْضِ لَمْ تَبْقَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن قُوَّةِ الإنْباعِ ورَجَعَتْ إلى الِاعْتِدالِ المَطْلُوبِ، ولَيْسَ في الِاخْتِصاصِ بِالنُّضُوبِ هَذا المَعْنى البَتَّةَ انْتَهى. وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ أئِمَّةَ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّ الماءَ المُضافَ هو ما نَبَعَ وفارَ، وأنَّهُ هو الَّذِي ابْتُلِعَ وغاضَ لا غَيْرَ، وأنَّ ماءَ السَّماءِ صارَ بِحارًا وأنْهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ، وهَذا مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُخالَفَةً ظاهِرَةً، وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ ما فِيهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ غِيضَ الماءُ ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ القِصَّةِ وهو قَوْلُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذِكْرَ المَقْصُودِ حَدِيثَ السَّفِينَةِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ في الوُجُودِ، ثُمَّ خُتِمَتِ القِصَّةُ بِالتَّعْرِيضِ الَّذِي عَلِمْتَهُ، هَذا كُلُّهُ نَظَرٌ في الآيَةِ مِن جانِبَيِ البَلاغَةِ وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي كَما تَرى نَظْمٌ لِلْمَعانِي لَطِيفٌ، وتَأْدِيَةٌ لَها مُلَخَّصَةً مُبَيَّنَةً لا تَعْقِيدَ يُعَثِّرُ الكُفْرَ في طَلَبِ المُرادِ ولا التِواءَ الطَّرِيقِ إلى المُرْتادِ بَلْ إذا جَرَّبْتَ نَفْسَكَ عِنْدَ اسْتِماعِها وجَدْتَ ألْفاظَها تُسابِقُ مَعانِيها ومَعانِيها تُسابِقُ ألْفاظَها فَما مِن لَفْظَةٍ فِيها تَسْبِقُ إلى أُذُنِكَ إلّا ومَعْناها أسْبَقُ إلى قَلْبِكَ، وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَألْفاظُها عَلى ما تَرى عَرَبِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ جارِيَةٌ عَلى قَوانِينَ سَلِيمَةٍ عَنِ التَّنافُرِ بَعِيدَةٌ عَنِ البَشاعَةِ عَذْبَةٌ عَلى العَذْباتِ سَلِسَةٌ عَلى الأسَلاتِ، كُلٌّ مِنها كالماءِ في السُّلالَةِ وكالعَسَلِ في الحَلاوَةِ وكالنَّسِيمِ في الرِّقَّةِ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ ماذا جَمَعَتْ آياتُهُ: وعَلى تَفَنُّنِ واصِفِيهِ بِحُسْنِهِ يَفْنى الزَّمانُ وفِيهِ ما لَمْ يُوصَفْ، وما ذُكِرَ في شَرْحِ مَزايا هَذِهِ الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فِيها قَطْرَةٌ مِن حِياضٍ وزَهْرَةٌ مِن رِياضٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أبِي الأُصْبُعِ أنَّ فِيها عِشْرِينَ ضَرْبًا مِنَ البَدِيعِ مَعَ أنَّها سَبْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً وذَلِكَ المُناسِبَةُ التّامَّةُ في (ابْلَعِي) و(أقْلِعِي) والِاسْتِعارَةُ فِيهِما والطِّباقُ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ والمَجازُ في (يا سَماءُ)، فَإنَّ الحَقِيقَةَ يا مَطَرَ السَّماءِ، والإشارَةُ في ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ فَإنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ لِأنَّ الماءَ لا يَغِيضُ حَتّى يُقْلِعَ مَطَرُ السَّماءِ وتَبْلَعَ الأرْضُ ما يَخْرُجُ مِنها فَيَنْقُصُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ، والإرْدافُ في ﴿واسْتَوَتْ﴾ والتَّمْثِيلُ في ( وقُضِي الأمْرُ ) والتَّعْلِيلُ فَإنَّ غِيضَ الماءُ عِلَّةٌ لِلِاسْتِواءِ، وصِحَّةُ التَّقْسِيمِ فَإنَّهُ اسْتَوْعَبَ أقْسامَ الماءِ حالَ نَقْصِهِ والِاحْتِراسُ في الدُّعاءِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الغَرَقَ صفحة 68 لِعُمُومِهِ شَمِلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ فَإنَّ عَدْلَهُ تَعالى يَمْنَعُ أنْ يَدْعُوَ عَلى غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ، وحُسْنُ النَّسَقِ وائْتِلافُ اللَّفْظِ مَعَ المَعْنى والإيجازُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّ القِصَّةَ مُسْتَوْعِبَةً بِأخْصَرَ عِبارَةٍ، والتَّسْهِيمُ لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى آخِرِها والتَّهْذِيبُ لِأنَّ مُفْرَداتِها مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتِ الحُسْنِ، وحُسْنُ البَيانِ مِن جِهَةِ أنَّ السّامِعَ لا يَتَوَقَّفُ في فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ ولا يُشْكِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، والتَّمْكِينُ لِأنَّ الفاصِلَةَ مُسْتَقِرَّةٌ في مَحَلِّها مُطْمَئِنَّةٌ في مَكانِها، والِانْسِجامُ، وزادَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا عَنِ ابْنِ أبِي الأُصْبُعِ الِاعْتِراضَ، وزادَ آخَرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً إلّا أنَّها كَكَلامِ ابْنِ أبِي الأُصْبُعِ قَدْ أُشِيرَ إلَيْها بِأُصْبُعِ الِاعْتِراضِ، وقَدْ ألَّفَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى دَرَجَتَهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ رِسالَةً في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَمَعَ فِيها ما ظَهَرَ لَهُ ووَقَفَ عَلَيْهِ مِن مَزاياها فَبَلَغَ ذَلِكَ مِائَةً وخَمْسِينَ مَزِيَّةً، وقَدْ تَطَلَّبْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ لِأذْكُرَ شَيْئًا مِن لَطائِفِها فَلَمْ أظْفَرْ بِها وكَأنَّ طُوفانَ الحَوادِثِ أغْرَقَها، لَعَلَّ فِيما نَقَلْناهُ سِدادًا مِن عَوَزٍ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وعِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.

هود 11:45

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ أرادَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ: النِّداءُ عَلى حَقِيقَتِهِ والعَطْفُ بِالفاءِ لِكَوْنِ حَقِّ التَّفْصِيلِ يَعْقُبُ الإجْمالَ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيْ وإنَّ وعْدَكَ ذَلِكَ أوْ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَلَفٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الوَعْدُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهُمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ إذا بُنِيَ أفْعَلُ مِنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ مِنَ التَّفْضِيلِ والزِّيادَةِ يُعْتَبَرُ فِيما يُناسِبُ مَعْناهُ مَعْنى المُمْتَنِعِ، وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن: أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وأحْسَنِ الخالِقِينَ، مُشْكِلٌ لِأنَّ أفْعَلَ لا يُضافُ إلّا إلى جِنْسِهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى الإيجادِ ومِن غَيْرِهِ بِمَعْنى الكَسْبِ وهُما مُتَبايِنانِ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ والرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ حُمِلَتْ عَلى الإرادَةِ أوْ جُعِلَتْ مِن مَجازِ التَّشْبِيهِ صَحَّ، وإنْ أُرِيدَ إيجادُ فِعْلِ الرَّحْمَةِ كانَ مُشْكِلًا أيْضًا إذْ لا مُوجِدَ سِواهُ سُبْحانَهُ وأجابَ الآمِدِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى أعْظَمُ مَن يُدْعى بِهَذا الِاسْمِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ التَّفاضُلِ في غَيْرِ ما وُضِعَ اللَّفْظُ بِإزائِهِ وهو يُناسِبُ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ فافْهَمْ، وقِيلَ: المَعْنى هُنا أنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحُكْمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحُكْمِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ البابَ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ وأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ حاكِمٌ بِمَعْنى حَكِيمٍ وأنَّهُ لا يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ إذًا لِأنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى الفِعْلِ لا يُقالُ: ألْبَنَ وأتْمَرَ مِن فُلانٍ إذْ لا فِعْلَ بِذَلِكَ المَعْنى، والجَوابُ بِأنَّهُ قَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ فَجَوَّزَ عَلى أنْ يَكُونَ وجْهًا مَرْجُوحًا وبِأنَّهُ مِن قَبِيلِ أحْنَكَ الشّاتَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ كَما في الكَشْفِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لِلْحِكْمَةِ فِعْلًا ثُلاثِيًّا وهو حَكَمَ، وأفْعَلُ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ، وأيْضًا سُمِعَ احْتَنَكَ الجَرادُ، وألْبَنَ، وأتْمَرَ، فَغايَتُهُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلى هَذا بِأعْلَمِهِمْ بِالحِكْمَةِ كَقَوْلِهِمْ: آبَلَ مِن أبَلَ بِمَعْنى أعْلَمَ، وأحْذَقَ بِأمْرِ الإبِلِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا النِّداءُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْطُرُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ وجَمِيلُ التَّوَسُّلِ إلى مَن عَهِدَهُ مُنْعِمًا مُفْضِلًا في شَأْنِهِ أوَّلًا وآخِرًا وهو عَلى طَرِيقَةِ دُعاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الغَرَقِ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ: إنَّ النِّداءَ إنَّما كانَ بَعْدَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجائِهِ مَعَ سَبْقِ وعْدِهِ تَعالى بِإنْجائِهِ أهْلَهُ وهو مِنهُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

هود 11:46

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ حِينَ ناداهُ بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ مِنهم صفحة 69 أصْلًا لِأنَّ مَدارَ الأهْلِيَّةِ هو القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ وقَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُفْرِ فَلا عَلاقَةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ، ولِذا لَمْ يَتَوارَثا، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ قَرابَةَ الدِّينِ أقْرَبُ مِن قَرابَةِ النَّسَبِ كَما أشارَ إلى ذَلِكَ أبُو فِراسٍ بِقَوْلِهِ: كانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمانَ لَهُ نَسَبًا ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ رَحِمٌ أوْ ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ لِخُرُوجِهِ عَنْهم بِالِاسْتِثْناءِ، وحُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وعِكْرِمَةَ، والأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلى القَوْلَيْنِ لَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ وُعِدَ بِإنْجائِهِمْ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَذْكِيرِ وعْدِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ نَفى أوَّلًا كَوْنَهُ مِنهم ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ كَوْنِهِ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وأصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ فاسِدٍ فَحُذِفَ ذُو لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ عَيْنَ عَمَلِهِ لِمُداوَمَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يُقَدَّرُ المُضافُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَفُوتُ المُبالَغَةُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في قَوْلِ الخَنْساءِ تَرْثِي أخاها صَخْرًا: ما أُمُّ سَقَبٍ عَلى بَوٍّ تَحِنُّ لَهُ ∗∗∗ قَدْ ساعَدَتْها عَلى التِّحْنانِ آظارُ تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ يَوْمًا بِأوْجَعَ حِينَ فارَقَنِي ∗∗∗ صَخْرٌ ولِلْعَيْشِ إحْلاءٌ وإمْرارُ وأُبْدِلَ فاسِدٌ بِغَيْرِ صالِحٍ إمّا لِأنَّ الفاسِدَ رُبَّما يُطْلَقُ عَلى ما فَسَدَ ومِن شَأْنِهِ الصَّلاحُ فَلا يَكُونُ نَصًّا فِيما هو مِن قَبِيلِ الفاسِدِ المَحْضِ كالمَظالِمِ، وإمّا لِلتَّلْوِيحِ بِأنَّ نَجاةَ مَن نَجا إنَّما هو لِصَلاحِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (إنَّهُ عَمَلَ غَيْرَ صالِحٍ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي ونَصْبِ غَيْرَ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وعائِشَةَ، وقَدْ رَوَتْها هي وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والأصْلُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وبِهِ قُرِئَ أيْضًا كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وذَلِكَ شائِعٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ انْكِشافِ المَعْنى وزَوالِ اللَّبْسِ، وضَعَّفَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وإنَّما تَقُولُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ وأُيِّدَ بِهَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ ضَمِيرِ إنَّهُ في القِراءَةِ الأُولى لابْنِ نُوحٍ لِأنَّهُ فِيها لَهُ قَطْعًا فَيَضْعُفُ ما قِيلَ: إنَّهُ في الأُولى لِتَرْكِ الرُّكُوبِ مَعَهم والتَّخَلُّفِ عَنْهم أيْ إنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ عَلى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ في نَفْسِهِ كَما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّهُ لِنِداءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ إنَّ نِداءَكَ هَذا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وتَخْرُجُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ عَنْ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلًا لِما تَقَدَّمَ ويَفُوتُ ما في ذاكَ مِنَ الفائِدَةِ، ولا يَكُونُ الكَلامُ عَلى مَساقٍ واحِدٍ، نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ نِساءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَزْنِينَ ومَعْنى الآيَةِ مَسْألَتُكَ إيّايَ يا نُوحُ ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ لا أرْضاهُ لَكَ. وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ سُؤالُكَ ما لَيْسَ بِهِ عِلْمٌ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ هَذا الخَبَرِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى أنَّهُ إنَّما جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمَسْألَةِ دُونَ ابْنِ نُوحٍ لِما في ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ الزِّنا إلى مَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ هَذا المَحْذُورُ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ وحُقِّقَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ فَرَعَ عَلى ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ سُؤالِ إنْجائِهِ إلّا أنَّهُ جِيءَ بِالنَّهْيِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما ذُكِرَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ صفحة 70 أيْ إذا وقَفْتَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ فَلا تَطْلُبْ مِنِّي ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ مَطْلَبًا لا تَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ حُصُولَهُ صَوابٌ ومُوافِقٌ لِلْحِكْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) عِبارَةً عَنِ المَسْؤُولِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ لِلسُّؤالِ، أوْ طَلَبًا لا تَعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا بِصَرِيحِهِ في كُلٍّ مِن مَعْلُومِ الفَسادِ ومُشْتَبَهِ الحالِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ما لَيْسَ لَكَ عِلْمٌ بِأنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا في مُشْتَبَهِ الحالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ حالٌ مَعْلُومُ الفَسادِ بِالطَّرِيقِ الأُولى وأيّا ما كانَ فَهو عامٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما نَحْنُ فِيهِ كَما ذَكَرْنا، وسُمِّيَ النِّداءُ سُؤالًا لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ كَما لا يَخْفى، وبِهِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ العِلْمُ المَذْكُورُ وإنْ لَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا تَمَعْدَدا ∗∗∗ كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُسْتَقِرِّ في ذَلِكَ وكَذا الكَلامُ فِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ نِداءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنِ اسْتِفْسارًا عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجائِهِ مَعَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الإنْجاءِ فِيما عِنْدَهُ كَما جَوَّزَهُ القاضِي بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ بَعْدَ الغَرَقِ، بَلْ هو دُعاءٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإنْجاءِ ابْنِهِ حِينَ حالَ المَوْجُ بَيْنَهُما ولَمْ يَعْلَمْ بِهَلاكِهِ بَعْدُ، إمّا بِتَقْرِيبِهِ إلى الفُلْكِ بِتَلاطُمِ الأمْواجِ مَثَلًا أوْ بِتَقْرِيبِها إلَيْهِ، وقِيلَ: أوْ بِإنْجائِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ ويَأْباهُ تَذْكِيرُ الوَعْدِ في الدُّعاءِ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالإنْجاءِ في الفُلْكِ، ومُجَرَّدُ حَيْلُولَةِ المَوْجِ لا يَسْتَوْجِبُ الهَلاكَ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِهِ لِظُهُورِ إمْكانِ عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ إيّاهُ بِرَحْمَتِهِ وقَدْ وعَدَهُ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ أنَّ فِيهِ مانِعًا مِن الِانْتِظامِ في سَلْكِهِمْ لِمَكانِ النِّفاقِ وعَدَمِ المُجاهَرَةِ بِالكُفْرِ لِما في ذَلِكَ لَفْظًا مِن الِاحْتِياجِ إلى القَوْلِ بِالحَذْفِ والإيصالِ، ومَعْنًى مِن أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِفْسارِ عَمّا لا يَعْلَمُ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ إذْ عَدَمُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ داعٍ إلى الِاسْتِفْسارِ عَنْهُ لا إلى تَرْكِهِ. وقِيلَ: إنَّ السُّؤالَ عَنْ مُوجَبِ عَدَمِ النَّجاةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجُرْأةِ، وشَبَهُ الِاعْتِراضِ فِيهِ أنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ بِهَلاكِهِ، فَهو غَيْرُ سَدِيدٍ كَيْفَ ونِداؤُهُ ذاكَ مِمّا يَقْطُرُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ. وقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ إنَّما هو سُؤالُ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ إمّا لِأنَّهُ لا يَهِمُّ أوْ لِأنَّهُ قامَتِ القَرائِنُ عَلى حالِهِ لا عَنِ السُّؤالِ لِلِاسْتِرْشادِ فَلا ضَيْرَ إذَنْ في كَلامِ القاضِي وهو كَما تَرى. ولا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ. فالحَقُّ أنَّ ذَلِكَ مَسْألَةُ الإنْجاءِ وكانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الغَرَقِ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُشارَفَةِ عَلَيْها، ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِكُفْرِهِ إذْ ذاكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجاهِرًا بِهِ وإلّا لَمْ يَدْعُ لَهُ بَلْ لَمْ يَدَعْهُ أيْضًا ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كافِرٌ عِنْدَهُ بَلْ هو نَهْيٌ عَنِ الدُّخُولِ في غِمارِهِمْ وقَطْعٌ بِأنَّهُ ذَلِكَ يُوجِبُ الغَرَقَ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَما قَدَّمْنا، وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَ مُقاوَلَتَهُ عَلى غَيْرِ المُكابَرَةِ والتَّعَنُّتِ لِغَلَبَةِ المَحَبَّةِ وذُهُولِهِ عَنْ إعْطاءِ التَّأمُّلِ حَقَّهُ، فَلِذَلِكَ طَلَبَ ما طَلَبَ فَعُوتِبَ بِأنَّ مِثْلَهُ في مَعْرِضِ الإرْشادِ والقِيامِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ تِلْكَ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ كَلامُ المُسْتَرْشِدِ والمُعانِدِ، ويَرْجِعُ هَذا إلى تَرْكِ الأوْلى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ اعْتِزالَهُ قَصْدُهُ الِالتِجاءُ إلى الجَبَلِ لَيْسَ بِنَصٍّ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ لِظُهُورِ جَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِانْحِصارِ النَّجاةِ في الفُلْكِ وزَعْمِهِ أنَّ الجَبَلَ أيْضًا يَجْرِي مَجْراهُ، أوْ لِكَراهَةِ الِاحْتِباسِ في الفُلْكِ، بَلْ قَوْلُهُ ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ بَعْدَ ما قالَ لَهُ نُوحٌ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ رُبَّما يُطْمِعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في إيمانِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أكُونُ مَعَهم أوْ سَنَأْوِي أوْ يَعْصِمُنا، فَإنَّ إفْرادَ نَفْسِهِ بِنِسْبَةِ الفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ صفحة 71 رُبَّما يَشْعُرُ بِانْفِرادِهِ مِنَ الكافِرِينَ واعْتِزالِهِ عَنْهم وامْتِثالِهِ بِبَعْضِ ما أمَرَهُ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ تَأمَّلَ في شَأْنِهِ حَقَّ التَّأمُّلِ وتَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذْرُ لَما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن أهْلِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: (إنِّي) إلَخْ وهو ظاهِرٌ في أنَّ مَدارَ العِتابِ لِاشْتِباهِهِ كَما ذَكَرْنا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ مَعَ اسْتِثْناءِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في الجُمْلَةِ مَن هو مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ الغَرَقَ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنى لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُمْ، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ دَلَّ عَلى أنَّ المَعْنى المُعْتَبَرَ الصَّلاحُ لا القَرابَةُ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَهُ الأصْلَ ويَتَفَحَّصَ في الأهْلِ عَنْ وُجُودِهِ، وأنْ يَجْعَلَ كُلَّهم سَواسِيَةً في اسْتِحْقاقِ العَذابِ إلّا مِن عِلْمِ صَلاحِهِ وإيمانِهِ لا أنْ يَجْعَلَ كَوْنَهُ مِنَ الأهْلِ أصْلًا فَيَسْألُ إنْجاءَهُ مَعَ الشَّكِّ في إيمانِهِ، فَقَدْ قَصَّرَ فِيما كانَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّقْصِيرِ وأُولِي العَزْمِ مُؤاخَذُونَ بِالنَّقِيرِ والقِطْمِيرِ وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وابْنُ المُنِيرِ لَمْ يَرْضَ كَوْنَ ذَلِكَ عِتابًا قالَ: وفي كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَرَ مِنهُ ما أوْجَبَ نِسْبَةَ الجَهْلِ إلَيْهِ ومُعاتَبَتَهُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما تَخَيَّلَهُ ثُمَّ قالَ: ونَحْنُ نُوَضِّحُ أنَّ الحَقَّ في الآيَةِ مُنَزَّلٌ عَنْ نَصِّها مَعَ تَبْرِئَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا تَوَهَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ فَنَقُولُ: لَمّا وُعِدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَنْجِيَةِ أهْلِهِ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولَمْ يَكُنْ كاشِفًا لِحالِ ابْنِهِ ولا مُطَّلِعًا عَلى باطِنِ أمْرِهِ بَلْ كانَ مُعْتَقِدًا بِظاهِرِ الحالِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بَقِيَ عَلى التَّمَسُّكِ بِصِيغَةِ العُمُومِ لِلْأهْلِيَّةِ الثّابِتَةِ ولَمْ يُعارِضْها يَقِينٌ في كُفْرِ ابْنِهِ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الأهْلِ ويَدْخُلَ في المُسْتَثْنِينَ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ بِناءً عَلى ذَلِكَ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ في عِلْمِهِ مِنَ المُسْتَثْنِينَ وأنَّهُ هو لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ سَألَ فِيهِ، وهَذا بِأنْ يَكُونَ إقامَةُ عُذْرٍ أوْلى مِنهُ مِن أنْ يَكُونَ عِتابًا، فَإنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما اسْتَأْثَرَ بِهِ غَيْبًا، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ إلَخْ.. فالمُرادُ النَّهْيُ عَنْ وُقُوعِ السُّؤالِ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ أنْ أعْلَمَهُ سُبْحانَهُ باطِنَ أمْرِهِ، وأنَّهُ إنْ وقَعَ في المُسْتَقْبَلِ في السُّؤالِ كانَ مِنَ الجاهِلِينَ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَقْدِيمُ ما يُبْقِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَمْتِ العِصْمَةِ، والمَوْعِظَةُ لا تَسْتَدْعِي وُقُوعَ ذَنْبٍ بَلِ المَقْصِدُ مِنها أنْ لا يَقَعَ الذَّنْبُ في الِاسْتِقْبالِ ولِذَلِكَ امْتَثَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ واسْتَعاذَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ما نُهِيَ عَنْهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

هود 11:47

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا يَخْفى سُقُوطُهُ عَلى ما عَلِمْتُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، وقَدْ جاءَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ما قالَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ الحَضْرَمِيِّ قالَ: لَمّا عاتَبَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا في ابْنِهِ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ بَكى ثَلَثَمِائَةِ عامٍ حَتّى صارَ تَحْتَ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الجَدْوَلِ مِنَ البُكاءِ. وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ السُّؤالَ قَبْلَ الغَرَقِ ومَعَ العِلْمِ بِكُفْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ سُؤالَهُ رَبَّهُ نَجاةَ ولَدِهِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ مَعَ إصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِكُفْرِهِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ في أهْلِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ كانَ طَلَبُ النَّجاةِ مُنْكَرًا مِنَ المَناكِيرِ فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ عَلى ما قَرَّرْنا أنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) إلَخْ تَوْبَةٌ مِمّا وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ و(ما) هُنا أيْضًا عِبارَةٌ إمّا عَنِ المَسْؤُولِ أوْ عَنِ السُّؤالِ، أيْ أعُوذُ بِكَ أنْ أطْلُبَ مِنكَ مِن بَعْدُ مَطْلُوبًا لا أعْلَمُ أنَّ حُصُولَهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أوْ طَلَبًا لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ سَواءٌ كانَ مَعْلُومَ الفَسادِ أوْ مُشْتَبَهِ الحالِ، أوْ لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ، ولَمْ يَقُلْ أعُوذُ بِكَ مِنهُ أوْ مِن ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّوْبَةِ صفحة 72 وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ والنَّشاطِ فِيها وتَبَرُّكًا بِذِكْرِ ما لَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ: أتُوبُ إلَيْكَ أنْ أسْألَكَ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا هائِلًا مَحْذُورًا لا مَحِيصَ مِنهُ إلّا بِالعَوْذِ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاصِرَةٌ عَنِ النَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ إلّا بِذَلِكَ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، واحْتِمالِ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَدٌّ وإنْكارٌ نَظِيرُ ما في البَقَرَةِ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِمّا لا يَكادُ يَمُرُّ بِفِكْرِ أحَدٍ مِنَ الجاهِلِينَ. هَذا وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) أنْ تَسْألَنِي، ورَجَّحَ بِهِ كَوْنَ ضَمِيرِ (إنَّهُ) في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ لِلنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلسُّؤالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فَلا تَسْألَنَّ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُما كَسَرا النُّونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَسْألُنِي، فَحُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ وكُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ لِلْياءِ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الياءَ بَعْدَ النُّونِ وأمْرُهُ ظاهِرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ (تُسالُنِي) مِن غَيْرِ هَمْزِ مِن سالَ يُسالُ فَهُما يُساوِلانِ وهي لُغَةٌ سائِرَةٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ السُّؤالِ المَذْكُورِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ هَذا عَنْ حِكايَةِ الأمْرِ الوارِدِ عَلى الأرْضِ والسَّماءِ وما يَتْلُوهُ مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُذْكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ في الخارِجِ عَلى ما عَلِمْتَ مِن أنَّ النِّداءَ كانَ لِطَلَبِ الإنْجاءِ قَبْلَ العِلْمِ بِالهَلاكِ، قِيلَ: لِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ قِصَّةِ البَقَرَةِ في سُورَتِها دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ هَذا المَعْنى بِالغَرَضِ لِما فِيهِ مِنَ النُّكَتِ مِن جَعْلِ قَرابَةِ الدِّينِ غامِرَةً لِقَرابَةِ النَّسَبِ وأنْ لا يُقْدِمَ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الأُصُولِيَّةِ إلّا بَعْدَ اليَقِينِ، وتَعَقَّبَ بِالفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ عِنْدَ مَن كانَ ذا قَلْبٍ وما ذُكِرَ مِن جَعْلِ قَرابَةِ الدِّينِ غامِرَةً لِقَرابَةِ النَّسَبِ إلَخْ لا يَفُوتُ عَلى تَقْدِيرِ سَوْقِ الكَلامِ عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ أيْضًا. واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا النِّداءِ كَما تَرى مُسْتَدْعٍ لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المُؤَدِّي إلى ذِكْرِ قَبُولِها في ضِمْنِ الأمْرِ بِهُبُوطِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفُلْكِ بِالسَّلامِ والبَرَكاتِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ آخَذُ بَعْضُها بِحُجْزَةِ بَعْضٍ بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفَرِّقُ الآياتِ الكَرِيمَةَ المُنْطَوِيَةَ عَلَيْها بَعْضَها مِن بَعْضٍ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما بِتَمامِ القِصَّةِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَمامِ الطُّوفانِ فَلا جَرَمَ اقْتَضى الحالُ ذِكْرَ تَمامِها قَبْلَ هَذا النِّداءِ، وهو إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ذِكْرِ كَوْنِ كَنْعانَ مِنَ المُغْرَقِينَ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ ازْدادَ حُسْنُ مَوْقِعِ الإيجازِ البَلِيغِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي التَّصْرِيحُ بِهَلاكِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَوْ ذُكِرَ النِّداءُ بَعْدَ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ لَرُبَّما تَوَهَّمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى أنْ يَرِدَ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إلَخْ أنَّهُ يَنْجُو بِدُعائِهِ فَنَصَّ عَلى هَلاكِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ أفْحَمَ مَصاقِعَ البُلَغاءِ، ثُمَّ تَعَرَّضَ لِما وقَعَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَبِّ العِزَّةِ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ وعَلَتْ كَلِمَتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبُولَها بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

هود 11:48

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ إلَخْ.. وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِظُهُورِ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: القائِلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والهُبُوطُ النُّزُولُ قِيلَ: أيِ انْزِلْ مِنَ الفُلْكِ وقِيلَ: مِنَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ السَّفِينَةَ اسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ في عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ فَأقامَ بِمَن مَعَهُ هُناكَ صفحة 73 شَهْرًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: اهْبِطْ فَهَبَطَ بِأرْضِ المَوْصِلِ وبَنى قُرْبَ الجَبَلِ قَرْيَةً يُقالُ لَها: قَرْيَةُ الثَّمانِينَ عَدَدُ مَن في السَّفِينَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَنى كُلٌّ مِنهم بَيْتًا فَسُمِّيَتْ سُوقَ الثَّمانِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَمّا اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ لَبِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ بِالهُبُوطِ فَهَبَطَ عَلى الجَبَلِ فَدَعا الغُرابَ فَقالَ: ائْتِنِي بِخَبَرِ الأرْضِ، فانْحَدَرَ إلى الأرْضِ وفِيها الغَرْقى مِن قَوْمِ نُوحٍ فَوَقَعَ عَلى جِيفَةٍ مِنهم فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ، ودَعا الحَمامَةَ فَوَقَفَتْ عَلى كَفِّهِ فَقالَ: اهْبِطِي فَأْتِنِي بِخَبَرِ الأرْضِ فانْحَدَرَتْ فَلَمْ تَلْبَثْ قَلِيلًا حَتّى جاءَتْ تَنْفُضُ رِيشَها بِمِنقارِها فَقالَتِ: اهْبِطْ فَقَدْ أنْبَتَتِ الأرْضُ فَقالَ نُوحٌ: بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكِ وفي بَيْتٍ يَأْوِيكِ وحَبَّبَكِ إلى النّاسِ ولَوْلا أنْ يَغْلِبَكِ النّاسُ عَلى نَفْسِكِ لَدَعَوْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَ رَأْسَكِ مِنَ الذَّهَبِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الهُبُوطَ مِنَ الجُودِيِّ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السَّفِينَةُ إلى الأرْضِ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَسْتَعْدِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ بِلا مُهْلَةٍ لِيُقالَ: إنَّ ما تَحْتَ الجَبَلِ مَغْمُورٌ إذْ ذاكَ بِالماءِ، والتَّعْبِيرُ بِالهُبُوطِ عَلى هَذا في غايَةِ الظُّهُورِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السَّفِينَةِ لِمَكانِ الرُّكُوبِ، وخَبَرُ الحَمامَةِ، والغُرابُ قَدْ طارَ في الآفاقِ وأُولِعَ بِهِ القَصّاصُونَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وكَذا اشْتُهِرَ خَبَرُ قَرْيَةِ الثَّمانِينَ في أرْضِ المَوْصِلِ لَمّا ضاقَتْ عَلَيْهِمْ تَحَوَّلُوا إلى بابِلَ فَبَنَوْها. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ حائِطٍ وُضِعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ حائِطُ حَرّانَ ودِمَشْقَ ثُمَّ بابِلَ. وقُرِئَ (اهْبُطْ) بِضَمِّ الباءِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِسَلامَةٍ مِمّا تَكْرَهُ كائِنَةً (مِنّا) أيْ مِن جِهَتِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّلامُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والتَّحِيَّةِ أيْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مِن جِهَتِنا ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ خَيْراتٍ نامِيَةٍ في نَسْلِكَ وما يَقُومُ بِهِ مَعاشُكَ ومَعاشُهم مِن أنْواعِ الأرْزاقِ، أوْ مُبارَكًا عَلَيْكَ أيْ مَدْعُوًّا لَكَ بِالبَرَكَةِ بِأنْ يُقالَ: بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ وهو مُناسِبٌ لِكَوْنِ السَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، وأصْلُ البِرَكِ -كَما قالَ الرّاغِبُ- صَدْرُ البَعِيرِ يُقالُ: بَرَكَ البَعِيرُ إذا ألْقى بَرَكَهُ، واعْتُبِرَ فِيهِ اللُّزُومُ ولِذا سُمِّيَ مُحْتَبَسُ الماءِ بِرْكَةً، والبَرَكَةُ ثُبُوتُ الخَيْرِ الإلَهِيِّ في الشَّيْءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ الخَيْرِ فِيهِ ثُبُوتَ الماءِ في البِرْكَةِ. ولَمّا كانَ الخَيْرُ الإلَهِيُّ يَصْدُرُ عَلى وجْهٍ لا يُحَسُّ ولا يُحْصى قِيلَ لِكُلِّ ما يُشاهَدُ فِيهِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ: هو مُبارَكٌ وفِيهِ بَرَكَةٌ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإشْعارِ بِاللُّزُومِ -وكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْسُوسٍ- اخْتَصَّ تَبارَكَ بِالِاسْتِعْمالِ في اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى كَما قِيلَ، وفي الكَشْفِ كُلُّ شَيْءٍ ثَبَتَ وأقامَ فَقَدْ بَرَكَ وأُخِذَ بُرُوكُ البَعِيرِ مِنهُ، ثُمَّ البَرْكُ بِمَعْنى الصَّدْرِ مِنَ الثّانِي لِأنَّهُ آلَةُ بُرُوكِهِ أظْهَرُ، وحَكى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ –وبَرَكَةٌ- بِالتَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ لِأنَّهُ حَذَفَ مِنَ الثّانِي ما ذُكِرَ في الأوَّلِ، وذَكَرَ فِيهِ ما حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ سَلامٌ مِنّا عَلَيْكَ وبَرَكاتٌ أوْ وبَرَكَةٌ مِنّا عَلَيْكَ، وهَذا مِنهُ تَعالى إعْلامٌ وبِشارَةٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وخَلاصِهِ مِنَ الخُسْرانِ مَعَ الإشارَةِ إلى عَوْدِ الأرْضِ إلى حالِها مِنَ الإنْباتِ وغَيْرِهِ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ مُتَشَعِّبَةٌ مِنهم –فَمِن- ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ الأُمَمُ المُؤْمِنَةُ المُتَناسِلَةُ مِمَّنْ مَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والمُرادُ -مِمَّنْ مَعَهُ- أوْلادُهُ مِن إطْلاقِ العامِّ وإرادَةُ الخاصِّ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُعَقِّبْ غَيْرُهُمْ، فالنّاسُ كُلُّهم عَلى هَذا مِن نَسْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ومِن هُنا سُمِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمَ الثّانِي، وآدَمَ الأصْغَرَ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 75 ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ وقَدْ يُقالُ بِبَقاءِ –مِن- عَلى عُمُومِهِ بِناءً عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِ النَّسْلِ بِأوْلادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ،بَلْ لِمَن مَعَهُ نَسْلٌ باقٍ أيْضًا، والكَلامُ في اسْتِدْلالِ الأوَّلِينَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمَمٌ﴾ بِالرَّفْعِ -وهُوَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ- مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومِنهم أُمَمٌ، وساغَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ فَإنَّ إيرادَ الأُمَمِ المُبارَكِ عَلَيْهِمُ المُتَشَعِّبَةِ مِنهم نَكِرَةٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ مَن يَتَشَعَّبُ مِنهم لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ جَمِيعُ مَن يَتَشَعَّبُ مِنهم مُشارِكًا لَهُ في السَّلامِ والبَرَكاتِ، بَلْ مِنهم أُمَمٌ يَتَمَتَّعُونَ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ فِيها أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ (أُمَمٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الصِّفَةِ وهي المَسُوغَةُ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّقْدِيرُ وأُمَمٌ مِنهُمْ، وجُمْلَةُ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هو الخَبَرُ كَما قالُوا: السَّمْنُ مِنوانٌ بِدِرْهَمٍ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ولا يُقَدَّرُ لَهُ صِفَةٌ والخَبَرُ أيْضًا ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ كَوْنُ المَكانِ مَكانَ تَفْصِيلٍ فَكانَ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ: إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوِّلِ وقَوْلُ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ ارْتَفَعَ (أُمَمٌ) عَلى مَعْنى ويَكُونُ أُمَمٌ إنْ أرادَ بِهِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، وإنْ أرادَ الإعْرابَ فَلَيْسَ يُجِيدُ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ يَكُونُ، وقالَ الأخْفَشُ: هَذا كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا، وعَمْرٌو جالِسٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ العَطْفِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ وتَكُونُ الجُمْلَةُ هُنا حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ وقْتَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأُمَمُ مَوْجُودَةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ (أُمَمٌ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (اهْبِطْ) والتَّقْدِيرُ -اهْبِطْ أنْتَ وأُمَمٌ- وكانَ الفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْنِيًا عَنِ التَّأْكِيدِ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ نَعْتٌ لِأُمَمٍ، وفِيهِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ كُلُّهم مُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن آمَنَ﴾ ولَمْ يَكُونُوا قِسْمَيْنِ كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ لِيُؤْمَرَ الكُفّارُ بِالهُبُوطِ مَعَهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَلْتَزِمَ أنَّ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مَن عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ الهُبُوطِ فَأخْبَرَ عَنْهم بِالحالَةِ الَّتِي يَؤُولُونَ إلَيْها وفِيهِ بُعْدٌ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ –مِن- في ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ بَيانِيَّةً أيْ وعَلى أُمَمٍ هُمُ الَّذِينَ مَعَكَ، وسُمُّوا أُمَمًا لِأنَّهم أُمَمٌ مُتَحَزِّبَةٌ وجَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ أوْ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ إنَّما تَشَعَّبَتْ مِنهم فَهم أُمَمٌ مَجازًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِالأُمَمِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ بَعْضُ الأُمَمِ المُتَشَعِّبَةِ مِنهم وهي الأُمَمُ الكافِرَةُ المُتَناسِلَةُ مِنهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وفِي الكَشّافِ إنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ قِيلَ: لِيُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ ولِأنَّهُ أشْمَلُ ولِأنَّ –مِن- الِابْتِدائِيَّةَ لا سِيَّما في المُنْكَرِ أكْثَرُ ولِلنُّكْتَةِ في إدْخالِ النّاشِئِينَ في المُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ، وقَطْعُ المُمَتَّعِينَ عَنْهم مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ حُذِفَ مِنهم في الثّانِي، واكْتُفِيَ بِسَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ سَلامِ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ لِأنَّ النَّبِيَّ زَعِيمُ أُمَّتِهِ وكَفاهم هَذا التَّعْظِيمُ والِاتِّحادُ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يُرادُ أنَّ الحَمْلَ عَلى البَيانِيَّةِ أرْجَحُ لِئَلّا يَلْزَمَ أنْ لا يَكُونَ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ عَلى أنَّ لَفْظَ الأُمَمِ في الإطْلاقِ عَلى مَن مَعَهُ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ لا فَخامَةَ فِيهِ لِأنَّ تَسْمِيَةَ الجَماعَةِ القَلِيلَةِ بِالأُمَّةِ لا يُناسِبُ فَكَيْفَ بِالأُمَمِ، ولا مُبالَغَةَ في هَذا المَقامِ فِيهِ فَلا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِيقَةِ، وإنْ جُعِلَ مِن بابِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لَمْ يُلائِمْ تَفْخِيمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّهُ يَبْقى عَلى البَيانِيَّةِ أمْرُ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ النّاشِئَةِ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْهَمًا غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، ولا مَدْلُولَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يُقالَ: حَيْثُ كانَ المُرادُ بِمَن مَعَكَ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُ أنَّ المُشارِكِينَ لَهم في وصْفِ الإيمانِ مِثْلُهم صفحة 75 فِيما تَقَدَّمَ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ في دَلالَةِ المَذْكُورِ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ خَفاءً لِأنَّ –مِنِ- المَذْكُورَةَ بَيانِيَّةٌ، والمَحْذُوفَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، ورُبَّما يُجابُ عَنْهُ أيْضًا بِإلْزامِ أنْ لا حَذْفَ أصْلًا كَما هو أحَدُ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ما ذُكِرَ. والمَأْثُورُ عَدَمُ تَخْصِيصِ الأُمَمِ في المَوْضِعَيْنِ بِمُؤْمِنِينَ مُعَيَّنِينَ وكافِرِينَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَخَلَ في ذَلِكَ السَّلامِ والبَرَكاتِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ المَتاعِ والعَذابِ الألِيمِ كُلُّ كافِرٍ وكافِرَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ما زالَ اللَّهُ تَعالى يَأْخُذُ لَنا بِسَهْمِنا وحَظِّنا ويَذْكُرُنا مِن حَيْثُ لا نَذْكُرُ أنْفُسَنا، كُلَّما هَلَكَتْ أُمَّةٌ خَلَقَنا في أصْلابِ مَن يَنْجُو بِلُطْفِهِ حَتّى جَعَلَنا في خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَمِ المُمَتَّعَةِ قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِالعَذابِ ما نَزَلْ بِهِمْ، وبالَغَ بَعْضُهم في عُمُومِ الأُمَمِ في الأوَّلِ فَجَعَلَها شامِلَةً لِسائِرِ الحَيَواناتِ الَّتِي كانَتْ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فِيها البَرَكَةَ -ولَيْسَ بِشَيْءٍ- كَما لا يَخْفى، وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفٌ واحِدٌ مَرّاتٍ مَعَ غايَةِ الخِفَّةِ ولَمْ تَتَكَرَّرِ الرّاءُ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ: وقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكانِ قَفْرٍ ∗∗∗ ولَيْسَ قُرْبُ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرَ ومَعَ ما تَرى فِيهِ مِن غايَةِ الثِّقَلِ وعُسْرِ النُّطْقِ، ولِلَّهِ تَعالى شَأْنُ التَّنْزِيلِ ما أكْثَرَ لَطائِفَهُ

هود 11:49

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي لِتَقَضِّيها في حُكْمِ البَعِيدِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُشِيرَ بِأداةِ البُعْدِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِها، وقِيلَ: إنَّ الإشاراةَ إلى آياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ وهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ بَعْضِ أخْبارِهِ الَّتِي لَها شَأْنٌ وكَوْنُها بَعْضَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى التَّفْصِيلِ لَمْ تَبْقَ لِطُولِ العَهْدِ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ تَعالى حَتّى إنَّ المَجُوسَ عَلى ما قِيلَ: يُنْكِرُونَها رَأْسًا، وقِيلَ: إنَّ كَوْنَها مِنَ الغَيْبِ لِغَيْرِ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الغَيْبَ قِسْمانِ: ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ أصْلًا وهو الغَيْبُ المُطْلَقُ، وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ مُعَيَّنٍ وهو الغَيْبُ المُضافُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ المَخْلُوقِ، وهو مُرادُ الفُقَهاءِ في تَكْفِيرِ الحاكِمِ عَلى الغَيْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿نُوحِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ –لِتِلْكَ- والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوحاةً ﴿إلَيْكَ﴾ أوْ هو الخَبَرُ ( مِن أنْباءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وفائِدَةُ تَقْدِيمِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ بِكِهانَةٍ أوْ تَعَلُّمٍ مِنَ الغَيْرِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ ( مِن أنْباءِ ) هو الخَبَرُ، وهَذا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( أنْباءِ ) والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ كَوْنِها مُوحاةً إلْجاءُ قَوْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَحْذِيرِهِمْ مِمّا نَزَلَ بِالمُكَذِّبِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيِ الإيحاءِ إلَيْكَ المَعْلُومِ مِمّا مَرَّ، وقِيلَ: أيِ الوَقْتِ، وقِيلَ: أيِ العِلْمِ المُكْتَسَبِ بِالوَحْيِ. وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ- ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ﴿نُوحِيها﴾ أوِ الكافِ مِن ( إلَيْكَ ) أيْ غَيْرُ عالِمٍ أنْتَ ولا قَوْمُكَ بِها، وذِكْرُ القَوْمِ مَعَهُ ﷺ مِن بابِ التَّرَقِّي كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ لا يَعْلَمُهُ زَيْدٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ لِأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ إذا لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم. ﴿فاصْبِرْ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى الإيحاءِ أوْ عَلى العِلْمِ المُسْتَفادِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ وإذْ قَدْ أوْحَيْناها إلَيْكَ وعَلِمْتَها بِذَلِكَ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ قَوْمِكَ كَما صَبَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَهُ مِن أنْواعِ صفحة 76 البَلايا في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وقِيلَ: وهَذا ناظِرٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ إلَخْ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ بِالظَّفَرِ في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ بِالآخِرَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما سَمِعْتَ ذَلِكَ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، قِيلَ: وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ، والمُرادُ بِالتَّقْوى الدَّرَجَةُ الأُولى مِنها، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ وهي بِذَلِكَ المَعْنى مُنْطَوِيَةٌ عَلى الصَّبْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ فَإنَّ العاقِبَةَ لِلصّابِرِينَ، وقِيلَ: الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وبَيانٌ لِلْحِكْمَةِ في إيحاءِ ذَلِكَ مِن إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْدِيدِ قَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ لَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ، ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ إلَخْ لِما كانَ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ عَدَمَ نَشاطِ المُتَكَلِّمِ إذا لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا قابِلًا لِكَلامِهِ وضِيقِ صَدْرِهِ مِن ذَلِكَ هَيَّجَ جَلَّ شَأْنُهُ نَشاطَ نَبِيِّهِ ﷺ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ ولا يَخْلُو الإنْذارُ عَنْ إحْدى فائِدَتَيْنِ: رَفْعِ الحِجابِ عَمَّنْ وُفِّقَ وإلْزامِ الحُجَّةِ لِمَن خَذَلَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ فَكُلُّ الهِدايَةِ إلَيْهِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِعَمَلِهِ الَّذِي هو بِظاهِرِهِ مِن أعْمالِ الآخِرَةِ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ كالجاهِ والمَدْحِ ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ جَزاءَها فِيها إنْ شِئْنا ﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُونَ شَيْئًا مِنها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ لِتُعَذَّبَ قُلُوبُهم بِالحُجُبِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ مِن أعْمالِ البِرِّ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وجاءَ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» الحَدِيثَ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ يَقِينٍ بُرْهانِيٍّ عَقْلِيٍّ أوْ وِجْدانِيٍّ كَشْفِيٍّ ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ وهو القُرْآنُ المُصَدِّقُ لِذَلِكَ، ومِن هُنا تُؤَيِّدُ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ بِالآياتِ النَّقْلِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ. ويُحْكَمُ بِكَوْنِ الكَشْفِ صَحِيحًا إذا شَهِدَتْ لَهُ ووافَقَتْهُ، ولِذا قالُوا: كُلُّ كَشْفٍ خالَفَ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ أيْ يَتْبَعُ البُرْهانَ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حالَةِ كَوْنِهِ ﴿إمامًا﴾ يُؤْتَمُّ بِهِ في تَحْقِيقِ المَطالِبِ ﴿ورَحْمَةً﴾ لِمَن يَهْتَدِي بِهِ، وهَذا وجْهٌ في الآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما فِيها مِن الِاحْتِمالاتِ؛ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ المُرادَ بَيانُ بَعْدَ ما بَيْنَ مَرْتَبَتَيْ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا ومَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. ولِلصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عِباراتٌ شَتّى في البَيِّنَةِ فَقالَ رُوَيْمٌ: هي الإشْرافُ عَنِ القُلُوبِ والحُكْمُ عَلى الغُيُوبِ، وقالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ: هي حَقِيقَةٌ يُؤَيِّدُها ظاهِرُ العِلْمِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كانَتْ جَوارِحُهُ وقْفًا عَلى الطّاعاتِ والمُوافَقاتِ ولِسانُهُ مَشْغُولًا بِالذِّكْرِ ونَشْرِ الآلاءِ والنَّعْماءِ وقَلْبُهُ مُنَوَّرًا بِأنْوارِ التَّوْفِيقِ وضِياءِ التَّحْقِيقِ، وسِرُّهُ ورُوحُهُ مُشاهِدِينَ لِلْحَقِّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وكانَ عالِمًا بِما يَبْدُو مِن مَكْنُونِ الغُيُوبِ، ورُؤْيَتُهُ يَقِينٌ لا شَكَّ فِيهِ وحُكْمُهُ عَلى الخَلْقِ كَحُكْمِ الحَقِّ لا يَنْطِقُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَرى إلّا الحَقَّ لِأنَّهُ مُسْتَغْرَقٌ بِهِ فَأنّى يَرى سِواهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إلَخْ.. جَعَلَهُ بَعْضُهم إشارَةً إلى المُثْبِتِينَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وجُودًا وهم أهْلُ الكَثْرَةِ والحِجابِ، وفَسَّرَ الأشْهادُ بِالمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ في الدّارِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ دِيارًا. ومِنَ النّاسِ مَن عَكَسَ الأمْرَ وجَعَلَها رَدًّا عَلى أهْلِ الوَحْدَةِ القائِلِينَ: إنَّ كُلَّ ما شاهَدْتَهُ بِعَيْنِكَ أوْ تَصَوَّرْتَهُ بِفِكْرِكَ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى كُفْرُ النَّصارى إيمانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وحاشا أهْلَ اللَّهِ تَعالى مِنَ القَوْلِ بِهِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، ومِنهم مَن جَعَلَها مُشِيرَةً إلى حالِ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ ولِيُّ اللَّهِ تَعالى ويَتَزَيّا بِزِيِّ السّاداتِ ويَتَكَلَّمُ بِكَلِماتِهِمْ وهو في الباطِنِ أفْسَقُ مِن قِرْدٍ وأجْهَلُ مِن حِمارِ تُومَهْ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ قِيلَ: (البَصِيرُ) مَن عايَنَ ما يُرادُ بِهِ وما يَجْرِي لَهُ وعَلَيْهِ في جَمِيعِ أوْقاتِهِ (والسَّمِيعُ) مَن يَسْمَعُ ما يُخاطَبُ بِهِ مِن تَقْرِيعٍ وتَأْدِيبٍ وحَثٍّ ونَدْبٍ لا يَغْفُلُ عَنِ الخِطابِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقِيلَ: (البَصِيرُ) النّاظِرُ إلى الأشْياءِ بِعَيْنِ الحَقِّ فَلا يُنْكِرُ شَيْئًا ولا يَتَعَجَّبُ صفحة 77 مِن شَيْءٍ والسَّمِيعُ مَن يَسْمَعُ مِنَ الحَقِّ فَيُمَيِّزُ الإلْهامَ مِنَ الوَسْواسِ، وقِيلَ: (البَصِيرُ) هو الَّذِي يَشْهَدُ أفْعالَهُ بِعِلْمِ اليَقِينِ وصِفاتِهِ بِعَيْنِ اليَقِينِ وذاتَهُ بِحَقِّ اليَقِينِ، فالغائِباتُ لَهُ حُضُورٌ والمَسْتُوراتُ لَهُ كَشْفٌ (والسَّمِيعُ) مَن يَسْمَعُ مِن دَواعِي العِلْمِ شَرْعًا، ثُمَّ مِن خَواطِرِ التَّعْرِيفِ قَدْرًا، ثُمَّ يُكاشِفُ بِخِطابٍ مِنَ الحَقِّ سِرًّا، وقِيلَ: (السَّمِيعُ) مَن لا يَسْمَعُ إلّا كَلامَ حَبِيبِهِ، و(البَصِيرُ) مَن لا يُشاهِدُ إلّا الأنْوارَهُ فَهو في ضِيائِها لَيْلًا ونَهارًا، وإلى هَذا يُشِيرُ قَوْلُ قائِلِهِمْ: لَيْلى مِن وجْهِكِ شَمْسُ الضُّحى وإنَّما السُّدْفَةُ في الجَوِّ النّاسُ في الظُّلْمَةِ مِن لَيْلِهِمْ ∗∗∗ ونَحْنُ مِن وجْهِكِ في الضَّوِّ وفُسِّرَ كُلٌّ مِنَ -الأعْمى والأصَمِّ- بِضِدِّ ما فُسِّرَ بِهِ (البَصِيرُ والسَّمِيعُ) والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّقابُلِ والتَّباعُدِ إلى حَيْثُ لا تَتَراءى ناراهُما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ ما فِيهِ إرْشادٌ وتَهْدِيدٌ وعِظَةٌ ما عَلَيْها مَزِيدٌ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ المَلِيئُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيا الَّذِينَ حُجِبُوا بِما هم فِيهِ عَنِ الحَقِّ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ لِكَوْنِهِمْ واقِفِينَ عِنْدَ حَدِّ العَقْلِ المَشُوبِ بِالوَهْمِ فَلا يَرَوْنَ لِأحَدٍ طَوْرًا وراءَ ما بَلَغُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ومَعْناها ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ لِفَقْرِهِمْ حَيْثُ كانُوا لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الشَّرَفَ بِالكَمالِ لا بِالمالِ. ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ وتَقَدُّمٌ يُؤَهِّلُكم لِما تَدْعُونَهُ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ فَلا نُبُوَّةَ لَكَ ولا عِلْمَ لَهم ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ يَجِبُ عَلَيْكُمُ الإذْعانُ بِها ﴿وآتانِي رَحْمَةً﴾ هِدايَةً خاصَّةً كَشْفِيَّةً مُتَعالِيَةً عَنْ دَرَجَةِ البُرْهانِ ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ فَوْقَ طَوْرِ عُقُولِكم مِنَ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ ومَقامِ النُّبُوَّةِ (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) لِاحْتِجابِكم بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ وبِالخَلِيقَةِ عَنِ الحَقِيقَةِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ ونُجْبِرُكم عَلَيْها ﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْها كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلْزامُ ذَلِكَ مَعَ الكَراهَةِ، لَكِنْ إنْ شِئْتُمْ تَلَقِّيَهُ فَزَكُّوا أنْفُسَكم واتْرُكُوا إنْكارَكم حَتّى يَظْهَرَ عَلَيْكم أثَرُ نُورِ الإرادَةِ فَتَقَبَّلُوا ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُنْكَرَ لا يُمْكِنُ لَهُ الِاسْتِفاضَةُ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى ولا يَكادُ يَنْتَفِعُ بِهِمْ ما دامَ مُنْكِرًا ومَن لَمْ يَعْتَقِدْ لَمْ يَنْتَفِعْ ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ أيْ لَيْسَ لِي مَطْمَحٌ في شَيْءٍ مِن أمْوالِكُمُ الَّتِي ظَنَنْتُمْ أنَّ الشَّرَفَ بِها ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَهو يُثِيبُنِي بِما هو خَيْرٌ وأبْقى ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّهم أهْلُ الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى، وهم حَمائِمُ أبْراجِ المَلَكُوتِ وبُزاةُ مَعارِجِ الجَبَرُوتِ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ تَسْفَهُونَ عَلَيْهِمْ وتُؤْذُونَهم ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ كَما تُرِيدُونَ وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ لِتَعْرِفُوا التِماسَ طَرْدِهِمْ ضَلالًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ مُؤَدٍّ إلى سُخْطِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ أبُو عُثْمانَ: في الآيَةِ (ما أنا) بِمُعْرِضٍ عَمَّنْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ مَن أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالحَقِيقَةِ أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ومَن أعْرَضَ عَمَّنْ أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَدْ أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ إلَخْ.. أيْ أنا لا أدَّعِي الفَضْلَ بِكَثْرَةِ المالِ ولا بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ ولا بِالمَلَكِيَّةِ حَتّى تُنْكِرُوا فَضْلِي بِفِقْدانِ ذَلِكَ وبِمُنافاةِ البَشَرِيَّةِ لِما أنا عَلَيْهِ ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ﴾ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الحَقارَةِ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ كَما تَقُولُونَ أنْتُمْ، إذِ الخَيْرُ عِنْدِي ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا المالُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ مِنِّي ومِنكم وهو أعْلَمُ بِقَدْرِهِمْ صفحة 78 وخَطَرِهِمْ ﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ إذْ نَفَيْتُ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِثْلَكم ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ قِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُشارِ إلَيْهِ بِخَبَرِ: «لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ» الحَدِيثَ. وقِيلَ: أيْ كُنْ في أعْيُنِ رِعايَتِنا وحِفْظِنا ولا تَكُنْ في رُؤْيَةِ عَمَلِكَ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ إلى غَيْرِي احْتَجَبَ بِهِ عَنِّي، وقالَ بَعْضُهُمْ: أيْ أسْقِطْ عَنْ نَفْسِكَ تَدْبِيرَكَ واصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ مِن أفْعالِكَ عَلى مُشاهَدَتِنا دُونَ مُشاهَدَةِ نَفْسِكَ أوْ أحَدٍ مِن خَلْقِي، وقِيلَ: أيِ اصْنَعِ الفُلْكَ ولا تَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا رِعايَةً وكِلاءَةً، فَإنِ اعْتَمَدْتَ عَلى الفُلْكِ وُكِّلْتَ إلَيْهِ وسَقَطْتَ مِن أعْيُنِنا ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى رِقَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ احْتِمالِ جَفْوَتِهِمْ وأذِيَّتِهِمْ، وهَكَذا شَأْنُ الصِّدِّيقِينَ، والكَلامُ في باقِي الآيَةِ ظاهِرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجِبُ الإيمانُ بِظاهِرِها والتَّصْدِيقُ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْكارُ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ أنَّهُ بَعْدَ الإيمانِ بِذَلِكَ يُمْكِنُ احْتِمالُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ حَظُّ الصُّوفِيِّ مِنَ الآيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَوَّلَ الفُلْكُ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ الَّتِي نَجا بِها هو ومَن آمَنَ مَعَهُ، والطُّوفانُ بِاسْتِيلاءِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ وإهْلاكِ مَن لَمْ يَتَجَرَّدْ عَنْها بِمُتابَعَةِ نَبِيٌّ وتَزْكِيَةِ نَفْسٍ كَما جاءَ في مُخاطَباتِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ ما مَعْناهُ إنَّ هَذِهِ الدُّنْيا بَحْرٌ مَمْلُوءٌ ماءً، فَإنِ اتَّخَذْتَ سَفِينَةً تَرْكَبُها عِنْدَ خَرابِ البَدَنِ نَجَوْتَ مِنها إلى عالَمِكَ وإلّا غَرِقْتَ فِيها وهَلَكْتَ، وعَلى هَذا يُقالُ: مَعْنى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ يَتَّخِذُ شَرِيعَةً مِن ألْواحِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ودُسُرِ العُلُومِ تَنْتَظِمُ بِها الأعْمالُ وتُحْكَمُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ كَما هو المُشاهَدُ في أرْبابِ الخَلاعَةِ المُمْتَطِينَ غارِبَ الهَوى يَسْخَرُونَ مِنَ المُتَشَرِّعِينَ المُتَقَيِّدِينَ بِقُيُودِ الطّاعَةِ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ بِجَهْلِكم ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ وخامَةِ عاقِبَتِكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الدُّنْيا مِن حُلُولِ ما لا يُلائِمُ غَرَضَهُ وشَهْوَتَهُ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ مِنِ اسْتِيلاءِ نِيرانِ الحِرْمانِ وظُهُورِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ المُظْلِمَةِ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ بِإهْلاكِ أُمَّتِهِ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ بِاسْتِيلاءِ الأخْلاطِ الفاسِدَةِ والرُّطُوباتِ الفَضْلِيَّةِ عَلى الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وقُوَّةِ طَبِيعَةِ ماءِ الهَيُولِيِّ عَلى نارِ الرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ، أوْ ﴿أمْرُنا﴾ بِإهْلاكِهِمُ المَعْنَوِيِّ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ بِاسْتِيلاءِ ماءِ هَوى الطَّبِيعَةِ عَلى القَلْبِ وإغْراقِهِ في بَحْرِ الهَيُولِيِّ الجُسْمانِيِّ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفَيْنِ مِن نَوْعٍ اثْنَيْنِ هُما صُورَتاهُما النَّوْعِيَّةُ والصِّنْفِيَّةُ الباقِيَتانِ عِنْدَ فَناءِ الأشْخاصِ. ومَعْنى حَمْلِهِما فِيها عِلْمُهُ بِبَقائِهِما مَعَ بَقاءِ الأرْواحِ الإنْسِيَّةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ جُزْءٌ مِنَ السَّفِينَةِ المُتَرَكِّبَةِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَمَعْلُومِيَّتُهُما مَحْمُولِيَّتُهُما وعالِمِيَّتُهُ بِهِما حامِلِيَّتُهُ إيّاهُما فِيها (وأهْلَكَ) ومَن يَتَّصِلُ بِكَ في سِيرَتِكَ مِن أقارِبِكَ ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ أيِ الحُكْمُ بِإهْلاكِهِ في الأزَلِ لِكُفْرِهِ ﴿ومَن آمَنَ﴾ مِن أُمَّتِكَ ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ أيْ بِسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ الَّذِي هو وُجُودُ كُلِّ عارِفٍ كامِلٍ مِن أفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ إجْراءُ أحْكامِها وتَرْوِيجُها في بَحْرِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ وإثْباتُها وأحْكامُها كَما تَرى مِن إجْراءِ كُلِّ شَرِيعَةٍ وأحْكامُها بِوُجُودِ الكامِلِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْها ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لِهَيْئاتِ نُفُوسِكُمُ البَدَنِيَّةِ المُظْلِمَةِ وذُنُوبِ مَلابِسِ الطَّبِيعَةِ المُهْلِكَةِ إيّاكُمُ المُغْرِقَةِ في بَحْرِها وذَلِكَ بِمُتابَعَةِ الشَّرِيعَةِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإضافَةِ المَواهِبِ العِلْمِيَّةِ والكَشْفِيَّةِ والهَيْئاتِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي يُنْجِيكم بِها ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾ مِن بَحْرِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ ﴿كالجِبالِ﴾ الحاجِبَةِ لِلنَّظَرِ المانِعَةِ مِنَ السَّيْرِ، وهم لا يُبالُونَ بِذَلِكَ مَحْفُوظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَوْجِ، وهَذا الجَرَيانِ يَعْرِضُ لِلسّالِكِ في ابْتِداءِ أمْرِهِ ولَوْلا أنَّهُ مَحْفُوظٌ في لُزُومِ سَفِينَةِ الشَّرْعِ لَهَلَكَ. صفحة 79 ولَعَلَّ في الآيَةِ عَلى هَذا تَغْلِيبًا ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ المَحْجُوبَ بِالعَقْلِ المَشُوبَ بِالوَهْمِ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ لِذَلِكَ الحِجابِ عَنِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ أيِ ادْخُلْ في دِينِنا ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ المَحْجُوبِينَ الهالِكِينَ بِأمْواجِ هَوى النَّفْسِ المُغْرَقِينَ في بَحْرِ الطَّبْعِ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ أيْ سَألْتَجِئُ إلى الدِّماغِ وأسْتَعْصِمُ بِالعَقْلِ المُشْرِقِ هُناكَ لِيَحْفَظَنِي مِنِ اسْتِيلاءِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ فَلا أغْرَقُ فِيهِ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ﴾ وهو اللَّهُ الَّذِي رَحِمَ أهْلَ التَّوْحِيدِ وأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن شَآبِيبِ لُطْفِهِ ما عَرَفُوا بِهِ دِينَهُ الحَقَّ ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ مَوْجُ هَوى النَّفْسِ واسْتِيلاءُ ماءِ بَحْرِ الطَّبِيعَةِ وحُجِبَ عَنِ الحَقِّ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ في بَحْرِ الهَيُولِيِّ الجُسْمانِيَّةِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ الحَقِّ عَلى لِسانِ الشَّرْعِ لِأرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ وقِفِي عَلى حَدِّ الِاعْتِدالِ ولِسَماءِ العَقْلِ المَحْجُوبَةِ بِالعادَةِ والحِسِّ المَشُوبَةِ بِالوَهْمِ المُغَيَّمَةِ بِغَيْمِ الهَوى ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ عَنْ إمْدادِ الأرْضِ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ ) أيْ ماءُ قُوَّةِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ ومَدَدُ الرُّطُوبَةِ الحاجِبَةِ لِنُورِ الحَقِّ المانِعَةِ لِلْحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِإنْجاءِ مَن نَجا وإهْلاكِ مَن هَلَكَ ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيْ سَفِينَةُ شَرِيعَتِهِ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ وهو جَبَلُ وُجُودِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ عَبَدُوا الهَوى دُونَ الحَقِّ ووَضَعُوا الطَّبِيعَةَ مَكانَ الشَّرِيعَةِ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ إلَخِ.. الكَلامُ عَلى هَذا الطَّرْزِ فِيهِ ظاهِرٌ ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ مِن مَحِلِّ الجَمْعِ وذُرْوَةِ مَقامِ الوِلايَةِ، والِاسْتِغْراقُ في التَّوْحِيدِ إلى مَقامِ التَّفْصِيلِ وتَشْرِيعِ النُّبُوَّةِ بِالرُّجُوعِ إلى الخَلْقِ ومُشاهَدَةِ الكَثْرَةِ في عَيْنِ الوَحْدَةِ غَيْرُ مُعَطِّلٍ لِلْمَراتِبِ (بِسَلامٍ مِنّا) أيْ سَلامَةٍ عَنْ الِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ مِن تَقْنِينِ قَوانِينِ الشَّرْعِ ﴿عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ عَلى دِينِكَ إلى آخِرِ الزَّمانِ (وأُمَمٌ) أيْ ويَنْشَأُ مِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ في العُقْبى ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِإحْراقِهِمْ بِنارِ الآثارِ وتَعْذِيبِهِمْ بِالهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ. هَذا ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا شِئْتَ التَّطْبِيقَ عَلى ما في الأنْفُسِ أوَّلْتَ نُوحًا بِرُوحِكَ والفُلْكَ بِكَمالِكَ العِلْمِيِّ والعَمَلِيِّ الَّذِي بِهِ نَجاتُكَ عِنْدَ طُوفانِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ، والتَّنُّورَ بِتَنُّورِ البَدَنِ، وفَوَرانَهُ اسْتِيلاءَ الرُّطُوبَةِ الغَرِيبَةِ والأخْلاطِ الفاسِدَةِ، وما أشارَ إلَيْهِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ بِجُيُوشِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعَةِ وطُيُورِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ، وأوَّلْتَ ما جاءَ في القِصَّةِ مِنَ البَنِينَ الثَّلاثَةِ والزَّوْجَةِ، بِحامٍ القَلْبَ، وسامٍ العَقْلَ النَّظَرِيَّ، ويافِثَ العَقْلَ العَمَلِيَّ وزَوْجَةٍ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ، والِابْنَ الآخَرَ الوَهْمَ، والزَّوْجَةَ الأُخْرى الطَّبِيعَةَ الجُسْمانِيَّةَ الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنها الوَهْمُ، والجَبَلَ بِالدِّماغِ واسْتِواءَها عَلى الجُودِيِّ وهُبُوطَهُ بِمِثْلِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ الزَّمانِ، انْتَهى، ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ لَمْ يُعَوِّلْ إلّا عَلى ظاهِرِ القِصَّةِ وكانَ لَهُ بِهِ غِنًى عَنْ هَذا التَّأْوِيلِ، واكْتَفى بِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ النَّسَبَ إذا لَمْ يُحَطْ بِالصَّلاحِ كانَ غَرِيقًا في بَحْرِ العَدَمِ. فَمًا يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلِهِ ومِن أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ التَّحَرِّي بِالدُّعاءِ وأنْ لا تَشْغَلَهُ الشَّفَقَةُ عَنْ ذَلِكَ إلى غَيْرِ ما ذُكِرَ، والآيَةُ نَصٌّ في كُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وفي نُصُوصِ الحُكْمِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ سِرَّهُ ما هو نَصٌّ في إيمانِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا نَفْهَمُهُ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

هود 11:50

﴿وإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أرْسَلْنا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ، وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهُمْ، أيْ: واحِدًا مِنهم في النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ: صفحة 80 يا أخا العَرَبِ، وقُدِّمَ المَجْرُورُ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ (إلى عادٍ أخاهُمْ) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ المَنصُوبِ عَلى المَنصُوبِ، والجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ ولَيْسَ مِنَ المَسْألَةِ المُخْتَلَفِ فِيها، نَعَمِ الأوَّلُ أقْرَبُ -كَما في البَحْرِ- لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُفْرَداتِ المُتَعاطِفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ –لِأخاهُمْ- وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ عَمِّ أبِي عادٍ، وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن هو مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ كانَ إرْسالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَظِنَّةً لِلسُّؤالِ عَمّا قالَ لَهم ودَعاهم كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهم حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِذَلِكَ اسْتِعْطافًا لَهُمْ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (يا قَوْمُ) بِالضَّمِّ وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ وكانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، والتَّعْلِيلُ لِلْأمْرِ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِالعِبادَةِ مَعَ الإشْراكِ، فالأمْرُ بِها يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِإفْرادِهِ سُبْحانَهُ بِها و(غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ –لِإلَهٍ- بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ جارٍ عَلى لَفْظِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ بِجَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِهِ تَعالى كَما قالَ الحَسَنُ -أوْ بِقَوْلِكُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِعِبادَةِ الأصْنامِ ﴿إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا

هود 11:51

﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ قَوْمَهُ إزاحَةً لِما عَسى أنْ يَتَوَهَّمُوهُ وتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ فَإنَّها ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلتَّفْخِيمِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ فِعْلَ الفَطْرِ الَّذِي هو الإيجادُ والإبْداعُ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ نِسْبَتَهُ إلى شُرَكائِهِمْ ( ولَئِنْ سَألْتهمْ مِن خَلْق السَّماوات والأرْض لِيَقُولُنَّ اللَّهُ ) مَعَ كَوْنِهِ أقْدَمَ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَوْجِبَةِ لِلشُّكْرِ الَّذِي لا يَتَأتّى إلّا بِالجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ الغالِبِ مُعْرِضًا عَنِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأجْرُ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَنِيٌّ عَنْ أجْرِهِمُ الَّذِي إنَّما يَرْغَبُ فِيهِ لِلِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى تَدْبِيرِ الحالِ وقِوامِ العَيْشِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْجَدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ وتَكَفَّلَ َلَهُ بِالرِّزْقِ كَما تَكَفَّلَ لِسائِرِ مَن أوْجَدَهُ مِنَ الحَيَواناتِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ فَتَنْقادُونَ لِما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ أوْ تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا، فَإنَّ الأمْرَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

هود 11:52

﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ أوْ تُوبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وأخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها، وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ لِأنَّهُ مِن رَوادِفِهِ، وحَيْثُ إنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَدْعِي الكُفْرَ بِغَيْرِهِ لُغَةً قِيلَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِهِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( اعْبُدُوا اللَّهَ ) دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ فَلَوْ حُمِلَ ( اسْتَغْفِرُوا ) عَلى ما ذُكِرَ لَمْ يَفْدِ فائِدَةً زائِدَةً سِوى ما عُلِّقَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ بِالأوَّلِ، والحَمْلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ مَعَ قِلَّةِ الفائِدَةِ مِمّا يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُعْجِزِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ وبِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَمّا صَدَرَ مِنهم صفحة 81 غَيْرَ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وبِالثّانِي التَّوَسُّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّوَسُّلَ المَذْكُورَ لا يَنْفَكُّ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ فَلا يَكُونُ بَعْدَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ (ثُمَّ) -وقِيلَ: وقِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ. و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ كَما في قَوْلِهِ: إذا (نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ مُتَتابِعَهُ مِن غَيْرِ إضْرارٍ فَمِفْعالٌ لِلْمُبالَغَةِ كَمِعْطارٍ ومِقْدامٍ. ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيْ عِزًّا مَضْمُومًا إلى عِزِّكم أوْ مَعَ عِزِّكُمْ، ويَرْجِعُ هَذا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ لِأنَّ العِزَّ الدُّنْيَوِيَّ بِذَلِكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ –القُوَّةِ- بِالخِصْبِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرُها بِوَلَدِ الوَلَدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها قُوَّةُ الجِسْمِ، ورَغَّبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعِ وبَساتِينَ وعِماراتٍ، وقِيلَ: حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثَ سِنِينَ فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ كَثْرَةَ الأمْطارِ وتَضاعُفَ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ، وقِيلَ: القُوَّةُ الأُولى في الإيمانِ، والثّانِيَةُ في الأبْدانِ، أيْ يَزِدْكم قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةِ أبْدانِكم ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ، وقِيلَ: مُجْرِمِينَ بِالتَّوَلِّي وهو تُكَلُّفٌ.

هود 11:53

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وإنَّما قالُوهُ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ أوْ لِشِدَّةِ عَماهم عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ فاعْتَقَدُوا أنَّ ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ وإلّا فَهو وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جاءُوا بِالبَيِّناتِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها، فَفي الخَبَرِ: ”ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ بِتارِكِي عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكَ المُجَرَّدِ عَنِ البَيِّنَةِ –فَعَنْ- لِلتَّعْلِيلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ ﴿بِتارِكِي).﴾ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ أيْ صادِرِينَ، وهو مِنَ الصَّدْرِ مُقابِلِ الوَرْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الماءِ، وقَدْ شاعَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الصَّدْرِ والوَرْدِ كِنايَةً عَنِ العَمَلِ والتَّصَرُّفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ما أمَسَّ الزَّمانِ حاجًا إلى مَن يَتَوَلّى الإيرادَ والإصْدارا أيْ يَتَصَرَّفُ في الأُمُورِ بِصائِبِ رَأْيِهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِالصَّدْرِ في ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْوَرْدِ فَيَقُولُونَ: لا يَصْدِرُ إلّا عَنْ رَأْيِهِ، والمَعْنى هُنا حِينَئِذٍ ما نَحْنُ ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ عامِلِينَ بِقَوْلِكَ، والنَّفْيُ فِيهِ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ آلِهَتَهم ولا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ صادِرِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ وهو قَيْدٌ لِلنَّفْيِ، والمَعْنى انْتَفى تَرْكُنا عِبادَةَ آلِهَتِنا مُعْرِضِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ ويَكُونُ هَذا جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا)،﴾ وجَعَلَ بَعْضُهم إرادَةَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ لا مِن بابِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ بِقَرِينَةِ (عَنْ) وجَعَلَهُ كِنايَةً كَما عَلِمْتَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في هَذا كَما يَكْشِفُ عَنْهُ كَلامُ الكَشْفِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتَ بِهِ أوْ في كُلِّ ما تَأْتِي وتَذَرُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وقَدْ بالَغُوا في الإباءِ عَنِ الإجابَةِ فَأنْكَرُوا الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 82 ثُمَّ قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ، ثُمَّ كَرَّرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ زِيادَةِ الباءِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُفِيدِ لِلتَّقْوى دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يُرْجى مِنهم ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الإقْناطِ ما فِيهِ

هود 11:54

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ.. ﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى. ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و﴿مِن دُونِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في هَذا الحُكْمِ إذْ لا فائِدَةَ في التَّقْيِيدِ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْضًا أيْ مِن إشْراكِكُمْ، وقَدْ جَوَّزَ كِلا الِاحْتِمالَيْنٍ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: أيْ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ آلِهَةً مِن دُونِهِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارِّ فِيهِما واحِدٌ، وتَقْدِيرُ آلِهَةٍ لِإيضاحِ المَعْنى والإشارَةِ إلى أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ لِسَوْقِ الكَلامِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ صِفَةً لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ بَيانَهُ حاصِلُهُما بِنَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في بَيانِ حاصِلِ الأوَّلِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا تَعَلَّقَ المَذْكُورُ ولَيْسَ المَعْنى عَلى آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، ولِلطِّيبِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ، و(إنِّي بَرِيءٌ) مُتَنازَعٌ فِيهِ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِرْهَمًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا صفحة 83 وقَدْ أجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، ولِما كانَ ما وقَعَ أوَّلًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّها مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْنًا حَتّى زَعَمُوا ما زَعَمُوا، صَرَّحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ -بِأنْ- وأكَّدَ ذَلِكَ -بِأُشْهِدُ اللَّهَ-، فَإنَّهُ كالقَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِهانَةُ والِاسْتِهْزاءُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِخَصْمِهِ إذا لَمْ يُبالِ بِهِ: اشْهَدْ عَلى أنِّي قائِلٌ لَكَ كَذا، وكَأنَّهُ غايَرَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ لِذَلِكَ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ قَوْلًا، أيْ: وأقُولُ (اشْهَدُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشْهادُ اللَّهِ تَعالى إنْشاءً أيْضًا وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا قِيلَ ولا قالَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إشْهادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم حَقِيقَةً إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وعُدِلَ عَنِ الخَبَرِ فِيهِ تَمْيِيزًا بَيْنَ الخِطابَيْنِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى كَما هو المَشْهُورُ في الأوَّلِ، لَكِنَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى المَجازِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهم ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا﴾ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ مِن قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، والخِطابُ لِلْقَوْمِ وآلِهَتِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّهُ لِلْقَوْمِ فَقَطْ، وفِيهِ نَفْيُ قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأقْوِياءَ الأشِدّاءَ إذا لَمْ يَقْدِرُوا مَعَ اجْتِماعِهِمْ واحْتِشادِهِمْ عَلى الضُّرِّ كانَ عَدَمُ قُدْرَةِ الجَماداتِ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِن بابٍ أوْلى، وأيّاما كانَ فَذاكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُفْرِدًا بَيْنَ جَمْعِ عُتاةِ جَبابِرَةٍ عِطاشٍ إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى ما هَيَّجَهم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كَلَّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ عِنايَتِهِ بِهِ وعِصْمَتِهِ لَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِإظْهارِ التَّوَكُّلِ عَلى مَن كَفاهُ ضُرُّهم في قَوْلِهِ:

هود 11:55

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ.. ﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى. ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و﴿مِن دُونِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في هَذا الحُكْمِ إذْ لا فائِدَةَ في التَّقْيِيدِ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْضًا أيْ مِن إشْراكِكُمْ، وقَدْ جَوَّزَ كِلا الِاحْتِمالَيْنٍ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: أيْ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ آلِهَةً مِن دُونِهِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارِّ فِيهِما واحِدٌ، وتَقْدِيرُ آلِهَةٍ لِإيضاحِ المَعْنى والإشارَةِ إلى أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ لِسَوْقِ الكَلامِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ صِفَةً لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ بَيانَهُ حاصِلُهُما بِنَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في بَيانِ حاصِلِ الأوَّلِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا تَعَلَّقَ المَذْكُورُ ولَيْسَ المَعْنى عَلى آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، ولِلطِّيبِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ، و(إنِّي بَرِيءٌ) مُتَنازَعٌ فِيهِ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِرْهَمًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا صفحة 83 وقَدْ أجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، ولِما كانَ ما وقَعَ أوَّلًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّها مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْنًا حَتّى زَعَمُوا ما زَعَمُوا، صَرَّحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ -بِأنْ- وأكَّدَ ذَلِكَ -بِأُشْهِدُ اللَّهَ-، فَإنَّهُ كالقَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِهانَةُ والِاسْتِهْزاءُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِخَصْمِهِ إذا لَمْ يُبالِ بِهِ: اشْهَدْ عَلى أنِّي قائِلٌ لَكَ كَذا، وكَأنَّهُ غايَرَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ لِذَلِكَ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ قَوْلًا، أيْ: وأقُولُ (اشْهَدُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشْهادُ اللَّهِ تَعالى إنْشاءً أيْضًا وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا قِيلَ ولا قالَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إشْهادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم حَقِيقَةً إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وعُدِلَ عَنِ الخَبَرِ فِيهِ تَمْيِيزًا بَيْنَ الخِطابَيْنِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى كَما هو المَشْهُورُ في الأوَّلِ، لَكِنَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى المَجازِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهم ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا﴾ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ مِن قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، والخِطابُ لِلْقَوْمِ وآلِهَتِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّهُ لِلْقَوْمِ فَقَطْ، وفِيهِ نَفْيُ قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأقْوِياءَ الأشِدّاءَ إذا لَمْ يَقْدِرُوا مَعَ اجْتِماعِهِمْ واحْتِشادِهِمْ عَلى الضُّرِّ كانَ عَدَمُ قُدْرَةِ الجَماداتِ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِن بابٍ أوْلى، وأيّاما كانَ فَذاكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُفْرِدًا بَيْنَ جَمْعِ عُتاةِ جَبابِرَةٍ عِطاشٍ إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى ما هَيَّجَهم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كَلَّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ عِنايَتِهِ بِهِ وعِصْمَتِهِ لَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِإظْهارِ التَّوَكُّلِ عَلى مَن كَفاهُ ضُرُّهم في قَوْلِهِ:

هود 11:56

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ وفِيهِ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ ضُرِّهِمْ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ يَعْنِي أنَّكم وإنْ لَمْ تُبْقُوا في القَوْسِ مَنزِعًا وبَذَلْتُمْ مُضادَّتَيْ مَجْهُودِكم لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ بِي، فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى واثِقٌ بِكَلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَصْدُرُ عَنْكم شَيْءٌ ولا يُصِيبُنِي أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ، وجِيءَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإنْشاءِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْهَنَ عَلى عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ مَعَ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا هو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها كَيْفَ يَشاءُ غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ وتُطْلَقُ عَلى الشَّعَرِ النّابِتِ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ الأخْذِ بِالنّاصِيَةِ في القُدْرَةِ والتَّسَلُّطِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، وفي البَحْرِ أنَّهُ صارَ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ الأسِيرَ المَمْنُونَ عَلَيْهِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُنْدَرِجٌ في البُرْهانِ وهو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أُمُورِ العِبادِ مُجازٍ لَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ كافٍ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ كَمَن وقَفَ عَلى الجادَّةِ فَحَفِظَها ودَفَعَ ضَرَرَ السّابِلَةِ بِها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ مَصِيرَكم صفحة 84 إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وفي الكَشْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ مِنَ اللَّطائِفِ ما يَبْهَرُكَ تَأمُّلُهُ مِن حُسْنِ التَّعْلِيلِ، وما يُعْطِيهِ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُبالِ بِهَوْلِ ما نالَهُ ثُمَّ التَّدَرُّجُ إلى تَعْكِيسِ التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَيْفَ يُصابُ مَن لَزِمَ سُدَّةَ العُبُودِيَّةِ ويَنْجُو مَن تَوَلّى ما يُعْطِيهِ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إذا كانَ كَذَلِكَ وتَرْشِيحُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ إلى تَمامِ التَّمْثِيلِ، فَإنَّهُ في الِاقْتِدارِ عَلى المُعْرِضِ أظْهَرُ مِنهُ في الرَّأْفَةِ عَلى المُقْبِلِ خِلافَ الصِّفَةِ الأُولى، وما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ واقْتِدارِهِ تَعالى وتَصْوِيرِ ذُلِّ المَعْبُودِينَ بَيْنَ يَدَيْ قَهْرِهِ أيّامّا كانَ، والخَتْمُ بِما يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ عَلى القَطْعِ كِفايَةُ مَن إيّاهُ تَوَلّى وخِزايَةُ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَوَلّى بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ، وفي قَوْلِهِ: (رَبِّي) مِن غَيْرِ إعادَةِ (ورَبُّكُمْ) كَما في الأوَّلِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ بَعْدَ اخْتِصارِ المَعْنى عَنِ الحَشْوِ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، وأنَّهُ رَبُّ الكُلِّ اسْتِحْقاقًا ورَبُّهُ دُونَهم تَشْرِيفًا وإرْفاقًا

هود 11:57

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَهو مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِاقْتِضاءِ أبْلَغْتُكم لَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ماضِيًا، وفي الكَلامِ التِفاتٌ ولا يَظْهَرُ حُسْنُهُ ولِذا قَدَّرَ غَيْرَهُ مِمَّنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقُلْ أبْلَغْتُكم لَكِنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ (تُوَلُّوا) بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، والمُرادُ فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم فَلا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِ، وجَوَّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ بِحَمْلِهِ عَلى التَّوَلِّي الواقِعِ بَعْدَما حَجَّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِقَوْمِ هُودٍ والخِطابُ مَعَهُمْ، وهو مِن تَمامِ الجُمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَقُلْ لَهم -قَدْ أبْلَغْتُكُمْ- إلَخْ وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ أيْ إنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إنْ تَتَوَلَّوْا فَما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ بِاعْتِبارٍ لازَمَ مَعْناهُ المُسْتَقْبَلَ بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ أيْ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ لِأنَّهُ كَما يُقْصَدُ تَرَتُّبُ المَعْنى يُقْصَدُ تَرَتُّبُ الإخْبارِ كَما في (وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عَلى ما مَرَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِما أنَّ الإبْلاغَ واقِعٌ قَبْلَ تَوَلِّيهِمْ، والجَزاءُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ الشَّرْطِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ صِحَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضْمَنُ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ بِناءً عَلى جَوازِ تَصْدِيرِهِ بِالواوِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: المُرادُ بِهِ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِداخِلَةٍ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ جَزاءً بَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بِرَأْسِها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ العِبارَةِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عَلى العَدْلِ يَنْتَقِمُ مِنكم ويُهْلِكُكُمْ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لا مانِعَ عِنْدِي مِن حَمْلِهِ عَلى الِاسْتِئْنافِ صفحة 85 البَيانِيِّ جَوابًا عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوَلِّي وهو الظّاهِرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُفْعَلُ بِهِمْ إذا تَوَلَّوْا؟ فَقِيلَ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجَوابِ لَكِنْ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ الجَوابُ في الحَقِيقَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لَهُ ودُخُولُ الفاءِ عَلى المُضارِعِ هُنا لِأنَّهُ تابِعٌ يَتَسامَحُ فِيهِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَقُلْ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وقَرَأ حَفْصٌ بِرِوايَةِ هُبَيْرَةَ و(يَسْتَخْلِفْ) بِالجَزْمِ وهو عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ مَعَ الفاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) يَعْذُرُنِي ويُهْلِكُكم (ويَسْتَخْلِفُ) مَكانَكم آخَرِينَ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وبِجَزْمِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، وقِيلَ: إنَّ مَن جَزَمَ الأوَّلَ جَزَمَ هَذا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، والمَعْنى لا تَضُرُّونَهُ بِهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا ونَصَبَ (شَيْئًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَضُرُّونِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَفْعُولًا ثانِيًا مُفَسِّرًا لَهُ بِما يَتَعَدّى لَهُما لِمَكانِ الرِّوايَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّكم لا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بَدَلَ الإهْلاكِ أيْ ولا تَضُرُّونَهُ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكُمْ، فالحِفْظُ كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ بِمَعْنى الحاكِمِ المُسْتَوْلِي، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كَيْفَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ

هود 11:58

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ نَزَلَ عَذابُنا عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأُمُورِ، قِيلَ: أوِ المَأْمُورُ بِهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ مُضافًا إلى ضَمِيرِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَنْ نُزُولِهِ بِالمَجِيءِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأوامِرِ، أيْ: ووَرَدَ أمْرُنا بِالعَذابِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ إنْ أُرِيدَ أمْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ الوُقُوعِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، ولَعَلَّ الِانْتِصارَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ وحْدَهُ، ولِذا عَدَّ مُواجَهَتَهُ لِلْجَمِّ الغَفِيرِ مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ لَكِنْ لا بُدَّ لِهَذا مِن دَلِيلٍ كَدَعْوى انْفِرادِهِ عَنْهم حِينَ المُقاوَلَةِ؛ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ وزَمانَيْنِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ ما كانَ مِنَ المُقاوَلَةِ إنَّما هو في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ ومَجِيءُ الأمْرِ كانَ بَعْدُ بِكَثِيرٍ وإيمانُ مَن آمَنَ كانَ في البَيْنِ فَتَرْتَفِعُ المُنافاةُ (بِرَحْمَةٍ) عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ (مِنّا) وهي الإيمانُ الَّذِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -ولِشَمِّ بَعْضِهِمْ مِنهُ رائِحَةَ الِاعْتِزالِ- لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ولا بَأْسَ بِأنْ تُحْمَلَ الرَّحْمَةُ عَنِ الفَضْلِ فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ لَهُ سُبْحانَهُ تَعْذِيبُ المُطِيعِ كَما أنَّ لَهُ جَلَّ وعَلا إثابَةُ العاصِي، والجارُّ والمَجْرُورُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ –بِنَجَّيْنا- وهو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا –بِآمَنُوا- أيْ إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ وفَّقَهم إلَيْهِ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الإنْجاءِ عَلى النُّزُولِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن تَعْذِيبِ الكُفّارِ فَيَكُونُ قَدْ صَرَّحَ صفحة 86 بِالإنْجاءِ اهْتِمامًا، ورَتَّبَ بِاعْتِبارِ الآخَرِ إشارَةً إلى أنَّهُ مَقْصُودٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ -لِما لِمُجَرَّدِ الحِينِ- ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِأجْلِ بَيانِ ما نَجّاهم عَنْهُ وهي الرِّيحُ الَّتِي كانَتْ تَحْمِلُ الظَّعِينَةَ وتَهْدِمُ المَساكِنَ وتَدْخُلُ في أُنُوفِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُهم إرْبًا إرْبًا، أوِ المُرادُ بِهَذا الإنْجاءِ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وبِالأوَّلِ الإنْجاءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، وحاصِلُهُ أنَّ الأوَّلَ إخْبارُ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي وُفِّقُوا لَهُ صارَ سَبَبَ إنْجائِهِمْ. والثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ الإنْجاءَ كانَ مِن عَذابٍ أيْ عَذابِ دَلالَةٍ عَلى كَمالِ الِامْتِنانِ وتَحْرِيضًا عَلى الإيمانِ ولَيْسَ مِن أُسْلُوبِ -أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ- في شَيْءٍ كَما ظَنَّهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ. وقَدْ أوْرَدَ عَلى الثّانِي أنَّ إنْجاءَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ لَيْسَ في وقْتِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولا مُسَبِّبًا عَنْهُ إلّا أنْ يُجابَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قِيلَ: ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مِن غَيْرِ داعٍ لِأنَّ المُوافِقَ لِلتَّعْبِيرِ بِالماضِي المُفِيدِ لِتَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ أنْ يَجْعَلَ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ واقِعًا في وقْتِ النُّزُولِ تَجَوُّزًا، أوِ المَعْنى حَكَمْنا بِذَلِكَ وتَبَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم لِأنَّ الدُّنْيا أُنْمُوذَجُ الآخِرَةِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِغِلَظِ العَذابِ تَضاعُفُهُ، وقَدْ يُقالُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في وصْفِ العَذابِ الَّذِي كانَ بِالرِّيحِ: بِالغِلَظِ الَّذِي هو ضِدُّ الرِّقَّةِ الَّتِي هي صِفَةُ الرِّيحِ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وفِيهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ لِحالِهِمْ فَإنَّهم كانُوا غِلاظًا شِدادًا

هود 11:59

﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ عَلى ما قِيلَ، فالإشارَةُ إلى ما في الذِّهْنِ وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِعَدَمِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى قُبُورِهِمْ ومَصارِعِهِمْ، وحِينَئِذٍ الإشارَةُ لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ تِلْكَ قُبُورُ عادٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ أصْحابِ تِلْكَ عادٌ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والِاتِّعاظِ بِأحْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ إلَخْ.. اسْتِئْنافٌ لِحِكايَةِ بَعْضِ قَبائِحِهِمْ، أيْ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّتِي أيَّدَ بِها رَسُولَهُ الدّاعِيَ إلَيْهِ ودَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِ وأنْكَرُوها فَقالُوا: ﴿يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ،﴾ أوْ أنْكَرُوا آياتِهِ سُبْحانَهُ في الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ تَعالى حَسْبَما قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ الَّتِي أتى بِها هُودٌ، وغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُلائِمُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ الآتِي عَلى قَوْلٍ، وعُدِّيَ –جَحَدَ- بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى كَفَرَ لِأنَّهُ المُرادُ، أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ كَما أنَّ كَفَرَ يَجْرِي مَجْرى جَحَدَ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ أنَّ جَحَدَ كَذَلِكَ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ مِن قَبْلِهِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ تَعالى لِلْأُمَمِ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ عِصْيانَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عِصْيانُ كُلِّ رَسُولٍ بِمَنزِلَةِ عِصْيانِ الرُّسُلِ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ فَعِصْيانُ واحِدٍ عِصْيانٌ لِلْجَمِيعِ فِيهِ، أوْ عَلى أنَّ القَوْمَ أمَرَهم كُلُّ رَسُولٍ مِن قَبْلْ بِطاعَةِ الرُّسُلِ والإيمانِ بِهِمْ إنْ أدْرَكُوهم فَلَمْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ الأمْرَ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ صفحة 87 ﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ طاغٍ مِن –عَنَدَ- بِتَثْلِيثِ النُّونِ –عَنْدًا- بِالإسْكانِ –وعَنَدًا- بِالتَّحْرِيكِ –وعُنُودًا- بِضَمِّ العَيْنِ إذا طَغا وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُعْجَبِ بِما عِنْدَهُ، والجَوْهَرِيُّ بِمَن خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ وهو يَعْرِفُهُ، وكَذا عانَدَ، ويُطْلَقُ الأخِيرُ عَلى البَعِيرِ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، وجَمْعُهُ عُنَّدٌ كَراكِعٍ ورُكَّعٍ وجَمْعُ العَنِيدِ –عُنُدٌ- كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، والعُنُودُ قِيلَ: بِمَعْنى العَنِيدِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ، ولا يُقالُ: عَنِيدٌ، ويُجْمَعُ الأوَّلُ عَلى عَنَدَةٍ، والثّانِي عَلى عُنُدٍ، وآخَرُ أنَّ العُنُودَ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، والعَنِيدُ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ في الحُكْمِ؛ وكِلاهُما مِن –عَنَدَ- وأصْلُ مَعْناهُ عَلى ما قِيلَ: اعْتَزَلَ في جانِبٍ لِأنَّ –العَنَدَ- بِالتَّحْرِيكِ الجانِبُ، يُقالُ: يَمْشِي وسَطًا لا عَنَدًا، ومِنهُ -عِنْدَ- الظَّرْفِيَّةُ، ويُقالُ لِلنّاحِيَةِ أيْضًا: العِنْدُ مُثَلَّثَةٌ، وهَذا الحُكْمُ لَيْسَ كالحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ مِن جُحُودِ الآياتِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ في الشُّمُولِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنهم فَإنَّ اتِّباعَ الأمْرِ مِن أحْكامِ الأسافِلِ دُونَ الرُّؤَساءِ. وقِيلَ: هو مِثْلُ ذَلِكَ في الشُّمُولِ، والمُرادُ –بِالأمْرِ- الشَّأْنُ -وبِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ- مَن هَذِهِ صِفَتُهُ مِنَ النّاسِ لا أُناسَ مَخْصُوصُونَ مِن عادٍ مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِاتِّباعِ الأمْرِ مُلازَمَتُهُ أوِ الرِّضا بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ويُؤَوِّلُ ذَلِكَ إلى الِاتِّصافِ أيْ إنَّ كُلًّا مِنهُمُ اتَّصَفَ بِصِفَةِ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الظّاهِرِ، وقَدْ يَدَّعِي العُمُومَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ مِثْلِهِ، والمُرادُ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهم عَصَوْا مَن دَعاهم إلى سَبِيلِ الهُدى وأطاعُوا مَن حَداهم إلى مَهاوِي الرَّدى

هود 11:60

﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ إبْعادًا عَنِ الرَّحْمَةِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ لازِمَةً لَهُمْ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ فَكَأنَّها لا تُفارِقُهم وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَسْبَما دارُوا، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ أتْباعِهِمْ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ يَجْعَلُ اللَّعْنَةَ كَشَخْصٍ تَبِعَ آخَرَ لِيَدْفَعَهُ في هُوَّةٍ قُدّامَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِعادٍ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْمُتَّبِعِينَ لِلْجَبّارِينَ مِنهُمْ، وما حالُ قَوْمٍ قُدّامَهُمُ الجَبّارُونَ أهْلُ النّارِ وخَلْفَهُمُ اللَّعْنَةُ والبَوارُ، ويُعْلَمُ مِن لَعْنَةِ هَؤُلاءِ لَعْنَةُ غَيْرِهِمُ المَتْبُوعِينَ عَلى ما قِيلَ بِالطَّرِيقِ الأُولى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وأُتْبِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا لَعْنَةً وهي عَذابُ النّارِ المُخَلَّدِ حُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ اللَّعْنَيْنِ نَوْعٌ بِرَأْسِهِ لَمْ يَجْتَمِعا في قَرْنٍ واحِدٍ بِأنْ يُقالَ: وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةً، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وعَبَّرَ -بِيَوْمِ القِيامَةِ- بَدَلَ الآخِرَةِ هُنا لِلتَّهْوِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ. ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ، أوْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ ولَمْ يَشْكُرُوها بِالإيمانِ، أوْ جَحَدُوهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّهم هالِكُونَ أيَّ هَلاكٍ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ ذَلِكَ والِاسْتِئْهالِ لَهُ، ويُقالُ في الدُّعاءِ بِالبَقاءِ واسْتِحْقاقِهِ: لا يَبْعُدُ فُلانٌ، وهو في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يُبْعِدْنِ قَوْمِي الَّذِينَ هم سُمُّ العَداةِ وآفَةُ الجُزُرِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِاللَّعْنِ كَما في القامُوسِ: البُعْدُ والبِعادُ اللَّعْنُ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُقِيًا لَكَ، وقِيلَ: لِلِاسْتِحْقاقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإعادَةُ عادٍ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِقِصَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى (عادٍ) وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عادًا كانُوا فَرِيقَيْنِ: عادًا الأُولى وعادًا الثّانِيَةَ، وهي عادُ إرَمَ في قَوْلٍ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الفَجْرِ أنَّ عَقِبَ عادِ بْنِ عُوصَ صفحة 88 ابْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ قِيلَ لَهُمْ: عادٌ كَما يُقالُ لِبَنِي هاشِمٍ: هاشِمٌ، ثُمَّ قِيلَ: لِلْأوَّلِينَ مِنهم عادٌ الأُولى وإرَمُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ، ولِمَن بَعْدَهم عادٌ الأخِيرَةُ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّقِيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما ولَعَلَّهُ الأوْفَقُ لِلنَّقْلِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِسَبَبِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم قَوْمُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِدَفْعِ اللَّبْسِ إذْ لا لَبْسَ في أنَّ عادًا هَذِهِ لَيْسَتْ إلّا قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ وتَكْرِيرِهِ في القِصَّةِ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِيُفِيدَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَناسُبِ فَواصِلِ الآيِ.

هود 11:61

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى مَنعِ صَرْفِ (ثَمُودَ) ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلَقَكم مِنها فَإنَّها المادَّةُ الأُولى وآدَمُ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنْشَأ أباكُمْ، وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى فِي، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ الحَصْرُ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ، كَأنَّ القَوْمَ لِعَدَمِ أدائِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اعْتَقَدُوا أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ تَعالى، أوْ هو مَعَ غَيْرِهِ فَخُوطِبُوا عَلى وجْهِ قَصْرِ القَلْبِ أوْ قَصْرِ الإفْرادِ بِذَلِكَ، واحْتِمالِ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ حَقِيقَةً لا تَنْزِيلًا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهم كانُوا طَبِيعِيَّةً أوْ ثَنَوِيَّةً وإلّا فالوَثَنِيَّةُ -وإنْ عَبَدُوا مَعَهُ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ- لا يَعْتَقِدُونَ خالِقِيَّةَ غَيْرِهِ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأخْذُ الحَصْرِ عَلى ما قِيلَ: مِن تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ تَعالى اقْتَضى حَصْرَ الخالِقِيَّةِ أيْضًا، فَبَيانُ ما خُلِقُوا مِنهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ الخالِقُ لا غَيْرُهُ يَقْتَضِي هَذا فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن يَقُولُ بِالحَصْرِ هُنا يَقُولُ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ لِمَكانِ العَطْفِ وكَوْنِهِ مَعْطُوفًا بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلى ما بَعْدَهُ مِمّا لا فائِدَةَ في التِزامِهِ، أيْ وهو الَّذِي جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، فالِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى الإفْعالِ، يُقالُ: أعْمَرْتُهُ الأرْضَ واسْتَعْمَرْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ عامِرَها وفَوَّضْتَ إلَيْهِ عِمارَتَها، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وحَفْرِ أنْهارٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَيا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ واجِبَةٌ لِهَذا الطَّلَبِ، وقَسَّمَها في الكَشّافِ إلى واجِبٍ كَعِمارَةِ القَناطِرِ اللّازِمَةِ والمَسْجِدِ الجامِعِ، ومَندُوبٍ كَعِمارَةِ المَساجِدِ، ومُباحٍ كَعِمارَةِ المَنازِلِ، وحَرامٍ كَعِمارَةِ الخاناتِ، وما يُبْنى لِلْمُباهاةِ أوْ مِن مالٍ حَرامٍ كَأبْنِيَةِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، واعْتُرِضَ عَلى ألْكَيا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ ولَكِنْ نَزَلَ جَعْلُهم مُحْتاجِينَ لِذَلِكَ -وإقْدارُهم عَلَيْهِ وإلْهامُهم كَيْفَ يَعْمُرُونَ- مَنزِلَةَ الطَّلَبِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى عَمَرَكم فِيها واسْتَبْقاكم وكانَ أحَدُهم يُعَمَّرُ طَوِيلًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الفِعْلَ مِنَ العُمْرِ وهو مُدَّةُ الحَياةِ بِالتَّشْدِيدِ ومِنَ العِمارَةِ نَقِيضِ الخَرابِ بِالتَّخْفِيفِ، فَفي أخْذِ ذَلِكَ مِنَ العُمْرِ تَجَوُّزٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اسْتَعْمَرَ مِنَ العُمْرى بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَقْصُورٌ، وهي -كَما قالَ الرّاغِبُ- في العَطِيَّةِ أنْ تَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا مُدَّةَ عُمُرِكَ أوْ عُمُرِهِ، والمَعْنى أعْمَرَكم فِيها ورَبّاكم أيْ أعْطاكم ذَلِكَ ما دُمْتُمْ أحْياءً، ثُمَّ هو سُبْحانَهُ وارِثُها مِنكُمْ، أوِ المَعْنى جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها لِأنَّ الرَّجُلَ إذا ورِثَ دارَهُ مَن بَعْدَهُ فَكَأنَّما أعْمَرَهُ إيّاها لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن صُنُوفِ إحْسانِهِ صفحة 89 سُبْحانَهُ داعٍ إلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴿مُجِيبٌ﴾ لِمَن دَعاهُ وسَألَهُ زِيادَةً في بَيانِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، والأوَّلُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ، وهَذا عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وما ألْطَفَ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ ( قَرِيبٌ ) ناظِرٌ –لِتُوبُوا- و﴿مُجِيبٌ﴾ -لِاسْتَغْفِرُوا- كَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قَرِيبٌ﴾ مِنكم أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ واسْألُوهُ المَغْفِرَةَ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا ﴿مُجِيبٌ﴾ السّائِلِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ

هود 11:62

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿مَرْجُوًّا﴾ فاضِلًا خَيْرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَشُورًا نَأْمُلُ مِنكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، وقالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمُلْكِ بَعْدَ مَلِكِهِمْ لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي باشَرْتُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، فَلَمّا سَمِعْنا مِنكَ ما سَمِعْناهُ انْقَطَعَ عَنْكَ رَجاؤُنا، وقِيلَ: كانُوا يَرْجُونَ دُخُولَهُ في دِينِهِمْ بَعْدَ دَعْواهُ إلى الحَقِّ ثُمَّ انْقَطَعَ رَجاؤُهم -فَقَبْلَ هَذا- قَبْلَ هَذا الوَقْتِ لا قَبْلَ الَّذِي باشَرَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ (مَرْجُوًّا) بِمَعْنى حَقِيرًا وكَأنَّهُ فَسَّرَهُ أوَّلًا بِمُؤَخَّرًا غَيْرَ مُعْتَنًى بِهِ ولا مُهْتَمٍّ بِشَأْنِهِ، ثُمَّ أرادَ مِنهُ ذَلِكَ وإلّا –فَمَرْجُوًّا- بِمَعْنى حَقِيرٍ لَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ، وجاءَ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِتِلْكَ المَقالَةِ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ –بِيَعْبُدُ- لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَرْجُؤًا) بِالمَدِّ والهَمْزِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ ﴿مُرِيبٍ﴾ اسْمُ فاعِلٍ مِن أرابَهُ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذا أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ اللّازِمِ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والإسْنادُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَجازِيٌّ إلّا أنَّ بَيْنَهُما -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- فَرْقًا، وهو أنَّ الأوَّلَ مَنقُولٌ مِنَ الأعْيانِ إلى المَعْنى، والثّانِي مَنقُولٌ مِن صاحِبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ كَما تَقُولُ: شِعْرُ شاعِرٍ، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّ وُجُودَ الشَّكِّ سَبَبٌ لِتَشْكِيكِ المُشَكِّكِ ولَوْلاهُ لَما قَدَرَ عَلى التَّشْكِيكِ، والتَّنْوِينُ في (مُرِيبٍ) وفي (شَكٍّ) لِلتَّفْخِيمِ، (وإنَّنا) بِثَلاثِ نُوناتٍ، ويُقالُ: إنّا بِنُونَيْنِ وهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ –نا- فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، ومَن قالَ: إنّا اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَيَيْنِ. واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَحْذُوفَ النُّونُ الثّانِيَةُ لا الثّالِثَةُ لِأنَّ في حَذْفِها إجْحافًا بِالكَلِمَةِ إذْ لا يَبْقى مِنها إلّا حَرْفٌ واحِدٌ ساكِنٌ دُونَ حَذْفِ الثّانِيَةِ لِظُهُورِ بَقاءِ حَرْفَيْنِ بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ قَدْ عَهِدَ حَذْفَ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن إنَّ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ -نا- ولا رَيْبَ في أنَّ ارْتِكابَ المَعْهُودِ أوْلى مِنِ ارْتِكابِ غَيْرِ المَعْهُودِ.

هود 11:63

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ مالِكِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ مِن قَبْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً، وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، والِاسْتِدْراجُ صفحة 90 إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكٌّ فِيما في حَيِّزِ إنَّ، وأصْلُ وضْعِها أنَّها لِشَكِّ المُتَكَلِّمِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ والنُّصْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْناها أوْ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَنعِ، ولِذا تَعَدّى -بِمَن -والعُدُولُ إلى الإظْهارِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ النَّصْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ عَلى بَيِّنَةٍ وإيتاءِ الرَّحْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ في المُساهَلَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والمَنعِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ تَعالى والمُجاراةِ مَعَكم فِيما تَشْتَهُونَ، فَإنَّ العِصْيانَ مِمَّنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ أبْعَدُ والمُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ألْزَمُ وإنْكارَ نُصْرَتِهِ أدْخَلُ. ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ أيْ لا تُفِيدُونَنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أصْلُ الخُسْرانِ حَتّى يَزِيدُوهُ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ غَيْرَ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ أعْمالِي وتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِما تَقُولُونَ غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لَخاسِرُونَ لا أنْ أتْبَعَكم. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ، فالفاعِلُ عَلى الأوَّلِ هم والمَفْعُولُ صالِحٌ، وعَلى الثّانِي بِالعَكْسِ والتَّفْعِيلُ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَفَسَقَتِهِ وفَجَرَتِهِ، والزِّيادَةُ عَلى مَعْناها والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى انْتِفاءِ النّاصِرِ المَفْهُومِ مِن إنْكارِهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ﴾ مُضارَّةٍ في خُسْرانِكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ قَدْ سَألَهُمُ الإيمانَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى فَما تُعْطُونِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لِأنْفُسِكُمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِأيْمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ تَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسَنٌ أنْ تُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، وقِيلَ: المَعْنى فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرِي إيّاكم حَيْثُ إنَّكم كُلَّما ازْدَدْتُمْ تَكْذِيبًا إيّايَ ازْدادَتْ خَسارَتُكُمْ، وهي أقْوالٌ كَما تَرى

هود 11:64

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُفارِقَةٌ لِسائِرِ ما يُجانِسُها خُلُقًا وخَلْقًا ﴿لَكم آيَةً﴾ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِي في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وهي حالٌ مِن ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ والعامِلُ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وقِيلَ: مَعْنى التَّنْبِيهِ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً كَهَذا أبُوكَ عَطُوفًا لِدَلالَةِ الإضافَةِ عَلى أنَّها آيَةٌ، و(لَكُمْ) كَما في البَحْرِ، وغَيْرِهِ، حالٌ مِنها فَقُدِّمَتْ عَلَيْها لِتَنْكِيرِها ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَجِيءَ الحالِ مِنَ الحالِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ الحالَ تُبَيِّنُ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولَيْسَتِ الحالُ شَيْئًا مِنهُما، وأُجِيبَ بِأنَّها في مَعْنى المَفْعُولِ لِلْإشارَةِ لِأنَّها مُتَّحِدَةٌ مَعَ المُشارِ إلَيْهِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ في المَعْنى ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَ صِفَةٌ في المَعْنى لَكِنْ لَمْ يُعْرِبُوها صِفَةً لِأمْرٍ تَواضَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَيْهِ مِن مَنعِ تَقَدُّمِ ما يُسَمُّونَهُ تابِعًا عَلى المَتْبُوعِ، فَحَدِيثُ -إنَّ الحالَ تُبَيِّنُ الهَيْئَةَ- مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الحالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا ونَحْوَهُ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الِاعْتِراضِ لِأنَّ المُعْتَرِضَ نَفى قَوْلَ أحَدٍ مِنَ النُّحاةِ بِمَجِيءِ الحالِ مِنَ الحالِ، وبِما ذَكَرَ لا يُثْبِتُ القَوْلَ وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ اقْتِصارَ أبِي حَيّانَ، والزَّمَخْشَرِيِّ صفحة 91 -وهُما مَن تَعَلَّمَ في العَرَبِيَّةِ- عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ الإعْرابِ كافٍ في الغَرَضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأرادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّعَلُّقِ في كَلامِهِ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ لا النَّحْوِيَّ فَلا تَناقُضَ فِيهِ عَلى أنَّهُ بَحْثٌ لا يَضُرُّ. وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِن (ناقَةٌ) و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَهي مُتَداخِلَةٌ، ومَعْنى كَوْنِ النّاقَةِ لِلْمُخاطَبِينَ أنَّها نافِعَةٌ لَهم ومُخْتَصَّةٌ بِهِمْ هي ومَنافِعُها فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لِذاتِ النّاقَةِ بِهِمْ، وإنَّما المُخْتَصُّ كَوْنُها آيَةً لَهُمْ، وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (آيَةً) لِأنَّها بِمَعْنى المُشْتَقِّ، والأظْهَرُ كَوْنُ (لَكُمْ) بَيانُ مَن هي (آيَةٌ) لَهُ، وجَوَّزَ كَوْنَ (ناقَةُ) بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ ﴿فَذَرُوها﴾ دَعُوها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ عَلَيْكم مُؤْنَتُها والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ الطَّلَبِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ -كَما في البَحْرِ-والمُتَبادَرُ مِنَ الأكْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لَكِنْ قِيلَ: في الآيَةِ اكْتِفاءً أيْ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وجَوَّزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ التَّغَذِّي مُطْلَقًا، والمَقامُ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ. ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنِ العُقْرِ والقَتْلِ، والنَّهْيُ هُنا عَلى حَدِّ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ إلَخْ.. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ لِذَلِكَ ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكم إيّاها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: أرادَ مِن وصْفِهِ بِالقُرْبِ كَوْنَهُ في الدُّنْيا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وكانَ الإخْبارُ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى

هود 11:65

﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَعَقَرُوها، والعُقْرُ قِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: عَقَرْتُ البَعِيرَ إذا نَحَرْتَهُ، ويَجِيءُ بِمَعْنى الجُرْحِ أيْضًا -كَما في القامُوسِ- وأسْنَدَ العُقْرَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مِنهم وهو قَدّارٌ –كَهَمّامٍ- في قَوْلٍ، ويُقالُ لَهُ: أحْمَرُ ثَمُودَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الشُّؤْمِ لِرِضاهم بِفِعْلِهِ، وقَدْ جاءَ أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا لَحْمَها جَمِيعًا (فَقالَ) لَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عِيشُوا. ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ بَلَدِكُمْ، وتُسَمّى البِلادُ الدِّيارَ لِأنَّها يُدارُ فِيها أيْ يَتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ، وتَقُولُ العَرَبُ الَّذِينَ حَوالَيْ مَكَّةَ: نَحْنُ مِن عَرَبِ الدّارِ يُرِيدُونَ مِن عَرَبِ البَلَدِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو جَمْعُ دارَةَ كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعانَ: لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا وتُطْلَقُ الدّارُ عَلى الدُّنْيا أيْضًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَها بَعْضُهم هُنا، وفَسَّرَ الطَّبَرْسِيُّ التَّمَتُّعَ بِالتَّلَذُّذِ أيْ تَلَذَّذُوا بِما تُرِيدُونَ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ثُمَّ يَأْخُذُكُمُ العَذابُ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ صَعِدَ فَصِيلُها الجَبَلَ ورَغا ثَلاثَ رَغَواتٍ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ، وابْتِداءُ الأيّامِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأرْبِعاءُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَكانَ كَما قالَ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن نُزُولِ العَذابِ عَقِيبَها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّفْخِيمِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وصارَ المَجْرُورُ مَفْعُولًا عَلى التَّوَسُّعِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ لا يَعْمَلُ بَعْدَ حَذْفِهِ، ويُسَمُّونَ هَذا الحَذْفَ والإيصالَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ ويَكُونُ في الِاسْمِ –كَمُشْتَرِكٍ- وفي الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: صفحة 92 ويَوْمٌ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهُ أوْ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ عَلى المَجازِ كَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ: أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ بِجَعْلِ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ بِمَعْنى باطِلٍ ومُخْتَلِفٍ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ كَمَجْلُودٍ ومَعْقُولٍ بِمَعْنى عَقْلٍ وجَلْدٍ فَإنَّهُ سُمِعَ مِنهم ذَلِكَ لَكِنَّهُ نادِرٌ، ولا يَخْفى ما في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهَكُّمِ.

هود 11:66

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا أوْ أمَرْنا بِنُزُولِهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَجَّيْنا أوْ بِآمَنُوا ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها، وفي التَّنْوِينِ والوَصْفِ نَوْعانِ مِنَ التَّعْظِيمِ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ نَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو الهَلاكُ بِالصَّيْحَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى إنّا نَجَّيْناهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ ونَجَّيْناهم مِن ذُلِّ وفَضِيحَةِ يَوْمِ القِيامَةِ أيْ مِن عَذابِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ هُودٍ سَواءً بِسَواءٍ. وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ ذُكِرَ فِيها يَوْمُ القِيامَةِ لِيَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، والمَذْكُورُ إنَّما هو جاءَ أمْرُنا فَلْيُقَدَّرْ يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا وهو جَيِّدٌ، والدَّفْعُ بِأنَّ القَرِينَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ كَما هُنا فِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: القَرِينَةُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ فِيما مَرَّ: ( عَذابُ غَلِيظٍ ) وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِنَجَّيْنا المَذْكُورِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم فَيُوجِبُونَ هُنا التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبانَ (ومِن خِزْيٍ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ، وعَنْ نافِعٍ والكِسائِيِّ أنَّهُما قَرَآ بِالإضافَةِ وفَتَحِ –يَوْمَ- لِأنَّهُ مُضافٌ إلى إذْ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وهَذا كَما فُتِحَ حِينَ في قَوْلِ النّابِغَةِ: عَلى (حِينَ) عاتَبْتَ المَشِيبَ عَلى الصِّبا فَقُلْتَ: ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإنْجاءُ والإهْلاكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ،

هود 11:67

﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَوْمُ صالِحٍ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِعِلْيَتِهِ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ أوْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها كُلُّ صاعِقَةٍ وصَوْتٍ مُفْزِعٍ، وهي عَلى ما في البَحْرِ فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ، وأصْلُ ذَلِكَ -كَما قالَ الرّاغِبُ- تَشْقِيقُ الصَّوْتِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْصاحَ الخَشَبُ أوِ الثَّوْبُ إذا انْشَقَّ فَسُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ، وصَيْحُ الثَّوْبِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالصَّيْحَةِ عَنِ الفَزَعِ، وفي الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِيبَ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مِنّا في ذَلِكَ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ﴾ أيْ مَنازِلِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وقِيلَ: بِلادِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَعْنًى وإعْرابًا

هود 11:68

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ أيْ في دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ قِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أصْبَحُوا ( جاثِمِينَ ) مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، ومَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ حَفْصٌ وحَمْزَةُ نَظَرًا إلى القَبِيلَةِ، وصَرَفَهُ أكْثَرُ السَّبْعَةِ نَظَرًا إلى الحَيِّ كَما قَدَّمْنا آنِفًا، وقِيلَ: نَظَرًا إلى الأبِ الأكْبَرِ يَعْنِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ الأبَ الأوَّلَ وهو مَصْرُوفٌ صفحة 93 وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مُضافٌ كَنَسْلٍ وأوْلادٍ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ صُرِفَ نَظَرًا لِأوَّلِ وضْعِهِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا القَبِيلَةَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ صَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ تَقْبِيحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِالبُعْدِ والهَلاكِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ لا غَيْرَ بِالتَّنْوِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ قِصَّتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ

هود 11:69

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهْجَةِ، وحَكى صاحِبُ الفَيْنانِ أنَّهم عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهم أرْبَعَةٌ ولَمْ يُسَمِّهِمْ. وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهم جِبْرِيلُ، وإسْرافِيلُ. ومِيكائِيلُ، ورَفائِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ الأوَّلُونَ فَقَطْ، وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرائِيلُ. ومِيكائِيلُ. ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتارَ بَعْضُهم الِاقْتِصارَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم ثَلاثَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ أقَلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَمْعُ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في الزّائِدِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِمُ المَجِيءُ دُونَ الإرْسالِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما جاءُوهُ لِداعِيَةِ البُشْرى، قِيلَ: ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ صَنِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ الرُّسُلِ المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ ولُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن لَحِقَ بِهِمُ العَذابُ، بَلْ إنَّما لَحِقَ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنهم خاصَّةً غَيْرَ الأُسْلُوبِ المُطَّرِدِ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وإلى عادٍ أخُاهم هُودًا )، ( وإلى ثَمُودَ أخُاهم صالِحًا ) ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ حَيْثُ قِيلَ: ( وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا ) والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالبُشْرى) لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالبُشْرى، والمُرادُ بِها قِيلَ: مُطْلَقُ البِشارَةِ المُنْتَظِمَةِ بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ مِن سارَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِلْبِشارَةِ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى مَجِيئِها، وكانَتِ البِشارَةُ الأُولى عَلى ما قِيلَ: مِن مِيكائِيلَ. والثّانِيَةُ مِن إسْرافِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها البِشارَةُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ هَلاكَ الظَّلَمَةِ مِن أجَلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شَأْنِهِمْ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّها البِشارَةُ بِالوَلَدِ، وهي المُرادَةُ بِالبُشْرى فِيما سَيَأْتِي، وسِرُّ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلَيْها سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَّلَ في الكَشْفِ اسْتِظْهارَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالإطْلاقِ، ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الذّارِياتِ: ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنَّ ثَمَّةَ بِشارَتَيْنِ فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى واحِدَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ انْتَهى، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَظِنَّةً لِسُؤالِ السّامِعِ بِأنَّهم ما قالُوا: أُجِيبَ بِأنَّهم ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا أوْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالُوا) عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِمَعْنى ما قالُوا لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. والسُّدِّيِّ، ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ حَقًّا وإخْلاصًا. وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ -بِقالُوا- لِما فِيهِ مِن مَعْنى الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَكَرُوا سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ صفحة 94 أوْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، والِابْتِداءُ بِنَكِرَةٍ مِثْلُهُ سائِغٌ كَما قَرَّرَ في النَّحْوِ، وقَدْ حَيّاهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ لِأنَّها بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَهي أبْلَغُ، وأصْلُ مَعْنى السَّلامِ السَّلامَةُ مِمّا يَضُرُّ. وقَرَأ حَمْزَةُ. والكِسائِيُّ سِلْمٌ في الثّانِي بِدُونِ ألِفٍ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ وهو عَلى ما قِيلَ: لُغَةٌ في (سَلامٍ) كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: مَرَرْنا فَقُلْنا: أيُّهُ (سِلْمٌ) فَسَلَّمْتُ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ، وُوجِّهَ بِأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِهِ وخافَ مِنهم قالَهُ أيْ أنا مُسالِمٌ لا مُحارِبٌ لِأنَّهم كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامَ مَن بَيْنَهم وبَيْنَهُ حَرْبٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هَذا بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَبِثَ﴾ إلَخْ صَرِيحٌ في خِلافِهِ، وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ حَمْزَةَ. والكِسائِيَّ قَرَآ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ في المَوْضِعَيْنِ وهو مُخالِفٌ لِلْمَنقُولِ في كُتُبِ القِراءاتِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ -قالَ سَلامًا- بِالنَّصْبِ كالأوَّلِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيهِما ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ فَما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ في مَجِيئِهِ بِهِ أوْ عَنْ مَجِيئِهِ بِهِ (فَما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ (لَبِثَ) لِإبْراهِيمَ، و( أنْ جاءَ ) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِالفِعْلِ وحَذْفِ الجارِّ قَبْلَ أنْ وأنْ مُطَّرِدٌ، وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ (أنْ) بِمَعْنى حَتّى، وقِيلَ: (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (لَبِثَ) أيْ فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ مُبْتَدَأٌ أوْ هي اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي كَذَلِكَ، و( أنْ جاءَ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قَدْرَ وهو الخَبَرُ أيْ فَلَبِثَهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ قَدَرَ مَجِيئِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ، ويُسَمّى الحَسِيلَ والخَبْشَ بِلُغَةِ أهْلِ السَّراةِ، والباءُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أوِ المُلابَسَةِ، والحَنِيذُ السَّمِينُ الَّذِي يَقْطُرُ ودَكُهُ مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّقْتَهُ بِالجَلالِ كَأنَّ ودَكَهُ كالجَلالِ عَلَيْهِ، أوْ كَأنَّ ما يَسِيلُ مِنهُ عَرَقُ الدّابَّةِ المُجَلَّلَةِ لِلْعَرَقِ، واقْتَصَرَ السُّدِّيُّ عَلى السَّمِينِ في تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ)،﴾ وقِيلَ: هو المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ في أُخْدُودٍ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَطْبُوخِ، وإنَّما جاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ لِأنَّ مالَهُ كانَ البَقْرَ وهو أطْيَبُ ما فِيها، وكانَ مِن دَأْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إكْرامُ الضَّيْفِ، ولِذا عَجَّلَ القِرى، وذَلِكَ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ لِما فِيهِ مِن الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الضَّيْفِ، وفي مَجِيئِهِ بِالعِجْلِ كُلِّهِ مَعَ أنَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ يَكْفِيهِمْ بَعْضُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الأدَبِ أنْ يُحْضِرَ لِلضَّيْفِ أكْثَرَ مِمّا يَأْكُلُ، واخْتُلِفَ في هَذا العِجْلِ هَلْ كانَ مُهَيَّئًا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ أوْ أنَّهُ هُيِّئَ بَعْدَ أنْ جاءُوا؟ قَوْلانِ اخْتارَ أبُو حَيّانَ أوَّلَهُما لِدَلالَةِ السُّرْعَةِ بِالإتْيانِ بِهِ عَلى ذَلِكَ، ويَخْتارُ الفَقِيرُ ثانِيَهُما لِأنَّهُ أزْيَدُ في العِنايَةِ وأبْلَغُ في الإكْرامِ، ولَيْسَتِ السُّرْعَةُ نَصًّا في الأوَّلِ كَما لا يَخْفى.

هود 11:70

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم ويَلْزَمُهُ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، وقِيلَ: (لا) كِنايَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ اللَّحْمَ بِقِداحٍ في أيْدِيهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ إذْ هَذا النَّكْتُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالعَبَثِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَجِلُّونَ عَنْ مِثْلِهِ، و(رَأى) قِيلَ: عِلْمِيَّةٌ فَجُمْلَةُ ﴿لا تَصِلُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ النَّظَرَ إلى الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ صفحة 95 لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ أيْ لِما شاهَدَ مِنهم ذَلِكَ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ نَفَرَهم ﴿وأوْجَسَ﴾ أيِ اسْتَشْعَرَ وأدْرَكَ، وقِيلَ: أضْمَرَ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ (خِيفَةً) أيْ خَوْفًا، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الخَوْفِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَها بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ تَفَرَّسَ لِذَلِكَ مَعَ جَهالَتِهِ لَهم مِن قَبْلُ وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مِن أيِّ النّاسِ يَكُونُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في الذّارِياتِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وظَنَّ أنَّهم أُرْسِلُوا لِعَذابِ قَوْمِهِ لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (قالُوا) حِينَ رَأوْا أثَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما في الحِجْرِ ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا بِالفِعْلِ لا بِالقُوَّةِ كَما هو احْتِمالٌ فِيهِ عَلى ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُوجِبُ الخَوْفَ لِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِعَذابٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْمَلائِكَةِ مُطْلَقًا ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِن الِاطِّلاعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفي الصَّحِيحِ: «قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، وهو قَوْلٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ الأُمُورَ القَلْبِيَّةَ. وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما هو صَرِيحٌ بِخِلافِهِ، والآيَةُ والخَبَرُ المَذْكُورانِ لا يَصْلُحانِ دَلِيلًا لِهَذا المَطْلَبِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلَيْهِمْ ظاهِرٌ في أنَّ الجَمِيعَ قالُوا ( لا تَخَفْ ) ويَحْتَمِلُ أنَّ القائِلَ بَعْضُهُمْ، وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ فِعْلُ البَعْضِ إلى الكُلِّ في أمْثالِ ذَلِكَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَذَلِكَ فَإنَّ إرْسالَهم إلى قَوْمٍ آخَرِينَ يُوجِبُ أمْنَهُ مِنَ الخَوْفِ أيْ (أرْسَلْنا) بِالعَذابِ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ خاصَّةً، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا﴾ فَإنَّهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ إنَّما يُقالُ لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيمَ أُرْسِلُوا فَخافَ، وأنَّ الإنْكارَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِنَكْرِهِمْ غَيْرَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في الذّارِياتِ فَلا إشْكالَ في كَوْنِ الإنْكارِ هُناكَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ وهُنا بَعْدَهُ، وأصْلُ الإنْكارِ ضِدَّ العِرْفانِ، ونَكَرْتُ وأنْكَرْتُ واسْتَنْكَرْتُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنْ أنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي ونَكَرَ فِيما يُرى بِالبَصَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكَرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا فَإنَّهُ أرادَ في الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: أنْكَرَتْ مَوَدَّتِي، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنْ يَرِدَ عَلى القَلْبِ ما لا يَتَصَوَّرُهُ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الجَهْلِ وبِهِ فُسِّرَ ما في الآيَةِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ ما وقَعَ في الذّارِياتِ بِأنَّ الأوَّلَ راجِحٌ إلى حالِهِمْ حِينَ قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ. والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِأنْفُسِهِمْ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِرُؤْيَةِ عَدَمِ أكْلِهِمْ، بَلْ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم لِعَدَمِ كَوْنِهِمْ مِن جِنْسِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ النّاسِ، ويَحْتاجُ هَذا إلى اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أوْ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، واعْتُرِضَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ حَتّى قالُوا لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا﴾ وكَأنَّ سَبَبَ خَوْفِهِ مِنهم أنَّهم لَمْ يَتَحَرَّمُوا بِطَعامِهِ فَظَنَّ أنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ سُوءًا إذْ كانَتِ العادَةُ إذْ ذاكَ كَذَلِكَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ نازِلًا في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِهِ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ صفحة 96 وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانَ سَبَبُ خَوْفِهِ أنَّهم دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ وبِغَيْرِ وقْتٍ. وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ أنَّ الخَوْفَ إنَّما صَدَرَ عَنْ مَجْمُوعِ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ وكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ مِنَ الطَّعامِ كَما يُعْلَمُ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ولِأنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يُحْضِرْ بَيْنَ أيْدِيهِمُ الطَّعامَ ولَمْ يُحَرِّضْهم عَلى الأوَّلِ، وإنَّما عَدَلُوا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لِيَكُونَ جامِعًا لِلْمَعانِي بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ المَقْصُودُ أيْضًا، انْتَهى. وفِيهِ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيَّ، وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُهُ في تَعْلِيلِ الخَوْفِ فَعَلَّلَهُ تارَةً بِعِرْفانِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ وأُخْرى بِأنَّهم لِمَ يَتَحَرَّمُوا طَعامَهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العِرْفانِ العِرْفانَ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يَحْضُرْ إلَخْ غَيْرَ قادِحٍ إذْ يَجُوزُ أنْ يَخافَهم بَعْدَ الإحْضارِ أوَّلًا لِعَدَمِ التَّحَرُّمِ، ثُمَّ بَعْدَ تَفَرُّسِ أنَّهم مَلائِكَةٌ خافَهم لِأنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ، والزَّمَخْشَرِيُّ حَكى أحَدَ الخَوْفَيْنِ في مَوْضِعٍ والآخَرَ في آخَرَ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والتَّعْلِيلُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ هو الوَجْهُ لِيَنْتَظِمَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مَعَ ما قَبْلَهُ إذْ لَوْ كانَ الوَجَلُ لِكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ زِيٍّ مِن عُرْفٍ ونَحْوِهِ لَمْ يَحْسُنِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( إنّا نُبَشِّرُكَ ) فَإنَّهُ إنَّما هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجِلِ مِن أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)،﴾ و﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَجاءَ عَلى اخْتِصاراتِ القُرْآنِ بِذِكْرِ أحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ والآخِرِ في الآخَرِ، ولا شَكَّ أنَّ في الحِجْرِ اخْتِصارًا لِطَيِّ حَدِيثِ الرُّواعِ، والتَّعْجِيلُ بِالعِجْلِ الحَنِيذِ وعَدَمُ تَحَرُّمِهِمْ بِطَعامِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنالِكَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ لِلِاعْتِبارِ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما لَقِيَ مِنَ البُشْرى والكَرامَةِ، وحالِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وما مُنُّوا بِهِ مِنَ السَّوْأى والمَلامَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ فاقْتَصَرَ عَلى ما يُفِيدُ ذَلِكَ الغَرَضَ، وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَجِيءَ بِها لِلْإرْشادِ الَّذِي بَنى عَلَيْهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ مَعَ إدْماجِ التَّسْلِيَةِ ورَدَ ما رَمَوْهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن الِافْتِراءِ، وفي كُلٍّ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ ما يَسُدُّ مِن هَذِهِ الأغْراضِ فَسُرِدَ عَلى وجْهِها، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ لِلْأخِيرَيْنِ فَقَطْ فَجِيءَ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ فَلا عَلَيْكَ إنْ رَأيْتَ اخْتِصارًا أنْ تَنْقُلَ إلَيْهِ مِنَ المَبْسُوطِ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ نُكْتَةَ الِاخْتِصارِ، وهَذا مِن خَواصِّ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ، انْتَهى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وفِيهِ ذَهابٌ إلى كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ اسْتِئْنافًا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ كَما هو الظّاهِرُ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الظّاهِرُ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم قالُوهُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أوْجَزَ الكَلامَ اكْتِفاءً بِذَلِكَ، انْتَهى. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، ولَكِنَّهُ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ الإرْسالُ بِالعَذابِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجْمَلٌ لَمْ يُؤْتَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ مِنهُ ما نَوْعُ هَذا العَذابِ هَلْ هو اسْتِئْصالٌ أمْ لا؟ فَسَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قالَ: أيُّها المُرْسَلُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ ما هَذا الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ بِهِ؟ فَأجابُوهُ بِما يَتَضَمَّنُ بَيانَ ذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ نُزُولِ ذَلِكَ الأمْرِ بِهِمْ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ انْفِهامَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وكَذا الإشارَةُ إلى العِلَّةِ. صفحة 97 والحاصِلُ أنَّ السُّؤالَ في تِلْكَ الآيَةِ عَنِ الخَطْبِ وهو في الأصْلِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ التَّخاطُبُ، ويُرادُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ تَحْقِيقُ أمْرٍ لَمْ يَعْلَمْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِمْ قَبْلُ؛ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مَشْغُولًا عَنْ كَمالِ التَّوَجُّهِ لِيَعْلَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ، وفي خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ ما يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ قَوْلِهِمْ: ( إنّا أُرْسِلْنا ) عَلى هَذا السُّؤالِ لَكِنَّهُ أُسْقِطَ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ما هُنا، ولا بِدَعَ في الإسْقاطِ مِنَ المُتَأخِّرِ تَعْوِيلًا عَلى المُتَقَدِّمِ، وتَأخُّرُ الحِجْرِ والذّارِياتِ عَنْ هُودٍ تِلاوَةً مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وتَأخُّرُهُما نُزُولًا مِمّا رَواهُ ابْنُ ضُرَيْسٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ هارُونَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّها كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأنَّ بَيْنَ هُودٍ والحِجْرِ سُورَةً واحِدَةً، وبَيْنَ الحِجْرِ والذّارِياتِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَلْيُتَأمَّلْ في هَذا المَقامِ، ويَفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنَهم مَلائِكَةً إلّا بَعْدَ أنْ مَسَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فَحِينَئِذٍ عَرَفَهم وأمِنَ مِنهُمْ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ صِحَّةُ الخَبَرِ عِنْدِي، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَهم قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّ خَوْفَهُ مِنهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً لَمْ يَدْرِ لِأيِّ شَيْءٍ نَزَلُوا، ويَبْعُدْ عِنْدَ مَن عَرَفَ حالَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلُ بِأنَّهُ خافَ بُشْرًا وبَلَغَ مِنهُ الخَوْفُ حَتّى ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ مَن خافَهم كانُوا ثَلاثَةً وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَلْ كانَ بَيْنَ أصْحابِهِ، أوْ كانَ هُناكَ لَكِنْ بَيْنَ خَدَمِهِ وغِلْمانِهِ ﴿وامْرَأتُهُ﴾ سارَّةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناحُورٍ وهي بِنْتُ عَمِّهِ ﴿قائِمَةٌ﴾ في الخِدْمَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ لا سِيَّما العَجائِزُ مِنهُمْ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَجُوزًا، وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السِّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهُمْ، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ تَسَتُّرَ النِّساءِ كانَ لازِمًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِ آيَةِ الحِجابِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ القِيامَ وراءَ السِّتْرِ كانَ اتِّفاقِيًّا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، وقالَ المُبَرَّدُ: كانَتْ قائِمَةً عَنِ الوَلَدِ وهو خِلافُ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ، وفي الكَشّافِ بَدَلُ وهو جالِسٌ وهو قاعِدٌ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ بَدَلُ.

هود 11:71

﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وهي قائِمَةٌ، فَفِيهِ الإضْمارُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ، وكَأنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ لِلتَّعْوِيلِ عَلى انْفِهامِ المَرْجِعِ مِن سِياقِ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ مِنَ الضَّحِكِ المَعْرُوفِ، والمُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ عِنْدَ الكَثِيرِ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ سُرُورًا بِزَوالِ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنِّساءُ لا يَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ كالرِّجالِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ الفَرَحُ، وقِيلَ: كانَ سُرُورًا بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ، وقِيلَ: بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أرى العَذابَ سَيَنْزِلُ بِقَوْمِهِ، وكانَ لُوطٌ ابْنَ أخِيهِ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ: كانَ أخا سارَّةَ وقَدْ مَرَّ آنِفًا أنَّها بِنْتُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ وهو في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ، والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةُ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ ذَلِكَ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهُمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدِمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وفي الكَلامِ عَلى ذَلِكَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقِيلَ: (ضَحِكَتْ) مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 98 ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَنِ البَعْضِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ ويُسْتَعْمَلُ في السُّرُورِ المُجَرَّدِ نَحْوَ مُسْفِرَةٍ ضاحِكَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَوْضَةٌ تَضْحَكُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (ضَحِكَتْ) بِمَعْنى حاضَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وقَوْلُهُمْ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، والفَرّاءُ مَجِيءُ ضَحِكٍ بِمَعْنى حاضَ، وأثْبَتَ ذَلِكَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ: (وضَحِكَ) الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللُّقا وقَوْلَهُ: وعَهْدِي بِسَلْمى (ضاحِكًا) في لُبابَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حَقًّا ثَدْيُها أنْ تَحْلُما وقَوْلَهُ: إنِّي لَآتِي العُرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ (ضاحِكًا) والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، نَعَمْ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ يُبْعِدُ الحَمْلَ عَلى ذَلِكَ هُنا قَوْلُها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ إلَخْ.. فَإنَّهُ لَوْ كانَ الحَيْضُ قَبْلَ البِشارَةِ لَما تَعَجَّبَتْ إذْ لا عَجَبَ في حَمْلِ مَن تَحِيضُ، والحَيْضُ في العادَةِ مِعْيارٌ عَلى إمْكانِ الحَمْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ الحَيْضَ في غَيْرِ أوانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا، ولِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَظُنَّ أنَّ دَمَها لَيْسَ بِحَيْضٍ بَلِ اسْتِحاضَةٍ فَلِذا تَعَجَّبَتْ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ (فَضَحَكَتْ) بِفَتْحِ الحاءِ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وأنَّ (ضَحِكَ) بِالكَسْرِ هو المَعْرُوفُ، ومَصْدَرُهُ ضَحْكًا وضِحْكًا بِسُكُونِ الحاءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، وضَحِكًا ضِحِكًا، بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ فَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ مَصادِرُ ضَحِكَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ، ويُفْهَمُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ مَصْدَرَ ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَتْ إنَّما هو ضَحْكًا بِفَتْحِ الضّادِ وسُكُونِ الحاءِ، ولَمْ نَرَ هَذا التَّخْصِيصَ في غَيْرِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ فَتْحَ الحاءِ في الماضِي مَخْصُوصٌ بِضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَلَيْهِ فالقِراءَةُ المَذْكُورَةُ تُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ ضَحِكَتْ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِحاضَتْ. ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ قِيلَ: أيْ عَقَّبْنا سُرُورَها بِسُرُورٍ أتَمَّ مِنهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وحَفْصٍ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ، ورَجَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، واعْتَرَضَهُ البَعْضُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما ذُكِرَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ، ودُفِعَ بِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الهِبَةِ قَبْلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ بِشارَةُ مَعْنًى، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ ( بِإسْحاقَ ) لِأنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، واعْتَرَضَ أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى العَطْفُ عَلى المَحَلِّ إذا جازَ ظُهُورُ المَحَلِّ في فَصِيحِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ولَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا. وبَشِّرْ لا تَسْقُطُ باؤُهُ مِنَ المُبَشَّرِ بِهِ في الفَصِيحِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَطْفَ عَلى ( بِإسْحاقَ ) عَلى تَوَهُّمِ نَصْبِهِ لِأنَّهُ في مَعْنى وهَبْنا لَها إسْحاقَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: (مَشائِيمُ) لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبَ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها إلّا أنَّهُ تَوَهَّمَ في هَذا وُجُودَ الباءِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى عَكْسِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ويُقالُ لِمِثْلِ هَذا: عَطْفُ التَّوَهُّمِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ هُنا مِنَ البَشاعَةِ عَلى أنَّ هَذا العَطْفَ شاذٌّ لا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وبِهَذا اعْتُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ مِن حَمْلِ كَلامِهِ حَيْثُ قالَ: وقُرِئَ بِالنَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهَبْنا لَها إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: مَشائِيمُ. البَيْتَ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ الظّاهِرُ مِنهُ، وقالَ في الكَشْفِ أرادَ أنَّهُ عَطْفٌ مَعْنَوِيٌّ ومِثْلُهُ شائِعٌ مُسْتَفِيضٌ في العَطْفِ والإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة 99 ولا ناعِبَ. تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ بُعْدِهِ لَما كانَ واقِعًا فَهَذا أجْدَرُ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ أنَّ غَيْرَ المَوْجُودِ في اللَّفْظِ جُعِلَ بِمَنزِلَتِهِ وأُعْمِلَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ مِن عِبارَتِهِ، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (إسْحاقَ) وفَتْحَتُهُ لِلْجَرِّ لِأنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وعَلى هَذا دُخُولُهُ في البِشارَةِ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ الفَصْلُ بَيْنَ نائِبِ الجارِّ ومَجْرُورِهِ وهو أبْعَدُ مِنهُ بَيْنَ الجارِّ ومَجْرُورِهِ، وفي البَحْرِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما ذُكِرَ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، فَلا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ، فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والنَّحْوِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ و(يَعْقُوبُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، (ومِن وراءِ) الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ -ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ أوْ مَوْجُودٌ أوْ مَوْلُودٌ- قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ أيْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ كَما أجازَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ: إنَّهُ جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ذِي الحالِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ إذا كانَ حالًا لا يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالواوِ فَلْيُتَدَبَّرْ. وجَوَّزَ النَّحّاسُ أيْضًا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ، وقَدْ مَرَّ ما يُعْلَمُ مِنهُ الجَوابُ، و(وراءَ) هُنا بِمَعْنى خَلْفٍ وبِذَلِكَ فَسَّرَها الرّاغِبُ وغَيْرُهُ هُنا، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُها بِوَلَدِ الوَلَدِ وهو أحَدُ مَعانِيها كَما في الصِّحاحِ، والقامُوسِ، وبِذَلِكَ قالَ الشَّعْبِيُّ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ (يَعْقُوبَ) ولَدُ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ لا ولَدَ ولَدِهِ، ولِدَفْعِ ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ: إنَّ وجْهَ هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُرادَ بِيَعْقُوبَ أوْلادُهُ كَما يُقالُ: هاشِمٌ ويُرادُ أوْلادُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن ولَدِ ولَدِ إسْحاقَ أوْلادِ يَعْقُوبَ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ البِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: وجْهْ ذَلِكَ أنَّهُ سُمِّيَ ولَدُ إسْحاقَ (وراءَ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْها أيْ وراؤُها مِن إسْحاقَ كَأنَّهم بَشَّرُوها بِأنْ تَعِيشَ حَتّى تَرى ولَدَ ولَدِها، أوْ بِأنْ يُولَدَ لِوَلَدِها ولَدٌ، قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، والمَنقُولُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ أظْهَرُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهُ بِمَعْنى خَلْفٍ إذْ في كِلا الوَجْهَيْنِ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى، والِاسْمانِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ وهو الأظْهَرُ. ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: ويُحْتَمَلُ أنَّها بُشِّرَتْ بِوَلَدٍ ووَلَدِ ولَدٍ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ ثُمَّ سُمِّيا بَعْدَ الوِلادَةِ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ إلَيْها مَعَ أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ وُجِّهَتْ إلَيْهِ في آيَتَيِ الحِجْرِ والذّارِياتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بُشِّرَ بِهِ يَكُونُ مِنهُما ولِكَوْنِها عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ، وكانَتْ قَدْ تَمَنَّتْهُ حِينَما وُلِدَ لِهاجَرَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ

هود 11:72

﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ ما فَعَلَتْ حِينَ بُشِّرَتْ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿يا ويْلَتى﴾ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ الخِزْيُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والمُرادُ هُنا التَّعَجُّبُ وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَتَعَجَّبْنَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذا أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِهَذا يَلْغُزُ فَيُقالُ: ما ألِفٌ هي ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مُتَكَلِّمٍ. وقَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّها ألِفُ النُّدْبَةِ ولِذا يُلْحِقُونَها الهاءَ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَتاهُ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. صفحة 100 ﴿وهَذا﴾ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ ﴿بَعْلِي﴾ أيْ زَوْجِي، وأصْلُ البَعْلِ القائِمُ بِالأمْرِ فَأُطْلِقَ عَلى الزَّوْجِ لِأنَّهُ يَقُومُ بِأمْرِ الزَّوْجَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو الذَّكَرُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وجَمْعُهُ بُعُولَةٌ نَحْوَ فَحْلٍ وفُحُولَةٍ، ولِما تَصَوَّرُوا مِنَ الرَّجُلِ اسْتِعْلاءً عَلى المَرْأةِ فَجُعِلَ سائِسَها والقائِمَ عَلَيْها؛ وسُمِّيَ بِهِ شِبْهُ كَلِّ مُسْتَعْلٍ عَلى غَيْرِهِ بِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، ومِن هُنا سَمّى العَرَبُ مَعْبُودَهُمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْلًا لِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ ﴿شَيْخًا﴾ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، وهو مِن شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ: لِلْأُنْثى شَيْخَةٌ كَما قالَ: وتَضْحَكُ مِنِّي (شَيْخَةٌ) عَبْشَمِيَّةٌ. ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشِيخانٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والعامِلُ فِيهِ ما في هَذا مِن مَعْنى الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ، فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ فَيُفِيدُهُ قِيامُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُنا بَعْلِتَّيُهُ مَعْرُوفَةٌ، والمَقْصُودُ بَيانُ شَيْخُوخَتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ بَعْلُها قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ قالَهُ الطِّيبِيُّ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا لَمْ تَكُنِ الحالُ لازِمَةً غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ، أمّا في نَحْوِ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا فَلا يَلْزَمُ المَحْذُورُ، والحالُ هَهُنا مُبَيِّنَةٌ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ لِأنَّ العامِلَ فِيها ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ التَّأْوِيلِ يَتَّحِدُ عامِلُ الحالِ وذِيها، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ هَذا يَعْمَلُ عَمَلَ كانَ و(شَيْخًا) خَبَرُهُ وسُمُّوهُ تَقْرِيبًا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ في مُصْحَفِهِ- والأعْمَشُ –شَيْخٌ- بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفي البَحْرِ إنَّ الكَلامَ عَلى هَذا كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أوْ هو الخَبَرُ، و(بَعْلِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (بَعْلِي) الخَبَرَ، و–شَيْخٌ- تابِعًا لَهُ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أألِدُ) لِتَقْرِيرِ ما فِيهِ مِن الِاسْتِبْعادِ وتَعْلِيلُهُ أيْ أألِدُ وكِلانا عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِذَلِكَ، وإنَّما قَدَّمَتْ بَيانَ حالِها عَلى بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مُبايَنَةَ حالِها لِما ذُكِرَ مِنَ الوِلادَةِ أكْثَرُ، إذْ رُبَّما يُولَدُ لِلشُّيُوخِ مِنَ الشَّوابِّ أمّا العَجائِزُ داؤُهُنَّ عِقامٌ، ولِأنَّ البِشارَةَ مُتَوَجِّهَةٌ إلَيْها صَرِيحًا، ولِأنَّ العَكْسَ في البَيانِ رُبَّما يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ نِسْبَةَ المانِعِ عَنِ الوِلادَةِ إلى جانِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ المَحْذُورِ، واقْتِصارُها في الِاسْتِبْعادِ عَلى وِلادَتِها مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّافِلَةِ لِأنَّها المُسْتَبْعَدَةُ، وأمّا وِلادَةُ ولَدِها فَلا يَتَعَلَّقُ بِها اسْتِبْعادٌ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مِن هَرَمَيْنِ مِثْلِنا، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها، والتَّذْكِيرُ لِأنَّ المَصْدَرَ في تَأْوِيلِ (إنَّ) مَعَ الفِعْلِ ولَعَلَّ المَآلَ أنَّ هَذا الفِعْلَ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ في عِبادِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ ومَقْصِدُها كَما قِيلَ: اسْتِعْظامُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها في ضِمْنِ الِاسْتِعْجابِ العادِيِّ لا اسْتِبْعادُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ القُدْرَةِ

هود 11:73

﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ قُدْرَتِهُ وحِكْمَتِهِ، أوْ تَكْوِينِهِ وشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، أنْكَرُوا عَلَيْها تَعَجُّبَها لِأنَّها كانَتْ ناشِئَةً في بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ ومَحَلِّ الخَوارِقِ فَكانَ حَقُّها أنْ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ مِن أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن ألْطافِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخَفِيَّةِ ولَطائِفِ صُنْعِهِ الفائِضَةِ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِإفاضَتِهِ عَلى مَشِيئَتُهُ تَعالى الأزَلِيَّةُ لا سِيَّما أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ هم هم وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى وتُمَجِّدَهُ وتَحْمَدَهُ، وإلى ذَلِكَ أشارُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ المُسْتَتْبَعَةُ كُلَّ خَيْرٍ صفحة 101 ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِها والإيماءِ إلى عَظَمَتِها ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ خَيْراتُهُ التّامَّةُ المُتَكاثِرَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هِبَةُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنهم وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وقِيلَ: رَحْمَتُهُ تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخَلَّةِ والإمامَةِ. ﴿عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ الِاخْتِصاصِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ يُقْصَدُ بِهِ المَدْحُ، أوِ الذَّمُّ لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ ذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: بِنا تَمِيمًا يَكْشِفُ الضَّبابَ. انْتَهى، وفي الهَمْعِ أنَّ النَّصْبَ في الِاخْتِصاصِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِأعْنِي ويَخْتَصُّ بِأيِ الواقِعَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَأنا أفْعَلُ كَذا أيُّها الرَّجُلُ، وكاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وحُكْمُها في هَذا البابِ -إلّا عِنْدَ السِّيرافِيِّ والأخْفَشِ- حُكْمُها في بابِ النِّداءِ ويَقُومُ مَقامَها في الأكْثَرِ كَما -قالَ سِيبَوَيْهِ- بَنُو نَحْوَ قَوْلِهِ. نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحابُ الجَمَلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ ومَعْشَرُ كَقَوْلِهِ: لَنا مَعْشَرَ الأنْصارِ مَجْدٌ مُؤَثَّلٌ ∗∗∗ بِإرْضائِنا خَيْرَ البَرِيَّةِ أحَمَدا وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وآلْ، وأهْلُ، وأبُو عَمْرٍو لا يَنْصِبُ غَيْرَهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَلَّ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَمًا كَما في بَيْتِ رُؤْبَةَ السّابِقِ في كَلامِ أبِي حَيّانَ، ولا يَكُونُ اسْمَ إشارَةٍ ولا غَيْرَهُ، ولا نَكِرَةً البَتَّةَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ اسْمِ الِاخْتِصاصِ عَلى الضَّمِيرِ، وقَلَّ وُقُوعُ الِاخْتِصاصِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَسُبْحانَكَ اللَّهَ العَظِيمَ، وبَعْدَ لَفْظِ غائِبٍ في تَأْوِيلِ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ نَحْوَ عَلى المَضارِبِ الوَضْعِيَّةِ أيُّها البائِعُ، فالمَضارِبُ لَفْظُ غَيْبَةٍ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَكِنَّهُ في مَعْنى عَلى أوْ عَلَيْكَ، ومَنَعَ ذَلِكَ الصَّفّارُ البَتَّةَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ شِبْهُ النِّداءِ فَكَما لا يُنادى الغائِبُ فَكَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ الِاخْتِصاصُ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ بَعْضُ ما في كَلامِ أبِي حَيّانَ وأنَّ حَمْلَ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنِ ارْتِكابِ ما قَلَّ في كَلامِهِمْ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ نَصْبَهُ عَلى النِّداءِ، وقَدَّمَهُ عَلى احْتِمالِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَعَلَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى تَرْجِيحِهِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ إنَّ في ذَلِكَ فَواتَ مَعْنى المَدْحِ المُناسِبَ لِلْمَقامِ، والمُرادُ مِنَ البَيْتِ -كَما في البَحْرِ- بَيْتُ السُّكْنى، وأصْلُهُ مَأْوى الإنْسانِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ قَدْ يُقالُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اللَّيْلِ فِيهِ، ويَقَعُ عَلى المُتَّخَذِ مِن حَجَرٍ ومِن مَدَرٍ، ومِن صُوفٍ ووَبَرٍ، وعَبَّرَ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ بِأنَّهُ بَيْتُهُ ويُجْمَعُ عَلى بُيُوتٍ وأبْياتٍ، وجَمْعُ الجَمْعِ أبايِيتٍ وبُيُوتاتٍ، وأبَياواتٍ، ويُصَغَّرُ عَلى بُيَيْتٍ وبُيِيتٍ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: بُوَيْتٍ كَما تَقُولُهُ العامَّةُ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِيَكُونَ جَوابُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها جَوابًا لِمَن يَخْطُرُ بِبالِهِ مِثْلُ ما خَطَرَ بِبالِها مِن سائِرِ أهْلِ البَيْتِ. والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ تَعَجُّبِها فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، واخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: هي دُعائِيَّةٌ ولَيْسَ بِذاكَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى دُخُولِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ السُّنِّيُّونَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في سُورَةِ الأحْزابِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الشِّيعَةُ فَقالُوا: لا تَدْخُلُ إلّا إذا كانَتْ قَرِيبَ الزَّوْجِ، ومَن نَسَبَهُ فَإنَّ المُرادَ مِنَ البَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ لا بَيْتُ الطِّينِ والخَشَبِ، ودُخُولُ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها هُنا لِأنَّها بِنْتُ عَمِّهِ، وكَأنَّهم حَمَلُوا البَيْتَ عَلى الشَّرَفِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ، وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ: صفحة 102 حَتّى احْتَوى بَيْتُكَ المَهِينُ مِن خُنْدُفٍ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطَفُ ثُمَّ خَصُّوا الشَّرَفَ بِالشَّرَفِ النِّسْبِيِّ وإلّا فالبَيْتُ بِمَعْنى النَّسَبِ مِمّا لَمْ يَشِعْ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعاهم لِذَلِكَ بُغْضُهم لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَرامُوا إخْراجَها مِن حُكْمِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ الزِّيادَةِ في التَّحِيَّةِ عَلى ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ“، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ فانْتَهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وقالَ: حَسْبُكَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سائِلًا قامَ عَلى البابِ وهو عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وصَلَواتُهُ ومَغْفِرَتُهُ، فَقالَ: انْتَهُوا بِالتَّحِيَّةِ إلى ما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورِضْوانُهُ فَقالَ: ما هَذا السَّلامُ؟! وغَضِبَ حَتّى احْمَرَّتْ وجَنَتاهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّ لِلسَّلامِ حَدًّا ثُمَّ انْتَهى ونَهى عَمّا وراءَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وفي الكَشّافِ أيْ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ مِن عِبادِهِ، فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ( حَمِيدٌ ) هُنا بِمَعْنى حامِدٍ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ﴿مَجِيدٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الرَّفِيعُ يُقالُ: مَجَدَ كَنَصَرَ وكَرُمَ مَجْدًا ومَجادَةً أيْ كَرُمَ وشَرُفَ؛ وأصْلُهُ مِن مَجَّدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى كَثِيرٍ واسِعٍ، وقَدْ أمْجَدَها الرّاعِي إذا أوْقَعَها في ذَلِكَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ إذا أكْثَرْتَ عَلَفَها، وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ النَّمِيرِيِّ: تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ (بِماجِدَةٍ) الطَّعامَ ولا الشَّرابَ أيْ لَيْسَتْ بِكَثِيرِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ، ومِن أمْثالِهِمْ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخَ والعِفارَ أيِ اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ تَحَرّى السِّعَةَ في بَذْلِ الفَضْلِ المُخْتَصِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ، والجُمْلَةُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ حَسَنٌ لِبَيانِ أنَّ مُقْتَضى حالِها أنْ تُحْمَدَ مُسْتَوْجِبَ الحَمْدِ المُحْسِنِ إلَيْها بِما أحْسَنَ وتُمَجِّدُهُ إذْ شَرَّفَها بِما شَرُفَ، وقِيلَ: هي تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾،

هود 11:74

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ: إذا أخَذَتْها هِزَّةُ (الرَّوْعِ) أمْسَكَتْ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا والفِعْلُ راعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: (ما راعَنِي) إلّا حُمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسَطَ الدِّيارِ تَسُفُّ حَبَّ الخَمْخَمِ والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ النَّفْسُ وهي مَحَلُّ الرَّوْعِ، والفاءُ لِرَبْطِ بَعْضِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَعْضِ غِبِّ انْفِصالِها بِما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن كُلِّ وجْهٍ بَلْ لَهُ مَدْخَلٌ في السِّياقِ والسِّباقِ، وتَأخَّرَ الفاعِلُ مِنَ الظَّرْفِ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الفائِدَةِ، والمَعْنى لَما زالَ عَنْهُ ما كانَ أوْجَسَهُ مِنهم مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ بِالوُقُوفِ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا في حالِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَفِيهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم ما قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: صفحة 103 ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ مُجادَلَةٌ وعُدَّ ذَلِكَ مُجادَلَةً لِأنَّ مَآلَهُ عَلى ما قِيلَ: كَيْفَ تَهْلَكُ قَرْيَةٌ فِيها مَن هو مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْعَذابِ؟ ولِذا أجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ﴾ وهَذا القَدْرُ مِنَ القَوْلِ هو المُتَيَقِّنُ. وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالُوا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشْرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ -شَكَّ الرّاوِي-؟ قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَأجابُوهُ بِما أجابُوهُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عِدَّةَ رِواياتٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ بِطَلَبِ الشَّفاعَةِ، وقِيلَ: هي سُؤالُهُ عَنِ العَذابِ هَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ؟ وأيًّا ما كانَ –فَيُجادِلُنا- جَوابُ –لَمّا- وكانَ الظّاهِرُ جادَلَنا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقِيلَ: إنَّ - لَمّا- كَلَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا كَما أنَّ –أنْ- تَقْلِبُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِهِ أيْ أخَذَ أوْ أقْبَلَ مُجادِلًا لَنا، وآثَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ مَعَ حِكايَةِ الحالِ وجْهًا واحِدًا لِأنَّهُ قالَ: ولَمْ يَذْكُرْ في الكَلامِ أخَذَ لِأنَّ الكَلامَ إذا أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ قُدِّرَ فِيهِ أخَذَ وأقْبَلَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ دَلَّ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وإذا قُلْتَ: أخَذَ زَيْدٌ يَقُومُ دَلَّ عَلى حالٍ مُمْتَدَّةٍ مِن أجْلِها ذُكِرَ أخَذَ وأقْبَلَ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما وجْهانِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ إذا أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الماضِي فَهو كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وإنْ أُرِيدَ التَّصْوِيرُ المُجَرَّدُ فَلا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا أوْ بَيانِيًّا وهي دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ فَطِنَ بِمُجادَلَتِنا وقالَ: كَيْتَ وكَيْتَ، واخْتارَهُ في الكَشّافِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ -وكَذا الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها- في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( إبْراهِيمَ ) عَلى التَّرادُفِ أوِ التَّداخُلِ وجَوابُ لَمّا قُلْنا يُقَدَّرُ قَبْلَ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا)،﴾ وأقْرَبُ الأقْوالِ أوَّلُها، والبُشْرى إنْ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِمْ: ( لا تَخَفْ ) فَسَبَبِيَّةُ ذَهابِ الخَوْفِ ومَجِيءِ السُّرُورِ لِلْمُجادَلَةِ ظاهِرَةٌ، وأمّا إنْ فُسِّرَتْ بِبِشارَةِ الوَلَدِ -كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ، واخْتارَهُ جَمْعٌ أوْ بِما يَعُمُّها- فَلَعَلَّ سَبَبِيَّتَها لَها مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ زِيادَةَ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَلامَتِهِ وسَلامَةِ أهْلِهِ كافَّةً، كَذا قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ: إنْ قِيلَ: إنَّ المُتَبادَرَ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ قَبْلَ ذَهابِ الرَّوْعِ عَنْ نَفْسِهِ ولَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُجادَلَتِهِمْ في شَأْنِهِمْ لِاشْتِغالِهِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ، (فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) فَرَغَ لَها مَعَ أنَّ ذَهابَ الرَّوْعِ إنَّما هو قَبْلَ العِلْمِ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ قُلْنا: كانَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ مُكَلَّفِينَ بِها فَلَمّا رَأى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما رَأى خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى كافَّةِ أُمَّتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ، ولا رَيْبَ في تَقَدُّمِ هَذا الخَوْفِ عَلى قَوْلِهِمْ: ( لا تَخَفْ ) وأمّا الَّذِي عَلِمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ النَّهْيِ فَهو اخْتِصاصُ قَوْمِ لُوطٍ بِالهَلاكِ لا دُخُولَ لَهم تَحْتَ العُمُومِ فَتَأمَّلْ، انْتَهى. وفِيهِ أنَّ كَوْنَ الكُلِّ أُمَّتَهُ في حَيِّزِ المَنعِ، وما أشارَ إلَيْهِ مِنِ اتِّحادِ الشَّرِيعَتَيْنِ إنْ أرادَ بِهِ الِاتِّحادَ في الأُصُولِ كاتِّحادِ شَرِيعَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ، وإنْ أرادَ بِهِ الِاتِّحادَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ سَلِمَ فَفي لُزُومِ كَوْنِ الكُلِّ أُمَّتَهُ لَهُ تَرَدُّدٌ عَلى أنَّهُ لَوْ سَلَّمْنا كُلَّ ذَلِكَ صفحة 104 فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: سَلَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما رَأى حَصَلَ لَهُ خَوْفٌ عَلى نَفْسِهِ وعَلى كافَّةِ أُمَّتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الخَوْفَ كانَ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ كانُوا مُرْسَلِينَ لِإهْلاكِ الكُلِّ المُنْدَرِجِ فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ بَلْ عَنْ تَرَدُّدٍ وتَحَيُّرٍ في أمْرِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يَنْحَلُّ السُّؤالُ بِهَذا الجَوابِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَبَصِّرِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ؛ وقَدْ يُقالُ: المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ تَحَقُّقُ المُجادَلَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ ذَهابِ الرَّوْعِ ومَجِيءِ البِشارَةِ، وهو لا يَسْتَدْعِي إلّا سَبْقَ العِلْمِ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٌ عَلى تَحَقُّقِ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ سَبْقُهُ عَلى تَحَقُّقِ البِشارَةِ، وهَذا العِلْمُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يُجادِلْ بَعْدَ هَذا العِلْمِ، وأخَّرَ المُجادَلَةَ إلى مَجِيءِ البِشارَةِ لِيَرى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ كَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فاصِلُ سُكُوتٍ في البَيْنِ لِيُجادِلَ فِيهِ إلّا أنَّ هَذا لا يَتِمُّ إلّا أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِالإرْسالِ إلى قَوْمِ لُوطٍ سابِقًا عَلى البِشارَةِ بِالوَلَدِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ. وفِي بَعْضِ الآياتِ ما هو ظاهِرٌ في سَبْقِ البِشارَةِ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يَلْتَزِمَ سَبْقُ الإخْبارِ عَلى البِشارَةِ، ويُقالُ: إنَّهم أخْبَرُوهُ أوَّلًا ثُمَّ بَشَّرُوهُ ثانِيًا، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ويُقالُ: المُرادُ مِنهُ السُّؤالُ عَنْ حالِ العَذابِ هَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ هو عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الإيمانِ؟ وتَفْسِيرُ المُجادَلَةِ بِهِ كَما مَرَّ عَنْ بَعْضٍ فَتَدَبَّرْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ

هود 11:75

﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ إلى المُسِيءِ إلَيْهِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المُنْبِئَةِ عَنِ الشَّفَقَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ بَيانُ ما حَمَلَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ المُجادَلَةِ، وحَمْلُ الحِلْمِ عَلى عَدَمِ العَجَلَةِ والتَّأنِّي في الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وجُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ بَيانَ ما حَمَلَهُ عَلى المُجادَلَةِ وإيقاعِها بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ ذَهابُ الرَّوْعِ ومَجِيءُ البُشْرى لا يَخْفى حالُهُ.

هود 11:76

﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبِلَ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ أوْ قُلْنا ( يا إبْراهِيمُ). ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَدَرُهُ تَعالى المَقْضِيُّ بِعَذابِهِمْ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالعَذابِ، ويُرادُ بِالمَجِيءِ المُشارَفَةُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا بِجِدالٍ ولا بِدُعاءٍ ولا بِغَيْرِهِما إذْ حاصِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ شارِفُهم ثُمَّ وقَعَ بِهِمْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُشارَفَةِ، والتَّكْرارُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاكَ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَرْدُودٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرَمٍ –وإنَّهم أتاهُمْ- بِلَفْظِ الماضِي، و(عَذابٌ) فاعِلٌ بِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ

هود 11:77

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: انْطَلِقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوُجُوهِ فَلِذَلِكَ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ أحْدَثَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجِيئُهُمُ المَساءَةَ لِظَنِّهِ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ ويَعْجِزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ فَأتَوْها عِشاءً، وقِيلَ نِصْفَ النَّهارِ ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا بِنْتًا لَهُ تَسْتَقِي ماءً مَن نَهْرِ سَدُومَ وهي أكْبَرُ مَحَلٍّ لِلْقَوْمِ فَسَألُوها الدَّلالَةَ عَلى مَن يَضِيفُهم ورَأتْ هَيْأتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ أبِيها فَقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: صفحة 105 إنّا نُرِيدُ أنْ تَضِيفَنا اللَّيْلَةَ، فَقالَ: أوَما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَكَرَّرَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ فَتَمَّتِ الأرْبَعُ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ طاقَةً وجُهْدًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ يَذْرَعُ في مَسِيرِهِ إذا سارَ مادًّا خَطْوَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ وهي العُضْوُ المَعْرُوفُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ والجُهْدِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ كَما تُجْعَلُ مَجازًا عَنِ القُوَّةِ فالذِّراعُ المَعْرُوفَةُ كَذَلِكَ، وفي الصِّحاحِ يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا إذا لَمَّ تُطِقْهُ ولَمْ تَقْوَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ فَكَأنَّكَ تُرِيدُ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ، ورُبَّما قالُوا: ضِقْتُ بِهِ ذِراعًا، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ ذِئْبًا: وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها (ذِراعًا) ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهو خاشِعٌ وفِي الكَشّافِ جَعَلَتِ العَرَبُ ضِيقَ الذِّراعُ والذَّرْعُ عِبارَةٌ عَنْ فَقْدِ الطّاقَةِ كَما قالُوا: رَحُبَ الذِّراعُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ القَصِيرُ الذِّراعِ فَضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ ضاقَ بِأمْرِهِمْ وحالِهِمْ ذَرْعُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الذَّرْعُ كِنايَةً عَنِ الصَّدْرِ والقَلْبِ، وضِيقُهُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ، وهو عَلى ما قِيلَ: كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كِنايَةٍ أُخْرى مَشْهُورَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ الحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، وأبْعَدَ بَعْضُهم في تَخْرِيجِ هَذا الكَلامِ فَخَرَّجَهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ بَدَنَهُ ضاقَ قَدْرًا عَنِ احْتِمالِ ما وقَعَ ﴿وقالَ هَذا﴾ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ، وأصْلُهُ مِنَ العَصَبِ بِمَعْنى الشَّدِّ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ شَرِّهِ عُصِبَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الرّاجِزُ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصْبَ القُوى السِّلْمَ الطِّوالا وفِي مَعْناهُ العَصَبْصَبْ والعَصَوْصَبُ

هود 11:78

﴿وجاءَهُ﴾ أيْ لُوطًا وهي في بَيْتِهِ مَعَ أضْيافِهِ ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ يَسْتَحِثُّونَ إلَيْهِ كَأنَّهُ يَحُثُّ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَحُثُّهم كَبِيرُهم ويَسُوقُهُمْ، أوِ الطَّمَعُ في الفاحِشَةِ، والعامَّةُ عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ جَماعَةٌ (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن هَرِعَ، وأصْلُهُ مِنَ الهَرَعِ وهو الدَّمُ الشَّدِيدُ السَّيَلانِ كَأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، وجاءَ أهْرَعَ القَوْمُ إذا أسْرَعُوا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإهْراعَ بِالمَشْيِ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا في الآيَةِ، فَقالَ: المَعْنى يُقْبِلُونَ إلَيْهِ بِالغَضَبِ، ثُمَّ أنْشَدَ قَوْلَ مُهَلْهَلٍ: فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى نَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِيُسْرِعُونَ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ ويَسْتَقِيمُ عَلى القِراءَتَيْنِ، وجُمْلَةُ ( يُهْرَعُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْمِهِ أيْ جاءُوا مُهْرِعِينَ إلَيْهِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلَ بَيْتِهِ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فِئَةً ما رُؤِيَ مِثْلُهم جَمالًا فَحِينَئِذٍ جاءُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ وقْتِ مَجِيئِهِمْ، وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قِيلَ: المُرادُ سَيِّئَةُ إتْيانِ الذُّكُورِ إلّا أنَّها جُمِعَتْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها أوْ بِاعْتِبارِ فاعِلِيها. وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ، وإتْيانُ النِّساءِ في مَحاشِهِنَّ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ، واللَّعِبُ بِالحَمامِ، والقُمارُ، والِاسْتِهْزاءُ صفحة 106 بِالنّاسِ. وغَيْرُ ذَلِكَ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ عَمَلِهِمُ السَّيِّئاتِ مِن قَبْلِ بَيانِ أنَّهُمُ اعْتادُوا المُنْكَرَ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن ضُيُوفِهِ مُظْهِرِينَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرَضَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها. وقِيلَ: إنَّها بَيانٌ لِوَجْهِ ضِيقِ صَدْرِهِ لِما عَرَفَ مِن عادَتِهِمْ، وجَعَلَها شَيْخُ الإسْلامِ في مَوْضِعِ الحالِ كالَّتِي قَبْلَها أيْ جاءُوا مُسْرِعِينَ، والحالُ أنَّهم كانُوا مُنْهَمِكِينَ في عَمَلِ السَّيِّئاتِ. ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ مِن قَبْلُ ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهُ كانَ جائِزًا، وقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ لِأبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وابْنَتَهُ رُقَيَّةَ لِعُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ قَبْلَ الوَحْيِ -وكانا كافِرَيْنِ- إلّا أنَّ عُتْبَةَ لَمْ يَدْخُلْ بِها وفارَقَها بِطَلَبِ أبِيهِ حِينَ نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَتَزَوَّجَها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأبُو العاصِ كانَ قَدْ دَخَلَ بِها لَكِنْ لَمّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وفادى نَفْسَهُ أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ العَهْدَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّها إذا عادَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ ورَجُلًا مِنَ الأنْصارِ في طَلَبِها فَجاءا بِها، ثُمَّ إنَّهُ أسْلَمَ وأتى المَدِينَةَ فَرَدَّها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَضَ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ الإسْلامِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَزْوِيجَ المُسْلِماتِ مِنَ الكُفّارِ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إذْ ذاكَ، وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سِواهُما، واسْمُ إحْداهُما -عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ- زَعُوراءُ والأُخْرى زِيتاءُ، وقِيلَ: كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ بَناتٍ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ الجَمْعِ وإنْ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى اثْنَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وِقايَةَ ضَيْفِهِ وهو غايَةُ الكَرَمِ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَعْرِضَ بَناتِهِ عَلى أعْدائِهِ لِيُزَوِّجَهُنَّ إيّاهُمْ؟! نَعَمِ اسْتُشْكِلَ عَرْضُ بَناتِهِ -بِناءً عَلى أنَّهُنَّ اثْنَتانِ كَما هو المَشْهُورُ، أوْ ثَلاثٌ كَما قِيلَ- عَلى أُولَئِكَ المُهْرِعِينَ لِيَتَزَوَّجُوهُنَّ مَعَ القَوْلِ بِأنَّهم أكْثَرُ مِنهُنَّ إذْ لا يَسُوغُ القَوْلُ بِحَلِّ تَزَوُّجِ الجَماعَةِ بِأقَلَّ مِنهم في زَمانٍ واحِدٍ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لَمْ يَكُنْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجْرِيًا عَلى الحَقِيقَةِ مِن إرادَةِ النِّكاحِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّواضُعِ لَهم وإظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِمّا أوْرَدُوا عَلَيْهِ طَمَعًا في أنْ يَسْتَحْيُوا مِنهُ ويَرِقُّوا لَهُ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ فَيَتْرُكُوا ضُيُوفَهُ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ واسْتِقْرارِ العِلْمِ وعِنْدَهم أنْ لا مُناكَحَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم وهو الأنْسَبُ بِجَوابِهِمُ الآتِي، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وابْنِ أبِي الدُّنْيا وابْنِ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِبَناتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نِساءُ أُمَّتِهِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ لِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحاضِرِ عِنْدَهُ وإضافَتِهِنَّ إلَيْهِ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم. وقَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدَّمَ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ عَلى -وهُوَ أبٌ لَهُمْ- وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْظَفُ فِعْلًا، أوَأقَلُّ فُحْشًا كَقَوْلِكَ: المَيْتَةُ أطْيَبُ مِنَ المَغْصُوبِ وأحَلُّ مِنهُ، ويُرادُ مِنَ الطَّهارَةِ عَلى الأوَّلِ الطَّهارَةُ الحِسِّيَّةُ وهي الطَّهارَةُ عَمّا في اللُّواطَةِ مِنَ الأذى والخُبْثِ، وعَلى الثّانِي الطَّهارَةُ المَعْنَوِيَّةُ وهو التَّنَزُّهُ عَنِ الفُحْشِ والإثْمِ، وصِيغَةُ أفْعَلُ في ذَلِكَ مَجازٌ، والظّاهِرُ -إنَّ هَؤُلاءِ بَناتِي- مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ (بَناتِي) بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ (وهُنَّ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و(أطْهَرُ) هو الخَبَرُ، وكَوْنُ (هُنَّ) مُبْتَدَأً ثانِيًا، و(أطْهَرُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ. صفحة 107 وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ خَفِيَ وجْهُهُ حَتّى قالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّ مَن قَرَأ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ فَقَدْ تَرَبَّعَ في لَحْنِهِ وذَلِكَ لِأنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنْ يُجْعَلَ حالًا عَمِلَ فِيها ما في (هَؤُلاءِ) مِنَ الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ أوْ يَنْصَبُ (هَؤُلاءِ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: خُذُوا هَؤُلاءِ و(بَناتِي) بَدَلٌ، ويَعْمَلُ هَذا المُضْمَرُ في الحالِ و(هُنَّ) في الصُّورَتَيْنِ فَصْلٌ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، ولا يَكُونُ بَيْنَ الحالِ وذِيها كَذا قِيلَ، وهَذا المَنعُ هو المَرْوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ وخالَفَ في ذَلِكَ الأخْفَشُ فَأجازَ تَوَسُّطَ الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها فَيَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ هو ضاحِكًا، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقِيلَ: بِوُقُوعِهِ شُذُوذًا كَما في قَوْلِهِمْ: أكْثَرُ أكْلِي التُّفّاحَةُ هي نَضِيجَةً، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ خَرَجَ هَذا عَلى إضْمارِ كانَ، والآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ (هُنَّ) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمُ) الخَبَرُ، و(أطْهَرُ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها الظَّرْفِيِّ، والأكْثَرُونَ عَلى مَنعِهِ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً و﴿بَناتِي هُنَّ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِكَ: هَذا أخِي هُوَ، ويَكُونُ (أطْهَرَ) حالًا، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ، وابْنِ جِنِّيٍّ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ (هَؤُلاءِ) مُبْتَدَأً و(بَناتِي) بَدَلًا مِنهُ أوْ عَطْفَ بَيانٍ و(هُنَّ) خَبَرٌ و(أطْهَرَ) عَلى حالِهِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى طائِلٌ، ودُفِعَ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ الحالُ كَما في قَوْلِكَ: هَذا أبُوكَ عَطُوفًا، وادَّعى في الكَشْفِ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُقَدِّرُوا خُذُوا هَؤُلاءِ أطْهَرَ لَكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بَناتِي هُنَّ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ وكَوْنُهُنَّ أوْلى قُدِّمَتْ لِلِاهْتِمامِ كَأنَّهُ قِيلَ خُذُوا هَؤُلاءِ العَفائِفَ أطْهَرَ لَكم إنَّ بَناتِي هُنَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ طَهارَتِي وطَهارَةَ بَناتِي؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ (هُنَّ) تَأْكِيدٌ لِلْمُسَتِكِنِّ في (بَناتِي) لِأنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ لا سِيَّما عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ أيْ لا تَفْضَحُونِي في شَأْنِهِمْ فَإنَّ إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ إخْزاءٌ لَهُ، أوْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ، والمَصْدَرُ عَلى الأوَّلِ الخِزْيُ وعَلى الثّانِي الخِزايَةُ، وأصْلُ مَعْنى خِزْيٍ لَحِقَهُ انْكِسارٌ إمّا مِن نَفْسِهِ وهو الحَياءُ المُفْرِطُ، وإمّا مِن غَيْرِهِ وهو الِاسْتِخْفافُ والتَّفْضِيحُ، والضَّيْفُ مَصْدَرُ، ولِذا إذا وُصِفَ بِهِ المُثَنّى أوِ المَجْمُوعُ لَمْ يُطابِقْ عَلى المَشْهُورِ، وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ، (ولا) ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ، والمَوْجُودَةُ نُونُ الوِقايَةِ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الأصْلِ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ الصَّرِيحِ ويَرْعَوِي عَنِ الباطِلِ القَبِيحِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ أوْ يَنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، وهو إمّا بِمَعْنى ذُو رُشْدٍ أوْ بِمَعْنى مُرْشِدٍ كالحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكِمِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يُناسِبُ المَقامَ

هود 11:79

﴿قالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنِ الإخْزاءِ عَنْ أوَّلِ كَلامِهِ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ حَقٍّ وهو واحِدُ الحُقُوقِ، وعَنَوْا بِهِ قَضاءَ الشَّهْوَةَ أيْ ما لَنا حاجَةٌ في بَناتِكِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما يُخالِفُ الباطِلَ أيْ ما لَنا في بَناتِكَ نِكاحُ حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى جَوازَ نِكاحِنا لِلْمُسْلِماتِ، وما هو إلّا عَرْضٌ سابِرِيٌّ كَذا قِيلَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمُ حِلِّ نِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ. وقِيلَ: إنَّما نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهم حَقٌّ في بَناتِهِ لِأنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوهُنَّ فَرَدَّهم وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكُورِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم هو الحَقُّ وأنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً وكانُوا صفحة 108 كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ أيْ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولٌ لِتَعْلَمَ، وهو بِمَعْنى تَعْرِفُ، وهي مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَلا حَذْفَ أيْ إرادَتِنا. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وقَعَتْ مَفْعُولًا –لِنُرِيدُ- وهي حِينَئِذٍ مُعَلَّقَةٌ –لِتَعْلَمَ- ولِما يَئِسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ

هود 11:80

﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي قُوَّةً مُلْتَبِسَةً بِكم بِالمُقاوَمَةِ عَلى دَفْعِكم بِنَفْسِي لَفَعَلْتُ –فَلَوْ- شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي، و(بِكُمْ) حالٌ مِن (قُوَّةٍ) كَما هو المَعْرُوفُ في صِفَةِ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ عَلَيْها، وضَعْفُ تَعَلُّقِهِ بِها لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن مَعْناهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ المُبَرَّدِ، والمُضارِعُ واقِعٌ مَوْقِعَ الماضِي، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ أوْ أنِّي آوِي، وجَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وكَذا جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، و–الرُّكْنُ- في الأصْلِ النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ، ويُقالُ: رَكُنَ بِضَمِّ الكافِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ القَوِيَّ شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ أيْ أوْ أنْضَمُّ إلى قَوِيٍّ أمْتَنِعُ بِهِ عَنْكم وأنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وقَدْ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا القَوْلَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بادِرَةً واسْتَغْرَبَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» يَعْنِي عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ لا رُكْنَ أشَدَّ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. إذا كانَ غَيْرُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ عُدَّةً أتَتْهُ الرَّزايا مِن وُجُوهِ الفَوائِدِ وجاءَ أنَّهُ سُبْحانَهُ –لِهَذِهِ- الكَلِمَةِ لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في مَنَعَةٍ مِن عَشِيرَتِهِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ يَجُوزُ -عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ- أنْ تَكُونَ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ ويَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْبى الحَمْلُ عَلى هَذِهِ الكِنايَةِ تَصْرِيحَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ بِما يُخالِفُها، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (آوِيَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ بَعْدَ (أوْ) فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى (قُوَّةً) ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامٍ أعِزَّةٌ وآلُ سَبِيعٍ أوْ أسُوؤُكَ عَلْقَمًا أيْ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ أوْيًا، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ وأخَذَ يُجادِلُ قَوْمَهُ عَنْهم مِن وراءِ البابِ فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

هود 11:81

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ بِضَرَرٍ ولا مَكْرُوهٍ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهُمْ، فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا فاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّ العِزَّةِ في عُقُوبَتِهِمْ فَأذِنَ لَهُ فَلَمّا دَنَوْا طَمَسَ أعْيُنَهم فانْطَلَقُوا عُمْيًا يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أغْلَقَ البابَ عَلى ضَيْفِهِ فَجاءُوا فَكَسَرُوا البابَ فَطَمَسَ جِبْرِيلُ أعْيُنَهم فَقالُوا: يا لُوطُ جِئْتَنا بِسَحَرَةٍ وتَوَعَّدُوهُ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً قالَ: يَذْهَبُ هَؤُلاءِ ويَذَرُونِي فَعِنْدَما قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَخَفْ إنّا رُسُلُ رَبِّك، ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ مِنَ السَّرى، وقَدْ جاءَ سَرِيَ. صفحة 109 وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، والأزْهَرِيِّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى سارَ آخِرَهُ ولا يُقالُ في النَّهارِ: إلّا سارَ ولَيْسَ هو مَقْلُوبَ سَرى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإسْراءِ عَلى الأخْبارِ بِرِسالَتِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِوُرُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ سِرْ مُلابِسًا بِأهْلِكَ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقِيلَ: نَصِفُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ آخِرَهُ وأنْشَدَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: ونائِحَةٌ تَقُومُ بِقَطْعِ لَيْلٍ عَلى رَحْلٍ أهانَتْهُ شُعُوبٌ ولَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزُوا البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهم بِسَحَرٍ، وأصْلُ القَطْعِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لَكِنْ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ فَلا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ القِطْعَ مِنَ اللَّيْلِ بِطائِفَةٍ مِن ظُلْمَتِهِ، وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِنَفْسِ السَّوادِ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ المُساهَلَةِ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَتَخَلَّفْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لا يَنْظُرُ إلى ورائِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، قِيلَ: وهَذا هو المَعْنى المَشْهُورُ الحَقِيقٌ لِلِالتِفاتِ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُقالُ: لَفَتُّهُ عَنِ الأمْرِ إذا صَرَفْتَهُ عَنْهُ فالتَفَتَ أيِ انْصَرَفَ، والتَّخَلُّفُ انْصِرافٌ عَنِ المَسِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ تَصْرِفُنا كَذا قالَ الرّاغِبُ. وفِي الأساسِ أنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ، والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِأحَدٍ، وفي المَعْنى لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُبَرَّدِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِخادِمِكَ: لا يَقُمْ أحَدٌ في أنَّ النَّهْيَ في الظّاهِرِ لِأحَدٍ، وهو في الحَقِيقَةِ لِلْخادِمِ أنْ لا يَدَعَ أحَدًا يَقُومُ، فالمَعْنى هُنا فَأسْرِ بِأهْلِكَ ولا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ؛ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ لِأنَّ الأوَّلَ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي لِنَهْيِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ضَمِيرَ (مِنكُمْ) لِلْأهْلِ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شِهابٌ فَلَكُ الفَضْلِ الخَفاجِيُّ، فَقالَ: وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهو أنَّ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ البَدِيعِ اخْتَرَعُوا نَوْعًا مِنَ البَدِيعِ سَمَّوْهُ تَسْمِيَةَ النَّوْعِ، وهو أنْ يُؤْتى بِشَيْءٍ مِنَ البَدِيعِ ويُذْكَرُ اسْمُهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ كَقَوْلِهِ في البَدِيعِيَّةِ في الِاسْتِخْدامِ: واسْتَخْدَمُوا العَيْنَ مِنِّي فَهي جارِيَةٌ ∗∗∗ وكَمْ سَمَحْتُ بِها في يَوْمٍ بَيْنَهُمْ وتَبَجَّحُوا بِاخْتِراعِهِ، وأنا بِمَنِّ اللَّهِ تَعالى أقُولُ: إنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ إلَخْ.. وقَعَ فِيهِ ضَمِيرُ ( مِنكم ) لِلْأهْلِ فَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (لا يَلْتَفِتْ) مِن تَسْمِيَةِ النَّوْعِ وهَذا مِن بَدِيعِ النِّكاتِ، انْتَهى، وسِرُّ النَّهْيِ عَنْ الِالتِفاتِ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ ظاهِرٌ، وأمّا سِرُّهُ إذا كانَ بِمَعْنى النَّظَرِ إلى وراءِ فَهو أنْ يَجِدُوا في السَّيْرِ فَإنَّ مَن يَلْتَفِتُ إلى ورائِهِ لا يَخْلُو عَنْ أدْنى وقْفَةٍ أوْ أنْ لا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ مِنَ العَذابِ فَيَرْقُوا لَهم. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ النَّهْيَ وكَذا الضَّمِيرُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأهْلِهِ أيْ لا يَلْتَفِتُ أحَدٌ مِنكَ ومِن أهْلِكَ. ( إلّا اِمْرَأتك ) بِالنَّصْبِ وهو قِراءَةُ أكْثَرِ السَّبْعَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَثْناها مِن قَوْلِهِ: ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ – ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتُكَ- ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ صفحة 110 مِن -لا يَلْتَفِتْ- عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ كانَ الفَصِيحُ هو البَدَلُ أعْنِي قِراءَةَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَأبْدَلَها مِن أحَدٍ، وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأمَرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: يا قَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ أنْ يَخْلُفَها مَعَ قَوْمِها فَإنَّ هَواها إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسِرْ بِها، واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ انْتَهى، وأوْرَدَ عَلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ ما خُلاصَتُهُ أنَّهُ إمّا أنْ يَسْرِيَ بِها فالِاسْتِثْناءُ مِن أحَدٍ مُتَعَيِّنٌ، أوْ لا فَيَتَعَيَّنُ مِن ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ ) والقِصَّةُ واحِدَةٌ، فَأحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ باطِلٌ قَطْعًا، والقِراءَتانِ الثّابِتَتانِ قَطْعًا لا يَجُوزُ حَمْلُهُما عَلى ما يُوجِبُ بُطْلانَ أحَدِهِما، فالأوْلى أنْ يَكُونَ ( إلّا امْرَأتُكَ ) رَفْعًا ونَصْبًا مِثْلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى، وأكْثَرُهم عَلى ما دُونِهِ بَلْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَتَّفِقَ القُرّاءُ عَلى القِراءَةِ بِغَيْرِ الأقْوى. وأجابَ عَنْهُ بَعْضُ المَغارِبَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ مِن مَنعِ التَّنافِي لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأهْلِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالإسْراءِ بِها، ولا يَمْنَعُ أنَّها سَرَتْ بِنَفْسِها، ويَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءَيْنِ هَذا المِقْدارُ كَيْفَ ولَمْ يَنْهَ عَنْ إخْراجِها ولَكِنَّهُ أمَرَ بِإخْراجِ غَيْرِها، نَعَمْ يُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ أنَّهُ يَلْزَمُ الشَّكُّ في كَلامٍ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويُجابُ بِأنَّ مَعْناهُ اخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ جالِبٌ وسَبَبٌ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ كَما تَقُولُ: السِّلاحُ لِلْغَزْوِ أيْ أداةٌ وصالِحٌ مَثَلًا لَهُ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ اخْتِلافَ القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ قَدْ حَصَلَ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ رِوايَةٍ تُناسِبُ قِراءَةً وإنْ أمْكَنَ الجَمْعُ، وأمّا قَوْلُهُ: وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي فَنُقِلَ لِلرِّوايَةِ لا تَفْسِيرٍ لِلَفْظِ القُرْآنِ، وإنَّما الكائِنُ فِيهِ اسْتِثْناؤُها عَنِ الحُكْمِ الَّذِي لِلِاسْتِصْلاحِ إذْ لَمْ يُعْنَ بِها، وإلى مَعْنى ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ في مَنعِ التَّنافِي أشارَ أبُو شامَةَ فَقالَ: وقَعَ في تَصْحِيحِ ما أعْرَبَهُ النُّحاةُ مَعْنًى حَسَنٌ، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اخْتِصارٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ اخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ كَما قَرَأ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ، ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ مُصْحَفِهِ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِثْناءَها مِنَ السَّرْيِ بِهِمْ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: فَإنْ خَرَجَتْ مَعَكم وتَبِعَتْكم مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ أنْتَ سَرَيْتَ بِها فَإنَّهُ أهْلَكُ عَنْ الِالتِفاتِ غَيْرَها فَإنَّها سَتَهْلَكُ ويُصِيبُها ما يُصِيبُ قَوْمَها، فَكانَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ دالَّةً عَلى المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ دالَّةٌ عَلى هَذا المَعْنى المُتَأخِّرِ ومَجْمُوعُهُما دالٌّ عَلى جُمْلَةِ المَعْنى المَشْرُوحِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ، ولِذا اخْتارَ أنَّ الرَّفْعَ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، و( امْرَأتُكَ ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُهُ وإلّا بِمَعْنى لَكِنْ. وقالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي في الجِهَةِ الثّامِنَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ في الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، والَّذِي حَمَلَ القائِلِينَ عَلَيْهِ أنَّ النَّصْبَ قِراءَةُ الأكْثَرِينَ، فَإذا قُدِّرَ الِاسْتِثْناءُ مِن أحَدٍ كانَتْ قِراءَتُهم عَلى الوَجْهِ المَرْجُوحِ، وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم جَوازَ مَجِيءِ الأمْرَيْنِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَإنَّ النَّصْبَ في ذَلِكَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، ولَمْ يَرَ خَوْفَ إلْباسِ المُفَسِّرِ بِالصِّفَةِ مُرَجَّحًا كَما رَآهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي أجْزِمُ بِهِ أنَّ قِراءَةَ الأكْثَرِينَ لا تَكُونُ مُرَجَّحَةً، وأنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى القِراءَتَيْنِ مِن جُمْلَةِ الأمْرِ بِدَلِيلِ سُقُوطِ ( ولا يَلْتَفِتُ ) إلَخْ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ في آيَةِ الحِجْرِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالأهْلِ المُؤْمِنُونَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ بَيْتِهِ لا أهْلَ بَيْتِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا صفحة 111 مُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدُ، الخَبَرُ والمُسْتَثْنى الجُمْلَةُ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ . واخْتارَ أبُو شامَةَ ما اخْتَرْتُهُ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ لَكِنَّهُ قالَ: وجاءَ النَّصْبُ عَلى اللُّغَةِ الحِجازِيَّةِ والرَّفْعُ عَلى التَّمِيمِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ، وما قَدَّمْتُهُ أوْلى لِضَعْفِ اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ، ولِما قَدَّمُتُ مِن سُقُوطِ جُمْلَةِ النَّهْيِ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ انْتَهى. واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ واسْتَحْسَنَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ نَقَلَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالِانْقِطاعِ عَلى القِراءَتَيْنِ وتَخْرِيجَ النَّصْبِ عَلى اللُّغَةِ الحِجازِيَّةِ والرَّفْعَ عَنِ الأُخْرى، ثُمَّ قالَ إنَّهُ كَلامٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدْ إخْراجَها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ وكانَ المَعْنى لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي عَلَيْها كَذا وكَذا كانَ مِن الِاسْتِثْناءِ الَّذِي لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ العامِلُ، وهَذا النَّوْعُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعِ العَرَبِ، وإنَّما الخِلافُ في المُنْقَطِعِ الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ إلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ، فَفي التَّوْضِيحِ لِابْنِ مالِكٍ حَقُّ المُسْتَثْنى بِإلّا مِن كَلامٍ تامٍّ مُوجِبٍ مُفْرِدًا كانَ أوْ مُكَمِّلًا مَعْنًى بِما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ النَّصْبُ، ولا يَعْرِفُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلّا النَّصْبَ، وقَدْ غَفَلُوا عَنْ وُرُودِهِ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ ثابِتُ الخَبَرِ كَقَوْلِ أبِي قَتادَةَ: أحْرَمُوا كُلُّهم إلّا أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، ومَحْذُوفُهُ نَحْوَ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ إلّا اللَّهُ، (وإلّا) في ذَلِكَ بِمَعْنى لَكِنْ أيْ لَكِنْ أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ ولَكِنِ اللَّهُ يَعْلَمُ، انْتَهى، وما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ هَذا، وفي حاشِيَتَيِ البَدْرِ الدَّمامِينِيِّ وتَقِيِّ الدِّينِ الشَّمْنِيِّ أنَّ الرَّضِيَّ قَدْ أجابَ بِما يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ ولا تَناقُضَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الإتْباعَ هو الوَجْهُ مَعَ الشَّرائِطِ المَذْكُورَةِ وكانَ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ في ( ولا يَلْتَفِتْ ) إلَخْ تَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِئَلّا تَكُونَ قِراءَةُ الأكْثَرِ مَحْمُولَةً عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُخْتارٍ بِما تَكَلَّفَ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ الحاجِبِ بِلُزُومِ التَّناقُضِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن -أسْرِ بِأهْلِكَ- يَقْتَضِي كَوْنَها غَيْرَ مَسْرِيٍّ بِها، ومِن -لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ- يَقْتَضِي كَوْنَها مَسْرِيًّا بِها لِأنَّ الِالتِفاتِ بِالإسْراءِ، والجَوابُ أنَّ الإسْراءَ وإنْ كانَ مُطْلَقًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ في المَعْنى مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ فَمَآلُهُ أسْرِ بِأهْلِكَ إسْراءً لا التِفاتَ فِيهِ إلّا امْرَأتُكَ فَإنَّكَ تَسْرِي بِها إسْراءً مَعَ الِالتِفاتِ فاسْتَثْنِ عَلى هَذا إنْ شِئْتَ مِن –أسْرِ- أوْ -لا يَلْتَفِتْ- ولا تَناقُضَ، وهَذا كَما تَقُولُ: امْشِ ولا تَتَبَخْتَرْ أيِ امْشِ مَشْيًا لا تَتَبَخْتَرُ فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَلْتَفِتُ مِنكم أحَدٌ في الإسْراءِ، وكَذا امْشِ ولا تَتَبَخْتَرُ في المَشْيِ فَحَذَفَ الجارَّ والمَجْرُورَ لِلْعِلْمِ بِهِ، انْتَهى. وأوْرَدَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ السِّنْدُ في حَواشِيهِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا رَجَعَ إلى القَيْدِ كانَ المَعْنى فَأسْرِ بِجَمِيعِ أهْلِكَ إسْراءً لا التِفاتَ فِيهِ إلّا مِنِ امْرَأتِكَ فَيَكُونُ الإسْراءُ بِها داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ، وإذا رَجَعَ إلى المُقَيَّدِ لَمْ يَكُنِ الإسْراءُ بِها داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ المَحْذُورُ باقِيًا بِحالِهِ ولا مَخْلَصَ عَنْهُ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ تَناوُلَ العامِّ إيّاها لَيْسَ قَطْعِيًّا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فَلا يَلْزَمُ مِن رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا يَلْتَفِتْ ) كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالإسْراءِ بِها، وحِينَئِذٍ يُوَجَّهُ الِاسْتِثْناءُ بِما ذُكِرَ مِن أنَّها تَبِعَتْهم أوْ أسْرى بِها مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِذَلِكَ إذْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الأمْرِ بِهِ النَّهْيُ عَنْهُ فَتَأمَّلِ، انْتَهى. وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ ولَمْ يَرْتَضِ احْتِمالَ التَّخْصِيصِ لِما أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ويُفْهِمُ صَنِيعُهُ ارْتِضاءَ كَلامِ الرَّضِيِّ، ثُمَّ قالَ: ومُرادُهُ بِالتَّقْيِيدِ أنَّهُ ذَكَرَ شَيْئانِ مُتَعاطِفانِ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ بَيْنَهُما لا أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ فَلا يُرَدُّ صفحة 112 عَلَيْهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّقْيِيدِ مَعَ كَوْنِ الواوِ لِلنَّسَقِ مَمْنُوعٌ، وكَذا جَعْلُها لِلْحالِ مَعَ لا النّاهِيَةِ، وأيْضًا القِراءَةُ بِإسْقاطِها تَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، هَذا وقَدْ أُلِّفَتَ في تَحْقِيقِ هَذا الِاسْتِثْناءِ عِدَّةُ رَسائِلَ: مِنها رِسالَةٌ لِلْحِمَّصِيِّ، وأُخْرى لِلْعَلّامَةِ الكافِيجِيِّ ألَّفَها لِبَعْضِ سَلاطِينِ آلِ عُثْمانَ غَمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِصُنُوفِ الفَضْلِ والإحْسانِ حِينَ طُلِبَ مِنهُ لِبَحْثٍ وقَعَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِالِانْقِطاعِ أقَلُّ تَكَلُّفًا فِيما يَظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْقى ارْتِباطٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ الِالتِفاتِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ فَتَأمَّلْ، وضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلشَّأْنِ، و( ما أصابَهم ) مُبْتَدَأٌ، و(مُصِيبُها) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ –إنَّ- الَّذِي اسْمُهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وفي البَحْرِ إنَّ ﴿مُصِيبُها﴾ مُبْتَدَأٌ، و( ما أصابَهم ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿مُصِيبُها﴾ خَبَرَ –إنَّ- و(ما) فاعِلٌ بِهِ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ أنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْأيْها فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهُمْ، والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، والجُمْلَةُ إمّا تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ أوْ خَبَرٌ –لِامْرَأتِكَ- عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، والمُرادُ مِن (ما) العَذابُ، ومِن ( أصابَهم ) يُصِيبُهم والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وفي الإبْهامِ، واسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ، والتَّأْكِيدِ، ما لا يَخْفى. ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أيْ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَلاكِهِمْ ذَلِكَ، وكَأنَّ هَذا عَلى ما قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ والنَّهْيِ عَنْ الِالتِفاتِ المُشْعِرِ بِالحَثِّ عَلى الإسْراعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ، فَإنَّ قُرْبَ الصُّبْحِ داعٍ إلى الإسْراعِ لِلتَّباعُدِ عَنْ مَواقِعِ العَذابِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ وقْتِ هَلاكِهِمْ فَقالُوا: مَوْعِدُهُمُ الصُّبْحُ، فَقالَ: أُرِيدَ أسْرَعُ مِن ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).﴾ ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَ مِيقاتَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحَ لِأنَّهُ وقْتُ الدَّعَةِ والرّاحَةِ فَيَكُونُ حُلُولُ العَذابِ حِينَئِذٍ أفْظَعَ ولِأنَّهُ أنْسَبُ بِكَوْنِ ذَلِكَ عِبْرَةً لِلنّاظِرِينَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (الصُّبُحَ) بِضَمِّ الباءِ قِيلَ: وهي لُغَةٌ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ اتِّباعًا

هود 11:82

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوِ الأمْرُ بِهِ، فالأمْرُ عَلى الأوَّلِ واحِدُ الأُمُورِ، وعَلى الثّانِي واحِدُ الأوامِرِ، قِيلَ: ونِسْبَةُ المَجِيءِ إلَيْهِ بِالمَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّةٌ، والمُرادُ لَمّا حانَ وُقُوعُهُ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الوَقْتِ مَعَ دَلالَةِ لَمّا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ يُقَدَّرُ عَلى الثّانِي أيْ جاءَ وقْتُ أمْرِنا لِأنَّ الأمْرَ نَفْسَهُ ورَدَ قَبْلَهُ، ونَحْنُ في غِنًى عَنِ ادِّعاءِ تَكْرارِهِ، ورَجَحَ تَفْسِيرُ الأمْرِ بِما هو واحِدُ الأوامِرِ -أعْنِي ضِدَّ النَّهْيِ- بِأنَّهُ الأصْلُ فِيهِ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أمَرَهُ، وأمّا كَوْنُهُ بِمَعْنى العَذابِ فَيُخْرِجُهُ عَنِ المَصْدَرِيَّةِ الأصْلِيَّةِ وعَنْ مَعْناهُ المَشْهُورِ الشّائِعِ، وبِجَعْلِ التَّعْذِيبِ مُسَبَّبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ فَإنَّهُ جَوابُ (لَمّا) والتَّعْذِيبُ نَفْسُ إيقاعِ العَذابِ فَلا يَحْسُنُ جَعْلُهُ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ بَلِ العَكْسُ أوْلى إلّا أنْ يُؤَوَّلَ المَجِيءُ بِإرادَتِهِ، وضَمِيرُ (عالِيها –و- سافِلَها) لِمَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ المَعْلُومَةِ مِنَ السِّياقِ وهي المُؤْتَفِكاتُ، وهي خَمْسُ مَدائِنَ: مَيْعَةُ وصَعْرَهُ، وعَصْرَهُ. ودُوما وسَدُومُ. وقِيلَ: سَبْعٌ أعْظَمُها سَدُومُ، وهي القَرْيَةُ الَّتِي كانَ فِيها لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ فِيها عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ أوْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا العَدَدَ إنَّما كانَ في المَدائِنِ كُلِّها، وقِيلَ: إنَّ ما كانَ في المَدائِنِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. صفحة 113 ونُصِبَ ( عالِيَها ) و( سافِلَها ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ قَلَبْناها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ وهو جَعْلُ العالِي سافِلًا، وإنَّما قُلِبَتْ كَذَلِكَ ولَمْ يَعْكِسْ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَفْظِيعًا لِلْخَطْبِ لِأنَّ جَعْلَ عالِيها الَّذِي هو مَقَرُّهم ومَسْكَنُهم سافِلَها أشَقُّ مِن جَعْلِ سافِلِها عالِيَها وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، ورُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ سَرى بِمَن مَعَهُ قَبْلَ الفَجْرِ وطَوى اللَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضَ حَتّى وصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَ المَدائِنَ بِيَدِهِ، وفي رِوايَةٍ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ المَدائِنِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ صِياحَ الدِّيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ ثُمَّ قَلَبَها، وما أعْظَمَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في هَذا القَلْبِ الَّذِي هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إتْيانِ الإعْجازِ والإعْراضِ عَمّا تَقْتَضِيهِ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ! ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ إنْزالِ أمْرٍ عَظِيمٍ فِيها كَما يَقُولُ القائِلُ: اليَوْمَ قْلِبَتِ الدُّنْيا عَلى فُلانٍ لِما فِيهِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ والِانْحِرافِ عَمّا نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ سِوى اسْتِبْعادِ مِثْلِ ذَلِكَ، وما ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وإسْنادُ الجَعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُسَبِّبُ، فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ وإنْ كانَ سُبْحانَهُ هو الفاعِلَ الحَقِيقِيَّ، والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ الأمْرِ وتَهْوِيلُهُ، فَإنَّ ما يَتَوَلّاهُ العَظِيمُ مِنَ الأُمُورِ فَهو عَظِيمٌ، ويُقَوِّي ذَلِكَ ضَمِيرُ العَظَمَةِ أيْضًا وعَلى هَذا الطَّرْزِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ عَلى المَدائِنِ أوْ شُذّاذِ أهْلِها ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في تَفْظِيعِ حالِهِمْ أوْ قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ واسْتِئْصالًا لَهم. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنهم كانَ بِالحَرَمِ فَبَقِيَ حَجَرٌ مُعَلَّقٌ بِالهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنهُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ وأهْلَكَهُ، والسِّجِّيلُ الطِّينُ المُتَحَجِّرُ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويَتَعَيَّنُ إرْجاعُ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، وهو كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ مُعْرَبُ سِنِّكَ كَلَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ كالسَّجِّينِ الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ: هو مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ أوْ أدَرَّ عَطِيَّتَهُ، والمَعْنى حِجارَةٌ كائِنَةٌ مِن مِثْلِ الشَّيْءِ المُرْسَلِ أوْ مِثْلِ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، وهو عَلى هَذا خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: مِنَ السِّجِلِّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وهو الصَّكُّ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِن ذَلِكَ أنَّهُ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن سِجِّينٍ وهو اسْمٌ لِجَهَنَّمَ أوْ لِوادٍ فِيها فَأُبْدِلَتْ نُونُهُ لامًا. وقالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: مَنضُودٌ أيْ نَضِدٌ وُضِعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مُعَدًّا لِعَذابِهِمْ أوْ نُضِدَ في الإرْسالِ يُرْسَلُ بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ كَقِطارِ الأمْطارِ، ولا يُخْفى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كَما تَأْبى ما قالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ تَأْبى بِحَسَبِ الظّاهِرِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ جَهَنَّمُ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: يُمْكِنُ وصْفُ جَهَنَّمَ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَعْنى الأوَّلِ بِناءً عَلى أنَّها دَرَكاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، أوْ أنَّ الأصْلَ مَنضُودٌ فِيهِ فاتَّسَعَ وقَدْ يَتَكَلَّفُ بِنَحْوِ هَذا لِما قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنضُودٌ صِفَةَ حِجارَةٍ عَلى تَأْوِيلِ الحَجَرِ وجَرِّهِ لِلْجِوارِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ

هود 11:83

﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ عَلَيْها سِيما يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ بَعْضُها أسْوَدَ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ وبَعْضُها أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ. وعَنِ الرَّبِيعِ أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها، وكانَ بَعْضُها كَما قِيلَ: مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ وبَعْضُها مِثْلَ مَبارِكِها وبَعْضُها مِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يَتَصَرَّفُ بِها سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، والظَّرْفُ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُسَوَّمَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لَهُ والمَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ صفحة 114 أنَّ المَعْنى أنَّها جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ أنَّها مُعَدَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ ألْزَمَ هَذا التَّسْوِيمَ لِلْحِجارَةِ عِنْدَهُ تَعالى إيذانًا بِقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ فَلْيُفْهَمْ. ﴿وما هِيَ﴾ أيِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ بِما ذُكِرَ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِن 4 كُلِّ ظالِمٍ بِبَعِيدٍ. - فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها وفِيهِ وعِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ، وجاءَ في خَبَرٍ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وقالَ فِيهِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعُرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ لِتُخْطِئَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعُقُوبَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ و َ(الظّالِمِينَ) مَن يُشْبِهُهم مِنَ النّاسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُرادَهُ بَيانُ حاصِلِ المَعْنى لا مُرَجَّحُ الضَّمِيرِ. وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (هِيَ) لِلْقُرى الَّتِي جُعِلَ عالِيها سافِلَها والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو مَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَرِيبَةً إلَيْهِمْ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ أيْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ فَإنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي في غايَةِ البُعْدِ في الأرْضِ إلّا أنَّها هَوَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِهِمْ فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ

هود 11:84

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ أوْلادِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ جُعِلَ اسْمًا بِالغَلَبَةِ لِلْقَبِيلَةِ وكَثِيرًا ما تُسَمّى القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ كَمُضَرَ وتَمِيمٍ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِمَدْيَنَ المَدِينَةُ الَّتِي بَناها مَدْيَنُ فَسُمِّيَتْ بِهِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ ﴿أخاهُمْ﴾ نَسِيبَهم ﴿شُعَيْبًا﴾ قَدْ مَرَّ ما قِيلَ في نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ شُعَيْبًا. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أمْرٌ بِالتَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ أكِيدٍ، ولَمّا كانَ مِلاكَ الأمْرِ قَدَّمَهُ عَلى النَّهْيِ عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ البَخْسِ المُنافِي لِلْعَدْلِ المُخِلِّ بِحِكْمَةِ التَّعارُضِ وإيصالِ الحُقُوقِ لِأصْحابِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ قِيلَ: أيْ لا تَنْقُصُوا النّاسَ مِنَ المِكْيالِ والمِيزانِ يَعْنِي مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ عَلى ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحالِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ لا تَنْقُصُوا حَجْمَ المِكْيالِ عَنِ المَعْهُودِ وكَذا الصَّنَجاتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ الكَيْلُ بَدَلُ المِكْيالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ، ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقُّها أنْ تُقابَلَ بِغَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِأنْ تَتَفَضَّلُوا عَلى النّاسِ شُكْرًا عَلَيْها، فَإنَّ أجَلَّ شُكْرِ النِّعَمِ الإحْسانُ والتَّفَضُّلُ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى أوْ أراكم بِخَيْرٍ وغِنًى فَلا تُزِيلُوهُ بِما تَأْتُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، وعَلى كُلِّ حالٍ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وعَقَّبَ بِعِلَّةٍ أُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ جَمِيعًا، وفُسِّرَ المُحِيطُ بِما لا يَشِذُّ مِنهُ أحَدٌ مِنهم وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُهْلِكِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: صفحة 115 ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وادَّعى أنْ يُصَفُ اليَوْمُ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ يَعْنِي أنَّ اليَوْمَ لِما كانَ زَمانًا مُشْتَمِلًا عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ فِيهِ عَذابًا أوْ غَيْرَهُ، فَإذا أحاطَ بِالمُعَذَّبِ مُلْتَبِسًا بِعَذابِهِ لِأنَّهُ حادِثَةٌ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اليَوْمُ وهو العَذابُ كَما إذا أحاطَ مُلْتَبِسًا بِنَعِيمِهِ. والحاصِلُ أنَّ إحاطَةَ اليَوْمِ تَدُلُّ عَلى إحاطَةِ كُلِّ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأمّا إحاطَةُ العَذابِ عَلى قَوْمٍ فَقَدْ يَكُونُ بِأنْ يُصِيبَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم فَرْدًا مِن أفْرادِ العَذابِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى إحاطَةِ أنْواعِ العَذابِ المُشْتَمِلِ عَلَيْها اليَوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ، ولا شَكَّ في أبْلَغِيَّةِ هَذا كَذا في الكَشْفِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في بَيانِ الأبْلَغِيَّةِ: إنَّ اليَوْمَ زَمانٌ لِجَمِيعِ الحَوادِثِ فَيَوْمُ العَذابِ زَمانُ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ الواقِعَةِ فِيهِ، فَإذا كانَ مُحِيطًا بِالمُعَذَّبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ أنْواعُ العَذابِ لَهُ وهَذا كَقَوْلِهِ: إنَّ المُرُوءَةَ والسَّماحَةَ والنَّدى في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ فَإنَّ وُقُوعَ العَذابِ في اليَوْمِ كَوُجُودِ الأوْصافِ في القُبَّةِ، وجَعْلُ اليَوْمِ مُحِيطًا بِالمُعَذَّبِ كَضَرْبِ القُبَّةِ عَلى المَمْدُوحِ، فَكَما أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ تِلْكَ الأوْصافِ لَهُ كَذَلِكَ ذاكَ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ أنْواعِ العَذابِ لِلْمُعَذَّبِ، وأمّا وصْفُ العَذابِ بِالإحاطَةِ فَفِيهِ اسْتِعارَةُ إحاطَتِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُعَذَّبِ، فَكَما أنَّ المُحِيطَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المُحاطِ لا يَفُوتُ العَذابَ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المُعَذَّبِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ تُفِيدُ أنَّ العَذابَ لِكُلِّ المُعَذَّبِ وتِلْكَ الكِنايَةُ تُفِيدُ أنَّ كُلَّ العَذابِ لَهُ، ولا يَخْفى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في الأبْلَغِيَّةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (مُحِيطٍ) نَعْتًا لِعَذابٍ وجُرَّ لِلْجِوارِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِيَوْمٍ جارٍ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ والتَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ مُحِيطٍ عَذابُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ الخَيْرَ بِرُخْصِ السِّعْرِ والعَذابَ بِغَلائِهِ.

هود 11:85

﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أيْ أتِمُّوهُما، وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الِانْتِهاءَ المَطْلُوبَ مِنَ النَّهْيِ السّابِقِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الإتْمامِ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا تَبَعًا، وهَذا مُسَلَّمٌ عَلى المَذاهِبِ جَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ عَيْنَ الأمْرِ بِالضِّدِّ أوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ تَضَمُّنًا أوِ التِزامًا؛ لِأنَّ الخِلافَ في مُقْتَضى اللَّفْظِ لا أنَّ التَّحْرِيمَ أوِ الوُجُوبَ يَنْفَكُّ عَنْ مُقابَلَةِ الضِّدِّ غَيْرُ واحِدَةِ النَّعْيِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ وهو النَّقْضُ مُبالَغَةً في الكَفِّ، ثُمَّ الأمْرُ بِالضِّدِّ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ وإشْعارًا بِأنَّهُ مَطْلُوبٌ أصالَةً وتَبَعًا مَعَ الإشْعارِ بِتَبَعِيَّةِ الكَفِّ عَكْسًا وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ثُمَّ إدْماجُ أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الإتْمامِ العَدْلُ ولِهَذا قَدْ يَكُونُ الفَضْلُ مُحَرَّمًا كَما في الرِّبَوِيّاتِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وظاهِرُهُ حَمْلُ المِكْيالِ والمِيزانِ عَلى ما يُكالُ ويُوزَنُ وحَمَلَهُما بَعْضُهم في المَوْضِعَيْنِ عَلى الآيَتَيْنِ المَعْرُوفَتَيْنِ وفَسَّرَ القِسْطُ بِما ذَكَرْنا ثُمَّ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ في الكَيْلِ والوَزْنِ وإنْ كانَتْ تَفَضُّلًا مَندُوبًا إلَيْهِ لَكِنَّها في الآلَةِ مَحْظُورَةٌ كالنَّقْصِ، فَلَعَلَّ الزّائِدَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الِاكْتِيالِ والنّاقِصَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الكَيْلِ. وفائِدَةُ الأمْرِ بِتَسْوِيَةِ الآلَتَيْنِ وتَعْدِيلِهِما بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما المُبالَغَةُ في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ والمَنعِ والبَخْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمْ مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إصْلاحُ ما أفْسَدُوهُ وجَعَلُوهُ مِعْيارًا صفحة 116 لِظُلْمِهِمْ وقانُونًا لِعُدْوانِهِمْ وفِيهِ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلى المَعْنى الآخَرِ مَجازٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وادَّعى الفاضِلُ الجَلْبِيُّ أنَّ هَذا الأمْرَ بَعْدَ النَّهْيِ السّابِقِ لَيْسَ مِن بابِ التَّكْرارِ في شَيْءٍ فَقالَ: إنَّ النَّهْيَ قَدْ كانَ عَنْ نَقْصِ حَجْمِ المِكْيالِ وصَنَجاتِ المِيزانِ، والأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ حَقَّهُما بِأنْ لا يَنْقُصَ في الكَيْلِ والوَزْنِ، وهَذا الأمْرُ بَعْدَ مُساواةِ المِكْيالِ والمِيزانِ لِلْمَعْهُودِ فَلا تَكْرارَ كَيْفَ ولَوْ كانَ تَكْرِيرًا لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الواوِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ انْتَهى. وتَعَقَّبَ بِأنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وقَدْ تَكَرَّرا في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ في التَّكْرارِ مِنَ الفَوائِدِ ما جَعَلَهُ أقْوى مِنَ التَّأْسِيسِ فَلا يَنْبَغِي الهَرَبُ مِنهُ، وأمّا العَطْفُ فَلِأنَّ اخْتِلافَ المَقاصِدِ في ذَيْنَكِ المُتَعاطِفَيْنِ جَعَلَهُما كالمُتَغايِرَيْنِ فَحَسُنَ لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أهْلُ المَعانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ انْتَهى. وفِي وُرُودِ ما تَعَقَّبُ بِهِ أوَّلًا تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّهُ يَشْمَلُ الجَوْدَةَ والرَّداءَةَ وغَيْرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ أيْضًا، فَهو تَذْيِيلٌ وتَتْمِيمٌ لِما تَقَدَّمَ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . فَإنَّ العُثْيَ يَعُمُّ تَنْقِيضَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الفَسادِ وفِعْلُهُ مِن بابِ رَمى وسَعى ورَضِيَ وجاءَ واوِيًّا ويائِيًّا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ بَخْسِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِعْيارِ، والأمْرُ بِإيفائِهِ أيْ لا تَنْقُصُوا النّاسَ بِسَبَبِ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ وعَدَمِ اعْتِدالِهِما أشْياءَهُمُ الَّتِي يَشْتَرُونَها بِهِما، والتَّصْرِيحُ بِهَذا النَّهْيِ بَعْدَ ما عَلِمَ في نَفْسِ النَّهْيِ الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ والتَّرْغِيبِ في إيفاءِ الحُقُوقِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ والزَّجْرِ عَنْ نَقْصِها، وإلى كُلٍّ مِن الِاحْتِمالَيْنِ ذَهَبَ بَعْضٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما عَلِمْتَ مِن الِاخْتِلافِ السّابِقِ في تَفْسِيرِ ما سَبَقَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَخْسِ المَكْسُ كَأخْذِ العُشُورِ عَلى نَحْوِ ما يُفْعَلُ اليَوْمَ، العُثْيُ السَّرِقَةُ وقَطْعُ الطَّرِيقِ والغارَةُ و( مُفْسِدِينَ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَعْثَوْا ) وفائِدَةُ ذَلِكَ إخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ كَما فَعَلَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَتْلِ الغُلامِ وخَرْقِ السَّفِينَةِ فَهو حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، وقِيلَ: لَيْسَ الفائِدَةُ الإخْراجَ المَذْكُورَ، فَإنَّ المَعْنى لا تَعْثَوْا في الأرْضِ بِتَنْقِيصِ الحُقُوقِ مَثَلًا مُفْسِدِينَ مَصالِحَ دِينِكم وأمْرَ آخِرَتِكُمْ، ومَآلُ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إلى تَعْلِيلِ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ فَإنَّهُ مُفْسِدٌ لِدِينِكم وآخِرَتِكم.

هود 11:86

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما أبْقاهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَجْمَعُونَ بِالبَخْسِ، فَإنَّ ذَلِكَ هَباءٌ مَنثُورٌ بَلْ هو مَحْضٌ وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا إذْ مَعَ الكُفْرِ لا خَيْرَ في شَيْءٍ أصْلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِي في مَقالَتِي لَكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ البَقِيَّةَ بِالرِّزْقِ. وقالَ الرَّبِيعُ هي وصِيَّتُهُ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُهُ في الآخِرَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: مُراقَبَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُهُ سُبْحانَهُ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ كُلَّ هَذا لا يُعْطِيهِ لَفْظَ الآيَةِ، وإنَّما مَعْناهُ الإبْقاءُ وهو مَأْخُوذٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ تَعالى النَّعِيمَ عَلَيْكم خَيْرٌ لَكم مِمّا يَحْصُلُ مِنَ النَّقْصِ بِالتَّطْفِيفِ وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ وهو الصَّحِيحُ وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ (بَقِيَةُ) صفحة 117 بِتَخْفِيفِ الياءِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ حَقَّ وصْفِ فِعْلِ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فاعِلٍ نَحْوَ شَجِيَتِ المَرْأةُ فَهي شَجِيَةٌ فَإذا شُدِّدَتِ الياءُ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَقِيَّةُ اللَّهِ) بِالتّاءِ والمُرادُ تَقْواهُ سُبْحانَهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم مِنَ القَبائِحِ أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم وأُجازِيكم بِها، وإنَّما أنا ناصِحٌ مُبَلِّغٌ وقَدْ أُعْذِرْتُ إذْ أنْذَرْتُ ولَمْ آلُ جُهْدًا، أوْ ما أنا بِحافِظٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا سُوءَ صَنِيعِكم.

هود 11:87

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأصْنامِ أجابُوا بِذَلِكَ أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وغَرَضُهم مِنهُ إنْكارُ الوَحْيِ الآمِرِ لَكِنَّهم بالَغُوا في ذَلِكَ إلى حَيْثُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ مِنَ العَقْلِ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَلى هَذا بَنَوُا اسْتِفْهامَهم وأخْرَجُوا كَلامَهم وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أصَلاتُكَ﴾ الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ ما اسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ آباؤُنا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنَ الأوْثانِ والتَّماثِيلِ، وإنَّما جَعَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم إسْنادَ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الأحْنَفِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ شَعائِرِ الدِّينِ ضُحْكَةً لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا الإسْنادُ حَقِيقِيٌّ لا مَجازِيٌّ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهم قَصَدُوا الحَقِيقَةَ تَهَكُّمًا، واخْتِيارُ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ نَتْرُكَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ فَحُذِفَ المُضافُ وهو تَكْلِيفٌ فَدَخَلَ الجارُّ عَلى (أنْ) ثُمَّ حُذِفَ وحَذْفُهُ قَبْلَها مُطَّرِدٌ وعُرْفُ التَّخاطُبِ في مِثْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الشَّخْصَ لا يُكَلَّفُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءُ بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى دُونِ الأمْرِ ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (أصَلَواتُكَ) بِالجَمْعِ وأمْرُ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ أجابُوا بِهِ أمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيَهُ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، وهو عَطْفٌ عَلى (ما) و(أوْ) بِمَعْنى الواوِ أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أنْ نَتْرُكَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ تَأْمُرُكَ بِفِعْلِنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، وهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ لا مَأْمُورُونَ بِهِ، وحَمْلُ (ما) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: كانُوا يَقْرِضُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ ويُجْرُونَها مَعَ الصَّحِيحَةِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم ذَلِكَ الفِعْلَ في العُثْيِ في الأرْضِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا عَنْهُ، ولا مانِعَ مِنِ انْدِراجِهِ في عُمُومِ (ما)، وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتّاءِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الخِطابِ، فالعَطْفُ عَلى مَفْعُولِ صفحة 118 تَأْمُرُكَ أيْ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ أيْ مِن إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِنَ الزَّكاةِ، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم بِها كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قِيلَ: وفي الآيَةِ عَلى هَذا مَعَ حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ وزَكاةٌ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ ما تَشاءُ عَلى الزَّكاةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ هو خِلافٌ ظاهِرُ السُّوقِ وحَمْلُ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ وإنْ كانَ ظاهِرًا إلّا أنَّهُ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الأعْمَشِ تَفْسِيرَها بِالقِراءَةِ، ونُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ الَّذِي هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَها. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ تَفْسِيرُها بِالدِّينِ لِأنَّها مِن أجَلِّ أُمُورِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنها الصَّلاةُ بِالمَعْنى الآخَرِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الأُمُورِ المُكَلَّفِ بِها أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ لَيْسَ نَصًّا في الغَرَضِ كَما لا يَخْفى هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى القِراءَةِ عَلى (ما) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ التَّرْكُ عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ولا يُتْرَكُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ بِالنُّونِ في الأوَّلِ والتّاءِ في الثّانِي والعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَأْمُرُكَ والمَعْنى ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، فالمُرادُ بِهِما ضِدُّ مَعْناهُما، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ والمُبَرِّدُ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونُوا وصَفُوهُ بِذَلِكَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنِ اسْتِبْعادِ ما ذَكَرُوهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ تُكَلِّفُنا بِما تُكَلِّفُنا مَعَ أنَّكَ أنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ بِزَعْمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا باقِيًا عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَهم بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وكانَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ مانِعًا مِن صُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَهَكُّمٌ أيْضًا، ورُجِّحَ الأخِيرُ بِأنَّهُ يَكُونُ الكَلامُ عَلَيْهِ نَظِيرَ ما مَرَّ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ وتَعْقِيبُهُ بِمِثْلِ ما عُقِّبَ بِهِ ذَلِكَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ

هود 11:88

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن رَبِّي ومالِكٌ أُمُورِي ورَزَقَنِي مِنهُ مِن لَدُنْهِ سُبْحانَهُ رِزْقًا حَسَنًا هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والجَوابُ عَلَيْهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ، والكَلامُ المُصَنَّفُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ إنِّي لَمْ أزَلْ مُرْشِدًا لَكم حَلِيمًا فِيما بَيْنَكم لَكِنْ ما جِئْتُ بِهِ لَيْسَ غَيْرَ الإرْشادِ والنَّصِيحَةِ لَكُمُ، انْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وأنْتُمْ ألِبّاءٌ إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي وأنا مُرْشِدُكم والنّاصِحُ لَكم أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ مَعْنى الإرْشادِ وأدْرَجَ مَعِيَّ الحِلْمِ فِيما سَيَأْتِي مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَذا قَرَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ. واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ كَوْنِهِ باقِيًا عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ مَقامَ الِاسْتِهْزاءِ آبٍ عَنْهُ، وذَكَرَ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ والرِّزْقِ الحَسَنِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ، وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأُمَّتِهِ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ عَلى صفحة 119 مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المُتَضَمِّنَةِ زَعْمَ عَدَمِ اسْتِنادِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ إلى سَنَدٍ ثُمَّ قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ أتَقُولُونَ والمَعْنى أنَّكم عَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحَ لِطامِحٍ ورَزَقَنِي لِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ ! وادَّعى أنَّ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ. وفَسَّرَ القاضِي الرِّزْقَ الحَسَنَ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ الحَلالِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ في تَحْصِيلِهِ، وقُدِّرَ جَوابُ الشَّرْطِ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم ما قَدَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ. وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ ذَيْنَكَ التَّقْدِيرَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ، وأنَّهُما إنَّما يُناسِبانِ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينَ حَسْبَما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وعَطاءٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ أوْ أُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، انْتَهى. وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ حَمْلُ الرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ الخالِي عَنِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ، وتَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ نَحْوَ ما قَدَّرَهُ القاضِي لَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْبى عَنْهُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ والصَّلاةِ عَلى الدِّينِ، بَلْ يَتَأتّى تَقْدِيرُ ذَلِكَ ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والصَّلاةُ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى لَمّا قالُوا في ظِلالِ الضَّلالِ وقالُوا ما قالُوا في حَقِّ نَبِيِّهِمْ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَقْصُودٌ إلّا تَرْكَ الدَّعْوَةِ وتَرْكَهم وما يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا لِرَدِّ قَوْلِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِرَمْيِهِ وحاشاهُ بِالوَسْوَسَةِ والجُنُونِ والسَّفَهِ والغِوايَةِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ وتَعَرَّضَ لِجَوابِهِمْ عَمّا قَصَدُوهُ بِكَلامِهِمْ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ أطْماعِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ الإشارَةِ إلى رَدِّ ما تَضَمَّنَتْهُ مَقالَتُهُمُ الشَّنْعاءُ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: يا قَوْمِ إنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ وضَمَّنْتُمُوها ما هو ظاهِرُ البُطْلانِ لِقَصْدِ أنْ أتْرُكَكم وشَأْنَكم مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ونَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُسْتَثْنِيًّا بِما رَزَقَنِي مِنِ المالِ الحَلالِ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ وحْيَهُ وأُوافِقَ هَواكُمْ؟ لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنِّي أصْلًا فَإذَنْ لا فائِدَةَ لَكم في هَذا الكَلامِ الشَّنِيعِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إشارَةً إلى وصْفِهِمْ بِنَحْوِ ما وصَفُوهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طَلَبَكم مِنِّي تَرْكَ الدَّعْوَةِ ومُوافَقَةَ الهَوى مَعَ أنِّي مَأْمُورٌ بِدَعْوَتِكم وغَنِيٌّ عَنْكم مِمّا لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ ولا يَرْتَكِبُهُ إلّا سَفِيهٌ غاوٍ وكَأنَّ التَّعَرُّضَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ مَعَ الكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ لِلْإشارَةِ إلى وُجُودِ المُقْتَضى وارْتِفاعِ ما يُظَنُّ مانِعًا، ولا يَخْفى ما في إخْراجِ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الحُسْنِ فَتَأمَّلْ. بَقِيَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ أعْنِي أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ إلَخْ أنْ تُقَدَّرَ صفحة 120 الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي -لِأرَأيْتُمُ- المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى أخْبَرُونِي المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وجَوابُ الشَّرْطِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي فَأخْبِرُونِي هَلْ يَسَعُ لِي إلَخْ.. فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ، وما أُرِيدُ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أقْصِدُهُ بَعْدَما تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَأسْتَبِدُّ بِهِ دُونَكم كَما هو شَأْنُ بَعْضِ النّاسِ في المَنعِ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ. قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدُ- أيْ وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكُمْ، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى خَلَفَ نَحْوُ جاوَزَ وجازَ، ويَكُونُ المَعْنى وما أُرِيدُ أنْ أكُونَ خَلَفًا مِنكم و(إلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُخالِفَ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ، أيْ وأمِيلُ إلى إلَخْ... ويَجُوزُ أنْ يَبْقى (أُخالِفُ) عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ ويَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ –لِأُرِيدَ- ويُقَدَّرُ مائِلًا إلى كَما تَقَدَّمَ أوْ يَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ و(إلى ما) مُتَعَلِّقًا -بِأُرِيدُ- أيْ وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقالَ الزَّجّاجُ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ ما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ ﴿إنْ أُرِيدُ﴾ أيْ ما أُرِيدُ بِما أقُولُ لَكم ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أيْ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِالنَّصِيحَةِ والمَوْعِظَةِ ما اسْتَطَعْتُ أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي ذَلِكَ وتَمَكُّنِّي مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا، فَما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ أيِ المِقْدارِ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ أوْ إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، وهي إمّا بَدَلُ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الإصْلاحِ ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ، وعَلَيْهِ وعَلى الأوَّلِ يُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُ لِأنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ لا بُدَّ مِنهُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِلْمَصْدَرِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ يُخالُ الفِرارَ يُراخِي الأجَلَ أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكُمُ الأبْلَغُ الأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ في احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ إضْمارًا وفَواتَ المُبالَغَةِ، وفي الِاحْتِمالِ الأخِيرِ إعْمالُ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ في المَفْعُولِ بِهِ، وفِيهِ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ويَقِلُّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَواتُها وزِيادَةُ إضْمارِ مَفْعُولِ اسْتَطَعْتُ ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ أيْ ما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِتَحْقِيقِ ما أتَوَخّاهُ مِن إصْلاحِكم إلّا بِاللَّهِ أيْ بِتَأْيِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعُونَتِهِ. واخْتارَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ إلّا بِهِدايَتِهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وما كَلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تَوْفِيقِي لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ويُؤَوَّلُ إلى هَذا ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ما جِنْسُ تَوْفِيقِي؛ لِأنَّ انْحِصارَ الجِنْسِ يَقْتَضِي انْحِصارَ أفْرادِهِ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وعَلى الثّانِي بِطَرِيقِ المَنطُوقِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ بَعْدَ الباءِ مِمّا التَزَمَهُ كَثِيرٌ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: دَفْعُ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّ فاعِلَ التَّوْفِيقِ هو اللَّهُ تَعالى وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ بِالباءِ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الآلَةِ فَلا يَحْسُنُ ضَرْبِي بِزَيْدٍ وإنَّما يُقالُ: مِن زَيْدٍ فالِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ بِناءً عَلى هَذا وما تَوْفِيقِي إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ صفحة 121 ووَجْهُ الدَّفْعِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ ظاهِرٌ لِأنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ عَلى الفاعِلِ حِينَئِذٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِما أنَّ التَّوْفِيقَ وهو كَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ مُوافِقًا لِما يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضاهُ لا يَكُونُ إلّا بِدَلالَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ومُجَرَّدُ الدَّلالَةِ لا يُجْدِي بِدُونِ المَعُونَةِ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في ذَلِكَ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِي لا عَلى غَيْرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكِتابُ وعايَنَهُ أُولُو البَصائِرِ والألْبابِ وإلَيْهِ المَصِيرُ. أيْ أرْجِعُ فِيما أنا بِصَدَدِهِ أوْ أقْبَلُ بِشَرٍّ اسْتَشْرى في مَجامِعِ أُمُورِي لا إلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وكَأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيها عَلى الماضِي الأنْسَبُ لِلتَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَما في التَّوَكُّلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَخْفى ما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ خَطِيبٍ إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا. وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ لِأجْوِبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثَةِ يَعْنِي يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إلَخْ.. وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلَخْ.. وإنْ أُرِيدُ إلَخْ.. عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذَرُهُ ثَلاثَةَ حُقُوقٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الجَوابَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن شُكْرِ نِعْمَتِهِ والِاجْتِهادِ في خِدْمَتِهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ نَفْسِهِ مِن كَفِّها عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّالِثَ مُتَضَمِّنٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الغَيْرِ إصْلاحُهُ وإرْشادُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ: إنْ أُرِيدُ إلَخْ.. عَلى ما قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا ومُقَرِّرًا لَهُ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الِاسْتِئْثارَ بِما نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْإصْلاحِ ولا يُنافِي هَذا كَوْنَهُ مُتَضَمِّنًا لِجَوابٍ آخَرَ، وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ إلَخْ.. إزاحَةٌ لِما عَسى أنْ يُوهِمَهُ إسْنادُ الِاسْتِطاعَةِ إلَيْهِ بِإرادَتِهِ مِنِ اسْتِبْدادِهِ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفِيهِ مَعَ ما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُراعاةِ لُطْفِ المُراجَعَةِ ورِفْقِ الِاسْتِنْزالِ والمُحافَظَةِ عَلى حُسْنِ المُجاراةِ والمُحاوَرَةِ وتَمْهِيدِ مَعاقِدِ الحَقِّ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِن جانِبِهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ في أُمُورِهِمْ وحَسْمِ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارِ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِ أيْضًا تَهْدِيدُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يُكَنّى بِهِ عَنِ الجَزاءِ وهو وإنْ كانَ هُنا مَخْصُوصًا بِهِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ لَكِنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وفِيهِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ الإشارَةِ أنَّ الإنابَةَ إنَّما هي الرُّجُوعُ الِاخْتِيارِيُّ بِالفِعْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا الرُّجُوعُ الِاضْطِرارِيُّ لِلْجَزاءِ وما يَعُمُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في قَوْلِهِ: ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) إشارَةً أيْضًا إلى تَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكافِي المُعِينُ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ

هود 11:89

﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقِي أيْ مُعاداتِي وأصْلُها أنَّ أحَدَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ والآخَرُ في آخَرَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ وعَنِ الحَسَنِ: ضِرارِي، وعَنْ بَعْضٍ: فِراقِي، والكُلُّ مُتَقارِبٌ وهو فاعِلُ ( يَجْرِمَنَّكم ) والكافُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَدْ جاءَ تَعَدِّي جَرَمَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما جاءَ تَعَدِّيها لِواحِدٍ، وهي مِثْلُ كَسَبَ في ذَلِكَ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وإضافَةُ شِقاقِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم صفحة 122 مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ الغَرَقِ أوْ قَوْمَ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ أوْ قَوْمَ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ والصَّيْحَةِ، ونَهْيُ الشِّقاقِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِمْ، وهو أبْلَغُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ إذا نُهِيَ وهو لا يَعْقِلُ عُلِمَ نَهْيُ المُشاقِّينَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (يُجْرِمَنَّكُمْ) بِضَمِّ الياءِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهو حِينَئِذٍ مِن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ أيْ كاسِبًا، والهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ مِن جَرَمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ في النَّقْلِ كَذَلِكَ كَسَبَ المالَ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أكْسَبَهُ المالَ، والقِراءَتانِ سَواءٌ في المَعْنى إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ جارِيَةٌ عَلى ما هو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا في كَلامِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ (مِثْلَ) بِالفَتْحِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وخَرَّجَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّ (مِثْلُ) فاعِلٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقَدْ جَوَّزَ فِيهِ وكَذا في غَيْرَ مَعَ ما وأنِ المُخَفَّفَةِ والمُشَدِّدَةِ ذَلِكَ كالظُّرُوفِ المُضافَةِ لِلْمَبْنِيِّ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ولَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالٍ وبَعْضٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والفُتْحَةُ إعْرابٌ أيْ إصابَةٌ مِثْلُ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ وفاعِلُ يُصِيبُكم ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى العَذابِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أوْ مَكانًا كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّكم إنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلُ لِقِدَمِ عَهْدٍ أوْ بُعْدِ مَكانٍ فاعْتَبِرُوا بِهَؤُلاءِ فَإنَّهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنكم وكَأنَّهُ إنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّحْذِيرِ بِهِمْ واكْتَفى بِذِكْرِ قُرْبِهِمْ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما أصابَهم لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مَنظُومًا في سِمْطِ ما ذَكَرَ مِن دَواعِي الأُمَمِ المَرْقُومَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبُعْدِ البُعْدُ المَعْنَوِيُّ أيْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمَساوِي فاحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ فَقالَ: فَإنْ تَكُونُوا قَوْمَ لُوطٍ بِعَيْنِهِمْ فَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، وإفْرَدُ بَعِيدٍ وتَذْكِيرُهُ مَعَ كَوْنِ المُخْبَرِ عَنْهُ وهو قَوْمٌ اسْمَ جَمْعٍ ومُؤَنَّثًا لَفْظًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِتَصْغِيرِهِ عَلى قَوِيمَةٍ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: بِبَعِيدَةٍ مُوافَقَةً لِلَّفْظِ وبِبُعَداءَ مُوافَقَةً لِلْمَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ وما إهْلاكُهم أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ وما هم في زَمانٍ بَعِيدٍ أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَوِي في بَعِيدٍ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالنَّهِيقِ والصَّهِيلِ. وفِي الكَشْفِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ أنَّ القَوْمَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ لِأنَّ أسْماءَ الجُمُوعِ الَّتِي لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها إذا كانَتْ لِلْآدَمِيِّينَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ مِثْلَ رَهْطٍ ونَفَرٍ وقَوْمٍ، وإذا صُغِّرَتْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الهاءُ، وقُلْتُ: قُوَيْمٌ ورُهَيْطٌ ونُفَيْرٌ، ويَدْخُلُ الهاءُ فِيما يَكُونُ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ مِثْلَ الإبِلِ والغَنَمِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ لازِمٌ وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وعَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ

هود 11:90

هَذا، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أنْذَرَهم سُوءَ عاقِبَةِ صَنِيعِهِمْ عَقَّبَهُ طَمَعًا في ارْوِعائِهِمْ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُ مَن يَطْلُبُ مِنهُ المَغْفِرَةَ ﴿ودُودٌ).﴾ أيْ كَثِيرُ الوِدِّ والمَحَبَّةِ فَيُحِبُّ مَن يَتُوبُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ، والمَشْهُورُ جَعْلُ الوَدُودِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الغايَةِ أيْ مُبالِغٌ في فِعْلِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةُ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ صفحة 123 وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ إمْكانَ المَعْنى الأصْلِيِّ، والدّاعِي لِارْتِكابِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ المَوَدَّةَ بِمَعْنى المَيْلِ القَلْبِيِّ وهو مِمّا لا يَصِحُّ وصْفُهُ تَعالى بِهِ، والسَّلَفِيُّ يَقُولُ: المَوَدَّةُ فِينا المَيْلُ المَذْكُورُ وفِيهِ سُبْحانَهُ وراءَ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقِيلَ: مَعْنى ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ وتَفْسِيرُهُ هُنا بِما تَقَدَّمَ أوْلى والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ السّابِقِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الأكْثَرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن نَحْوِ التَّوْزِيعِ، فَقالَ: عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ مُبالَغٌ في اللُّطْفِ والإحْسانِ بِهِمْ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ.

هود 11:91

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أيْ ما نَفْهَمُ ذَلِكَ كَأنَّهم جَعَلُوا كَلامَهُ المُشْتَمِلَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَواعِظِ وأنْواعِ العُلُومِ والمَعارِفِ إذْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ ولَمْ يَجِدُوا إلى مُحاوَرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبِيلًا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيطِ والهَذَيانِ الَّذِي لا يُفْهَمُ مَعْناهُ ولا يُدْرَكُ فَحْواهُ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يَعْبَأُ بِهِ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُغايَرَةٍ لِلْأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلى سَماعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَزِيدِ نَفْرَتِهِمْ عَنْهُ أوْ لِغَباوَتِهِمْ وقُصُورِ عُقُولِهِمْ، قِيلَ: وقَوْلُهم كَثِيرًا لِلْفِرارِ عَلى المُكابَرَةِ ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الكُلُّ وإنْ ورَدَ في اللُّغَةِ لِأنَّ مِمّا تَقُولُ يَأْبى ذَلِكَ، كَما أنَّ كَثِيرًا مِنهم يَأْبى حَمْلَ كَلامِهِمْ هَذا عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم إنَّما لَمْ يَفْقَهُوا كَثِيرًا مِمّا يَقُولُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ألْثَغَ، وأظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ ظاهِرَ ما جاءَ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ ولا قُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ والإيقاعِ والدَّفْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وسُفْيانِ الثَّوْرِيِّ وأبِي صالِحٍ تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِالأعْمى وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ، وذَلِكَ كَما يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ ضَرِيرًا، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ البَعْضُ، وإطْلاقُ البَصِيرِ عَلَيْهِ كَما هو شائِعٌ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ تَلْمِيحًا، وضَعَّفَ هَذا التَّفْسِيرَ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِمْ: فِينا بَصِيرٌ لَغْوٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ أعْمى يَكُونُ أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ وإرادَةٌ لازِمَةٌ وهي الضَّعْفُ بَيْنَ مَن يَنْصُرُهُ ويُعادِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: جَوَّزَ بَعْضُ أصْحابِنا العَمى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ لا يَحْسُنُ الحَمْلُ عَلَيْهِ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصَحَّحَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِمْ أعْمى وما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أمْرًا عارِضًا وذَهَبَ. والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ عَمَّنْ ذَكَرْنا في شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ نَقِفْ عَلى تَصْحِيحٍ لَها سِوى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَإنَّ الحاكِمَ صَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ كَتَضْعِيفِ ابْنِ الجَوْزِيِّ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قِيلَ في يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بَكى شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حُبِّ اللَّهِ تَعالى حَتّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَصَرَهُ وأوْحى إلَيْهِ: يا شُعَيْبُ ما هَذا البُكاءُ أشَوْقًا إلى الجَنَّةِ أمْ خَوْفًا مِنَ النّارِ، فَقالَ: لا ولَكِنِ اعْتَقَدْتُ حُبَّكَ بِقَلْبِي فَإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ فَلا أُبالِي ما الَّذِي تَصْنَعُ بِي، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا شُعَيْبُ إنْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا فَهَنِيئًا لَكَ لِقائِي، يا شُعَيْبُ لِذَلِكَ أخَدَمْتُكَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ كِلِيمِي». وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِنْباءُ الأعْمى لِكَوْنِهِ صِفَةً مُنْفَرِدَةً لِعَدَمِ الِاحْتِرازِ مَعَهُ عَنِ النَّجاساتِ، ولِأنَّهُ يُخِلُّ بِالقَضاءِ والشَّهادَةِ، فَإخْلالُهُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ أوْلى صفحة 124 وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاحْتِرازِ مَعَهُ عَنِ النَّجاساتِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ نُشاهِدُهُ مِنَ العُمْيانِ أكْثَرُ احْتِرازًا عَنْها مِن غَيْرِهِ، وبِأنَّ القاضِيَ والشّاهِدَ يَحْتاجانِ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُدَّعِي والمُدَّعى عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ لا يَحْتاجُ لِتَمْيِيزِ مَن يَدْعُوهُ مَعَ أنَّهُ مَعْصُومٌ فَلا يُخْطِئُ كَغَيْرِهِ كَذا قِيلَ فَلْيُنْظَرْ، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أيْ جَماعَتُكَ، قالَ الرّاغِبُ: هم ما دُونَ العَشَرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى السَّبْعَةِ، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ: إلى الأرْبَعِينَ، ولا يَقَعُ فِيما قِيلَ كالعُصْبَةِ والنَّفَرِ إلّا عَلى الرِّجالِ، ومِثْلُهُ الرّاهِطُ وجَمْعُهُ أرْهُطٌ وجَمْعُ الجَمْعِ أراهِطُ، وأصْلُهُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرُّمّانِيِّ الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ لِشِدَّةِ الأكْلِ والرّاهِطاءُ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبَّئُ فِيهِ ولَدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم لَوْلا مُراعاةُ جانِبِ رَهْطِكَ ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ أيْ لَقَتَلْناكَ بِرَمْيِ الأحْجارِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نِكايَةِ القَتْلِ كَأنَّهم قالُوا: لَقَتَلْناكَ بِأصْعَبِ وجْهٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادُوا لَسَبَبْناكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ لَوْلا مُمانَعَةُ رَهْطِكَ ومُدافَعَتُهُمْ، لِأنَّ مُمانَعَةَ الرَّهْطِ وهم عَدَدٌ نَزْرٌ لِأُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِمّا لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ، ومَعْنى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ما أنْتَ بِمُكَرَمٍ مُحْتَرَمٍ حَتّى نَمْتَنِعَ مِن رَجْمِكَ، وإنَّما نَكُفُّ عَنْكَ لِلْمُحافَظَةِ عَلى حُرْمَةِ رَهْطِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى دِينِنا ولَمْ يَخْتارُوكَ عَلَيْنا، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ -بِعَزِيزٍ- وجازَ لِكَوْنِ المَعْمُولِ ظَرْفًا، والباءُ مَزِيدَةٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وهو خَبَرُ -أنْتَ- وقَدْ صَرَّحَ السَّكاكِيُّ في المِفْتاحِ أنَّهُ قَصَدَ بِتَقْدِيمِ هَذا الضَّمِيرِ الَّذِي هو فاعِلٌ مَعْنَوِيٌّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ فِعْلًا بَلْ صِفَةً مُشَبَّهَةً وإيلائِهِ النَّفْيَ الحَصْرَ والِاخْتِصاصَ، أيِ اخْتِصاصَ النَّفْيِ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ العِزَّةِ مَقْصُورٌ عَلَيْكَ لا يَتَجاوَزُكَ إلى رَهْطِكَ لا بِمَعْنى نَفْيِ الِاخْتِصاصِ بِمَعْنى لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِالعِزَّةِ، وهو ظاهِرٌ، قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: إنَّهُ قَصَدَ فِيهِ نَفْيَ العِزَّةِ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإثْباتَها لِرَهْطِهِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لِلْعِزَّةِ بِهِمْ ويَلْزَمُهُ تَخْصِيصُ عَدَمِها بِهِ إلّا أنَّ المُتَبادِرَ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ هو القَصْدُ إلى الأوَّلِ، واسْتَدَلَّ السَّكاكِيُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ لِلِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَوابِ هَذا الكَلامِ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ:

هود 11:92

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن نَبِيِّ اللَّهِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ كَما قالَ العَلّامَةُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ اخْتِصاصَهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ بَلْ مُجَرَّدُ الإخْبارِ بِعَدَمِ عِزَّتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَقِمْ هَذا الجَوابُ ولَمْ يَكُنْ مُطابِقًا لِمَقالِهِمْ، إذْ لا دَلالَةَ لِنَفْيِ العِزَّةِ عَنْهُ عَلى ثُبُوتِها لِلْغَيْرِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اخْتِصاصُهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ. واعْتَرَضَ صاحِبُ الإيضاحِ بِأنَّ هَذا مِن بابِ: أنا عارِفٌ، وهو لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وِفاقًا، وإنَّما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ مِثْلَ أنا عَرَفْتُ، وكَوْنُ المُشْتَقّاتِ قَرِيبَةً مِنَ الأفْعالِ في التَّقْوى لا يَقْتَضِي كَوْنَها كالأفْعالِ في الِاخْتِصاصِ، والتَّمَسُّكُ بِالجَوابِ ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (لَوْلا رَهْطُك لَرَجَمْناك) فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ رَهْطَهُ هُمُ الأعِزَّةُ حَيْثُ كانَ الِامْتِناعُ عَنْ رَجْمِهِ بِسَبَبِهِمْ لا بِسَبَبِهِ، ومَعْلُومٌ بِحَسَبِ الحالِ والمَقامِ أنَّ ذَلِكَ لِعِزَّتِهِمْ لا لِخَوْفِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ صَرَّحَ بِالتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَكَيْفَ يُقالُ: بابُ أنا عارِفٌ، لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ اتِّفاقًا، وإنَّ جَعْلَهُ جَوابًا -لِما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ- هو الظّاهِرُ بِأنْ يُجْعَلَ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ العِزَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودَلالَةٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ عَلى اشْتِراكِ العِزَّةِ فَلا يُلائِمُهُ ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ السَّكاكِيِّ أنْ يَكُونَ المُقَدَّمُ صفحة 125 بِحَيْثُ إذا أُخِّرَ كانَ فاعِلًا مَعْنَوِيًّا، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، قُلْنا: إنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ النَّفْيِ تَسْتَقِلُّ مَعَ فاعِلِها كَلامًا، فَجازَ أنْ يُقالَ: ما عَزِيزٌ أنْتَ- عَلى أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَتِرِ ثُمَّ يُقَدَّمُ ويَدْخُلُ الباءُ عَلى –عَزِيزٍ- بَعْدَ تَقْدِيمِ أنْتَ وجَعْلِهِ مُبْتَدَأً، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مِمّا يَلِي حَرْفَ النَّفْيِ وكانَ الخَبَرُ صِفَةً، وقَدْ صَرَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ وغَيْرُهُ بِإفادَةِ التَّقْدِيمِ الحَصْرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وأمّا صُورَةُ الإثْباتِ نَحْوُ -أنا عارِفٌ- فَلا يَجْرِي فِيها ذَلِكَ، فَلا يُفِيدُ عِنْدَهُ تَخْصِيصًا وإنْ كانَ مُفِيدًا إيّاهُ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ. وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ عَمّا قالَهُ صاحِبُ الإيضاحِ بَعْدَ نَقْلِ خُلاصَتِهِ: بِأنَّ ما فِيهِ الخَبَرُ وصْفًا كَما يُقارِبُ ما فِيهِ الخَبَرُ فِعْلًا في إفادَةِ التَّقْوى عَلى ما سَلَّمَهُ المُعْتَرِضُ يُقارِبُهُ في إفادَةِ الحَصْرِ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ، وأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ كَفى بِهِ دَلِيلًا أنَّ حَقَّ الكَلامِ أنْ يُفادَ التَّخْصِيصُ لا أصْلُ العِزِّ، فَفَهْمُهُ مِن ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ جَوابًا لِهَذا الكَلامِ، بَلْ يُؤَكِّدُهُ، وقَدْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإفادَةِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ الِاحْتِمالَيْنِ في ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها)،﴾ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ) وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ عِنادًا مِنهم فَلا بُدَّ مِن دَلالَتَيِ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ في كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ، انْتَهى. ويُعْلَمُ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ ضَعْفُ اعْتِراضِ صاحِبِ الإيضاحِ، والعَجَبُ مِنَ العَلّامَةِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ اعْتِراضٌ قَوِيٌّ، وأشارَ السَّكاكِيُّ بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلى دَفْعِ الإشْكالِ بِأنَّ كَلامَهم إنَّما وقَعَ في شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي رَهْطِهِ وأنَّهم هُمُ الأعِزَّةُ دُونَهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى أنَّهم أعَزُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ تَهاوُنَهم بِنَبِيِّ اللَّهِ تَعالى تَهاوُنٌ بِهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِأنَّ المَعْنى أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى كانَ امْتِناعُكم عَنْ رَجْمِي بِسَبَبِ انْتِسابِي إلَيْهِمْ وأنَّهم رَهْطِي لا بِسَبَبِ انْتِسابِي إلى اللَّهِ تَعالى وأنِّي رَسُولُهُ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن جَعْلِ التَّنْوِينِ في -عَزِيزٍ- لِلتَّعْظِيمِ وحِينَئِذٍ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ العِزَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُلائِمُهُ أرَهْطِي أعَزُّ إلَخْ، صَحِيحٌ في نَفْسِهِ إلّا أنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا مِن حالِ القَوْمِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهم إنَّما قَصَدُوا نَفْيَ العِزَّةِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطْلَقًا وإثْباتًا لِرَهْطِهِ لا نَفْيَ العِزَّةِ العَظِيمَةِ عَنْهُ وإثْباتَها لَهُمْ؛ لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى اشْتِراكِهِما في أصْلِ العِزَّةِ وزِيادَتِها فِيهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ العِزَّةَ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَظِيمَةً تَمْنَعُ القَتْلَ بِالحِجارَةِ الَّذِي هو مِن أشَرِّ أنْواعِ القَتْلِ، ولا أظُنُّ إنْكارَ ذَلِكَ إلّا مُكابَرَةً وكَأنَّهُ لِهَذا لَمْ يَعْتَبِرْ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلَ التَّنْوِينِ لِلتَّعْظِيمِ لِتَتَأتّى المُشارَكَةُ فَيَظْهَرُ وجْهُ إنْكارِ الأعَزِّيَّةِ فاحْتاجَ لِلْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ المُشارَكَةِ فَقالَ: وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى مَعَ أنَّ ما أثْبَتُوهُ إنَّما هو مُطْلَقُ عِزَّةِ رَهْطِهِ لا أعَزِّيَّتِهِمْ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الِاشْتِراكِ في أصْلِ العِزَّةِ لِتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ وتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ؛ حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا تَرْجِيحَ جَنَبَةِ الرَّهْطِ عَلى جَنَبَةِ اللَّهِ تَعالى، وثانِيًا نَفِيَ العِزَّةِ بِالمَرَّةِ، والمَعْنى أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، والحالُ أنَّكم لَمْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حَظًّا مِنَ العِزَّةِ أصْلًا واتَّخَذْتُمُوهُ بِسَبَبِ عَدَمِ اعْتِدادِكم بِمَن لا يَرِدُ ولا يَصْدُرُ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ شَيْئًا مَنبُوذًا وراءَ الظَّهْرِ مَنسِيًّا، انْتَهى. وأنا أقُولُ: قَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ لا يَخْلُو مِنَ المُشارَكَةِ المُفَضَّلَ في المَعْنى إمّا تَحْقِيقًا كَما فِي: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو، أوْ تَقْدِيرًا كَقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لَأنْ أصُومَ يَوْمًا مِن شَعْبانَ أحَبُّ إلَيَّ صفحة 126 مِن أنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، وذَلِكَ لِأنَّ إفْطارَ يَوْمِ الشَّكِّ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن رَمَضانَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ المُخالِفِ، فَقَدَّرَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَحْبُوبًا إلى نَفْسِهِ أيْضًا ثُمَّ فَضَّلَ يَوْمَ شَعْبانَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قالَ: هَبْ أنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدِي أيْضًا لَيْسَ صَوْمُ يَوْمٍ مِن شَعْبانَ أحَبَّ مِنهُ، انْتَهى، وما في الآيَةِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى طَرْزِ الأخِيرِ فَيَكُونُ إنْكارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَزَّ وجَلَّ عَزِيزًا عِنْدَهم أيْضًا، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ إنْكارُهُ ما هم عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وكَأنَّ هَذا هو الدّاعِي لِاخْتِيارِ هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإنْكارِ، ووُقُوعُهُ في الجَوابِ لا يَأْتِي ذَلِكَ وإنْ قِيلَ بِجَوازِ خُلُوِّ المَجْرُورِ بِمِن مِن مُشارَكَةِ المُفَضَّلِ وإرادَةِ مُجَرَّدِ المُبالِغَةِ مِن أفْعَلَ المَقْرُونِ بِها بِناءً عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ بِقِلَّةٍ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَحْوَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ والصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ، واعْتَمَدَ هُنا عَلى قَرِينَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، فالأمْرُ واضِحٌ واسْتَحْسَنَ كَوْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ إلَخِ.. اعْتِراضًا وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ تَهاوُنِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بِبَيانِ أنَّهم قَوْمٌ عادَتُهم أنْ لا يَعْبَأُوا بِاللَّهِ تَعالى ويَجْعَلُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ، وجَوَّزَ بَعْضٌ كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى أفَضَّلْتُمْ رَهْطِي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَهاوَنْتُمْ بِهِ تَعالى ونَسِيتُمُوهُ ولَمْ تَخْشَوْا جَزاءَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أرَهْطِي إلَخِ... الرَّدَّ والتَّكْذِيبَ لِقَوْمِهِ فَإنَّهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم لا يَكُفُّونَ عَنْ رَجْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِزَّتِهِ بَلْ لِمُراعاةِ جانِبِ رَهْطِهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّكم ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ تَعالى حَقَّ قَدْرِهِ ولَمْ تُراعُوا جَنابَهُ القَوِيَّ فَكَيْفَ تُراعُونَ رَهْطِي الأذِلَّةَ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ (اتَّخَذْتُمُوهُ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما، والظَّهْرِيُّ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ وأصْلُهُ المَرْمِيُّ وراءَ الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى أمْسَ: أمْسِ بِالكَسْرِ وإلى الدَّهْرِ دُهْرِيٌّ بِالضَّمِّ ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِيهِ فاسْتَعْمَلُوهُ لِلْمَنسِيِّ المَتْرُوكِ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ تَعالى والظَّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى أفَضَّلْتُمُ الرَّهْطَ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ تُراعُوا حَقَّهُ سُبْحانَهُ والحالُ أنَّكم تَتَّخِذُونَهُ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا المَعْنى عَنْ جَماعَةٍ وقِيلَ: الظَّهْرِيُّ المَنسِيُّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ صَرِيحًا، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: الظَّهْرِيُّ بِمَعْنى المُعِينُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عِصْيانُهُ، والمَعْنى عَلى ما قَرَّرَهُ أبُو حَيّانَ واتَّخَذْتُمْ عِصْيانَهُ تَعالى عَوْنًا وعِدَّةً لِدَفْعِي، وقِيلَ: لا حَذْفَ والضَّمِيرُ لِلْعِصْيانِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُبَرِّدِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ومِمّا يُنْظَمُ في سِلْكِها تَفْسِيرُ العَزِيزِ بِالمَلِكِ زَعْمًا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا عَلى أنَّ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ لا يَكادُ يُسَلِّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ فَتَفَطَّنْ، ونَصْبُ ﴿ظِهْرِيًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ -لاتَّخَذْتُمُوهُ- والهاءُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ ووَراءَكم ظَرْفٌ لَهُ أوْ حالٌ مِن ظِهْرِيًّا. ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِأعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها رِعايَتُكم جانِبَ الرَّهْطِ دُونَ رِعايَةِ جَنابِهِ جَلَّ جَلالُهُ في –فَيُجازِيكُمْ- عَلى ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ:

هود 11:93

﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ غايَةَ تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم وهو مَصْدَرُ مَكَّنَ يُقالُ: مَكَّنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغُ والمِيمُ عَلى هَذا أصْلِيَّةٌ، وفي البَحْرِ يُقالُ: المَكانُ والمَكانَةُ مَفْعَلٌ ومَفْعَلَةٌ صفحة 127 مِنَ الكَوْنِ والمِيمُ حِينَئِذٍ زائِدَةٌ، وفَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ المَكانَةَ بِالحالِ يُقالُ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ كَأنَّكَ قُلْتَ: اثْبُتْ عَلى حالِكَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها لا تَنْحَرِفُ، وهو مِنِ اسْتِعارَةِ العَيْنِ لِلْمَعْنى كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وحاصِلُ المَعْنى هَهُنا اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَشاقَّةِ لِي وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ -مَكاناتِكُمْ- عَلى الجَمْعِ وهو بِاعْتِبارِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ كَما أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، والجارُّ والمَجْرُورُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى البِناءِ ونَحْوِهِ كَما تَقُولُ: عَمِلَ عَلى الجِدِّ وعَلى القُوَّةِ ونَحْوَهُما، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اعْمَلُوا قارِّينَ وثابِتِينَ عَلى مَكانَتِكم. ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي حَسْبَما يُؤَيِّدُنِي اللَّهُ تَعالى ويُوَفِّقُنِي بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ وكَأنَّهُ حُذِفَ عَلى مَكانَتِي لِلِاخْتِصارِ ولِما فِيهِ مِن زِيادَةِ الوَعِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن تَهْدِيدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيّاهم بِقَوْلِهِ ( اعْمَلُوا ) إلَخْ كَأنَّ سائِلًا مِنهم سَألَ فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولِذا سَقَطَتِ الفاءُ وذُكِرَتْ في آيَةِ الأنْعامِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الوَعِيدَ ناشِئٌ ومُتَفَرِّعٌ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ والتَّمَكُّنِ فِيهِ، وما هُنا أبْلُغُ في التَّهْوِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ ويُعْتَنى بِهِ، والسُّؤالُ المُقَدَّرُ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَكْثِيرِ المَعْنى بِتَقْلِيلِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلى الإتْيانِ بِالأبْلَغِ هُنا دُونَ ما تَقَدَّمَ أنَّ القَوْمَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بالَغُوا في الِاسْتِهانَةِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَلَغُوا الغايَةَ في ذَلِكَ فَناسَبَ أنْ يُبالِغَ لَهم في التَّهْدِيدِ ويَبْلُغَ فِيهِ الغايَةَ وإنْ كانُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ كالأنْعامِ وما فِيها نَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ الفُضَلاءِ: إنَّ اخْتِيارَ إحْدى الطَّرِيقَيْنِ ثَمَّةَ والأُخْرى هُنا وإنْ كانَ مِثْلُهُ لا يُسْألُ عَنْهُ لِأنَّهُ دَوْرِيٌّ، لِأنَّ أوَّلَ الذِّكْرَيْنِ يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ فَيُناسِبُ في الثّانِي خِلافَهُ، انْتَهى، وهو دُونَ ما قُلْناهُ و(مَن) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ قِيلَ: مَوْصُولَةٌ مَفْعُولُ العِلْمِ وهو بِمَعْنى العِرْفانِ وجُمْلَةُ (يَأْتِيهِ العَذابُ) صِلَةُ المَوْصُولِ وجُمْلَةُ ( يُخْزِيهِ ) صِفَةُ ( عَذابٌ ) ووَصَفَهُ بِالإخْزاءِ تَعْرِيضًا بِما أوْعَدُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّجْمِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَذابًا فِيهِ خِزْيٌ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن هو كاذِبٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَن يَأْتِيهِ ) و(مَن) أيْضًا مَوْصُولَةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (مَن) في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامِيَّةً والعِلْمُ عَلى بابِهِ وهي مُعَلِّقَةٌ لَهُ عَنِ العَمَلِ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ المَوْصُولِيَّةَ ولَيْسَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ القَسِيمِ عَلى قَسِيمِهِ كَما في سَيَعْلَمُ الصّادِقُ والكاذِبُ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ، وإنَّما القَصْدُ إلى الرَّدِّ عَلى القَوْمِ في العَزْمِ عَلى تَعْذِيبِهِ بِقَوْلِهِمْ: لَرَجَمْناكَ، والتَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ..﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَيَظْهَرُ لَكم مَنِ المُعَذَّبُ أنْتُمْ أمْ نَحْنُ، ومَنِ الكاذِبُ في دَعْواهُ أنا أمْ أنْتُمْ، وفِيهِ إدْراجُ حالِ الفَرِيقَيْنِ أيْضًا. وفِي الإرْشادِ أنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِكَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمُ القُوَّةَ والقُدْرَةَ عَلى رَجْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي نِسْبَتِهِ إلى الضَّعْفِ والهَوانِ، وفي ادِّعائِهِمُ الإبْقاءَ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ جانِبِ الرَّهْطِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ كانَ القِياسُ -ومَن هو صادِقٌ- بَدَلَ هَذا المَعْطُوفِ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم فَحِينَئِذٍ يَنْصَرِفُ ( مَن يَأْتِيهِ ) إلَخْ إلى الجاحِدِينَ ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَدْعُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ بِمَعْنى في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهم يَعْنِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَرى في الذِّكْرِ صفحة 128 عَلى ما اعْتادُوهُ في تَسْمِيَتِهِ كاذِبًا تَجْهِيلًا لَهُمْ، والمَعْنى سَتَعْلَمُونَ حالَكم وحالَ الصّادِقِ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ كاذِبًا لِجَهْلِكُمْ، ولَيْسَ المُرادُ سَتَعْلَمُونَ أنَّهُ كاذِبٌ في زَعْمِكم فَلا يَرِدُ ما تَوَهَّمَ مِن أنَّ كَذِبَهُ في زَعْمِهِمْ واقِعٌ مَعْلُومٌ لَهُمُ الآنَ، فَلا مَعْنًى لِتَعْلِيقِ عِلْمِهِ عَلى المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَيْنِ جَمِيعًا لَهم -فَمَن يَأْتِيهِ- إلَخْ مُتَضَمِّنٌ ذِكْرَ جَزائِهِمْ -ومَن هو كاذِبٌ- مُتَضَمِّنٌ ذِكْرَ جُرْمِهِمُ الَّذِي يُجازَوْنَ بِهِ وهو الكَذِبُ، وهو مِن عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ واحِدٌ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: سَتَعْلَمُ مَن يُهانُ ومَن يُعاقَبُ، وأنْتَ تَعْنِي المُخاطَبَ في الكَلامَيْنِ فَيَكُونُ في ذِكْرِ كَذِبِهِمْ تَعْرِيضٌ لِصِدْقِهِ وهو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ التَّصْرِيحِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ عاقِبَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ عاقِبَتِهِمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ حَيْثُ اكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ومَن هو عَلى خِلافِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ إحْدى العاقِبَتَيْنِ لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ العاقِبَةِ عاقِبَةُ الخَبَرِ لِأنَّها مَتى أُطْلِقَتْ لا يَعْنِي إلّا ذَلِكَ نَحْوُ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ولِأنَّ اللّامَ في (لَهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلَيْهِ واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ مُقابِلِها انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِما رَدَّهُ عَلَيْهِ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ ﴿وارْتَقِبُوا﴾ أيِ انْتَظِرُوا ما أقُولُ لَكم مِن حُلُولِ ما أعِدُكم بِهِ وظُهُورِ صِدْقِهِ ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ أيْ مُنْتَظِرٌ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى انْتَظِرُوا العَذابَ إنِّي مُنْتَظِرٌ النُّصْرَةَ والرَّحْمَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ و( رَقِيبٌ ) إمّا بِمَعْنى مُرْتَقِبٍ كالرَّفِيعِ المُرْتَفِعِ أوْ راقِبٍ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ أوْ مُراقِبٍ كَعَشِيرٍ بِمَعْنى مُعاشِرٍ، والأنْسَبُ عَلى ما قِيلَ بِقَوْلِهِ (ارْتَقِبُوا) الأوَّلُ وإنْ كانَ مَجِيءُ فَعِيلٍ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ المَزِيدِ غَيْرَ كَثِيرٍ، وفي زِيادَةِ ( مَعَكم ) إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَمالِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ

هود 11:94

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ.. أوْ وقْتُهُ فَإنَّ الِارْتِقابَ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وهو الإيمانُ الَّذِي وفَّقْناهم لَهُ أوْ بِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ لَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِالفاءِ في قِصَّتَيْ ثَمُودَ ولُوطٍ حَيْثُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاءَ أمْرنا ) وبِالواوِ هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ حَيْثُ قِيلَ: ( ولَمّا جاءَ ) إلَخْ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ هُناكَ سابِقَةَ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُقْتَضِي لِدُخُولِ الفاءِ في مَعْلُولِهِ، وأمّا هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ فَلَمْ يَسْبِقْ مِثْلُ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ مَجِيءَ العَذابِ عَلى أنَّهُ قِصَّةٌ بِنَفْسِهِ وما قَبْلَهُ قِصَّةٌ أُخْرى لَكِنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِقَوْمٍ واحِدٍ فَهُما مُتَشارِكانِ مِن وجْهٍ مُفْتَرِقانِ مِن آخَرَ وذَلِكَ مَقامُ الواوِ كَذا قِيلَ. وتَعَقَّبَ في الكَلامِ هَهُنا ذِكْرَ الوَعْدِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يا قَوْمٌ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم ) إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَقِيبٌ﴾ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِ الوَعْدِ ومِثْلُهُ لا يَكْفِي في الفَرْقِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لِقُرْبِ عَذابِ قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ، فَإنَّ بَيْنَ الأوَّلِينَ والعَذابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وبَيْنَ الآخَرِينَ وبَيْنَهُ ما بَيْنَ قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ والصُّبْحُ: وهي سُوَيْعاتٌ يَسِيرَةٌ ولا كَذَلِكَ عَذابُ قَوْمَيْ شُعَيْبٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، بَلْ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ تَضْيِيقِ زَمانِ مَجِيءِ العَذابِ بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ -سَوْفَ- عَلى أنَّ مَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ لَمْ يَشُكَّ في الفَرْقِ بَيْنَ الوَعْدِ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ والوَعْدِ في غَيْرِهِما، فَإنَّ الإشْعارَ بِالمَجِيءِ فِيهِما ظاهِرٌ فَحَسُنَ تَفْرِيعُهُ بِالفاءِ ولا كَذَلِكَ في غَيْرِهِما، كَذا قِيلَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى التَّفْرِقَةِ بِالقُرْبِ صفحة 129 وعَدَمِهِ أقَلُّ غائِلَةٍ مِمّا قِيلَ، وكَذا مِمّا يُقالُ: مِن أنَّ الإتْيانَ بِالفاءِ -لِتَقَدُّمِ الوَعْدِ، وتَرْكُها وإنْ كانَ هُناكَ وعْدٌ لِلْإشارَةِ إلى سُوءِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمَيْنِ ومَزِيدِ فَظاعَتِهِ حَتّى أنَّ العَذابَ حَلَّ بِهِمْ لا لِسَبَبِ سَبْقِ الوَعْدِ بَلْ لِمُجَرَّدِ ظُلْمِهِمْ، وكَأنَّ وجْهَ اعْتِبارِ ذَلِكَ فِيهِمْ دُونَ قَوْمَيْ لُوطٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُمُ امْتازُوا عَنْهم بِرَمْيِ ذَيْنَكِ النَّبِيَّيْنِ بِالجُنُونِ ومُشافَهَتِهِما بِما لَمْ يُشافِهْ بِهِ كُلٌّ مِن قَوْمَيْ صالِحٍ ولُوطٍ نَبِيَّهُ فِيما قَصَّ عَنْهُما في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْكَ فَتَدَبَّرْ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِالعِلْيَةِ أيْ وأخَذَتْ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي فُصِّلَ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا وكانَتْ صَيْحَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وجَوَّزَ البَلْخِيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها نَوْعًا مِنَ العَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: صاحَ بِهِمُ الزَّمانُ إذا هَلَكُوا، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا (صِيحَ) في حُجُراتِهِ ولَكِنْ حَدِيثُ ما حَدِيثُ الرَّواحِلِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وقَدْ سَبَقَ في الأعْرافِ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ بَدَلُها، ولَعَلَّها كانَتْ مِن مَبادِيها فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ مَيِّتِينَ مِن جَثَمَ الطّائِرُ إذا ألْصَقَ بَطْنَهُ بِالأرْضِ، ولِذا خَصَّ الجُثْمانُ بِشَخْصِ الإنْسانِ قاعِدًا، ثُمَّ تَوَسَّعُوا فاسْتَعْمَلُوا الجُثُومَ بِمَعْنى الإقامَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ مِن هَذا الجاثِمِ لِلْمَيِّتِ لِأنَّهُ لا يَبْرَحُ مَكانَهُ، ولِما لَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ إلَخْ.. نَفْسَ مَجِيءِ العَذابِ بَلْ مِن يَجِيئُهُ ذَلِكَ جَعَلَ مَجِيئَهُ بَعْدُ أمْرًا مُسَلَّمَ الوُقُوعِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ حَيْثُ جَعَلَ شَرْطًا، وجَعَلَ تَنْجِيَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ وإهْلاكَ الكَفَرَةِ الظّالِمِينَ جَوابًا لَهُ ومَقْصُودُ الإفادَةِ، وإنَّما قَدَّمَ التَّنْجِيَةَ اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإيذانًا بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، و–أصْبَحَ- إمّا ناقِصَةٌ أوْ تامَّةٌ أيْ صارُوا جاثِمِينَ، أوْ دَخَلُوا في الصَّباحِ حالَ كَوْنِهِمْ جاثِمِينَ

هود 11:95

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ. ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ، وإنَّما شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ لِأنَّ عَذابَ كُلٍّ كانَ بِالصَّيْحَةِ غَيْرَ أنَّهُ رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودَ كانْتْ مِن تَحْتِهِمْ، وصَيْحَةُ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ. وقَرَأ السِّلْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ (بَعُدَتْ) بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ مِن بَعِدَ يَبْعَدُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ: (لا تَبْعُدُ) وهم يَدْفِونني وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا بَعُدَ يَبْعُدُ بِالضَّمِّ فَهو البُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قِيلَ: أرادَتِ العَرَبُ بِهَذا التَّغْيِيرِ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، وفي القامُوسِ البُعْدُ المَعْرُوفُ والمَوْتُ، وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ بَعُدَ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ بِالكَسْرِ في الشَّرِّ خاصَّةً، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالمُرادُ بِبَعِدَتْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا هَلَكَتْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ في ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَن هَلَكَ فَقَدْ بَعُدَ ونَأى كَما قالَ الشّاعِرُ: ومَن كانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ ∗∗∗ شَهْرانِ فَهو في غايَةِ (البُعْدِ) صفحة 130 وفِي الآيَةِ ما يُسَمّى الِاسْتِطْرادَ، قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ مِن هَذا النَّوْعِ إلّا ما في هَذا المَوْضِعِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتُ مَنجى الحَرْثِ بْنِ هِشامِ تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمَّرَةٍ ولِجامِ * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانُهُ أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَلَكَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُسَلِّطُ أحَدًا عَلى أحَدٍ إلّا عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَنْبٍ أوْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وإعْلاءِ مَنزِلَةٍ؛ لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَدْلِ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَهو دابَّةٌ فَإنَّهُ ذُو رُوحٍ وما ثَمَّ مَن يَدُبُّ بِنَفْسِهِ وإنَّما يَدِبُّ بِغَيْرِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلَّذِي هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ماشٍ فَهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحِينَئِذٍ فَلا مَغْضُوبَ عَلَيْهِ ولا ضالَّ مِن هَذا الوَجْهِ، نَعَمْ إنَّ النّاسَ عَلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ الكَشْفِ وأهْلِ الحِجابِ، فالأوَّلُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ غايَتَها، فَهي في حَقِّهِمْ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ كَما أنَّها في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، والآخَرُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَجْهَلُونَها ولا يَعْرِفُونَ غايَتَها وأنَّها تَنْتَهِي إلى الحَقِّ، فَهي في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وإنْ كانَتْ عِنْدَ العارِفِ ونَفْسِ الأمْرِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، واسْتَنْبَطَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَآلَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وهي الرَّحْمَةُ السّابِقَةُ عَلى الغَضَبِ، وادَّعى أنَّ فِيها بِشارَةً لِلْخَلْقِ أيَّ بِشارَةٍ. وقالَ القَيْصَرِيُّ في تَفْسِيرِها: أيْ ما مِن شَيْءٍ مَوْجُودٍ إلّا هو سُبْحانَهُ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ وإنَّما جُعِلَ دابَّةً لِأنَّ الكُلَّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّهُودِ وأهِلِ الوُجُودِ حَيٌّ، فالمَعْنى ما مِن حَيٍّ إلّا والحَقُّ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ ومُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِحَسَبِ أسْمائِهِ يَسْلُكُ بِهِ أيَّ طَرِيقٍ شاءَ مِن طُرُقِهِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (آخِذٌ) إلى هُوِيَّةِ الحَقِّ الَّذِي مَعَ كُلٍّ مِنَ الأسْماءِ ومَظاهِرِها، وإنَّما قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ وتَنْكِيرِ الصِّراطِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ رَبٍّ عَلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الجامِعُ لِلطُّرُقِ هو المَخْصُوصُ بِالِاسْمِ الآلِهِيِّ ومُظْهِرُهُ، لِذَلِكَ قالَ في الفاتِحَةِ المُخْتَصَّةِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِلامِ العَهْدِ، أوِ الماهِيَّةِ الَّتِي مِنها تَتَفَرَّعُ جُزْئِيّاتُها، فَلا يُقالُ: إذا كانَ كُلُّ أحَدٍ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَما فائِدَةُ الدَّعْوَةِ؟ لِأنّا نَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى الهادِي مِنَ المُضِلِّ، وإلى العَدْلِ مِنَ الجائِرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ انْتَهى بِحُرُوفِهِ، وأعْظَمُ مِن هَذا إشْكالًا التَّكْلِيفُ مَعَ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وكَذا التَّنْعِيمُ والتَّعْذِيبُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّقْدِيرِ لِكَلامِ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُكَلَّفَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ هو حِصَّةٌ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ عَلى حَقائِقِ المُمْكِناتِ المُتَعَيِّنِ بِتَعَيُّناتٍ مُخْتَلِفَةٍ اقْتَضَتْها الِاسْتِعْداداتُ الذّاتِيَّةُ لِلْحَقائِقِ الَّتِي هي المَعْدُوماتُ المُتَمَيِّزَةُ في نَفْسِ الأمْرِ المُسْتَعِدَّةُ بِاسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةٍ غَيْرِ مَجْعُولَةٍ، فالمُكَلَّفُ مُقَيَّدٌ مِن مُقَيِّداتِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ، والمُقَيَّدُ لا يُوجَدُ بِدُونِ المُطْلَقِ لِأنَّهُ قَيُّومُهُ، والمُطْلَقُ مِن حَيْثُ الإطْلاقُ عَيْنُ الحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ قاعِدَةَ التَّكْلِيفِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُغايَرَةٌ ومُبايَنَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ حَتّى يَصِحَّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّنْعِيمِ. وأُجِيبَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ بِتَمَيُّزٍ ذاتِيٍّ غَيْرِ مَجْعُولٍ ووُجُودُهُ خاصٌّ مُقَيَّدٌ بِخُصُوصِيَّةٍ ما صفحة 131 اقْتَضاها اسْتِعْدادُهُ الذّاتِيُّ لِماهِيَّتِهِ العَدَمِيَّةِ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الوُجُودِ والعَدَمِ، وحَقِيقَتُهُ مُغايِرَةٌ لِوُجُودِهِ تَعَقُّلًا لِتَمايِزِهِما ذِهْنًا، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُ الأشْعَرِيِّ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ حَقِيقَتِهِ لِما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وحَقِيقَةُ الحَقِّ تَعالى لا تُغايِرُ وُجُودَهُ ووُجُودُهُ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المُطْلَقُ بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ حَسْبَما حَقَّقَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ، فالمُغايَرَةُ الذّاتِيَّةُ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ في غايَةِ الظُّهُورِ لِأنَّ المُكَلَّفَ هو المَعْدُومُ اللّابِسُ لِحِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المُتَعَيِّنِ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ، والمُكَلِّفُ سُبْحانَهُ هو الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو عَيْنُ الوُجُودِ المُطْلِقِ غَيْرُ المُقْتَرِنِ بِماهِيَّةٍ عَدَمِيَّةٍ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ، وحَقِيقَةُ الواجِبِ سُبْحانَهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ وقَدْ وقَعَ في البَيْنِ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ في العَبْدِ وذَلِكَ التَّجَلِّي هو الجامِعُ لِلْقُدْرَةِ وغَيْرِها مِنَ الكَمالاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ومُحَقِّقٌ لِلْمُغايَرَةِ. وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المَزْجِ بَيْنَ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ والصُّورَةِ الخِلْقِيَّةِ المُتَعَيَّنَةِ بِمُقْتَضى الحَقِيقَةِ العَدَمِيَّةِ هي الَّتِي أحْدَثَتْ ما بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الحَقِّ سُبْحانَهُ قَيُّومًا لِلْوُجُودِ المُقَيَّدِ غَيْرُ قادِحٍ في ذَلِكَ بَلِ القَيُّومِيَّةُ هي المُصَحِّحَةُ لَهُ لِما تَبَيَّنَ مِنَ النُّصُوصِ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلّا بِالوُسْعِ ولا وُسْعَ لِلْمُمْكِنِ إلّا بِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى بِنَصِّ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ وما هو بِاللَّهِ فَهو لِلَّهِ تَعالى، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وبَعْضُ كَلِماتِهِمْ يَتَراءى مِنها عَدَمُ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: لَقَدْ كُنْتَ دَهْرًا قَبْلَ أنْ يُكْشَفَ الغَطا إخالُكَ أنِّي ذاكِرٌ لَكَ شاكِرُ فَلَمّا أضاءَ اللَّيْلُ أصْبَحْتُ شاهِدًا ∗∗∗ بِأنَّكَ مَذْكُورٌ وذِكْرٌ وذاكِرُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ لا يُبادِرَ سامِعُها بِالإنْكارِ، ويَرْجِعُ في المُرادِ مِنها إلى العارِفِينَ بِدَقائِقِ الأسْرارِ، هَذا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيما قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَهُنا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ الفُتُوَّةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ مِن آدابِها إذا نَزَلَ الضَّيْفُ أنْ يَبْدَأ بِالكَرامَةِ في الإنْزالِ، ثُمَّ يُثْنِي بِالكَرامَةِ بِالطَّعامِ، وإنَّما أوْجَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ خِيفَةً لِأنَّهُ ظَنَّ الغَضَبَ، والخَلِيلُ يَخْشى غَضَبَ خَلِيلِهِ ومُناهُ رِضاهُ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: لَعَلَّكَ غَضْبانُ ولَسْتَ بِعالِمِ سَلامٍ ∗∗∗ عَلى الدّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيًا وفِي هَذِهِ القِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَنْسَدُّ بابُ الفِراسَةِ عَلى الكامِلِينَ لِحِكَمٍ يُرِيدُها اللَّهُ تَعالى، ومِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ إبْراهِيمُ وكَذا لُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ مَقامِ الإدْلالِ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قِيلَ: يُشِيرُ بِالقُوَّةِ إلى الهِمَّةِ وهي عِنْدَهُمُ القُوَّةُ المُؤَثِّرَةُ في النُّفُوسِ لِأنَّ القُوَّةَ مِنها جِسْمانِيَّةٌ، ومِنها رُوحانِيَّةٌ، وهَذِهِ المُسَمّاةُ بِالهِمَّةِ وهي أقْوى تَأْثِيرًا لِأنَّها قَدْ تُؤَثِّرُ في أكْثَرِ العالَمِ أوْ كُلِّهِ بِخِلافِ الجِسْمانِيَّةِ، وقَصَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ القَبِيلَةَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تَظْهَرُ في الخارِجِ إلّا عَلى أيْدِي المَظاهِرِ فَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ أنْصارًا يَنْصُرُونَهُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ورَدَّدَ الأمْرَ بَيْنَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ لَهُ هِمَّةً مُؤَثِّرَةً مِن نَفْسِهِ لِيُقاوِمَ بِها الأعْداءَ، وقَدْ عَلِمْتُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا» الخَبَرَ. وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الخَبَرِ أنَّ لُوطًا كانَ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ صفحة 132 ﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ والإشارَةُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن كانَ في حَيِّزٍ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى ولِلْواعِظِ أنْ لا يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عِنْدَ العَبْدِ أعَزَّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ

هود 11:96

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي الآياتُ التِّسْعُ؛ العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أرْسَلْنا ) أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرِهِ المُؤَكَّدِ أيْ أرْسَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا. أوْ أرْسَلْناهُ إرْسالًا مُلْتَبِسًا بِها. ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ مِنها -وهُوَ العَصا- والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها لِكَوْنِها أبْهَرَها، والمُرادُ بِالآياتِ ما عَداها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ أيْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وكَوْنِهِ سُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها مِن أبانَ لازِمًا بِمَعْنى تَبَيَّنَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى بَيَّنَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الآياتِ والسُّلْطانَ شَيْئًا واحِدًا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّ في ذَلِكَ تَجْرِيدًا نَحْوَ مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الكَرِيمِ، والنَّسَمَةُ المُبارَكَةُ كَأنَّهُ جَرَّدَ مِنَ الآياتِ الحُجَّةَ وجَعَلَها غَيْرَها وعُطِفَتْ عَلَيْها لِذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ ما سَمِعْتَ وبِالسُّلْطانِ ما بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ دَعْوَتِهِ حِينَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما)،﴾ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ مِنَ الحَقائِقِ الرّائِقَةِ، والدَّقائِقِ اللّائِقَةِ، أوْ هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيَلاءُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ وجَعَلَهُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ، أوْ إدْراجُها في جُمْلَةِ الآياتِ يَرُدُّهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

هود 11:97

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ وتَقْبَلُها مِنهُ فِئَةُ الباغِيَةِ وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في عَدِّ النَّقْصِ مِنَ الثَّمَراتِ والنَّقْصِ مِنَ الأنْفُسِ آيَةً واحِدَةً مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، وعَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِقَبُولِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَهو مُتَأخِّرٌ أيْضًا ضَرُورَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ عُدَّ فَلْقُ البَحْرِ وإظْلالُ الغَمامِ بَدَلَهُما لِأنَّ هَذا الإظْلالَ أيْضًا مُتَأخِّرٌ عَنْ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وأجابَ بَعْضُ الأفاضِلِ عَنْ الِاعْتِراضِ عَلى جَعْلِ التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ التَّصْحِيحَ مُمْكِنٌ، أمّا أوَّلًا فَبِما صَرَّحُوا بِهِ مِن جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرِ وتَعَلُّقِ الجارِّ ونَحْوِهِ بِالمُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ المُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إلى فِرْعَوْنَ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإرْسالِ المُطْلَقِ لا المُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ بِالتَّوْراةِ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أرْسَلَ إلى الفَراعِنَةِ أرْسَلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ عَلى ما يَشْمَلُهم فَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ عَلى مَعْنى أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإلى مَلائِهِ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرَ مُرَتَّبٍ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ عَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ أوِ الغَمامِ مِنَ الآياتِ، وفي مَجْمُوعَةِ سَرِيِّ الدِّينِ المِصْرِيِّ أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا أوْرَدَ الحافِظُ الطّاشَكَنْدِيُّ عَلى مَخْدُومِ المَلِكِ فَأجابَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ مُقَدِّرِينَ تَلَبُّسَهُ أوْ نُصْرَتَهُ بِالآياتِ والسُّلْطانِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ ظُهُورُ بَعْضِها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كالتَّوْراةِ، وانْفِجارِ الماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا مُرَتَّبًا مَكْتُوبًا في الألْواحِ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، صفحة 133 وأوْحى بِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَياةِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَأْمُرُ بِها قَوْمَهُ ويُبَلِّغُها إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الألْواحِ كانَ مُنَزَّلًا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِتَمامِها وكانَتْ تِلْكَ الألْواحُ مِن خَشَبٍ والألْواحُ الَّتِي كانَتْ فِيها التَّوْراةُ بِتَمامِها كانَتْ مِن زُمُرَّدٍ أوْ مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الذَّهابَ إلى كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وما حَكى مِن أنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا كانَ بَعْدُ، والإيحاءُ بِها كانَ قَبْلُ إلَخْ.. مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن حَدِيثِ التَّعَلُّقِ بِالمُطْلَقِ وثانِيًا مِن حَمْلِ (المَلَأِ) عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلَخْ.. مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُنَزِّهَ ساحَةَ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وكَيْفَ يَحْمِلُ –المَلَأ- عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَوْ جَعَلَ ( إلى فِرْعَوْنَ ) مُتَعَلِّقًا ( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) لَفْظًا أوْ مَعْنًى عَلى تَقْدِيرِ وسُلْطانٍ مُرْسَلٍ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السُّلْطانِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ. وتَخْصِيصُ –المَلَأِ- بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْقَوْمِ كافَّةً لِأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ وتَدْبِيرِ الأُمُورِ واتِّباعِ الغَيْرِ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكُفْرِ فِرْعَوْنَ بِالآياتِ وانْهِماكِهِ فِيما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ شَأْنِ مَلَئِهِ فَقِيلَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَقِّ لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ حالِهِ فَكَأنَّ كُفْرَهُ وأمْرُ مَلَئِهِ بِذَلِكَ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الذِّكْرِ صَرِيحًا، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ شَأْنُ مَلَئِهِ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ هادٍ إلى الحَقِّ -وهُوَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ- وداعٍ إلى الضَّلالِ -وهُوَ فِرْعَوْنُ- فَنَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ اخْتِيارِهُمْ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في الاتِّباعِ ومُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الكُفْرِ والأمْرِ بِهِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَراخَ عَنِ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَةُ والشَّأْنُ، قِيلَ: ومَعْنى ( فاتَّبَعُوا ) فاسْتَمَرُّوا عَلى الاتِّباعِ، والفاءُ مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاتَّصَفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ فِرْعَوْنُ مِنَ الكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّكْذِيبُ لَهُ ووافَقُوهُ في ذَلِكَ، وإيرادُ الفاءِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في المُوافَقَةِ لِفِرْعَوْنَ في الكُفْرِ ومُسارَعَتِهِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ حِينَ حَصَلَ الإرْسالُ والتَّبْلِيغُ حَصَلَ كُفْرُ فِرْعَوْنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَقَعَ عَلى أثَرِهِ المُوافَقَةُ مِنهُمْ، ولا تَتَوَهَّمْنَ أنَّ هَذِهِ المُوافَقَةَ كانَتْ حاصِلَةً لَهم قَبْلُ لِأنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى اتِّصافِ فِرْعَوْنَ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ إنَّما تَجَدَّدَ لَهُ بَعْدَ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ فَلا ضَرُورَةَ إلى الحَمْلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجَعْلُ الفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زَجَرْتُهُ فانْزَجَرَ فَتَأمَّلْ. وعَدَلَ عَنْ أمْرِهِ إلى أمْرِ فِرْعَوْنَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ المُتَّبِعِينَ فَإنَّ فِرْعَوْنَ عَلَمٌ في الفَسادِ والإفْسادِ والضَّلالِ والإضْلالِ، فاتِّباعُهُ لِفَرْطِ الجَهالَةِ وعَدَمِ الِاسْتِبْصارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِراشِدٍ أوْ بِذِي رُشْدٍ، والرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ وإسْنادُهُ إلى الأمْرِ مَجازِيٌّ وكَأنَّ في العُدُولِ عَنْ وأمْرُ فِرْعَوْنَ غَيٌّ وضَلالٌ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ زِيادَةً في تَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى فَواتِ ما فِيهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ أعْنِي الرُّشْدَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الرُّشْدُ كِنايَةً عَنِ المَحْمُودِيَّةِ والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ أيْ -وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ- صفحة 134

هود 11:98

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ حالِ المَتْبُوعِ والتّابِعِ مَآلًا، وعَلى الثّانِي تَفْسِيرٌ وإيضاحٌ لِعَدَمِ صَلاحِ عاقِبَتِهِ أيْ كَيْفَ يُرْشِدُ أمْرَ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ، وجُمْلَةُ ( وما أمْرُ ) إلَخْ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ –اتَّبَعُوا- وأنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ قِيلَ: وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ بِالقَوْمِ ما يَشْمَلُ المَلَأ وغَيْرَهُمْ، و﴿يَقْدُمُ﴾ كَيَنْصُرُ مِن قَدَمَ كَنَصَرَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّحْلِ، وهَذا كَما يُقالُ: قَدَّمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وأقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ ومِنهُ مُقَدِّمُ العَيْنِ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ كَما قالَهُ المَرْزُوقِيُّ، ومِثْلُهُ مُؤَخِّرُ العَيْنِ كَما في المُزْهِرِ، والمُرادُ مِن أوْرَدَهم يُورِدُهُمْ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ -والمُرادُ فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ أيْ مُوجِبُها وهو الكُفْرُ- لَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَصْبُ النّارِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ –لِأوْرَدَهُمْ- وهي اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِلضِّدِّ وهو الماءُ، وفي قَرِينَتِها احْتِمالاتٌ كَما شاعَ في ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) وعَلى احْتِمالِ المَجازِ يَكُونُ الإيرادُ مُسْتَعارًا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِسَوْقِهِمْ إلى النّارِ. وجَوَّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَبَّهَ فِرْعَوْنَ بِالفارِطِ وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ لِلْماءِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وجَعَلَ اتِّباعَهُ وارِدَةً، وإثْباتُ الوُرُودِ لَهم تَخْيِيلٌ، وجَوَّزَ أيْضًا جَعْلَ المَجْمُوعِ تَمْثِيلًا. وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿يَقْدُمُ﴾ وأوْرَدَ مُتَنازِعِينَ في النّارِ إلّا أنَّهُ أعْمَلَ الثّانِي وحَذَفَ مَفْعُولَ الأوَّلِ ولَيْسَ بِذَلِكَ. ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ وفي النّارِ تَقْطُّعُ الأكْبادِ واشْتِعالُها كَذا قِيلَ، فالوِرْدُ عَلى هَذا بِمَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الماءِ و(المَوْرُودُ) صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو النّارُ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَصادُقِ فاعِلِ (بِئْسَ) ومَخْصُوصِها ولا تَصادُقَ عَلى هَذا، وأيْضًا في جَوازِ وصْفِ فاعِلِ -نِعْمَ وبِئْسَ- خِلافٌ، وابْنُ السِّراجِ والفارِسِيُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المَوْرُودِ صِفَةً والمَخْصُوصِ النّارَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، فالتَّصادُقُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوُرُودِ والمَوْرُودِ النّارُ- ومِنهم مَن يَجْعَلُ ﴿المَوْرُودُ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمُرادُ بِهِ النّارُ، ويُقَدَّرُ المُضافُ لِيَحْصُلَ التَّصادُقُ أيْضًا أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ النّارُ- ومَن يَجْعَلُ الوِرْدَ فاعِلَ (بِئْسَ) ويُفَسِّرُهُ بِالجَمْعِ الوارِدِ، و﴿المَوْرُودُ﴾ صِفَةٌ لَهم والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ضَمِيرُهُمُ المَحْذُوفُ أيْ -بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هُمْ- فَيَكُونُ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ لا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ

هود 11:99

﴿وأُتْبِعُوا﴾ أيِ المَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: القَوْمُ مُطْلَقًا ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿لَعْنَةً﴾ عَظِيمَةً حَيْثُ يَلْعَنُهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا حَيْثُ يَلْعَنُهم أهْلُ المَوْقِفِ قاطِبَةً فَهي تابِعَةٌ لَهم حَيْثُما سارُوا ودائِرَةٌ أيْنَما دارُوا فَكَما اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ اتَّبَعَتْهُمُ اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ جَزاءً وِفاقًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ رِفْدُهُمْ، ويَكُونُ الرِّفْدُ بِمَعْنى العَطِيَّةِ كَما يَكُونُ بِمَعْنى العَوْنِ. قالَ أبُو حَيّانَ: يُقالُ: رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدًا إذا أعْطاهُ وأعانَهُ مِن رَفَدَ الحائِطَ دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ الرَّفْدُ بِالفَتْحِ القَدَحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ، وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ صفحة 135 رِفادَةُ قُرَيْشٍ وهي مُعاوَنَتُهم لِلْحاجِّ بِشَيْءٍ يُخْرِجُونَهُ لِلْفُقَراءِ، ويُقالُ رَفَدَهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وفَسَّرَهُ هُنا بِالعَطاءِ غَيْرُ واحِدٍ. وزَعَمَ أنَّ المَقامَ لا يُلائِمُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمْ تَفْسِيرُهُ بِالعَوْنِ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، والمُرادُ بِهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ اللَّعْنَةُ وتَسْمِيَتُها عَوْنًا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، وأمّا كَوْنُها مُعانًا فَلِأنَّها أُرْفِدَتْ في الآخِرَةِ بِلَعْنَةٍ أُخْرى لِتَكُونا هادِيَتَيْنِ إلى صِراطِ الجَحِيمِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُسْنَدَ المَرْفُودُ إلَيْهِمْ لِأنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا تَتْبَعُهم وكَذا في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وأُتْبِعُوا ) إلَخْ، ولَكِنْ أُسْنِدَ إلى الرَّفْدِ الَّذِي هو اللَّعْنَةُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ نَحْوَ جَدَّ جَدُّهُ، وجُنُونُكَ مَجْنُونٌ، وكَذا يُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ والمَجازُ المَذْكُورانِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي كَذا قِيلَ. وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ المَنقُولِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةَ في شَيْءٍ إذْ لَوْ كانَ رَفْدًا لِلْمُعَذَّبِينَ لَكانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، ثُمَّ قالَ: وجَعْلُهُ مِن بابِ جَدَّ جَدُّهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ رَفَدَ أعْيَنُ بِرَفْدٍ أمّا لَوْ فُسِّرَ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي فَفِيهِ الأوَّلُ لا الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا وإنَّما العَطاءُ بِمَعْنى ما يُعْطى فَكَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هُناكَ لَعْنَتَيْنِ رُفِدَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وغَيْرِهِ، فَيَوْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ في الدُّنْيا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَعْمُولُ (بِئْسَ) وهي لا تَتَصَرَّفُ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، ولَوْ كانَ (يَوْمَ) مُتَأخِّرًا صَحَّ ذَلِكَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيتَ نِزالٌ ولَجَ في الذُّعْرِ وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في سُوءِ حالِ فِرْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ حالُ الأتْباعِ ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن أغْواهم وألْقاهم في هَذا الضَّلالِ البَعِيدِ؟ وهَذا يُعَكِّرُ عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ قُبِضَ طاهِرًا مُطَهَّرًا بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نَصٌّ في رَدِّ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى سَلَبَ عَنْهُ فِيها الرَّشادَ بَعْدَ مَوْتِهِ والمُؤْمِنُ الطّاهِرُ المُطَهَّرُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ الرَّشادُ بَعْدَ المَوْتِ، ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبابُ الرَّحْمَةِ أوْسَعُ مِنهُ.

هود 11:100

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَصَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ وبَعْدَهُ بِاعْتِبارِ تَقَضِّيهِ أوْ بِاعْتِبارِ ما قِيلَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلِكَةِ بِما جَنَتْهُ أيْدِي أهْلِها فَألْ فِيها لِلْعَهْدِ السّابِقِ تَقْدِيرًا بِذِكْرِ أرْبابِها ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أنْباءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وهَذا هو الخَبَرُ، وجَوَّزَ أيْضًا عَكْسَ ذَلِكَ ﴿مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ ومِنها حَصِيدٌ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى كَما لا يَخْفى، وقَدْ شَبَّهَ ما بَقِيَ مِنها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا وبَطَلَ بِالحَصِيدِ، فالمَعْنى مِنها باقٍ، ومِنها عافٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿قائِمٌ﴾ لَمْ يُخْسَفْ ﴿وحَصِيدٌ﴾ قَدْ خُسِفَ، قِيلَ: ﴿وحَصِيدٌ﴾ الزَّرْعُ جاءَ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الفَناءِ كَما في قَوْلِهِ: والنّاسُ في قِسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم (كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ) صفحة 136 وصِيغَةُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَحْصُودٌ كَما قالَ الأخْفَشُ وجَمْعُهُ حَصْدى، وحِصادٌ مِثْلُ مَرْضى ومِراضٌ، وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِلتَّحْرِيضِ عَلى النَّظَرِ في ذَلِكَ والِاعْتِبارِ بِهِ، أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ سُئِلَ لَمّا ذُكِرَتْ ما حالُها؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها حالًا مِنَ القُرى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ جَعْلَها حالًا مِن ضَمِيرِ نَقَصَهُ فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِنَ القُرى كَذَلِكَ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أرادَ بِالفَسادِ اللَّفْظِيِّ في الأوَّلِ خُلُوَّ الجُمْلَةِ مِنَ الواوِ والضَّمِيرِ، وفي الثّانِي مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ الصُّوَرِ المَعْهُودَةِ، وبِالفَسادِ المَعْنَوِيِّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَقْصُوصِ بَلْ هو حالٌ خارِجَةٌ عَنْها ولَيْسَ بِمُرادٍ، ولا يَسُوغُ جَعْلُ ما بَعْدَهُ ابْتِداءَ المَقْصُوصِ، وفِيهِ فَسادٌ لَفْظِيٌّ أيْضًا. وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ أرادَ بِالفَسادِ الأوَّلِ في الأوَّلِ ما ذَكَرَ، وفي الثّانِي وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ حالًا بِالضَّمِيرِ وحْدَهُ وبِالضَّمِيرِ تَخْصِيصُ كَوْنِها مَقْصُوصَةً بِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّ المَقْصُوصِيَّةَ ثابِتَةٌ لَها ولِلنَّبَأِ وقْتَ قِيامِ بَعْضِها أيْضًا، وقَدْ أصابَ بَعْضًا وأخْطَأ بَعْضًا، ووَجَّهَ الجَلْبِيُّ الخُلُوَّ عَنِ الواوِ والضَّمِيرِ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الضَّمِيرِ الرَّبْطُ وهو حاصِلٌ لِارْتِباطِ ذَلِكَ بِمُتَعَلِّقِ ذِي الحالِ وهي القُرى، فالمَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالَةِ تُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى بِها، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الِاكْتِفاءَ في الرَّبْطِ بِما ذَكَرَ مَعَ خَفائِهِ مَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ الأخْفَشُ ولَمْ يَذْكُرْهُ في الحالِ وإنَّما ذَكَرَهُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ الحالَ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرَبَ المَثَلَ لِلْحاضِرِينَ مَعَ ما سَمِعْتَ نَفْعًا، والحَقُّ أنَّهُ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ إلّا الذُّهُولَ

هود 11:101

﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى مُرادًا بِها أهْلُها وقَدْ أُرِيدَ مِنها أوَّلًا حَقِيقَتُها، فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ القُرى لِأنَّ هُناكَ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى؛ والضَّمائِرُ مِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ، ومِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ إلَيْهِ، ومَتى وضَحَ الأمْرُ جازَ مِثْلُ ذَلِكَ. وقِيلَ: القُرى عَلى ظاهِرِها وإسْنادُ الأنْباءِ إلَيْها مَجازٌ، وضَمِيرُ ( مِنها ) لَها وضَمِيرُ ( ظَلَمْناهم ) لِلْأهْلِ المَفْهُومِ مِنها، وقِيلَ: ( القُرى ) مُجازٌ عَلى أهْلِها، والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلَيْها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ والضَّمِيرانِ لَهُ أيْضًا، وعَلى هَذا خَرَجَ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ مَعْنى ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها باقٍ نَسْلُهُ، ومِنها مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ إيذانٌ بِإهْلاكِ الأهْلِ فَيَكُونُ المَعْنى هُنا وما ظَلَمْناهم بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ اقْتَرَفُوا بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم ولا دَفَعَتْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ أيْ يَعْبُدُونَها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُوثِرَ صِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمْ لَها ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ –فَما- نافِيَةٌ لا اسْتِفْهامِيَّةٌ -وإنْ جَوَّزَهُ السَّمِينُ- وتَعَلُّقُ عَنْ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّفْعِ، و(مِنِ) الأخِيرَةُ صِلَةٌ ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِلدَّفْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ حِينَ مَجِيءِ عَذابِهِ مَنصُوبٌ –بِأغْنَتْ- وهَذا -عَلى ما في البَحْرِ- بِناءً عَلى خِلافِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبِ. وقُرِئَ -آلِهَتُهُمُ اللّاتِي- و( يَدْعُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو وصْفٌ لِلْآلِهَةِ كالَّتِي في المَشْهُورَةِ، وفِيهِ مُطابَقَةٌ صفحة 137 لِلْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ في (الَّتِي) لَكِنْ قِيلَ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ- إنَّ الَّتِي في جَمْعٍ غَيْرِ عالِمٍ أكْثَرُ مِنَ اللّاتِي، نَعَمْ إنَّ الآلِهَةَ قَدْ عُومِلَتْ في الآيَةِ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ لِأنَّ عَبَدَتَها نَزَّلُوها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَقِيلَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ اللّاتِي في تِلْكَ القِراءَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الأُلى أوِ الَّذِينَ، و–التَّتْبِيبُ- عَلى ما في البَحْرِ التَّخْسِيرُ، يُقالُ: تَبَّ خَسِرَ، وتَبَّبَهُ خَسِرَهُ. وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ التَّبَّ الخُسْرانُ والهَلاكُ، والتَّتْبِيبَ الإهْلاكُ، وفي القامُوسِ التَّبُّ والتَّبَبُ والتِّبابُ والتَّتْبِيبُ النَّقْصُ والخَسارُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالتَّخْسِيرِ، وكَذا أخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ: هم جَدَعُوا الأُنُوفَ فَأذْهَبُوها وهم تَرَكُوا بَنِي سَعْدٍ تِبابًا وحِينَئِذٍ فالمَعْنى فَما زادُوهم غَيْرَ تَخْسِيرٍ أوْ خَسارَةٍ لِنُفُوسِهِمْ حَيْثُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ عَلى عِبادَتِهِمْ لَها نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.

هود 11:102

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ والإهْلاكِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وهو عَلى ما قالَ السَّمِينُ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والكافُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً وأنْ تَكُونَ حَرْفِيَّةً، وقَدْ يُجْعَلُ المُشارُ إلَيْهِ الأخْذَ المَذْكُورَ بَعْدُ كَما تَحَقَّقَ قَبْلُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ. ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ أهْلَها وإنَّما أسْنَدَ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِسَرَيانِ أثَرِهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) عَلى أنَّ أخَذَ رَبُّكَ فِعْلٌ وفاعِلٌ، والظَّرْفُ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، وكَذَلِكَ عَلى هَذا سادٌّ مَسَدَّ المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ ولا مانِعَ مِن تَقَدُّمِهِ عَلى الفِعْلِ، والقُرى مُتَنازَعٌ لِلْمَصْدَرِ والفِعْلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( القُرى ) ولِذا أنَّثَ الضَّمِيرَ و( ظالِمَةٌ ) إلّا أنَّ وصْفَ القُرى بِالظُّلْمِ مَجازٌ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ أهْلِها وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُضافِ المُقَدَّرِ أوَّلًا وتَأْنِيثُهُ مُكْتَسَبٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ تُكَلُّفٌ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ أخْذَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إنْذارِ الظّالِمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالظُّلْمِ إمّا الكُفْرُ أوْ ما هو أعَمُّ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن إطْلاقِهِ أنَّهُ شامِلٌ لِظُلْمِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وغَيْرَهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ وجِيعٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لا يُرْجى مِنهُ الخَلاصُ وهَذا مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وآخَرُونَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾»

هود 11:103

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ أخْذِهِ سُبْحانَهُ لِلْأُمَمِ المُهْلَكَةِ أوْ فِيما قَصَّ مِن أخْبارِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَعَلامَةً، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالعِبْرَةِ لِما أنَّها تَلْزَمُها وهو حَسَنٌ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فَإنَّهُ إذا رَأى ما وقَعَ في الدُّنْيا بِالمُجْرِمِينَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ اعْتُبِرَ بِهِ حالُ العَذابِ المَوْعُودِ فَإنَّهُ عَصا مِن عَصِيِّهِ وقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وانْزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العَذابُ وأكَبَّ عَلى التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أُقِيمَ (مَن خافَ) إلَخْ مَقامَ مَن صَدَّقَ بِذَلِكَ لِما بَيْنَهُما صفحة 138 مِنَ اللُّزُومِ ولِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرَ هَذا القَيْدَ لِأنَّ مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ هَذا العالَمِ أسْنَدَ الحَوادِثَ إلى أسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِذَلِكَ أصْلًا، ولَمْ يَنْزَجِرْ عَنِ الضَّلالَةِ قَطْعًا، وقالَ: إنَّ ما وقَعَ إنَّما وقَعَ لِهاتَيْكِ الأسْبابِ والأوْضاعِ لا لِلْمَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفَتْها الأُمَمُ المُهْلَكَةُ. وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيما ذُكِرَ دَلِيلًا عَلى عَذابِ المُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِإجْرامِهِمْ -وهِيَ دارُ العَمَلِ- فَلَأنْ يُعَذَّبُوا في الآخِرَةِ عَلَيْهِ -وهِيَ دارُ الجَزاءِ- أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكَ بِاللَّهِ ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، وذَلِكَ أحَدُ الشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ فَيَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ لا مَحالَةَ، والتَّقْيِيدُ بِما ذُكِرَ هُنا كالتَّقْيِيدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وهو كَما تَرى (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ، فالنّاسُ نائِبُ فاعِلِ مَجْمُوعٍ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً و(مَجْمُوعٌ) خَبَرُهُ، وفِيهِ بُعْدٌ إذِ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ -وكانَ الظّاهِرُ- لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى ثُبُوتِ مَعْنى الجَمْعِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ وأنَّ النّاسَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ وإيضاحُهُ أنَّ في هَذا دَلالَةً عَلى لُزُومِ الوَصْفِ ولُزُومِ الإسْنادِ، وفي ذَلِكَ عَلى حُدُوثِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالمُخاطَبِينَ واخْتِصاصِهِ بِاليَوْمِ، ولِهَذا اسْتَدْرَكَهُ بِقَوْلِهِ: الجَمْعُ فَأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلى لُزُومِهِ لَهُ وإنَّما الحادِثُ جَمْعُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دُفْعَةً ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ يَوْمُ القِيامَةِ مَعَ مُلاحَظَةِ عُنْوانِ جُمَعِ النّاسِ لَهُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ مَشْهُودٌ فِيهِ فاتَّسَعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ ووَصَلَ الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ الدِّراكِ نَوافِلُهُ أيْ يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَ اليَوْمِ مَشْهُودًا بَلْ جُعِلَ مَشْهُودًا فِيهِ ولَمْ يُذْكَرِ المَشْهُودُ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا أنْ يَجْرِيَ عَلى اللِّسانِ وذَهابًا إلى أنْ لا مَجالَ لِالتِفاتِ الذِّهْنِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ: المَشْهُودُ هو الَّذِي كَثُرَ شاهِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ وطَعامٌ مَحْضُورٌ، ولِأُمِّ قَيْسٍ الضَّبِّيَّةِ: ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النّاطِقِينَ بِهِ ∗∗∗ في مَحْفِلٍ مِن نَواصِي النّاسِ مَشْهُودٍ واعْتَبَرُوا كَثْرَةَ شاهِدِيهِ نَظَرًا إلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُطْلَقَ اسْمُ المَشْهُودِ عَلى الإطْلاقِ عَلَيْهِ، ولَوْ جُعِلَ اليَوْمُ نَفْسَهُ مَشْهُودًا مِن غَيْرِ هَذا الِاعْتِبارِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ مِن تَعْظِيمِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ فَإنَّ سائِرَ الأيّامِ كَذَلِكَ لَكِنْ جاءَ الِامْتِيازُ مِن ذَلِكَ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ مِنَ الكَثْرَةِ المَهُولَةِ المُمَيَّزَةِ، وبِما ذَكَرَ يُعْلَمُ سُقُوطُ ما قِيلَ: الشُّهُودُ الحُضُورُ، واجْتِماعُ النّاسِ حُضُورُهم فَمَشْهُودٌ بَعْدَ مَجْمُوعٍ مُكَرَّرٌ

هود 11:104

﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمَ المَلْحُوظَ بِعُنْوانِ الجَمْعِ والشُّهُودِ، ونَقَلَ الحَوْفِيُّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ –يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ. ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فالعَدُّ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، وقَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ التَّناهِي، والأجَلُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ لِلشَّيْءِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى نِهايَتِها، ومَنعُ إرادَةِ ذَلِكَ هُنا لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَدِّ صفحة 139 فِي كَلامِهِمْ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَها بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها إمْكانُ المَعْنى الأصْلِيِّ، وتُعْقِّبَ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ أسْهَلُ مِنهُ، واللّامُ لِلتَّوْقِيفِ، وفي المَجْمَعِ أنَّها تَدُلُّ عَلى الغَرَضِ وأنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتِ التَّأْخِيرَ ولِذا عَدَلَ عَنْ إلى (إلَيْها) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ والفَلاسِفَةِ الزّاعِمِينَ أنَّهُ لا انْقِضاءَ لِمُدَّةِ الدُّنْيا وهو بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ