Tafsir Al-Alusi — النحل 16:69 – النحل 16:128
المحتويات
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
النحل 16:69
﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِها، وهي جَمْعُ ثَمَرَةٍ مُحَرَّكَةً حَمْلُ الشَّجَرَةِ، وأخَذَ بِظاهِرِ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: إنَّما تَأْكُلُ النَّوارَ مِنَ الأشْجارِ، ويُقالُ الثَّمَرَةُ لِلشَّجَرَةِ أيْضًا كَما في القامُوسِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ هُنا إذِ التَّخْصِيصُ بِحَمْلِ الشَّجَرِ خِلافُ الواقِعِ لِعُمُومِ أكْلِها لِلْأوْراقِ والأزْهارِ والثِّمارِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ الثَّمَرَةِ عَلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وكَوْنُها تَأْكُلُ مِن غَيْرِها غَيْرُ مَعْلُومٍ وغَيْرُ مُنافٍ لِلِاقْتِصارِ عَلى أكْلِ ما يَنْبُتُ فِيها والعُمُومُ في كُلٍّ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ عُرْفِيٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالعادَةِ أيْ كُلِي مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا جازَ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ
صفحة 183
مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ الأكْلُ مِنها لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّخْلِيَةِ والإباحَةِ، وأيًّا ما- فَمِن- لِلتَّبْعِيضِ.
وقالَ الإمامُ: رَأيْتُ في كُتُبِ الطِّبِّ أنَّهُ تَعالى دَبَّرَ هَذا العالَمِ عَلى وجْهٍ يَحْدُثُ في الهَواءِ ظِلٌّ لَطِيفٌ في اللَّيالِي ويَقَعُ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءُ لَطِيفَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ وقَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنها أجْزاءٌ مَحْسُوسَةٌ وهَذا مِثْلُ التَّرَنْجَبِينِ فَإنَّهُ ظِلٌّ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَجْتَمِعُ عَلى الأطْرافِ في بَعْضِ البُلْدانِ، وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَهو الَّذِي ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى النَّحْلَ حَتّى تَلْتَقِطَهُ مِنَ الأزْهارِ وأوْراقِ الأشْجارِ بِأفْواهِها وتَغْتَذِي بِهِ فَإذا شَبِعَتِ التَقَطَتْ بِأفْواهِها مَرَّةً أُخْرى شَيْئًا مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وذَهَبَتْ بِهِ إلى بُيُوتِها ووَضَعَتْهُ هُناكَ كَأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِها غِذاءَها فالمُجْتَمَعُ مِن ذَلِكَ هو العَسَلُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الأزْهارِ الطَّيِّبَةِ والأوْراقِ العَطِرَةِ أشْياءَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ تِلْكَ الأجْسامَ في داخِلِ بَدَنِها عَسَلًا ثُمَّ تَقِيئُهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى العَقْلِ وأشَدُّ مُناسَبَةً لِلِاسْتِقْراءِ، فَإنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ العَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ ولا شَكَّ أنَّهُ ظِلٌّ يَحْدُثُ في الهَواءِ ويَقَعُ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأزْهارِ فَكَذا هاهُنا، وأيْضًا فَنَحْنُ نُشاهِدُ أنَّ النَّحْلَ تَتَغَذّى بِالعَسَلِ حَتّى إنّا إذا أخْرَجَنا العَسَلَ مِن بُيُوتِها تَرَكْنا لَها بَقِيَّةً مِنهُ لِغِذائِها، وحِينَئِذٍ فَكَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ اه. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ﴿كُلِي﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الثّانِي وهو أشَدُّ تَأْيِيدًا لَهُ مِن تَأْيِيدِ مُشابَهَةِ التَّرَنْجَبِينِ لِلْعَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لا سِيَّما وطَبِيعَةُ العَسَلِ والتَّرَنْجَبِينِ مُخْتَلِفَةٌ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ الأطِبّاءِ أنَّ العَسَلَ حارٌّ في الثّالِثَةِ يابِسٌ في الثّانِيَةِ والتَّرَنْجَبِينُ حارٌّ في الأُولى رَطْبٌ في الثّانِيَةِ أوْ مُعْتَدِلٌ. نَعَمْ لِتِلْكَ المُشابَهَةِ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ العَسَلِ فَإنَّ تَرَنْجَبِينَ فارِسِيٌّ مَعْناهُ عَسَلٌ رَطْبٌ لا طَلُّ النَّدا كَما زُعِمَ وإنْ قالُوا: هو في الحَقِيقَةِ طَلٌّ يَسْقُطُ عَلى العاقُولِ بِفارِسَ ويُجْمَعُ كالمَنِّ، ويُجْلَبُ مِنَ التَّكْرُورِ شَيْءٌ يُسَمّى بِلِسانِهِمْ طَنِيطٌ أشْبَهُ الأشْياءِ بِهِ في الصُّورَةِ والفِعْلِ لَكِنَّهُ أغْلَظُ، والأمْرُ في مُشاهَدَةِ تَغَذِّيها بِالعَسَلِ سَهْلٌ فَإنَّهُ لَيْسَ دائِمِيًّا، ويُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ الطُّيُورِ الَّتِي تَكْمُنُ شِتاءَ التَّغَذِّي بِالرَّجِيعِ. ويُؤَيِّدُ المَشْهُورَ ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في تَحْقِيرِ الدُّنْيا: أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيهِ لُعابُ دُودَةٍ وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلٍ، وجاءَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا أمّا العَسَلُ فَوَنِيمُ ذُبابٍ.
وحَمْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ خِلافُ الظّاهِرِ وعَلى ذَلِكَ نُظِّمَتِ الأشْعارُ فَقالَ المَعَرِّي:
والنَّحْلُ يَجْنِي المُرَّ مِن زَهْرِ الرُّبا فَيَعُودُ شَهْدًا في طَرِيقِ رُضابِهِ
وقالَ الحَرِيرِيُّ:
تَقُولُ هَذا مُجاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ ∗∗∗ وإنْ تُرِدْ ذَمَّهُ قَيْءُ الزَّنابِيرِ
وأخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ كَثِيرًا حَمْلَها لِأوْراقِ الأزْهارِ بِفَمِها إلى بُيُوتِها وهو مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْأكْلِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أيْ طُرُقَهُ سُبْحانَهُ راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ بَعْدَ الأكْلِ، فالمُرادُ بِالسُّبُلِ مَسالِكُها في العَوْدِ، ويُحْكى أنَّها رُبَّما أجْدَبَ عَلَيْها ما حَوْلَها فانْتَجَعَتِ الأماكِنَ البَعِيدَةَ لِلْمَرْعى ثُمَّ تَعُودُ إلى بُيُوتِها لا تَضِلُّ عَنْها، وفي إضافَةِ السُّبُلِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِها إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُهَيِّئُ لِذَلِكَ والمُيَسِّرُ لَهُ والقائِمُ بِمَصالِحِها ومَعايِشِها، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّبُلِ طُرُقُ الذَّهابِ إلى مَظانِّ ما تَأْكُلُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ فَمَعْنى ﴿كُلِي﴾ اقْصُدِي الأكْلَ، وقِيلَ: السُّبُلُ مَجازٌ عَنْ طُرُقِ العَمَلِ وأنْواعِها أيْ فاسْلُكِي الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ رَبُّكِ في عَمَلِ العَسَلِ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنْ طُرُقِ إحالَةِ الغِذاءِ عَسَلًا، و«اسْلُكِي» مُتَعَدٍّ مِن
صفحة 184
سَلَكْتُ الخَيْطَ في الإبْرَةِ سَلْكًا لا لازِمَ مِن سَلَكَ في الطَّرِيقِ سُلُوكًا، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فاسْلُكِي ما أكَلْتِ في مَسالِكِهِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ فِيها بِقُدْرَتِهِ النَّوْرُ المُرُّ عَسَلًا مِن أجْوافِكِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ السَّلْكَ في تِلْكَ المَسالِكِ لَيْسَ فِيهِ لَها اخْتِيارٌ حَتّى تُؤْمَرَ بِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الأمْرُ تَكْوِينِيًّا، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الإدْخالَ بِاخْتِيارِها فَلا يَضُرُّهُ كَوْنُ الإحالَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً وهو ظاهِرٌ فَلَيْسَ كَما زُعِمَ ﴿ذُلُلا﴾ أيْ مُذَلَّلَةً ذَلَّلَها اللَّهُ تَعالى وسَهَّلَها لَكِ فَهو جَمْعُ ذَلُولٍ حالٌ مِنَ السُّبُلِ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ.
وجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وصْفَ السُّبُلِ بِالذُّلُلِ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّبُلِ مَسالِكُ الغِذاءِ لا طُرُقُ الذَّهابِ أوِ الإيابِ قالَ: لِأنَّ النَّحْلَ تَذْهَبُ وتَؤُوبُ في الهَواءِ وهو لَيْسَ طُرُقًا ذُلُلًا لِأنَّ الذَّلُولَ هو الَّذِي يُذَلَّلُ بِكَثْرَةِ الوَطْءِ والهَواءُ لَيْسَ كَذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وقالَ قَتادَةُ: أيُّ مُطِيعَةً مُنْقادَةً فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فاسْلُكِي﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ اسْتِئْنافٌ عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ إلى الكَلامِ مَعَ النّاسِ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَوْضِعُ عِبْرَتِهِمْ بَعْدَ ما أُمِرَتْ بِما أُمِرَتْ ﴿شَرابٌ﴾ يَعْنِي العَسَلَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِمّا يُشْرَبُ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ: أكَلْتُ عَسَلًا وإنَّما يُقالُ: شَرِبْتُ عَسَلًا، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يُعَبِّرْ بِالإخْراجِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى اكْتِفاءً بِإسْنادِ الإيحاءِ بِالمَبادِي إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفِيهِ إيذانٌ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِحَيْثُ إنَّ ما يُشْعِرُ بِإرادَةِ الشَّيْءِ كافٍ في حُصُولِهِ. (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الغايَةِ الأُولى وهي البُطُونُ ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الغايَةِ الأخِيرَةِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ مِن أفْواهِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أبْلَغُ في القُدْرَةِ، وبَيْتُ الحَرِيرِيِّ عَلى ذَلِكَ وكَذا قَوْلُ الحَسَنِ: لَبابُ البِرِّ بِلُعابِ النَّحْلِ بِخالِصِ السَّمْنِ ما عابَهُ مُسْلِمُ وقِيلَ: مِن أدْبارِها وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: لا نَدْرِي إلّا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى. وحُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ والإسْكَنْدَرُ وأرِسْطُو صَنَعُوا لَها بُيُوتًا مِن زُجاجٍ لِيَنْظُرُوا إلى كَيْفِيَّةِ صَنِيعِها وهَلْ يَخْرُجُ العَسَلُ مِن فِيها أمْ مِن غَيْرِهِ فَلَمْ تَضَعْ مِنَ العَسَلِ شَيْئًا حَتّى لَطَّخَتْ باطِنَ الزُّجاجِ بِالطِّينِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالبُطُونِ الأفْواهُ، وسُمِّيَ الفَمُ بَطْنًا لِأنَّهُ في حُكْمِهِ ولِأنَّهُ مِمّا يُبْطَنُ ولا يَظْهَرُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها تَلْتَقِطُ الذَّرّاتِ الصَّغِيرَةَ مِنَ الطَّلِّ وتَدَّخِرُها في بُيُوتِها وهو العَسَلُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ البَطْنِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ فالآيَةُ تُؤَيِّدُ القَوْلَ المَشْهُورَ في تَكَوُّنِ العَسَلِ. وفي الكَشْفِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ لِمَعِدَةِ النَّحْلِ في ذَلِكَ تَأْثِيرًا وهو المُخْتارُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ، ومَن جَعَلَ العَسَلَ نَباتِيًّا مَحْضًا وفَسَّرَ البُطُونَ بِأفْواهِ النَّحْلِ فَلَيْتَ شِعْرِي ماذا يَصْنَعُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُفَسِّرُ الأكْلَ بِالِالتِقاطِ وهو كَما تَرى أنَّ دَفْعَ الفَسادِ لا يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّها تَجْتَنِي زَهْرًا وطَلًّا فالمُجْتَنى مِنَ الزَّهْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَسَلًا والمُجْتَنى مِنَ الطَّلِّ يَكُونُ مُومًا والعَقْلُ يُجَوِّزُ العَكْسَ ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ بِالبَياضِ والصُّفْرَةِ والحُمْرَةِ والسَّوادِ إمّا لِمَحْضِ إرادَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ وإمّا لِاخْتِلافِ المَرْعى أوْ لِاخْتِلافِ
صفحة 185
الفَصْلِ أوْ لِاخْتِلافِ سِنِّ النِّحَلِ، فالأبْيَضُ لِفَتِيِّها والأصْفَرُ لِكَهْلِها والأحْمَرُ لِمُسِنِّها والأسْوَدُ لِلطّاعِنِ في ذَلِكَ جِدًّا.
وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ سَألْتُ جَمْعًا مِمَّنْ أثِقُ بِهِمْ قَدِ اخْتَبَرُوا أحْوالها فَذَكَرُوا أنَّهم قَدِ اسْتَقْرَؤُوا وسَبَرُوا فَرَأوْا أقْوى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ لِاخْتِلافِ الألْوانِ اخْتِلافُ السِّنِّ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: ما عَلِمْنا لِذَلِكَ سَبَبًا إلّا هَذا بِالِاسْتِقْراءِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُؤَيِّدًا لِلْقَوْلِ المَشْهُورِ في تَكَوُّنِ العَسَلِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.
﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ لا يَكُونُ فِيهِ عَسَلٌ فَلَهُ دَخْلٌ في أكْثَرِ ما بِهِ الشِّفاءُ مِنَ المَعاجِينِ والتَّراكِيبِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ دُخُولَهُ في ذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الشِّفاءِ بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ إذْ قِيلَ: إنَّ إدْخالَهُ في التَّراكِيبِ لِحِفْظِها ولِذا نابَ عَنْهُ في ذَلِكَ السُّكَّرُ، والَّذِي رَأيْناهُ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الطِّبِّ أنَّهُ يَحْفَظُ قُوى الأدْوِيَةِ طَوِيلًا ويُبَلِّغُها مَنافِعَها، ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّ ما يَحْفَظُ القُوى ويُبَلِّغُ مَنافِعَ الدَّواءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّ لَهُ دَخْلًا في الشِّفاءِ، ولَمْ يَشْتَهِرْ أنَّ السُّكَّرَ يَنُوبُ مَنابَهُ في ذَلِكَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ العَسَلَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا في أكْثَرِ البِلادِ وأمّا السُّكَّرُ فَمُخْتَصٌّ بِهِ بَعْضُ البِلادِ وهو مُحْدَثٌ مَصْنُوعٌ لِلْبَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأزْمانِ يُجْعَلُ في الأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ إلّا العَسَلَ اه، وفي شَرْحِ الشَّمائِلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَأْكُلِ السُّكَّرَ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالنّاسِ هُنا العُمُومَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ لا يَدْخُلُ في دَوائِها العَسَلُ كَأمْراضِ الصَّفْراءِ فَإنَّهُ مُضِرٌّ لِلصَّفْراوِيِّ، ولَوْ يُسَلَّمُ أنَّ السَّكَنْجَبِينَ الَّذِي هو خَلٌّ وعَسَلٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أصْلُ مَعْناهُ نافِعٌ لَهُ، والنّافِعُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ السَّكَنْجَبِينِ فَإنَّهُ نُقِلَ إلى ما رُكِّبَ مِن حامِضٍ وحُلْوٍ، ولَهُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ أُلِّفَتْ في جَمْعِها الرَّسائِلُ حَتّى قالُوا بِحُرْمَةِ تَناوُلِهِ عَلَيْهِ وإنَّما المُرادُ بِالنّاسِ الَّذِينَ يُنْجَعُ العَسَلُ في أمْراضِهِمْ، والتَّنْوِينُ في ( شِفاءٌ ) إمّا لِلتَّعْظِيمِ أيْ شِفاءٌ أيَّ شِفاءٍ، وإمّا لِلتَّبْعِيضِ أيْ فِيهِ بَعْضُ الشِّفاءِ فَلا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شِفاءٍ بِهِ ولا أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْتَشْفِي بِهِ.
ولا يَرِدُ أنَّ اللَّبَنَ أيْضًا كَذَلِكَ بَلْ قَلَّما يُوجَدُ شَيْءٌ مِنَ العَقاقِيرِ إلّا وفِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ بِهَذا المَعْنى لَمّا قِيلَ: إنَّ التَّنْصِيصَ عَلى هَذا الحُكْمِ فِيهِ لِإفادَةِ ما يَكادُ يُسْتَبْعَدُ مِنِ اشْتِمالِ ما يَخْرُجُ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِهِ مِن هَذِهِ الدُّودِ الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِذَواتِ السُّمُومِ ولَعَلَّها ذاتَ سُمٍّ أيْضًا فَإنَّها تَلْسَعُ وتُؤْلِمُ وقَدْ يَرِمُ الجِلْدُ مِن لَسْعِها وهو ظاهِرٌ في أنَّها ذاتَ سُمٍّ عَلى ﴿شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَلامَ عَلى عُمُومِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ لا يَشْكُو قُرْحَةً ولا شَيْئًا إلّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا حَتّى الدُّمَّلُ إذا كانَ بِهِ طَلاهُ عَسَلًا فَقُلْنا لَهُ: تُداوِي الدُّمَّلَ بِالعَسَلِ فَقالَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ ؟
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِمُداواةِ الدُّمَّلِ بِالعَسَلِ فَقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّهُ يُنَقِّي الجُرُوحَ ويَدْمُلُ ويَأْكُلُ اللَّحْمَ الزّائِدَ
والحَقُّ أنَّهُ لا مَساغَ لِلْعُمُومِ إذْ لا شَكَّ في وُجُودِ مَرَضٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ العَسَلُ، والآثارُ المُشْعِرَةُ بِالعُمُومِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها. وأمّا ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا قالَ: اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما زادَهُ إلّا
صفحة 186
اسْتِطْلاقًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكِ اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَذَهَبَ فَسَقاهُ فَبَرَأ»».
فَلَيْسَ صَرِيحًا في العُمُومِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ داءَ هَذا المُسْتَطْلِقِ مِمّا يُشْفى بِالعَسَلِ فَإنَّ بَعْضَ الِاسْتِطْلاقِ قَدْ يُشْفى بِالعَسَلِ، فَفي طَبَقاتِ الأطِبّاءِ أنَّهُ إنَّما قالَ ﷺ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ في مَعِدَةِ المَرِيضِ رُطُوباتٍ لَزِجَةً غَلِيظَةً قَدْ أزْلَقَتْ مَعِدَتَهُ فَكُلَّما مَرَّ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأدْوِيَةِ القابِضَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ والرُّطُوباتُ باقِيَةٌ عَلى حالِها والأطْعِمَةُ تَزْلَقُ عَنْها فَيَبْقى الإسْهالُ فَلَمّا تَناوَلَ العَسَلَ جَلّا تِلْكَ الرُّطُوباتِ وأحْدَرَها فَكَثُرَ الإسْهالُ أوَّلًا بِخُرُوجِها وتَوالِي ذَلِكَ حَتّى نَفَذَتِ الرُّطُوبَةُ بِأسْرِها فانْقَطَعَ إسْهالُهُ وبَرِئَ، فَقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَدَقَ اللَّهُ تَعالى» يَعْنِي بِالعِلْمِ الَّذِي عَرَّفَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ،
وقَوْلُهُ «كَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» يَعْنِي ما كانَ يَظْهَرُ مِن بَطْنِهِ مِنَ الإسْهالِ وكَثْرَتِهِ بِطَرِيقِ العَرْضِ ولَيْسَ هو بِإسْهالٍ ومَرَضٍ حَقِيقِيٍّ فَكانَ بَطْنُهُ كاذِبًا اه. وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ- بِصِدْقِ اللَّهِ تَعالى- صَدَقَ سُبْحانَهُ في أنَّ العَسَلَ فِيهِ الشِّفاءُ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««كَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ»» مِنَ المُشاكَلَةِ الضِّدْيَةِ كَقَوْلِهِمْ: مَن طالَتْ لِحْيَتُهُ تَكَوْسَجَ عَقْلُهُ، وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ البَطْنِ بِالكاذِبِ في كَوْنِ ما ظَهَرَ مِن إسْهالِها لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقِيٍّ وإنَّما هو لِما عَرَضَ لَها، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأطِبّاءِ: زَحِيرٌ كاذِبٌ وزَحِيرٌ صادِقٌ. وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا النَّوْعَ مِنَ المُشاكَلَةِ وقالَ: إنَّها لَيْسَتْ مَعْرُوفَةً وإنَّهُ إنَّما عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ بَطْنَهُ كَأنَّهُ كَذَّبَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلِسانِ حالِهِ وهو ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ. وقَدْ وقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمَنِ المَأْمُونِ، وذَلِكَ أنَّ ثُمامَةَ العَبْسِيَّ وكانَ مِن خَواصِّهِ مَرِضَ بِالإسْهالِ فَكانَ يَقُومُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وعَجَزَ الأطِبّاءُ عَنْ عِلاجِهِ فَعالَجَهُ يَزِيدُ بْنُ يُوحَنّا طَبِيبُ المَأْمُونِ بِالمُسَهِّلِ أيْضًا فَبَرِئَ وكانَ قَدْ ظَنَّ الأطِبّاءُ أنَّهُ يَمُوتُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ولا يَبْقى لِغَدِهِ، وذَكَرَ الطَّبِيبُ حِينَ سَألَهُ المَأْمُونُ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ فِيما فَعَلَ فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ في جَوْفِ الرَّجُلِ كَيْمُوسٌ فاسِدٌ فَلا يَدْخُلُهُ غِذاءٌ ولا دَواءٌ إلّا أفْسَدَهُ فَعَلِمْتُ أنَّهُ لا عِلاجَ لَهُ إلّا قَلْعُ ذَلِكَ بِالإسْهالِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الطِّبِّ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وكَذا يُعْلَمُ أنَّ ما طَعَنَ بِهِ بَعْضُ المُلْحِدِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ مِن أنَّهُ كَيْفَ يُداوِي الإسْهالَ بِالعَسَلِ وهو مُسَهِّلٌ بِاتِّفاقِ الأطِبّاءِ ناشِئٌ عَنِ الجَهْلِ بِالدَّقائِقِ وعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى الحَقائِقِ. ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والفَرّاءِ، وابْنِ كَيْسانَ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ ضَمِيرَ ( فِيهِ ) لِلْقُرْآنِ والمُرادُ أنَّ في القُرْآنِ شِفاءً لِأمْراضِ الجَهْلِ والشِّرْكِ وهُدًى ورَحْمَةً، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ ابْنُ النَّحّاسِ.
وقالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ العَرَبِيُّ: أرى هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ نَقْلُهُ عَنْ هَؤُلاءِ ولَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحَّ عَقْلًا فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ كُلِّهِ لِلْعَسَلِ لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْرٌ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْكِتابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُهُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الكِرامِ والعُلَماءُ الأعْلامُ. نَعَمْ كَوْنُ القُرْآنِ شِفاءً مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَلَيْكم بِالشِّفاءَيْنِ العَسَلِ والقُرْآنِ» هَذا.
وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْ إنْزالِ الماءِ لِما أنَّ الماءَ أتَمُّ نَفْعًا وأعْظَمُ شَأْنًا وهو أصْلٌ أصِيلٌ لِتَكَوُّنِ اللَّبَنِ وما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذُكِرَ اللَّبَنُ لِأنَّهُ يُحْتاجُ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ مِمّا ذُكِرَ بَعْدَهُ، وقَدْ يُسْتَغْنى بِشُرْبِهِ عَنْ شُرْبِ الماءِ كَما شاهَدْنا ذَلِكَ مِن بَعْضِ مُتَزَهِّدِي زَمانِنا فَقَدْ تَرَكَ شُرْبَ الماءِ عِدَّةً مِنَ السِّنِينَ مُكْتَفِيًا بِشُرْبِ اللَّبَنِ، وسَمْعِنا نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ رُؤَساءِ الأعْرابِ، وهو الدَّلِيلُ عَلى الفِطْرَةِ ولِذَلِكَ اخْتارَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ وعُرِضَ عَلَيْهِ مَعَ الخَمْرِ والعَسَلِ، ثُمَّ الخَمْرُ لِأنَّها أقْرَبُ إلى الماءِ مِنَ العَسَلِ فَإنَّها ماءُ العِنَبِ ولَمْ يُعْهَدْ
صفحة 187
جَعْلُها إدامًا كالعَسَلِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُؤْدَمُ بِهِ الخُبْزُ ويُؤْكَلُ، وبَيْنَها وبَيْنَ اللَّبَنِ نَوْعُ مُشابَهَةٍ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أجْزاءٍ كَثِيفَةٍ وما أشْبَهَ ثِقَلَهُ بِالفَرْثِ، وإذا لُوحِظَ السَّوْغُ في اللَّبَنِ وعَدَمُهُ في الخَمْرِ بِناءً عَلى ما يَقُولُونَ: إنَّها لَيْسَتْ سَهْلَةَ المُرُورِ في الحَلْقِ ولِذا يُقَطِّبُ شارِبُها عِنْدَ الشُّرْبِ وقَدْ يَغُصُّ بِها كانَ بَيْنَهُما نَوْعٌ مِنَ التَّضادِّ، ويَحْسُنُ إيقاعُ الضِّدِّ بَعْدَ الضِّدِّ كَما يَحْسُنُ إيقاعُ المِثْلِ بَعْدَ المِثْلِ، وإذا لُوحِظَ مَآلُ أمْرِهِما شَرْعًا رَأيْتَ أنَّ الخَمْرَ لَمْ يَسُغْ شُرْبُها بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ فِيهِ وشُرْبُ اللَّبَنِ لَمْ يَزَلْ سائِغًا وبِذَلِكَ يَقْوى التَّضادُّ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا أنَّ اللَّبَنَ يَخْرُجُ مِن بَطْنِ حَيَوانٍ ولا دَخْلَ لِعَمَلِ البَشَرِ فِيهِ والخَمْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأمّا ذِكْرُ الرِّزْقِ الحَسَنِ بَعْدَ الخَمْرِ وتَقْدِيمُهُ عَلى العَسَلِ فالوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ جِدًّا، ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ في وجْهِ تَقْدِيمِ الخَمْرِ عَلى العَسَلِ وذِكْرِهِ بَعْدَ اللَّبَنِ أقْوى مِمّا يَصِحُّ اعْتِبارُهُ في العَسَلِ وجْهًا لِتَقْدِيمِهِ عَلى الخَمْرِ وذِكْرِهِ بَعْدَ اللَّبَنِ، فَلا يَرِدُ أنَّ في كُلِّ جِهَةٍ تَقْدِيمًا فاعْتِبارُها في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وقَدْ جاءَ ذِكْرُ الماءِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والعَسَلِ في وصْفِ الجَنَّةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قالَ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [مُحَمَّدٍ: 15] فَتَأمَّلَ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والأفْعالِ العَجِيبَةِ الَّتِي مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْها وخُرُوجِ هَذا الشَّرابِ الحُلْوِ المُخْتَلِفِ الألْوانِ وتَضَمُّنِهِ الشِّفاءَ جَزْمٌ قَطْعًا أنَّ لَها رَبًّا حَكِيمًا قادِرًا ألْهَمَها ما ألْهَمَ وأوْدَعَ فِيها ما أوْدَعَ، ولَمّا كانَ شَأْنُها في ذَلِكَ عَجِيبًا يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَأمُّلٍ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآيَةَ بِالتَّفَكُّرِ. ومِن بِدَعِ تَأْوِيلاتِ الرّافِضَةِ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالنَّحْلِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقَوْمَهُ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ عِنْدَ المَهْدِيِّ: إنَّما النَّحْلُ بَنُو هاشِمٍ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهِمُ العِلْمُ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى طَعامَكَ وشَرابَكَ مِمّا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهِمْ فَضَحِكَ المَهْدِيُّ وحَدَّثَ بِهِ المَنصُورَ فاتَّخَذُوهُ أُضْحُوكَةً مِن أضاحِيكِهِما، وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في بابِ الإشارَةِ،
النحل 16:70
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وتَطَوُّراتِهِ بَيْنَ ذَلِكَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ ولِذا قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَمِنكم مَن تَعَجَّلَ وفاتَهُ ومِنكم إلَخْ، (وأرْذَلِ العُمُرِ) أخَسُّهُ وأحْقَرُهُ وهو وقْتُ الهَرَمِ الَّذِي تَنْقُصُ فِيهِ القُوى وتَفْسَدُ الحَواسُّ ويَكُونُ حالُ الشَّخْصِ فِيهِ كَحالِهِ وقْتَ الطُّفُولِيَّةِ مِن ضَعْفِ العَقْلِ والقُوَّةِ. ومِن هُنا تَصَوَّرِ الرَّدَّ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: 68] فَفِيهِ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ «أرْذَلَ العُمُرِ» خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ تِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وتِسْعُونَ واخْتارَ جَمْعٌ تَفْسِيرَهُ بِما سَبَقَ وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ فَرُبَّ مُعَمَّرٍ لَمْ تَنْتَقِصْ قُواهُ ومُنْتَقَصُ القُوى لَمْ يُعَمَّرْ، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ مَبْنِيٌّ عَلى الأغْلَبِ عِنْدَ مَن قَيَّدَ.
والخِطابُ إنْ كانَ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ فالتَّعْبِيرُ بِالماضِي والمُسْتَقْبَلِ فِيهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ عامًّا فالمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتِ وُجُودِهِمْ والِاسْتِقْبالُ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الظّاهِرِ أنَّ ( مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ)
صفحة 188
يَعُمُّ المُؤْمِنَ مُطْلَقًا والكافِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ والمُسْلِمِ لا يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التِّينِ: 5، 6] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، والمُشاهَدَةُ تُكَذِّبُ كِلا القَوْلَيْنِ فَكَمْ رَأيْنا مُسْلِمًا قارِئَ القُرْآنِ قَدْ رُدَّ إلى ذَلِكَ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى خِلافِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وكانَ مِن دُعائِهِ ﷺ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ: «أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ والكَسَلِ وأرْذَلِ العُمُرِ وعَذابِ القَبْرِ وفِتْنَةِ الدَّجّالِ وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ».
﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ وهي في الأصْلِ لِلتَّعْلِيلِ وكَيْ مَصْدَرِيَّةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِها والمُنْسَبِكُ مَجْرُورٌ بِاللّامِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ- بِـ يُرَدُّ، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ دَخَلَتْ عَلى كَيْ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ النِّسْيانِ أيْ لِيَصِيرَ نَسّاءً بِحَيْثُ إذا كَسَبَ عِلْمًا في شَيْءٍ لَمْ يَنْشَبْ أنْ يَنْساهُ ويَزُلْ عَنْهُ عِلْمُهُ مِن ساعَتِهِ يَقُولُ لَكَ: مَن هَذا؟ فَتَقُولُ: فُلانٌ فَما يَلْبَثُ لَحْظَةً إلّا سَألَكَ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ لِئَلّا يَعْلَمَ زِيادَةَ عِلْمٍ عَلى عِلْمِهِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ مِن بَعْدِ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا فالعِلْمُ بِمَعْنى العَقْلِ لا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما في سابِقِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوفِهِ وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمٍ زائِدٍ، والوَجْهُ المُعْتَمَدُ الأوَّلُ، ونَصَبَ- شَيْئًا- عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ فِيهِ التَّنازُعُ بَيْنَ يَعْلَمَ وعِلْمٍ، وكَوْنُ مَفْعُولِ- عِلْمٍ- مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ أيْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ما بَعْدَ عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ ومِن ذَلِكَ وجْهُ الحِكْمَةِ في الخَلْقِ والتَّوَفِّي والرَّدِّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿قَدِيرٌ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ ما يَشاؤُهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ ويُبْقِي الهَرَمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ الآجالِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ رَتَّبَ الأبْنِيَةَ وعَدَلَ الأمْزِجَةَ عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى القَطائِعِ لَما بَلَغَ هَذا المَبْلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَعْرِضُ في الهَرَمِ مِن ضَعْفِ القُوى والقُدْرَةِ وانْتِفاءِ العِلْمِ ذَكَرَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى العِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ لا يَتَغَيَّرانِ بِمُرُورِ الأزْمانِ كَما يَتَغَيَّرُ عِلْمُ البَشَرِ وقُدْرَتُهُمْ، ويُفِيدُ الِاسْتِمْرارُ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ، والكَمالُ صِيغَةُ فَعِيلٍ، وقَدَّمَ صِفَةَ العِلْمِ لِتَجاوُزِ انْتِفاءِ العِلْمِ عَنِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ تَعَلُّقَ صِفَةِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ أوَّلُ لِتَعَلُّقِهِ صِفَةَ القُدْرَةِ بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الأوْلى مِنَ الثَّلاثَةِ فَتَدَبَّرْ.
النحل 16:71
﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ أيْ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ فَأعْطاكم مِنهُ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَمالِيكَكم ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ فِيهِ عَلى غَيْرِهِمْ وهُمُ المُلّاكُ ﴿بِرادِّي﴾ أيْ بِمُعْطِي ﴿رِزْقِهِمْ﴾ الَّذِي رَزَقَهم إيّاهُ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمُ الَّذِينَ هم شُرَكاؤُهم في المَخْلُوقِيَّةِ والمَرْزُوقِيَّةِ ﴿فَهُمْ﴾ أيِ المُلّاكُ الَّذِينَ فُضِّلُوا والمَمالِيكُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في الرِّزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ لا تَفاضُلَ بَيْنَهُمْ، والجُمْلَةُ اسْمِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلٍ مَنصُوبٍ في جَوابِ النَّفْيِ أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَوُوا فِيهِ ويَشْتَرِكُوا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في تَأْوِيلِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (بِرادِّي) أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَوُونَ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوْبِيخُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ وتَقْرِيعُهم والتَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تَرْضَوْنَ بِشَرِكَةِ عَبِيدِكم لَكم بِشَيْءٍ لا يَخْتَصُّ بِكم بَلْ يَعُمُّكم وإيّاهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هم أُسْوَةٌ لَكم في اسْتِحْقاقِهِ وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ فَما بالُكم تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ
صفحة 189
والمَعْبُودِيَّةِ الخاصَّةِ بِذاتِهِ تَعالى لِذاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي هو بِمَعْزِلٍ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وهو عَلى ما صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [الرُّومِ: 28] يَعْنُونَ بِذَلِكَ أنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ، وفي قَوْلِهِ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قَرِينَةٌ- كَما قِيلَ- عَلى ذَلِكَ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ عَلى مُقَدَّرٍ وهي داخِلَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلى الفِعْلِ أعْنِي (يَجْحَدُونَ) ولِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ جِيءَ بِالباءِ في مَعْمُولِهِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإبْهامِ الِاخْتِصاصِ مُبالَغَةً أوْ لِرِعايَةِ رُءُوسِ الآيِ، والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ قِيلَ: الرِّزْقُ وقِيلَ ولَعَلَّهُ الأوْلى: ما يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ أيْ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ تَعالى حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الإشْراكِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُضِيفُوا ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النِّعَمِ إلى شُرَكائِهِمْ ويَجْحَدُوا كَوْنَهم مِن عِنْدِهِ جَلَّ وعَلا، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن إقامَةِ الحُجَجِ وإيضاحِ السُّبُلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا نِعْمَةَ أجْلُّ مَن ذَلِكَ، فَمَعْنى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ إنْكارُهُ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، وصِيغَةُ الغِيبَةِ لِرِعايَةِ (فَما الَّذِينَ) وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ رِعايَةً لِبَعْضِكُمْ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ وأنَّ المُفَضَّلِينَ لا يَرُدُّونَ مِن رِزْقِهِمْ عَلى مَن دُونَهم شَيْئًا وإنَّما أنا رازِقُهم فالمالِكُ والمَمْلُوكُ في أصْلِ الرِّزْقِ سَواءٌ وإنْ تَفاوَتا كَمًّا وكَيْفًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإعْجابِ والمَنِّ اللَّذَيْنِ هُما مُقَدِّمَتا الكُفْرانِ.
والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا أيْ أيَعْجَبُونَ ويَمُنُّونَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ألا يَفْهَمُونَ فَيَجْحَدُونَ واخْتارَ في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ مَمالِيكَكم وهم بَشَرٌ مِثْلُكم وإخْوانُكم وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضْلَ ما رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ حَتّى تُساوُوا في المَلْبَسِ والمَطْعَمِ كَمًّا يُحْكى عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ««إنَّما هم إخْوانُكم فاكْسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ وأطْعِمُوهم مِمّا تَطْعَمُونَ»».
فَمًا رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ورِداؤُهُ رِداؤُهُ وإزارُهُ إزارُهُ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَكم عَلى أمْثالِكم فَكانَ عَلَيْكم أنْ تَرُدُّوا مِن ذَلِكَ الفَضْلِ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ تَعالى لِتَكُونُوا سَواءً في ذَلِكَ الفَضْلِ ويَبْقى لَكم فَضْلُ الإفْضالِ والتَّفَضُّلِ. فالآيَةُ حَثٌّ عَلى حُسْنِ المِلْكَةِ وأدْمَجَ أنَّهم وعَبِيدَهم مَرْبُوبُونَ بِنِعْمَتِهِ تَعالى ذَلِكَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ فِيها لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِكُفْرانِهِمْ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ السَّوابِغَ إلى أنْ جَعَلُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْدادًا لا تَمِلِكُ لِنَفْسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا فَعَبَدُوها عِبادَتَهُ تَعالى أوْ أشَدَّ وأسَدَّ، وفي ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والعَطْفُ فِيهِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا كَألا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ.
النحل 16:72
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم ونَوْعِكم وهو مَجازٌ في ذَلِكَ، والأشْهَرُ مِن مَعانِي النَّفْسِ الذّاتُ ولا يَسْتَقِيمُ هُنا كَغَيْرِهِ فَلِذا ارْتَكَبَ المَجازَ وهو إمّا في المُفْرَدِ أوِ الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَنْكِحَ مِنَ الجِنِّ ﴿أزْواجًا﴾ لِتَأْنَسُوا بِها وتُقِيمُوا بِذَلِكَ مَصالِحَكم ويَكُونَ أوْلادُكم أمْثالَكم.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا خَلْقُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ جَمْعُ الأنْفُسِ والأزْواجِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وكَذا كَوْنُ المُرادِ مِنهُما بَعْضَ الأنْفُسِ وبَعْضَ الأزْواجِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنها فَوَضَعَ الظّاهِرَ
صفحة 190
مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ جَعَلَ لَكم مِنكم مَن زَوْجِهِ لا مِن زَوْجِ غَيْرَهُ ﴿بَنِينَ﴾ وبِأنَّ نَتِيجَةَ الزَّواجِ هو التَّوالُدُ ﴿وحَفَدَةً﴾ جَمْعُ حافِدٍ كَكاتِبٍ وكَتَبَةٍ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا إذا أسْرَعَ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««إلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ»» وقالَ جَمِيلٌ:
حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ
وقَدْ ورَدَ الفِعْلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ:
يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلِّ
وجاءَ في لُغَةٍ- كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أحْفَدَ إحْفادًا، وقِيلَ: الحَفْدُ سُرْعَةُ القَطْعِ، وقِيلَ: مُقارَبَةُ الخَطْوِ، والمُرادُ بِالحِفَدَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. والأزْهَرِيُّ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ أوْلادُ الأوْلادِ، وكَوْنُهم مِنَ الأزْواجِ حِينَئِذٍ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: البَناتُ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ إيذانًا بِوَجْهِ المِنَّةِ فَإنَّهُنَّ في الغالِبِ يَخْدُمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ، وقِيلَ: البَنُونَ والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ البُنُوَّةِ والخِدْمَةِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا بِإعْطاءِ الجامِعِ لِهَذِهِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَ لَكم مِنهُنَّ أوْلادًا هم بَنُونَ وهم حافِدُونَ أيْ جامِعُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ البَنِينَ صِغارُ الأوْلادِ والحَفَدَةَ كِبارُهُمْ، وكَذا ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ مِنَ العَكْسِ، وكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نَظَرَ إلى أنَّ الكِبارَ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ (1) ومُقاتِلٌ نَظَرَ إلى أنَّ الصِّغارَ أقْرَبُ لِلِانْقِيادِ لَها وامْتِثالِ الأمْرِ بِها واعْتَبَرَ الحَفْدَ بِمَعْنى مُقارَبَةِ الخَطِّ، وقِيلَ: أوْلادُ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُمُ الأُخْتانِ وأُرِيدَ بِهِمْ- عَلى ما قِيلَ- أزْواجُ البَناتِ ويُقالُ لَهُمْ: أصْهارٌ، وأنْشَدُوا:
فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفْدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ
ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عُيُونِي لِأصْهارِ اللِّئامِ تَدُورُ
والنَّصْبُ عَلى هَذا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً لا بِالعَطْفِ عَلى ( بَنِينَ ) لِأنَّ القَيْدَ إذا تَقَدَّمَ يُعَلَّقُ بِالمُتَعاطِفَيْنِ وأزْواجُ البَناتِ لَيْسُوا مِنَ الأزْواجِ، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْدِيرِ خِلافِ الظّاهِرِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ بِأنْ يُرادَ بِالأخْتانِ أقارِبُ المَرْأةِ كَأبِيها وأخِيها لا أزْواجُ البَناتِ فَإنَّ إطْلاقَ الأُخْتانِ عَلَيْهِ إنَّما هو عِنْدَ العامَّةِ وأمّا عِنْدَ العَرَبِ فَلا كَما في الصِّحاحِ، وتَجْعَلُ ( مِن ) سَبَبِيَّةً ولا شَكَّ أنَّ الأزْواجَ سَبَبٌ لِجَعْلِ الحَفَدَةِ بِهَذا المَعْنى وهو كَما تَرى. وتُعُقِّبَ تَفْسِيرُهُ بِالأخْتانِ والرَّبائِبِ بِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ ولا يُمْتَنُّ بِذَلِكَ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الِامْتِنانَ بِاعْتِبارِ الخِدْمَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ مُصَحَّحٌ لا مُرَجَّحٌ. وقِيلَ: الحَفَدَةُ هُمُ الخَدَمُ والأعْوانُ وهو المَعْنى المَشْهُورُ لَهُ لُغَةً. والنَّصْبُ أيْضًا بِمُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم خَدَمًا يَحْفِدُونَ في مَصالِحِكم ويُعِينُونَكم في أُمُورِكم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ نَقْلِ عِدَّةِ أقْوالٍ في المُرادِ مِن ذَلِكَ: وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعِلَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ بَنُونَ وحَفَدَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ أيْ جَعَلَ مِن أزْواجِ البَشَرِ البَنِينَ والحَفَدَةَ ويَسْتَقِيمُ عَلى هَذا إجْراءُ الحَفَدَةِ عَلى مَجْراها في اللُّغَةِ إذِ
صفحة 191
البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدُهم عَنْ حَفَدَةٍ اهـ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وتَأْخِيرُ المَنصُوبِ في المَوْضِعَيْنِ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَجْرُورِ بِمِن لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَوْدِ مَنفَعَةِ الجَعْلِ إلَيْهِمْ إمْدادًا لِلتَّشْوِيقِ وتَقْوِيَةً لَهُ.
﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ اللَّذائِذِ وهو مَعْناها اللُّغَوِيُّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّبِ ما هو مُتَعارَفٌ في لِسانِ الشَّرْعِ وهو الحَلالُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الكُفّارُ وهم لا شَرْعَ لَهم فَتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالفُرُوعِ كالأُصُولِ فَيُوجَدُ في حَقِّهِمُ الحَلّالُ والحَرامُ، وأيْضًا هم مَرْزُوقُونَ بِكَثِيرٍ مِنَ الحَلالِ الَّذِي أكَلُوا بَعْضَهُ ولا يَلْزَمُ اعْتِقادُهم لِلْحِلِّ ونَحْوِهِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما رُزِقُوهُ بَعْضٌ مِن كُلِّ الطَّيِّباتِ فَإنَّ ما في الدُّنْيا مِنها بِأسْرِهِ أُنْمُوذَجٌ لِما في الآخِرَةِ إذْ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وما في الدُّنْيا لَمْ يَصِلْ كَثِيرٌ مِنهُ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرْنا عُمُومُ الطَّيِّباتِ لِلنَّباتِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأشْرِبَةِ والحَيَوانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما أتى مِن غَيْرِ نَصَبٍ، وقِيلَ: الغَنائِمُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿أفَبِالباطِلِ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وبَرَكَتُها وما ذاكَ إلّا وهْمٌ باطِلٌ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِدَلِيلٍ ولا أمارَةٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وقُدِّمَ لِلْحَصْرِ فَيُفِيدُ أنْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ إلّا بِذَلِكَ كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ المُشاهَدَةِ المُعايَنَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لا تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ البَيانِ ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِها والإنْكارِ لَها كَما يُنْكَرُ المُحالُ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ العُقُولُ وذَلِكَ بِإضافَتِها إلى أصْنامِهِمْ، وقِيلَ: الباطِلُ ما يُسَوِّلُ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ما أحَلَّ لَهم. والآيَةُ عَلى هَذا ظاهِرَةُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقَطْ دُونَ ما قَبْلَهُ أيْضًا والظّاهِرُ تَعَلُّقُها بِهِما، ومِن ذَلِكَ يَظْهَرُ حالٌ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدٌ ﷺ، وما ذَكَرْناهُ قَدْ صَرَّحَ بِأكْثَرِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتِفادَةُ الحَصْرِ مِنَ التَّقْدِيمِ ظاهِرَةٌ، وأمّا كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ فَمُسْتَفادٌ مِن حَصْرِهِمُ الإيمانَ فِيما ذَكَرَ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِ بِهِ لا سِيَّما وقَدْ حُصِرُوا، وأيْضًا المُقابَلَةُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ أعْنِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى دَلَّتْ عَلى تَعْكِيسِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا المَوْهُومَ بِمَنزِلَةِ المُتَيَقَّنِ وبِالعَكْسِ، والفاءُ الَّتِي لِلتَّعْكِيسِ شَدِيدَةُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا الأمْرِ والحَمْلُ عَلى أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ لَيْسَ بِالوَجْهِ كَذا في الكَشْفِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى ما قِيلَ إنَّ في كِلا التَّرْكِيبَيْنِ تَأْكِيدًا وتَخْصِيصًا، أمّا التَّخْصِيصُ فِيهِما فَمِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الأوَّلِ فَلِأنَّ الفاءَ تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ أيَكْفُرُونَ بِالحَقِّ ويُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ والكُفْرُ بِالحَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالباطِلِ فَقَدْ تَكَرَّرَ الإيمانُ بِالباطِلِ والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الثّانِي فَمِن بِناءِ ( يَكْفُرُونَ ) عَلى هُمُ المُفِيدِ لِتَقَوِّي الحُكْمِ، وجَعَلَ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَدَبَّرْ. وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ في التَّرْكِيبَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، والعَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ جَوَّزَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أقْحَمَ الإيهامَ هَنا نَظِيرَ ما فَعَلْناهُ فِيما سَلَفَ آنِفًا.
ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ بِمَقامِ تَخْصِيصِ حَقِيقَةٍ إذْ لا اخْتِصاصَ لِإيمانِهِمْ بِالباطِلِ ولا لِكُفْرانِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُقْحِمْهُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ فَإنْ وُجِّهَ بِأنَّهم إذا آمَنُوا بِالباطِلِ كانَ إيمانُهم بِغَيْرِهِ بِمَنزِلَةِ
صفحة 192
العَدَمِ وإنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فَلَيْسَ كُفْرانُهم إلّا لِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ كَما قِيلَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ بَقِيَ المُخالَفَةُ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا نَظَرَ لِلْواقِعِ فَلا حَصْرَ فِيهِ وإنْ لُوحِظَ ما ذُكِرَ يَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا وهو مَعْنى الإيهامِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا تَخالُفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإنْكارِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَعَلُّقُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واعْتِقادُهم لِلْباطِلِ لا مُطْلَقُ الإيمانِ والكُفْرانِ، وأنْ يَكُونَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ وهو دُونَ النُّكْتَتَيْنِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهم وصَرْفِ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ تَعْجِيبًا لَهم مِمّا فَعَلُوهُ.
وفِي البَحْرِ أنَّ السُّلَمِيَّ قَرَأ «تُؤْمِنُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ وأنَّهُ رَوى ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والجُمْلَةُ فِيما بَعْدَهُ عَلى هَذا كَما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ مُجَرَّدًا عَنِ الكَفَرَةِ غَيْرَ مُنْدَرِجٍ في التَّقْرِيعِ. هَذا بَقِيَ أنَّهُ وقَعَ في العَنْكَبُوتِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾بِدُونِ ضَمِيرٍ ووَقَعَ هُنا ما سَمِعْتَ بِالضَّمِيرِ، وبَيَّنَ الخَفاجِيُّ سِرَّ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ يَكْفُرُونَ كَما مَرَّ فَلَوْ ذَكَرَ ما نَحْنُ فِيهِ بِدُونِ الضَّمِيرِ لَكانَتِ الآيَةُ تَكْرارًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَأتى بِالضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ لِيَكُونَ تَرَقِّيًا في الذَّمِّ بَعِيدًا عَنِ اللُّغَوِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: إنَّهُ أُجْرِيَ عَلى عادَةِ العِبادِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أحَدٍ بِمُنْكَرٍ يَجِدُونَ مَوْجِدَةً فَيُخْبِرُوا عَنْ حالِهِ الأُخْرى بِكَلامٍ آكَدَ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ إذا سُئِلَ لِمَ قِيلَ: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ وقِيلَ: ﴿وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ بِهِ، وأمّا في الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ فَلا، وقِيلَ: آياتُ العَنْكَبُوتِ اسْتَمَرَّتْ عَلى الغَيْبَةِ فَلَمْ يُحْتَجْ إلى زِيادَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ وأمّا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَقَدْ سَبَقَ قَبْلَها مُخاطَباتٌ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ المُؤَكِّدِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالزِّيادَةِ دُونَ ( أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ) مَعَ أنَّها الأُولى بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِتَقَدُّمِها لِئَلّا يَلْزَمَ زِيادَةُ الفاصِلَةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لا مُقْتَضى لِلُزُومِ الغَيْبَةِ ولا لَبْسَ لَوْ تُرِكَ الضَّمِيرُ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّما لَمْ يُؤْتَ في آيَةِ العَنْكَبُوتِ بِالضَّمِيرِ ويُبْنى الفِعْلُ عَلَيْهِ إفادَةً لِلتَّقَوِّي اسْتِغْناءً بِتَكَرُّرِ ما يُفِيدُ كُفْرَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ مَعَ قُرْبِهِ مِن تِلْكَ الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ ما تَسْتَمِدُّ مِنهُ الجُمْلَتانِ أتَمَّ اسْتِمْدادٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ومُغايِرَةٍ ما وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 52] ولَمّا لَمْ تَكُنْ آيَةُ النَّحْلِ فِيما ذُكِرَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ جِيءَ فِيها بِما يُفِيدُ التَّقَوِّيَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَرْدُ النِّعَمِ هُنا عَلى وجْهٍ ظاهِرٍ في وُصُولِها إلَيْهِمْ والِامْتِنانِ بِها عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ أوْفَقَ بِأنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ كُفْرَهم بِها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مِنهم فَجِيءَ بِالضَّمِيرِ فِيهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما هُنالِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِما ذَكَرَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا- بِـ يَكْفُرُونَ- وفِيما قَبْلُ ( يَجْحَدُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَ كانَ مَسْبُوقًا عَلى ما قِيلَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ والجُحُودُ أوْفَقُ بِذَلِكَ لِما أنَّ كَمالَ القُبْحِ فِيهِ أتَمُّ ولا كَذَلِكَ فِيما البَحْثُ فِيهِ كَذا قِيلَ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى بِأسْرارِ كِتابِهِ أعْلَمُ
النحل 16:73
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفِيهِ تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى ( يَكْفُرُونَ ) داخِلٌ تَحْتِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ أيْ أيَكْفُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ أيْ ما لا يَقْدِرُ أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا لا مِنَ السَّماواتِ مَطَرًا ولا مِنَ
صفحة 193
الأرْضِ نَباتًا- فَرِزْقًا- مَصْدَرٌ، (وشَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ. وغَيْرُهُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الطَّراوَةِ بِأنَّ الرِّزْقَ هو المَرْزُوقُ كالرَّعْيِ والطَّحْنِ والمَصْدَرُ إنَّما هو الرِّزْقُ بِفَتْحِ الرّاءِ كالرَّعْيِ والطَّحْنِ. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ مَكْسُورَ الرّاءِ مَصْدَرٌ أيْضًا كالعِلْمِ وسُمِعَ ذَلِكَ فِيهِ فَصَحَّ أنْ يَعْمَلَ في المَفْعُولِ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ والكُوفِيُّ يُجَوِّزُ عَمَلَهُ في المَفْعُولِ- فَشَيْئًا- مَفْعُولُهُ عَلى رَأْيِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ (وشَيْئًا) بَدَلٌ مِنهُ أيْ لا يَمْلِكُ لَهم شَيْئًا. وأوْرَدَ عَلَيْهِ السَّمِينُ وأبُو حَيّانَ أنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ الأشْياءِ والبَدَلَ يَأْتِي لِأحَدِ شَيْئَيْنِ البَيانُ والتَّأْكِيدُ ولَيْسا بِمَوْجُودَيْنِ هُنا. وأُجِيبُ بِأنَّ تَنْوِينَ ( شَيْئًا ) لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فَإنْ كانَ تَنْوِينُ ( رِزْقًا ) كَذَلِكَ فَهو مُؤَكِّدٌ وإلّا فَمُبَيِّنٌ وحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ ولا إشْكالَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ يَمْلِكُ أيْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ المُلْكِ (ومِنَ السَّماواتِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً- لَرِزْقًا- أيْ رِزْقًا كائِنًا مِنهُما، وإطْلاقُ الرِّزْقِ عَلى المَطَرِ لِأنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِلَةِ (ما) وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا لِلْإخْبارِ عَنْ حالِ الآلِهَةِ، واسْتَطاعَ مُتَعَدٍّ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُ المِلْكِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ ولا يُمْكِنُهُمْ، فالكَلامُ تَتْمِيمٌ لِسابِقِهِ وفِيهِ مِنَ التَّرَقِّي ما فِيهِ فَلا يَكُونُ نَفْيُ اسْتِطاعَةِ المِلْكِ بَعْدَ نَفْيِ مِلْكِ الرِّزْقِ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإنْ جُعِلَ المَفْعُولُ ضَمِيرُ الرِّزْقِ كَما جَوَّزَهُ في الكَشّافِ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ قَرَّرَ في المَعانِي أنَّ حَرْفَ العَطْفِ لا يَدْخُلُ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاتِّصالِ. ودُفِعَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ النُّحاةِ ولَيْسَ مُطْلَقًا عِنْدَ أهْلِ المَعانِي، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النَّبَأِ: 4، 5] نَعَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ ولَعَلَّهُ الأوْلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَيَكُونَ المُرادُ نَفْيَ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهم مُطْلَقًا عَلى حَدٍّ يُعْطِي ويَمْنَعُ فالمَعْنى أنَّهم أمْواتٌ لا قُدْرَةَ لَهم أصْلًا فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ، وفِيهِ ما فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وزِيادَةٌ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وتَوْحِيدُهُ في لا ( لا يَمْلِكُ ) لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ أوَّلًا والمَعْنى ثانِيًا فَإنَّ «ما» مُفْرَدٌ بِمَعْنى الآلِهَةِ ومِثْلُ هَذِهِ الرِّعايَةِ وارِدٌ في الفَصِيحِ وإنْ أنْكَرَهُ بَعْضُهم لِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإجْمالِ بَعْدَ البَيانِ المُخالِفِ لِلْبَلاغَةِ فَإنَّهُ مَرْدُودٌ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وقَدْ رُوعِيَ أيْضًا في التَّعْبِيرِ حالُ مَعْبُوداتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ فَإنَّها أحْجارٌ وجَماداتٌ فَعَبَّرَ عَنْها- بِما- المَوْضُوعَةِ في المَشْهُورِ لِغَيْرِ العالِمِ وحالُها بِاعْتِبارِ اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها آلِهَةٌ فَعَبَّرَ عَنْها بِضَمِيرِ الجَمْعِ المَوْضُوعِ لِذَوِي العِلْمِ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِما الأصْنامَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ الحالُ إذا كانَ المُرادُ بِها المَعْبُوداتِ الباطِلَةَ مُطْلَقًا مَلَكًا كانَتْ أوْ بَشَرًا أوْ حَجَرًا أوْ غَيْرَها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدًا عَلى الكُفّارِ كَضَمِيرِ ( يَعْبُدُونَ ) و(ما) عَلى المَعْنى المَشْهُورِ فِيها عَلى مَعْنى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ في الأُمُورِ لا يَسْتَطِيعُونَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي لا حِسَّ لَهُ، فَجُمْلَةُ لا ( يَسْتَطِيعُونَ ) مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المِلْكِ عَنِ الآلِهَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ سالِمٌ عَنْ مُخالَفَةِ المَشْهُورِ في العَوْدِ عَلى المَعْنى بَعْدَ مُراعاةِ اللَّفْظِ
النحل 16:74
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِالِاهْتِمامِ بِشَأْنِ النَّهْيِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ
صفحة 194
الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنِ آلِهَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَمْلِكُوا لَهم رِزْقًا فَضْلًا عَمّا فَضَلَ، والأمْثالُ جَمْعُ مَثَلٍ كَعَلَمٍ، والمُرادُ مِنَ الضَّرْبِ الجَعْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ والأكْفاءَ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ وهَذا ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ سُبْحانَهُ لا تَجْعَلُوا مَعِي إلَهًا غَيْرِي فَإنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي.
وجَعَلَ كَثِيرَ الأمْثالِ جَمْعَ مَثَلٍ بِالتَّحْرِيكِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ المَثَلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الإشْراكُ والتَّشْبِيهُ بِهِ جَلَّ وعَلا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ تَعالى بِخَلْقِهِ بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ وذاتًا بِذاتٍ كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا، وفي لَفْظِ ( الأمْثالَ ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ أصْلًا نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وفِيهِ إدْماجٌ أنَّ الأسْماءَ تَوْقِيفِيَّةٌ وهَذا هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ الفاءِ وعَدَمِ ذِكْرِ ضَرْبِ مَثَلٍ مِنهم سابِقًا، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَلامُ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَأْباهُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ ما تَفْعَلُونَ وعِظَمَهُ وهو سُبْحانَهُ مُعاقِبُكم عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كُنْهَهُ وكُنْهَ عِقابِهِ فَلِذا صَدَرَ مِنكم وتَجاسَرْتُمْ عَلَيْهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ قِياسِ اللَّهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ بِجَعْلِ ضَرْبِ المَثَلِ اسْتِعارَةً لِلْقِياسِ، فَإنَّ القِياسَ إلْحاقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وهو عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ بِمُرَكَّبٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَجْهِ السّابِقِ قَلِيلٌ، وأمْرُ التَّعْلِيلِ عَلى حالِهِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً والمَعْنى فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ الَّتِي يَضْرِبُها بَعْضُكم لِبَعْضٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ، واللّامُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ مُتَعَلِّقَةٌ- بِـ تَضْرِبُوا- وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ تَعَلُّقَها- بِالأمْثالِ- فِيما إذا كانَ المُرادُ التَّمْثِيلَ لِلْإشْراكِ والتَّشْبِيهِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشَبِّهُوهُ، وتَعَلُّقُها- بِـ تَضْرِبُوا- عَلى هَذا الوَجْهِ ثُمَّ قالَ كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ مِنَ العالِمِ لِغَيْرِ العالِمِ لِيُبَيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى هو العالِمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَتَمْثِيلُ غَيْرِ العالِمِ لِلْعالِمِ عَكْسٌ لِلْحَقِيقَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ والمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وإنْ كانَ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ أظْهَرَ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ في ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ إنَّهُ نَهى عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ حَقِيقَةً: كَأنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في أنْ لا يُلْحِدُوا في أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَجُزْ ضَرْبُ المَثَلِ والِاسْتِعاراتِ يَكْفِي فِيها شَبَهٌ ما والإطْلاقُ لِتِلْكَ العَلاقَةِ كافٍ فَعَدَمُ جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعْلِيمٍ مِنهُ وإثْباتِ الصِّفاتِ أوْلى وأوْلى،
النحل 16:75
ووَجْهُ رَبْطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ إلَخْ عَلى هَذا عِنْدَ المُدَقِّقِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لَهُ سُبْحانَهُ ضَرَبَ مَثَلًا دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ وأنَّهم إذا كانُوا عَلى هَذا الحَدِّ مِنَ المَعْرِفَةِ والتَّقْلِيدِ أوِ المُكابَرَةِ فَلَيْسَ لَهم إلى ضَرْبِ الأمْثالِ المُطابِقَةِ المُسْتَدْعى ذَكاءٌ وهِدايَةُ سَبِيلٍ، وقالَ غَيْرُهُ في ذَلِكَ ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِنهُ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ عِلْمَهم كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ في هَذا البابِ فَقالَ تَعالى: ( ضَرَبَ ) إلَخْ.
ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ عَنْ فَسادِ ما ارْتَكَبُوهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ضَرَبَ ) إلَخْ أيْ أوْرَدَ وذَكَرَ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى
صفحة 195
تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ ما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُنادِي بِفَسادِ ما هم عَلَيْهِ نِداءً جَلِيًّا ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَثَلًا وتَفْسِيرٌ لَهُ والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ حالَتُهُ العارِضَةُ لَهُ مِنَ المَمْلُوكِيَّةِ والعَجْزِ التّامِّ وبِحَسْبِها ضَرْبُ نَفْسِهِ مَثَلًا ووَصَفَ العَبْدَ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحُرِّ لِاشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ أدْمَجَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ لَهُ تَعالى وبِعَدَمِ القُدْرَةِ لِتَمْيِيزِهِ عَنِ المُكاتَبِ والمَأْذُونِ اللَّذَيْنِ لَهُما تَصَرُّفٌ في الجُمْلَةِ، وفي إبْهامِ المَثَلِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ مَن نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ ( عَبْدًا ) فَإنَّهُ أيْضًا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هي مَوْصُولَةٌ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُولَةً أكْثَرَ مِنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُوفَةً، والأوَّلُ مُخْتارُ الأكْثَرِينَ أيْ حُرًّا رَزَقْناهُ بِطَرِيقِ المِلْكِ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حالِ ضَرْبِ المَثَلِ والرِّزْقِ، وفي اخْتِيارِ ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنّا﴾ أيْ مِن جَنابِنا الكَبِيرِ المُتَعالِي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حَلالًا طَيِّبًا أوْ مُسْتَحْسَنًا عِنْدَ النّاسِ مَرْضِيًّا ويُؤْخَذُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ كَثِيرًا بِنا عَلى أنَّ القِلَّةَ الَّتِي هي أُخْتُ العَدَمِ لا حُسْنَ في ذاتِها ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، والفاءُ لِتَرَتُّبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَأنْفَقَ وإيثارُ المُنَزَّلِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإنْفاقِ واسْتِمْرارِهِ التَّجَدُّدِيِّ ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾ أيْ حالَ السِّرِّ وحالَ الجَهْرِ أوِ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ جَهْرٍ والمُرادُ بَيانُ عُمُومِ إنْفاقِهِ لِلْأوْقاتِ وشُمُولِهِ إنْعامَهُ لِمَن يَجْتَنِبُ عَنْ قَبُولِهِ جَهْرًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِالكَثْرَةِ مَأْخُوذًا مِن هَذا بِناءً أنَّ المُرادَ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ وهو يَدُلُّ عَلى أنْحاءِ التَّصَرُّفِ وسَعَةِ المُتَصَرَّفِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ القَرِينَتَيْنِ بِأنْ يُقالَ: وحُرًّا مالِكًا لِلْأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَسِيمِهِ لِما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مِن تَوَخِّي تَحْقِيقِ الحَقِّ بِأنَّ الأحْرارَ أيْضًا تَحْتَ رِبْقَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى وأنَّ مالِكِيَّتَهم لِما يَمْلِكُونَهُ لَيْسَتْ إلّا بِأنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مَدْخَلٌ في ذَلِكَ مَعَ مُحاوَلَةِ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بِالمَثَلِ مِن تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ المُمَثِّلِينَ فَإنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ العَبْدِ المالِكِ فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ ومالِكِ المُلْكِ خَلّاقِ العالَمِينَ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جُمِعَ الضَّمِيرُ وإنْ تَقَدَّمَهُ اثْنانِ وكانَ الظّاهِرُ- يَسْتَوِيانِ- لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا فَرْدانِ مُعَيَّنانِ مِنهُما وإنْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِشامِ بْنِ عَمْرٍو وهو الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ سِرًّا وجَهْرًا وفي عَبْدِهِ أبِي الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَبْدٍ لَهُ ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ كَما في البَحْرِ، وفِيهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ- بِمَن- الجَمْعُ وأنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِدَلالَةِ «عَبْدٌ مَمْلُوكٌ» ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ عَلَيْهِما، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والمَعْنى هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّ ما يُنْفِقُهُ الأحْرارُ لَيْسَ مِمّا لَهم دَخْلٌ في إيجادِهِ ولا تَمَلُّكِهِ بَلْ هو مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهم فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ تُشْرِكُونَ بِهِ ما لا ذَلِيلَ
صفحة 196
أذَلَّ مِنهُ وهو الأصْنامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ شَبَّهَ الأوَّلَ بِمَمْلُوكٍ لا تَصَرُّفَ لَهُ لِأنَّهُ لِإحْباطِ عَمَلِهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِأفْعالِهِ واتِّباعِهِ لِهَواهُ كالعَبْدِ المُنْقادِ المُلْحَقِ بِالبَهائِمِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وجَعْلُهُ تَمْثِيلًا لِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةَ ولا تَعْيِينَ أيْضًا وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ، عَلى أنَّ أبا حَيّانَ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ إسْنادُ ذَلِكَ، هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في العَبْدِ هَلْ يَصِحُّ لَهُ مُلْكٌ أمْ لا قالَ في الكَشّافِ: المَذْهَبُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ عَلى ما لَخَّصَهُ في الكَشْفِ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ إنَّهُ يَصِحُّ لَهُ المُلْكُ عِنْدَ مالِكٍ: وظاهِرُ الآيَةِ تَشْهَدُ لَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ لَهُ العَجْزَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَمْلُوكًا﴾ ثُمَّ نَفى القُدْرَةَ العارِضَةَ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: لا ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ المَعْنى القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ لِأنَّ مُقابِلَهُ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ والحَمْلُ عَلى إخْراجِ المُكاتِبِ مَعَ شُذُوذِهِ إيجازٌ مَعَ إخْلالٍ كَما قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِي: ««أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها»» الحَمْلُ عَلى المُكاتَبَةِ بَعِيدٌ لا يَجُوزُ والمَأْذُونُ لَمْ يَخْرُجْ لِما مَرَّ مِن أنَّ المُرادَ بِالقُدْرَةِ ما هُوَ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ صِفَةٌ لازِمَةٌ مُوَضَّحَةٌ فالأصْلُ في الصِّفاتِ التَّقْيِيدُ اهـ.
وتَعَقَّبَهُ المُدَقِّقُ بِقَوْلِهِ: والجَوابُ أنَّ المَعْنى عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَنِ التَّصَرُّفِ فالآيَةُ وارِدَةٌ في تَمْثِيلِ حالِ الأصْنامِ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وكُلَّما بُولِغَ في حالِ عَجْزِ المُشَبَّهِ بِهِ وكَمالِ المُقابِلِ دَلَّ في المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا عَلى ذَلِكَ فالَّذِي يُطابِقُ المَقامَ القُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفِ وهو في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ وما ذَكَرَهُ لا حاصِلَ لَهُ ولا إخْلالَ في إخْراجِ المُكاتَبِ لِشُمُولِ اللَّفْظِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ فَما يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ بِوَجْهِهِ يَنْبَغِي أنْ يُنْفى وأيْنَ هَذا مِمّا نَقَلَهُ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ اهـ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ الطَّلاقَ أيْضًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ طَلاقٌ إلّا بِإذْنِ سَيِّدِهِ وقَرَأ الآيَةَ وقَدْ فُصِّلَتْ أحْكامُ العَبِيدِ في حُكْمِ الفِقْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ كُلُّهُ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ المُولِي لِلنِّعَمِ وإنْ ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي بَعْضِ الوَسائِطِ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.
وفِيهِ إرْشادٌ إلى ما هو الحَقُّ مِن أنَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ مَن يُنْفِقُ فِيما ذَكَرَ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى كَما لَوَّحَ بِهِ ﴿رَزَقْناهُ﴾ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ هَذا حَمْدٌ عَلى ظُهُورِ المَحَجَّةِ وقُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
ما ذُكِرَ فَيُضِيفُونَ نِعَمَهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها أوْ لا يَعْلَمُونَ ظُهُورَ ذَلِكَ وقُوَّةَ ما هُنالِكَ فَيَبْقُونَ عَلى شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عِنادًا وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يَعْلَمُونَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ هم لِلْخَلْقِ والأكْثَرُ هُمُ المُشْرِكُونَ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.
النحل 16:76
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أظْهَرَ وأوْضَحَ، وأبْهَمَ ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ لِما تَقَدَّمَ والبُكْمُ الخَرَسُ المُقارِنُ لِلْخِلْقَةِ ويَلْزَمُهُ الصَّمَمُ فَصاحِبُهُ لا يَفْهَمُ لِعَدَمِ السَّمْعِ ولا يَفْهَمُ غَيْرُهُ لِعَدَمِ النُّطْقِ، والإشارَةُ لا يُعْتَدُّ بِها لِعَدَمِ تَفْهِيمِها حَقَّ التَّفْهِيمِ لِكُلِّ أحَدٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَدُهُما أخْرَسُ أصَمُّ لا يَفْهَمُ ولا يَفْهَمُ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بِحَدْسٍ أوْ فِراسَةٍ لَسُوءِ فَهْمِهِ وإدْراكِهِ ﴿وهُوَ كَلٌّ﴾ ثَقِيلٌ وعِيالٌ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾ عَلى مَن يَعُولُهُ ويَلِي أمْرَهُ، وهَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 197
﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ لا يَأْتِ بِنَجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ، بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى مَصالِحِ مَوْلاهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ «تُوَجِّهْهُ» عَلى الخِطابِ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ وابْنُ رِئابٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ وهي رِوايَةٌ أُخْرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «يُوَجِّهْ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ والجَزْمِ، وخَرَجَ عَلى أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى المَوْلى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأبْكَمِ أيْ يُوَجِّهُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمَ وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قَرِيعٍ السَّعْدِيِّ:
أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا وعَنْ عَلْقَمَةَ وعائِشَةَ وابْنِ وثّابٍ أيْضًا «يُوَجَّهْ» بِالجَزْمِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عَلْقَمَةَ وطَلْحَةَ أنَّهُما قَرَءا «يُوَجِّهُ» بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّ الهاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فالهاءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ أوْ لَمْ يُرِدْ- بِأيْنَما- الشَّرْطَ، والمُرادُ أيْنَما هو يُوَجَّهُ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن آخِرِ «يَأْتِ» لِلتَّخْفِيفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أيْنَ لا تَخْرُجُ عَنِ الشَّرْطِ أوِ الِاسْتِفْهامِ. ونُقِلَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي تُوَجَّهُ بِهِ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ ثُمَّ حُذِفَتْ ياءُ (يَأْتِ) تَخْفِيفًا أوْ جُزِمَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ جِيءَ بِأيْنَما جازِمَةً كَقِراءَةِ مَن قَرَأ- إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ- في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى يُوَجِّهُ يَتَوَجَّهُ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أيْ ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ ومَن هو مِنطِيقٌ فَهم ذُو رَأْيٍ ورُشْدٍ يَكْفِي النّاسَ في مُهِمّاتِهِمْ ويَنْفَعُهم بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الجامِعِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ ﴿وهُوَ﴾ في نَفْسِهِ مَعَ ما ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ الخاصِّ والعامِّ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ لِكَمالِهِ في نَفْسِهِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ أتى بِها اسْمِيَّةً فَإنَّها تُشْعِرُ بِذَلِكَ مَعَ الثُّبُوتِ إلى مُقارَنَةِ ذِي الحالِ. فَلا يُقالُ: الأنْسَبُ تَقْدِيمُها في النَّظْمِ الكَرِيمِ، ومُقابَلَةُ تِلْكَ الصِّفاتِ الأرْبَعِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُها ونِهايَتُهُ فاخْتِيرَ آخِرُ صِفاتِ الكامِلِ المُسْتَدْعِيَةِ لِما ذَكَرَ وأزْيَدُ حَيْثُ جُعِلَ هادِيًا مَهْدِيًّا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: والآخَرُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ الآيَةَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ويُقالُ هُنا كَما قِيلَ في المَثَلِ السّابِقِ: إنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ مَعَ اسْتِوائِهِما في الماهِيَّةِ والصُّورَةِ فَلَأنْ يَحْكُمَ بِأنَّ الصَّنَمَ الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَسْمَعُ وهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ كَلٌّ عَلى عابِدِهِ يَحْتاجُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ ويَضَعَهُ ويَمْسَحَ عَنْهُ الأذى إذا وقَعَ عَلَيْهِ ويَخْدُمَهُ وإنَّ وجَّهَهُ إلى أيِّ مُهِمٍّ مِن مُهِمّاتِهِ لا يَنْفَعُهُ ولا يَأْتِ لَهُ بِهِ لا يُساوِي رَبَّ العالَمِينَ وهُوَ- هُوَ- في اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ فالأبْكَمُ هو الكافِرُ ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو المُؤْمِنُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ- بِرَجُلَيْنِ- رَجُلانِ مُعَيَّنانِ بَلْ رَجُلانِ مُتَّصِفانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مُطْلَقًا، وما رُوِيَ مِن أنَّ الأبْكَمَ أبُو جَهْلٍ والآمِرَ بِالعَدْلِ عَمّارٌ أوِ الأبْكَمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ والآمِرَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَصِحُّ إسْنادُهُ، وما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ إلَخْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ومَوْلًى لَهُ كافِرٍ وهو أُسَيْدُ بْنُ أبِي العِيصِ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ وكانَ عُثْمانُ يَنْفِي عَلَيْهِ ويَكْفُلُهُ ويَكْفِيهِ المُؤْنَةَ وكانَ الآخَرُ يَنْهاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ فَنَزَلَتْ فِيهِما فَبَعْدَ تَحَقُّقِ
صفحة 198
صِحَّتِهِ لا يَضُرُّنا في إرادَةِ المَوْصُوفَيْنِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِما مَن ذَكَرَ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يُنافِي العُمُومَ.
هَذا وقَدِ اقْتَصَرَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى كَوْنِ الغَرَضِ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَهُ جَلَّ جَلالُهُ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُخْتارُهُ ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِهِما حِكايَةَ الضَّرْبِ الماضِي بَلِ المُرادُ إنْشاؤُهُ بِما ذَكَرَ عَقِيبَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلًا بِخَلْقِ الفَرِيقَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ فَكانَ خَلْقُهُما كَذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ تَساوِيهِما عَلى امْتِنانِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ حِكايَةً لِلضَّرْبِ الماضِي اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في حُسْنِ اخْتِيارِهِ لَكِنْ في النَّفْسِ مِن قَوْلِهِ لا يَبْعُدُ شَيْءٌ.
النحل 16:77
﴿ولِلَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ جَمِيعُ الأُمُورِ الغائِبَةِ عَنْ عُلُومِ المَخْلُوقِينَ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلى إدْراكِها حِسًّا ولا فَهْمِها عَقْلًا، ومَعْنى الإضافَةِ إلَيْهِما التَّعَلُّقُ بِهِما إمّا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ فِيهِما حالًا أوْ مَآلًا وإمّا بِاعْتِبارِ الغَيْبَةِ عَنْ أهْلِهِما، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ. والمُرادُ بَيانُ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ المَعْلُومِيَّةُ وحَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ الغَيْبَةِ لا مِن حَيْثُ المَخْلُوقِيَّةُ والمَمْلُوكِيَّةُ وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، وفِيهِ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى حُضُورِيٌّ وأنَّ تَحَقُّقَ الغُيُوبِ في نَفْسِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ تَعالى ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانَ: 34] الآيَةَ، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالعُمُومِ أوْلى.
﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ ما وقَعَ فِيهِ المُماراةُ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ مِن حَيْثُ الغَيْبَةُ عَنْ أهْلِهِما أوْ ظُهُورُ آثارِها فِيهِما عِنْدَ وُقُوعِها أيْ وما شَأْنُها في سُرْعَةِ المَجِيءِ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ أيْ كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها. وفي البَحْرِ اللَّمْحُ النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ يُقالُ: لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا إذا نَظَرَهُ بِسُرْعَةٍ ﴿أوْ هُوَ﴾ أيْ أمْرُها ﴿أقْرَبُ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وأسْرَعُ بِأنْ يَقَعَ في بَعْضِ أجْزاءِ زَمانِهِ فَإنْ رَجَعَ الطَّرْفُ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها وإنْ قَصَرَ حَرَكَةٌ أيْنِيَّةٌ لَها هُوِيَّةٌ اتِّصالِيَّةٌ مُنْطَبِقَةٌ عَلى زَمانٍ لَهُ هو كَذَلِكَ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ إلى أبْعاضٍ هي أزْمِنَةٌ أيْضًا بَلْ بِأنْ يَقَعَ فِيما يُقالُ لَهُ آنٍ وهو جُزْءٌ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ مِن أجْزاءِ الزَّمانِ كَآنِ ابْتِدائِيَّةِ الحَرَكَةِ، و«أوْ» قالَ الفَرّاءُ: بِمَعْنى بَلْ.
ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّ بَلْ لِلْإضْرابِ وهو لا يَصِحُّ هُنا بِقِسْمَيْهِ، أمّا الإبْطالُ فَلِأنَّهُ يَؤُولُ إلى أنَّ الحُكْمَ السّابِقَ غَيْرُ مُطابِقٍ فَيَكُونُ الإخْبارُ بِهِ كَذِبًا واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا الِانْتِقالُ فَلِأنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّنافِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ وكَوْنِهِ أقْرَبَ فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا ويَلْزَمُ الكَذِبُ المُحالُ أيْضًا. وأُجِيبُ بِاخْتِبارِ الثّانِي ولا تَنافِيَ بَيْنَ تَشْبِيهِهِ في السُّرْعَةِ بِما هو غايَةُ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ في بابِهِ وبَيْنَ كَوْنِهِ في الواقِعِ أقْرَبَ مِن ذَلِكَ، وهَذا بَناهُ عَلى أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيانُ سُرْعَتِهِ لا بَيانُ مِقْدارِ زَمانِ وُقُوعِهِ وتَحْدِيدِهِ. وأُجِيبُ أيْضًا بِما يُصَحِّحُهُ بِشِقَّيْهِ وهو أنَّهُ ورَدَ عَلى عادَةِ النّاسِ يَعْنِي أنَّ أمْرَها إذا سُئِلْتُمْ عَنْها أنْ يُقالَ فِيهِ: وهو كَلَمْحِ البَصَرِ ثُمَّ يُضْرَبُ عَنْهُ إلى ما هو أقْرَبُ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ. ورَدَّهُ في البَحْرِ أيْضًا بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَخُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ. وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ مالِكٍ مِن أنَّ ( أوْ ) تَأْتِي لِلتَّخْيِيرِ وأنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالوُقُوعِ
صفحة 199
بَعْدَ الطَّلَبِ بَلْ يَقَعُ في الخَبَرِ ويَكْثُرُ في التَّشْبِيهِ حَتّى خَصَّهُ بَعْضُهم بِهِ. وفي شَرْحِ الهادِي اعْلَمْ أنَّ التَّخْيِيرَ والإباحَةَ مُخْتَصّانِ بِالأمْرِ إذْ لا مَعْنى لَهُما في الخَبَرِ كَما أنَّ الشَّكَّ والإبْهامَ مُخْتَصّانِ بِالخَبَرِ. وقَدْ جاءَتِ الإباحَةُ في غَيْرِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البَقَرَةِ: 17- 19] أيْ بِأيِّ هَذَيْنِ شَبَّهْتَ فَأنْتَ مُصِيبٌ وكَذا إنْ شَبَّهْتَ بِهِما جَمِيعًا، ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ كَثِيرٌ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَخْيِيرُ المُخاطَبِ بَعْدَ فَرْضِ الطَّلَبِ والسُّؤالِ فَلا حاجَةَ إلى البِناءِ عَلى ما ذُكِرَ، وهو كَما تَرى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّخْيِيرَ مُشْكِلٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى وهي أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مِن كَوْنِهِ كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ ما لا يُطابِقُهُ، وفِيهِ أنَّ المُرادَ التَّخْيِيرُ في التَّشْبِيهِ وأيُّ ضَرَرٍ في عَدَمِ وُقُوعِ المُشَبَّهِ بِهِ بَلْ قَدْ يُسْتَحْسَنُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ:
أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْ نَ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلشَّكِّ عَلى بابِها عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى أمْرِها شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ أيْضًا بِأنَّ الشَّكَّ بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ والشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أيْ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُتَكَلِّمِ، وفي ارْتِكابِهِ بُعْدٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مُرادُهُ تَعْلِيلُهُ البُعْدَ بِالِاسْتِحالَةِ فَلَيْسَ اعْتِراضُهُ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ كَما تُوُهِّمَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي لِلْإبْهامِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إبْهامِ أمْرِها في السُّرْعَةِ وإنَّما الفائِدَةُ في إبْهامِ وقْتِ مَجِيئِها. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْتَبْهِمُ عَلى مَن يُشاهِدُ سُرْعَتَها هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقَلَّ فَتَدَبَّرْ. والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها بِمَعْنى بَلْ وعَلَيْهِ كَثِيرُونَ، والمُرادُ تَمْثِيلُ سُرْعَةِ مَجِيئِها واسْتِقْرابُهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، وقَدْ كَثُرَ في النَّظْمِ مِثْلُ هَذِهِ المُبالَغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
قالَتْ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّي ∗∗∗ حُ جَمِيعًا وهُما ما هُما
أأنْتْ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطَتْ أضْحَكَتْكُما مِنكُما
إنَّ ارْتِدادَ الطَّرْفِ قَدْ فَتَّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما
وقِيلَ: المَعْنى وما أمْرُ إقامَةِ السّاعَةِ المُخْتَصِّ عِلْمُها بِهِ سُبْحانَهُ وهي إماتَةُ الأحْياءِ وإحْياءُ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وتَبْدِيلُ صُوَرِ الأكْوانِ أجْمَعِينَ وقَدْ أنْكَرَها المُنْكِرُونَ وجَعَلُوها مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ دائِرَةِ الإمْكانِ في سُرْعَةِ الوُقُوعِ وسُهُولَةِ التَّأتِّي إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ عَلى ما مَرَّ مِنَ الأقْوالِ في (أوْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنْ يَجِيءَ بِها في أسْرَعِ ما يَكُونُ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وتَقُولُ عَلى الثّانِي: ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أمْرُ إقامَتِها فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ. وفي الكَشْفِ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الغَيْبِ وشُمُولِهِ لِجَمِيعِ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ كالمُسْتَفادِ مِنَ الأوَّلِ وهو كالتَّمْهِيدِ لَهُ أيْ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُ كُلِّ غَيْبٍ السّاعَةَ وغَيْرَها فَهو الآتِي بِها لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ، ولِهَذا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِالغَيْبِ السّاعَةُ فَهو ظاهِرٌ اهـ. ولا يَخْفى الحالُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانَ: 34] الآيَةَ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ في الغَيْبِ يَكُونُ ذِكْرُ السّاعَةِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَقْوِيَةِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
النحل 16:78
﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النَّحْلِ: 72]
صفحة 200
مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سَلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِ العَلّامَةِ الطَّيِّبِيِّ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكُمْ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا بِالواوِ إيذانًا بِأنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى لا نِهايَةَ لَها والمَذْكُورُ بَعْضٌ مِنها أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، والَّذِي تَنْبَسِطُ لَهُ النَّفْسُ هو الأوَّلُ.
والأُمَّهاتُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ أُمٍّ والهاءُ فِيهِ مَزِيدَةٌ وكَثُرَ زِيادَتُها فِيهِ ووَرَدَ بِدُونِها، والمَعْنى في الحالَيْنِ واحِدٌ، وقِيلَ: ذُو الزِّيادَةِ لِلْأناسِيِّ والعارِي عَنْها لِلْبَهائِمِ، ووَزْنُ المُفْرَدِ فُعْلٌ لِقَوْلِهِمُ الأُمُومَةُ، وجاءَ بِالهاءِ كَقَوْلِ قَصِيِّ بْنِ كِلابٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ:
أُمَّهْتِي خِنْدَفُ وإلْياسُ أبِي وهو قَلِيلٌ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ الهاءِ في الفِعْلِ كَما قِيلَ في أهْراقَ، وفِيهِ بَحْثٌ فارْجِعْ إلى الصِّحاحِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ هُنا، وفي الزُّمُرِ، والنَّجْمِ. والرُّومِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِنَّ والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ، وكانَتْ كَذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ (وشَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُونَ )، والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أيْ غَيْرَ عارِفِينَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن مَنافِعِكُمْ، وقِيلَ: مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، وقِيلَ: مِمّا أخَذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكُمْ، والظّاهِرُ العُمُومُ ولا داعِيَ إلى التَّخْصِيصِ. وعَنْ وهْبٍ يُولَدُ المَوْلُودُ خَدِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ النَّفْسَ لا تَخْلُو في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ عَنِ العِلْمِ الحُضُورِيِّ وهو عِلْمُها بِنَفْسِها إذِ المُجَرَّدُ لا يَغِيبُ عَنْ ذاتِهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ الشَّيْخُ في بَعْضِ تَعْلِيقاتِهِ عِنْدَ إثْباتِ تَجَرُّدِ النَّفْسِ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أصْلًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ في حالِ النَّوْمِ والسُّكْرِ، ولَوْ جُوِّزَ أنْ يَغْفُلَ عَنْ ذاتِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمادِ في هَذِهِ الحالَةِ فَرْقٌ فَلا يُجْدِي هَذا البُرْهانُ مَعَهُ، وقالَ بَهْمَنيارُ في التَّحْصِيلِ في فَصْلِ العَقْلِ والمَعْقُولِ: ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ تَشْعُرُ بِذاتِها فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُها عَقْلِيًّا فَيَكُونُ نَفْسُ وُجُودِها نَفْسَ إدْراكِها ولِهَذا لا تَعْزُبُ عَنْ ذاتِها البَتَّةَ، ومِثْلُهُ في الشِّفاءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ خَفِيَّةٍ كَتَجَرُّدِ النَّفْسِ الَّذِي أنْكَرَهُ الطَّبِيعِيُّونَ عَنْ آخِرِهِمْ وإنَّ كُلَّ مُجَرَّدٍ عالَمٌ ولا يَتِمُّ البُرْهانُ عَلَيْهِ، وأيْضًا ما نُقِلَ مِن أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِذاتِها عَيْنُ ذاتِها لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِكَوْنِ الذّاتِ عِلْمًا بِها شَرْطٌ فَما لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الشَّرْطُ لَمْ تَكُنِ الذّاتُ عِلْمًا بِها كَما أنَّ لِكَوْنِ المَبْدَأِ الفَيّاضِ خِزانَةً لِمَعْقُولاتِ زَيْدٍ مَثَلًا شَرْطًا إذا تَحَقَّقَ تَحَقَّقَ وإلّا فَلا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِصِفاتِها أيْضًا نَفْسُ صِفاتِها عِنْدَهم ومَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الغَفْلَةُ عَنِ الصِّفَةِ في بَعْضِ الأحْيانِ كَما لا يَخْفى.
وأيْضًا إذا قُلْنا: إنَّ حَقِيقَةَ الذّاتِ غَيْرُ غائِبَةٍ عَنْها، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ بِها يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ مَعْلُومَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومِنِ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ المُحَقِّقَ الطَّوْسِيُّ قَدْ مَنَعَ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أبَدًا، وقالَ: إنَّ المُغْمى عَلَيْهِ رُبَّما غَفَلَ عَنْ ذاتِهِ في وقْتِ الإغْماءِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأمْراضِ النَّفْسانِيَّةِ، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِخُلُوِّها في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خُلُوُّها حالَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ، وقالَ: إنَّهُ لا يُنافِي
صفحة 201
ذَلِكَ ما قالَهُ الشَّيْخُ مِن أنَّ الطِّفْلَ يَتَعَلَّقُ بِالثَّدْيِ حالَ التَّوَلُّدِ بِإلْهامٍ فِطْرِيٍّ لِأنَّ حالَ التَّعَلُّقِ سابِقٌ عَلى ذَلِكَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ الخُلُوَّ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إنَّما يَظْهَرُ لِذَوِي الحَدْسِ بِمُلاحَظَةِ حالِ الطِّفْلِ وتَجارِبِ أحْوالِهِ ووَجْهُ العَجَبِ ظاهِرٌ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
وتَفْسِيرُ العِلْمِ بِالمَعْرِفَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفي أمالِي العِزِّ لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ باقِيًا عَلى بابِهِ ويَكُونُ (شَيْئًا) مَصْدَرًا أيْ لا تَعْلَمُونَ عِلْمًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ أنَّهُ يَلْزَمُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ وهو خِلافُ الأصْلِ. الثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ باقِيًا عَلى بابِهِ لَكانَ النّاسُ يَعْلَمُونَ المُبْتَدَأ الَّذِي هو أحَدُ المَفْعُولَيْنِ قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ البُطُونِ وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ العِلْمِ عَلى مَن لَمْ يُولَدْ، بَيانُ ذَلِكَ أنّا إذا قُلْنا: عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِزَيْدٍ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ هَذا العِلْمِ وهَذا العِلْمُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِإقامَتِهِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ما عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا فالَّذِي لَمْ يُعْلَمْ هو إقامَةُ زَيْدٍ وأمّا هو فَمَعْلُومٌ وذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن جِهَةِ الوَضْعِ فَحَيْثُ أُثْبِتَ العِلْمُ أوْ نُفِيَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَعْلُومًا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ العِلْمِ عَلى المَعْرِفَةِ اه. ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ اسْتِقامَةِ جَعْلِ العِلْمِ عَلى بابِهِ، (وشَيْئًا) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ يَحْتِمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، ونُكْتَةُ تَأْخِيرِهِ أنَّ السَّمْعَ ونَحْوَهُ مِن آلاتِ الإدْراكِ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ إذا أُحِسَّ وأُدْرِكَ وذَلِكَ بَعْدَ الإخْراجِ، وجَعَلَ إنْ تَعَدّى لِواحِدٍ بِأنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ- لَكُمْ- مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ بِأنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَنصُوباتِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.
والمَعْنى جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ آلاتٍ تُحَصِّلُونَ بِها العِلْمَ والمَعْرِفَةَ بِأنْ تُحِسُّوا بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ وتُدْرِكُوها بِأفْئِدَتِكم وتَنْتَبِهُوا لِما بَيْنَها مِنَ المُشارَكاتِ والمُبايَناتِ بِتَكْرِيرِ الإحْساسِ فَيَحْصُلُ لَكم عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ تَتَمَكَّنُونَ بِالنَّظَرِ فِيها مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ الكَسْبِيَّةِ، وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في هَذا المَقامِ ومُسْتَمَدُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ مِنَ الحُكَماءِ مِن أنَّ النَّفْسَ في أوَّلِ أمْرِها خالِيَةٌ عَنِ العُلُومِ فَإذا اسْتَعْمَلَتِ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ أدْرَكَتْ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ أُمُورًا جُزْئِيَّةً بِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ جُزْئِيَّةٍ بَيْنَها فاسْتَعَدَّتْ لِأنْ يُفِيدَ عَلَيْها المَبْدَأُ الفَيّاضُ المُشارَكاتِ الكُلِّيَّةَ، ويُثْبِتُونَ لِلنَّفْسِ أرْبَعَ مَراتِبَ. مَرْتَبَةُ العَقْلِ الهُيُولانِيِّ. ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالمَلَكَةِ. ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالفِعْلِ ومَرْتَبَةُ العَقْلِ المُسْتَفادِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ النَّفْسَ لا تُدْرِكُ الجُزْئِيَّ المادِّيَّ، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ.
وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ تُدْرِكُ الكُلِّيَّ والجُزْئِيَّ مُطْلَقًا بِاسْتِعْمالِ المَشاعِرِ وبِدُونِهِ كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وتَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى بَسْطٍ كَثِيرٍ، وقَدْ عُرِضَ والمُسْتَعانُ بِالحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ مِنَ الحَوادِثِ المُوجِبَةِ لِاخْتِلالِ أمْرِ الخاصَّةِ والعامَّةِ ما شَوَّشَ ذِهْنِي وحالَ بَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وبَيْنِي، أسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِما يَسُرُّ الفُؤادَ ويُيَسِّرُ لَنا ما يَكُونُ عَوْنًا عَلى تَحْصِيلِ المُرادِ وبِالجُمْلَةِ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى وتُبْصِرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْكم مِن إخْراجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم إلى أنْ صِرْتُمْ رِجالًا وتَعْقِلُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ المَعْنى جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لِتَسْمَعُوا بِهِ نُصُوصَ الكِتابِ والسَّنَةِ الَّتِي هي دَلائِلُ سَمْعِيَّةٌ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ما يُصْلِحُكم في أمْرِ دِينِكُمْ، والأبْصارَ لِتُبْصِرُوا بِها عَجائِبَ مَصْنُوعاتِهِ تَعالى وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ فَتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ
صفحة 202
جَلَّ وعَلا، والأفْئِدَةَ لِتَعْقِلُوا بِها مَعانِيَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَها سُبْحانَهُ دَلائِلَ لَكُمْ، والسَّمْعُ والأبْصارُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما ولَمْ نَرَ مَن جَوَّزَ إخْراجَهُما عَنْ ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِما الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَلى الأوَّلِ، والأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ وهو وسَطُ القَلْبِ وهو مِنَ القَلْبِ كالقَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ، وهَذا الجَمْعُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الجارِيَةِ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُهُما كَما جاءَ شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرَ فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى، وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ ورُبَّما قِيلَ: أفْئِدَةٌ وفِئْدانُ كَما قِيلَ: أغْرِبَةٌ وغِرْبانُ في جَمْعِ غُرابٍ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ القِلَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرٌ وأمّا الفُؤادُ فَقَلِيلٌ لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلْ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبْعِيَّةِ فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ فَلِذا ذُكِرَ في جَمْعِهِ جَمْعُ القِلَّةِ اه، ويَرُدُّ عَلَيْهِ الأبْصارُ فَإنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ أيْضًا. وفي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّهُ قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ لَمْ نُسَطِّرْهُ في الكُتُبِ وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِمّا ذَكَرَ سابِقًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ جاءَ فِيهِ أشْساعٌ جَمْعُ قِلَّةٍ عَلى قِلَّةٍ اه فاحْفَظْ ولا تَغْفُلْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفُؤادَ إنَّما يُدْرِكُ ما لَيْسَ بِمَحْدُودٍ بِنَحْوِ أيْنَ وكَيْفَ وكَمْ وغَيْرَ ذَلِكَ وإنَّ لِكُلِّ مُدْرَكٍ قُوَّةً مُدْرِكَةً لَهُ تُناسِبُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُدْرَكَ بِغَيْرِها عَلى نَحْوِ المَحْسُوساتِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأصْواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ ونَحْوِها والحَواسِّ الظّاهِرَةِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والذَّوْقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.
وإفْرادُ السَّمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّما أُفْرِدَ وجُمِعَ الأبْصارُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدْرَكاتِهِ نَوْعٌ واحِدٌ ومُدْرَكاتِ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّهُ طَرِيقُ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ لِأنَّ إدْراكَهُ أقْدَمُ مِن إدْراكِ البَصَرِ، وقِيلَ: لِأنَّ مُدْرَكاتِهِ أقَلُّ مِن مُدْرَكاتِهِ، والخِلافُ في الأفْضَلِ مِنهُما شَهِيرٌ وقَدْ مَرَّ، وتَقْدِيمُها عَلى الأفْئِدَةِ المُشارِ بِها إلى العَقْلِ لِتَقَدُّمِ الظّاهِرِ عَلى الباطِنِ أوْ لِأنَّ لَهُما مَدْخَلًا في إدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بَلْ هُما مِن خَدَمِهِ والخَدَمُ تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي السّادَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى فُرُوضِ العِبادَةِ أوْ لِأنَّ مُدْرَكاتِهِما أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مُدْرَكاتِهِ كَيْفَ لا ومُدْرَكاتِهِ لا تَكادُ تُحْصى وإنْ قِيلَ: إنَّ لِلْعَقْلِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ كَما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا كَذَلِكَ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِذِكْرِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ فَقَطْ دُونَ ضَمِّ ما يُشِيرُ إلى سائِرِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلَيْهِ لِنَفْيِ الحَواسِّ الخَمْسِ الباطِنَةِ الَّتِي أثْبَتَها الحُكَماءُ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْكم طَوْرًا غَبِّ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى جَعَلَ ذَلِكَ كَيْ تَشْكُرُوهُ تَعالى بِاسْتِعْمالِ ما ذُكِرَ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ
النحل 16:79
﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ «ألَمْ تَرَوْا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ خِطابُ العامَّةِ، والمُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الخَلْقِ المُخاطَبُونَ قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لا عَلى أنَّ المُخاطَبَ مَن وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِتَلْوِينِ الخِطابِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولِذا جُعِلَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِياءِ الغَيْبَةِ بِاعْتِبارِ غَيْبَةِ ( يَعْبُدُونَ ) ولَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ التِفاتًا وحِينَئِذٍ فالإنْكارُ بِاعْتِبارِ انْدِراجِهِمْ في العامَّةِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الطَّيْرِ﴾ جَمْعُ طائِرٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ ويَقَعُ عَلى الواحِدِ أيْضًا ولَيْسَ بِمُرادٍ ويُقالُ في الجَمْعِ أيْضًا طُيُورٌ وأطْيارٌ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَيَرانَها لَيْسَ بِمُقْتَضى طَبْعِها
صفحة 203
﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ، وقِيلَ: الجَوُّ مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والجَوُّ لُغَةٌ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ لِما أنَّهُ في جانِبِها مِنَ النّاظِرِ ولِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الجَوِّ بِالجَوْفِ وفُسِّرَتِ السَّماءُ عَلى هَذا بِجِهَةِ العُلُوِّ، والطَّيْرُ قَدْ يَطِيرُ في هَذِهِ الجِهَةِ حَتّى يَغِيبَ عَنِ النَّظَرِ ولَمْ يَعْلَمْ مُنْتَهى ارْتِفاعِهِ في الطَّيَرانِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الطَّيْرَ لا تَرْتَفِعُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا.
﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ عَنِ الوُقُوعِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ بِقُدْرَتِهِ الواسِعَةِ فَإنَّ ثُقْلَ جَسَدِها ورِقَّةَ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها ولا عَلاقَةَ مِن فَوْقِها ولا دِعامَةَ مِن تَحْتِها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُسَخَّراتٍ ) أوْ مِنَ ﴿الطَّيْرِ﴾ وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيرِ في الجَوِّ والإمْساكِ فِيهِ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها ﴿لآياتٍ﴾ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، وخُصَّ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى جَعْلِ المُشارِ إلَيْهِ ما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا اه.
وكَذا المَوْلى أبُو السُّعُودِ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن تَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً تَتَمَكَّنُ بِها مِنهُ بِأنْ جَعَلَ لَها أجْنِحَةً خَفِيفَةً وأذْنابًا كَذَلِكَ وجَعَلَ أجْسادَها مِنَ الخِفَّةِ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها لا يُطِيقُ ثِقْلُها أنْ يَخْرُقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ الرَّقِيقِ القَوامِ وتَخْرُقُ ما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الهَواءِ لِأنَّها لا تُلاقِيهِ بِحَجْمٍ كَبِيرٍ لِآياتٍ ظاهِرَةٍ، وذَكَرَ أنَّ تَسْخِيرَها بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُساعِدَةِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: والَّذِي نَقُولُهُ إنَّهُ كانَ يُمْكِنُ الطّائِرُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ وإنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ والآلاتُ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ اه وأنا لا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَنْفِي الإمْكانَ الذّاتِيَّ لِلطَّيَرانِ بِدُونِ الجَناحِ مَثَلًا لَكِنْ لا يَبْعُدُ نَفْيُهُ بِدُونِ لُطْفِ المَطارِ والكَثِيفُ مَتى خَرَقَ كانَ المَطارُ لَطِيفًا فافْهَمْ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، وأوَّلُها القاضِي وهو ارْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ.
النحل 16:80
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما مَرَّ، وتَقْدِيمُ ( لَكم ) عَلى ما بَعْدَهُ لِلتَّشْوِيقِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ لِمَنفَعَتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ تَبْيِينٌ لِذَلِكَ المَجْعُولِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ وتَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّشْوِيقِ والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيْ مِن بُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ الَّتِي تَبْنُونَها مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَنَقَضَ وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذُ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِي مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكُمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَسْكُنُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ أيْ جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِكم بِحَيْثُ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وتَطْمَئِنُونَ بِهِ.
﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ أيْ بُيُوتًا أُخَرَ مُغايِرَةً لِبُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ وهي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ
صفحة 204
الأُدْمِ والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في هَذِهِ البُيُوتِ البُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الشَّعْرِ والصُّوفِ والوَبَرِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: بِالِانْدِراجِ لِأنَّها مِن حَيْثُ إنَّها ثابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يُصَدَّقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها. واعْتُرِضَ بِأنَّ ( مِن ) عَلى الأوَّلِ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى إرادَةِ البُيُوتِ الَّتِي مِنَ الشَّعْرِ ونَحْوِهِ ابْتِدائِيَّةٌ. فَإذا عُمِّمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ يَرى جَوازَ هَذا الِاسْتِعْمالِ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ البَيْضاوِيُّ وهو شافِعِيٌّ. وقِيلَ: الجُلُودُ مَجازٌ عَنِ المَجْمُوعِ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ أيْ تَجِدُونَها خَفِيفَةً سَهْلَةَ المَأْخَذِ فالسِّينُ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِلْوِجْدانِ كَأحْمَدْتُهُ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تَرْحالِكم في النَّقْضِ والحَمْلِ ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ ووَقْتَ نُزُولِكم وإقامَتِكم في مُسايِرِكم حَسْبَما يَتَّفِقُ في الضَّرْبِ والبِناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجِدُونَها خَفِيفَةً في أوْقاتِ السَّفَرِ وفي أوْقاتِ الحَضَرِ، واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ الأوَّلَ وقالَ: إنَّهُ التَّفْسِيرُ لِأنَّ المِنَّةَ في خِفَّتِها في السَّفَرِ أتَمُّ وأقْوى إذْ لا يَهُمُّ المُقِيمُ أمْرَها، قالَ في الكَشْفِ: وهو حَقٌّ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أوْلى لِلْعُمُومِ فَإنَّ حالَتَيِ السَّفَرِ انْدَرَجَتا في يَوْمِ ظَعْنِكم حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ الحَضَرِ والخِفَّةُ عَلى المُقِيمِ نِعْمَةٌ في حَقِّهِ أيْضًا فَإنَّهُ يَضْرِبُها وقَدْ يَنْقُلُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ قَرِيبٍ لِداعٍ يَدْعُو إلَيْهِ فالأوْلى أنْ لا تَخْلُو الآيَةُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ اه ولا يَخْفى أنَّ الِانْدِراجَ ظاهِرٌ إنْ أُرِيدَ بِالظَّعْنِ مُقابِلُ الحَضَرِ وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ النُّزُولِ كَما سَمِعْتَ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.
نَعَمْ يَجُوزُ إرادَةُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو «ظَعَنِكُمْ» بِفَتْحِ العَيْنِ. وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها وهُما لُغَتانِ والفَتْحُ عَلى ما في المَعالِمِ أجْزَلُهُما، وقِيلَ: الأصْلُ الفَتْحُ والسُّكُونُ تَخْفِيفٌ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ كالشَّعْرِ والشِّعَرِ.
﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: )مِن جُلُودِ) والضَّمِيرُ لِلْأنْعامِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ وأوْبارِ الإبِلِ وأشْعارِ المَعِزِ ﴿أثاثًا﴾ أيْ مَتاعَ البَيْتِ كالفُرُشِ وغَيْرِها كَما قالَ المُفَضَّلُ، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَما أنَّ المَتاعَ كَذَلِكَ ولَوْ جَمَعْتَ قُلْتَ: أأثَثَةٌ في القَلِيلِ وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أثاثَةٌ وأصْلُهُ- كَما قالَ الخَلِيلُ - مِن قَوْلِهِمْ: أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ وهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وفَرْعٍ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( بُيُوتًا ) مَفْعُولُ جَعَلَ فَيَكُونُ مِمّا عُطِفَ فِيهِ جارٌّ ومَجْرُورٌ مُقَدَّمٌ ومَنصُوبٌ عَلى مِثْلِهِما نَحْوَ ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي الحُجْرَةِ عَمْرًا وهو جائِزٌ ولَيْسَ بِمُسْتَقْبَحٍ كَما زَعَمَ في الإيضاحِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ فَقَطْ عَلى مِثْلِهِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها حالَ كَوْنِها أثاثًا. وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى هَذا وهو ظاهِرٌ.
﴿ومَتاعًا﴾ أيْ شَيْئًا يَتَمَتَّعُ بِهِ ويَنْتَفِعُ في المَتْجَرِ والمَعاشِ قالَهُ المُفَضَّلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المَتاعُ الزِّينَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ اللَّفْظِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. والأوَّلُ أوْلى ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى انْقِضاءِ حاجاتِكم مِنهُ، وعَنْ مُقاتِلٍ إلى بَلى ذَلِكَ وفِنائِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى المَوْتِ، والكَلامُ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ مِثْلُهُ فِيما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.
النحل 16:81
صفحة 205
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ مِن غَيْرِ صُنْعِ مِنكم ﴿ظِلالا﴾ أشْياءً تَسْتَظِلُّونَ بِها مِنَ الغَمامِ والشَّجَرِ والجِبالِ وغَيْرِها وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى الغَمامِ، وعَنِ الزَّجّاجِ وقَتادَةَ أيْضًا الِاقْتِصارُ عَلى الشَّجَرِ، وعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الِاقْتِصارُ عَلى الشَّجَرِ والجِبالِ ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وعَنِ ابْنِ السّائِبِ أنَّ المُرادَ ظِلالُ البُيُوتِ وهو كَما تَرى، ومِن سُبْحانِهِ بِما ذَكَرَ لِأنَّ تِلْكَ الدِّيارَ كانَتْ غالِبَةَ الحَرارَةِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ مَواضِعَ تَسْتَكِنُونَ فِيها مِنَ الغَيْرانِ ونَحْوِها، والواحِدُ كِنٌّ وأصْلُهُ السُّتْرَةُ مِن أكَنَّهُ وكَنَّهُ أيْ سَتَرَهُ ويُجْمَعُ عَلى أكْنانٍ وأكِنَّةٍ.
﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو كُلُّ ما يُلْبَسُ أيْ جَعَلَ لَكم لِباسًا مِنَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ وغَيْرِها ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ المُبَرِّدُ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ أعْنِي البَرْدَ، ولَمْ يُخَصَّ هو بِالذِّكْرِ اكْتِفاءً لِأنَّ وِقايَةَ الحَرِّ أهَمُّ عِنْدِهِمْ لِما مَرَّ آنِفًا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ الرَّأْسِ خَصَّ الحَرَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ وِقايَتَهُ أهَمُّ. وتُعِقِّبَ دَعْوى الأهَمِّيَّةِ بِأنَّهُ يُبْعِدُها ذِكْرُ وِقايَةِ البَرْدِ سابِقًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ ثُمَّ قِيلَ: وهَذا وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى الحَرِّ هُنا لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ خِلافِهِ ثَمَّتْ.
واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إثْباتَ الدِّفْءِ هُناكَ يُبْعِدُ دَعْوى الأهَمِّيَّةِ بَلْ في تَغايُرِ الأُسْلُوبَيْنِ ما يُشْعِرُ بِهَذِهِ الأهَمِّيَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: خُصَّ الحُرُّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ يَقِي مِنَ البَرْدِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الأهَمِّيَّةِ، وقالَ في الكَشْفِ: هو الوَجْهُ، وتَخْصِيصُ الحَرِّ بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ يَعْنِي الأهَمِّيَّةَ، وما قِيلَ: مِن أوْلَوِيَّةِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ كَيْفَ وهو في مَقامِ الِاسْتِيعابِ اه، وصاحِبُ القِيلِ هو ابْنُ المُنِيرِ، وقَدِ اعْتُرِضَ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: إنَّ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ يَقِي مِنَ البَرْدِ بِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ فَإنَّ المَعْرُوفَ أنَّ وِقايَةَ الحَرِّ رَقِيقُ القُمْصانِ ورَفِيعُها ووِقايَةَ البَرْدِ ضِدُّهُ ولَوْ لَبَسَ الإنْسانُ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الفَصْلَيْنِ القَيْظِ والشِّتاءِ لِباسَ الآخَرِ لَعُدَّ مِنَ الثُّقَلاءِ اه فَتَدَبَّرْ.
﴿وسَرابِيلَ﴾ مِنَ الجَواشِنِ والدُّرُوعِ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ أيِ البَأْسَ الَّذِي يَصِلُ مِن بَعْضِكم إلى بَعْضٍ في الحُرُوبِ مِنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُ البَأْسِ الشِّدَّةُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا الحَرْبُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أذى بَأْسِكُمْ، وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ رُجِّحَ لِذَلِكَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ في الماضِي ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن هُنا قِيلَ:
كَمّا أحْسَنَ اللَّهُ فِيما مَضى كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقِيَ
أوْ مِثْلُ هَذا الإتْمامِ البالِغِ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، وإفْرادُ النِّعْمَةِ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِها المَصْدَرُ أوْ لِإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «تَتِمُّ» بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ و«نِعْمَتُهُ» الرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ وإسْنادُ التَّمامِ إلَيْها عَلى الِاتِّساعِ، وعَنْهُ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «نِعَمُهُ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ إرادَةَ أنْ تَنْظُرُوا فِيما أسْبَغَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ فَتَعْرِفُوا حَقَّ مُنْعِمِها فَتُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى وحْدَهُ وتَذْرُوا ما كُنْتُمْ بِهِ تُشْرِكُونَ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ رَدِيفُ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ أيْ لَعَلَّكم تَسْتَسْلِمُونَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَنْقادُونَ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ سَبَبِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوْ مُكَنّى بِهِ عَنْهُ.
صفحة 206
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تَسْلَمُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ أيْ تَشْكُرُونَ فَتَسْلَمُونَ مِنَ العَذابِ أوْ تَنْظُرُونَ فِيها فَتَسْلَمُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: تَسْلَمُونَ مِنَ الجِراحِ بِلَبْسِ تِلْكَ السَّرابِيلِ، ولا بَأْسَ أنْ يُفَسَّرَ ذَلِكَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ آفَةَ الحَرِّ والبَرْدَ، والأقْرَبُ إلى مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ التَّفْسِيرُ الثّانِي.
هَذا وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ فَلَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ
النحل 16:82
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فِعْلٌ ماضٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وتَوْجِيهُ الكَلامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَإنْ دامُوا عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ وعَدَمِ قَبُولِ ما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فَلا يَضُرُّكَ لِأنَّ وظِيفَتَكَ هي البَلاغُ المُوَضَّحُ أوِ الواضِحُ وقَدْ فَعَلْتَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَهو مِن بابِ وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ المَعْنى إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ لا خَلْقُ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تَوَلَّوْا ) مُضارِعًا حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا فَلا التِفاتَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ إلّا بِتَكَلُّفٍ ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى داعِيَةٌ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ ومُعالَجَةٍ
النحل 16:83
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ تَوَلِّيَ المُشْرِكِينَ وإعْراضَهم عَنِ الإسْلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أصْلًا فَإنَّهم يَعْرِفُونَها أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِأفْعالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُفْرِدُوا مُنْعِمَها بِالعِبادَةِ فَكَأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهُ سُبْحانَهُ أصْلًا وذَلِكَ كُفْرانٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الإنْكارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: إنْكارُهم إيّاها قَوْلُهُمْ: ورِثْناها مِن آبائِنا، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ أيْضًا عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: إنْكارُهم إيّاها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ أصابَنِي كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ لَمْ أُصِبْ كَذا وكَذا وفي لَفْظِ إنْكارِها إضافَتُها إلى الأسْبابِ. وقِيلَ: قَوْلُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّانِ يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ السَّدِّيِّ أنَّهُ قالَ النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَجْحَدُونَهُ عِنادًا، وفي لَفْظِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ هَذا في حَدِيثِ أبِي جَهْلٍ والأخْنَسِ حِينَ سَألَ الأخْنَسُ أبا جَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: هو نَبِيٌّ. ومَعْنى ( ثُمَّ ) الِاسْتِبْعادُ الإنْكارُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ الِاعْتِرافُ بِها وأداءُ حَقِّها لا إنْكارُها، وإسْنادُ المَعْرِفَةِ والإنْكارِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْها إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ فَإنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ المُنْكِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ بِما ذُكِرَ، والحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِمُطْلَقِ الكُفْرِ المُؤْذِنِ بِالكَمالِ مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ لا يُنافِي كَمالَ الفِرْقَةِ الأُولى مِن حَيْثُ الكَيْفِيَّةُ كَذا قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ السّالِفُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ أنَّ أكْثَرَهُمُ المُصِرُّونَ الثّابِتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ فالتَّعْبِيرُ بِالأكْثَرِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وقِيلَ: المَعْنى وأكْثَرُهُمُ الجاحِدُونَ عِنادًا، والتَّعْبِيرُ بِالأكْثَرِ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وعَدَمِ اهْتِدائِهِ إلَيْهِ أوْ لِعَدَمِ نَظَرِهِ في الأدِلَّةِ نَظَرًا يُؤَدِّي
صفحة 207
إلى المَطْلُوبِ أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحُجَّةَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفِينَ لِصِغَرٍ ونَحْوِهِ وإمّا لِأنَّهُ يُقامُ مَقامَ الكُلِّ فَتَأمَّلْ.
النحل 16:84
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ ﴿شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ وعَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ، والمُرادُ بِهِ كَما رَوى ابْنُ المُنْذِرِ. وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ في الِاعْتِذارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهم يَسْتَأْذِنُونَ في ذَلِكَ فَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم لا اسْتِئْذانَ مِنهم ولا إذَنَ إذْ لا حُجَّةَ لَهم حَتّى تُذْكَرَ ولا عُذْرَ حَتّى يَعْتَذِرَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى لا يُسْمَعُ كَلامُهم بَعْدَ شَهادَةِ الشُّهَداءِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
فِي سَماعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ وحَدِيثٍ مِثْلَ ما ذِي مُشارِ
وقِيلَ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِعَدَمِ الإذْنِ المُنْبِئِ عَنِ الإقْناطِ الكُلِّيِّ وذَلِكَ عِنْدَ ما يُقالُ لَهُمُ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يُزِيلُوا عَتَبَ رَبِّهِمْ أيْ غَضَبَهُ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذِ الآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ لا دارُ العَمَلِ والرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا مِمّا لا يَكُونُ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ لا يُقالُ لَهُمُ: ارْضُوا رَبَّكم تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وقِيلَ: المَعْنى ولا يُطْلَبُ رِضاهم في أنْفُسِهِمْ بِالتَّلَطُّفِ بِهِمْ مِنِ اسْتَعْتَبَهُ كَأعْتَبَهُ إذا أعْطاهُ العُتْبى وهي الرِّضا وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ، وانْتِصابُ الظَّرْفِ عَلى ما قالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم خَوِّفْهم وهو في ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ أيْ يَوْمَ نَبْعَثُ يَحِيقُ بِهِمْ ما يَحِيقُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ يُنْكِرُونَها أيْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ويُكَذِّبُهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ وتَجْرِي هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ في قَوْلِهِ تَعالى:
النحل 16:85
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ أيِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ بِظُلْمِهِمْ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ كَفَرُوا وكانَ الظّاهِرُ الضَّمِيرَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَهُ لِلنَّعْيِ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ بِالعَذابِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَهَنَّمُ نَفْسُها مَجازًا، ويُرادُ بِضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ ولَيْسَ بِذاكَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: جَوابُ إذا بِتَقْدِيرِ فَهو لا يُخَفَّفُ لِأنَّ المُضارِعَ مُثْبَتًا كانَ أوْ مَنفِيًّا إذا وقَعَ جَوابَ إذا لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ، واسْتَظْهَرَهُ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ ونَقَلَ عَنِ الحَوْفِيِّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَوابٌ وأنَّهُ العامِلُ في (إذا) ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ أمّا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ وبَيَّنّا أنَّ العامِلَ في (إذا) الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ وتَعَقَّبَ الخَفاجِيُّ القَوْلَ بِالجَوابِيَّةِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى ما سَمِعْتَ مِنَ التَّقْدِيرِ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ مُنافٍ لِلْغَرَضِ في تَغايُرِ الجُمْلَتَيْنِ في النَّظْمِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ وهو أنَّ عَدَمَ التَّخْفِيفِ واقِعٌ بَعْدِ رُؤْيَةِ العَذابِ فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ بِخِلافِ عَدَمِ الإمْهالِ فَإنَّهُ ثابِتٌ لَهم في تِلْكَ الحالَةِ اه.
وفِي كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما في الكَشْفِ إشْعارٌ بِأنَّ النّاصِبَ المَحْذُوفَ لِإذا بَغَتَهم وإنَّهُ هو الجَوابُ حَيْثُ قالَ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ وجْهَ انْتِصابِ اليَوْمِ وكَذَلِكَ إذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ الآيَةَ، وفِيهِ إشْعارٌ أيْضًا بِأنَّ عَدَمَ التَّخْفِيفِ والإنْظارِ يَدُلُّ عَلى إثْقالِهِ
صفحة 208
ومُباغَتَتِهِ كَما صُرِّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى حَيْثُ أبَتِ الإتْيانَ بَغْتَةً والبَهْتَ الَّذِي هو الإثْقالُ وزِيادَةً ورُتِّبَ عَلَيْهِ «فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ» ومِثْلُ هَذِهِ الفاءِ فَصِيحَةٌ عِنْدَهُ فافْهَمْ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمِيًّا وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ.
النحل 16:86
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَعْبُدُونَهم مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لَهُ جَلَّ وعَلا مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وشَيْطانٍ وآدَمِيٍّ ومَلِكٍ وإضافَتُهم إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِهَذا الِاتِّخاذِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ مَعْبُوداتُهُمُ الباطِلَةُ كَما تَقَدَّمَ. والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأصْنامِ ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهُمُ الشَّياطِينُ شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في الكُفْرِ أيْ كَفَرُوا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في وبالِ ذَلِكَ حَيْثُ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ﴿قالُوا﴾ أيْ بِألْسِنَتِهِمْ وقِيلَ: خَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ وأنْطَقَ جَوارِحَهم فَقالَتْ عَنْهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ أيْ نَعْبُدُهم ونُطِيعُهم ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ طَمَعًا في تَوْزِيعِ العَذابِ بَيْنَهم. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الشُّرَكاءِ بِالأصْنامِ وفِيهِ أنَّها تَجِيءُ عَلى حالَةٍ يُعْقَلُ مَعَها عَذابُها فَلا بَأْسَ في ذَلِكَ سَواءٌ فُسِّرَتِ الشُّرَكاءُ بِالأصْنامِ فَقَطْ أوْ بِما يَعُمُّها وغَيْرُها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى الشُّرَكاءِ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.
وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ ولا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى ما ذَكَرْنا بِناءً عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ضَرُورِيًّا أيْضًا أنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ حُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَهم بِذَلِكَ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُدْهَشُوا فَيَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُوا ما يَقُولُونَ طامِعِينَ فِيما ذُكِرَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: «رَبَّنا خَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ.
﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ .
﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم عَلى ضَرُورِيٍّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكُونُ. وقِيلَ: القَوْمُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما يَرْجُونَهُ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لا يَحْصُلُ لَهم أصْلًا وعَدَمُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ تَغْلِبُهم أنْفُسُهم بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى تُعَلَّقَ آمالُها بِالمُحالِ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِهِمْ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ( مِن دُونِكَ ) وفِيهِ تَأمُّلْ. نَعَمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوْا﴾ أيْ شُرَكاؤُهم ﴿إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أظْهَرُ مُلاءَمَةً لِلْأوَّلِ فَإنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهم فِيما قالُوا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ لِلْمُدافَعَةِ والتَّخَلُّصِ عَنْ غائِلَةِ مَضْمُونِهِ والظّاهِرُ أنَّ التَّكْذِيبَ راجِعٌ إلى دَعْوى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم أوْ يُطِيعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ: إنَّكم ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أشْياءَ تَصَوَّرْتُمُوها بِأذْهانِكُمُ الفاسِدَةِ وزَعَمْتُمْ أنّا هاتَيْكَ الأشْياءَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَها جِهَةٌ جامِعَةٌ ولا عَلاقَةٌ نافِعَةٌ، وقِيلَ: إنَّما كَذَّبُوهم وقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَهم لِأنَّ الأوْثانَ ما كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم فَكَأنَّ عِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ عِبادَةً لَهم كَما قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: «بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ» يَعْنُونَ أنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لا نَحْنُ، والشَّياطِينُ وإنْ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا حامِلِينَ لَهم عَلى وجْهِ القَسْرِ
صفحة 209
والإلْجاءِ كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أهْواءَكُمْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّياطِينُ كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم كَما كَذَبَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم ومُرادُهم تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنِ الشَّرِيكِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ، وخَصَّ هَذا بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ إرادَةِ الشَّياطِينِ مِنَ الشُّرَكاءِ فافْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ هَذا جَمِيعُ الشُّرَكاءِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِما يَعُمُّ الأصْنامَ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى التَّعْمِيمِ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم وهو مَن يُعْقَلُ مِنهم وكانَ الظّاهِرُ- فَقالُوا لَهم إنَّكم لَكاذِبُونَ- إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لَهم عَلى وجْهِ الإفْصاحِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ ويَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالحِرْصِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ما فِيهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدُهُمُ المِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أتَمَّ تَأْكِيدٍ، وهي في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ الإمامُ أيْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنَّكم لَكاذِبُونَ
النحل 16:87
﴿وألْقَوْا﴾ أيِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هم وشُرَكاؤُهم جَمِيعًا، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ تَعالى العَزِيزِ الغالِبِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأنَّهُ قَرَأ «(السَّلْمَ)» بِإسْكانِ اللّامِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (السُّلُمَ) بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ أنَّ للَّهِ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ سَمِعُوا ما سَمِعُوا.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ مِنهُ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْ مُنْعِمِها ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ذَلِكَ أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهِ تَعالى في شَيْءٍ ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ مِنَ الجَهالاتِ ما يَعْتَقِدُونَ وهو السَّوِيُّ ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَيَقُولُونَ: هو أعْطانِي كَذا ولَوْ لَمْ يُعْطِنِي لَكانَ كَذا ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ الإشارَةُ فِيهِ عَلى ما في أسْرارِ القُرْآنِ إلى ما تَشْرَبُهُ الأرْواحُ مِمّا يَحْصُلُ في العُقُولِ الصّافِيَةِ بَيْنَ النَّفْسِ والقَلْبِ مِن زُلالِ بَحْرِ المُشاهَدَةِ وهُناكَ مَنازِلُ اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ عَلى ما فِيهِ أيْضًا إلى ما تَتَّخِذُهُ الأرْواحُ والأسْرارُ مِن ثَمَراتِ نَخِيلِ القُلُوبِ وأعْنابِ العُقُولِ مِن خَمْرِ المَحَبَّةِ والأُنْسِ الآخِذَةِ بِها إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ:
ولَوْ نَضَحُوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيِّتٍ لَعادَتْ إلَيْهِ الرُّوحُ وانْتَعَشَ الجِسْمُ
﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ قِيلَ أيْ نَحْلَ الأرْواحِ ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ﴾ أيْ جِبالِ أنْوارِ الذّاتِ ﴿بُيُوتًا﴾ مَقارُّ لِـ تَسْكُنِينَ فِيها ﴿ومِنَ الشَّجَرِ﴾ أيْ ومِن أشْجارِ أنْوارِ الصِّفاتِ ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أنْوارُ عُرُوشِ الأفْعالِ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن ثَمَراتِ تِلْكَ الأشْجارِ الصَّفاتِيَّةِ ونُورِ بَهاءِ الأنْوارِ الذّاتِيَّةِ وأزْهارِ الأنْوارِ الإفْعالِيَّةِ ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ وهي صَحارى قُدْسِهِ تَعالى وبَرارِي جَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ذُلُلا﴾ مُنْقادَةً لِما أُمِرَتْ بِهِ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ وهو شَرابُ مَعْرِفَتِهِ تَعالى بِقِدَمِ جَلالِهِ وعِزِّ بَقائِهِ وتَقَدُّسِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾
صفحة 210
بِاخْتِلافِ الثَّمَراتِ ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ لِكُلِّ مَرِيضِ المَحَبَّةِ وسَقِيمِ الإلْفَةِ ولَدِيغِ الشَّوْقِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالنَّحْلِ إلى الَّذِينَ هم في مَبادِي السُّلُوكِ مِن أرْبابِ الِاسْتِعْدادِ، ومِن هُنا قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في مَوْلانا ابْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: نَحْلَةٌ تُدَنْدِنُ حَوْلَ الحِمى أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أنْ يَتَّخِذُوا مَقارًّا مِنَ العَقائِدِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي هي كالجِبالِ في الرُّسُوخِ والثَّباتِ ومِنَ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هي كالشَّجَرِ في التَّشَعُّبِ ومِنَ المُعامَلاتِ المَرْضِيَّةِ الَّتِي هي كالعُرُوشِ في الِارْتِفاعِ ثُمَّ يَسْلُكُوا سُبُلَهُ سُبْحانَهُ وطُرُقَهُ المُوَصِّلَةَ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن تَهْذِيبِ الباطِنِ والمُراقَبَةِ والفِكْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مُتَذَلِّلِينَ خاضِعِينَ غَيْرَ مُعْجَبِينَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ السُّلُوكَ إنَّما يَصِحُّ بَعْدَ تَصْحِيحِ العَقائِدِ ومَعْرِفَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لِيَكُونَ السّالِكُ عَلى بَصِيرَةٍ في أمْرِهِ وإلّا فَهو كَمَن رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ، ومَتى سَلَكَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ وتَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ وصارَ ما يَقْذِفُ بِهِ قَلْبُهُ كالعَسَلِ شِفاءً مِن عِلَلِ الشَّهَواتِ وأمْراضِ النَّفْسِ لا سِيَّما مَرَضُ التَّثَبُّطِ والتَّكاسُلِ عَنِ العِبادَةِ وهو المَرَضُ البَلْغَمِيُّ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: النَّحْلَةُ لَمّا اتَّبَعَتِ الأمْرَ وسَلَكَتْ سُبُلَ رَبِّها عَلى ما أُمِرَتْ بِهِ جُعِلَ لُعابُها شِفاءً لِلنّاسِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا اتَّبَعَ الأمْرَ وحَفِظَ السِّرَّ وأقْبَلَ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ جُعِلَ رُؤْيَتُهُ وكَلامُهُ ومُجالَسَتُهُ شِفاءٌ لِلْخَلْقِ فَمَن نَظَرَ إلَيْهِ اعْتَبَرَ ومَن سَمِعَ كَلامَهُ اتَّعَظَ ومَن جالَسَهُ سَعِدَ انْتَهى. وفي الآيَةِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُودِعُ الشَّخْصَ الحَقِيرَ الشَّيْءَ العَزِيزَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أوْدَعَ النَّحْلَ وهي مِن أحْقَرِ الحَيَواناتِ وأضْعَفِها العَسَلَ وهو مِن ألَذِّ المَذُوقاتِ وأحَلاها فَلا يَنْبَغِي التَّقَيُّدُ بِالصُّوَرِ والِاحْتِجابُ بِالهَيْئاتِ، وفي الحَدِيثِ ««رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ»».
وعَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لا تَنْظُرْ إلى مَن قالَ وانْظُرْ إلى ما قالَ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ فِيهِ إلى تَفاوُتٍ أرْزاقِ السّالِكِينَ فَرِزْقُ بَعْضِهِمْ طاعاتٌ، وبَعْضٍ آخَرَ مَقاماتٌ وبَعْضٍ حالاتٌ وبَعْضٍ مُكاشَفاتٌ وبَعْضٍ مُشاهَداتٌ وبَعْضٍ مَعْرِفَةٌ وبَعْضٍ مَحَبَّةٌ وبَعْضٍ تَوْحِيدٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرُوا أنَّ رِزْقَ الأشْباحِ العُبُودِيَّةُ ورِزْقَ الأرْواحِ رُؤْيَةُ أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ ورِزْقَ العُقُولِ الأفْكارُ ورِزْقَ القُلُوبِ الأذْكارُ ورِزْقَ الأسْرارِ حَقائِقُ العُلُومِ الغَيْبِيَّةِ المَكْشُوفَةِ لَها في مَجالِسِ القُرْبِ ومُشاهَدَةِ الغَيْبِ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ لِتَقَدُّسِهِ تَعالى عَنِ الأوْهامِ والإشاراتِ والعِباراتِ وتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ دَرْكِ الخَلِيقَةِ فَإنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُ إلّا خَلْقًا، ولِذا قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما تَحُدُّ الأدَواتُ أنْفُسَها وتُشِيرُ الآلاتُ إلى نَظائِرِها فَلا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وعُلِّلَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ مُحِبًّا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ أنَّ المُحِبَّ أسِيرٌ بِيَدِ المَحْبُوبِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّهُ مُقَيَّدٌ بِوِثاقِ المَحَبَّةِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فَجَعَلْناهُ مُحِبًّا لَنا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ عَلَيْنا مُتَجَرِّدًا عَمّا سِوانا وآتَيْناهُ مِن لَدَنا عِلْمًا ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا﴾ وذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الباطِنَةِ ﴿وجَهْرًا﴾ وذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ لا اسْتِعْدادَ فِيهِ لِلنُّطْقِ وهو مِثْلُ المُشْرِكِ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِ وقُصُورِ قُوَّتِهِ لِلنَّقْصِ اللّازِمِ لِاسْتِعْدادِهِ ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ لِعَجْزِهِ بِالطَّبْعِ عَنْ تَحْصِيلِ حاجَةٍ ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ وشِرارَتِهِ بِالطَّبْعِ فَلا يُناسِبُ إلّا الشَّرُّ الَّذِي هو العَدَمُ ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ وهو المُوَحِّدُ القائِمُ بِاللَّهِ تَعالى الفانِي عَنْ غَيْرِهِ، والعَدْلُ عَلى ما قِيلَ: ظِلُّ الوَحْدَةِ في عالَمِ الكَثْرَةِ ﴿وهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ الَّذِي عَلَيْهِ خاصَّتُهُ تَعالى مِن أهْلِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ المَمْدُودِ عَلى نارِ الطَّبِيعَةِ لِأهْلِ الحَقِيقَةِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ كالبَرْقِ اللّامِعِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عِلْمُ مَراتِبِ الغُيُوبِ أوْ ما غابَ مِن حَقِيقَتِهِما أوْ ما خَفِيَ فِيهِما مِن أمْرِ
صفحة 211
القِيامَةِ الكُبْرى ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ أيِ القِيامَةِ الكُبْرى بِالقِياسِ إلى الأُمُورِ الزَّمانِيَّةِ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ وهو بِناءٌ عَلى التَّمْثِيلِ وإلّا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ أمْرَ السّاعَةِ لَيْسَ بِزَمانِيٍّ وما كانَ كَذَلِكَ يُدْرِكُهُ مَن يُدْرِكُهُ لا في الزَّمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن ذَلِكَ أمْرُ السّاعَةِ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآيَةَ، قالَ في أسْرارِ القُرْآنِ: أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخْرَجَهم مِن بُطُونِ الأقْدارِ وأرْحامِ العَدَمِ وأصْلابِ المَشِيئَةِ عَلى نَعْتِ الجَهْلِ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ وأُمُورِ العُبُودِيَّةِ وأوْصافِ الأزَلِ فَألْبَسَهم أسْماعًا مِن نُورٍ سَمْعِهِ وكَساهم أبْصارًا مِن نُورِ بَصَرِهِ وأوْدَعَ في قُلُوبِهِمْ عُلُومَ غَيْبَتِهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَهُ انْتَهى. وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالأفْئِدَةِ القُلُوبُ.
وذَكَرَ بَعْضُ مَن أدْرَكْناهُ مِنَ المُرْتاضِينَ في كِتابِهِ الفَوائِدِ وشَرْحِهِ أنَّ مَشاعِرَ الإنْسانِ الصَّدْرُ، والمُرادُ بِهِ الخَيالُ والنَّفْسُ الكُلِّيَّةُ الَّتِي هي مَحَلُّ الصُّوَرِ العِلْمِيَّةِ كُلِّيَّةً أوْ جُزْئِيَّةً فَهو مَحَلُّ العِلْمِ المُقابِلِ لِلْجَهْلِ، والقَلْبُ وهو مَحَلُّ المَعانِي واليَقِينُ بِالنِّسَبِ الحُكْمِيَّةِ ويُقابِلُهُ الشَّكُّ والرَّيْبُ، والفُؤادُ وهو مَحَلُّ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ المُجَرَّدُ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ والنِّسَبِ والأوْضاعِ والإشاراتِ والجِهاتِ والأوْقاتِ ويُقابِلُها الإنْكارُ وهو أعْلى المَشاعِرِ، ونُورُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»».
وهُوَ الوُجُودُ لِأنَّهُ الجِهَةُ العُلْيا مِنَ الإنْسانِ أعْنِي وجْهَهُ مِن جِهَةِ رَبِّهِ وبِهِ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وهو في الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ المَلِكِ في المَدِينَةِ والقَلْبِ بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ لَهُ انْتَهى، ولَهُ أيْضًا كَلامٌ في الأُمِّ وكَذا في الأبِ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُطْلَقُ الأبُ عَلى المادَّةِ والأُمُّ عَلى الصُّورَةِ، وزَعَمَ أنَّ قَوْلَ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المُؤْمِنِينَ مِن نُورِهِ وصَبَغَهم في رَحْمَتِهِ فالمُؤْمِنُ أخُو المُؤْمِنِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ أبُوهُ النُّورُ وأُمُّهُ الرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وأنَّ ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ والحُكَماءُ مِن أنَّ الأبَ هو الصُّورَةُ والأُمَّ هي المادَّةُ وأنَّ الصُّورَةَ إذا نَكَحَتِ المادَّةَ تَوَلَّدَ عَنْهُما الشَّيْءُ تَوَهُّمًا مِنهم أنَّ النُّشُورَ والخَلْقَ في بَطْنِ المادَّةِ بَعِيدَةٌ مِن جِهَةِ المُناسَبَةِ إلى آخِرِ ما قالَ فَتَفَطَّنْ وإيّاكَ أنْ تَعْدِلَ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَسْخِيرِ طَيْرِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ مِنَ الفِكْرِ والعَقْلِ النَّظَرِيِّ والعَمَلِيِّ بَلِ الوَهْمُ والتَّخَيُّلُ في فَضاءِ عالَمِ الأرْواحِ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمادَّةٍ لا اعْتِمادَ عَلى جِسْمٍ ثَقِيلٍ ﴿إلا اللَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ وهو ما يُسْتَظَلُّ بِهِ مِن وهَجِ نارِ الحاجَةِ فالماءُ ظِلٌّ لِلْعَطْشانِ والطَّعامُ ظِلٌّ لِلْجِيعانِ وكُلُّ ما يَقُومُ بِحاجَةِ شَخْصٍ ظِلٌّ لَهُ، وفي الخَبَرِ «السُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ،» وقِيلَ: الظِّلالُ الأوْلِياءُ يَسْتَظِلُّ بِهِمُ المُرِيدُونَ مِن شِدَّةِ حَرِّ الهِجْرانِ ويَأْوُونَ إلَيْهِمْ مِن قَهْرِ الطُّغْيانِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ بِنَحْوِ هَذا فَما أشْبَهَ الأوْلِياءَ بِالجِبالِ ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما جُعِلَ لِلْعارِفِينَ مِن سَرابِيلِ رُوحِ الأُنْسِ لِئَلّا يَحْتَرِقُوا بِنِيرانِ القُدْسِ وأشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ إلى ما مَنَّ بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ كَيْدَ الشَّياطِينَ والنُّفُوسِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ تَنْقادُونَ لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ في العُبُودِيَّةِ وتَخْضَعُونَ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: تَمامُ النِّعْمَةِ السُّكُونُ إلى المُنْعِمِ، وقالَ حَمْدُونَ: تَمامُها في الدُّنْيا المَعْرِفَةُ وفي الآخِرَةِ الرُّؤْيَةُ، وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ الحَرِيرِيُّ: تَمامُها خُلُوُّ القَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ وسَلامَةُ
صفحة 212
النَّفْسِ مِنَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ وهي هِدايَةُ النَّبِيِّ أوْ وجُودُهُ بِقُوَّةِ الفِطْرَةِ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ لِعِنادِهِمْ وغَلَبَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ لِشَهادَةِ فِطَرِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الِاعْتِذارِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْ دَعْوَتِهِ إذْ لا عُذْرَ لَهم ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لِأنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قِيلَ: هَذا في المَوْقِفِ الثّانِي حِينَ تَضْعُفُ غَواشِي أنْفُسِهِمُ المُظْلِمَةِ وتَرِقُّ حُجُبُها الكَثِيفَةُ وأمّا في المَوْقِفِ الأوَّلِ حِينَ قُوَّةِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ وشِدَّةِ شَكِيمَةِ النَّفْسِ في الشَّيْطَنَةِ فَلا يَسْتَسْلِمُونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ وقِيلَ: المُسْتَسْلِمُونَ بَعْضٌ والحالِفُونَ بَعْضٌ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
النحل 16:88
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وصَدُّوا﴾ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِمَنعِ مَن يُرِيدُ الإسْلامَ عَنْهُ وبِحَمْلِ مَنِ اسْتَخَفُّوهُ عَلى الكُفْرِ فالصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ أعَمُّ مِنَ المَنعِ عَنْهُ ابْتِداءً وبَقاءً كَذا قِيلَ: والظّاهِرُ الأوَّلُ، والظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ خَبَرُهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المَوْصُولِ بَدَلًا مِن فاعِلِ ( يَفْتَرُونَ ) ويَكُونُ ﴿زِدْناهُمْ﴾ مُسْتَأْنِفًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الأوَّلِ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ أوْ رَفْعًا عَلَيْهِ فَيُضْمَرُ النّاصِبُ والمُبْتَدَأُ وُجُوبًا ﴿وزِدْناهُمْ﴾ بِحالِهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ إمّا بِالشِّدَّةِ أوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ والثّانِي هو المَأْثُورُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنِ البَراءِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «عَقارِبُ أمْثالُ النَّخْلِ الطُّوالِ يَنْهَشُونَهم في جَهَنَّمَ»» ورَوى نَحْوَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ أهْلَ النّارِ إذا جَزِعُوا مِن حَرِّها اسْتَغاثُوا بِضِحْضاحٍ في النّارِ فَإذا أتَوْهُ تَلْقاهم عَقارِبُ كَأنَّهُنَّ البِغالُ الدُّهْمُ وأفاعِي كَأنَّهُنَّ البَخاتِيُّ فَتَضْرِبُهم فَذَلِكَ الزِّيادَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أنْهارٌ مِن صِفْرٍ مُذابٍ يَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ- بِزِدْناهُمْ- أيْ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإفْسادِ وهو الصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ ذَلِكَ بِما هو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ، والمَعْنى زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ عَذابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ والصَّدَّ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ القَبِيحَيْنِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ البَقاءَ عَلى المَعْصِيَةِ يَوْمَيْنِ مَثَلًا أقْبَحُ مِنَ البَقاءِ عَلَيْها يَوْمًا والبَقاءُ ثَلاثَةَ أيّامٍ أقْبَحُ مِنَ البَقاءِ يَوْمَيْنِ وهَكَذا، ومِن هُنا قالُوا: الإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العَذابِ مَرْتَبَةً مَخْصُوصَةً هي ما يَكُونُ لَهم أوَّلَ دُخُولِها والزِّيادَةُ عَلَيْها إنَّما هي لِحِفْظِها إذْ لَوْ لَمْ تَزِدْ لَألِفُوها وطابَتْ أنْفُسُهم بِها كَمَن وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ حارٍّ مَثَلًا فَإنَّهُ يَجِدُ أوَّلَ زَمانِ وضْعِها ما لا يَجِدُهُ بَعْدَ مُضِيِّ ساعَةٍ وهو كَما تَرى.
النحل 16:89
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ وهو كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَبِيُّهُمُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ في الدُّنْيا، ومَعْنى كَوْنِهِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهُ مِنهُمْ، وذَلِكَ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْمَعْذِرَةِ، ولا يَرِدُ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَما تَأهَّلَ فِيهِمْ وسَكَنَ مَعَهم عُدَّ مِنهم أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى شُهَداءً مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ فَإنْ
صفحة 213
أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَكَرَ الإمامُ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى قَوْمِهِ كَما تَقَدَّمَ، والثّانِي أنَّ كُلَّ قَرْنٍ وجَمْعٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ فِيهِمْ مَن يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ولا بُدَّ أنْ لا يَكُونَ جائِزَ الخَطَأِ وإلّا لاحْتاجَ إلى آخَرَ وهَكَذا فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، ووُجُودُ الشَّهِيدِ كَذَلِكَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ظاهِرٌ، وأمّا بَعْدَهُ فَلا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِن أقْوامٍ تَقُومُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ وهم قائِمُونَ مَقامَ الشَّهِيدِ المَعْصُومِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إجْماعُ الأُمَّةِ حُجَّةً انْتَهى، وإلى أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِمَّنْ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلى أهْلِ عَصْرِهِ ذَهَبَ الجَبائِيُّ وأكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ: ومَذْهَبُهم يُوافِقُ مَذْهَبَ أصْحابِنا يَعْنِي الشِّيعَةَ وإنْ خالَفَهُ في أنَّ ذَلِكَ الحُجَّةَ مَن هو. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِالشَّهِيدِ أجْزاءٌ مِنَ الإنْسانِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَنْطِقُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ مِنهُ وهي الأُذُنانِ والعَيْنانِ والرِّجْلانِ واليَدانِ والجِلْدُ واللِّسانُ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ.
وتَعَقَّبَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّ كَوْنَهُ شَهِيدًا عَلى الأُمَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَيْرَهم. وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ يَأْبى ذَلِكَ إذْ لا يَصِحُّ وصْفُ آحادِ الأعْضاءِ بِأنَّها مِنَ الأُمَّةِ وأيْضًا مُقابَلَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ يُبْعِدُ ما ذُكِرَ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ أُمَّتُهُ ﷺ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ يُسْتَبْعَدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الحاضِرِينَ وقْتَ النُّزُولِ وغَيْرَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّ أعْمالَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««حَياتِي خَيْرٌ لَكم تُحَدِّثُونَ ويُحَدَّثُ لَكم ومَماتِي خَيْرٌ لَكم تُعْرَضُ عَلَيَّ أعْمالُكم فَما رَأيْتُ مِن خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وما رَأيْتُ مِن شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ تَعالى لَكم»».
بَلْ جاءَ أنَّ أعْمالَ العَبْدِ تُعْرَضُ عَلى أقارِبِهِ مِنَ المَوْتى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَفْضَحُوا أمْواتَكم بِسَيِّئاتِ أعْمالِكم فَإنَّها تُعْرَضُ عَلى أوْلِيائِكم مِن أهْلِ القُبُورِ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ««إنَّ أعْمالَكم تُعْرَضُ عَلى أقارِبِكم وعَشائِرِكم مِنَ الأمْواتِ فَإنْ كانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ قالُوا: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهم حَتّى تَهْدِيَهم كَما هَدَيْتَنا»» وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ بِزِيادَةِ ««وألْهِمْهم أنْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِكَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أعْمالَكم تُعْرَضُ عَلى مَوْتاكم فَيُسَرُّونَ ويُساءُونَ» فَكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُولُ عَنْهُ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ يَمْقُتَنِي خالِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ في سُجُودِهِ. والنَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِمَنزِلَةِ الوالِدِ بَلْ أوْلى، ولَمْ أقِفْ عَلى عَرْضِ أعْمالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّها تُعْرَضُ فَأمْرُ الشَّهادَةِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ في نَبِيٍّ لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّتِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ عَنْهُ نَبِيٌّ آخَرُ، وإنْ قِيلَ: إنَّها لا تُعْرَضُ احْتاجَ أمْرُ الشَّهادَةِ إلى الفَحْصِ عَنْ وُجُودِ أمْرٍ يُفِيدُ العِلْمَ المُصَحِّحَ لَها أوِ التِزامِ أنَّ الشَّهِيدَ لَيْسَ هو النَّبِيُّ وحْدَهُ كَما سَمِعْتَ فِيما سَبَقَ، ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ العَرْضِ عَلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ««لَيُذادُنَّ عَنِ الحَوْضِ أقْوامٌ»» الخَبَرَ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ المَناوِيُّ ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ، وقَدْ أجَبْتُ عَنْهُ في بَعْضِ تَعْلِيقاتِي فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ شُهَداءُ الأُمَمِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَقائِدِهِمْ واسْتِجْماعِ شَرْعِهِ لِقَواعِدِهِمْ لا الأُمَّةِ لِأنَّ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِشَهادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأنْبِياءِ ﷺ فَتَخْلُو عَنِ التَّكْرارِ. ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِشَهادَتِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَّتِهِ تَزْكِيَتُهُ وتَعْدِيلُهُ لَهم بَعْدَ أنْ يَشْهَدُوا عَلى تَبْلِيغِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَسْبَما عَلِمُوهُ مِن كِتابِهِمْ
صفحة 214
وهَذا لَمْ يُعْلَمْ مِمّا مَرَّ لِيَكُونَ تَكْرارًا وهو الوارِدُ في الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ ( وعَلى ) لا مَضَرَّةَ فِيها وإنْ ضَرَّتْ فالضَّرَرُ مُشْتَرَكٌ. نَعَمْ لَمْ يُفْهَمْ مِمّا قَبْلَ شَهادَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى تَبْلِيغِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيَظْهَرَ كَوْنُ هَذِهِ الشَّهادَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَما في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّهْدِيدِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الأُمَمُ وشُهَداؤُهُمْ، وإيثارُ لَفْظِ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ انْتَهى. وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ ( هَؤُلاءِ ) عَلى ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيثارُ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِلْإيذانِ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ شَهادَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أُمَّتِهِ لِلتَّزْكِيَةِ ولا كَذَلِكَ شَهادَةُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أُمَمِهِمْ.
والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الكامِلَ في الكِتابِيَّةِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا- عَلى ما في البَحْرِ- اسْتِئْنافُ أخْبارٍ ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجِئْنا بِكَ﴾ إلَخْ إنْ كانَ كَلامًا مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (نَبْعَثُ) و (شَهِيدًا) حالًا مُقَدَّرَةً فَلا إشْكالَ في الحالِيَّةِ وإنْ كانَ عَطْفًا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِما عُرِفَ في أمْثالِهِ، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مُتَقَدِّمٌ بِكَثِيرٍ فَلا يَتَمَشّى التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ في تَصْحِيحِ كَوْنِ الماضَوِيَّةِ حالًا هُنا، فَفي صِحَّةِ كَوْنِهِ حالًا كَلامٌ إلّا أنْ يُبْنى عَلى عَدَمِ جَرَيانِ الزَّمانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ العَقائِدُ والقَواعِدُ بِالدُّخُولِ الأوْلى، وذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ إلى البَعْثِ وما بَعْدَهُ، ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى بِحَيْثُ أوْ بِحالٍ أنّا كَما نَزَّلْنا عَلَيْكَ وتِلْكَ الحَيْثِيَّةُ ثابِتَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الأبَدِ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في الفِعْلِ العامِلِ في الظَّرْفِ أيْ خَوْفَهَمْ ذَلِكَ اليَوْمَ وقَدْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ، وهو كَما تَرى والأسْلَمُ الِاسْتِئْنافُ والتِّبْيانُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ عَلى ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، قالَ سَلامَةُ الأنْبارِيُّ في شَرْحِ المَقاماتِ: كُلُّ ما ورَدَ مِنَ المَصادِرِ عَنِ العَرَبِ عَلى تَفْعالٍ فَهو بِفَتْحِ التّاءِ إلّا لَفْظَتَيْنِ وهُما تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أيْضًا في الأسْماءِ قَلِيلَةٌ، فَعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ في نَظْمِ الفَرائِدِ: جاءَ عَلى تِفْعالٍ بِالكَسْرِ وهو غَيْرُ مَصْدَرٍ رَجُلٌ تِكْلامٌ وتِلْقامٌ وتِلْعابٌ وتِمْساحٌ لِلْكَذّابِ وتِضْرابٌ لِلنّاقَةِ القَرِيبَةِ بِضِرابِ الفَحْلِ وتِمْرادٌ لِبَيْتِ الحَمامِ وتِلْفافٌ لِثَوْبَيْنِ مَلْفُوفَيْنِ وتِجْفافٌ لِما تَجَلَّلَ بِهِ الفَرَسُ وتِهْواءٌ لِجُزْءٍ ماضٍ مِنَ اللَّيْلِ وتِنْبالٌ لِلْقَصِيرِ اللَّئِيمِ وتِعْشارٌ وتِبْراكٌ لِمَوْضِعَيْنِ، وزادَ ابْنُ جَعْوانَ تِمْثالٌ وتِيفاقٌ لِمُوافَقَةِ الهِلالِ، واقْتَصَرَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ في شَرْحِ المُعَلَّقاتِ عَلى أقَلِّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى تِفْعالٍ إلّا أرْبَعَةُ أسْماءَ وخامِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ يُقالُ تِبْيانٌ ويُقالُ لِقِلادَةِ المَرْأةِ تِقْصارٌ وتِعْشارٌ وتِبْراكٌ والخامِسُ تِمْساحٌ وتِمْسَحٌ أكْثَرُ وأفْصَحُ انْتَهى، والمَعْرُوفُ أنَّ (تِبْيانًا) مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ وإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ فِيهِ الفَتْحَ في غَيْرِ القُرْآنِ، والمُرادُ مِن كُلِّ شَيْءٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ أيْ بَيانًا بَلِيغًا لِكُلِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ومِن جُمْلَتِهِ أحْوالُ الأُمَمِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا ما أخْبَرَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن بَعْثِ الشُّهَداءِ وبَعْثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فانْتِظامُ
صفحة 215
الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، والدَّلِيلُ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِ المُخَصَّصِ لِلشَّيْءِ المُقامِ وأنَّ بِعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هي لِبَيانِ الدِّينِ، ولِذا أُجِيبَ السُّؤالُ عَنِ الأهِلَّةِ بِما أُجِيبَ، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»» وكَوْنُ الكِتابِ تِبْيانًا لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى البَعْضِ وإحالَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ عَلى السُّنَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ فِيهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ فَإنَّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ دَلِيلُ الإجْماعِ، وقَدْ رَضِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ بِاتِّباعِ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ««عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ»».
وقَدِ اجْتَهَدُوا وقاسَوْا ووَطِؤُوا طُرُقَ الِاجْتِهادِ فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ مُسْتَنِدَةً إلى تِبْيانِ الكِتابِ، وقالَ بَعْضٌ: كُلٌّ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ إذْ يَأْبى الإحاطَةَ والتَّعْمِيمَ ما في التِّبْيانِ مِنَ المُبالَغَةِ في البَيانِ وأنَّ مِن أُمُورِ الدِّينِ تَخْصِيصًا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ. ورَدَّ الثّانِي بِما سَمِعْتَ آنِفًا والأوَّلُ بِأنَّ المُبالَغَةَ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إنَّهُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ وجْهَةٌ والمُرَجِّحُ لِلْأوَّلِ إبْقاءُ كُلٍّ عَلى حَقِيقَتِها في الجُمْلَةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ يُرَجِّحُ الثّانِي إبْقاءُ ( شَيْءٍ ) عَلى العُمُومِ وسَلامَتُهُ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ ومِنَ المَجازِ عَلى قَوْلِ نَعَمْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى اعْتِبارِ التَّخْصِيصِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقالَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ في الرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ السُّنَّةِ بِالكِتابِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وإنْ خُصَّ مِن عُمُومِهِ ما خُصَّ بِغَيْرِ القُرْآنِ، وتَوْجِيهُ كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ بِما تَقَدَّمَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ. فَعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ مَرَّةً بِمَكَّةَ: سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ أُخْبِرُكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ؟ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ وحَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ»».
وحَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدامٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ المُحْرِمِ الزُّنْبُورَ، ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى» فَقالَتْ لَهُ امْرَأةْ في ذَلِكَ فَقالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ: لَقَدْ قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ فَقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدِّتِيهِ أما قَرَأتِ «وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا» قالَتْ: بَلى. قالَ: فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَهى عَنْهُ». وذَهَبَ بَعْضُهم إلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ غَيْرُ قائِلٍ بِالتَّخْصِيصِ ولا بِأنَّ (كُلٌّ) لِلتَّكْثِيرِ فَقالَ: ما مِن شَيْءٍ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ وقَدْ بَيَّنَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ بَيانًا بَلِيغًا واعْتُبِرَ في ذَلِكَ مَراتِبُ النّاسِ في الفَهْمِ فَرُبَّ شَيْءٍ يَكُونُ بَيانًا بَلِيغًا ولا يَكُونُ كَذَلِكَ لِآخَرِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُ بَيانًا لِواحِدٍ ولا يَكُونُ بَيانًا لِآخَرَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِ البَيانِ بَلِيغًا أوْ غَيْرَ بَلِيغٍ ولَيْسَ هَذا إلّا لِتَفاوُتِ قُوى البَصائِرِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ اخْتِلافُ مَراتِبِ الإحْساسِ لِتَفاوُتِ قُوى الإبْصارِ، وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِهِ تِبْيانًا أنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ وهو لا يَسْتَدْعِي وُجُودَ مُبَيِّنٍ
صفحة 216
لَهُ فَضْلًا عَنْ تَشارُكِ الجَمِيعِ في تَحَقُّقِ هَذا الوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ بِأنْ يَفْهَمُوا حالَ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الشَّمْسُ فَإنَّها مُنِيرَةٌ في حَدِّ ذاتِها وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْتَنِيرٌ أوْ ناظِرٌ، ويُغْنِي عَنْ هَذا الِاعْتِبارِ اعْتِبارُ أنَّ المُبالَغَةَ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، ويُؤَيِّدُ القَوْلُ بِالظّاهِرِ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَيْرَهُ قَدِ اسْتَخْرَجُوا مِنهُ ما لا يُحْصى مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ. وقَدْ رَأيْتُ جَدْوَلًا حَرْفِيًّا مَنسُوبًا إلى الشَّيْخِ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ المَحْشَرِ، وآخَرَ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآخَرَ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ النّارِ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما يَزْعُمُونَ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِثْلُ هَذا الجَفْرِ الجامِعِ المَنسُوبِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ جامِعٌ لِما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ وهو أيْضًا مُسْتَخْرَجٌ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.
وقَدْ نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ المُرْسِي أنَّهُ قالَ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ وأعْلامُهم مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ ومِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى قالَ الأوَّلُ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ ورِثَ عَنْهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ وفَتَرَتِ العَزائِمُ وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ، وقِيلَ: لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن عارِفٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وهو الوارِثُ المُحَمَّدِيُّ ويُسَمّى الغَوْثَ وقُطْبَ الأقْطابِ والمُظْهِرَ الأتَمَّ ومُظْهِرَ الِاسْمِ الأعْظَمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَرُدُّ عَلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ حَدِيثُ التَّأْبِيرِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»».
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ قَبْلَ نُزُولِهِ ما يُعْلَمُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حالَ التَّأْبِيرِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ النُّزُولِ وقالَ ذَلِكَ ﷺ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ والنَّظَرِ فِيهِ ولَوْ رَجَعَ ونَظَرَ لَعَلِمَ فَوْقَ ما عَلِمُوا فَأعَلْمَيِتُّهم بِأُمُورِ دُنْياهم إنَّما جاءَتْ لِكَوْنِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى الرُّجُوعِ والنَّظَرِ وعِلْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ وهَذا كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَوِ اسْتَقْبَلْتُ ما اسْتَدْبَرْتُ لَما سُقْتُ الهَدْيَ»». مَعَ أنَّ سَوْقَ الهَدْيِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ تِبْيانٌ لَها، وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ لَوْلا هَذا الجَوابُ فَتَأمَّلْ فالبَحْثُ بَعْدُ غَيْرُ خالٍ عَنِ القِيلِ والقالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأُمُورَ إمّا دِينِيَّةٌ أوْ دُنْيَوِيَّةٌ والدُّنْيَوِيَّةُ لا اهْتِمامَ لِلشّارِعِ بِها إذْ لَمْ يُبْعَثُ لَها والدِّينِيَّةُ إمّا أصْلِيَّةٌ أوْ فَرْعِيَّةٌ والِاهْتِمامُ بِالفَرْعِيَّةِ دُونَ الِاهْتِمامِ بِالأصْلِيَّةِ فَإنَّ المَطْلُوبَ أوَّلًا بِالذّاتِ مِن بَعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو التَّوْحِيدُ وما أشْبَهَهُ بَلِ المَطْلُوبُ مِن خَلْقِ العِبادِ هو مَعْرِفَتُهُ تَعالى كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ كَثِيرِ العِبادَةِ بِالمَعْرِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ المَشْهُورِ عَلى الألْسِنَةِ المُصَحَّحِ مِن طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ: ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»».
والقُرْآنُ العَظِيمُ قَدْ تَكَفَّلَ بِبَيانِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَلْيَكُنِ المُرادُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُ هَذا إلى تَوْجِيهِ كَوْنِهِ تِبْيانًا إلى ما احْتاجَ إلَيْهِ حَمَلُ كُلِّ شَيْءٍ عَلى أُمُورِ الدِّينِ مُطْلَقًا مِن قَوْلِنا: إنَّهُ بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى البَعْضِ وإحالَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ عَلى السُّنَّةِ إلَخْ، واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلى ظاهِرِهِ إلّا أنَّ المُرادَ بِالتِّبْيانِ التِّبْيانُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وما مِن شَيْءٍ إلّا بُيِّنَ في الكِتابِ حالُهُ إجْمالًا، ويَكْفِي في ذَلِكَ بَيانُ بَعْضِ أحْوالِهِ والمُبالَغَةِ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ عَلى ما عَلِمْتَ سابِقًا، ولَوْ حُمِلَ التِّبْيانُ عَلى
صفحة 217
ما يَعُمُّ الإجْمالَ والتَّفْصِيلَ مَعَ اعْتِبارِ المُبَيِّنِ لَهم واعْتُبِرَ التَّوْزِيعُ جازَ أيْضًا فَلْيُتَدَبَّرْ، ونَصْبُ ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِأجْلِ التِّبْيانِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ لِلْجَمِيعِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وحِرْمانُ الكَفَرَةِ مِن جِهَةِ تَفْرِيطِهِمْ ﴿وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصَّةٌ، وجُوِّزَ صَرْفُ الجَمِيعِ لَهم لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ أوْ لِأنَّهُ الهِدايَةُ الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ والرَّحْمَةُ الرَّحْمَةُ التّامَّةُ.
النحل 16:90
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ فِيما نَزَّلَهُ عَلَيْكَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿بِالعَدْلِ﴾ أيْ بِمُراعاةِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ وهو رَأْسُ الفَضائِلِ كُلِّها يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَهْبَذَةِ والبَلادَةِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ العِفَّةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الخَلاعَةِ والجُمُودِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ السَّبْعِيَّةِ مِنَ الشَّجاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ. فَمِنَ الحِكَمِ الِاعْتِقادِيَّةِ التَّوْحِيدُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ ونَفْيِ الصَّنائِعِ كَما تَقُولُهُ الدَّهْرِيَّةُ والتَّشْرِيكُ كَما تَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ العَدْلِ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ. وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُمْ، وضَمَّ إلَيْهِ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ مَحْضِ الجَبْرِ والقَدَرِ. ومِنَ الحِكَمِ العَمَلِيَّةِ التَّعَبُّدُ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الباطِلَةِ وتَرْكِ العَمَلِ لِزَعْمِ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ إذِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مُتَعَيَّنانِ في الأزَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المَلاحِدَةِ والتَّرَهُّبُ بِتَرْكِ المُباحاتِ تَشْبِيهًا بِالرُّهْبانِ. ومِنَ الحِكَمِ الخُلُقِيَّةِ الجُودُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ العَدْلَ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: دَعانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقالَ لِي: صِفْ لِي العَدْلَ فَقُلْتُ: بَخٍ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ جَسِيمٍ كُنْ لِصَغِيرِ النّاسِ أبًا ولِكَبِيرِهِمُ ابْنًا ولِلْمِثْلِ مِنهم أخًا ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ وعاقِبِ النّاسَ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ وعَلى قَدْرِ أجْسادِهِمْ ولا تَضْرِبَنَّ لِغَضَبِكَ سَوْطًا واحِدًا فَتَكُونَ مِنَ العادِينَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِمَقامِ السّائِلِ وإلّا فَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِهِ أوْلى ﴿والإحْسانِ﴾ أيْ إحْسانِ الأعْمالِ والعِبادَةِ أيِ الإتْيانُ بِها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»». أوْ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ الجابِرَةِ لِما في الواجِباتِ مِنَ النَّقْصِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإحْسانِ المُتَعَدِّي بِإلى لا المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ يُقالُ: أحْسَنَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ أيِ الإحْسانُ إلى النّاسِ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ،
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ العُكْلِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: فِيمَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: نَتَذاكَرُ المُرُوءَةَ فَقالَ: أوَما كَفاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذاكَ في كِتابِهِ إذْ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ فالعَدْلُ الإنْصافُ والإحْسانُ التَّفَضُّلُ فَما بَقِيَ بَعْدَ هَذا.
وأعْلى مَراتِبِ الإحْسانِ عَلى هَذا الإحْسانُ إلى المُسِيءِ وقَدْ أمَرَ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَ ما فَسَّرَ
صفحة 218
العَدْلَ بِالتَّوْحِيدِ فَسَّرَ الإحْسانَ بِأداءِ الفَرائِضِ، وفِيهِ اعْتِبارُ الإحْسانِ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ يُنْصِفَ ويَنْتَصِفَ والإحْسانُ أنْ يُنْصِفَ ولا يَنْتَصِفَ وقِيلَ العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ.
﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ إعْطاءِ الأقارِبِ حَقَّهم مِنَ الصِّلَةِ والبِرِّ، وهَذا داخِلٌ في العَدْلِ أوِ الإحْسانِ وصُرِّحَ بِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى ما يَعُمُّ سائِرَ الأقارِبِ سَواءٌ كانُوا مِن جِهَةِ الأُمِّ أوْ مِن جِهَةِ الأبِ، وهَذا هو المُرادُ بِذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ حَثَّ الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صِلَتِهِمْ عَلى الأصَحِّ، وقِيلَ: ذَوُو الأرْحامِ الأقارِبُ مِن جِهَةِ الأُمِّ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ المُرادَ مِن ذِي القُرْبى هُنا قَرابَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُرادُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ .
﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ الإفْراطِ في مُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا مَثَلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الفَحْشاءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لا تَخْصِيصٌ (والمُنْكَرِ) ما يُنْكَرُ عَلى مُتَعاطِيهِ مِنَ الإفْراطِ في إظْهارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُهُ بِالشِّرْكِ، وعَنِ ابْنِ السّائِبِ أنَّهُ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ، وقِيلَ: ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنْ يُوجِبُ العَذابَ في الآخِرَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: إنَّهُ لَفْتَةٌ إلى الِاعْتِزالِ ولَوْ قالَ: المُنْكَرُ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ لَوافَقَ الحَقَّ لَكِنَّهُ لا يَدَعْ بِدْعَةَ المُعْتَزِلَةِ في التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِالعَقْلِ، وقالَ في الكَشْفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أيْ بَعْدَ رَدِّهِ إلى قَوانِينِ الشَّرْعِ فالإنْكارُ بِالعَقْلِ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّما الخِلافُ في مَأْخَذِهِ والمَقْصُودُ أنَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ عَلى المَذْهَبَيْنِ لا يَحِقُّ المُحاقَّةُ فِيهِ وهو كالتَّعْرِيضِ بِابْنِ المُنِيرِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُنْكَرَ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ قالَ: لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِلِ، وعَلى أوَّلًا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿والبَغْيِ﴾ الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ والتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وهو مِن آثارِ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي هي حاصِلَةٌ مِن رَذِيلَتَيِ القُوَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، وأصْلُ مَعْنى البَغْيِ الطَّلَبُ ثُمَّ اخْتُصَّ بِطَلَبِ التَّطاوُلِ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، ومِن ثَمَّ فُسِّرَ بِما فُسِّرَ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها بِالإشارَةِ إلى قُوَّةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُنْكَرُ أعَمُّ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ويُقَبِّحُهُ مِنَ الأقْوالِ أوِ الأفْعالِ سَواءٌ عَظُمَ قُبْحُهُ ومَفْسَدَتُهُ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الغَيْرِ أمْ لا، وأنَّ المُرادَ بِالفَحْشاءِ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِن ذَلِكَ، ومِنهُ قِيلَ لِمَن عَظُمَ قُبْحُهُ في البُخْلِ فاحِشٌ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الرّاغِبُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
والبَغْيُ التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ فَفي الآيَةِ عَطْفُ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ مُقابِلُ العَدْلِ ويُفَسَّرُ بِما خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الِاعْتِدالِ إلى جانِبِ الإفْراطِ، وبِالمُنْكَرِ ما يُقابِلُ ما فِيهِ الإحْسانُ ويُفَسَّرُ بِما أتى بِهِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ بَلْ عَلى وجْهٍ يُنْكَرُ ويُسْتَقْبَحُ وبِالبَغْيِ ما يُقابِلُ إيتاءَ ذِي القُرْبى
صفحة 219
ويُفَسَّرُ بِما فُسِّرَ ويَكُونُ قَدْ قُوبِلَ في الآيَةِ الأمْرُ بِالنَّهْيِ وكُلٌّ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ بِكُلٍّ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ وجَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ والنَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ. والإمامُ الرّازِيُّ قَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وذَكَرَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَأْمُورِ بِها ويَقْتَضِي أيْضًا المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها وشَرَعَ في بَيانِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الأوَّلِ ثُمَّ قالَ: والحاصِلُ أنَّ العَدْلَ عِبارَةٌ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ مِنَ الخَيْراتِ والإحْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ في الطّاعاتِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ وبِحَسَبِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ وبِحَسَبِ الِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقامِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ويَدْخُلُ في تَفْسِيرِهِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِهِ سُبْحانَهُ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى الخَلْقِ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ أشْرَفُها وأجَلُّها صِلَةُ الرَّحِمِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ المُغايَرَةِ بَيْنَ الأخِيرَةِ وقالَ: تَفْصِيلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوىً أرْبَعَةً وهي الشَّهْوانِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ السَّبْعِيَّةُ والوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ المَلَكِيَّةُ، وهَذِهِ الأخِيرَةُ لا يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَهْذِيبِها لِأنَّها مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَتائِجِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ العُلْوِيَّةِ وإنَّما المُحْتاجُ إلى التَّهْذِيبِ الثَّلاثَةُ قَبْلَها، ولَمّا كانَتِ الأُولى أعْنِي القُوَّةَ الشَّهْوانِيَّةَ إنَّما تَرْغَبُ في تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ وكانَ هَذا النَّوْعُ مَخْصُوصًا بِاسْمِ الفُحْشِ- ألا تَرى أنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً- أشارَ إلى تَهْذِيبِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ الذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ إذَنِ الشَّرِيعَةِ، ولَمّا كانَتِ الثّانِيَةُ أعْنِي القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ السَّبْعِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في إيصالِ الشَّرِّ والبَلاءِ والإيذاءِ إلى سائِرِ النّاسِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِنَهْيِهِ تَعالى عَنِ المُنْكَرِ إذْ لا شَكَّ أنَّ النّاسَ يُنْكِرُونَ تِلْكَ الحالَةَ فالمُنْكَرُ عِبارَةٌ عَنِ الإفْراطِ الحاصِلِ في آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، ولَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ أعْنِي القُوَّةَ الوَهْمِيَّةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعِ وإظْهارِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِالنَّهْيِ عَنِ البَغْيِ إذْ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّطاوُلُ والتَّرَفُّعُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: أخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ الشَّهْوانِيَّةُ وأوْسَطُها الغَضَبِيَّةُ وأعْلاها الوَهْمِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى راعى هَذا التَّرْتِيبَ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ الفَحْشاءِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ ثُمَّ بِالمُنْكَرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ثُمَّ بِالبَغْيِ الَّذِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ اه. وما تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، ولْيُنْظَرْ هَلْ يَثْبُتُ بِما قَرَّرَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ السّابِقُ أمْ لا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ عَطْفَ البَغْيِ عَلى ما قَبْلَهُ كَعَطْفِ (إيتاءِ ذِي القُرْبى) عَلى ما قَبْلَهُ.
وبِالجُمْلَةِ أنَّ الآيَةَ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أجْمَعُ آيَةٍ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الباوَرْدِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «بَلَغَ أكْتَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرادَ أنْ يَأْتِيَهُ فَأتى قَوْمَهُ فانْتُدِبَ رَجُلانِ فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: نَحْنُ رُسُلُ أكْتَمَ يَسْألُكَ مَن أنْتَ وما جِئْتَ بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولُهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ إلَخْ قالُوا: رَدِّدْ عَلَيْنا هَذا القَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ حَتّى حَفِظُوهُ فَأتَيا أكْتَمَ فَأخْبَراهُ فَلَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: إنِّي لَأُراهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ويَنْهى عَنْ مَذامِّها فَكُونُوا في هَذا الأمْرِ رَأْسًا ولا تَكُونُوا فِيهِ أذْنابًا».
وقَدْ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبُخارِيُّ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبَبَ اسْتِقْرارِ الإيمانِ في قَلْبِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ ومَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِجَمْعِها ما جَمَعَتْ أقامَها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ آلَتِ
صفحة 220
الخِلافَةُ إلَيْهِ مَقامَ ما كانَ بَنُو أُمَيَّةَ غَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَهُ في أواخِرِ خُطَبِهِمْ مِن سَبِّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَعَنَ كُلَّ مَن بَغَّضَهُ وسَبَّهُ وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَآثِرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ في كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى. ولَعَلَّ إيرادَها عُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَإنَّها إذا نُظِرَ إلى أنَّها قَدْ جَمَعَتْ ما جَمَعَتْ مَعَ وجازَتْها اسْتَيْقَظَتْ عُيُونُ البَصائِرِ وتَحَرَّكَتْ لِلنَّظَرِ فِيما عَداها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا إذْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَقالَ: أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَنِي أنْ أضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا المَوْضِعِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ إلَخْ».
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ صِيغَةَ أ م ر تَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ ومَوْضُوعُها القَدْرُ المُشْتَرَكُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ.
﴿يَعِظُكُمْ﴾ أيْ يُنَبِّهُكم بِما يَأْمُرُ ويَنْهى سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَنْبِيهٍ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ طَلَبًا لِأنْ تَتَّعِظُوا بِذَلِكَ وتَنْتَبِهُوا.
النحل 16:91
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَن أسْلَمَ بايَعَ عَلى الإسْلامِ. وظاهِرُهُ أنَّها في البَيْعَةِ عَلى الإسْلامِ مُطْلَقًا، فالمُرادُ بِعَهْدِ اللَّهِ تِلْكَ البَيْعَةُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُوَثَّقٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ، وسَبَبُ النُّزُولِ لَيْسَ مِنَ المُخَصَّصاتِ، ولِذا قالُوا: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وأُجِيبَ بِأنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآيَةَ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّذْرُ، وقِيلَ: اليَمِينُ: وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ تَكْرارًا لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ، وإذا حُمِلَ العَهْدُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ دَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ كانَ هَذا مِن بابِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الإفْرادِ بِالذِّكْرِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ العَهْدَ بِالبَيْعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَمَلَ الأيْمانَ عَلى ما وقَعَ عِنْدَ تِلْكَ البَيْعَةِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمَلَها عَلى مُطْلَقِ الأيْمانِ.
وفِي الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِها الأشْياءُ المَحْلُوفُ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
««ومَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَيْنَ التَّأْكِيدِ لا المُؤَكَّدِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلَّ ذِكْرِ العَطْفِ كَما تُقَرِّرَ في المَعانِي ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِها العَقْدُ لا المَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّ النَّقْضَ إنَّما يُلائِمُ العَقْدَ ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِأنَّ المُرادَ كَوْنُ العَقْدِ مُؤَكَّدًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لا بِذِكْرِ غَيْرِهِ كَما يَفْعَلُهُ العامَّةُ الجَهَلَةُ فالمَعْنى أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لِما ذُكِرَ لا عَنْ نَقْضِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِإخْراجِ لَغْوِ اليَمِينِ نَحْوَ لا واللَّهِ بَلى واللَّهِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ ولَغْوُ اليَمِينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. ثُمَّ إذا حُمِلَ الإيمانُ عَلى مُطْلَقِها فَهُوَ- كَما قالَ الإمامُ- عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالحَدِيثِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ اليَمِينِ جازَ نَقْضُها. وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا لِأنَّ الحَظْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ باقِيًا لَما احْتِيجَ إلى الكَفّارَةِ السّاتِرَةِ لِلذَّنْبِ. وأُجِيبَ بِأنَّ وُجُوبَ الكَفّارَةِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ إذْ أصْلُ الإيمانِ الِانْعِقادُ ولَوْ مَحْظُورَةً فَلا يُنافِي لُزُومَ مُوجَبِها، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْإقْدامِ عَلى الحَلِفِ بِاللَّهِ
صفحة 221
تَعالى في غَيْرِ مَحَلِّهِ فَلْيُتَأمَّلْ، والتَّوْكِيدُ التَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُكِّدَ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، مِنَ النُّحاةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ وكَّدَ وأكَّدَ لُغَتانِ أصْلِيَّتانِ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَيْنِ في المادَّةِ مُتَساوِيانِ فَلا يَحْسُنُ القَوْلُ بِأنَّ الواوَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.
﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ أيْ شاهِدًا رَقِيبًا فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ واسْتِعْمالُ الكَفِيلِ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ.
والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَهم مَجازٌ أيْضًا لِأنَّهم لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ سُبْحانَهُ شاهِدًا قالَهُ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: ولَوْ أُبْقِيَ الكَفِيلُ عَلى ظاهِرِهِ وجُعِلَ تَمْثِيلًا لِعَدَمِ تَخَلُّصِهِمْ مِن عُقُوبَتِهِ وإنَّهُ يُسَلِّمُهم لَها كَما يُسَلِّمُ الكَفِيلُ مَن كَفَلَهُ كَما يُقالُ: مَن ظَلَمَ فَقَدْ أقامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العُقُوبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا جِدًّا فَتَدَبَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿تَنْقُضُوا﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ المَصْدَرِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ مِنَ النَّقْضِ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ في وضْعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ
النحل 16:92
﴿ولا تَكُونُوا﴾ فِيما تَصْنَعُونَ مِنَ النَّقْضِ ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَغْزُولَها، والفِعْلُ مِنهُ غَزَلَ يَغْزِلُ بِكَسْرِ الزّايِ، والنَّقْضُ ضِدُّ الإبْراءِ، وهو في الجُرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَقَضَتْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ لا حالٌ ومِن- زائِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ في مِثْلِهِ أيْ كالمَرْأةِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ إبْرامِهِ وإحْكامِهِ.
﴿أنْكاثًا﴾ جَمْعُ نِكْثٍ بِكَسْرِ النُّونِ وهو ما يَنْكُثُ فَتْلُهُ وانْتِصابُهُ قِيلَ عَلى إنَّهُ حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِن ﴿غَزْلَها﴾ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَقَضَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى جَعَلَ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ ﴿نَقَضَتْ﴾ بِمَعْنى نَكَثَتْ فَهو مُلاقٍ لِعامِلِهِ في المَعْنى.
وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ جَعْلَهُ مَفْعُولًا عَلى التَّضْمِينِ أوْلى مِن جَعْلِهِ حالًا أوْ مَصْدَرًا، وفي الإتْيانِ بِهِ مَجْمُوعًا مُبالَغَةٌ وكَذَلِكَ في حَذْفِ المَوْصُوفَةِ لِيَدُلَّ عَلى الخَرْقاءِ الحَمْقاءِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ ما يُشِيرُ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ حَيْثُ قالَ: أيْ لا تَكُونُوا كالمَرْأةِ الَّتِي أنْحَتْ عَلى غَزْلِها بَعْدَ أنْ أحْكَمَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا، وفي قَوْلِهِ: أنْحَتْ- عَلى ما قالَ القُطْبُ- إشارَةٌ إلى أنَّ ﴿نَقَضَتْ﴾ مَجازٌ عَنْ أرادَتِ النَّقْضَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ وذُكِرَ أنَّهُ فُسِّرَ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ القَصْدِ والفِعْلِ لِيَدُلَّ عَلى حَماقَتِها واسْتِحْقاقِها اللَّوْمَ بِذَلِكَ فَإنَّ نَقْضَها لَوْ كانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ تَسْتَحِقَّ ذَلِكَ ولِأنَّ التَّشْبِيهَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَفْصِيلًا كانَ أحْسَنَ، ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ التَّضْمِينِ وهَذا المَجازُ مِنَ التَّكَلُّفِ وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ القَصْدِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ وفي الكَشْفِ خَرَجَ ذَلِكَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ فَإنَّ نَقْضَ المُبْرَمِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ إنْحاءٍ بالِغٍ وقَصْدٍ تامٍّ ولَمْ يُرِدْ بِالمَوْصُولِ امْرَأةً بِعَيْنِها بَلِ المُرادُ مِن هَذِهِ صِفَتُهُ فَفي الآيَةِ حالُ النّاقِضِ بِحالِ النّاقِضِ في أخَسِّ أحْوالِهِ تَحْذِيرًا مِنهُ وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن فِعْلِ العُقَلاءِ وصاحِبُهُ داخِلٌ في عِدادِ حَمْقى النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ امْرَأةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ كانَتْ تَغْزِلُ فَإذا بَرَمَتْ غَزْلَها تَنْقُضُهُ وكانَتْ تُسَمّى خَرْقاءَ مَكَّةَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ اسْمُها رَبْطَةَ بِنْتَ عَمْرٍو المِرْيَةَ تُلَقَّبُ الحَفْراءَ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمُها رَبْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ التَّيْمِيِّ اتَّخَذَتْ
صفحة 222
مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ وفَلَكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجِوارُها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: كانَتْ سَعِيدَةُ الأسَدِيَّةُ مَجْنُونَةً تَجْمَعُ الشَّعْرَ واللِّيفَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ «أنَّها شَكَتْ جُنُونَها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبَتْ أنْ يَدْعُوَ لَها بِالمُعافاةِ فَقالَ لَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شِئْتِ دَعَوْتُ فَعافاكِ اللَّهُ تَعالى وإنْ شِئْتِ صَبَرْتِ واحْتَسَبْتِ ولَكِ الجَنَّةُ» فاخْتارَتِ الصَّبْرَ والجَنَّةَ».
وذَكَرَ عَطاءٌ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أراهُ إيّاها، وعَنْ مُجاهِدٍ هَذا فِعْلُ نِساءِ نَجْدٍ تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ فَتَغْزِلُهُ بِالصُّوفِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ قَتادَةُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لا تَكُونُوا ) أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ تَكُونُوا و﴿كالَّتِي﴾ نَقَضَتْ في مَوْضِعِ الحالِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ الإمامُ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أنْ أتَتَّخِذُونَ، والدَّخَلُ في الأصْلِ ما يَدْخُلُ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ مِنهُ ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الفَسادِ والعَداوَةِ المُسْتَبْطِنَةِ كالدَّغَلِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالغَدْرِ والخِيانَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِن أجْلِهِ، وفائِدَةُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ حالًا الإشارَةُ إلى وجْهِ الشَّبَهِ أيْ لا تَكُونُوا مُشَبَّهِينَ بِامْرَأةٍ هَذا شَأْنُها مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم وسِيلَةً لِلْغَدْرِ والفَسادِ بَيْنَكم ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أيْ بِأنْ تَكُونَ جَماعَةٌ ﴿هِيَ أرْبى﴾ أيْ أزْيَدَ عَدَدًا وأوْفَرَ مالًا ﴿مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ مِن جَماعَةٍ أُخْرى، والمَعْنى لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ بِسَبَبِ كَثْرَتِهِمْ وقِلَّتِهِمْ بَلْ حافِظُوا عَلى أيْمانِكم مَعَهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنهم وأعَزَّ فَيَنْقُضُونَ حَلِفَهم ويُحالِفُونَ الَّذِينَ هم أعَزُّ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لا تَغْدِرُوا بِجَماعَةٍ بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ جَماعَةٌ أُخْرى أكْثَرَ مِنها وأعَزَّ بَلْ عَلَيْكُمُ الوَفاءَ بِالأيْمانِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها وإنَّ قَلَّ مَن خَلَّفْتُمْ لَهُ وكَثُرَ الآخَرُ وجُوِّزَ في «تَكُونَ» أنْ تَكُونَ تامَّةً وناقِصَةً وفِي- هِيَ- أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وعِمادًا «فَأرْبى» إمّا مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ ( هي ) عِمادَ التَّنْكِيرِ ( أُمَّةٌ ) .
وزَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ حُرِّفَتْ وأصْلُها أنْ تَكُونَ أئِمَّةٌ هي أزْكى مِن أئِمَّتِكم ولَعَمْرِي قَدْ ضَلُّوا سَواءَ السَّبِيلِ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إمّا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ( أنْ تَكُونَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْفَهَمِ مِن ﴿أرْبى﴾ وهو الرَّبْوُ بِمَعْنى الزِّيادَةِ، وقَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ السّائِبِ ومُقاتِلٍ يَعْنِي بِالكَثْرَةِ مُرادُهم مِنهُ هَذا واكْتَفَوْا بِبَيانِ حاصِلِ المَعْنى، وظَنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهم أرادُوا أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى نَفْسِ الكَثْرَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ صَحَّ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ لِأرْبى لِتَأْوِيلِهِ بِالكَثِيرِ، وقِيلَ لِلْأمْرِ بِالوَفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى- وأوْفُوا- إلَخْ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مُنْفَهِمًا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الغَدْرِ بِالعَهْدِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِأنَّهُ أسْرَعُ تَبادُرًا أيْ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِذَلِكَ الكَوْنِ لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبَلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى وبَيْعَةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وشَوْكَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وضَعْفِهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الحالِ ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم ثَوابًا وعِقابًا
النحل 16:93
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ ﴿ولَكِنْ﴾ لا يَشاءُ ذَلِكَ رِعايَةً لِلْحِكْمَةِ بَلْ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ بِأنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ التّابِعَ
صفحة 223
لِاسْتِعْدادِهِ لَهُ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتُهُ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ التّابِعَ لِاسْتِعْدادِهِ لِتَحْصِيلِها ﴿ولَتُسْألُنَّ﴾ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ سُؤالَ مُحاسَبَةٍ ومُجازاةٍ لا سُؤالَ اسْتِفْسارٍ وتَفَهُّمٍ ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عَمَلِهِ في الدُّنْيا بِقِدْرِكُمُ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لِإسْلامٍ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ما وقَعَتْ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما شاءَ مِنهُمُ الِافْتِراقَ والِاخْتِلافَ، فَإيمانٌ وكُفْرٌ وتَصْدِيقٌ وتَكْذِيبٌ ووَقَعَ الأمْرُ كَما شاءَ جَلَّ وعَلا، والمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ كَوْنَ الضَّلالِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما شاءَ مِنَ الجَمِيعِ الإيمانَ ووَقَعَ خِلافُ ما شاءَ عَزَّ شَأْنُهُ وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الآيَةِ بِأنَّ المَعْنى لَوْ شاءَ عَلى طَرِيقَةِ الإلْجاءِ والقَسْرِ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً مُسْلِمَةً فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَضِلَّ ويَخْذُلَ مَن يَشاءُ مِمَّنْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمُ عَلَيْهِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِأنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ وعَلى ما يُسْتَحَقُّ بِهِ اللُّطْفُ والخُذْلانُ والثَّوابُ والعِقابُ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ ولَوْ كانَ العَبِيدُ مُضْطَرِّينَ لِلْهِدايَةِ والضَّلالِ لَما أثْبَتَ سُبْحانَهُ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اه، ولِلْعَسْكَرِيِّ نَحْوُهُ، وقَدْ قَدَّمَنا لَكَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ المَذْهَبَ الحَقَّ عَلى ما بَيَّنَهُ عَلّامَةُ المُتَأخِّرِينَ الكُورانِيُّ وألَّفَ فِيهِ عِدَّةَ رَسائِلَ أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا إنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ أصْلًا كَما يَقُولُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُقارَنَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً وإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لِلَّهِ تَعالى كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ وإنَّ لَهُ اخْتِيارًا أُعْطِيَهُ بَعْدَ طَلَبِ اسْتِعْدادِهِ الثّابِتِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَهُ فَلِلْعَبْدِ في هَذا المَذْهَبِ اخْتِيارٌ والعَبْدُ مَجْبُورٌ فِيهِ بِمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ لِأنَّ اسْتِعْدادَهُ الأزَلِيَّ الغَيْرَ المَجْعُولِ قَدْ طَلَبَهُ مِنَ الجَوادِ المُطْلَقِ والحَكِيمِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في مَواضِعِها والإثابَةُ والتَّعْذِيبُ إنَّما يَتَرَتَّبانِ عَلى الِاسْتِعْدادِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ، والخَيْرُ والشَّرُّ يَدُلّانِ عَلى ذَلِكَ نَحْوَ دَلالَةِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرَةِ والغايَةِ عَلى ذِي الغايَةِ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسُهم يَظْلِمُونَ ومَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ أهْلَ السُّنَّةِ عَنِ الإجْبارِ بِمَعْزَلٍ لِأنَّهم يَثْبُتُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً واخْتِيارًا وأفْعالًا وهم مَعَ ذَلِكَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى حَقَّ تَوْحِيدِهِ فَيَجْعَلُونَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ هي المُوجِدَةُ والمُؤَثِّرَةُ وقُدْرَةَ العَبْدِ مُقارَنَةً فَحَسْبُ وبِذَلِكَ يُمَيَّزُ بَيْنَ الِاخْتِيارِيِّ والقَسْرِيِّ وتَقُومُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ اه وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشْعَرِيَّةِ وهو كَما تَرى، وسَيَأْتِي إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ وما فِيهِ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ.
النحل 16:94
﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ قالُوا: هو تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بَعْدَ التَّضْمِينِ لِأنَّ الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ فِيما سَبَقَ وقَعَ قَيْدًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ فَكانَ مَنهِيًّا عَنْهُ ضِمْنًا تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ عَلَيْها ورُسُوخِها فِيها بِالإيمانِ، وقِيلَ ما تَقَدَّمَ كانَ نَهْيًا عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ وما هُنا نَهْيٌ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ الحُقُوقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى قَطْعِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ فَإنَّ ما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ وهو أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ وجاءَ النَّهْيُ المُسْتَأْنَفُ الإنْشائِيُّ عَنِ اتِّخاذِ الإيمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحَلِفِ في المُبايَعَةِ وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ورُدَّ بِأنَّ قَيْدَ المَنهِيِّ عَنْهُ فَلَيْسَ إخْبارًا صِرْفًا
صفحة 224
ولا عُمُومَ في الثّانِي لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَتَزِلَّ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى العِلَّةِ السّابِقَةِ إجْمالًا عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ إنَّ الخاصَّ مَذْكُورٌ في ضِمْنِ العامِّ أيْضًا فَلا مَحِيصَ عَنِ التَّكْرارِ أيْضًا ولَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرَهُ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ- تَزِلَّ- بِأنْ مُضْمَرَةٍ في جَوابِ النَّهْيِ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ، قالَ في البَحْرِ: وهو اسْتِعارَةٌ لِلْوُقُوعِ في أمْرٍ عَظِيمٍ لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتِ انْقَلَبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالٍ شَرٍّ، وتَوْحِيدُ القَدَمِ وتَنْكِيرُها- كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ أيَّ قَدَمٍ كانَتْ عَزَّتْ أوْ هانَتْ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الجَمْعَ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ وفي الأوَّلِ يَكُونُ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا فِيهِ الجَمْعِيَّةُ وفي الثّانِي يَكُونُ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا فَيُجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ فَأُفْرِدَ المُتَّكَأُ لِما لُوحِظَ في ( لَهُنَّ ) كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةَ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لَجُمِعَ وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ:
فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرِينَ مَتاعَهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ كُلَّ ضامِرٍ، ولِذا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في يَمُوتُ ويَفْنى، ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ (قَدَمٌ) وجَمْعِ الضَّمِيرِ في ﴿وتَذُوقُوا﴾ . وتُعِقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ نُكْتَةً سِرِّيَّةً وهَذا تَوْجِيهٌ لِلْأفْرادِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ فَلا يُنافِي النُّكْتَةَ المَذْكُورَةَ، والمُرادُ مِنَ السُّوءِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والجَلاءُ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ ولا يَخْفى ما في (تَذُوقُوا) مِنَ الِاسْتِعارَةِ ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بِسَبَبِ صُدُودِكم وإعْراضِكم أوْ صَدِّ غَيْرِكم ومَنعِهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي يَنْتَظِمُ الوَفاءَ بِالعُهُودِ والأيْمانِ فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ يَتْبَعُهُ فِيها مَن بَعْدَهُ مِن أهْلِ الشَّقاءِ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ فَيَكُونُ صادًّا عَنِ السَّبِيلِ.
وجَعَلَ هَذِهِ بَعْضُهم دَلِيلًا أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو كَما تَرى ﴿ولَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يَعْلَمُ عِظَمَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى
النحل 16:95
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِهِ عِنْدَ كَثِيرٍ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الإيمانِ، والِاشْتِراءُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ فَإنَّ الثَّمَنَ مُشْتَرًى بِهِ أيْ لا تَأْخُذُوا بِمُقابَلَةِ عَهْدِهِ تَعالى عِوَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم ولِما كانُوا يَعِدُونَهم مِنَ المَواعِيدِ إنْ رَجَعُوا أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ ونَهاهم عَنْ أنْ يَسْتَبْدِلُوا ذَلِكَ بِما وعَدُوهم بِهِ مِن عَرَضِ الدُّنْيا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا نَهْيٌ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فالمُرادُ بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى ما يَعُمُّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ ما أخْباهُ وادَّخَرَهُ لَكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن ذَلِكَ الثَّمَنِ القَلِيلِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّمْيِيزِ، فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو فَضْلُ ما بَيْنَ العِوَضَيْنِ والأوَّلُ أبْلَغَ ومُسْتَغْنٍ عَنِ التَّقْدِيرِ، وفي التَّعْبِيرِ
صفحة 225
بِإنْ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
النحل 16:96
﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ ما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بَلِ الدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا ﴿يَنْفَدُ﴾ يَنْقَضِي ويَفْنى وإنَّ جَمَّ عَدَدُهُ وطالَ مَدَدُهُ، يُقالُ: نَفِدَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْفَدُ بِفَتْحِها نَفادًا ونُفُودًا إذا ذَهَبَ وفَنِيَ، وأمّا نَفَذَ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ فَبِفَتْحِ العَيْنِ ومُضارِعُهُ يَنْفُذُ بِضَمِّها ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ﴿باقٍ﴾ لا نَفادَ لَهُ أمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَظاهِرٌ، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَوْصُولَةً بِالأُخْرَوِيَّةِ ومُسْتَتْبَعَةً لَها فَقَدِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِما عِنْدَ اللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ الثَّوابُ الأُخْرَوِيُّ واخْتارَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ، وفي إيثارِ الِاسْمِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ ما لا يَخْفى. ورُدَّ بِالآيَةِ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ تَكْرِيرٌ لِلْوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ عَلى العَهْدِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فَلا التِفاتَ.
والعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن أنْ يُقالَ: ولَنَجْزِيَنَّكُمْ- بِالنُّونِ أوْ بِالياءِ- أجْرَكم بِأحْسَنِ ما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِلتَّوَسُّلِ إلى التَّعَرُّضِ لِأعْمالِهِمْ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْجَزاءِ أيْ واللَّهِ لِنَجْزِيَنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى العَهْدِ أوْ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ومَشاقِّ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الوَفاءُ بِالعُهُودِ وإنْ وعَدَ المُعاهِدُونَ عَلى نَقْضِها بِما وعَدُوا ﴿أجْرَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ (لَنَجْزِيَنَّ) أيْ نُعْطِيَنَّهم أجْرَهُمُ الخاصَّ بِهِمْ بِمُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو الصَّبْرُ فَإنَّهُ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وكانَ الصَّبْرُ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ فَهو رَأْسُها قالَهُ أبُو حَيّانَ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أُضِيفَ الأحْسَنُ إلى ما ذُكِرَ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ حُسْنِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لا لِإفادَةِ قَصْرِ الجَزاءِ عَلى الأحْسَنِ مِنهُ دُونَ الحُسْنِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ لا سِيَّما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( أجْرَهم ) فالإضافَةُ لِلتَّرْغِيبِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَنَجْزِيَنَّهم بِحَسَبِ أحْسَنِ أفْرادِ أعْمالِهِمْ أيْ لَنُعْطِيَنَّهم بِمُقابَلَةِ الفَرْدِ الأدْنى مِن أعْمالِهِمْ ما نُعْطِيهِ بِمُقابِلَةِ الفَرْدِ الأعْلى مِنها مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ لا أنّا نُعْطِي الأجْرَ بِحَسَبِ أفْرادِها المُتَفاوِتَةِ في مَراتِبِ الحَسَنِ بِأنْ نَجْزِيَ الحَسَنَ مِنها بِالحَسَنِ والأحْسَنَ بِالأحْسَنِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ العُدَّةِ الجَمِيلَةِ بِاغْتِفارِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ في تَضاعِيفِ الصَّبْرِ مِن بَعْضِ جَزَعٍ ونَظْمِهِ في سِلْكِ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وأنْ يَكُونَ أحْسَنُ صِفَةَ جَزاءٍ مَحْذُوفًا والإضافَةُ عَلى مَعْنى مِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ أيْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ، وكَوْنِهِ أحْسَنَ لِمُضاعَفَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْسَنِ ما تَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلى تَرْكِهِ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ أوْ بِما تَرَجَّحَ تَرْكُهُ أيْضًا كالمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ والحَسَنِ ما لَمْ يَتَرَجَّحْ فِعْلُهُ ولا تَرْكُهُ وهو لا يُثابُ عَلَيْهِ. وتَعْقِبَةٌ في الإرْشادِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ المَخْصُوصَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ ثَمَراتِها بَلِ التَّعَرُّضِ لِإخْراجِ بَعْضِ أعْمالِهِمْ مِن مَدارِيَّةِ الجَزاءِ مِن قَبِيلِ تَحْجِيرِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في مَقامِ تَوْسِيعِ حَماها. وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْسَنِ النَّفْلُ، وكانَ
صفحة 226
أحْسَنَ لِأنَّهُ لَمْ يُحَتَّمِ بَلْ يَأْتِي الإنْسانُ بِهِ مُخْتارًا غَيْرَ مُلْزِمٍ، وإذا عَلِمْتَ المُجازاةَ عَلى النَّفْلِ الَّذِي هو أحْسَنُ عَلِمْتَ المُجازاةَ عَلى الفَرْضِ الَّذِي هو حَسَنٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ أصْلًا
النحل 16:97
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا أيَّ عَمَلٍ كانَ، وهَذا- كَما قِيلَ- شُرُوعٌ في تَحْرِيضِ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ غَبَّ تَرْغِيبِ طائِفَةٍ مِنهم في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ مَخْصُوصٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأجْرِ المَوْفُورِ بِهِمْ وبِعَمَلِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَخْصِيصِ ﴿مَن﴾ بِالذُّكُورِ لِتَبادُرِهِمْ مِن ظاهِرِ لَفْظِ ( مَن ) فَإنَّهُ مُذَكَّرٌ وعادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُهُ وإنْ شَمَلَ النَّوْعَيْنِ وضْعًا عَلى الأصَحِّ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ»» وقَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ: ««فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّساءُ بِذِيوُلِهِنَّ»» الحَدِيثَ.
فَإنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَهِمَتْ دُخُولَ النِّساءِ في ( مَن ) وأقَرَّها عَلى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ: مَن دَخَلَ دارِي فَهو حُرٌّ فَدَخَلَها الإماءُ عَتَقْنَ، وبَعْضُهم يَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ إذْ لَوْلا تَناوُلُهُ الأُنْثى وضْعًا لَما صَحَّ أنْ يُبَيِّنَ بِالنَّوْعَيْنِ. وفي الكَشْفِ كانَ الظّاهِرُ تَناوُلَهُ لِلذُّكُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الإناثَ لا يَدْخُلْنَ في أكْثَرِ الأحْكامِ والمُحاوَراتِ وإنْ كانَ التَّناوُلُ عَلى طَرِيقِ التَّعْمِيمِ والتَّغْلِيبِ حاصِلًا لَكِنْ لَمّا أُرِيدَ التَّنْصِيصُ لِيَكُونَ أغْبَطَ لِلْفَرِيقَيْنِ ونَصًّا في تَناوُلِهِما بَيَّنَ بِذِكْرِ النَّوْعَيْنِ اه، والقَوْلُ الأصَحُّ أنَّ التَّناوُلَ لا يَحْتاجُ إلى التَّغْلِيبِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كِتابِ الأُصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( عَمِلَ ) وقُيِّدَ بِهِ إذْ لا اعْتِدادَ بِأعْمالِ الكَفَرَةِ الصّالِحَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ إجْماعًا، واخْتُلِفَ في تَرَتُّبِ تَخْفِيفِ العِقابِ عَلَيْها. فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَتَرَتَّبُ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ .
وقالَ الإمامُ: إنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِتَخْفِيفِ العِقابِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالإيمانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وحَدِيثِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ أخَفُّ النّاسِ عَذابًا بِالمَحَبَّةِ وحِمايَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ. وفي البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ مُخَصَّصٌ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها أوْ يُرادُ- بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ- مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ كَما جاءَ فِيمَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ تَخْفِيفَ العَذابِ عَنْ أبِي طالِبٍ لَيْسَ جَزاءً لِعَمَلِهِ بَلْ هو لِرَجاءِ غَيْرِهِ أوْ هو مِن خَصائِصِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: الإيمانُ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ التَّخْفِيفِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ إذا كانَتْ مِمّا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُها عَلى النِّيَّةِ الَّتِي لا تَصِحُّ مِن كافِرٍ ولَيْسَ شَرْطًا لِلتَّرَتُّبِ عَلَيْها إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ وُجُوبِ دَوامِ الإيمانِ ومُقارَنَتِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ في تَرَتُّبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ إلَخْ، والمُرادُ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ الحَياةُ الَّتِي تَكُونُ في الجَنَّةِ إذْ هُناكَ حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ وصِحَّةٌ بِلا سَقَمٍ ومُلْكٌ بِلا هَلْكٍ وسَعادَةٌ بِلا شَقاوَةٍ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما تَطِيبُ الحَياةُ لِأحَدٍ إلّا في الجَنَّةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
لا طِيبَ لِلْعَيْشِ ما دامَتْ مُنَغِّصَةً لِذاتِهِ بِادِّكارِ المَوْتِ والهَرَمِ
وقالَ شَرِيكٌ: هي حَياةٌ تَكُونُ في البَرْزَخِ فَقَدْ جاءَ ««القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرٍ النّارِ»».
صفحة 227
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي في الدُّنْيا وأُرِيدَ بِها حَياةٌ تَصْحَبُها القَناعَةُ والرِّضا بِما قَسَمَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وقَدَّرَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَها بِذَلِكَ وقالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِما رَزَقَتْنِي وبارِكْ لِي فِيهِ واخْلُفْ عَلى كُلِّ غائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ»».
وجاءَ القَناعَةُ مالٌ لا يَنْفَدُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هي حَياةٌ تَصْحَبُها حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الرِّزْقِ الحَلالِ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ. ووَجَّهَ بَعْضُهم طِيبَ هَذِهِ الحَياةِ بِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها عِقابٌ بِخِلافِ الحَياةِ بِالرِّزْقِ الحَرامِ فَقَدْ جاءَ ««أيُّما لَحْمٍ نَبَتَ مَن سُحْتِ فالنّارُ أوْلى بِهِ»».
وهُوَ كَما تَرى، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وأوْلى الأقْوالِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا تَفْسِيرُها بِما يَصْحَبُهُ القَناعَةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ حَسَنٌ مُخْتارٌ فَإنَّهُ لا يَطِيبُ في الدُّنْيا إلّا عَيْشُ القانِعِ وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سُبْحانَهُ مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ وعَرَفَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، وأمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ.
الثّانِي أنَّ المُؤْمِنَ يَسْتَحْضِرُ أبَدًا في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها ويَجِدُ نَفْسَهُ راضِيَةً بِذَلِكَ فَعِنْدَ الوُقُوعِ لا يَسْتَعْظِمُها بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ غافِلٌ عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ.
الثّالِثُ أنَّ المُؤْمِنَ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا بِالمَعْرِفَةِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا وأمّا الجاهِلُ فَقَلْبُهُ خالٍ عَنِ المَعْرِفَةِ مُتَفَرِّغٌ لِلْأحْزانِ مِنَ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الرّابِعُ أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ أنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها ولا غَمُّهُ بِفِقْدانِها والجاهِلُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها فَيَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفِقْدانِها. الخامِسُ أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ ولَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها ما وصَلَتْ إلَيْهِ فَعِنْدَ وُصُولِها إلَيْهِ لا يَتَعَلَّقُ بِها قَلْبُهُ ولا يُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ فَلا يُحْزِنُهُ فَواتُها والجاهِلُ بِخِلافٍ اه، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وأُورِدَ عَلى التَّفْسِيرِ المُخْتارِ أنَّ بَعْضَ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤْمِنٌ لَمْ يُرْزَقِ القَناعَةَ بَلْ قَدِ ابْتُلِيَ بِالقَنُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالمُؤْمِنِ مَن كَمُلَ إيمانُهُ أوْ يُقالُ: المُرادُ- بِمَن عَمِلَ صالِحًا- مَن كانَ جَمِيعُ عَمَلِهِ صالِحًا.
وقالَ البَيْضاوِيُّ في بَيانِ تَرَتُّبِ إحْيائِهِ حَياةً طَيِّبَةً: إنَّهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُوسِرًا فَطِيبُ عَيْشِهِ بِالقَناعَةِ والرِّضى بِالقِسْمَةِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ أيْ عَلى تَخَلُّفِ بَعْضِ مُراداتِهِ عَنْهُ وضَنْكِ عَيْشِهِ فَقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا بُدَّ مِن وُجُودِ بَعْضِها في المُؤْمِنِ والأخِيرُ- يَعْنِي تَوَقُّعَ الأجْرِ في الآخِرَةِ- عامٌّ شامِلٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا لا يُوجَدُ في كُلِّ مَن عَمِلَ صالِحًا حَتّى يُؤَوَّلَ المُؤْمِنُ بِمَن كَمَلُ إيمانُهُ إلى آخِرِ ما سَمِعْتَ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ القَناعَةَ هي الرِّضا بِالقَسْمِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وتَوَقُّعُ الأجْرِ العَظِيمِ لا يُوجَدُ بِدُونِ ذَلِكَ وكَيْفَ يَحْصُلُ الأجْرُ عَلى تَخَلُّفِ المُرادِ وضَنْكِ العَيْشِ مَعَ الجَزَعِ وعَدَمِ الرِّضا، وكَلامُهُ ظاهِرٌ في تَحَقُّقِ هَذا التَّوَقُّعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَناعَةٌ ورِضًا ولا يَكادُ يَقَعُ هَذا مِن مُؤْمِنٍ عارِفٍ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وبَحَثَ بَعْضُهم فِيهِ أيْضًا بِأنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَكُونُ بِدُونِ الرِّضا وكَذا كَوْنُ جَمِيعِ الأعْمالِ صالِحَةً لا يُوجَدُ بِدُونِهِ لِأنَّ الأعْمالَ تَشْمَلُ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ والرِّضا مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ. والمُرادُ مِن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾
صفحة 228
لَنُعْطِيَنَّهُ ما تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ. فَيُؤَوَّلُ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ القَناعَةُ والرِّضا مَن رَضِيَ بِالقِسْمَةِ وفَعَلَ كَذا وكَذا وهو مُؤْمِنٌ أوْ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو راضٍ بِالقِسْمَةِ مُتَّصِفٌ بِكَذا وكَذا مِمّا فِيهِ كَمالُ الإيمانِ فَلَنُعْطِيَنَّهُ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ ويَتَضَمَّنُ مَن رَضِيَ بِالقِسْمَةِ فَلَنُعْطِيَنَّهُ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ وهو كَما تَرى وفِيهِ ما لا يَخْفى. نَعَمْ تَفْسِيرُ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ بِما يَكُونُ في الجَنَّةِ سالِمٌ عَنْ هَذا القِيلِ والقالِ، ويُرادُ بِها ما سَلَمَتْ مِن تَوَهُّمِ المَوْتِ والهَرَمِ وحُلْوِ الألَمِ والسَّقَمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ إشارَةً إلى دَرْءِ المَفاسِدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةً إلى جَلْبِ المَصالِحِ ولِكَوْنِ الأوَّلِ أهَمَّ قَدَمٍ فَلْيُتَأمَّلْ، وكَأنَّ المُرادَ ولَنَجْزِيَنَّهم إلَخْ حَسْبَما يُفْعَلُ بِالصّابِرِينَ فَلَيْسَ في الآيَةِ شائِبَةُ تَكْرارٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى المَوْصُولِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ بِناءً عَلى كَوْنِ الإحْياءِ حَياةً طَيِّبَةً في الدُّنْيا وجَزاءَ الأجْرِ في الآخِرَةِ لِما أنَّ وُقُوعَ الجَزاءِ بِطَرِيقِ الِاجْتِماعِ المُناسِبِ لِلْجَمْعِيَّةِ ووُقُوعِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِافْتِراقِ والتَّعاقُبِ المُلائِمِ لِلْأفْرادِ، وقِيلَ بِناءً عَلى كَوْنِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ: إنَّ الجَمْعَ والإفْرادَ لِما تَقَدَّمَ، وكَذا إيثارُ ذَلِكَ عَلى العَكْسِ فِيما عَدا ضَمِيرُ «لَنُحْيِيَنَّهُ» وإمّا في ضَمِيرِهِ فَلِما أنَّ الإحْياءَ حَياةً طَيِّبَةً بِمَعْنى ما سَلِمَتْ مِمّا تَقَدَّمَ أمْرٌ واحِدٌ في الجَمِيعِ لا يَتَفاوَتُ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ فَكَأنَّهم في ذَلِكَ شَيْءٌ واحِدٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ كَذَلِكَ وكانَ أهْلُ الجَنَّةِ فِيهِ مُتَفاوِتِينَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ مَعَهُ فَتَأمَّلْ كُلَّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ «ولَيَجْزِيَنَّهُمْ» بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلىَ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى مِثْلِها وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ، ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى مِثْلِهِ لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءُ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ إخْبارُ الغائِبِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وعَلى هَذا لا يَجُوزُ زَيْدٌ قالَ لَأضْرِبَنَّ هِنْدَ أوْ لَيَنْفِيَنَّها تُرِيدُ ولْيَنْفِيَنَّها زَيْدٌ فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ أيْ وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ حِكايَةَ المَعْنى وحِكايَةَ اللَّفْظِ، ومِنَ الثّانِي ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ ومِنَ الأوَّلِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ ولَوْ حَكى اللَّفْظَ قِيلَ ما قُلْنا اه. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ مُغايِرَةَ الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ.
النحل 16:98
هَذا وإذْ قَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى مَدارِ الجَزاءِ وهو صَلاحُ العَمَلِ وحُسْنِهِ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الإرْشادُ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ، ويَخْلُصُ عَنْ شَوْبِ الفَسادِ فَقِيلَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ إذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْألْهُ عَزَّ جارُهُ أنْ يُعِيذَكَ ﴿مِنَ﴾ وساوِسِ ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ كَيْلا يُوَسْوِسَكَ في القِراءَةِ فالقِراءَةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ إرادَتِها إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ لِتَظافُرِ الرِّواياتِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَسْتَعِيذُ كَذَلِكَ.
ورَوى الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ»»
نَعَمْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في ذِكْرِ الإفْكِ قالَتْ ««جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ وقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ
صفحة 229
العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بِالإفْكِ»» الآيَةَ، وأخْرَجا عَنْ سَعِيدٍ إنَّهُ قالَ ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فاسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ ثُمَّ يَقُولُ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ»» إلَخْ.
وبِذَلِكَ أخَذَ مَنِ اسْتَعاذَ كَذَلِكَ، وفي الهِدايَةِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أسْتَعِيذُ بِاللَّهِ لِيُوافِقَ القُرْآنَ ويَقْرَبُ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ اه، والمُخْتارُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِأنَّ لَفْظَ اسْتَعِذْ طَلَبُ العُوذَةِ وقَوْلُهُ: «أعُوذُ» امْتِثالٌ مُطابِقٌ لِمُقْتَضاهُ. والقُرْبُ مِنَ اللَّفْظِ مُهْدَرٌ، ويَكْفِي لِأوْلَوِيَّةِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مَجِيئُهُ في المَأْثُورِ: وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لا يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ المُتَعَوِّذُ السَّمِيعَ العَلِيمَ لِأنَّهُ ثَناءٌ وما بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ القِراءَةِ لا مَحَلُّ الثَّناءِ وفِيهِ أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ الخَبِرَيْنِ السّابِقَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ إتْيانٌ بِالثَّناءِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ بَلْ إتْيانٌ بِهِ في أثْنائِهِ كَما لا يَخْفى، والأمْرُ بِها لِلنَّدْبِ عِنْدَهُمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ ورُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ قِراءَةٍ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها لِهَذِهِ الآيَةِ فَحَمَلا الأمْرَ فِيها عَلى الوُجُوبِ نَظَرًا إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وعَدَمُ صَلاحِيَةِ كَوْنِها لِدَفْعِ الوَسْوَسَةِ في القِراءَةِ صارِفًا عَنْهُ بَلْ يَصِحُّ شَرْعُ الوُجُوبِ مَعَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ خِلافُ الإجْماعِ، ويَبْعُدُ مِنهُما أنْ يَبْتَدِعا قَوْلًا خارِقًا لَهُ مِن بَعْدِ عِلْمِهِما بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصّارِفِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقَدْ يُقالُ: هو تَعْلِيمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأعْرابِيَّ الصَّلاةَ ولَمْ يَذْكُرْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ تَعْلِيمَهُ إيّاها بِتَعْلِيمِهِ ما هو مِن خَصائِصِها وهي لَيْسَتْ مِن واجِباتِها بَلْ مِن واجِباتِ القِراءَةِ أوْ إنَّ كَوْنَها تُقالُ عِنْدَ القِراءَةِ كانَ ظاهِرًا مَعْهُودًا فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِها، وفِيهِ أنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى ما سَتَسْمَعُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ حَمْلَ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ لِما رُوِيَ مِن تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لَها، وإذا ثَبَتَ هَذا كَفى صارِفًا ومَذْهَبُ ابْنِ سَيْرَيْنِ والنَّخْعِيِّ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ أنَّها مَشْرُوعَةٌ في القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ لِأنَّ الأمْرَ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ وأيْضًا حَيْثُ كانَتْ مَشْرُوعَةً في الرَّكْعَةِ الأُولى فَهي مَشْرُوعَةٌ في غَيْرِها مِنَ الرَّكَعاتِ قِياسًا لِلِاشْتِراكِ في العِلَّةِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- وهو القَوْلُ الآخَرُ لِلشّافِعِيِّ- أنَّها مَشْرُوعَةٌ في الأُولى فَقَطْ لِأنَّ قِراءَةَ الصَّلاةِ كُلِّها كَقِراءَةٍ واحِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ لِلصَّلاةِ ولِذا لا تُكَرَّرُ، والمَذْكُورُ في الهِدايَةِ وغَيْرِها أنَّها عِنْدَ الإمامِ ومُحَمَّدٍ لِلْقِراءَةِ دُونَ الثَّناءِ حَتّى يَأْتِيَ بِها المَسْبُوقُ دُونَ المُقْتَدى، وقالَ أبُو يُوسُفَ: إنَّها لِلثَّناءِ وفي الخُلاصَةِ أنَّهُ الأصَحُّ، وتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الخِلافِ في ثَلاثَةِ مَسائِلَ ذُكِرَتْ فِيها فَما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ لَمْ نَعْثُرْ عَلَيْهِ في كُتُبِ الأصْحابِ، ومالِكٌ لا يَرى التَّعَوُّذَ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ ويَراهُ في غَيْرِها كَقِيامِ رَمَضانَ، والمَرْوِيُّ عَنْهُ في غَيْرِ الصَّلاةِ فِيما سَمِعْتَ مِن بَعْضِ مُقَلِّدِيهِ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ سَيْرَيْنَ وداوُدَ وحَمْزَةَ مِنَ القُرّاءِ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ عَقِبَ القِراءَةِ أخْذٌ بِظاهِرِ الآيَةِ.
ولِلْجُمْهُورِ ما رَواهُ أئِمَّةُ القِراءَةِ مُسْنَدًا عَنْ نافِعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ قَبْلَ القِراءَةِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ»» قالَ في الكَشْفِ: دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ هو السُّنَّةُ فَبَقِيَ سَبَبِيَّةُ القِراءَةِ لَها، والفاءُ في ( فاسْتَعِذْ ) دَلَّتْ عَلى السَّبَبِيَّةِ فَلْتُقَدَّرِ الإرادَةُ لِيَصِحَّ، وأيْضًا الفَراغُ عَنِ العَمَلِ لا يُناسِبُ الِاسْتِعاذَةَ مِنَ العَدُوِّ وإنَّما يُناسِبُها الشُّرُوعُ فِيهِ والتَّوَسُّطُ فَلْتُقَدَّرْ لِيَكُونا- أيِ القِراءَةُ والِاسْتِعاذَةُ- مُسَبَّبَتَيْنِ عَنْ سَبَبٍ واحِدٍ لا يَكُونُ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ الصُّحْبَةِ الِاتِّفاقِيَّةِ الَّتِي تُنافِيها الفاءُ، وإلَيْهِ أشارَ صاحِبُ المِفْتاحِ بِقَوْلِهِ بِقَرِينَةِ الفاءِ والسُّنَّةِ المُسْتَفِيضَةِ انْتَهى.
ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ مِن أنَّ الفاءَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى ما ذُكِرَ وأنَّ إجْماعَهم عَلى صِحَّةِ هَذا المَجازِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَرِينَةَ المانِعَةَ عَنْ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وكَذا القَوْلُ بِالفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ
صفحة 230
تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ إلَخْ بِأنَّ ثَمَّةَ دَلِيلًا قائِمًا عَلى المَجازِ فَتُرِكَ الظّاهِرُ لَهُ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصُ قِراءَةِ القُرْآنِ مِن بَيْنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ إرادَتِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أهَمُّ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أمَرَ بِها عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ فَما الظَّنُّ بِمَن عَداهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما عَدا القِراءَةَ مِنَ الأعْمالِ
النحل 16:99
﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أوْ لِلشَّيْطانِ ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ واسْتِيلاءٌ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم وبِهِ يَعُوذُونَ فالمُرادُ نَفْيُ التَّسَلُّطِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِها أوْ لِجَوابِهِ المَنَوِيِّ أيْ أنْ يُعِذَكَ ونَحْوَهُ.
وقالَ البَعْضُ: المُرادُ نَفْيُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأخْبارِ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسَلُّطٌ فَلِمَ أُمِرُوا بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ ما عَظُمَ مِنَ التَّسَلُّطِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وغَيْرُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ لا يُغْفَرُ لَهم والِاسْتِعاذَةِ مِنَ المُحْتَقَراتِ فَهم لا يُطِيعُونَ أوامِرَهُ ولا يَقْبَلُونَ وساوِسَهُ إلّا فِيما يَحْتَقِرُونُهُ عَلى نُدُورٍ وغَفْلَةٍ فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِحِفْظِهِمْ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا البَيْضاوِيُّ ثُمَّ قالَ: فَذَكَرَ السَّلْطَنَةَ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا.
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جارِيَةٌ مَجْرى البَيانِ لِلِاسْتِعاذَةِ المَأْمُورِ بِها وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيها مُجَرَّدُ القَوْلِ الفارِغِ عَنِ اللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى واللَّجَأِ إنَّما هو بِالإيمانِ أوَّلًا والتَّوَكُّلِ ثانِيًا، وأيًّا ما كانَ فَوَجْهُ تَرْكُ العَطْفِ ظاهِرٌ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الثّانِيَةِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ السُّلْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ.
النحل 16:100
﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ والِيًا عَلَيْهِمْ فَيُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ ويَسْتَجِيبُونَ دَعْوَتَهُ فالمُرادُ بِالسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ والوِلايَةُ بِالدَّعْوَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ والتَّسَلُّطُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ فَإنَّ في جَعْلِ التَّوَلِّي صِلَةَ «ما» يُفْصِحُ بِنَفْيِ إرادَةِ التَّسَلُّطِ القَسْرِيِّ فَإنَّ المَقْسُورَ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى، وقَدْ نُفِيَ هَذا أيْضًا عَنِ الكَفَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴿والَّذِينَ هم بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ وإغْوائِهِ إيّاهم ﴿مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أيْ بِإشْراكِهِمُ الشَّيْطانَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرَّبِّ تَعالى شَأْنُهُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِاتِّحادِ الضَّمائِرِ فِيهِ مَعَ تَبادُرِهِ إلى الذِّهْنِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ما يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ الأخِيرِ، وذُكِرَ فِيهِ أيْضًا أنَّ قَصْرَ سُلْطانِ اللَّعِينِ عَلى المَذْكُورِينَ غَبَّ نَفْيِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا واسِطَةَ في الخارِجِ بَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَوَلِّي الشَّيْطانِ وإنْ كانَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ في المَفْهُومِ وإنَّ مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَعالى يَنْتَظِمُ في سِلْكِ مَن يَتَوَلّى الشَّيْطانَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إذْ بِهِ يَتِمُّ التَّعْلِيلُ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ في الحَمْلِ عَلى التَّوَكُّلِ والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقابِلِهِ.
وإيثارُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ في الصِّلَةِ الأُولى لِما مَرَّ آنِفًا والِاسْمِيَّةِ في الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حالِيَّةً مُفِيدَةً لِعَدَمِ دُخُولِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ تَحْتَ سُلْطانِهِ.
صفحة 231
وتَقْدِيمُ الأوْلى عَلى الثّانِيَةِ الَّتِي هي بِمُقابَلَةِ الصِّلَةِ الأُولى فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ المُقارَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُقابِلُها مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ السّابِقُ لانْفَصَلَ كُلٌّ مِنَ القَرِينَتَيْنِ عَمّا يُقابِلُها اه، لِما كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّوَلِّي مَنشَأً لِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
النحل 16:101
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً﴾ أيْ إذا نَزَّلْنا آيَةً مِنَ القُرْآنِ مَكانَ آيَةٍ مِنهُ وجَعَلْناها بَدَلًا مِنها بِأنْ نَسَخْناها بِها، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ المُرادَ نَسْخُ اللَّفْظِ والمَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَسْخُ المَعْنى مَعَ بَقاءِ اللَّفْظِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ مِنَ المَصالِحِ فَكُلٌّ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مُنَزَّلٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَإنَّ كُلَّ وقْتٍ لَهُ مُقْتَضى غَيْرُ مُقْتَضى الآخَرِ فَكَمْ مِن مَصْلَحَةٍ تَنْقَلِبُ مَفْسَدَةً في وقْتٍ آخَرَ لِانْقِلابِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، ونَرى الطَّبِيبَ الحاذِقَ قَدْ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْهاهُ عَنْها ويَأْمُرُهُ بِضِدِّها، وما الشَّرائِعُ إلّا مَصالِحُ لِلْعِبادِ وأدْوِيَةٌ لِأمْراضِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ فَتَخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ ذَلِكَ في الأوْقاتِ وسُبْحانَ الحَكِيمِ العَلِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ مَعْنى الِاعْتِراضِ أوْ حالِيَّةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «يَنْزِلُ» مِنَ الإنْزالِ ﴿قالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ الجاهِلُونَ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ، وقَدْ بالَغُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى حَضْرَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ وجَّهُوا الخِطابَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاؤُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِإنَّما، وحِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْهم هاهُنا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كَفَرَةٌ ناشِئَةٌ مِن نَزَغاتِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ ولِيُّهم. وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ ذَكَرِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ أنَّهُ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِهِ يَفْتِنُ بِهِ النّاقِصِينَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمُ البَداءَ والتَّضادَّ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ في التَّبْدِيلِ المَذْكُورِ حِكَمًا بالِغَةً، وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ لِما أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُ عِنادًا. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ وهي ساكِتَةٌ عَنْ نَفْيِ نَسْخِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَصَلَ في كُتُبِ الأُصُولِ
النحل 16:102
﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أيِ القُرْآنَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: أيِ النّاسِخَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَنْزِلُ بِالقُدْسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ مِمّا يُطَهِّرُ النُّفُوسَ مِنَ القُرْآنِ والحِكْمَةِ والفَيْضِ الإلَهِيِّ، وقِيلَ: لِطُهْرِهِ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ، والإضافَةُ عِنْدَ بَعْضٍ لِلِاخْتِصاصِ كَما في ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ وجَعَلَها بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ عَلى جَعْلِهِ نَفْسَ القُدْسِ مُبالَغَةً نَحْوُ- خَبَرٌ سَوْءٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ- عَلى ما ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، ومِثْلُ ذَلِكَ حاتِمُ الجُودِ وسَحْبانُ الفَصاحَةٍ وخالَفَ في ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ مُخْتارًا أنَّها لِلِاخْتِصاصِ، ولا يَخْفى ما في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّها تُفِيدُ التَّدْرِيجَ مِنَ المُناسَبَةِ لِمُقْتَضى المَقامِ لِما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ أنْزَلَ دُفُعاتٍ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَيْسَ في إضافَتِهِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّلْقِينِ المَحْضِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وكَأنَّهُ اعْتِناءٌ بِأمْرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ لَمْ يَقُلْ مِن رَبِّكم عَلى أنَّ في تَرْكِ خِطابِهِمْ مِن حَطِّ قَدْرِهِمْ ما فِيهِ، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها ناسِخًا كانَ أوْ مَنسُوخًا ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ عَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لِما فِيهِ
صفحة 232
مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ والأدِلَّةِ السّاطِعَةِ أوْ عَلى الإيمانِ بِأنَّ كَلامَهُ تَعالى فَإنَّهم إذا سَمِعُوا النّاسِخَ وتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ رَسَخَتْ عَقائِدُهم واطْمَأنَّتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِقَوْلِهِ: لِيُبَيِّنَ ثَباتَهم وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ إذِ التَّثْبِيتُ بَعْدَ النَّسْخِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ فَإنْ نَظَرَ إلى مُطْلَقِ الإيمانِ صَحَّ. وقُرِئَ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ مِنَ الأفْعالِ.
﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تابَعَهُ وهو نَظِيرُ زُرْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ وإجْلالًا لَكَ أيْ تَثْبِيتًا وهِدايَةً وبِشارَةً، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ إذا اعْتُبِرَ الكُلُّ فِعْلَ المُنَزَّلِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بِإدْخالِ اللّامِ في البَعْضِ والتَّرْكُ في البَعْضِ وجْهٌ ظاهِرٌ، وكَذا إذا اعْتُبِرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كَما هو كَذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وإذا اعْتَبَرَ البَعْضُ فِعْلَ المُنَزَّلِ لِيَتَّحِدَ فاعِلُ المَصْدَرِ وفاعِلُ الفِعْلِ المُعَلِّلِ بِهِ فَيَتْرُكُ اللّامَ لَهُ والبَعْضُ الآخَرُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى لِيَخْتَلِفَ الفاعِلُ فَيُؤْتى بِاللّامِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ وجْهٌ ظاهِرٌ أيْضًا ويُفَوِّتُ بِهِ حُسْنُ النَّظْمِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: يُوَجَّهُ تَرْكُ اللّامِ في المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ شَرْطِ التَّرْكِ فِيهِما بِأنَّ المَصْدَرَ المَسْبُوكَ مَعْرِفَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ والمَفْعُولُ لَهُ الصَّرِيحُ وإنْ لَمْ يَجِبْ تَنْكِيرُهُ كَما عُزِّيَ لِلرِّياشِيِّ فَخِلافُهُ قَلِيلٌ كَقَوْلِهِ: وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُما تَفَنُّنًا وجَرْيًا عَلى الأفْصَحِ فِيهِما، والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ التَّثْبِيتَ أمْرٌ عارِضٌ بَعْدَ حُصُولِ المُثْبَتِ عَلَيْهِ فاخْتِيرَ فِيهِ صِيغَةُ الحُدُوثِ مَعَ ذِكْرِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ فِعْلٌ لِلَّهِ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الهِدايَةِ والبِشارَةِ فَإنَّهُما يَكُونانِ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: إنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ مُجَوَّزٌ لا مُوجَبٌ والِاخْتِيارُ مُرَجَّحٌ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن فائِدَةِ بَيانِ جَوازِ الوَجْهَيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُصْلِحُ وجْهًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وقَدِ اعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ هُنا بِما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً﴾، وذَكَرَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ فَيَكُونُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ مَجْرُورَيْنِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَرْفُوعَيْنِ عَلى أنَّهُما خَبَرا مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو هُدًى وبُشْرى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في ( نَزَّلَهُ ) .
والمُرادُ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا، والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِهِمْ لِمَدْحِهِمْ بِكِلا العُنْوانَيْنِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإسْلامَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِيُفِيدَ بَعْدَ تَوْصِيفِهِمْ بِالإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّ ( لِلْمُسْلِمِينَ ) قَيْدٌ لِلْهُدى والبُشْرى ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِجَوازِ كَوْنِهِ قَيْدًا لِلْبُشْرى فَقَطْ كَما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (هُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) عَلى ما سَمِعْتُ هُناكَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما قالُوا تَعْرِيضٌ لِحُصُولِ أضْدادِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لِمَن سِوى المَذْكُورِينَ مِنَ الكُفّارِ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ فَيَكْفِي فِيهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ فالزِّيادَةُ لِمَكانِ التَّعْرِيضِ وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ بَدَلُ نَزَّلَهُ اللَّهُ فِيهِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ في الجَوابِ وزِيدَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِالحَقِّ﴾ لِيُنَبِّهَ عَلى دَفْعِ الطَّعْنِ بِألْطَفِ الوُجُوهِ ثُمَّ نَعى قَبِيحَ أفْعالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ إلَخْ تَعْرِيضًا بِأنَّهم مُتَزَلْزِلُونَ ضالُّونَ مُوَبَّخُونَ مُنْذَرُونَ بِالخِزْيِ والنَّكالِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأنَّ عَذابَهم في خِلافِ ذَلِكَ لِيَزِيدَ في غَيْظِهِمْ وحَنَقِهِمْ، وفي الكَلامِ ما هو قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ اه فَتَأمَّلْ.
النحل 16:103
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ﴾ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ﴾ أيْ يُعَلِّمَ النَّبِيَّ ﷺ القُرْآنَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما واخْتِيرَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ لِيُوافِقَ ضَمِيرَ ( أنْزَلَهُ ) أيْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُ القُرْآنَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بَشَرٌ﴾ عَلى طَرِيقِ البَتِّ مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِتَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعِيدِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ
صفحة 233
بِحَسْبِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ في مُتَعَلِّقِهِ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى عَلى المُضِيِّ فالمُرادُ عَلَّمَنا وعَنَوْا بِهَذا البَشَرِ قِيلَ: جَبْرًا الرُّومِيَّ غُلامَ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ وكانَ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجْلِسُ إلَيْهِ إذا آذاهُ أهْلُ مَكَّةَ فَقالُوا ما قالُوا.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: مَوْلًى لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى اسْمُهُ عائِشٌ أوْ يَعِيشُ كانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ وقَدْ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقِيلَ: أبا فَكِيهَةَ مَوْلًى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ قِيلَ اسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا قالَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ جُبَيْرٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا.
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيِّ قالَ: كانَ لَنا عَبْدانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ يُقالُ لِأحَدِهِما يَسارٌ ولِلْآخَرِ جَبْرٌ وكانا يُصَنِّعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ وكانا يَقْرَآنِ الإنْجِيلَ فَرُبَّما مَرَّ بِهِما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُما يَقَرَءانِ فَيَقِفُ ويَسْتَمِعُ فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مِنهُما، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قِيلَ لِأحَدِهِما إنَّكَ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لا بَلْ هو يُعَلِّمُنِي. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «كانَ بِمَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ رُومِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جِهَةِ الأعاجِمِ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وسَلْمانَ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، وكَوْنُها إخْبارًا بِأمْرٍ مَغِيبٍ لا يُناسِبُ السِّباقَ، ورِوايَةُ أنَّهُ أسْلَمَ بِمَكَّةَ واشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأعْتَقَهُ بِها قِيلَ ضَعِيفَةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كاحْتِمالِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ عَنْ بَعْضِ النَّصارى أنَّهُ قالَ لَهُ: كانَ نَبِيُّكم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ في غارِ حِراءٍ رَجُلانِ نَصْرانِيٌّ ويَهُودِيٌّ يُعَلِّمانِهِ، ولَمْ أجِدْ هَذا عَنْ أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ لا مَنشَأ لَهُ وبُهْتٌ مَحْضٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ أُدْخِلَ في ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خَطَئِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْدِنًا لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ اللِّسانُ مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ التَّكَلُّمِ، والإلْحادُ المَيْلُ يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ لِأنَّهُ حُفْرَةٌ مائِلَةٌ عَنْ وسَطِهِ، والمُلْحِدُ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، والأعْجَمِيُّ الغَيْرُ البَيِّنِ، قالَ أبُو الفَتْحِ المُوصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدُّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ وعَجَمَ الزَّبِيبُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ ويُقالُ لِلْبَهِيمَةِ العَجْماءُ لِأنَّهُ لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ العُجْماوَيْنِ لِأنَّ القِراءَةَ فِيهِما سِرٌّ وأمّا قَوْلُهُمْ: أعَجَمْتُ الكِتابَ فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ كَأشْكَيْتُ زَيْدًا أزَلْتُ شَكْواهُ، والأعْجَمِيُّ والأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مِنَ العَجَمِ كانَ أوْ مِنَ العَرَبِ، ومِن ذَلِكَ زِيادٌ الأعْجَمُ وكانَ عَرَبِيًّا في لِسانِهِ لُكْنَةٌ وكَذاكَ حَبِيبٌ الأعْجَمِيُّ تِلْمِيذُ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُما عَلى ما رَأيْتُهُ في بَعْضِ التَّوارِيخِ.
والمُرادُ مِنَ ( الَّذِي ) عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِ مَن زَعَمُوا نِسْبَةَ التَّعْلِيمِ إلَيْهِ الجِنْسُ ومَفْعُولُ ( يُلْحِدُونَ ) مَحْذُوفٌ أيْ تَكَلُّمُ الَّذِي يَمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ أيْ يَنْسُبُونَ التَّعْلِيمَ إلَيْهِ غَيْرُ بَيِّنٍ لا يَتَّضِحُ المُرادُ مِنهُ.
وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ اللِّسانَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ «اللِّسانُ الَّذِي» بِتَعْرِيفِ
صفحة 234
اللِّسانِ بِألْ ووَصْفِهِ بِالَّذِي. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ «يَلْحَدُونَ» بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ، وألْحَدَ ولَحَدَ لُغَتانِ فَصِيحَتانِ مَشْهُورَتانِ ﴿وهَذا﴾ القُرْآنُ الكَرِيمُ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُهُ- بِمُبِينٍ- بَعْدَ وصْفِهِ- بِعَرَبِيٍّ- والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ أيْ سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لِإبْطالِ طَعْنِهِمْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن فاعِلِ ( يَقُولُونَ ) ثُمَّ قالَ: وهو أبْلَغُ مِنَ الإنْكارِ أيْ يَقُولُونَ هَذا والحالُ أنَّ عِلْمَهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وعَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم عَنْ مِثْلِ تِلْكَ المَقالَةِ كَقَوْلِكَ: أتَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَجِيءَ الِاسْمِيَّةِ حالًا بِدُونِ واوٍ شاذٌّ عِنْدَهُ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ إذْ مَجِيئُها كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى اه، وتَقْرِيرُ الإبْطالِ- كَما قالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ- يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ ما يَسْمَعُهُ مِن ذَلِكَ البَشَرِ كَلامٌ أعْجَمِيٌّ لا يَفْهَمُهُ هو ولا أنْتُمْ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ تَفْهَمُونَهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ فَكَيْفَ يَكُونُ ما تَلَقَّفَهُ مِنهُ. وثانِيهُما هَبْ أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ المَعْنى بِاسْتِماعِ كَلامِهِ ولَكِنْ لَمْ يَلْقَفْ مِنهُ اللَّفْظُ لِأنَّ ذَلِكَ أعْجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ كَما هو مُعْجِزٌ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَهو مُعْجِزٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ مَعَ أنَّ العُلُومَ الكَثِيرَةَ الَّتِي في القُرْآنِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها إلّا بِمُلازَمَةِ مُعَلِّمٍ فائِقٍ في تِلْكَ العُلُومِ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً فَكَيْفَ تَعَلَّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن غُلامٍ سُوقِيٍّ سَمِعَ مِنهُ بَعْضَ المَنقُولاتِ بِكَلِماتٍ أعْجَمِيَّةٍ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَعْناها، وحاصِلُ ذَلِكَ مَنعُ تَعَلُّمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ مَعَ سَنَدِهِ ثُمَّ تَسْلِيمُهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى إذْ لَفْظُهُ مُغايِرٌ لِلَّفْظِ ذَلِكَ بَدِيهِيَّةٌ فَيَكْفِي دَلِيلًا لَهُ ما أتى بِهِ مِنَ اللَّفْظِ المُعْجِزِ ويُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ بِنَحْوِ هَذا عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في البَشَرِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: المَعْنى أنْتُمْ أفْصَحُ النّاسِ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنٍ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ التَّشَبُّثُ في أثْناءِ الطَّعْنِ بِمِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ الرَّكِيكَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى كَمالِ عَجْزِهِمْ فَقَدْ رامُوا اجْتِماعَ اليَوْمِ والأمْسِ واسْتِواءَ السُّها والشَّمْسِ:
فَدَعْهم يَزْعُمُونَ الصُّبْحَ لَيْلًا أيَعْمى النّاظِرُونَ عَنِ الضِّياءِ
النحل 16:104
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِهِ تَعالى بَلْ يَقُولُونَ فِيها ما يَقُولُونَ يُسَمُّونَها تارَةً افْتِراءً وأُخْرى أساطِيرَ مُعَلَّمَةً مِنَ البَشَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَدْخُلُ فِيها الآياتُ القُرْآنِيَّةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا والأوَّلُ عَلى ما قِيلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ.
﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: أيْ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ إلى ما يُنْجِيهِمْ مِنَ الحَقِّ لِما يَعْلَمُ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ، وقالَ في البَحْرِ: أيْ لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الجَلْبِيُّ: المَعْنى أنَّ سَبَبَ عَدَمِ إيمانِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ لِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوْ لا يَهْدِيهِمْ سُبْحانَهُ مُجازاةً لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ- بِلا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ- لا يَهْتَدُونَ فَإنَّهُ إنَّما يُقالُ هَدى اللَّهُ تَعالى فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقِيلَ: المَعْنى إنَّ الَّذِينَ لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم إلى الإيمانِ بِآياتِهِ تَعالى لا يَخْلُقُهُ سُبْحانَهُ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ
صفحة 235
الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعالى لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ ولَكِنَّهُ قَدَّمَ وأخَّرَ تَتْمِيمًا لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ ولِلتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ويُؤَدِّي مُؤَدّى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما ذَكَرَهُ الجَلْبِيُّ أوَّلًا والأكْثَرُ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.
وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في الآيَةِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وكَوْنُهُ تَفْسِيرًا لِلْمُعْتَزِلَةِ مُناسِبًا لِأُصُولِهِمْ فِيهِ نَظَرٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ونِسْبَةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الِافْتِراءِ والتَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ بَعْدَ إماطَةِ شُبْهَتِهِمْ ورَدِّ طَعْنِهِمْ،
النحل 16:105
وقَوْلُهم سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَمْهِيدٌ لِكَوْنِهِمْ هُمُ المُفْتَرِينَ وقَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ حَقَّقَ بِالبَيانِ البُرْهانِيِّ بَراءَةَ ساحَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْثِ الِافْتِراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ القائِلِينَ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ التَّعْرِيضِ لِيَكُونَ كالوَشْمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: أنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مُفْتَرُونَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ وأنَّ مَن زَنُوهُ بِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذَيْلِهِ نَشِبَ مِنهُ أيْ إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ لِأنَّهُ لا يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ وقُرَيْشٌ كَذَلِكَ فَهُمُ الكاذِبُونَ أوْ إشارَةٌ إلى ( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَسْتَمِرُّ الكَلامُ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى أنَّ الكاذِبَ بِالحَقِيقَةِ هَذا الكاذِبُ عَلى ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) واللّامُ لِلْجِنْسِ وهو شَهادَةُ عَلَيْهِمْ بِالكَمالِ في الِافْتِراءِ، فالكَذِبُ في الحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِالكَذِبِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وأُطْلِقَ إشْعارًا بِأنْ لا كَذِبَ فَوْقَهُ لِيَكُونَ كالحُجَّةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ أوِ الكَذِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الَّذِينَ عادَتْهُمُ الكَذِبُ فَلِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لَهِجَ بِالكَذِبِ قِيلُهُ، ويَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولِذا عُطِفَتْ عَلى الفِعْلِيَّةِ، وفِيهِ قَلْبٌ حَسَنٌ وإشارَةٌ إلى أنَّ قُرَيْشًا لِما كانَ مِن عادَتِهِمُ الكَذِبُ أخَذُوا يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أتى بِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ حَتّى نَسَبُوا مَن شَهِدُوا لَهُ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ إلى الِافْتِراءِ.
ومَوْضِعُ الحُسْنِ الإيماءُ إلى سَبْقِ حالَتَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُرَيْشٍ أوِ الكَذِبُ مُقَيَّدٌ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا بِما نَسَبُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِافْتِراءِ، ( والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى هَذا المُرادِ بِهِ قُرَيْشٌ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وإيثارُ المُضارِعِ عَلى الماضِي دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ عَقِبَ نُزُولِ كُلِّ آيَةٍ واسْتِحْضارًا لِذَلِكَ وهَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّوابِقِ، وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الأوْجُهَ صاحِبُ الكَشّافِ وقَدْ حَرَّرَها بِما ذَكَرَ المَوْلى المُدَقِّقُ في كَشْفِهِ، والحَصْرُ في سائِرِها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا اسْتِدْراكَ في الآيَةِ لا سِيَّما عَلى الأوَّلِ مِنها، وهي مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ في بَعْضِها. وتَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةٌ عَنْهُمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ لِأنَّها كَما سَمِعْتَ لِرَدِّهِ، وتَوْسِيطُ ما وسَّطَ لِما لا يَخْفى مِن شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِالرَّدِّ الأوَّلِ
النحل 16:106
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ بِهِ تَعالى. وهَذا بِحَسَبِ الظّاهِرِ ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ ما آمَنَ بِها بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها رَأْسًا (ومَن) مَوْصُولَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ» الآتِي عَلَيْهِ وحَذْفُ مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أيْضًا الرَّفْعُ وكَذا النَّصْبُ عَلى القَطْعِ لِقَصْدِ الذَّمِّ أيْ هم أوْ أذُمُّ مَن كَفَرَ والقَطْعُ لِلذَّمِّ والمَدْحِ وإنْ تُعُورِفَ في النَّعْتِ، (ومَن) لا يُوصَفُ بِها لَكِنْ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِهِ في غَيْرِهِ كالبَدَلِ وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الذَّمِّ بَعِيدٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ
صفحة 236
وغَيْرُهُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَفْتَرِيَ الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ مُطْلَقًا وهم أكْثَرُ المُفْتَرِينَ. وأيْضًا البَدَلُ هو المَقْصُودُ والآيَةُ سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ وهم كُفّارٌ أصْلِيُّونَ. ووَجَّهَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مِن بَعْدِ تَمَكُّنِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ وذَكَرَ أنَّ فِيهِ تَرْشِيحًا لِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ وما اقْتَرَفُوهُ مِن نِسْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِافْتِراءِ وفِيهِ كَما في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ، وحَمْلُ التَّمَكُّنِ مِنهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ التَّمَكُّنِ في إحْداثِهِ وبَقائِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ المُدَقِّقُ: الأوْلى في التَّوْجِيهِ أنْ يُجْعَلَ المَعْنى مَن وجَدَ الكُفْرَ فِيما بَيْنَهم تَغْيِيرًا عَلى الِارْتِدادِ أيْضًا وأنَّ مَن وجَدَ فِيهِمْ هَذِهِ الخَصْلَةَ لا يَبْعُدُ مِنهُ الِافْتِراءُ ويُجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُثْلَةِ ويُدْمِجُ فِيهِ الرُّخْصَةَ بِإجْراءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ وتَفاوُتِ ما بَيْنَ صاحِبِ العَزِيمَةِ والرُّخْصَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: الأقْرَبُ أنْ يَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وأنَّ هَذا تَكْذِيبٌ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما يُقالُ لِمَن قالَ: إنَّ الشَّمْسَ غَيْرُ طالِعَةٍ في يَوْمِ صاحَ هَذا لَيْسَ بِكَذِبٍ لِأنَّ الكَذِبَ يَصْدُرُ فِيما قَدْ تَقْبَلُهُ العُقُولُ ويَكُونُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ في ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ فاللَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَهْدِهِمْ إلى الحَقِّ والصِّدْقِ وخَتَمَ عَلى حَواسِّهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ حَتّى يُساعِدَهُ لِسانُهُ عَلى النُّطْقِ بِهِ فَقُبْحُ إنْكارِهِمْ لَهُ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى كَذِبًا وإنَّما يُكَذِّبُ مَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ ونَطَقَ بِهِ مَرَّةً، فَتَكُونُ الآيَةُ الأُولى لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ صَرِيحًا والأُخْرى دَلالَةٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ انْتَهى، ولَعَمْرِي إنَّهُ نِهايَةٌ في التَّكَلُّفِ، ومِثْلُ هَذا الإبْدالِ الإبْدالُ مِن ( أُولَئِكَ ) والإبْدالُ مِنَ ( الكاذِبُونَ ) وقَدْ جَوَّزَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ الأخِيرَ أيْضًا ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّجّاجُ غَيْرَهُ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الآتِي عَلَيْهِ كَما سَمِعْتَ في الوَجْهِ الأوَّلِ، والكَلامُ في خَبَرِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ مَشْهُورٌ، وظاهِرُ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ اخْتِيارُ الإبْدالِ وهو عِنْدِي غَرِيبٌ مِنهُ. وفي الكَشْفِ أنَّ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً وجْهٌ ظاهِرُ السَّدادِ إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَ جارُ اللَّهِ عَلى إيثارِ كَوْنِ ( مَن ) بَدَلًا طَلَبُ المُلاءَمَةِ بَيْنَ أجْزاءِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ بَيانِ حُكْمٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا العُذْرِ مِنَ الوَهَنِ، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِثْناءَ ﴿مَن أُكْرِهَ﴾ أيْ عَلى التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ بِأمْرٍ يَخافُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ- مِن كُفْرٍ- اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ التَّلَفُّظُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَواءٌ طابَقَ الِاعْتِقادَ أوْ لا.
قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ كَفَرَ فُلانٌ إذا اعْتَقَدَ الكُفْرَ ويُقالُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ، فَيَدْخُلُ هَذا المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مِنَ الخَبَرِ الجَوابُ المُقَدَّرُ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مُقَدَّمٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ إخْراجُهُ مِن حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابُ أوِ الذَّمُّ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى، والعامِلُ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- هو الكُفْرُ الواقِعُ بِالإكْراهِ لا نَفْسَ الإكْراهِ لِأنَّ مُقارَنَةَ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ لِلْإكْراهِ لا تُجْدِي نَفْعًا وإنَّما المُجْدِي مُقارَنَتُهُ لِلْكُفْرِ الواقِعِ بِهِ أيْ إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ أوْ إلّا مَن أُكْرِهَ فَكَفَرَ والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وأصْلُ مَعْنى الِاطْمِئْنانِ سُكُونٌ بَعْدَ انْزِعاجٍ، والمُرادُ هُنا السُّكُونُ والثَّباتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ إزْعاجِ الإكْراهِ، وإنَّما لَمْ
صفحة 237
يُصَرِّحْ بِذَلِكَ العامِلِ إيماءً إلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ كَما قِيلَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن جَعَلَهُ رُكْنًا لَمْ يُرِدْ أنَّهُ رُكْنٌ حَقِيقِيٌّ لا يَسْقُطُ أصْلًا بَلْ أنَّهُ دالٌّ عَلى الحَقِيقَةِ الَّتِي هي التَّصْدِيقُ إذْ لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْها فَلا يَضُرُّهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ لِنَحْوِ الإكْراهِ والعَجْزِ فَتَأمَّلْ.
﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا (وصَدْرًا) عَلى مَعْنى صَدْرِهِ إذِ البَشَرُ في عَجْزٍ عَنْ شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، ونَصْبُهُ- كَما قالَ الإمامُ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِشَرَحَ- وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عَلى التَّمْيِيزِ، (ومَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ لَكِنْ إذا جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً- قالَ أبُو حَيّانَ - لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَها لِأنَّ لَكِنْ لا تَلِيها الجُمَلُ الشَّرْطِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ هُنا ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أيْ مِنهم ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ولَكِنْ مَتى تَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. أيْ ولَكِنْ أنا مَتى تَسْتَرْفِدُ إلَخْ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّةِ ( مَن ) وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ وكَذا عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ في رَأْيٍ والخِلافُ مَشْهُورٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم خَبَرًا لِمَن هَذِهِ ولِمَنِ الأُولى لِلِاتِّحادِ في المَعْنى إذِ المُرادُ- بِمَن كَفَرَ- الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ صَدْرًا. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هاهُنا جُمْلَتَيْنِ شَرْطِيَّتَيْنِ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى حِدَةٍ فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى في صِناعَةِ الإعْرابِ.
وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ جَوابٌ- لِأمّا- ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ تَلِي إحْداهُما الأُخْرى، ويَبْعُدُ بِهَذا عِنْدِي جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُما عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِدْراكُ مِنَ الإكْراهِ عَلى ما قِيلَ ووُجِّهَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ يُوهِمُ أنَّ المُكْرَهَ مُطْلَقًا مُسْتَثْنًى مِمّا تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ لا يَنْفِي ذَلِكَ الوَهْمَ فاحْتِيجَ إلى الِاسْتِدْراكِ لِدَفْعِهِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ كَما في نَحْوِ ذَلِكَ: لَوْ جاءَ زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ. وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وتَنْوِينُ ﴿غَضَبٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ لا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ كائِنٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لِعَظَمِ جُرْمِهِمْ فَجُوِّزُوا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ، وفي اخْتِيارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ تَعْظِيمِ العَذابِ ما فِيهِ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ المَجْرُورَيْنِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في المُسْتَكِنِّ في الصِّلَةِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ.
رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ فَأبَوْا فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قِبَلِها وقالُوا إنَّما أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقَتَلُوها وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأمّا عَمّارٌ فَأعْطاهم بِلِسانِهِ ما أكْرَهُوهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وقالَ: ما لَكَ إنْ عادُوا فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم أخَذُوهُ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمّا أتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما وراءَكَ؟ قالَ: شَرٌّ ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ
صفحة 238
قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ عادُوا فَعُدْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وكَأنَّ الأمْرَ بِالعَوْدِ في الرِّوايَةِ الأُولى لِلتَّرْخِيصِ بِناءً عَلى ما قالَ النَّسَفِيُّ إنَّهُ أدْنى مَراتِبِهِ وكَذا الأمْرُ في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِما قُيِّدَ بِهِ في الرِّوايَةِ الأُولى، وأمّا إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ كَما في الهِدايَةِ أيْ عُدْ إلى جَعْلِها نُصْبَ عَيْنَيْكِ واثْبُتْ عَلَيْها فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ، والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلُ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ ذَلِكَ إعْزازًا لِلدِّينِ ولَوْ تَيَقَّنَ القَتْلَ كَما فَعَلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن إلْقاءِ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ بَلْ هو كالقَتْلِ في الغَزْوِ كَما صَرَّحُوا بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ الرّازِقِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ «أنَّ مُسَيْلِمَةً أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ وقالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ فَقالَ: أنا أصَمُّ فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا فَأعادَ ذَلِكَ في جَوابِهِ فَقَتَلَهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرُهُما فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ».
وفِي أحْكامِ الجَصّاصِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ عَلى الكُفْرِ إخْطارُ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ فَإنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ ذَلِكَ كَفَرَ.
وفِي شَرْحِ المِنهاجِ لِابْنِ حَجَرٍ لا تُوجَدُ رِدَّةُ مَكْرَهٍ عَلى مُكَفَّرٍ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لِلْآيَةِ، وكَذا إنْ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ عَنْهُما فِيما يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ لِإطْلاقِهِمْ أنَّ المُكْرَهَ لا يَلْزَمُهُ التَّوْرِيَةُ فافْهَمْ، وقالَ القاضِي: يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ ولا يُباحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِالكُفْرِ لِأنَّهُ كَذِبٌ وهو قَبِيحٌ لِذاتِهِ فَيُقَبَّحُ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القُبْحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكَذِبَ لَها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِوَعْدِهِ تَعالى ووَعِيدِهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ورَدُّهُ ظاهِرٌ. وهَذا الخِلافُ فِيما إذا تَعَيَّنَ عَلى المُكْرَهِ إمّا التِزامُ الكَذِبِ وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلتَّلَفِ وإلّا فَمَتى أمْكَنَهُ نَحْوُ التَّعْرِيضِ أوْ إخْراجِ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِذَلِكَ إجْماعًا. واسْتُدِلَّ بِإباحَةِ التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إباحَةِ سائِرِ المَعاصِي عِنْدَهُ أيْضًا وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ الإكْراهِ كَشُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ المَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَإنَّ حِفْظَ النَّفْسِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ فَحَيْثُ تَعَيَّنَ الأكْلُ سَبِيلًا ولا ضَرَرَ فِيهِ لِحَيَوانٍ ولا إهانَةٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وجَبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ ومِنها ما يَحْرُمُ كَقَتْلِ إنْسانٍ مُحْتَرَمٍ أوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وفي وُجُوبِ القَصّاصِ عَلى المُكْرَهِ قَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ ومَثَّلَ بِالزِّنا لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ انْتِشارِ الآلَةِ فَحَيْثُ دَلَّ الزِّنا في الوُجُودِ عَلِمْنا أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ
النحل 16:107
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ أوِ الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أوِ المَذْكُورِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشّارِحِينَ صُدُورَهم بِالكُفْرِ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ آثَرُوها وقَدَّمُوها ولِتَضَمُّنِ الِاسْتِحْبابِ مَعْنى الإيثارِ قِيلَ ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ فَعُدِّيَ بِعَلى، والمُرادُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهم فَعَلُوا فِعْلَ المُسْتَحِبِّينَ ذَلِكَ وإلّا فَهم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ.
﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الإيمانِ وإلى ما يُوجِبُ الثَّباتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ. ورَدَّهُ الإمامُ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ
صفحة 239
الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ بِهِدايَةِ القَسْرِ أيْ لا يَهْدِي هِدايَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ونُسِبَ إلى المُعْتَزِلَةِ ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيْ في عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ فَلا يَعْصِمُهم تَعالى عَنِ الزَّيْغِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، ولَوْلا أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وإمّا عَدَمُ هِدايَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ آثَرُوا الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا أوْ بِأنْ هَداهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ ذَلِكَ لَكِنَّ كِلاهُما لا يَكُونُ لِأنَّهُ خِلافُ ما في العِلْمِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وقالَ البَعْضُ: لَكِنَّ الثّانِيَ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ والأوَّلُ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النحل 16:108
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ تُفْتَحْ لِإدْراكِ الحَقِّ واكْتِسابِ ما يُوَصِّلُ إلَيْهِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى اسْتَحَبُّوا إشارَةً إلى الكَسْبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى الِاخْتِراعِ فَجَمَعَتِ الآيَةُ الأمْرَيْنِ وذَلِكَ عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلْكَلامِ عَلى الطَّبْعِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ والنَّظَرِ في المَصالِحِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: غافِلُونَ عَمّا يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ.
النحل 16:109
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إذْ ضَيَّعُوا رُؤُوسَ أمْوالِهِمْ وهي أعْمارُهم وصَرَفُوها فِيما لا يُفْضِي إلّا إلى العَذابِ المُخَلَّدِ ولِلَّهِ تَعالى مَن قالَ:
إذا كانَ رَأْسُ المالِ عُمْرَكَ فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ
ووَقَعَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿الأخْسَرُونَ﴾ وذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ فِيهِ أوْ لِأنَّهُ وقَعَ في الفَواصِلِ هُنا اعْتِمادُ الألِفِ كالكافِرِينَ والغافِلِينَ فَعَبَّرَ بِهِ لِرِعايَةِ ذَلِكَ وهو أمْرٌ سَهْلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ( لا جَرَمَ ) فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ
النحل 16:110
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى دارِ الإسْلامِ وهم عَمّارٌ وأضْرابُهُ أيْ لَهم بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ لا عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِإنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: الخَبَرُ هو الآتِي وإنَّ الثّانِيَةَ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا تُطْلَبُ خَبَرًا مِن حَيْثُ الإعْرابُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأحَدِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى الأعْمالِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ أيِ الغُفْرانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ هَذِهِ في اللَّفْظِ لِأنَّ خَبَرَ الثّانِي أغْنى عَنْهُ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ كَما لا يَخْفى (وثُمَّ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ رُتْبَةِ حالِهِمْ هَذِهِ عَنْ رُتْبَةِ حالِهِمُ الَّتِي يُفِيدُها الِاسْتِثْناءُ مِن مُجَرَّدِ الخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابِ لا عَنْ رُتْبَةِ حالِ الكَفَرَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ عُذِّبُوا عَلى الِارْتِدادِ، وأصْلُ الفِتَنِ إدْخالُ الذَّهَبِ النّارِ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِن رَداءَتِهِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ البَلاءِ وتَعْذِيبِ الإنْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَنُوا» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو ضَمِيرُ المُشْرِكِينَ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ أيْ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهَ مَوْلاهُ جَبْرًا حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا أوْ وقَعُوا في الفِتْنَةِ فَإنَّ فَتَنَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وتُسْتَعْمَلُ الفِتْنَةُ فِيما يَحْصُلُ عِنْدَ العَذابِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا والمَعْنى فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ أوْ لِما كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم عَذَّبُوا أنْفُسَهم ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ الكَفّارَ ﴿وصَبَرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ أوْ عَلى ما أصابَهم مِنَ المَشاقِّ مُطْلَقًا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ المَذْكُوراتِ مِنَ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ
صفحة 240
والجِهادِ والصَّبْرِ، وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ الصِّلَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفِتْنَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ ويَكُونَ ما ذُكِرَ بَيانًا لِعَدَمِ إخْلالِ ذَلِكَ بِالحُكْمِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّوْبَةِ والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا مِن قَبْلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً لِما صَنَعُوا مِن بَعْدُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَوْضِعَيْنِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وما في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ إفاضَةَ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِكَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُ.
هَذا وكَوْنُ الآيَةِ في عَمّارٍ وأضْرابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِمّا ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وصَرَّحَ ابْنُ إسْحاقَ بِأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ ذِكْرَ عَمّارٍ في ذَلِكَ غَيْرُ قَوِيمٍ فَإنَّهُ أرْفَعَ طَبَقَةَ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ، وذَكَرَ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّهُ لا يَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وقاتَلُوا فَنَزَلَتْ، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ، فالمُرادُ بِالجِهادِ قِتالُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكَفّارِ فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ، والمُرادُ نَزَلَتْ فِيهِ وفي أشْباهِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وفَسَّرُوا ( فُتِنُوا) عَلى هَذا بِفَتْنِهِمُ الشَّيْطانُ وأزَلَّهم حَتّى ارْتَدَوْا بِاخْتِيارِهِمْ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَن ذَكَرَ مَعَ عَمّارٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ عَيّاشًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ وكانَ يَضْرِبُهُ سَوْطًا وراحِلَتَهُ سَوْطًا لِيَرْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ. وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ عَيّاشًا وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ مِنَ الرَّضاعَةِ، وقِيلَ: لِأُمِّهِ وأبا جَنْدَلِ بْنَ سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ وعَذَّبُوهم فَأعْطَوْهم بَعْضَ ما أرادُوا لِيَسْلَمُوا مِن شَرِّهِمْ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا وجاهَدُوا والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ
النحل 16:111
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ- بِ”رَحِيمٌ“- وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِارْتِباطِ النَّظْمِ عَلَيْهِ ومُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ولا يَضُرُّ تَقْيِيدُ الرَّحْمَةِ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ في غَيْرِهِ تَثْبُتُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ تُدافِعُ وتَسْعى في خَلاصِها بِالِاعْتِذارِ ولا يَهُمُّها شَأْنُ غَيْرِها مِن ولَدٍ ووالِدٍ وقَرِيبٍ. أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وجَماعَةٌ عَنْ كَعْبٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بن الخَطّابِ فَقالَ: خَوِّفْنا يا كَعْبُ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوَلَيْسَ فِيكم كِتابُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَةُ رَسُولِهِ ﷺ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ خَوِّفْنا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ وافَيْتَ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لازْدَرَأْتَ عَمَلَكَ مِمّا تَرى قالَ: زِدْنا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً يَوْمَ القِيامَةِ
صفحة 241
لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا خَرَّ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ لَيَخِرُّ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ فَيَقُولُ: رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي لا أسْألُكَ اليَوْمَ إلّا نَفْسِي فَأطْرَقَ عُمَرُ مَلِيًّا قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوَلَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلَخْ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ هو الجِدالُ ولَمْ يَرْتَضِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا الدَّلالَةُ عَلى عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الغَيْرِ وهو بَعْضُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ المُجادَلَةَ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ يَقُولُ الجَسَدُ: بِكَ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي ولَوْلاكَ لَكُنْتُ خَشَبَةً مُلْقاةً وتَقُولُ الرُّوحَ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أضْرِبُ لَكُما مَثَلًا أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ فالعَذابُ عَلَيْكُما، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا عَنْ هَذا الحَبْرِ وهو أجْلُّ مِن أنْ يَحْمِلَ المُجادِلَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَ.
وضَمِيرُ ( نَفْسِها ) عائِدٌ عَلى النَّفْسِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ نَفْسِ النَّفْسِ، وظاهِرُهُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، فَوُجِّهَ بِأنَّ النَّفْسَ الأُولى هي الذّاتُ والجُمْلَةُ أيِ الشَّخْصُ بِأجْزائِهِ كَما في قَوْلِكَ، نَفْسٌ كَرِيمَةٌ ونَفْسٌ مُبارَكَةٌ، والثّانِيَةُ عَيْنُها أيِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرى التَّأْكِيدِ ويَدُلُّ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وهُوِيَّتِهِ بِحَسْبِ المَقامِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأجْزاءَ مُلاحَظَةٌ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، والأصْلُ هو الثّانِي لَكِنْ لِعَدَمِ المُغايَرَةِ في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الذّاتِ وصاحِبِها اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الصّاحِبِ ثُمَّ أُضِيفَ الذّاتُ إلَيْهِ، فَوِزانُ ( كُلُّ نَفْسٍ ) وِزانُ قَوْلِكَ: كُلُّ أحَدٍ كَذا في الكَشْفِ، وفي الفَرائِدِ المُغايَرَةُ شَرْطٌ بَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ لِامْتِناعِ النِّسْبَةِ بِدُونِ المُنْتَسِبِينَ فَلِذَلِكَ قالُوا: يَمْتَنِعُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ إلّا أنَّ المُغايِرَةَ قَبْلَ الإضافَةِ كافِيَةٌ وهي مُحَقَّقَةٌ هاهُنا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن مُطْلَقِ النَّفْسِ نَفْسُكَ ويَلْزَمُ مِن نَفْسِكَ مُطْلَقُ النَّفْسِ فَلَمّا أُضِيفَ ما لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْسُكَ إلى نَفْسِكَ صَحَّتِ الإضافَةُ وإنِ اتَّحَدا بَعْدَ الإضافَةِ، ولِذا جازَ عَيْنُ الشَّيْءِ وكُلُّهُ ونَفْسُهُ بِخِلافِ أسَدٍ اللَّيْثِ وحَبْسِ المَنعِ ونَحْوِهِما، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النَّفْسُ الأُولى هي المَعْرُوفَةُ والثّانِيَةُ هي البَدَنُ، وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ أيْ إنْسانٌ واحِدَةٌ، والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ فَتَأمَّلْ فَفي النَّفْسِ مِن بَعْضِ ما قالُوهُ شَيْءٌ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ المَشْهُورَيْنِ فِي- كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتِهِ- يَجْرِيانِ هاهُنا فَتَفَطَّنْ.
وفِي البَحْرِ إنَّما لَمْ تَجِئْ- تُجادِلُها عَنْها- بَدَلُ ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ لِأنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ وفَقَدَ لا يَتَعَدّى ظاهِرًا كانَ فاعِلُهُ أوْ مُضْمَرًا إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ فَلا يُقالُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ أوْ هِنْدٌ ضَرَبَتْها وإنَّما يُقالُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ وهِنْدٌ ضَرَبَتْ نَفْسَها، وتَأْنِيثُ ( تَأْتِي ) مَعَ إسْنادِهِ إلى ( كُلُّ ) وهو مُذَكَّرٌ لِرِعايَةِ المَعْنى، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ:
جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ
﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ تُعْطى وافِيًا كامِلًا ﴿ما عَمِلَتْ﴾ أيْ جَزاءَ عَمَلِها أوِ الَّذِي عَمِلَتْهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا بِطَرِيقِ اطِّلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ إشْعارًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الأجْزِيَةِ والأعْمالِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ وقْتَيِ المُجادَلَةِ والتَّوْفِيَةِ وإنْ كانَتا في يَوْمٍ واحِدٍ.
﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ العِقابِ أوْ بِالعِقابِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وقِيلَ: بِنَقْصِ أُجُورِهِمْ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ عُلِمَ
صفحة 242
مِنَ السّابِقِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ أرادَ بِجَزاءِ ما عَمِلَتِ العِقابُ، وعَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ فَهَذا تَكْرارٌ لِلتَّأْكِيدِ ووَجْهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ ظاهِرٌ
النحل 16:112
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ أهْلَ قَرْيَةٍ وذَلِكَ إمّا بِإطْلاقِ القَرْيَةِ وإرادَةِ أهْلِها وإمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِضَرَبَ- عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الجَعْلِ، وأُخِّرَ لِئَلّا يَفْصِلَ الثّانِي بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وتَجاذُبِهِ، ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ شَوْقًا لِوُرُودِهِ لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ كَما هُنا فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ النَّصْبَ عَلى البَدَلِيَّةِ والأصْلُ عِنْدَهُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا مَثَلَ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ إمّا قَرْيَةٌ مُحَقَّقَةٌ مِن قُرى الأوَّلِينَ، وإمّا مُقَدَّرَةٌ ووُجُودُ المُشَبَّهِ بِهِ غَيْرُ لازِمٍ، ولَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ لِمَكانِ
النحل 16:113
﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكَّةُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عُمَرَ قالَ: صَحِبْتُ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وهي خارِجَةٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَأُخْبِرْتُ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَرَجَعْتُ وقالَتْ: ارْجِعُوا بِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَلْقَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلَتْ ما في الآيَةِ، ولَعَلَّها أرادَتْ أنَّها مَثَلُها ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنِ الخَبَرِ ومَن مَعَهُ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، ودَخَلَ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ولَعَلَّهُ المُخْتارُ ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ قِيلَ: ذاتَ أمْنٍ لا يَأْتِي عَلَيْها ما يُوجِبُ الخَوْفَ كَما يَأْتِي عَلى بَعْضِ القُرى مِن إغارَةِ أهْلِ الشَّرِّ عَلَيْها وطَلَبِ الإيقاعِ بِها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ ساكِنَةً قارَّةً لا يَحْدُثُ فِيها ما يُوجِبُ الِانْزِعاجَ كَما يَحْدُثُ في بَعْضِ القُرى مِنَ الفِتَنِ بَيْنَ أهالِيها ووُقُوعِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَإنَّها قَلَّما تَأْمَنُ مِن إغارَةِ شِرِّيرٍ عَلَيْها وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ تَرى شَخْصَيْنِ مُتَصادِقَيْنِ فِيها:
والمَرْءُ يَخْشى مِن أبِيهِ وابْنِهِ ويَخُونُهُ فِيها أخُوهُ وجارُهُ
وقِيلَ: يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الِاطْمِئْنانَ أثَرُ الأمْنِ ولازَمَهُ مِن حَيْثُ إنَّ الخَوْفَ يُوجِبُ الِانْزِعاجَ ويُنافِي الِاطْمِئْنانَ، وفي البَحْرِ أنَّهُ زِيادَةٌ في الأمْنِ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُها ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن جَمِيعِ نَواحِيها، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَمّا تَقَدَّمَ إلى ما تَرى لِما أنَّ إتْيانَ الرِّزْقِ مُتَجَدِّدٌ وكَوْنَها آمِنَةً مُطَمْئِنَةً ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ ثَلاثَ نِعَمٍ جَمَعَها قَوْلُهُمْ:
ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَهْ ∗∗∗ الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَهْ
فَآمِنَةٌ إشارَةٌ إلى الأمْنِ (ومُطْمَئِنَّةً) إلى الصِّحَّةِ (ويَأْتِيها رِزْقُها) إلَخْ إلى الكِفايَةِ، وجُعِلَ سَبَبُ الِاطْمِئْنانِ مُلاءَمَةَ هَواءِ البَلَدِ لِأمْزِجَةِ أهْلِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ لِأنَّ المُطَّرِدَ جَمْعُ فِعْلٍ عَلى أفْعُلٍ لا فِعْلَةٍ، وقالَ الفاضِلُ اليَمْنِيُّ: اسْمُ جَمْعٍ لِلنِّعْمَةِ، وقُطْرُبٌ: جَمْعُ نُعْمٍ بِضَمِّ النُّونِ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ، والنِّعَمُ عِنْدَهُ بِمَعْنى النَّعِيمِ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذا يَوْمُ طُعْمٍ ونُعْمٍ، وعِنْدَ غَيْرِهِ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، والمُرادُ بِالنِّعَمِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ ولَعَلَّهُ في قُوَّةِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ بَلْ هو كَذَلِكَ، وفي إيثارِ جَمْعِ القِلَّةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ نِعَمٍ قَلِيلَةٍ أوْجَبَتْ هَذا العَذابَ فَما ظَنُّكَ بِكُفْرانِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ)
صفحة 243
﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرِهِما الغاشِي بِاللِّباسِ بِجامِعِ الإحاطَةِ والِاشْتِمالِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ لِلْإصابَةِ، وأُوثِرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ الَّتِي تَفُوتُ لَوِ اسْتُعْمِلَتِ الإصابَةُ، وبَيَّنُوا العَلاقَةَ بِأنَّ المُدْرَكَ مِن أثَرِ الضَّرَرِ شُبِّهَ بِالمُدْرَكِ مَن طَعْمِ المُرِّ البَشِعِ مِن بابِ اسْتِعارَةِ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ لِأنَّ الوِجْدانِيّاتِ لَزَّتْ في قَرْنِ العَقْلِيّاتِ، وكَذا يُقالُ في الأوَّلِ، ولِشُيُوعِ اسْتِعْمالٍ الإذاقَةِ في ذَلِكَ وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ ولِذا جُعِلَ إيقاعُها عَلى اللِّباسِ تَجْرِيدًا، فَإنَّ التَّجْرِيدَ إنَّما يَحْسُنُ أوْ يَصِحُّ بِالحَقِيقِ أوْ ما أُلْحِقَ بِها مِنَ المَجازِ الشّائِعِ، فَلا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ أذاقَها إيّاهُ وأصابَها بِهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَكَساها إيثارًا لِلتَّرْشِيحِ لِئَلّا يَفُوتَ ما تُفِيدُهُ الإذاقَةُ مِنَ التَّأْثِيرِ والإدْراكِ وطَعْمِ الجُوعِ لِما في اللِّباسِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشُّمُولِ. وصاحِبُ المِفْتاحِ حَمَلَ اللِّباسَ عَلى انْتِفاعِ اللَّوْنِ ورَثاثَةِ الهَيْئَةِ اللّازِمَيْنِ لِلْجُوعِ والخَوْفِ، والِاسْتِعارَةُ حِينَئِذٍ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَحْسُوسِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى إذْ لا يُجِلُّ مَوْقِعَ الإذاقَةِ وتَكُونُ الإصابَةُ أبْلَغَ مَوْقِعًا.
ونُقِلَ عَنِ الأصْحابِ أنَّ لَفْظَ اللِّباسِ عِنْدَهم تَخْيِيلٌ، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ يُشَبَّهَ الجُوعُ والخَوْفُ في التَّأْثِيرِ بِذِي لِباسٍ قاصِدٍ لِلتَّأْثِيرِ مُبالَغٍ فِيهِ فَيَخْتَرِعُ لَهُ صُورَةً كاللِّباسِ ويُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ بَلاغَةَ القُرْآنِ العَظِيمِ لِأنَّ الجُوعَ إذا شُبِّهَ بِالمُؤَثِّرِ القاصِدِ الكامِلِ فِيما تَوَلّاهُ ناسَبَ أنْ تُخْتَرَعَ لَهُ صُورَةٌ ما يَكُونُ آلَةً لِلتَّأْثِيرِ لا صُورَةَ اللِّباسِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ صاحِبَ المِفْتاحِ يَرى أنَ التَّخْيِيلِيَّةَ مُسْتَعْمَلَةٌ في أمْرٍ وهْمِيٍّ تَوَهَّمَهُ المُتَكَلِّمُ شَبِيهًا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ فاللِّباسُ إذا كانَ تَخْيِيلًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أمْرًا مُشْتَمِلًا عَلى الجُوعِ اشْتِمالَ اللِّباسِ كالقَحْطِ ومُشْتَمِلًا عَلى الخَوْفِ كَإحاطَةِ العَدُوِّ فَلا وجْهَ لِقَوْلِهِ: صُورَةُ اللِّباسِ مِمّا لا دَخْلَ لَهُ في التَّأْثِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَعَ الفاعِلِ إلّا ذِكْرُ الآلَةِ لِلتَّأْثِيرِ مِمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولا يَتَأتّى التِزامُهُ في كُلِّ مَكْنِيَّةٍ، ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: مَسافَةُ القَرِيضِ ما زالَ يَطْوِيها حَتّى نَزَلَ بِبابِهِ عَلى تَشْبِيهِ المَدْحِ بِمُسافِرٍ ثَبَتَ لَهُ المَسافَةُ تَخْيِيلًا وما بَعْدَهُ تَرْشِيحُ كانَتِ اسْتِعارَةً حَسَنَةً ولَيْسَ قَرِينَتُها آلَةً لِذَلِكَ الفاعِلِ بَلْ أمْرٌ مِن لَوازِمِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في كَلامِ البُلَغاءِ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُفِيدُ عِنْدَ صَحِيحِ التَّخَيُّلِ تَمْيِيزَ ما نُقِلَ عَنِ الأصْحابِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ولا مُساواتَهُ لَهُ، والمَشْهُورُ أنَّ في ( لِباسَ ) اسْتِعارَتَيْنِ تَصْرِيحِيَّةً ومَكْنِيَّةً، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ شَبَّهَ ما غَشِيَ الإنْسانَ عِنْدَ الجُوعِ والخَوْفِ مِن أثَرِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ الِاشْتِمالُ بِاللِّباسِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ ومِن حَيْثُ الكَراهَةُ بِالطَّعْمِ المُرِّ البَشِعِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً نَظَرًا إلى الأوَّلِ ومَكْنِيَّةً إلى الثّانِيَةِ وتَكُونُ الإذاقَةُ تَخْيِيلًا، وفِيهِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الطَّلَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِباسُ ﴿الجُوعِ﴾ كَلُجَيْنِ الماءِ أيْ أذاقَها اللَّهُ الجُوعَ الَّذِي هو في الإحاطَةِ كاللِّباسِ، والأوَّلُ أيْضًا أوْلى، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
غَمَرَ الرِّداءَ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ
فَإنَّهُ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبَةِ صَوْنِ الرِّداءِ. لِما يُلْقِي عَلَيْهِ وأضافَ إلَيْهِ الغَمْرَ وهو في وصْفِ المَعْرُوفِ اسْتِعارَةً جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ وحَقِيقَتُهُ مِنَ الغَمْرَةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وكَثْرَتُهُ، وتَقْدِيمُ الجُوعِ النّاشِئِ مِن فُقْدانِ الرِّزْقِ عَلى ( الخَوْفِ ) المُتَرَتِّبِ عَلى زَوالِ الأمْنِ المُقَدَّمِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إتْيانِ الرِّزْقِ لِكَوْنِهِ أنْسَبَ بِالإذاقَةِ أوْ لِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ إتْيانِ الرِّزْقِ.
وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ «لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ» بِتَقْدِيمِ الخَوْفِ، وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اللِّباسَ وعَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً، ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ «والخَوْفَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسَ )
صفحة 244
وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ مَقامَهُ أيْ ولِباسَ الخَوْفِ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وفي مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ بِالجُوعِ والخَوْفِ فَقَطْ ما يُشِيرُ إلى عَدِّ الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ والِانْزِعاجِ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فِيما قَبْلُ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ وهو الكُفْرانُ المَذْكُورُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَصْنَعُونَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والبابُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِسَبَبِيَّةٍ والضَّمِيرانِ قِيلَ: عائِدانِ عَلى- أهْلِ- المُقَدَّرِ المُضافِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ ما عادَتِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ إلى لَفْظِها، وقِيلَ: عائِداتٌ إلى القَرْيَةِ مُرادًا بِها أهْلُها.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أسْنَدَ ما ذُكِرَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ بَعْدَ إسْنادِ الكُفْرانِ إلَيْها وإيقاعُ الإذاقَةِ عَلَيْها إرادَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، وفي صِيغَةِ الصَّنْعَةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ الصَّنِيعَةِ صَنْعَةٌ راسِخَةٌ لَهم وسُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، والضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى مَن عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرانِ قَبْلَهُ، وجِيءَ بِذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ما صَنَعُوهُ مِن كُفْرانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُزاحَمَةً مِنهم لِقَضِيَّةِ العَقْلِ فَقَطْ بَلْ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِحُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ أيْضًا أيْ ولَقَدْ جاءَ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ فَأخْبَرَهم بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ وأنْذَرَهم بِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رِسالَتِهِ أوْ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا ذُكِرَ، فالفاءُ فَصِيحَةٌ وعَدَمُ ذِكْرِ ما أفْصَحَتْ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المُسْتَأْصِلُ لِشَأْفَتِهِمْ غَبَّ ما ذاقُوا مِنهُ ما سَمِعْتَ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ وهو الكُفْرانُ والتَّكْذِيبُ غَيْرُ مُقْلِعَيْنِ عَنْهُ بِما ذاقُوا مِنَ المُقَدِّماتِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ وتَجاوُزِهِمْ في ذَلِكَ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ.
وتَرْتِيبُ أخْذِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وبِهِ يَتِمُّ التَّمْثِيلُ فَإنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ سَواءٌ ضُرِبَ المَثَلُ لَهم خاصَّةً أوْ لَهم ولِمَن سارَ سِيرَتَهم كافَّةً أشْبَهُ بِحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ فَقَدْ كانُوا في حَرَمٍ آمِنٍ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ولا يَمُرُّ بِبالِهِمْ طَيْفٌ مِنَ الخَوْفِ ولا يُزْعِجُ قَطُّ قُلُوبَهم مُزْعِجٌ وكانَتْ تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم وأيُّ رَسُولٍ تَحارُ في إدْراكِ سُمُوِّ مَرْتَبَةِ العُقُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما اخْتَلَفَ الدَّبُّورُ والقَبُولُ فَأنْذِرِهم وحَذِّرْهم فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأذاقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ حَيْثُ أصابَهم بِدُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»».
ما أصابَهم مِن جَدَبٍ شَدِيدٍ وأزْمَةٍ ما عَلَيْها مَزِيدٌ فاضْطَرُّوا إلى أكْلِ الجِيَفِ والكِلابِ المَيْتَةِ والعِظامِ المَحْرُوقَةِ والعَلْهَزِ وهو طَعامٌ يُتَّخَذُ في سِنِي المَجاعَةِ مِنَ الدَّمِ والوَبَرِ وكانَ أحَدُهم يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى شِبْهَ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ كانُوا يُغِيرُونَ عَلى مَواشِيهِمْ وعِيرِهِمْ وقَوافِلِهِمْ ثُمَّ أخَذَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أخَذَهم مِنَ العَذابِ هَذا ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، وأمّا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ والكَلامُ انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ حالِهِمْ صَرِيحًا بَعْدَ ذِكْرِ مَثَلِهِمْ وأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ
صفحة 245
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ ووَقْعَةُ بَدْرٍ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ كَيْفَ لا
النحل 16:114
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى نَتِيجَةِ التَّمْثِيلِ وصَدٌّ لَهم عَمّا يُؤَدِّي إلى مِثْلِ عاقِبَتِهِ، والمَعْنى وإذا قَدِ اسْتَبانَ لَكم حالُ مَن كَفَرَ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبَ رَسُولَهُ وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ اللتيا والَّتِي أوَّلًا وآخِرًا فانْتَهُوا عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْلا يَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ واعْرِفُوا حَقَّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأطِيعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ فَكُلُوا مَن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾ وذَرُوا ما تَفْتَرُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ ونَحْوِها ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ واعْرِفُوا حَقَّها ولا تُقابِلُوها بِالكُفْرانِ.
والفاءُ في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ وإنَّما دَخَلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِكَوْنِ الأكْلِ ذَرِيعَةً إلى الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ غَبَّ أكْلِها حَلالًا طَيِّبًا وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ زَعْمِ الحُرْمَةِ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا إنَّما يُتَصَوَّرُ حِينَ كانَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ مُتَوَقَّعًا بَعْدُ وقَدْ تَمَهَّدَتْ مَبادِيهِ، وأمّا بَعْدَ ما وقَعَ فَمَن ذا الَّذِي يُحَذَّرُ ومَن ذا الَّذِي يُؤْمَرُ بِالأكْلِ والشُّكْرِ وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ يَأْباهُ التَّصَدِّي لِاسْتِصْلاحِهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَأْباهُ التَّعْبِيرُ بِالماضِي لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ في المُسْتَقْبَلِ المُتَحَقِّقِ الوُقُوعِ مَجازًا كَثِيرٌ.
وتَوْجِيهُ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ إلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ ما يَتْلُوهُ مِن خِطابِ النَّهْيِ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُفّارِ كَما فَعَلَ الواحِدِيُّ قالَ: فَكُلُوا أنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَنائِمِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ اه. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ ما فُسِّرَ العَذابُ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ لِلشَّأْفَةِ كَيْفَ يُرادُ بِهِ ما وقَعَ في بَدْرٍ وما بَقِيَ مِنهم أضْعافُ ما ذَهَبَ وإنْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ كافِيًا في الِاسْتِئْصالِ فَلْيَكُنِ المُحَذَّرِ والمَأْمُورِ الباقِي مِنهُمْ، وما ذَكَرَهُ عَنِ الواحِدِيِّ مِن تَوْجِيهِ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ رَواهُ الإمامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ما يَسْتَدْعِي أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ قالَ: إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ جَهِدُوا وقالُوا: عادَيْتَ الرِّجالَ فَما بالُ الصِّبْيانِ والنِّساءِ وكانَتِ المِيرَةُ قَدْ قُطِعَتْ عَنْهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأذِنَ في الحَمْلِ إلَيْهِمْ فَحُمِلَ الطَّعامُ إلَيْهِمْ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهو المَيْتَةُ والدَّمُ اه. وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ هو الصَّحِيحُ فَإنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَ مُقاتِلٌ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ مَكَّةُ وقَدْ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ المَدِينَةِ يُخَوِّفُهم ويُحَذِّرُهم أنْ يَصْنَعُوا مِثْلَ صَنِيعِهِمْ فَيُصِيبُهم ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ الخَوْفَ المَذْكُورَ في الآيَةِ كانَ مِنَ البُعُوثِ والسَّرايا الَّتِي كانَتْ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالقِتالِ وهو بِمَكَّةَ وإنَّما أُمِرَ بِهِ وهو بِالمَدِينَةِ فَكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكَّةَ يُخَوِّفُهم بِذَلِكَ وهو بِالمَدِينَةِ، والمُرادُ بِالعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ وهو أوْلى مِن أنْ يُرادَ بِهِ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلَخْ عِنْدَهُ كَما هو عِنْدَ الجُمْهُورِ انْتِقالٌ مِنَ التَّمْثِيلِ بِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِحالِهِمُ الدّاخِلَةِ فِيهِ ولَيْسَ مِن تَتِمَّتِهِ فَإنَّهُ عَلى ما قِيلَ خِلافُ المُتَبادَرِ إلى الفَهْمِ. نَعَمْ كَوْنُ خِطابِ النَّهْيِ فِيما بَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعِيدًا غايَةَ البُعْدِ، وجَعْلُهُ لِلْكُفّارِ
صفحة 246
مَعَ جَعْلِ خِطابِ الأمْرِ السّابِقِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدُ أيْضًا لَكِنْ دُونُ ذَلِكَ. وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ خِطابَ النَّهْيِ كَخِطابِ الأمْرِ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، ونَقَلَ كَوْنَ خِطابِ النَّهْيِ لَهم عَنِ العَسْكَرِيِّ، وكَوْنُهُ لِلْكُفّارِ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةِ والجُمْهُورِ، ولَعَلَّ الأوْلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ إلّا أنَّ تَقْيِيدَ العَذابِ بِالمُسْتَأْصِلِ ودَعْوى أنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ حَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِن حَيْثُ إنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمْ يُسْتَأْصَلُوا فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم إنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ ومَن قالَ: إنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ أبْقى هَذا عَلى ظاهِرِهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَخُصُّونَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهْيِيجِ.
النحل 16:115
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِحَلِّ ما أمَرَهم بِأكْلِهِ مِمّا رَزَقَهُمْ، والحَصْرُ إضافِيٌّ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ أيْ إنَّما حَرَّمَ أكْلَ هَذِهِ الأشْياءِ دُونَ ما تَزْعُمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها فَلا يُنافِي تَحْرِيمَ غَيْرِ المَذْكُوراتِ كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وقِيلَ: الحَصْرُ عَلى ظاهِرِهِ والسِّباعُ ونَحْوُها لَمْ تُحَرَّمْ قَبْلُ وإنَّما حُرِّمَتْ بَعْدُ ولَيْسَ الحَصْرُ إلّا بِالنَّظَرِ إلى الماضِي، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى حَصَرَ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ إلَخْ وهُما مَكِّيَّتانِ وحَصَرَها فِيها أيْضًا في البَقَرَةِ وكَذا في المائِدَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ فِيها ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَأباحَ الكُلَّ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِما يُتْلى هو قَوْلُهُ تَعالى في تِلْكَ السُّورَةِ:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وما أكَلَ السَّبْعُ داخِلٌ في المَيْتَةِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ داخِلٌ فِيما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السُّوَرَ الأرْبَعَ دالَّةٌ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعِ، وسُورَتا النَّحْلِ والأنْعامِ مَكِّيَّتانِ وسُورَتا البَقَرَةِ والمائِدَةِ مَدَنِيَّتانِ، والمائِدَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ فَمَن أنْكَرَ حَصْرَ التَّحْرِيمِ في الأرْبَعِ إلّا ما خَصَّهُ الإجْماعُ والدَّلائِلُ القاطِعَةُ كانَ في مَحَلِّ أنَّ يُخْشى عَلَيْهِ لِأنَّ هَذِهِ السُّوَرَ دَلَّتْ عَلى أنَّ حَصْرَ المُحَرَّماتِ فِيها كانَ مَشْرُوعًا ثابِتًا في أوَّلِ أمْرِ مَكَّةَ وآخِرِها وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها، وفي إعادَةِ البَيانِ قَطْعٌ لِلْأعْذارِ وإزالَةٌ لِلشُّبَهِ اه فَتَفَطَّنْ ولا تَغْفَلْ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ دَعَتْهُ ضَرُورَةُ المَخْمَصَةِ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ ﴿ولا عادٍ﴾ مُتَعَدٍّ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وسَدِّ الرَّمَقِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لا يُؤاخِذُهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ فَأُقِيمُ سَبَبُهُ مَقامَهُ، ولِتَعْظِيمِ أمْرِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ جِيءَ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدَّسَها شَيْخُ الإسْلامِ فَظَنَّ أنَّ الآيَةَ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَبَيَّنَ سِرَّ التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ وسُبْحانَ مَن لا يَسْهُو.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكافِرَ مُكَلَّفٌ بِالفُرُوعِ.
النحل 16:116
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ما يُفْهَمُ مِنَ الحَصْرِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِالأهْواءِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ إلَخْ، ولا يُنافِي ذَلِكَ العَطْفَ كَما لا يَخْفى، واللّامُ صِلَةُ القَوْلِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ وقَوْلِكَ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، و«ما» مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا تَقُولُوا في شَأْنِ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم
صفحة 247
مِنَ البَهائِمِ بِالحَلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ مِن غَيْرِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَلى مُلاحَظَةٍ وفِكْرٍ فَضْلًا عَنِ اسْتِنادِهِ إلى وحْيٍ أوْ قِياسٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدِ قَوْلٍ بِاللِّسانِ.
( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَقُولُوا- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: هَذا ﴿حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارٍ أعْنِي، وقِيلَ: ( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهَذا مَقُولُ القَوْلِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( الكَذِبَ ) مَقُولَ القَوْلِ المَذْكُورِ ويُضْمَرُ قَوْلٌ آخَرُ بَعْدَ الوَصْفِ واللّامُ عَلى حالِها أيْ لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ ومُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ لا يُضْمَرَ القَوْلُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ وأنْ يُقَدَّرَ قائِلُهُ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ (والكَذِبَ) مَفْعُولُ الوَصْفِ وهَذا ﴿حَلالٌ﴾ إلَخْ مَقُولُ القَوْلِ أيْ لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ، وحاصِلُهُ لا تَحِلُّوا ولا تُحَرِّمُوا لِمُجَرَّدِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ وتَصْوِيرِها لَهُ وتَحْقِيقِها لِماهِيَّتِهِ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَنشَأً لِلْكَذِبِ ومَنبَعًا لِلزُّورِ شَخْصٌ عالِمٌ بِكُنْهِهِ ومُحِيطٌ بِحَقِيقَتِهِ يَصِفُهُ لِلنّاسِ ويُعَرِّفُهُ أوْضَحَ وصْفٍ وأبْيَنَ تَعْرِيفٍ، ومِثْلُ هَذا وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ تَقُولُ: لَهُ وجْهٌ يَصِفُ الجَمالَ ورِيقٌ يَصِفُ السُّلافَ وعَيْنٌ تَصِفُ السِّحْرَ، وتَقَدَّمَ بَيْتُ المَعَرِّي، وقَدْ بُولِغَ في الآيَةِ مِن حَيْثُ جُعِلَ قَوْلُهم كَذِبًا ثُمَّ جُعِلَ اللِّسانُ النّاطِقَةُ بِتِلْكَ المَقالَةِ يَنْبُوعَهُ مُصَوِّرَةً إيّاهُ بِصُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِتابَةِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ نَحْوَ: نَهارُهُ صائِمٌ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالكَذِبِ صارَتْ كَأنَّها حَقِيقَتُهُ ومَنبَعُهُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويَعْرِفُهُ كَقَوْلِهِ:
أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عُبَيْدٍ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ «الكَذِبِ» بِالجَرِّ، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما مَعَ مَدْخُولِها، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ صِفَةً- لِما- المَصْدَرِيَّةِ مَعَ صِلَتِها.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَسْبُوكَ مِن ما أوْ أنْ أوْ كَيْ مَعَ الفِعْلِ مَعْرِفَةٌ كالمُضْمَرِ لا يَجُوزُ نَعْتُهُ فَلا يُقالُ: أعْجَبَنِي أنْ تَقُومَ السَّرِيعُ كَما يُقالُ: أعْجَبَنِي قِيامُكَ السَّرِيعُ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يَتْبَعُ بِذَلِكَ كَلامَ العَرَبِ. وقَرَأ مُعاذٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ «الكُذُبُ» بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ وهو جَمْعُ كَذُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كِذابٍ بِكَسْرِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً وجَمْعُ فُعُلٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ أوْ جَمْعُ كاذِبٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أوْ يَعْقُوبُ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ ونَسَبَ قِراءَةَ مُعاذٍ ومَن مَعَهُ إلى مَسْلَمَةَ «الكُذُبَ» بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أوْجُهٍ. الأوَّلُ إنَّ ذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ وهو نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ مَقْطُوعٌ.
الثّانِي مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَصِفَ- أوْ ( تَقُولُوا ) والمُرادُ الكَلِمُ الكَواذِبُ: الثّالِثُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ- لِتَصِفَ- مِن مَعْناهُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ المَصْدَرِ، وأُعْرِبَ ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إلَخْ عَلى ما مَرَّ ولا إشْكالَ في إبْدالِهِ لِأنَّهُ كَلِمٌ بِاعْتِبارِ مَوادِّهِ وكَلامًا ظاهِرًا ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ اللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ ولِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ
صفحة 248
ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بَلْ لِأغْراضٍ أُخَرَ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما ذُكِرَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ولا يَبْعُدُ قَصْدُهم لِذَلِكَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ وفي البَحْرِ أنَّهُ الظّاهِرُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلتَّعْلِيلِ السّابِقِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّ في هَذا التَّنْبِيهِ عَلى مَنِ افْتَرَوْا الكَذِبَ عَلَيْهِ ولَيْسَ فِيما مَرَّ بَلْ فِيهِ إثْباتُ الكَذِبِ مُطْلَقًا فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ اجْتَرَءُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوا وحَرَّمُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿لِما تَصِفُ﴾ إلَخْ لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى ما في البَحْرِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما مَصْدَرِيَّةً لِأنَّها إذا جُعِلَتْ مَوْصُولَةً لا تَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِيُبْدَلَ مِن ذَلِكَ ما يُفْهِمُ التَّعْلِيلَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ التَّعْلِيلِ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ فَعِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيلِ يَجُوزُ الإبْدالُ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العَسْكَرِيُّ لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَلُّهُ ولا حُرْمَتُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ حَلالًا ولا حَرامًا فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَدارَ الحَلِّ والحُرْمَةِ لَيْسَ إلّا حُكْمُهُ سُبْحانَهُ، ومِن هُنا قالَ أبُو نَضْرَةَ: لَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا مُنْذُ سَمِعْتُ آيَةَ النَّحْلِ إلى يَوْمِي هَذا.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويُقالُ في مَسائِلِ الِاجْتِهادِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا ونَحْوَ ذَلِكَ فَهو أبْعَدُ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ مَنفَعَتُهُمُ الَّتِي قَصَدُوها بِذَلِكَ الِافْتِراءِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ- فَمَتاعٌ- خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (وقَلِيلٌ) صِفَتُهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ لَمّا نُفِيَ عَنْهُمُ الفَوْزُ بِمَطْلُوبٍ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ وهم قَدْ تَحَصَّلَ لَهم مَنفَعَةٌ بِالِافْتِراءِ؟ فَقِيلَ: ذاكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ لا عِبْرَةَ بِهِ ويَرْجِعُ الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ المُرادَ نَفِيُ الفَوْزِ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وإلى كَوْنِ
النحل 16:117
﴿مَتاعٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلّا أنَّهُ قالَ: أيْ بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ونَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وفِيهِ أنَّ النَّكِرَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها بِدُونِ مُسَوِّغٍ وتَأْوِيلُهُ بِمَتاعِهِمْ ونَحْوُهُ بِعِيدٌ ﴿ولَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ
النحل 16:118
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأوَّلِينَ ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ، والظّاهِرُ أنَّ ( مِن قَبْلُ ) مُتَعَلِّقٌ- بِقَصَصْنا- وجُوِّزَ تَعْلِيقُهُ- بِحَرَّمْنا- والمُضافُ إلَيْهِ المُقَدَّرُ ما مَرَّ أيْضًا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقَدَّرَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلى أُمَّتِكَ، وهو أوْلى عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فُصِّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حَرُمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةٌ عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا ما عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَسْبَما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ وإنَّهُ كَما يَكُونُ لِلْمَضَرَّةِ يَكُونُ لِلْعُقُوبَةِ.
النحل 16:119
صفحة 249
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ هو ما يُسِيءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ أوْ مَعْصِيَةٍ ويَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الشِّرْكُ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ بِسَبَبِها، عَلى مَعْنى أنَّ الجَهالَةَ السَّبَبُ الحامِلُ لَهم عَلى العَمَلِ كالغَيْرَةِ الجاهِلِيَّةِ الحامِلَةِ عَلى القَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفُسِّرَتِ الجَهالَةُ بِالأمْرِ الَّذِي لا يَلِيقُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي هُنا تَعَدِّي الطَّوْرِ ورُكُوبُ الرَّأْسِ لا ضِدَّ العِلْمِ، ومِنهُ ما جاءَ في الخَبَرِ ««اللَّهُمَّ أعُوذُ بِكَ مِن أنْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلُ عَلَيَّ»» وقَوْلِ الشّاعِرِ:
ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
نَعَمْ كَثِيرًا ما تُصْحَبُ هَذِهِ الجَهالَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى ضِدِّ العِلْمِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِذَلِكَ وجَعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُلْتَبِسَيْنِ بِجَهالَةٍ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى وبِعِقابِهِ أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما عَمِلُوا ما عَمِلُوا، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ دَلالَةِ ( ثُمَّ ) عَلَيْهِ لِلتَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ أصْلَحُوا أعْمالَهم أوْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإصْلاحَ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى التَّوْبَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيِ التَّوْبَةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّ الإصْلاحَ مُنْدَرِجٌ في التَّوْبَةِ وتَكْمِيلٌ لَها. وقالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ، وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَثْبُتُ عَلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ فِعْلًا وتَرْكًا، وتَكْرِيرُ ( إنَّ رَبَّكَ ) لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإنْجازِهِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في التّائِبِينَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ إفاضَةَ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِهِ ﷺ وكَوْنِهِمْ مِن أتْباعِهِ كَما مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ، والتَّقْيِيدُ بِالجَهالَةِ قِيلَ: لِبَيانِ الواقِعِ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ لا يَعْمَلُهُ إلّا بِجَهالَةٍ.
وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذِهِ سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةٍ فِكْرٍ في عاقِبَةِ الأمْرِ أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ أوْ في جَهالَةِ الشَّبابِ فَذَكَرَ الأكْثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى القَوانِينِ لا مَفْهُومَ لِلْقَيْدِ
النحل 16:120
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ كانَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ وهي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، فَإطْلاقُها عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاسْتِجْماعِهِ كِمالاتٍ لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُتَفَرِّقَةً في أُمَّةٍ جَمَّةٍ:
ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
وهُوَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَئِيسُ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةُ المُحَقِّقِينَ الَّذِي نَصَبَ أدِلَّةَ التَّوْحِيدِ ورَفَعَ أعْلامَها وخَفَضَ راياتِ الشِّرْكِ وجَزَمَ بِبَواتِرِ الحُجَجِ هامَها، وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ، وذُكِرَ في القامُوسِ أنَّ مِن مَعانِي الأُمَّةِ مَن هو عَلى الحَقِّ مُخالِفٌ لِسائِرِ الأدْيانِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ بِجَعْلِهِ كَأنَّهُ جَمِيعُ ذَلِكَ العَصْرِ لِأنَّ الكَفَرَةَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وقِيلَ: الأُمَّةُ هُنا فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالرِّحْلَةِ بِمَعْنى
صفحة 250
المَرْحُولِ إلَيْهِ، والنُّخْبَةُ بِمَعْنى المُنْتَخَبِ مِن أُمِّهِ إذا قَصَدَهُ أوِ اقْتَدى بِهِ أيْ كانَ مَأْمُومًا أوْ مُؤْتَمًّا بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَقْصِدُونَهُ لِلِاسْتِفادَةِ ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رَحْمَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وإيرادُ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عُقَيْبَ تَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِّيَّةَ دِينِ الإسْلامِ وبُطْلانَ الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ أمْرٌ ثابِتٌ لا رَيْبَ فِيهِ. وفي ذَلِكَ أيْضًا رَدٌّ لِقُرَيْشٍ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِينَ وأجْرى ذِكْرَ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِ وحالِ المُشْرِكِينَ وحالِ اليَهُودِ ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ سُبْحانَهُ قائِمًا بِأمْرِهِ تَعالى ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ غَيْرَ زائِلٍ عَنْهُ.
﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ قِيلَ: رَدًّا عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، وقِيلَ: لِذَلِكَ ولِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ في افْتِرائِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ أمْرُ إيرادِ التَّحْرِيمِ والسَّبْتِ سابِقًا ولاحِقًّا.
النحل 16:121
﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِ”أُمَّةً“- والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ- بِ”شاكِرًا“- كَما هو الظّاهِرُ، وأُوثِرَ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخِلُّ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى خِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِضَرْبِ المَثَلِ، وقِيلَ: إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ هُنا مُسْتَعارٌ لِجَمْعِ الكَثْرَةِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةِ البَشَرِ فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَخَيَّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عافانِي مِمّا ابْتَلاكم بِهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اجْتَباهُ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وجَعَلَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ هَذا مَحْذُوفًا أيِ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ، وأصْلُ الِاجْتِباءِ الجَمْعُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، ويُطْلَقُ عَلى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ النِّعَمِ بِلا سَعْيٍ مِنهُ ويَكُونُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ تَعالى وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ولَيْسَ نَتِيجَةُ هَذِهِ الهِدايَةِ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- مُجَرَّدَ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ مَعَ إرْشادِ الخَلْقِ أيْضًا إلى ذَلِكَ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الِاجْتِباءِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( إلى صِراطٍ ) مُتَعَلِّقًا- بِاجْتَباهُ وهَداهُ- عَلى التَّنازُعِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ وإمّا خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا
النحل 16:122
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِأنْ حَبَّبَهُ إلى النّاسِ حَتّى إنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وعَنِ الحَسَنِ الحَسَنَةُ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ والبِرِّ، وقِيلَ: العُمْرُ الطَّوِيلُ في السِّعَةِ والطّاعَةِ- فَ”حَسَنَةً“- عَلى الأوَّلِ
صفحة 251
بِمَعْنى سِيرَةٍ حَسَنَةٍ وعَلى ما بَعْدَهُ عَطِيَّةٌ أوْ نِعْمَةٌ حَسَنَةٌ كَذا قِيلَ: وجُوِّزَ في الجَمِيعِ أنْ يُرادَ عَطِيَّةٌ حَسَنَةٌ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وتَفْخِيمِ مَكانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ داخِلٌ في عِدادِهِمْ كائِنٌ مَعَهم في الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ( وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ) وأرادَ بِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ
النحل 16:123
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ الإسْلامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ آنِفًا بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها جَمِيعُ شَرِيعَتِهِ إلّا ما أُمِرَ ﷺ بِتَرْكِهِ، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ حِكايَةُ هَذا عَنْ أهْلِ الأُصُولِ، وعَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ.
وقالَ الإمامُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَتِهِ ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ مُتَفَرِّدٌ بِهِ بَلْ بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإحْياءِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَحَمَلُوا المِلَّةَ عَلى الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والمُرادُ مِن ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ التَّوْحِيدُ ونَفْيُ الشِّرْكِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مُتابَعَةً فَيَجِبُ حَمْلُ المِلَّةِ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها، قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ اه. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحِيَ لِيَتَضافَرَ المَعْقُولُ والمَنقُولُ عَلى اعْتِقادِهِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ كَيْفَ تَضَمَّنَ الوَحْيُ بِما اقْتَضاهُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الشِّرْكِ والتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِيَتَضافَرَ الدَّلِيلانِ العَقْلِيُّ والنَّقْلِيُّ عَلى هَذا المَطْلَبِ الجَلِيلِ، وآخَرُ بِأنَّهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ المِلَّةِ عَلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ داخِلًا في مَفْهُومِها فَإنَّها ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أمَلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ وهي الدِّينُ بِعَيْنِهِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ الطّاعَةِ لَهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الوَضْعَ الإلَهِيَّ مَهْما نُسِبَ إلى مَن يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى يُسَمّى مِلَّةً ومَهْما نُسِبَ إلى مَن يُقِيمُهُ يُسَمّى دِينًا، قالَ الرّاغِبُ: الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الدِّينِ أنَّها لا تُضافُ إلّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ ولا تَكادُ تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ تَعالى ولا إلى آحادِ أُمَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرائِعِ دُونَ آحادِها ولا كَذَلِكَ الدِّينُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها هُنا أُصُولُ الشَّرائِعِ، ويُحْمَلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أوَّلًا ولا بَأْسَ بِما رُوِيَ عَنْهُ ثانِيًا.
واسْتِدْلالُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الخِتانِ وما كانَ مِن شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرِدْ بِهِ ناسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ذَكَرَهُ في البَحْرِ والَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «صَلّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى بِهِ الفَجْرَ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَأِ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ وحَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾» ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا مَأْخُوذٌ مِنهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يُوافِقُ عَلى تَخْصِيصِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَناسِكِ الحَجِّ.
صفحة 252
(وأنِ) تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَرَّ الكَلامُ في وصْلِها بِالأمْرِ، (وثُمَّ) قِيلَ: لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ لِظُهُورِ أنَّ أيّامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَثِيرٍ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ أنَّها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ في ( ثُمَّ ) هَذِهِ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفُ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَرامَةِ وأجَلُّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ وتَعْظِيمًا لِمَنزِلَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإجْلالًا لِمَحَلِّهِ، أمّا الأوَّلُ فَمِن دَلالَةِ ثُمَّ عَلى تَبايُنِ هَذا المُؤْتى وسائِرِ ما أُوتِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرُّتَبِ والمَآثِرِ، وأمّا الثّانِي فَمِن حَيْثُ إنَّ الخَلِيلَ مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أجَلُّ رُتْبَتِهِ أنْ أوْحى إلى الحَبِيبِ اتِّباعَ مِلَّتِهِ، وفي لَفْظِ ( أوْحَيْنا ) ثُمَّ الأمْرُ بِاتِّباعِ المِلَّةِ لا اتِّباعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ كَما في الكَشْفِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِتابِعٍ لَهُ بَلْ هو مُسْتَقِلٌّ بِالأخْذِ عَمَّنْ أخَذَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ المُضافِ إلَيْهِ لِما أنَّ المُضافَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ جَرى مِنهُ مَجْرى البَعْضِ فَعُدَّ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً.
ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ عَدَمَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا مِنهُ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ يَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا، وفي كِلا الكَلامَيْنِ بَحْثٌ لا يَخْفى.
ومَنَعَ أبُو حَيّانَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أيْضًا، وزَعَمَ أنَّ الجَوازَ فِيها مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ والتَزَمَ كَوْنَ ( حَنِيفًا ) حالًا مِن ( مِلَّةَ ) لِأنَّها والدِّينَ بِمَعْنًى أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( اتَّبِعْ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الأخْفَشُ وتَبِعَهُ جَماعَةٌ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بَلْ كانَ قُدْوَةَ المُحَقِّقِينَ وهَذا تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ وتَقْرِيرٍ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ،
النحل 16:124
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ بِمَعْنى إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ والتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ وتَرْكُ الصَّيْدِ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ النَّفْيِ الكُلِّيِّ وتَوْضِيحٌ لَهُ بِإبْطالِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ قادِحًا في الكُلِّيَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحافِظًا عَلَيْهِ أيْ لَيْسَ السَّبْتُ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ وشَعائِرِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أُمِرَتْ بِاتِّباعِها حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ عَلاقَةٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما شُرِعَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ الإسْنادِ إلى الغَيْرِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «جُعِلَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهُما قَرَءا «إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ» وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرُ مَعْنى لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ ذَلِكَ سَوادَ المُصْحَفِ، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُما أنَّهم قَرَءا كالجَماعَةِ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عَلى نَبِيِّهِمْ حَيْثُ أمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتارُوا السَّبْتَ وهُمُ اليَهُودُ.
أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ والشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الجُمْعَةَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ تَعالى لَهُ فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ»».
وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اليَهُودَ بِالجُمُعَةِ وقالَ: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا واحِدًا وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن أعْمالِكم فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وقالُوا: لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ وشُدِّدَ فِيهِ الأمْرُ ثُمَّ جاءَ عِيسى عَلَيْهِ
صفحة 253
السَّلامُ بِالجُمُعَةِ فَقالَتِ النَّصارى: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا فاتَّخَذُوا الأحَدَ وكَأنَّهم إنَّما اخْتارُوهُ لِأنَّهُ مُبْتَدَأُ الخَلْقِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ وحَمَلَ «فِي» عَلى التَّعْلِيلِ أيِ اخْتَلَفُوا عَلى نَبِيِّهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: مَعْنى ( اخْتَلَفُوا فِيهِ ) خالَفُوا جَمِيعُهم نَبِيَّهم فَهو اخْتِلافٌ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ، وظاهِرُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّهُ عُيِّنَ لَهم أوَّلًا يَوْمُ الجُمْعَةِ، وقالَ القاضِي عِياضٌ: الظّاهِرُ أنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ووُكِّلَ إلى اجْتِهادِهِمْ فاخْتَلَفَتْ أحْبارُهم في تَعْيِينِهِ ولَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وفَرَضَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مُبَيِّنًا فَفازُوا بِفَضِيلَتِهِ ولَوْ كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ ( اخْتَلَفُوا ) بَلْ يُقالُ خالَفُوا، وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ:
يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا صَرِيحًا ونَصَّ عَلَيْهِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ أمْ لَهم إبْدالُهُ فَأبْدَلُوهُ وغَلِطُوا في إبْدالِهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: قَدْ أُشْكِلَ أمْرُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: هو أعْظَمُ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ، وقالَ الآخَرُونَ: أعْظَمُها حُرْمَةً الأحَدُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا فِرْقَتَيْنِ في السَّبْتِ وإنَّما اخْتارَ الأحَدَ النَّصارى بَعْدَهم بِزَمانٍ وقِيلَ: المُرادُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم في شَأْنِهِ فَفَضَّلَتْهُ فَرِقَّةٌ مِنهم عَلى الجُمُعَةِ ولَمْ تَرْضَ بِها وفَضَّلَتْ أُخْرى الجُمُعَةَ عَلَيْهِ ومالَتْ إلَيْها بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهم بِالجُمُعَةِ فَأبى أكْثَرُهم إلّا السَّبْتَ ورَضِيَ شِرْذِمَةٌ مِنهم بِها فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في السَّبْتِ وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً دُونَ أُولَئِكَ المُطِيعِينَ.
والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ تَفْسِيرُ رَئِيسِ المُفَسِّرِينَ وتُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ المَرْوِيُّ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أفْضَلِ النَّبِيِّينَ وأعْلَمِ الخَلْقِ بِمُرادِ رَبِّ العالَمِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ المُخْتَلِفِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يَقْضِي بَيْنَهم بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْصِلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنهم مِنَ الخُصُومَةِ والِاخْتِلافِ فَيُجازِي كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ عَلى هَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما وقَعَ في الدُّنْيا مِن مَسْخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وإنْجاءِ الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ لا يَعْتَدُّ بِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الفَرْضِ بِالجَعْلِ مَوْصُولًا بِكَلِمَةِ ( عَلى ) لِلْإيذانِ بِتَضَمُّنِهِ لِلتَّشْدِيدِ والِابْتِلاءِ المُؤَدِّي إلى العَذابِ، وعَنِ اليَهُودِ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِالِاخْتِلافِ إشارَةً إلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما جَعَلَ وبالَ تَرْكِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وهو المَسْخُ كائِنًا أوْ واقِعًا عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أيْ أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ أُخْرى وكانَ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْرِيمِهِ حَسْبَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَ الحُكْمُ بَيْنَهم بِالمُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى.
ووَجْهُ إيرادِ ذَلِكَ هاهُنا بِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ إنْذارُ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدُهم بِما في مُخالَفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الوَبالِ كَما ذَكَرَتِ القَرْيَةُ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى تَمْثِيلًا لِذَلِكَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَوْسِيطَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَيْنَ حِكايَةِ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ حَثًّا عَلى إجابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ السّابِقُ وأُمِرَ بِها في الكَلامِ اللّاحِقِ فَلِلْمُتَوَسِّطِ نِسْبَةً إلى الطَّرَفَيْنِ تَخَرُّجُهُ مِن أنْ يَكُونَ الفَصْلُ بِهِ كالفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وهو كَما تَرى.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَلِمَةَ ( بَيْنَهم ) تَحْكُمُ بِأنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ هو فَصْلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ دُونَ المُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً والتَّحْرِيمِ أُخْرى. ويَرُدُّ هَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِالقَضاءِ بِالمُجازاةِ
صفحة 254
عَلى اخْتِلافِهِمْ جَمِيعِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلَيْهِ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنْ قَتادَةَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما ذُكِرَ مَعَ ما في ضِمْنِهِ مِنَ القَوْلِ بِاخْتِلافِ الِاخْتِلافَيْنِ مَعْنًى، والظّاهِرُ اتِّحادُهُما. وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الِاعْتِراضِ بِمَنعِ حُكْمِ كَلِمَةِ «بَيْنَهُمْ» بِما تَقَدَّمَ فَتَأمَّلْ، وتَفْسِيرُ السَّبْتِ بِاليَوْمِ المَخْصُوصِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبَتْها، قِيلَ: ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في الآيَةِ اسْتِخْدامُ
النحل 16:125
﴿ادْعُ﴾ أيْ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَّةِ قاطِبَةً فَحُذِفَ المَفْعُولُ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ افْعَلِ الدَّعْوَةَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ إشْعارًا بِأنَّ عُمُومَ الدَّعْوَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المَقْصُودُ الأمْرُ بِإيجادِها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهُمْ﴾ .
﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسْلامِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ تارَةً بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وأُخْرى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ ما لا يَخْفى.
﴿بِالحِكْمَةِ﴾ بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ وهي الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُزِيحَةُ لِلشُّبَهِ وقَرِيبٌ مِن هَذا ما في البَحْرِ أنَّها الكَلامُ الصَّوابُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي الخِطاباتُ المُقْنِعَةُ والعِبَرُ النّافِعَةُ الَّتِي لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهم بِها ﴿وجادِلْهُمْ﴾ ناظِرْ مُعانَدِيهِمْ ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ واخْتِيارُ الوَجْهِ الأيْسَرِ واسْتِعْمالُ المُقَدِّماتِ المَشْهُورَةِ تَسْكِينًا لِشَغَبِهِمْ وإطْفاءً لِلَهَبِهِمْ كَما فَعَلَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. واسْتَدَلَّ- كَما قِيلَ- أرْبابُ المَعْقُولِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الدَّعْوَةِ مِن بَيْنِ الصِّناعاتِ الخَمْسِ إنَّما هو البُرْهانُ والخَطابَةُ والجَدَلُ حَيْثُ اقْتَصَرَ في الآيَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْها، وإنَّما تَفاوَتَتْ طُرُقُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ النّاسِ، فَمِنهم خَواصٌّ وهم أصْحابُ نُفُوسٍ مُشْرِقَةٍ قَوِيَّةِ الِاسْتِعْدادِ لِإدْراكِ المَعانِي قَوِيَّةِ الِانْجِذابِ إلى المَبادِئِ العالِيَةِ مائِلَةٍ إلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِ وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالحِكْمَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ.
ومِنهم عَوامٌّ أصْحابُ نُفُوسٍ كَدِرَةٍ ضَعِيفَةِ الِاسْتِعْدادِ شَدِيدَةِ الإلْفِ بِالمَحْسُوساتِ قَوِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالرُّسُومِ والعاداتِ قاصِرَةٍ عَنْ دَرَجَةِ البُرْهانِ لَكِنْ لا عِنادَ عِنْدَهم وهَؤُلاءِ يَدْعُونَ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ.
ومِنهم مَن يُعانِدُ ويُجادِلُ بِالباطِلِ لِيُدْحِضَ بِهِ الحَقَّ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن تَقْلِيدِ الأسْلافِ ورَسَخَ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ فَصارَ بِحَيْثُ لا تَنْفَعُهُ المَواعِظُ والعِبَرُ بَلْ لا بُدَّ مِن إلْقامِهِ الحَجَرَ بِأحْسَنِ طُرُقِ الجِدالِ لِتَلِينَ عَرِيكَتُهُ وتَزُولَ شَكِيمَتُهُ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرَ ﷺ بِجِدالِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وإنَّما لَمْ تُعْتَبَرِ المُغالَطَةُ والشِّعْرُ لِأنَّ فائِدَةَ المُغالَطَةِ تَغْلِيطُ الخَصْمِ والِاحْتِرازُ عَنْ تَغْلِيطِهِ إيّاهُ ومَرْتَبَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُنافِي أنْ يَغْلَطَ وتَتَعالى أنْ يَغْلَطَ، والشِّعْرُ وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلْخَواصِّ والعَوّامِ فَإنَّ النّاسَ في بابِ الإقْدامِ والإحْجامِ أطْوَعُ لِلتَّخْيِيلِ مِنهم لِلتَّصْدِيقِ إلّا أنَّ مَدارَهُ عَلى الكَذِبِ ومِن ثَمَّةَ قِيلَ: الشِّعْرُ أكْذَبُهُ أعْذَبُهُ فَلا يَلِيقُ بِالصّادِقِ المَصْدُوقِ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ لا يُقالُ: الشِّعْرُ الَّذِي هو أحَدُ الصِّناعاتِ قِياسٌ مُؤَلَّفٍ مِن مُقَدِّماتٍ مُخَيَّلَةٍ والشِّعْرُ الَّذِي مَدارُهُ عَلى الكَذِبِ وهو الكَلامُ المَوْزُونُ المُقَفّى وهو الَّذِي نَفى تَعْلِيمَهُ عَنْهُ ﷺ لِما قِيلَ: كَوْنُ الشِّعْرِ مَذْمُومًا لَيْسَ لِكَوْنِهِ كَلامًا مَوْزُونًا مُقَفًّى بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى تَخَيُّلاتٍ كاذِبَةٍ فَهُما مِن وادٍ واحِدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ
صفحة 255
غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ فِيها إشارَةً إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ إلّا أنَّهُ خالَفَ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، فَفي الكَشْفِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ في الدَّعْوَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ فَيَكُونُ الكَلامُ في نَفْسِهِ حَسَنَ التَّأْلِيفِ مُنْتِجًا لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الغَرَضِ ومَعَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِهِ المُناصَحَةُ لِمَن خُوطِبَ بِهِ ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ حَسَنَ الخُلُقِ في ذَلِكَ مُعَلِّمًا ناصِحًا شَفِيقًا رَفِيقًا ما نَصُّهُ: والأحْسَنُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلدَّعْوَةِ حَسَبَ مَراتِبِ المَدْعُوِّينَ في الفَهْمِ والِاسْتِعْدادِ، فَمَن دَعى بِلِسانِ الحِكْمَةِ لِيُفادَ اليَقِينُ العِيانِيُّ أوِ البُرْهانِيُّ هُمُ السّابِقُونَ، ومَن دَعى بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الإقْناعاتُ الحِكَمِيَّةُ لا الخِطاباتُ المَشْهُورَةُ طائِفَةٌ دُونَ هَؤُلاءِ، ومَن دَعى بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ هم عُمُومُ أهْلِ الإسْلامِ والكُفّارُ أيْضًا اه، ولا أرى ما يُوجِبُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الخِطاباتِ المَشْهُورَةَ، وكَوْنُها مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَقْبُولَةٍ مِن شَخْصٍ مُعْتَقِدٍ فِيهِ ولا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِعْمالُ الظَّنِّيّاتِ أوْ أخْذُ كَلامِ الغَيْرِ والدَّعْوَةُ بِهِ هو المُوجِبُ لِذَلِكَ لا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ.
وذَكَرَ الإحْسائِيُّ رَئِيسُ الفِرْقَةِ الطّاهِرَةِ في زَمانِنا المُسَمّاةِ بِالكَشْفِيَّةِ في كِتابِهِ شَرْحِ الفَوائِدِ ما مُحَصِّلُهُ أنَّ المَدْعُوِّينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ، وكَذا الأدِلَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ فَإنْ كانُوا مِنَ الحُكَماءِ العُقَلاءِ والعُلَماءِ النُّبَلاءِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم مَن مَعْرِفَتِهِ بِدَلِيلِ الحِكْمَةِ وهو الدَّلِيلُ الذَّوْقِيُّ العِيانِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالمُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُعايَنَةِ كَقَوْلِنا في رَدِّ مَن زَعَمَ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ كانَتْ كامِنَةً في ذاتِهِ تَعالى بِنَحْوٍ أشْرَفَ ثُمَّ أفاضَها إنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ قَبْلَ الإفاضَةِ حالٌ مُغايِرٌ لِما بَعْدَها سَواءٌ كانَ التَّغَيُّرُ في نَفْسِ الذّاتِ أوْ فِيما هو في الذّاتِ فَإنْ حَصَلَ التَّغَيُّرُ في الذّاتِ لَزِمَ حُدُوثُها وإنْ حَصَلَ فِيما هو في الذّاتِ- أعْنِي حَقائِقَ الأشْياءِ الكامِنَةِ- لَزِمَ أنْ تَكُونَ الذّاتُ مَحَلًّا لِلْمُتَغَيِّرِ المُخْتَلِفِ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حُدُوثُها.
وكَقَوْلِنا في إثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ أظْهَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: إنَّ كُلَّ أثَرٍ يُشابِهُ صِفَةً مُؤَثِّرَةً وأنَّهُ قائِمٌ بِفِعْلِهِ قِيامَ صُدُورٍ كالأشِعَّةِ بِالنَّيِّراتِ والكَلامِ بِالمُتَكَلِّمِ، فالأشْياءُ هي ظُهُورُ الواجِبِ بِها لَها لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَظْهَرُ بِذاتِهِ وإلّا لاخْتَلَفَتْ حالَتاهُ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ أشَدَّ ظُهُورًا مِنَ الظّاهِرِ في ظُهُورِهِ لِأنَّ الظّاهِرَ أظْهَرُ مِن ظُهُورِهِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِظُهُورِهِ مِثْلَ القِيامِ فَإنَّ القائِمَ أظْهَرُ في القِيامِ مِنَ القِيامِ والقاعِدَ أظْهَرُ في القُعُودِ مِنَ القُعُودِ وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَتِهِما إلّا بِالقِيامِ والقُعُودِ فَتَقُولُ: يا قائِمُ ويا قاعِدُ، والمَعْنى لَكَ إنَّما هو القائِمُ والقاعِدُ لا القِيامُ والقُعُودُ لِأنَّهُ بِظُهُورِهِ لَكَ بِذَلِكَ غَيْبٌ عَلَيْكَ مُشاهَدَتُهُ وإنِ التَفَتَ إلَيْهِ احْتَجَبَ عَنْكَ القائِمُ والقاعِدُ، وهو آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ كالتَّوْحِيدِ وما يَلْحَقُ بِهِ، ومُسْتَنَدُهُ الفُؤادُ وهو نُورُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»»
والنَّقْلُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وشَرْطُهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَتْحُ بابِ النُّورِ ثَلاثَةُ أشْياءَ. أحَدُها أنْ تُنْصِفَ رَبَّكَ وتَقْبَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ولا تَتَّبِعَ شَهْوَةَ نَفْسِكَ. وثانِيها أنْ تَقِفَ عِنْدَ بَيانِكَ وتَبَيُّنِكَ وتَبْيِينِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ وثالِثُها أنْ تَنْظُرَ في تِلْكَ الأحْوالِ أعْنِي البَيانَ وما بَعْدَهُ بِعَيْنِهِ تَعالى وهي العَيْنُ الَّتِي هي وصْفُ نَفْسِهِ لَكَ أعْنِي وجُودَكَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ أثَرًا ونُورًا لا بِعَيْنِكَ الَّتِي هي أنْتَ مِن حَيْثُ- إنَّكَ أنْتَ- أنْتَ فَإنَّكَ لا تَعْرِفُ بِهَذِهِ العَيْنِ إلّا الحادِثاتِ المُحْتاجَةَ الفانِيَةَ.
وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ ذَوِي الألْبابِ وأرْبابِ القُلُوبِ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الحَقِيقِيِّ في اعْتِقاداتِهِمْ بِدَلِيلِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وهي الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ اليَقِينِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ اليَقِينُ في الإيمانِ بِهِ
صفحة 256
سُبْحانَهُ وبِغَيْرِهِ مِمّا أمَرَهم بِالإيمانِ بِهِ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الطَّرِيقَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ وعِلْمِ اليَقِينِ والتَّقْوى، وهَذِهِ العُلُومُ وإنْ كانَتْ قَدْ تُسْتَفادُ مِن غَيْرِهِ ولَكِنْ بِدُونِ مُلاحَظَتِهِ لا يُوقَفُ عَلى اليَقِينِ والِاطْمِئْنانِ الَّذِي هو أصْلُ عِلْمِ الأخْلاقِ، ومُسْتَنَدُهُ القَلْبُ والنَّقْلُ، وشَرْطُ صِحَّتِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ اتِّصافُ عَقْلِكَ بِهِ بِأنْ تَلْزَمَ ما ألْزَمَكَ بِهِ ولا تَظْلِمَهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللَّهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنْ كانُوا مِنَ العُلَماءِ أصْحابِ الرُّسُومِ كالمُتَكَلِّمِينَ ونَظائِرِهِمْ فَدَعْوَتُهم إلى الحَقِّ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ اليَقِينِ الرَّسْمِيِّ بِمُقْتَضى طَبِيعَتِهِمُ القاصِرَةِ بِدَلِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وهي الدَّلِيلُ العِلْمِيُّ القَطْعِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ فِيما ذَكَرَ وهو آلَةٌ لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، ومُسْتَنَدُهُ العِلْمُ والنَّقْلُ، وشَرْطُهُ إنْصافُ الخَصْمِ بِأنْ يُقِيمَهُ عَلى النَّحْوِ المُقَرَّرِ في عِلْمِ المِيزانِ، وقَدْ ذَكَرَهُ العُلَماءُ في كُتُبِهِمُ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعِيَّةِ بَلْ لا يَكادُ يُسْمَعُ مِنهم غَيْرُ هَذا الدَّلِيلِ وهو مَحِلُّ المُناقِشاتِ والمُعارَضاتِ، وأمّا الدَّلِيلانِ الأوَّلانِ فَلَيْسَ فِيهِما مُناقَشَةٌ ولا مُعارَضَةٌ فَإذا اعْتَرَضَ عَلَيْهِما مُعْتَرِضٌ فَقَدِ اعْتَرَضَ فِيهِما بِغَيْرِهِما اه. المُرادُ مِنهُ وهو كَما تَرى، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِتَعْلَمَ حالَ المَرْءُوسِ مِن حالِ الرَّئِيسِ، ولَقَدْ رَأيْتُ مَشايِخَ هَذِهِ الطّائِفَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِما هو كَشَوْكِ القَنافِذِ ويَحْسُبُونَهُ كَرِيشِ الطَّواوِيسِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ القُرْآنُ المَجِيدُ فَإنَّهُ جامِعٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ادْعُ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ أنَّ الحِكْمَةَ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ الحَسَنَةَ بِالإعْراضِ عَنْ أذاهم وادَّعى أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، ولِكَوْنِ الحِكْمَةِ أعْلى الدَّلائِلِ وأشْرافِها والمَدْعُوِّينَ بِهِ الكامِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وقَلِيلٌ ما هم جِيءَ بِها أوَّلًا، ولِكَوْنِ الجَدَلِ أدْنى الدَّلائِلِ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ سِوى إلْزامِ الخَصْمِ وإفْحامِهِ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ النّاقِصِينَ الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ ولَيْسُوا بِصَدَدِ تَحْصِيلِ هاتَيْكَ العُلُومِ ذُكِرَ أخِيرًا، ولِكَوْنِ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ دُونَ الحُجَّةِ وفَوْقَ الجَدَلِ والمَدْعُوِّينَ بِها المُتَوَسِّطِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الكَمالِ حَدَّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ ولَمْ يَكُونُوا في النُّقْصانِ بِمَرْتَبَةِ أُولَئِكَ المُشاغِبِينَ وسَطَتْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكَأنَّهُ إنَّما لَمْ يَقُلِ: ادْعُ إلى سَبِيلٍ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والجِدالِ الأحْسَنِ لِما أنَّ الجِدالَ لَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لَها وهو الإلْزامُ والإفْحامُ كَما قالَهُ الإمامُ فَلْيُفْهَمْ.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ.
﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ وهو تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الأمْرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ وما عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ والضَّلالِ والمُجازاةِ عَلَيْهِما فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ إذْ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما ما يَسْتَحِقُّهُ كَذا قِيلَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى المُجازاةِ مُسَلَّمَةٌ وأمّا أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى فالآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أصْلًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا انْحَصَرَ عِلْمُ الهِدايَةِ والضَّلالَةِ فِيهِ تَعالى عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ عِلْمُهُما فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ حُصُولُهُما فالقَوْلُ بِعَدَمِ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وقِيلَ: المَعْنى اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ فَإنَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ وإزالَةِ
صفحة 257
عُذْرِ الضّالِّينَ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ فَلا تُلِحُّ عَلَيْهِمْ إنْ أبَوْا بَعْدَ الإبْلاغِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ مَثَلًا فَإنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِهِمْ فَمَن كانَ فِيهِ خَيْرٌ كَفَتْهُ النَّصِيحَةُ اليَسِيرَةُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ عَجَزَتْ عَنْهُ الحِيَلُ. وتَقْدِيمُ الضّالِّينَ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وإيرادُ الضَّلالِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ لِما أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها وإعْراضٌ عَنِ الدَّعْوَةِ وذَلِكَ أمْرٌ عارِضٌ بِخِلافِ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ عَلى الفِطْرَةِ والجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الثَّباتِ، وجُمْلَةُ (هُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ) قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكَ) إلَخْ أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ وتَكْرِيرُ (هُوَ أعْلَمُ) لِلتَّأْكِيدِ والإشْعارِ بِتَبايُنِ حالِ المَعْلُومِينَ ومَآلِهِما مِنَ العِقابِ والثَّوابِ وهو في الجُمْلَةِ الأُولى ضَمِيرُ فَصْلٍ لِلتَّخْصِيصِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أوْ لِلتَّقْوِيَةِ كَما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللَّطافَةِ.
النحل 16:126
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ مِثْلِ ما فُعِلَ بِكم وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالعِقابِ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ نَحْوَ كَما تَدِينُ تُدانُ عَلى نَهْجِ المُشاكَلَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ العُقابَ في العُرْفِ مُطْلَقُ العَذابِ ولَوِ ابْتِداءً وفي أصْلِ اللُّغَةِ المُجازاةُ عَلى عَذابٍ سابِقٍ فَإنِ اعْتُبِرَ الثّانِي فَهو مُشاكَلَةٌ وإنِ اعْتُبِرَ الأوَّلُ فَلا مُشاكَلَةَ، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لَيْسَتْ لِلْمُشارَكَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَفَ عَلى حَمْزَةَ يَوْمَ اسْتُشْهِدَ فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْراتِ ولَوْلا حُزْنٌ مِن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ تَعالى مِن أرْواحٍ شَتّى أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واقِفٌ بِخَواتِيمِ النَّحْلِ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ إلى آخِرِها فَكَفَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ،» فَهي عَلى هَذا مَدَنِيَّةٌ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَيْسَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ بَعْضُهم لِما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ مِن عَدَمِ الِارْتِباطِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ لا مُناسَبَةَ لِتِلْكَ القَضِيَّةِ لِما قَبْلُ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ فَوَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ وبَيَّنَ طَرِيقَها أشارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى مَن يُتابِعُهُ بِمُراعاةِ العَدْلِ مَعَ مَن يُناصِبُهم والمُماثِلَةِ فَإنَّ الدَّعْوَةَ لا تَكادُ تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ كَيْفَ لا وهي مُوجِبَةٌ لِصَرْفِ الوُجُوهِ عَنِ القِبَلِ المَعْبُودَةِ وإدْخالِ الأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ قاضِيَةٍ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ وبُطْلانِ دِينٍ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وقَدْ ضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ المُحاجَّةِ والمُناظَرَةِ وارْتَجَّتْ دُونَهم أبْوابُ المُباحَثَةِ والمُحاوَرَةِ. وتَرَدَّدَتْ في صُدُورِهِمُ الأنْفاسُ ووَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ يَضْرِبُونَ أخْماسًا في أسْداسٍ لا يَجِدُونَ إلّا الأسِنَّةَ مَرْكَبًا ويَخْتارُونَ المَوْتَ الأحْمَرَ دُونَ دِينِ الإسْلامِ مَذْهَبًا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ بَلْ قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مِمّا أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، وما ذَكَرَ مِن لُزُومِ عَدَمِ الِارْتِباطِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ التَّنْبِيهَ عَلى تِلْكَ القَضِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّعْوَةَ لا تَخْلُو مِن مِثْلِ ذَلِكَ وأنَّ المُجادَلَةَ تَنْجَرُّ إلى المُجالَدَةِ فَإذا وقَعَتْ فاللّائِقُ ما ذُكِرَ فَلا فَرْقَ في الِارْتِباطِ بِحَسَبِ المَآلِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ
صفحة 258
مَكِّيَّةً وأنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُنافِي عُمُومَ المَعْنى، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَدَمُ العُدُولِ عَمّا قالَهُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: «وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا» بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ أيْ وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم غَيْرَ مُتَجاوِزِينَ عَنْهُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلْمُقْتَصِّ أنْ يَفْعَلَ بِالجانِي مِثْلَ ما فَعَلَ في الجِنْسِ والقَدْرِ وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ. وأمّا اتِّحادُ الآلَةِ بِأنْ يُقْتَلَ بِحَجَرِ مَن قُتِلَ بِهِ وبِسَيْفِ مَن قُتِلَ بِهِ مَثَلًا فَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ، وُوجْهُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ أنَّ القَتْلَ بِالحَجَرِ ونَحْوِهِ مِمّا لا يُمْكِنُ مُماثَلَةُ مِقْدارِهِ شِدَّةً وضَعْفًا فاعْتُبِرَتْ مُماثَلَتُهُ في القَتْلِ وإزْهاقُ الرُّوحِ والأصْلُ في ذَلِكَ السَّيْفُ كَما ذَكَرَهُ الرّازِّي في أحْكامِهِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ فَأخَذَ الشّافِعِيُّ بِظاهِرِها، وأجابَ الحَنَفِيَّةُ بِأنَّ المُماثَلَةَ في العَدَدِ بِأنْ يُقْتَلَ بِالواحِدِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ ومُثِّلَ بِهِ كَما سَمِعْتَ فَلا دَلِيلَ فِيها، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها مَنسُوخَةٌ كَغَيْرِها مِنَ المُثْلَةِ وفِيهِ كَلامٌ في شُرُوحِ الهِدايَةِ.
وفِي تَقْيِيدِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ حَثٌّ عَلى العَفْوِ تَعْرِيضًا لِما في «إنِ» الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ ما في حَيِّزِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُعاقِبُوا وإنْ عاقَبْتُمْ إلَخْ كَقَوْلِ طَبِيبٍ لِمَرِيضٍ سَألَهُ عَنْ أكْلِ الفاكِهَةِ إنْ تَأْكُلِ الفاكِهَةَ فَكُلِ الكُمَّثْرى، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الآكَدِ فَقِيلَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ أيْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ لِصَبْرِكم ذَلِكَ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ مِنَ الِانْتِصارِ بِالمُعاقَبَةِ ﴿لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَكم إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ إنْ صَبَرْتُمْ فَهو شِيمَتُكُمُ المَعْرُوفَةُ فَلا تَتْرُكُوها إذًا في هَذِهِ القَضِيَّةِ أوْ وصْفًا لَهم بِصِفَةٍ تَحْصُلُ لَهم إذا صَبَرُوا عَنِ المُعاقَبَةِ فَهو عَلى حَدِّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الصَّبْرِ بالِغٌ، ويَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُطْلَقِ الصَّبْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا،
النحل 16:127
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا بِما نُدِبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ تَعْرِيضًا مِنَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى النّاسِ بِعَزائِمِ الأُمُورِ لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِشُؤُونِهِ سُبْحانَهُ ووُثُوقِهِ بِهِ تَعالى فَقالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى ما أصابَكَ مِن جِهَتِهِمْ مِن فُنُونِ الآلامِ والأذِيَّةِ وعايَنْتَ مِن إعْراضِهِمْ بَعْدَ الدَّعْوَةِ عَنِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ ﴿وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ وما صَبْرُكَ مُلابِسًا ومَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُراقَبَةِ شُؤُونِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِمَجامِعِ الهِمَّةِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْوِينِ مَشاقِّ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وتَشْرِيفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ أوْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِعَواقِبَ حَمِيدَةٍ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ إلّا بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ تَيْسِيرُ الصَّبْرِ وتَسْهِيلُهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ أظْهَرُ مِمّا تَقَدَّمَ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ وكُفْرِهِمْ بِكَ وعَدَمِ مُتابَعَتِهِمْ لَكَ نَحْوَ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: عَلى المُؤْمِنِينَ وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ المُثْلَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ عَنْهُ وهُما لُغَتانِ كالقَوْلِ والقِيلِ أيْ
صفحة 259
لا تَكُنْ في ضِيقِ صَدْرٍ وحَرَجٍ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لا تُخْفى ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِ القَلْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ مُخَفَّفٌ ضَيِّقٌ كَهَيِّنٍ، وهَيِّنٌ أيْ لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ. ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ كَما في البَحْرِ بِأنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ خاصَّةٍ بِالمَوْصُوفِ فَلا يَجُوزُ ادِّعاءُ الحَذْفِ ولِذَلِكَ جازَ مَرَرْتُ بِكاتِبٍ وامْتَنَعَ بِآكِلٍ. وتُعِقِّبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ إذا كانَتِ الصِّفَةُ عامَّةً وقُدِّرَ مَوْصُوفٌ عامٌّ فَلا مانِعَ مِنهُ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ مِن مَكْرِهِمْ بِكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ فالأوَّلُ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَطْلُوبٍ مِن جِهَتِهِمْ فاتَ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَحْذُورٍ مِن جِهَتِهِمْ آتٍ، وفِيهِ أنَّ النَّهْيَ عَنْهُما مَعَ أنَّ انْتِفاءَهُما لِمَن لَوازِمِ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ التَّسْلِيَةِ وإلّا فَهَلْ يَخْطُرُ بِبالِ مَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّواغِلِ شَيْءٌ مَطْلُوبٌ فَيَنْهى عَنِ الحُزْنِ بِفَواتِهِ، وقِيلَ: يَمْكُرُونَ بِمَعْنى مَكَرُوا، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ، والأوَّلُ نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنِ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِمْ لَهُ بِالتَّمْثِيلِ بِأحْبابِهِ ونَحْوِهِ والمُرادُ مِنَ النَّهْيَيْنِ مَحْضُ التَّسْلِيَةِ لا حَقِّيَّةُ النَّهْيِ، وأنْ تَعْلَمَ أنَّ الظّاهِرَ إبْقاءُ المُضارِعِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَتَأمَّلْ.
النحل 16:128
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ الوِلايَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي لا يَحُولُ حَوْلَ صاحِبِها شَيْءٌ مِنَ الجَزَعِ والحُزْنِ وضِيقِ الصَّدْرِ وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ ( مَعَ ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّقْوى، والمُرادُ بِها هُنا أعْلى مَراتِبِها أعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُوَرِّثُ لِوِلايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المَقْرُونَةِ بِبِشارَةِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّ الَّذِينَ تَبَتَّلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَنَزَّهُوا عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهم عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَطْلُوبٍ أوْ مَحْذُورٍ فَضْلًا عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ فَواتًا أوْ وُقُوعًا وهو المَعْنى بِما بِهِ الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ عَلى أوَّلِ الِاحْتِمالاتِ السّالِفَةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ وإلّا فَمُجَرَّدُ التَّوَقِّي عَنِ المَعاصِي لا يَكُونُ مَدارًا لِشَيْءٍ مِنَ العَزائِمِ المُرَخَّصِ في تَرْكِها فَكَيْفَ بِالصَّبْرِ المُشارِ إلَيْهِ ورَدِيفَيْهِ وإنَّما مَدارُهُ المَعْنى المَذْكُورُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِن خَصائِصِ أجَلِّ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ورَوادِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي فِيهِ يَتَنافَسُ المُتَنافِسُونَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى مِن قَبِيلِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وحَقِيقَةُ الإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِأنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى، وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً لَهُمْ، وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا إمّا هو ﷺ وأشْياعُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهم مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَتْبَعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَ التَّعْزِيَةِ:
صفحة 260
اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ وإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرّاسِ
قالَ: كُلُّ ذَلِكَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ ذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ حَبِيبَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى المُخالِفِينَ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى عِنادِهِمْ وإبائِهِمُ الحَقَّ وعَمّا يَلْحَقُهُ مِن مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ أيْ لا تُبالِ بِهِمْ وبِمَكْرِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّكَ ومُحِبُّكَ وناصِرُكَ ومُبْغِضُهم وخاذِلُهُمْ، وعَمَّمَ الحُكْمَ إرْشادًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُخالِفِينَ وبِخُذْلانِهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ وذَكَرَ أنَّ إيرادَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً وبِناءَ ﴿مُحْسِنُونَ﴾ عَلى ( هم ) عَلى سَبِيلِ التَّقْوى مُؤْذِنٌ بِاسْتِدامَةِ الإحْسانِ واسْتِحْكامِهِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِمْرارِ التَّقْوى لِأنَّ الإحْسانَ إنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يَعُدْ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإساءَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما ورَدَ ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»».
وما ذُكِرَ مِن حَمْلِ التَّقْوى عَلى أعْلى مَراتِبِها غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وما ذَكَرَهُ في بَيانِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: اتَّقُوا فِيما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأحْسِنُوا فِيما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالمُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ حَيْثُ قالَ: إنَّ المَعْنى إنَّ اللَّهَ بِالعَوْنِ والرَّحْمَةِ والفَضْلِ مَعَ الَّذِينَ خافُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى وأشْفَقُوا مِنهُ فَشَفِقُوا عَلى خَلْقِهِ بَعْدَ الإسْرافِ في المُعاقَبَةِ، وفَسَّرَ الإحْسانَ بِتَرْكِ الإساءَةِ كَما قِيلَ. تَرْكُ الإساءَةِ إحْسانٌ وإجْمالٌ. ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى تَعْلِيمٍ حُسْنِ الأدَبِ في الدَّعْوَةِ وتَرْكِ التَّعَدِّي والأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى المَكْرُوهِ مَعَ البِشارَةِ لِلْمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ هَرَمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ فَقالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ ولا مالَ لِي وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ هَذا.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِمّا كانَ وما يَكُونُ فَيُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والصّادِقِ والكاذِبِ والمُتَّبِعِ والمُبْتَدِعِ، وقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ هو النَّبِيُّ ﷺ كَما قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإمامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ السِّيادِيُّ: العَدْلُ رُؤْيَةُ المِنَّةِ مِنهُ تَعالى قَدِيمًا وحَدِيثًا، والإحْسانُ الِاسْتِقامَةُ بِشَرْطِ الوَفاءِ إلى الأبَدِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ لا يُرى العَبْدُ فاتِرًا عَنْ طاعَةِ مَوْلاهُ مَعَ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى العِوَضِ، وإيتاءُ ذِي القُرْبى الإحْسانُ إلى ذَوِي القَرابَةِ في المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والدِّينِ فَيَخْدِمُهم بِالصِّدْقِ والشَّفَقَةِ ويُؤَدِّي إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، والفَحْشاءُ الِاسْتِهانَةُ بِالشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ الإصْرارُ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَما كانَ، والبَغْيُ ظُلْمُ العِبادِ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ إضافَةُ الأشْياءِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مِلْكًا وإيجادًا ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في عالَمِ الأرْواحِ بِالبَقاءِ عَلى حُكْمِهِ وهو الإعْراضُ عَنِ الغَيْرِ والتَّجَرُّدُ عَنِ العَلائِقِ والعَوائِقِ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ تَعالى إذا عاهَدْتُمْ أيْ تَذَكَّرْتُمُوهُ بِإشْراقِ نُورِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم وتَذْكِيرِهِ إيّاكم قالَ النَّصْراباذِيُّ: العُهُودُ مُخْتَلِفَةٌ فَعَهْدُ العَوامِّ لُزُومُ الظَّواهِرِ وعَهْدُ الخَواصِّ حِفْظُ السَّرائِرِ وعَهْدُ خَواصِّ الخَواصِّ التَّخَلِّي مِن مِنَ الكُلِّ لِمَن لَهُ الكُلُّ ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ مِنَ الصِّفاتِ يَنْفَدُ لِمَكانِ الحُدُوثِ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ لِمَكانِ القِدَمِ فالعَبْدُ الحَقِيقِيُّ مَن كانَ فانِيًا مِن أوْصافِهِ باقِيًا بِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَذا في أسْرارِ القُرْآنِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ أيْ
صفحة 261
عَمَلًا يُوصِلُهُ إلى كَمالِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مُعْتَقِدٌ لِلْحَقِّ اعْتِقادًا جازِمًا ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ أيْ حَياةً حَقِيقِيَّةً لا مَوْتَ بَعْدَها بِالتَّجَرُّدِ عَنِ المَوادِّ البَدَنِيَّةِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والتَّلَذُّذِ بِكِمالاتِ الصِّفاتِ ومُشاهَداتِ التَّجَلِّياتِ الإفْعالِيَّةِ والصِّفاتِيَّةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ مِن جَنّاتِ الصِّفاتِ والأفْعالِ ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إذْ عَمَلُهم يُناسِبُ صِفاتِهِمُ الَّتِي هي مَبادِئُ أفْعالِهِمْ وأجْرُهم يُناسِبُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَصادِرُ أفْعالِهِ فانْظُرْ كَمْ بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في الحُسْنِ، ويُقالُ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ ما تَكُونُ مَعَ المَحْبُوبِ ومِن هُنا قِيلَ:
كُلُّ عَيْشٍ يَنْقَضِي ما لَمْ يَكُنْ مَعَ مَلِيحٍ ما لِذاكَ العَيْشِ مِلْحُ
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ سَهْلٌ: هو إشارَةٌ إلى الَّذِينَ رَجَعُوا القَهْقَرى في طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ ثُمَّ عادُوا أيْ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَجَرُوا قُرَناءَ السُّوءِ مِن بَعْدِ أنْ ظَهَرَ لَهم مِنهُمُ الفِتْنَةُ في صُحْبَتِهِمْ ثُمَّ جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مُلازَمَةِ أهْلِ الخَيْرِ ثُمَّ صَبَرُوا مَعَهم عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الفِتْنَةِ لِساتِرٍ عَلَيْهِمْ ما صَدَرَ مِنهم مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإنْعامِ، وقِيلَ: إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هاجَرُوا أيْ تَباعَدُوا عَنْ مَوْطِنِ النَّفْسِ بِتَرْكِ المَأْلُوفاتِ والمُشْتَهِياتِ مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا بِها بِحُكْمِ النَّشْأةِ البَشَرِيَّةِ ثُمَّ جاهَدُوا في اللَّهِ تَعالى بِالرِّياضاتِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرَقِّي في المَقاماتِ والتَّجْرِيدِ عَنَ التَّعَلُّقاتِ وصَبَرُوا عَمّا تُحِبُّ النَّفْسُ وعَلى ما تَكْرَهُهُ بِالثَّباتِ في السَّيْرِ إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَسْتُرُ غَواشِي الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ رَحِيمٌ بِإفاضَةِ الكَمالِ والصِّفاتِ القُدْسِيَّةِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) لِلنَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ القابِلَةِ لِفَيْضِ القَلْبِ الثّابِتَةِ في طَرِيقِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ الآمِنَةِ مِن خَوْفِ فَواتِها المُطَمْئِنَةِ بِاعْتِقادِها ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ مِنَ العُلُومِ والفَضائِلِ والأنْوارِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الطُّرُقِ البَدَنِيَّةِ كالحَواسِّ والجَوارِحِ والآلاتِ ومِن جِهَةِ القَلْبِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ ظَهَرَتْ بِصِفاتِها بَطَرًا وإعْجابًا بِزِينَتِها ونَظَرًا إلى ذاتِها بِبَهْجَتِها وبَهائِها فاحْتَجَبَتْ بِصِفاتِها الظَّلْمانِيَّةِ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ ومالَتْ إلى الأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ وانْقَطَعَ إمْدادُ القَلْبِ عَنْها وانْقَلَبَتِ المَعانِي الوارِدَةُ عَلَيْها مِن طُرُقِ الحِسِّ هَيْئاتٍ غاسِقَةً مِن صُوَرِ المَحْسُوساتِ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْها ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ بِانْقِطاعِ مَدَدِ المَعانِي والفَضائِلِ والأنْوارِ مِنَ القَلْبِ والخَوْفِ مِن زَوالِ مُقْتَنِياتِها مِنَ الشَّهَواتِ والمَأْلُوفاتِ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ مِن كُفْرانِ أنْعُمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ وهي القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَعانِي المَعْقُولَةِ والآراءِ الصّادِقَةِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ عَذابُ الحِرْمانِ والِاحْتِجابِ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ في حالَةِ ظُلْمِهِمْ وتَرَفُّعِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الفَضِيلَةِ ونَقْصِهِمْ لِحُقُوقِ صاحِبِهِمْ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لِاجْتِماعِ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ فِيهِ وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ ولِذا جاءَ في الخَبَرِ عَلى ما قِيلَ: لَوْ وُزِنْتُ بِأُمَّتِي لَرَجَحْتُ بِهِمْ ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ تَعالى ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِنِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿شاكِرًا﴾ لِأنْعَمِهِ مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى ما يَنْبَغِي ﴿اجْتَباهُ﴾ اخْتارَهُ بِلا واسِطَةِ عَمَلٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَتَقَدَّمَ كُشُوفُهم عَلى سُلُوكِهِمْ ﴿وهَداهُ﴾ بَعْدَ الكَشْفِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مَقامُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ يَنْعُونَ بِهِ مَقامَ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي الذِّكْرُ الجَمِيلُ والمُلْكُ العَظِيمُ والنُّبُوَّةُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ قِيلَ أيْ في عالَمِ الأرْواحِ ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ وقِيلَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ لِلْجُلُوسِ عَلى بِساطِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ بِلا حِجابٍ وهَذا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا يَنْقُصُ مَقامُهُ في العُقْبى كَما قِيلَ إنَّ مَقامَ الوَلِيِّ المَشْهُورِ دُونَ الوَلِيِّ الَّذِي في زَوايا الحُمُولِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: الشُّهْرَةُ آفَةٌ، وقَدْ نَصَّ
صفحة 262
عَلى ذَلِكَ الشَّعَرانِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وهُمُ اليَهُودُ واخْتارُوهُ لِأنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي انْتَهَتْ بِهِ أيّامُ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أنْسَبَ لِتَرْكِ الأعْمالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهو عَلى ما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ يَوْمَ الأبَدِ الَّذِي لا انْقِضاءَ لَهُ فَلَيْلُهُ في جَهَنَّمَ ونَهارُهُ في الجَنَّةِ واخْتِيارُ النَّصارى لِيَوْمِ الأحَدِ لِأنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ اعْتَنى اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِخَلْقِ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أوْلى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ هَدى اللَّهُ تَعالى لِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَلْقَ وظَهَرَتْ فِيهِ حِكْمَةُ الِاقْتِداءِ بِخَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي خُلِقَ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَكانَ أوْلى بِأنْ يَتَفَرَّغَ فِيهِ الإنْسانُ لِلْعِبادَةِ والشُّكْرِ مِن ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وسُبْحانَ مَن خَلَقَ فَهَدى ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ لِما في ذَلِكَ مِن قَهْرِ النَّفْسِ المُوجِبِ لِتَرَقِّيها إلى أعْلى المَقاماتِ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: الصَّبْرُ أقْسامٌ: صَبْرٌ لِلَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ في اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، فالصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ وأوَّلُ دَرَجاتِ الإسْلامِ وهو حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ عِنْدَ فَواتِ مَرْغُوبٍ أوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ وهو مِن فَضائِلِ الأخْلاقِ المَوْهُوبَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ دِينِهِ وطاعَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ. والصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى هو الثَّباتُ في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى المُجاهَدَةِ بِالِاخْتِيارِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ واللَّذّاتِ وتَحَمُّلِ البَلِيّاتِ وقُوَّةِ العَزِيمَةِ في التَّوَجُّهِ إلى مَنبَعِ الكِمالاتِ وهو مِن مَقاماتِ السّالِكِينَ يَهَبُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ، والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ الحُضُورِ والكَشْفِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ مَلابِسِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والتَّعَرُّضِ لِتَجَلِّياتِ الجَمالِ والجَلالِ وتَوارُدِ وارِداتِ الأُنْسِ والهَيْبَةُ فَهو بِحُضُورِ القَلْبِ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ والِاحْتِراسُ عَنِ الغَفْلَةِ والغَيْبَةِ عِنْدَ التَّلْوِيناتِ بِظُهُورِ النَّفْسِ، وهو أشَقُّ عَلى النَّفْسِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى الهامِّ وإنْ كانَ لَذِيذًا جِدًّا، والصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ العِيانِ والمُشاهَدَةِ مِنَ العُشّاقِ المُشْتاقِينَ المُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ التَّجَلِّي والِاسْتِتارِ المُنْخَلِعِينَ عَنِ النّاسُوتِ المُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ اللّاهُوتِ ما بَقِيَ لَهم قَلْبٌ ولا وصْفٌ كُلَّما لاحَ لَهم نُورٌ مِن سَبَحاتِ أنْوارِ الجَمالِ احْتَرَقُوا وتَفانَوْا وكُلَّما ضُرِبَ لَهم حِجابٌ ورُدَّ وجُودُهم تَشْوِيقًا وتَعْظِيمًا ذاقُوا مِن ألَمِ الشَّوْقِ وحُرْقَةِ الفِرْقَةِ ما عِيلَ بِهِ صَبْرُهم وتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ، والصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ التَّمْكِينِ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ الَّذِينَ أفْناهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وما تَرَكَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن بَقِيَّةِ الآنِيَةِ والِاثْنَيْنِيَّةِ ثُمَّ وهَبَ لَهم وُجُودًا مِن ذاتِهِ حَتّى قامُوا بِهِ وفَعَلُوا بِصِفاتِهِ وهو مِن أخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ، ولِهَذا بَعْدَ أنْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّكَ لا تُباشِرُهُ إلّا بِي ولا تُطِيقُهُ إلّا بِقُوَّتِي ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فالكُلُّ مِنِّي ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ لِانْشِراحِ صَدْرِكَ بِي ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بَقاياهم وفَنُوا فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِشُهُودِ الوَحْدَةِ في الكَثْرَةِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَحْجُبُهُمُ الفَرْقُ عَنِ الجَمْعِ ولا الجَمْعُ عَنِ الفَرْقِ ويَسَعُهم مُراعاةُ الحَقِّ والخَلْقِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ التَّقْوى في الآيَةِ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ لِلْعارِفِ والإحْسانَ بِمَنزِلَةِ السِّيَرِ والسُّلُوكِ في الأحْوالِ والمَقاماتِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى مَحْوِ الرَّسْمِ والوُصُولِ إلى مَخْدَعِ الأُنْسِ، هَذا واللَّهُ سُبْحانَهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ فَنَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَهْدِيَنا إلَيْهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ النّافِعِ لَدَيْهِ ويَفْتَحَ لَنا خَزائِنَ الأسْرارِ ويَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ بِحُرْمَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ والرَّسُولِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.