Tafsir Al-Alusi — الإسراء 17:1 – الإسراء 17:57
المحتويات
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:10
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:20
- الإسراء 17:21
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:30
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:43
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
الإسراء 17:1
صفحة 1
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ 17
وتُسَمّى الإسْراءَ وسُبْحانَ أيْضًا، وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ، وكَوْنُها كَذَلِكَ بِتَمامِها قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» بِإجْماعٍ، وقِيلَ: الآيَتَيْنِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ وقِيلَ: إلّا أرْبَعًا هاتانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وزادَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ.
وعَنِ الحَسَنِ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ الآيَةَ.
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ الآيَةَ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ.
﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ.
﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ، وقالَ قَتادَةُ: إلّا ثَمانِيَ آياتٍ؛ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخِرِهِنَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإحْدى عَشْرَةَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ.
«وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ يَقْرَؤُها والزُّمَرَ كُلَّ لَيْلَةٍ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ والكَهْفِ ومَرْيَمَ وطه والأنْبِياءِ: هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلادِي، وهَذا وجْهٌ في تَرْتِيبِها، ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِالنَّحْلِ - كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في آخِرِها: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ شَرِيعَةَ أهْلِ السَّبْتِ الَّتِي شَرَعَها سُبْحانَهُ لَهم في التَّوْراةِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ تَعالى فِيها عِصْيانَهم وإفْسادَهم وتَخْرِيبَ مَسْجِدِهِمْ واسْتِفْزازَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وإرادَتَهم إخْراجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وسُؤالَهم إيّاهُ عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ خَتَمَها جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ وخِطابِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأُهْلِكَ ووَرِثَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن بَعْدِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أنَّهم سَيَنالُهم ما نالَ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أرادُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ما أرادَ هو بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَدَّرَةً بِقِصَّةِ تَخْرِيبِ المَسْجِدِ الأقْصى افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إسْراءِ المُصْطَفى ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ بِحُلُولِ رِكابِهِ الشَّرِيفِ جَبْرًا لِما وقَعَ مِن تَخْرِيبِهِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّبْرِ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكَفَرَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ ﷺ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ وحاشاهُ بِهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ اشْتِمالُها عَلى ذِكْرِ نِعَمٍ مِنها خاصَّةٌ ومِنها عامَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في سُورَةِ النَّحْلِ مِنَ النِّعَمِ ما سُمِّيَتْ لِأجْلِهِ سُورَةَ النِّعَمِ واشْتِمالِها عَلى ذِكْرِ شَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَما اشْتَمَلَتْ تِلْكَ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ في النَّحْلِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾
صفحة 3
وذَكَرَ هاهُنا في القُرْآنِ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ أمْرَهُ بِإيتاءِ ذِي القُرْبى وأمَرَ هُنا بِذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَنشَأُ القَرابَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَلْيُتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ سُبْحانَ هُنا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا، بِمَعْنى نَزَّهَ تَنْزِيهًا، لا بِمَعْنى قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ. نَعَمْ جاءَ التَّسْبِيحُ بِمَعْنى القَوْلِ المَذْكُورِ كَثِيرًا حَتّى ظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ القامُوسِ في شَرْحِ دِيباجَةِ الكَشّافِ، وجَعَلَ سُبْحانَ مَصْدَرَ سَبَحَ مُخَفَّفًا ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لِلتَّنْزِيهِ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ لِأنَّ الأعْلامَ لا تُضافُ قِياسًا، ويُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والزِّيادَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الأعْشى:
قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وقالَ الرَّضِيُّ: لا دَلِيلَ عَلى عَلَمِيَّتِهِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ مُضافًا فَلا يَكُونُ عَلَمًا، وإذا قُطِعَ فَقَدْ جاءَ مُنَوَّنًا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ
وقَدْ جاءَ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذُو السُّبْحانِ» ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ في البَيْتِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ: حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وهو مُرادٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وأُبْقِيَ المُضافُ عَلى حالِهِ مُراعاةً لِأغْلَبِ أحْوالِهِ أيِ التَّجَرُّدِ عَنِ التَّنْوِينِ كَقَوْلِهِ: «خالَطَ مِن سَلْمى خَياشِيمُ وفا». انْتَهى، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ دائِمًا وهو عَلَمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ عَلَمَ الجِنْسِ كَما يُوضَعُ لِلذَّواتِ يُوضَعُ لِلْمَعانِي فَلا تَفْصِيلَ عِنْدَهُ، وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ هو الوَجْهُ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَتِ العَلَمِيَّةُ بِدَلِيلِها فالإضافَةُ لا تُنافِيها ولَيْسَتْ مِن بابِ - زَيْدُ المَعارِكِ - لِتَكُونَ شاذَّةً بَلْ مِن بابِ - حاتِمُ طَيِّئٍ وعَنْتَرَةُ عَبْسٍ - وذَكَرَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ وذَلِكَ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبَحِ وهو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ثُمَّ ما يُعْطِيهِ نَقْلُهُ إلى التَّفْعِيلِ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً لا سِيَّما وهو عَلَمٌ يُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ وما فِيهِ مِن قِيامِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ؛ فَإنَّ انْتِصابَهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكِ الإظْهارِ، ولِهَذا لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ إلّا فِيهِ تَعالى أسْماؤُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أبْعَدَ الَّذِي لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ فَلا يَكُونُ اصْطِفاؤُهُ لِعَبْدِهِ الخِصِّيصِ بِهِ إلّا حِكْمَةً وصَوابًا. انْتَهى.
وأُورِدَ عَلى ما ذَكَرَهُ أوَّلًا أنَّ مَن مَنَعَ إضافَةَ العَلَمِ قِياسًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إضافَةٍ وإضافَةٍ، فَإنِ ادَّعى أنَّ بَعْضَ الأعْلامِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنًى كَحاتِمٍ بِالكَرَمِ فَيَجُوزُ في نَحْوِهِ الإضافَةُ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ ودَفْعِ العُمُومِ الطّارِئِ فَما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَما لا يَخْفى، وما ذُكِرَ مِن دَلالَتِهِ عَلى التَّنْزِيهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ هو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ المَأْثُورُ، فَفي العِقْدِ الفَرِيدِ «عَنْ طَلْحَةَ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ فَقالَ: «تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ»».
وقالَ الطِّيبِيُّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ دَلَّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ الَّتِي يُضِيفُها إلَيْهِ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَأْباهُ مَقامُ الإسْراءِ إباءَ العَيُوفِ الوُرُودَ، وهو مُزَيَّفٌ بَلْ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما قالَ في النُّورِ: الأصْلُ في ذَلِكَ أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ ولَيْسَ
صفحة 4
بِشَيْءٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ التَّنْزِيهَ لا يُنافِي التَّعَجُّبَ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ، وجَعْلُهُ مَدارًا، والتَّعَجُّبُ تَبَعًا هاهُنا هو الوَجْهُ بِخِلافِ آيَةِ النُّورِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِ الكَشّافِ في مَواضِعَ أنَّهُ لا يَرْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ لِلْمُنافاةِ بَيْنَهُما، بَلْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنى المُشْتَرَكِ، وعَلى الجَمْعِ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أنَّهُ الوَجْهُ فافْهَمْ، وقِيلَ: إنَّ سُبْحانَ لَيْسَ عَلَمًا أصْلًا بِلا تَفْصِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ في الآيَةِ عَلى مَعْنى الأمْرِ أيْ: نَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى وبَرِّئُوهُ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ، ويَدْخُلُ فِيها العَجْزُ عَمّا بَعُدَ أوْ مِنَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، والمُتَبادَرُ اعْتِبارُ المُضارِعِ، والإسْراءُ السَّيْرُ بِاللَّيْلِ خاصَّةً كالسُّرى، فَأسْرى وسَرى بِمَعْنًى. ولَيْسَتْ هَمْزَةُ أسْرى لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أسْرى مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، قالَ في البَحْرِ: وإنَّما احْتاجَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى لِاعْتِقادِ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا شَيْءٌ، ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زَيْدٍ عِنْدَهُ، وإذا جَعَلْتَ الباءَ كالهَمْزَةِ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والأصْلُ أسْرى مَلائِكَتُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أيْضًا، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أسْرى لِأوَّلِ اللَّيْلِ وسَرى لِآخِرِهِ، وأمّا سارَ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عامٌّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى، وإيثارُ لَفْظَةِ العَبْدِ لِلْإيذانِ بِتَمَحُّضِهِ ﷺ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وبُلُوغِهِ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةَ النِّهاياتِ النّائِيَةِ حَسْبَما يَلُوحُ بِهِ مَبْدَأُ الإسْراءِ ومُنْتَهاهُ، والعُبُودِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العارِفُونَ أشْرَفُ الأوْصافِ وأعْلى المَراتِبِ وبِها يَفْتَخِرُ المُحِبُّونَ كَما قِيلَ:
لا تَدْعُنِي إلّا بَيا عَبْدَها ∗∗∗ فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي
وقالَ آخَرُ:
بِاللَّهِ إنْ سَألُوكَ عَنِّي قُلْ لَهم ∗∗∗ عَبْدِي ومِلْكُ يَدِي وما أعْتَقْتُهُ
وعَنْ أبِي القاسِمِ سُلَيْمانَ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا وصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ، بِمَ نُشَرِّفُكَ؟ قالَ: بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ وجاءَ: «قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»، وقِيلَ: إنَّ في التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا دُونَ حَبِيبِهِ مَثَلًا سَدًّا لِبابِ الغُلُوِّ فِيهِ ﷺ كَما وقَعَ لِلنَّصارى في نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرِ اللَّهُ تَعالى عَنْ أحَدٍ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ المُشارِ بِهِ إلى الهُوِيَّةِ إلّا النَّبِيَّ ﷺ، وفي ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ ما فِيهِ، ومَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ ظَهَرَ لَهُ الفَرْقُ التّامُّ بَيْنَ مَقامِ الحَبِيبِ ومَقامِ الكَلِيمِ ﷺ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُفْهَمُ مِنهُ الفَرْقُ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ، وإضافَةُ: ( سُبْحانَ ) إلى المَوْصُولِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمُضافِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وبالِغِ حَكَمْتِهِ وغايَةِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلا﴾ ظَرْفٌ لِأسْرى، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّها بَعْضٌ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ قَرَأعَبْدُ اللَّهِ، وحُذَيْفَةُ: (مِنَ اللَّيْلِ) أيْ: بَعْضِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ .
واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ في الأجْزاءِ، والبَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّنْكِيرِ البَعْضِيَّةُ
صفحة 5
فِي الأفْرادِ والجُزْئِيّاتِ فَكَيْفَ يُسْتَفادُ مِنَ التَّنْكِيرِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في بَعْضٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ؟ فالصَّوابُ أنَّ تَنْكِيرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في لَيالٍ أوْ لِإفادَةِ تَعْظِيمِهِ كَما هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ؛ أيْ: لَيْلًا أيَّ لَيْلٍ، دَنا فِيهِ المُحِبُّ إلى المَحْبُوبِ وفازَ في مَقامِ الشُّهُودِ بِالمَطْلُوبِ.
وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الكامِلِينَ بِما لا يَخْفى نَقْصُهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلَ الإعْجازِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ابْتِداءً.
وتَحْقِيقُهُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ نَقْلًا عَنْ سِيبَوَيْهِ وابْنِ مالِكٍ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذا عُرِفا كانا مِعْيارًا لِلتَّعْمِيمِ وظَرْفًا مَحْدُودًا، فَلا تَقُولُ: صَحِبْتُهُ اللَّيْلَةَ، وأنْتَ تُرِيدُ ساعَةً مِنها إلّا أنْ تَقْصِدَ المُبالَغَةَ كَما تَقُولُ: أتانِي أهْلُ الدُّنْيا لِناسٍ مِنهم بِخِلافِ المُنَكَّرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، فَلَمّا عُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِ هَنا عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدِ اسْتِغْراقُ السُّرى لَهُ، وهَذا هو المُرادُ مِنَ البَعْضِيَّةِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ اللَّيْلِ مَجازًا عَنْ بَعْضِهِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: جَلَسْتُ في السُّوقِ وجُلُوسُكَ في بَعْضِ أماكِنِهِ لا يَكُونُ فِيهِ السُّوقُ مَجازًا كَما لا يَخْفى، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المُدَقِّقِ في الكَشْفِ، وقِيلَ:
المُرادُ بِتَنْكِيرِهِ أنَّهُ وقَعَ في وسَطِهِ ومُعْظَمِهِ كَما يُقالُ: جاءَنِي فُلانٌ بِلَيْلٍ؛ أيْ: في مُعْظَمِ ظُلْمَتِهِ فَيُفِيدُ البَعْضِيَّةَ أيْضًا، ويُنافِيهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ، وزَعَمَ أنَّ ذِكْرَ ( لَيْلًا ) لِلتَّأْكِيدِ أوْ تَجْرِيدِ الإسْراءِ وإرادَةِ مُطْلَقِ السَّيْرِ مِنهُ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ البِضاعَةِ كَما لا يَخْفى. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ حِكْمَةِ كَوْنِ الإسْراءِ لَيْلًا ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ المَشْهُورُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ بِعَيْنِهِ، وكانَ ﷺ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنا أنا في الحِجْرِ - وفي رِوايَةٍ - في الحَطِيمِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي آتٍ فَشَقَّ ما بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغَسَلَهُ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ، أبْيَضَ يُقالُ لَهُ البُراقُ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ»» الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ جاءَهُ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مُضْطَجِعٌ في الحِجْرِ بَيْنَ عَمِّهِ حَمْزَةَ وابْنِ عَمِّهِ جَعْفَرٍ فاحْتَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجاءُوا بِهِ إلى زَمْزَمَ فَألْقَوْهُ عَلى ظَهْرِهِ وشَقَّ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ مِن ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إلى أسْفَلِ بَطْنِهِ بِغَيْرِ آلَةٍ ولا سَيَلانِ دَمٍ ولا وُجُودِ ألَمٍ ثُمَّ قالَ لِمِيكائِيلَ: ائْتِنِي بِطَسْتٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَأتاهُ بِهِ فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ وغَسَلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ أعادَهُ إلى مَكانِهِ ومَلَأهُ إيمانًا وحِكْمَةً وخَتَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى بابِ المَسْجِدِ فَإذا بِالبُراقِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا فَرَكِبَهُ. الخَبَرَ.
ويُعْلَمُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ وما قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ:
المُرادُ بِهِ الحَرَمُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِإحاطَتِهِ بِهِ؛ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ الحِسِّيَّةِ والإحاطَةِ أوْ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحَلٌّ لِلسُّجُودِ ومُحَرَّمٌ لَيْسَ يَحِلُّ فَهو حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ مُطابَقَةُ المَبْدَأِ المُنْتَهِيَ.
وكانَ ﷺ إذْ ذاكَ في دارِ فاخِتَةَ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي يَعْلى في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن حَدِيثِها «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ نائِمًا في بَيْتِها بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها، وقالَ: «مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ». ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَمِن مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ أُناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
صفحة 6
والسَّلامُ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قالُوا: تُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: إنِّي أُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّماءِ غُدْوَةً أوْ رَوْحَةً فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، وكانَ في القَوْمِ مَن يَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فاسْتَنْعَتُوهُ إيّاهُ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم فَقالُوا: أما النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فِيهِ. فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا فَهي أهَمُّ إلَيْنا؛ هَلْ لَقِيتَ مِنها شَيْئًا؟ قالَ: نَعَمْ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ، وهي بِالرَّوْحاءِ وقَدْ أضَلُّوا بَعِيرًا لَهم وهم في طَلَبِهِ وفي رِحالِهِمْ قَدَحٌ مِن ماءٍ فَعَطِشْتُ فَأخَذْتُهُ وشَرِبْتُهُ ووَضَعْتُهُ كَما كانَ؛ فاسْألُوا: هَلْ وجَدُوا الماءَ في القَدَحِ حِينَ رَجَعُوا؟ قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ. قالَ: ومَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ وفُلانٍ راكِبانِ قَعُودًا فَنَفَرَ بِعِيرِهِما مِنِّي فانْكَسَرَ.
فاسْألُوهُما عَنْ ذَلِكَ قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ العُدَّةِ والأحْمالِ والهَيْئاتِ فَمُثِّلَتْ لَهُ العِيرُ فَأخْبَرَهم عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وقالَ: تَقْدُمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وفِيها فُلانٌ وفُلانٌ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ عَلَيْهِ غِرارَتانِ مُخَيَّطَتانِ. قالُوا: وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ مَتى تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيُكَذِّبُوهُ إذْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ وقالَ آخَرُ: هَذِهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها بَعِيرٌ أوْرَقُ فِيها فُلانٌ وفُلانٌ كَما قالَ. فَلَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ». وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ أُمَّ هانِئٍ قالَتْ: فَقَدْتُهُ ﷺ وكانَ نائِمًا عِنْدِي فامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ،» ويُقالُ: «إنَّهُ تَفَرَّقَتْ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ يَلْتَمِسُونَهُ ووَصَلَ العَبّاسُ إلى ذِي طُوًى وهو يُنادِي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ، فَأجابَهُ ﷺ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، أعْيَيْتَ قَوْمَكَ أيْنَ كُنْتَ؟ قالَ: ذَهَبْتُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ: مِن لَيْلَتِكَ قالَ: نَعَمْ. قالَ: هَلْ أصابَكَ الأخِيرُ؟ قالَ: ما أصابَنِي الأخِيرُ.» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وكَما اخْتُلِفَ في مَبْدَأِ الإسْراءِ اخْتُلِفَ في سَنَتِهِ، فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وفي الفَتاوى أنَّهُ كانَ سَنَةَ خَمْسٍ أوْ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ، ونَقَلَ عَنْهُ الفاضِلُ المُلّا أمِينُ العُمَرِيِّ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ الجَزْمَ بِأنَّهُ كانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ المَبْعَثِ. وعَنِ ابْنِ حَزْمٍ دَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وضُعِّفَ ما في الفَتاوى بِأنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَصِلِ الخَمْسَ وقَدْ ماتَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وقِيلَ: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ ﷺ وقَدْ خَطَّأهُ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ، ونَقَلَ الحافِظُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ: (الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) حَدِيثَ شَرِيكٍ الواقِعَ فِيهِ ذَلِكَ بِطُولِهِ، ثُمَّ قالَ: هَذا الحَدِيثُ بِهَذا اللَّفْظِ مِن رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أنَسٍ قَدْ زادَ فِيهِ زِيادَةً مَجْهُولَةً وأتى بِألْفاظٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ.
وقَدْ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ عَنْ أنَسٍ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ المُتْقِنِينَ والأئِمَّةِ المَشْهُورِينَ كابْنِ شِهابٍ. وثابِتٍ البُنانِيِّ وقَتادَةَ فَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ مِنهم بِما أتى بِهِ شَرِيكٌ، وشَرِيكٌ لَيْسَ بِالحافِظِ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.
وأجابَ عَنْ ذَلِكَ مُحْيِي السُّنَّةِ وغَيْرُهُ بِما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا اخْتُلِفَ في شَهْرِهِ ولَيْلَتِهِ؛ فَقالَ النَّوَوِيُّ في الفَتاوى: كانَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقالَ في شَرْحِ مُسْلِمٍ تَبَعًا لِلْقاضِي عِياضٍ: إنَّهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، وجَزَمَ في الرَّوْضَةِ بِأنَّهُ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في شَهْرِ رَمَضانَ، وقِيلَ: في شَوّالٍ، وكانَ عَلى ما قِيلَ اللَّيْلَةَ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ وكانَتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ عَنْ رِوايَةِ الواقِدِيِّ، وقِيلَ: كانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِمَكانِ فَضْلِها وفَضْلِ الإسْراءِ، ورُدَّ بِأنَّ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ (صَلّى) بِالنَّبِيِّ ﷺ أوَّلَ يَوْمٍ بَعْدَ الإسْراءِ الظُّهْرَ، ولَوْ كانَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ فَرْضُها الظُّهْرَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السُّفَيْرِيُّ، وفِيهِ أنَّ العُمَرِيَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ
صفحة 7
أنَّ الجُمُعَةَ والجِنازَةَ وجَبَتا بَعْدَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ ولَمْ تُقَمْ بِها لِفَقْدِ العَدَدِ، أوْ لِأنَّ شِعارَها الإظْهارُ، وكانَ ﷺ بِها مُسْتَخْفِيًا، وأوَّلُ مَن أقامَها بِالمَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ بِقَرْيَةٍ عَلى مِيلٍ مِنَ المَدِينَةِ.
ونَقَلَ الدُّمَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ الأثِيرِ أنَّهُ قالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ، وفي البَحْرِ: قِيلَ: إنَّ الإسْراءَ كانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ والرَّسُولُ ﷺ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وحَكى أنَّها لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ عَنِ الجَرْمِيِّ، وهي عَلى ما نَقَلَ السُّفَيْرِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أفْضَلُ اللَّيالِي حَتّى لَيْلَةِ القَدْرِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هي أفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَهِيَ أفْضَلُ مُطْلَقًا نَعَمْ لَمْ يُشْرَعِ التَّعَبُّدُ فِيها والتَّعَبُّدُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مَشْرُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ في اليَقَظَةِ أوْ في المَنامِ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ في المَنامِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْها كَما في البَحْرِ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إذْ ذاكَ صَغِيرَةً، ولَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مُعاوِيَةُ كافِرًا يَوْمَئِذٍ، واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لِأنَّ الرُّؤْيا تَخْتَصُّ بِالنَّوْمِ لُغَةً، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ المُتَقَدِّمِ ما يُؤَيِّدُهُ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ في اليَقَظَةِ بِبَدَنِهِ ورُوحِهِ ﷺ، والرُّؤْيا تَكُونُ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ في اليَقَظَةِ كَما في قَوْلِ الرّاعِي يَصِفُ صائِدًا:
وكَبَّرَ لِلرُّؤْيا وهَشَّ فُؤادُهُ ∗∗∗ وبَشَّرَ قَلْبًا كانَ جَمًّا بِلابِلُهْ
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها رُؤْيَةُ اليَقَظَةِ لَيْلًا فَقَطْ، وخَبَرُ شَرِيكٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ، وقالَ النَّوَوِيُّ:
وأمّا ما وقَعَ في رِوايَةٍ عَنْ شَرِيكٍ وهو نائِمٌ وفي أُخْرى عَنْهُ: بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَجْعَلُها رُؤْيا نَوْمٍ ولا حَجَّةَ فِيهِ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أوَّلَ وُصُولِ المَلَكِ إلَيْهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ﷺ نائِمًا في القِصَّةِ كُلِّها. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَنامًا ما تَعَجَّبَ مِنهُ قُرَيْشٌ ولا اسْتَحالُوهُ؛ لَأنَّ النّائِمَ قَدْ يَرى نَفْسَهُ في السَّماءِ ويَذْهَبُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ولا يَسْتَبْعِدُهُ أحَدٌ، وأيْضًا العَبْدُ ظاهِرٌ في الرُّوحِ والبَدَنِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والبَغَوِيُّ إلى تَصْدِيقِ القائِلِينَ بِأنَّهُ في المَنامِ والقائِلِينَ بِأنَّهُ في اليَقَظَةِ وتَصْحِيحِ الحَدِيثَيْنِ في ذَلِكَ (بِأنَّ) الإسْراءَ كانَ مَرَّتَيْنِ؛ إحْداهُما في نَوْمِهِ ﷺ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَأُسْرِيَ بِرُوحِهِ تَوْطِئَةً وتَيْسِيرًا لِما يَضْعُفُ عَنْهُ قُوى البَشَرِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الحَقُّ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ.
وحَكى المازِرِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلًا رابِعًا جَمَعَ بِهِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَقالَ: كانَ الإسْراءُ بِجَسَدِهِ ﷺ في اليَقَظَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَكانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ إلى ما فَوْقَهُ فَكانَتْ رُؤْيا قَلْبٍ؛ ولِذا شَنَّعَ الكُفّارُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلَهُ: أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ في لَيْلَتِي هَذِهِ ولَمْ يُشَنِّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِيما سِوى ذَلِكَ ولَمْ يَتَعَجَّبُوا مِنهُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ، ولَيْسَ مَعْنى الإسْراءِ
صفحة 8
بِالرُّوحِ الذَّهابَ يَقَظَةً كالِانْسِلاخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ والحُكَماءُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ومَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا إلّا أنَّهُ أمْرٌ لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ المِعْراجَ كالإسْراءِ بِالرُّوحِ والبَدَنِ ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ بِالهَنْدَسَةِ أنَّ مِساحَةَ قُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ ألْفانِ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ فَرْسَخًا ونِصْفُ فَرْسَخٍ وأنَّ مِساحَةَ قُطْرِ كُرَةِ الشَّمْسِ خَمْسَةُ أمْثالِ ونِصْفُ مَثَلٍ لِقُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ، وذَلِكَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ وأنَّ طَرَفَ قُطْرِها المُتَأخِّرَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِهِ المُتَقَدِّمِ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ فَتَقْطَعُ الشَّمْسُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ.
وذَكَرَ الإمامُ في الأرْبَعِينَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الذَّواتِ والحَقائِقِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْراضِ؛ لِأنَّ قابِلِيَّةَ ذَلِكَ العَرَضِ إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ فَأيْنَما حَصَلَتْ حَصَلَ لَزِمَ حُصُولُ تِلْكَ القابِلِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن لَوازِمِها كانَ مِن عَوارِضِها فَيَعُودُ الكَلامُ، فَإنْ سُلِّمَ وإلّا دارَ أوْ تَسَلْسَلَ وذَلِكَ مُحالٌ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالصِّحَّةِ المَذْكُورَةِ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ:
الِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ إلى آخِرِ ما قالَ، وما ذَكَرْناهُ هو الصَّوابُ في التَّعْبِيرِ؛ فَإنَّ المُقْدِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما مَمْنُوعَتانِ، أمّا الأُولى بِأنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي ذَكَرَها إنَّما هي نِسْبَةُ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى جِرْمِ الأرْضِ كَما بَرْهَنُوا عَلَيْهِ في بابِ مَقادِيرِ الأجْرامِ والأبْعادِ مِن كُتُبِ الهَيْئَةِ لَكِنَّهم قالُوا: جِرْمُ الشَّمْسِ مِثْلُ جِرْمِ الأرْضِ مِائَةً وسِتَّةً وسِتِّينَ مَرَّةً ورُبْعَ مَرَّةٍ وثُمُنَ مَرَّةٍ.
والعَلامَةُ جَعْلُ ذَلِكَ نِسْبَةَ القُطْرِ إلى القُطْرِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِمّا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وإرادَةُ الجِرْمِ مِنهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وكانَ يَكْفِيهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: قُرْصُ الشَّمْسِ ضِعْفُ كُرَةِ الأرْضِ فَأيُّ مَعْنًى لِما زادَهُ، وأمّا الثّانِيَةُ فَإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي سِتُّونَ دَقِيقَةً فَمَنَعَها بِما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ في نِهايَةِ الإدْراكِ حَيْثُ قالَ: مِقْدارُ الدَّرَجَةِ الواحِدَةِ مِن مُقَعَّرِ الفَلَكِ الأطْلَسِ بِالأمْيالِ 9343593 مِيلًا فالفَلَكُ الأعْلى يَقْطَعُ فِيما مِقْدارُهُ مِنَ الزَّمانِ جُزْءٌ واحِدٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وهو ثُلْثُ خُمْسِها، هَذا المِقْدارُ مِنَ الأمْيالِ فَإذا تَحَرَّكَ مِقْدارَ دَقِيقَةٍ وهي جُزْءٌ مِن تِسْعِمِائَةِ جُزْءٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كانَ قَدْرُ قَطْعِهِ مِنَ المَسافَةِ 155718 مِيلًا وسُدْسَ مِيلٍ وخُمْسَ رُبْعٍ أوْ رُبْعَ خُمْسِ مِيلٍ، ولِأنَّ حِينَ ما يَبْدُو قَرْنُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَطْلُعَ بِالتَّمامِ يَكُونُ بِقَدْرِ ما يَعُدُّ واحِدٌ مِن واحِدٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ فَبِمِقْدارِ ما يَعُدُّ ثَلاثِينَ يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ 155718 مِيلًا وهو ألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ واثْنانِ وثَلاثُونَ فَرْسَخًا مِن مُقَعَّرِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَتَحَرَّكُ مُحَدَّبُهُ حِينَئِذٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ما أعْظَمَ شَأْنَهُ اه.
وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ بِتَمامِهِ سُدْسَ دَرَجَةٍ وهو عَشْرُ دَقائِقَ مِن سِتِّينَ دَقِيقَةً مِن دَرَجَةٍ فَلَكِيَّةٍ ومِقْدارُ مِساحَةِ هَذِهِ الدَّقائِقِ 519600 أيْ خَمْسُمِائَةِ ألْفٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا وسِتُّمِائَةِ فَرْسَخٍ، وإذا جَعَلْنا هَذِهِ الدَّقائِقَ ثَوانِيَ كانَتْ سِتَّمِائَةِ ثانِيَةٍ. فَأيْنَ الأقَلُّ مِن ثانِيَةٍ.
وإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ السّاعَةِ الَّتِي هي رُبْعُ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ فَسُدْسُ الدَّرَجَةِ هاهُنا يَكُونُ ثُلُثَيْ دَقِيقَةٍ، وإذا جَعَلْنا ثُلُثَيِ الدَّقِيقَةِ ثَوانِيَ كانا أرْبَعِينَ ثانِيَةً، وهَذِهِ الثَّوانِي السِّتُّمِائَةِ بِعَيْنِها إلّا أنَّ المُنَجِّمِينَ لَمّا
صفحة 9
جَعَلُوا السّاعَةَ سِتِّينَ دَقِيقَةً تَسْهِيلًا لِلْحِسابِ، والسّاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ دَرَجَةً فَلَكِيَّةً اقْتَضى أنْ تَكُونَ الدَّرَجَةُ الفَلَكِيَّةُ وكُلُّ ثانِيَةٍ مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ، فالخِلافُ بَيْنَ ثَوانِي دَقائِقِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ وثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ اعْتِبارٌ لَفْظِيٌّ، وأجابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الكُرْدِيُّ الشَّهِيرُ بِالفاضِلِ بِأنَّ الثّانِيَةَ جُزْءٌ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَقِيقَةٍ، والدَّقِيقَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَرَجَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، ومُرادُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ مِنَ الثّانِيَةِ الثّانِيَةَ الثّالِثَةَ لا الثّانِيَةَ الأُولى، وهو ظاهِرٌ، ولا الثّانِيَةَ الثّانِيَةَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سَعْدِي جَلَبِي وتَبِعَهُ ابْنُ صَدْرِ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الفَلَكِيِّينَ قَدْ يُقَسِّمُونَ اليَوْمَ بِلَيْلَتِهِ إلى سِتِّينَ دَقِيقَةً كَما يُقَسِّمُونَها إلى السّاعاتِ والدَّرَجاتِ والدَّقائِقِ قِسْمَةً يَتَمَيَّزُ بِها أجْزاءُ الزَّمانِ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِنهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَسْهِيلًا لِمَعْرِفَةِ الكَسْرِ الزّائِدِ عَلى الأيّامِ التّامَّةِ مِنَ السَّنَةِ لِتُعْرَفَ مِنهُ السَّنَةُ الكَبِيسَةُ في ثَلاثِ سِنِينَ أوْ أرْبَعِ سِنِينَ وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ مِن قَطْعِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ بِالزَّمانِ القَلِيلِ، ولَوْ سَلَّمْنا ما زَعَمَهُ كانَ ناقِصًا مِن مُدَّةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ إلى انْتِهائِهِ وهو ثُلُثا دَقِيقَةٍ هُما أرْبَعُونَ ثانِيَةً، وذَلِكَ جُزْءٌ مِن تِسْعِينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كَما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ عِبارَةٌ عَنْ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ، وهي أقَلُّ مِن ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ ثانِيَةً خَطَأٌ عَلى خَطَأٍ، تِلْكَ إذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزى، نَعَمْ قَدْ أصابَ في الرَّدِّ عَلى الفاضِلَيْنِ وقَدْ أخْطَأ الفاضِلُ الأوَّلُ في غَيْرِ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كَلامِهِ وكانَ لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى كُتُبِ القَوْمِ، ولِتَداوُلِ هَذا المَبْحَثِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ وعَدَمِ وِجْدانِهِمْ مَن يَبُلُّ غَلِيلَهم تَعَرَّضْنا لَهُ بِما نَرْجُو أنَّ يَبُلَّ بِهِ الغَلِيلَ، هَذا والعُلَماءُ دَرَجاتٌ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ الدَّقائِقِ فَتَأمَّلْ مَرَّةً وثانِيَةً وثالِثَةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
وما ذُكِرَ مِن تَساوِي الأجْسامِ مَبْنِيٌّ عَلى ما قِيلَ عَلى تَرَكُّبِها مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ وفِيهِ خِلافُ النِّظامِ والفَلاسِفَةِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى الِاسْتِحالَةِ بِلُزُومِ الخَرْقِ والِالتِئامِ، وقَدْ بَرْهَنُوا عَلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ بُرْهانَهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ في الإسْراءِ بِهِ مَحْمُولًا عَلى شَيْءٍ لَكِنْ صَحَّتِ الأخْبارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسْرِيَ بِهِ عَلى البُراقِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، ووَصَفَهُ بِالأقْصى أيِ الأبْعَدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بِالحِجازِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ أبْعَدُ المَساجِدِ الَّتِي تُزارُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ وراءَهُ مَوْضِعُ عِبادَةٍ فَهو أبْعَدُ مَواضِعِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأقْصى البَعِيدُ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سِواهُ وهو بَعِيدٌ في نَفْسِهِ لِلزّائِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بُعْدُهُ عَنِ الأقْذارِ والخَبائِثِ.
واخْتُلِفَ في رُكُوبِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ فَقِيلَ: رَكِبَ خَلْفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ بَلْ أخَذَ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ يَقُودُ البُراقَ. واخْتُلِفَ أيْضًا في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عُرُوجِهِ إلى السَّماءِ فَقِيلَ: عَرَجَ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نُصِبَ لَهُ مِعْراجٌ فَعَرَجَ عَلَيْهِ، وجاءَ في وصْفِهِ وعِظَمِهِ ما جاءَ، ووَهَّمَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ كَما قالَ الحَلَبِيُّ القائِلِينَ ومِنهم صاحِبُ الهَمْزِيَّةِ إنَّ عُرُوجَهُ ﷺ عَلى البُراقِ، ومِنَ الأكاذِيبِ المَشْهُورَةِ أنَّهُ ﷺ لَمّا أرادَ العُرُوجَ صَعِدَ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ورَكِبَ البُراقَ فَمالَتِ الصَّخْرَةُ وارْتَفَعَتْ لِتَلْحَقَهُ فَأمْسَكَتْها المَلائِكَةُ فَفي طَرَفٍ مِنها أثَرُ قَدَمِهِ الشَّرِيفِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ أثَرُ أصابِعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهي واقِفَةٌ في الهَواءِ
صفحة 10
قَدِ انْقَطَعَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا يُمْسِكُها إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَكَرَ العَلائِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ خَمْسَةُ مَراكِبَ، الأوَّلُ البُراقُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، الثّانِي المِعْراجُ مِنهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، الثّالِثُ أجْنِحَةُ المَلائِكَةِ مِنها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، الرّابِعُ جَناحُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، الخامِسُ الرَّفْرَفُ مِنها إلى قابِ قَوْسَيْنِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في الرُّكُوبِ إظْهارُ الكَرامَةِ وإلّا فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوصِلَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ في أقَلَّ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ إلّا البُراقُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، والمِعْراجُ مِنهُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانَ لَهُ عَشْرُ مَراقٍ، سَبْعَةٌ إلى السَّمَواتِ والثّامِنُ إلى السِّدْرَةِ، والتّاسِعُ إلى المُسْتَوى الَّذِي سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ، والعاشِرُ إلى العَرْشِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِنَ العَجائِبِ ما سَمِعْتُهُ عَنِ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي أنَّ لِلرُّوحِ جَسَدَيْنِ، جَسَدٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ لَطِيفٌ لا دَخْلَ لِلْعَناصِرِ فِيهِ، وجَسَدٌ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ كَثِيفٌ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ، والنَّبِيُّ ﷺ حِينَ عُرِجَ بِهِ ألْقى كُلَّ عُنْصُرٍ مِن عَناصِرِ الجَسَدِ العُنْصُرِيِّ في كُرَتِهِ فَما وصَلَ إلى تِلْكَ القُمُرِ حَتّى ألْقى جَمِيعَ العَناصِرِ ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا الجَسَدُ اللَّطِيفُ، فَرَقى بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ إلَيْهِ ما ألْقاهُ واجْتَمَعَ فِيهِ ما تَفَرَّقَ مِنهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ لا مُسْتَنَدَ لَهُ شَرْعًا ولا عَقْلًا.
وذَكَرَ مَوْلانا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّشْتِيُّ ثُمَّ الجامِيُّ أنَّ المِعْراجَ إلى العَرْشِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ وإلى ما وراءَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ فَقَطْ، وأنْشَدَ بِالفارِسِيَّةِ:
جو رفرف شد مشرف از وجودش ∗∗∗ كرفت از دست رفرف عرش زودش
بدست عرش تن جون خرقه ب ذاشت ∗∗∗ علم بر لا مكان بي خرقه افراشت
كلى برد ندا زين دهليزه يست ∗∗∗ بدان دركاه والا دست بر دست
جهت را مهره از ششدر رهانيد ∗∗∗ مكانرا مركب از
تنكي جهانيد
مكاني يافت خالي از مكان نيز ∗∗∗ كه تن محرم نبود آنجا وجان نيز
ولَمْ أقِفْ عَلى مُسْتَنَدٍ لَهُ مِنَ الآثارِ وكَأنَّهُ لاحَظَ أنَّ العُرُوجَ فَوْقَ العَرْشِ بِالجَسَدِ يَسْتَدْعِي مَكانًا، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ ما وراءَ العَرْشِ لا خَلا ولا مَلا وبِهِ تَنْتَهِي الأمْكِنَةُ وتَنْقَطِعُ الجِهاتُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أمْرُ المِعْراجِ أجَلُّ مَن أنْ يُكَيَّفَ، وماذا عَسى يُقالُ سِوى أنَّ المُحِبَّ القادِرَ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ دَعا حَبِيبَهُ الَّذِي خَلَقَهُ مِن نُورِهِ إلى زِيارَتِهِ وأرْسَلَ إلَيْهِ مَن أرْسَلَ مِن خَواصِّ مَلائِكَتِهِ فَكانَ جِبْرِيلُ هو الآخِذُ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ الآخِذُ بِزِمامِ دابَّتِهِ إلى أنْ وصَلَ إلى ما وصَلَ ثُمَّ تَوَلّى أمْرَهُ سُبْحانَهُ بِما شاءَ حَتّى حَصَلَ، فَأيُّ مَسافَةٍ تَطُولُ عَلى ذَلِكَ الحَبِيبِ الرَّبّانِيِّ، وأيُّ جِسْمٍ يَمْتَنِعُ عَنِ الخَرْقِ لِذَلِكَ الجَسَدِ النُّورانِيِّ:
جُزْ بِحَزْوى فَثَمَّ عالَمُ لُطْفٍ ∗∗∗ مِن بَقايا أجْسادِهِ الأرْواحُ
ومَن تَأمَّلَ في العَيْنِ وإحْساسِها بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ ولَوْ كانَ فاقِدَها وذُكِرَ لَهُ حالُها لَأنْكَرَ ذَلِكَ إنْكارًا ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وكَذا في غَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ والواقِعِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها الِاتِّفاقُ لَمْ يَسَعْهُ إلّا تَسْلِيمُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ وصَحَّتْ بِهِ الرِّواياتُ، ويُشْبِهُ كَلامُ هَذا البَعْضِ ما قالَهُ بَعْضُ شُعَراءِ الفُرْسِ إلّا أنَّ فِيهِ مَيْلًا إلى مَذْهَبِ أهْلِ الوَحْدَةِ وهو قَوْلُهُ:
صفحة 11
قصه بيرن معراج از من بيدل م رس ∗∗∗ قطره دريا كشت وبيغمر نميدانم ه شد
والظّاهِرُ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي قَطَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَسِيرِهِ كانَتْ باقِيَةً عَلى امْتِدادِها. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في وصْفِ البُراقِ أنَّهُ إذا أتى وادِيًا طالَتْ يَداهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ، وإذا أتى عَقَبَةً طالَتْ رِجْلاهُ وقَصُرَتْ يَداهُ، وكانَتِ المَسافَةُ في غايَةِ الطُّولِ، فَفي حَقائِقِ الحَقائِقِ كانَتِ المَسافَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَقامِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أوْحى قَدْرَ ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسِينَ ألْفًا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ طَيُّ مَسافَةٍ عَلى نَحْوِ ما يُثْبِتُهُ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الفُقَهاءِ لِلْأوْلِياءِ كَرامَةً، وجَهَّلَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ مُثْبِتِيهِ لَهُمْ، وكَفَّرَهم آخَرُونَ، ولَيْسَ لَهُ وجْهٌ ظاهِرٌ، ورُبَّما يَلْزَمُ مُثْبِتِيهِ القَوْلُ بِتَداخُلِ الجَواهِرِ والفَلاسِفَةُ والمُتَكَلِّمُونَ سِوى النَّظّامِ يُحِيلُونَهُ ويُبَرْهِنُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ وقالُوا: المَنعُ مُكابَرَةٌ، وقَدْ أثْبَتَ الصُّوفِيَّةُ لِلْأوْلِياءِ نَشْرَ الزَّمانِ، ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ عَجِيبَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَنِ المُتَشَرِّعِينَ وهو أمْرٌ وراءَ عُقُولِنا المَشُوبَةِ بِالأوْهامِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: الأزَلُ والأبَدُ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ، ولَيْسَ لِفَهْمِ ذَلِكَ عِنْدِي إلّا المُتَجَرِّدُونَ مِن جَلابِيبِ أبْدانِهِمْ وقَلِيلٌ ما هُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ حِكايَةُ إنْكارِ طَيِّ المَسافَةِ أيْضًا، وذِكْرُ ما فِيهِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ ﷺ لَيْلًا لِمَزِيدِ الِاحْتِفالِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخَلْوَةِ والِاخْتِصاصِ ومُجالَسَةِ المُلُوكِ، ولا يَكادُ يَدْعُو المَلِكُ لِحَضْرَتِهِ لَيْلًا إلّا مَن هو خاصٌّ عِنْدَهُ، وقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ قَوْمًا مِن أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنْواعِ الكَراماتِ وهو كالأصْلِ لِلنَّهارِ، وأيْضًا الِاهْتِداءُ فِيهِ لِلْمَقْصِدِ أبْلَغُ مِنَ الِاهْتِداءِ في النَّهارِ، وأيْضًا قالُوا: إنَّ المُسافِرَ يَقْطَعُ في اللَّيْلِ ما لا يَقْطَعُ في النَّهارِ ومِن هُنا جاءَ: ««عَلَيْكم بِالدُّلْجَةِ؛ فَإنَّ الأرْضَ تُطْوى بِاللَّيْلِ ما لا تُطْوى بِالنَّهارِ»» وأيْضًا أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا لِيَكُونَ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ مِن عالَمِ النُّورِ المَحْضِ أبْعَدَ عَنِ الشَّبَهِ بِما يَعْرُجُ مِنهُ مِن عالَمِ الظُّلْمَةِ؛ وذَلِكَ أبْلَغُ في الإعْجابِ.
وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ذَلِكَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ سِراجٌ، والسِّراجُ لا يُوقَدُ إلّا لَيْلًا، وبَدْرٌ وكَذا مَسِيرُ البَدْرِ في الظُّلَمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في دُخُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَسْجِدَ الأقْصى إلّا أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ نَصٌّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ وفِيها إزالَةُ اشْتِراكٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِن كَوْنِهِ مُتَعَبَّدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِبْلَةً لَهم وكَثْرَةَ الأنْهارِ والأشْجارِ حَوْلَهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ أنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ مِياهَ الأرْضِ كُلِّها تَنْفَجِرُ مِن تَحْتِ صَخْرَتِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وهو أحَدُ المَساجِدِ الثَّلاثِ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْها الرَّحّالُ، والأرْبَعُ الَّتِي يُمْنَعُ مِن دُخُولِها الدَّجّالُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ «أنَّ الدَّجّالَ يَطُوفُ الأرْضَ إلّا أرْبَعَةَ مَساجِدَ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ، ومَسْجِدِ مَكَّةَ، والأقْصى والطُّورِ، والصَّلاةُ فِيهِ مُضاعَفَةٌ،» فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّها قالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ: «أرْضُ المَحْشَرِ والمَنشَرِ، ائْتُوهُ وصَلُّوا فِيهِ؛ فَإنَّ صَلاةً فِيهِ بِألْفِ صَلاةٍ»».
وفِي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ «عَنْ بَعْضِ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدانا أنْ تَأْتِيَهُ قالَ: «إذا لَمْ تَسْتَطِعْ إحْداكُنَّ أنْ تَأْتِيَهُ فَلْتَبْعَثْ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ؛ فَإنَّ مَن بَعَثَ إلَيْهِ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ
صفحة 12
كانَ كَمَن صَلّى فِيهِ،» ورَوى بَعْضَهُ أبُو داوُدَ، وهو ثانِي مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ لِخَبَرِ أبِي ذَرٍّ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلًا؟ قالَ: «المَسْجِدُ الحَرامُ». قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصى». قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ؛ فَإنَّ الفَضْلَ فِيهِ»».
وقَدْ أسَّسَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الكَعْبَةَ بِما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، وجَدَّدَهُ سُلَيْمانُ أوْ أتَمَّ تَجْدِيدَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، والكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ أيْ: لِنَرْفَعَهُ إلى السَّماءِ حَتّى يَرى ما يَرى مِنَ العَجائِبِ العَظِيمَةِ. فَقَدْ صَحَّ «أنَّهُ ﷺ عُرِجَ بِهِ مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ» كَما تَقَدَّمَ، واجْتَمَعَ في كُلِّ سَماءٍ مَعَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، واطَّلَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِ الجَنَّةِ والنّارِ ورَأى مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.
ونُقِلَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى لَيْلَةَ المِعْراجِ في مَمْلَكَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا كَهَيْئَةِ الرِّجالِ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ شاكِّينَ السِّلاحَ طُولُ الواحِدِ مِنهم ألْفُ عامٍ، والفَرَسُ كَذَلِكَ، يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، لا يُرى أوَّلُهم ولا آخِرُهُمْ، فَقالَ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ؟ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ فَأنا أهْبِطُ وأصْعَدُ أراهم هَكَذا يَمُرُّونَ لا أدْرِي مِن أيْنَ يَجِيئُونَ ولا إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ.» وقَدْ صَلّى ﷺ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ في العَقائِقِ: وكانَتْ صَلاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، قَرَأ في الأُولى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّانِيَةِ الإخْلاصَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ دُعاءً، وذُكِرَ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا سَبْعَةَ صُفُوفٍ، ثَلاثَةٌ مِنهم مُرْسَلُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلَّتْ مَعَهُمْ، وهَذا مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ القاضِي زَكَرِيّا في شَرْحِ الرَّوْضِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَظْهَرَ أنَّهُ إمامُ الكُلِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَلْ صَلّى بِأرْواحِهِمْ خاصَّةً أوْ بِها مَعَ الأجْسادِ؟ فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتُلِفَ في أنَّهُ ﷺ صَلّى بِهِمْ قَبْلَ العُرُوجِ أوْ بَعْدَهُ، فَصَحَّحَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّهُ بَعْدَهُ، وصَحَّحَ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَبْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في كُلِّ سَماءٍ رَكْعَتَيْنِ يَؤُمُّ أمْلاكَها،» وكانَ الإسْراءُ والعُرُوجُ في بَعْضِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وكانَ رُجُوعُهُ ﷺ عَلى ما كانَ ذَهابُهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ، وكَيْفَما كانَ فَوُقُوعُ ما وقَعَ فِيهِ مِن أعْجَبِ الآياتِ وأغْرَبِ الكائِناتِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ ﷺ لَمّا رَجَعَ وجَدَ فِراشَهُ لَمْ يَبْرُدْ مِن أثَرِ النَّوْمِ،» وقِيلَ: إنَّ غُصْنَ شَجَرَةٍ أصابَهُ بِعِمامَتِهِ في ذَهابِهِ فَلَمّا رَجَعَ وجَدَهُ بَعْدُ يَتَحَرَّكُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ غَيْرُ لَيْلَةِ المِعْراجِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ يَقْتَضِي أنَّهُما في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ ﷺ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِهِ ثانِيًا مِنهُ لِيَكُونَ وُصُولُهُ إلى الأماكِنِ الشَّرِيفَةِ عَلى التَّدْرِيجِ، فَإنَّ شَرَفَ بَيْتِ المَقْدِسِ دُونَ شَرَفِ الحَضْرَةِ الَّتِي عَرَجَ إلَيْها عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: تَوْطِينًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما في المِعْراجِ مِنَ الغَرابَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ في الإسْراءِ، وإنْ كانَ غَرِيبًا أيْضًا، وقِيلَ: لِتَتَشَرَّفَ بِهِ أرْضُ المَحْشَرِ ذَهابًا وإيابًا، وقِيلَ: لِأنَّ بابَ السَّماءِ الَّذِي يُقالُ: مِصْعَدُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مُقابَلَةِ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى بابًا مَفْتُوحًا مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، يَنْزِلُ مِنهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن أتى بَيْتَ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ، فَأُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى هُناكَ أوَّلًا، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ لِيَكُونَ صُعُودُهُ عَلى الِاسْتِواءِ، وقِيلَ: إنَّ أُسْطُواناتِ المَسْجِدِ قالَتْ: رَبَّنا، حَصَلَ لَنا مِن كُلِّ نَبِيٍّ حَظٌّ، وقَدِ اشْتَقْنا إلى
صفحة 13
مُحَمَّدٍ ﷺ فارْزُقْنا لِقاءَهُ فَبُدِئَ بِالإسْراءِ بِهِ إلى المَسْجِدِ تَعْجِيلًا لِلْإجابَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وعُبِّرَ بِمَنِ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ، لِأنَّ إراءَةَ جَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ تَناهِيها مِمّا لا تَكادُ تَقَعُ، ولَوْ قِيلَ: آياتِنا لَتَبادَرَ الكُلُّ، ورُبَّما يُسْتَعانُ بِالمَقامِ عَلى إرادَتِهِ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرى نَبِيُّنا ﷺ بَعْضَ الآياتِ ويَرى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفَرْقٌ بَيْنَ الحَبِيبِ والخَلِيلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ بَعْضَ الآياتِ المُضافَةِ إلَيْهِ تَعالى أشْرَفُ وأعْظَمُ مِن مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، وقالَ الخَفاجِيُّ: السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّ ما رَآهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُقاوِمًا لِلْمِعْراجِ فَتَأمَّلْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: لِنَرى مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ آيَةً مِن آياتِنا؛ أيْ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آيَةً في أنَّهُ يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ، ويَنْدَفِعُ بِهَذا السُّؤالُ المَذْكُورُ، إلّا أنَّهُ احْتِمالٌ في غايَةِ البُعْدِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ رَأى رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ؛ إذْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعالى أنَّهُ مِن آياتِهِ، بَلْ لا يَصْدُقُ سُبْحانَهُ أنَّهُ آيَةٌ، نَعَمْ مُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ يَحْتَجُّونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا لَيْسَتِ الآيَةُ نَصًّا في المِعْراجِ بَلْ هي نَصٌّ في الإسْراءِ دُونَهُ؛ إذْ يَجُوزُ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ عَلى ما حَصَلَ لَهُ ﷺ في الإسْراءِ فَقَطْ، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ في الآياتِ مُطْلَقًا ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ، مِن هُنا قالُوا: الإسْراءُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَطْعِيٌّ ثَبَتَ بِالكِتابِ، فَمَن أنْكَرَهُ فَهو كافِرٌ، والمِعْراجُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَن أنْكَرَهُ فَلَيْسَ بِكافِرٍ بَلْ مُبْتَدَعٌ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَما صَرَّحَ بِالإسْراءِ رَحْمَةً بِالقاصِرِينَ عَلى ما قِيلَ، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ المَسْجِدِ الأقْصى فَقَطْ دُونَ السَّماءِ أنَّهُ لَوْ ذُكِرَ صُعُودُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لاشْتَدَّ إنْكارُهم لِذَلِكَ، فَلَمّا أخْبَرَ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وبِأنَّ لَهم صَدَقَةً فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ العَلاماتِ الَّتِي فِيهِ وصَدَّقُوهُ عَلَيْها أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِعْراجِهِ إلى السَّماءِ فَكانَ الإسْراءُ كالتَّوْطِئَةِ لِلْمِعْراجِ اه. وهَذا ظاهِرٌ في الخَبَرِ الوارِدِ في هَذا البابِ لا في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ فِيها بِالمِعْراجِ كَما أخْبَرَ فِيها بِالإسْراءِ دَلالَةً، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ كافِيَةٌ فَتَدَبَّرْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ فِي: ﴿بارَكْنا﴾ «ونُرِيَهُ آياتِنا» لِتَعْظِيمِ البَرَكاتِ والآياتِ لِأنَّها كَما تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ وصَدَرَ عَنْهُ كَما قِيلَ: إنَّما يَفْعَلُ العَظِيمُ العَظِيمَ، وقَدْ ذَكَرُوا لِهَذا التَّلْوِينِ نُكْتَةً خاصَّةً وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ يَدُلُّ عَلى مَسِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَهو بِالغَيْبَةِ أنْسَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ دَلَّ عَلى إنْزالِ البَرَكاتِ فَيُناسِبُ تَعْظِيمَ المُنْزِلِ، والتَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُرِيَهُ﴾ عَلى مَعْنى بُعْدِ الِاتِّصالِ وعِزِّ الحُضُورِ، فَيُناسِبُ التَّكَلُّمُ مَعَهُ، وأمّا الغَيْبَةُ فَلِكَوْنِهِ ﷺ إذْ ذاكَ لَيْسَ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ فِيهِ إعادَةً إلى مَقامِ السِّرِّ والغَيْبُوبَةِ مِن هَذا العالَمِ، والغَيْبَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن آياتِنا﴾ عَوْدٌ إلى التَّعْظِيمِ كَما سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأمّا الغَيْبَةُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لَهُ تَعالى كَما هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ فَلِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِما يُوقِعُ هَذا الِالتِفاتَ أحْسَنَ مَواقِعِهِ ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ أتَمَّ انْطِباقٍ، إذِ المَعْنى قَرَّبَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِ عالِمٌ بِاسْتِحْقاقِهِ لِهَذا المَقامِ، قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ
صفحة 14
لِأقْوالِ ذَلِكَ العَبْدِ، البَصِيرُ بِأفْعالِهِ بِكَوْنِها مُهَذَّبَةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الهَوى مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ والصَّفا، مُسْتَأْهِلَةً لِلْقُرْبِ والزُّلْفى، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ وقالَ: أيِ السَّمِيعُ لِكَلامِنا البَصِيرُ لِذاتِنا، وقالَ الجَلَبِيُّ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدَيِ الَّذِي شَرَّفْتُهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ هو المُسْتَأْهِلُ لَهُ فَإنَّهُ السَّمِيعُ لِأوامِرِي ونَواهِيَّ، العامِلُ بِهِما، البَصِيرُ الَّذِي يَنْظُرُ بِنَظْرَةِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِي فَيَعْتَبِرُ، أوِ البَصِيرُ بِالآياتِ الَّتِي أرَيْناهُ إيّاها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ فَقِيلَ: لِمُطابَقَةِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلَيْهِ.
وكَذا لَمّا عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: «عَبْدِهِ»، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى اخْتِصاصِهِ ﷺ بِالمِنَحِ والزُّلْفى وغَيْبُوبَةِ شُهُودِهِ في عَيْنٍ، بِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، ولا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ السَّمِيعِ والبَصِيرِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما تُوُهِّمَ لا مُطْلَقًا ولا هُنا، قالَ الطِّيبِيُّ: ولَعَلَّ السِّرَّ في مَجِيءِ الضَّمِيرِ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ ﷺ إنَّما رَأى رَبَّ العِزَّةِ وسَمِعَ كَلامَهُ بِهِ سُبْحانَهُ كَما في الحَدِيثِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا فافْهَمْ تَسْمَعْ وتُبْصِرْ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ إمّا لِأنَّ سَماعَهُ تَعالى بِلا أُذُنٍ، وبَصَرَهُ بِلا عَيْنٍ، عَلى نَحْوٍ لا يُشارِكُهُ فِيهِ تَعالى أحَدٌ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِهِ ﷺ بِتِلْكَ الكَرامَةِ.
وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ الإسْراءِ أيْ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ أيُّها المُكَذِّبُونَ، البَصِيرُ بِما تَفْعَلُونَ فَيُعاقِبُكم عَلى ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: «لِيُرِيَهُ» بِياءِ الغَيْبَةِ فَفي الآيَةِ حِينَئِذٍ أرْبَعُ التِفاتاتٍ:
الإسراء 17:2
﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ، وهو الظّاهِرُ أوْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿هُدًى﴾ عَظِيمًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهُدًى أوْ بِجَعَلَ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، والواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ لا عَلى: ﴿أسْرى﴾ كَما نَقَلَهُ في البَحْرِ عَنِ العُكْبُرِيِّ.
وحُكِيَ نَظِيرُهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ لِبُعْدِهِ وتَكَلُّفِهِ، وعَقَّبَ آيَةَ الإسْراءِ بِهَذِهِ اسْتِطْرادًا تَمْهِيدًا لِذِكْرِ القُرْآنِ، والجامِعُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ التَّوْراةَ بِمَسِيرِهِ إلى الطُّورِ وهو بِمَنزِلَةِ مِعْراجِهِ؛ لِأنَّهُ مُنِحَ ثَمَّتَ التَّكْلِيمَ وشُرِّفَ باسِمِ الكَلِيمِ، وطَلَبُ الرُّؤْيَةِ مُدْمَجًا فِيهِ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ الكِتابَيْنِ، ومَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بَيْنَ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى﴾ وبَيْنَ: ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ و﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .
﴿ألا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: أنْ لا تَتَّخِذُوا عَلى أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ و(لا) ناهِيَةٌ، والتَّفْسِيرُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ، أيْ: آتَيْنا مُوسى كِتابَةَ شَيْءٍ هُوَ: لا تَتَّخِذُوا، والكِتابُ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّوْراةَ فَهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وجَوَّزَ في البَحْرِ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً، والجارَّ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ولا نافِيَةٌ، أيْ: لِئَلّا تَتَّخِذُوا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن ( الكِتابَ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً و«لا تَتَّخِذُوا» مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ ولا فِيهِ لِلنَّهْيِ، أيْ: قُلْنا: لا تَتَّخِذُوا. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ أنْ.
وكَذا جَوَّزَ أنْ تَكُونَ لا زائِدَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَتَّخِذُوا، ولا يُخْفى ما فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِيسى وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (أنْ لا يَتَّخِذُوا) بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ (أنْ) عَلى ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةً، ولَمْ يَذْكُرُوا فِيها احْتِمالَ كَوْنِها مُفَسِّرَةً، وقالَ شَيْخُ زادَهْ: لا وجْهَ لِأنْ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً عَلى القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ ما في حَيِّزِ المُفَسِّرَةِ مَقُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى والَّذِي يُلْقى إلَيْهِ القَوْلُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا كَما لا وجْهَ لِكَوْنِها مَصْدَرِيَّةً عَلى قِراءَةِ الخِطابِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غُيَّبٌ فَتَأمَّلْ. والجارُّ
صفحة 15
عِنْدَهم عَلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً مَحْذُوفٌ، أيْ: لِأنْ لا يَتَّخِذُوا ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾ أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي، فالوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ، أيِ المُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ وهو الرَّبُّ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُؤُونِ عِبادِهِ لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ ( ومِن ) سَيْفُ خَطِيبٍ، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِمَجِيئِها كَذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وهي مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَتَّخِذُوا و﴿وكِيلا﴾ الأوَّلِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى:
الإسراء 17:3
﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى النِّداءِ، والمُرادُ الحَمْلُ عَلى التَّوْحِيدِ بِذِكْرِ إنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في تَضَمُّنِ إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لَيْسَ لَهم وكِيلٌ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ سِواهُ تَعالى، وخَصَّ مَكِّيٌّ النِّداءَ بِقِراءَةِ الخِطابِ قالَ: مَن قَرَأ «يَتَّخِذُوا» بِياءِ الغَيْبَةِ يَبْعُدُ مَعَهُ النِّداءُ؛ لِأنَّ الياءَ لِلْغَيْبَةِ والنِّداءَ لِلْخِطابِ فَلا يَجْتَمِعانِ إلّا عَلى بُعْدٍ، ونِعْمَ ما قالَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَيْسَ كَما زَعَمَ إذْ يَجُوزُ أنْ يُنادِيَ الإنْسانُ شَخْصًا ويُخْبِرَ عَنْ أحَدٍ فَيَقُولَ: يا زَيْدُ يَنْطَلِقُ بَكْرٌ وفَعَلْتُ كَذا يا زَيْدُ لِيَفْعَلَ عَمْرٌو كَيْتَ وكَيْتَ، إنَّ كَما زَعَمَ لا يَدْفَعُ البُعْدَ الَّذِي ادَّعاهُ مَكِّيٌّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أحَدُ مَفْعُولَيْ ﴿تَتَّخِذُوا﴾ و﴿وكِيلا﴾ الآخَرَ هو لِكَوْنِهِ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا والمَفْعُولُ الثّانِي خَبَرٌ مَعْنًى وهو غَيْرُ مُطابِقٍ هُنا و﴿مِن دُونِي﴾ حالٌ مِنهُ و( مِن ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿وكِيلا﴾ لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ الطَّرْحِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ أيْ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا﴾ والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ اتِّخاذِ عُزَيْرٍ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ونَحْوَهُما أرْبابًا. وفي التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ مِن أوْجُهٍ: أحَدُها: تَذْكِيرُ النِّعْمَةِ في إنْجاءِ آبائِهِمْ كَما ذُكِرَ، والثّانِي تَذْكِيرُ ضَعْفِهِمْ، وحالِهِمُ المُحْوِجِ إلى الحَمْلِ، والثّالِثُ: أنَّهم أضْعَفُ مِنهم لِأنَّهم مُتَوَلِّدُونَ مِنهُمْ، وفي إيثارِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ الواقِعَةِ عَلى الأطْفالِ والنِّساءِ في العُرْفِ الغالِبِ مُناسِبَةٌ تامَّةٌ لِما ذُكِرَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ﴿مُوسى﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ذُرِّيَّةُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو ذُرِّيَّةُ، ولا بُعْدَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ أوْ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَتَّخِذُوا) قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ هَذا عَلى القِراءَةِ بِتاءِ الخِطابِ لِأنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ الِاسْمُ الظّاهِرُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ بِأنَّ المَسْألَةَ تَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ في بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلِ اشْتِمالٍ جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ في بَدَلِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لَعِينٍ واحِدَةٍ إنْ كانَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ جازَ بِلا خِلافٍ أيْضًا، نَحْوَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم. وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّوْكِيدَ فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ المَنعُ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ الجَوازُ وهو الصَّحِيحُ؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّتِهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ ذالِ (ذِرِّيَّةَ) وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: (ذَرِيَّةَ) بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ كَمَطِيَّةٍ ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كَثِيرَ الشُّكْرِ في مَجامِعِ حالاتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَبِسَ ثَوْبًا أوْ طَعِمَ طَعامًا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في
صفحة 16
زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: شُكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسَمِّيَ إذا أكَلَ، ويَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى إذا فَرَغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَبْدًا شَكُورًا؛ لِأنَّهُ كانَ إذا أمْسى وأصْبَحَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾»
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ نُوحًا لَمْ يَقُمْ عَنْ خَلاءٍ قَطُّ إلّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذاقَنِي لَذَّتَهُ وأبْقى فِيَّ مَنفَعَتَهُ وأذْهَبَ عَنِّي أذاهُ»».
وهَذا مِن جُمْلَةِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَ مَن مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ وزَجْرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الكُفْرِ، وهَذا وجْهُ مُلاءَمَتِها لِما تَقَدَّمَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ وحِينَئِذٍ فَلا يُطْلَبُ مُلاءَمَتُهُ مَعَ ما سَبَقَ لَهُ الكَلامُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ مَن ذُكِرَ أعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ: ( إنَّهُ ) عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ إمّا لِإيتاءِ الكِتابِ أوْ لِجَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هُدًى بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( جَعَلْناهَ ) لَهُ أوْ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ وفِيهِ بُعْدٌ فَتَدَبَّرْ.
الإسراء 17:4
﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ: أعْلَمْناهُمْ، وزادَ الرّاغِبُ: وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا جَزْمًا، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِتَضَمُّنِ القَضاءِ مَعْنى الإيحاءِ؛ ولِهَذا عُدِّيَ بِإلى، والوَحْيُ إلَيْهِمْ إعْلامُهم ولَوْ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى (عَلى)، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أيْ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أوِ الجِنْسِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ أبِي العالِيَةِ وابْنِ جُبَيْرٍ «الكُتُبِ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ عَلى الأوَّلِ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ عَلى الأخِيرِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ، قُلْتُ: لَوْ كانَ ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ القَضاءِ أيْضًا لِلْعِلْمِ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ وعُلُوِّهِمْ: واللَّهِ لَتُفْسِدُنَّ إلَخْ. ويَكُونُ هَذا تَأْكِيدًا لِتَعَلُّقِ القَضاءِ، ويَجُوزُ جَعْلُهُ جَوابَ: ( قَضَيْنا ) بِإجْراءِ القَضاءِ مَجْرى القَسَمِ فَيُتَلَقّى بِما يُتَلَقّى بِهِ نَحْوَ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى لِأفْعَلَنَّ كَذا. والمُرادُ بِالأرْضِ الجِنْسُ أوْ أرْضُ الشّامِ وبَيْتُ المَقْدِسِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: (لَتُفْسَدُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكُمْ، فَقِيلَ: مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى: (لَتَفْسُدُنَّ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ عَلى مَعْنى لِتَفْسُدُنَّ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، والمُرادُ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما عَلى ما نَقَلَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: قَتْلُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صَدِيقَةُ مَلِكِهِمْ تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولَمْ يَسْمَعُوا مِن زَكَرِيّا فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أوْحِ عَلى لِسانِكَ فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أُوحِيَ عَلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِ الشَّجَرَةِ حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها.
وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِهِ أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ. قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: هي قَتْلُ شَعْيا عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ بُعِثَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَلَغَهُمُ
صفحة 17
الوَحْيُ أرادُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ فَقُتِلَ وهو صاحِبُ الشَّجَرَةِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ.
وفِي الكَشّافِ: أُولاهُما قَتْلُ زَكَرِيّا وحَبْسُ أرْمِيا، والآخِرَةُ: قَتْلُ يَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهَذا فِيمَن جَعَلَ هَلاكَ زَكَرِيّا قَبْلَ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
ثُمَّ ضَمَّ ذَلِكَ مَعَ حَبْسِ أرْمِيا في قَرْنٍ غَيْرِ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ أرْمِيا كانَ في زَمَنِ بُخْتَنَصَّرَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَكَرِيّا أكْثَرُ مِن مِائَتَيْ سَنَةٍ.
واخْتارَ بَعْضُهم -وقِيلَ: إنَّهُ الحَقُّ- أنَّ الأوْلى تَغْيِيرُ التَّوْراةِ وعَدَمُ العَمَلِ بِها وحَبْسُ أرْمِيا وجَرْحُهُ إذْ وعَظَهم وبَشَّرَهم بِنَبِيِّنا ﷺ، وهو أوَّلُ مَن بَشَّرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ بِشارَةِ التَّوْراةِ، والأُخْرى قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَن قالَ: إنَّ زَكَرِيّا ماتَ في فِراشِهِ اقْتَصَرَ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَتْلِهِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُها فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ المَلِكُ قَدْ عَوَّدَ تِلْكَ المَرْأةَ أنْ يَقْضِيَ لَها كُلَّ عِيدٍ ما تُرِيدُ مِنهُ فَعَلَّمَتْها أُمُّها أنْ تَسْألَهُ دَمَ يَحْيى في بَعْضِ الأعْيادِ، فَسَألَتْهُ فَأبى، فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فِيهِ فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى قُتِلَ عَلَيْها سَبْعُونَ ألْفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَسَنًا جَمِيلًا جِدًّا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبِي فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَسَألَتْهُ فَأعْطاها إيّاهُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَسادَهم في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَلا يُقْطَعُ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لِتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَغْلُبُنَّ النّاسَ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ وتُفْرِطُنَّ في ذَلِكَ إفْراطًا مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، وأصْلُ مَعْنى العُلُوِّ الِارْتِفاعُ، وهو ضِدُّ السُّفْلِ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ التَّكَبُّرِ والِاسْتِيلاءِ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (عِلِيًّا كَبِيرًا) بِكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ، قالَ في البَحْرِ:
والتَّصْحِيحُ في فَعُولٍ المَصْدَرِ أكْثَرُ بِخِلافِ الجَمْعِ؛ فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوَ لَهْوٍ ومَهْوٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا
الإسراء 17:5
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ أُولى (مَرَّتَيِ) الإفْسادِ.
والوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ مُرادٌ بِهِ العِقابُ كَما في البَحْرِ وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ؛ أيْ: فَإذا حانَ وقْتُ حُلُولِ العِقابِ المَوْعُودِ، وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ وفِيهِ تَقْدِيرٌ أيْضًا، وقِيلَ: بِمَعْنى الوَعْدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ أيْ: فَإذا حانَ مَوْعِدُ عِقابِ أوْلاهُما ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ أرْسَلْنا لِمُؤاخَذَتِكم بِتِلْكَ الفِعْلَةِ ﴿عِبادًا لَنا﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا ولَمْ نَمْنَعْهم وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلى مَلِكِ أُولَئِكَ العِبادِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: (عَبِيدًا ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحُرُوبِ، وقالَ الرّاغِبُ: البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْساءُ الشِّدَّةُ والمَكْرُوهُ إلّا أنَّ البُؤْسَ في الفَقْرِ والحَرْبِ أكْثَرُ، والبَأْسَ والبَأْساءَ في النِّكايَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ وصْفَ البَأْسِ بِالشَّدِيدِ مُبالَغَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَوِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ ولا بَأْسَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجْرِيدٌ وهو صَحِيحٌ أيْضًا. واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ العِبادِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هم جالُوتُ الجَزَرِيُّ وجُنُودُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ هم سَنْجارِيبُ مَلِكُ بابِلَ وجُنُودُهُ، وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ، وفي الأعْلامِ لِلسُّهَيْلِيِّ: هم بُخْتَنَصَّرُ عامِلُ لِهْراسِفَ أحَدِ مُلُوكِ الفُرْسِ الكِيانِيَّةِ عَلى بابِلَ والرُّومِ، وجُنُودُهُ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ حِينَ كَذَّبُوا أرْمِيا وجَرَحُوهُ وحَبَسُوهُ. قِيلَ: وهو الحَقُّ.
صفحة 18
﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ أيْ: تَرَدَّدُوا وسَطَها لِطَلَبِكم. قالَ الرّاغِبُ: جاسُوا الدِّيارَ تَوَسَّطُوها وتَرَدَّدُوا بَيْنَها، ويُقارِبُهُ حاسُوا وداسُوا، وقَرَأ: (حاسُوا) بِالحاءِ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ، وقُرِئَ أيْضًا: (تَجَوَّسُوا) بِالجِيمِ عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: الجَوْسُ والحَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ، و﴿خِلالَ﴾ اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ ولِذا قَرَأ الحَسَنُ (خَلَلَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خِلالَ) جَمْعَ خَلَلٍ كَجِبالٍ جَمْعِ جَبَلٍ، ويُشِيرُ كَلامُ أبِي السُّعُودِ إلى اخْتِيارِهِ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ إلى اخْتِيارِ الأوَّلِ.
﴿وكانَ﴾ أيْ: وعْدُ أُولاهُما ﴿وعْدًا مَفْعُولا﴾ مُحَتَّمَ الفِعْلِ، فَضَمِيرُ ( كانُ ) لِلْوَعْدِ السّابِقِ، وقِيلَ: لِلْجَوْسِ المَفْهُومِ مِن جاسُوا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ في هَذِهِ البَعْثَةِ خَرَّبَ هَؤُلاءِ العِبادُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ الذَّرِيعُ والجَلاءُ والأسْرُ في بَنِي إسْرائِيلَ وحُرِّقَتِ التَّوْراةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وإنَّما جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ وانْصَرَفُوا بِدُونِ قِتالٍ
الإسراء 17:6
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ الدَّوْلَةَ والغَلَبَةَ، وأصْلُ مَعْنى الكَرِّ العَطْفُ والرُّجُوعُ، وإطْلاقُ الكَرَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مَجازٌ شائِعٌ كَما يُقالُ: تَراجَعَ الأمْرُ، ولامُ لَكم لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا، مُتَعَلِّقٌ بِالكَرَّةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الغَلَبَةِ أوْ حالٌ مِنها، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِرَدَدْنا، وهَذا عَلى ما في البَحْرِ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى في التَّوْراةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكانَ بَيْنَ البَعْثِ والرَّدِّ عَلى ما قِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ؛ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تابُوا ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ ذَلِكَ فَرُوِيَ أنَّ أرْدِشِيرَ بِهْمَنَ بْنَ إسْفِنْدِيارَ بْنِ كِشْتاسِفَ بْنِ لِهْراسِفَ لَمّا ورِثَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسِفَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الشَّفَقَةَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَرَدَّ أُسَراءَهُمُ الَّذِينَ أتى بِهِمْ بُخْتَنَصَّرُ إلى بابِلَ، وسَيَّرَهم إلى أرْضِ الشّامِ، ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتَنَصَّرَ، وجَعَلَ بَعْضُهم مِن آثارِ هَذِهِ الكَرَّةِ قَتْلَ بُخْتَنَصَّرَ ولَمْ يَثْبُتْ.
وفِي البَحْرِ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ وكانَ بُخْتَنَصَّرُ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وأبْقى عِنْدِهِ بَقِيَّةً في بابِلَ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى دِيارِهِمْ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، وقِيلَ: رَدُّ الكَرَّةِ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَتَلَ جالُوتَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ إلَخْ. فَإنَّ المُرادَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ وداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِناءَهُ بَعْدَ قَتْلِ جالُوتَ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ ولَمْ يُتِمَّهُ وأتَمَّهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ حَتّى يَدْخُلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ودُفِعَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المَسْجِدِ الأرْضُ لا البِناءُ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَخَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِخْدامِ وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّ المَسْجِدَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قَدَّمْنا.
﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ﴾ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ما نُهِبَتْ أمْوالُكم ﴿وبَنِينَ﴾ بَعْدَ ما سُبِيَتْ أوْلادُكم ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ مِن قَبْلُ أوْ مِن أعْدائِكُمْ، والنَّفِيرُ عَلى ما قالَ أبُو مُسْلِمٍ كالنّافِرِ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكُلَيْبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ؛ أيْ أكْثَرُ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرا
ويُرْوى: بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، وصَحَّحَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِغَلَبَتِهِ في المُفْرَداتِ وعَدَمِ اطِّرادِ مُفْرَدِهِ.
الإسراء 17:7
﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أعْمالَكم سَواءٌ كانَتْ لازِمَةً لِأنْفُسِكم أوْ مُتَعَدِّيَةً لِلْغَيْرِ أيْ: عَمِلْتُمُوها عَلى الوَجْهِ المُسْتَحْسَنِ اللّائِقِ
صفحة 19
أوْ فَعَلْتُمُ الإحْسانَ ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لِنَفْعِها بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ أعْمالَكم لازِمَةً كانَتْ أوْ مُتَعَدِّيَةً بِأنْ عَمِلْتُمُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ أوْ فَعَلْتُمُ الإساءَةَ ﴿فَلَها﴾ أيْ: فالإساءَةُ عَلَيْها لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، فاللّامُ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ، وعَبَّرَ بِها لِمُشاكَلَةِ ما قَبْلَها.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي بِمَعْنى (إلى) عَلى مَعْنى: فَإساءَتُها راجِعَةٌ إلَيْها، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ) .
وفِي الكَشّافِ أنَّها لِلِاخْتِصاصِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الآثارِ مِن تَعَدِّي ضَرَرِ الإساءَةِ إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ضَرَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتَعَدَّهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ الأُخْرَوِيَّيْنِ لا يَتَعَدَّيانِ وهُما المُرادُ هُنا، وقِيلَ: اللّامُ لِلنَّفْعِ كالأُولى لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وتَعْمِيمُ الإحْسانِ ومُقابِلِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلانِ المُتَعَدِّيَ واللّازِمَ هو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وفُسِّرَ الإحْسانُ بِفِعْلِ ما يُسْتَحْسَنُ لَهُ ولِغَيْرِهِ والإساءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ أنْسَبُ وأتَمُّ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ تَكْرِيرَ الإحْسانِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ دُونَ الإساءَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الإحْسانِ أغْلَبُ، وأنَّهُ إذا فُعِلَ يَنْبَغِي تَكْرارُهُ بِخِلافِ ضِدِّهِ.
وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ ولا أسَأْتُ إلَيْهِ وتَلا الآيَةَ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا عَصَوْا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن قَصَدَهم بِالنَّهْبِ والأسْرِ، ثُمَّ لَمّا تابُوا وأطاعُوا حَسُنَتْ حالُهم فَظَهَرَ أنَّ إحْسانَ الأعْمالِ وإساءَتَها مُخْتَصٌّ بِهِمْ، والآيَةُ تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ، وفِيها مِنَ التَّرْغِيبِ بِالإحْسانِ والتَّرْهِيبِ مِنَ الإساءَةِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ﴾ المَرَّةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ مِن (مَرَّتَيْ) إفْسادِكم ﴿لِيَسُوءُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، وهو جَوابُ إذا؛ أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ: لِيَجْعَلَ العِبادُ المَبْعُوثُونَ آثارَ المَساءَةِ والكَآبَةِ بادِيَةً في وُجُوهِكُمْ، فَإنَّ الأعْراضَ النَّفْسانِيَّةَ تَظْهَرُ فِيها فَيَظْهَرُ بِالفَرَحِ النَّضارَةُ والإشْراقُ، وبِالحُزْنِ والخَوْفِ الكُلُوحُ والسَّوادُ، فالوُجُوهُ عَلى حَقِيقَتِها، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ ساداتُهم وكُبَراؤُهم أهُوَ هو كَما تَرى.
واخْتِيرَ هَذا عَلى لِيَسُوؤُكم مَعَ أنَّهُ أحْضَرُ وأظْهَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ جُمِعَ عَلَيْهِ ألَمُ النَّفْسِ والبَدَنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ إلَخْ، وقِيلَ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ هُنا مَعَ كَوْنِهِ مِن تَفْصِيلِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ فالظّاهِرُ: فَإذا جاءَ، وإذا جاءَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ وعْدِ عِقابِ المَرَّةِ الآخِرَةِ لَمْ يَتَراخَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ واجْتِماعِهِمْ دَلالَةً عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في كُفْرانِ النِّعَمِ، وإنَّهم كُلَّما ازْدادُوا عِدَّةً وعِدَّةً زادُوا عُدْوانًا وعِزَّةً إلى أنْ تَكامَلَتْ أسْبابُ الثَّرْوَةِ والكَثْرَةِ، فاجَأهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الغِرَّةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن مُباغَتَةِ عَذابِهِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لِيَسُؤَ) عَلى التَّوْحِيدِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ عَلى الأخِيرَيْنِ وحَقِيقِيٌّ عَلى الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والكِسائِيِّ (لِنَسُوءَ) بِنُونِ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (لِنَسُؤْنَ) بِلامِ الأمْرِ ونُونِ العَظَمَةِ أوَّلَهُ، ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرَهُ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ وجَوابُ إذا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ جَوابًا بِدُونِها.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا: (لِنَسُوءَنَّ) و(لَيَسُوءَنَّ) بِالنُّونِ والياءِ أوَّلًا ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ آخِرًا.
واللّامُ في ذَلِكَ
صفحة 20
لامُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ إذا، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ لامُ كَيْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِبَعَثْنا المَحْذُوفِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى أُخْرى، وعَلى القِراءَةِ بِلامِ الأمْرِ أوْ لامِ القَسَمِ فِيما تَقَدَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ، وأنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، والمُرادُ بِالمَسْجِدِ بَيْتُ المَقْدِسِ وهو مَفْعُولُ يَدْخُلُوا، وفي الصِّحاحِ أنَّ الصَّحِيحَ في نَحْوِ دَخَلْتُ البَيْتَ إنَّكَ تُرِيدُ دَخَلْتُ إلى البَيْتِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فانْتَصَبَ البَيْتُ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ ﴿كَما دَخَلُوهُ﴾ أيْ: دُخُولًا كائِنًا كَدُخُولِهِمْ إيّاهُ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهو في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ: كائِنَيْنِ كَما دَخَلُوهُ، و( أُولَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهم يَدْخُلُونَهُ بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ ولا قَتْلٌ ولا نَهْبٌ ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ أيْ: يُهْلِكُوا، وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ
وقالَ بَعْضُهُمْ: الهَدْمُ إهْلاكٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ التَّتْبِيرَ كَلِمَةٌ نِبْطِيَّةٌ.
ما ﴿عَلَوْا﴾ أيِ الَّذِي غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، فَما اسْمُ مَوْصُولٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهو إمّا مَفْعُولٌ أوْ مَجْرُورٌ عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً، أيْ: لِيُتَبِّرُوا مُدَّةَ دَوامِهِمْ غالِبِينَ قاهِرِينَ ﴿تَتْبِيرًا﴾ فَظِيعًا لا يُوصَفُ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ العِبادِ المَبْعُوثِينَ بَعْدَ أنْ ذَكَرُوا قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإفْسادِ الأخِيرِ، فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهم بُخْتَنَصَّرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وبُخْتَنَصَّرُ كانَ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: الإسْكَنْدَرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّ بَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوًا مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قالَ: لَكِنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ إفْسادَهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ بِقَتْلِ شَعْيا جازَ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الَّذِي غَزاهم مَلِكُ خَرْدُوشَ وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ. وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صاحِبَ الجَيْشِ دَخَلَ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا. فَقالَ: ما صَدَقْتُمُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ. ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا. فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم. ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى، قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ، واخْتارَ في الكَشْفِ - وقالَ: هو الحَقُّ - إنَّ المَبْعُوثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِيرْدُوسُ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ، وكَأنَّهُ هو خِرْدُوشُ الَّذِي مَرَّ آنِفًا، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ.
وقِيلَ: اسْمُهُ جُوزُورُ وهَؤُلاءِ المُلُوكُ ظَهَرُوا بَعْدَ قَتْلِ الإسْكَنْدَرِ دارا واسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِ الفُرْسِ، وكانَ ذَلِكَ بِصُنْعِ الإسْكَنْدَرِ مُتَّبِعًا فِيهِ رَأيَ مُعَلِّمِهِ أرِسْطُو، وعُدَّتُهم تَزِيدُ عَلى سَبْعِينَ مَلِكًا، ومُدَّةُ مُلْكِهِمْ عَلى ما في بَعْضِ التَّوارِيخِ خَمْسُمِائَةٍ واثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وحَصَلَ اجْتِماعُ الفُرْسِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى أرْدِشِيرَ بْنِ بابِكَ طَوْعًا وكَرْهًا، وكانَ أحَدُ مُلُوكِ الطَّوائِفِ عَلى إصْطَخْرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَلِكُ المَبْعُوثُ لِفَسادِ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ يَحْيى عَلَيْهِ
صفحة 21
السَّلامُ مِن أواخِرِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ كَما لا يَخْفى، ويَكُونُ بَيْنَ هَذا البَعْثِ والبَعْثِ الأوَّلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَبْعُوثَ بُخْتَنَصَّرُ وأتْباعُهُ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، فَفي بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ قَتْلَ الإسْكَنْدَرِ دارا بَعْدَ بُخْتَنَصَّرَ بِأرْبَعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وبَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن غَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ وُلِدَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الوِلادَةِ بِزَمانٍ، والبَعْثَ بَعْدَ القَتْلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ ما يَزِيدُ عَلى سَبْعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ اليَهُودُ أنَّ المَبْعُوثَ أوَّلًا بُخْتَنَصَّرُ، وكانَ في زَمَنِ أرْمِيا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أنْذَرَهم مَجِيئَهُ صَرِيحًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفَسادِ وعِبادَةِ الأصْنامِ كَما نَطَقَ بِهِ كِتابُهُ فَحَبَسُوهُ في بِئْرٍ وجَرَحُوهُ، وكانَ تَخْرِيبُهُ لِبَيْتِ المَقْدِسِ في السَّنَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَ مِن حُكْمِهِ وبَيْنَ ذَلِكَ وهُبُوطِ آدَمَ ثَلاثَةُ آلافٍ وثَلاثُمِائَةٍ وثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وبَقِيَ خَرابًا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ أسْبِيانُوسَ قَيْصَرَ الرُّومِ وجَّهَ وزِيرَهُ طُوطُوزَ إلى خَرابِهِ فَخَرَّبَهُ سَنَةَ ثَلاثَةِ آلافٍ وثَمانِمِائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ عِنْدَهم أرْبَعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ سَنَةً، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. ونِعْمَ ما قِيلَ: إنَّ مَعْرِفَةَ الأقْوامِ المَبْعُوثِينَ بِأعْيانِهِمْ وتارِيخِ البَعْثِ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ غَرَضٍ؛ إذِ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كَثُرَتْ مَعاصِيهِمْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن يَنْتَقِمُ مِنهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي اتِّحادَ المَبْعُوثِينَ أوَّلًا وثانِيًا، ومَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ يَجْعَلُ رُجُوعَ الضَّمائِرِ لِلْعِبادِ عَلى حَدِّ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلدِّرْهَمِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ. فافْهَمْ.
الإسراء 17:8
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ البَعْثِ الثّانِي إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ لِلْإفْسادِ بَعْدَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنكم ﴿عُدْنا﴾ لِلْعُقُوبَةِ فَعاقَبْناكم في الدُّنْيا بِمِثْلِ ما عاقَبْناكم بِهِ في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وهَذا مِنَ المَقْضِيِّ لَهم في الكِتابِ أيْضًا وكَذا الجُمْلَةُ الآتِيَةُ، وقَدْ عادُوا بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ وقَصَدِهِمْ قَتْلَهُ فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ قُرَيْظَةَ، وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ، وقِيلَ: عادُوا فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأكاسِرَةَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا مِن ضَرْبِ الإتاوَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعُودُوا ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أيْ: سِجْنًا، وأنْشَدَ في البَحْرِ قَوْلَةَ لَبِيَدٍ:
ومَقامَةٍ غُلْبِ الرِّقابِ كَأنَّهم جِنٌّ عَلى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ
فَإنْ كانَ اسْمًا لِلْمَكانِ المَعْرُوفِ فَهو جامِدٌ لا يَلْزَمُ تَأْنِيثُهُ وتَذْكِيرُهُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى حاصِرٍ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ وفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ يَلْزَمُ مُطابَقَتُهُ، فَعَدَمُ المُطابَقَةِ هُنا إمّا لِأنَّهُ عَلى النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذاتِ حَصْرٍ، وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أيْ ذاتُ انْفِطارٍ أوْ لِحَمْلِهِ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ جَهَنَّمَ بِمُذَكَّرٍ، وقِيلَ: لِأنَّ تَأْنِيثَها لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، نَقَلَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وهو كَما تَرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالفِراشِ والمِهادِ، قالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ جَعَلَ الحَصِيرَ المَرْمُولَ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِحَصْرِ بَعْضِ طاقاتِهِ عَلى بَعْضٍ، فَحَصِيرٌ عَلى هَذا بِمَعْنى مَحْصُورٍ، وفي الكَلامِ التَّشْبِيهُ البَلِيغُ، وجاءَ الحَصِيرُ بِمَعْنى السُّلْطانِ، وأنْشَدَ الرّاغِبُ في ذَلِكَ البَيْتِ السّابِقِ ثُمَّ قالَ: وتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ مَحْصُورًا نَحْوَ مُحَجَّبٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ حاصِرًا أيْ: مانِعًا لِمَن أرادَ أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ اه.
وحَمْلُ ما في الآيَةِ
صفحة 22
عَلى ذَلِكَ مِمّا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ، والحَمْلُ عَلَيْهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وإنْ تَضَمَّنَ مَعْنًى لَطِيفًا يُدْرَكُ بِالتَّأمُّلِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: (لَكُمْ) بَدَلَ (لِلْكافِرِينَ) إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنْهُ تَسْجِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَوْدِ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ
الإسراء 17:9
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ﴾ الَّذِي آتَيْناكَهُ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِصَدْرِ السُّورَةِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وفي الإشارَةِ بِهَذا تَعْظِيمٌ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ المُجْتَبى ﷺ ﴿يَهْدِي﴾ أيِ النّاسَ كافَّةً لا فِرْقَةً مَخْصُوصَةً مِنهم كَدَأْبِ الكِتابِ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِلَّتِي﴾ أيْ: لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أقْوَمُ﴾ أيْ أقْوَمُ الطُّرُقِ وأسَدُّها، أعْنِي مِلَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَلِلَّتِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ حُذِفَ اخْتِصارًا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ الحالَةَ أوِ المِلَّةَ، وأيَّما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقُ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في الإبْهامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَرى الوادِي وطَمَّ عَلى القُرى، ( وأقْوَمُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِي لَها القُرْآنُ وغَيْرِها مِنَ الطُّرُقِ في مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ لِتَفْضُلَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: لِلَّتِي هي قَيِّمَةٌ، أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ اه.
وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ: ﴿ويُبَشِّرُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعِ بَشَرَ المُخَفَّفِ، وجاءَ بَشَرْتُهُ وبَشَّرْتُهُ وأبْشَرْتُهُ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ فِيهِ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ أعْمالِهِمْ ﴿أجْرًا كَبِيرًا﴾ بِحَسَبِ الذّاتِ وبِحَسَبِ التَّضْعِيفِ عَشْرًا فَصاعِدًا، وفَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ الأجْرَ الكَبِيرَ وكَذا الرِّزْقَ الكَرِيمَ في كُلِّ القُرْآنِ بِالجَنَّةِ
الإسراء 17:10
﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ الرُّوحانِيَّيْنِ والجِسْمانِيَّيْنِ، وتَخْصِيصُ الآخِرَةِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما لَمْ يُؤْمِن بِهِ الكَفَرَةُ لِكَوْنِها مُعْظَمَ ما أُمِرُوا الإيمانَ بِهِ، ولِمُراعاةِ التَّناسُبِ بَيْنَ أعْمالِهِمْ وجَزائِها الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: أعْدَدْنا وهَيَّأْنا لَهم فِيما كَفَرُوا بِهِ وأنْكَرُوا وُجُودَهُ مِنَ الآخِرَةِ عَذابًا مُؤْلِمًا، وهو أبْلَغُ في الزَّجْرِ لِما أنَّ إتْيانَ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ أفْظَعُ وأفْجَعُ، ولَعَلَّ أهْلَ الكِتابِ داخِلُونَ في هَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ بِالجَزاءِ الجِسْمانِيِّ ويَعْتَقِدُونَ في الآخِرَةِ أشْياءَ لا أصْلَ لَها فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ في هَذا القُرْآنِ حَقِيقَةَ الإيمانِ فافْهَمْ.
والعَطْفُ عَلى ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ فَيَكُونُ إعْدادُ العَذابِ الألِيمِ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبَشَّرًا بِهِ كَثُبُوتِ الأجْرِ الكَبِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ، ومُصِيبَةُ العَدُوِّ سُرُورٌ يُبَشَّرُ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ مَجازًا مُرْسَلًا بِمَعْنى مُطْلِقِ الإخْبارِ الشّامِلِ لِلْإخْبارِ بِما فِيهِ سُرُورٌ، ولِلْإخْبارِ بِما لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنى المُشْتَرَكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ مِن عُمُومِ المَجازِ وإنْ كانَ راجِعًا لِهَذا أوِ العَطْفِ عَلى ﴿يُبَشِّرُ﴾ أوْ ﴿يَهْدِي﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِن تَرْجِيحِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ.
صفحة 23
ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ما في البَحْرِ بِوَصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ لَهم لِيَتَحَلّى المُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ فُسِّرَ الأجْرُ الكَبِيرُ بِالجَنَّةِ فَهو ثابِتٌ لِلْمُؤْمِنِ العامِلِ ولِلْمُؤْمِنِ المُفَرِّطِ؛ إذْ أصْلُ الإيمانِ مُتَكَفِّلٌ بِدُخُولِ الجَنَّةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَةً، نَعَمْ ما أُعِدَّ لِلْعامِلِ في الجَنَّةِ أعْظَمُ مِمّا أُعِدَّ لِلْمُفَرِّطِ، وإنْ فُسِّرَ بِما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَنَّةِ والدَّرَجاتِ العُلى وأنْواعِ الكَراماتِ فِيها الَّتِي لا يَتَكَفَّلُ بِها مُجَرَّدُ الإيمانِ فَظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ لِلْمُؤْمِنِ المُفَرِّطِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْصِيفِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ دُخُولِ المُفَرِّطِ الجَنَّةَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يُثْبَتَ لَهُ الأجْرُ الكَبِيرُ بِالمَعْنى السّابِقِ، والآياتُ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها دُخُولُهُ الجَنَّةَ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنها ذَلِكَ، واقْتَضى المَقامُ عَدَمَ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ؛ لِأنَّ النّاسَ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وأصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ إنَّما حَدَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مُكابَرَةٌ؛ فَقَدْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَفَواتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ اه. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ أنَّ الأكْثَرَ عَلى عَدالَةِ الصَّحابَةِ، ومَن طَرَأ لَهُ مِنهم قادِحٌ كَسَرِقَةٍ وزِنًا عُمِلَ بِمُقْتَضاهُ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ الظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إخْوانُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ، وإذا ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ خُلِّدَ في النّارِ، وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في عِلْمِ الكَلامِ فَتَدَبَّرْ.
الإسراء 17:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي، وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ وهو الكافِرُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ حَكى عَنْهُ حالَهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهو أيْ بَعْضُ أفْرادِهِ أعْنِي الكافِرَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً كَدَأْبِ مَن قالَ مِنهُمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ومَن قالَ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حُكِيَ عَنْهُمْ، وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ، وبَعْضُهم جَعَلَ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ مَجازًا أيْضًا عَنِ الِاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً.
﴿دُعاءَهُ﴾ أيْ دُعاءً كَدُعائِهِ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وحَرْفُ التَّشْبِيهِ وانْتَصَبَ المَجْرُورُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: مِثْلَ دُعائِهِ ﴿بِالخَيْرِ﴾ المَذْكُورِ فَرْضًا لا تَحْقِيقًا؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدُّعاءِ بِهِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اللّائِقُ بِحالِهِ.
﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ أيْ: مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الدُّعاءُ المَذْكُورُ مِن أفْرادِهِ ﴿عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى طَلَبِ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ يَسْتَعْجِلُ الشَّرَّ والعَذابَ، وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ، فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ تُجْعَلُ العُجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما عِنْدَ الغَضَبِ يَدَعُهُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ، وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ.
أخْرَجَ الواقِدِيُّ في المَغازِي «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها بِأسِيرٍ وقالَ لَها: احْتَفِظِي بِهِ
صفحة 24
قالَتْ: فَلَهَوْتُ مَعَ امْرَأةٍ فَخَرَجَ ولَمْ أشْعُرْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَألَ عَنْهُ فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أدْرِي وغَفَلْتُ عَنْهُ فَخَرَجَ فَقالَ:
قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصاحَ بِهِ فَخَرَجُوا في طَلَبِهِ حَتّى وجَدُوهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَآنِي وأنا أُقَلِّبُ يَدِي فَقالَ: ما لَكِ؟ قُلْتُ: أنْتَظِرُ دَعْوَتَكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ آسَفُ وأغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ دَعَوْتُكَ عَلَيْهِ بِدَعْوَةٍ فاجْعَلْها لَهُ زَكاةً وطُهْرًا»».
أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ ويَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا، غَيْرَ مُسْتَبْصِرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ، لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ وهو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ اه. مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ.
واخْتارَ إرادَةَ الكافِرِ مِنَ الإنْسانِ الأوَّلِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ في وجْهِ رَبْطِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما خَصَّ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الإسْراءِ وإيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ وما فَعَلَهُ بِالعُصاةِ المُتَمَرِّدِينَ مِن تَسْلِيطِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةً ومَعْصِيَتَهُ سُبْحانَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ إلَخْ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ:
الإسراء 17:12
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ إلَخْ بِجامِعِ دَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ أوْ نِعْمَتَيِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأمّا اتِّصالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ إلَخْ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ حَتّى بَلَغَ بِهِ الدَّرَجَةَ القُصْوى في الهِدايَةِ أتى بِذِكْرِ مَن أفْرَطَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعْمَةِ العُظْمى قائِلًا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ إلَخْ.
ومِثْلُ هَذا ما قِيلَ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَ ذَمَّ قُرَيْشًا بِعَدَمِ سُؤالِهِمُ الهِدايَةَ بِهِ وطَلَبِهِمْ إنْزالَ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ أوْ إيتاءَ العَذابِ الألِيمِ إنْ كانَ حَقًّا، وفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ إلَخْ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ يَهْدِيهِمْ لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويَأْبَوْنَ إلّا الَّتِي هي ألْوَمُ وهو وجْهٌ لِلرَّبْطِ مُطْلَقًا، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ في ذَلِكَ مُتَقارِبٌ. ويَرُدُّ عَلى حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى الدُّعاءِ بِالأعْمالِ والعُجُولِيَّةِ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ خِلافَ المُتَبادَرِ كَما لا يَخْفى، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإنْسانَ الثّانِيَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأْسُهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ وهو يُخْلَقُ وبَقِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ العَصْرِ قالَ: يا رَبِّ، أعْجِلْ قَبْلَ اللَّيْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى القُرْطُبِيُّ -والعُهْدَةُ عَلَيْهِ- أنَّهُ لَمّا وصَلَتِ الرُّوحُ لِعَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا دَخَلَتْ جَوْفَهُ اشْتَهاها فَوَثَبَ عَجِلًا إلَيْها فَسَقَطَ، ووَجْهُ ارْتِباطِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ إلَخْ عَلى هَذا القَوْلِ إفادَتُهُ أنَّ عَجَلَتَهُ بِالدُّعاءِ لِغَيْرِهِ أوْ لِعَدَمِ تَأمُّلِهِ مِن شَأْنِهِ، وأنَّهُ مَوْرُوثٌ لَهُ مِن أصْلِهِ وشَنْشَنَةٌ يَعْرِفُها مِن أخْزَمَ، فَهو اعْتِراضُ تَذْيِيلٍ، وكَلامٌ تَعْلِيلِيٌّ، والأوْلى إرادَةُ الجِنْسِ وإنْ كانَ ألْفاظُ الآيَةِ لا تَنْبُو عَنْ إرادَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، ثُمَّ إنَّ الباءَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى ظاهِرِها صِلَةُ الدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى (فِي) والمَعْنى: يَدْعُو في حالَةِ الشَّرِّ والضُّرِّ كَما كانَ يَدْعُو في حالَةِ الخَيْرِ فالمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ والخَيْرَ، وقِيلَ: إنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: يَدْعُو بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُخالِفَيْنِ لِلظّاهِرِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ عَلى المَنعِ مِن دُعاءِ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى مالِهِ أوْ عَلى أهْلِهِ، وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ صَرِيحًا في بَعْضِ الأخْبارِ.
فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَدْعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلى أوْلادِكم عَلى أمْوالِكم لِئَلّا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فِيها إجابَةٌ
صفحة 25
فَيَسْتَجِيبُ لَكم» وبِهِ يُرَدُّ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِذَلِكَ لا يُسْتَجابُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا.
واسْتُشْكِلَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى أهْلِهِ كَما سَمِعْتَ في حَدِيثِ الواقِدِيِّ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ لِلزَّجْرِ وإنْ كانَ وقْتَ الغَضَبِ، وقَدِ اشْتَرَطَ ﷺ عَلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً.
فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««إنِّي اشْتَرَطْتُ عَلى رَبِّي فَقُلْتُ: إنَّما أنا بَشَرٌ أرْضى كَما يَرْضى البَشَرُ، وأغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما أحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِن أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَها بِأهْلٍ أنْ تَجْعَلَها لَهُ طَهُورًا وزَكاةً وقُرْبَةً»».
وذَكَرَ النَّوَوِيُّ في جَوابِ ما يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ أنَّ الدُّعاءَ ونَحْوَهُ كانَ بِسَبَبِ الغَضَبِ ما قالَ المازِرِيُّ مِن أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنَّ دُعاءَهُ وسَبَّهُ ونَحْوَهُما كانَ مِمّا يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما هَذا الَّذِي فَعَلَهُ والثّانِي زَجْرُهُ بِأمْرٍ آخَرَ، فَحَمَلَهُ الغَضَبُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ فِيهِما، ولَيْسَ ذَلِكَ خارِجًا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَيْسَ لَها بِأهْلٍ»» لَيْسَ لَها بِأهْلٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي باطِنِ الأمْرِ ولَكِنَّهُ في الظّاهِرِ مُسْتَوْجِبٌ لِذَلِكَ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِأماراتٍ شَرْعِيَّةٍ وهو مَأْمُورٌ ﷺ بِالحُكْمِ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ، وقِيلَ: إنَّ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الدُّعاءِ ونَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هو مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في وصْلِ كَلامِها بِلا نِيَّةٍ كَ (تَرِبَتْ يَمِينُكَ) وعَقْرى حَلْقى، لَكِنْ خافَ ﷺ أنْ يُصادِفَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إجابَةً فَسَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ورَغِبَ إلَيْهِ في أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ زَكاةً وقُرْبَةً، نَعَمْ في ذِكْرِ حَدِيثِ الواقِدِيِّ ونَحْوِهِ كالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ في المَقامِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ القِياسَ إثْباتُ الواوِ فِي: ( يَدْعُ الإنْسانُ ) إذْ لا جازِمَ تُحْذَفُ لَهُ لَكِنْ نُقِلَ القُرْآنُ العَظِيمُ كَما سُمِعَ ولَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ النّاقِلُ بِمِقْدارِ فَهْمِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ.
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ هَذا عَلى ما قِيلَ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كَلُّ واحِدَةٍ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ ومِنهاجٌ بَيِّنٌ لا يَضِلُّ مَن يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ الجَعْلَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وإنْ كانا مِنَ الهِداياتِ التَّكْوِينِيَّةِ لَكِنَّ الأخْبارَ بِذَلِكَ مِنَ الهِداياتِ القُرْآنِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى تِلْكَ الهِداياتِ.
وذَكَرَ الإمامُ في وجْهِ الرَّبْطِ وُجُوهًا، الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما أوْصَلَ إلى الخَلْقِ مِن نِعَمِ الدِّينِ وهو القُرْآنُ أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما أوْصَلَ إلَيْهِمْ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا﴾ إلَخْ، وكَما أنَّ القُرْآنَ مُمْتَزِجٌ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ كَذَلِكَ الزَّمانُ مُشْتَمِلٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فَكَذَلِكَ الزَّمانُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِالنَّهارِ واللَّيْلِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ عَجُولًا أيْ مُنْتَقِلًا مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، بَيَّنَ أنَّ كُلَّ أحْوالِ العالَمِ كَذَلِكَ؛ وهو الِانْتِقالُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالضِّدِّ، وانْتِقالُ نُورِ القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ إلى النُّقْصانِ وبِالضِّدِّ، الثّالِثُ نَحْوَ ما نَقَلْناهُ أوَّلًا ولَعَلَّهُ الأوْلى، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ إذْ مِنهُ يَنْسَلِخُ النَّهارُ وفِيهِ تَظْهَرُ غُرَرُ الشُّهُورِ العَرَبِيَّةِ، ولِتَرْتِيبِ غايَةِ النَّهارِ عَلَيْها بِلا واسِطَةٍ، ومِمّا يَزِيدُ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ حُسْنًا افْتِتاحُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ والجَعْلُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ و﴿آيَتَيْنِ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
واسْتَشْكَلَ الأوَّلَ الكِرْمانِيُّ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ والنَّهارُ مَوْجُودَيْنِ عَلى حالَةٍ ثُمَّ انْتَقَلا مِنها إلى
صفحة 26
أُخْرى.
ولَيْسَ كَذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ مِن بابِ: - ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - وهو مَجازٌ مَعْرُوفٌ واسْتَظْهَرَ هَذا أبُو حَيّانَ، والمَعْنى: جَعَلْنا المَلَوَيْنِ بِهَيْئاتِهِما وتَعاقُبِهِما واخْتِلافِهِما في الطُّولِ والقِصَرِ عَلى وتِيرَةٍ عَجِيبَةٍ آيَتَيْنِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ لَهُما صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا عَلِيمًا ويَهْدِيانِ إلى ما هَدى إلَيْهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ.
﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الإضافَةُ هُنا وفِيما بَعْدُ إمّا بَيانِيَّةٌ كَما في إضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ نَحْوَ: أرْبَعُ نِسْوَةٍ، أيْ: مَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هِيَ: (اللَّيْلُ) أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ مُظْلِمًا لا يَسْتَبِينُ فِيهِ شَيْءٌ كَما لا يَسْتَبِينُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو عَلى نَحْوِ: - ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَحْوَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسا مِمّا يَحْصُلُ عَقِيبَ جَعْلِ الجَدِيدَيْنِ آيَتَيْنِ بَلْ هُما مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الجَعْلِ ومُتَمِّماتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى مَحْوِ اللَّيْلِ إزالَةُ ظُلْمَتِهِ بِالضَّوْءِ، ورُجِّحَ بِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ المَحْوِ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو إزالَةُ الشَّيْءِ الثّابِتِ ولَيْسَ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ بِلا ضَرُورَةٍ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكْفِي ما بَعْدَهُ قَرِينَةً عَلى تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنَّ مَحْوَ اللَّيْلِ في مُقابِلِهِ جَعْلُ النَّهارِ مُبْصِرًا، وعَلى ما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لا يَتَعَلَّقُ بِمَحْوِ اللَّيْلِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى ما بَعْدَهُ، وقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الظُّلْمَةَ هي الأصْلُ والنُّورُ طارِئٌ، فَكَوْنُ اللَّيْلِ مَخْلُوقًا مَطْمُوسَ الضَّوْءِ مَفْرُوغٌ عَنْهُ، فالمُرادُ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الزَّمانَ لَيْلًا مُظْلِمًا، ثُمَّ جَعَلَ بَعْضَهُ نَهارًا بِإحْداثِ الإشْراقِ لِفائِدَةٍ ذَكَرَها سُبْحانَهُ، وكَوْنُ مَحْوِ اللَّيْلِ في مُقابَلَةِ جَعْلِ النَّهارِ مُضِيئًا لا يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلى المَجازِ لِفائِدَةِ بَيانِ إبْقاءِ بَعْضِ الزَّمانِ عَلى إظْلامِهِ وجَعْلِ بَعْضِهِ مُضِيئًا اه. ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّ المَقامَ لا يُلائِمُهُ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما في الكَشّافِ.
﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ أيِ الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ ﴿مُبْصِرَةً﴾ أيْ: مُضِيئَةً فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوِ الإسْنادِ مَجازِيٌّ كَما في - نَهارُهُ صائِمٌ - والمُرادُ: يُبْصِرُ أهْلُها أوِ الصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ أيْ: ذاتَ إبْصارِهِمْ أوْ هي مِن أبْصَرَهُ المُتَعَدِّي، أيْ: جَعَلَهُ مُبْصِرًا ناظِرًا والإسْنادُ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ أيْضًا مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ العادِيِّ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى أوْ مِن بابِ أفْعَلَ المُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ كَأضْعَفَ الرَّجُلُ إذا كانَتْ دَوابُّهُ ضِعافًا وأجْبَنَ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، فَأُبْصِرَتِ الآيَةُ بِمَعْنى صارَ أهْلُها بُصَراءَ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وهو مَعْنًى وضْعِيٌّ لا مَجازِيٌّ.
وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ.
وهُوَ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ غَيْرِهِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ كَأرْضٍ مَسْبَعَةٍ ومَكانٍ مَضَبَّةٍ وإمّا إضافَةٌ لامِيَّةٌ، وآيَتا اللَّيْلِ والنَّهارِ نِيِّراهُما القَمَرُ والشَّمْسُ، ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الأوَّلِ والثّانِي أيْ: جَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي آيَتَيْنِ أنَّ جَعْلَ (جَعَلَ) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ واللَّيْلَ والنَّهارَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(آيَتَيْنِ) الثّانِي، فَإنْ عُكِسَ كَما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وجُعِلَ اللَّيْلُ والنَّهارُ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ: جَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ وهُما النَّيِّرانِ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ كَما إذا جُعِلَ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مَنصُوبانِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ المُعْرِبُونَ. ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ وهي القَمَرُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ إزالَةُ ما ثَبَتَ لَها مِنَ النُّورِ يَوْمَ خُلِقَتْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: كانَ القَمَرُ يُضِيءُ كَما تُضِيءُ الشَّمْسُ وهو آيَةُ اللَّيْلِ فَمُحِيَ، فالسَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ أثَرُ ذَلِكَ المَحْوِ.
صفحة 27
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا، ونُورَ القَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا، فَمَحى مِن نُورِ القَمَرِ تِسْعَةً وسِتِّينَ جُزْءًا، فَجَعَلَهُ مَعَ نُورِ الشَّمْسِ فالشَّمْسُ عَلى مِائَةٍ وتِسْعَةٍ وثَلاثِينَ جُزْءًا، والقَمَرُ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَتْ شَمْسٌ بِاللَّيْلِ وشَمْسٌ بِالنَّهارِ، فَمَحى اللَّهُ تَعالى شَمْسَ اللَّيْلِ فَهو المَحْوُ الَّذِي في القَمَرِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السَّوادِ الَّذِي في القَمَرِ فَقالَ: كانا شَمْسَيْنِ. وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلَ﴾ فالسَّوادُ الَّذِي رَأيْتَ هو المَحْوُ».
وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِن نُورِ عَرْشِهِ فَأرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ وهو يَوْمَئِذٍ شَمْسٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ، وبَقِيَ فِيهِ النُّورُ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ الآيَةَ».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، والفاءُ عَلى هَذا لِلتَّعْقِيبِ. وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ وهي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ فَتَبَصَّرْ، وقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ إمّا خَلْقُهُ كَمَدًا مَطْمُوسَ النُّورِ غَيْرَ مُشْرِقٍ بِالذّاتِ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ مِن أنَّهُ غَيْرُ مُضِيءٍ في نَفْسِهِ بَلْ نُورُهُ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ فالفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ كَما مَرَّ، وإمّا نَقَصَ ما اسْتَفادَهُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ والإحْساسِ إلى أنْ يَنْمَحِقَ عَلى ما هو مَعْنى المَحْوِ فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وذَكَرَ الإمامُ في مَحْوِهِ قَوْلَيْنِ، أحَدُهُما نَقَصَ نُورُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى المِحاقِ، وثانِيهِما: جَعْلُهُ ذا كَلَفٍ، ثُمَّ قالَ: حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى؛ لِأنَّ اللّامَ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ مُتَعَلِّقٍ بِما هو المَذْكُورُ قَبْلُ وهو مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ وجَعْلُ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ إنَّما يُؤَثِّرُ في ابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذا حَمَلْنا مَحْوَ القَمَرِ عَلى زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ حُصُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ أحْوالِ نُورِ القَمَرِ، وأهْلُ التَّجارِبِ أثْبَتُوا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في مَقادِيرِ النُّورِ لَهُ أثَرٌ عَظِيمٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِهِ مِثْلَ أحْوالِ البِحارِ في المَدِّ والجَزْرِ ومِثْلَ أحْوالِ البَحْراناتِ عَلى ما يَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ، وأيْضًا بِسَبَبِ زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ يَحْصُلُ الشُّهُورُ وبِسَبَبِ مُعاوَدَةِ الشُّهُورِ يَحْصُلُ السُّنُونَ العَرَبِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولِتَعْلَمُوا﴾ إلَخِ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى دَلَّ أثَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لا يَنْبَغِي أنْ يُدَّعى أنَّ غَيْرَهُ أوْلى، وهو لَعَمْرِي وجْهٌ لا كَلَفَ فِيهِ عِنْدَ مَن لَهُ عَيْنٌ مُبْصِرَةٌ، ولِلْفَلاسِفَةِ في هَذا المَحْوِ المَرْئِيِّ في وجْهِ القَمَرِ كَلامٌ طَوِيلٌ لا بَأْسَ بِأنْ تُحِيطَ بِهِ خُبْرًا. فَنَقُولُ: ذَكَرَ الإمامُ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ أنَّ امْتِناعَ بَعْضِ المَواضِعِ في وجْهِ القَمَرِ عَنْ قَبُولِ الضَّوْءِ التّامِّ إمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ خارِجٍ عَنْ جِرْمِ القَمَرِ أوْ غَيْرِ خارِجٍ عَنْهُ، فَإنْ كانَ بِسَبَبٍ خارِجٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ ما يَعْرِضُ لِلْمَرايا مِن وُقُوعِ أشْباحِ الأشْياءِ فِيها، فَإذا رُؤِيَتْ تِلْكَ الأشْياءُ لَمْ تُرَ بَرّاقَةً فَكَذَلِكَ القَمَرُ لَمّا تَصَوَّرَتْ فِيهِ أشْباحُ الجِبالِ والبِحارِ وجَبَ أنْ لا تُرى تِلْكَ المَواضِعُ في غايَةِ الِاسْتِنارَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ ساتِرٍ والأوَّلُ باطِلٌ، أما أوَّلًا فَلِأنَّ الأشْباحَ لا تَنْحَفِظُ هَيْئَتُها مَعَ حَرَكَةِ المِرْآةِ وبِتَقْدِيرِ سُكُونِها لا تَسْتَقِرُّ تِلْكَ الأشْباحُ فِيها عِنْدَ اخْتِلافِ مَقاماتِ النّاظِرِينَ والآثارُ الَّتِي في وجْهِ القَمَرِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ القَمَرَ يَنْعَكِسُ الضَّوْءُ عَنْهُ إلى البَصَرِ وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِلتَّخْيِيلِ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الآثارُ كالكُراتِ لِأنَّ الجِبالَ في الأرْضِ كَتَضْرِيسٍ أوْ خُشُونَةٍ في سَطْحِ كُرَةٍ ولَيْسَ لَها مِنَ المِقْدارِ قَدْرُ ما يُؤَثِّرُ في كُرِيَّةِ الأرْضِ فَكَيْفَ شِباحُها المَرْئِيَّةُ في المِرْآةِ.
صفحة 28
وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ ساتِرٍ فَذَلِكَ السّاتِرُ إمّا أنْ يَكُونَ عُنْصُرِيًّا أوْ سَماوِيًّا والأوَّلُ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَواضِعُ المُتَسَتِّرَةُ مِن جِرْمِ القَمَرِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلافِ مَقاماتِ النّاظِرِينَ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ ذَلِكَ السّاتِرَ لا يَكُونُ هَواءً صِرْفًا ولا نارًا صِرْفَةً؛ لِأنَّهُما شَفّافانِ فَلا يَحْجُبانِ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا إمّا بُخارًا وإمّا دُخانًا، وذَلِكَ لا يَكُونُ مُسْتَمِرًّا، وأمّا إنْ كانَ السّاتِرُ سَماوِيًّا فَهو الحَقُّ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِقِيامِ أجْسامٍ سَماوِيَّةٍ قَرِيبَةِ المَكانِ جِدًّا مِنَ القَمَرِ وتَكُونُ مِنَ الصِّغَرِ بِحَيْثُ لا يَرى كُلُّ واحِدٍ مِنها بَلْ جُمْلَتُها عَلى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الشَّكْلِ وتَكُونُ إمّا عَدِيمَةَ الضَّوْءِ أوَّلُها ضَوْءٌ أضْعَفُ مِن ضَوْءِ القَمَرِ فَتُرى في حالَةِ إضاءَتِهِ مُظْلِمَةً، وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ عائِدٍ إلى ذاتِ القَمَرِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرُ ذَلِكَ المَوْضِعِ مُساوِيًا لِجَواهِرِ المَواضِعِ المُسْتَنِيرَةِ مِنَ القَمَرِ في الماهِيَّةِ، أوْ لا يَكُونُ فَإنْ لَمْ يَكُنْ كانَ ذَلِكَ لِارْتِكازِ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ مُخالِفَةٍ بِالنَّوْعِ لِلْقَمَرِ في جِرْمِهِ كَما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، وهو قَرِيبٌ مِنهُ.
وإمّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَواضِعُ مُساوِيَةَ الماهِيَّةِ لِجِرْمِ القَمَرِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ اخْتِصاصُها بِتِلْكَ الآثارِ إلّا بِسَبَبٍ خارِجِيٍّ لَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَنا أنَّ الأجْرامَ السَّماوِيَّةَ لا تَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ عُنْصُرِيٍّ وبِذَلِكَ أُبْطِلَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَحْوَ بِسَبَبِ انْسِحاقِ عَرْضِ القَمَرِ مِن مُماسَّةِ النّارِ، أما أوَّلًا فَلِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَتَأدّى ذَلِكَ في الأزْمانِ الطَّوِيلَةِ إلى العَدَمِ والفَسادِ بِالكُلِّيَّةِ، والأرْصادُ المُتَوالِيَةُ مُكَذِّبَةٌ لِذَلِكَ، وأيْضًا القَمَرُ غَيْرُ مُماسٍّ لِلنّارِ لِأنَّهُ مُفَرَّقٌ في فَلَكِ تَدْوِيرِهِ الَّذِي هو في حامِلِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ بُعْدٌ بَعِيدٌ بِدَلِيلِ أنَّ النّارَ لَوْ كانَتْ مُلاقِيَةً لِحامِلِهِ لَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَتِهِ إلى المَشْرِقِ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَأنَّ حَرَكاتِ الشُّهُبِ في الأكْثَرِ لا تَكُونُ إلّا إلى جِهَةِ المَغْرِبِ، وتِلْكَ الحَرَكَةُ تابِعَةٌ لِحَرَكَةِ النّارِ، والحَرَكَةُ المُسْتَدِيرَةُ لَيْسَتْ لِلنّارِ بِذاتِها؛ فَإنَّها مُسْتَقِيمَةُ الحَرَكَةِ فَذَلِكَ لَها بِالعَرَضِ تَبَعًا لِحَرَكَةِ الكُلِّ فَبَطَلَ ما قالُوهُ اه.
وذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ زِيادَةً عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ وهي أنَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّ ما يُرى خَيالٌ لا حَقِيقَةٌ لَهُ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لاخْتَلَفَ النّاظِرُونَ فِيهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ السَّوادُ الكائِنُ في القَمَرِ في الجانِبِ الَّذِي لا يَلِي الشَّمْسَ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما رُئِيَ مُتَفَرِّقًا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ وجْهُ القَمَرِ؛ فَإنَّهُ مُصَوَّرٌ بِصُورَةِ وجْهِ الإنْسانِ ولَهُ عَيْنانِ وحاجِبانِ وأنْفٌ وفَمٌ، ورَدَّهُ بِأنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الطَّبِيعَةِ عِنْدَهم مُعَطَّلًا عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ فائِدَةَ الحاجِبَيْنِ عِنْدَهم دَفْعُ أذى العَرَقِ عَنِ العَيْنَيْنِ وفائِدَةَ الأنْفِ الشَّمُّ وفائِدَةَ الفَمِ دُخُولُ الغِذاءِ ولَيْسَ لِلْقَمَرِ ذَلِكَ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ سائِرَ ما ذَكَرُوهُ.
وذَكَرَ الإمامُ في التَّفْسِيرِ أنَّ آخِرَ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ ارْتَكَزَ في وجْهِ القَمَرِ أجْسامٌ قَلِيلَةُ الضَّوْءِ مِثْلَ ارْتِكازِ الكَواكِبِ في أجْرامِ الأفْلاكِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الأجْرامُ أقَلَّ ضَوْءًا مِن جِرْمِ القَمَرِ لا جَرَمَ شُوهِدَتْ في وجْهِهِ كالكَلَفِ في وجْهِ الإنْسانِ وفي ارْتِكازِها في بَعْضِ أجْزائِهِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ كَوْنِهِ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ عِنْدَهم دَلِيلٌ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ كَما أنَّ في تَخْصِيصِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِالنُّورِ القَوِيِّ وبَعْضِها بِالنُّورِ الضَّعِيفِ مَعَ تَشابُهِ الأجْزاءِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ.
ومِثْلُ هَذا التَّخْصِيصِ في الدَّلالَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ جَوانِبِ الفَلَكِ الَّذِي هو عِنْدَهم أيْضًا جِرْمٌ بَسِيطٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ بِارْتِكازِ الكَواكِبِ فِيهِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ.
وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الآثارِ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في وجْهِ القَمَرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: لَفْظٌ جَمِيلٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ،
صفحة 29
وأنَّ المَحْوَ المَرْئِيَّ هو تِلْكَ الكِتابَةُ ولا يُعَوَّلُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، نَعَمْ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وكَذا جَمِيلٌ ولَكِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنًى آخَرَ كَما لا يَخْفى.
ونُقِلَ لِي عَنْ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ القَمَرَ كالأرْضِ فِيهِ الجِبالُ والوِهادُ والأشْجارُ والبِحارُ وأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في أرْصادِهِمْ، وأنَّ المَواضِعَ الَّتِي لا يُرى فِيها مَحْوٌ هي البِحارُ والَّتِي فِيها مَحْوٌ هي أرْضٌ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَوْ وصَلَ أحَدٌ إلى القَمَرِ لَرَأى الأرْضَ كَذَلِكَ، ومِن هُنا قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْمُورًا بِخَلائِقَ هو عِمارَةُ الأرْضِ بَلْ قالُوا: إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مِثْلُهُ في ذَلِكَ قِياسًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ لا يُرى فِيها لِمَزِيدِ بُعْدِها ما يُرى فِيهِ وبَعِيدٌ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يُعَمِّرَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ بِالخَلْقِ عَلى صِغَرِها ويَتْرُكَ أجْسامًا عَظِيمَةً أكْثَرُها أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ خالِيَةً بِلا خَلْقٍ عَلى كِبَرِها، وهم مُنْذُ غَرَّهُمُ القَمَرُ تَشَبَّثُوا بِحِبالِهِ في عَمَلِ الحِيَلِ لِلْعُرُوجِ إلَيْهِ فَصَنَعُوا سُفُنًا زِئْبَقِيَّةً فَعَرَجُوا فِيها فَقَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى كُرَةِ البُخارِ انْتَفَخَتْ أجْسامُهم وضَلَّتْ كَما ضَلَّتْ مِن قَبْلُ أفْهامُهم فانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وهَبَطُوا خاسِئِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَلامَهم في هَذا البابِ مُخالِفٌ لِأُصُولِ الفَلْسَفَةِ ولا بِرِهانَ لَهم عَلَيْهِ سِوى السَّفَهِ ومَنشَؤُهُ مَحْضُ أنَّهم رَأوْا شَيْئًا في القَمَرِ ولَمْ يَتَحَقَّقُوهُ وظَنُّوهُ ما ظَنُّوهُ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى المَحْوَ عَلى وجْهٍ يُتَخَيَّلُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ لا مانِعَ عَلى أُصُولِنا مِن أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في القَمَرِ أجْرامًا تُشْبِهُ ما حَسِبُوهُ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصّادِقِ ﷺ، وهو الَّذِي عُرِجَ بِهِ إلى قابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يُعَمِّرَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ إلَخْ. يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ما بَيْنَ الكَواكِبِ كَكَواكِبِ الدُّبِّ الأكْبَرِ مَثَلًا مَعْمُورًا بِالخَلائِقِ كالأرْضِ أيْضًا فَلَهُ أوْسَعُ مِنها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ عَلى أنّا نَقُولُ: قَدْ جاءَ ««أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ»» فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى جِرْمِ القَمَرِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ مَلَكٌ كَذَلِكَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العِمارَةِ بِالخَلْقِ، والأحْسَنُ عِنْدَ مَن عَزَّ عَلَيْهِ وقْتُهُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ وتَضْيِيعِ الوَقْتِ في رَدِّها واللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ.
ثُمَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المَحْوَ نَقَصَ ما اسْتَفادَهُ القَمَرُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا فِيهِ القَوْلُ بِأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، وقَدْ عَدَّ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ ذَلِكَ في الحَدْسِيّاتِ وذَكَرُوا أنَّ الشَّمْسَ مُضِيئَةٌ بِنَفْسِها وكِلا الأمْرَيْنِ مِمّا ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ ولَيْسَ لَهُ في الشَّرْعِ مُسْتَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَهُ الآمِدِيٌّ وتَعَقَّبَهُ فَقالَ: ذَكَرُوا أنَّ الشَّمْسَ نَيِّرَةٌ بِنَفْسِها وما المانِعُ مِن كَوْنِها سَوْداءَ الجِرْمِ، واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيها النُّورَ في أوْقاتِ مُشاهَدَتِنا لَها، وأنْ تَكُونَ مُسْتَنِيرَةً مِن كَواكِبَ أُخْرى فَوْقَها وهي مَسْتُورَةٌ عَنّا بِبَعْضِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ المُظْلِمَةِ كَما يَحْدُثُ لِلشَّمْسِ في حالَةِ الكُسُوفِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّها نَيِّرَةٌ بِنَفْسِها فَلا نُسَلِّمُ أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِنها، وما المانِعُ مِن كَوْنِ الرَّبِّ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ النُّورَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ مَرْكُوزًا في فَلَكِهِ دائِرًا عَلى مَرْكَزِ نَفْسِهِ، وأحَدُ وجْهَيْهِ نَيِّرٌ والآخَرُ مُظْلِمٌ، كَما كانَ بَعْضُ أجْزاءِ الفَلَكِ شَفّافًا وبَعْضُها نَيِّرًا، وهو مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ فَلَكِهِ ويَكُونُ وجْهُهُ المُضِيءُ عِنْدَ مُقابَلَةِ الشَّمْسِ، وهو الَّذِي يَلِينا ويَكُونُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيما يَظْهَرُ لَنا عَلى حَسْبِ بُعْدِهِ وقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ فَلا يَكُونُ مُسْتَنِيرًا مِنَ الشَّمْسِ اه.
وأُورِدَ أنَّهُ إذا ضُمَّ الخُسُوفُ إلى الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ قُرْبًا وبُعْدًا لا يَتِمُّ ما ذَكَرَهُ وصَحَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِفادَةِ.
صفحة 30
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ لِحَيْلُولَةِ جِرْمٍ عُلْوِيٍّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ لا لِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ فَلا بُدَّ لِنَفْيِ ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وهو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ كَيْفَما يَشاءُ ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَطْلُبُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ.
﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رِزْقًا؛ إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ في اللَّيْلِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرِّزْقِ بِالفَضْلِ وعَنِ الكَسْبِ بِالِابْتِغاءِ والتَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا دَلالَةٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: عَلى أنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ تَأْثِيرٌ سِوى الطَّلَبِ، وإنَّما الإعْطاءُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى بَلْ تَفَضُّلًا بِحُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومَعْنى تَأْثِيرِ الطَّلَبِ عَلى نَحْوِ تَأْثِيرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ فَإنَّهُ مِن جُمْلَتِها ولا تَوَقُّفَ حَقِيقَةً لِلرِّزْقِ عَلَيْهِ.
وفِي الخَبَرِ: يَطْلُبُكَ رِزْقُكَ كَما يَطْلُبُكَ أجَلُكَ.، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ القائِلِ:
لَقَدْ عَلِمْتُ وما الإسْرافُ مِن خُلُقِي أنَّ الَّذِي هو رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي
أسْعى إلَيْهِ فَيُعْيِينِي تَطَلُّبُهُ ∗∗∗ ولَوْ قَعَدْتُ أتانِي لا يُعَنِّينِي
﴿ولِتَعْلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ كَما قِيلَ بِكِلا الفِعْلَيْنِ أعْنِي مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ وجَعْلَ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لا بِأحَدِهِما فَقَطْ؛ إذْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ مَدارًا لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ، أيْ: لِتَعْلَمُوا بِتَفاوُتِ الجَدِيدَيْنِ أوْ نَيَّرَيْهِما ذاتًا مِن حَيْثُ الإظْلامُ والإضاءَةُ مَعَ تَعاقُبِهِما أوْ حَرَكاتِهِما وأوْضاعِهِما وسائِرِ أحْوالِهِما ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحِسابَ﴾ أيِ الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِها مِنَ الأوْقاتِ أيِ الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، ونَفْسُ السَّنَةِ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها مِمّا يَنْتَظِمُهُ الحِسابُ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَيْسَ مِن حَيْثِيَّةِ التَّحَقُّقِ والتَّحَصُّلِ مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن طائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ مَثَلًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِن وظِيفَةِ عِلْمِ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن طائِفَةِ السِّنِينَ المَعْدُودَةِ بَعْدَها أيْ نَفْسِها مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في ذَلِكَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَما حَقَّقَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ.
وقِيلَ: المَعْنى لِتَعْلَمُوا بِاخْتِلافِهِما وتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْ بِحَرَكاتِهِما عَدَدَ السِّنِينَ إلَخِ. المُرادُ بِالحِسابِ جِنْسُهُ أيِ الجارِي في المُعامَلاتِ كالإجاراتِ والبُيُوعِ المُؤَجَّلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ المُناسِبَ أنَّ المُرادَ لِتَعْلَمُوا بِاللَّيْلِ فَإنَّ عَدَدَ السِّنِينَ الشَّرْعِيَّةِ والحِسابَ الشَّرْعِيَّ يُعْلَمانِ بِهِ غالِبًا أوْ بِالقَمَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى في الأهِلَّةِ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السِّنِينَ شَمْسِيَّةٌ وقَمَرِيَّةٌ وبِكُلٍّ مِنهُما العَمَلُ، فَلَوْ قِيلَ إحْدى الآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةٌ لِأحَدِهِما والأُخْرى لِلْآخَرِ لا مَحْذُورَ فِيهِ، وكَوْنُ الشَّرْعِ مُعَوِّلًا عَلى أحَدِهِما لا يَضُرُّ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مِن أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وُجُودًا وعَدَمًا عَلى العَكْسِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الحِسابِ ما في تَضاعِيفِ السِّنِينَ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ أقْصى المَراتِبِ فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِامْتِنانِ، أوْ لِأنَّ العَدَدَ نازِلٌ مِنَ الحِسابِ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ مِن أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنهُ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، والعَدَدُ إحْصاؤُهُ
صفحة 31
بِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَصَّلَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ولِهَذا وكَوْنُ السِّنِينَ مِمّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ وعُلِّقَ الحِسابُ بِما عَداها فَتَدَبَّرْ.
﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في مَعاشِكم ومَعادِكم سِوى ما ذُكِرَ مِن جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ وهَذا مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ورُجِّحَ النَّصْبُ لِتُقَدِّمِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: (الحِسابَ) وجُمْلَةُ ﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةُ شَيْءٍ، وهو بَعِيدٌ مَعْنًى.
والتَّفْصِيلُ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ الإبانَةُ التّامَّةُ، وجِيءَ بِالمَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ. فالمَعْنى بَيَّنّا كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
الإسراء 17:13
﴿وكُلَّ إنْسانٍ﴾ مَنصُوبٌ عَلى حَدِّ ( كُلَّ شَيْءٍ ) أيْ: وألْزَمْنا كُلَّ إنْسانٍ مُكَلَّفٍ ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ الصّادِرَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ حَسْبَما قُدِّرَ لَهُ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا كَأنَّهُ طارَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، وفي الكَشّافِ أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ بِالطَّيْرِ ويُسَمُّونَهُ زَجْرًا، فَإذا سافَرُوا ومَرَّ بِهِمْ طَيْرٌ زَجَرُوهُ فَإنْ مَرَّ بِهِمْ سانِحًا بِأنْ مَرَّ مِن جِهَةِ اليَسارِ إلى اليَمِينِ تَيَمَّنُوا، وإنْ مَرَّ بارِحًا بِأنْ مَرَّ مِن جِهَةِ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ تَشاءَمُوا؛ ولِذا سُمِّيَ تَطَيُّرًا، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِما يُشْبِهُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وعَمَلِ العَبْدِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.
ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ تَعالى لا طائِرُكَ؛ أيْ: قَدَرُ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ الغالِبُ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ لا طائِرُكَ الَّذِي تَتَشاءَمُ بِهِ وتَتَيَمَّنُ، وقَدْ كَثُرَ فِعْلُهم ذَلِكَ حَتّى فَعَلُوهُ بِالظِّباءِ أيْضًا وسائِرِ حَيَواناتِ الفَلا، وسَمَّوْا كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا كَما في البَحْرِ، وتَفْسِيرُهُ بِالعَمَلِ هُنا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُجاهِدٍ وذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِما وقَعَ لِلْعَبْدِ في القِسْمَةِ الأزَلِيَّةِ الواقِعَةِ حَسْبَ اسْتِحْقاقِهِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ إلَيْهِ سَهْمُ كَذا، ومِن ذَلِكَ: فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أيْ: ألْزَمْنا كُلَّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ وسَهْمَهُ الَّذِي قَسَمْناهُ لَهُ في الأزَلِ ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِشِدَّةِ اللُّزُومِ وكَمالِ الِارْتِباطِ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: إنَّ لِي حاجَةً إلَيْكَ فَقالَ: بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي ما تُرِيدُ. وتَخْصِيصُ العُنُقِ لِظُهُورِ ما عَلَيْهِ مِن زائِنٍ كالقَلائِدِ والأطْواقِ أوْ شائِنٍ كالأغْلالِ والأوْهاقِ، ولِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يَبْقى مَكْشُوفًا يَظْهَرُ ما عَلَيْهِ ويُنْسَبُ إلَيْهِ التَّقَدُّمُ والشَّرَفُ، ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ وسَيِّدِ القَوْمِ، فالمَعْنى: ألْزَمْناهُ غُلَّهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا، بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ القِلادَةِ والغُلِّ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها النَّسَمَةُ تَطِيرُ في المَرْأةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلا يَبْقى مِنها شَعْرٌ ولا بَشَرٌ ولا عِرْقٌ ولا عَظْمٌ إلّا دَخَلَتْهُ حَتّى إنَّها لَتَدْخُلُ بَيْنَ الظُّفْرِ واللَّحْمِ، فَإذا مَضى أرْبَعُونَ لَيْلَةً وأرْبَعُونَ يَوْمًا أهْبَطَها اللَّهُ تَعالى إلى الرَّحِمِ فَكانَتْ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإذا تَمَّتْ لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها مَلَكَ الأرْحامِ فَيَخْلُقُ عَلى يَدِهِ لَحْمَها ودَمَها وشَعْرَها وبَشَرَها، ثُمَّ يَقُولُ سُبْحانَهُ: صَوِّرْ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أُصَوِّرُ أزائِدٌ أمْ ناقِصٌ؟ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أجَمِيلٌ أمْ ذَمِيمٌ؟ أجَعْدٌ أمْ سَبْطٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أأبْيَضُ أمْ آدَمُ؟ أسَوِيٌّ أمْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟
صفحة 32
فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ فَإنْ كانَ سَعِيدًا نَفَخَ فِيهِ بِالسَّعادَةِ في آخِرِ أجَلِهِ، وإنْ كانَ شَقِيًّا نَفَخَ فِيهِ بِالشَّقاوَةِ في آخِرِ أجَلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اكْتُبْ أثَرَها ورِزْقَها ومُصِيبَتَها وعَمَلَها بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَقُولُ المَلَكُ: يا رَبِّ، ما أصْنَعُ بِهَذا الكِتابِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: عَلِّقْهُ في عُنُقِهِ إلى قَضائِي عَلَيْهِ»».
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ .
ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا الخَبَرِ أنَّ ذِكْرَ العُنُقِ لَيْسَ لِلتَّصْوِيرِ المَذْكُورِ، وأنَّ الطّائِرَ عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ ما كُتِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ صَرِيحًا، وبابُ المَجازِ واسِعٌ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِالحَدِيثِ إذا صَحَّ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّةَ ما دَلَّ عَلَيْهِ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ جَلَّ جَلالُهُ، والظّاهِرُ مِنهُ أيْضًا عَدَمُ تَقْيِيدِ الإنْسانِ بِالمُكَلَّفِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في كِتابِ القَدَرِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي عُنُقِهِ ورَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، وآخِرُ الآيَةِ ظاهِرٌ في التَّقْيِيدِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ: (طَيْرَهُ) وقُرِئَ: (عُنْقِهِ) بِسُكُونِ النُّونِ ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والبَعْثُ لِلْحِسابِ ﴿كِتابًا﴾ هي صَحِيفَةُ عَمَلِهِ، ونَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( نُخْرِجُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولٍ لِ (نُخْرِجُ) مَحْذُوفٍ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ أيْ: نُخْرِجُهُ لَهُ حالَ كَوْنِهِ كِتابًا، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: (ويُخْرِجُ) بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن خَرَجَ يَخْرُجُ ونَصْبِ ﴿كِتابًا﴾ فَإنَّ فاعِلَهُ حِينَئِذٍ ضَمِيرُ الطّائِرِ وكِتابًا حالٌ مِنهُ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وكَذا قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ: (ويُخْرَجُ) بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أخْرَجَ ونَصْبِ ﴿كِتابًا﴾ أيْضًا، ووَجْهُ كَوْنِها عاضِدَةً أنَّ في (يُخْرَجُ) حِينَئِذٍ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا هو ضَمِيرُ الطّائِرِ وقَدْ كانَ مَفْعُولًا، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (لَهُ) نائِبَ الفاعِلِ فَلا تُعَضَّدُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ إقامَةَ غَيْرِ المَفْعُولِ مَعَ وُجُودِهِ مَقامَ الفاعِلِ ضَعِيفَةٌ، ولَيْسَ ثَمَّةَ ما يَكُونُ كِتابًا حالًا مِنهُ فَيَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ كَما قالَهُ ابْنُ يَعِيشَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ: (يُخْرَجُ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا ورَفْعِ (كِتابٌ) عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (يَخْرُجُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الخُرُوجِ ورَفْعِ (كِتابٌ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويُخْرِجُ) بِالياءِ مِنَ الإخْراجِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ قالَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ يَقْرَأُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا ﴿يَلْقاهُ﴾ أيْ يَلْقى الإنْسانَ أوْ يَلْقاهُ الإنْسانُ ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِتَمْكُنَ قِراءَتُهُ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُهَيَّأٌ لَهُ غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ. وجُمْلَةُ: ﴿يَلْقاهُ﴾ صِفَةُ (كِتابًا) و﴿مَنشُورًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لَهُ، وفي تَقَدُّمِ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: (يُلَقّاهُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن لَقَّيْتُهُ كَذا أيْ: يَلْقى الإنْسانُ إيّاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَةً، ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ كَرِيمانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ في قَبْرِكَ حَتّى تَجِيءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَتُخْرَجُ لَكَ.
الإسراء 17:14
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ
صفحة 33
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، و(كَفى) فِعْلٌ ماضٍ وبِنَفَسِكَ فاعِلُهُ، والباءُ سَيْفُ خَطِيبٍ، وجاءَ إسْقاطُها ورَفْعُ الِاسْمِ كَما في قَوْلِهِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا. وقَوْلُهُ:
ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا
ولَمْ تَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ وإنْ كانَ مِثْلُهُ تَلْحَقُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ قِيلَ: لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ ولا يَشْفِي الغَلِيلَ لِأنَّ فاعِلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ زائِدٍ أيْضًا، وقَدْ لَحِقَ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، وغايَةُ الأمْرِ في مِثْلِ ذَلِكَ جَوازُ الإلْحاقِ وعَدَمُهُ ولَمْ يُحْفَظْ كَما في البَحْرِ الإلْحاقُ في (كَفى) إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ الزّائِدَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ فاعِلَ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ أيْ: كَفى هو أيِ الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، والباءُ عَلى القَوْلَيْنِ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ومَرْضِيُّ الجُمْهُورِ ما قَدَّمْناهُ، والتِزامُ التَّذْكِيرِ عِنْدَهم عَلى خِلافِ القِياسِ.
ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِكَثْرَةِ جَرِّ الفاعِلِ بِالباءِ الزّائِدَةِ حَتّى إنَّ إسْقاطَها مِنهُ لا يُوجَدُ إلّا في أمْثِلَةٍ مَعْدُودَةٍ فانْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَةِ الفاعِلِينَ فَلَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ لَهُ، وهَذا نَحْوَ ما قِيلَ فِي: مُرَّ بِهِنْدٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ( واليَوْمِ ) ظَرْفٌ لِ (كَفى) و﴿حَسِيبًا﴾ تَمْيِيزٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وقَوْلُهُمْ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، وقِيلَ: حالٌ، وعَلَيْكَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وعُدِّيَ بِعَلى لِأنَّهُ بِمَعْنى الحاسِبِ، والعادُّ وهو يَتَعَدّى بِ (عَلى) كَما تَقُولُ: عَدَّدَ عَلَيْهِ قَبائِحَهُ، وجاءَ فَعِيلٌ الصِّفَةُ مِن فَعَلَ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُضارِعِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبُ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ أوْ بِمَعْنى الكافِي فَتَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى الشَّهِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ فَعُدِّيَ بِ (عَلى) كَما يُعَدّى الشَّهِيدُ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الكافِي مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ لَكِنَّهُ عُدِّيَ تَعْدِيَةَ الشَّهِيدِ لِلُزُومِ مَعْناهُ لَهُ كَما فِي: أسَدٌ عَلَيَّ، وهو تَكَلُّفٌ بارِدٌ، وتَذْكِيرُهُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وصْفٌ لِلنَّفْسِ المُؤَنَّثَةِ مَعْنًى؛ لِأنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَغْلِبُ في الرِّجالِ فَأُجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا أوْ لِأنَّ النَّفْسَ مُؤَوَّلَةٌ بِالشَّخْصِ كَما يُقالُ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ أوْ لِأنَّ فَعِيلَ المَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِكَ حَسِيبًا عَلَيْكَ.
وجَعَلَ بَعْضُهم في ذَلِكَ تَجْرِيدًا فَقِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا؛ فَإنَّ الشّاهِدَ يُغايِرُ المَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الشَّخْصِ في تِلْكَ الحالِ كَأنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ كانَ تَجْرِيدًا لَكِنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ هُنا.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الجَوارِحُ؛ فَإنَّها تَشْهَدُ عَلى العَبْدِ إذا أنْكَرَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، أنْصَفَكَ واللَّهِ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الكافِرَ يُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابٌ فَيَقُولُ: رَبِّ، إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ﴾ الآيَةَ. لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِالكافِرِ كَما لا يَخْفى، ويَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا في الدُّنْيا.
وجاءَ أنَّ المُؤْمِنَ يَقْرَأُ أوَّلًا سَيِّئاتِهِ وحَسَناتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ ولا يَراها هو فَيَغْبِطُونَهُ عَلَيْها، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ السَّيِّئاتِ وظَنَّ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ رَأى في آخِرِها: هَذِهِ سَيِّئاتُكَ قَدْ غَفَرْناها لَكَ فَيَتَبَلَّجُ وجْهُهُ، ويَعْظُمُ سُرُورُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَناتِهِ فَيَزْدادُ نُورًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ويَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ.
وأمّا الكافِرُ فَيَقْرَأُ أوَّلًا حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَعَوَّذُونَ مِن ذَلِكَ، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ
صفحة 34
الحَسَناتِ وجَدَ في آخِرِها: هَذِهِ حَسَناتُكَ قَدْ رَدَدْناها عَلَيْكَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويَعْظُمُ كَرْبُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ فَيَزْدادُ بَلاءً عَلى بَلاءٍ ويَنْقَلِبُ بِمَزِيدِ خَيْبَةٍ وشَقاءٍ ويَقُولُ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَرْقى لا مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَشْقى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
هَذا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَ بِالنَّفْسِ المُنْتَقَشَةِ بِآثارِ الأعْمالِ ونَشْرَهُ وقِراءَتَهُ بِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ ولِغَيْرِهِ، وبَيانُهُ أنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ خَيْرًا أوْ شَرًّا يَحْصُلُ مِنهُ في الرُّوحِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ وهو خَفِيٌّ ما دامَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ مُشْتَغِلَةً بِوارِداتِ الحَواسِّ والقُوى فَإذا انْقَطَعَتْ عَلاقَتُها قامَتْ قِيامَتُهُ لِانْكِشافِ الغِطاءِ بِاتِّصالِها بِالعالَمِ العُلْوِيِّ فَيَظْهَرُ في لَوْحِ النَّفْسِ نَقْشُ أثَرِ كُلِّ ما عَمِلَهُ في عُمْرِهِ وهو مَعْنى الكِتابَةِ والقِراءَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ حُكْمِيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الظُّهُورِ قَرِيبٌ مِنَ البُطُونِ، وفِيهِ حَمْلُ القِيامَةِ عَلى القِيامَةِ الصُّغْرى وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والرِّواياتُ ناطِقَةٌ بِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ نَعَمْ لَيْسَ فِيها نَفْيُ انْتِقاشِ النَّفْسِ بِآثارِ الأعْمالِ وظُهُورِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِالأمْرَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: إنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ، ونِعْمَ ما قالَ غَيْرَ أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ ظاهِرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَيْسَ في هَذا ما يُخالِفُ النَّقْلَ، وقَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ يَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا وجْهَ لِعَدِّهِ مُؤَيِّدًا لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ كَلامِ قَتادَةَ عَلى ذَلِكَ تَأْوِيلٌ أيْضًا ولَعَلَّ قَتادَةَ وأمْثالَهُ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ لا يَخْطُرُ لَهم أمْثالُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِبالٍ، والكَلامُ العَرَبِيُّ كالجَمَلِ الأُنُوفِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ. وفي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ.
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ تَضَمَّنَ أنَّ كُلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ قَدْ صارَ مَذْكُورًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما فَكَأنَّهُ كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ يَكُونُ مَسْؤُولًا عَنْ أقْوالِهِ وأعْمالِهِ، الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّهارِ واللَّيْلِ كانَ إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الطّاعَةِ أوْ تَمَرَّدَ وعَصى اه، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ الرَّبْطِ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ حالِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ بَيانَ النّافِعِ والضّارِّ مِنَ الأعْمالِ وفي هَذا شَرْحُ حالِ كِتابِ العَبْدِ الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِن تِلْكَ الأعْمالِ إلّا أحْصاها وحُسْنُهُ وقُبْحُهُ تابِعٌ لِلْأخْذِ بِما في الكِتابِ الأوَّلِ وعَدَمِهِ، فَمَن أخَذَ بِهِ فَقَدْ هُدِيَ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ فَقَدْ غَوى،
الإسراء 17:15
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ولِلُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها، أيْ: مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ وعَمِلَ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ فَإنَّما تَعُودُ مَنفَعَةُ الِاهْتِداءِ بِهِ إلى نَفْسِهِ لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ عَمّا يَهْتَدِيهِ إلَيْهِ ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: فَإنَّما وبالُ ضَلالِهِ
صفحة 35
عَلَيْها لا عَلى مَن لَمْ يُباشِرْهُ حَتّى يُمْكِنَ مُفارَقَةُ العَمَلِ صاحِبَهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعَمَلِهِ مِنَ التَّلازُمِ، وخُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ لَمّا قالَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيَّ أوْزارُكُمْ، ولا يُنافِي هَذِهِ الآيَةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ؛ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ، فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ، وإنَّما يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ لا جَزاءُ أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ طَعَنَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في صِحَّةِ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ ﷺ قالَ: ««إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ»».
فَإنَّ فِيهِ أخْذَ الإنْسانِ بِجُرْمِ غَيْرِهِ وهو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآيَةُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا أوْصى المَيِّتُ بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّعْذِيبُ مِن قَبِيلِ جَزاءِ الإضْلالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَيِّتِ المُحْتَضِرُ مَجازًا وبِالتَّعْذِيبِ التَّعْذِيبُ في الدُّنْيا أيْ إنَّ المُحْتَضِرَ يَتَألَّمُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَبْكُوا، ولَها أيْضًا مَنَعَ جَماعَةٌ مِن قُدَماءِ الفُقَهاءِ صَرْفَ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ لِما فِيهِ مِن مُؤاخَذَةِ الإنْسانِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفٌ واقِعٌ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ وإلّا فالمُخْطِئُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِمُؤاخَذٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ فَكَيْفَ يُؤاخَذُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ بِها الجُبائِيُّ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وإلّا كانُوا مُؤاخَذِينَ بِذَنْبِ آبائِهِمْ وهو خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: «هم مِن آبائِهِمْ». ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَ ما اسْتَحْكَمَ الإسْلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فَقالَ: «هم عَلى الفِطْرَةِ» أوْ قالَ: «فِي الجَنَّةِ»».
والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ وفِيها مَذاهِبُ؛ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هم في النّارِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ «عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وِلْدانِ المُسْلِمِينَ أيْنَ هُمْ؟ قالَ: «فِي الجَنَّةِ». وسَألْتُهُ عَنْ وِلْدانِ المُشْرِكِينَ: أيْنَ هُمْ؟ قالَ: «فِي النّارِ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُدْرِكُوا الأعْمالَ ولَمْ تَجْرِ عَلَيْهِمُ الأقْلامُ. قالَ: «رَبُّكِ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنْ شِئْتِ أسْمَعْتُكِ تَضاغِيَهم في النّارِ»».
وفِيهِ أنَّ هَذا الخَبَرَ قَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فَلا يُحْتَجُّ بِهِ، نَعَمْ صَحَّ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»».
ولَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم في النّارِ، وحَقِيقَةُ لَفْظِهِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ لَوْ بَلَغُوا ولَمْ يَبْلُغُوا، والتَّكْلِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِالبُلُوغِ.
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «حَدَّثَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثّامَةَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُصِيبُ في البَياتِ مِن ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ، قالَ: «هم مِنهُمْ»».
وهُوَ عِنْدَ المُخالِفِينَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم مِنهم في الأحْكامِ
صفحة 36
الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِرْقاقِ.
وتَوَقَّفَتْ طائِفَةٌ فِيهِمْ ومِن هَؤُلاءِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: فِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ومَن يَدْخُلُ النّارَ لِما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في النَّوادِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا صِغارًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ ساعَةً ثُمَّ قالَ: أيْنَ السّائِلُ؟ فَقالَ: ها أنا ذا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا قَضى بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُهم عَجُّوا فَقالُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا لَمْ تَأْتِنا رُسُلُكَ ولَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّكم إلَيْكم فانْطَلَقُوا فاتَّبَعُوا حَتّى أتَوُا النّارَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا فِيها، فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ مِنهم ثُمَّ خَرَجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ أصْحابُهم فَجَعَلُوا في السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ ثُمَّ جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى ثُمَّ أُخْرِجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَجُعِلُوا في أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ جاءَ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ فَقالُوا: رَبَّنا لا طاقَةَ لَنا بِعَذابِكَ فَأمَرَ بِهِمْ فَجُمِعَتْ نَواصِيهِمْ وأقْدامُهم ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ».
وذَهَبَ المُحَقِّقُونَ إلى أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وهو الصَّحِيحُ ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِأشْياءَ مِنها الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الجُبّائِيِّ، ومِنها «حَدِيثُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ في الجَنَّةِ وحَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ. قالَ: «وأوْلادُ المُشْرِكِينَ»». رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
ومِنها ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في النَّوادِرِ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ «عَنْ أنَسٍ قالَ: سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: هم خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ».
ومِنها الآيَةُ الآتِيَةُ حَيْثُ أفادَتْ أنْ لا تَعْذِيبَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ، ولا يَتَوَجَّهُ عَلى المَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ويَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَبْلُغَ، ولَمْ يُخالِفْ أحَدٌ في أنَّ أوْلادَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ إلّا بَعْضَ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ فَإنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِمْ، لِحَدِيثِ عائِشَةَ: «تُوَفِّي صَبِيٌّ مِنَ الأنْصارِ فَقُلْتُ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ ولَمْ يُدْرِكْهُ. فَقالَ ﷺ: «أوَغَيْرَ ذَلِكَ يا عائِشَةُ؟ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أهْلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ لِلنّارِ أهْلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»».
وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهاها عَنِ المُسارَعَةِ إلى القَطْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها دَلِيلٌ قاطِعٌ كَما أنْكَرَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ في قَوْلِهِ: أعْطِهِ إنِّي لَأراهُ مُؤْمِنًا. قالَ: أوْ مُسْلِمًا. الحَدِيثَ.
ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ﷺ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، فَلَمّا عَلِمَ قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ إيّاهُمْ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ، وقالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الوِزْرَ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ أنْ يُؤاخَذَ العَبْدُ بِهِ كَما لا يُؤاخَذُ بِوِزْرِ غَيْرِهِ، ولِأنَّهُ كانَ يَجِبُ ارْتِفاعُ الوِزْرِ أصْلًا لِأنَّ الوازِرَ إنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ إذا كانَ مُخْتارًا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ، ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ الصَّبِيُّ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يَنْتَهِضُ عَلى الجَبْرِيَّةِ لا عَلى الجَماعَةِ القائِلِينَ لا جَبْرَ ولا تَفْوِيضَ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ والضَّلالِ بِأصْحابِها وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها. أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ مِنّا بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ ما كانَ في حُكْمِنا الماضِي وقَضائِنا السّابِقِ أنْ نُعَذِّبَ أحَدًا بِنَوْعٍ ما مِنَ العَذابِ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ أوْ تَرْكِ شَيْءٍ أصْلِيًّا كانَ أوْ فَرْعِيًّا ﴿حَتّى نَبْعَثَ﴾ إلَيْهِ ﴿رَسُولا﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ ويَرْدَعُ عَنِ الضَّلالِ ويُقِيمُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ أوْ حَتّى نَبْعَثَ
صفحة 37
رَسُولًا كَذَلِكَ تَبْلُغُهُ دَعْوَتُهُ سَواءٌ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِ أمْ لا عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخِلافِ، وهَذا غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوعِ العَذابِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُطْلَقًا كَيْفَ والأُخْرَوِيُّ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَقِيبَ البَعْثِ والدُّنْيَوِيُّ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ، ألا يَرى إلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ تَأخَّرَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ زُهاءَ ألْفِ سَنَةٍ، وأُلْزِمَ المُعْتَزِلَةُ القائِلُونَ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ قَبْلَ البَعْثَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى نَفى فِيها التَّعْذِيبَ مُطْلَقًا قَبْلَ البَعْثَةِ وهو مِن لَوازِمِ الوُجُوبِ بِشَرْطِ تَرْكِ الواجِبِ عِنْدَهم إذْ لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ فَيَنْتَفِي الوُجُوبُ قَبْلَ البَعْثَةِ لِانْتِفاءِ لازِمِهِ، ومَحْصُولُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ لَثَبَتَ قَبْلَ البَعْثَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ العُقَلاءَ كانُوا يَتْرُكُونَ الواجِباتِ حِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ قَبْلَها وهو باطِلٌ بِالآيَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالعَذابِ ما يَشْمَلُ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، لَكِنَّ المُناسِبَ لِما بَعْدَ أنْ يُرادَ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ قَبْلَ البَعْثِ انْتِفاءُ الوُجُوبِ؛ لِأنَّ لازِمَ الوُجُوبِ عِنْدَهم هو العَذابُ الأُخْرَوِيُّ، وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمٍ أنَّ المُناسِبَ لِما بَعْدُ أنْ يُرادَ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِأنَّ الآيَةَ لَمّا دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إيصالُ العَذابِ الأدْنى عَلى تَرْكِ الواجِبِ قَبْلَ التَّنْبِيهِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ فَدَلالَتُها عَلى عَدَمِ إيصالِ العَذابِ الأكْبَرِ عَلى تَرْكِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أوْلى، وأوْرَدَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ المَحْصُولِ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الوُجُوبِ العَقْلِيِّ قَبْلَ البَعْثَةِ أُمُورًا، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ فِيها العَقْلُ، الثّانِي: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ لَكِنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ تَعْذِيبِ المُباشَرَةِ قَبْلَ البَعْثَةِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ.
الثّالِثُ: أنّا سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ التَّعْذِيبِ قَبْلَها عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، الرّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا الدَّلالَةَ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ المُؤاخَذَةِ انْتِفاءُ الِاسْتِحْقاقِ لِجَوازِ سُقُوطِ المُؤاخَذَةِ بِالمَغْفِرَةِ، ثُمَّ أجابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ حَقِيقَةَ الرَّسُولِ هو النَّبِيُّ المُرْسَلُ والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ مِن شَأْنِ عَظِيمِ القَدْرِ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْيِ التَّعْذِيبِ مُطْلَقًا بِنَفْيِ المُباشَرَةِ، وعَنِ الثّالِثِ بِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ أحَدًا ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ تَعْذِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ؛ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ لِأنَّ الخَصْمَ لا يَقُولُ بِهِ.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ التَّعْذِيبِ قَبْلَ البَعْثَةِ وانْتِفاؤُهُ قَبْلَها ظاهِرًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ قَبْلَها، فَمَنِ ادَّعى أنَّ الوُجُوبَ ثابِتٌ وقَدْ وقَعَ التَّجاوُزُ بِالمَغْفِرَةِ فَعَلَيْهِ البَيانُ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ الِاسْتِدْلالُ إلْزامِيًّا كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ لا يَرِدُ الأمْرُ الرّابِعُ أصْلًا لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنْ تارِكِ الواجِبِ العَقْلِيِّ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ، نَعَمْ قالَ المَراغِيُّ في شَرْحِ مِنهاجِ الأُصُولِ لِلْقاضِي: لا حاجَةَ إلى جَعْلِ الدَّلِيلِ إلْزامِيًّا بَلْ يَجُوزُ إتْمامُهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوازِ العَفْوِ أيْضًا بِأنْ يُقالَ: وُقُوعُ العَذابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا لِلْوُجُوبِ لَكِنَّ عَدَمَ الأمْنِ مِن وُقُوعِهِ لازِمٌ لَهُ ضَرُورَةً؛ إذْ يَجُوزُ العِقابُ عَلى تَرْكِ الواجِبِ عِنْدَنا وإنْ لَمْ يَجِبْ وهَذا اللّازِمُ أعْنِي عَدَمَ الأمْنِ مُنْتَفٍ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ فَيَنْتَفِي المَلْزُومُ.
ورُدَّ ذَلِكَ أوَّلًا بِمَنعِ أنَّ عَدَمَ الأمْنِ مِن وُقُوعِ العَذابِ مِن لَوازِمِ تَرْكِ الواجِبِ مُطْلَقًا بَلْ عَدَمُ الأمْنِ إذا لَمْ يُتَيَقَّنْ عَدَمُ وُقُوعِ العَذابِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ انْتِفاءَ عَدَمِ الأمْنِ إنَّما هو بِالآيَةِ إذْ قُبِلَ وُرُودُها كانَ العِقابُ جائِزًا ولا شَكَّ أنَّ انْتِفاءَهُ بِها انْتِفاءٌ بِالعَفُوِّ لِأنَّ مَعْنى العَفْوِ عَدَمُ العِقابِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلى تَقْدِيرِ جَوازِ العَفْوِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: نَجْعَلُ اللّازِمَ جَوازَ العِقابِ فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ تَحْقِيقًا لِأنَّ جَوازَ العَفْوِ
صفحة 38
لا يُنافِي جَوازَ العِقابِ. ورُدَّ بِأنَّ المُلازَمَةَ القائِلَةَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الوُجُوبُ ثابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ لَعُذِّبَ تارِكُ الواجِبِ، وإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً حِينَئِذٍ لَكِنَّ بُطْلانَ التّالِي مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى نَفْيِ وُقُوعِ العَذابِ لا عَلى نَفْيِ جَوازِهِ.
وفِيهِ أنَّ مَعْنى: ما كُنّا مُعَذِّبِينَ ما سَمِعْتَ وهو يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الجَوازِ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا التَّرْكِيبِ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾، (وما كُنّا لاعِبِينَ) إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَوْ أُرِيدَ نَفْيُ الوُقُوعِ لَقِيلَ: وما نُعَذِّبُ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
وضَعَّفَ الإمامُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ. قالَ: بَيانُ المُلازَمَةِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّهُ إذا جاءَ الشّارِعُ وادَّعى كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِ اسْتِماعُ قَوْلِهِ والتَّأمُّلُ في مُعْجِزَتِهِ أوْ لا يَجِبُ، فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ، وإنْ وجَبَ فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالشَّرْعِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ، وإنْ وجَبَ بِالشَّرْعِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشّارِعَ إمّا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ المُدَّعِيَ أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنْ يَقُولَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي وهَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ كانَ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ، ولَزِمَ إمّا الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهُما مُحالانِ.
وثانِيها: أنَّ الشَّرْعَ إذا جاءَ وأوْجَبَ بَعْضَ الأفْعالِ وحَرَّمَ بَعْضَها فَلا مَعْنى لِلْإيجابِ والتَّحْرِيمِ إلّا أنْ يَقُولَ: لَوْ تَرَكْتَ كَذا أوْ فَعَلْتَ كَذا لَعاقَبْتُكَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ أوْ لا يَجِبُ، فَإنْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ البَتَّةَ، وإنْ وجَبَ فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ وجَبَ بِالسَّمْعِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ إلّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ العِقابِ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
وثالِثُها أنَّ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى العَفْوُ عَنِ العِقابِ عَلى تَرْكِ الواجِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ ماهِيَّةُ الوُجُوبِ حاصِلَةً مَعَ عَدَمِ العِقابِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ وهَذا الخَوْفُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ فَثَبَتَ أنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ، وأنَّ هَذا الخَوْفَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: الوُجُوبُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ، فَإنْ قالُوا: ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الذَّمِّ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى إذا عَفا فَقَدْ سَقَطَ الذَّمُّ فَعَلى ماهِيَّةِ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ وذَلِكَ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ اه.
وتَعَقَّبَهُ العِبادِيُّ بِأنَّهُ يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ إذا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى دَعْواهُ أنَّهُ رَسُولٌ ثَبَتَ صِدْقُهُ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ في كُلِّ ما يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ لُزُومِ مَحْذُورٍ مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أوِ الدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ، وإنْ كانَ ثُبُوتُ ما أُخْبِرَ بِالشَّرْعِ بِمَعْنى أنَّ ثُبُوتَهُ بِإخْبارِ مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِالمُعْجِزَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ ولَيْسَ حاصِلُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ: يَجِبُ قَوْلِي حَتّى يَلْزَمَ ما يَلْزَمُ بَلْ حاصِلُهُ أنَّهُ يَقُولُ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي لِأنَّهُ ثَبَتَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَعالى فَيَجِبُ صِدْقِي وتَصْدِيقِي في كُلِّ ما أدَّعِيهِ، ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَحاذِيرِ السّابِقَةِ، وقَدْ صَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في شَرْحِ المَواقِفِ بِأنَّهُ يَثْبُتُ الشَّرْعُ وتَجِبُ المُتابَعَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الرِّسالَةِ مَعَ اقْتِرانِ المُعْجِزَةِ وتَمَكُّنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِ العاقِلِ مِنَ النَّظَرِ وإنْ لَمْ يَنْظُرْ، وذَكَرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الِاسْتِمْهالُ ولَوِ اسْتَمْهَلَ لَمْ يَجِبِ الإمْهالُ لِجَرَيانِ العادَةِ بِإيجابِ العِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الَّذِي هو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ فَعُلِمَ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الرِّسالَةِ مَعَ ما ذُكِرَ يَثْبُتُ الوُجُوبُ بِإخْبارِهِ
صفحة 39
وهُوَ ثُبُوتُ الشَّرْعِ لِأنَّ مَعْنى الثُّبُوتِ بِهِ هو الثُّبُوتُ بِالإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى التَّرْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمّا أنْ يَكُونَ إلَخْ. فَلْيُتَأمَّلْ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ وُجُوبَ الِاحْتِرازِ عَنِ العِقابِ لَيْسَ أمْرًا أجْنَبِيًّا عَنْ وُجُوبِ كَذا حَتّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ التَّرْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَلْ هو نَفْسُ وُجُوبِ كَذا أوْ لازِمُهُ؛ إذِ الِاحْتِرازُ لَيْسَ إلّا بِالإتْيانِ بِكَذا الَّذِي هو الواجِبُ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ أمّا وُجُوبُ كَذا أوْ لازِمِهِ فَوُجُوبُهُ بِوُجُوبِهِ فَلا يَلْزَمُ التَّرْدِيدُ المَذْكُورُ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ: إنَّ ماهِيَّةَ الواجِبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ أنَّ حُصُولَ الواجِبِ في الخارِجِ بِالإتْيانِ بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ فَلَيْسَ الكَلامُ فِيهِ ومَعَ ذَلِكَ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الإتْيانَ بِالواجِبِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ وإنْ أرادَ أنَّ تَحَقُّقَ وُجُوبِ الواجِبِ أيْ تَعَلُّقَ وُجُوبِهِ بِالمُكَلَّفِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ التَّنْجِيزِيُّ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ المَذْكُورِ فَهو مَمْنُوعٌ كَما هو ظاهِرٌ. اه. فَتَدَبَّرْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَمامِهِ لا يَخْتَصُّ بِالمُعْتَزِلَةِ بَلْ يُشارِكُهم في ذَلِكَ أحَدُ فَرِيقَيِ الحَنَفِيَّةِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وهُمُ الماتُرِيدِيَّةُ وعامَّةُ مَشايِخِ سَمَرْقَنْدَ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا كالمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ العَقْلَ حاكِمٌ بِالحُسْنِ والقُبْحِ اللَّذَيْنِ أثْبَتُوهُما جَمِيعًا لَكِنَّهم قالُوا: إنَّ العَقْلَ آلَةٌ لِلْعِلْمِ بِهِما فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ نَظَرِ العَقْلِ نَظَرًا صَحِيحًا، وأوْجَبُوا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمَهُ وحَرَّمُوا نِسْبَةَ ما هو شَنِيعٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَتّى رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا لَوَجَبَ عَلى الخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ.
وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَمائِهِمْ بِأنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ مِن حُجَجِ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حَيْثُ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ: أُوحِيَ إلَيَّ، ومِنَ اسْتِدْلالِهِ بِالنُّجُومِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِها وجَعْلِها حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ وكَذاكَ كُلُّ الرُّسُلِ حاجُّوا قَوْمَهم بِحُجَجِ العَقْلِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ الآيَةَ. حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ بَعْدَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ أوْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ خَبَرًا عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ حَيْثُ أخْبَرُوا أنَّهم صارُوا في النّارِ لِتَرْكِهِمُ الِانْتِفاعَ بِالسَّمْعِ والعَقْلِ.
وفِيهِ أنَّهم لَوِ انْتَفَعُوا بِالعُقُولِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَصِيرُوا في النّارِ، وبِأنَّ الحُجَجَ السَّمْعِيَّةَ لَمْ تَكُنْ حُجَجًا إلّا بِاسْتِدْلالٍ عَقْلِيٍّ، وبِأنَّ دُعاءَ جَمِيعِ الكَفَرَةِ إلى دِينِ الإسْلامِ واجِبٌ عَلى الأُمَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّهْرِيَّةَ لا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا حُجَجُ العُقُولِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ:
لَوْ وجَبَ عَلى الخَلْقِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والإيمانُ بِهِ قَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولٍ لَزِمَ تَعْذِيبُ الكافِرِ قَبْلَها؛ لِإخْبارِهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ بِهِ، وقَدْ نَفى التَّعْذِيبَ في الآيَةِ فَلا وُجُوبَ ضَرُورَةً انْتِفاءُ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ عَلى نَهْجِ ما فُعِلَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ، والإمامُ الرّازِيُّ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ وأثْبَتَ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: حَمْلُ الرَّسُولِ عَلى العَقْلِ، والثّانِي: تَخْصِيصُ العُمُومِ بِأنْ يُقالَ: المُرادُ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعْمالِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى
صفحة 40
مَعْرِفَتِها إلّا بِالشَّرْعِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَرْتَضِيهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ العَقْلِ سَبَبٌ في أنْ يَجِبَ عَلَيْنا فِعْلُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ وتَرْكُ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ ويَمْتَنِعُ أنْ يَحْكُمَ العَقْلَ عَلَيْهِ تَعالى بِوُجُوبِ فِعْلٍ أوْ تَرْكِ فِعْلٍ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما قِيلَ مِن حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى العَقْلِ وهو خِلافُ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ويُبْعِدُهُ تَوْبِيخُ الخَزَنَةِ الكُفّارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: أوَلَمْ تَكُونُوا عُقَلاءَ، وحَمْلُ الرَّسُولِ فِيهِ عَلى العَقْلِ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ العَقْلُ، واعْتَذَرَ هو عَنِ التَّخْصِيصِ بِأنَّهُ وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ بِزَعْمِهِ.
وأبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ ومُتَّبِعُوهُ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى نَفْيِ تَعْذِيبِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وذَهَبَ هَؤُلاءِ إلى تَعْذِيبِ أهْلِ الفَتْرَةِ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وهم كُلُّ مَن كانَ بَيْنَ رَسُولَيْنِ ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ولا أدْرَكُوا الثّانِيَ، واعْتَمَدَ القَوْلَ بِتَعْذِيبِهِمُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقالَ: إنَّ مَن ماتَ في الفَتْرَةِ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ في النّارِ ولَيْسَ في هَذا مُؤاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ كانَتْ بَلَغَتْهم دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ النَّوَوِيَّ يَكْتَفِي في وُجُوبِ الإيمانِ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِبُلُوغِهِ دَعْوَةَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ حُكْمِهِ بِأنَّهم أهْلُ فَتْرَةٍ بِالمَعْنى السّابِقِ وحُكْمِهِ بِأنَّ الدَّعْوَةَ بَلَغَتْهم خِلافًا لِلْآبِيِّ في زَعْمِهِ ذَلِكَ، نَعَمْ إنَّما تَلْزَمُ المُنافاةُ لَوِ ادَّعى أنَّ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الرُّسُلِ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ ولَيْسَ فَلَيْسَ.
وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَلِيمِيُّ فَقالَ في مِنهاجِهِ: إنَّ العاقِلَ المُمَيِّزَ إذا سَمِعَ أيَّةَ دَعْوَةٍ كانَتْ إلى اللَّهِ تَعالى فَتَرَكَ الِاسْتِدْلالَ بِعَقْلِهِ عَلى صِحَّتِها وهو مِن أهْلِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ كانَ بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَنِ الدَّعْوَةِ فَكَفَرَ، ويَبْعُدُ أنْ يُوجَدَ شَخْصٌ لَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرُ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَطاوُلِ أزْمانِ دَعْوَتِهِمْ ووُفُورِ عَدَدِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ واتَّبَعُوهم والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ وخالَفُوهُمْ؛ فَإنَّ الخَبَرَ قَدْ يَبْلُغُ عَلى لِسانِ المُخالِفِ كَما يَبْلُغُ عَلى لِسانِ المُوافِقِ ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِدِينٍ ولا دَعْوَةِ نَبِيٍّ ولا عُرْفٍ أنَّ في العالَمِ مَن يُثْبِتُ إلَهًا ولا نَرى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، فَأمْرُهُ عَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ الإيمانَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ أوْ لا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ النَّقْلِ، وهَذا صَرِيحٌ في ثُبُوتِ تَكْلِيفِ كُلِّ أحَدٍ بِالإيمانِ بَعْدَ وُجُودِ دَعْوَةِ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِ، وبالَغَ بَعْضَهم في اعْتِمادِ ذَلِكَ حَتّى قالَ: فَمَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَقَصَّرَ في البَحْثِ عَنْها فَهو كافِرٌ مِن أهْلِ النّارِ فَلا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِنَجاةِ أهْلِ الفَتْرَةِ مَعَ أخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ آباءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا في الجاهِلِيَّةِ في النّارِ اه.
والَّذِي عَلَيْهِ الأشاعِرَةُ مِن أهْلِ الكَلامِ والأُصُولِ والشّافِعِيَّةُ مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لا يُعَذَّبُونَ وأطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ تَعْذِيبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ أحادِيثَهم آحادٌ لا تُعارِضُ القَطْعَ بِعَدَمِ التَّعْذِيبِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْذِيبُ مَن صَحَّ تَعْذِيبُهُ مِنهم لِأمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ عِلْمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ نَظِيرَ ما قِيلَ في الحُكْمِ بِكُفْرِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ صِباهُ، وقِيلَ: إنَّ تَعْذِيبَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في الأحادِيثِ مَقْصُورٌ عَلى مَن غَيَّرَ وبَدَّلَ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ بِما لا يُعْذَرُ بِهِ كَعِبادَةِ الأوْثانِ
صفحة 41
وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ كَما فَعَلَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُوافِقُ إطْلاقَ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ ولا القَوْلَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ إلّا بِالشَّرْعِ ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مَن ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنَ اتِّباعِ مَن بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذاكَ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْقَ أشْكالٌ أصْلًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن يَقُولُ بِتَعْذِيبِهِمْ مُطْلَقًا بِما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالمَمْسُوخِ عَقْلًا وبِالهالِكِ في الفَتْرَةِ وبِالهالِكِ صَغِيرًا فَيَقُولُ المَمْسُوخُ عَقْلًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عَقْلًا بِأسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يا رَبِّ، لَوْ أتانِي مِنكَ عَهْدٌ ما كانَ مَن أتاهُ مِنكَ عَهْدٌ بِأسْعَدَ بِعَهْدِكَ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ صَغِيرًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عُمْرًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عُمْرًا بِأسْعَدَ بِعُمْرِهِ مِنِّي. فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فاذْهَبُوا فادْخُلُوا جَهَنَّمَ ولَوْ دَخَلُوها ما ضَرَّتْهم شَيْئًا، فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوابِصُ مِن نارٍ يَظُنُّونَ أنَّها قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِراعًا ويَقُولُونَ: يا رَبَّنا، خَرَجْنا وعِزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولَها فَخَرَجَتْ عَلَيْنا قَوابِصُ مِن نارٍ ظَنَنّا أنْ قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، ثُمَّ يَأْمُرُهم ثانِيَةً فَيَرْجِعُونَ لِذَلِكَ ويَقُولُونَ كَذَلِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: خَلَقْتُكم عَلى عِلْمِي، وإلى عِلْمِي تَصِيرُونَ، يا نارُ ضُمِّيهِمْ فَتَأْخُذُهُمُ النّارُ»».
وبَعْضُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم مَن يُعَذَّبُ ومِنهم مَن لا يُعَذَّبُ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا، ورَجُلٌ أحْمَقُ، ورَجُلٌ هَرِمٌ، ورَجُلٌ ماتَ في فَتْرَةٍ. فَأمّا الأصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أسْمَعُ شَيْئًا، وأمّا الأحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، جاءَ الإسْلامُ والصِّبْيانُ يَحْذِفُونَنِي بِالبَعْرِ، وأمّا الهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أعْقِلُ شَيْئًا، وأمّا الَّذِي ماتَ في الفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، ما أتانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ سُبْحانَهُ مَواثِيقَهم لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا أنِ ادْخُلُوا النّارَ، فَمَن دَخَلَها كانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، ومَن لَمْ يَدْخُلْها سُحِبَ إلَيْها»».
وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِأرْبَعَةٍ. بِالمَوْلُودِ والمَعْتُوهِ ومَن ماتَ في الفَتْرَةِ والشَّيْخِ الهَرِمِ الفانِي، كُلُّهم يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لِعُنُقٍ مِن جَهَنَّمَ: ابْرُزِي. ويَقُولُ لَهُمْ: إنِّي كُنْتُ أبْعَثُ إلى عِبادِي رُسُلًا مِن أنْفُسِهِمْ وإنِّي رَسُولُ نَفْسِي إلَيْكم. فَيَقُولُ لَهُمْ: ادْخُلُوا هَذِهِ. فَيَقُولُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ: يا رَبِّ، أتُدْخِلْناها ومِنها كُنّا نَفِرُّ؟ وأمّا مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ فَيَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيها فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ عايَنْتُمُونِي فَعَصَيْتُمُونِي. فَأنْتُمْ لِرُسُلِي أشَدُّ تَكْذِيبًا ومَعْصِيَةً فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ وهَؤُلاءِ النّارَ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ويَحْتَجُّ بِها مَن قالَ بِانْقِسامِ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ بَلْ وذَرارِيِّ المُؤْمِنِينَ وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِها شَيْءٌ، وإنْ قالَ في الإصابَةِ: إنَّها ورَدَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها فَمُعارِضُها أصَحُّ مِنها، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الوَلَدِ سُبْحانَهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ وغَيْرِها وإنْ كانَ في بَعْضِها ما يُقالُ، وإرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى، أوْ أنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ ما لا يُنالُ بِالعُقُولِ مِن أنْواعِ العِباداتِ والحُدُودِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لَوْ كانَ العَقْلُ حُجَّةً ما أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا ولاكْتَفى بِهِ. وقِيلَ في جَوابِهِ: لَمّا كانَ أمْرُ البَعْثِ والجَزاءِ مِمّا يُشْكِلُ مَعَ العَقْلِ وحْدَهُ إلّا بِعَظِيمِ تَأمُّلٍ فِيهِ حَرَجٌ يُعْذَرُ الإنْسانُ بِمِثْلِهِ ولا إيمانَ بِدُونِهِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِبَيانِ ما بِهِ تَتِمَّةُ الدِّينِ لا لِنَفْسِ مَعْرِفَةِ الخالِقِ؛ فَإنَّها تُنالُ بِبِدايَةِ العُقُولِ، فالبَعْرَةُ
صفحة 42
تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ، والأثَرُ عَلى المَسِيرِ، فَسَماءٌ ذاتُ أبْراجٍ، وأرْضٌ ذاتُ فِجاجٍ، وبِحارٌ ذاتُ أمْواجٍ ألا تَدُلُّ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَدَعْنا ورَسُولًا مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى آخِرِهِ، والحُجَّةُ كانَتْ قائِمَةً بِالواحِدِ كَما بَقِيَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً، وكَذَلِكَ لَمْ يَدَعْنا سُبْحانَهُ، والبَيانُ بِآيَةٍ واحِدَةٍ بَلْ مَنَّ عَلَيْنا جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتٍ مُتَكَرِّرَةٍ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الواحِدَةَ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى خَبَرًا عَنْ قَوْلِ الخَزَنَةِ لِأهْلِ النّارِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ تَوْبِيخٌ بِالأظْهَرِ، وهو لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآخَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ عَلى مَعْنى: لِئَلّا يَكُونَ لَهُمُ احْتِجاجٌ بِزَعْمِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الإهْلاكِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وأمّا جَزاءُ الكُفْرِ فالنّارُ في العُقْبى، وكَذا يُقالُ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها لِكَثْرَةِ ما يَدْعُو إلَيْهِ فَلا عُذْرَ لِمَن لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إذا كانَ عاقِلًا مُمَيِّزًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا سِيَّما إذا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَكادُ يُوجَدُ مَن لَمْ تَبْلُغْهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ الحَلِيمِيِّ وقِيلَ بِوُجُودِهِ في أمْرِيقا وهي المُسَمّاةُ بِيكِي دُنْيا قَبْلَ أنْ يَظْفَرَ بِها في حُدُودِ الألْفِ بَعْدِ الهِجْرَةِ كِرِشْتُوفِيلْ المَشْهُورُ بِقُلُوبْنُو فَإنَّ أهْلَها عَلى ما بَلَغَنا إذْ ذاكَ لَمْ يَسْمَعُوا بِدَعْوَةِ رَسُولٍ أصْلًا، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَلامِ الأجِلَّةِ أنَّ النِّزاعَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِأحْكامِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى بِخِلافِ الفُرُوعِ فَلا خِلافَ في أنَّها لا تَثْبُتُ إلّا في حَقِّ مَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، نَعَمْ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المِلَلُ مِنَ الفُرُوعِ هَلْ هو كالإيمانِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ النِّزاعُ المُتَقَدِّمُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وأمّا الإيمانُ بِنَبِيِّنا ﷺ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلى مَن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ؛ إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ في ذَلِكَ مَجالٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ، بَلْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: النّاسُ بَعْدَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْنافٌ: صِنْفٌ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَتُهُ ولَمْ يَسْمَعُوا بِهِ أصْلًا فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالجَنَّةِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ وظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ وما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ العَظِيمَةِ والصِّفاتِ الكَرِيمَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ كالكَفَرَةِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرانِينا، فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالنّارِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسَمِعُوا بِهِ لَكِنْ كَما يَسْمَعُ أحَدُنا بِالدَّجّالِ وحاشا قَدْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ أرْجُو لَهُمُ الجَنَّةَ؛ إذْ لَمْ يَسْمَعُوا ما يُرَغِّبُهم في الإيمانِ بِهِ اه، ولَعَلَّ القَطْعَ بِالجَنَّةِ لِلْأوَّلِينَ ورَجاءَها لِلْآخَرِينَ إنَّما يَكُونانِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ فَهم عَلى الخِلافِ، ثُمَّ إنَّ مَسْألَةَ عَدَمِ الوُجُوبِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّما يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ عِنْدَ المُسْتَدِلِّينَ بِها كَما قالَ الأصْفَهانِيُّ: إذا كانَ المَقْصُودُ تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِيها فَإنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَلا يُمْكِنُ إثْباتُها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ، وفِيها عِنْدُهم نَوْعُ اكْتِفاءٍ، أيْ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ ولا مُثِيبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، قالُوا: واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الثَّوابِ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِنهُ في تَحَقُّقِ مَعْنى التَّكْلِيفِ فَتَأمَّلْ.
الإسراء 17:16
﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَذابِ بَعْدَ البِعْثَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإرادَةِ الإرادَةَ الأزَلِيَّةَ المُتَعَلِّقَةَ بِوُقُوعِ المُرادِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ أصْلًا؛ إذْ لا يُقارِنُها الجَزاءُ الآتِي، ولا تَحَقُّقُها بِالفِعْلِ إذْ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المُرادُ بَلْ دُنُوُّ وقْتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا دَنا وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإهْلاكِها بِأنْ نُعَذِّبَ أهْلَها بِما ذُكِرَ مِن عَذابِ
صفحة 43
الِاسْتِئْصالِ الَّذِي بَيَّنّا أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنّا قَبْلَ البَعْثَةِ أوْ بِنَوْعٍ مِمّا ذَكَرْنا شَأْنَهُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ أعْنِي عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لِما لَهم مِنَ الظُّلْمِ والمَعاصِي دُنُوًّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ ﴿أمَرْنا﴾ بِالطّاعَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلى أهْلِها.
﴿مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعِّمِيها وجَبّارِيها ومُلُوكَها، وخُصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ تَوَجُّهِ الأمْرِ إلى الكُلِّ لِأنَّهم أئِمَّةُ الفِسْقِ ورُؤَساءُ الضَّلالِ وما وقَعَ مِن سِواهم بِاتِّباعِهِمْ، ولِأنَّ تَوَجُّهَ الأمْرِ إلَيْهِمْ آكَدُ، ويَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ الطّاعَةِ أنَّ فَسَقَ وعَصى مُتَقارِبانِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وإنْ خُصَّ الفِسْقُ في الشَّرْعِ بِمَعْصِيَةٍ خاصَّةٍ وذِكْرُ الضِّدِّ يَدُلُّ عَلى الضِّدِّ كَما أنَّ ذِكْرَ النَّظِيرِ يَدُلُّ عَلى النَّظِيرِ، فَذِكْرُ الفِسْقِ والمَعْصِيَةِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ الطّاعَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ فَيَكُونُ نَحْوَ: أمَرْتُهُ فَأساءَ إلَيَّ. أيْ: أمَرْتُهُ بِالإحْسانِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُما المُعْتَضِدَةِ بِالعَقْلِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِالإساءَةِ كَما لا يُؤْمَرُ بِالفِسْقِ، والنَّقْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾، وجُوِّزَ أنْ يُنَزَّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما فِي: يُعْطِي ويَمْنَعُ؛ أيْ: وجَّهْنا الأمْرَ.
﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ وتَمَرَّدُوا، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الأصْلَ أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِلدَّلِيلِ فَيُحْمَلُ عَلى المَجازِ إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في تَقَلُّبِهِمْ في النِّعَمِ مَعَ عِصْيانِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِحالِ مَن أُمِرَ بِذَلِكَ، أوْ بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في تَقَلُّبِهِمْ في النِّعَمِ مَعَ عِصْيانِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِحالِ مَن أُمِرَ بِذَلِكَ، أوْ بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ إفاضَةُ النِّعَمِ المُبْطِرَةِ لَهم وصَبِّها عَلَيْهِمْ بِأمْرِهِمْ بِالفِسْقِ بِجامِعِ الحَمْلِ عَلَيْهِ والتَّسَبُّبِ لَهُ، ويُتَمِّمُ أمْرَ الِاسْتِعارَةِ في الصُّورَتَيْنِ بِما لا يَخْفى، وقِيلَ: الأمْرُ اسْتِعارَةٌ لِلْحَمْلِ والتَّسَبُّبِ لِاشْتِراكِهِما في الإفْضاءِ إلى الشَّيْءِ، وآثَرَ أنَّ تَقْدِيرَ أمَرْناهم بِالطّاعَةِ فَفَسَقُوا غَيْرُ جائِزٍ لِزَعْمِهِ أنَّهُ حَذْفُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلِ الدَّلِيلُ قائِمٌ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُمْ: أمَرْتُهُ فَقامَ وأمَرْتُهُ فَقَعَدَ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الأمْرُ بِالقِيامِ والقُعُودِ، ولَوْ أرَدْتَ خِلافَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ رُمْتَ مِن مُخاطِبِكَ عِلْمَ الغَيْبِ، ولا نَقْضَ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي أوْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أمْرِي؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُنافِيًا لِلْأمْرِ عُلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ فَيَكُونُ الفِعْلُ في ذَلِكَ مِن بابِ يُعْطِي ويَمْنَعُ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي لِما سَمِعْتَ مِن تَقارُبِ فَسَقَ وعَصى وبِأنَّ قَرِينَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ لِمَ لا تَكْفِي في تَقْدِيرِ وجَّهْنا الأمْرَ فَوُجِدَ مِنهُمُ الفِسْقُ لا أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ، ثُمَّ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْقِيبُ بِالضِّدِّ قَرِينَةً لِلضِّدِّ الآخَرِ ونَحْوُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأجابَ في الكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِينَ أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ مَنَعَ أنَّ يُرادَ أمَرْنا بِالطّاعَةِ، وأمّا أنْ يُرادَ تَوْجِيهُ الأمْرِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِن هَذا المَسْلَكِ بَلِ المانِعُ أنَّ تَخْصِيصَ المُتْرَفِينَ حِينَئِذٍ يَبْقى غَيْرَ بَيِّنِ الوَجْهِ، وكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِزَمانِ إرادَةِ الإهْلاكِ، فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى واقِعٌ في كُلِّ زَمانٍ ولِكُلِّ أحَدٍ، ولِظُهُورِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّ شُهْرَةَ الفِسْقِ في أحَدِ مَعْنَيَيْهِ تَمْنَعُ مِن عَدِّهِ مُقابِلًا بِمَعْنى العِصْيانِ عَلى أنَّ ما ذَكَرْنا مِن نُبُوِّ المَقامِ عَنِ الإطْلاقِ قائِمٌ في التَّقْيِيدِ بِالطّاعَةِ، وفِيهِ قَوْلٌ بِسَلامَةِ الأمِيرِ ونَظَرٍ بِعَيْنِ الرِّضا وغَفْلَةٍ عَنْ وجْهِ التَّخْصِيصِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو بَيِّنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وكَذا وجْهُ التَّقْيِيدِ بِالزَّمانِ المَذْكُورِ، والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الحَمْلِ وجْهٌ جَمِيلٌ إلّا أنَّ عَدَمَ ارْتِضائِهِ ما رَوَتْهُ الثِّقاتُ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِن تَقْدِيرِ الطّاعَةِ مَعَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ ومُساعَدَةِ مَقامِ الزَّجْرِ عَنِ الضَّلالِ والحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ لا وجْهَ لَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ.
صفحة 44
وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ ﴿أمَرْنا﴾ بِمَعْنى كَثَّرْنا، واخْتارَهُ الفارِسِيُّ، واسْتَدَلَّ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مَسْنَدَيْهِما والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن حَدِيثِ سُوِيدِ بْنِ هُبَيْرَةَ: ««خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»».
أيْ: كَثِيرَةُ النِّتاجِ، وأمَرَ كَما قِيلَ مِن بابَ ما لَزِمَ وعُدِّيَ بِاخْتِلافِ الحَرَكَةِ فَيُقالُ: أمَرْتُهُ بِفَتْحِ المِيمِ فَأُمِرَ بِكَسْرِها وهو نَظِيرُ: شَتَرَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ فَشُتِرَتْ، وجَدَعَ أنْفَهُ فَجُدِعَ، وثَلَمَ سِنَّهُ فَثُلِمَتْ، وقِيلَ: إنَّ المَكْسُورَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا أيْضًا وأنَّهُ قَرَأ بِهِ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ، وحَكى ذَلِكَ النَّحّاسُ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّ رَدَّ الفَرّاءِ لَهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ لِصِحَّةِ النَّقْلِ، وفي الكَشْفِ أنَّ أمَرَ بِمَعْنى كَثَّرَ كَثِيرٌ، وأمّا أمَرْتُهُ المُتَعَدِّي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الفائِقِ ما مَعْناهُ: ما عَوَّلَ هَذا القائِلُ إلّا عَلى ما جاءَ في الخَبَرِ أعْنِي: مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، وما هو إلّا مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ وهو مَجازٌ أيْضًا كَما في الآيَةِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها كُونِي كَثِيرَةَ النِّتاجِ فَكانَتْ، فَهي إذَنْ مَأْمُورَةٌ عَلى خِلافِ مَنهِيَّةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ مُومَرَةٌ فَعُدِلَ عَنْهُ إلى مَأْمُورَةٍ لِطَلَبِ الِازْدِواجِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ: ««مَأْزُوراتٌ غَيْرُ مَأْجُوراتٍ»». حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: مَوْزُوراتٌ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي زَيْدٍ والكَلْبِيُّ «آمَرْنا» بِالمَدِّ وكَذَلِكَ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ هُرْمُزَ وعاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وهو اخْتِيارُ يَعْقُوبَ ومَعْناهُ عِنْدَ الجَمِيعِ: كَثَّرْنا وبِذَلِكَ أيَّدَ التَّفْسِيرَ السّابِقَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ والسُّدِّيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو العالِيَةِ: (أمَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ والحَسَنِ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، ومَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: كَثَّرْنا أيْضًا، وقِيلَ: بِمَعْنى ولَّيْناهم وجَعَلْناهم أُمَراءَ واللّازِمُ مِن ذَلِكَ أُمِّرَ بِالضَّمِّ إلْحاقًا لَهُ بِالسَّجايا أيْ صارَ أمِيرًا، والمُرادُ بِهِ مَن يُؤْمَرُ ويُؤْتَمَرُ بِهِ سَواءٌ كانَ مَلِكًا أمْ لا عَلى أنَّهُ لا مَحْذُورَ لَوْ أُرِيدَ بِهِ المَلِكُ أيْضًا خِلافًا لِلْفارِسِيِّ؛ لَأنَّ القَرْيَةَ إذا مُلِّكَ عَلَيْها مُتْرَفٌ فَفَسَقَ ثُمَّ آخَرُ فَفَسَقَ وهَكَذا كَثُرَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ عَلى الآخِرِ مِن مُلُوكِهِمْ.
﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ: كَلِمَةُ العَذابِ السّابِقِ بِحَوَلِهِ أوْ بِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِانْهِماكِهِمْ فِيها ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهَهُ ولا يُوصَفُ، والتَّدْمِيرُ هو الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الأثَرِ وهَدْمِ البِناءِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إهْلاكِ أهْلِ القَرْيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وإهْلاكِ جَمِيعِهِمْ لِصُدُورِ الفِسْقِ مِنهم جَمِيعًا، فَإنَّ غَيْرَ المُتْرَفِ يَتْبَعُهُ عادَةً لا سِيَّما إذا كانَ المُتْرَفُ مِن عُلَماءِ السُّوءِ، ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها واتَّبَعَهم غَيْرُهم فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ. الآيَةَ، وقِيلَ: هَلاكُ الجَمِيعِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى التَّبَعِيَّةِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ .
وصَحَّ «عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَدَعا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ بِإصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها، قالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ. قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»».
هَذا والظّاهِرُ أنَّ ﴿أمَرْنا﴾ جَوابُ إذا ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ في الآيَةِ، والإشْكالُ المَشْهُورُ فِيها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُ إهْلاكَ قَوْمٍ ابْتِداءً فَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأنْ يَأْمُرَهم فَيَفْسُقُونَ فَيُهْلِكُهُمْ، وإرادَةُ ضَرَرِ الغَيْرِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقِ الإضْرارِ كالإضْرارِ كَذَلِكَ مِمّا يُنَزَّهُ عَنْهُ تَعالى لِمُنافاتِهِ لِلْحِكْمَةِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى جَوابِهِ، وأجابَ
صفحة 45
عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والأصْلُ إذا أمَرْنا مُتْرَفِي قَرْيَةٍ فَفَسَقُوا فِيها أرَدْنا إهْلاكَها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ، ونَظِيرُهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ وآخَرُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمَرْنا﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَرْيَةٍ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ وقَوْلِ الهُذَلِيِّ وهو آخِرُ قَصِيدَةٍ:
حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدِةٍ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرُدا
وقِيلَ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
الإسراء 17:17
﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: كَثِيرًا ما أهْلَكْنا ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ تَمْيِيزٌ - لَكم - والقَرْنُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ واحِدٍ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى هو مُدَّةُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ القاسِمِ المازِنِيِّ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وجاءَ «أنَّهُ ﷺ دَعا لِرَجُلٍ فَقالَ: «عِشْ قَرْنًا». فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ أوْ مِائَةً وعِشْرِينَ،» وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ ثَمانُونَ سَنَةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ مِن بَعْدِ زَمَنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَعادٍ وثَمُودَ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ قُصَّتْ أحْوالُهم في القُرْآنِ العَظِيمِ ومَن لَمْ تُقَصَّ، وخُصَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَقُلْ: مِن بَعْدِ آدَمَ لِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ آذاهُ قَوْمُهُ فاسْتَأْصَلَهُمُ العَذابُ فَفِيهِ تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ لِلْمُشْرِكِينَ ولِظُهُورِ حالِ قَوْمِهِ لَمْ يُنْظَمُوا في القُرُونِ المُهْلَكَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَمْزٌ إلى ذِكْرِهِمْ، و(مِن) الأُولى لِلتَّبْيِينِ لا زائِدَةً، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ فَلِذا جازَ اتِّحادُ مُتَعَلِّقِهِما، وقالَ الحُوفِيُّ: (مِن) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى ولَيْسَ بِجَيِّدٍ.
﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُفَصَّلًا آنِفًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ ﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مُحِيطًا بِظَواهِرِها وبَواطِنِها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والنِّيّاتِ الَّتِي هي مَبادِئُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ تَقَدُّمًا وُجُودِيًّا، وقِيلَ: تَقَدُّمًا رُتَبِيًّا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِما في القَلْبِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأعْمالِكُمْ، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ونِيّاتِكُمْ»».
وإنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، ونِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ لِعُمُومِهِ مِن حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُبْصَراتِ أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ (خَبِيرًا بَصِيرًا) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ.
وقالَ الحُوفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِكُفى وهو وهْمٌ، وفي تَذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ بِما ذُكِرَ إشارَةٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ البَعْثَ والأمْرَ وما يَتْلُوهُما مِن فِسْقِهِمْ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما هو لِقَطْعِ الأعْذارِ وإلْزامِ الحُجَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. وفي الكَشّافِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الذُّنُوبَ هي الأسْبابُ المُهْلِكَةُ لا غَيْرُ، وبَيانُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا عَقَّبَ إهْلاكَهم بِعِلْمِهِ بِالذُّنُوبِ عِلْمًا أتَمَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى جازاهم بِها وإلّا لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ، وأمّا الحَصْرُ فَلِأنَّ غَيْرَها لَوْ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ كانَ الظّاهِرُ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ ثُمَّ لا يَكُونُ السَّبَبُ تامًّا ويَكُونُ الكَلامُ ناقِصًا عَنْ أداءِ المَقْصُودِ فَلَزِمَ الحَصْرُ وهو المَطْلُوبُ، ولا أرى كَلامَهُ خالِيًا عَنْ دَسِيسَةِ اعْتِزالٍ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ
الإسراء 17:18
﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿العاجِلَةَ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ
صفحة 46
يُرِيدَ مَعَها الآخِرَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن زِيادَةِ ( كانَ ) هُنا مَعَ الِاقْتِصادِ عَلى مُطْلَقِ الإرادَةِ في قِسْمَيْهِ وقِيلَ: لَوْ لَمْ يُقَيَّدْ صِدْقٌ عَلى مُرِيدِ العاجِلَةِ والآخِرَةِ والقِسْمَةُ تُنافِي الشَّرِكَةَ، ودَلالَةُ الإرادَةِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها عَقْدُ القَلْبِ بِالشَّيْءِ وخُلُوصُ هَمِّهِ فِيهِ لَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالعاجِلَةِ الدّارُ الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا وبِإرادَتِها إرادَةُ ما فِيها مِن فُنُونِ مَطالِبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ الحَياةُ العاجِلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ ورُجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ العاجِلَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الحَياةَ واسْتِمْرارَها مِن جُمْلَةِ ما عُجِّلَ فالأنْسَبُ في ذَلِكَ كَلِمَةُ (مِن) كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ ما نَشاءُ أيْ: ما نَشاءُ تَعْجِيلَهُ لَهُ مِن نَعِيمِها لا كُلَّ ما يُرِيدُ.
﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ تَعْجِيلَ ما نَشاءُ لَهُ، وقالَ أبُو إسْحاقَ الفَزارِيُّ: أيْ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظٌ في الآيَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، أعْنِي لَهُ فَلا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِأنَّهُ في بَدَلِ المُفْرَداتِ، أوِ المَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِإعادَةِ العامِلِ، وتَقْدِيرُهُ: لِمَن نُرِيدُ تَعْجِيلَهُ لَهُ مِنهُمْ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (مَن) وهي مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هي مُنْبِئَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ فَهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ: (ما يَشاءُ) بِالياءِ، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى فَيَتَطابَقُ القِراءَتانِ، وقِيلَ: هو لِمَن فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ كَنَمْرُوذٍ وفِرْعَوْنَ مِمَّنْ ساعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما أرادَهُ اسْتِدْراجًا لَهُ، واسْتُظْهِرَ هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلى الأوَّلِ التِفاتٌ ووُقُوعُ الِالتِفاتِ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ كَما فَصَّلَهُ في عَرُوسِ الأفْراحِ، وتَقْيِيدُ المُعَجَّلِ والمُعَجَّلِ لَهُ بِما ذُكِرَ مِنَ المَشِيئَةِ والإرادَةِ لِما أنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّكْوِينِ لا تَقْتَضِي وُصُولَ كُلِّ طالِبٍ إلى مَرامِهِ ولا اسْتِيفاءَ كُلِّ واصِلٍ لِما يَطْلُبُهُ بِتَمامِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِأعْمالِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أعْمالَ كُلِّهِمْ ولا كُلَّ أعْمالِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَّكَّرْ، وذِكْرُ المَشِيئَةِ في أحَدِهِما والإرادَةِ في الآخَرِ إنْ قِيلَ بِتَرادُفِهِما تَفَنُّنٌ.
﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ مَكانَ ما عَجَّلْنا لَهُ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ يُقاسِي حَرَّها كَما قالَ الخَلِيلُ أوْ يَدْخُلُها كَما قِيلَ، والجُمْلَةُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مِنَ الهاءِ في ( لَهُ ) وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّها حالٌ مِن ( جَهَنَّمُ ) وهي مَفْعُولٌ أوَّلُ لِجَعَلْنا و( لَهُ ( الثّانِي.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: مَفْعُولُ جَعَلْنا الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ مَصِيرًا أوْ جَزاءً ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ ﴿مَذْمُومًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَصْلى وهو مِنَ الذَّمِّ ضِدَّ المَدْحِ وفِعْلُهُ ذَمَّ وذَمَّتْهُ ذَيْمًا وذَأمْتُهُ ذَأْمًا بِمَعْناهُ ﴿مَدْحُورًا﴾ أيْ: مَطْرُودًا مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ الإمامُ: إنَّ العِقابَ عِبارَةٌ عَنْ مَضَرَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِالإهانَةِ والذَّمِّ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ دائِمَةً وخالِيَةً عَنِ المَنفَعَةِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ إشارَةٌ إلى المَضِرَّةِ العَظِيمَةِ و﴿مَذْمُومًا﴾ إشارَةٌ إلى الإهانَةِ والذَّمِّ و﴿مَدْحُورًا﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ المَضَرَّةَ خالِيَةٌ عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ والرَّحْمَةِ وتُفِيدُ كَوْنَها دائِمَةً وخالِيَةً عَنِ التَّبَدُّلِ بِالرّاحَةِ والخَلاصِ اه، ولا يَخْفى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الخُلُودِ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عِنْدَنا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُرِيدُ مِنَ الكَفَرَةِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مَن كانَ يُرِيدُ أيْ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَعْمَلُها سَواءً كانَ تَرَتُّبُ المُرادِ عَلَيْها بِطَرِيقِ الجَزاءِ كَأعْمالِ البِرِّ أوْ بِطَرِيقِ تَرَتُّبِ المَعْلُولاتِ عَلى العِلَلِ كالأسْبابِ أوْ بِأعْمالِ الآخِرَةِ فالمُرادُ بِالمُرِيدِ عَلى الأوَّلِ الكَفَرَةُ وأكْثَرُ الفَسَقَةِ، وعَلى الثّانِي أهْلُ الرِّياءِ والنِّفاقِ والمُهاجِرُ لِلدُّنْيا والمُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إدْراجَ
صفحة 47
الفاسِقِ والمُهاجِرِ لِلدُّنْيا والمُجاهِدِ لِلْغَنِيمَةِ إذا كانَ مُؤْمِنًا في التَّمْثِيلِ عَلى القَوْلِ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى الخُلُودِ مِمّا لا يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِنا، نَعَمْ يَصِحُّ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، وقَدْ أدْرَجَ الزَّمَخْشَرِيُّ الفاسِقَ في ذَلِكَ، ودَسائِسُ الِاعْتِزالِ مِنهُ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ أكَثُرُ مِن أنْ تُحْصى، وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُ كَوْنِ المُرِيدِ مِنَ الكَفَرَةِ حَيْثُ قالَ: العاجِلَةُ هي الدُّنْيا، ومَعْنى إرادَتِها إيثارُها عَلى الآخِرَةِ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُقابِلُ في
الإسراء 17:19
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ إلَخْ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو كافِرٌ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ، وقِيلَ: المُرادُ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ كالمُنافِقِ والمُرائِي والمُجاهِدِ لِلْغَنِيمَةِ والذِّكْرِ والمُهاجِرِ لِلدُّنْيا إلى آخِرِ ما قالَ فَحُكِيَ غَيْرُ القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي يَكُونُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ كَوْنُ المُرِيدِ مِنَ الكَفَرَةِ بَعْدَ أنْ قَدَّمَهُ بِقِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ كَثِيرٍ (مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ) بِمَن كانَ هَمُّهُ مَقْصُورًا عَلَيْها لا يُرِيدُ غَيْرَها أصْلًا؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُقُ عَلى مُؤْمِنٍ فاسِقٍ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرادَةٌ لِلْآخِرَةِ ما آمَنَ بِها، وعَلى القَوْلِ بِدُخُولِ الفاسِقِ ونَحْوِهِ مِمَّنْ لا يُحْكَمُ لَهُ عِنْدَنا بِالخُلُودِ يُمْنَعُ القَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى الخُلُودِ ويُقالُ لِمَن أُدْخِلَ النّارَ مُبْعَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيها فَيَصْدُقُ عَلى الفاسِقِ ما دامَ فِيها كَما يَصْدُقُ عَلى الكافِرِ المُخَلَّدِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرِيدَ هو المُنافِقُ الَّذِي يَغْزُو مَعَ المُسْلِمِينَ لِلْغَنِيمَةِ لا لِلثَّوابِ؛ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وفِيهِ أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ ما سَبَقَ مِن أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آياتٍ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنها عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فافْهَمْ.
﴿ومَن أرادَ﴾ الظّاهِرُ عَلى طِبْقِ ما مَرَّ عَنِ الضَّحّاكِ أنْ يُرادَ بِعَمَلِهِ أيْضًا ﴿الآخِرَةَ﴾ أيِ الدّارَ الآخِرَةَ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ أيِ الَّذِي يَحِقُّ ويَلِيقُ بِها كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الإضافَةُ الِاخْتِصاصِيَّةُ سَواءٌ كانَ السَّعْيُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّ المَعْنى عَمِلَ عَمَلَها أوْ مَصْدَرًا مَفْعُولًا مُطْلَقًا، ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى والِانْتِهاءِ عَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنْهُ فَيَخْرُجُ مَن يَتَعَبَّدُ مِنَ الكَفَرَةِ بِما يَخْتَرِعُهُ مِنَ الآراءِ ويَزْعُمُ أنَّهُ يَسْعى لَها، وفائِدَةُ اللّامِ سَواءٌ لِلْأجْلِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى في العَمَلِ، واخْتارَ بَعْضُهم ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى ما اعْتَبَرَهُ الضَّحّاكُ بَلِ الأوْلى عَدَمُ اعْتِبارِهِ لِمَكانِ (وسَعى لَها سَعْيَها) وحِينَئِذٍ لا يُعْتَبَرُ فِيما سَبَقَ أيْضًا ويَكُونُ في الآيَةِ عَلى هَذا مِن تَحْقِيرِ أمْرِ الدُّنْيا وتَعْظِيمِ شَأْنِ الآخِرَةِ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ.
﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا يُخالِطُهُ قادِحٌ، وإيرادُ الإيمانِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اشْتِراطِ مُقارَنَتِهِ لِما ذُكِرَ في حَيِّزِ (مَن) فَلا تَنْفَعُ إرادَةٌ ولا سَعْيٌ بِدُونِهِ، وفي الحَقِيقَةِ هو النّاشِئُ عَنْهُ إرادَةُ الآخِرَةِ والسَّعْيُ لِلنَّجاةِ فِيها وحُصُولِ الثَّوابِ، وعَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ: مَن لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَلاثٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ: إيمانٌ ثابِتٌ، ونِيَّةٌ صادِقَةٌ، وعَمَلٌ مُصِيبٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى (مَن) بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِما تَقَدَّمَ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، والجَمْعِيَّةُ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى إيماءً إلى أنَّ الإثابَةَ المَفْهُومَةَ مِنَ الخَبَرِ تَقَعُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ، أيْ: فَأُولَئِكَ الجامِعُونَ لِما مَرَّ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ أعْنِي إرادَةَ الآخِرَةِ والسَّعْيَ الجَمِيلَ لَها والإيمانَ ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مُثابًا عَلَيْهِ مَقْبُولًا عِنْدَهُ تَعالى بِحُسْنِ القَبُولِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّعْيَ هاهُنا بِالعَمَلِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفِعْلٍ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ وهَذا غَيْرُ السَّعْيِ السّابِقِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو هُوَ، وعَلَّقَ المَشْكُورِيَّةَ بِهِ دُونَ قَرِينَيْهِ إشْعارًا بِأنَّهُ العُمْدَةُ فِيها، وأصْلُ السَّعْيِ كَما قالَ الرّاغِبُ المَشْيُ السَّرِيعُ وهو دُونُ العَدْوِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلْجِدِّ
صفحة 48
فِي الأمْرِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وأكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ في الأفْعالِ المَحْمُودَةِ قالَ الشّاعِرُ:
إنْ أجْزِ عَلْقَمَةَ بْنَ سَعْدٍ سَعْيَهُ لا أجْزِهِ بِبَلاءِ يَوْمٍ واحِدٍ
الإسراء 17:20
﴿كُلا﴾ التَّنْوِينُ فِيهِ عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ النُّحاةِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ لا تَنْوِينَ تَمْكِينٍ، أيْ: كُلُّ الفَرِيقَيْنِ وهو مَفْعُولُ ﴿نُمِدُّ﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، أيْ: نَزِيدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الآنِفُ مِدَدًا لِلسّالِفِ وما بِهِ الإمْدادُ ما عُجِّلَ لِأحَدِهِما مِنَ العَطايا العاجِلَةِ وما أُعِدَّ لِلْآخَرِ مِنَ العَطايا الآجِلَةِ المُشارِ إلَيْها بِمَشْكُورِيَّةِ السَّعْيِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا واتِّكالًا عَلى ما لَحِقَ عِبارَةً وإشارَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلا﴾ بَدَلُ كُلٍّ عَلى جِهَةِ التَّفْصِيلِ، أيْ: نَمُدُّ هَؤُلاءِ المُعَجَّلَ لَهم وهَؤُلاءِ المَشْكُورُ سَعْيُهُمْ؛ فَإنَّ الإشارَةَ مُتَعَرِّضَةٌ لِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العُنْوانِ لا لِلذّاتِ فَقَطْ كالإضْمارِ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما بِهِ الإمْدادُ وتَعْيِينٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ أفْرادَ الفَرِيقِ الأخِيرِ المُرِيدِ لِلْخَيْرِ الحَقِيقِ بِالإسْعافِ فَقَطْ، وتَأْكِيدٌ لِلْقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: مِن مُعْطاهُ الواسِعِ الَّذِي لا تَناهِيَ لَهُ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ واقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ المَفْعُولِ مُتَعَلِّقٌ بِ (نَمُدُّ) مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما بِهِ الإمْدادُ ومُنَبِّهٌ عَلى أنَّ الإمْدادَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيجابِ بِالسَّعْيِ والعَمَلِ بَلْ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ كَما قِيلَ:
﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا.
والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْحُكْمِ ﴿مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا عَمَّنْ يُرِيدُهُ بَلْ هو فائِضٌ عَلى مَن قُدِّرَ لَهُ بِمُوجَبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ وإنْ وُجِدَ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَظْرَ كالكُفْرِ، وهَذا في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِمَبْدَئِيَّتِها لِكُلٍّ مِنَ الإمْدادِ وعَدَمِ الحَظْرِ.
الإسراء 17:21
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ كَيْفَ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ (فَضَّلْنا) عَلى الحالِ ولَيْسَتْ مُضافَةً لِلْجُمْلَةِ كَما تُوُهِّمَ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ (انْظُرْ) وهو مُعَلَّقٌ هُنا، والمُرادُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَوْضِيحُ ما مَرَّ مِنَ الإمْدادِ وعَدَمِ مَحْظُورِيَّةِ العَطاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْضارِ مَراتِبِ أحَدِ العَطاءَيْنِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى مَراتِبِ الآخَرِ، أيِ انْظُرْ بِنَظَرِ الِاعْتِبارِ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فِيما أمْدَدْناهم مِنَ العَطايا الآجِلَةِ وتَفاوُتِ أهْلِها عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن دَرَجاتِ الدُّنْيا وتَفْضِيلِها؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها العالِيَةِ لا يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وقَدْ أرْضى اللَّهُ تَعالى الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا»».
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا، وصَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعَدَّ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ورَوى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: حَضَرَ جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ بابَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو القُرَشِيُّ، وكانَ أحَدَ الأشْرافِ في الجاهِلِيَّةِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُولَئِكَ المَشايِخُ مِن قُرَيْشٍ فَأذِنَ لِصُهَيْبٍ وبِلالٍ وأهْلٍ بَدْرٍ وكانَ يُحِبُّهُمْ، وكانَ قَدْ أوْصى لَهم فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ قَطُّ؛ إنَّهُ لَيُؤْذَنُ لِهَؤُلاءِ العَبِيدِ ونَحْنُ جُلُوسٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْنا فَقالَ سُهَيْلٌ: وكانَ أعْقَلَهُمْ: أيُّها القَوْمُ، إنِّي واللَّهِ قَدْ
صفحة 49
أرى الَّذِي في وُجُوهِكُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ غِضابًا فاغْضَبُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ دُعِيَ القَوْمُ ودُعِيتُمْ فَأسْرَعُوا وأبْطَأْتُمْ، أما واللَّهِ لَما سَبَقُوكم بِهِ مِنَ الفَضْلِ أشَدُّ عَلَيْكم فَوْتًا مِن بابِكم هَذا الَّذِي تَنافَسُونَ عَلَيْهِ.
وفِي الكَشّافِ أنَّهُ قالَ: إنَّما أُتِينا مِن قِبَلِنا أنَّهم دُعُوا ودُعِينا فَأسْرَعُوا وأبْطَأنا، وهَذا بابُ عُمَرَ فَكَيْفَ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ، ولَئِنْ حَسَدْتُمُوهم عَلى بابِ عُمَرَ لَما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم في الجَنَّةِ أكْبَرُ، وقُرِئَ: (أكْثَرُ تَفْضِيلًا) بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما بِهِ الإمْدادُ العَطايا العاجِلَةُ فَقَطْ، وحُمِلَ القَصْرُ المَذْكُورُ عَلى دَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِالفَرِيقِ الأوَّلِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ إرادَتِهِمْ لَها ووُصُولَهم إلَيْها بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ النِّسْبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفَرِيقِ الثّانِي إرادَةً ووُصُولًا مِمّا يُوهِمُ اخْتِصاصَها بِالأوَّلِينَ، فالمَعْنى: كُلُّ الفَرِيقَيْنِ نَمُدُّ بِالعَطايا العاجِلَةِ لا مَن ذَكَرْنا إرادَتَهُ لَها فَقَطْ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ الواسِعِ وما كانَ عَطاؤُهُ الدُّنْيَوِيُّ مَحْظُورًا مِن أحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ ومِمَّنْ يُرِيدُ غَيْرَهُ، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا في ذَلِكَ العَطاءِ بَعْضَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُما، ولَلْآخِرَةُ... إلَخْ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قالا في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْزُقُ في الدُّنْيا مُرِيدِي العاجِلَةِ الكافِرِينَ ومُرِيدِي الآخِرَةِ المُؤْمِنِينَ ويَمُدُّ الجَمِيعَ بِالرِّزْقِ، وذَكَرَ الرِّزْقَ مِن بَيْنِ ما بِهِ الإمْدادُ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: تَخْصِيصٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ فَيَتَناوَلُ الجاهَ ونَحْوَهُ كَما يُقالُ: السَّعادَةُ أرْزاقٌ، واعْتَبَرَ الجُمْهُورُ عَدَمَ المَحْظُورِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقِ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِشُمُولِ الإمْدادِ لَهُ حَيْثُ قالُوا: لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ القَصْرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الإمْدادِ الدُّنْيَوِيِّ بِالفَرِيقِ الثّانِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ ما يُوهِمُ ثُبُوتَهُ لَهُ فَضْلًا عَنْ إيهامِ اخْتِصاصِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ مِنَ الطّاعاتِ ويَمُدُّ بِها مُرِيدَ الآخِرَةِ والمَعاصِي، ويَمُدُّ بِها مُرِيدَ العاجِلَةِ فَيَكُونُ العَطاءُ عِبارَةً عَمّا قَسَّمَ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَبْعُدُ غايَةَ البُعْدِ إرادَةُ المَعاصِي مِنَ العَطاءِ، ولَعَلَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ لِلْحَبْرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلا تَغْفُلْ واعْلَمْ أنَّ التَّقْسِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ غَيْرُ حاصِرٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُضِرٍّ، والتَّقْسِيمُ الحاصِرُ أنَّ كُلَّ فاعِلٍ إمّا أنْ يُرِيدَ بِفِعْلِهِ العاجِلَةَ فَقَطْ أوْ يُرِيدَ الآخِرَةَ فَقَطْ أوْ يُرِيدَهُما مَعًا أوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، والقِسْمانِ الأوَّلانِ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُما مِنَ الآيَةِ، والقِسْمُ الثّالِثُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ لِأنَّهُ إمّا تَكُونُ إرادَةُ الآخِرَةِ أرْجَحَ أوْ تَكُونُ مَرْجُوحَةً أوْ تَكُونُ الإرادَتانِ مُتَعادِلَتَيْنِ، وفي قَبُولِ العَمَلِ في القِسْمِ الأوَّلِ بَحْثٌ عِنْدَ الإمامِ قالَ: يُحْتَمَلُ عَدَمُ القَبُولِ لِما رُوِيَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ: ««أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ»».
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إذا كانَتْ إرادَةُ الآخِرَةِ راجِحَةً عَلى إرادَةِ الدُّنْيا تَعارُضَ المَثَلِ بِالمَثَلِ فَيَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ خالِصًا لِلْآخِرَةِ فَيَجِبُ كَوْنُهُ مَقْبُولًا، وإلى عَدَمِ القَبُولِ ذَهَبَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، ومالَ إلى القَوْلِ بِأصْلِ الثَّوابِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ حَيْثُ قالَ: لَوْ كانَ اطِّلاعُ النّاسِ مُرَجِّحًا أوْ مُقَوِّيًا لِنَشاطِهِ ولَوْ فُقِدَ لَمْ تُتْرَكِ العِبادَةُ ولَوِ انْفَرَدَ قَصْدُ الرِّياءِ لَما أقْدَمَ فالَّذِي نَظُنُّهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يُحْبِطُ أصْلَ الثَّوابِ ولَكِنَّهُ يُعاقِبُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ الرِّياءِ ويُثابُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ الثَّوابِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ ولَوْ مُحَرَّمًا لا يُمْنَعُ أصْلُ الثَّوابِ عِنْدَهُ إذا كانَ باعِثُ العِبادَةِ أغْلَبَ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ أنَّهُ مَتى كانَ المُصاحِبُ بِقَصْدِ العِبادَةِ رِياءً مُباحًا لَمْ يَقْتَضِ إسْقاطَ ثَوابِها مِن أصْلِهِ بَلْ يُثابُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ العِبادَةِ وإنْ ضَعُفَ أوْ مُحَرَّمًا اقْتَضى سُقُوطَهُ مِن أصْلِهِ لِلْأخْبارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ قَدْ لا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ تَقْصِيرَهُ بِقَصْدِ المُحَرِّمِ
صفحة 50
اقْتَضى سُقُوطَ قَصْدِ الأجْرِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ ذَرَّةٌ مِن خَيْرٍ فَلَمْ تَشْمَلْهُ الآيَةُ، واتَّفَقُوا عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما تَرَجَّحَ فِيهِ باعِثُ الدُّنْيا أوْ كانَ الباعِثانِ فِيهِ مُتَساوِيَيْنِ، وخَصَّ الغَزالِيُّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ بِظاهِرِها عَلى عَدَمِ القَبُولِ مُطْلَقًا بِهَذَيْنَ القِسْمَيْنِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في الزَّواجِرِ عَنِ اقْتِرافِ الكَبائِرِ، وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ مِنَ القادِرِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي فَهو مُمْتَنِعُ الحُصُولِ، والَّذِينَ قالُوا إنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لا أثَرَ لَهُ في الباطِنِ وهو مُحَرَّمٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ فِيهِ أرْبَعُ إشاراتٍ، إشارَةُ التَّقْدِيسِ بِسُبْحانَ؛ فَهو تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَنِ اللَّواحِقِ المادِّيَّةِ والنَّقائِصِ التَّشْبِيهِيَّةِ وعَنْ جَمِيعِ ما يَرْتَسِمُ في الأذْهانِ، وإشارَةُ الغَيْرَةِ بِعَدَمِ ذِكْرِ الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى عَزَّتْ أسْماؤُهُ، وكَذا بِعَدَمِ ذِكْرِ اسْمِهِ ﷺ، وإشارَةُ الغَيْبِ بِذِكْرِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وإشارَةُ السِّرِّ بِذِكْرِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مَحَلُّ السِّرِّ والنَّجْوى، وعَنْ بَعْضِ الأكابِرِ: لَوْلا اللَّيْلُ ما أحْبَبْتُ البَقاءَ في الدُّنْيا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ إنَّ في اخْتِيارِ عُنْوانِ العُبُودِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّها أعْلى المَقاماتِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ فِيما سَلَفَ، وأصْلُها الذُّلُّ والخُضُوعُ وحَيْثُ إنَّ الذُّلَّ لِشَيْءٍ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ دَلَّتِ العُبُودِيَّةُ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالُها عَلى كَمالِها، ومِن هُنا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ بِقَوْلِهِ: إلّا لِيَعْرِفُونِ، وهي تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَهْمًا بِعَدَدِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ لِكُلِّ اسْمٍ إلَهِيٍّ عُبُودِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ يَتَعَبَّدُ لَهُ مَن يَتَعَبَّدُ مِنَ المَخْلُوقِينَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ بِهَذا المَقامِ عَلى كَمالِهِ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ عَبْدًا مَحْضًا زاهِدًا في جَمِيعِ الأحْوالِ الَّتِي تُخْرِجُهُ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ، وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِأنَّهُ عَبْدٌ مُضافٌ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هَوِيتُهُ هُنا واسْمُهُ الجامِعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ ولَمّا أمَرَ ﷺ بِتَعْرِيفِ مَقامِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قَيَّدَ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»».
بِالرّاءِ أوِ الزّايِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ وهي لِما عَلِمْتَ مِن مَعْناها لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا إلَهِيًّا أصْلًا بَلْ هي صِفَةٌ خاصَّةٌ لا اشْتِراكَ فِيها، فَقَدْ قالَ أبُو يَزِيدَ البَسْطامِيُّ: ما وجَدْتُ شَيْئًا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ تَعالى إذْ رَأيْتُ كُلَّ نَعْتٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ لِلْأُلُوهِيَّةِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَقُلْتُ: يا رَبِّ، بِماذا أتَقَرَّبُ إلَيْكَ؟ قالَ: تَقَرَّبْ إلَيَّ بِما لَيْسَ لِي. قُلْتُ: يا رَبِّ، وما الَّذِي لَيْسَ لَكَ؟ قالَ: الذِّلَّةُ والِافْتِقارُ.
وذُكِرَ أنَّ العَبْدَ مَعَ الحَقِّ في حالِ عُبُودِيَّتِهِ كالظِّلِّ مَعَ الشَّخْصِ في مُقابَلَةِ السِّراجِ كُلَّما قَرُبَ إلى السِّراجِ عَظُمَ الظِّلُّ، ولا قُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِما هو لَكَ وصْفٌ أخَصُّ لا لَهُ سُبْحانَهُ، وكُلَّما بَعُدَ عَنِ السِّراجِ صَغُرَ الظِّلُّ، فَإنَّهُ ما يُبْعِدُكَ عَنِ الحَقِّ إلّا خُرُوجُكَ عَنْ صِفَتِكَ الَّتِي تَسْتَحِقُّها وطَمَعُكَ في صِفَتِهِ تَعالى، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ، وهُما صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى: و﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ وهُما كَذَلِكَ وإلى هَذا أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««أعُوذُ بِكَ مِنكَ»».
وأوَّلَ بَعْضُهُمُ اللَّيْلَ بِظُلْمَةِ الغَواشِي البَدَنِيَّةِ والتَّعَلُّقاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وقالَ: إنَّ التَّرَقِّيَ والعُرُوجَ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ البَدَنِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ ﷺ أُسَرِيَ بِهِ وكَذا عُرِجَ يَقَظَةً لَمْ يُفارِقْ بَدَنَهُ إلّا أنَّ العارِفَ الجامِيَّ قالَ: إنَّ ذَلِكَ إلى المُحَدَّدِ ثُمَّ أُلْقِيَ البَدَنُ هُناكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وفي أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسْرِيَ بِهِ مِن رُؤْيَةِ أفْعالِهِ إلى رُؤْيَةِ صِفاتِهِ ومِن رُؤْيَةِ صِفاتِهِ إلى رُؤْيَةِ ذاتِهِ فَرَأى الحَقَّ بِالحَقِّ وكانَتْ صُورَتُهُ رُوحَهُ ورُوحُهُ عَقْلَهُ وعَقْلُهُ قَلْبَهُ وقَلْبُهُ سِرَّهُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ ﷺ حَصَلَ لَهُ هَذا الإسْراءُ وإلّا فَإرادَةُ أنَّ الإسْراءَ الَّذِي في الآيَةِ هو هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي.
ولا يَخْفى أنَّ الإسْراءَ غَيْرُ المِعْراجِ، نَعَمْ قَدْ يُطْلِقُونَ الإسْراءَ عَلى المِعْراجِ بَلْ قِيلَ: إنَّهُما إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا
صفحة 51
افْتَرَقا اجْتَمَعا، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ لِجَمِيعِ الوارِثِينَ مِعْراجًا إلّا أنَّهُ مِعْراجُ أرْواحٍ لا أشْباحٍ وإسْراءُ أسْرارٍ لا أسْوارٍ، ورُؤْيَةُ جَنانٍ لا عِيانٍ، وسُلُوكُ ذَوْقٍ وتَحْقِيقٍ لا سُلُوكُ مَسافَةٍ وطَرِيقٍ إلى سَمَواتِ مَعْنًى لا مَغْنًى، وهَذا المِعْراجُ مُتَفاوِتٌ حَسْبَ تَفاوُتِ مَراتِبِ الرِّجالِ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في مِعْراجِهِ ما يُحَيِّرُ الألْبابَ ويَقْضِي مِنهُ العَجَبَ العُجابَ ولَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّهُ خَتَمَ الوِلايَةَ المُحَمَّدِيَّةَ عِنْدَهُمْ، ومِن عَجائِبِ ما اتَّفَقَ في زَمانِنا أنَّ رَجُلًا يُدْعى بِعَبْدِ السَّلامِ نائِبِ القاضِي في بَغْدادَ وكانَ جَسُورًا عَلى الحُكْمِ بِالباطِلِ شَرَعَ في تَرْجَمَةِ مِعْراجِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِالتُّرْكِيَّةِ مَعَ شَرْحِ بَعْضِ مُغْلِقاتِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن خَبايا هاتِيكَ الزَّوايا فَقَبْلَ أنْ يُتِمَّ مَرامَهُ ابْتُلِيَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى بِآكِلَةٍ في فَمِهِ فَأكَلَتْهُ إلى أُذُنَيْهِ فَماتَ وعُرِجَ بِرُوحِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، ونُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ الإسْراءَ وقَعَ لَهُ ﷺ ثَلاثِينَ مَرَّةً، وفي كَلامِ الشَّيْخِ عَبْدِ الوَهّابِ الشَّعَرانِيِّ أنْ إسْراءاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ، واحِدٌ مِنها بِجِسْمِهِ والباقِي بِرُوحِهِ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الأوَّلَ مِن خَصائِصِهِ ﷺ. وفي الخَصائِصِ الصُّغْرى وخُصَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإسْراءِ وما تَضَمَّنَهُ مِن خَرْقِ السَّمَواتِ السَّبْعِ والعُلُوِّ إلى قابِ قَوْسَيْنِ ووَطْئِهِ مَكانًا ما وطِئَهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وأنْ قَطَعَ المَسافَةَ الطَّوِيلَةَ في الزَّمَنِ القَصِيرِ مِمّا يَكُونُ كَرامَةً لِلْوَلِيِّ، والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِطَيِّ المَسافَةِ وهو مِن أعْظَمِ خَوارِقِ العاداتِ، وأنْكَرَ ثُبُوتَهُ لِلْأوْلِياءِ الحَنَفِيَّةُ، ومِنهُمُ ابْنُ وهْبانَ قالَ:
ومَن لِوَلِيٍّ قالَ طَيُّ مَسافَةٍ يَجُوزُ جَهُولٌ ثُمَّ بَعْضٌ يَكْفُرُ
وهَذا مِنهم مَعَ قَوْلِهِمْ: إذا وُلِدَ لِمَغْرِبِيٍّ ولَدٌ مِنَ امْرَأتِهِ المَشْرِقِيَّةِ مَثَلًا يُلْحَقُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَلْتَقِيا ظاهِرًا غَرِيبٌ، والكُتُبُ مَلْأى مِن حِكاياتِ الثِّقاتِ هَذِهِ الكَرامَةَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَأنَّ مُجْهِلَ قائِلِها بَنى تَجْهِيلَهُ عَلى أنَّ في ذَلِكَ قَوْلًا بِتَداخُلِ الجَواهِرِ وقَدْ أحالَهُ المُتَكَلِّمُونَ خِلافًا لِلنِّظامِ وبَرْهَنُوا عَلى اسْتِحالَتِهِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَطْعَ المَسافَةِ الطَّوِيلَةِ في الزَّمَنِ القَصِيرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَداخُلِ الجَواهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِالسُّرْعَةِ كَما قالُوا في الإسْراءِ فَلْيُثْبَتْ لِلْأوْلِياءِ عَلى هَذا النَّحْوِ عَلى أنَّ الكَراماتِ كالمُعْجِزاتِ مَجْهُولَةُ الكَيْفِيَّةِ فَنُؤْمِنُ بِما صَحَّ مِنها ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومِثْلُ طَيِّ المَسافَةِ ما يَحْكُونَهُ مِن نَشْرِ الزَّمانِ وأنا مُؤْمِنٌ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ بِما يَصِحُّ نَقْلُهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، والمُكَفِّرُ جَهُولٌ، والمُجِهِّلُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وأُوِّلَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِمَقامِ القَلْبِ المُحْتَرَمِ عَنْ أنْ يَطُوفَ بِهِ مُشْرِكُو القُوى البَدَنِيَّةِ ويُرْتَكَبَ فِيهِ فَواحِشُها وخَطاياها، والمَسْجِدُ الأقْصى بِمَقامِ الرُّوحِ الأبْعَدِ مِنَ العالَمِ الجِسْمانِيِّ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ أيْ آياتِ صِفاتِنا مِن جِهَةِ أنَّها مَنسُوبَةٌ إلَيْنا ونَحْنُ المُشاهِدُونَ بِها وإلّا فَأصْلُ مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في مَقامِ القَلْبِ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ قالَ سَهْلٌ: أيْ: إنْ عُدْتُمْ إلى المَعْصِيَةِ عُدْنا إلى المَغْفِرَةِ، وإنْ عُدْتُمْ إلى الإعْراضِ عَنّا عُدْنا إلى الإقْبالِ عَلَيْكُمْ، وإنْ عُدْتُمْ إلى الفِرارِ مِنّا عُدْنا إلى أخْذِ الطَّرِيقِ عَلَيْكم لِتَرْجِعُوا إلَيْنا.
وقالَ الوَرّاقُ: إنْ عُدْتُمْ إلى الطّاعَةِ عُدْنا إلى التَّيْسِيرِ والقَبُولِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ الآيَةَ. أيْ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَعْرِفُ أهْلُهُ بِنُورِهِ أقَوْمَ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو طَرِيقُ الطّاعَةِ والِاقْتِداءِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لا طَرِيقَ يُوصِلُ إلّا ذَلِكَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ امْرِئٍ ∗∗∗ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ
وذَكَرُوا أنَّ القُرْآنَ يُرْشِدُ بِظاهِرِهِ إلى مَعانِي باطِنِهِ وبِمَعانِي باطِنِهِ إلى نُورِ حَقِيقَتِهِ، وبِنُورِ حَقِيقَتِهِ إلى أصْلِ
صفحة 52
الصِّفَةِ، وبِالصِّفَةِ إلى الذّاتِ فَطُوبى لِمَنِ اسْتَرْشَدَ بِالقُرْآنِ فَإنَّهُ يَدُلُّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ:
إذا نَحْنُ أدْلَجْنا وأنْتَ أمامَنا ∗∗∗ كَفى لِمَطايانا بِنُورِكَ هادِيا
ويُبَشِّرُ أهْلَهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ أنَّ لَهم أجْرَ المُشاهَدَةِ وكَشْفِها بِلا حِجابٍ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أدَبٍ مِن آدابِ الدُّعاءِ وهو عَدَمُ الِاسْتِعْجالِ فَيَنْبَغِي لِلسّالِكِ أنْ يَصْبِرَ حَتّى يَعْرِفَ ما يَلِيقُ بِحالِهِ فَيَدْعُوَ بِهِ، وقالَ سَهْلٌ: أسْلَمُ الدَّعَواتِ الذِّكْرُ وتَرْكُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ في الذِّكْرِ الكِفايَةَ، ورُبَّما يَسْألُ الإنْسانُ ما فِيهِ هَلاكُهُ ولا يَشْعُرُ، وفي الأثَرِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ: مَن شَغَلَهُ ذِكْرى عَنْ مَسْألَتِي أُعْطِيهِ أفْضَلَ ما أُعْطِيَ السّائِلِينَ» ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ أيْ لَيْلَ الكَوْنِ وظُلْمَةَ البَدَنِ ﴿والنَّهارَ﴾ أيْ: نَهارَ الإبْداعِ والرُّوحِ ﴿آيَتَيْنِ﴾ يُتَوَصَّلُ بِهِما إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ بِالفَسادِ والفَناءِ ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ مُنِيرَةً باقِيَةً بِكَمالِها تُبَصِّرُ بِنُورِها الحَقائِقَ ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو كَمالِكُمُ الَّذِي تَسْتَعِدُّونَهُ ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ أيْ: لِتُحْصُوا عَدَدَ المَراتِبِ والمَقاماتِ مِن بِدايَتِكم إلى نِهايَتِكم بِالتَّرَقِّي فِيها وحِسابِ أعْمالِكم وأخْلاقِكم وأحْوالِكم فَتُبَدِّلُوا السَّيِّئَ مِن ذَلِكَ بِالحَسَنِ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ العُلُومِ والحِكَمِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِنُورِ عُقُولِكُمُ الفُرْقانِيَّةِ الحاصِلَةِ لَكم عِنْدَ الكَمالِ تَفْصِيلًا لا إجْمالَ فِيهِ كَما في مَرْتَبَةِ العَقْلِ القُرْآنِيِّ الحاصِلِ عِنْدَ البِدايَةِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ لِلصُّوفِيَّةِ في هَذا الرَّسُولِ كَغَيْرِهِمْ قَوْلانِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ رَسُولُ العَقْلِ، ومِنهم مَن قالَ: رَسُولُ الشَّرْعِ.
﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ الآيَةَ. فِيها إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أنْ يُخَرِّبَ قَلْبَ المُرِيدِ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَساكِرَ هَوى نَفْسِهِ وجُنُودَ شَياطِينِهِ فَيُخَرِّبُ بِسَنابِكِ خُيُولِ الشَّهَواتِ وآفاتِ الطَّبْعِيّاتِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ لِكُدُورَةِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ هَواهُ وطَبِيعَتِهِ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا﴾ عَنْ ذَوِي العُقُولِ ﴿مَدْحُورًا﴾ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وقَهْرِهِ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ لِصَفاءِ اسْتِعْدادِهِ وسَلامَةِ فِطْرَتِهِ ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ اللّائِقَ بِها وهو السَّعْيُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقامَةِ وما تَرْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: السَّعْيُ إلى الدُّنْيا بِالأبْدانِ، والسَّعْيُ إلى الآخِرَةِ بِالقُلُوبِ، والسَّعْيُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالهِمَمِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ثابِتُ الإيمانِ لا تَزَعْزُعُهُ عَواصِفُ الشُّبَهِ ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مَقْبُولًا مُثابًا عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي حَفْصٍ أنَّ السَّعْيَ المَشْكُورَ ما لَمْ يَكُنْ مَشُوبًا بِرِياءٍ ولا بِسُمْعَةٍ ولا بِرُؤْيَةِ نَفْسٍ ولا بِطَلَبِ عِوَضٍ بَلْ يَكُونُ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَلا تَغْفُلْ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ لا تَأْثِيرَ لِإرادَتِهِمْ وسَعْيِهِمْ في ذَلِكَ، وإنَّما هي مُعَرَّفاتٌ وعَلاماتٌ لِما قَدَّرْنا لَهم مِنَ العَطاءِ، ورَأيْتُ في الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ وهو نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَدْ سَمِعْتُ ما فِيهِ ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ عَنْ أحَدٍ مُطِيعًا كانَ أوْ عاصِيًا؛ لِأنَّ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ الإفاضَةُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ في الدُّنْيا بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ والحِكْمَةِ ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ فَهُناكَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم ذَلِكَ، إنَّهُ سُبْحانَهُ الجَوادُ المالِكُ.
الإسراء 17:22
﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ عَلى حَدِّ: إيّاكِ أعْنِي فاسْمَعِي يا جارَةُ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ عَلى حَدِّ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ .
﴿فَتَقْعُدَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى النَّهْيِ، والقُعُودُ قِيلَ بِمَعْنى المُكْثِ كَما تَقُولُ: هو قاعِدٌ في أسْوَأِ حالٍ؛ أيْ: ماكِثٌ ومُقِيمٌ سَواءٌ كانَ
صفحة 53
قائِمًا أمْ جالِسًا، وقِيلَ: بِمَعْنى العَجْزِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أقْعَدَكَ عَنِ المَكارِمِ، أيْ: ما أعْجَزَكَ عَنْها، وقِيلَ: بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ مِن قَوْلِهِمْ: شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أيْ: صارَتْ، وتَعَقَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَجِيءَ قَعَدَ بِمَعْنى صارَ مَقْصُورٌ عِنْدَ الأصْحابِ عَلى هَذا المَثَلِ ولا يَطَّرِدُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنِ اطَّرَدَ فَإنَّما يَطَّرِدُ في مِثْلِ المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ فِيهِ أوَّلًا، يَعْنِي القَوْلَ المَذْكُورَ فَلا يُقالُ: قَعَدَ كاتِبًا بِمَعْنى صارَ بَلْ قَعَدَ كَأنَّهُ سُلْطانٌ لِكَوْنِهِ مِثْلَ قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ القُعُودَ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ ذَهَبَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ فَإنَّهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ يَقُولُ بِاطِّرادِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَ الرّاجِزِ المَذْكُورَ في البَحْرِ والحَواشِي الشِّهابِيَّةِ ولا حُجَّةَ فِيهِ.
وحَكى الكِسائِيُّ: قَعَدَ لا يُسْألُ حاجَةً إلّا قَضاها، واسْتِعْمالُ البَغْدادِيِّينَ عَلى هَذا، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في القُعُودِ بِمَعْنى العَجْزِ فَقِيلَ: هو مَجازٌ مِنَ القُعُودِ ضِدَّ القِيامِ كالمُقْعَدِ بِمَعْنى العاجِزِ عَنِ القِيامِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ العَجْزِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ فَإنَّ مَن أرادَ أخْذَ شَيْءٍ يَقُومُ لَهُ، ومَن عَجَزَ قَعَدَ، وأمّا القُعُودُ بِمَعْنى الزَّمانَةِ فَحَقِيقَةٌ، والإقْعادُ مَجازٌ كَأنَّ مَرَضَهُ أقْعَدَهُ وجُعِلَ هَذا القُعُودُ بِمَعْنى المُكْثِ حَقِيقَةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا إلّا أنْ يُرِيدَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لا لُغَوِيَّةً؛ لِأنَّهُ ضِدُّ القِيامِ، وإذا جُعِلَ القُعُودُ هُنا بِمَعْنى العَجْزِ فالفِعْلُ لازِمٌ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَتَعْجِزُ عَنِ الفَوْزِ بِالمَقْصُودِ مَثَلًا و﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ إمّا خَبَرانِ لِتَقْعُدَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، وإمّا حالانِ مُتَرادِفانِ أيْ فَتَقْعُدَ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ مِن ذَوِي العُقُولِ حَيْثُ اتَّخَذْتَ مُحْتاجًا مُفْتَقِرًا مِثْلَكَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلَهًا، ونَسَبْتَ إلَيْهِ ما لا يَصْلُحُ لَهُ، وجَعَلْتَهُ شَرِيكًا لِمَن لَهُ الكَمالُ الذّاتِيُّ وهو الَّذِي خَلَقَكَ ورَزَقَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ عَلى ما عَداهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُرادَ بِالقُعُودِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ حائِرًا مُتَفَكِّرًا وهو مِن بابِ التَّعْبِيرِ بِالحالِ الغالِبَةِ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المُوَحِّدَ جامِعٌ بَيْنَ المَدْحِ والنُّصْرَةِ
الإسراء 17:23
﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ أمَرَ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلَخْ عَلى (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ قَبْلَها مُقَدَّرٌ و(لا) نافِيَةٌ والمُرادُ النَّهْيُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناهِيَةً كَما مَرَّ ولا يُنافِيهِ التَّأْوِيلُ بِالمَصْدَرِ كَما أسْلَفْناهُ، أوْ أيْ: لا تَعْبُدُوا إلَخْ عَلى أنَّ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ لِتَقَدُّمِ ما تَضَمَّنَ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ و(لا) ناهِيَةٌ لا غَيْرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ أنْ مُخَفَّفَةً واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، و(لا) ناهِيَةٌ أيْضًا وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً ولا زائِدَةً، والمَعْنى: الزَمْ رَبَّكَ عِبادَتَهُ، وفِيهِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَأْبى ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ تَفْسِيرُ قَضى بِأمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِن بابِ التَّضْمِينِ، وجُعِلَ المُضَمَّنُ أصْلًا والمُتَضَمِّنُ قَيْدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ أنَّ القَضاءَ مَجازٌ عَنِ الأمْرِ المَبْتُوتِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ التَّضْمِينِ لَكانَ مُتَعَلِّقُ القَضاءِ الأمْرَ دُونَ المَأْمُورِ بِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ لا يُعْبَدَ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَيَحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّ جَمِيعَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى بِقَضائِهِ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مُتَوَجِّهٌ لَوْ أُرِيدَ بِالقَضاءِ أخُو القَدَرِ، أمّا لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو البَتُّ والقَطْعُ المُشارُ إلَيْهِ فَلا يَرِدُ ما ذَكَرَهُ، ثُمَّ إنَّ لُزُومَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ادَّعاهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما يُرْوى لِلْقَضاءِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحَرْفَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمْ: «ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ» فَلَصِقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ فَقَرَأ النّاسُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ ولَوْ نَزَلَتْ
صفحة 54
عَلى القَضاءِ ما أشْرَكَ بِهِ أحَدٌ، وأخْرَجَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، وهَذا إنْ صَحَّ عَجِيبٌ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لِانْدِفاعِ المَحْذُورِ بِحَمْلِ القَضاءِ عَلى الأمْرِ، ولا أقَلَّ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنْهُ أيْضًا، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَعْنًى مَجازِيٌّ لِلْقَضاءِ وقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقِيٌّ، وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ القَضاءُ فَصْلُ الأمْرِ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا، وكُلٌّ مِنهُما إلَهِيٌّ وبَشَرِيٌّ، فَمِنَ القَوْلِ الإلَهِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ أيْ: أمَرَ رَبُّكَ إلى آخِرِ ما قالَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الأمْرَ عِنْدَ البَعْضِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الطَّلَبِ لِيَتَناوَلَ طَلَبَ تَرْكِ العِبادَةِ لِغَيْرِهِ تَعالى، ويُغْنِي عَنْ هَذا التَّجَوُّزِ كَما قِيلَ أنَّ مَعْنى لا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ فَهو أمْرٌ بِاعْتِبارِ لازِمِهِ، وإنَّما اخْتِيرَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّخْلِيَةَ بِتَرْكِ ما سِواهُ مُقَدِّمَةٌ مُهِمَّةٌ هُنا، وأمَرَ سُبْحانَهُ أنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا لِمَن كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ مُنْعِمًا بِالنِّعَمِ العِظامِ وما غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، وهَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ كالتَّفْصِيلِ لِلسَّعْيِ لِلْآخِرَةِ.
﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وبِأنْ تُحْسِنُوا بِهِما أوْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، ولَعَلَّهُ إذا نُظِرَ إلى تَوْحِيدِ الخِطابِ فِيما بَعْدُ قُدِّرَ وأُحْسِنَ بِالتَّوْحِيدِ أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِالمَصْدَرِ لِأنَّ صِلَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وعَلَّقَهُ الواحِدِيُّ بِهِ فَقالَ الحَلَبِيُّ: إنْ كانَ المَصْدَرُ مُنْحَلًّا بِأنْ والفِعْلِ فالوَجْهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وإنْ جُعِلَ نائِبًا عَنِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ فالوَجْهُ ما قالَهُ الواحِدِيُّ، ومَذْهَبُ الكَثِيرِ مِنَ النُّحاةِ جَوازُ تَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ إذا كانَ ظَرْفًا مُطْلَقًا لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ أخُوهُ.
﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ إمّا مُرَكَّبَةٌ مَن إنِ الشَّرْطِيَّةِ وما المَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذا صَحَّ لُحُوقُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِلْفِعْلِ، ولَوْ أُفْرِدَتْ (إنْ) لَمْ يَصِحَّ لُحُوقُها، واخْتُلِفَ في لَحاقِها بَعْدَ الزِّيادَةِ فَقالَ أبُو إسْحاقِ بِوُجُوبِهِ، وعَنْ سِيبَوَيْهِ القَوْلُ بِعَدَمِ الوُجُوبِ، ويَسْتَشْهِدُ لَهُ بِقَوْلِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
فَإمّا تَرَيْ لُمَّتِي هَكَذا قَدْ أدْرَكَ الفَتَياتِ الخِفارا
وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ:
أما تَرَيْ رَأْسِي حاكى لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى
ومَعْنى ﴿عِنْدَكَ﴾ في كَنَفِكَ وكَفالَتِكَ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ، فَإنَّهُ مَدارُ تَضاعُفِ الرِّعايَةِ والإحْسانِ، و﴿أحَدُهُما﴾ فاعِلٌ لِلْفِعْلِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ لِئَلّا يَطُولَ الكَلامُ بِهِ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ و(كِلاهُما) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (إمّا يَبْلُغانِ) فَأحَدُهُما عَلى ما في الكَشّافِ بَدَلٌ مِن ألْفِ الضَّمِيرِ لا فاعِلٌ والألِفُ عَلامَةُ التَّثْنِيَةِ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، فَإنَّهُ رُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ المُثَنّى نَحْوَ: قاما أخَواكَ أوْ لِمُفَرَّقٍ بِالعَطْفِ بِالواوِ خاصَّةً عَلى خِلافٍ فِيهِ، نَحْوَ: قاما زَيْدٌ وعَمْرٌو، وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.
واسْتُشْكِلَتِ البَدَلِيَّةُ بِأنَّ ﴿أحَدُهُما﴾ عَلى ذَلِكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ لا كُلٍّ مِن كَلٍّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ و(كِلاهُما) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، لَكِنَّهُ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ عَلى أنَّ عَطْفَ بَدَلِ الكُلِّ عَلى غَيْرِهِ مِمّا لَمْ نَجِدْهُ. وأُجِيبَ بِأنّا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَمْ يُفِدِ البَدَلُ
صفحة 55
زِيادَةً عَلى المُبْدَلِ مِنهُ لَكِنَّهُ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ شَأْنُ التَّأْكِيدِ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ فَفِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مُقَسَّمٌ كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَهو كَقَوْلِهِ:
فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ وأُخْرى رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ البَدَلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ شَرْطُهُ العَطْفُ بِالواوِ، وأنْ لا يَصْدُقَ المُبْدَلُ مِنهُ عَلى أحَدِ قِسْمَيْهِ وهُنا قَدْ صَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنِ القِيلِ والقالِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ ﴿أحَدُهُما﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ و(كِلاهُما) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يُعْطَفُ عَلى البَدَلِ كَما لا يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ، وبِأنَّ أحَدَهُما لا يَصْلُحُ تَأْكِيدًا لِلْمُثَنّى ولا غَيْرِهِ، فَكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وبِأنَّ بَيْنَ إبْدالِ بَدَلِ البَعْضِ مِنهُ وتَوْكِيدِهِ تَدافُعًا لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَدْفَعُ إرادَةَ البَعْضِ مِنهُ، ومِن هُنا قالَ في الدُّرِّ المَصُونِ: لا بُدَّ مِن إصْلاحِهِ بِأنْ يُجْعَلَ أحَدُهُما بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ ويُضْمَرُ بَعْدَهُ فِعْلٌ رافِعٌ لِضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ و(كِلاهُما) تَوْكِيدٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أوْ يَبْلُغانِ كِلاهُما وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ حِينَئِذٍ، لَكِنَّ فِيهِ حَذْفَ المُؤَكِّدِ وإبْقاءَ تَأْكِيدِهِ، وقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وفِيهِ كَلامٌ في مُفَصَّلاتِ العَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ المُخْتارَ إضْمارُ فِعْلٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ وجُعِلَ ﴿كِلاهُما﴾ فاعِلًا لَهُ فَإنَّهُ سالِمٌ عَمّا سَمِعْتَ في غَيْرِهِ، ولِذا اخْتارَهُ في البَحْرِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ الخِطابِ فِي: ﴿عِنْدَكَ﴾ وفِيما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ ما صَرَّحَ بِهِ فِيما سَبَقَ عَلى الجَمْعِ لِلِاحْتِرازِ عَنِ التِباسِ المُرادِ، وهو نَهْيُ كُلِّ أحَدٍ عَنْ تَأْفِيفِ والِدَيْهِ ونَهْرِهِما، فَإنَّهُ لَوْ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ أوِ التَّثْنِيَةُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّهُ وحَّدَ الخِطابَ في ﴿لا تَجْعَلْ﴾ لِلْمُبالَغَةِ وجُمِعَ فِي: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِتَعْظِيمِ أمْرِ القَضاءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما﴾ أيْ: لِواحِدٍ مِنهُما حالَتَيِ الِانْفِرادِ والِاجْتِماعِ ﴿أُفٍّ﴾ هو اسْمُ صَوْتٍ يُنْبِئُ عَنِ التَّضَجُّرِ أوِ اسْمُ فِعْلٍ هو (أتَضَجَّرُ) واسْمُ الفِعْلِ بِمَعْنى المُضارِعِ، وكَذا بِمَعْنى الماضِي قَلِيلٌ والكَثِيرُ بِمَعْنى الأمْرِ وفِيهِ نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ لُغَةً، والوارِدُ مِن ذَلِكَ في القِراءاتِ سَبْعٌ، ثَلاثٌ مُتَواتِرَةٌ، وأرْبَعٌ شاذَّةٌ. فَقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ وهو لِلتَّنْكِيرِ فالمَعْنى: أتَضَجَّرُ تَضَجُّرًا ما، وإذا لَمْ يُنَوَّنْ دَلَّ عَلى تَضَجُّرٍ مَخْصُوصٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ دُونَ تَنْوِينٍ، والباقُونَ بِالكَسْرِ دُونَ تَنْوِينٍ وهو عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والفَتْحُ لِلْخِفَّةِ، ولا خِلافَ بَيْنَهم في تَشْدِيدِ الفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وأبُو السَّمّالِ بِالضَّمِّ لِلِاتِّباعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالسُّكُونِ، ومُحَصَّلُ المَعْنى: لا تَتَضَجَّرْ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنهُما وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤَنِهِما، والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ قِياسًا جَلِيًّا؛ لِأنَّهُ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الأوْلى ويُسَمّى مَفْهُومَ المُوافَقَةِ ودَلالَةَ النَّصِّ وفَحْوى الخِطابِ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَقِيقَةً ومَنطُوقًا في عُرْفِ اللُّغَةِ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ كَذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وخَصَّ بَعْضَ أنْواعِ الإيذاءِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والنَّهْرُ كَما قالَ الرّاغِبُ: الزَّجْرُ بِإغْلاظٍ، وفي الكَشّافِ: النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ؛ أيْ: لا تَزْجُرْهُما عَمّا يَتَعاطَيانِهِ مِمّا لا يُعْجِبُكَ.
وقالَ الإمامُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ الضَّجَرِ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ في القَوْلِ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِما والتَّكْذِيبِ لَهُما، ولِذا رُوعِيَ هَذا التَّرْتِيبُ وإلّا فالمَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ النَّهْرِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ عَبَثًا فَتَأمَّلْ.
﴿وقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ أيْ: جَمِيلًا لا شَراسَةَ فِيهِ، قالَ الرّاغِبُ: كُلُّ شَيْءٍ يُشَرَّفُ
صفحة 56
فِي بابِهِ فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالكَرَمِ، وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وصْفِ الشَّيْءِ بِاسْمِ صاحِبِهِ، أيْ: قَوْلًا صادِرًا عَنْ كَرَمٍ ولُطْفٍ ويَعُودُ بِالآخِرَةِ إلى القَوْلِ الجَمِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأدَبِ ويَسْتَدْعِيهِ النُّزُولُ عَلى المُرُوءَةِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: يا أبَتاهُ ويا أُمّاهُ ولا يَدْعُوهُما بِأسْمائِهِما؛ فَإنَّهُ مِنَ الجَفاءِ وسُوءِ الأدَبِ، ولَيْسَ القَوْلُ الكَرِيمُ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ كَما يُوهِمُهُ اقْتِصارُ الحَسَنِ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وكَذا ما أخْرَجَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ فِيهِ: إذا دَعَواكَ فَقُلْ: لَبَّيْكُما وسَعْدَيْكُما.
وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهَدّاجِ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقَدْ عَرَفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ، فَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.
الإسراء 17:24
﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ أيْ: تَواضَعْ لَهُما وتَذَلَّلْ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى جَناحِكَ الذَّلِيلِ ويَكُونُ ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ بَلْ خَفْضُ الجَناحِ تَمْثِيلًا في التَّواضُعِ، وجازَ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً في المُفْرَدِ وهو الجَناحُ ويَكُونُ الخَفْضُ تَرْشِيحًا تَبَعِيًّا أوْ مُسْتَقِلًّا، الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِ لَبِيَدٍ:
وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقُرَّةٍ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
فَيَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ الذُّلَّ بِطائِرٍ مُنْحَطٍّ مِن عُلُوٍّ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا ويُثْبِتَ لَهُ الجَناحَ تَخْيِيلًا والخَفْضَ تَرْشِيحًا؛ فَإنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والعُلُوَّ نَشَرَ جَناحَيْهِ ورَفَعَهُما لِيَرْتَفِعَ فَإذا تَرَكَ ذَلِكَ خَفَضَهُما، وأيْضًا هو إذا رَأى جارِحًا يَخافُهُ لَصِقَ بِالأرْضِ وألْصَقَ جَناحَيْهِ وهي غايَةُ خَوْفِهِ وتَذَلُّلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِخَفْضِهِما ما يَفْعَلُهُ إذا ضَمَّ فِراخَهُ لِلتَّرْبِيَةِ، وأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ ناشِئَةً مِن جَعْلِ الجَناحِ الذُّلَّ ثُمَّ المَجْمُوعَ كَما هو مَثَلٌ في غايَةِ التَّواضُعِ، ولَمّا أثْبَتَ لِذُلِّهِ جَناحًا أمَرَهُ بِخَفْضِهِ تَكْمِيلًا وما عَسى يَخْتَلِجُ في بَعْضِ الخَواطِرِ مِن أنَّهُ لَمّا أثْبَتَ لِذُلِّهِ جَناحًا فالأمْرُ بِرَفْعِ ذَلِكَ الجَناحِ أبْلَغُ في تَقْوِيَةِ الذُّلِّ مِن خَفْضِهِ؛ لِأنَّ كَمالَ الطّائِرِ عِنْدَ رَفْعِهِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ إذا جُعِلَ المَجْمُوعُ تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَصْوِيرُ الذُّلِّ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، وأمّا عَلى التَّرْشِيحِ فَهو وهْمٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ الجَناحِ المَخْفُوضِ لِلذُّلِّ يَدُلُّ عَلى التَّواضُعِ، وأمّا جَعْلُ الجَناحِ وحْدَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ ولِهَذا جُعِلَ تَمْثِيلًا فِيما سَلَفَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «مِنَ الذِّلِّ» بِكَسْرِ الذّالِ وهو الِانْقِيادُ وأصْلُهُ في الدَّوابِّ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ، وأمّا الذُّلُّ بِالضَّمِّ فَأصْلُهُ في الإنْسانِ وهو ضِدُّ العِزِّ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلِيلٌ ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أيْ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما، فَمِن ابْتِدائِيَّةٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَحْتَمِلُ البَيانَ حَتّى يُقالَ لَوْ كانَ كَذا لَرَجَعَتِ الِاسْتِعارَةُ إلى التَّشْبِيهِ إذْ جَناحُ الذُّلِّ لَيْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ أبَدًا بَلْ خَفْضُ جَناحِ الذُّلِّ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهُ رَحْمَةٌ وهَذا بَيِّنٌ، واسْتِفادَةُ المُبالِغَةِ مِن جَعْلِ جِنْسِ الرَّحْمَةِ مَبْدَأً لِلتَّذَلُّلِ فَإنَّهُ لا يَنْشَأُ إلّا مِن رَحْمَةٍ تامَّةٍ، وقِيلَ مِن كَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلِاسْتِغْراقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنَّما احْتاجا إلى ذَلِكَ لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرَ الخَلْقِ إلَيْهِما، واحْتِياجُ المَرْءِ إلى مَن كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ غايَةُ الضَّراعَةِ والمَسْكَنَةِ؛ فَيَحْتاجُ إلى أشَدِّ رَحْمَةٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الخَفاجِيِّ حَيْثُ يَقُولُ:
يا مَن أتى يَسْألُ عَنْ فاقَتِي ∗∗∗ ما حالُ مَن يَسْألُ مِن سائِلِهْ
ما ذِلَّةُ السُّلْطانِ إلّا إذا ∗∗∗ أصْبَحَ مُحْتاجًا إلى عامِلِهْ
صفحة 57
﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، وهي رَحْمَةُ الآخِرَةِ ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وهي ما تَضَمَّنَها الأمْرُ والنَّهْيُ السّالِفانِ، وخُصَّتِ الرَّحْمَةُ الأُخْرَوِيَّةُ بِالإرادَةِ لِأنَّها الأعْظَمُ المُناسِبُ طَلَبُهُ مِنَ العَظِيمِ، ولِأنَّ الرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ حاصِلَةٌ عُمُومًا لِكُلِّ أحَدٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ الرَّحْمَتَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي في الدُّعاءِ قِيلَ إنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالأبَوَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وقِيلَ عامَّةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ عامَّةٌ ولا نَسْخَ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ بَعْدَ المَوْتِ وهَذِهِ قَبْلَهُ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُما أنْ يَهْدِيَهُما لِلْإيمانِ فالدُّعاءُ بِها مُسْتَلْزِمٌ لِلدُّعاءِ بِهِ ولا ضَيْرَ فِيهِ، والقَوْلُ بِالنُّسَخِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ. وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ﴿كَما رَبَّيانِي﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ رَحْمَةً مِثْلَ تَرْبِيَتِهِما لِي أوْ مِثْلَ رَحْمَتِهِما لِي عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ رَحْمَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهُما الرَّحْمَةُ والتَّرْبِيَةُ مَعًا، وقَدْ ذَكَرَ أحَدَهُما في أحَدِ الجانِبَيْنِ والآخَرَ في الآخَرِ كَما يَلُوحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ في مَطْلَعِ الدُّعاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما ورَبِّهِما كَما رَحِمانِي ورَبَّيانِي ﴿صَغِيرًا﴾ وفِيهِ بُعْدٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِمَعْناها المَشْهُورِ مَعَ إفادَةِ التَّشْبِيهِ ما أفادَهُ التَّعْلِيلُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الكافَ لِتَأْكِيدِ الوُجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما رَحْمَةً مُحَقَّقَةً مَكْشُوفَةً لا رَيْبَ فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ قالَ في الكَشْفِ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ، وأمّا الحَمْلُ عَلى أنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ جُعِلَتْ حِينًا، أيِ ارْحَمْهُما في وقْتٍ أحْوَجَ ما يَكُونانِ إلى الرَّحْمَةِ كَوَقْتِ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ في حالِ الصِّغَرِ، وأنا كَلَحْمٍ عَلى وضَمٍّ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في القِيامَةِ، والرَّحْمَةُ هي الجَنَّةُ، والبَتُّ بِأنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ فَلَيْتَ شِعْرِي ألِاسْتِقامَةِ وجْهِهِ في العَرَبِيَّةِ ارْتَضاهُ أمْ لِطِباقِهِ لِلْمَقامِ وفَخامَةِ مَعْناهُ اه، وهو كَما أشارَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلى الوَلَدِ أنْ يَدْعُوَ لِوالِدَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، ومُقْتَضى عَدَمِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارُ أنَّهُ يَكْفِي في الِامْتِثالِ مَرَّةً واحِدَةً، وقَدْ سُئِلَ سُفْيانُ: كَمْ يَدْعُو الإنْسانُ لِوالِدَيْهِ في اليَوْمِ مَرَّةً أوْ في الشَّهْرِ أوْ في السَّنَةِ؟ فَقالَ: نَرْجُو أنْ يَجْزِيَهُ إذا دَعا لَهُما في آخِرِ التَّشَهُّداتِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ فَكانُوا يَرَوْنَ التَّشَهُّدَ يَكْفِي في الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ ثُمَّ يُكَبِّرُونَ في أدْبارِ الصَّلاةِ، هَذا وقَدْ بالَغَ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْصِيَةِ بِهِما مِن وُجُوهٍ لا تَخْفى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ سِوى أنْ شَفَعَ الإحْسانَ إلَيْهِما بِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ونَظَمَهُما في سِلْكِ القَضاءِ بِهِما مَعًا لَكَفى.
وقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««رِضا اللَّهِ تَعالى في رِضا الوالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ تَعالى في سَخَطِ الوالِدَيْنِ»».
وصَحَّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ مَعَهُ فَقالَ: «أحَيٌّ والِداكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ»».
وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أدْنى مِن الأُفِّ لَنَهى عَنْهُ، فَلْيَعْمَلِ العاقُّ ما شاءَ أنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ولْيَعْمَلِ البارُّ ما شاءَ أنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النّارَ»».
ورَأى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ حامِلًا أُمَّهُ عَلى رَقَبَتِهِ فَقالَ: يا ابْنَ عُمَرَ، أتُرانِي جِزْيَتُها؟ قالَ: لا ولا بِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ ولَكِنَّكَ أحْسَنْتَ واللَّهُ تَعالى يُثِيبُكَ عَلى القَلِيلِ كَثِيرًا.
صفحة 58
ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ»».
ورَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والصَّغِيرِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَن لا يُعْرَفُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي أخَذَ مالِي. فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فاذْهَبْ فَأْتِنِي بِأبِيكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ:
إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: إذا جاءَكَ الشَّيْخُ فَسَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قالَهُ في نَفْسِهِ ما سَمِعَتْهُ أُذُناهُ. فَلَمّا جاءَ الشَّيْخُ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ما بالُ ابْنِكَ يَشْكُوكَ تُرِيدُ أنْ تَأْخُذَ مالَهُ؟ قالَ: سَلْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ أنْفَقْتُهُ إلّا عَلى عَمّاتِهِ وخالاتِهِ أوْ عَلى نَفْسِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إيهِ دَعْنا مِن هَذا أخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ في نَفْسِكَ ما سَمِعَتْهُ أُذُناكَ. فَقالَ الشَّيْخُ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما يَزالُ اللَّهُ تَعالى يَزِيدُنا بِكَ يَقِينًا، لَقَدْ قُلْتُ في نَفْسِي شَيْئًا ما سَمِعَتْهُ أُذُنايَ فَقالَ: قُلْ وأنا أسْمَعُ فَقالَ: قُلْتُ:
غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا ومُنْتُكَ يافِعًا ∗∗∗ تُعَلُّ بِما أجْنِي عَلَيْكَ وتَنْهَلُ
إذا لَيْلَةٌ ضافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أبِتْ ∗∗∗ لِسُقْمِكَ إلّا ساهِرًا أتَمَلَّلُ
كَأنِّي أنا المَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ∗∗∗ طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِيَ تَهْمِلُ
تَخافُ الرَّدى نَفْسِي عَلَيْكَ وإنَّها ∗∗∗ لَتَعْلَمُ أنَّ المَوْتَ وقْتٌ مُؤَجَّلٌ
فَلَمّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغايَةَ الَّتِي ∗∗∗ إلَيْها مَدى ما كُنْتُ فِيها أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جَزائِي غِلْظَةً وفَظاظَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ أنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ∗∗∗ فَعَلْتَ كَما الجارُ المُجاوِرُ يَفْعَلُ
تَراهُ مُعَدًّا لِلْخِلافِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِرَدٍّ عَلى أهْلِ الصَّوابِ مُوَكَّلُ
قالَ: فَحِينَئِذٍ أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَلابِيبِ ابْنِهِ وقالَ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»»
والأُمُّ مُقَدَّمَةٌ في البَرِّ عَلى الأبِ؛ فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي؟ قالَ: أمُّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أبُوكَ»».
ولا يَخْتَصُّ البَرُّ بِالحَياةِ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ أيْضًا، فَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ: ««يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ أبَرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟ فَقالَ: نَعَمْ: الصَّلاةُ عَلَيْهِما، والِاسْتِغْفارُ لَهُما، وإيفاءُ عَهْدِهِما مِن بَعْدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إلّا بِهِما، وإكْرامُ صَدِيقِهِما»» ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ بِزِيادَةِ: ««قالَ الرَّجُلُ: ما أكْثَرَ هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ وأطْيَبَهُ قالَ: فاعْمَلْ بِهِ»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ لِيَمُوتَ والِداهُ أوْ أحَدُهُما وإنَّهُ لَهُما لَعاقٌّ فَلا يَزالُ يَدْعُو لَهُما ويَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ تَعالى بارًّا». وأخْرَجَ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَن عَقَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما ثُمَّ قَضى دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما واسْتَغْفَرَ لَهُما ولَمْ يَسْتَسِبَّ لَهُما كُتِبَ بارًّا، ومَن بَرَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما ثُمَّ لَمْ يَقْضِ دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما واسْتَسَبَّ لَهُما كُتِبَ عاقًّا».
وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمانِ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن زارَ قَبْرَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما في كُلِّ جُمْعَةٍ غُفِرَ لَهُ وكُتِبَ بَرًّا»».
ورَوى مُسْلِمٌ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَقِيَهُ رَجُلٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ وحَمَلَهُ عَلى حِمارٍ كانَ يَرْكَبُهُ وأعْطاهُ عِمامَةً كانَتْ عَلى رَأْسِهِ. فَقالَ ابْنُ دِينارٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ تَعالى، إنَّهُمُ الأعْرابُ وهم يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ. فَقالَ: إنَّ أبا هَذا كانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ»».
صفحة 59
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ «عَنْ أبِي بُرْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأتانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقالَ: أتَدْرِي لِمَ أتَيْتُكَ؟ قالَ: قُلْتُ: لا. قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أحَبَّ أنْ يَصِلَ أباهُ في قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إخْوانَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ»
وإنَّهُ كانَ بَيْنَ أبِي عُمَرَ وبَيْنَ أبِيكَ إخاءٌ ووُدٌّ فَأحْبَبْتُ أنْ أصِلَ ذَلِكَ». وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ البِرِّ ما لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ الأحادِيثِ، وصَحَّ عَدُّ العُقُوقِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وكَوْنُهُ مِنها هو ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ بَلْ صَرِيحُهُ أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوالِدانِ كافِرَيْنِ وأنْ يَكُونا مُسْلِمَيْنِ، والتَّقْيِيدُ بِالمُسْلِمِينَ.
فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ فَقالَ: «تِسْعٌ؛ أعْظَمُهُنَّ الإشْراكُ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ»».
إمّا لِأنَّ عُقُوقَهُما أقْبَحُ والكَلامُ هُناكَ في ذِكْرِ الأعْظَمِ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ في عَطْفِ وقَتْلِ المُؤْمِنِ وما بَعْدَهُ وإمّا لِأنَّهُما ذُكِرا لِلْغالِبِ كَما في نَظائِرَ أُخَرَ.
ولِلْحَلِيمِيِّ هاهُنا تَفْصِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيٍ لَهُ ضَعِيفٍ؛ وهو أنَّ العُقُوقَ كَبِيرَةٌ، فَإنْ كانَ مَعَهُ نَحْوُ سَبٍّ فَفاحِشَةٌ، وإنْ كانَ عُقُوقُهُ هو اسْتِثْقالَهُ لِأمْرِهِما ونَهْيِهِما والعُبُوسَ في وُجُوهِهِما والتَّبَرُّمَ بِهِما مَعَ بَذْلِ الطّاعَةِ ولُزُومِ الصَّمْتِ فَصَغِيرَةٌ، فَإنْ كانَ ما يَأْتِيهِ مِن ذَلِكَ يُلْجِئُهُما إلى أنْ يَنْقَبِضا فَيَتْرُكا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ويَلْحَقُهُما مِن ذَلِكَ ضَرَرٌ فَكَبِيرَةٌ.
وبَيْنَهم في حَدِّ العُقُوقِ خِلافٌ؛ فَفي فَتاوى البُلْقِينِيِّ مَسْألَةٌ قَدِ ابْتُلِيَ النّاسُ بِها واحْتِيجَ إلى بَسْطِ الكَلامِ عَلَيْها وإلى تَفارِيعِها؛ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ في ضِمْنِ ذَلِكَ وهي السُّؤالُ عَنْ ضابِطِ الحَدِّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ؛ إذِ الإحالَةُ عَلى العُرْفِ مِن غَيْرِ مِثالٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ؛ إذِ النّاسُ تَحْمِلُهم أغْراضُهم عَلى أنْ يَجْعَلُوا ما لَيْسَ بِعُرْفٍ عُرْفًا فَلا بُدَّ مِن مِثالٍ يُنْسَجُ عَلى مِنوالِهِ؛ وهو أنَّهُ مَثَلًا لَوْ كانَ لَهُ عَلى أبِيهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ فاخْتارَ أنْ يَرْفَعَهُ إلى الحاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنهُ ولَوْ حَبَسَهُ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا أوْ لا؟ أجابَ: هَذا المَوْضِعُ قالَ فِيهِ بَعْضُ الأكابِرِ: إنَّهُ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِضابِطٍ أرْجُو مِن فَضْلِ الفَتّاحِ العَلِيمِ أنْ يَكُونَ حَسَنًا فَأقُولُ: العُقُوقُ لِأحَدِ الوالِدَيْنِ هو أنْ يُؤْذِيَهُ بِما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ كانَ مُحَرَّمًا مِن جُمْلَةِ الصَّغائِرِ فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إلى الكَبائِرِ، أوْ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ أوْ نَهْيَهُ فِيما يَدْخُلُ مِنهُ الخَوْفُ عَلى الوَلَدِ مِن فَوْتِ نَفْسِهِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ ما لَمْ يُتَّهِمُ الوالِدُ في ذَلِكَ، أوْ أنْ يُخالِفَهُ في سَفَرٍ يَشُقُّ عَلى الوالِدِ ولَيْسَ بِفَرْضٍ عَلى الوَلَدِ أوْ في غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ فِيما لَيْسَ بِعِلْمٍ نافِعٍ ولا كَسْبٍ فِيهِ أوْ فِيهِ وقِيعَةٌ في العِرْضِ لَها وقْعٌ.
وبَيانُ هَذا الضّابِطِ أنَّ قَوْلَنا: أنْ يُؤْذِيَ الوَلَدُ أحَدَ والِدَيْهِ بِما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ والِدَيْهِ كانَ مُحَرَّمًا فَمِثالُهُ: لَوْ شَتَمَ غَيْرَ أحَدِ والِدَيْهِ أوْ ضَرَبَهُ بِحَيْثُ لا يَنْتَهِي الشَّتْمُ أوِ الضَّرْبُ إلى الكَبِيرَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ المُحَرَّمُ المَذْكُورُ إذا فَعَلَهُ الوَلَدُ مَعَ أحَدِ والِدَيْهِ كَبِيرَةً، وخَرَجَ بِقَوْلِنا: أنْ يُؤْذِيَ ما لَوْ أخَذَ فَلْسًا أوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِن مالِ أحَدِ والِدَيْهِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كَبِيرَةً وإنْ كانَ لَوْ أخَذَهُ مِن مالِ غَيْرِ والِدَيْهِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ كانَ حَرامًا؛ لَأنَّ أحَدَ الوالِدَيْنِ لا يَتَأذّى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ فَإنْ أخَذَ مالًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَأذّى المَأْخُوذُ مِنهُ مِنَ الوالِدَيْنِ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ كَبِيرَةً في حَقِّ الأجْنَبِيِّ فَكَذَلِكَ هُنا، لَكِنَّ الضّابِطَ فِيما يَكُونُ حَرامًا صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ الوالِدَيْنِ، وخَرَجَ بِقَوْلِنا: ما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ أحَدِ الوالِدَيْنِ كانَ مُحَرَّمًا؛ نَحْوَ ما إذا طالَبَ بِدَيْنٍ فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ عُقُوقًا؛ لِأنَّهُ إذا فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ الوالِدَيْنِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا فافْهَمْ ذَلِكَ فَإنَّهُ مِنَ النَّفائِسِ، وأمّا الحَبْسُ فَإنْ فَرَّعْناهُ عَلى جَوازِ حَبْسِ الوالِدِ بِدَيْنِ الوَلَدِ كَما صَحَّحَهُ جَماعَةٌ فَقَدْ طَلَبَ ما هو جائِزٌ فَلا عُقُوقَ، وإنْ فَرَّعْنا عَلى مَنعِ حَبْسِهِ المُصَحَّحِ عِنْدَ آخَرِينَ
صفحة 60
فالحاكِمُ إذا كانَ مُعْتَقَدُهُ ذَلِكَ لا يُجِيبُ إلَيْهِ ولا يَكُونُ الوَلَدُ بِطَلَبِ ذَلِكَ عاقًّا إذا كانَ مُعْتَقِدًا الوَجْهَ الأوَّلَ فَإنِ اعْتَقَدَ المَنعَ وأقْدَمَ عَلَيْهِ كانَ كَما لَوْ طَلَبَ حَبْسَ مَن لا يَجُوزُ حَبْسُهُ مِنَ الأجانِبِ عِسارًا ونَحْوَهُ، فَإذا حَبَسَهُ الوَلَدُ واعْتِقادُهُ المَنعُ كانَ عاقًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ والِدِهِ حَيْثُ لا يَجُوزُ كانَ حَرامًا.
وأمّا مُجَرَّدُ الشَّكْوى الجائِزَةِ والطَّلَبِ الجائِزِ فَلَيْسَ مِنَ العُقُوقِ في شَيْءٍ، وقَدْ شَكا بَعْضُ ولَدِ الصَّحابَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْهَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الَّذِي لا يُقِرُّ عَلى باطِلٍ، وأمّا إذا نَهَرَ أحَدَ والِدَيْهِ فَإنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ الوالِدَيْنِ وكانَ مُحَرَّمًا كانَ في حَقِّ أحَدِ الوالِدَيْنِ كَبِيرَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وكَذا أُفٍّ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ صَغِيرَةً في حَقِّ أحَدِ الوالِدَيْنِ ولا يَلْزَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُما والحالُ ما ذُكِرَ أنْ يَكُونا مِنَ الكَبائِرِ، وقَوْلُنا: أوْ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ فِيما يَدْخُلُ مِنهُ الخَوْفُ... إلَخْ. أرَدْنا بِهِ السَّفَرَ لِلْجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ الأسْفارِ الخَطِرَةِ لِما يُخافُ مِن فَواتِ نَفْسِ الوَلَدِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ لِشِدَّةِ تَفَجُّعِ الوالِدَيْنِ عَلى ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في «الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ لِلْجِهادِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ: «أحَيٌّ والِداكَ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»».
وفِي رِوايَةٍ: ««ارْجِعْ إلَيْهِما فَفِيهِما المُجاهَدَةُ».» وفي أُخْرى: «جِئْتُ أُبايِعُكَ عَلى الهِجْرَةِ وتَرَكْتُ أبَوَيَّ يَبْكِيانِ فَقالَ: «ارْجِعْ فَأضْحِكْهُما كَما أبْكَيْتَهُما»».
وفِي إسْنادِهِ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ، لَكِنْ مِن رِوايَةِ سُفْيانَ عَنْهُ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَجُلًا هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ؟» قالَ: أبَوايَ. قالَ: «أذِنا لَكَ» قالَ: لا. قالَ: «فارْجِعْ فاسْتَأْذِنْهُما؛ فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وإلّا فَبِرَّهُما»». ورَواهُ أبُو داوُدَ وفي إسْنادِهِ مَنِ اخْتُلِفَ في تَوْثِيقِهِ، وقَوْلُنا: ما لَمْ يُتَّهَمِ الوالِدُ في ذَلِكَ أخْرَجْنا بِهِ ما لَوْ كانَ الوالِدُ كافِرًا فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ الوَلَدُ إلى إذْنِهِ في الجِهادِ ونَحْوِهِ، وحَيْثُ اعْتَبَرْنا إذَنَ الوالِدِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ حُرًّا أوْ عَبْدًا، وقَوْلُنا: أوْ أنْ يُخالِفَهُ في سَفَرٍ إلَخْ أرَدْنا بِهِ السَّفَرَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ حَيْثُ كانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وأخْرَجْنا بِذَلِكَ حَجَّ الفَرْضِ، وإذا كانَ فِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ يَجِبُ رُكُوبُهُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلامَةِ فَظاهِرُ الفِقْهِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ ولَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لِما عِنْدَ الوالِدِ مِنَ الخَوْفِ في رُكُوبِ البَحْرِ وإنْ غَلَبَتِ السَّلامَةُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وأمّا سَفَرُهُ لِلْعِلْمِ المُتَعَيِّنِ أوْ لِفَرْضِ الكِفايَةِ فَلا مَنعَ مِنهُ وإنْ كانَ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ في بَلَدِهِ خِلافًا لِمَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّعُ في السَّفَرِ فَراغَ قَلْبٍ وإرْشادِ أُسْتاذٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ احْتاجَ إلى الِاسْتِئْذانِ وحَيْثُ وجَبَتِ النَّفَقَةُ لِلْوالِدِ عَلى الوَلَدِ وكانَ في سَفَرِهِ تَضْيِيعٌ لِلْواجِبِ فَلِلْوالِدِ المَنعُ، وأمّا إذا كانَ الوَلَدُ بِسَفَرِهِ يَحْصُلُ وقِيعَةٌ في العِرْضِ لَها وقْعٌ؛ بِأنْ يَكُونَ أمْرَدَ ويَخافُ مِن سَفَرِهِ تُهْمَةً فَإنَّهُ يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ؛ وذَلِكَ في الأُنْثى أوْلى، وأمّا مُخالَفَةُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ فِيما لا يَدْخُلُ عَلى الوَلَدِ فِيهِ ضَرَرٌ بِالكُلِّيَّةِ وإنَّما هو مُجَرَّدُ إرْشادٍ لِلْوَلَدِ فَلا تَكُونُ عُقُوقًا، وعَدَمُ المُخالَفَةِ أوْلى اه كَلامُ البُلْقِينِيِّ.
«وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ» أنَّ العُقُوقَ فِعْلُ ما يَحْصُلُ مِنهُ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما إيذاءٌ لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا. ويُحْتَمَلُ أنَّ العِبْرَةَ بِالمُتَأذِّي لَكِنْ لَوْ كانَ الوالِدُ مَثَلًا في غايَةِ الحُمْقِ أوْ سَفاهَةِ العَقْلِ فَأمَرَ أوْ نَهى ولَدَهُ بِما لا يُعَدُّ مُخالَفَتُهُ فِيهِ في العُرْفِ عُقُوقًا لا يَفْسُقُ ولَدُهُ بِمُخالَفَتِهِ حِينَئِذٍ لِعُذْرِهِ وعَلَيْهِ فَلَوْ كانَ مُتَزَوِّجًا بِمَن يُحِبُّها فَأمَرَهُ بِطَلاقِها ولَوْ لِعَدَمِ عِفَّتِها فَلَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، نَعَمْ؛ الأفْضَلُ طَلاقُها امْتِثالًا لِأمْرِ والِدِهِ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ «أنَّ رَجُلًا أتى أبا الدَّرْداءِ فَقالَ: إنَّ أبِي لَمْ يَزَلْ بِي حَتّى زَوَّجَنِي امْرَأةً، وإنَّهُ الآنَ يَأْمُرُنِي بِفِراقِها. قالَ: ما أنا بِالَّذِي آمُرُكَ أنْ تَعُقَّ والِدَيْكَ، ولا بِالَّذِي آمُرُكَ أنْ تُطَلِّقَ زَوْجَتَكَ غَيْرَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِما سَمِعْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الوالِدُ أوْسَطُ أبْوابِ الجَنَّةِ» فَحافِظْ
صفحة 61
عَلى ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أوْ دَعْ،» ورَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَ تَحْتِي امْرَأةٌ أُحِبُّها، وكانَ عُمَرُ يَكْرَهُها. فَقالَ لِي: طَلِّقْها فَأبَيْتُ فَأتى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَلِّقْها».
وكَذا سائِرُ أوامِرِهِ الَّتِي لا حامِلَ لَها إلّا ضَعْفُ عَقْلِهِ وسَفاهَةُ رَأْيِهِ ولَوْ عُرِضَتْ عَلى أرْبابِ العُقُولِ لَعَدُّوها مُتَساهَلًا فِيها ولَرَأوْا أنَّهُ لا إيذاءَ بِمُخالَفَتِها ثُمَّ قالَ: هَذا هو الَّذِي يَتَّجِهُ في تَقْرِيرِ الحَدِّ». وتَعَقَّبَ ما نُقِلَ عَنِ البُلْقِينِيِّ بِأنَّ تَخْصِيصَهُ العُقُوقَ بِفِعْلِ المُحَرَّمِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ فِيهِ وقْفَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أنَّ المَدارَ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَهُ ما يَتَأذّى بِهِ تَأذِّيًا لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كانَ كَبِيرَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ الغَيْرِ؛ كَأنْ يَلْقاهُ فَيُقَطِّبُ في وجْهِهِ أوْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ في مَلَأٍ فَلا يَقُومُ إلَيْهِ، ولا يَعْبَأُ بِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَقْضِي أهْلُ العَقْلِ والمُرُوءَةِ مِن أهْلِ العُرْفِ بِأنَّهُ مُؤْذٍ إيذاءً عَظِيمًا فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ السَّبَبَ في تَعْظِيمِ أمْرِ الوالِدَيْنِ أنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرِيُّ في إيجادِهِ وتَعَيُّشِهِ، ولا يَكادُ تَكُونُ نِعْمَةُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى الوَلَدِ كَنِعْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلَيْهِ، لا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الوالِدَيْنِ إنَّما طَلَبا تَحْصِيلَ اللَّذَّةِ لِأنْفُسِهِما فَلَزِمَ مِنهُ دُخُولُ الوَلَدِ في الوُجُودِ ودُخُولُهُ في عالَمِ الآفاتِ والمُخافاتِ، فَأيُّ إنْعامٍ لَهُما عَلَيْهِ، وقَدْ حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُتَسَمِّينَ بِالحِكْمَةِ كانَ يَضْرِبُ أباهُ ويَقُولُ: هو الَّذِي أدْخَلَنِي في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وعَرَّضَنِي لِلْمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والزَّمانَةِ، وقِيلَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّيِّ ولَمْ يَكُنْ ذا ولَدٍ: ما نَكْتُبُ عَلى قَبْرِكَ فَقالَ: اكْتُبُوا عَلَيْهِ:
هَذا جَناهُ أبِي عَلَيَّ ∗∗∗ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدِ
وقالَ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ وعَدَمِ الوَلَدِ:
وتَرَكْتُ فِيهِمْ نِعْمَةَ العَدَمِ الَّتِي ∗∗∗ سَبَقَتْ وصَدَّتْ عَنْ نَعِيمِ العاجِلِ
ولَوْ إنَّهم وُلِدُوا لَنالُوا شِدَّةً ∗∗∗ تَرْمِي بِهِمْ في مُوبِقاتِ الآجِلِ
وقالَ ابْنُ رَشِيقٍ:
قَبَّحَ اللَّهُ لَذَّةً لِشَقانا ∗∗∗ نالَها الأُمَّهاتُ والآباءُ
نَحْنُ لَوْلا الوُجُودُ لَمْ نَأْلَمِ الفَقْ ∗∗∗ دَ فَإيجادُنا عَلَيْنا بَلاءُ
وقِيلَ لِلْإسْكَنْدَرِ: أُسْتاذُكَ أعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكَ أمْ والِدُكَ؟ فَقالَ: الأُسْتاذُ أعْظَمُ مِنَّةً؛ لِأنَّهُ تَحَمَّلَ أنْواعَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ عِنْدَ تَعْلِيمِي حَتّى أوْقَفَنِي عَلى نُورِ العِلْمِ، وأمّا الوالِدُ فَإنَّهُ طَلَبَ تَحْصِيلَ لَذَّةِ الوِقاعِ لِنَفْسِهِ فَأخْرَجَنِي إلى عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ المَطْلُوبُ لَذَّةَ الوِقاعِ إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ بِإيصالِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الآفاتِ مِن أوَّلِ دُخُولِ الوَلَدِ في الوُجُودِ إلى وقْتِ بُلُوغِهِ الكِبَرَ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ ما يُتَخَيَّلُ مِن جِهاتِ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، وقَدْ يُقالُ: لَوْ كانَ الإدْخالُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ والتَّعْرِيضِ لِلْأكْدارِ والأنْكادِ دافِعًا لِحَقِّ الوالِدَيْنِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ دافِعًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ، وأيْضًا يُعارِضُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ لِلنَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي العَقْلِ السَّلِيمِ، ولَعَمْرِي إنَّ إنْكارَ حَقِّهِما إنْكارٌ لِأجَلِّ الأُمُورِ، ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ.
الإسراء 17:25
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما وانْعِقادِ ما يَجِبُ مِنَ التَّوْقِيرِ لَهُما، وهو عَلى ما قِيلَ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِما أكَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِما في ضَمائِرِهِمْ مِن ذَلِكَ فَمُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ
صفحة 62
وعْدٌ لِمَن أضْمَرَ البَرَّ، ووَعِيدٌ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ غُلِّبَ ذَلِكَ الجانِبُ لِأنَّ الكَلامَ بِالأصالَةِ فِيهِ ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ قاصِدِينَ الصَّلاحَ والبِرَّ دُونَ العُقُوقِ والفَسادِ ﴿فَإنَّهُ﴾ تَعالى شَأْنُهُ ﴿كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ الرّاجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى التّائِبِينَ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِمّا لا يَكادُ يَخْلُو مِنَ البَشَرِ ﴿غَفُورًا﴾ لِما وقَعَ مِنهم مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ أوْ أذِيَّةٍ، وهَذا كَما في الكَشْفِ تَيْسِيرٌ بَعْدَ التَّأْكِيدِ والتَّعْسِيرِ مَعَ تَضْيِيقٍ وتَحْذِيرٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ شَرَطَ في البادِرَةِ الَّتِي تَقَعُ عَلى النُّدْرَةِ قَصْدَ الصَّلاحِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْسِ الصَّلاحِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِصُدُورِها بَلْ رَمَزَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ لِدَلالَةِ المَغْفِرَةِ عَلى الذَّنْبِ والأوّابِ أيْضًا، فَإنَّ التَّوْبَةَ عَنْ ذَنْبٍ يَكُونُ بِشَرْطِ قَصْدِ الصَّلاحِ، وأنْ يَتُوبَ عَنْهُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْبَةَ البالِغَةَ، وهو اسْتِئْنافٌ ثانٍ يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَقُومُ بِحَقِّهِما وقَدْ يَنْدُرُ بَوادِرُ؟ فَقِيلَ إذا بَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى الأساسِ وكانَ المُسْتَمِرُّ ذَلِكَ ثُمَّ اتَّفَقَ بادِرَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَساءَةِ فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى يَحْجِزُ دُونَ عَذابِهِ قائِمًا بِالكِلاءَةِ، وكَوْنُ الآيَةِ في البادِرَةِ تَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ إلى والِدَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عامَّةً لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.
الإسراء 17:26
﴿وآتِ ذا القُرْبى﴾ أيْ ذا القَرابَةِ مِنكَ ﴿حَقَّهُ﴾ الثّابِتَ لَهُ، قِيلَ: ولَعَلَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى المَحارِمُ وبِحَقِّهِمُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّهِما المُساواةُ المالِيَّةُ أيْ وآتِهِما حَقَّهُما مِمّا كانَ مُفْتَرَضًا بِمَكَّةَ بِمَنزِلَةِ الزَّكاةِ وكَذا النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ وعَنِ الإفْراطِ في القَبْضِ والبَسْطِ؛ فَإنَّ الكُلَّ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى إيجابِ نَفَقَةِ المَحارِمِ المُحْتاجِينَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أصْلًا كالوالِدَيْنِ ولا فَرْعًا كالوَلَدِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ؛ فَإنَّ ذا القُرْبى يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ لُغَةً وإنْ لَمْ يَتَناوَلْهُ عُرْفًا؛ فَلِذا قالُوا في بابِ الوَصِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ: لَوْ أوْصى لِذَوِي قَرابَتِهِ لا يَدْخُلانِ.
وفِي المِعْراجِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن قالَ لِأبِيهِ: قَرِيبِي فَقَدْ عَقَّهُ»».
والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَناوُلُ غَيْرِهِما مِنَ الأقارِبِ والتَّوْصِيَةُ بِشَأْنِهِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ الحَقَّ أنَّ إيتاءَ الحَقِّ عامٌّ، والمَقامُ يَقْتَضِي الشُّمُولَ فَيَتَناوَلُ الحَقَّ المالِيَّ وغَيْرَهُ، مِنَ الصِّلَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ فَلا تَنْتَهِضُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى إيجابِ نَفَقَةِ المَحارِمِ، وتُعُقِّبَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَقَّهُ﴾ يُشْعِرُ بِاسْتِحْقاقِ ذَلِكَ لِاحْتِياجِهِ مَعَ أنَّهُ إذا عَمَّ دَخَلَ فِيهِ المالِيُّ وغَيْرُهُ فَكَيْفَ لا تَنْتَهِضُ الآيَةُ دَلِيلًا وأنا مِمَّنْ يَقُولُ بِالعُمُومِ وعَدَمِ اخْتِصاصِ ذِي القُرْبى بِذِي القَرابَةِ الوِلادِيَّةِ، والعَطْفُ وكَذا ما بَعْدَهُ لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصٍ قَطْعًا فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: المُرادُ بِذِي القُرْبى أُقارِبُ الرَّسُولِ ﷺ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أفَما قَرَأْتَ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ؟ قالَ: وإنَّكُمُ القُرابَةُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤْتى حَقَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ.
ورَواهُ الشِّيعَةُ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وحَقُّهم تَوْقِيرُهم وإعْطاؤُهُمُ الخُمْسَ.
وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى التَّخْصِيصِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخِطابَ قَرِينَةٌ وفِيهِ نَظَرٌ.
وما أخْرَجَهُ البَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِن أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ فَأعْطاها فَدَكًا».
لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ القَلْبَ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ شَيْءٌ بِناءً عَلى أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ وفَدَكٌ لَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ تَحْتَ تَصَرُّفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ طَلَبُها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ إرْثًا بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما هو المَشْهُورُ يَأْبى القَوْلَ
صفحة 63
بِالصِّحَّةِ كَما لا يَخْفى.
﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ نَهى عَنْ صَرْفِ المالِ إلى مَن لا يَسْتَحِقُّهُ فَإنَّ التَّبْذِيرَ إنْفاقٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَأْخُوذٌ مِن تَفْرِيقِ البَذْرِ وإلْقائِهِ في الأرْضِ كَيْفَما كانَ مِن غَيْرِ تَعَهُّدٍ لِمَواقِعِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ، وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ وغَيْرِهِ أنَّ أصْلَهُ إلْقاءُ البَذْرِ وطَرْحُهُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِتَضْيِيعِ المالِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ بَعْضُهم تَشْيِيدَ الدّارِ ونَحْوَهُ، وفَرَّقَ اَلْماوَرْدِيُّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإسْرافِ بِأنَّ الإسْرافَ تَجاوُزٌ في الكَمِّيَّةِ وهو جَهْلٌ بِمَقادِيرِ الحُقُوقِ، والتَّبْذِيرُ تَجاوُزٌ في مَوْقِعِ الحَقِّ وهو جَهْلٌ بِالكَيْفِيَّةِ وبِمَواقِعِها، وكِلاهُما مَذْمُومٌ، والثّانِي أدْخَلُ في الذَّمِّ.
وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّبْذِيرَ هُنا بِتَفْرِيقِ المالِ فِيما لا يَنْبَغِي وإنْفاقُهُ عَلى وجْهِ الإسْرافِ، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ التَّبْذِيرَ شامِلٌ لِلْإسْرافِ في عُرْفِ اللُّغَةِ ويُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً وإنَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِما فَرَّقَ، وفي الكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ الفَرْقِ والنَّصِّ عَلى أنَّ الثّانِيَ أدْخَلُ في الذَّمِّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَغِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ يُرْشِدُ إلَيْهِ، وإنَّما أرادَ أنَّهُ في الآيَةِ يَتَناوَلُ الإسْرافَ أيْضًا بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ إذْ لا يَفْتَرِقانِ في الأحْكامِ لا سِيَّما وقَدْ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِالحَثِّ عَلى الِاقْتِصادِ المُناسِبِ لِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ المُرْشِدِ إلى إرادَتِهِ مِنَ النَّصِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا كانَ التَّبْذِيرُ أدْخَلَ في الذَّمِّ مِنَ الإسْرافِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ فِيما بَعْدُ يَبْعُدُ إرادَتُهُ هاهُنا فَتَأمَّلْ.
الإسراء 17:27
﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَلْزُوزًا في قَرْنِ الشَّياطِينِ، والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ والمُرادُ بِهِ المُمائِلُ مَجازًا، أيْ: إنَّهم مُماثِلُونَ لَهم في صِفاتِ السُّوءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّبْذِيرُ، أوِ الصَّدِيقُ والتّابِعُ مَجازًا أيْضًا أيْ: إنَّهم أصْدِقاؤُهم وأتْباعُهم فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّبْذِيرِ والصَّرْفِ في المَعاصِي فَإنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَناهِي والمَلاهِي، أوِ القَرِينُ كَما سَبَقَ أيْضًا أيْ أنَّهم قُرَناؤُهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ.
﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ أيْ مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى لِأنَّ شَأْنَهُ صَرْفُ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى والقَدَرِ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ وإضْلالِ النّاسِ وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى وكُفْرانِ نِعَمَهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ.
وفِي تَخْصِيصِ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ صِفاتِهِ القَبِيحَةِ إيذانٌ بِأنَّ التَّبْذِيرَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرِفِها مِن بابِ الكُفْرانِ المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو صَرْفُها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارٌ بِكَمالِ عُتُوِّهُ كَما لا يَخْفى. ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِجَوازِ حَمْلِ الكُفْرِ هُنا عَلى ما يُقابِلُ الإيمانَ ولَيْسَ بِذاكَ.
الإسراء 17:28
﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أيْ: عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: عَنِ السّائِلِينَ مُطْلَقًا، والإعْراضُ في الأصْلِ إظْهارُ العَرْضِ أيِ النّاحِيَةِ، فَمَعْنى أعْرَضَ عَنْهُ: ولّى مُبْدِيًا عَرْضَهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا حَقِيقَتُهُ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا سُئِلَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَهُ صَرَفَ وجْهَهُ الشَّرِيفَ وسَكَتَ فَنَزَلَتْ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾»
والخِطابُ عامٌّ لَهُ ﷺ ولِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ الرِّزْقُ، ونُصِبَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
قالَ في الكَشْفِ: قَدْ أُقِيمَ ابْتِغاءُ الرِّزْقِ مَقامَ فِقْدانِهِ وفِيهِ لُطْفٌ، فَكانَ ذَلِكَ الإعْراضُ لِأجْلِ السَّعْيِ لَهُمْ، وهو
صفحة 64
مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ كَما أوْضَحَهُ في الكَشّافِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الِابْتِغاءُ بِالِانْتِظارِ ويَجُوزُ جَعْلُهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ أيْ: مُبْتَغِيًا، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعِيدٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإعْراضُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّفْعِ وتَرْكِ الإعْطاءِ لِأنَّهُ لازَمَهُ عُرْفًا والِابْتِغاءُ مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ والتَّعَلُّقِ أيْضًا بِالشَّرْطِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأُعِينُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآيَةَ».
وفَسَّرَ الرَّحْمَةَ بِالفَيْءِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ في المُسْتَقْبَلِ أنَّكَ أعْرَضْتَ عَنْهم في الماضِي ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ إلَخْ. والمُرادُ سَبَبِيَّةُ الثُّبُوتِ لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ بِجَوابِ الشَّرْطِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أيْ: إمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهم فَقُلْ لَهم ذَلِكَ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، وقَدَّمَ هَذا الوَجْهُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واعْتُرِضَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها في غَيْرِ بابِ أمّا وما يَلْحَقُ بِها. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ المُجَوِّزِ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا أوْ أرادَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ فَيُضْمَرُ ما يَنْصِبُهُ ويُجْعَلُ المَذْكُورُ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ، والإعْراضُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ كِنايَةً مُخْتَصٌّ بِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرْطِ عَلى ما زَعَمَهُ الطِّيبِيُّ والحَقُّ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ كَما لا يَخْفى.
وجُمْلَةُ: ﴿تَرْجُوها﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وصْفًا لِرَحْمَةٍ وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ و﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْجُوها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَحْمَةٍ، والمَيْسُورُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن يُسِّرَ الأمْرُ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ مِثْلَ سَعِدَ الرَّجُلُ ومَعْناهُ السَّهْلُ؛ أيْ: فَقُلْ لَهم قَوْلًا سَهْلًا لَيِّنًا وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا، قالَ الحَسَنُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكُمْ، وقِيلَ: المَيْسُورُ مَصْدَرٌ وجُعِلَ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: قَوْلًا ذا مَيْسُورٍ، أيْ: يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ بِاليُسْرِ مِثْلَ: أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَ لَكُمْ، وفَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ بِرَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكُمْ، بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكم.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ المَيْسُورَ مَعْناهُ ذا يُسْرٍ؛ ولِهَذا وقَعَ صِفَةً لِقَوْلٍ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ في أنْ يُجْعَلَ مَصْدَرًا ثُمَّ يُؤَوَّلُ بِذا مَيْسُورٍ، ودُفِعَ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ لا يَكُونُ القَوْلُ حِينَئِذٍ مَيْسُورًا بَلْ مُيَسِّرٌ لِما أرادُوهُ.
ومَيْسُورٌ مَصْدَرًا مِمّا ثَبَتَ في اللُّغَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَجَعْلُهُ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
والحُقُّ أنَّ اعْتِبارَهُ مَصْدَرًا خِلافُ الظّاهِرِ، وفي الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لِلسّائِلِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ لا يَرى أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ إذا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا: رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوَهُ؛ قائِلًا: إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَكْرَهُ سَماعَهُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى لِمَن لا يَهَشُّ لَهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ مَغْزًى بَعِيدٌ، وأفادَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ الإعْراضِ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ فَإنَّ المَعْنى: إنْ أرَدْتَ الإعْراضَ عَنْهم فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ولا تُعْرِضْ، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ بَصَرٌ حَدِيدٌ.
واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ جَعْلَ: ﴿ابْتِغاءَ﴾ مِن مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ بِأنّا مَأْمُورُونَ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ إنِ انْتَظَرْنا شَيْئًا يَحْصُلُ لَنا أوْ لَمْ نَنْتَظِرْ. وأجابَ بِأنَّ
صفحة 65
المُرادَ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ الوَعْدُ بِالعَطاءِ فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ: لا تَعِدُوا إلّا إذا كُنْتُمْ عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ ما تَعِدُونَ بِهِ فالتَّقْيِيدُ بِالِابْتِغاءِ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِلشَّرْطِ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَعْدُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجاءِ لِما أنَّهُ يُؤَدِّي إلى الإخْلافِ وهو كَما تَرى.
الإسراء 17:29
﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإسْرافِ المُبَذِّرِ زَجْرًا لَهُما عَنْهُما وحَمْلًا عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ الِاقْتِصادِ والتَّوَسُّطِ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ؛ وذَلِكَ هو الجُودُ المَمْدُوحُ فَخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ»»
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الِاقْتِصادُ في النَّفَقَةِ نِصْفُ المَعِيشَةِ»»
وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««التَّدْبِيرُ نِصْفُ المَعِيشَةِ، والتَّوَدُّدُ نِصْفُ العَقْلِ، والهَمُّ نِصْفُ الهَرَمِ، وقِلَّةُ العِيالِ أحَدُ اليَسارَيْنِ»».
وكانَ يُقالُ: حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ العَفافِ خَيْرٌ مِنَ الغِنى مَعَ الإسْرافِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أيْ: فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ ﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا مَغْمُومًا أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ؛ مِن حَسَرَهُ السَّفَرُ أعْياهُ وأوْقَفَهُ حَتّى انْقَطَعَ عَنْ رُفْقَتِهِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ لِلْمُعْيِي حاسِرٌ ومَحْسُورٌ، أمّا الحاسِرُ فَتُصُوِّرَ أنَّهُ قَدْ حَسِرَ بِنَفْسِهِ قُواهُ، وأمّا المَحْسُورُ فَتُصُوِّرَ أنَّ التَّعَبَ قَدْ حَسَرَهُ، وهَذا بَيانُ قُبْحِ الإسْرافِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ الأخِيرِ، وبُيِّنَ في أثَرِهِ لِأنَّ غائِلَةَ الإسْرافِ في آخِرِهِ، وحَيْثُ كانَ قُبْحُ الشُّحِّ المَفْهُومُ مِنَ النَّهْيِ الأوَّلِ مُقارِنًا لَهُ مَعْلُومًا مِن أوَّلِ الأمْرِ رُوعِي ذَلِكَ في التَّصْوِيرِ بِأقْبَحِ الصُّوَرِ، ولَمْ يَسَلْكْ فِيهِ مَسْلَكَ ما بَعْدَهُ كَذا قِيلَ، وفي أثَرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ما يَقْتَضِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِقُبْحِ الأمْرَيْنِ ويُعْتَبَرُ التَّوْزِيعُ «فَتَقْعُدَ» مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيَيْنِ والمَلُومُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ كَما قِيلَ: إنَّ البَخِيلَ مَلُومٌ حَيْثُما كانا، والمَحْسُورُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَبْسُطْها﴾ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وفِي الكَشّافِ عَنْ جابِرٍ: ««بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ إذْ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا فَقالَ: «مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ يَظْهَرُ فَعُدْ إلَيْنا». فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: قُلْ لَهُ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ. فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا، وأذَّنَ بِلالٌ وانْتَظَرَ فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ»».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَأْبى هَذا كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، والآيَةُ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، ولَعَلَّ الخَبَرَ لَمْ يَثْبُتْ؛ فَعَنْ ولِيِّ الدِّينِ العِراقِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ أيْ: بِهَذا اللَّفْظِ، وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ غُلامٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْألُكَ كَذا وكَذا فَقالَ: ما عِنْدَنا اليَوْمَ شَيْءٌ قالَ: فَتَقُولُ لَكَ: اكْسُنِي قَمِيصَكَ. فَخَلَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَمِيصَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وجَلَسَ في البَيْتِ حاسِرًا فَنَزَلَتْ،» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المُنْهالِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ.
ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُما حَدِيثُ أذانِ بِلالٍ وما بَعْدَهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ فَجاءَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ فَأنْشَأ يَقُولُ:
أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِي دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ
وما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن يُخَفَضِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ
صفحة 66
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا أبا بَكْرٍ، اقْطَعْ لِسانَهُ عَنِّي، أعْطِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ»». وكانُوا جَمِيعًا مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم فَنَزَلَتْ.
وفِيهِ الإباءُ السّابِقُ كَما لا يَخْفى. وكَذا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَيّارٍ أبِي الحَكَمِ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِزَمَنِ العِراقِ وكانَ مِعْطاءً كَرِيمًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النّاسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ فَقالُوا: نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ نَسْألُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَرَغَ مِنهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
الإسراء 17:30
﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ إلَخْ. كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أعْرَضْتَ عَنْهم لِفَقْدِ الرِّزْقِ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ولا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِهَوانٍ مِنكَ عَلَيْهِ تَعالى بَلْ لِأنَّ بِيَدِهِ جَلَّ وعَلا مَقالِيدَ الرِّزْقِ وهو سُبْحانُهُ يُوَسِّعُهُ عَلىً بَعْضٍ ويُضَيِّقُهُ عَلى بَعْضٍ حَسْبَما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ فَما يَعْرِضُ لَكَ في بَعْضِ الأحْيانِ مِن ضِيقِ الحالِ الَّذِي يُحْوِجُكَ إلى الإعْراضِ لَيْسَ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾ إلَخْ. مُعْتَرِضًا تَأْكِيدًا لِمَعْنى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ سُبْحانَهُ: ﴿كانَ﴾ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ ﴿بِعِبادِهِ﴾ جَمِيعِهِمْ ﴿خَبِيرًا﴾ عالِمًا بِسِرِّهِمْ ﴿بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِعَلَنِهِمْ فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ تَعْلِيلٌ لِسابِقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاقْتِصادِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّهْيَيْنِ؛ إمّا عَلى مَعْنى أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ أمْرانِ مُخْتَصّانِ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا أنْتَ فاقْتَصِدْ واتْرُكْ ما هو مُخْتَصٌّ بِهِ جَلَّ وعَلا، أوْ عَلى مَعْنى أنَّكم إذا تَحَقَّقْتُمْ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْسُطُ ويَقْبِضُ وأمْعَنْتُمُ النَّظَرَ في ذَلِكَ وجَدْتُمُوهُ تَعالى مُقْتَصِدًا فاقْتَصِدُوا أنْتُمْ واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَعْلِيلًا لِجَمِيعِ ما مَرَّ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ الأخِيرِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ ويَقْبِضُ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ فَلا تَبْسُطُوا عَلى مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
الإسراء 17:31
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ فَلا.
الإمْلاقُ الفَقْرُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
وإنِّي عَلى الإمْلاقِ يا قَوْمُ ماجِدُ أُعِدُّ لِأضْيافِي الشِّواءَ المُصَهَّبا
وظاهِرُ اللَّفْظِ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ قَتْلِ الأوْلادِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا مَخافَةَ الفَقْرِ والفاقَةِ، لَكِنْ رُوِيَ أنَّ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مَن كانَ يَئِدُ البَناتِ مَخافَةَ العَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ فَنَهى في الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالأوْلادِ البَناتُ وبِالقَتْلِ الوَأْدُ، والخَشْيَةُ في الأصْلِ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ، قالَ الرّاغِبُ: وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ بِما يُخْشى مِنهُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّهْيَ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن نَظِيرِهِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يَكُونَ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ وحِينَئِذٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَنصُوبًا بِأنَّ كَما في الفِعْلِ السّابِقِ.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ ضَمانٌ لِرِزْقِهِمْ وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ بِإبْطالِ مُوجِبِهِ في زَعْمِهِمْ؛ أيْ: نَحْنُ نَرْزَقُهم لا أنْتُمْ فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِناءً عَلى عِلْمِكم بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِمْ، وتَقْدِيمُ ضَمِيرِ الأوْلادِ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِمْ في إفاضَةِ الرِّزْقِ، وعارِضُ هَذِهِ النُّكْتَةِ هُناكَ تَقَدَّمَ ما يَسْتَدْعِي الِاعْتِناءَ بِشَأْنِ المُخاطَبِينَ مِنَ الآياتِ كَذا قِيلَ. وجَوَّزَ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ كَوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الباعِثَ عَلى القَتْلِ هُناكَ الإمْلاقُ النّاجِزُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: مِن إمْلاقٍ، وهاهُنا الإمْلاقُ المُتَوَقَّعُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نُرْزَقُهم مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن رِزْقِكم شَيْءٌ فَيَعْتَرِيكم ما تَخْشَوْنَهُ وإيّاكم أيْضًا رِزْقًا إلى رِزْقِكم.
صفحة 67
﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ بِبَيانِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في نَفْسِهِ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ التَّناسُلِ وقَطْعِ النَّوْعِ، والخَطَأُ كالإثْمِ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِعْلُهُما مِن بابِ عَلِمَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ عامِرٍ (خَطَأً) بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ عَلى وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ مِن أخْطَأ يُخْطِئُ إذا لَمْ يُصِبْ، أيْ: إنَّ قَتْلَهم كانَ غَيْرَ صَوابٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ لُغَةً في الخَطَأِ بِمَعْنى الإثْمِ مِثْلَ مَثَلٍ ومِثْلٍ وحَذِرٍ وحَذُرٍ فَمَنِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ الخَطَأ ما لَمْ يُتَعَمَّدْ ولَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ فَقَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلاعِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «خِطاءً» بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ والمَدِّ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا؛ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لُغَةً في الخِطْءِ بِمَعْنى الإثْمِ مِثْلَ دَبْغٍ ودِباغٍ ولِبْسٍ ولِباسٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ خاطَأ يُخاطِئُ خِطاءً مِثْلَ قاتَلَ يُقاتِلُ قِتالًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ لَكِنْ وُجِدَ تَخَطَّأ مُطاوِعُهُ فَدَلَّنا عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: تَخَطَّأتِ النُّبْلُ أحْشاءَهُ، وأنْشَدَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّوِيِّ في وصْفِ كَماءَةٍ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ:
وأشْعَثَ قَدْ ناوَلْتُهُ أحْرَشَ الفِرى ∗∗∗ أدَرْتُ عَلَيْهِ المُدْجِناتِ الهَواضِبِ
تَخَطَّأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مَنقَعِ الماءِ راسِبِ
والمَعْنى عَلى هَذا: إنَّ قَتْلَهم كانَ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَقَوْلُ أبِي حاتِمٍ إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَلَطٌ غَلَطٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: «خَطاءً» بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مَعَ المَدِّ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أخْطى كالعَطاءِ اسْمُ مَصْدَرِ أعْطى، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ: «خِطَأً» بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ وألِفٍ في آخِرِهِ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ ولَيْسَ مِن قَصْرِ المَمْدُودِ؛ لِأنَّهُ ضَرُورَةٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: «خَطًا» كَعَصًا.
الإسراء 17:32
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِمُباشَرَةِ مَبادِيهِ القَرِيبَةِ أوِ البَعِيدَةِ فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ، والنَّهْيُ عَنْ قُرْبانِهِ عَلى خِلافِ ما سَبَقَ ولَحِقَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ نَفْسِهِ، ولِأنَّ قُرْبانَهُ داعٍ إلى مُباشَرَتِهِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِوَطْءِ المَرْأةِ مِن غَيْرِ عَقْدٍ شَرْعِيٍّ، وجاءَ فِيهِ المَدُّ والقَصْرُ، وإذا مُدَّ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُفاعَلَةِ، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ عَنْهُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ مُطْلَقًا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَتْلٌ لِلْأوْلادِ لِما أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْأنْسابِ فَإنَّ مَن لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مَيِّتٌ حُكْمًا.
﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ فِعْلَةٌ ظاهِرَةُ القُبْحِ زائِدَتُهُ ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ أيْ: وبِئْسَ السَّبِيلُ سَبِيلًا لِما فِيهِ مِنَ اخْتِلالِ أمْرِ الأنْسابِ وهَيَجانِ الفِتَنِ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ»».
وجاءَ في غَيْرِ رِوايَةٍ «أنَّهُ إذا زَنى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنهُ الإيمانُ فَكانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كالظُّلَّةِ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ رَجَعَ إلَيْهِ وهو مِنَ الكَبائِرِ، وفاحِشَةٌ مُطْلَقًا» عَلى ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ بَلْ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ بِحَلِيلَةِ الجارِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وزَعَمَ الحَلِيمِيُّ أنَّهُ فاحِشَةٌ إنْ كانَ بِحَلِيلَةِ الجارِ أوْ بِذاتِ الرَّحِمِ أوْ بِأجْنَبِيَّةٍ في شَهْرِ رَمَضانَ أوْ في البَلَدِ الحَرامِ وكَبِيرَةٌ وإنْ كانَ مَعَ امْرَأةِ الأبِ أوْ حَلِيلَةِ الِابْنِ أوْ مَعَ أجْنَبِيَّةٍ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإكْراهِ، وإذا لَمْ يُوجِبْ حَدًّا يَكُونُ صَغِيرَةً، ولا يَخْفى رَدُّهُ وضَعْفُ مَبْناهُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ فاحِشَةٌ مُطْلَقًا، نَعَمْ أفْحَشُ أنْواعِهِ الزِّنا بِحَلِيلَةِ الجارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أعْظَمُ الزِّنا عَلى الإطْلاقِ الزِّنا بِالمَحارِمِ.
فَقَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««مَن وقَعَ عَلى ذاتِ مَحْرَمٍ فاقْتُلُوهُ»».
وزِنا الثَّيِّبِ أقْبَحُ مِن زِنا البِكْرَ بِدَلِيلِ اخْتِلافِ حَدَّيْهِما، وزِنا الشَّيْخِ لِكَمالِ عَقْلِهِ أقْبَحُ مِن زِنا الشّابِّ، وزِنا الحُرِّ والعالِمِ لِكَمالِهِما أقْبَحُ مِن زِنا القِنِّ والجاهِلِ، وهَلْ هو أكْبَرُ مِنَ اللِّواطِ أمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ وفي الإحْياءِ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ لِأنَّ الشَّهْوَةَ داعِيَةٌ إلَيْهِ مِنَ
صفحة 68
الجانِبَيْنِ فَيَكْثُرُ وُقُوعُهُ ويَعْظُمُ الضَّرَرُ، ومِنهُ اخْتِلاطُ الأنْسابِ بِكَثْرَتِهِ، وقَدْ يُعارَضُ بِأنَّ حَدَّهُ أغْلَظُ بِدَلِيلِ قَوْلِ مالِكٍ وآخَرِينَ بِرَجْمِ اللُّوطِيِّ ولَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ بِخِلافِ الزّانِي. وقَدْ يُجابُ بِأنَّ المَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَزِيَّةٌ، وفِيهِ ما فِيهِ. وبالَغَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّهُ مُطْلَقًا يَلِي الشِّرْكَ في الكِبَرِ، والأصَحُّ أنَّ الَّذِي يَلِي الشِّرْكَ هو القَتْلُ ثُمَّ الزِّنا، وخَبَرُ الغِيبَةِ أشَدُّ مِن ثَلاثِينَ زَنْيَةً في الإسْلامِ الظّاهِرُ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّهُ لا أصْلَ لَهُ.
نَعَمْ رَوى الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما: الغِيبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِّنا.
إلّا أنَّ لَهُ ما يُبَيِّنُ مَعْناهُ وهو ما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ جابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إيّاكم والغِيبَةَ؛ فَإنَّ الغِيبَةَ أشَدُّ مِنَ الزِّنا، إنَّ الرَّجُلَ لِيَزْنِيَ فَيَتُوبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وإنَّ صاحِبَ الغِيبَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ صاحِبُهُ.
فَعُلِمَ مِنهُ أنْ أشَدِّيَّةَ الغِيبَةِ مِنَ الزِّنا لَيْسَتْ عَلى الإطْلاقِ بَلْ مِن جِهَةِ أنَّ التَّوْبَةَ الباطِنَةَ المُسْتَوْفِيَةَ لِجَمِيعِ شُرُوطِها مِنَ النَّدَمِ مِن حَيْثُ المَعْصِيَةُ والإقْلاعُ وعَزْمُ أنْ لا يَعُودَ مَعَ عَدَمِ الغَرْغَرَةِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مُكَفِّرَةٌ لِإثْمِ الزِّنا بِمَجْرَدِها بِخِلافِ الغِيبَةِ فَإنَّ التَّوْبَةَ وإنْ وُجِدَتْ فِيها هَذِهِ الشُّرُوطُ لا تُكَفِّرُها بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَنْضَمَّ إلَيْها اسْتِحْلالُ صاحِبِها مَعَ عَفْوِهِ فَكانَتِ الغِيبَةُ أشَدَّ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يُعَكِّرُ الحَدِيثَ عَلى الأصَحِّ، وعُلِمَ مِنهُ أيْضًا أنَّ الزِّنا لا يَحْتاجُ في التَّوْبَةِ مِنهُ إلى اسْتِحْلالٍ وهو ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو مَعَ ذَلِكَ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآدَمِيِّ كَيْفَ لا وهو مِنَ الجِنايَةِ عَلى الأعْراضِ والأنْسابِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الزِّنا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ أيْ مِنَ المالِ ونَحْوِهِ وعَدَمِ اشْتِراطِ الِاسْتِحْلالِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآدَمِيِّ مُطْلَقًا، وإنَّما لَمْ يُشْتَرَطِ الِاسْتِحْلالُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذِكْرِهِ مِن زِيادَةِ العارِ والظَّنِّ الغالِبِ بِأنَّ نَحْوَ الزَّوْجِ أوِ القَرِيبِ إذا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ يُبادِرُ إلى قَتْلِ الزّانِي أوِ المُزْنى بِها أوْ إلى قَتْلِهِما مَعًا، ومَعَ ما ذُكِرَ كَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِاشْتِراطِهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِنَحْوِ ذَلِكَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في مِنهاجِ العابِدِينَ فَقالَ في ضِمْنِ تَفْصِيلٍ قالَ الأذْرُعِيُّ: إنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ والتَّحْقِيقِ، أمّا الذَّنْبُ في الحَرَمِ فَإنْ خُنْتَهُ في أهْلِهِ ووَلَدِهِ فَلا وجْهَ لِلِاسْتِحْلالِ، والإظْهارُ لِأنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وغَيْظًا بَلْ تَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِيُرْضِيَهُ عَنْكَ ويَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا في مُقابَلَتِهِ، فَإنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ والهَيْجُ وهو نادِرٌ فَتَسْتَحِلُّ مِنهُ، وقَدْ قالَ الأذْرُعِيُّ في مَواضِعَ في الحَسَدِ والتَّوْبَةِ مِنهُ:
ويُشْبِهُ أنْ يَحْرُمَ الإخْبارُ بِهِ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنْ لا يُحَلِّلَهُ وأنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنهُ عَداوَةٌ وحِقْدٌ وأذًى لِلْمُخْبَرِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى المَحْسُودِ، فَإنْ كانَ حَسَنَ الخُلُقِ بِحَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُحَلِّلُهُ تَعَيَّنَ إخْبارُهُ لِيَخْرُجَ مِن ظُلامَتِهِ بِيَقِينٍ، وإنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ إخْبارَهُ يَجُرُّ شَرًّا وعَداوَةً حَرُمَ إخْبارُهُ قَطْعًا، وإنْ تَرَدَّدَ فالظّاهِرُ ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِن عَدَمِ الوُجُوبِ والِاسْتِحْبابِ؛ فَإنَّ النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ نادِرَةٌ، ورُبَّما جَرَّ ذَلِكَ شَرًّا وعَداوَةً، وإنْ حَلَّلَهُ بِلِسانِهِ اه، فَإذا كانَ هَذا في الحَسَدِ مَعَ سُهُولَتِهِ عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِهِ ومِن ثَمَّ أطْلَقَ النَّوَوِيُّ عَدَمَ الإخْبارِ فَقالَ: المُخْتارُ بَلِ الصَّوابُ أنَّهُ لا يَجِبُ إخْبارُ المَحْسُودِ بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ولَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يَبْعُدْ فَما بالُكَ في الزِّنا المُسْتَلْزِمِ أنَّ الزَّوْجَ والقَرِيبَ يُقْتَلُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ فَكَيْفَ مَعَ التَّحَقُّقِ ويُعْلَمُ مِنَ الأخْبارِ أنَّ ثَمَراتِ الزِّنا قَبِيحَةٌ؛ مِنها أنَّهُ يُورِدُ النّارَ والعَذابَ الشَّدِيدَ، وأنَّهُ يُورِثُ الفَقْرَ وذَهابَ البَهاءِ وقِصَرَ العُمْرِ، وأنَّهُ يُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ مِن ذُرِّيَّةِ الزّانِي، ولَمّا قِيلَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ذَلِكَ أرادَ تَجْرِبَتَهُ بِابْنَةٍ لَهُ وكانَتْ غايَةً في الحُسْنِ فَأنْزَلَها مَعَ امْرَأةٍ وأمَرَها أنْ لا تَمْنَعَ أحَدًا أرادَ التَّعَرُّضَ لَها بِأيِّ شَيْءٍ شاءَ، وأمَرَها بِكَشْفِ وجْهِها فَطافَتْ بِها في الأسْواقِ فَما مَرَّتْ عَلى أحَدٍ إلّا وأطْرَقَ حَياءً وخَجَلًا مِنها، فَلَمّا طافَتْ بِها المَدِينَةَ كُلَّها ولَمْ يَمُدَّ أحَدٌ نَظَرَهُ إلَيْها رَجَعَتْ بِها إلى دارِ المَلِكِ فَلَمّا أرادَتِ الدُّخُولَ أمْسَكَها إنْسانٌ وقَبَّلَها ثُمَّ ذَهَبَ عَنْها فَأدْخَلَتْها عَلى المَلِكِ وذَكَرَتْ لَهُ القِصَّةَ
صفحة 69
فَسَجَدَ شُكْرًا وقالَ:
الحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ما وقَعَ مِنِّي في عُمْرِي قَطُّ إلّا قُبْلَةٌ وقَدْ قُوصِصْتُ بِها، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَعْصِمَنا وذَرّارِيَنا ومَن يُنْسَبُ إلَيْنا مِنَ الفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
«وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: «ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا إلّا مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» فَذُكِرَ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأتاهُ فَسَألَهُ فَقالَ: أخَذْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَكَ عَمَلٌ إلّا الصَّفْقُ بِالنَّقِيعِ» وهَذا إنْ صَحَّ كانَ قَبْلَ العَرْضَةِ الأخِيرَةِ
الإسراء 17:33
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَقْتُلُوا والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوا إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ لا تَقْتُلُوها إلّا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والأوَّلُ أظْهَرُ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِحَرَّمَ فَبَعِيدٌ وإنْ صَحَّ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ والثَّيِّبُ الزّانِي والتّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ».
ونَقْضُ الحَصْرِ بِدَفْعِ الصّائِلِ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما أدّى إلى القَتْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ ما يَكُونُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا بِهِ القَتْلُ وما ذُكِرَ المَقْصُودُ بِهِ الدَّفْعُ، وقَدْ يُفْضِي إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، والحَقُّ عَدَمُ انْحِصارِ الحَقِّ فِيما ذُكِرَ وهو في الخَبَرِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وقَدْ ذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ كَسَلًا مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وكَذا اللُّواطَةُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الأجِلَّةِ.
﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ أوْ يُبِيحُهُ لِلْقاتِلِ حَتّى أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إباحَتُهُ لِغَيْرِ القاتِلِ فَقَدْ نَصَّ عُلَماؤُنا أنَّ مَن عَلَيْهِ القِصاصُ إذا قَتَلَهُ غَيْرُ مَن لَهُ القِصاصُ يَقْتَصُّ لَهُ ولا يُفِيدُهُ قَوْلُ الوَلِيِّ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ ظاهِرًا ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ لِمَن يَلِي أمْرَهُ مِنَ الوارِثِ أوِ السُّلْطانِ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، واقْتِصارُ البَعْضِ عَلى الأوَّلِ رِعايَةً لِلْأغْلَبِ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا واسْتِيلاءً عَلى القاتِلِ بِمُؤاخَذَتِهِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ، وقَدْ تَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ كَما في القَتْلِ الخَطَأِ، والمَقْتُولُ خَطَأً مَقْتُولٌ ظُلْمًا بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: لا إثْمَ في الخَطَأِ لِحَدِيثِ: ««رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ»».
وشَرَعَ الكَفّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ واجْتِنابِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ فَلْيُتَأمَّلْ.
واسْتُدِلَّ بِتَفْسِيرِ الوَلِيِّ بِالوارِثِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ دَخْلًا في القِصاصِ. وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ: لا تَدْخُلُ لِأنَّ لَفْظَهُ مُذَكَّرٌ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ أيِ الوَلِيُّ ﴿فِي القَتْلِ﴾ أيْ: فَلا يَتَجاوَزِ الحَدَّ المَشْرُوعَ فِيهِ بِأنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ مَثَلًا والقاتِلُ واحِدٌ كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّهم كانُوًا إذا قُتِلَ مِنهم واحِدٌ قَتَلُوا قاتِلَهُ وقَتَلُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، ومِن هُنا قالَ مُهَلْهِلٌ:
كُلُّ قَتِيلِ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتّى يَنالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ المُنْذِرُ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ ويَتْرُكَ القاتِلَ. ورُوِيَ هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّ النّاسَ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ مَن لَيْسَ شَرِيفًا شَرِيفًا لَمْ يَقْتُلُوهُ بِهِ وقَتَلُوا شَرِيفًا مِن قَوْمِهِ فَنَهى عَنْ ذَلِكَ أوْ بِأنْ يَزِيدَ عَلى القَتْلِ المُثْلَةَ كَما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقْتُلُ غَيْرَ قاتِلِهِ ولا يُمَثِّلُ بِهِ، وقِيلَ بِأنْ يُقْتَلَ القاتِلُ
صفحة 70
والمَشْرُوعُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ، ومَن قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ، ولا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ. وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ القَتْلَ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القِصاصَ وهو خِلافُ مَذْهَبِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «فَلا تُسْرِفْ» بِالخِطابِ لِلْوَلِيِّ التِفاتًا، وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ: «فَلا يُسْرِفُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في الأمْرِ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ القِصاصَ أوِ الدِّيَةَ وأمَرَ الحُكّامَ بِمَعُونَتِهِ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ فَلا يَبْغِ ما وراءَ حَقِّهِ ولا يَخْرُجْ مِن دائِرَةِ إمْرَةِ النّاصِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَقْتُولِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ في الدُّنْيا بِأخْذِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ وفي الأُخْرى بِالثَّوابِ فَلا يُسْرِفْ ولِيُّهُ في شَأْنِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي أسْرَفَ بِهِ الوَلِيُّ؛ أيْ إنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِإيجابِ القِصاصِ والتَّعْزِيزِ والوِزْرُ عَلى مَن أسْرَفَ في شَأْنِهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ يُسْرِفْ لِلْقاتِلِ؛ أيْ: مُرِيدِ القَتْلِ ومُباشِرِهِ ابْتِداءً، ونَسَبَهُ في الكَشّافِ إلى مُجاهِدٍ، والضَّمِيرانِ في التَّعْلِيلِ عائِدانِ عَلى الوَلِيِّ أوِ المَقْتُولِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ: «فَلا تُسْرِفُوا» لِأنَّ القاتِلَ مُتَعَدِّدٌ في النَّظْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا﴾ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، ولَمْ تُعَيِّنْهُ لِأنَّ الوَلِيَّ عامٌّ في الآيَةِ فَهو في مَعْنى الأوْلِياءِ فَيَجُوزُ جَمْعُ ضَمِيرِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ ويَكُونُ التِفاتًا، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ لَيْسَ بِلازِمٍ، والمَعْنى فَلا يُسْرِفْ عَلى نَفْسِهِ في شَأْنِ القَتْلِ بِتَعْرِيضِها لِلْهَلاكِ العاجِلِ والآجِلِ. وفي الكَشْفِ أنَّهُ رَدْعٌ لِلْقاتِلِ عَلى أُسْلُوبِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ لِتَصْوِيرِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ كَيْفَ ما قُدِّرَ إسْرافٌ، ومَعْناهُ: فَلا يَقْتُلْ بِغَيْرِ حَقٍّ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ وجِيهٍ فَلا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ القَتْلِ وقَدْ عَلِمَتْ أنَّ الأصَحَّ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وكَوْنُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ مِنَ الكَبائِرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وعُدَّ شِبْهُ العَمْدِ مِنها هو ما صَرَّحَ بِهِ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ الرُّويانِيُّ، وأمّا الخَطَأُ فالصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلْيُحْفَظْ.
الإسراء 17:34
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ نَهى عَنْ قُرْبانِهِ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ ولِلتَّوَسُّلِ إلى الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ والطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ والطَّرائِقِ وهي حِفْظُهُ واسْتِثْمارُهُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِثْناءِ لا لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ فَقَطْ، والأشُدُّ قِيلَ جَمْعُ شَدٍّ كالأضُرِّ جَمْعُ ضَرٍّ، والشَّدُّ القُوَّةُ وهو اسْتِحْكامُ قُوَّةِ الشَّبابِ والسِّنِّ كَما أنَّ شُدَّ النَّهارِ ارْتِفاعُهُ، قالَ عَنْتَرَةُ:
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلَمِ
وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ مِثْلَ نِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ. هو واحِدٌ مِثْلُ الآنُكِ، والمُرادُ بِبُلُوغِهِ الأشُدَّ بُلُوغُهُ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ ورُشْدِهِ القِيامُ بِمَصالِحِ مالِهِ ثُمَّ التَّصَرُّفُ بِمالِ اليَتِيمِ بِنَحْوِ الأكْلِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المَأْذُونِ فِيهِ مِنَ الكَبائِرِ، وتَرَدَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ بِتَقْيِيدِهِ بِنِصابِ السَّرِقَةِ فَقالَ في القَواعِدِ: قَدْ نَصَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّ شَهادَةَ الزُّورِ وأكْلَ مالِ اليَتِيمِ مِنَ الكَبائِرِ، فَإنْ وقَعا في مالٍ خَطِيرٍ فَهو ظاهِرٌ، وإنْ وقَعا في مالٍ حَقِيرٍ
صفحة 71
كَزَبِيبَةٍ وتَمْرَةٍ فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلا مِنَ الكَبائِرِ فِطامًا عَنْ جِنْسِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ كالقَطْرَةِ مِنَ الخَمْرِ وإنْ لَمْ تَتَحَقَّقِ المُفْسِدَةُ ويَجُوزُ أنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ بِنِصابِ السَّرِقَةِ اه.
وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ في شَهادَةِ الزُّورِ مَعَ الجَراءَةِ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ المالِ المَعْصُومِ جَراءَةً عَلى الكَذِبِ في الشَّهادَةِ بِخِلافِ القَلِيلِ مِن مالِ اليَتِيمِ فَلا يُسْتَبْعَدُ التَّقْيِيدُ بِهِ بِخِلافِها كَذا قِيلَ.
والحَقُّ أنَّ الآياتِ والأخْبارَ الوارِدَةَ في وعِيدِ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ مُطْلَقَةٌ فَتَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُها إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وحَيْثُ لا دَلِيلَ كَذَلِكَ فالتَّخْصِيصُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فالوَجْهُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أكْلِ القَلِيلِ وأكْلِ الكَثِيرِ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، نَعَمْ الشَّيْءُ التّافِهُ الَّذِي تَقْتَضِي العادَةُ بِالمُسامَحَةِ بِهِ لا يَبْعُدُ كَوْنُ أكْلِهِ لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ تَوَصَّلَ القُضاةُ اليَوْمَ إلى أكْلِ مالِ اليَتِيمِ في صُورَةِ حِفْظِهِ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ وأذاقَ خائِنَهم في الدّارَيْنِ جَزاءَ فِعْلِهِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ التِزامِ تَكالِيفِهِ وما عاهَدْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَكم مِنَ العِبادِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ العُقُودُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما عاهَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وكَلَّفَكم بِهِ، والإيفاءُ بِالعَهْدِ والوَفاءُ بِهِ هو القِيامُ بِمُقْتَضاهُ والمُحافَظَةُ عَلَيْهِ وعَدَمُ نَقْضِهِ واشْتِقاقُ ضِدِّهِ وهو الغَدْرُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو التَّرْكُ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالباءِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيفاءِ الحِسِّيِّ كَإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ.
﴿إنَّ العَهْدَ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ وقِيلَ: دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الإيفاءِ المَفْهُومِ مِن ( أوْفُوا ﴿كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ وجَعْلِ الضَّمِيرِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًّا في اسْمِ المَفْعُولِ ويُسَمّى الحَذْفَ والإيصالَ وهو شائِعٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ إنَّ صاحِبَ العَهْدِ كانَ مَسْؤُولًا، وقِيلَ: لا حَذْفَ أصْلًا والكَلامُ عَلى التَّخْيِيلِ كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ: لِمَ نَكَثْتَ وهَلّا وفّى بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْؤُدَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاسْتِعارَةُ المَكْنِيَّةُ والتَّخْيِيلِيَّةُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ العَهْدُ مُتَمَثَّلًا عَلى هَيْئَةِ مَن يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ كَما تُجَسَّمُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ لِتُوزَنَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مَسْؤُولا﴾ بِمَعْنى مَطْلُوبًا مِن سَألْتُ كَذا إذا طَلَبْتَ، وإسْنادُ المَطْلُوبِيَّةِ إلَيْهِ مَجازٌ، والمُرادُ مَطْلُوبٌ عَدَمُ إضاعَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ ارْتَفَعَ الضَّمِيرُ واسْتَتَرَ بَعْدَ حَذْفِهِ، والأصْلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ وقَدْ سَمِعْتَ آنِفًا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ شائِعٌ، ولَيْسَ في ذَلِكَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ فَإنَّ المَآلَ إلى أنْ يُقالَ: أوْفُوا بِالعَهْدِ فَإنَّ عَدَمَ إضاعَتِهِ لَمْ تَزَلْ مَطْلُوبَةً مِن كُلِّ أحَدٍ فَتُطْلَبُ مِنكم أيْضًا، ثُمَّ إنَّ الإخْلالَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ قِيلَ: كَبِيرَةٌ.
وقَدْ جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ عَدَّ مِنَ الكَبائِرِ نُكْثَ الصَّفْقَةِ؛ أيِ الغَدْرِ بِالمَعاهِدِ بَلْ صَرَّحَ شَيْخُ الإسْلامِ العَلائِيُّ بِأنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سَمّاهُ كَبِيرَةً، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ في إطْلاقِ كَوْنِ الإخْلالِ المَذْكُورِ كَبِيرَةً نَظَرًا بِناءً عَلى أنَّ العَهْدَ هو التَّكْلِيفاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإنَّ مِنَ الإخْلالِ ما يَكُونُ كَبِيرَةً ومِنهُ ما يَكُونُ صَغِيرَةً ويُنْظَرُ في ذَلِكَ إلى حالِ المُكَلَّفِ بِهِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الإخْلالَ بِالعَهْدِ كَبِيرَةٌ أرادَ بِالعَهْدِ مُبايَعَةَ الإمامِ وبِالإخْلالِ بِذَلِكَ نَقْضَ بَيْعَتِهِ والخُرُوجَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ ولا تَأْوِيلَ ولا شُبْهَةَ في أنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ فَلْيُتَأمَّلْ.
الإسراء 17:35
﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أتِمُّوهُ ولا تُخْسِرُوهُ ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم لِلْمُشْتَرِينَ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِهِ لِما أنَّ التَّطْفِيفَ يَكُونُ هُناكَ، وأمّا وقْتَ الِاكْتِيالِ عَلى النّاسِ فَلا حاجَةَ إلى الأمْرِ بِالتَّعْدِيلِ قالَ تَعالى:
صفحة 72
﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الآيَةَ.
﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ هو القَبّانُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ويُقالُ لَهُ القَرَسْطُونُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا مِن مَوازِينِ الدَّراهِمِ وغَيْرِها، وقالَ اللَّيْثُ: هو أقْوَمُ المَوازِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ العَدْلُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَدِيدُ وهو رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِفَقْدِ مادَّتِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ورُوِيَ القَوْلُ بِتَعْرِيبِهِ وأنَّهُ المِيزانُ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: القِسْطُ وهو العَدْلُ، وطاسَ وهو كِفَّةُ المِيزانِ لَكِنَّهُ حُذِفَ أحَدُ الطّاءَيْنِ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مَحَلُّ تَخْفِيفٍ، وهو كَما تَرى، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو الصَّحِيحُ لا يَقْدَحُ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في عَرَبِيَّتِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ والسَّماعِ في فَصِيحِ الكَلامِ يَصِيرُ عَرَبِيًّا فَلا حاجَةَ إلى إنْكارِ تَعْرِيبِهِ أوِ ادِّعاءِ التَّغْلِيبِ أوْ أنَّ المُرادَ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ.
وقَدْ قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِضَمِّها، وقَدْ تُبْدَلُ السِّينُ الأُولى صادًا كَما أُبْدِلَتِ الصّادُ سِينًا في الصِّراطِ ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ أيِ العَدْلَ السَّوِيَّ، وهو يَبْعُدُ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِاسْتِقامَتِهِ عَنِ الأمْرِ بِإيفاءِ الوَزْنِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ عِنْدَ اسْتِقامَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ الجَوْرُ غالِبًا بِخِلافِ الكَيْلِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ التَّطْفِيفُ مَعَ اسْتِقامَةِ الآلَةِ كَما أنَّ الِاكْتِفاءَ بِإيفاءِ الكَيْلِ عَنِ الأمْرِ بِتَعْدِيلِهِ لِما أنَّ إيفاءَهُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ تَعْدِيلِ المِكْيالِ وقَدْ أمَرَ بِتَقْوِيمِهِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِرَغْبَةِ النّاسِ في مُعامَلَةِ فاعِلِهِ وجَلْبِ الثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أيْ عاقِبَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، والتَّأْوِيلُ تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ وأصْلُهُ رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ أوْ فِعْلًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ:
ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ
وقِيلَ: المُرادُ ذَلِكَ خَيْرٌ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ أمانَةٌ وهي صِفَةُ كَمالٍ وأحْسَنُ عاقِبَةً في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِمَيْلِ القُلُوبِ والرَّغْبَةِ في المُعامَلَةِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ بَيْنَ النّاسِ ويُفْضِي ذَلِكَ إلى الغِنى وفي الآخِرَةِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَلاصِ مِنَ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ، وقِيلَ: أحْسَنُ تَأْوِيلًا أيْ أحْسَنُ مَعْنًى وتَرْجَمَةً، ثُمَّ إنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والوَزْنِ واجِبٌ إجْماعًا ونَقْصُ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِفاعِلِهِ الوارِدُ في الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّطْفِيفَ بِالشَّيْءِ التّافِهِ الَّذِي يُسامِحُ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صَغِيرَةً، فَإنْ قُلْتَ: ذَكَرُوا في الغَصْبِ أنَّ غَصْبَ ما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا يَكُونُ كَبِيرَةً وقَضِيَّتُهُ أنْ يَكُونَ التَّطْفِيفُ كَذَلِكَ قُلْتُ: قِيلَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ بَلْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ.
وقالَ الأذْرُعِيُّ: إنَّهُ تَحْدِيدٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ. انْتَهى، وعَلى التَّنْزِيلِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأنَّ الغَصْبَ لَيْسَ مِمّا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلى كَثِيرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ بِخِلافِ التَّطْفِيفِ فَتَعَيَّنَ التَّنْفِيرُ عَنْهُ بِأنَّ كُلًّا مِن قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ كَبِيرَةٌ؛ أخْذًا مِمّا قالُوهُ في شُرْبِ القَطْرَةِ مِنَ الخَمْرِ مِن أنَّهُ كَبِيرَةٌ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها مَفْسَدَةُ الخَمْرِ؛ لِأنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلى كَثِيرِهِ، ومِثْلُ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ النَّقْصُ في الذَّرْعِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ كَيّالٌ أوْ وزّانٌ أوْ ذَرّاعٌ في هَذِهِ الأعْصارِ مِن نَقْصٍ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإسراء 17:36
﴿ولا تَقْفُ﴾ ولا تَتَّبِعْ، وأصْلُ مَعْنى قَفا اتَّبَعَ قَفاهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الِاتِّباعِ وصارَ حَقِيقَةً فِيهِ.
وقُرِئَ: «ولا تَقْفُوا» بِإثْباتِ حَرْفِ العِلَّةِ مَعَ الجازِمِ وهو شاذٌّ، وقُرِئَ أيْضًا: «ولا تَقُفْ» بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ
صفحة 73
الفاءِ كَتَقُلْ عَلى أنَّهُ أجْوَفُ مَجْزُومٌ بِالسُّكُونِ وماضِيهِ قافَ؛ يُقالُ: قافَ أثَرَهُ يَقُوفُهُ إذا قَصَّهُ واتَّبَعَهُ، ومِنهُ القِيافَةُ، وأصْلُها ما يُعْلَمُ مِنَ الإقْدامِ وأثَرِها، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ قافَ مَقْلُوبُ قَفا كَجَذَبَ وجَبَذَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الصَّحِيحَ خِلافُهُ.
﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَتْبَعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ الحُكْمِ بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ أُمُورٌ. وكُلٌّ مِنَ المُفَسِّرِينَ اقْتَصَرَ عَلى شَيْءٍ؛ فَقِيلَ: المُرادُ نَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنِ القَوْلِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ تَقْلِيدًا لِلْأسْلافِ واتِّباعًا لِلْهَوى، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ شَهادَةِ الزُّورِ، وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ ورَمْيِ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ رُمِينا
ورَوى البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ: ««مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ - يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ - حَبَسَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ»». وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ الكَذِبِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا تَقُلْ: سَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْ ورَأيْتُ ولَمْ تَرَ، واخْتارَ الإمامُ العُمُومَ قالَ: إنَّ اللَّفْظَ عامٌّ يَتَناوَلُ الكُلَّ فَلا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ نُفاةُ القِياسِ لِأنَّهُ قَفْوٌ لِلظَّنِّ وحُكْمٌ بِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى الحُكْمِ بِالظَّنِّ والعَمَلِ بِهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ فَمِن ذَلِكَ الصَّلاةُ عَلى المَيِّتِ ودَفْنِهِ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ وتَوْرِيثِ المُسْلِمِ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّهُ مُسْلِمٌ وهو مَظْنُونٌ، والتَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ بِأماراتٍ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ وأكْلُ الذَّبِيحَةِ بِناءً عَلى أنَّها ذَبِيحَةٌ مُسَلَّمٌ وهو مَظْنُونٌ والشَّهادَةُ فَإنَّها ظَنِّيَّةُ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ وأُرُوشُ الجِناياتِ فَإنَّها لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا الظَّنُّ، ومَن نَظَرَ ولَوْ بِمُؤَخَّرِ العَيْنِ رَأى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ المُعْتَبَرَةِ في الدُّنْيا مِنَ الأسْفارِ وطَلَبِ الأرْباحِ والمُعامَلاتِ إلى الآجالِ المَخْصُوصَةِ والِاعْتِمادِ عَلى صَداقَةِ الأصْدِقاءِ وعَداوَةِ الأعْداءِ كُلُّها مَظْنُونَةٌ.
وقَدْ قالَ ﷺ: ««نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ»».
فالنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ ما لَيْسَ بِعِلْمٍ قَطْعِيٍّ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ وبِأنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى عِلْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِإيمانِهِنَّ إنَّما يَكُونُ بِإقْرارِهِنَّ وهو لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، وبِأنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ لَمّا دَلَّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ كانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ ظَنٌّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ يُساوِي حُكْمَهُ في مَحَلِّ النَّصِّ فَأنْتُمْ مُكَلَّفُونَ بِالعَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الظَّنِّ فَها هُنا الظَّنُّ واقِعٌ في طَرِيقِ الحُكْمِ، وأمّا ذَلِكَ الحُكْمُ فَهو مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ. وأجابَ النُّفاةُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لا تَقْفُ ) الآيَةَ. عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فِيما يَذْكُرُونَ فِيهِ العَمَلَ بِالظَّنِّ فَيَبْقى العُمُومُ فِيما وراءَهُ عَلى أنَّ بَيْنَ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ الصُّوَرِ وبَيْنَ مَحَلِّ النِّزاعِ فَرْقًا لِأنَّ الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأوَّلِ مُخْتَصَّةٌ بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ فالتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ فاكْتُفِيَ بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ بِخِلافِ الثّانِي؛ فَإنَّ الأحْكامَ المُثْبَتَةَ بِالأقْيِسَةِ كُلِّيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في وقائِعَ كُلِّيَّةٍ وهي مَضْبُوطَةٌ والتَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ فَلَمْ يَجُزِ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالظَّنِّ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُغايَرَةَ بَيْنَ العِلْمِ والظَّنِّ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ والمُؤْمِنُ هو المُقِرُّ وذَلِكَ الإقْرارُ هو العِلْمُ فَلَيْسَ في الآيَةِ تَسْمِيَةُ الظَّنِّ عِلْمًا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ حُجِّيَّةُ القِياسِ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ ولَيْسَ فَلَيْسَ، وأحْسَنُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ عَلى ما قالَ الإمامُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالآيَةِ تَمَسُّكٌ بِعامٍّ مَخْصُوصٍ وهو لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ فَلَوْ دَلَّتْ
صفحة 74
عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ لَدَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِها غَيْرُ جائِزٍ فالقَوْلُ بِحُجِّيَّتِها يُفْضِي إلى نَفْيِهِ وهو باطِلٌ، ولِلْمُجِيبِ أنْ يَقُولَ: نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ التَّمَسُّكَ بِآياتِ القُرْآنِ حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا بِأنَّ كَوْنَ العامِّ المَخْصُوصِ حُجَّةً غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالتَّواتُرِ فَتَأمَّلْ.
﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أيْ: كُلُّ هَذِهِ الأعْضاءِ وأُشِيرَ إلَيْها بِأُولَئِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعُقَلاءِ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَتَهم لَمّا كانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى أصْحابِها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها غالِبَةٌ في العُقَلاءِ وجاءَتْ لِغَيْرِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّها اسْمُ جَمْعٍ؛ لِذا وهو يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ عَلى ما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ:
ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّنْزِيلِ وارْتِكابِ الِاسْتِعارَةِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ كُلُّ الضَّمائِرِ ضَمائِرُ «كَلُّ» أيْ: كانَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ فَيُقالُ لَهُ: هَلِ اسْتَعْمَلَكَ صاحِبُكَ فِيما خُلِقْتَ لَهُ أمْ لا؟ وذَلِكَ بَعْدَ جَعْلِهِ أهْلًا لِلْخِطابِ والسُّؤالِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ «عَنْهَ» لِكُلٍّ، وما عَداهُ لِلْقافِي فَهُناكَ التِفاتٌ؛ إذِ الظّاهِرُ: كُنْتُ عَنْهُ مَسْؤُولًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «عَنْهَ» نائِبُ فاعِلِ «مَسْؤُولًا» فَهو مُسْنَدٌ إلَيْهِ ولا ضَمِيرَ فِيهِ نَحْوَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ حُكْمُهُ حُكْمُهُ في أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلى عامِلِهِ كَأصْلِهِ. وذُكِرَ أنَّهُ حَكى ابْنُ النَّحّاسِ الإجْماعَ عَلى عَدَمِ جَوازِ تَقْدِيمِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ إذا كانَ جارًّا ومَجْرُورًا فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ في تَجْوِيزِهِمْ تَقْدِيمَ الفاعِلِ إلّا أنْ يُنازَعَ في صِحَّةِ الحِكايَةِ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ التَّقْرِيبِ أنَّهُ إنَّما جازَ تَقْدِيمُ «عَنْهُ» مَعَ أنَّهُ فاعِلٌ لَمْحًا لِأصالَةِ ظَرْفِيَّتِهِ لا لِعُرُوضِ فاعِلِيَّتِهِ ولِأنَّ الفاعِلَ لا يَتَقَدَّمُ لِالتِباسِهِ بِالمُبْتَدَأِ ولا التِباسَ هاهُنا ولِأنَّهُ لَيْسَ بِفاعِلٍ حَقِيقَةً اه. والإنْصافُ أنَّهُ مَعَ هَذا لا يُقالُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ العَرَبِيَّةِ إنَّهُ غَلَطٌ.
وذَكَرَ في شَرْحِ نَحْوِ المِفْتاحِ أنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وجُوِّزَ إخْلاءُ المُفَسِّرِ عَنِ الفاعِلِ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا مُعَلَّلًا بِأصالَةِ الفِعْلِ في رَفْعِ الفاعِلِ فَلا يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهُ بِخِلافِ اسْمَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ تَشْبِيهًا بِالجَوامِدِ.
وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا نَقْلًا وقِياسًا أما الأوَّلُ فَلِتَفَرُّدِهِ بِهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا جَرى عَلى شَيْءٍ لا بُدَّ مِن عائِدٍ إلَيْهِ لِيَرْتَبِطَ بِهِ ويَكُونُ هو الذّاتَ القائِمَ هو بِها إنْ كانَ فاعِلًا أوْ مُلابِسًا لِتِلْكَ الذّاتِ ولَيْسَ كالجَوامِدِ في ارْتِباطِها بِالسَّوابِقِ بِنَفْسِ الحَمْلِ لِأنَّها لا تَدُلُّ عَلى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذاتٍ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: حُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ بَعْدَهُ في الصِّفَةِ، وقَدْ سَمِعْتُ عَنْ قُرْبٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ وأنَّهُ شائِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ «مَسْؤُولًا» المَصْدَرَ وهو السُّؤالُ و«عَنْهُ» في مَحَلِّ النَّصْبِ. وسَألَ ابْنُ جِنِّيٍّ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيكَ يَرْغَبُ وقالَ: لا يَرْتَفِعُ بِما بَعْدَهُ فَأيْنَ المَرْفُوعُ؟ فَقالَ: المَصْدَرُ أيْ فِيكَ يَرْغَبُ الرَّغَبُ بِمَعْنى تُفْعَلُ الرَّغْبَةُ كَما في قَوْلِهِمْ: يُعْطِي يَمْنَعُ أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ كانَ أوْ فاعِلُهُ ضَمِيرَ «كُلُّ» مَحْذُوفَ المُضافِ، أيْ كانَ صاحِبُهُ عَنْهُ مَسْؤُولًا أوْ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا صاحِبُهُ فَيُقالُ لَهُ: لِمَ اسْتَعْمَلْتَ السَّمْعَ فِيما لا يَحِلُّ ولِمَ صَرَفْتَ البَصَرَ إلى كَذا والفُؤادَ إلى كَذا؟ وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ «والفُوادَ» بِفَتْحِ الفاءِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، وتَوْجِيهِها أنَّهُ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ واوًا لِوُقُوعِها مَعَ ضَمَّةٍ في المَشْهُورِ ثُمَّ فُتِحَتِ الفاءُ تَخْفِيفًا وهي لُغَةٌ في ذَلِكَ، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ
صفحة 75
أبِي حاتِمٍ لَها، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ يُؤاخَذُ بِفِعْلِ القَلْبِ كالتَّصْمِيمِ عَلى المَعْصِيَةِ والأدْواءِ القَلْبِيَّةِ كالحِقْدِ والحَسَدِ والعُجْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَعَمْ صَرَّحُوا بِأنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَصْمِيمٍ لا يُؤاخَذُ بِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ يَكُونُ كَبِيرَةً ويَكُونُ صَغِيرَةً حَسَبَ أنْواعِهِ وأصْنافِها ومِنهُ ما هو أكْبَرُ الكَبائِرِ كَما لا يَخْفى. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
الإسراء 17:37
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ فَخْرًا وكِبْرًا قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الرّاغِبُ: المَرَحُ شِدَّةُ الفَرَحِ والتَّوَسُّعُ فِيهِ والأوَّلُ أنْسَبُ، وهو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ والكَلامُ في مِثْلِهِ إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً شائِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْرَحُ مَرَحًا وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ: لِأجْلِ المَرَحِ، وقُرِئَ: «مَرِحًا» بِكَسْرِ الرّاءِ عَنْ أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ونُصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ لا غَيْرَ، قِيلَ: وهَذِهِ القِراءَةُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ المَصْدَرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ عَيْنَ المَرِحِ نَظِيرَ ما قِيلَ فِي: زَيْدٌ عَدْلٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ واقِعٌ في حَيِّزِ النَّهْيِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ ونَفْيُ أصْلِ الِاتِّصافِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ زِيادَتِهِ ومُبالَغَتِهِ لِأنَّهُ رُبَّما يُشْعِرُ بِبَقاءِ أصْلِهِ في الجُمْلَةِ، وجَعْلُ المُبالَغَةِ راجِعَةً إلى النَّفْيِ دُونَ المَنفِيِّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بَعِيدٌ هُنا، والقَوْلُ بِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ فَلا يَقْتَضِي نَفْيُ ذَلِكَ نَفْيَ أصْلِهِ كَما قِيلَ في المَصْدَرِ مُغالَطَةٌ نَشَأتْ مِن عَدَمِ مَعْرِفَةِ مَعْنى الثُّبُوتِ في الصِّفَةِ؛ فَإنَّ المُرادَ بِهِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدٍ وحُدُوثٍ لا أنَّها تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، والأخْفَشُ فَضَلَّ القِراءَةَ بِالمَصْدَرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ ولَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّ ذَلِكَ في الإثْباتِ لا في النَّفْيِ أوْ ما في حُكْمِهِ، وأُورِدَ عَلى ما قِيلَ أنَّ فِيهِ تَفْضِيلَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ عَلى المُتَواتِرَةِ وهو كَما تَرى.
ولِذا فَضَّلَ بَعْضُهُمُ القِراءَةَ بِالمَصْدَرِ كالأخْفَشِ وجَعَلَ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنهُ راجِعَةً إلى النَّهْيِ ومَنَعَ كَوْنَ ذَلِكَ بَعِيدًا، وقِيلَ: إذا جُعِلَ التَّقْدِيرُ في المُتَواتِرَةِ ذا مَرَحٍ تَتَّحِدُ مَعَ الشّاذَّةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذا مَرَحٍ أبْلَغُ مِن مَرِحًا صِفَةً لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ صاحِبُ مَرَحٍ ومُلازِمٌ لَهُ كَأنَّهُ مالِكٌ إيّاهُ وفِيهِ تَوَقُّفٌ كَما لا يَخْفى، والتَّقْيِيدُ بِالأرْضِ لا يَصِحُّ أنَّ يُقالَ لِلِاحْتِرازِ عَنِ المَشْيِ في الهَواءِ أوْ عَلى الماءِ لِأنَّ هَذا خارِقٌ ولا يُحْتَرَزُ عَنْهُ بَلْ لِلتَّذْكِيرِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وهو أرْدَعُ عَنِ المَشْيِ مِشْيَةَ الفاخِرِ المُتَكَبِّرِ وأدْعى لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَمْشِ فِيما هو عُنْصُرُكَ الغالِبُ عَلَيْكَ الَّذِي خُلِقْتَ مِنهُ وإلَيْهِ تَعُودُ والَّذِي قَدْ ضَمَّ مِن أمْثالِكَ كَثِيرًا مِشْيَةَ الفاخِرِ المُتَكَبِّرِ، وقِيلَ: لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ المَشْيِ مَرَحًا في سائِرِ البُقَعِ والأماكِنِ لا يَخْتَصُّ بِهِ أرْضٌ دُونَ أرْضٍ، والأوَّلُ ألْطَفُ.
﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ؛ أيْ إنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ وشِدَّةِ وطَأتِكَ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ الَّتِي عَلَيْها ﴿طُولا﴾ بِتَعاظُمِكَ ومَدِّ قامَتِكَ فَأيْنَ أنْتَ والتَّكَبُّرُ عَلَيْها إذِ التَّكَبُّرُ إنَّما يَكُونُ بِكَثْرَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الجُثَّةِ وكِلاهُما مَفْقُودٌ فِيكَ أوْ أنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ فَأنْتَ أضْعَفُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الجَمادَيْنِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ التَّكَبُّرُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَآلُ النَّهْيِ والتَّعْلِيلِ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا جَدْوى فِيهِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ونُصِبَ ﴿طُولا﴾ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وقِيلَ: يُشِيرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو بِمَعْنى التَّطاوُلِ، أيْ: لَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ بِتَطاوُلِكَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَنْ تَخْرِقَها لِزِيادَةِ الإيقاظِ والتَّقْرِيعِ، ثُمَّ إنَّ الِاخْتِيالَ في المَشْيِ كَبِيرَةٌ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وهَذا فِيما عَدا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أما بَيْنُهُما فَهو مُباحٌ لِخَبَرٍ صَحَّ فِيهِ، ويَكْفِي ما في الآيَةِ مِنَ التَّهَكُّمِ
صفحة 76
والتَّقْرِيعِ زاجِرًا لِمَنِ اعْتادَهُ حَيْثُ لا يُباحُ كَكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ.
وفِي الِانْتِصافِ: قَدْ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى عَوامَّ زَمانِنا مِن هَذِهِ المِشْيَةِ وتَوَرَّطَ فِيها قُرّاؤُنا وفُقَهاؤُنا بَيْنا أحَدُهم قَدْ عَرَفَ مَسْألَتَيْنِ أوْ أجْلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ طالِبَيْنِ أوْ نالَ طَرَفًا مِن رِياسَةِ الدُّنْيا؛ إذْ هو يَمْشِي خُيَلاءَ ولا يَرى أنَّهُ يُطاوِلُ الجِبالَ ولَكِنْ يَرى أنَّهُ يَحُكُّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ كَأنَّهم عَلى هَذِهِ الآيَةِ لا يَمُرُّونَ أوْ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ اه.
وإذا كانَ هَذا حالَ قُرّاءِ زَمانِهِ وفُقَهائِهِ فَماذا أقُولُ أنا في قُرّاءِ زَمانِي وفُقَهائِهِمْ سِوى لا «كَثَّرَ» اللَّهُ تَعالى أمْثالَهم ولا ابْتَلانا بِشَيْءٍ مِن أفْعالِهِمْ وجَعَلَها أفْعى لَهم.
الإسراء 17:38
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ في تَضاعِيفِ الأوامِرِ والنَّواهِي السّابِقَةِ مِنَ الخِصالِ المُنْحَلَّةِ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ وهو ما نَهى عَنْهُ مِنها مِنَ الجَعْلِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَهًا آخَرَ وعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى والتَّأْفِيفِ والنَّهْرِ والتَّبْذِيرِ وجَعْلِ اليَدِ مَغْلُولَةً إلى العُنُقِ وبَسْطِها كُلَّ البَسْطِ وقَتْلِ الأوْلادِ خَشْيَةَ إمْلاقٍ وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ وإسْرافِ الوَلِيِّ في القَتْلِ وقَفْوِ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ والمَشْيِ في الأرْضِ مَرَحًا فالإضافَةُ لامِيَّةٌ مِن إضافَةِ البَعْضِ إلى الكُلِّ.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أيْ: مُبْغَضًا وإنْ كانَ مُرادًا لَهُ تَعالى بِالإرادَةِ التَّكْوِينِيَّةِ وإلّا لَما وقَعَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ««ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ»» وغَيْرُ ذَلِكَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الإرادَةُ مُرادِفَةً أوْ مُلازِمَةً لِلرِّضا لِيَلْزَمَ اجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ الإرادَةِ المَذْكُورَةِ والكَراهَةِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ، وهَذا تَتْمِيمٌ لِتَعْلِيلِ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها جَمِيعًا، ووَصَفَ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الكَراهَةِ مَعَ أنَّ أكْثَرَهُ مِنَ الكَبائِرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُجَرَّدَ الكَراهَةِ عِنْدَهُ تَعالى كافِيَةٌ في وُجُوبِ الكَفِّ عَنْ ذَلِكَ، وتَوْجِيهُ الإشارَةِ إلى الكُلِّ ثُمَّ تَعْيِينُ البَعْضِ دُونَ تَوْجِيهِها إلَيْهِ ابْتِداءً لِما قِيلَ: مِن أنَّ البَعْضَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ جُمْلَةً بَلْ عَلى وجْهِ الِاخْتِلاطِ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتْهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِ ما عَداهُ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إيذانًا بِالغِنى عَنْهُ، وقِيلَ: اهْتِمامًا بِشَأْنِ التَّنْفِيرِ عَنِ النَّواهِي لِما قالُوا مِن أنَّ التَّخْلِيَةَ أوْلى مِنَ التَّحْلِيَةِ ودَرْءَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ بَيانِيَّةً. و«ذَلِكَ» إمّا إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ويُؤْخَذُ مِنَ المَأْمُوراتِ أضْدادُها وهي مَنهِيٌّ عَنْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ وإمّا إشارَةٌ إلى ما نَهى عَنْهُ صَرِيحًا فَقَطْ.
وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ «سَيِّئَةً» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهاءِ التَّأْنِيثِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والإشارَةُ إلى ما نَهى عَنْهُ صَرِيحًا وضِمْنًا أوْ صَرِيحًا فَقَطْ، و﴿مَكْرُوهًا﴾ قِيلَ بَدَلٌ مِن ﴿سَيِّئُهُ﴾ والمُطابَقَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
وضُعِّفَ بِأنَّ بَدَلَ المُشْتَقِّ قَلِيلٌ، وقِيلَ: صِفَةُ ﴿سَيِّئُهُ﴾ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ فَإنَّها بِمَعْنى «سَيِّئًا» وقَدْ قُرِئَ بِهِ أوْ أنَّ السَّيِّئَةَ قَدْ زالَ عَنْها مَعْنى الوَصْفِيَّةِ وأُجْرِيَتْ مَجْرى الجَوامِدِ فَإنَّها بِمَعْنى الذَّنْبِ أوْ تَجْرِي الصِّفَةُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ أيْ أمْرًا مَكْرُوهًا، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ أيْضًا ويَجُوزُ تَعَدُّدُ خَبَرِها عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ في «كانَ» أوْ في الظَّرْفِ بِناءً عَلى جَعْلِهِ صِفَةً.
﴿سَيِّئُهُ﴾ لا مُتَعَلِّقًا بِ «مَكْرُوهًا» فَيَسْتَتِرُ فِيهِ ضَمِيرُها، والحالُ عَلى هَذا مُؤَكَّدَةٌ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ضَمِيرَ السَّيِّئَةِ المُسْتَتِرَ مُؤَنَّثٌ فَجُعِلَ مَكْرُوهًا حالًا مِنهُ كَجَعْلِهِ صِفَةَ ﴿سَيِّئُهُ﴾ في الِاحْتِياجِ إلى التَّأْوِيلِ. وإضْمارُهُ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها لا يَخْفى ما فِيهِ. وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: «شَأْنُهُ».
الإسراء 17:39
﴿ذَلِكَ﴾ المُتَقَدِّمُ في التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ ﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: بَعْضٌ مِنهُ أوْ مِن جِنْسِهِ
صفحة 77
﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الَّتِي هي عِلْمُ الشَّرائِعِ أوْ مَعْرِفَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ أوِ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ الَّتِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والفَسادُ، وفي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذِهِ الثَّمانِي عَشْرَةَ آيَةً يَعْنِي مِن ﴿لا تَجْعَلْ﴾ فِيما مَرَّ إلى ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ بَعْدُ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي عَشْرُ آياتٍ في التَّوْراةِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ تَلا: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهَذا أعْظَمُ مَدْحًا لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ مِمّا في الكَشّافِ، «ومِن» إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِ أوْحى عَلى أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ أيْ مِنَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْكَ رَبُّكَ كائِنًا مِنَ الحِكْمَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلًا مِن ما ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ نَظِيرُ الخِطابِ السّابِقِ كُرِّرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ، وأنَّهُ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ورُتِّبَ عَلَيْهِ أوَّلًا ما هو عائِدُهُ الشِّرْكُ في الدُّنْيا حَيْثُ قالَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ هاهُنا نَتِيجَتَهُ في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ مِن جِهَةِ نَفْسِكَ ومِن جِهَةِ غَيْرِكَ ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ الفَرْقُ بَيْنَ المَذْمُومِ والمَلُومِ أنَّ المَذْمُومَ هو الَّذِي يَذْكُرُ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ ومُنْكَرٌ، والمَلُومُ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهِ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ. ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الذَّمَّ يَكُونُ أوَّلًا واللَّوْمَ آخِرًا، والفَرْقُ بَيْنَ المَخْذُولِ والمَدْحُورِ أنَّ المَخْذُولَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّعِيفِ يُقالُ: تَخاذَلَتْ أعْضاؤُهُ أيْ: ضَعُفَتْ، والمُرادُ بِهِ مَن تُرِكَتْ إعانَتُهُ وفُوِّضَ إلى نَفْسِهِ والمَدْحُورُ المَطْرُودُ والمُرادُ بِهِ المُهانُ والمُسْتَخَفُّ بِهِ انْتَهى.
وفِي إيرادِ الإلْقاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ وازْدِراءٍ بِالمُشْرِكِ وجُعِلَ لَهُ كَخَشَبَةٍ يَأْخُذُها مَن كانَ فَيُلْقِيها في التَّنُّورِ، هَذا وقَدْ وُحِّدَ الخِطابُ في بَعْضِ هَذِهِ الأوامِرِ والنَّواهِي وجُمِعَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، ولَمْ يَظْهَرْ لِي سِرُّ اخْتِيارِ كُلٍّ مِنَ التَّوْحِيدِ والجَمْعِ فِيما اخْتِيرَ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ويَهَشُّ لَهُ كُمَّلُ الرِّجالِ، وقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أحْبابِي مِن أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ ورُؤَساءِ المُدَرِّسِينَ وطَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُحَرِّرَ ما يَظْهَرُ لَهُ حَيْثُ إنِّي مُحَقَّقٌ كَمالَهُ وفَضْلَهُ فَكَتَبَ ما نَصُّهُ: أقُولُ مُعْتَرِفًا بِالقُصُورِ مُحْتَرِزًا عَنِ الغُرُورِ مُتَعَذِّرًا بِالقَوْلِ المَأْثُورِ المَأْمُورِ مَعْذُورٌ يَخْطُرُ عَلى خاطِرِ الفَقِيرِ لِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الخِطابِ وُجُوهٌ تِسْعَةٌ لا تَدْخُلُ في الحِسابِ. الأوَّلُ: الإشْعارُ بِانْقِسامِ هَذِهِ التَّكالِيفِ إلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ قِسْمٌ أهْلُ الكُلِّ خُوطِبَ بِهِ الأُمَّةُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً تَصْرِيحًا بِخِطابِ أنْفُسِهِمْ ومَرَّةً تَعْرِيضًا بِخِطابِ رَسُولِهِمْ ﷺ، وهَذا الأهَمُّ هو التَّوْحِيدُ، وقِسْمٌ مُهِمٌّ جِدًّا لَكِنْ دُونَ الأوَّلِ خُوطِبُوا بِهِ واحِدَةً تَصْرِيحًا وهو أُمُورٌ سَبْعَةٌ، الأوَّلُ مُطْلَقُ الإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ فَإنَّ انْتِفاءَهُ بِأنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِما أصْلًا مِن أشَدِّ مَراتِبِ العُقُوقِ، والثّانِي: تَرْكُ قَتْلِ الأوْلادِ، والثّالِثُ: الزِّنا، والرّابِعُ: تَرْكُ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ إلّا بِالحَقِّ، والخامِسُ: تَرْكُ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، والسّادِسُ: الإيفاءُ بِالعَهْدِ، والسّابِعُ: الوَزْنُ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ. وقِسْمٌ ثالِثٌ دُونِ الأوَّلَيْنِ في المُهِمِّيَّةِ خُوطِبُوا بِهِ واحِدَةً تَعْرِيضًا وهو أيْضًا أُمُورٌ أحَدَ عَشَرَ. الأوَّلُ: تَرْكُ قَوْلِ أُفٍّ لِلْوالِدَيْنِ، والثّانِي: تَرْكُ النَّهْرِ؛ فَإنَّ التَّأْفِيفَ والنَّهْرَ مِن أهْوَنِ مَراتِبِ العُقُوقِ بِخِلافِ تَرْكِ الإحْسانِ مُطْلَقًا، والثّالِثُ: قَوْلُ القَوْلِ الكَرِيمِ لَهُما، والرّابِعُ: خَفْضُ الجَناحِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والخامِسُ: الدُّعاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَرْكُها لَيْسَ كَتَرْكِ مُطْلَقِ الإحْسانِ مَثَلًا. والسّادِسُ: تَرْكُ إيتاءِ حَقِّ ذِي القُرْبى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وظاهِرٌ أنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ مَجْمُوعِ الحُقُوقِ الثَّلاثَةِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في القِسْمِ
صفحة 78
الثّانِي، والسّابِعُ: تَرْكُ التَّبْذِيرِ. والثّامِنُ: قَوْلُ القَوْلِ المَيْسُورِ، والتّاسِعُ: العَدْلُ في المَنعِ والعَطاءِ، والعاشِرُ: تَرْكُ القَفْوِ لِما لَيْسَ بِهِ عِلْمُ الصّادِقِ عَلى القَوْلِ بِمُوجِبِ الظَّنِّ مَثَلًا، والحادِي عَشَرَ: تَرْكُ المَشْيِ مَرَحًا وتَرْكُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ أيُّها كانَ لا يَبْلُغُ تَرْكَ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُكَلَّفِ بِها المَذْكُورَةِ في القِسْمِ الثّانِي كَما لا يَخْفى. والثّانِي مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الإيماءُ بِاقْتِرانِ خِطابِ الأُمَّةِ في النَّهْيِ عَنْ كَبائِرَ خَطِيرَةٍ مَثَلًا بِخِطابِهِ ﷺ عَمّا لَيْسَ في خَطَرِها إلى أنَّ الذُّنُوبَ تَزْدادُ عِظَمًا بِعِظَمِ مُرْتَكِبِها فَرْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ وكَرِيمَةُ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وكَما اشْتُهِرَ أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وأنَّ المُقَرَّبِينَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لَكِنْ لَمْ تُراعَ هَذِهِ النُّكْتَةُ في النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ إشارَةً إلى أنَّهُ في غايَةِ العِظَمِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ في عِظَمِهِ ازْدِيادُ وتَفاوُتُ الأفْرادِ، أوْ نَقُولُ: لَمّا عارَضَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ نُكْتَةً أُخْرى رُجِّحَتْ لِكَوْنِها بِالرِّعايَةِ أحْرى وهي الإشارَةُ إلى أنَّ الشِّرْكَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَظِيمًا فَكُرِّرَ الخِطابُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ تَخْصِيصًا وتَعْمِيمًا، وهَكَذا نَقُولُ في عَدَمِ رِعايَةِ نُكْتَةِ الوُجُوهِ الآتِيَةِ في التَّكْلِيفِ بِالتَّوْحِيدِ ولا نُعِيدُ. والثّالِثُ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ التَّنْبِيهُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في النَّهْيِ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي والأمْرِ بِبَعْضِ الطّاعاتِ عَلى أنَّ فِتْنَةَ فِعْلِ تِلْكَ المَعاصِي وتَرْكَ تِلْكَ الطّاعاتِ لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً. والرّابِعُ مِنها الإشارَةُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ فِيما عُمِّمَ فِيهِ مِنَ المَنهِيّاتِ والمَأْمُوراتِ إلى أنَّ تِلْكَ المَنهِيّاتِ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ الِانْكِفافُ عَنْها يَجِبُ عَلَيْهِ كَفُّ الغَيْرِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ لَكانَ كَفاعِلِها في أنَّهُ اقْتَرَفَ كَبِيرَةً نَهى عَنْها نَهْيَ تِلْكَ المَنهِيّاتِ وإلى أنَّ تِلْكَ المَأْمُوراتِ كَما يَجِبُ عَلى الكُلِّ أداؤُها يَجِبُ إجْبارُ التّارِكِ عَلى أدائِها بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُجْبَرْ لَكانَ كَتارِكِها في أنَّهُ تَرَكَ واجِبًا أُمِرَ بِهِ أمْرَ تِلْكَ المَأْمُوراتِ وبِتَخْصِيصِ الخِطابِ فِيما خُصِّصَ فِيهِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ فَإنَّهُ وإنْ وجَبَ إجْبارُ الغَيْرِ عَلى بَعْضِ تَكالِيفِهِ لَكِنْ عَسى أنْ لا يَكُونَ تَرْكُهُ كَبِيرَةً والخامِسُ الرَّمْزُ بِتَوْحِيدِ الخِطابِ فِيما وُحِّدَ فِيهِ أنَّ تِلْكَ الطّاعَةَ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الآحادِ لِأنَّها لا يُوفِّي حَقَّها إلّا المُتَوَرِّعُونَ الصّالِحُونَ وقَلِيلٌ ما هم بِخِلافِ غَيْرِها فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ.
والسّادِسُ: الإشْعارُ بِأنَّ التَّكالِيفَ الَّتِي خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ لا يَقُومُ بِها حَقَّ القِيامِ إلّا هو أوْ مَن يَقْتَدِي بِأنْوارِهِ ويَقْتَفِي لِآثارِهِ ويَسْعى في اتِّباعِ سَنَنِهِ القَوِيمِ ويَجْتَهِدُ في التَّخَلُّقِ بِخُلُقِهِ الكَرِيمِ بِخِلافِ غَيْرِها مِمّا خُوطِبُوا بِهِ صَرِيحًا فَإنَّها تَأْتِي مِن أغْلَبِهِمْ.
والسّابِعُ: أنَّهُ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهُ ﷺ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ إلّا بِالحَقِّ والتَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الشَّنائِعَ لا يَأْتِيها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يُنْهَ عَنْها؛ لِأنَّ فِطْرَتَهُ وفِطْنَتَهُ وسَلامَةَ طَبْعِهِ اللَّطِيفِ واسْتِقامَةَ مِزاجِهِ الشَّرِيفِ كانَتْ كافِيَةً في كَفِّهِ عَنْها، وكَذا صُرِفَ عَنْهُ الخِطابُ في الأمْرِ بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ والإيفاءِ بِالعَهْدِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ يَأْتِي بِهَذِهِ الأُمُورِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِها لِأنَّ تَرْكَ مُطْلَقِ الإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ لَوْ بَلَغا لَدَيْهِ الكِبَرَ مَثَلًا يَلْزَمُهُ مِنَ الفَظاظَةِ وغِلْظَةِ القَلْبِ وجَفاءِ الطَّبْعِ ما كانَ يَأْباهُ طَبِيعَتُهُ ﷺ وكَذا الغَدْرُ والتَّطْفِيفُ كانا تَأْباهُما أخْلاقُهُ الكَرِيمَةُ لَكِنْ خُوطِبَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلطَّبْعِ والخُلُقِ في التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ دَخْلٌ.
والثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى إجْلالًا لِحَبِيبِهِ ﷺ لَمْ يُخاطِبْهُ بِنَهْيِهِ عَنْ فَواحِشِ قَتْلِ الوَلَدِ والزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّهُ كانَ –وحاشاهُ- يَأْتِيها قَبْلَ النَّهْيِ، وكَذا لَمْ يُخاطِبْهُ بِأمْرٍ بِالإيفاءِ بِالعَهْدِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ
صفحة 79
المُسْتَقِيمِ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّهُ كانَ –وحاشاهُ- يَتْرُكُها قَبْلَ هَذا، وهَذا الإيهامُ أدْعى لِلِاعْتِناءِ بِدَفْعِهِ مِنَ الإيهامِ فِيما خُوطِبَ بِهِ وحْدَهُ، وخُوطِبَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّ مَعْهُودِيَّةَ دَعْوَتِهِ ﷺ لِلْخاصِّ والعامِّ مَدى اللَّيالِي والأيّامِ كَفَتْهُ هَذا الإيهامَ.
والتّاسِعُ: لَعَلَّ التَّكالِيفَ الَّتِي خُوطِبَ ﷺ بِها كَتَرْكِ القَفْوِ لِما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وتَرْكِ المَشْيِ في الأرْضِ مَرَحًا لَمْ تَكُنْ في غَيْرِ دِينِهِ مِن سائِرِ الأدْيانِ أوْ لَمْ تَكُنْ مُصَرَّحًا بِها مَنصُوصًا عَلَيْها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما عَدا القُرْآنَ فَوَجْهُ الخِطابِ إلَيْهِ وحْدَهُ تَلْوِيحًا بِأنَّها مِن خَصائِصِ دِينِهِ أوْ بِأنَّ التَّصْرِيحَ بِها والتَّنْصِيصَ عَلَيْها مِن خَصائِصِ كِتابِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ القَفْوِ بِلا عِلْمٍ والمَشْيِ مَرَحًا: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ ثُمَّ إنِّي لا أدَّعِي في هَذا بَلْ وفي سائِرِ الوُجُوهِ البَتَّ والجَزْمَ ولا أقْفُو ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ بَلْ أقُولُ: هَذا خَطَرَ بِبالِي الكَسِيرِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ. اه.
ويُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ في الأوَّلِ فَإنَّ انْتِفاءَهُ بِأنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِما أصْلًا مِن أشَدِّ مَراتِبِ العُقُوقِ أنَّ العُقُوقَ الَّذِي هو كَبِيرَةٌ فِعْلُ ما يَتَأذّى بِهِ مَن فُعِلَ مَعَهُ مِنَ الوالِدَيْنِ تَأذِّيًا لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كَما سَمِعْتَ، وعَدَمُ الإحْسانِ أصْلًا قَدْ لا يَكُونُ مِن ذَلِكَ، قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ العُقُوقِ وقَطْعِ الرَّحِمِ: إنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إحْسانٌ ولا إساءَةٌ قَطُّ لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ؛ لَأنَّ الأبَوَيْنِ إذا فُرِضَ ذَلِكَ في حَقِّهِما مِن غَيْرِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهُما ما يَقْتَضِي التَّأذِّيَ العَظِيمَ لِغِناهُما مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأوْلى بَقِيَّةُ الأقارِبِ اه. وكَأنَّهُ أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ظَنَّ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَ عَدَمُ الإحْسانِ تَحَقَّقَتِ الإساءَةُ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، ويَرِدُ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: وظاهِرٌ أنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ مَجْمُوعِ الحُقُوقِ الثَّلاثَةِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في القِسْمِ الثّانِي أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ أهْوَنُ مِن تَرْكِ مَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمُورِ فَلا شَكَّ أنَّ بَعْضَ ما عَدَّهُ في القِسْمِ الثّالِثِ كالوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ تَرْكُ القِيامِ بِهِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ مَجْمُوعِ التَّكْلِيفاتِ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ وإنْ أرادَ أنَّهُ أهْوَنُ مِن تَرْكِ كُلِّ واحِدٍ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَهو مَمْنُوعٌ كَيْفَ لا ويَكُونُ في ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ وقاطِعُها مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى في ثَلاثَةِ مَواضِعَ. ورَوى أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّ: «مِن أرْبا الرِّبا الِاسْتِطالَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَن قَطَعَها حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الجَنَّةَ؛» ومَنعُ زَكاةٍ أيْضًا.
وقَدْ قالَ تَعالى في حم السَّجْدَةِ وهي مَكِّيَّةٌ كَهَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وإنْ نُوقِشَ فِيما ذُكِرَ قُلْنا: إنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ ما ذُكِرَ صادِقٌ عَلى مَنعِ حُقُوقِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ ولا شَكَّ أنَّ مَنعَ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ ظُلْمٌ لَهُ فَيَتَعَدَّدُ الظُّلْمُ فِيما نَحْنُ فِيهِ، ولا أظُنُّ أنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ مِنَ التَّطْفِيفِ وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً عَلى القَلْبِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ظاهِرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، ويَرِدُ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: وتَرْكُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ إلَخْ. أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهْيٌ عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ عَنْ كَبائِرَ لا شَكَّ في أنَّ بَعْضَها أعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِن بَعْضِ ما في القِسْمِ الثّانِي كالقَوْلِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ نَحْوَ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ تَقْلِيدًا لِلْأسْلافِ واتِّباعًا لِلْهَوى وإنْ أبَيْتَ إلّا تَخْصِيصَهُ بِبَعْضِ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ ونَقَلَهُالإمامُ مِمّا هو أهْوَنُ أفْرادِهِ كالكَذِبِ قِيلَ لَكَ:
صفحة 80
إنَّ في كَوْنِهِ أهْوَنَ مِنَ انْتِفاءِ الإحْسانِ مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ قَدْ لا يَكُونُ كَبِيرَةً مَنعًا ظاهِرًا كَما لا يَخْفى. وكَذا في كَوْنِ المَشْيِ مَرَحًا دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ السّابِقَةِ بَحْثٌ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ: ««بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ مُخْتالٌ في مِشْيَتِهِ إذْ خَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ فَهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»»
ورَوى أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ: ««ما مِن رَجُلٍ يَتَعاظَمُ في نَفْسِهِ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ إلّا لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ»»
وصَحَّ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي لَمْ يَجِئْ مِثْلُها فِيمَن لَمْ يُحْسِنْ إلى والِدَيْهِ، نَعَمْ جاءَ ذَلِكَ فِيمَن عَقَّ والِدَيْهِ، وبَيْنَ عُقُوقِهِما وعَدَمِ الإحْسانِ إلَيْهِما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وعَلى هَذا فَلا يَخْفى حالٌ كَما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي عَلى ما فِيهِ أنَّهُ غَيْرُ وافٍ بِالغَرَضِ، وعَلى الثّالِثِ أنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوى لَمْ تُساعِدْها الآثارُ، نَعَمْ ورَدَ في بَعْضِ ما ذُكِرَ أنَّ فِتْنَتَهُ لا تُصِيبُ الظّالِمَ فَقَطْ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ: ««يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ، خِصالٌ خَمْسٌ إنِ ابْتَلَيْتُمْ بِهِنَّ ونَزَلَتْ بِكم أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتّى يُعْلِنُوا بِها إلّا فَشا فِيهِمُ الأوْجاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمْ، ولَمْ يُنْقِصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَئُونَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ ولَمْ يَمْنَعُوا زَكاةَ أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا المَطَرَ مِنَ السَّماءِ، ولَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ولا نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ تَعالى وعَهْدَ رَسُولِهِ ﷺ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ ما في أيْدِيهِمْ وما لَمْ تَحْكم أئِمَّتُهم بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَأْسَهم بَيْنَهُمْ»».
وإنْ كانَ في عَدَمِ إيتاءِ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما مَنعُ الزَّكاةِ فَأمْرُ الإيماءِ المَذْكُورُ ولا يَخْفى حالُهُ فَإنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِعُمُومِ شُؤْمِ ذَلِكَ.
فَقَدْ صَحَّ: ««ما مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكاةَ إلّا حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ»».
وفِي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ««إلّا ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسِّنِينَ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَرِدُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ أنَّ بَعْضَهم قَدْ أطْلَقَ القَوْلَ بِأنَّ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كَبِيرَةٌ.
وصَرَّحَ صاحِبُ العُدَّةِ بِأنَّ الغِيبَةَ نَفْسَها صَغِيرَةٌ، وتَرْكَ النَّهْيِ عَنْها كَبِيرَةٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: ونَقَلَهُ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ يَنْبَغِي أنْ يُفَصَّلَ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَيُقالَ: إنْ كانَ كَبِيرَةً فالسُّكُوتُ عَلَيْهِ مَعَ إمْكانِ دَفْعِهِ كَبِيرَةٌ، وإنْ كانَ صَغِيرَةً فالسُّكُوتُ عَلَيْهِ صَغِيرَةٌ، ويُقاسُ تَرْكُ المَأْمُورِ بِهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الواجِباتِ تَتَفاوَتُ وهو الظّاهِرُ اه.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ فِيما وحَّدَ الخِطابَ فِيهِ مِنَ الأوامِرِ ما تَرْكُهُ كَبِيرَةٌ ومِنَ النَّواهِي ما فِعْلُهُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ ما رَجا سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ في تَعْبِيرِهِ بِالإجْبارِ فِيما عَبَّرَ فِيهِ ما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى الخامِسِ أنَّ في كَوْنِ الطّاعاتِ الَّتِي وحَّدَ فِيها الخِطابَ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الآحادِ لِأنَّها لا يُوَفِّي حَقَّها إلّا المُتَوَرِّعُونَ مَنعًا ظاهِرًا فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ صالِحِهِمْ وطالِحِهِمْ لا يَمْشِي في الأرْضِ مَرَحًا ومِثْلُ ذَلِكَ الدُّعاءُ لِلْوالِدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ فَإنّا نَسْمَعُهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مِن كَثِيرٍ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ الوَرَعَ أيَّ شَيْءٍ هُوَ، وكَذا في قَوْلِهِ: بِخِلافِ غَيْرِها فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ، فَإنَّ تَرْكَ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ عَلَيْهِ أمْرٌ شاقٌّ لا يَكادُ يَقُومُ بِهِ إلّا الأفْرادُ، قالَ في رَدِّ المُحْتارِ حاشِيَةِ الدُّرِّ المُخْتارِ: لا يَنْبَغِي لِلْمُوصى إلَيْهِ أنْ يَقْبَلَ لِصُعُوبَةِ العَدْلِ جِدًّا، ومِن هُنا قالَ أبُو يُوسُفَ: الدُّخُولُ في الوِصايَةِ أوَّلَ مَرَّةِ غَلَطٌ وثانِي مَرَّةٍ خِيانَةٌ وثالِثَ مَرَّةٍ سَرِقَةٌ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في الوَجْهِ السّادِسِ، ويَرِدُ عَلى السّابِعِ أيْضًا أنَّ المَشْيَ في الأرْضِ مَرَحًا كالأُمُورِ الَّتِي صُرِفَ الخِطابُ في النَّهْيِ عَنْها عَنْهُ ﷺ في أنَّ فِطْرَتَهُ وفِطْنَتَهُ وسَلامَةَ طَبْعِهِ اللَّطِيفِ واسْتِقامَةَ مِزاجِهِ الشَّرِيفِ كافِيَةٌ في الكَفِّ عَنْهُ؛ فَإنَّ الكِبْرَ مِنَ البَشَرِ لا يَنْشَأُ إلّا عَنْ جَهْلٍ وبَلادَةٍ وقَدْ جُبِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ بَلْ وسائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي
صفحة 81
كَمالٌ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُصْرَفِ الخِطابُ فِيهِ وأنَّهُ حَيْثُ اعْتَبَرَ الفِطْنَةَ في الكافِي عَنِ الكَفِّ لَمْ يَنْفَعْهُ الِاعْتِذارُ عَنْ تَوْحِيدِ الخِطابِ في النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِما اعْتُذِرَ بِهِ فَإنَّ لِلْفِطْنَةِ دَخْلًا تامًّا في التَّوْحِيدِ كَما لا يَخْفى عَلى فَطِنٍ، ويَرِدُ عَلى قَوْلِهِ في الثّامِنِ: «وهَذا الإيهامُ إلَخْ» مَنعُ ظاهِرٍ فَلا يَخْفى حالُهُ كَما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى التّاسِعِ أنَّهُ لا يُساعِدُهُ نَقْلٌ ولا عَقْلٌ بَلْ جاءَ في النَّقْلِ ما يُخالِفُهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإنَّ اعْتُبِرَ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ مِن تِلْكَ التَّكْلِيفاتِ فَهو كافٍ في تَزْيِيفِ هَذا الوَجْهِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ جاءَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ ونَطَقَ بِهِ كُلُّ كِتابٍ وما ذَكَرَهُ مُؤَيِّدًا لِغَرَضِهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْيِيدِ، هَذا وبَقِيَتْ إيراداتٌ أُخَرُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ أعْرَضْنا عَنْها وتَرَكْناها لِلذَّكِيِّ الفَطِنِ حَذَرًا مِنَ التَّطْوِيلِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
الإسراء 17:40
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ خِطابٌ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإصْفاءُ بِالشَّيْءِ جَعْلُهُ خالِصًا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وهي داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ عَلى أحَدِ الرَّأْيَيْنِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ أيْ: أفَضَّلَكم عَلى جَنابِهِ فَخَصَّكم بِأفْضَلِ الأوْلادِ عَلى وجْهِ الخُلُوصِ وآثَرَ لِذاتِهِ أخَسَّها وأدْناها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَشْدِيدِ النَّكِيرِ وتَأْكِيدِهِ، وعَبَّرَ بِالإناثِ إظْهارًا لِلْخِسَّةِ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: أُشِيرَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإيرادِ الإناثِ مَكانَ البَناتِ إلى كُفْرَةٍ لَهم أُخْرى وهي وصْفُهم لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالأُنُوثَةِ الَّتِي هي أخَسُّ صِفاتِ الحَيَوانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفي الكَشْفِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنِ الشِّرْكِ ودَلَّ عَلى فَسادِهِ أتى بِالفاءِ الواصِلَةِ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى مَكانِ التَّعْكِيسِ وأنَّهم بَعْدَ ما عَرَفُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَرِيءٌ مِنَ الشَّرِيكِ بِدَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ نَسَبُوا إلَيْهِ تَعالى ما هو شِرْكٌ ونَقْصٌ وازْدِراءٌ بِمَنِ اصْطَفاهُ مِن عِبادِهِ فَيا لَهُ مِن كُفْرَةٍ شَنِيعَةٍ ولِذا قِيلَ:
﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ﴾ بِمُقْتَضى مَذْهَبِكُمُ الباطِلِ ﴿قَوْلا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ في اسْتِتْباعِ الإثْمِ وخَرْقِهِ لِقَضايا العُقُولِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ذُو عَقْلٍ حَيْثُ تَجْعَلُونَهُ سُبْحانَهُ مِن قَبِيلِ الأجْسامِ السَّرِيعَةِ الزَّوالِ المُحْتاجَةِ إلى بَقاءِ النَّوْعِ بِالتَّوالُدِ ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ الباقِي بِذاتِهِ ثُمَّ تُضِيفُونَ إلَيْهِ تَعالى ما تَكْرَهُونَ مِن أخَسِّ الأوْلادِ وتُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أنْفُسَكم بِالبَنِينَ ثُمَّ تَصِفُونَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما تَصِفُونَ.
الإسراء 17:41
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ مِنَ التَّصْرِيفِ وهو كَثْرَةُ صَرْفِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالِ، ومَفْعُولُهُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ أيْ: صَرَّفْناهُ أيْ هَذا المَعْنى والمُرادُ عَبَّرْنا عَنْهُ بِعِباراتٍ وقَرَّرْناهُ بِوُجُوهٍ مِنَ التَّقْرِيراتِ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ العَظِيمِ أيْ: في مَواضِعَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالقُرْآنِ مَجْمُوعُ التَّنْزِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ البَعْضُ المُشْتَمِلُ عَلى إبْطالِ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ مَحْذُوفٌ أيْضًا؛ أيْ: صَرَّفْنا القَوْلَ المُشْتَمِلَ عَلى إبْطالِ الإضافَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَعْنى، وإيقاعُ القُرْآنِ عَلى المَعْنى وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ إمّا بِإطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِ لِما اشْتُهِرَ أنَّ الألْفاظَ قَوالِبُ المَعانِي أوْ بِالعَكْسِ كَما يُقالُ: البابُ الفُلانِيُّ في كَذا، وهَذِهِ الآيَةُ في تَحْرِيمِ كَذا، أيْ: في بَيانِهِ، ويَجُوزُ تَنْزِيلُ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ وتَعْدِيَتُهُ بِفي كَما في قَوْلِهِ: يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي.
أيْ: أوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ. وقُرِئَ: «صَرَفْنا» بِالتَّخْفِيفِ والصَّرْفُ كالتَّصْرِيفِ إلّا في التَّكْثِيرِ.
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا ويَطْمَئِنُّوا لَهُ؛ فَإنَّ
صفحة 82
التَّكْرارَ يَقْتَضِي الإذْعانَ واطْمِئْنانَ النَّفْسِ.
﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ ذَلِكَ التَّصْرِيفُ ﴿إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ وإعْراضًا عَنْهُ وهو تَعْكِيسٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفِي: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّذَكُّرِ ضِدُّ النِّسْيانِ والغَفْلَةِ، والتَّذَكُّرُ عَلى القِراءَةِ الأوْلى بِمَعْنى الِاتِّعاظِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ الحالِ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَحْكِيَ لِلسّامِعِينَ هَناتَهم.
الإسراء 17:42
﴿قُلْ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوُجُودِ ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ قاطِبَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ خِطابًا لَهُمْ، والأمْرانِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعانِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا أُمِرَ أحَدٌ بِتَبْلِيغِ كَلامٍ لِأحَدٍ فالمُبَلِّغُ لَهُ في حالِ تَكَلُّمِ الآمِرِ غائِبٌ ويَصِيرُ مُخاطَبًا عِنْدَ التَّبْلِيغِ فَإذا لُوحِظَ الأوَّلُ حَقُّهُ الغَيْبَةُ، وإذا لُوحِظَ الثّانِي حَقُّهُ الخِطابُ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا بِالتّاءِ وهُناكَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ عَلى أنَّهُ تَنْزِيهٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ عَلى ما قِيلَ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ.
﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ آلِهَةً، وجَزاءٌ لِلَوْ؛ أيْ: لَطَلَبَ الآلِهَةُ ﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والرُّبُوبِيَّةُ عَلى الإطْلاقِ ﴿سَبِيلا﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما اطَّرَدَتِ العادَةُ بَيْنَ المُلُوكِ، وهي إشارَةٌ إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ اسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضَ التّالِي لِيَنْتِجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ المَطْلُوبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَقْرِيرُهُ في مَحَلِّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى إذًا لَطَلَبُوا الزُّلْفى إلَيْهِ تَعالى والتَّقَرُّبَ بِالطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وعَظْمَتِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى قِياسٍ اقْتِرانِيٍّ هَكَذا لَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ آلِهَةً لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ تَعالى وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. قِيلَ «ولَوْ» عَلى الأوَّلِ امْتِناعِيَّةٌ وعَلى هَذا شَرْطِيَّةٌ، والقِياسُ مُرَكَّبٌ مِن مُقَدَّمَتَيْنِ شَرْطِيَّةٍ اتِّفاقِيَّةٍ وحَمْلِيَّةٍ.
واخْتارَ المُحَقِّقُونَ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ ما يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْدِيرِ ولا مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ يُنَزَّهُ بِذاتِهِ تَنْزِيهًا حَقِيقًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَعالى﴾ مُتَباعِدًا ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى آلِهَةٌ وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ ﴿عُلُوًّا﴾ أيْ: تَعالِيًا فَهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ بِعِيدَ الغايَةِ بَلْ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا وأنَّهُ تَعالى في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ مَعَهُ آلِهَةً وأنَّ لَهُ أوْلادًا في أدْنى مَراتِبِ العَدَمِ وهو الِامْتِناعُ الذّاتِيُّ. وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلْ مَعَ ما سَمِعْتَ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مِن شَأْنِهِ
صفحة 83
ذَلِكَ، واعْتُذِرَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ العُلُوِّ بَعْدَ عُنْوانِهِ بِذِي العَرْشِ في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ
الإسراء 17:43
﴿قُلْ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوُجُودِ ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ قاطِبَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ خِطابًا لَهُمْ، والأمْرانِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعانِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا أُمِرَ أحَدٌ بِتَبْلِيغِ كَلامٍ لِأحَدٍ فالمُبَلِّغُ لَهُ في حالِ تَكَلُّمِ الآمِرِ غائِبٌ ويَصِيرُ مُخاطَبًا عِنْدَ التَّبْلِيغِ فَإذا لُوحِظَ الأوَّلُ حَقُّهُ الغَيْبَةُ، وإذا لُوحِظَ الثّانِي حَقُّهُ الخِطابُ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا بِالتّاءِ وهُناكَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ عَلى أنَّهُ تَنْزِيهٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ عَلى ما قِيلَ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ.
﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ آلِهَةً، وجَزاءٌ لِلَوْ؛ أيْ: لَطَلَبَ الآلِهَةُ ﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والرُّبُوبِيَّةُ عَلى الإطْلاقِ ﴿سَبِيلا﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما اطَّرَدَتِ العادَةُ بَيْنَ المُلُوكِ، وهي إشارَةٌ إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ اسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضَ التّالِي لِيَنْتِجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ المَطْلُوبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَقْرِيرُهُ في مَحَلِّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى إذًا لَطَلَبُوا الزُّلْفى إلَيْهِ تَعالى والتَّقَرُّبَ بِالطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وعَظْمَتِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى قِياسٍ اقْتِرانِيٍّ هَكَذا لَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ آلِهَةً لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ تَعالى وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. قِيلَ «ولَوْ» عَلى الأوَّلِ امْتِناعِيَّةٌ وعَلى هَذا شَرْطِيَّةٌ، والقِياسُ مُرَكَّبٌ مِن مُقَدَّمَتَيْنِ شَرْطِيَّةٍ اتِّفاقِيَّةٍ وحَمْلِيَّةٍ.
واخْتارَ المُحَقِّقُونَ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ ما يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْدِيرِ ولا مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ يُنَزَّهُ بِذاتِهِ تَنْزِيهًا حَقِيقًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَعالى﴾ مُتَباعِدًا ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى آلِهَةٌ وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ ﴿عُلُوًّا﴾ أيْ: تَعالِيًا فَهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ بِعِيدَ الغايَةِ بَلْ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا وأنَّهُ تَعالى في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ مَعَهُ آلِهَةً وأنَّ لَهُ أوْلادًا في أدْنى مَراتِبِ العَدَمِ وهو الِامْتِناعُ الذّاتِيُّ. وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلْ مَعَ ما سَمِعْتَ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مِن شَأْنِهِ
صفحة 83
ذَلِكَ، واعْتُذِرَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ العُلُوِّ بَعْدَ عُنْوانِهِ بِذِي العَرْشِ في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ
الإسراء 17:44
﴿تُسَبِّحُ﴾ بِالفَوْقانِيَّةِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والأخَوَيْنِ وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ مَجازِيٌّ مَعَ الفَصْلِ، وقُرِئَ: «سَبَّحَتْ» ﴿لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ حَيَوانًا كانَ أوْ نَباتًا أوْ جَمادًا ﴿إلا يُسَبِّحُ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ تَعالى، والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ الدَّلالَةُ بِلِسانِ الحالِ أيْ: تَدَلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها دَلالَةً واضِحَةً عَلى وُجُوبِ وجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وقُدْرَتِهِ وتَنَزُّهِهِ مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ كَما يَدُلُّ الأثَرُ عَلى مُؤَثِّرِهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ كَما فِي: نَطَقَتِ الحالُ.
وجُوِّزَ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً ولا يَأْبى حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ بِناءً عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُقَلاءِ فَهِمَ تِلْكَ الدَّلالَةَ؛ لِما أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ والكَفَرَةِ لا لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَبائِحِهِمْ مِن نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ بِالنَّزاهَةِ عَنْهُ وبالَغَ فِيهِ ما بالَغَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما ذَكَرَ دَلالَةً عَلى أنَّ كُلَّ الأكْوانِ شاهِدَةٌ بِتِلْكَ النَّزاهَةِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ فَلَوْ كانَ الخِطابُ مَعَ غَيْرِ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ وأضْرابِهِمْ لَمْ يَتَلاءَمِ الكَلامُ ويَخْرُجْ عَنِ النِّظامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ مِن تَتِمَّةِ الإنْكارِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ؛ أيْ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَلِيمٌ ولِذَلِكَ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى التَّوْحِيدِ ولَوْ تُبْتُمْ ونَظَرْتُمْ لَغَفَرَ لَكم ما صَدَرَ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ؛ فَإنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَتُوبُ، وظَنَّ ابْنُ المُنَيِّرِ أنَّ هَذا التَّذْيِيلَ يَأْبى كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ قالَ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغْفِرُ لَهم ولا يَتَجاوَزُ عَنْ جَهْلِهِمْ وإشْراكِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ المُؤْمِنُونَ وعَدَمَ فِقْهِهِمْ لِلتَّسْبِيحِ الصّادِرِ مِنَ الجَماداتِ كِنايَةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنْ عَدَمِ العَمَلِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الإنْسانَ لَوْ تَيَقَّظَ حَقَّ التَّيَقُّظِ إلى أنَّ النَّمْلَةَ والبَعُوضَةَ وكُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الكَوْنِ يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى ويُنَزِّهُهُ ويَشْهَدُ بِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وقَهْرِهِ وعَمَّرَ خاطِرَهُ بِهَذا الفَهْمِ لَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الطَّعامِ فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الأفْعالِ والكَلامِ، والعاكِفِ عَلى الغَيْبَةِ الَّتِي هي فاكِهَتُنا في زَمانِنا لَوِ اسْتَشْعَرَ حالَ إفاضَتِهِ فِيها أنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ لِسانِهِ الَّذِي يُلَقْلِقُهُ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مَشْغُولَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِتَقْدِيسِ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَخْوِيفِ عِقابِهِ وإنْذارِ جَبَرُوتِهِ وتَيَقَّظَ لِذَلِكَ حَقَّ التَّيَقُّظِ لَكادَ يُبْكَمُ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ، فالظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ خِطابًا عَلى الغالِبِ مِن أحْوالِ الغافِلِينَ وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ اه، ولَيْسَ بِسَدِيدٍ لِخُرُوجِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ مِنَ النِّظامِ، ووَجْهُ التَّذْيِيلِ ما سَمِعْتَ فَلا إباءَ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الدَّلالَةُ عَلى تَنْزِيهِ البارِي سُبْحانَهُ عَنْ لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ مُطْلَقًا سَواءً كانَتْ حالِيَّةً أوْ مَقالِيَّةً عَلى أنَّهُ مِن عُمُومِ المَجازِ أوْ بِالجَمْعِ بَيْنَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ فَتَسْبِيحُ بَعْضٍ قالِيٌّ وتَسْبِيحُ بَعْضٍ آخَرَ حالِيٌّ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ.
﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ لِأنَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ ما يَفْقَهُهُ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم وهو التَّسْبِيحُ القالِيُّ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ لَهُ وانْتِفاعِهِمْ بِهِ كانَ فَهْمُهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ أوْ أنَّهم لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ بَعْضَ المُرادِ مِنَ التَّسْبِيحِ جُعِلُوا مِمَّنْ لا يَفْهَمُ الجَمِيعَ تَغْلِيبًا. وذَهَبَ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ وارْتَضاهُ الرّاغِبُ وقالَ في تَفْسِيرِ الخازِنِ: إنَّهُ الأصَحُّ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، فالكُلُّ يُسَبِّحُ بِلِسانِ القالِ حَتّى الجَماداتُ
صفحة 84
ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الإمامُ؛ لِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ العِلْمِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في الجَمادِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ العَقْلِيِّ وهو الحَياةُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا عَقْلِيًّا لانْسَدَّ بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيًّا، وأيْضًا التَّذْيِيلُ السّابِقُ يَأْبى ذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ عَدَمَ فِقْهِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ جُرْمٌ ولا شَكَّ أنَّ عَدَمَ فِقْهِ تَسْبِيحِ الجَماداتِ بِألْفاظِها لَيْسَ بِجُرْمٍ وإنَّما الجُرْمُ عَدَمُ فِقْهِ دَلالَتِها لِلْغَفْلَةِ وقُصُورِ النَّظَرِ، ومَن تَتَبَّعَ الأحادِيثَ والآثارَ رَأى فِيها ما يَشْهَدُ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا البَعْضُ شَهادَةً لا تَكادُ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ فَقَدْ صَحَّ سَماعُ تَسْبِيحِ الحَصا في كَفِّهِ ﷺ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعامِ ثَرِيدٍ فَقالَ: «إنَّ هَذا الطَّعامَ يُسَبِّحُ» فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وتَفْقَهُ تَسْبِيحَهُ؟ قالَ: «نَعَمْ» ثُمَّ قالَ لِرَجُلٍ: «أدْنِ هَذِهِ القَصْعَةَ مِن هَذا الرَّجُلِ» فَأدْناها فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. فَقالَ: «أدْنِها مِن آخَرَ» فَأدْناها مِنهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. ثُمَّ قالَ: «رُدَّها فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ «أمَرْتَ» عَلى القَوْمِ جَمِيعًا فَقالَ: «لا إنَّها لَوْ سَكَتَتْ عِنْدَ رَجُلٍ لَقالُوا: مِن ذَنْبٍ رُدَّها» فَرَدَّها».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً وأنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مَعَنا ماءً فَقالَ لَنا: «اطْلُبُوا مَن مَعَهُ فَضْلُ ماءٍ» فَأتى بِماءٍ فَوَضَعَهُ في إناءٍ ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ فِيهِ فَجَعَلَ الماءُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ ثُمَّ قالَ: «حَيَّ عَلى الطَّهُورِ المُبارَكِ، والبِرْكَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى» فَشَرِبْنا مِنهُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنّا نَسْمَعُ صَوْتَ الماءِ وتَسْبِيحَهُ وهو يُشْرَبُ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ لِابْنَيْهِ: آمُرُكُما بِسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ؛ فَإنَّها صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وبِها يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ وهم وُقُوفٌ عَلى دَوابَّ لَهم ورَواحِلَ فَقالَ لَهُمْ: «ارْكَبُوها سالِمَةً ودَعُوها سالِمَةً ولا تَتَّخِذُوها كَراسِيَّ لِأحادِيثِكم في الطُّرُقِ والأسْواقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِن راكِبِها، وأكْثَرُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ»».
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ وقالَ: «نَقِيقُها تَسْبِيحٌ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ظَنَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ أنَّ أحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خالِقَهُ بِما مَدَحَهُ، وإنَّ مَلَكًا نَزَلَ وهو قاعِدٌ في المِحْرابِ والبِرْكَةُ إلى جانِبِهِ فَقالَ: يا داوُدُ، افْهَمْ إلى ما تُصَوِّتُ بِهِ الضِّفْدَعُ. فَأنْصَتَ داوُدُ فَإذا الضِّفْدَعُ تَمْدَحُهُ بِمِدْحَةٍ لَمْ يَمْدَحْهُ بِها. فَقالَ لَهُ المَلَكُ: كَيْفَ تَرى يا داوُدُ؟ أفَهِمْتَ ما قالَتْ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ماذا قالَتْ؟ قالَ: قالَتْ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ مُنْتَهى عِلْمِكَ يا رَبِّ، قالَ داوُدُ: لا والَّذِي جَعَلَنِي نَبِيَّهُ إنْ لَمْ أمْدَحْهُ بِهَذا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى البَحْرَ في ساعَةٍ فَصَلّى فَنادَتْهُ ضِفْدَعَةٌ: يا داوُدُ، إنَّكَ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أنَّكَ قَدْ سَبَّحْتَ في ساعَةٍ لَيْسَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيها غَيْرُكَ، وإنِّي في سَبْعِينَ ألْفَ ضِفْدَعٍ كُلُّها قائِمَةٌ عَلى رِجْلٍ نُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى ونُقَدِّسُهُ».
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي ضَمْرَةَ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَمَرَّ بِنا عَصافِيرُ يَصِحْنَ فَقالَ: أتُدْرُونَ ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ؟ قُلْنا: لا. قالَ: أما إنِّي ما أقُولُ إنّا نَعْلَمُ الغَيْبَ، ولَكِنْ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ الطَّيْرَ إذا أصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّها وسَألَتْهُ قُوتَ يَوْمِها، وإنَّ هَذِهِ تُسَبِّحُ رَبَّها وتَسْألُهُ قُوتَ يَوْمِها»».
صفحة 85
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أتى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما صِيدَ صَيْدٌ ولا عُضِّدَتْ عِضاةٌ ولا قُطِعَتْ وشِيجَةٌ إلّا بِقِلَّةِ التَّسْبِيحِ»». وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما صِيدَ مِن صَيْدٍ ولا وُشِّجَ مِن وشَجٍ إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ»».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ: «لَوْلا ما غُمَّ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ ما مَعَكم مِنَ البُيُوتِ ما تَقارَرْتُمْ». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لُوطِ بْنِ أبِي لُوطٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ تَسْبِيحَ سَماءِ الدُّنْيا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، والثّانِيَةِ: سُبْحانَهُ وتَعالى، والثّالِثَةِ: سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ، والرّابِعَةِ: سُبْحانَهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ، والخامِسَةِ: سُبْحانَ مُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والسّادِسَةِ: سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، والسّابِعَةِ: سُبْحانَ الَّذِي مَلَأ السَّمَواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ عَزَّةً ووَقارًا» إلى ما لا يَكادُ يُحْصى مِنَ الأخْبارِ والآثارِ وهي بِمَجْمُوعِها مُتَعاضِدَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ قالِيٌّ كَما لا يَخْفى وهو مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ، وذَكَرُوا أنَّ السّالِكَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى بَعْضِ المَقاماتِ يَسْمَعُ تَسْبِيحَ الأشْياءِ بِلُغاتٍ شَتّى.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ سَماعَهُ لِتَسْبِيحِ بَعْضِ الجَماداتِ، واخْتُلِفَ القائِلُونَ بِهَذا التَّسْبِيحِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: بِثُبُوتِهِ لِلشِّياءِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّ التُّرابَ يُسَبِّحُ ما لَمْ يَبْتَلَّ فَإذا ابْتَلَّ تَرَكَ التَّسْبِيحَ، وإنَّ الخَرَزَةَ تُسَبِّحُ ما لَمْ تُرْفَعْ مِن مَوْضِعِها فَإذا رُفِعَتْ تَرَكَتْ، وإنَّ الوَرَقَةَ تُسَبِّحُ ما دامَتْ عَلى الشَّجَرَةِ فَإذا سَقَطَتْ تَرَكَتْ، وإنَّ الثَّوْبَ يُسَبِّحُ ما لَمْ يَتَّسِخْ فَإذا اتَّسَخَ تَرَكَ، وإنَّ الوَحْشَ والطَّيْرَ تُسَبِّحُ إذا صاحَتْ وإذا سَكَتَتْ تَرَكَتْ، وعَلى هَذا ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَلَسَ الحَسَنُ مَعَ أصْحابِهِ عَلى مائِدَةٍ فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ المائِدَةُ تُسَبِّحُ الآنَ فَقالَ الحَسَنُ: كَلّا إنَّما ذاكَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ.
وأُخْرِجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ما مِن شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ الأوَّلِ لَمْ يَمُتْ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ تَعالى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالمَوْتِ خُرُوجَهُ عَنْ أصْلِهِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ مِن شَجَرَةٍ وحَيَوانٍ، وكَوْنُ الشَّجَرَةِ ذاتَ رُوحٍ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ النّاسِ فِيها إذا يَبِسَتْ ماتَتْ، واسْتَثْنى بَعْضُهم بَعْضَ الحَيَواناتِ مِن عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ إلّا الحِمارَ والكَلْبَ.
ولا أرى لِاسْتِثْناءِ ما ذُكِرَ وجْهًا وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ عَنِ الحِبْرِ شَيْءٌ، وكَذا لِلتَّقْيِيدِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنِ الجَمادِيَّةُ مانِعَةً عَنِ التَّسْبِيحِ، والأخْبارُ الظّاهِرَةُ في عَدَمِ التَّقْيِيدِ أكْثَرُ، ولا أظُنُّ أنَّ لِما يُخالِفُها امْتِيازًا عَلَيْها في الصِّحَّةِ.
ويُشْكِلُ عَلى هَذا القَوْلِ ما تَقَدَّمَ عَنِ الإمامِ مِن إباءِ التَّذْيِيلِ عَنْهُ وعَدَمِ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّسْبِيحُ القالِيُّ في الجَماداتِ، وتَفَصّى بَعْضُهم عَنْ هَذا بِالتِزامِ أنَّ لِكُلِّ شَيْءِ حَياةً وعِلْمًا لائِقَيْنِ بِهِ ولا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، فَكُلُّ ما في العالَمِ عِنْدَ هَذا المُلْتَزَمِ حَيٌّ عالِمٌ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ في العِلْمِ والحَياةِ.
ونَقَلَ الشَّعَرانِيُّ عَنِ الخَواصِّ أنَّهُ قالَ: كُلُّ جَمادٍ يَفْهَمُ الخِطابَ ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيَوانُ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ المُسَمّى بِالجَمادِ والنَّباتِ لَهُ عِنْدَنا أرْواحٌ بَطَنَتْ عَنْ إدْراكِ غَيْرِ الكَشْفِ إيّاها في العادَةِ فالكُلُّ عِنْدَنا حَيٌّ ناطِقٌ غَيْرَ أنَّ هَذا المِزاجَ الخاصَّ يُسَمّى إنْسانًا لا غَيْرَ بِالصُّورَةِ ووَقَعَ التَّفاضُلُ بَيْنَ الخَلائِقِ في المِزاجِ، والكُلُّ
صفحة 86
يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى كَما نَطَقَتِ الآيَةُ بِهِ ولا يُسَبِّحُ إلّا حَيٌّ عاقِلٌ عالِمٌ عارِفٌ بِمُسَبِّحِهِ.
وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ مَدى صَوْتِهِ مِن رَطْبٍ ويابِسٍ.
والشَّرائِعُ والنُّبُوّاتُ مَشْحُونَةٌ بِما هو مِن هَذا القَبِيلِ ونَحْنُ زِدْنا مَعَ الإيمانِ بِالأخْبارِ الكَشْفَ إلى آخِرِ ما قالَ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم في هَذا المَقامِ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في دُعائِهِ لِلْحُمّى: «يا أُمَّ مِلْدَمٍ إنْ كُنْتِ آمَنتِ بِاللَّهِ تَعالى فَلا تَأْكُلِي اللَّحْمَ ولا تَشْرَبِي الدَّمَ ولا تَفُورِي مِنَ الفَمِ وانْتَقِلِي إلى مَن يَزْعُمُ أنَّ مَعَ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً أُخْرى، فَإنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ﷺ»».
وجاءَ عَنِ السَّجّادِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الصَّحِيفَةِ في مُخاطَبَةِ القَمَرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ لَهُ شُعُورًا واسْتَفاضَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ لِلنِّيلِ كِتابًا يُخاطِبُهُ فِيهِ بِما يُخاطِبُهُ وضَرَبَ الأرْضِ بِالدِّرَّةِ حِينَ تَزَلْزَلَتْ وقالَ لَها: إنِّي أعْدِلُ عَلَيْكِ، وكَمْ وكَمْ في الأخْبارِ نَحْوُ ذَلِكَ، قِيلَ: ولا داعِيَ لِتَأْوِيلِها؛ إذْ لا أحَدَ يَقُولُ: إنَّ شُعُورَ الجَماداتِ كَشُعُورِ الحَيَواناتِ الظّاهِرَةِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَكُونَ العَمَلُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ خِلافَ حِسِّ العُقَلاءِ فَيَجِبُ ارْتِكابُ التَّأْوِيلِ والتَّجَوُّزُ، ومَن عَلِمَ عِظَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وأنَّ المَخْلُوقِينَ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ لا سِيَّما المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَلائِقِ والعَوائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَسْجُونِينَ في سَجْنِ الطَّبِيعَةِ الدَّنِيَّةِ لَمْ يَقِفُوا عَلى عُشْرِ العُشْرِ مِمّا أُوْدِعَ في عالَمِ الإمْكانِ ونُقِشَ بِيَدِ الحِكْمَةِ عَلى بُرُودِ الأعْيانِ سَلَّمَ ما جاءَ بِهِ الصّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ خالَفَ ما عِنْدَهُ نَسَبَ القُصُورَ إلى نَفْسِهِ، قُرْبُ فِكْرٍ يَظُنُّهُ المَرْءُ حَقًّا وهو مِنَ الأوْهامِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ.
وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا تَحْتاجُ إعادَةُ ضَمِيرِ ذَوِي العِلْمِ في ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ إلى تَوْجِيهٍ وتَفَصٍّ آخَرَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ ولا يَخْفى ما في التَّفَصِّي، ولَعَلَّ الأوْلى فِيهِ أنْ يُلْتَزَمَ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى ما هو الأعَمُّ مِنَ الحالِيِّ والقالِيِّ ويُثْبَتُ كِلا النَّوْعَيْنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، والتَّذْيِيلُ بِاعْتِبارِ القُصُورِ في فِقْهِ الآخَرِ، ويُشْكِلُ أيْضًا أنَّ مِن أفْرادِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ الجَحْدَ فَضْلًا عَنِ السّاكِتِ فالحَمْلُ عَلى المَجازِ واجِبٌ. وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِثْناءَ أُولَئِكَ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةِ السِّباقِ واللَّحاقِ، وزَعَمَ مَن زَعَمَ أنَّ الجاحِدَ مُقَدِّسٌ أيْضًا وأنْشَدُوا لِلْحَلّاجِ:
جُحُودِي لَكَ تَقْدِيسٌ وعَقْلِي فِيكَ مَنهُوسُ
فَما آدَمٌ إلّاكَ ∗∗∗ وما في الكَوْنِ إبْلِيسُ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الحَلْجِ والنَّدْفِ صارَ سَبَبًا لِما لاقى مِنَ الحَتْفِ، فَماذا عَسى أقُولُ سِوى حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وقُرِئَ: «لا يَفْقَهُونَ» عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِن بابِ التَّفْعِيلِ.
الإسراء 17:45
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ النّاطِقَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ ودَعَوْتَهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ.
﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، وأُوثِرَ المَوْصُولُ عَلى الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ويَتِمُّ بِهِ مَعَ ما سَبَقَ الإشارَةُ إلى كُفْرِهِمْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ كُفْرَهم بِالآخِرَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ونَحْوِهِ دَلالَةً عَلى أنَّها مُعْظَمُ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القُرْآنِ وتَمْهِيدًا لِما سَيُنْقَلُ عَنْهم مِن إنْكارِ البَعْثِ واسْتِعْجالِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ اه.
وفِي كَوْنِ الآخِرَةِ مُعْظَمَ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القُرْآنِ تَرَدُّدٌ ورُبَّما يُدَّعى أنَّ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ فالأوْلى
صفحة 87
الِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ لِلتَّمْهِيدِ.
﴿حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم مِن أنْ يُدْرِكُوكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وجَلالَةِ القَدْرِ ولِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ وهي قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ وأصْلُ الحِجابِ كالحَجْبِ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ فَهو مَصْدَرٌ وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ أيْ حاجِبًا ﴿مَسْتُورًا﴾ أيْ: ذا سَتْرٍ فَهو لِلنَّسَبِ كَرَجُلٍ مَرْطُوبٍ ومَكانٍ مَهُولٍ وجارِيَةٍ مَغْنُوجَةٍ، ومِنهُ: ﴿وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وكَذا سَيْلٌ مُفْعَمٌ بِفَتْحِ العَيْنِ والأكْثَرُ مَجِيءُ فاعِلٍ لِذَلِكَ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا كَما اشْتُهِرَ في المِثالِ الأخِيرِ، وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ مَفْعُولَ يَرِدُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَمَيْمُونٍ ومَشْؤُومٍ بِمَعْنى يامِنٍ وشائِمٍ، كَما أنَّ فاعِلَ يَرِدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَماءٍ دافِقٍ، فَمَسْتُورٍ بِمَعْنى ساتِرٍ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ فَهو عَلى ظاهِرِهِ ويَكُونُ بَيانًا لِأنَّهُ حِجابٌ مَعْنَوِيٌّ لا حِسِّيٌّ أوْ مَسْتُورًا في نَفْسِهِ بِحِجابٍ آخَرَ فَيَكُونُ إيذانًا بِتَعَدُّدِ الحُجُبِ أوْ مَسْتُورًا كَوْنُهُ حِجابًا حَيْثُ لا يَدْرُونَ أنَّهم لا يَدْرُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ؛ أيْ: مَسْتُورًا بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.
الإسراء 17:46
﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ، والمُرادُ بِمَعُونَةِ المَقامِ التَّكْثِيرُ أيْ: أكِنَّةً كَثِيرَةً.
﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ ويَعْرِفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ مِنَ الجُمْلَةِ أوْ مِن ﴿أكِنَّةً﴾ لا أنَّ ﴿جَعَلْنا﴾ أوْ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ قَدْ ضُمِّنَهُ كَما يُتَوَهَّمُ، أيْ: مَنَعْناهم فِقْهَهُ والوُقُوفَ عَلى كُنْهِهِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا وثِقَلًا عَظِيمًا مانِعًا مِن سَماعِهِ اللّائِقِ بِهِ فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ، وهَذِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ النَّبِيِّ ﷺ وفَرْطِ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ فَصِيحَ المَقالِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ دَلالَةَ الحالِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ التَّسْبِيحِ في غايَةِ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ فَهْمِهِ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم هَذِهِ أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقَةِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما ذُكِرَ مَن لَمْ يَجْعَلِ التَّسْبِيحَ فِيما سَبَقَ لَفْظِيًّا وعَلى جَعْلِهِ لَفْظِيًّا لا يَحْسُنُ حَمْلُها عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، هَذا وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ: ﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ. إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ، أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ قِراءَتِكَ، وأيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرارُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فِيهِ وإنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ حَقِيقَةً وهَذا تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ إسْماعِ الحَقِّ بِمَن كانَ وراءَ جِدارٍ وحِجابٍ كَما أنَّ الأكِنَّةَ كَذَلِكَ، وأمّا حَدِيثُ التَّكْرارِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وجَعَلْنا ) إلَخْ تَصْرِيحٌ بِما اقْتَضاهُ نَفْيُ فَصِيحِ المَقالِ بَعْدَ نَفْيِ فَهْمِ دَلالَةِ الحالِ مِن كَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أوْلَوِيَّةُ ما تَقَدَّمَ.
وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَهُ إذا قَرَأ لِيُؤْذُوهُ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى وذَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا عِنْدَ القِراءَةِ فَلا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وهو عِنْدِي مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وأنَّ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ التَّفَصِّي عَنِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ مَن شاءَ كَما يَهْدِي إلَيْهِ مَن شاءَ، نَعَمْ هو دُونَ الأوَّلِ عِنْدَ مَن يَتَأمَّلُ.
صفحة 88
وقِيلَ: المُرادُ حِجابُ مَنعِهِمْ رُؤْيَةَ شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ وذاتِهِ الكَرِيمَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أبَيْنا، ودِينَهُ قَلَيْنا، وأمْرَهُ عَصَيْنا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ فَقالَ: «إنَّها لَنْ تَرانِي» وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها. وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّها حِينَ ولَّتْ ذاهِبَةً قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ»».
وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ تَلا قَبْلَها ثَلاثَ آياتٍ؛ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ .
وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ في النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةَ. فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا﴾ إلَخْ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ في العَيْنِ مانِعًا يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حاضِرًا أوْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةٌ وكانُوا لا يَرَوْنَهُ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا ولا مَعْنى لِلْحِجابِ المَسْتُورِ إلّا المَعْنى الَّذِي يَخْلُقُهُ في عُيُونِهِمْ ويَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الرُّؤْيَةِ انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ حَمْلَ الحِجابِ عَلى ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ حَمْلَهُ في الآيَةِ عَلى الحِجابِ المانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ كَذَلِكَ فَهو وارِدٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ أيْضًا، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ احْتِجاجِ الأصْحابِ مَعَ ما يَرِدُ عَلى قَوْلِهِمْ فِيهِ ولا مَعْنى لِلْحِجابِ إلَخْ. مِن أنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الرِّوايَةِ السّابِقَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها حَيْلُولَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحَيْهِ مَتى ذَهَبَتْ»».
فَإنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ ظاهِرٌ في أنَّ المانِعَ لَمْ يَكُنْ في عُيُونِهِمْ بَلْ هو إمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكٌ آخَرُ حالَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم فَلَمْ يَرَوْهُ لَكِنْ يَبْقى الكَلامُ في أنَّ مَنعَ اللَّطِيفِ الرُّؤْيَةَ خِلافُ العادَةِ أيْضًا وهو بَحْثٌ آخَرُ فَلْيُتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ ما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ الحِجابَ في الآيَةِ هو الحِجابُ المانِعُ عَنِ الرُّؤْيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أمْعَنَ النَّظَرَ وهَذا القَوْلُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ أنِ اعْتُبِرَ تَصْحِيحُ الحاكِمِ أوْ نَصَّ عَلى صِحَّتِهِ مَنِ اعْتَبَرَ تَصْحِيحَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ أما إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأمْرُهُ سَهْلٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةً لِما قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ عَلى مَعْنى: جَعَلْنا عَلى زَعْمِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِأنَّ قَصْدَهم بِذَلِكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ جَهْلًا وكُفْرًا مِنَ اتِّصافِهِمْ بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ كَكَوْنِ القُرْآنِ سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ وقِسْ عَلَيْهِ حالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا الإخْبارَ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ما أدْرَكُوهُ
صفحة 89
قَدْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِمّا لا يَكادُ يُلائِمُ المَقامَ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: حَيْثُ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ فالمُلاءَمَةُ مِمّا لا رَيْبَ فِيها، نَعَمْ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الوَجْهَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ دَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ ولا أظُنُّها تَخْفى عَلَيْكَ.
﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْرُونٍ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن آلِهَتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها كَما كانُوا يَقُولُونَ: بِاللَّهِ تَعالى واللّاتِ مَثَلًا، ويَصْدُقُ هَذا بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ مَعَ نَفْيِ الآلِهَةِ، و﴿وحْدَهُ﴾ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ يُقالُ: وحَدَهُ يَحِدُهُ وحْدًا وحِدَةً كَوَعَدَهُ يَعِدُهُ وعْدًا وعِدَةً، وهو سادٌّ مَسَدًّا لِحالٍ بِمَعْنى واحِدًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ أوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ وأصْلُهُ إيحادٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو إيحادُ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ وهو مَوْحَدٌ.
ومَذْهَبُ يُونُسَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الأقْوالِ فِيهِ في الرِّفْدَةِ كَما قَدَّمْنا، وذَكَرَ أنَّهُ عَلى الحالِيَّةِ إذا وقَعَ بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ كَما هُنا جازَ كَوْنُهُ حالًا مِن كُلِّ مِنهُما أيْ: وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ مُوَحِّدًا لَهُ أوْ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ هَرَبُوا أوْ نَفَرُوا ﴿نُفُورًا﴾ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِوَلَّوْا لِتَقارُبِ مَعْناهُما. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ: ولَّوْا لِأجْلِ النُّفُورِ والِانْزِعاجِ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ نافِرٍ أيْ: ولَّوْا نافِرِينَ مِن ذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلشَّياطِينِ ولا يَكادُ يَصِحُّ عَنِ الحِبْرِ إلّا بِتَأْوِيلٍ.
الإسراء 17:47
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِنَ اللَّغْوِ والِاسْتِخْفافِ والهُزْءِ بِكَ وبِالقُرْآنِ.
يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ مِن عَبْدِ الدّارِ وعَنْ يَسارِهِ رَجُلانِ مِنهم فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ بِمَعْنى اللّامِ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ مِنَ الهُزْءِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْتَمِعُونَ، وجَعْلُها عَلى ظاهِرِها عَلى مَعْنى: أيَسْتَمِعُونَ بِقُلُوبِهِمْ أمْ بِظاهِرِ أسْماعِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ، والباءُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِأعْلَمُ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ في العِلْمِ والجَهْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ وفي سِوى ذَلِكَ يَتَعَدّى بِاللّامِ فَيُقالُ: هو أكْسى لِلْفُقَراءِ مَثَلًا، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى أعْلَمَ بِذَلِكَ الوَعِيدِ لَهم.
﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ظَرْفٌ لِأعْلَمُ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وفائِدَتُهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ بِالأخْبارِ بِأنَّهُ كَما يَقَعُ الِاسْتِماعُ المَزْبُورُ مِنهم يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ لا أنَّ العِلْمَ المُسْتَفادَ هُناكَ مِن أحَدٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ عِلْمِهِ تَعالى بِذَلِكَ الوَقْتِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لَكِنْ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِما بِهِ التَّناجِي المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِسِياقِ النَّظْمِ.
والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِمّا سَمِعْتَ وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ ظَرْفًا لَيَسْتَمِعُونَ والثّانِي ظَرْفًا لِيَتَناجَوْنَ، والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ وبِما بِهِ التَّناجِي وقْتَ تَناجِيهِمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، و( نَجْوى ) مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ وفي ذَلِكَ ما فِي: زَيْدٌ عَدْلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ جَمْعَ نَجِّيٍّ كَقَتْلى وقَتِيلٍ أيْ: إذْ هم مُتَناجُونَ ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الثّانِيَةِ وبَيانٌ لِما يَتَناجَوْنَ بِهِ فَهو غَيْرُ ما يَسْتَمِعُونَ بِهِ لا مَعْمُولَ لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا كَما قِيلَ.
و( الظّالِمُونَ ) مِنَ المُظْهَرِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَناجِيَهم بابٌ مِنَ الظُّلْمِ أيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنهم لِلْآخَرِينَ عِنْدَ تَناجِيهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ إنْ وُجِدَ مِنكُمُ الاتِّباعُ فَرْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما تَتَّبِعُونَ بِاللَّغْوِ والهُزْءِ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ فَجُنَّ فَهو كَقَوْلِهِمْ: إنْ هو إلّا رَجُلٌ مَجْنُونٌ، وقِيلَ: جُعِلَ لَهُ سِحْرٌ يَتَوَصَّلُ بِلُطْفِهِ ودِقَّتِهِ إلى ما يَأْتِي بِهِ ويَدَّعِيهِ فَهو في مَعْنى
صفحة 90
قَوْلِهِمْ: ساحِرٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمْ: ﴿مَسْحُورًا﴾ بِمَعْنى ساحِرًا كَمَسْتُورٍ بِمَعْنى ساتِرٍ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَسْحُورًا بِمَعْنى: جُعِلَ لَهُ سِحْرٌ أوْ ذا سِحْرٍ أيْ رِئَةٍ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
وأرادَ نُغْذى، وقَوْلُ لَبِيَدٍ أوْ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وكَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ بَشَرًا يَتَنَفَّسُ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ لا يَمْتازُ عَنْهم بِشَيْءٍ يَقْتَضِي اتِّباعَهُ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ حَتّى قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى:
الإسراء 17:48
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: مَثَّلُوكَ فَقالُوا تارَةً شاعِرٌ وتارَةً ساحِرٌ وتارَةً مَجْنُونٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِخِلافِهِ ﴿فَضَلُّوا﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَنْ مِنهاجِ الحاجَةِ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا ما إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ فَيَتَهافَتُونَ ويَخْبِطُونَ ويَأْتُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ مَن سَمِعَهُ أوْ إلى سَبِيلِ الحَقِّ والرَّشادِ، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما لا يَخْفى.
الإسراء 17:49
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ضَرَبُوا﴾ ولَمّا عَجِبَ مِن ضَرْبِهِمُ الأمْثالَ عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا آخَرَ يَعْجَبُ مِنهُ أيْضًا. وفي الكَشْفِ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا إلى تَمامِ المَقالاتِ الثَّلاثِ تَفْسِيرًا لِضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ وتَفْسِيرُهُ بِمَثَّلُوكَ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلِ الظّاهِرُ مَثَّلُوا لَكَ، ولا خَفاءَ أنَّ تُجاوِبَ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْنا أتَمُّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اسْتِهْزاءَهم بِهِ ﷺ وبِالقُرْآنِ عَجَّبَهُ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِمَضْمُونِهِ مِنَ البَعْثِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ أدْخَلُ في التَّعَجُّبِ لِأنَّ العَقْلَ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِ ﴿ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ بِمَثَّلُوكَ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَضَلُّوا﴾ لِأنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الضَّلالِ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ: كَيْفَ ضَرَبُوا لِأنَّ مَعْناهُ مَثَّلُوكَ وقالُوا شاعِرٌ ساحِرٌ مَجْنُونٌ وقالُوا: ﴿أإذا كُنّا﴾ إلَخِ اه.
ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتارَهُ يَكُونُ «قالُوا» مَعْطُوفًا عَلى «ضَرَبُوا» أيْضًا عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لَكِنَّ الظّاهِرَ فِيهِ حِينَئِذٍ الفاءُ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ عَلى ما ذَكَرْنا إلى تَكَلُّفِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ والِارْتِباطُ عَلَيْهِ لا يَقْصُرُ عَنِ الِارْتِباطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وعَطْفُهُ عَلى ﴿فَضَلُّوا﴾ مِمّا لا يَحْسُنُ لِعَدَمِ ظُهُورِ دُخُولِهِ مَعَهُ في حَيِّزِ الفاءِ، والِاعْتِراضُ عَلى التَّفْسِيرِ بِمَثَّلُوكَ بِأنَّهم ما مَثَّلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ مَثَلًا بَلْ قالُوا تارَةً كَذا وأُخْرى كَذا، وأيْضًا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ فِيكَ بَدَلَ لَكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لِتَقْرِيعِهِ ﷺ وعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ، «ولَكَ» أظْهَرُ مِن فِيكَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُمَثَّلُ لَهُ، هَذا وأقُولُ: انْظُرْ هَلْ ثَمَّ مانِعٌ مِن عَطْفِ ( قالُوا ) عَلى ﴿يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ وجَعْلِ هَذا القَوْلِ مِمّا يَتَناجَوْنَ بِهِ أيْضًا وإعْلانِهِمْ بِهِ أحْيانًا لا يَمْنَعُ مِن هَذا الجَعْلِ وكَذا اخْتِلافُ المُتَعاطِفَيْنِ ماضَوِيَّةً ومُضارِعِيَّةً لا يَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ، نَعَمْ يَحْتاجُ إلى نُكْتَةٍ ولا أظُنُّها تَخْفى فَتَدَبَّرْ.
والرُّفاتُ ما تَكَسَّرَ وبَلِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ بِناءُ فُعالٍ في كُلِّ ما تَحَطَّمَ وتَفَرَّقَ كَدُقاقٍ وفُتاتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ التُّرابُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 91
أنَّهُ الغُبارُ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو كُلُّ شَيْءٍ مَدْقُوقٍ مُبالَغٍ في دَقِّهِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ ما آلَ الحالُ إلى هَذا المَآلِ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ أصْلًا.
ومَنشَؤُهُ أنَّ بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ وطَراوَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصالِ المُقْتَضِي لِلْحَياةِ وبَيْنَ يُبُوسَةِ الرَّمِيمِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّفَرُّقِ المُقْتَضِي لِعَدَمِ الحَياةِ تَنافِيًا، «وإذا» هُنا كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفَّسَهُ؛ لِأنَّ «إنَّ» لَها الصَّدْرُ؛ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الِاسْتِفْهامُ وإنْ كانَ تَأْكِيدًا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ بِالفِعْلِ أوْلى وهو نُبْعَثْ أوْ نُعادُ وهو مَصَبُّ الإنْكارِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لِتَقْوِيَةِ إنْكارِ البَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ وإلّا فالظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وجَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: نُبْعَثُ أوْ نَحْوَهُ وهو العامِلُ فِيها. وقِيلَ: الشَّرْطُ والمَعْنى أنُبْعَثُ وقَدْ كُنّا رُفاتًا في وقْتٍ وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ غَيْرُ مَشْهُورٍ ولا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِأنَّ واللّامَ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ، ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِظامًا ورُفاتًا كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَلْ كَوْنُهم بِعَرْضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ نُصِبَ بِمَبْعُوثِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ مِن غَيْرِ لَفْظِ فِعْلِهِ أوْ حالٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، ووُحِّدَ لِاسْتِواءِ الواحِدِ في المَصْدَرِ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَخْلُوقِينَ
الإسراء 17:50
﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما اسْتَبْعَدُوهُ.
﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ رَدَّ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ «كُنّا» فَهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ بِالجِنْسِ، ومَعْنى الأمْرِ كَما قِيلَ الِاسْتِهانَةُ كَما في قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وجَعَلَهُ صاحِبُ الإيضاحِ أمْرَ إهانَةٍ والفاضِلُ الطِّيبِيُّ أمْرَ تَسْخِيرٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى الفَرْضِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَوْ جُعِلَ مِن بابِ كُنْ فُلانًا عَلى مَعْنى أنْتَ فُلانٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الطَّلَبِ في مَعْنى الخَبَرِ أيْ: أنْتُمْ حِجارَةٌ ولَسْتُمْ عِظامًا ومَعَ ذَلِكَ تُبْعَثُونَ لا مَحالَةَ. لَكانَ وجْهًا قَوِيمًا، وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقالُ: أنْتُمْ حِجارَةٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ وهو غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَلا بُدَّ مِن قَصْدِ الإهانَةِ وعَدَمِ المُبالاةِ وجَعْلِ الأمْرِ مَجازًا عَنِ الخَبَرِ، والخَبَرُ خَبَرٌ فَرْضِيٌّ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الفَرْضِ كانَ ولَوِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ فَهو مِمّا لا يَخْفى بُعْدُهُ ولَيْسَ بِأقْرَبَ مِمّا اسْتَبْعَدَهُ فالصَّوابُ أنَّهُ لِلْإهانَةِ كَما جَنَحَ إلَيْهِ صاحِبُ الإيضاحِ فَتَدَبَّرْ، والحِجارَةُ جَمْعُ حَجَرٍ كَأحْجارٍ وهو مَعْرُوفٌ، وكَذا الحَدِيدُ وهو مُفْرَدٌ وجَمْعُهُ حَدائِدُ وحَدِيداتٌ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: كُونُوا مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ
الإسراء 17:51
﴿أوْ خَلْقًا﴾ أيْ مَخْلُوقًا آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: مِمّا يُسْتَبْعَدُ عِنْدَكم قَبُولُهُ الحَياةَ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، وتَعْيِينُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْكُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ إحْياؤُكم لِتَساوِي الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا بالِيَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ السَّمَواتُ والأرْضُ والجِبالُ.
صفحة 92
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهم قالُوا: ما يَكْبُرُ في صُدُورِهِمُ المَوْتُ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنَ المَوْتِ، والمَعْنى: لَوْ كُنْتُمْ مُجَسَّمَيْنِ مِن نَفْسِ المَوْتِ لَأعادَكم فَضْلًا عَنْ أصْلٍ لا يُضادُّ الحَياةَ إنْ لَمْ يَقْتَضِها، وفِيهِ مُبالِغَةٌ حَسَنَةٌ وإنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ ظاهِرٍ فِيهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لَكَ: ﴿مَن يُعِيدُنا﴾ مَعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ الإعادَةِ مِن مِثْلِ هَذِهِ المُباعَدَةِ والمُبايَنَةِ ﴿قُلِ﴾ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإزاحَةً لِلِاسْتِبْعادِ وإرْشادًا إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ أيِ القادِرُ العَظِيمِ الَّذِي اخْتَرَعَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا أُسْلُوبٍ يَنْتَحِيهِ وكُنْتُمْ تُرابًا ما شَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ، ألَيْسَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَفِيضَ الحَياةَ عَلى العِظامِ البالِيَةِ ويُعِيدَها إلى حالِها المَعْهُودَةِ بَلى إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعِيدُكُمُ المَحْذُوفُ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ أوْ فاعِلٌ بِهِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى اخْتِلافٍ في الأُولى كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ.
و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفُ فَطَرَكم ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ: سَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ اسْتِهْزاءً كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
أتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الفَخارِ وقَدْ تَرى خُيُولًا عَلَيْها كالأُسُودِ ضَوارِيا
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْمَعا
وفِي القامُوسِ: نَغَضَ كَنَصَرَ وضَرَبَ نَغْضًا ونُغُوضًا ونَغَضانًا ونَغْضًا مُحَرَّكَتَيْنِ: تَحَرَّكَ واضْطَرَبَ كَأنْغَضَ وحَرَّكَ كَأنْغَضَ، وفَسَّرَ الفَرّاءُ الإنْغاضَ بِتَحْرِيكِ الرَّأْسِ بِارْتِفاعٍ وانْخِفاضٍ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: مَن أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ، فَكَأنَّهم سَيُحَرِّكُونَ رُؤُوسَهم إنْكارًا ﴿ويَقُولُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿مَتى هُوَ﴾ أيْ: ما ذَكَرْتَهُ مِنَ الإعادَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْعَوْدِ أوِ البَعْثِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿قُلِ﴾ لَهُمْ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ ﴿قَرِيبًا﴾ فَإنَّ ما هو مُحَقَّقٌ إتْيانُهُ قَرِيبٌ، ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَهُ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى ولا يُطْلِعُ عَلَيْها سُبْحانَهُ أحَدًا، وقِيلَ: قُرْبُهُ لِأنَّ ما بَقِيَ مِن زَمانِ الدُّنْيا أقَلُّ مِمّا مَضى مِنهُ، وانْتِصابُ ﴿قَرِيبًا﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ النّاقِصَةِ واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ والأصْلُ زَمانًا قَرِيبًا فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ فانْتُصِبَ انْتِصابَهُ وكانَ عَلى هَذا تامَّةٌ وفاعِلُها ذَلِكَ الضَّمِيرُ؛ أيْ: عَسى أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في زَمانٍ قَرِيبٍ وأنْ يَكُونَ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ وقَعَ خَبَرًا لِعَسى واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ يَكُونُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِعَسى وهي تامَّةٌ لا خَبَرَ لَها؛ أيْ: عَسى كَوْنُهُ قَرِيبًا أوْ في وقْتٍ قَرِيبٍ.
واعْتُرِضَ بِأنْ عَسى لِلْمُقارَبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَرُبَ أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ولا فائِدَةَ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ نَجْمَ الأئِمَّةِ لَمْ يُثْبِتْ مَعْنى المُقارَبَةِ في عَسى لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا، ويَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ ﴿قَرِيبًا﴾ بَعْدَها في الآيَةِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها جُرِّدَتْ عَنْهُ فالمَعْنى: يُرْجى ويُتَوَقَّعُ كَوْنُهُ قَرِيبًا
الإسراء 17:52
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيِ اذْكُرُوا أوْ بَدَلٌ مِن ﴿قَرِيبًا﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونَ تامَّةً بِالِاتِّفاقِ وناقِصَةً عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ أعْمالَ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ أوْ بِتُبْعَثُونَ مَحْذُوفًا أوْ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ المُسْتَتِرِ في يَكُونَ أوْ عَسى العائِدِ عَلى العَوْدِ مَثَلًا بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 93
وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
وجَعْلُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ ولَمْ يُرْفَعْ لِأنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ تَكَلُّفٌ وادِّعاءُ ظُهُورِهِ مُكابَرَةٌ، والدُّعاءُ قِيلَ: مَجازٌ عَنِ البَعْثِ وكَذا الِاسْتِجابَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ مَجازٌ عَنِ الِانْبِعاثِ أيْ يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ فَلا دُعاءَ ولا اسْتِجابَةَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) في أنَّهُ لا خِطابَ ولا مُخاطَبَ في المَشْهُورِ، وتَجُوزُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِجابَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ أمْرٌ سَرِيعٌ لا بُطْءَ فِيهِ، ومُجَرَّدُ النِّداءِ لَيْسَ كَمُزاوَلَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وعَلى أنَّ المَقْصُودَ الإحْضارُ لِلْحِسابِ والجَزاءِ فَإنَّ دَعْوَةَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إنَّما تَكُونُ لِاسْتِخْدامِهِ أوْ لِلتَّفَحُّصِ عَنْ أمْرِهِ والأوَّلُ مُنْتَفٍ لِأنَّ الآخِرَةَ لا تَكْلِيفَ فِيها فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وقالَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ: يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي رِوايَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنادِي عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: ««قالَ ﷺ: إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم فَحَسِّنُوا أسْماءَكُمْ»».
لَعَلَّ هَذا عِنْدَ الدُّعاءِ لِلْحِسابِ وهو بَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، واقْتَصَرَ كَثِيرٌ عَلى التَّجَوُّزِ السّابِقِ فَقِيلَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى امْتِناعِ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِما يَلْزَمُ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْها خِطابُ الجَمادِ وهو الأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ ولَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ البَعْثِ والِانْبِعاثِ لا مَجازًا والمُجَوِّزُ لِإرادَتِها يَقُولُ: إنَّ الدَّعْوَةَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو مِمّا يُوَجَّهُ إلى المَعْدُومِ، وقَدْ قالَ جَمْعٌ بِهِ في قَوْلِ كُنْ ولَمْ يَتَجَوَّزُوا في ذَلِكَ، وأمّا أنَّهُ لَوْ لَمْ تَمْتَنِعْ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لَكانَ كِنايَةً لا مَجازًا فَأمْرٌ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ الكُفّارُ كَما هو الظّاهِرُ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَتَسْتَجِيبُونَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ أيْ حامِدِينَ لَهُ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ الحَمْدَ لَهُ عَلى النِّعَمِ لا تُنْكِرُونَ ذَلِكَ لِأنَّ المَعارِفَ هُناكَ ضَرُورِيَّةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، ولا بُعْدَ في صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ؛ يَعْنِي أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى إنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسْمِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُنْقادِينَ لِبَعْثِهِ انْقِيادَ الحامِدِينَ لَهُ، وتَعَلُّقُ الجارِّ بِيَدْعُوكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَنِ الطَّبَرِيِّ أنَّ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ اعْتِراضَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها في قَوْلِهِ:
فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِرَجُلٍ وقَدْ خَصَمْتَهُ في مَسْألَةٍ: أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَكَأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ قَرِيبًا يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ اليَوْمَ وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى صِدْقِ خَبَرِي.
ومُلَخَّصُهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ اعْتِقادِكم والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنًى مُتَكَلِّفٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ ونَحْنُ في غِنًى عَنِ ارْتِكابِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وانْقَطَعَ
صفحة 94
خِطابُ الكافِرِينَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَرِيبًا﴾ فَيَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وتَوْفِيقِهِ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالبَعْثِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ ولا في مَنشَرِهِمْ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ عِنْدَ المَوْتِ ولا في القُبُورِ ولا في الحَشْرِ وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَدْ خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ رُؤُوسَهم مِنَ التُّرابِ يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ»».
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ وكُلُّهم يَقُولُونَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
﴿وتَظُنُّونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَسْتَجِيبُونَ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وأنْتُمْ تَظُنُّونَ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أوْ ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا كَما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (يَسْتَقِلُّونَ) لُبْثَهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ البَيْنِ؛ ولِذا يَقُولُونَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ وقِيلَ: يَسْتَقِلُّونَ لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لِما أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ الدُّخُولُ إلى النّارِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، والظَّنُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِ «إنْ» النّافِيَةِ وقَلَّ مَن ذَكَرَها مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وانْتِصابُ: ( قَلِيلًا ) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ
الإسراء 17:53
﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ فالإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ ﴿يَقُولُوا﴾ عِنْدَ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿الَّتِي﴾ أيِ الكَلِمَةَ أوِ العِبارَةَ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ ولا يُخاشِنُوهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ومَقُولُ فِعْلِ الأمْرِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: قُلْ لَهم قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ يَقُولُوا ذَلِكَ فَجُزِمَ يَقُولُوا لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الأخْفَشُ، ولِكَوْنِ المَقُولِ لَهم هُمُ المُؤْمِنُونَ المُسارِعُونَ لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ بِمُجَرَّدِ ما يُقالُ لَهم لَمْ يَكُنْ غُبارٌ في هَذا الجَزْمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ يَقُولُوا هو المَقُولُ وجَزَمَهُ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةً؛ أيْ: قُلْ لَهم لِيَقُولُوا الَّتِي إلَخْ. وقالَ المازِنِيُّ: إنَّهُ المَقُولُ أيْضًا إلّا أنَّهُ مُضارِعٌ مَبْنِيٌّ لِحُلُولِهِ مَحَلَّ المَبْنِيِّ وهو فِعْلُ الأمْرِ، والمَعْنى: قُلْ لِعِبادِي قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ وهو كَما تَرى، ومَقُولُ يَقُولُوا «الَّتِي» وإذا أُرِيدَ بِهِ الكَلِمَةُ حُمِلَتْ عَلى مَعْناها الشّامِلِ لِلْكَلامِ.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهَيِّجُ الشَّرَّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ بِالمُخاشَنَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى تَأكُّدِ العِنادِ وتَمادِي الفَسادِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: «يَنْزِغُ» بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ نَحْوَ يَمْنَحُ ويَمْنِحُ.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ قِدْمًا ﴿لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ فَهو مِن أبانَ اللّازِمِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
الإسراء 17:54
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا تَفْسِيرُ الَّتِي هي أحْسَنُ والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما والخِطابُ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ وما يُشاكِلُها وعَلِّقُوا أمْرَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ؛ فَإنَّهُ مِمّا يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ الخاتِمَةَ مَجْهُولَةٌ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ تَعالى فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ.
صفحة 95
وقالَ الكِرْمانِيُّ: هي لِلْإضْرابِ؛ ولِذا كُرِّرَتْ مَعَها إنْ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ أوْ هُنا لِسِعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ لَها المُبِيحَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ فَإنَّهم يَعْنُونَ: قَدْ وسَّعْنا لَكَ الأمْرَ وهو كَما تَرى.
﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ أيْ: مَوْكُولًا ومُفَوَّضًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإسْلامِ وتُجْبِرُهم عَلَيْهِ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِمَداراتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم وتَرْكَ المُشاقَّةِ مَعَهُمْ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ
الإسراء 17:55
﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وبِأحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ تَراهُ حِكْمَتُهُ أهْلًا لِذَلِكَ وهو رَدٌّ عَلَيْهِ إذْ قالُوا: بَعِيدٌ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ ابْنِ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوعُ كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ وخَبّابٍ وغَيْرِهِمْ أصْحابَهُ دُونَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأكابِرِ والصَّنادِيدِ.
وذَكَرَ مَن في السَّمَواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فَلا يَدُلُّ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وتَعَلُّقُهُما بِأعْلَمَ بِعَلى اخْتِصاصِ أعِلْمِيَّتِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ فَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِمَ مَحْذُوفًا ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِأعْلَمَ لِاقْتِضائِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِما ذَكَرْنا عَلى أنَّ أبا حَيّانَ أنْكَرَ تَعَدِّيَ عَلِمَ بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ.
﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضَ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والمَزايا القُدْسِيَّةِ وإنْزالِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ بِإيتائِهِ الزَّبُورَ لا بِإيتائِهِ المُلْكَ والسَّلْطَنَةَ وفِيهِ إيذانٌ بِتَفْضِيلِ نَبِيِّنا ﷺ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ الأنْبِياءِ وأُمَّتُهُ خَيْرُ الأُمَمِ مِمّا تَضَمَّنَهُ الزَّبُورُ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ ونَصَّ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن بابِ التَّلْمِيحِ نَحْوَ قِصَّةِ المَنصُورِ وقَدْ وعَدَ الهُذَلِيَّ بِعِدَّةٍ فَنَسِيَها فَلَمّا حَجّا وأتَيا المَدِينَةَ قالَ لَهُ يَوْمًا وهو يُسايِرُهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَذا بَيْتُ عاتِكَةَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الأحْوَصُ: يا بَيْتَ عاتِكَةَ الَّذِي أتَغَزَّلُ؛ فَفَطِنَ لِمُرادِهِ حَيْثُ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يَسْألْهُ وعَلِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ في هَذِهِ القَصِيدَةِ:
وأراكَ تَفْعَلُ ما تَقُولُ وبَعْضُهم مَذِقُ اللِّسانِ يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ
فَأنْجَزَ عِدَتَهُ، والزَّبُورُ في الأصْلِ وصْفٌ لِلْمَفْعُولِ كالحَلُوبِ أوْ مَصْدَرٌ كالقَبُولِ، نَعَمْ هَذا الوَزْنُ في المَصادِرِ قَلِيلٌ والأكْثَرُ ضَمُّ الفاءِ وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعَ زِبْرٍ بِكَسْرِ الزّايِ بِمَعْنى مَزْبُورٍ ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا لِلْكِتابِ المَخْصُوصِ ولَيْسَ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ شَيْءٌ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الزَّبُورُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ودُعاءٌ وتَسْبِيحٌ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ الزَّبُورَ دُعاءٌ عُلِّمَهُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ ولا فَرائِضُ ولا حُدُودٌ. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ اشْتِمالُهُ عَلى بَعْضِ النَّواهِي والأوامِرِ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ: أنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا مَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ بِيَدِي فَأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى طاعَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى مَعْصِيَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، فَلا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ ولا تَتُوبُوا إلَيْهِمْ وتُوبُوا إلَيَّ أعْطِفْ قُلُوبَهم عَلَيْكم.
والمَزامِيرُ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها الأمْرُ والنَّهْيُ كَثِيرَةٌ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن رَآهُ، ومَعَ هَذا الفَرْقُ
صفحة 96
بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْراةِ ظاهِرٌ، ودُخُولُ ألْ عَلَيْهِ في بَعْضِ الآياتِ لِلَمْحِ الأصْلِ وذَلِكَ لا يُنافِي العَلَمِيَّةَ كَما في العَبّاسِ والفَضْلِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً غَيْرَ عَلَمٍ ونُكِّرَ لِيُفِيدَ أنَّهُ بَعْضٌ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ أوْ مِن مُطْلَقِ الكُتُبِ ولا إشْكالَ أيْضًا في دُخُولِ ألْ عَلَيْهِ؛ أيْ: آتَيْناهُ زَبُورًا مِنَ الزُّبُرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِكِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِعَلَمٍ بَلْ مِن غَلَبَةِ اسْمِ الجِنْسِ وهو كالقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ وعَلى الأجْزاءِ، وتَقَدَّمَ إفادَةُ التَّنْكِيرِ لِلْبَعْضِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لَيْلًا ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا آتَيْناهُ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُهُ ﷺ، هَذا ووَجْهُ رَبْطِ الآياتِ بِما تَقَدَّمَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ نَبِيَّهُ ﷺ إلى جَوابِ الكُفّارِ بِجِدِّهِ في اسْتِهْزائِهِمْ وتَوَقُّرِهِ في اسْتِخْفافِهِمْ لِيَكُونَ أغْيَظَ لَهم وأشْجى لِحُلُوقِهِمْ أرْشَدَهُ إلى أنْ يَحْمِلَ أصْحابَهُ أيْضًا عَلى ذَلِكَ وأنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما اعْتُرِضَ بِهِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ بِنَزْغِهِ يَحْمِلُ عَلى المُخاشَنَةِ فَعَلى العاقِلِ الحازِمِ أنْ لا يَغْتَرَّ بِوَساوِسِهِ كَيْفَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا﴾ المُشْتَمِلِ عَلى مُجادَلَتِهِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ المُشْتَمِلِ عَلى حَمْلِهِمْ عَلَيْها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن تَتِمَّةِ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ فَإنَّهم طَعَنُوا فِيهِ وحاشاهُ تارَةً بِأنَّهُ شاعِرٌ ساحِرٌ مَجْنُونٌ وأُخْرى بِنَحْوِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ و﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ فَأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِما أُجِيبَ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ﴾ إلَخْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وأخْرَجَ الأوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا بِإنْجائِكم مِنَ الكَفَرَةِ ونَصْرِكم عَلَيْهِمْ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم والمُرادُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ المُجادَلَةُ الحَسَنَةُ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في صِحَّةِ المَعادِ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ لِلْمُؤْمِنِينَ: إذا أرَدْتُمْ إيرادَ الحُجَّةِ عَلى المُخالِفِينَ فاذْكُرُوا الدَّلائِلَ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ وهو أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مَمْزُوجًا بِالشَّتْمِ والسَّبِّ؛ لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَطَ بِهِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ فَيَزْدادَ الغَضَبُ ويَهِيجَ الشَّرُّ فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ إلَخْ. وضَمِيرُ بَيْنَهم إمّا لِلْكُفّارِ أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ، ورُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: شَتَمَ عُمَرَ رَجُلٌ فَهَمَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ. قالَ في الكَشْفِ إنَّهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ نَحْوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ تَعالى ولَيْسَتْ مُفَسَّرَةً بِرَبِّكم أعْلَمُ بِكم.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاحْتِمالِ بِأنَّ المُخاشَنَةَ مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى المُداراةِ أيْ: فَدارُوهُمْ؛ لِأنَّ رَبَّكم أعْلَمُ بِكم وبِما يَصْلُحُ لَكم مِن أوامِرَ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِقَبُولِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِإبائِكم أوْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِالمُلايَنَةِ والتَّراحُمِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ السَّلامَةِ عَنْ أذى الكُفّارِ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِمُخاشَنَتِكم في غَيْرِ إبّانِها، وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا فَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ وهم أتْباعُكَ أوْلى وأوْلى بِأنْ لا يَكُونُوا وكِيلًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: والأوَّلُ أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ وفي إفادَةِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الحَثُّ عَلى ما قُرِّرَ تَكَلُّفٌ ما اه.
وقِيلَ: المُرادُ مِن عِبادِي الكُفّارُ وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الدَّعْوَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِيَصِيرَ سَبَبًا لِجَذْبِ قُلُوبِهِمْ ومِيلِ طِباعِهِمْ إلى قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي الَّذِينَ أقَرُّوا بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لِي: يَقُولُوا الَّتِي هي
صفحة 97
أحْسَنُ وهي الكَلِمَةُ الحَقَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وإثْباتِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وعَرِّفْهم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُصِرُّوا عَلى المَذْهَبِ الباطِلِ تَعَصُّبًا لِلْأسْلافِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ وهو لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلى قَوْلِهِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالقَوْلِ الأمْرُ بِاعْتِقادِ ذَلِكَ، وذَكَرَ القَوْلَ لِما أنَّهُ دَلِيلُ الِاعْتِقادِ ظاهِرًا ثُمَّ قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ غائِبَةٌ عَنْكم فاجْتَهِدُوا أنْتُمْ في طَلَبِ الدِّينِ الحَقِّ ولا تُصِرُّوا عَلى الباطِلِ لِئَلّا تَصِيرُوا مَحْرُومِينَ عَنِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ والخَيْراتِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ أيْ: لا تُشَدِّدِ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ولا تُغْلِظْ لَهم بِالقَوْلِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ إظْهارُ اللِّينِ والرِّفْقِ لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ عِلْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ﴾ إلَخْ. ويَحْسُنُ عَلى هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِن تَفْسِيرِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ونَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ مِنَ العُلَماءِ ثُمَّ قالَ: ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ بِعِبادِي جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّ جَمِيعَهم مَدْعُوٌّ إلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ غَيْرُ مُناسِبٍ إلّا عَلى مَعْنى يَنْزَغُ خِلالَهم وأثْناءَهم ويُفَسَّرُ النَّزْغُ بِالوَسْوَسَةِ والإمْلالِ ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ، وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ لا يَتِمُّ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ نُكْتَةٌ، وهي هاهُنا ظاهِرَةٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:
الإسراء 17:56
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ. كالِاسْتِدْلالِ عَلى حَقِّيَّةِ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ورَبَطَهُ بِما تَقَدَّمَ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لا أظُنُّهُ يَخْفى، والزَّعْمُ بِتَثْلِيثِ الزّايِ قَرِيبٌ مِنَ الظَّنِّ ويُقالُ إنَّهُ القَوْلُ المَشْكُوكُ فِيهِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الكَذِبِ حَتّى قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ زَعَمَ فَهو كَذِبٌ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المُحَقَّقِ والصِّدْقِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ - واسْمُهُ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ - جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتانا رَسُولُكَ فَزَعَمَ أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَكَ. قالَ: صَدَقَ... الحَدِيثَ».
فَإنَّ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهُ مَعَ قَوْلِهِ زَعَمَ وتَزْعُمُ دَلِيلٌ عَلى ما قُلْنا.
ووَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذا»» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ وهو إمامُ العَرَبِيَّةِ في كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ:
زَعَمَ الخَلِيلُ، زَعَمَ أبُو الخَطّابِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ القَوْلَ المُحَقَّقَ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ جَماعاتٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ ونَقَلَهُ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ في شَرْحِ الفَصِيحِ عَنْ شَيْخِهِ أبِي العَبّاسِ ثَعْلَبٍ عَنِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ، وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ حُذِفا هاهُنا أوْ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما جائِزٌ، والخِلافُ في حَذْفِ أحَدِهِما، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ كُلُّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ العُقَلاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ وتَمَسَّكَ الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ هَؤُلاءِ الإنْسُ مِنَ العَرَبِ كَما صَرَّحَ بِهِ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ، وفي أُخْرى التَّصْرِيحُ بِأنَّهم مِن خُزاعَةَ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ:
كانَ قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ ويَقُولُونَ هم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى فَعَبَدُوا عِيسى وأُمَّهُ
صفحة 98
وعُزَيْرًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ عَلى ما في البَحْرِ تَغْلِيبُ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، ومَتى صَحَّ إدْراجُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن ذَوِي العِلْمِ فَلْيُدْرَجْ سائِرُ ما عُبِدَ بِالباطِلِ مِنَ الأصْنامِ ويُرْتَكَبُ التَّغْلِيبُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ ورَجاءِ الرَّحْمَةِ والخَوْفِ مِنَ العَذابِ يُؤَيِّدُ إرادَةَ العُقَلاءِ كَعِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ الأصْنامَ لا يُعْقَلُ مِنها ذَلِكَ، وارْتِكابُ التَّغْلِيبِ هُناكَ أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والدُّعاءُ كالنِّداءِ لَكِنَّ النِّداءَ قَدْ يُقالُ إذا قِيلَ: «يا» أوْ «أيا» أوْ نَحْوَهُما مِن غَيْرِ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ الِاسْمُ والدُّعاءُ لا يَكادُ يُقالُ إلّا إذا كانَ مَعَهُ الِاسْمُ نَحْوَ: يا فُلانُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، والمُرادُ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ الَّذِي هو أوْلى مِن جَلْبِ النَّفْعِ وأهَمُّ، وتَوَجُّهُ القَلْبِ إلى مَن يَكْشِفُهُ أكْمَلُ وأتَمُّ.
﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ بِأنْفُسِهِمْ ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ وغَيْرِها ﴿ولا تَحْوِيلا﴾ ولا نَقْلَهُ مِنكم إلى غَيْرِكم مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهم أوْ ولا تَبْدِيلَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ ومَن لا يَمْلِكُ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إذْ شَرْطُ اسْتِحْقاقِها القُدْرَةُ الكامِلَةُ التّامَّةُ عَلى دَفْعِ الضُّرِّ وجَلْبِ النَّفْعِ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُفاضَةً مِنَ الغَيْرِ، وكَأنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ مِلْكِهِمْ ذَلِكَ نَفْيُ قُدْرَتِهِمُ التّامَّةِ الكامِلَةِ عَلَيْهِ وكَوْنُ قُدْرَةِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ مُفاضَةٌ مِنهُ تَعالى مُسَلَّمٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ صِفاتِها، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أقْوى وأكْمَلُ صِفَةً مِنها، وبِهَذا يَتِمُّ الدَّلِيلُ ويَحْصُلُ الإفْحامُ وإلّا فَنَفْيُ قُدْرَةِ نَحْوِ الجِنِّ والمَلائِكَةِ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا عَلى كَشْفِ الضُّرِّ مِمّا لا يَظْهَرُ دَلِيلُهُ فَإنَّهُ إنْ قِيلَ: هو أنّا نَرى الكَفَرَةَ يَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِمْ ولا تَحْصُلُ لَهُمُ الإجابَةُ عُورِضَ بِأنّا نَرى أيْضًا المُسْلِمِينَ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ولا تَحْصُلُ لَهُمُ الإجابَةُ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ويُحْتَجُّ لَهُ بِدَلِيلِ الأشْعَرِيِّ عَلى اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِداءً.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الضُّرَّ هُنا بِالقَحْطِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أصابَهم قَحْطٌ شَدِيدٌ أكَلُوا فِيهِ الكِلابَ والجِيَفَ فاسْتَغاثُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهم فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ. واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الرِّوايَةِ عَلى أنَّ نَفْيَ الِاسْتِطاعَةِ مُطْلَقًا عَنْ آلِهَتِهِمْ كانَ إذْ ذاكَ مُسَلَّمًا عِنْدَهم وإلّا لَما تَرَكُوها واسْتَغاثُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهم وفِيهِ نَظَرٌ فانْظُرْ وتَدَبَّرْ.
الإسراء 17:57
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ أُولَئِكَ الآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم ويُسَمُّونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم ويُنادُونَهم لِكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ بِاجْتِهادٍ لِأنْفُسِهِمْ ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ ومالِكِ أمْرِهِمْ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبَةَ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ فَضَمِيرُ يَدْعُونَ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ لِلْمُشارِ إلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ فُورَكَ: الضَّمِيرانِ لِلْمُشارِ إلَيْهِمْ والمُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، ومَفْعُولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى الحَقِّ أوْ يَدْعُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وعَلى هَذا لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المُرادِ بِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما لا يَخْفى وهو كَما تَرى.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ «تَدْعُونَ» بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «يَدْعُونَ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إلى رَبِّكَ» بِكافِ الخِطابِ، واسْمُ
صفحة 99
الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ نَعْتٌ أوْ بَيانٌ والخَبَرُ جُمْلَةُ: «يَبْتَغُونَ» أوِ المَوْصُولُ هو الخَبَرُ ويَبْتَغُونَ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ فالزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ كَوْنُ أيُّ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وهي إمّا مُعْرَبَةٌ أوْ مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، أيْ: أُولَئِكَ المَعْبُودُونَ يَطْلُبُ مَن هو أقْرَبُ مِنهُمُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى بِطاعَتِهِ فَكَيْفَ بِالأبْعَدِ ولَيْسَ فِيهِ إلّا حَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ، والتَّقْدِيرُ: أيَهُمُّ هو أقْرَبُ وهو مِمّا لا بَأْسَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ جَمْعَ (يَرْجُونَ ويَخافُونَ) فِيما بَعْدُ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ ما ذُكِرَ بِالأقْرَبِ أوْ لِكَوْنِ الأقْرَبِ مُتَعَدِّدًا، والثّانِي كَوْنُ «أيُّ» اسْتِفْهامِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُها والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَبْتَغُونَ وضُمِّنَ مَعْنى يَحْرِصُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، قِيلَ: واعْتُبِرَ التَّضْمِينُ لِيَصِحَّ التَّعْلِيقُ فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأفْعالِ القُلُوبِ خِلافًا لِيُونُسَ وقالَ الطِّيبِيُّ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ لِأنَّ حَرِصَ تَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ الإنْشاءِ بِأنْ يُقالَ: يَحْرِصُونَ عَلى ما يُقالُ فِيهِ أيَهُمُّ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِ مِنَ الطّاعَةِ، ويَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِأقْرَبُ وهو كَما تَرى.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في تَحْقِيقِ هَذا الوَجْهِ: إنَّ المَطالِبَ إذا كانَتْ مُشْتَرَكَةً اقْتَضَتِ التَّسارُعَ إلَيْها في العادَةِ وهو نَفْسُ الحِرْصِ أوْ ما لا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَناسَبَ أنْ يُضَمَّنَ الِابْتِغاءُ مَعْنى الحِرْصِ لا سِيَّما وبَعْدَهُ اسْتِفْهامٌ لا يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ دُونَ تَضْمِينِهِ لِأنَّ قَوْلَكَ: أيُّهم أقْرَبُ إلى فُلانٍ بِكَذا سُؤالٌ عَنْ مُمَيِّزِ أحَدِهِمْ عَنِ الباقِينَ بِما يَتَقَرَّبُ بِهِ زِيادَةَ فَضِيلَةٍ مَعَ الِاسْتِواءِ في أصْلِ التَّقَرُّبِ، فَإذا ورَدَ اسْتِئْنافًا بَعْدَ فِعْلٍ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ مَعْلُولَهُ وجَبَ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: هَؤُلاءِ يَحْرِصُونَ عَلى الهُدى كانَ كَلامًا جارِيًا عَلى الظّاهِرِ وإذا قُلْتَ: هَؤُلاءِ يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أهْدى أفادَ أنَّ حِرْصَهم ذَلِكَ عَلى الهُدى مَعَ مُغالَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِيهِ فَيَكُونُ أتَمَّ في وصْفِهِمْ بِالحِرْصِ عَلَيْهِ.
ووَجْهُ الإفادَةِ أنَّهُ تَعْقِيبُهُ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ وكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَسْألُ نَفْسَهُ أهُوَ أهْدى أمْ غَيْرُهُ، أيْ: هو أشَدُّ حِرْصًا عَلَيْهِ أمْ غَيْرُهُ؛ إذْ لا مَعْنى لِهَذا السُّؤالِ عَنِ النَّفْسِ إلّا الحَثُّ وتَعَرُّفُ أنَّ ثَمَّتَ تَقْصِيرًا في ذَلِكَ أوْ لا، وعَلى هَذا لَوْ قُلْتَ: يَحْرِصُونَ عَلى الهُدى أيُّكم يَكُونُ أهْدى عُدَّ مُسْتَهْجَنًا لَأنَّ الِاسْتِئْنافَ سَدَّ مَسَدَّ صِلَتِهِ كَما في أمَرْتُهُ فَقامَ، ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ، ووَدَّ لَوْ أنَّهُ أحْسَنَ وكَمْ وكَمْ، فَعَلى هَذا الطَّلَبُ واقِعٌ عَلى الوَسِيلَةِ وهي الطّاعَةُ والحِرْصُ عَلى الأقْرَبِيَّةِ بِها والِازْدِيادُ مِنها ولا يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ يَحْرِصُونَ بِإجْراءِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِيَبْتَغُونَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ لا يَصْلُحُ جَوابًا فارِقًا بَيْنَ الطّالِبِينَ وغَيْرِهِمْ إنَّما هو فارِقٌ بَيْنَ الطّالِبِينَ أعْنِي المُتَقَرِّبِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وهو يُناسِبُ الحِرْصَ والشَّغَفَ، ولِأنَّ صِلَةَ الطَّلَبِ أعْنِي الوَسِيلَةَ مَذْكُورَةٌ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الِاسْتِئْنافَ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ والجَمْعُ مُسْتَهْجَنٌ. اه.
ولَعَمْرِي لَمْ يُبْقِ في القَوْسِ مَنزَعًا في تَحْقِيقِهِ، لَكِنَّ الوَجْهَ مَعَ هَذا مُتَكَلَّفٌ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ والزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ الجُمْلَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ «يَنْظُرُونَ»، أيْ: يُفَكِّرُونَ، والمَعْنى يَنْظُرُونَ أيُّهم أقْرَبُ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، وكَأنَّ المُرادَ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعائِهِ وإلّا فَفي التَّوَسُّلِ بِالذَّواتِ ما فِيهِ.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّ في إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرًا، ومَعَ ذا هو وجْهٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَدْعُونَ وكَوْنَ أيُّ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْعُونَ﴾ وتُعُقِّبَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيقَ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ قَلْبِيٍّ والجُمْهُورُ
صفحة 100
عَلى مَنعِهِ، وأمّا الثّانِي فَقالَ أبُو حَيّانَ: فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لَكِنَّهُ لا يَضُرُّ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ، وأنْتَ إذا نَظَرْتَ في المَعْنى عَلى هَذا لَمْ تَرْضَ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَرْجُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَبْتَغُونَ؛ أيْ: يَبْتَغُونَ القُرْبَةَ بِالعِبادَةِ ويَتَوَقَّعُونَ ﴿رَحْمَتَهُ﴾ تَعالى ﴿ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَدَأْبِ سائِرِ العِبادِ فَأيْنَ هم مَن مَلِكٍ كَشَفَ الضُّرَّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ آلِهَةً ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ ويَحْتَرِزَ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ وفي تَخْصِيصِهِ بِالتَّعْلِيلِ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ لِلْكَفَرَةِ مِنَ العَذابِ، وتَقْدِيمُ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ لِما أنَّ مُتَعَلِّقَهُ أسْبَقُ مِن مُتَعَلِّقِهِ.
فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»».
وفِي اتِّحادِ أُسْلُوبَيِ الجُمْلَتَيْنِ إيماءٌ إلى تَساوِي رَجاءِ أُولَئِكَ الطّالِبِينَ لِلْوَسِيلَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ وخَوْفِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ ذَلِكَ ما لَمْ يَحْضُرْهُ المَوْتُ فَإذا حَضَرَهُ المَوْتُ يَنْبَغِي أنْ «يُغَلِّبَ» رَجاءَهُ عَلى خَوْفِهِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَجاءَ الرَّحْمَةِ وخَوْفَ العَذابِ مِمّا لا يُخِلُّ بِكَمالِ العابِدِ، وشاعَ عَنْ بَعْضِ العابِدِينَ أنَّهُ قالَ: لَسْتُ أعْبُدُ اللَّهَ تَعالى رَجاءَ جَنَّتِهِ ولا خَوْفًا مِن نارِهِ، والنّاسُ بَيْنَ قادِحٍ لِمَن يَقُولُ ذَلِكَ ومادِحٍ، والحَقُّ التَّفْصِيلُ؛ وهو أنَّ مَن قالَهُ إظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ فَهو مُخْطِئٌ كافِرٌ، ومَن قالَهُ لِاعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أهْلٌ لِلْعِبادَةِ لِذاتِهِ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ جَنَّةٌ ولا نارٌ لَكانَ أهْلًا لَأنْ يُعْبَدَ فَهو مُحَقِّقٌ عارِفٌ كَما لا يَخْفى.