Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الكهف 18:1 – الكهف 18:49

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الكهف 18:1
  2. الكهف 18:2
  3. الكهف 18:3
  4. الكهف 18:4
  5. الكهف 18:5
  6. الكهف 18:6
  7. الكهف 18:7
  8. الكهف 18:8
  9. الكهف 18:9
  10. الكهف 18:10
  11. الكهف 18:11
  12. الكهف 18:12
  13. الكهف 18:13
  14. الكهف 18:14
  15. الكهف 18:15
  16. الكهف 18:16
  17. الكهف 18:17
  18. الكهف 18:18
  19. الكهف 18:19
  20. الكهف 18:20
  21. الكهف 18:21
  22. الكهف 18:22
  23. الكهف 18:23
  24. الكهف 18:24
  25. الكهف 18:25
  26. الكهف 18:26
  27. الكهف 18:27
  28. الكهف 18:28
  29. الكهف 18:29
  30. الكهف 18:30
  31. الكهف 18:31
  32. الكهف 18:32
  33. الكهف 18:33
  34. الكهف 18:34
  35. الكهف 18:35
  36. الكهف 18:36
  37. الكهف 18:37
  38. الكهف 18:38
  39. الكهف 18:39
  40. الكهف 18:40
  41. الكهف 18:41
  42. الكهف 18:42
  43. الكهف 18:43
  44. الكهف 18:44
  45. الكهف 18:45
  46. الكهف 18:46
  47. الكهف 18:47
  48. الكهف 18:48
  49. الكهف 18:49

الكهف 18:1

سُورَةُ الكَهْفِ 18 ويُقالُ: سُورَةُ أصْحابِ الكَهْفِ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ الحائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قارِئِها وبَيْنَ النّارِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في المَشْهُورِ واخْتارَهُ الدّابِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَدَّها بَعْضُهم مِنَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ جُمْلَةً لِما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الكَهْفِ جُمْلَةً مَعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ». وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآيَةَ فَمَدَنِيٌّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى ﴿جُرُزًا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِها فَمَدَنِيٌّ، وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ وعَشَرَةٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ومِائَةٌ وسِتٌّ عِنْدَ الشّامِيِّينَ، ومِائَةٌ وخَمْسٌ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ وضْعِها بَعْدَ الإسْراءِ عَلى ما قِيلَ افْتِتاحُ تِلْكَ بِالتَّسْبِيحِ وهَذِهِ بِالتَّحْمِيدِ، وهُما مُقْتَرِنانِ في المِيزانِ وسائِرِ الكَلامِ نَحْوَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأيْضًا تَشابُهُ اخْتِتامِ تِلْكَ وافْتِتاحِ هَذِهِ، فَإنَّ في كُلٍّ مِنهُما حَمْدًا، نَعَمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَمْدَ الأوَّلَ ظاهِرٌ في الحَمْدِ الذّاتِيِّ والحَمْدَ المُفْتَتَحَ بِهِ في هَذِهِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ الغَيْرِ الذّاتِيِّ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَنِ الرُّوحِ وعَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، وقَدْ ذُكِرَ جَوابُ السُّؤالِ الأوَّلِ في آخِرِ السُّورَةِ الأُولى وجَوابُ السُّؤالَيْنِ الآخَرَيْنِ في هَذِهِ فَناسَبَ اتِّصالُهُما، ولَمْ تُجْمَعِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ في سُورَةٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيانِ فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ وحْدَهُ في سُورَةٍ، واخْتِيرَتْ سُورَةُ الإسْراءِ لِما بَيْنَ الرُّوحِ وبَيْنَ الإسْراءِ مِنَ المُشارَكَةِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما مِمّا لا يَكادُ تَصِلُ إلى حَقِيقَتِهِ العُقُولُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ هُناكَ لَمّا أنَّ الإسْراءَ مُتَضَمِّنٌ العُرُوجَ إلى المَحَلِّ الأرْفَعِ، والرُّوحُ مُتَّصِفَةٌ بِالهُبُوطِ مِن ذَلِكَ المَحَلِّ، ولِذا قالَ ابْنُ سِينا فِيها: هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ ورْقاءَ ذاتَ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّعِ ثُمَّ قالَ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في تِلْكَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ والخِطابُ لِلْيَهُودِ اسْتَظْهَرَ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّتِي كانَ سَبَبُها ذِكْرَ العِلْمِ والأعْلَمِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَثْرَةِ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا تُحْصى، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كَإقامَةِ الدَّلِيلِ لِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ في تِلْكَ السُّورَةِ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ قالَتِ اليَهُودُ: قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ. فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ جَوابًا عَنْ شُبْهَةِ الخُصُومِ فِيما قُرِّرَ في تِلْكَ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ هُناكَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ شَرَحَ ذَلِكَ هُنا وبَسَطَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ اه، ولِلْمُناسَبَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ تَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وأمّا فَضْلُها فَمَشْهُورٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِن تَحْتِ صفحة 200 قَدَمِهِ إلى عَنانِ السَّماءِ يُضِيءُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وغُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَتَيْنِ». ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ أضاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ العَتِيقِ». وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ مُوسى يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا: «البَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الكَهْفِ لا يَدْخُلُهُ شَيْطانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وإلى سُنِّيَّةِ قِراءَتِها يَوْمَ الجُمْعَةِ وكَذا لَيْلَتَها ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ وقالُوا بِنَدْبِ تَكْرارِ قِراءَتِها». وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»». وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَواها أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ العَشْرَ الأواخِرَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»». وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ عُصِمَ»». إلَخْ. وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ الخَمْسَ الأواخِرَ مِنها عِنْدَ نَوْمِهِ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى أيَّ اللَّيْلِ شاءَ».» وقَدْ جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرارًا فَلْيُحْفَظْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الكِتابَ﴾ الكامِلَ الغَنِيَّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ، الحَقِيقَ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ فَفِيهِ تَغْلِيبُ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ، وإمّا عِبارَةٌ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ حِينَئِذٍ فالأمْرُ ظاهِرٌ. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالمَوْصُولِ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ وغَيْرُهُ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وهو الهادِي إلى الكَمالِ المُمْكِنِ في جانِبَيِ العِلْمِ والعَمَلِ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِنَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا تَعْظِيمُ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ما فِيهِ، وفِيهِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أيْ لِلْكِتابِ ﴿عِوَجًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِاخْتِلالِ اللَّفْظِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ ومُخالَفَةِ الفَصاحَةِ وتَناقُضِ المَعْنى وكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ما لَيْسَ بِحَقٍّ أوْ داعِيًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِوَجُ وكَذا العَوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: هو بِكَسْرِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، فالأوَّلُ الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصِيرَةِ كَعِوَجِ الدِّينِ والكَلامِ، والثّانِي الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصَرِ كَعِوَجِ الحائِطِ والعُودِ، أوْرَدَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى في شَأْنِ الأرْضِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ فَإنَّ الأرْضَ مَحْسُوسَةٌ واعْوِجاجُها وكَذا اسْتِقامَتُها مِمّا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَكانَ يَنْبَغِي عَلى ما ذُكِرَ فَتْحُ العَيْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ هُنا ما خَفِيَ مِنَ الِاعْوِجاجِ حَتّى احْتاجَ إثْباتُهُ إلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ المُحْتاجَةِ إلى إعْمالِ البَصِيرَةِ الحَقِّ بِما هو عَقْلِيٌّ صِرْفٌ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ «لا تَرى» ظاهِرٌ في أنَّ المَنفِيَّ ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُرادَ بِهِ الإدْراكُ، وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ أنَّ المَكْسُورَ أعَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ. صفحة 201 واخْتارَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما

الكهف 18:2

﴿قَيِّمًا﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ مِمّا قِيلَ إنَّهُ لا خَلَلَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، والمُرادُ مِن هَذا أنَّهُ مُعْتَدِلٌ لا إفْراطَ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ حَتّى يَشُقَّ عَلى العِبادِ ولا تَفْرِيطَ فِيهِ بِإهْمالِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ حَتّى يُحْتاجَ إلى كِتابٍ آخَرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ ولِذا كانَ آخِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلِ عَلى خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِمّا قَبْلَهُ وذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ قَيِّمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ مُتَكَفِّلًا بِها وبِبَيانِها لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ المَعاشُ والمَعادُ وهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَأْسِيسٌ أيْضًا لا تَأْكِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كِتابًا صادِقًا في نَفْسِهِ مُصَدِّقًا لِغَيْرِهِ أوْ كِتابًا خالِيًا عَنِ النَّقائِصِ حالِيًا بِالفَضائِلِ وقِيلَ: المُرادُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ ومُكَمِّلٌ لِغَيْرِهِ، ونَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ أيْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حَذْفَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ المَعْطُوفِ تَكَلُّفٌ، وكانَ حَفْصٌ يَسْكُتُ عَلى: ﴿عِوَجًا﴾ سَكْتَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُولُ: ﴿قَيِّمًا﴾ . واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في «لَهُ» أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ خالِيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ مَعَ تَفْسِيرِ المُسْتَقِيمِ بِالخالِي عَنِ العِوَجِ رَكِيكٌ. وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ تَنْدَفِعُ الرَّكاكَةُ بِالحَمْلِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ العَطْفُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ الحالَ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ إلَخْ مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ الأُولى عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الكامِلَ في بابِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الفَصْلُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَلى قَوْلٍ. وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ فِي: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ مِن ( الكِتابَ ) كَ «قَيِّمًا» واخْتارَهُ الأصْبِهانِيُّ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ذاكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ بِغَيْرِ عَطْفٍ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا عَلى مَنعِهِ، وقالَ آخَرُ: إنَّ قِياسَ قَوْلِ الفارِسِيِّ في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ مُخْتَلِفًا بِالإفْرادِ والجُمْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ؛ إذْ ما ذَكَرَهُ الفارِسِيُّ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مَعَ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ فَلا يُسْمَعُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكَثِيرِ خِلافُ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، نَعَمْ فِرارًا مِنَ القِيلِ والقالِ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلِاعْتِراضِ والجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةً، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ورُوِيَ القَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وذَكَرَ السَّمِينُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حَيْثُ وقَعَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في النَّظْمِ يَجْعَلُها مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّها وقَعَتْ بَيْنَ لَفْظَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ فَهي في قُوَّةِ الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِما، ولَمّا كانَ: ﴿قَيِّمًا﴾ يُفِيدُ اسْتِقامَةً ذاتِيَّةً أوْ ثابِتَةً لِكَوْنِهِ صِفَةً مُشَبَّهَةً وصِيغَةَ مُبالَغَةٍ، وما مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى عِوَجٍ، ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ إلَخْ لِلِاحْتِراسِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ كَما في قَوْلِهِ: صفحة 202 ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلا ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، وأنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ التَّأْكِيدُ فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ولا يَخْلُو مِن أدْنى عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَوْلُ الإمامِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا ) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا في ذاتِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ. انْتَهى. ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَنْبَغِي مِنَ الإمامِ إنْ صَحَّ عِنْدَهُ أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، فَإنَّ الأوَّلَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وناهِيكَ بِهِ جَلالَةً ومَعْرِفَةً بِدَقائِقِ اللِّسانِ، وقَدْ قِيلَ في الثّانِي: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، وقالَ صاحِبُ «حَلِّ العَقْدِ»: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَيِّمًا بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَكُونُ حِينَئِذٍ بَدَلَ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ كَما قالُوا في عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ؛ إنَّهُ بَدَلُ جُمْلَةٍ مِن مُفْرَدٍ، وفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ: «لَهُ» عائِدٌ عَلى «عَبْدِهِ» وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى جَمِيعُ التَّخارِيجِ الإعْرابِيَّةِ السّابِقَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ «قِيَمًا» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ المُخَفَّفَةِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَّحابَةِ: «ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنَّهُ قَيِّمًا» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ ( لِيُنْذِرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِ «أنْزَلَ» واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ كالسَّلَفِ والماتُرِيدِيَّةِ، ومَن يَأْبى ذَلِكَ يَجْعَلُها لامَ العاقِبَةِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «قَيِّمًا» ولَيْسَ بِقَيِّمٍ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، وكَذا في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الكُلِّ ضَمِيرَ الكِتابِ أوْ ضَمِيرَهُ ﷺ، وأنْذَرَ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ وحَذَفَ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ إيذانًا بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ وهو الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَرِينَةِ ما بَعْدُ، والمُرادُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَذابُ الآخِرَةِ لا غَيْرَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا. ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ تَعالى نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِلْبَأْسِ، ولَدُنْ هُنا بِمَعْنى عِنْدَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى ابْتِداءِ نِهايَةٍ نَحْوَ أقَمْتُ عِنْدَهُ مِن لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ عِنْدَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ «لَدُنْ» أبْلَغُ مِن عِنْدَ وأخَصُّ وفِيهِ لُغاتٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإشْمامِ الدّالِ بِمَعْنى تَضْعِيفِ الصَّوْتِ بِالحَرَكَةِ الفاصِلَةِ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ فَيَكُونُ إخْفاءً لَها وبِكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ بِالإسْكانِ مَعَ الإشْمامِ بِمَعْنى الإشارَةِ إلى الحَرَكَةِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنِهِما فاسْتُشْكِلَ في الدُّرِّ المَصُونِ. وغَيْرُهُ بِأنَّ هَذا الإشْمامَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في الوَقْفِ عَلى الآخِرِ، وكَوْنُهُ في الوَسَطِ كَما هُنا لا يُتَصَوَّرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ يُؤْتى بِهِ هُنا بَعْدَ الوَقْفِ عَلى الهاءِ. ودُفِعَ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى حَرَكَةِ الدّالِ وقَدْ عُلِّلَ بِهِ بِأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ في الكَلِمَةِ ما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلى حَرَكَتِهِ غَيْرُها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وما قَدَّمْناهُ حاسِمٌ لِمادَّةِ الإشْكالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدّالِ والهاءِ وسُكُونِ النُّونِ إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَصِلُ الهاءَ بِواوٍ وغَيْرُهُ صفحة 203 لا يَصِلُ ﴿ويُبَشِّرَ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى يُنْذِرَ وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «ويَبْشُرُ» بِالتَّخْفِيفِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُصَدِّقِينَ بِالكِتابِ كَما يُشْعِرُ بِهِ وكَذا بِما تَقَدَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ العَمَلِ واسْتِمْرارِهِ، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ الإيمانُ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ هو كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ الجَنَّةُ وفِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ ما فِيها، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ بِهِ الجَنَّةُ ظاهِرُ

الكهف 18:3

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الأجْرِ ﴿أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ لِزَمانِ مُكْثِهِمْ. ونُصِبَ ﴿ماكِثِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( لَهم ) والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِزَجْرِ الكُفّارِ عَمّا هم عَلَيْهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وتَكْرِيرُ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِفِرْقَةٍ خاصَّةٍ مِمَّنْ عَمَّهُ الإنْذارُ السّابِقُ مِن مُسْتَحِقِّي البَأْسِ الشَّدِيدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ لِغايَةِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ؛ أيْ: ويُنْذِرَ مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَفَوِّهِينَ بِمِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ خاصَّةً وهُمُ العَرَبُ القائِلُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، واليَهُودُ القائِلُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّصارى القائِلُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلَخْ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وإيثارِ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ صُدُورِ تِلْكَ الكَلِمَةِ القَبِيحَةِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ فِيما سَلَفَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ، وفي الآيَةِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ حَيْثُ حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ فِيما بَعْدُ وهو المُنْذَرُ، وحَذَفَ مِمّا بَعْدُ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ وهو المُنْذَرُ بِهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ سائِرِ أصْنافِ الكَفَرَةِ عَنِ الإنْذارِ والوَعِيدِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْلَمُ إنْذارُ سائِرِ الأصْنافِ ودُخُولُهم في الوَعِيدِ مِن بابِ الأوْلى لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّبَنِّي وإنْ كَبُرَ كَلِمَةً دُونَ الإشْراكِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ العالَمَ، وأبُو البَقاءِ العِبادَ، فَيَعُمُّ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّعْمِيمَ يَقْتَضِي حَمْلَ الإنْذارِ عَلى مَعْنى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِالأمْرِ الضّارِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُلُولِ المُنْذَرِ بِهِ عَلى المُنْذِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو يُفْضِي إلى خُلُوِّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى حُلُولِ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَلى مَن عَدا هَذِهِ الفِرْقَةِ فَتَأمَّلْ.

الكهف 18:4

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الأجْرِ ﴿أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ لِزَمانِ مُكْثِهِمْ. ونُصِبَ ﴿ماكِثِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( لَهم ) والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِزَجْرِ الكُفّارِ عَمّا هم عَلَيْهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وتَكْرِيرُ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِفِرْقَةٍ خاصَّةٍ مِمَّنْ عَمَّهُ الإنْذارُ السّابِقُ مِن مُسْتَحِقِّي البَأْسِ الشَّدِيدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ لِغايَةِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ؛ أيْ: ويُنْذِرَ مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَفَوِّهِينَ بِمِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ خاصَّةً وهُمُ العَرَبُ القائِلُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، واليَهُودُ القائِلُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّصارى القائِلُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلَخْ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وإيثارِ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ صُدُورِ تِلْكَ الكَلِمَةِ القَبِيحَةِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ فِيما سَلَفَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ، وفي الآيَةِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ حَيْثُ حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ فِيما بَعْدُ وهو المُنْذَرُ، وحَذَفَ مِمّا بَعْدُ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ وهو المُنْذَرُ بِهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ سائِرِ أصْنافِ الكَفَرَةِ عَنِ الإنْذارِ والوَعِيدِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْلَمُ إنْذارُ سائِرِ الأصْنافِ ودُخُولُهم في الوَعِيدِ مِن بابِ الأوْلى لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّبَنِّي وإنْ كَبُرَ كَلِمَةً دُونَ الإشْراكِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ العالَمَ، وأبُو البَقاءِ العِبادَ، فَيَعُمُّ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّعْمِيمَ يَقْتَضِي حَمْلَ الإنْذارِ عَلى مَعْنى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِالأمْرِ الضّارِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُلُولِ المُنْذَرِ بِهِ عَلى المُنْذِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو يُفْضِي إلى خُلُوِّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى حُلُولِ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَلى مَن عَدا هَذِهِ الفِرْقَةِ فَتَأمَّلْ.

الكهف 18:5

﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِاتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَدًا ﴿مِن عِلْمٍ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِ الظَّرْفِ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في مَقالِهِمْ، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أصْلًا لا لِإخْلالِهِمْ بِطَرِيقِ العِلْمِ مَعَ تَحَقُّقِ المَعْلُومِ أوْ إمْكانِهِ بَلْ لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ ومَعَها لا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ العِلْمِ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ ضَمِيرِ «بِهِ» عائِدًا عَلى الوَلَدِ وعَدَمِ العِلْمِ وكَذا حالُ الجُمْلَةِ عَلى ما سَمِعْتَ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا صِفَةٌ لِ «ولَدًا» ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِن «قالُوا» أيْ: لَيْسَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ عِلْمٍ وتَذَكُّرٍ ونَظَرٍ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ ﴿ولا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ ناسِبِينَ التَّبَنِّيَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهم صفحة 204 قُدْوَةُ هَؤُلاءِ. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ والِافْتِراءِ لِما فِيها مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ جَلَّ وعَلا، وكَبُرَ وكَذا كُلُّ ما كانَ عَلى وزْنِ فَعُلَ مَوْضُوعًا عَلى الضَّمِّ كَظَرُفَ أوْ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مِن فَعِلَ أوْ فَعُلَ ذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ فالفاعِلُ هُنا ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذَ﴾ إلَخْ بِتَأْوِيلِ المُقالَةِ، و﴿كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةُ ﴿كَلِمَةً﴾ تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها وإخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمّا يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ وتُحَدِّثُ بِهِ النَّفْسُ لا يُمْكِنُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ بَلْ يُصْرَفُ عَنْهُ الفِكْرُ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا المُنْكَرِ. وذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَيُثْبَتُ لَهُ جَمِيعُ أحْكامِهِ كَكَوْنِ فاعِلِهِ مُعَرَّفًا بِألْ أوْ مُضافًا إلى مُعَرَّفٍ بِها أوْ ضَمِيرًا مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ومِن هُنا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هُنا ضَمِيرَ ﴿كَلِمَةً﴾ وهي أيْضًا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ صِفَتُها ولا ضَيْرَ في وصْفِ التَّمْيِيزِ في بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ أيْ: كَبُرَتْ كَلِمَةٌ كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ، وظاهِرُ كَلامِ الأخْفَشِ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ. وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لا تَغايُرَ بَيْنِهِما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ بَعْضِ الأئِمَّةِ. وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ ولا يَخْفى حالُهُ. وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَلِمَةً عَلى حَدِّ تَسْمِيَةِ القَصِيدَةِ بِها. وقُرِئَ: «كَبْرَتْ» بِسُكُونِ الباءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وجاءَ في نَحْوِ هَذا الفِعْلِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «كَلِمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والنَّصْبُ أبْلَغُ وأوْكَدُ. واسْتَدَلَّ النَّظّامُ عَلى أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ لِوَصْفِهِ فِيها بِالخُرُوجِ الَّذِي هو مِن خَواصِّ الأجْسامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخارِجَ حَقِيقَةً هو الهَواءُ الحامِلُ لَهُ وإسْنادُهُ إلى الكَلامِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ مَجازٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّظّامَ القائِلَ بِجِسْمِيَّةِ الكَلامِ يَقُولُ هو الهَواءُ المُكَيَّفَ لا الكَيْفِيَّةُ، واسْتِدْلالُهُ عَلى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الأصْلِ هو الحَقِيقَةُ إلّا أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ لا ثَمَرَةَ فِيهِ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ أيْ: ما يَقُولُونَ في ذَلِكَ الشَّأْنِ إلّا قَوْلًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا والضَّمِيرانِ لَهم ولِآبائِهِمْ.

الكهف 18:6

﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ قاتِلٌ ﴿نَفْسَكَ﴾ وفي مَعْناهُ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ مُهْلِكٌ. والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأنْشَدَ لِابْنِ الأزْرَقِ إذْ سَألَهُ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: لَعَلَّكَ يَوْمًا إنْ فَقَدْتَ مَزارَها عَلى بُعْدِهِ يَوْمًا لِنَفْسِكَ باخِعُ وفِي البَحْرِ عَنِ اللَّيْثِ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بَخْعًا وبُخُوعًا قَتَلَها مِن شِدَّةِ الوَجْدِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَرَزْدَقَ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ وهُوَ مِن بَخِعَ الأرْضَ بِالزِّراعَةِ أيْ جَعَلَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الزِّراعَةِ كَما قالَ الكِسائِيُّ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ البَخْعَ أنْ يَبْلُغَ الذَّبْحُ البِخاعَ بِالباءِ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ القَفا، وقَدْ رَدَّهُ ابْنُ الأثِيرِ وغَيْرُهُ؛ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ والتَّشْرِيحِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ثِقَةٌ في هَذا البابِ واسِعُ الِاطِّلاعِ، وقُرِئَ: «باخِعُ نَفْسِكَ» بِالإضافَةِ وهي خِلافُ الأصْلِ في اسْمِ الفاعِلِ إذا اسْتَوْفى شُرُوطَ العَمَلِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، وأشارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ. وقالَ الكِسائِيُّ: العَمَلُ والإضافَةُ سَواءٌ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الإضافَةَ أحْسَنُ مِنَ العَمَلِ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ: صفحة 205 مِن بَعْدِهِمْ. يَعْنِي مِن بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمانِ وتَباعُدِهِمْ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ وأبا البُخْتُرِيِّ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَبُرَ عَلَيْهِ ما يَرى مِن خِلافِ قَوْمِهِ إيّاهُ وإنْكارِهِمْ ما جاءَ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ فَأحْزَنَهُ حُزْنًا شَدِيدًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ إلَخْ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْنا أوْفَقُ بِسَبَبِ النُّزُولِ مِن كَوْنِ المُرادِ مِن بَعْدِ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ. ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ الجَلِيلِ الشَّأْنِ، وهو القُرْآنُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في صَدْرِ السُّورَةِ بِالكِتابِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ لَوْ سَلِمَ دَلالَتُهُ عَلى الحُدُوثِ لا يَضُرُّ الأشاعِرَةَ وأضْرابَهُمُ القائِلِينَ: بِأنَّ الألْفاظَ حادِثَةٌ، وإنْ شَرْطِيَّةٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها فِعْلُ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: الجَوابُ: فَلَعَلَّكَ إلَخِ المَذْكُورِ، وهو مُقَدَّمٌ لَفْظًا مُؤَخَّرٌ مَعْنًى، والفاءُ فِيهِ فاءُ الجَوابِ، وقُرِئَ: «أنْ لَمْ يُؤْمِنُوا» بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنْ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ؛ أيْ: لِأنْ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ «باخِعٌ» عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ. وزَعَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ عَلى هَذا؛ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ وعَمَلُهُ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ لِلْحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ، ولا يَعْمَلُ وهو لِلْمُضِيِّ، وإنْ الشُّرْطِيَّةُ تَقْلِبُ الماضِيَ بِواسِطَةِ «لَمْ» إلى الِاسْتِقْبالِ بِخِلافِ «أنْ» المَصْدَرِيَّةَ فَإنَّها تَدْخُلُ عَلى الماضِي الباقِي عَلى مُضِيِّهِ إلّا إذا حُمِلَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِلْغَرابَةِ. وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن مُضِيِّ ما كانَ عِلَّةً لِشَيْءٍ مُضِيُّهُ، فَكَمْ مِن حُزْنٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلى أمْرٍ ماضٍ سَواءٌ اسْتَمَرَّ أوْ لا، فَإذا اسْتَمَرَّ فَهو أوْلى؛ لِأنَّهُ أشَدُّ نِكايَةً فَلا حاجَةَ إلى الحَمْلِ عَلى حِكايَةِ الحالِ. ووُجِّهُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ إذا كانَتْ عِلَّةُ البَخْعِ عَدَمَ الإيمانِ فَإنْ كانَتِ العِلَّةُ قَدْ تَمَّتْ فالمَعْلُولُ كَذَلِكَ ضَرُورَةُ تَحَقُّقِ المَعْلُولِ عِنْدَ العِلَّةِ التّامَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعْدُ فَكَمَثَلِ ضَرُورَةِ أنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ تَمامِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عِلَّةً تامَّةً حَقِيقِيَّةً حَتّى يَلْزَمَ ما ذُكِرَ، وإنَّما هي مُنْشَأٌ وباعِثٌ فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُها، وقِيلَ: إنَّهُ تَفُوتُ المُبالَغَةُ حِينَئِذٍ في وجْدِهِ ﷺ عَلى تَوَلِّيهِمْ لِعَدَمِ كَوْنِ البَخْعِ عَقِبَهُ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ بِخِلافِ ما إذا كانَ لِلْحِكايَةِ، وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ بَلِ المُبالَغَةُ في هَذا أقْوى؛ لِأنَّهُ إذا صَدَرَ مِنهُ لِأمْرٍ مَضى فَكَيْفَ لَوِ اسْتَمَرَّ أوْ تَجَدَّدَ؟ ولَعَلَّ في الآيَةِ ما يَتَرَجَّحُ لَهُ البَقاءُ عَلى الِاسْتِقْبالِ فَتَدَبَّرْ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسَفًا﴾ بِ «باخِعٌ» عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ بِتَأْوِيلِ: مُتَأسِّفًا؛ لِأنَّ الأصْلَ في الحالِ الِاشْتِقاقُ، وأنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَأسَّفَ أسَفًا، والأسَفُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ المُبالَغَةُ في الحُزْنِ والغَضَبِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأسَفُ الحُزْنُ والغَضَبُ مَعًا، وقَدْ يُقالُ لِكُلٍّ مِنهُما عَلى الِانْفِرادِ، وحَقِيقَتُهُ ثَوَرانُ دَمِ القَلْبِ شَهْوَةَ الِانْتِقامِ، فَمَتى كانَ عَلى مَن دُونَهُ انْتَشَرَ فَصارَ غَضَبًا، ومَتى كانَ عَلى ما فَوْقَهُ انْقَبَضَ فَصارَ حُزْنًا، ولِذَلِكَ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الحُزْنِ والغَضَبِ فَقالَ: مَخْرَجُهُما واحِدٌ، واللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ، فَمَن نازَعَ مَن يَقْوى عَلَيْهِ أظْهَرَهُ غَيْظًا وغَضَبًا، ومَن نازَعَ مَن لا يَقْوى عَلَيْهِ أظْهَرَهُ حُزْنًا وجَزَعًا، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ الشّاعِرُ: فَحُزْنُ كُلِّ أخِي حُزْنٍ أخُو الغَضَبِ وإلى كَوْنِ الأسَفِ أعَمَّ مِنَ الحُزْنِ والغَضَبِ وكَوْنَ الحُزْنِ عَلى مَن لا يَمْلِكُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الآسِفِ والغَضَبُ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ ذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، وفُسِّرَ الأسَفُ هُنا بِالحُزْنِ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وإذا اسْتُعْمِلَ الأسَفُ مَعَ الغَضَبِ يُرادُ بِهِ الحُزْنُ عَلى صفحة 206 ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ وجَعَلَ كُلٌّ مِنهُما فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْمِ، وعَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُ الأسَفِ هُنا بِالغَضَبِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى بِالحُزْنِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ تَفْسِيرُهُ بِالنَّدَمِ. وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالجَزَعِ، وأهْلُ الحُزْنِ أكْثَرُ، ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو الطَّمَعُ في الوُقُوعِ أوِ الإشْفاقُ مِنهُ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ؛ أيْ: وصَلْتَ إلى حالَةٍ يَتَوَقَّعُ مِنكَ النّاسُ ذَلِكَ لِما يُشاهَدُ مِن تَأسُّفِكَ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: هي هُنا مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْخَعْ نَفْسَكَ، وقِيلَ: مَوْضِعَ الِاسْتِفْهامِ، وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إنْكارِيًّا عَلى مَعْنى: لا تَكُنْ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِمَجِيءِ لَعَلَّ لِلِاسْتِفْهامِ قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها هُنا لِلْإشْفاقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّسَلِّي والحَثُّ عَلى تَرْكِ التَّحَزُّنِ والتَّأسُّفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُ العَسْكَرِيِّ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ مِثْلُ حالِهِ ﷺ في شِدَّةِ الوَجْدِ عَلى إعْراضِ القَوْمِ وتَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وكَمالِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ بِحالِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ إهْلاكُ نَفْسِهِ إثْرَ فَوْتِ ما يُحِبُّهُ عِنْدَ مُفارَقَةِ أحِبَّتِهِ تَأسُّفًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ وتَلَهُّفًا عَلى مُهاجَرَتِهِمْ ثُمَّ قِيلَ ما قِيلَ، وهو أوْلى مِنَ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ المُفْرَدَةِ التَّبَعِيَّةِ في الأطْرافِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ لِذِكْرِ طَرَفَيْهِ، وهُما النَّبِيُّ ﷺ وباخِعٌ بِأنْ يُشَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى الأمْرِ بِمَن يُرِيدُ قَتْلَ نَفْسِهِ لِفَواتِ أمْرٍ وهو كَما تَرى.

الكهف 18:7

﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ الظّاهِرُ عُمُومُ «ما» جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ أيْ سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أوْ نَباتًا أوْ مَعْدِنًا أيْ جَعَلْنا جَمِيعَ ما عَلَيْها مِن غَيْرِ ذَوِي العُقُولِ ﴿زِينَةً لَها﴾ تَتَزَيَّنُ بِهِ وتَتَحَلّى وهو شامِلٌ لِزِينَةِ أهْلِها أيْضًا وزِينَةِ كُلِّ شَيْءٍ يَحْسَبُهُ بِالحَقِيقَةِ، وإنَّما هو زِينَةٌ لِأهْلِها، وقِيلَ: لا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما فِيهِ إيذاءٌ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ، ومَن قالَ بِالعُمُومِ قالَ: لا شَيْءَ مِمّا عَلى الأرْضِ إلّا وفِيهِ جِهَةُ انْتِفاعٍ ولا أقَلُّ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ، وخَصَّ بَعْضُهم «ما» بِالأشْجارِ والأنْهارِ، وآخَرُ بِالنَّباتِ لِما فِيهِ مِنَ الأزْهارِ المُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والمَنافِعِ، وآخَرُ بِالحَيَوانِ المُخْتَلِفِ الأشْكالِ والمَنافِعِ والأفْعالِ، وآخَرُ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ واللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ والألْماسِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ مِن نَفائِسِ الأحْجارِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أُرِيدَ بِها الخُضْرَةُ والمِياهُ والنِّعَمُ والمَلابِسُ والثِّمارُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ تَخْصِيصٌ لا يَقْبَلُهُ الخَواصُّ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: إنَّ «ما» هُنا لِمَن يَعْقِلُ، والمُرادُ بِذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الرِّجالُ، وعَلى ما أخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُلَماءُ، وعَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جَعْلَ «ما» لِمَن يَعْقِلُ مَعَ إرادَةِ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ جِدًّا، ولَعَلَّ أُولَئِكَ الأجِلَّةَ أرادُوا مِن «ما» العُقَلاءَ وغَيْرَهم تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى غَيْرِهِ وما عَلى الأرْضِ بِهَذا المَعْنى لَيْسَ إلّا بَعْضَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وأشْرَفُ ذَلِكَ المَوالِيدُ وأشْرَفُها نَوْعُ الإنْسانِ، وهو مُتَفاوِتُ الشَّرَفِ بِحَسْبِ الأصْنافِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرُوهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أصْنافِ هَذا الأشْرَفِ لِداعٍ لِذَلِكَ أصْنافٌ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِما عُمُومُ ما لا يَعْقِلُ ومَن يَعْقِلُ فَيَدْخُلُ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ التَّكْلِيفُ وغَيْرُهُ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ لِلْمُكَلَّفِ جِهَتَيْنِ: جِهَةً يَدْخُلُ بِها تَحْتَ الزِّينَةِ وجِهَةً يَدْخُلُ بِها تَحْتَ الِابْتِلاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ وقَدْ نَصَّ سُبْحانَهُ عَلى بَعْضِ المُكَلَّفِينَ بِأنَّهم زِينَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ القاضِي: الأوْلى أنْ لا يَدْخُلَ المُكَلَّفُ لِأنَّ ما عَلى الأرْضِ لَيْسَ زِينَةً لَها بِالحَقِيقَةِ، وإنَّما هو زِينَةٌ لِأهْلِها لِغَرَضِ الِابْتِلاءِ فالَّذِي لَهُ الزِّينَةُ صفحة 207 يَكُونُ خارِجًا عَنِ الزِّينَةِ، ونُصِبَ ( زِينَةً ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، إنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وأبُو حَيّانَ إنَّ حُمِلَ عَلى مَعْنى الإبْداعِ، واللّامُ الأُولى إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: زِينَةً كائِنَةً لَها، واللّامُ الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلْنا والكَلامُ عَلى هَذا، وجَعَلَ زِينَةً مَفْعُولًا لَهُ نَحْوَ: قُمْتُ إجْلالًا لَكَ لِتُقابِلَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى سُكّانِ الأرْضِ مِنَ المُكَلَّفِينَ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ. وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى «ما»؛ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ لِلْعُقَلاءِ، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ، وجَوَّزَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِناءً عَلى جَهْلِهِ وزَعْمِهِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ إلّا بَعْدَ وُجُودِها؛ لِئَلّا يَلْزَمَ نَفْيُ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ، ورَدَّهُ أهْلُ السُّنَّةِ في مَحَلِّهِ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ في الأزَلِ، وأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ أنَّ المُرادَ لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم ﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَنُجازِي كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ وتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وحُسْنُ العَمَلِ والزُّهْدُ في زِينَةِ الدُّنْيا وعَدَمُ الِاغْتِرارِ بِها وصَرْفُها عَلى ما يَنْبَغِي والتَّأمُّلُ في شَأْنِها وجَعْلُها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ خالِقِها والتَّمَتُّعُ بِها حَسْبَما أذِنَ الشَّرْعُ وأداءُ حُقُوقِها والشُّكْرُ عَلى ما أُوتِيَ مِنها لا اتِّخاذُها وسِيلَةً إلى الشَّهَواتِ والأغْراضِ الفاسِدَةِ كَما تَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ وأصْحابُ الأهْواءِ، ومَراتِبُ الحَسَنِ مُتَفاوِتَةٌ وكُلَّما قَوِيَ الزُّهْدُ مَثَلًا كانَ أحْسَنَ، وسَألَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأحْسَنِ عَمَلًا كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ في التّارِيخِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أحْسَنُكم عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى، وأسْرَعُكم في طاعَتِهِ سُبْحانَهُ»». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أحْسَنُهم عَمَلًا أشَدُّهم لِلدُّنْيا تَرْكًا، وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الأحْسَنَ مَن زَهِدَ وقَنِعَ مِنَ الدُّنْيا بِزادِ المُسافِرِ ووَراءَهُ حَسَنٌ وهو مَنِ اسْتَكْثَرَ مِن حَلالِها وصَرَفَهُ في وُجُوهِهِ، وقَبِيحٌ مَنِ احْتَطَبَ حَلالَها وحَرامَها وأنْفَقَهُ في شَهَواتِهِ، وكَلامُ النَّبِيِّ ﷺ في بَيانِ الأحْسَنِ أحْسَنُ، ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحَسَنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الغايَةَ الأصْلِيَّةَ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، وأيُّ إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ فَهي مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وأحْسَنُ خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ الِابْتِلاءِ ولِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالسُّؤالِ والنَّظَرِ، ومَكانُ الِاسْتِفْهامِ عُلِّقَ عَنِ العَمَلِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ وأحْسَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِلَةٌ لَها، والتَّقْدِيرُ: لِنَبْلُوَ الَّذِي هو أحْسَنُ عَمَلًا. ويُفْهَمُ مِنَ البَحْرِ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في «أيُّ» إذا أُضِيفَتْ وحُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها كَما هُنا جَوازُ البِناءِ لا وُجُوبُهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في مَذْهَبِهِ لا يَخْلُو عَنْ إشْكالٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ باقٍ عَلى الصَّحِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَما قالَأبُو حَيّانَ: لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا مِمَّنْ لَيْسَ أحْسَنَ عَمَلًا

الكهف 18:8

﴿وإنّا لَجاعِلُونَ﴾ فِيما سَيَأْتِي عِنْدَ تَناهِي عُمْرِ الدُّنْيا ﴿ما عَلَيْها﴾ مِمّا جَعَلْناهُ زِينَةً، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ هَذا أعَمَّ مِمّا جُعِلَ زِينَةً ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ، والجَعْلُ هُنا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ أيْ: مُصَيِّرُونَ ذَلِكَ ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ: تُرابًا ﴿جُرُزًا﴾ أيْ: لا نَباتَ فِيهِ قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الرّاغِبُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ ذَلِكَ صفحة 208 عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ الجُرُزَ الخَرابُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا والمَعْنى الحَقِيقِيُّ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ إذا ذَهَبَ نَباتُها بِقَحْطٍ أوْ جَرادٍ، وأرْضُونَ أجْرازٌ لا نَباتَ فِيها، ويُقالُ: سَنَةٌ جُرُزٌ، وسُنُونَ أجْرازٌ لا مَطَرَ فِيها، وجُرُزُ الأرْضِ الجَرادُ والشّاةُ والإبِلُ، إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها ورَجُلٌ جُرُوزٌ أكُولٌ أوْ سَرِيعُ الأكْلِ، وكَذا الأُنْثى قالَ الشّاعِرُ: إنَّ العَجُوزَ خَبَّةٌ جُرُوزا تَأْكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَفِيزا وفِي القامُوسِ: أرْضٌ جُرُزٌ، وجَرْزٌ، وجِرْزٌ، وجُرْزٌ؛ لا تُنْبِتُ أوْ أُكِلَ نَباتُها أوْ لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ وفي المَثَلِ: لا تَرْضى شانِئَةٌ إلّا بِجُرُزَةٍ؛ أيْ بِالِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ تَصْيِيرُ ما عَلى الأرْضِ تُرابًا ساذَجًا بَعْدَ ما كانَ يَتَعَجَّبُ مِن بَهْجَتِهِ النُّظّارُ وتَسْتَلِذُّ بِمُشاهَدَتِهِ الأبْصارُ، وظاهِرُ الآيَةِ تَصْيِيرُ ما عَلَيْها بِجَمِيعِ أجْزائِهِ كَذَلِكَ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِقَلْبِ سائِرِ عَناصِرِ المَوالِيدِ إلى عُنْصُرِ التُّرابِ ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ لِوُقُوعِ انْقِلابِ بَعْضِ العَناصِرِ إلى بَعْضٍ اليَوْمَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا جارٍ عَلى العُرْفِ؛ فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: صارَ فُلانٌ تُرابًا إذا اضْمَحَلَّ جَسَدُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ إلّا التُّرابَ. وحَدِيثُ انْقِلابِ العَناصِرِ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ، وكَذا زَعْمُ مُحَقِّقِي الفَلاسِفَةِ بَقاءَ صُوَرِ العَناصِرِ في المَوالِيدِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ تَرَكُّبُ المَوالِيدِ مِنَ العَناصِرِ أيْضًا كَذَلِكَ، وهَذا الحَدِيثُ لا تَكادُ تَسْمَعُهُ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ووَجْهُ رَبْطِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِما قَبْلَهُما عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما في لَعَلَّ مِن مَعْنى الإشْفاقِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ﴾ إلَخْ تَكْمِيلٌ لِلتَّعْلِيلِ، وحاصِلُ المَعْنى: لا تَحْزَنْ بِما عايَنْتَ مِنَ القَوْمِ مِن تَكْذِيبِ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ مِنَ الكِتابِ؛ فَإنّا قَدْ جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ مِن فُنُونِ الأشْياءِ زِينَةً لَها لِنَخْتَبِرَ أعْمالَهم فَنُجازِيَهِمْ بِحَسْبِها وإنّا لَمُفْنُونَ ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ ومُجازُونَ بِحَسْبِ الأعْمالِ وفي مَعْنى ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ تَسْكِينٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ؛ فَإنّا نَنْتَقِمُ لَكَ مِنهُمْ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ جَعْلُ ما يُفْهَمُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ تَعْلِيلًا لِلْإشْفاقِ حَيْثُ قالَ: المَعْنى لا يَعْظُمْ حُزْنُكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ فَإنّا بَعَثْناكَ مُنْذِرًا ومُبَشِّرًا وأمّا تَحْصِيلُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَلا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، قِيلَ: ولا يَضُرُّ جَعْلُ ما ذُكِرَ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ العِلَلَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، وقِيلَ: في وجْهِ الرَّبْطِ: إنَّ ما تَقَدَّمَ تَضَمَّنَ نَهْيَهُ ﷺ عَنِ الحُزْنِ، وهَذا تَضَمَّنَ إرْشادَهُ إلى التَّخَلُّقِ بِبَعْضِ أخْلاقِهِ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وزَيَّنْتُها ابْتِلاءً لِلْخَلْقِ بِالتَّكالِيفِ ثُمَّ إنَّهم يَتَمَرَّدُونَ ويَكْفُرُونَ ومَعَ ذَلِكَ لا أقْطَعُ عَنْهم نِعَمِي فَأنْتَ أيْضًا يا مُحَمَّدُ لا تَتْرُكِ الِاشْتِغالَ بِدَعْوَتِهِمْ بَعْدَ أنْ لا تَأْسَفَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِمُجَرَّدِ التَّزْهِيدِ في المَيْلِ إلى زِينَةِ الأرْضِ ولا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ هَذا الرَّبْطِ بَلْ لا يَكادُ يَنْساقُ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَتَأمَّلْ.

الكهف 18:9

﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ والمَقْصُودُ غَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، و«أمْ» مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ الَّتِي هي لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ لا لِلْإبْطالِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وبِبَلْ وحْدَها عِنْدَ بَعْضٍ، وقِيلَ: هي هُنا بِمَعْنى الهَمْزَةِ، والحَقُّ الأوَّلُ؛ أيْ: بَلْ أحَسِبْتَ ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا﴾ في بَقائِهِمْ عَلى الحَياةِ ونَوْمِهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الدَّهْرِ ﴿مِن آياتِنا﴾ أيْ: مِن بَيْنِ دَلائِلِنا الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ والأُلُوهِيَّةِ ﴿عَجَبًا﴾ أيْ: آيَةً ذاتَ عَجَبٍ وضْعًا لَهُ صفحة 209 مَوْضِعَ المُضافِ أوْ وصْفًا لِذَلِكَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً. وهو خَبَرٌ لِ «كانُوا» و﴿مِن آياتِنا﴾ حالٌ مِنهُ كَما هو قاعِدَةُ نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿عَجَبًا﴾ و﴿مِن آياتِنا﴾ خَبَرَيْنِ، وأنْ يَكُونَ ﴿عَجَبًا﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَعْنى: أنَّ قِصَّتَهم وإنْ كانَتْ خارِقَةً لِلْعادَةِ لَيْسَتْ بِعَجِيبَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ وجْهُ الرَّبْطِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِنَ الآياتِ الكُلِّيَّةِ وإنْ كانَ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تُبْخَعَ نَفْسُهُ عَلى آثارِهِمْ فالمُسْتَرْشِدُ يَكْفِيهِ أدْنى إشارَةٍ، والزّائِغُ لا تُجِدِي فِيهِ آياتُ النِّذارَةِ والبِشارَةِ ما يَشْتَمِلُ عَلى أُمَّهاتِ العَجائِبِ وعَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ إلَخْ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن هَذا، فَمَن لا يَتَعَجَّبُ مِن ذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَجَّبَ مِن هَذا، وأُرِيدَ مِنَ الخِطابِ غَيْرُهُ ﷺ؛ لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ مِن قُدْرَتِهِ تَعالى ما لا يَتَعاظَمُهُ لا الأوَّلُ ولا الثّانِي، فَأنْكَرَ اخْتِلافَهم في حالِهِمْ تَعَجُّبًا وإضْرابَهم عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الآياتِ البَيِّناتِ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ الإضْرابَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ الثّانِي أغْرَبَ لِيَحْصُلَ التَّرَقِّي، وإيثارُ أنَّ الهَمْزَةَ لِلتَّقْرِيرِ وهو قَوْلٌ آخَرُ في الآيَةِ لِذَلِكَ غَيْرُ قادِحٍ لِأنَّ تَعَجُّبَهم عَنْ هَذا دُونَ الأوَّلِ هو المُنْكَرُ وهو الأغْرَبُ فافْهَمْ، وبِأنَّ المُنْكَرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُقَرَّرًا عِنْدَ السّامِعِ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، وهَذا ابْتِداءُ إعْلامٍ مِنهُ تَعالى عَلى ما يُعْرَفُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ. كَذَلِكَ لِأنَّ الإنْكارَ مِن تَعَجُّبِهِمْ ويَكْفِي في ذَلِكَ مَعْرِفَتُها إجْمالًا، وكانَتْ حاصِلَةً كَيْفَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ راجِعٌ إلى الغَيْرِ أعْنِي أصْحابَ الكِتابِ الَّذِينَ أمَرُوا قُرَيْشًا بِالسُّؤالِ وكانُوا عالِمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لِأنَّ التَّقْرِيرَ أيْضًا يَقْتَضِي العِلْمَ بَلْ أوْلى انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: المُرادُ إنْكارُ ذَلِكَ الحُسْبانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَعْنى لا يَعْظُمْ ذَلِكَ عِنْدَكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السّائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ، وزُعِمَ أنَّ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ إسْحاقَ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إثْباتُ أنَّهم عَجَبٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْلَمُ أنَّهم عَجَبٌ، كَما تَقُولُ: أُعْلِمْتُ أنَّ فُلانًا فَعَلَ كَذا؛ أيْ: قَدْ فَعَلَ فاعِلُهُ. والمَقْصُودُ بِالخِطابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ الوَجْهَ أنْ يَجْرِيَ الكَلامُ عَلى التَّسَلِّي والِاسْتِفْهامُ عَلى التَّنْبِيهِ، ويُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أخَذَهُ مِنَ الكَآبَةِ والأسَفِ مِن إباءِ القَوْمِ عَنِ الإيمانِ ما أخَذَهُ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ وعُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ إلى آخِرِهِ عَلى مَعْنى: إنّا جَعَلْنا ذَلِكَ لِنَخْتَبِرَهم وحِينَ لَمْ تَتَعَلَّقْ إرادَتُنا بِإيمانِهِمْ تَشاغَلُوا بِهِ عَنْ آياتِنا وشُغِلُوا عَنِ الشُّكْرِ وبَدَّلُوا الإيمانَ بِالكُفْرانِ فَلَمْ نُبالِ بِهِمْ، وإنّا لَجاعِلُونَ أبْدانَهم جُرُزًا لِأسْيافِكم كَما إنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا، ألا تَرى إلى أُولَئِكَ الفِتْيانِ كَيْفَ اهْتَدَوْا وفَرُّوا إلى اللَّهِ تَعالى وتَرَكُوا زِينَةَ الدُّنْيا وزُخْرُفَها فَأوَوْا إلى الكَهْفِ قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ وكَما تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِإرْشادِهِمْ فاهْتَدَوْا تَتَعَلَّقُ بِإرْشادِ قَوْمٍ مِن أُمَّتِكَ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ اه. ويَكادُ يَكُونُ أعْجَبَ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ فَتَأمَّلْ، والحُسْبانُ إمّا بِمَعْنى الظَّنِّ أوْ بِمَعْنى العِلْمِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ بِالمَعْنَيَيْنِ، والكَهْفُ النَّقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ واسِعًا فَهو غارٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ غارُ الوادِي، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فُرْجَةٌ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وعَنْ أنَسٍ هو الجَبَلُ وهو غَيْرُ مَشْهُورٍ في اللُّغَةِ، والرَّقِيمُ اسْمُ كَلْبِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ والشَّعْبِيِّ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: ولَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا وصَيْدَهُمُو والقَوْمُ في الكَهْفِ هُجَّدُ صفحة 210 وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وأمْرَهُمْ، ثُمَّ وُضِعَ عَلى بابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كُتِبَ فِيهِ أسْماؤُهم وجُعِلَ في سُورِ المَدِينَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ. وقِيلَ: لَوْحٌ مِن رَصاصٍ كُتِبَ فِيهِ شَأْنُهم ووُضِعَ في تابُوتٍ مِن نُحاسٍ في فَمِ الكَهْفِ، وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ كُتِبَ فِيهِ ذَلِكَ، وكانَ تَحْتَ الجِدارِ الَّذِي أقامَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كِتابٌ كانَ عِنْدَهم فِيهِ الشَّرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ وفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وادٍ دُونَ فِلَسْطِينَ قَرِيبٌ مِن أيْلَةَ والكَهْفُ عَلى ما قِيلَ في ذَلِكَ الوادِي فَهو مِن رَقْمَةِ الوادِي أيْ جانِبِهِ، وأخْرَجاهُما وجَماعَةٌ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ما الرَّقِيمُ، وسَألْتُ كَعْبًا فَقالَ: اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ أصْحابُ الكَهْفِ والرَّقِيمِ عِبارَةً عَنْ طائِفَةٍ واحِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّ أصْحابَ الرَّقِيمِ غَيْرُ أصْحابِ الكَهْفِ وقِصَّتُهم في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««بَيْنَما ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم يَمْشُونَ إذْ أصابَهم مَطَرٌ فَأوَوْا إلى غارٍ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّهُ واللَّهِ يا هَؤُلاءِ لا يُنْجِيكم إلّا الصِّدْقُ، فَلْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم بِما يَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ، فَقالَ واحِدٌ مِنهُمُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي أجِيرٌ عَمِلَ عَلى فَرَقٍ مِن أرُزٍّ فَذَهَبَ وتَرَكَهُ وإنِّي عَمَدْتُ إلى ذَلِكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ فَصارَ مِن أمْرِهِ أنِّي اشْتَرَيْتُ مِنهُ بَقَرًا، وأنَّهُ أتانِي يَطْلُبُ أجْرَهُ فَقُلْتُ: اعْمَدْ إلى تِلْكَ البَقَرِ فَسُقْها. فَقالَ لِي: إنَّما لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِن أُرْزٍ فَقُلْتُ: اعْمَدْ إلى تِلْكَ البَقَرِ فَإنَّها مِن ذَلِكَ الفَرَقِ فَساقَها. فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنّا فانْساخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ فَقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي أبَوانِ شَيْخانِ كَبِيرانِ فَكُنْتُ آتِيهِما كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأبْطَأْتُ عَلَيْهِما لَيْلَةً فَجِئْتُ وقَدْ رَقَدا وأهْلِي وعِيالِي يَتَضاغَوْنَ مِنَ الجُوعِ فَكُنْتُ لا أسْقِيهِمْ حَتّى يَشْرَبَ أبَوايَ، فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُما وكَرِهْتُ أنْ أدَعَهُما فَيَسْتَكِينا لِشَرْبَتِهِما فَلَمْ أزَلْ أنْتَظِرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنّا، فانْساخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ، حَتّى نَظَرُوا إلى السَّماءِ. فَقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ، وإنِّي راوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فَأبَتْ إلّا أنْ آتِيَها بِمِائَةِ دِينارٍ فَطَلَبْتُها حَتّى قَدِرُتُ فَأتَيْتُها بِها فَدَفَعْتُها إلَيْها فَأمْكَنَتْنِي مِن نَفْسِها، فَلَمّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وتَرَكْتُ المِائَةَ دِينارٍ، فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنّا فَفَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَخَرَجُوا»». ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ والنُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ كُلٌّ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والرَّقِيمُ عَلى هَذا بِمَعْنى مَحَلٍّ في الجَبَلِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الصَّخْرَةِ، وقِيلَ بِمَعْنى الجَبَلِ، ويَكُونُ ذِكْرُ ذَلِكَ تَلْمِيحًا إلى قِصَّتِهِمْ وإشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى لا يُضِيعُ عَمَلَ أحَدٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ، ولَيْسَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَضْطَرُّنا إلى ارْتِكابِهِ فَتَأمَّلْ.

الكهف 18:10

﴿إذْ أوى﴾ مَعْمُولُ ﴿عَجَبًا﴾ أوْ ﴿كانُوا﴾ أوِ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ «حَسِبْتَ» لِأنَّ حُسْبانَهُ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أيْ: حِينِ التَجَأ ﴿الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ واتَّخَذُوهُ مَأْوًى صفحة 211 ومَكانًا لَهُمْ، والفِتْيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِفَتًى، وهو كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ: الطَّرِيُّ مِنَ الشُّبّانِ ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى فِتْيانٍ، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ جَمْعُ فَتًى كَصَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، ورُجِّحَ بِكَثْرَةٍ مِثْلُهُ، والمُرادُ بِهِمْ أصْحابُ الكَهْفِ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ ما كانُوا عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ مِن حالِ الفُتُوَّةِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا شُبّانًا مِن أبْناءِ أشْرافِ الرُّومِ وعُظَمائِهِمْ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَّهَبِ ذَوِي ذَوائِبَ، وقِيلَ: لِأنَّ صاحِبِيَّةَ الكَهْفِ مِن فُرُوعِ التِجائِهِمْ إلى الكَهْفِ، فَلا يُناسِبُ اعْتِبارُها مَعَهم قَبْلَ بَيانِهِ، والظّاهِرُ مَعَ الضَّمِيرِ اعْتِبارُها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَعَ هَذا الظّاهِرِ وإنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ. ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ: مِن عِنْدَكَ ﴿رَحْمَةً﴾ عَظِيمَةً أوْ نَوْعًا مِنَ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِلنَّوْعِ، و«مِن» لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقٌ بِ «آتِنا»، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن «رَحْمَةً» قُدِّمَ عَلَيْها لِكَوْنِها نَكِرَةً، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها، وفُسِّرَتِ الرَّحْمَةُ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ والأمْنِ والأوْلى تَفْسِيرُها بِما يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، وفي ذِكْرِ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِرَحْمَةٍ ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُهاجَرَةِ الكُفّارِ والمُثابِرَةِ عَلى طاعَتِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ: «وهِيِي» بِياءَيْنِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، يَعْنِي أنَّهم أبْدَلُوا الهَمْزَةَ السّاكِنَةَ ياءً، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ قَرَأ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: «وهِي» بِلا هَمْزٍ. انْتَهى. وهُوَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً، وأنْ يَكُونَ حَذَفَها، والأوَّلُ إبْدالٌ قِياسِيٌّ، والثّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ أيَنْقاسُ حَذْفُ الحَرْفِ المُبْدَلِ مِنَ الهَمْزَةِ في الأمْرِ والمُضارِعِ المَجْزُومَيْنِ أمْ لا، وأصْلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ الهَيْئَةِ وهي الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ مَحْسُوسُهُ أوْ مَعْقُولُهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في إحْضارِ الشَّيْءِ وتَيْسِيرِهِ أيْ: يَسِّرْ لَنا مِن أمْرِنا ﴿رَشَدًا﴾ إصابَةً لِلطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَطْلُوبِ واهْتِداءً إلَيْهِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: «رُشْدًا» بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ الأوْفَقَ بِفَواصِلِ الآياتِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وإلى اتِّحادِ المَعْنى ذَهَبَ الرّاغِبُ قالَ: الرَّشَدُ بِفَتْحَتَيْنِ خِلافُ الغَيِّ ويُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الهِدايَةِ وكَذا الرُّشْدُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الرَّشَدُ أيْ بِفَتْحَتَيْنِ كَما في بَعْضِ النُّسَخِ المَضْبُوطَةِ أخَصُّ مِنَ الرُّشْدِ لِأنَّ الرُّشْدَ بِالضَّمِّ يُقالُ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والرَّشَدُ يُقالُ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرَ اه، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَإنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها، ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ لِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها كافِيَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ رَحْمَةُ الآخِرَةِ اه، نَعَمْ فِيما قالَهُ نَظَرٌ، والأوْلى جَعْلُ الدُّعاءِ عامًّا في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ تَعْقِيبُهُ بِما بَعْدُ ظاهِرًا في كَوْنِهِ خاصًّا في أمْرِ الأُولى واللّامُ ومِن مُتَعَلِّقانِ بِ «هَيِّئْ» فَإنِ اخْتَلَفَ مَعْناهُما بِأنْ كانَتِ الأُولى لِلْأجَلِ والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةً فَلا كَلامَ، وإنْ كانَتا لِلْأجَلِ احْتاجَتْ صِحَّةُ التَّعَلُّقِ إلى الجَوابِ المَشْهُورِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ وكَذا الكَلامُ في تَقْدِيمِ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ عَلى رَحْمَةٍ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِ «آتِنا»، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المَسْؤُولِ مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ وهو أنْ يَنْتَزِعْ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ آخَرَ مِثْلَهُ مُبالَغَةً كَأنَّهُ بَلَغَ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ آخَرُ كَ «رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا» أيِ اجْعَلْ أمْرَنا كُلَّهُ رَشَدًا.

الكهف 18:11

﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ: ضَرَبْنا عَلَيْها حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَما في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، صفحة 212 والمُرادُ أنَمْناهم إنامَةً ثَقِيلَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، بِأنْ يُجْعَلَ الضَّرْبُ عَلى الآذانِ كِنايَةً عَنِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ، وإنَّما صَلُحَ كِنايَةً لِأنَّ الصَّوْتَ والتَّنْبِيهَ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ إزالَةِ النَّوْمِ فَسَدُّ طَرِيقِهِ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْكامِهِ، وأمّا الضَّرْبُ عَلى العَيْنِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِها أشَدَّ فَلا يَصْلُحُ كِنايَةً؛ إذْ لَيْسَ المُبْصَراتُ مِن طُرُقِ إزالَتِهِ حَتّى يَكُونَ سَدُّ الأبْصارِ كِنايَةً ولَوْ صَلُحَ كِنايَةً فَعَنِ ابْتِداءِ النَّوْمِ لا النَّوْمَةِ الثَّقِيلَةِ. واعْتَرَضَ القُطْبُ جَعْلَهُ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ وخَرَّجَ الآيَةَ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: شَبَّهَ الإنامَةَ الثَّقِيلَةَ بِضَرْبِ الحِجابِ عَلى الآذانِ ثُمَّ ذَكَرَ ضَرَبْنا وأُرِيدَ: أنَمْنا وهو وجْهٌ فِيها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الضَّرْبَ عَلى الآذانِ عَلى تَعْطِيلِها كَما في قَوْلِهِمْ ضَرَبَ الأمِيرُ عَلى يَدِ الرَّعِيَّةِ، أيْ: مَنَعَهم عَنِ التَّصَرُّفِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَعْثِ لا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ النَّوْمِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ قَطْعًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُ الحامِلِ التَّوَصُّلَ بِذَلِكَ إلى إرادَةِ الإنامَةِ فافْهَمْ. والضَّرْبُ إمّا مِن ضَرَبْتُ القُفْلَ عَلى البابِ أوْ مِن ضَرَبْتُ الخِباءَ عَلى ساكِنِهِ، والفاءُ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ( فاسْتَجَبْنا لَهُ ) بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إذْ نادى ) فَإنَّ الضَّرْبَ المَذْكُورَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيبِ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ والبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ اسْتِجابَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ ﴿فِي الكَهْفِ﴾ ظَرْفٌ لِضَرْبِنا وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سِنِينَ﴾ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ تَغايَرا بِالمَكانِيَّةِ والزَّمانِيَّةِ ﴿عَدَدًا﴾ أيْ: ذَواتِ عَدَدٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِالتَّأْوِيلِ الشّائِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى مَعْدُودَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: تَعَدَّ عَدَدًا، والعَدَدُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ لِأنَّ القَلِيلَ لا يَحْتاجُ إلى العَدِّ غالِبًا، وقَدْ يَذْكُرُ لِلتَّقْلِيلِ في مُقابَلَةِ ما لا يُحْصى كَثْرَةً، كَما يُقالُ: بِغَيْرِ حِسابٍ، وهو هُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ، والثّانِي هو الألْيَقُ بِمَقامِ إنْكارِ كَوْنِ القِصَّةِ عَجَبًا مِن بَيْنِ سائِرِ الآياتِ العَجِيبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ في نَفْسِها فَهي كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِي الكَشْفِ أنَّ الكَثْرَةَ تُناسِبُ نَظَرًا إلى المُخاطَبِينَ، والقِلَّةَ تُناسِبُ نَظَرًا إلى المُخاطَبِ اه، وقَدْ خَفِيَ عَلى العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أمْرُ هَذا الوَصْفِ وظَنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ وأنَّ التَّقْلِيلَ لا يُمْكِنُ هاهُنا وهو غَرِيبٌ مِن جَلالَةِ قَدْرِهِ ولَهُ في أمالِيهِ أمْثالُ ذَلِكَ. ولِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في ذَلِكَ كَلامٌ ذَكَرَهُ في الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لا أظُنُّهُ شَيْئًا.

الكهف 18:12

﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: أيْقَظْناهم وأثَرْناهم مِن نَوْمِهِمْ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أيْ: مِنهم وهُمُ القائِلُونَ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ والقائِلُونَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ وقِيلَ: أحَدُ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ الَّذِينَ ظَنُّوا قِلَّةَ زَمانِ لُبْثِهِمْ، والثّانِي أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بُعِثَ الفِتْيَةُ عَلى عَهْدِهِمْ وكانَ عِنْدَهم تارِيخُ غَيْبَتِهِمْ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ والآخَرُ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا مُلْكَ المَدِينَةِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الحِزْبانِ قَوْمُ أهْلِ الكَهْفِ حِزْبٌ مِنهم مُؤْمِنُونَ وحِزْبٌ كافِرُونَ، وقالَ الفَرّاءُ: الحِزْبانِ مُؤْمِنانِ كانُوا في زَمَنِهِمْ، واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: الحِزْبانِ كافِرانِ، والمُرادُ بِهِما اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِي عَلَّمُوا قُرَيْشًا سُؤالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وقالَ ابْنُ حَرْبٍ: الحِزْبانِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والخَلْقُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ صفحة 213 والظّاهِرُ هو الأوَّلُ لِأنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ ولا عَهْدَ لِغَيْرِ مَن سَمِعْتَ ﴿أحْصى﴾ أيْ ضَبْطٍ فَهو فِعْلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ ( أيُّ ) واخْتارَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِما لَبِثُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُقَدَّمٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَدًا﴾ وهو مَفْعُولُ ﴿أحْصى﴾ والأمَدُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: مُدَّةٌ لَها حَدٌّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الزَّمانِ أنَّ الأمَدَ يُقالُ: بِاعْتِبارِ الغايَةِ بِخِلافِ الزَّمانِ فَإنَّهُ عامٌّ في المَبْدَأِ والغايَةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: المَدى والأمَدُ يَتَقارَبانِ، ولَيْسَ اسْمًا لِلْغايَةِ حَتّى يَكُونَ إطْلاقُهُ عَلى المُدَّةِ مَجازًا كَما أُطْلِقَتِ الغايَةُ عَلَيْها في قَوْلِهِمْ: ابْتِداءُ الغايَةِ وانْتِهاؤُها، أيْ: لِيُعْلَمَ أيُّهم أحْصى مُدَّةً كائِنَةً لِلُبْثِهِمْ، والمُرادُ مِن إحْصائِها ضَبْطُها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُنْفَصِلَةُ العارِضَةُ لَها بِاعْتِبارِ قِسْمَتِها إلى السِّنِينَ وبُلُوغِها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إلى مَراتِبِ الأعْدادِ كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ كَوْنُ المُدَّةِ عِبارَةً عَمّا سَبَقَ مِنَ السِّنِينَ، ولَيْسَ المُرادُ ضَبْطَها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُتَّصِلَةُ الذّاتِيَّةُ؛ فَإنَّهُ لا يُسَمّى إحْصاءً، وقِيلَ: إطْلاقُ الأمَدِ عَلى المُدَّةِ مَجازٌ، وحَقِيقَتُهُ غايَةُ المُدَّةِ. ويَجُوزُ إرادَةُ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: لِنَعْلَمَ أيُّهم ضَبَطَ غايَةً لِزَمانِ لُبْثِهِمْ وبِدُونِهِ أيْضًا، فَإنَّ اللُّبْثَ عِبارَةٌ عَنِ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ المُنْطَبِقِ عَلى الزَّمانِ المَذْكُورِ فَبِاعْتِبارِ الِامْتِدادِ العارِضِ لَهُ بِسَبَبِهِ يَكُونُ لَهُ أمَدٌ وغايَةٌ لا مَحالَةَ، لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ ما يَقَعُ غايَةً ومُنْتَهًى لِذَلِكَ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُتَّصِلَةِ العارِضَةِ لَهُ بِسَبَبِ انْطِباقِهِ عَلى الزَّمانِ المُمْتَدِّ بِالذّاتِ، وهو آنُ انْبِعاثِهِمْ مِن نَوْمِهِمْ فَإنَّ مَعْرِفَتَهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ ولا تُسَمّى إحْصاءً أيْضًا، بَلْ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُنْفَصِلَةِ العارِضَةِ لَهُ بِسَبَبِ عُرُوضِها لِزَمانِهِ المُنْطَبِقِ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ انْقِسامِهِ إلى السِّنِينَ ووُصُولِهِ إلى مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وما سَبَقَ أنْ ما تَعَلَّقَ بِهِ الإحْصاءُ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ نَفْسُ المُدَّةِ المُنْقَسِمَةِ إلى السِّنِينَ فَهو مَجْمُوعُ ثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ وفي الصُّورَةِ الأخِيرَةِ مُنْتَهى تِلْكَ المُدَّةِ المُنْقَسِمَةِ إلَيْها أعْنِي التّاسِعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِمِائَةِ وتَعَلُّقُ الإحْصاءِ بِالأمَدِ بِالمَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِهِ بِالمَعْنى الثّانِي فَبِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لِما تَحْتَهُ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، واشْتِمالُهُ عَلَيْها. انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الرّاغِبِ وهو - هو - في اللُّغَةِ يَقْتَضِي أنَّ الأمَدَ حَقِيقَةٌ في المُدَّةِ وأنَّهُ في الغايَةِ مَجازٌ، وأنَّ تَوْجِيهَ إرادَةِ الغايَةِ هُنا بِما ذَكَرَ تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما مَصْدَرِيَّةً. نَعَمْ يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها مَوْصُولَةً حَذْفُ عائِدِها مِنَ الصِّلَةِ؛ أيْ: لِنَعْلَمَ أيُّهم أحْصى أمَدًا كائِنًا لِلَّذِي لَبِثُوهُ، أيْ: لَبِثُوا فِيهِ مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: ما لَبِثُوا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ وجِيءَ بِلامِ التَّعْلِيلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَصْدَرٍ صَرِيحٍ وغَيْرَ مُقارَنٍ أيْضًا، ولَيْسَ بِذاكَ. وقِيلَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ وما مَوْصُولَةٌ وهي المَفْعُولُ بِهِ وعائِدُها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ﴿أحْصى﴾ الَّذِي لَبِثُوهُ والمُرادُ الزَّمانُ الَّذِي لَبِثُوا فِيهِ، و﴿أمَدًا﴾ عَلى هَذا تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ مُفَسِّرٌ لِما في نِسْبَةِ المَفْعُولِ مِنَ الإبْهامِ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ وأصْلُهُ أحْصى أمَدَ الزَّمانِ الَّذِي لَبِثُوا فِيهِ. وزُعِمَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا لِلنِّسْبَةِ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ هُنا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ البَدِيَّةَ في حَيِّزِ المَنعِ. والَّذِي تَحَقَّقَ في المُعْتَبَراتِ كَشُرُوحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِها أنَّهُ يَكُونُ مُحَوَّلًا عَنِ المَفْعُولِ كَ ( فَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ) كَما يَكُونُ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ كَ: «تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا» ولَوْ جُعِلَ تَمْيِيزًا لَما كانَ تَمْيِيزًا لِمُفْرَدٍ. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِاشْتِراطِ التَّحْوِيلِ فِيهِ أصْلًا. وجُوِّزَ في ما عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وهو بَعِيدٌ، وضُعِّفَ القَوْلُ بِزِيادَةِ اللّامِ هُنا بِأنَّها لا تُزادُ في مِثْلِ ذَلِكَ. صفحة 214 واخْتارَ الزَّجّاجُ والتَّبْرِيزِيُّ كَوْنَ «أحْصى» أفْعَلَ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ المُوافِقُ لِما وقَعَ في سائِرِ الآياتِ الكَرِيمَةِ نَحْوَ: ﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ولِأنَّ كَوْنَهُ فِعْلًا ماضِيًا يُشْعِرُ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثِ لا بِالإحْصاءِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ أوَّلًا بِأنَّ بِناءَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ لَيْسَ بِقِياسٍ، وما جاءَ مِنهُ شاذٍّ كَأعْدى مِنَ الجَرَبِ وأفْلَسَ مِنَ ابْنِ المُدْلِقِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في بِناءِ أفْعَلَ مِن ذَلِكَ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الجَوازُ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، والمَنعُ مُطْلَقًا وما ورَدَ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ فَلا يَجُوزُ أوْ لِغَيْرِهِ كَأشْكَلَ الأمْرُ وأظْلَمَ اللَّيْلُ فَيَجُوزُ وهو اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ فَلَعَلَّهُما يَرَيانِ الجَوازَ مُطْلَقًا كَسِيبَوَيْهِ أوِ التَّفْصِيلَ كابْنِ عُصْفُورٍ، والهَمْزَةُ فِي: «أحْصى» لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، وثانِيًا بِأنَّ «أمَدًا» حِينَئِذٍ إنْ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ فَإنْ كانَ بِمُضْمَرٍ كَما في قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: فَلَمْ أرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحًا ولا مِثْلَنا لَمّا التَقَيْنا فَوارِسا أكَرَّ وأحْمى لِلْحَقِيقَةِ مِنهُمُ ∗∗∗ وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا لَزِمَ الوُقُوعُ فِيما فَرّا مِنهُ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلا المَذْكُورَ فِعْلًا ثُمَّ قَدَّرا وإنْ كانَ بِهِ فَلَيْسَ صالِحًا لِذَلِكَ، وإنْ نُصِبَ يَلْبَثُوا لا يَكُونُ المَعْنى سَدِيدًا؛ لِأنَّ الضَّبْطَ لِمُدَّةِ اللُّبْثِ وأمَدِهِ لا لِلُبْثٍ في الأمَدِ، ولا يُقالُ: فَلْيَكُنْ نَظِيرَ قَوْلِكم أيُّكم أضْبَطُ لِصَوْمِهِ في الشَّهْرِ، أيْ: لِأيّامِ صَوْمِهِ والمَعْنى: أيُّهم أضْبَطُ لِأيّامِ اللُّبْثِ أوْ ساعاتِهِ في الأمَدِ ويُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُدَّةِ لِما قِيلَ يَعْضُلُ حِينَئِذٍ تَنْكِيرُ «أمَدًا» والِاعْتِذارُ بِأنَّهم ما كانُوا عارِفِينَ بِتَحْدِيدِهِ يَوْمًا أوْ شَهْرًا أوْ سَنَةً فَنُكِّرَ عَلى أنَّهُ سُؤالٌ إمّا عَنِ السّاعاتِ والأيّامِ أوِ الأشْهُرِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ أمَدُ زَمانِ اللُّبْثِ فَلْيُعْرَفْ إضافَةً أوْ عَهْدًا ويَكُونُ الِاحْتِمالُ عَلى حالِهِ، ووَجَّهَ أبُو حَيّانَ نَصْبَهُ بِأنَّهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ وهو بِمَعْنى المُدَّةِ والأصْلُ لِما لَبِثُوا مِن أمَدٍ ويَكُونُ مِن أمَدٍ تَفْسِيرًا لِما أُبْهِمَ في لَفْظِ ما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ ولَمّا سَقَطَ الحَرْفُ وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ وهو كَما تَرى، وتُعُقِّبَ مَنعُ صَلاحِيَةِ أفْعَلَ لِنَصْبِ المَفْعُولِ بِهِ بِأنَّهُ قَوْلُ البَصْرِيِّينَ دُونَ الكُوفِيِّينَ فَلَعَلَّ الإمامَيْنِ سَلَكا مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ فَجَعَلا «أحْصى» أفْعَلَ تَفْضِيلٍ و«أمَدًا» مَفْعُولًا لَهُ، والحَقُّ أنَّ الذّاهِبَ إلى كَوْنِ أحْصى أفْعَلَ تَفْضِيلٍ جَعَلَ أمَدًا تَمْيِيزًا وهو يَعْمَلُ في التَّمْيِيزِ عَلى الصَّحِيحِ، والقَوْلُ بِأنَّ التَّمْيِيزَ يَجِبُ كَوْنُهُ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ قَدْ مُيِّزَتْ حالُهُ، وثالِثًا: بِأنَّ تَوَهُّمَ الإشْعارِ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ صِيغَةَ الماضِي بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ ولا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ الإشْعارُ المَذْكُورُ، ورابِعًا: بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ أصْلُ الإحْصاءِ مُتَحَقِّقًا في الحِزْبَيْنِ إلّا أنَّ بَعْضَهم أفْضَلُ والبَعْضُ الآخَرُ أدْنى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِذَلِكَ المَرْدُودِ إلّا أنَّ ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أحَقُّ بِالإيثارِ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى تَساؤُلَهم فِيما بَيْنَهُمْ، وأنَّهُ عَنِ العارِفِ لا عَنِ الأعْرَفِ وغَيْرِهِمْ أوْلى بِهِ انْتَهى. فافْهَمْ. وأيُّ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها خَبَرُها وقَدْ عُلِّقَتْ «نَعْلَمَ» عَنِ العَمَلِ كَما هو شَأْنُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ هَذا الوَضْعِ، وهَذا جارٍ عَلى احْتِمالَيْ كَوْنِ «أحْصى» فِعْلًا ماضِيًا وكَوْنِهِ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وجُوِّزَ جَعْلُ أيُّ مَوْصُولَةً فَفي البَحْرِ إذا قُلْنا بِأنَّ «أحْصى» أفْعَلُ تَفْضِيلٍ جازَ أنْ تَكُونَ أيُّ مَوْصُولًا مَبْنِيًّا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِوُجُودِ شَرْطِ جَوازِ البِناءِ فِيهِ وهو كَوْنُ «أيُّ» مُضافَةً حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها والتَّقْدِيرُ لِنَعْلَمَ الفَرِيقَ الَّذِي هو أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُحْصُوا، وإذا كانَ فِعْلًا ماضِيًا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُحْذَفْ صَدْرُ صِلَتِها لِوُقُوعِ الفِعْلِ مَعَ فاعِلِهِ صفحة 215 صِلَةً فَلا يَجُوزُ بِناؤُها لِفَواتِ تَمامِ الشَّرْطِ وهو حَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ. انْتَهى. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: «لِيَعْلَمَ» بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، «وأيًّا» ما كانَ فالعِلْمُ غايَةٌ لِلْبَعْثِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ، وإلّا تَكُنِ الآيَةُ دَلِيلًا لِهِشامٍ عَلى ما يَزْعُمُهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقِيلَ: هو غايَةٌ بِجَعْلِهِ مَجازًا عَنِ الإظْهارِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا تَعَلُّقًا حالِيًّا مُطابِقًا لِتَعَلُّقِهِ أوَّلًا تَعَلُّقًا اسْتِقْبالِيًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ واعْتَرَضَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّ بَعْثَ هَؤُلاءِ الفِئَةِ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَفَرُّقُهم إلى المُحْصِي وغَيْرِهِ حَتّى يَتَعَلَّقَ بِهِما العِلْمُ تَعَلُّقًا حالِيًّا أوِ الإظْهارُ والتَّمْيِيزُ، ويَتَسَنّى نَظْمُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في سِلْكِ الغايَةِ كَما تَرَتَّبَ عَلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ انْقِسامُ النّاسِ إلى مُتَّبِعٍ ومُنْقَلِبٍ، فَصَحَّ تَعَلُّقُ العِلْمِ الحالِيِّ والإظْهارِ بِكُلٍّ مِنَ القَسَمَيْنِ، وإنَّما الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ تَفَرُّقُهم إلى مُقَدِّرٍ تَقْدِيرًا غَيْرَ مُصِيبٍ، ومُفَوَّضٍ العِلْمَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُما إحْصاءٌ أصْلًا، ثُمَّ قالَ: إنْ جُعِلَ ذَلِكَ غايَةً بِحَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى جَعْلِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ مَجازًا بِإطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِبارِ صُدُورُ الفِعْلِ المُخْتَبَرِ بِهِ عَنِ المُخْتَبَرِ قَطْعًا بَلْ قَدْ يَكُونُ لِإظْهارِهِ عَجْزَهُ عَنْهُ عَلى سُنَنِ التَّكالِيفِ التَّعْجِيزِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهو المُرادُ هُنا، فالمَعْنى: بَعَثْناهم لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم أيُّهم أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا فَيَظْهَرُ لَهم عَجْزُهم ويُفَوِّضُوا ذَلِكَ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ويَتَعَرَّفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مِن حِفْظِ أبْدانِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَكُونَ ذَلِكَ لُطْفًا لِمُؤْمِنِي زَمانِهِمْ وآيَةً بَيِّنَةً لِكُفّارِهِمْ. وقَدِ اقْتَصَرَها هُنا مِن تِلْكَ الغاياتِ الجَلِيلَةِ عَلى مَبْدَئِها الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وفِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّساؤُلِ المُؤَدِّي إلَيْها، وهَذا أوْلى مِن تَصْوِيرِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُقالَ: بَعَثْناهم بَعْثَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنهُ اسْتِلْزامُ الإرادَةِ لِتَحَقُّقِ المُرادِ فَيَعُودُ المَحْذُورُ فَيُصارُ إلى جَعْلِ إرادَةِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ فاخْتَبِرْ واخْتَرِ. انْتَهى. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ وقِلَّةِ جَدْواهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ الِاخْتِيارَ الحَقِيقِيَّ لا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَحَيْثُ وقَعَ جَعَلُوهُ مَجازًا عَنِ العِلْمِ أوْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ بِالآخِرَةِ الرُّجُوعُ إلى ما أنْكَرَهُ واخْتارَ جَعْلَ العِلْمِ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أمْرِهِمْ لِيُطَمْئِنَ بِازْدِيادِ الإيمانِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ وتَنْقَطِعَ حُجَّةُ المُنْكِرِينَ، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَعَذَّرَ إرادَةُ حَقِيقَتِهِ في كِتابِهِ تَعالى جُعِلَ كِنايَةً عَنْ بَعْضِ لَوازِمِهِ المُناسِبَةِ لِمَوْقِعِهِ، والمُناسِبُ هُنا ما ذُكِرَ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما عُلِّقَ العِلْمُ بِالِاخْتِلافِ في أمَدِهِ أيِ المَفْهُومِ مِن أيِّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا لِأنَّهُ أدْعى لِإظْهارِهِ وأقْوى لِانْتِشارِهِ، وفي الكَشْفِ تَوْجِيهًا لِما في الكَشّافِ أرادَ أنَّ العَلَمَ مَجازٌ عَنِ التَّمْيِيزِ والإظْهارِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِنُظْهِرَهُ ونُمَيِّزَ لَهُمُ العارِفَ بِأمَدِ ما لَبِثُوا ولِيُنْظَرَ مَن هَذا العارِفُ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدًا مِنهم لِأنَّهم بَيْنَ مُفَوِّضٍ ومُقَدِّرٍ غَيْرِ مُصِيبٍ، والفَرْقُ بَيْنَ ما في الكَشْفِ وما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ لا يُنْفى عَلى بَصِيرٍ وما في الكَشْفِ أقَلُّ مُؤْنَةً مِنهُ. وتَصْوِيرُ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُقالَ: بَعَثْناهم بَعْثَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ أحْسَنُ عِنْدِي مِنَ التَّصْوِيرِ الأوَّلِ، والتَّوَهُّمُ المَذْكُورُ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ جِدًّا. وقُرِئَ: «لِيُعْلِمَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الإعْلامِ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ و﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ إلَخْ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ نُعْلِمُ الثّانِي والثّالِثِ، والتَّقْدِيرُ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ النّاسَ أيَّ الحِزْبَيْنِ إلَخْ، وإذا جُعِلَ العِلْمُ عِرْفانِيًّا كانَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ نُعْلِمُ الثّانِي فَقَطْ وهو ظاهِرٌ. وقُرِئَ: «لِيُعْلَمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِيُعْلَمَ النّاسُ. صفحة 216 والجُمْلَةُ بَعْدُ إمّا في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ أوِ المَفْعُولِ حَسْبَما سَمِعْتَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الجُمْلَةَ هي النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ؛ فَفي البَحْرِ: البَصْرِيُّونَ لا يَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ فاعِلًا ولا نائِبًا عَنْهُ ولِلْكُوفِيِّينَ مَذْهَبانِ، أحَدُهُما أنَّهُ يَجُوزُ الإسْنادُ إلى الجُمْلَةِ مُطْلَقًا، والثّانِي أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ المُسْنَدُ مِمّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

الكهف 18:13

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيما سَلَفَ؛ أيْ: نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِتَفْصِيلِ خَبَرِهِمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ ﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿نَقُصُّ﴾ أوْ مِن ﴿نَبَأهُمْ﴾ أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ حَذْفِ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ أيْ، نَقُصُّ قَصَصًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ نَقُصُّهُ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ نَقُصُّ نَبَأهم مُلْتَبِسًا بِهِ أوْ نَبَأهُمُ المُلْتَبِسَ بِهِ، ولَعَلَّ في التَّقْيِيدِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إشارَةً إلى أنَّ في عَهْدِهِ ﷺ مَن يَقُصُّ نَبَأهم لَكِنْ لا بِالحَقِّ. وفِي الكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ السّابِقِ ما نَصُّهُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ كانَتْ مِن عِلْمِ العَرَبِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عالَمِيها عَلى وجْهِها، ونَبَؤُهم حَسْبَما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ مَرَجَ أهْلُ الإنْجِيلِ وعَظُمَتْ فِيهِمُ الخَطايا وطَغَتْ مُلُوكُهم فَعَبَدُوا الأصْنامَ وذَبَحُوا لِلطَّواغِيتِ وفِيهِمْ بَقايا عَلى دِينِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَمَسِّكِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وكانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِن مُلُوكِهِمْ وعَتا عُتُوًّا كَبِيرًا دِقْيانُوسُ وفي رِوايَةٍ دِقْيُوسُ فَإنَّهُ غَلا غُلُوًّا شَدِيدًا فَجاسَ خِلالَ الدِّيارِ والبِلادِ، وأكْثَرَ فِيها الفَسادَ وقَتَلَ مَن خالَفَهُ مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَتَتَبَّعُ النّاسَ فَيُخَيِّرُهم بَيْنَ القَتْلِ وعِبادَةِ الأوْثانِ فَمَن رَغِبَ في الحَياةِ الدُّنْيا انْقادَ لِأمْرِهِ وامْتَثَلَهُ، ومَن آثَرَ عَلَيْها الحَياةَ الأبَدِيَّةَ لَمْ يُبالِ بِأيِّ قِتْلَةٍ قَتَلَهُ، فَكانَ يَقْتُلُ أهْلَ الإيمانِ ويُقَطِّعُ أجْسادَهم ويَجْعَلُها عَلى سُورِ المَدِينَةِ وأبْوابِها، فَلَمّا رَأى الفِتْيَةُ ذَلِكَ وكانُوا عُظَماءَ مَدِينَتِهِمْ واسْمُها عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ أفْسُوسُ وفي بَعْضِها طَرْسُوسُ، وقِيلَ: كانُوا مِن خَواصِّ المَلِكِ قامُوا فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ والدُّعاءِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشُّرَطُ فَأخَذُوهم وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، ووُجُوهُهم مُعَفَّرَةٌ بِالتُّرابِ وأحْضَرُوهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ فَقالُوا لَهُمْ: ما مَنَعَكم أنْ تَشْهَدُوا الذَّبْحَ لِآلِهَتِنا وخَيَّرَهم بَيْنَ القَتْلِ وعِبادَةِ الأوْثانِ فَقالُوا: إنَّ لَنا إلَهًا مَلَأ السَّمَواتِ والأرْضَ عَظَمَتُهُ وجَبَرُوتُهُ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ أحَدًا ولَنْ نُقِرَّ بِما تَدْعُونا إلَيْهِ أبَدًا، فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ، وأوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ أكْبَرُهم مِكْسِلْمِينا، فَأمَرَ الجَبّارُ فَنُزِعَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الثِّيابِ الفاخِرَةِ وأخْرَجَهم مِن عِنْدِهِ وخَرَجَ هو إلى مَدِينَةٍ أُخْرى، قِيلَ: هي نِينَوى لِبَعْضِ شَأْنِهِ وأمْهَلَهم إلى رُجُوعِهِ وقالَ: ما يَمْنَعُنِي أنْ أُعَجِّلَ عُقُوبَتَكم إلّا أنِّي أراكم شُبّانًا فَلا أُحِبُّ أنْ أُهْلِكَكم حَتّى أجْعَلَ لَكم أجَلًا تَتَأمَّلُونَ فِيهِ وتَرْجِعُونَ إلى عُقُولِكُمْ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فِيها وإلّا أهْلَكْتُكُمْ، فَلَمّا رَأوْا خُرُوجَهُ اشْتَوَرُوا فِيما بَيْنَهم واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنهم نَفَقَةً مِن بَيْتِ أبِيهِ فَيَتَصَدَّقَ بِبَعْضِها ويَتَزَوَّدَ بِالباقِي ويَنْطَلِقُوا إلى كَهْفٍ قَرِيبٍ مِنَ المَدِينَةِ يُقالُ لَهُ بِنْجِلُوسُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا وأوَوْا إلى الكَهْفِ فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهم عَمَلٌ إلّا الصَّلاةُ والصِّيامُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ، وفَوَّضُوا أمْرَ نَفَقَتِهِمْ إلى فَتًى مِنهُمُ اسْمُهُ يَمْلِيخا فَكانَ إذا أصْبَحَ يَتَنَكَّرُ ويَدْخُلُ المَدِينَةَ ويَشْتَرِي ما يَهُمُّهم ويَتَجَسَّسُ ما فِيها مِنَ الأخْبارِ ويَعُودُ إلَيْهِمْ فَلَبِثُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ قَدِمَ الجَبّارُ مَدِينَتَهم فَتَطَلَّبَهم وأحْضَرَ آباءَهم فاعْتَذَرُوا بِأنَّهم عَصَوْهم ونَهَبُوا أمْوالَهم وبَذَّرُوها في الأسْواقِ وفَرُّوا إلى الجَبَلِ وكانَ يَمْلِيخا إذْ ذاكَ في المَدِينَةِ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ وهو يَبْكِي ومَعَهُ قَلِيلُ طَعامٍ فَأخْبَرَهم بِما شاهَدَ مِنَ الهَوْلِ فَفَزِعُوا إلى اللَّهِ تَعالى وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، ثُمَّ رَفَعُوا رُؤُوسَهم وجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ في أمْرِهِمْ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى آذانِهِمْ فَنامُوا ونَفَقَتُهم صفحة 217 عِنْدَ رُؤُوسِهِمْ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ فَأصابَهُ ما أصابَهُمْ، فَخَرَجَ الجَبّارُ في طَلَبِهِمْ بِخَيْلِهِ ورَجْلِهِ فَوَجَدُوهم قَدْ دَخَلُوا الكَهْفَ فَأمَرَ بِإخْراجِهِمْ فَلَمْ يُطِقْ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَهُ، فَلَمّا ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ألَيْسَ لَوْ كُنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ ودَعْهم يَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا، ولْيَكُنْ كَهْفُهم قَبْرًا لَهم فَفَعَلَ ثُمَّ كانَ مِن شَأْنِهِمْ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا في مَمْلَكَةِ مَلِكٍ مِنَ الجَبابِرَةِ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ خَرَجُوا مِن تِلْكَ المَدِينَةِ فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى غَيْرِ مِيعادٍ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ لِبَعْضٍ: أيْنَ تُرِيدُونَ؟ أيْنَ تَذْهَبُونَ؟ فَجَعَلَ بَعْضُهم يُخْفِي عَنْ بَعْضٍ لِأنَّهُ لا يَدْرِي هَذا عَلامَ خَرَجَ هَذا ولا يَدْرِي هَذا عَلامَ خَرَجَ هَذا، فَأخَذُوا العُهُودَ والمَواثِيقَ أنْ يُخْبِرَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنِ اجْتَمَعُوا عَلى شَيْءٍ وإلّا كَتَمَ بَعْضُهم بَعْضًا فاجْتَمَعُوا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقالُوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - إلى - ﴿مِرْفَقًا﴾ . ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ فَنامُوا وفُقِدُوا في أهْلِهِمْ فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهم فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ فَقالَ: لَيَكُونَنَّ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ بَعْدَ اليَوْمِ شَأْنٌ؛ ناسٌ خَرَجُوا لا نَدْرِي أيْنَ ذَهَبُوا في غَيْرِ جِنايَةٍ ولا شَيْءٍ يُعْرَفُ، فَدَعا بِلَوْحٍ مِن رَصاصٍ فَكَتَبَ فِيهِ أسْماءَهم ثُمَّ طُرِحَ في خِزانَتِهِ، ثُمَّ كانَ مِن شَأْنِهِمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ صَيارِفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن حَوارِيِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ فَأرادَ أنْ يَدْخُلَها فَقِيلَ: عَلى بابِها صَنَمٌ لا يَدْخُلُ أحَدٌ إلّا سَجَدَ لَهُ فَكَرِهَ أنْ يَدْخُلَ فَأتى حَمّامًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ وأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِهِ فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ ورَأى صاحِبُ الحَمّامِ البَرَكَةَ والرِّزْقَ وجَعَلَ يَسْتَرْسِلُ إلَيْهِ وعَلِقَهُ فِتْيَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ فَجَعَلَ يُخْبِرُهم عَنْ خَبَرِ السَّماءِ وخَبَرِ الآخِرَةِ حَتّى آمَنُوا وكانُوا عَلى مِثْلِ حالِهِ في حُسْنِ الهَيْئَةِ، وكانَ يَشْتَرِطُ عَلى صاحِبِ الحَمّامِ أنَّ اللَّيْلَ لِي ولا تَحُولُ بَيْنِي وبَيْنَ الصَّلاةِ إذا حَضَرَتْ حَتّى جاءَ ابْنُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ يَدْخُلُ بِها الحَمّامَ فَعَيَّرَهُ الحِوارِيُّ فَقالَ: أنْتَ ابْنُ المَلِكِ وتَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المَرْأةِ الَّتِي صِفَتُها كَذا وكَذا، فاسْتَحْيا فَذَهَبَ فَرَجَعَ مَرَّةً أُخْرى فَسَبَّهُ وانْتَهَرَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ حَتّى دَخَلَ ودَخَلَتْ مَعَهُ فَباتا في الحَمّامِ جَمِيعًا فَماتا فِيهِ، فَأتى المَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: قَتَلَ ابْنَكَ صاحِبُ الحَمّامِ. فالتَمَسَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وهَرَبَ مَن كانَ يَصْحَبُهُ والتَمَسَ الفِتْيَةَ فَخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ فَمَرُّوا بِصاحِبٍ لَهم في زَرْعٍ لَهُ وهو عَلى مِثْلِ أمْرِهِمْ فَذَكَرُوا لَهُ أنَّهُمُ التُمِسُوا فانْطَلَقَ مَعَهم حَتّى أواهُمُ اللَّيْلُ إلى كَهْفٍ فَدَخَلُوا فِيهِ فَقالُوا: نَبِيتُ هاهُنا اللَّيْلَةَ ثُمَّ نُصْبِحُ إنْ شاءَ تَعالى فَنَرى رَأْيَنا، فَضُرِبَ عَلى آذانِهِمْ فَخَرَجَ المَلِكُ بِأصْحابِهِ يَتْبَعُونَهم حَتّى وجَدُوهم قَدْ دَخَلُوا الكَهْفَ فَكُلَّما أرادَ الرَّجُلُ مِنهم أنْ يَدْخُلَهُ أُرْعِبُ فَلَمْ يُطِقْ أنْ يَدْخُلَ فَقالَ لِلْمَلِكِ قائِلٌ: ألَسْتَ لَوْ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ ودَعْهم يَمُوتُوا عَطَشًا وجُوعًا، فَفَعَلَ ثُمَّ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ والأخْبارُ في تَفْصِيلِ شَأْنِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ. وفِي البَحْرِ: لَمْ يَأْتِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَيْفِيَّةُ اجْتِماعِهِمْ وخُرُوجِهِمْ ولا مُعَوِّلَ إلّا عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن نَبَئِهِمْ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ مِن قِبَلِ المُخاطَبِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ آنِفًا في الفِتْيَةِ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِسَيِّدِهِمْ والنّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وأُوثِرَ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لِإيمانِهِمْ صفحة 218 ولِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ حَسْبَما سَيَحْكِي عَنْهم. ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ بِالتَّثْبِيتِ عَلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والزُّهْدِ في الدُّنْيا. وفِي التَّحْرِيرِ: المُرادُ: زِدْناهم ثَمَراتِ هُدًى أوْ يَقِينًا قَوْلانِ، وما حَصَلَتْ بِهِ الزِّيادَةُ امْتِثالُ المَأْمُورِ وتَرْكُ المَنهِيِّ أوْ إنْطاقُ الكَلْبِ لَهم بِأنَّهُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوْ إنْزالُ مَلَكٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْشِيرِ والتَّثْبِيتِ وإخْبارِهِمْ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنَ العَرَبِ يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى فَآمَنُوا بِهِ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ اه. ولا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ بِإنْزالِ مَلَكٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِمْ كَما لا يَخْفى. وفي ( زِدْناهم ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ الَّذِي عَلَيْهِ سَبْكُ النَّظْمِ الكَرِيمِ سِباقًا وسِياقًا، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الزِّيادَةِ ما فِيهِ.

الكهف 18:14

﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ فَلَمْ تُزَحْزِحْها عَواصِفُ فِراقِ الأوْطانِ وتَرْكِ الأهْلِ والنَّعِيمِ والإخْوانِ ولَمْ يُزْعِجْها الخَوْفُ مِن مَلِكِهِمُ الجَبّارِ ولَمْ يَرُعْها كَثْرَةُ الكُفّارِ، وأصْلُ الرَّبْطِ الشَّدُّ المَعْرُوفُ واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ. وفي الأساسِ: رَبَطْتُ الدّابَّةَ شَدَدْتُها بِرِباطِ، والمَرْبِطُ الحَبْلُ، ومِنَ المَجازِ: رَبَطَ اللَّهُ تَعالى عَلى قَلْبِهِ صَبَّرَهُ، ورابِطُ الجَأْشِ. وفِي الكَشْفِ: لَمّا كانَ الخَوْفُ والتَّعَلُّقُ يُزْعِجُ القُلُوبَ عَنْ مَقارِّها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قِيلَ: في مُقابِلِهِ رَبَطَ قَلْبُهُ إذا تَمَكَّنَ وثَبَتَ وهو تَمْثِيلٌ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَقَوْلِهِ: يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي. ﴿إذْ قامُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْبِعاثُهم بِالعَزْمِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُنابَذَةِ النّاسِ كَما في قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ إلى كَذا إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ المُرادُ بِهِ انْتِصابُهم لِإظْهارِ الدِّينِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهم خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ فاجْتَمَعُوا وراءَها عَلى غَيْرِ مِيعادٍ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: هو أشْبَهُهم إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ قالُوا: ما تَجِدُ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ. فَقالُوا أيْضًا: نَحْنُ كَذَلِكَ فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلُ بِاجْتِماعِهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ بَعْضَهم أخْفى حالَهُ عَنْ بَعْضٍ حَتّى تَعاهَدُوا فاجْتَمَعُوا عَلى كَلِمَةٍ فَقالُوا ذَلِكَ. وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» المُرادُ بِهِ وُقُوفُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ دِقْيانُوسَ، وذَلِكَ أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَدَّدَهم بِما هَدَّدَهم فَبَيْنَما هم بَيْنَ يَدَيْهِ تَحَرَّكَتْ هِرَّةٌ وقِيلَ فَأْرَةٌ فَفَزِعَ الجَبّارُ مِنها فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ قالُوا ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم لِدَعْوَةِ النّاسِ سِرًّا إلى الإيمانِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ قِيامُهم مِنَ النَّوْمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ إنَّ المُرادَ قِيامُهم عَلى الإيمانِ، وما أحْسَنَ ما قالُوا؛ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما وهم مِن جُمْلَتِهِ أيِ اقْتِضاءً، وأرْدَفُوا دَعْواهم تِلْكَ بِالبَراءَةِ مِن إلَهٍ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ وجاءُوا بِلَنْ لِأنَّ النَّفْيَ بِها أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِغَيْرِها حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ فَيَكُونُ المَعْنى: لا نَعْبُدُ أبَدًا مِن دُونِهِ إلَهًا أيْ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، قِيلَ: وعَدَلُوا عَنْ قَوْلِهِمْ رَبًّا إلى قَوْلِهِمْ «إلَهًا» لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ صفحة 219 لا بِطَرِيقِ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهم أشارُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ لا يَقُولُونَ بِهَذا ويَقُولُونَ بِالأوَّلِ؛ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ وصَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وجاءُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى مَعَ أنَّ ظاهِرَ القِصَّةِ كَوْنُهم بِصَدَدِ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِن تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْمَهم إنَّما أشْرَكُوا فِيها وهم إنَّما دُعُوا لِذَلِكَ الإشْراكِ دَلالَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ، وابْتَدَءُوا بِما يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّوْحِيدِ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ الذَّرِّ يَوْمَ قالَ لَها سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ أوَّلًا وذِكْرِ الآخَرِ بَعْدَهُ تَدَرُّجٌ في المُخالَفَةِ فَإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ اخْتِصاصَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ ألْزَمَ جَلَّ وعَلا الوَثَنِيَّةَ القائِلِينَ بِاخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ الأُولى لِكَوْنِها مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ قِيلَ: إنَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لَها فَتَأمَّلْ، ولا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ بَعْدَهُ، ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ: لَنْ نَدْعُوَ إلَهًا كائِنًا مِن دُونِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أيْ بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ والبُعْدِ المُفْرِطِ عَنِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ وصَفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ «شَطَطًا» مَفْعُولًا بِهِ لِقُلْنا، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالكَذِبِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخَطَأِ، والسُّدِّيُّ بِالجَوْرِ، والكُلُّ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وأصْلُ مَعْناهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ لِأنَّهُ مِن شَطَّ إذا أفْرَطَ في البُعْدِ، وأنْشَدُوا: شَطَّ المُرادُ بِحُزْوى وانْتَهى الأمَلُ وفِي الكَلامِ قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ، و«إذًا» حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ فَتَدُلُّ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا وعَبَدْنا مِن دُونِهِ إلَهًا واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا إلَخْ، واسْتِلْزامُ العِبادَةِ القَوْلَ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، وفي هَذا القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الفِتْيَةَ دُعُوا لِعِبادَةِ الأصْنامِ ولِيمُوا عَلى تَرْكِها، وهَذا أوْفَقُ بِكَوْنِ قِيامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ

الكهف 18:15

﴿هَؤُلاءِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وفي اسْمِ الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ لا خَبَرٌ لِعَدَمِ إفادَتِهِ ولا صِفَةٌ لِعَدَمِ شَرْطِها، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ تَعالى شَأْنُهُ ﴿آلِهَةً﴾ أيْ: عَمِلُوها ونَحَتُوها لَهم. قالَ الخَفاجِيُّ: فَيُفِيدُ أنَّهم عَبَدُوها ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِهِ كَما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَمَلِ غَيْرُ كافٍ في المَقْصُودِ، وتَفْسِيرُ الِاتِّخاذِ بِالعَمَلِ أحَدُ احْتِمالَيْنِ ذَكَرَهُما أبُو حَيّانَ، والآخَرُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما «آلِهَةً» والثّانِي مُقَدَّرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «آلِهَةً» هو الأوَّلُ و«مِن دُونِهِ» هو الثّانِي وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ لا إخْبارٌ مَحْضٌ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ، ولِأنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ مَعْلُومَةٌ ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ والتَّعْجِيزِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَأْتُوا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى أُلُوهِيَّتِهِمْ أوْ عَلى صِحَّةِ اتِّخاذِهِمْ لَها آلِهَةً ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى مُدَعّاهُمْ؛ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى صفحة 220 أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن أمْثالِ ما ذُكِرَ مَرْدُودٌ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المُرادُ مِن هَذا التَّرْكِيبِ، وهَذِهِ المَقالَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قالُوها بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ تَبْكِيتًا لَهُ وتَعْجِيزًا وتَأْكِيدًا «لِلتَّبَرِّي» مِن عِبادَةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِأُسْلُوبٍ حَسَنٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قالُوها فِيما بَيْنَهم لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وخَبَرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما السّابِقُ نَصَّ في أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ وما قَبْلَها وما بَعْدَها إلى ﴿مِرْفَقًا﴾ مَقُولَةٌ فِيما بَيْنَهُمْ، ودَعْوى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ القِيامِ فِيما مَرَّ قِيامَهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ هَذِهِ المَقالَةِ صادِرَةً عَنْهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن عِنْدِهِ غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ

الكهف 18:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ مَقُولًا فِيما بَيْنَهم مُطْلَقًا خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا. وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قائِلَهُ يَمْلِيخا، والِاعْتِزالُ تَجَنُّبُ الشَّيْءِ بِالبَدَنِ أوْ بِالقَلْبِ وكِلا الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ هُنا، والتَّعَزُّلُ بِمَعْناهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يا بَيْتَ عاتِكَةَ الَّذِي أتَعَزَّلُ حَذَرَ العِدا وبِهِ الفُؤادُ مُوَكَّلُ و«ما» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والعَطْفُ في الِاحْتِمالَيْنِ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِما مُتَّصِلٌ، ويُقَدَّرُ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مُضافٌ في جانِبِ المُسْتَثْنى لِيَتَأتّى الِاتِّصالُ أيْ وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهم إلّا اللَّهَ تَعالى أوْ إذا اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ عِبادَتَهم إلّا عِبادَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَقْدِيرُ مُسْتَثْنًى مِنهُ عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ لِذَلِكَ نَحْوَ عِبادَتِهِمْ لِمَعْبُودِيهِمْ تَكَلُّفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ القَوْمُ عابِدِينَ اللَّهَ تَعالى وعابِدِينَ غَيْرَهُ كَما جاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآثارِ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ قَوْمُ الفِتْيَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى ويَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً شَتّى، فاعْتَزَلَتِ الفِتْيَةُ عِبادَةَ تِلْكَ الآلِهَةِ ولَمْ تَعْتَزِلْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى. وعَلى الثّانِي يَكُونُونَ عابِدِينَ غَيْرَهُ تَعالى فَقَطْ، قِيلَ: وهَذا هو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والجُمْلَةُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إذْ وجَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأْوُوا﴾ أيِ التَجِئُوا ﴿إلى الكَهْفِ﴾ ووُجِّهَ الِاعْتِراضُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ فَأوَوْا مَعْناهُ وإذا اجْتَنَبْتُمْ عَنْهم وعَمّا يَعْبُدُونَ فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ في مَوْضِعٍ تَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فَدَلَّ الِاعْتِراضُ عَلى أنَّهم كانُوا صادِقِينَ، وأنَّهم أقامُوا بِما وصّى بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا فَهو يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ. وإلى كَوْنِ ﴿فَأْوُوا﴾ جَوابٌ؛ إذْ ذَهَبَ الفَرّاءُ وقِيلَ: إنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا فاعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالًا جُسْمانِيًّا أوْ إذا أرَدْتُمُ الِاعْتِزالَ الجُسْمانِيَّ فافْعَلُوا ذَلِكَ. واعْتُرِضَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ إذْ بِدُونِ ما لا تَكُونُ لِلشَّرْطِ، وفي هُمَعِ الهَوامِعِ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها تَكُونُ لَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ النُّحاةِ أوْ تَسامَحٌ لِأنَّها بِمَعْناهُ فَهي هُنا تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ ظَرْفِيَّةٌ، وتَعَلُّقُها قِيلَ: بِ «أُووُا» مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ لا بِهِ لِمَكانِ الفاءِ أوْ بِالمَذْكُورِ والظَّرْفُ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إذْ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ عَنى بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ قالَ وأقُولُ: هو مِن أعْجَبِ العَجائِبِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: «وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ» وقالَ هارُونُ: في بَعْضِ المَصاحِفِ: «وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا» وهَذا صفحة 221 يُؤَيِّدُ الِاعْتِراضَ، وفي البَحْرِ أنَّ ما في المُصْحَفَيْنِ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ الإمامِ. وزَعَمَ أنَّ المُتَواتِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما فِيهِ. ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾ يَبْسُطْ لَكم ويُوَسِّعْ عَلَيْكم ﴿رَبُّكُمْ﴾ مالِكُ أمْرِكُمُ الَّذِي هَداكم لِلْإيمانِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿ويُهَيِّئْ﴾ يُسَهِّلُ ﴿لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ الفِرارِ بِالدِّينِ والتَّوَجُّهِ التّامِّ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ وتَنْتَفِعُونَ بِهِ، وهو مَفْعُولُ ( يُهَيِّئْ ) ومَفْعُولُ ﴿يَنْشُرْ﴾ مَحْذُوفٌ، أيِ الخَيْرَ ونَحْوَهُ ﴿مِن أمْرِكُمْ﴾ عَلى ما في بَعْضِ الحَواشِي مُتَعَلِّقٌ بِ «يُهَيِّئْ» ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْبَدَلِ والمَعْنى يُهَيِّئْ لَكم بَدَلًا عَنْ أمْرِكُمُ الصَّعْبِ مِرْفَقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وقَوْلِهِ: فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿مِرْفَقًا﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وتَقْدِيمُ ( لَكم ) لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ والتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهم قالُوا هَذا ثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّةً في رَجائِهِمْ لِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ونُصُوعِ يَقِينِهِمْ فَقَدْ كانُوا عُلَماءَ بِاللَّهِ تَعالى. فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا إلّا وهو شابٌّ، ولا أُوتِيَ العِلْمَ عالِمٌ إلّا وهو شابٌّ وقَرَأ: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ و﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ عَنْ إخْبارِ نَبِيٍّ في عَصْرِهِمْ بِهِ وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم نَبِيًّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ مُجَرَّدُ احْتِمالٍ مِن غَيْرِ داعٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وابْنُ سَعْدانَ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ الأعْشى والبَرْجَمِيُّ والجَعْفِيُّ عَنْهُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ: «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ مَعْنًى عَلى ما حَكاهُ الزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يُقالُ في الأمْرِ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ وفي الجارِحَةِ، ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ المَرْفِقُ مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: المَرْفِقُ بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعِلٍ كالمَرْجِعِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ فِيما يُرْتَفَقُ بِهِ، وأمّا مِنَ اليَدِ فَبِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ لا غَيْرُ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ أهْلَ الحِجازِ يَقُولُونَ: «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ فِيما ارْتَفَقْتَ بِهِ ويَكْسِرُونَ مِرْفَقَ الإنْسانِ، وأمّا العَرَبُ فَقَدْ يَكْسِرُونَ المِيمَ مِنهُما جَمِيعًا اه. وأجازَ مُعاذٌ فَتْحَ المِيمِ والفاءِ، هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حُسْنِ الهِجْرَةِ لِسَلامَةِ الدِّينِ وقُبْحِ المَقامِ في دارِ الكُفْرِ إذا لَمْ يُمْكِنِ المَقامُ فِيها إلّا بِإظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

الكهف 18:17

﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ وما لَحِقَ مِن إضافَةِ الكَهْفِ إلَيْهِمْ وكَوْنِهِمْ في فَجْوَةٍ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ لِظُهُورِ جَرَيانِهِمْ عَلى مُوجِبِ الأمْرِ لِكَوْنِهِ صادِرًا عَنْ رَأْيٍ صائِبٍ وقَدْ حَذَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْضًا جُمَلًا أُخْرى لا تَخْفى، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ وهو لِلْمُبالَغَةِ في الظُّهُورِ ولَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ بَلِ الإنْباءُ بِكَوْنِ الكَهْفِ لَوْ رَأيْتَهُ تَرى الشَّمْسَ ﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ صفحة 222 أيْ: تَتَنَحّى وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ أحَدَهُما تَخْفِيفًا وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ الأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وأبِي عُبَيْدَةَ وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الأصْبَهانِيِّ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: «تَزّاوَرُ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، وأصْلُهُ أيْضًا تَتَزاوَرُ إلّا أنَّهُ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عامِرٍ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ عَنِ العُمَرِيِّ: «تَزْوَرُّ» كَ «تَحْمَرُّ» وهو مِن بِناءِ الأفْعالِ مِن غَيْرِ العُيُوبِ والألْوانِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ نادِرًا وقَرَأ جابِرٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والسِّخْتِيانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ووَرْدانُ عَنْ أبِي أيُّوبَ: «تَزْوارُّ» كَ «تَحْمارُّ» وهو في البِناءِ كَسابِقِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ «تَزْوَئِرُّ» بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ كَ «تَطْمَئِنُّ»، ولَعَلَّهُ إنَّما جِيءَ بِالهَمْزَةِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ جائِزًا في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ وكُلُّها مِنَ الزَّوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ وهو المَيْلُ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِالخُلُقِيِّ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهُ الأزْوَرُ المائِلُ بِعَيْنِهِ إلى ناحِيَةٍ ويَكُونُ في غَيْرِ العَيْنِ قالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ: وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ وقالَ عَنْتَرَةُ: فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا بِلَبانِهِ ∗∗∗ وشَكا إلَيَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ وفِيها عَنْ أبانِينَ ازْوِرارُ ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ، والزُّورُ أيِ الكَذِبُ لِمَيْلِهِ عَنِ الواقِعِ وعَدَمِ مُطابَقَتِهِ، وكَذا الزُّورُ بِمَعْنى الصَّنَمِ في قَوْلِهِ: جاؤُوا بِزُورَيْهِمْ وجِئْنا بِالأصَمِّ وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الزَّوَرَ بِتَحْرِيكِ الواوِ مَيْلٌ في الزَّوْرِ بِتَسْكِينِها وهو أعْلى الصَّدْرِ، والأزْوَرُ المائِلُ الزَّوْرِ أيِ الصَّدْرِ وزُرْتُ فُلانًا تَلَقَّيْتُهُ بِزَوْرِي أوْ قَصَدْتُ زَوْرَهُ نَحْوَ وجَّهْتُهُ أيْ قَصَدْتُ وجْهَهُ، والمَشْهُورُ ما قَدَّمْناهُ، وحُكِيَ عَنْ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا مَعْنى لِ «تَزْوَرُّ» في الآيَةِ لِأنَّ الِازْوِرارَ الِانْقِباضُ، وهو طَعْنٌ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن مَعَهُ بِما يُوجِبُ تَغْيِيرَ الكُنْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ المُرادُ: إذا طَلَعَتْ تَرُوغُ وتَمِيلُ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الَّذِي آوَوْا إلَيْهِ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الكَهْفِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الدّاخِلِ إلى قَعْرِهِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ أوْ جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الفِتْيَةِ ومَآلُهُ كَسابِقِهِ، وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ المُبَرِّدُ في المُقْتَضَبِ: ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ كَيَمِينًا وشِمالًا. ﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ تَراها عِنْدَ غُرُوبِها ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْهُمْ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَرَضْتُ المَكانَ إذا عَدَلْتَ عَنْهُ ولَمْ تَقَرَّ بِهِ ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ شَمالِ الكَهْفِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَشْرِقَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُوَ مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ تَقُولُ العَرَبُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا أيْ قِطْعَتُهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ شِمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ والمُرادُ تَتَجاوَزُهم ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، وهي عَلى ما قِيلَ مِنَ الفَجا وهو تَباعُدُ ما بَيْنَ الفَخْذَيْنِ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْجى وامْرَأةٌ فَجْواءُ، وتُجْمَعُ عَلى فِجاءٍ وفِجًا وفَجَواتٍ. وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا فَتُؤْذِيهِمْ وهم في وسَطِ الكَهْفِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ، ولا يُؤْذِيهِمْ صفحة 223 كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ عَطِيَّةَ كانَ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارَهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابِلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ، وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جَنْبِهِ، وتُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ وتَعْدِلُ هَواهُ ولًَا تَقَعُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْذِيَ أجْسادَهم وتُبْلِي ثِيابَهُمْ، ولَعَلَّ مَيْلَ البابِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ كانَ أكْثَرَ ولِذَلِكَ وقَعَ التَّزاوُرُ عَلى كَهْفِهِمْ والقَرْضُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَلْ لِمَحْضِ صَرْفِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ بِيَدِ قُدْرَتِهِ عَنْ أنْ تُصِيبَهم عَلى مِنهاجِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لَهُمْ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ حالًا مُبَيِّنَةً لِكَوْنِ ما ذُكِرَ أمْرًا بَدِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ: تَرى الشَّمْسَ تَمِيلُ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا ولا تَحُومُ حَوْلَهم مَعَ كَوْنِهِمْ في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ مُعَرَّضٌ لِإصابَتِها لَوْلا أنْ كَفَّها عَنْهم كَفُّ التَّقْدِيرِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ حَيْثُ جُعِلَ ( ذَلِكَ ) إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّزاوُرِ والقَرْضِ في الطُّلُوعِ والغُرُوبِ يَمِينًا وشِمالًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ آيَةً عَلى القَوْلِ السّابِقِ ظُهُورُهُ عَلى قَوْلِهِ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ. وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ سَدِّ بابِ الكَهْفِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى تَقْرِضُهم تُعْطِيهِمْ مِن ضَوْئِها شَيْئًا ثُمَّ تَزُولُ سَرِيعًا وتَسْتَرِدُّ ضَوْءَها فَهو كالقَرْضِ يَسْتَرِدُّهُ صاحِبُهُ، وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ عِنْدَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَمِيلُ بِالغَدْوَةِ عَنْ كَهْفِهِمْ وتُصِيبُهم بِالعَشِيِّ إصابَةً خَفِيفَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لِلْقَرْضِ بِهَذا المَعْنى فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ لِيُفْتَحَ حَرْفُ المُضارَعَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ تَقْرِضُهم مِنَ القَرْضِ لَهُمْ، وأنَّ المَعْنى: وإذا غَرَبَتْ تَقْطَعُ لَهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا، والسَّبَبُ لِاخْتِيارِهِ ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أنَّ الشَّمْسَ لَوْ لَمْ تُصِبْ مَكانَهم أصْلًا لَفَسَدَ هَواؤُهُ وتَعَفَّنَ ما فِيهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ وفِيهِ ما فِيهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم لَمْ تُصِبْهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَنشَأِ ذَلِكَ. واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ لِمَحْضِ حَجْبِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ قالُوا: والإشارَةُ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أتَمَّ تَأْيِيدٍ، والِاسْتِبْعادُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ فَإنَّ شَأْنَ أصْحابِ الكَهْفِ كُلِّهِ عَلى خِلافِ العادَةِ. وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَنشَأ كَوْنُ بابِ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ هَذا شَأْنُهُ، وبَعْضٌ آخَرُ جَعَلَهُ إشارَةً إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في ذَلِكَ الكَهْفِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وآخَرُ جَعْلَهُ إشارَةً إلى إطْلاعِهِ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى أخْبارِهِمْ. واعْتُرِضَ عَلى الأخِيرَيْنِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُما إيرادُ ذَلِكَ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم إشارَةً إلى هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ومُخالَفَتِهِمْ قَوْمَهم وآباءَهم وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِمَلِكِهِمْ مَعَ حَداثَتِهِمْ وإيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ ذَلِكَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وإلَيْهِ أمِيلُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقُرِئَ: «يَقْرِضُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ ولَعَلَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ: يَقْرِضُهُمُ الكَهْفُ. ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ مِن يَدُلُّهُ سُبْحانَهُ دَلالَةً مَوْصُولَةً إلى الحَقِّ ويُوَفِّقُهُ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الفائِزُ بِالحَظِّ الأوْفَرِ في الدّارَيْنِ، والمُرادُ إمّا الثَّناءُ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ والشَّهادَةُ لَهم بِإصابَةِ المَطْلُوبِ والإخْبارُ بِتَحَقُّقِ ما أمْلَوْهُ مِن نَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ المِرْفَقِ أوِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ صفحة 224 أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُشَفَّعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها، فالمُرادُ بِمَن إمّا الفِتْيَةُ أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفِيهِ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو كَما تَرى. وجَعَلَهُ بَعْضُهم ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ ورَبَطْنا ومُلاءَمَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أبَدًا وإنْ بالَغْتَ في التَّتَبُّعِ والِاسْتِقْصاءِ ﴿ولِيًّا﴾ ناصِرًا ﴿مُرْشِدًا﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ لِاسْتِحالَةِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ لا أنَّكَ لا تَجِدُهُ مَعَ وُجُودِهِ أوْ إمْكانِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ مَدْحُهم لاكْتَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: «فَهُوَ المُهْتَدِ» وفِيهِ أنَّهُ لا يُطابِقُ المُقامَ، والمُقابَلَةُ لا تُنافِي المَدْحَ بَلْ تُؤَكِّدُهُ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والرَّشادِ؛ لِأنَّ لَهُمُ الوَلِيَّ المُرْشِدَ، ولَعَلَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاحْتِباكِ.

الكهف 18:18

﴿وتَحْسَبُهُمْ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها؛ أيْ: تَظُنُّهُمْ، والخِطابُ فِيهِ كَما فِيما سَبَقَ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ ولَيْسَ عَلى تَقْدِيرِ شَيْءٍ، وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ رَأيْتَهم تَحْسَبُهم ﴿أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ بِكَسْرِ القافِ كَأنْكادٍ ونَكِدٍ كَما في الكَشّافِ وبِضَمِّها كَأعْضادٍ وعَضُدٍ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ. وفِي القامُوسِ: رَجُلٌ يَقِظٌ كَنَدِسٍ وكَتِفٍ فَحَكى اللُّغَتَيْنِ ضَمَّ العَيْنِ وكَسْرَها وهو اليَقْظانُ، ومَدارُ الحُسْبانِ انْفِتاحُ عُيُونِهِمْ عَلى هَيْئَةِ النّاظِرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرّائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ وقِلَّةِ التَّغَيُّرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغالِبَ عَلى النِّيامِ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ يَقْتَضِيها النَّوْمُ، فَإذا لَمْ تَكُنْ لِنائِمٍ يَحْسَبُهُ الرّائِي يَقْظانَ وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنَيْنِ ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في هَذا الحُسْبانِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَدارُهُ كَثْرَةُ تَقَلُّبِهِمْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُهُ ﴿وهم رُقُودٌ﴾ جَمْعُ راقِدٍ أيْ نائِمٍ، وما قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ واسْتَوى فِيهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ كَرُكُوعٍ وقُعُودٍ لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَعَوْلٍ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ نَصَّ عَلى جَمْعِهِ كَذَلِكَ النُّحاةُ كَما صَرَّحَ بِهِ في المُفَصَّلِ والتَّسْهِيلِ، وهَذا تَقْرِيرٌ لِما لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَلَفَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ السّابِقِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى آذانِهِمْ ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ في رَقْدَتِهِمْ كَثِيرًا ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ جِهَةً تَلِي أيْمانَهم ﴿وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةً تَلِي شَمائِلَهم كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما عَلَيْها مِن أبْدانِهِمْ كَما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَجِيبٌ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي قَدَرَ عَلى أنْ يُبْقِيَهم أحْياءً تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ هو عَزَّ وجَلَّ قادِرٌ عَلى حِفْظِ أبْدانِهِمْ أيْضًا مِن غَيْرِ تَقْلِيبٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ يَكُونَ حِفْظُ أبْدانِهِمْ بِما جَرَتْ بِهِ العادَةُ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ وجْهَ تِلْكَ الحِكْمَةِ، ويَجْرِي نَحْوُ هَذا فِيما قِيلَ في التَّزاوُرِ وأخِيهِ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيبُهم حِفْظًا لِما هو عادَتُهم في نَوْمِهِمْ مِنَ التَّقَلُّبِ يَمِينًا وشِمالًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إظْهارًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ حَيْثُ جَمَعَ تَعالى شَأْنُهُ فِيهِمُ الإنامَةَ الثَّقِيلَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ والتَّقْلِيبَ الكَثِيرَ، ومِمّا جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ لا يَكُونُ فِيهِ تَقَلُّبٌ كَثِيرٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. واخْتُلِفَ في أوْقاتِ تَقْلِيبِهِمْ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُرَّةً، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صفحة 225 أبِي عِياضٍ نَحْوَهُ، وقِيلَ: يُقَلَّبُونَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ التَّقْلِيبَ في التِّسْعِ سِنِينَ الضَّمِيمَةِ لَيْسَ فِيما سِواها، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ في رَقْدَتِهِمُ الأُولى يَعْنِي الثَّلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً ولَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ الرَّقْدَةِ الثّانِيَةِ يَعْنِي التِّسْعَ. وتَعَقَّبَ الإمامُ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْها وما جاءَ فِيها خَبَرٌ صَحِيحٌ انْتَهى. فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ لِمَكانِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّثْقِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ بِناءً عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الزَّجّاجِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ وهو كَما تَرى، وقُرِئَ: «ويُقَلِّبُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ مَعَ التَّشْدِيدِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِلْمَلَكِ. وقَرَأ الحَسَنُ فِيما حَكى الأهْوازِيُّ في الإقْناعِ: «ويَقْلِبُهُمْ» بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقافٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ: «وتَقَلُّبَهُمْ» عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا، ووُجِّهَهُ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: «وتَحْسَبُهُمْ» أيْ وتَرى أوْ تُشاهِدُ تَقَلُّبَهُمْ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفْعٌ، وهو عَلى الِابْتِداءِ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ والخَبَرُ ما بَعْدُ أوْ مَحْذُوفٌ أيْ: آيَةٌ عَظِيمَةٌ، أوْ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ اليَمانِيِّ وذَكَرَ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: «وتَقْلِبُهُمْ» بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ مُضارِعَ قَلَبَ مُخَفَّفًا، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: وأنْتَ تَقْلِبُهُمْ، وجَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى قُوَّةِ اشْتِباهِهِمْ بِالإيقاظِ بِحَيْثُ إنَّهم يُحْسَبُونَ إيقاظًا في حالِ سَبْرِ أحْوالِهِمْ وقَلْبِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ ﴿وكَلْبُهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ الحَيَوانُ المَعْرُوفُ النَّبّاحُ، ولَهُ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ أفْرَدَ لَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً. قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَعادَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ مِرارًا. فَقالَ لَهُمْ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي لا تَخْشَوْا جانِبِي، أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ تَعالى فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كَلْبُ راعٍ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَ دِينَهم وذَهَبَ مَعَهم وتَبِعَهُمُ الكَلْبُ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو كَلْبُ صَيْدِ أحَدِهِمْ، وقِيلَ: كَلْبُ غَنَمِهِ ولا بَأْسَ في شَرِيعَتِنا بِاقْتِناءِ الكَلْبِ لِذَلِكَ، وأمّا فِيما عَداهُ وما عَدا ما أُلْحِقَ بِهِ فَمَنهِيٌّ عَنْهُ، فَفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ««مَنِ اقْتَنى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أوْ ماشِيَةٍ نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِن عَمَلِهِ قِيراطانِ»، وفي رِوايَةٍ: «قِيراطٌ»،» واخْتُلِفَ في لَوْنِهِ؛ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ قالَ: قالَ لِي رَجُلٌ بِالكُوفَةِ يُقالُ لَهُ عُبَيْدٌ وكانَ لا يُتَّهَمُ بِكَذِبٍ: رَأيْتُ كَلْبَ أصْحابِ الكَهْفِ أحْمَرَ كَأنَّهُ كِساءٌ أنْبِجانِيٌّ، وأخْرَجَ عَنْ كَثِيرِ النِّواءِ قالَ: كانَ الكَلْبُ أصْفَرَ، وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي اسْمِهِ؛ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قِطْمِيرٌ، وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَطْمُورا، وقِيلَ رَيّانُ، وقِيلَ ثَوْرٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهو في الكِبَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَوْقَ القَلَطِيِّ ودُونَ الكُرْدِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُهُ صَغِيرًا زَيْنِيًّا. قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يَعْنِي صِينِيًّا، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ تَفْسِيرُ القَلَطِيِّ بِذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالكَلْبِ هُنا الأسَدُ وهو عَلى ما في القامُوسِ أحَدُ مَعانِيهِ. وقَدْ جاءَ أنَّهُ ﷺ دَعا عَلى كافِرٍ بِقَوْلِهِ: ««اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ»» فافْتَرَسَهُ أسَدٌ. وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ، وأخْرَجَ صفحة 226 ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ العِلْمِ زَعَمُوا أنَّ كَلْبَهم كانَ أسَدًا فَقالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ ما كانَ أسَدًا ولَكِنَّهُ كانَ كَلْبًا أحْمَرَ خَرَجُوا بِهِ مِن بُيُوتِهِمْ يُقالُ: لَهُ قَطْمُورا وأبْعَدُ مِن هَذا زَعْمُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ رَجُلٌ طَبّاخٌ لَهم تَبِعَهُمْ، أوْ أحَدُهم قَعَدَ عِنْدَ البابِ طَلِيعَةً لَهُمْ، نَعَمْ حَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدِيُّ غُلامُ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قُرِئَ: «وكالِئُهُمْ» بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الباءِ وألِفٍ بَعْدَ الكافِ مِن كَلَأ إذا حَفِظَ. ولا يَبْعُدُ فِيهِ أنْ يُرادَ الرَّجُلُ الرَّبِيئَةُ، لَكِنَّ ظاهِرَ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ يَقْتَضِي إرادَةَ الكَلْبِ المَعْرُوفِ مِنهُ أيْضًا وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ ما اسْتُحْفِظَ عَلَيْهِ وحِراسَتِهِ إيّاهُ. وقِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها تَفْسِيرٌ أوْ تَحْرِيفٌ. وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «وكالِبُهُمْ» بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وزِنَةَ اسْمِ الفاعِلِ. والمُرادُ صاحِبُ كَلْبِهِمْ كَما تَقُولُ لابِنٌ وتامِرٌ؛ أيْ صاحِبُ لَبَنٍ وتَمْرٍ، وجاءَ في شَأْنِ كَلْبِهِمْ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ. فَعَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِنَ الدَّوابِّ إلّا كَلْبُ أصْحابِ الكَهْفِ وحِمارُ بَلْعَمَ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ ناقَةَ صالِحٍ وكَبْشَ إسْماعِيلَ أيْضًا في الجَنَّةِ، ورَأيْتُ أيْضًا أنَّ سائِرَ الحَيَواناتِ المُسْتَحْسَنَةِ في الدُّنْيا كالظِّباءِ والطَّواوِيسِ وما يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ كالغَنَمِ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلى كَيْفِيَّةٍ تَلِيقُ بِذَلِكَ المَكانِ وتِلْكَ النَّشْأةِ، ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيما أعْلَمُ، نَعَمْ في الجَنَّةِ حَيَواناتٌ مَخْلُوقَةٌ فِيها، وفي خَبَرٍ يُفْهَمُ مِن كَلامِ التِّرْمِذِيِّ صِحَّتُهُ التَّصْرِيحُ بِالخَيْلِ مِنها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَدِ اشْتُهِرَ القَوْلُ بِدُخُولِ هَذا الكَلْبِ الجَنَّةَ حَتّى إنَّ بَعْضَ الشِّيعَةِ يُسَمُّونَ أبْناءَهم بِكَلْبِ عَلِيٍّ ويُؤَمِّلُ مَن سُمِّيَ بِذَلِكَ النَّجاةَ بِالقِياسِ الأوْلَوِيِّ عَلى ما ذُكِرَ ويُنْشِدُ: فِتْيَةُ الكَهْفِ نَجا كَلْبُهُمُ كَيْفَ لا يَنْجُو غَدًا كَلْبُ عَلِيْ ولَعَمْرِي إنْ قَبِلَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَلْبًا لَهُ نَجا، ولَكِنْ لا أظُنُّ يَقْبَلُهُ لِأنَّهُ عَقُورٌ ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ مادُّهُما، والذِّراعُ مِنَ المِرْفَقِ إلى رَأْسِ الأُصْبُعِ الوُسْطى ونُصِبَ ﴿ذِراعَيْهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿باسِطٌ﴾ وعَمِلَ مَعَ أنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، واسْمُ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ وهِشامٌ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ مَضاءٍ إلى جَوازِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ كَيْفَما كانَ فَلا سُؤالَ ولا جَوابَ ﴿بِالوَصِيدِ﴾ بِمَوْضِعِ البابِ ومَحَلِّ العُبُورِ مِنَ الكَهْفِ وأنْشَدُوا: بِأرْضٍ فَضاءٍ لا يُسَدُّ وصِيدُها ∗∗∗ عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكَرِ وهُوَ المُرادُ بِالفِناءِ في التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ، وقِيلَ: بِالعَتَبَةِ والمُرادُ بِها ما يُحاذِي ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ لا المُتَعارَفِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الكَهْفَ لا بابَ لَهُ ولا عَتَبَةَ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الوَصِيدَ الصَّعِيدُ ولَيْسَ بِذاكَ، وذَكَرُوا في حِكْمَةِ كَوْنِهِ بِالوَصِيدِ غَيْرُنا ومَعَهم أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حارِسًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ يُمْسِكُ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ، وكانَ فِيما قِيلَ: يَكْسِرُ أُذُنَهُ اليُمْنى ويَنامُ عَلَيْها إذا قُلِبُوا ذاتَ اليَمِينِ، ويَكْسِرُ أُذُنَهُ اليُسْرى ويَنامُ عَلَيْها إذا قُلِبُوا ذاتَ الشِّمالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ نامَ كَما نامُوا، لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ المَكِّيِّ أنَّهُ جُعِلَ رِزْقُهُ في لَحْسِ ذِراعَيْهِ؛ فَإنَّهُ كالظّاهِرِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ نَوْمُهُ كَما اسْتَغْرَقَ نَوْمُهم ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لَوْ عايَنْتَهم وشاهَدَتْهم وأصْلُ الِاطِّلاعِ الوُقُوفُ عَلى الشَّيْءِ بِالمُعايَنَةِ والمُشاهَدَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: «لَوُ اطَّلَعْتَ» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ صفحة 227 الضَّمِيرِ فَإنَّها قَدْ تُضَمُّ إذا لَقِيَها ساكِنٌ نَحْوَ: رَمُوا السِّهامَ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ. ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ أيْ لَأعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ عَنْهم وأوْلَيْتَهم كَشْحَكَ، ونُصِبَ ﴿فِرارًا﴾ إمّا عَلى المَصْدَرِ لَوَلَّيْتَ؛ إذِ التَّوْلِيَةُ والفِرارُ مِن وادٍ واحِدٍ فَهو كَ «جَلَسْتُ قُعُودًا» أوْ لَفَرَرْتَ مَحْذُوفًا، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ أوْ بِجَعْلِهِ مِن بابِ: «فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ»، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: لَرَجَعْتَ لِأجْلِ الفِرارِ ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ الصَّدْرَ، ونُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وكَوْنُ الخَوْفِ يَمْلَأُ مَجازٌ في عَظْمِهِ مَشْهُورٌ كَما يُقالُ في الحُسْنِ: إنَّهُ يَمْلَأُ العُيُونَ. وفِي البَحْرِ: أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ لِأنَّ الفِعْلَ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ ما تَعَدّى إلَيْهِ تَعِدِيَّ المَفْعُولِ بِهِ بِخِلافِ ما في الآيَةِ، وسَبَبُ ما ذُكِرَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ ما ألْقى، وقِيلَ: سَبَبُهُ طُولُ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ وصُفْرَةُ وُجُوهِهِمْ وتَغَيُّرُ أطْمارِهِمْ وقِيلَ: إظْلامُ المَكانِ وإيحاشُهُ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ لِأنَّهم لَوْ كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ أنْكَرُوا أحْوالَهم ولَمْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولِأنَّ الَّذِي بُعِثَ إلى المَدِينَةِ لَمْ يُنْكِرْ إلّا المَعالِمَ والبِناءَ لا حالَ نَفْسِهِ، ولِأنَّهم بِحالَةٍ حَسَنَةٍ بِحَيْثُ لا يُفَرِّقُ الرّائِي بَيْنَهم وبَيْنَ الأيْقاظِ وهم في فَجْوَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِما مَرَّ فَكَيْفَ يَكُونُ مَكانُهم مُوحِشًا اه. وأُجِيبَ بِأنَّهم لا يَبْعُدُ عَدَمُ تَيَقُّظِهِمْ لِحالِهِمْ؛ فَإنَّ القائِمَ مِنَ النَّوْمِ قَدْ يُذْهَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ، ويُدْعى اسْتِمْرارُ الغَفْلَةِ في الرَّسُولِ وإنْكارُهُ لِلْمَعالِمِ لا يُنافِي إنْكارَ النّاسِ لِحالِهِ وكَوْنَهُ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَها، وأيْضًا يَجُوزُ أنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى حالِهِمُ ابْتِداءً فَقالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ثُمَّ تَنَبَّهُوا لَهُ فَقالُوا: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ الحالُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ انْتِباهِهِمُ الَّذِي بَعَثُوا فِيهِ رَسُولَهم إلى المَدِينَةِ، وعَلى هَذا لا يَضُرُّ عَدَمُ إنْكارِ الرَّسُولِ حالَ نَفْسِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ما يُنْكَرُ بَعْدُ، وإيحاشُ المَكانِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ بَعْدُ عَلى هَذا أيْضًا، وذَلِكَ بِتَغَيُّرِهِ بِمُرُورِ الزَّمانِ اه، ولا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ ما في هَذِهِ الأجْوِبَةِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ ما ألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ وهم في كَهْفِهِمْ، وأنَّ شُعُورَهم وأظْفارَهم إنْ كانَتْ قَدْ طالَتْ فَهي لَمْ تَطُلْ إلى حَدٍّ يُنْكِرُهُ مَن يَراهُ، واخْتارَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُغَيِّرْ حالَهم وهَيْئَتَهم أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً، والخِطابُ هُنا كالخِطابِ فِيما سَبَقَ، وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا باقِينَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُوجِبُ فِرارَ المُطَّلِعِ عَلَيْهِمْ ومَزِيدَ رُعْبِهِ إلى ما بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَمَن لا يَقُولُ بِهِ لا يَقُولُ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَزَوْنا مَعَ مُعاوِيَةَ غَزْوَةَ المَضِيقِ نَحْوَ الرُّومِ فَمَرَرْنا بِالكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ فَقالَ مُعاوِيَةُ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ فَقالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ فَقالَ مُعاوِيَةُ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ عِلْمَهُمْ؛ فَبَعَثَ رِجالًا وقالَ: اذْهَبُوا فادْخُلُوا الكَهْفَ وانْظُرُوا فَذَهَبُوا فَلَمّا دَخَلُوهُ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأخْرَجَتْهُمْ، قِيلَ: وكَأنَّ مُعاوِيَةَ إنَّما لَمْ يَجْرِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ظَنًّا مِنهُ تَغَيُّرَ حالِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ أوْ طَلَبًا صفحة 228 لِعِلْمِهِمْ مَهْما أمْكَنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: كانَ لِي صاحِبٌ ماضٍ شَدِيدُ النَّفْسِ فَمَرَّ بِجانِبِ الكَهْفِ فَقالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ أما تَقْرَأُ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ. فَأبى إلّا أنْ يَنْظُرَ فَأشْرَفَ عَلَيْهِمْ فابْيَضَّتْ عَيْناهُ وتَغَيَّرَ شَعْرُهُ وكانَ يُخْبِرُ النّاسَ بِأنَّ عِدَّتَهم سَبْعَةٌ، ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ لِوُجُودِهِمُ اليَوْمَ بَلْ لِبَقائِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ مَعَها الوُقُوفُ عَلى أحْوالِهِمْ وفي ذَلِكَ خِلافٌ. فَحَكى السُّهَيْلِيُّ عَنْ قَوْمٍ القَوْلَ بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنْكارُهُ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ غَزا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَمَرُّوا بِالكَهْفِ فَإذا فِيهِ عِظامٌ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ عِظامُ أهْلِ الكَهْفِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ ذَهَبَتْ عِظامُهم مُنْذُ أكْثَرَ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والخَبَرِ السّابِقِ عَنْهُ، بَلْ والآخَرِ أيْضًا مِنَ المُخالَفَةِ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ عَدَمُ وُجُودِهِمُ اليَوْمَ، وإنَّهم إنْ كانُوا مَوْجُودِينَ فَلَيْسُوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها، وأنَّ الخِطابَ الَّذِي في الآيَةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وأنَّ المُرادَ مِنها الإخْبارُ عَنْ أنَّهم بِتِلْكَ الحالَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أصْحابُ الكَهْفِ أعْوانُ المَهْدِيِّ»». عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِمُ اليَوْمَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِ الخِطابِ لَيْسَ مِنَ الأفْرادِ المُعَيَّنَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ﷺ اطَّلَعَ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهم مِن مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ومِن جَعَلَهُ ﷺ مُعَيَّنًا قالَ: المُرادُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ والطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ وعَدَمِ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى اطِّلاعِهِ ﷺ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهم أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ ومَنُوطٌ بِقُوَّةٍ مَلَكِيَّةٍ بَلْ بِما هو فَوْقَها أوِ المُرادُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِكَ مِن غَيْرِ أنْ نُطْلِعَكَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا إلَخْ. واطِّلاعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ كانَ بِإطْلاعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ الِاطِّلاعَيْنِ. يُحْكى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجِعَهُ بَطْنُهُ فَشَكى إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى نَباتِ كَذا في مَوْضِعِ كَذا فَكُلْ مِنهُ، فَذَهَبَ وأكَلَ فَذَهَبَ ما كانَ يَجِدُ، ثُمَّ عاوَدَهُ ذَلِكَ بَعْدَ سَنَواتٍ فَذَهَبَ إلى ذَلِكَ النَّباتِ فَأكَلَ مِنهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ. فَقالَ: يا رَبِّ، أنْتَ أعْلَمُ وجِعَنِي بَطْنِي في سَنَةِ كَذا فَأمَرْتَنِي أنْ أذْهَبَ إلى نَباتِ كَذا فَذَهَبْتُ فَأكَلْتُ فانْتَفَعْتُ ثُمَّ عاوَدَنِي ما كُنْتُ أجِدُ فَذَهَبْتُ إلى ذَلِكَ وأكَلْتُ فَلَمْ أنْتَفِعْ فَقالَ سُبْحانَهُ: أتَدْرِي يا مُوسى ما سَبَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: السَّبَبُ أنَّكَ في المَرَّةِ الأُولى ذَهَبْتَ مِنّا إلى النَّباتِ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ ذَهَبْتَ مِن نَفْسِكَ إلَيْهِ. ومِمّا يُسْتَهْجَنُ مِنَ القَوْلِ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَوِ اطَّلَعْتُ أنا ما ولَّيْتُ مِنهم فِرارًا، وما مُلِئْتُ مِنهم رُعْبًا. وما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الجَوابِ بِأنَّ مُرادَ قائِلِهِ إثْباتُ مَرْتَبَةِ الطُّفُولِيَّةِ لِنَفْسِهِ فَإنَّ الطِّفْلَ لا يَهابُ الحَيَّةَ مَثَلًا إذا رَآها ولا يُفَرِّقُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَبْلِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ مُرادَهُ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ الِاسْتِهْجانَ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ مَن قالَ: سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ عِلْمُهُ، ولَنِعْمَ ما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلِّمُوا النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ؟ هَذا وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَرَمِيّانِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ولَمُلِّئْتَ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالتَّخْفِيفِ والقَلْبِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: «رُعُبًا» صفحة 229 بِضَمِّ العَيْنِ

الكهف 18:19

﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم هَذِهِ الإنامَةَ الطَّوِيلَةَ وهي المَفْهُومَةُ مِمّا مَرَّ أيْقَظْناهم فالمُشَبَّهُ الإيقاظُ والمُشَبَّهُ بِهِ الإنامَةُ المُشارُ إلَيْها ووَجْهُ الشَّبَهِ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما فُصِّلَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وجُعِلَ عِلَّةً لِلْبَعْثِ المُعَلَّلِ بِما سَبَقَ فِيما سَبَقَ، قِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أحْكامِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِهِ لِاسْتِتْباعِهِ لِسائِرِ آثارِهِ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ، واسْتَظْهَرَهُ الخَفاجِيُّ وادَّعى أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ لاحَظَ أنَّ الغَرَضَ مِن فِعْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ إظْهارُ كَمالِ قُدْرَتِهِ لا ما ذُكِرَ مِنَ التَّساؤُلِ فَتَأمَّلْ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ تَساؤُلِهِمْ ﴿قائِلٌ مِنهُمْ﴾ قِيلَ: هو كَبِيرُهم مَكْسِلْمِينا، وقِيلَ: صاحِبُ نَفَقَتِهِمْ يَمْلِيخا ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: كَمْ يَوْمًا أقَمْتُمْ نائِمِينَ، وكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِما رَأى مِن مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِما هو المُعْتادُ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: راعَهم ما فاتَهم مِنَ الصَّلاةِ فَقالُوا ذَلِكَ. ﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أوْ لِلشَّكِّ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والمُرادُ: لَمْ نَتَحَقَّقْ مِقْدارَ لُبْثِنا؛ أيْ: لا نَدْرِي أنَّ مُدَّةَ ذَلِكَ هَلْ هي مِقْدارُ مُدَّةِ يَوْمٍ أوْ مِقْدارُ مُدَّةِ بَعْضِ يَوْمٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ لَوْثَةَ النَّوْمِ لَمْ تَذْهَبْ مِن بَصَرِهِمْ وبَصِيرَتِهِمْ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى الأماراتِ، وهَذا مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ نَوْمُهم وانْتِباهُهم جَمِيعًا أوْ أحَدُهُما في النَّهارِ أمْ لا، والمَشْهُورُ أنَّ نَوْمَهم كانَ غَدْوَةً وانْتِباهَهم كانَ آخِرَ النَّهارِ، وقِيلَ: فَلَمْ يَدْرُوا أنَّ انْتِباهَهم في اليَوْمِ الَّذِي نامُوا فِيهِ أمْ في اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ فَقالُوا ما قالُوا، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرَدُّدُ في بَعْضِ يَوْمٍ ويَوْمٍ وبَعْضٍ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ «أوْ» لِلْإضْرابِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا انْتَبَهُوا آخِرَ النَّهارِ وكانُوا في جَوْفِ الغارِ ولَوْثَةُ النَّوْمِ لَمْ تُفارِقْهم بَعْدُ قالُوا قَبْلَ النَّظَرِ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا﴾ ثُمَّ لَمّا حَقَّقُوا أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ بَعْدُ قالُوا: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّها لَكَ، والِاعْتِراضُ مُنْدَفِعٌ بِإرادَةِ ما سَمِعْتَ مِنهُ، نَعَمْ هو في ذَلِكَ مَجازٌ، وحَكى أبُو حَيّانَ أنَّها لِلتَّفْصِيلِ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهُمْ: لَبِثْنا يَوْمًا، وقالَ آخَرُونَ: لَبِثْنا بَعْضَ يَوْمٍ، وقَوْلُ كُلٍّ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ عَلى ما قِيلَ فَلا يَكُونُ كَذِبًا، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّها لِلتَّفْصِيلِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، ولا حاجَةَ إلى بِناءِ الأمْرِ عَلى غالِبِ الظَّنِّ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ كَذِبًا بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِقْدارَهُ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي في «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ سَلَّمَ سَهْوًا مِن صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ فَقالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أقْصُرَتِ الصَّلاةُ أمْ نَسِيتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ»». ﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ آخَرُ مِنهُمُ اسْتِدْلالًا أوْ إلْهامًا: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مُدَّةَ لُبْثِكُمْ، وإنَّما يَعْلَمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذا رَدٌّ مِنهم عَلى الأوَّلِينَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ وبِهِ كَما قِيلَ يَتَحَقَّقُ التَّحَزُّبُ إلى الحِزْبَيْنِ المَعْهُودَيْنِ فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: قائِلُ القَوْلَيْنِ مُتَّحِدٍ لَكِنَّ الحالَةَ مُخْتَلِفَةٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ في الحِكايَةِ والخِطابَ في المَحْكِيِّ يَقْضِي بِأنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى مِنهاجِ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ وإلّا لَقِيلَ ثُمَّ قالُوا: رَبُّنا أعْلَمُ بِما لَبِثْنا ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ أيْ: واحِدًا مِنكم ولَمْ يَقُلْ: واحِدَكم لِإيهامِهِ إرادَةَ سَيِّدِكم فَكَثِيرًا ما يُقالُ: جاءَ واحِدُ القَوْمِ ويُرادُ سَيِّدُهم ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ أيْ بِدَراهِمِكُمُ المَضْرُوبَةِ كَما هو مَشْهُورٌ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقِيلَ: الوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما وقَعَ في حَدِيثِ عَرْفَجَةَ أنَّهُ لَمّا قُطِعَ أنْفُهُ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ فَأنْتَنَ فاتَّخَذَ أنْفًا مِن ذَهَبٍ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أُطْلِقَ فِيهِ الوَرِقُ صفحة 230 عَلى غَيْرِ المَضْرُوبِ مِنَ الفِضَّةِ، وقَوْلُ الأصْمَعِيِّ كَما حَكى عَنْهُ القُتَيْبِيُّ: الوَرَقُ في الحَدِيثِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والمُرادُ بِهِ الوَرَقُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ؛ لِأنَّ الفِضَّةَ لا تُنْتِنُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والمُنْتِنُ الَّذِي ذَكَرَهُ لا صِحَّةَ لَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ واليَزِيدِيُّ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ: «بِوَرْقِكُمْ» بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ الواوِ وإسْكانِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وكَذا إسْماعِيلُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الرّاءَ لِئَلّا يَلْزَمَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ كَما في الرِّوايَةِ الأُخْرى، وبِهَذا اعْتُرِضَ عَلَيْها، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ وواقِعٌ في كَلامِ العَرَبِ لَكِنْ عَلى شُذُوذٍ، وقَدْ قُرِئَ: «نِعْمّا» بِسُكُونِ العَيْنِ والإدْغامِ، وما قِيلَ إنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّلَفُّظُ بِهِ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ سَهْوٌ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «بَوارِقِكُمْ» عَلى وزْنِ فاعِلٍ. جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ كَباقِرٍ وحامِلٍ، ووَصْفُ الوَرِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ القائِلَ أحْضَرَها لِيُناوِلَها بَعْضَ أصْحابِهِ، وإشْعارُهُ بِأنَّهُ ناوَلَها إيّاهُ بَعِيدٌ، وفي حَمْلِهِمْ لَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأهُّبَ لِأسْبابِ المَعاشِ لِمَن خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ بِحَمْلِ النَّفَقَةِ ونَحْوِها لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما في الحَدِيثِ ««اعْقِلْها وتَوَكَّلْ»». نَعَمْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ تَوَكُّلَ أبِي وقّاصٍ وأبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ بِالجُيُوشِ عَلى مَتْنِ البَحْرِ ودُخُولَ تَمِيمٍ في الغارِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنهُ نارُ الحَرَّةِ لِيَرُدَّها بِأمْرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ وإسْحاقُ وغَيْرُهُما مِنَ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِ دُخُولِ المَفاوِزِ بِغَيْرِ زادٍ وتَرْكِ التَّكَسُّبِ والتَّطَبُّبِ لِمَن قَوِيَ يَقِينُهُ وتَوَكُّلُهُ، وفَسَّرَ الإمامُ أحْمَدُ التَّوَكُّلَ بِقَطْعِ الِاسْتِشْرافِ بِاليَأْسِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقالَ لَهُ: ألَكَ حاجَةٌ؟ أمّا إلَيْكَ فَلا، ولَيْسَ طَرْحُ الأسْبابِ سَبِيلَ تَوَكُّلِ الخَواصِّ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ فَقَطْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ بَعْضِ الفُضَلاءِ بَلْ جاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ أيْضًا. ﴿إلى المَدِينَةِ﴾ المَعْهُودَةِ وهي المَدِينَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، قِيلَ: وتُسَمّى الآنَ طَرْسُوسَ، وكانَ اسْمُها يَوْمَ خَرَجُوا مِنها أفْسُوسَ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وكانَ هَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنهم إعْراضًا عَنِ التَّعَمُّقِ في البَحْثِ وإقْبالًا عَلى ما يَهُمُّهم بِحَسَبِ الحالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَقَوْلِهِ: أتَتْ تَشْتَكِي عِنْدِي مُزاوَلَةَ القِرى وقَدْ رَأتِ الضِّيفانَ يَنْحُونَ مَنزِلِي فَقُلْتُ كَأنِّي ما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي في قُراهم وعَجِّلِي ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ أيْ: أحَلُّ فَإنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كانُوا في عَهْدِهِمْ يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ الخَنازِيرَ، وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ أكْثَرَ أمْوالِهِمْ كانَتْ مَغْصُوبَةً، فَأزْكى مِنَ الزَّكاةِ وأصْلُها النُّمُوُّ والزِّيادَةُ وهي تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً أُخْرَوِيَّةً وحِسِّيَّةً دُنْيَوِيَّةً، وأُرِيدَ بِها الأُولى لِما في تَوَخِّي الحَلالِ مِنَ الثَّوابِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: أيْ: أطْيَبُ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى «أحَلُّ» لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ إلى الأوَّلِ، وإنْ كانَ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ فالزِّيادَةُ قِيلَ: حِسِّيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أيْ: أكْثَرُ. وقالَ يَمانُ بْنُ رَيّانَ: أيْ: أرْخَصُ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ: أجْوَدُ؛ وهو أجْوَدُ، وعَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِيهِ عَلى ما قِيلَ تَكُونُ صفحة 231 الزِّيادَةُ حِسِّيَّةً دُنْيَوِيَّةً أيْضًا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالأزْكى الأرُزَّ وقِيلَ التَّمْرَ وقِيلَ الزَّبِيبَ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالفِتْيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم تَحَرَّوُا الحَلالَ، والنَّظَرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ القَلْبِ وأنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وأيُّ اسْتِفْهامٌ مُبْتَدَأٌ و﴿أزْكى﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «أيُّ» مَوْصُولًا مَبْنِيًّا مَفْعُولًا لِيَنْظُرَ و﴿أزْكى﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو صَدْرُ الصِّلَةِ وضَمِيرُ أيُّها إمّا لِلْمَدِينَةِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أيُّ أهْلِها وإمّا لِلْمَدِينَةِ مُرادًا بِها أهْلُها مَجازًا، وفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ ولا حَذْفٌ، وإمّا لِما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَنْظُرْ أيَّ الأطْعِمَةِ أوِ المَأْكَلِ أزْكى طَعامًا ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الأزْكى طَعامًا فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أوِ التَّبْعِيضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَرِقِ فَيَكُونُ «مِن» لِلْبَدَلِ، ثُمَّ إنَّ الفِتْيَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَحَرَّوُا الحَلالَ سابِقًا فَلْيَكُنْ مُرادُهم بِالرِّزْقِ هُنا الحَلالَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهِ عِنْدَنا. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ مِنهُ ما فِيهِ عَلى صِحَّةِ الوِكالَةِ والنِّيابَةِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي أقْوى آيَةٍ في ذَلِكَ وفِيها كَما قالَ الكَيا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ خَلْطِ دَراهِمِ الجَماعَةِ والشِّراءِ بِها والأكْلِ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي بَيْنَهم بِالشَّرِكَةِ وإنْ تَفاوَتُوا في الأكْلِ، نَعَمْ لا بَأْسَ لِلْأكُولِ أنْ يَزِيدَ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّراهِمِ. ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ: ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ كَيْلا تَقَعَ خُصُومَةٌ تَجُرُّ إلى مَعْرِفَتِهِ أوْ لِيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في الِاسْتِخْفاءِ دُخُولًا وخُرُوجًا، وقِيلَ: لِيَتَكَلَّفْ ذَلِكَ كَيْ لا يُغْبَنَ فَيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ: لا يَفْعَلْنَّ ما يُؤَدِّي إلى شُعُورِ أحَدٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ بِكم تَأْسِيسًا عَلى هَذا، وهو عَلى الأوَّلِينَ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مِن بابِ الكِنايَةِ نَحْوَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِلا يُخْبِرَنَّ بِكم أحَدًا فَهو عَلى ظاهِرِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: «ولِيَتَلَطَّفْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، وعَنْ قُتَيْبَةَ المَيّالِ: «ولِيُتَلَطَّفْ» بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ هو وأبُو صالِحٍ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: «ولا يَشْعُرَنَّ بِكم أحَدٌ» بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ أحَدٍ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ

الكهف 18:20

﴿إنَّهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في أيُّها أوْ لِلْكَفّارِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ عامٌّ فَيَجُوزُ أنْ يُجْمَعَ ضَمِيرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ . ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَطَّلِعُوا عَلَيْكم ويَعْلَمُوا بِمَكانِكم أوْ يَظْفَرُوا بِكُمْ، وأصْلُ مَعْنى ظَهَرَ صارَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، ولَمّا كانَ ما عَلَيْها يُشاهَدُ ويُتَمَكَّنُ مِنهُ اسْتُعْمِلَ تارَةً في الاطِّلاعِ، وتارَةً في الظَّفَرِ والغَلَبَةِ وعُدِّيَ بِعَلى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «يُظْهَرُوا» بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما يُرِيدُونَهُ مِنكم وثَبَتُّمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ القَتْلُ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، وكانَ ذَلِكَ عادَةً فِيما سَلَفَ فِيمَن خالَفَ في أمْرٍ عَظِيمٍ؛ إذْ هو أشْفى لِلْقُلُوبِ ولِلنّاسِ فِيهِ مُشارَكَةٌ. وقالَ الحَجّاجُ: المُرادُ الرَّجْمُ بِالقَوْلِ أيِ السَّبِّ، وهو لِلنُّفُوسِ الأبِيَّةِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ: يُصَيِّرُوكم إلَيْها ويُدْخِلُوكم فِيها مُكْرَهِينَ، والعَوْدُ في الشَّيْءِ بِهَذا المَعْنى لا يَقْتَضِي التَّلَبُّسَ بِهِ قَبْلُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: العَوْدُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو رُجُوعُ الشَّخْصِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ الفِتْيَةُ عَلى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ أوَّلًا، وإيثارُ كَلِمَةِ «فِي» عَلى كَلِمَةِ «إلى» قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ الَّذِي هو أشَدُّ كَراهَةً، وتَقْدِيمُ احْتِمالِ الرَّجْمِ عَلى احْتِمالِ الإعادَةِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِهِمْ هو الثَّباتُ عَلى الدِّينِ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وضَمِيرُ الخِطابِ في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِ المَبْعُوثِ عَلى ما أُرِيدَ مِنهُ والباقِينَ عَلى الِاهْتِمامِ بِالتَّوْصِيَةِ فَإنَّ إمْحاضَ النُّصْحِ أدْخَلُ في القَبُولِ، واهْتِمامُ الإنْسانِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ أكْثَرُ وأوْفَرُ. صفحة 232 ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: إنْ دَخَلْتُمْ فِيها حَقِيقَةً ولَوْ بِالكُرْهِ والإلْجاءِ لَنْ تَفُوزُوا بِخَيْرٍ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ عَلى هَذا أنَّ الإكْراهَ عَلى الكُفْرِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لاسْتِدْراجِ الشَّيْطانِ إلى اسْتِحْسانِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، وبِما ذُكِرَ سَقَطَ ما قِيلَ إنَّ إظْهارَ الكُفْرِ بِالإكْراهِ مَعَ إبِطانِ الإيمانِ مَعْفُوٌّ في جَمِيعِ الأزْمانِ، فَكَيْفَ رُتِّبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الفَلاحِ أبَدًا، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ إظْهارَ الكُفْرِ مُطْلَقًا كانَ غَيْرَ جائِزٍ عِنْدَهُمْ، ولا إلى حَمْلِ ﴿يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ عَلى يُمِيلُوكم إلَيْها بِالإكْراهِ وغَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ،

الكهف 18:21

ثُمَّ إنَّ الفِتْيَةَ بَعَثُوا أحَدَهُمْ، وكانَ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ يَمْلِيخا، فَكانَ ما أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم فالإشارَةُ إلى الإنامَةِ والبَعْثِ والإفْرادِ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ. وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: الإشارَةُ إلى البَعْثِ المَخْصُوصِ وهو البَعْثُ بَعْدَ تِلْكَ الإنامَةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ العُثُورِ كَما قالَ الرّاغِبُ السُّقُوطُ لِلْوَجْهِ، يُقالُ: عَثَرَ عُثُورًا وعِثارًا إذا سَقَطَ لِوَجْهِهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في المَثَلِ: الجَوادُ لا يَكادُ يَعْثُرُ، وقَوْلُهُمْ: مَن سَلَكَ الجُدُدَ أمِنَ العِثارَ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ في الِاطِّلاعِ عَلى أمْرٍ مِن غَيْرِ طَلَبِهِ. وقالَ الإمامُ المُطَرِّزِيُّ: لَمّا كانَ كُلُّ عاثِرٍ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ عَثْرَتِهِ ورَدَ العُثُورُ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ والعِرْفانِ فَهو في ذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وإنْ أوْهَمَ ذِكْرُ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وجَعَلَهُ الغُورِيُّ حَقِيقَةً في الِاطِّلاعِ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا وأمْرُ التَّجَوُّزِ عَلى حالِهِ، ومَفْعُولُ ﴿أعْثَرْنا﴾ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: وكَذَلِكَ أطْلَعْنا النّاسَ عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو حَيّانَ: أهْلَ مَدِينَتِهِمْ ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلَيْهِمْ بِما عايَنُوا مِن أحْوالِهِمُ العَجِيبَةِ ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالبَعْثِ عَلى أنَّ الوَعْدَ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ أوْ مَوْعُودُهُ تَعالى شَأْنُهُ الَّذِي هو البَعْثُ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُؤَوَّلٌ باسِمِ المَفْعُولِ المُرادُ مَوْعُودُهُ المَعْهُودُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلُّ وعْدِهِ تَعالى أوْ كُلُّ مَوْعُودِهِ سُبْحانَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿حَقٌّ﴾ صادِقٌ لا خُلْفَ فِيهِ أوْ ثابِتٌ مُتَحَقِّقٌ سَيَقَعُ ولا بُدَّ، قِيلَ: لِأنَّ نَوْمَهُمُ الطَّوِيلَ المُخالِفَ لِلْمُعْتادِ وانْتِباهَهم كالمَوْتِ والبَعْثِ. ﴿وأنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ الَّتِي هي في لِسانِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ وقْتِ بَعْثِ الخَلائِقِ جَمِيعًا لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: يَنْبَغِي أنْ لا يُرْتابَ الآنَ في إمْكانِ وُقُوعِها لِأنَّهُ لا يَبْقى بِيَدِ المُرْتابِينَ في ذَلِكَ بُعْدُ النَّظَرِ والبَحْثِ سِوى الِاسْتِنادِ إلى الِاسْتِبْعادِ وعِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الأمْرِ الغَرِيبِ والحالِ العَجِيبِ الَّذِي لَوْ سَمِعُوهُ ولَمْ يَتَحَقَّقُوا وُقُوعَهُ لاسْتَبْعَدُوهُ وارْتابُوا فِيهِ ارْتِيابَهم في ذَلِكَ يَكْسِرُ شَوْكَةَ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادِ ويَهْدِمُ ذَلِكَ الِاسْتِنادَ فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أنْ لا يَرْتابُوا. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَوْجِيهِ تَرَتُّبِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ عَلى الِاطِّلاعِ: إنَّ مَن شاهَدَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا تَوَفّى نُفُوسَهم وأمْسَكَها ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ حافِظًا أبْدانَها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها لا يَبْقى مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ في أنَّ وعْدَهُ تَعالى حَقٌّ، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أرْواحَهم فَيُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ بِحَسْبِ أعْمالِهِمِ اه. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِفادَةِ العِلْمِ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ مِنَ الإطْلاعِ عَلى حالِ القَوْمِ نَظَرًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ المَطْلُوبَ في البَعْثِ إعادَةُ الأبْدانِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها وما في القِصَّةِ طُولُ حِفْظِ الأبْدانِ وأيْنَ هَذا مِن ذَلِكَ؟ والقَوْلُ بِأنَّهُ صفحة 233 مَتى صَحَّ طُولُ حِفْظِ الأبْدانِ المُحْتاجَةِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ صَحَّ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى إعادَتِها بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها بِطَرِيقِ الأوْلى غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ طُولَ الحِفْظِ المَذْكُورَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الحَدْسِ فَلْيُتَدَبَّرْ. ولَعَلَّ الأظْهَرَ تَوْجِيهُ التَّرَتُّبِ بِما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وتَوْضِيحُهُ أنَّ حالَ الفِتْيَةِ حَيْثُ نامُوا في تِلْكَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ والسِّنِينَ العَدِيدَةِ وحُبِسَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ نُفُوسُهم وتَعَطَّلَتْ مَشاعِرُهم وحَواسُّهم مِن غَيْرِ تَصاعُدِ أبْخِرَةِ شَرابٍ وطَعامٍ أوْ نُزُولِ عِلَلٍ وأسْقامٍ، وحُفِظَتْ أبْدانُهم عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ وأُبْقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّراوَةِ والشَّبابِ في سالِفِ الأعْوامِ حَتّى رَجَعَتِ الحَواسُّ والمَشاعِرُ إلى حالِها وأُطْلِقَتِ النُّفُوسُ مِن عِقالِها وأُرْسِلَتْ إلى تَدْبِيرِ أبْدانِها والتَّصَرُّفِ في خُدّامِها وأعْوانِها فَرَأتِ الأمْرَ كَما كانَ، والأعْوانُ هُمُ الأعْوانُ ولَمْ تُنْكِرْ شَيْئًا عَهِدَتْهُ في مَدِينَتِها ولَمْ تَتَذَكَّرْ طُولَ حَبْسِها عَنِ التَّصَرُّفِ في سَرِيرِ سَلْطَنَتِها، وحالُ الَّذِينَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ ما تَعَطَّلَتْ مَشاعِرُهم وحُبِسَتْ نُفُوسُهم ثُمَّ لَمّا أُطْلِقَتْ وجَدَتْ رُبُوعًا عامِرَةً ومُنازِلَ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ دائِرَةً قائِلِينَ قَبْلَ أنْ يُكَشِّرَ عَنْ أنْيابِهِ العَنا: «مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا» في الغَرابَةِ مِن صُقْعٍ واحِدٍ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُعانِدٌ، ووُقُوعُ الأوَّلِ يُزِيلُ الِارْتِيابَ في إمْكانِ وُقُوعِ الثّانِي حَيْثُ كانَ مُسْتَنِدًا إلى الِاسْتِبْعادِ في الحَقِيقَةِ كَما سَمِعْتَ فِيما قَبْلُ لِبُطْلانِ أدِلَّةِ النّافِينَ لِلْحَشْرِ الجُسْمانِيِّ، نَعَمْ في تَرَتُّبِ العِلْمِ بِأنَّ البَعْثَ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ عَلى نَفْسِ الاطِّلاعِ عَلى حالِ الفِتْيَةِ خَفاءٌ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ العِلْمَ المَذْكُورَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى إخْبارِ الصّادِقِ بِوُقُوعِهِ وعَلى إمْكانِهِ في نَفْسِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الِاطِّلاعُ المَذْكُورُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالإمْكانِ وكانَ كالجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ العِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ بَلَغَهم خَبَرُ الصّادِقِ قِيلَ بِتَرَتُّبِ العِلْمِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وكَذا في تَرَتُّبِ العِلْمِ بِأنَّ كُلَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى حَقٌّ عَلى نَفْسِ الِاطِّلاعِ خَفاءٌ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِتَوْجِيهِهِ مِنَ الفُضَلاءِ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي سَمِعْتَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ الإمْكانِ بَعْدَ الوُقُوعِ لِيَلْغُوَ كَما زَعَمَهُ مَن زَعَمَهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الظّاهِرَ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بِأنَّ كُلَّ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مُتَحَقِّقٌ، ويُجْعَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ عَلى مَعْنى لا رَيْبَ في تَحَقُّقِها وهو وجْهٌ في الآيَةِ إلّا أنَّ في دَعْوى الظُّهُورِ مَقالًا فَلا تَغْفُلْ. ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ ظَرْفٌ لِ «أعْثَرْنا» عَلَيْهِمْ قُدِّمَ عَلَيْهِ الغايَةُ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِذِكْرِها. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهُما كَوْنَهُ ظَرْفًا ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّنازُعَ يَحْدُثُ بَعْدَ الإعْثارِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وبِأنَّ التَّنازُعَ كانَ قَبْلَ العِلْمِ وارْتَفَعَ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ وقْتُهُ وقْتَهُ، ولِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ مَجالٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ «حَقٌّ» أوْ لِ «وعْدٌ» وهو كَما تَرى. وأصْلُ التَّنازُعِ التَّجاذُبُ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ التَّخاصُمِ، وهو بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاعْتِبارِ التَّخاصُمِ يَتَعَدّى بِفي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ وضَمِيرُ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ لَمّا عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أيْ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلى أصْحابِ الكَهْفِ النّاسَ أوْ أهْلَ مَدِينَتِهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ ويَتَخاصَمُونَ فِيهِ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ الحَقُّ، وضَمِيرُ ﴿أمْرَهُمْ﴾ قِيلَ: عائِدٌ صفحة 234 أيْضًا عَلى مَفْعُولِ ﴿أعْثَرْنا﴾ والمُرادُ بِالأمْرِ البَعْثُ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِمُ اهْتِمامُهم بِشَأْنِهِ والوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ حالِهِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِن مُقِرٍّ بِهِ وجاحِدٍ وقائِلٍ يَقُولُ: تُبْعَثُ الأرْواحُ دُونَ الأجْسادِ، وآخَرَ يَقُولُ بِبَعْثِهِما مَعًا كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ. رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِ الفِتْيَةِ ومَضى دَهْرٌ طَوِيلٌ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِمُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوهم وجاءَ غَيْرُهم وكانَ مِلْكُهم مُسْلِمًا فاخْتَلَفَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ في أمْرِ البَعْثِ حَسْبَما فُصِّلَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المَلِكِ فانْطَلَقَ فَلَبِسَ المُسُوحَ وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: أيْ رَبِّ، قَدْ تَرى اخْتِلافَ هَؤُلاءِ فابْعَثْ لَهم آيَةً تُبَيِّنُ لَهُمْ، فَقَيَّضَ اللَّهُ تَعالى راعِيَ غَنَمٍ أدْرَكَهُ المَطَرُ فَلَمْ يَزَلْ يُعالِجُ ما سَدَّ بِهِ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ حَتّى فَتَحَهُ وأدْخَلَ غَنَمَهُ فَلَمّا كانَ الغَدُ بُعِثُوا مِن نَوْمِهِمْ فَبَعَثُوا أحَدَهم لِيَشْتَرِيَ لَهم طَعامًا فَدَخَلَ السُّوقَ فَجَعَلَ يُنْكِرُ الوُجُوهَ ويَعْرِفُ الطُّرُقَ، ورَأى الإيمانَ ظاهِرًا بِالمَدِينَةِ، فانْطَلَقَ وهو مُسْتَخْفٍ حَتّى أتى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنهُ طَعامًا، فَلَمّا نَظَرَ الوَرِقَ أنْكَرَها حَيْثُ كانَتْ مِن ضَرْبِ دِقْيانُوسَ كَأنَّها أخْفافُ الرُّبُعِ فاتَّهَمَهُ بِكَنْزٍ وقالَ: لَتَدُلَّنِي عَلَيْهِ أوْ لَأرْفَعَنَّكَ إلى المَلِكِ. فَقالَ: هي مِن ضَرْبِ المَلِكِ. ألَيْسَ مَلِكُكم فُلانًا؟ فَقالَ الرَّجُلُ: لا، بَلْ مَلِكُنا فُلانٌ وكانَ اسْمُهُ يَنْدُوسِيسَ، فاجْتَمَعَ النّاسُ وذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ وهو خائِفٌ فَسَألَهُ عَنْ شَأْنِهِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ وكانَ قَدْ سَمِعَ أنَّ فِتْيَةً خَرَجُوا عَلى عَهْدِ دِقْيانُوسَ فَدَعا مَشْيَخَةَ أهْلِ مَدِينَتِهِ وكانَ رَجُلٌ مِنهم عِنْدَهُ أسْماؤُهم وأنْسابُهم فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ وسَألَ الفَتى فَقالَ: صَدَقَ ثُمَّ قالَ المَلِكُ: أيُّها النّاسُ، هَذِهِ آيَةٌ بَعَثَها اللَّهُ تَعالى لَكم ثُمَّ خَرَجَ هو وأهْلُ المَدِينَةِ ومَعَهُمُ الفَتى فَلَمّا رَأى المَلِكُ الفِتْيَةَ اعْتَنِقْهم وفَرِحَ بِهِمْ ورَآهم جُلُوسًا مُشْرِقَةً وُجُوهُهم لَمْ تُبَلَّ ثِيابُهم فَتَكَلَّمُوا مَعَهُ وأخْبَرُوهُ بِما لَقُوا مِن دِقْيانُوسَ فَبَيْنَما هم بَيْنَ يَدَيْهِ قالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ تَعالى، والسَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى حَفِظَكَ اللَّهُ تَعالى وحَفِظَ مُلْكَكَ ونُعِيذُكَ بِاللَّهِ تَعالى مِن شَرِّ الإنْسِ والجِنِّ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقامَ المَلِكُ إلَيْهِمْ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ أنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنهم في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ ونامَ أتَوْهُ في المَنامِ فَقالُوا: أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ كُلًّا مِنّا في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ فَلا تَفْعَلْ ودَعْنا في كَهْفِنا، فَمِنَ التُّرابِ خُلِقْنا وإلَيْهِ نَعُودُ فَجَعَلَهم في تَوابِيتَ مِن ساجٍ، وبَنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا. ويُرْوى أنَّ الفَتى لَمّا أُتِيَ بِهِ إلى المَلِكِ قالَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا رَجُلٌ مِن أهْلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، وذَكَرَ أنَّهُ خَرَجَ أمْسِ أوْ مُنْذُ أيّامٍ، وذَكَرَ مَنزِلَهُ وأقْوامًا لَمْ يَعْرِفْهم أحَدٌ، وكانَ المَلِكُ قَدْ سَمِعَ أنَّ فِتْيَةً قَدْ فُقِدُوا في الزَّمانِ الأوَّلِ، وأنَّ أسْماءَهم مَكْتُوبَةٌ عَلى لَوْحٍ في الخِزانَةِ فَدَعا بِاللَّوْحِ ونَظَرَ في أسْمائِهِمْ فَإذا هو مِن أُولَئِكَ القَوْمِ فَقالَ الفَتى: وهَؤُلاءِ أصْحابِي فَرَكِبَ القَوْمُ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا أتَوْا بابَ الكَهْفِ قالَ الفَتى: دَعُونِي حَتّى أدْخُلَ عَلى أصْحابِي فَأُبَشِّرُهم فَإنَّهم إذا رَأوْكم مَعِي رُعِبُوا فَدَخَلَ فَبَشَّرَهم وقَبَضَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم وعُمِّيَ عَلى المَلِكِ ومَن مَعَهُ أثَرَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِمْ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، وكانَ وُقُوفُهم عَلى حالِهِمْ بِإخْبارِ الفَتى وقَدِ اعْتَمَدُوا صِدْقَهُ وهَذا هو المُرادُ بِالإعْثارِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿أمْرَهُمْ﴾ لِلْفِتْيَةِ، والمُرادُ بِالأمْرِ الشَّأْنُ والحالُ الَّذِي كانَ قَبْلَ الإعْثارِ أيْ وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَذاكُرِهِمْ بَيْنَهم أمْرَهم وما جَرى لَهم في عَهْدِ المَلِكِ الجَبّارِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، ولَعَلَّهم قَدْ تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنَ الأساطِيرِ وأفْواهِ الرِّجالِ لَكِنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا هَلْ بَقُوا أحْياءً أمْ حَلَّ بِهِمُ الفَناءُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا ابْنُوا﴾ بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَصِيحَةٌ بِلا رَيْبٍ عَلى دَأْبِ صفحة 235 اخْتِصاراتِ القُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَنازُعِهِمْ في أمْرِ البَعْثِ فَتَحَقَّقُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ آيَةٌ مِن آياتِنا فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ حَصَلَ الغَرَضُ مِنَ الإعْثارِ ﴿فَقالُوا ابْنُوا﴾ إلى آخِرِهِ، وكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَذاكُرِهِمْ أمْرَهم وما جَرى لَهم في عَهْدِ المَلِكِ الجَبّارِ ولَمْ يَكُونُوا عارِفِينَ بِما هم عَلَيْهِ فَوَقَفُوا مِن أحْوالِهِمْ عَلى ما وقَفُوا واتَّضَحَ لَهم ما كانُوا قَدْ جَهِلُوا فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ حَصَلَ الغَرَضُ مِنَ الإعْثارِ ﴿فَقالُوا ابْنُوا﴾ إلى آخِرِهِ أيْ قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ ﴿بُنْيانًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وهو كَما قالَ الرّاغِبُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو جَمْعُ بُنْيانَةٍ كَشَعِيرٍ وشَعِيرَةٍ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ البَعْضِ عِنْدَ بَعْضٍ كانَ عَنِ اعْتِناءٍ بِالفَتِيَّةِ وذَلِكَ أنَّهم ضَنُّوا بِتُرْبَتِهِمْ فَطَلَبُوا البِناءَ عَلى بابِ كَهْفِهِمْ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ النّاسُ إلَيْهِمْ. وجَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ اعْتِراضٌ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ المُعْثِرِينَ كَأنَّهم تَذاكَرُوا أمْرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لُبْثِهِمْ فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَوَّضُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلّامِ الغُيُوبِ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ رَدّا لِلْخائِضِينَ في أمْرِهِمْ إمّا مِنَ المُعْثِرِينَ أوْ مِمَّنْ كانَ في عَهْدِهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ عَلى أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ «أمْرَهُمْ» لِلْفِتْيَةِ، والمُرادُ بِالأمْرِ الشَّأْنُ والحالُ الَّذِي كانَ بَعْدَ الإعْثارِ عَلى أنَّ المَعْنى: إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم تَدْبِيرَ أمْرِهِمْ وحالِهِمْ حِينَ تُوُفُّوا كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِهِمْ وبِماذا يُجِلُّونَ قَدْرَهم أوْ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم مِنَ المَوْتِ والحَياةِ حَيْثُ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ الإعْثارِ فَلَمْ يَدْرُوا هَلْ ماتُوا أوْ نامُوا كَما في أوَّلِ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ «إذْ» مَعْمُولًا لِ «اذْكُرْ» مُضْمَرًا أوْ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ . ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ كالتَّنازُعِ، وصَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الفاءَ عَلى أوَّلِ المَعْنَيَيْنِ لِلتَّعْقِيبِ وعَلى ثانِيهِما فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ حِينَ يَتَنازَعُونَ في أنَّهم ماتُوا أوْ نامُوا ثُمَّ فَرَغُوا مِنَ التَّنازُعِ في ذَلِكَ واهْتَمُّوا بِإجْلالِ قَدْرِهِمْ وتَشْهِيرِ أمْرِهِمْ ﴿فَقالُوا ابْنُوا﴾ إلى آخِرِهِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ احْتِمالَ كَوْنِ ضَمِيرِ ( أمْرَهم ) لِلْمُعْثِرِينَ، وأنَّ المُرادَ مِن أمْرِهِمْ أمْرُ دِينِهِمْ وهو البَعْثُ واحْتِمالُ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْفِتْيَةِ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: إذْ يَتَذاكَرُ النّاسُ بَيْنَهم أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ ويَتَكَلَّمُونَ في قِصَّتِهِمْ وما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآيَةِ فِيهِمْ، أوْ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم تَدْبِيرَ أمْرِهِمْ حِينَ تُوُفُّوا كَيْفَ يُخْفُونَ مَكانَهم وكَيْفَ يَسُدُّونَ الطَّرِيقَ إلَيْهِمْ، وجُعِلَ «إذْ» في الأوْجُهِ ظَرْفًا لِ «أعْثَرْنا». وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ الفاءَ عَلى الأوَّلِ فَصِيحَةٌ لا مَحالَةَ وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّعْقِيبِ، أمّا عَلى الثّانِي مِنهُما فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهم لَمّا تَذاكَرُوا قِصَّتَهم وحالَهم وما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآيَةِ فِيهِمْ قالُوا: دَعُوا ذَلِكَ وابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا؛ أيْ: خُذُوا فِيما هو أهَمُّ إلى آخِرِ ما قالَ، واحْتِمالُ جَعْلِ الفاءِ فَصِيحَةً عَلى هَذا الأوَّلِ غَيْرُ بَعِيدٍ، وتَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ «أعْثَرْنا» عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ وكَذا عَلى ما نَقَلْناهُ آنِفًا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إعْثارَهم لَيْسَ في وقْتِ التَّنازُعِ فِيما ذُكِرَ بَلْ قَبْلَهُ. وجَعْلُ وقْتِ التَّنازُعِ مُمْتَدًّا يَقَعُ في بَعْضِهِ الإعْثارُ وفي بَعْضِهِ التَّنازُعُ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى مَعَ أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِإضافَتِهِ إلى التَّنازُعِ وهو مُؤَخَّرٌ في الوُقُوعِ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، والمُرادُ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَزْدادُوا عِلْمًا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ إلى آخِرِهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ غايَةً لِلْإعْثارِ بِواسِطَةِ وُقُوفِهِمْ بِسَبَبِهِ صفحة 236 عَلى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بِما تَحَقَّقُوهُ مِن تَبَدُّلِ القُرُونِ، وجُعِلَ ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ عَلى هَذا ابْتِداءَ إخْبارٍ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا في عَهْدِهِمْ، وخُصَّ الأمْرُ المُتَنازَعُ فِيهِ بِأمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ، ويُخْتارُ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ «اذْكُرْ»، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِلْفِتْيَةِ وإنْ دَعا لِتَأْوِيلِ يَعْلَمُوا بِما سَمِعْتَ لَيْسَ بِبَعِيدِ الإرادَةِ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ كالآثارِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ إلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ عائِدَةً عَلى الفِتْيَةِ كَضَمِيرِ يَعْلَمُوا، و( إذْ ) ظَرْفُ ﴿أعْثَرْنا﴾ والمُرادُ بِالأمْرِ المُتَنازَعِ مِقْدارَ زَمَنِ لُبْثِهِمْ وتَنازُعِهِمْ فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وقَوْلُ الآخَرِ رَدًّا عَلَيْهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ وحَيْثُ لَمْ يَتَّضِحِ الحالُ ولَمْ يَحْصُلِ الإجْماعُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ كانَ التَّنازُعُ في حُكْمِ الباقِي فَكانَ زَمانُهُ مُمْتَدًّا فَصَحَّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْإعْثارِ، وضَمِيرُ ( فَقالُوا ) لِلْمُعْثِرِينَ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى الفِتْيَةِ وقْتَ تَنازُعِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ لِيَزْدادُوا عِلْمًا بِالبَعْثِ فَكانَ ما كانَ وصارَ لَهم بَيْنَ النّاسِ شَأْنٌ أيُّ شَأْنٍ ﴿فَقالُوا ابْنُوا﴾ إلى آخِرِهِ. وكَأنَّ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ عَدَمِ مُساعَدَةِ الآثارِ إيّاهُ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ جِيءَ بِهِ لِرَدِّ المُتَنازِعِينَ مِنَ المُعْثِرِينَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وأمّا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ فَبَعِيدٌ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ المُعْثِرِينَ وهو شَدِيدُ المُلاءَمَةِ جِدًّا لِكَوْنِ التَّنازُعِ في أمْرِهِمْ مِنَ المَوْتِ والحَياةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ غَرَضَ الطّائِفَتَيْنِ القائِلِينَ ﴿ابْنُوا﴾ إلى آخِرِهِ والقائِلِينَ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْظِيمُهم وإجْلالُهُمْ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ غُلِبُوا عَلى أمْرِهِمْ كَما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الوُلاةُ، ويُلائِمُهُ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ﴾ دُونَ اتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الطَّلَبِ المُعَبِّرِ بِها الطّائِفَةُ الأُولى، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ تَنْسُبُهُ الوُلاةُ إلى أنْفُسِها، وضَمِيرُ ﴿أمْرَهُمْ﴾ هُنا قِيلَ لِلْمَوْصُولِ المُرادُ بِهِ الوُلاةُ، ومَعْنى غَلَبَتِهِمْ عَلى أمْرِهِمْ أنَّهم إذا أرادُوا أمْرًا لَمْ يَتَعَسَّرْ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أحَدٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ . وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ الضَّمِيرَ لِأصْحابِ الكَهْفِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ غَلَبُوا قِيلَ المَلِكُ المُسْلِمُ، وقِيلَ: أوْلِياءُ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ البَلَدِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ الغَلَبَةُ في هَذا النِّزاعِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَؤُلاءِ، والمَذْكُورُ في القِصَّةِ أنَّ المَلِكَ جَعَلَ عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا وجَعَلَ لَهُ في كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا عَظِيمًا، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أمْرُهم غَلَبَ المُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ لِأنَّ المَساجِدَ إنَّما تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ. انْتَهى. ويُبْعِدُ الأوَّلَ التَّعْبِيرُ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، والثّانِي إنْ أُرِيدَ مِنَ الأوْلِياءِ الأوْلِياءُ مِن حَيْثُ النَّسَبُ كَما في قَوْلِهِمْ أوْلِياءُ المَقْتُولِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في أثَرِ أنَّ لِأصْحابِ الكَهْفِ حِينَ بُعِثُوا أوْلِياءَ كَذَلِكَ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ المَوْصُولَ بِالمَلِكِ والمُسْلِمِينَ ولا بُعْدَ في إطْلاقِ الأوْلِياءِ عَلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ويَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها كانَتْ كافِرَةً، وأنَّها أرادَتْ بِناءِ بِيعَةٍ أوْ مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وبَنَوْا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ أنَّ المَسْجِدَ مُقابِلُ البِيعَةِ، وما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِن أنَّ المَلِكَ بَنى عَلَيْهِمْ بِيعَةً فَكَتَبَ في أعْلاها: أبْناءُ الأراكِنَةِ أبْناءُ الدَّهاقِينِ ظاهِرٌ في عَدَمِ المُقابَلَةِ، ولَعَلَّهُ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمَسْجِدِ هُنا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اليَوْمَ مِن مُصَلّى المُحَمَّدِيِّينَ بَلِ المُرادُ بِهِ مَعْبَدُ المُؤْمِنِينَ مِن تِلْكَ الأُمَّةِ، وكانُوا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا نَصارى، وإنْ كانَ في المَسْألَةِ قَوْلٌ آخَرُ سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، ومَعْبَدُهم يُقالُ لَهُ بِيعَةٌ، وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ أنَّ المَسْجِدَ اتُّخِذَ لِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ مَن شاءَ. صفحة 237 وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَلِكَ قالَ: لَأتَّخِذَنَّ عِنْدَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الصّالِحِينَ مَسْجِدًا فَلْأعْبُدَنَّ اللَّهَ تَعالى فِيهِ حَتّى أمُوتَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اتُّخِذَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ إذا اسْتَيْقَظُوا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ نامُوا كَما نامُوا أوَّلًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم بَلْ قِيلَ إنَّهم لا يَمُوتُونَ حَتّى يَظْهَرَ المَهْدِيُّ ويَكُونُوا مِن أنْصارِهِ ولا مُعَوِّلَ عَلى ذَلِكَ وهو عِنْدِي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الطّائِفَةَ الأُولى الطّالِبَةَ لِبِناءِ البُنْيانِ عَلَيْهِمْ إذا كانَتْ كافِرَةً لَمْ تَكُنْ غايَةُ الإعْثارِ مُتَحَقِّقَةً في جَمِيعِ المُعْثِرِينَ، ولا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ مُساقًا لِتَنْظِيمِ أمْرِ أصْحابِ الكَهْفِ، ولَعَلَّ تِلْكَ الطّائِفَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ حالَهم وأنَّهم نامُوا تِلْكَ المُدَّةَ ثُمَّ بُعِثُوا فَطَلَبَتِ انْطِماسَ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ وأحالَتْ أمْرَهم إلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ: «غُلِبُوا» بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ووُجِّهَ بِذَلِكَ بِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ المُعْثِرِينَ أرادَتْ أنْ لا يُبْنى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ ولا يُتَعَرَّضَ لِمَوْضِعِهِمْ، وطائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أرادَتِ البِناءَ وأنْ لا يُطْمَسَ الكَهْفُ فَلَمْ يُمْكِنْ لِلطّائِفَةِ الأُولى مَنعُها ووَجَدَتْ نَفْسَها مَغْلُوبَةً فَقالَتْ: إنْ كانَ بُنْيانٌ ولا بُدَّ فَلَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ البِناءِ عَلى قُبُورِ الصُّلَحاءِ واتِّخاذِ مَسْجِدٍ عَلَيْها وجَوازِ الصَّلاةِ في ذَلِكَ، ومِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ في حَواشِيهِ عَلى البَيْضاوِيِّ وهو قَوْلٌ باطِلٌ عاطِلٌ فاسِدٌ كاسِدٌ. فَقَدْ رَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى زائِراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ»». ومُسْلِمٌ: ««ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ، فَإنِّي أنْهاكم عَنْ ذَلِكَ»». وأحْمَدُ عَنْ أُسامَةَ وهو والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»». وأحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ: ««إنَّ أُولَئِكَ إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ فَماتَ بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ»». وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ: ««إنَّ مِن شَرارِ النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، ومَن يَتَّخِذُ القُبُورَ مَساجِدَ»». وعَبْدُ الرَّزّاقِ: ««مِن شِرارِ أُمَّتِي مَن يَتَّخِذُ القُبُورَ مَساجِدَ»». وأيْضًا: ««كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ اتَّخَذُوا القُبُورَ مَساجِدَ فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى»». إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ والآثارِ الصَّرِيحَةِ. وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الزَّواجِرِ أنَّهُ وقَعَ في كَلامِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَدُّ اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ والصَّلاةِ إلَيْها واسْتِلامِها والطَّوافِ بِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ، وكَأنَّهُ أُخِذَ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الأحادِيثِ، ووَجْهُ اتِّخاذِ القَبْرِ مَسْجِدًا واضِحٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَنَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ في قُبُورِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَعَلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ الصُّلَحاءِ شِرارَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَفِيهِ تَحْذِيرٌ لَنا، واتِّخاذُ القَبْرِ مَسْجِدًا مَعْناهُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ أوْ إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: «والصَّلاةِ إلَيْها» مُكَرَّرًا إلّا أنْ يُرادَ بِاتِّخاذِها مَساجِدَ الصَّلاةُ عَلَيْها فَقَطْ، نَعَمْ إنَّما يَتَّجِهُ هَذا الأخْذُ إنْ كانَ القَبْرُ قَبْرَ مُعَظَّمٍ مِن نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ كَما أشارَتْ إلَيْهِ رِوايَةُ: ««إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ»». ومِن ثَمَّ قالَ أصْحابُنا: تَحْرُمُ الصَّلاةُ إلى قُبُورِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ تَبَرُّكًا وإعْظامًا فاشْتَرَطُوا شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ قَبْرَ مُعَظَّمٍ، وأنْ يُقْصَدَ الصَّلاةُ إلَيْها، ومِثْلُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ التَّبَرُّكُ والإعْظامُ، وكَوْنُ هَذا الفِعْلِ كَبِيرَةً ظاهِرٌ مِنَ الأحادِيثِ، وكَأنَّهُ قاسَ عَلَيْهِ كُلَّ تَعْظِيمٍ لِلْقَبْرِ كَإيقادِ السُّرُجِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَبَرُّكًا بِهِ والطَّوافِ بِهِ كَذَلِكَ، وهو أخْذٌ غَيْرُ بَعِيدٍ سِيَّما وقَدْ صَرَّحَ في بَعْضِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ بِلَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ عَلى القَبْرِ سِراجًا، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الأصْحابِ بِكَراهَةِ ذَلِكَ عَلى ما إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ تَعْظِيمًا وتَبَرُّكًا بِذِي القَبْرِ. صفحة 238 وقالَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ: قَصْدُ الرَّجُلِ الصَّلاةَ عِنْدَ القَبْرِ مُتَبَرِّكًا بِهِ عَيْنُ المُحادَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وإبْداعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلنَّهْيِ عَنْها ثُمَّ إجْماعًا فَإنَّ أعْظَمَ المُحَرَّماتِ وأسْبابِ الشِّرْكِ الصَّلاةُ عِنْدَها واتِّخاذُها مَساجِدَ أوْ بِناؤُها عَلَيْها، وتَجِبُ المُبادَرَةُ لِهَدْمِها وهَدْمِ القِبابِ الَّتِي عَلى القُبُورِ إذْ هي أضَرُّ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ لِأنَّها أُسِّسَتْ عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِهَدْمِ القُبُورِ المُشْرِفَةِ، وتَجِبُ إزالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ وسِراجٍ عَلى قَبْرٍ ولا يَصِحُّ وقْفُهُ ولا نَذْرُهُ. اه. وفِي المِنهاجِ وشَرْحِهِ لِلْعَلّامَةِ المَذْكُورِ: ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ القَبْرِ والبِناءُ عَلَيْهِ في حَرِيمِهِ وخارِجِهِ في غَيْرِ المُسَبَّلَةِ إلّا إنْ خُشِيَ نَبْشٌ أوْ حَفْرُ سَبُعٍ أوْ هَدْمُ سَيْلٍ ويَحْرُمُ البِناءُ في المُسَبَّلَةِ، وكَذا تُكْرَهُ الكِتابَةُ عَلَيْهِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنِ الثَّلاثَةِ سَواءٌ كِتابَةُ اسْمِهِ وغَيْرِهِ في لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ أوْ في غَيْرِهِ، نَعَمْ بَحَثَ الأذْرُعِيُّ حُرْمَةَ كِتابَةِ القُرْآنِ لِتَعْرِيضِهِ لِلِامْتِهانِ بِالدَّوْسِ والتَّنْجِيسِ بِصَدِيدِ المَوْتى عِنْدَ تَكَرُّرِ الدَّفْنِ ووُقُوعِ المَطَرِ، ونُدِبَ كِتابَةُ اسْمِهِ لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيفِ بِهِ عَلى طُولِ السِّنِينَ لا سِيَّما قُبُورُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِأنَّهُ طَرِيقٌ لِلْإعْلامِ المُسْتَحَبِّ، ولَمّا رَوى الحاكِمُ النَّهْيَ قالَ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ الآنَ فَإنَّ أئِمَّةَ المُسْلِمِينَ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مَكْتُوبٌ عَلى قُبُورِهِمْ، فَهو عَمَلٌ أخَذَ بِهِ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ. ويُرَدُّ بِمَنعِ هَذِهِ الكُلِّيَّةِ وبِفَرْضِها فالبِناءُ عَلى قُبُورِهِمْ أكْثَرُ مِنَ الكِتابَةِ عَلَيْها في المَقابِرِ المُسَبَّلَةِ كَما هو مُشاهَدٌ لا سِيَّما بِالحَرَمَيْنِ ومِصْرَ ونَحْوِها وقَدْ عَلِمُوا بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَذا هِيَ، فَإنْ قُلْتَ: هو إجْماعٌ فِعْلِيٌّ فَهو حُجَّةٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ قُلْتُ: مَمْنُوعٌ بَلْ هو أكْثَرِيٌّ فَقَطْ؛ إذْ لَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ حَتّى عَنِ العُلَماءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ مَنعَهُ، وبِفَرْضِ كَوْنِهِ إجْماعًا فِعْلِيًّا فَمَحَلُّ حُجِّيَّتِهِ كَما هو ظاهِرٌ إنَّما هو عِنْدَ صَلاحِ الأزْمِنَةِ بِحَيْثُ يُنْفَّذُ فِيها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ مُنْذُ أزْمِنَةٍ. ولَوْ بُنِيَ نَفْسُ القَبْرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ مِمّا مَرَّ كَما هو ظاهِرٌ أوْ نَحْوَ تَحْوِيطٍ أوْ قُبَّةٍ عَلَيْهِ في مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ كَأرْضِ مَواتٍ اعْتادُوا الدَّفْنَ فِيها أوْ مَوْقُوفَةً لِذَلِكَ، بَلْ هي أوْلى هَدْمٍ وُجُوبًا لِحُرْمَتِهِ كَما في المَجْمُوعِ لِما فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ مَعَ أنَّ البِناءَ يَتَأبَّدُ بَعْدَ انْمِحاقِ المَيِّتِ فَيُحَرِّمُ النّاسُ تِلْكَ البُقْعَةَ، وهَلْ مِنَ البِناءِ ما اعْتِيدَ مِن جَعْلِ أرْبَعَةِ أحْجارٍ مُرَبَّعَةٍ مُحِيطَةً بِالقَبْرِ مَعَ لَصْقِ كُلِّ رَأْسٍ مِنها بِرَأْسِ الآخَرِ بِجِصٍّ مُحْكَمٍ أوَّلًا لِأنَّهُ لا يُسَمّى بِناءً عُرْفًا؟ والَّذِي يَتَّجِهُ الأوَّلُ لِأنَّ العِلَّةَ مِنَ التَّأْبِيدِ مَوْجُودَةٌ هُنا، وقَدْ أفْتى جَمْعٌ بِهَدْمِ كُلِّ ما بِقَرافَةِ مِصْرَ مِنَ الأبْنِيَةِ حَتّى قُبَّةِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي بَناها بَعْضُ المُلُوكِ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ هَدْمُ ذَلِكَ ما لَمْ يُخْشَ مِنهُ مَفْسَدَةٌ فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ لِلْإمامِ أخْذًا مِن كَلامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ في الصُّلْحِ. انْتَهى. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي الهِياجِ الأسَدِيِّ قالَ: «قالَ لِي عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أبْعَثُكَ عَلى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ أنْ لا تَدَعَ تِمْثالًا إلّا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلّا سَوَّيْتَهُ». قالَ ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ: وهو مَحْمُولٌ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن تَعْلِيَةِ القُبُورِ بِالبِناءِ الحَسَنِ العالِي، والأحادِيثُ وكَلامُ العُلَماءِ المُنْصِفِينَ المُتَّبِعِينَ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وجاءَ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، لا يُقالُ: إنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في كَوْنِ ما ذُكِرَ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا وقَدِ اسْتُدِلَّ بِها. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها»» الحَدِيثَ. ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وهو مَقُولٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسِياقُهُ الِاسْتِدْلالُ. واحْتَجَّ مُحَمَّدٌ عَلى جَوازِ قِسْمَةِ الماءِ بِطَرِيقِ المُهايَأةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ﴾ الآيَةَ ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ صفحة 239 وأبُو يُوسُفَ عَلى جَرْيِ القَوَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى بِآيَةِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ والكَرْخِيُّ عَلى جَرْيِهِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ والمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ بِتِلْكَ الآيَةِ الوارِدَةِ في بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: مَذْهَبُنا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا وإنْ كانَ إنَّهُ يَلْزَمُنا عَلى أنَّهُ شَرِيعَتُنا لَكِنْ لا مُطْلَقًا، بَلْ إنْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِلا إنْكارٍ، وإنْكارُ رَسُولِهِ ﷺ كَإنْكارِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ سَمِعْتُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ المَساجِدَ عَلى القُبُورِ، عَلى أنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا مَمْنُوعٌ، وكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مِنَ الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَ ما سَمِعْتَ مِن لَعْنِ اليَهُودِ والنَّصارى حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ. والآيَةُ لَيْسَتْ كالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا احْتِجاجَ الأئِمَّةِ بِها، ولَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن حِكايَةِ قَوْلِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ وعَزْمِهِمْ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ ولَيْسَتْ خارِجَةً مَخْرَجَ المَدْحِ لَهم والحَضِّ عَلى التَّأسِّي بِهِمْ فَمَتى لَمْ يَثْبُتْ أنَّ فِيهِمْ مَعْصُومًا لا يَدُلُّ فِعْلُهم فَضْلًا عَنْ عَزْمِهِمْ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ ما كانُوا بِصَدَدِهِ، ومِمّا يُقَوِّي قِلَّةَ الوُثُوقِ بِفِعْلِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الأُمَراءُ والسَّلاطِينُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. وعَلى هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الطّائِفَةَ الأُولى كانُوا مُؤْمِنِينَ عالِمِينَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ فَأشارُوا بِالبِناءِ عَلى بابِ الكَهْفِ وسَدِّهِ وكَفِّ كَفِّ التَّعَرُّضِ عَنْ أصْحابِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الأُمَراءُ مِنهم وغاظَهم ذَلِكَ حَتّى أقْسَمُوا عَلى اتِّخاذِ المَسْجِدِ، وكانَ الأوَّلِينَ إنَّما لَمْ يُشِيرُوا بِالدَّفْنِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ هو المَشْرُوعُ؛ إذْ ذاكَ في المَوْتى كَما أنَّهُ هو المَشْرُوعُ عِنْدَنا فِيهِمْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِمْ مَوْتَهُمْ، ومَنَعَهم مِن تَحْقِيقِهِ أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا كَما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ لِما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ ولِهَذا قالُوا: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ وإنْ أبَيْتَ إلّا حُسْنَ الظَّنِّ بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ فَلَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ اتِّخاذَهُمُ المَسْجِدَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ عَلى طَرْزِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ المَلْعُونُ فاعِلُهُ، وإنَّما هو اتِّخاذُ مَسْجِدٍ عِنْدَهم وقَرِيبًا مِن كَهْفِهِمْ، وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِالعِنْدِيَّةِ في رِوايَةِ القِصَّةِ عَنِ السُّدِّيِّ ووَهْبٍ، ومِثْلُ هَذا الِاتِّخاذِ لَيْسَ مَحْظُورًا إذْ غايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِسْبَةُ المَسْجِدِ إلى الكَهْفِ الَّذِي هم فِيهِ كَنِسْبَةِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ إلى المَرْقَدِ المُعَظَّمِ ﷺ، ويَكُونُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى هَذا لِمُشاكَلَةِ قَوْلِ الطّائِفَةِ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ الِاتِّخاذَ كانَ عَلى الكَهْفِ فَوْقَ الجَبَلِ الَّذِي هو فِيهِ، وفي خَبَرِ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ تَرَكَهم في كَهْفِهِمْ وبَنى عَلى كَهْفِهِمْ مَسْجِدًا وهَذا أقْرَبُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ كَما لا يَخْفى، وهَذا كُلُّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ ماتُوا بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم نامُوا كَما نامُوا أوَّلًا فَلا يُحْتاجُ إلَيْهِ عَلى ما قِيلَ، وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي لِمَن لَهُ أدْنى رُشْدٍ أنْ يَذْهَبَ إلى خِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ والآثارُ الصَّرِيحَةُ مُعَوِّلًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في الغَوايَةِ غايَةٌ وفي قِلَّةِ النُّهى نِهايَةٌ، ولَقَدْ رَأيْتُ مَن يُبِيحُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ في قُبُورِ الصّالِحِينَ مِن إشْرافِها وبِنائِها بِالجِصِّ والآجُرِّ وتَعْلِيقِ القَنادِيلِ عَلَيْها والصَّلاةِ إلَيْها والطَّوافِ بِها واسْتِلامِها والِاجْتِماعِ عِنْدَها في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ القِصَّةِ مِن جَعْلِ المَلِكِ لَهم في كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا وجِعْلِهِ إيّاهم في تَوابِيتَ مِن ساجٍ ومَقِيسًا البَعْضَ عَلى البَعْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحادَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وإبْداعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ويَكْفِيكَ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَتَبُّعُ ما صَنَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو أفْضَلُ قَبْرٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، بَلْ أفْضَلُ مِنَ العَرْشِ، والوُقُوفُ عَلى أفْعالِهِمْ في زِيارَتِهِمْ لَهُ والسَّلامُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ صفحة 240 والسَّلامُ، فَتَتَبَّعْ ذاكَ وتَأمَّلْ ما هُنا وما هُناكَ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ مَوْضِعِ المَسْجِدِ والكَهْفِ وقَدْ مَرَّتْ عَلَيْكَ بَعْضُ الأقْوالِ. وفي البَحْرِ أنَّ في الشّامِ كَهْفًا فِيهِ مَوْتى ويَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَّقِيمَ، ومَعَهم كَلْبٌ رِمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رِمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السّالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ وهم بِهَذِهِ الحالَةِ وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَّقِيمَ، كَأنَّهُ قَصْرٌ مُخَلَّقٌ، قَدْ بَقِيَ بَعْضُ جُدْرانِهِ وهو في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ خَرِبَةٍ وبِأعْلى حِصْنِ غَرْناطَةَ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ آثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْيُوسَ وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ. انْتَهى، وحِينَ كُنّا بِالأنْدَلُسِ كانَ النّاسَ يَزُورُونَ هَذا الكَهْفَ ويَذْكُرُونَ أنَّهم يَغْلَطُونَ في عِدَّتِهِمْ إذا عَدُّوهُمْ، وأنَّ مَعَهم كَلْبًا ويَرْحَلُ النّاسُ إلى لُوشَةَ لِزِيارَتِهِمْ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ المَدِينَةِ القَدِيمَةِ فَقَدْ مَرَرْتُ عَلَيْها مِرارًا لا تُحْصى، وشاهَدْتُ فِيها حِجارَةً كِبارًا، ويَتَرَجَّحُ كَوْنُ ذَلِكَ بِالأنْدَلُسِ لِكَثْرَةِ دِينِ النَّصارى بِها حَتّى أنَّها هي بِلادُ مَمْلَكَتِهِمُ العُظْمى، ولِأنَّ الإخْبارَ بِما هو في أقْصى مَكانٍ مِن أرْضِ الحِجازِ أغْرَبُ وأبْعَدُ أنْ يُعْرَفَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ يُضْعِفُ ما ادُّعِيَ تَرَجُّحُهُ لِأنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَدْخُلِ الأنْدَلُسَ، وتَسْمِيَةُ الأنْدَلُسِيِّينَ نَصارى الأنْدَلُسِ بِالرُّومِ في نَثْرِهِمْ ونَظْمِهِمْ ومُخاطَبَةِ عامَّتِهِمْ كَما في البَحْرِ أيْضًا لا يُجْدِي نَفْعًا، وقَدْ عَوَّلَ الكَثِيرُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في طَرْسُوسَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكهف 18:22

﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدُ كَما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لَهُ ﷺ الخائِضِينَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وأُيِّدَ بِذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ بَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِدَلالَتِهِ أنَّ لَهم عِلْمًا في الجُمْلَةِ بِأحْوالِهِمْ وهو يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرٌ في التَّوْراةِ وفِيهِ ما فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ بِما لَمْ يَكُنْ واقِعًا بَعْدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَيَقُولُونَ إذا قَصَصْتَ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ أوْ إذا سُئِلُوا عَنْ عِدَّتِهِمْ هُمْ: ﴿ثَلاثَةٌ﴾ أيْ: ثَلاثَةُ أشْخاصٍ ﴿رابِعُهُمْ﴾ أيْ: جاعِلُهم أرْبَعَةً بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ ﴿كَلْبُهُمْ﴾ فَثَلاثَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولا عَمَلَ لِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّهُ ماضٍ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِ «ثَلاثَةٌ»، والضَّمِيرانِ لَها لا لِلْمُبْتَدَأِ، ومِن ثَمَّ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالحَذْفِ وإلّا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: هم ثَلاثَةٌ وكَلْبٌ، لَكِنْ بِما أُرِيدَ اخْتِصاصُها بِحُكْمٍ بَدِيعِ الشَّأْنِ عَدَلَ إلى ما ذُكِرَ لِيُنَبِّهَ بِالنَّعْتِ الدّالِّ عَلى التَّفَضُّلَةِ والتَّمْيِيزِ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الفِتْيَةَ لَيْسُوا مِثْلَ كُلِّ ثَلاثَةٍ اصْطَحَبُوا، ومِن ثَمَّ قَرَنَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ أخَسَّ الحَيَواناتِ بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِمْ مَعَ زُمْرَةِ المُتَبَتِّلِينَ إلَيْهِ المُعْتَكِفِينَ في جِوارِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ، وإلى هَذا الإعْرابِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وهو الَّذِي أشارَ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ ونَظَمَ في سِلْكِها مَعَ الآيَةِ حَدِيثَ: ««ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالِثُهُما»». فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ شَنَّعَ بَعْضُ أجِلَّةِ الأفاضِلِ عَلَيْهِ حَتّى أوْصَلَهُ إلى الكُفْرِ ونَسَبَهُ إلَيْهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ ظَلَمَهُ وخَفِيَ عَلَيْهِ مُرادُهُ فَلَمْ يَفْهَمْهُ، ولَمْ يُجَوِّزِ ابْنُ الحاجِبِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ النَّعْتِ كَما لَمْ يُجَوِّزْ هو ولا غَيْرُهُ كَأبِي البَقاءِ جَعْلَها حالًا وجَعَلَها خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ. صفحة 241 وتَقْدِيرُ تَمْيِيزِ العَدَدِ أشْخاصٌ أوْلى مِن تَقْدِيرِهِ رِجالٌ؛ لِأنَّهُ لا تَصِيرُ الثَّلاثَةُ الرِّجالِ أرْبَعَةً بِكَلْبِهِمْ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ، وعَدَمُ اشْتِراطِ اتِّحادِ الجِنْسِ في مِثْلِ ذَلِكَ يَأْباهُ الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافُ ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ. والقَوْلُ بِأنَّ الكَلْبَ بِشَرَفِ صُحْبَتِهِمْ أُلْحِقَ بِالعُقَلاءِ تَخَيُّلٌ شِعْرِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «ثَلاتٌ» بِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ تَقُولُ: ابْعَثْ تِّلْكَ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وكَوْنِهِما مَهْمُوسَيْنِ. ﴿ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَيَقُولُونَ﴾ والمُضارِعُ وإنْ كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هُنا الثّانِي بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ فَلِذا اكْتُفِيَ عَنِ السِّينِ فِيهِ، وإذا عَطَفْتَهُ عَلى مَدْخُولِ السِّينِ دَخَلَ مَعَهُ في حُكْمِها واخْتُصَّ بِالِاسْتِقْبالِ بِواسِطَتِها لَكِنْ قِيلَ: إنَّ العَطْفَ عَلى ذَلِكَ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «خَمَسَةٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وهو كالسُّكُونِ لُغَةٌ فِيها، نَظِيرَ الفَتْحِ والسُّكُونِ في العَشَرَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ وبِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ وعَنْهُ أيْضًا إدْغامُ التَّنْوِينِ في السِّينِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ. ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ أيْ: رَمْيًا بِالخَبَرِ الغائِبِ الخَفِيِّ عَنْهُمُ الَّذِي لا مَطْلَعَ لَهم عَلَيْهِ وإتْيانًا بِهِ أوْ ظَنًّا بِذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ اسْتُعِيرَ الرَّجْمُ وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ الَّتِي لا تُصِيبُ غَرَضًا ومَرْمًى لِلْمُتَكَلِّمِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ ومُلاحَظَةٍ بَعْدَ تَشْبِيهِهِ بِهِ. وفي الكَشْفِ أنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ الغائِبَ عَنْهم عِلْمَهُ بِمَنزِلَةِ الرِّجامِ المَرْمِيِّ بِهِ لا يُقْصَدُ بِهِ مُخاطَبٌ مُعَيَّنٌ ولَوْ قُصِدَ لَأخْطَأ لِعَدَمِ بِنائِهِ عَلى اليَقِينِ كَما أنَّ الرِّجامَ قَلَّما يُصِيبُ المَرْجُومَ عَلى السَّدادِ بِخِلافِ السَّهْمِ ونَحْوِهِ ولِهَذا قالُوا: قَذْفًا بِالغَيْبِ ورَجْمًا بِهِ ولَمْ يَقُولُوا: رَمْيًا بِهِ، وأمّا الرَّمْيُ في السَّبِّ ونَحْوِهِ فالنَّظَرُ إلى تَأْثِيرِهِ في عَرْضِ المَرْمِيِّ تَأْثِيرُ السَّهْمِ في الرَّمِيَّةِ. انْتَهى. وعَلى الثّانِي شُبِّهَ ذِكْرُ أمْرٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ واطْمِئْنانِ قَلْبٍ بِقَذْفِ الحَجَرِ الَّذِي لا فائِدَةَ في قَذْفِهِ ولا يُصِيبُ مَرْماهُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَهُ وضْعُ الرَّجْمِ مَوْضِعَ الظَّنِّ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ. وفي الكَشْفِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِمْ: رَجْمًا بِالظَّنِّ فَهِمُوا مِنَ المَصْدَرِ مَعْناهُ دُونَ النَّظَرِ إلى المُتَعَلِّقِ فَقالُوا: رَجْمًا بِالغَيْبِ؛ أيْ: ظَنًّا بِهِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ حَيْثُ أرادَ المَظْنُونَ، وانْتِصابُ ﴿رَجْمًا﴾ هُنا عَلى الوَجْهَيْنِ؛ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ أيْ راجِمِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنهُما فَإنَّ الرَّجْمَ والقَوْلَ واحِدٌ. وفِي البَحْرِ أنَّهُ ضَمَّنَ القَوْلَ مَعْنى الرَّجْمِ أوْ مِن مَحْذُوفٍ مُسْتَأْنَفٍ أوْ واقِعٍ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلَيْنِ مَعًا أيْ: يَرْجُمُونَ رَجْمًا، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَمْيِهِمْ بِالغَيْبِ أوْ لِظَنِّهِمْ بِذَلِكَ؛ أيِ الحامِلُ لَهم عَلى القَوْلِ هو الرَّجْمُ بِالغَيْبِ، وهو كَما تَرى. ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ المُرادُ الِاسْتِقْبالُ أيْضًا، والكَلامُ في عَطْفِهِ كالكَلامِ في عَطْفِ سابِقِهِ، والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ العَدَدِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ كالجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَجْعَلِ الواوَ مانِعَةً عَنْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ أنَّها الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في قَوْلِكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَّرَتْ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ وفائِدَتُها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ وهي الَّتِي أذِنَتْ هُنا بِأنَّ قائِلِي ما ذُكِرَ قالُوهُ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ ولَمْ يَرْجُمُوا بِالظَّنِّ كَما رَجَمَ صفحة 242 غَيْرُهم فَهو الحَقُّ دُونَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أتْبَعَهُما قَوْلَهُ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وأتْبَعَ هَذا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أيْ: أقْوى وأقْدَمُ في العِلْمِ بِها ﴿ما يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: ما يَعْلَمُ عِدَّتَهم عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ نَظَرًا إلى المَقامِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ وعَلى إيذانِ الواوِ بِما ذُكِرَ يَدُلُّ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العِدَّةُ أيْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَها عِدَّةٌ عادَ يُلْتَفَتُ إلَيْها، وثَبَتَ أنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم عَلى القِطَعِ والبَتاتِ. وقَدْ نَصَّ عَطاءٌ عَلى أنَّ هَذا القَلِيلَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن طُرُقٍ شَتّى، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ إلّا قَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرْتَضِيهِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ، والمُثْبَتِ في هَذا الِاسْتِثْناءِ هو العالِمِيَّةُ وذَلِكَ لا يَضُرُّ في كَوْنِ الأعْلَمِيَّةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا وإلى كَوْنِ الواوِ كَما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَهَبَ ابْنُ المُنَيِّرِ وقالَ بَعْدَ نَقْلِهِ: وهو الصَّوابُ لا كالقَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَسْتَقِرُّ لِمُثْبِتِهِ قَدَمٌ، ورَدَّ ما ذَكَرُوهُ مِن ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعِهِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: الجُمْلَةُ إذا وقَعَتْ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ جازَ أنْ يَدْخَلَها الواوُ وهَذا هو الصَّحِيحُ في إدْخالِ الواوِ في ثامِنِهِمْ واعْتَرَضَ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ فَقالَ أبُو حَيّانَ: كَوْنُ الواوِ تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً دالَّةً عَلى لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ وعَلى ثُبُوتِ اتِّصالِهِ بِها شَيْءٌ لا يَعْرِفُهُ النَّحْوِيُّونَ بَلْ قَرَّرُوا أنَّهُ لا تُعْطَفُ الصِّفَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِجُمْلَةٍ عَلى صِفَةٍ أُخْرى إلّا إذا اخْتَلَفَتِ المَعانِي حَتّى يَكُونَ العَطْفُ دالًّا عَلى المُغايَرَةِ، وأمّا إذا لَمْ تَخْتَلِفْ فَلا يَجُوزُ العَطْفُ، هَذا في الأسْماءِ المُفْرَدَةِ، وأمّا الجُمَلُ الَّتِي تَقَعُ صِفَةً فَهي أبْعَدُ مِن أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيها. وقَدْ رَدُّوا عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا ما جاءَ بِالمَعْنى ولَيْسَ بِاسْمٍ ولا فِعْلٍ إلى أنَّ: «ولَيْسَ بِاسْمٍ إلَخْ» صِفَةٌ لِمَعْنًى، وأنَّ الواوَ دَخَلَتْ في الجُمْلَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ويَأْكُلُ؛ عَلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْلَةُ فِيهِ حالِيَّةٌ ويَكْفِي رَدًّا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن عُلَماءِ النَّحْوِ ذَهَبَ إلَيْهِ اه. وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: دُخُولُ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِاتِّحادِ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ ذاتًا وحُكْمًا وتَأْكِيدًا لِلُصُوقٍ يَقْتَضِي الِاثْنِينِيَّةَ مَعَ أنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الواوَ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وشِدَّةُ اللُّصُوقِ غايَةُ ما في البابِ أنَّها تُفِيدُ الجَمْعَ والجَمْعُ يُنْبِئُ عَنِ الِاثْنِينِيَّةِ، واجْتِماعُ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ يُنْبِئُ عَنِ الِاتِّحادِ بِالنَّظَرِ إلى الذّاتِ. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ داخِلَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ سَهْوٌ مِنهُ، وإنَّما هي واوُ الحالِ، وذُو الحالِ ( قَرْيَةً ) وهي مَوْصُوفَةٌ أيْ: وما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا ولَها... إلَخْ، وأمّا جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ مُتَعاطِفَتَيْنِ وثانِيهِما أنْ يَكُونَ آخَرُ مَعْطُوفًا عَلى رَجُلٍ؛ أيْ: جاءَنِي رَجُلٌ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ، وعُدِلَ عَنْ جاءَنِي رَجُلانِ لِيُفْهَمَ أنَّهُما جاءا مُصاحِبَيْنِ، وأمّا الواوُ في مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، فَإنَّما جازَ دُخُولُها بَيْنَ الحالِ وذِيها لِكَوْنِ الحالِ في حُكْمِ جُمْلَةٍ بِخِلافِ صفحة 243 الصِّفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَوْصُوفِ، فَإنَّ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا في حُكْمِ: جاءَ وهو راكِبٌ، بِخِلافِ: جاءَ زَيْدٌ الرّاكِبُ. فافْهَمْهُ. سَلَّمْنا أنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ لَكِنَّ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وأيْنَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ وكَوْنُ الواوِ هي الَّتِي آذَنَتْ بِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ في غايَةِ البُعْدِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاتِّباعَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ مِنهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى إيذانِ الواوِ بِما ذُكِرَ فَبُطْلانُهُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مِنهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ قائِلِي القَوْلِ الأخِيرِ وعَدَمِ صِدْقِ قائِلِي القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَمُسَلَّمٌ أنَّ اتِّباعَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِ «رَجْمًا بِالغَيْبِ» يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الصِّدْقِ دَلالَةً لا شُبْهَةَ فِيها، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ القَوْلِ الأخِيرِ بِهِ واتِّباعَهُ بِما اتُّبِعَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وإنْ سَلَّمْنا فَهو يَدُلُّ دَلالَةً ضَعِيفَةً، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا دَلالَةَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما ذُكِرَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عُلِمَ أنَّ القَوْلَ الأخِيرَ صادِقٌ مِنَ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ، وأنَّ مُرادَهُ مِن قَوْلِهِ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العِدَّةُ أنَّ الَّذِي هو صِدْقٌ ما وقَعَتِ الواوُ فِيهِ وانْقَطَعَتِ العِدَّةُ بِهِ، فالحَقُّ أنَّ الواوَ واوُ عَطْفٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ. وانْتَصَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ لِلزَّمَخْشَرِيِّ وأجابَ عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ في الجَوابِ مِن تَبْيِينِ المَقْصُودِ تَحْرِيرًا لِلْبَحْثِ؛ فالواوُ هُنا لَيْسَتْ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُعْتَبَرُ في المَجازِ النَّقْلُ الخُصُوصِيُّ بَلِ المُعْتَبَرُ فِيهِ اعْتِبارُ نَوْعِ العَلاقَةِ، وذَكَرُوا أنَّ المَجازَ في عُرْفِ البَلاغَةِ أوْلى مِنَ الحَقِيقَةِ وأبْلَغُ وأنَّ مَدارَ عِلْمِ البَيانِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ الَّذِي هو أنْفَعُ مِن ذَوْقِ التَّعْلِيمِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى التَّوْقِيفِ ولَيْسَ ذَلِكَ كَعِلْمِ النَّحْوِ، والمَجازُ لا يَخْتَصُّ بِالِاسْمِ والفِعْلِ بَلْ قَدْ يَقَعُ في الحُرُوفِ. وقَدْ نَقَلَ شارِحُ اللُّبابِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاةَ ودِرْهَمًا؛ بِمَعْنى الباءِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ والباءَ لِلْإلْصاقِ، وهُما مِن وادٍ واحِدٍ، فَسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ الِاسْتِعارَةِ وكَمْ وكَمْ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: فائِدَتُها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ أنَّ لِلصِّفَةِ نَوْعَ اتِّصالٍ بِالمَوْصُوفِ، فَإذا أُرِيدَ تَوْكِيدُ اللُّصُوقِ وسَّطَ بَيْنِهِما الواوَ لِيُؤْذَنَ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ غَيْرُ مُنْفَكَّةٍ عَنِ المَوْصُوفِ وإلَيْهِ الإشارَةُ فِيما بَعْدُ مِن كَلامِهِ، وأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لا فَرْقَ إلّا بِالِاعْتِبارِ، ألا تَرى أنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها وهي بِعَيْنِها تَصِيرُ حالًا ولَوْ لَمْ يَكُونا مُتَّحِدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ وقَوْلَكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومَعَهُ آخَرُ لَمّا كانا سَواءً في الصُّورَةِ اللَّهُمَّ إلّا في اعْتِبارِ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ كانَ حُكْمُهُما سَواءً في الواوِ وهو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن إيرادِ المِثالَيْنِ لا كَما فَهِمَ بَعْضُهُمْ، وأمّا قَوْلُ الفَراهِيدِيِّ في تَعْلِيلِ امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لِاتِّحادِهِما ذاتًا وحُكْمًا وهو مُنافٍ لِما يَقْتَضِيهِ دُخُولُ الواوِ مِنَ المُغايَرَةِ فَمَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ لِأنَّها هي الَّتِي تَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما قالَ السَّكّاكِيُّ وقَدْ بَيَّنَ وجْهَ مَجازِهِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ. وأمّا قَوْلُهُ فِي: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ إنَّهُ جُمْلَتانِ فَهو كَما تَراهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ: «جاءَ زَيْدٌ راكِبًا» في حُكْمِ: «جاءَ زَيْدٌ وهو راكِبٌ» فَمِنَ المَعْكُوسِ فَإنَّ الأصْلَ في الحالِ الإفْرادُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ الحاجِبِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْيانِ، وأمّا تَسْلِيمُهُ الدُّخُولَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ ومِنهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الِاتِّصافَ أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ فَمِنَ العَجائِبِ فَكَيْفَ يُسَلَّمُ التَّأْكِيدُ ولا يُسَلَّمُ فائِدَتُهُ، ويَدْفَعُ الِاعْتِراضاتِ الباقِيَةَ أنَّ ما اسْتَنَدَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ مِن بابِ الأدِلَّةِ اليَقِينِيَّةِ بَلْ هي مِن بابِ الأماراتِ وتَكْفِي في هَذِهِ المَقاماتِ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ و﴿سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ صِفَةً لِما قَبْلُ ولا حالًا لِعَدَمِ العامِلِ مَعَ عَدَمِ الواوِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ صفحة 244 المَحْذُوفِ، والأخْبارُ إذا تَعَدَّدَتْ جازَ في الثّانِي مِنها الِاقْتِرانُ بِالواوِ وعَدَمُهُ، وهَذا إنْ سُلِّمَ أنَّ المَعْنى في الجُمَلِ واحِدٌ، أمّا إذا قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لا حِكايَةً عَنْهم فَيُفْهَمُ أنَّ القائِلِينَ سَبْعَةٌ أصابُوا ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُقَوِّيهِ ذِكْرٌ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ قَبْلَ الثّالِثَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّها مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها في الرَّجْمِ بِالغَيْبِ فَتَكُونُ صِدْقًا البَتَّةَ إلّا أنَّ هَذا الوَجْهَ يَضْعُفُ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ فَلَوْ جُعِلَ: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ تَصْدِيقًا مِنهُ تَعالى لِمَن قالَ سَبْعَةٌ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العالِمُ بِذَلِكَ كَثِيرًا، فَإنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ مِنهم أحَدٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في المَعْنى، وقَدْ تَعَذَّرَ أنْ تَكُونَ الأخِيرَةُ وصْفًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ كَذَلِكَ انْتَهى. ويُفْهَمُ أنَّ الواوَ هي المانِعَةُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ والدّاءُ هو الدّاءُ فالدَّواءُ هو الدَّواءُ. وقَوْلُهُ: وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ إلَخْ؛ كَلامٌ بِمَراحِلَ عَنْ مُقْتَضى البَلاغَةِ لِأنَّ في كُلِّ اخْتِلافٍ فَوائِدَ، والبَلِيغُ مَن يَنْظُرُ إلى تِلْكَ الفَوائِدِ لا مَن يَرُدُّهُ إلى التَّطْوِيلِ والحَشْوِ في الكَلامِ، وأيْضًا لا بُدَّ مِن قَوْلٍ صادِقٍ مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ لِيَنْطَبِقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ لِأنَّهُ قَدِ انْدَفَعَ بِهِ القَوْلانِ الأوَّلانِ فَيَكُونُ الصّادِقُ هَذا. وتَعْقِيبُهُ بِهِ أمارَةٌ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ مَفْقُودٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّائِلُ، ومَعَ هَذا أيْنَ طَلاوَةُ الكَلامِ وأيْنَ اللُّطْفُ الَّذِي تَسْتَلِذُّهُ الأفْهامُ. وما ذَكَرَهُ مِن لُزُومِ كَوْنِ العالِمِ بِذَلِكَ كَثِيرًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ اسْتِئْنافًا مِنهُ تَعالى لِأنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ؛ لِأنَّ المُصَدِّقَ حِينَئِذٍ هُمُ المُسْلِمُونَ وهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ، ولا اخْتِصاصَ لِلْقَلِيلِ بِما دُونَ العَشَرَةِ، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ قَلِيلٍ في القُرْآنِ فَهو دُونَ العَشَرَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِهِ التَّعَبُ الكَثِيرُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ قِلَّةُ العالِمِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ تَصْدِيقِهِ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا قَلِيلِينَ في حَدِّ أنْفُسِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ مِنهُما، نَعَمْ القَوْلُ بِالِاسْتِئْنافِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. هَذا ووافَقَ في الِانْتِصارِ جَماعَةٌ مِنهم سَيِّدُ المُحَقِّقِينَ وسَنَدُ المُدَقِّقِينَ فَقالَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ صِفَةٌ لِسَبْعَةٍ كَما يَشْهَدُ بِهِ أخَواهُ، وأيْضًا لَيْسَ سَبْعَةٌ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ كَما قِيلَ في قَرْيَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ حَتّى يَصِحَّ الحَمْلُ عَلى الحالِ اتِّفاقًا، ولا شَكَّ أنَّ مَعْنى الجَمْعِ يُناسِبُ مَعْنى اللُّصُوقِ، وبابُ المَجازِ مَفْتُوحٌ فَلْتُحْمَلْ هَذِهِ الواوُ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا لِلُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ فَتَكُونُ هَذِهِ أيْضًا فَرْعًا لِلْعاطِفَةِ كالَّتِي بِمَعْنى مَعَ والحالِيَّةِ والِاعْتِراضِيَّةِ. وأُيِّدَ ذَلِكَ أيْضًا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُورِدَ عَلى تَعْلِيلِ مَنعِهِ لِلْحالِيَّةِ بِعَدَمِ كَوْنِ النَّكِرَةِ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ أنَّهُ لا يَنْحَصِرُ مُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ في كَوْنِها مَوْصُوفَةً أوْ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَقَدْ ذَكَرَ في المُغْنِي أنَّ مِنَ المُسَوِّغاتِ اقْتِرانَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالواوِ فَلْيُحْفَظْ. وقَدْ وافَقَ ابْنُ مالِكٍ الرّادِّينَ لَهُ فَقالَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ مِن تَوَسُّطِ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ فاسِدٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قاسَ في ذَلِكَ الصِّفَةَ عَلى الحالِ وبَيْنَهُما فُرُوقٌ كَثِيرَةٌ؛ لِجَوازِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها وجَوازِ تَخالُفِهِما في الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، وجَوازِ إغْناءِ الواوِ عَنِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ صفحة 245 وامْتِناعِ ذَلِكَ في الواقِعَةِ نَعْتًا فَكَما ثَبَتَ مُخالَفَةُ الحالِ الصِّفَةَ في هَذِهِ الأشْياءِ ثَبَتَتْ مُخالَفَتُها إيّاها بِمُقارَنَةِ الواوِ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ وامْتِناعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ النَّعْتِيَّةِ، الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يُعْرَفُ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، الثّالِثُ: أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما لا يُناسِبُ؛ وذَلِكَ أنَّ الواوَ تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَغايُرِهِما وهو ضِدٌّ لِما يُرادُ مِنَ التَّوْكِيدِ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِعاطِفٍ مُؤَكِّدٍ، الرّابِعُ: أنَّ الواوَ فَصَلَتِ الأوَّلَ مِنَ الثّانِي ولَوْلاها لَتَلاصَقا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها أكَّدَتْ لُصُوقَها، الخامِسُ: أنَّ الواوَ لَوْ صَلَحَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ لَكانَ أوْلى المَواضِعِ بِها مَوْضِعًا لا يَصْلُحُ لِلْحالِ بِخِلافِ جُمْلَةٍ تَصْلُحُ في مَوْضِعِها الحالُ اه، ويُعْلَمُ ما فِيهِ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ فِيما تَقَدَّمَ. والعَجَبُ مِمّا ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ فَهو تَوَهُّمٌ يُسْتَغْرَبُ مِنَ الأطْفالِ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ الرِّجالِ؛ فَتَأمَّلْ ذاكَ. واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ضَمائِرَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِلْخائِضِينَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ لا عَلى وجْهِ إسْنادِ كُلٍّ مِنَ الأفْعالِ إلى كُلِّهِمْ بَلْ إلى بَعْضِهِمْ، فالقَوْلُ الأوَّلُ لِلْيَهُودِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِسَيِّدٍ مِن ساداتِ نَصارى العَرَبِ النَّجْرانِيِّينَ وكانَ يَعْقُوبِيًّا، وكانَ قَدْ وفَدَ مَعَ جَماعَةٍ مِنهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَرى ذِكْرُ أصْحابِ الكَهْفِ فَذَكَرَ مِن عِدَّتِهِمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِمُوافَقَةِ مَن مَعَهُ إيّاهُ في ذَلِكَ، والقَوْلُ الثّانِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْضًا النَّصارى ولَمْ يُقَيِّدْهُمْ، وقِيلَ: العاقِبُ ومَن مَعَهُ مِن نَصارى نَجْرانَ وكانُوا وافِدِينَ أيْضًا وكانَ نَسْطُورِيًّا، والقَوْلُ الثّالِثُ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ، وكَأنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَمّا حَكى الأقْوالَ قَبْلَ أنْ تُقالَ عَلى ذَلِكَ لَقَّنَهُمُ الحَقُّ وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِعَدَمِ نَظْمِ ذَلِكَ القَوْلِ في سِلْكِ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ كَما فَعَلَ بِأخَوَيْهِ وتَغْيِيرِ سَبْكِهِ بِإقْحامِ الواوِ وتَعْقِيبِهِ بِما عَقَّبَهُ بِهِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن كَوْنِ ذَلِكَ أمارَةً عَلى الحَقِّيَّةِ، والمُرادُ بِالقَلِيلِ عَلى هَذا مَن وقَفَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاسْتِرْشادِ بِهَذِهِ الأماراتِ كابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ مَرَّ غَيْرَ بَعِيدٍ أنَّهُ عُدَّ مِن ذَلِكَ وذَكَرَ ما ظاهِرُهُ الِاسْتِشْهادُ بِالواوِ. وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوا تِلْكَ العِدَّةَ مِن وحْيٍ غَيْرِ ما ذُكِرَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أخْبَرَهم ﷺ بِذَلِكَ عَنْ إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِهِ. وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما خَفِيَ عَلى الحَبْرِ ولَما احْتاجَ إلى الِاسْتِشْهادِ، ولَكانَ المُسْلِمُونَ أُسْوَةً لَهُ في العِلْمِ بِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن وُقُوفِ الحَبْرِ عَلى الخَبَرِ مَعَ جَماعَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا يَلْزَمُ مِن إخْبارِهِ ﷺ بِشَيْءٍ وُقُوفُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِن خَبَرٍ تَضَمَّنَ حُكْمًا شَرْعِيًّا تَفَرَّدَ بِرِوايَتِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واحِدٌ مِنهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَما ظَنُّكَ بِما هو مِن بابِ القَصَصِ الَّتِي لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ، واسْتِشْهادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصًّا لا يُنافِي الوُقُوفَ بَلْ قَدْ يُجامِعُهُ بِناءً عَلى ما وقَفْتَ عَلَيْهِ آنِفًا؛ فَهو لَيْسَ نَصًّا في عَدَمِ الوُقُوفِ. وقَدْ أُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَنشَأ العِلْمِ التَّلَقُّنُ مِن هَذا الوَحْيِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ الإماراتِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الصَّحابَةِ السّامِعِينَ لِلْآيَةِ أُسْوَةً لِابْنِ عَبّاسٍ في العِلْمِ نَحْوَ ما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ بَلْ لِأنَّهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أُرْضِعُوا ثَدْيَ البَلاغَةِ في مَهْدِ الفَصاحَةِ وأشْرَقَتْ عَلى آفاقِ قُلُوبِهِمْ وصَفَحاتِ أذْهانِهِمْ مِن مَطالِعِ إيمانِهِمُ الِاسْتِوائِيَّةِ أنْوارُ النُّبُوَّةِ المُفاضَةُ مَن شَمْسِ الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ، وقَلَّما تَنْزِلُ آيَةٌ ولا تُلْقِي عَصاها في رِباعِ أسْماعِهِمْ لِوُفُورِ رَغْبَتِهِمْ في صفحة 246 الِاسْتِماعِ ومَزِيدِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى إسْماعِهِمْ، ومَتى فَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأضْرابُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما فَهِمُوا فَلِمَ لَمْ يَفْهَمْ أصْحابُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ وهم هُمْ، أيَخْطُرُ بِبالِ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ أنَّ الأعْجامَ شَعَرُوا وأكْثَرُ أُولَئِكَ العَرَبِ لَمْ يَشْعُرُوا؟ أمْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَجَلِّي أسْرارِ بَلاغَةِ القُرْآنِ لِمَن لا يَعْرِفُ إعْجازَهُ إلّا بَعْدَ المَشَقَّةِ وتُحْجَبُ عَمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ السَّلِيقَةِ؟ ولا يَكادُ يُدْفَعُ هَذا الإيرادُ إلّا بِالتِزامِ أنَّ السّامِعِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ قَلِيلُونَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في مَكَّةَ وفي المُسْلِمِينَ هُناكَ قِلَّةٌ مَعَ عَدَمِ تَيَسُّرِ الِاجْتِماعِ لَهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذا اجْتِماعُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ نَحْوَ تَيَسُّرِ ذَلِكَ في المَدِينَةِ أوْ بِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ المُلْتَفِتِينَ إلى ما فِيها مِنَ الشَّواهِدِ كانُوا قَلِيلِينَ وهَذا كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّ الضَّمائِرَ لِنَصارى نَجْرانَ تَناظَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عَدَدِ أصْحابِ الكَهْفِ فَقالَتِ المَلَكانِيَّةُ الجُمْلَةَ الأُولى، واليَعْقُوبِيَّةُ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، والنَّسْطُورِيَّةُ الجُمْلَةَ الثّالِثَةَ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو أوْلى مِنَ القَوْلِ السّابِقِ المَحْكِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ. وقالَ الماوَرْدِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ: إنَّ الضَّمائِرَ لِلْمُتَنازِعِينَ في حَدِيثِهِمْ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِما كانَ مِنَ اخْتِلافِ قَوْمِهِمْ في عَدَدِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ هَذا القَوْلُ مِن حِكايَةِ تِلْكَ الأقْوالِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ تَعْقِيبِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ رِوايَةُ أنَّ القَوْمَ حِينَ أتَوْا بابَ الكَهْفِ مَعَ المَبْعُوثِ لِاشْتِراءِ الطَّعامِ قالَ: دَعُونِي أدْخُلْ إلى أصْحابِي قَبْلَكم فَدَخَلَ وعُمِّيَ عَلى القَوْمِ أثَرُهُمْ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم كُلَّما أرادَ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ مِنهم رُعِبُوا فَتُرِكُوا وبُنِيَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، فَلَوْ قِيلَ عَلى هَذا: إنَّ الضَّمائِرَ لِلْمُعْثِرِينَ اخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِمْ والِاجْتِماعِ مَعَهم فَقالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم ما قالَتْ، ولَعَلَّ الطّائِفَةَ الأخِيرَةَ اسْتَخْبَرَتِ الفَتى فَأخْبَرَها بِتِلْكَ العِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ وأخَذَتْ كَلامَهُ بِالقَبُولِ وتَأيَّدَ بِما عِنْدَهم مِن أخْبارِ أسْلافِهِمْ، فَقالَتْ ذَلِكَ عَنْ يَقِينٍ ورَجَمَتِ الطّائِفَتانِ المُتَقَدِّمَتانِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ما يُفِيدُ العِلْمَ عِنْدَهُما ولَعَلَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ لَمْ يَبْعُدْ بَعْدُ ما نُقِلَ عَنِ الماوَرْدِيِّ فَتَدَبَّرْ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ فِي: ( يَقُولُونَ سَبْعَةٌ ) لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ. وأسْماؤُهم عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَكْسِلْمِينا ويَمْلِيخا ومَرْطُولُسُ وثِبْيُونُسُ ودِرْدُونُسُ وكَفاشِيطِيطُوسُ ومِنطُنْواسِيسُ وهو الرّاعِي والكَلْبُ اسْمُهُ قِطْمِيرٌ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أسْماءَهم يَمْلِيخا ومِكِشِيلِينْيا ومِثِلِينْيا وهَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ ومَرْنُوشُ ودِبَرْنُوشُ وشاذْنُوشُ وهَؤُلاءِ أصْحابُ يَسارِهِ، وكانَ يَسْتَشِيرُ السِّتَّةَ، والسّابِعُ الرّاعِي، ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ اسْمُهُ، وذُكِرَ فِيها أنَّ اسْمَ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرٌ. وفِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَقالٌ، وذَكَرَ العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ في حَواشِي البَيْضاوِيِّ أنَّ الطَّبَرانِيَّ رَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ رِوايَةُ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ما قَدَّمْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَدْ سُمُّوا في بَعْضِ الرِّواياتِ بِغَيْرِ هَذِهِ الأسْماءِ، وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ في النُّطْقِ بِأسْمائِهِمُ اخْتِلافًا كَثِيرًا ولا يَقَعُ الوُثُوقُ مِن ضَبْطِها. وفي البَحْرِ: أنَّ أسْماءَ أصْحابِ الكَهْفِ أعْجَمِيَّةٌ لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا نَقْطٍ، والسَّنَدُ في مَعْرِفَتِها ضَعِيفٌ، وذَكَرُوا لَها خَواصَّ فَقالَ النَّيْسابُورِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أسْماءَ أصْحابِ الكَهْفِ تَصْلُحُ لِلطَّلَبِ والهَرَبِ وإطْفاءِ الحَرِيقِ تُكْتَبُ في خِرْقَةٍ ويُرْمى بِها في وسَطِ النّارِ ولِبُكاءِ الطِّفْلِ تُكْتَبُ وتُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ في المَهْدِ ولِلْحَرْثِ تُكْتَبُ عَلى القِرْطاسِ ويُرْفَعُ عَلى خَشَبٍ مَنصُوبٍ في وسَطِ الزَّرْعِ صفحة 247 ولِلضِّرْبانِ ولِلْحُمّى المُثَلَّثَةِ والصُّداعِ والغِنى والجاهِ والدُّخُولِ عَلى السَّلاطِينِ تُشَدُّ عَلى الفَخِذِ اليُمْنى ولِعُسْرِ الوِلادَةِ تُشَدُّ عَلى الفَخِذِ الأيْسَرِ، ولِحِفْظِ المالِ والرُّكُوبِ في البَحْرِ والنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ. انْتَهى، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ، ولَعَلَّهُ شَيْءٌ افْتَراهُ المُتَزَيُّونَ بِزِيِّ المَشايِخِ لِأخْذِ الدَّراهِمِ مِنَ النِّساءِ وسَخَفَةِ العُقُولِ، وأنا أعُدُّ هَذا مِن خَواصِّ أسْمائِهِمْ فَإنَّهُ صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ. وقُرِئَ «وثامِنُهم كالِبُهُمْ» أيْ: صاحِبُ كَلْبِهِمْ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّهم ثَمانِيَةُ رِجالٍ، وأوَّلَ القِراءَةَ المُواتَرَةَ بِأنَّها عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وصاحِبُ كَلْبِهِمْ وهو كَما تَرى. ﴿فَلا تُمارِ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَهُ، والمُماراةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ المُحاجَّةُ فِيما فِيهِ مِرْيَةٌ؛ أيْ: تَرَدُّدٌ، وأصْلُ ذَلِكَ مِن مَرَيْتُ النّاقَةَ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها لِلْحَلْبِ، وفَسَّرَها غَيْرُ واحِدٍ بِالمُجادَلَةِ وهي المُحاجَّةُ مُطْلَقًا؛ أيْ: إذا قَدْ وقَفْتَ عَلى أنَّ في الخائِضِينَ مُخْطِئًا ومُصِيبًا فَلا تُجادِلْهم ﴿فِيهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِ الفِتْيَةِ ﴿إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ وذَلِكَ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما تَعَرَّضَ لَهُ الوَحْيُ المُبِينُ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لِجَمِيعِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِمْ مُصِيبًا وإنْ قَلَّ ولا تَفْضِيحَ وتَعْنِيفَ لِلْجاهِلِ مِنهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بُعِثْتَ لِإتْمامِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ الظّاهِرُ القَوْلُ لَهم لَيْسَ كَما تَعْلَمُونَ. وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ المِراءَ الظّاهِرَ ما كانَ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو جِدالُ العالِمِ المُتَيَقِّنِ بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو ما يَشْهَدُهُ النّاسُ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: المُرادُ مِنَ الظّاهِرِ الذّاهِبُ بِحُجَّةِ الخَصْمِ يُقالُ: ظَهَرَ إذا ذَهَبَ، وأنْشَدَ: وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها أيْ: ذاهِبٌ. ﴿ولا تَسْتَفْتِ﴾ ولا تَطْلُبِ الفُتْيا ﴿فِيهِمْ﴾ في شَأْنِهِمْ ﴿مِنهُمْ﴾ مِنَ الخائِضِينَ ﴿أحَدًا﴾ فَإنَّ فِيما أفْتَيْناكَ غِنًى عَنِ الِاسْتِفْتاءِ فَيُحْمَلُ عَلى التَفَتِّي المُنافِي لِمَكارِمِ الأخْلاقِ؛ إذِ الحالُ لا تَقْتَضِي تَطَيُّبَ الخَواطِرِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَرْجِعْ إلَيْهِمْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ ولا تُصَدِّقِ القَوْلَ الثّالِثَ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ مِنهم بَلْ مِن حَيْثُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذْ قَدْ عَرَفْتَ جَهْلَ أصْحابِ القَوْلَيْنِ فَلا تُجادِلْهم في شَأْنِهِمْ إلّا جِدالًا ظاهِرًا قَدْرَ ما تَعَرَّضَ لَهُ الوَحْيُ مِن وصْفِهِمْ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِن أُولَئِكَ الطّائِفَتَيْنِ أحَدًا لِاسْتِغْنائِكَ بِما أُوتِيتَ مَعَ أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.

الكهف 18:23

﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أيْ: لِأجَلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ ﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشَّيْءَ ﴿غَدًا﴾ أيْ: فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ مُطْلَقًا وهو تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الِاسْتِقْبالِ ويَدْخُلُ فِيهِ الغَدُ بِمَعْنى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ وهو المُتَبادَرُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «سَألَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ وأصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «غَدًا أُخْبِرُكُمْ» ولَمْ يَسْتَثْنِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ ﷺ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذَّبَتْهُ قُرَيْشٌ وحاشاهُ. وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَبْقى عَلى المَعْنى المُتَبادَرِ وما بَعْدَهُ بِذَلِكَ المَعْنى يُعْلَمُ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما بَعْدَهُ لَيْسَ بِمَعْناهُ في مَناطِ النَّهْيِ وهو احْتِمالُ المانِعِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ إذا اتَّسَعَ قَدْ تَرْتَفِعُ فِيهِ المَوانِعُ أوْ تَخِفُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ المانِعَ شامِلٌ لِلْمَوْتِ واحْتِمالٌ في الزَّمانِ الواسِعِ أقْوى.

الكهف 18:24

﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ اغْتِرارًا بِرَدِّ صفحة 248 الطَّبَرِيِّ: إنَّهُ مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ أنْ لا يُحْكى خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وهو مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وفِي الكَلامِ تَقْدِيرُ باءٍ لِلْمُلابَسَةِ داخِلَةً عَلى أنْ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ تَذْكُرَ، قالَ في الكَشْفِ: إنَّ التِباسَ القَوْلِ بِحَقِيقَةِ المَشِيئَةِ مُحالٌ، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ بِذِكْرِها وهو إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَعْلِيقِهِ الأُمُورَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ورُدَّ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لا رَدًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ أعَمَّ الأوْقاتِ؛ أيْ: لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ مِنكَ، وفُسِّرَتِ المَشِيئَةُ عَلى هَذا بِالإذْنِ؛ لِأنَّ وقْتَ المَشِيئَةِ لا يُعْلَمُ إلّا بِإعْلامِهِ تَعالى بِهِ، وإذْنِهِ فِيهِ فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: لا تَقُولَنَّ إلّا بَعْدَ أنْ يُؤْذَنَ لَكَ بِالقَوْلِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْبِيدُ؛ أيْ: ولا تَقُولَنَّ ذَلِكَ أبَدًا، ووَجَّهَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نُهِيَ عَنِ القَوْلِ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهي مَجْهُولَةٌ فَيَجِبُ الِانْتِهاءُ أبَدًا، وأشارَ إلى أنَّهُ هو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ لا ما يُتَوَهَّمُ مِن جَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مِن أنَّ التَّأْبِيدَ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى فِعْلَ ذَلِكَ غَدًا لِقُبْحِهِ كالعَوْدِ في مِلَّةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ القُبْحَ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى إطْلاقِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّخْصِيصُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ عَلى مَعْنى: لا تَقُولَنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ إنِّي أُخْبِرُكم بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ أنْ تَقُولَهُ مِن عِنْدَكَ، فَإذًا لا تَقُولَنَّهُ أبَدًا يَأْباهُ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّهْيِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّفْيِ والتَّقْيِيدُ بِالمُسْتَقْبَلِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ أيْ: مُخْبِرٌ عَنْ أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ غَدًا غَيْرُ مُؤْذِنٍ بِأنَّ قَوْلَهُ في الغَدِ يَكُونُ مِن عِنْدِهِ لا عَنْ وحْيٍ، فالتَّشْبِيهُ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِضِ التَّأْبِيدِ وإنْ كانَ وجْهُ الدَّلالَةِ مُخْتَلِفًا أخْذًا مِن مُتَعَلِّقِ المَشِيئَةِ تارَةً ومِنَ الجَهْلِ بِها أُخْرى، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ في الآيَةِ الوَجْهُ الأوَّلُ، وأنَّ أُمَّتَهُ ﷺ وهو في الخِطابِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ سَواءٌ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي فاعِلٌ﴾ بِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِمّا في حَيِّزِهِ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ إمّا أنْ تَعْتَبِرَ تَعَلُّقَ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ أوْ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في حالِ أوْ وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ أوْ يُعْتَبَرُ تَعَلُّقُها بِعَدَمِهِ فَيَكُونُ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ أوْ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في حالِ أوْ وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَدَمَ الفِعْلِ، ولا شُبْهَةَ في عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلنَّهْيِ بَلْ هو أمْرٌ مَطْلُوبٌ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَعَلِّقًا بِ «إنِّي فاعِلٌ» والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالعَدَمِ صارَ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ إلّا إذا شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ فِعْلِي وهَذا لا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهُ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّهم لا يَشُكُّونَ في أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ فِعْلِ العَبْدِ الِاخْتِيارِيِّ إذا عَرَضَتْ دُونَهُ بِإيجادِ ما يَعُوقُ عَنْهُ مِنَ المَوْتِ ونَحْوِهِ مَنَعَتْ عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ عِنْدَهم بِإيجادِهِ وإعْدامِهِ، وكَذا لا يَصِحُّ النَّهْيُ إذا كانَتِ المَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالفِعْلِ في المَذْهَبَيْنِ، فَما قِيلَ: إنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْناءِ بِما ذُكِرَ صَحِيحٌ والمَعْنى عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَذْهَبَ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ في خَلْقِ الأعْمالِ فَيُضِيفُها لِنَفْسِهِ قائِلًا: إنْ لَمْ تَقْتَرِنْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِالفِعْلِ فَأنا فاعِلُهُ اسْتِقْلالًا، فَإنِ اقْتَرَنَتْ فَلا يَخْفى ما فِيهِ عَلى نَبِيِّهِ فَتَأمَّلْ. وقَدْ شاعَ الِاعْتِراضُ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ المَعاصِيَ واقِعَةٌ مِن غَيْرِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا الطّاعاتِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ فِيما إذا قالَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِهِ قَدْ طالَبَهُ بِهِ: واللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أنْ يَكُونَ حانِثًا إذا لَمْ يَفْعَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ طاعَةً، وإنْ لَمْ يَقَعْ فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ عَنْ يَمِينِهِ ولَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْناءُ صفحة 249 كَما لَوْ قالَ: واللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ إنْ قامَ زَيْدٌ فَقامَ ولَمْ يَفْعَلْ، وفي التِزامِ الحِنْثِ في ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنِ الإجْماعِ. وقَدْ أجابَ عَنْهُ المُرْتَضى بِأنَّ لِلِاسْتِثْناءِ الدّاخِلِ في الكَلامِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً؛ فَقَدْ يَدْخُلُ في الأيْمانِ والطَّلاقِ والعَتاقِ وسائِرِ العُقُودِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأخْبارِ وهَذا يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنْ إمْضاءِ الكَلامِ والمَنعَ مِن لُزُومِ ما يَلْزِمُ بِهِ ويَصِيرُ لَهُ الكَلامُ كَأنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ، ويَصِحُّ في هَذا الوَجْهِ الِاسْتِثْناءُ في الماضِي فَيُقالُ: قَدْ دَخَلْتُ الدّارَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ خَبَرًا قاطِعًا أوْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ، ولا يَصِحُّ في المَعاصِي لِأنَّ فِيهِ إظْهارَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَعاصِي لا يَصْلُحُ ذَلِكَ فِيها، قالَ: وهَذا الوَجْهُ أحَدُ مُحْتَمَلاتِ الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ في الكَلامِ ويُرادُ بِهِ التَّسْهِيلُ والأقْدارُ والتَّخْلِيَةُ والبَقاءُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ وهَذا هو المُرادُ إذا دَخَلَ في المُباحاتِ وهو مُمْكِنٌ في الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ عَلى هَذا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ في كَوْنِ الكَلامِ صادِقًا أوْ كاذِبًا وهو أيْضًا مُمْكِنٌ في الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ ويُرادُ بِهِ اللُّطْفُ والتَّسْهِيلُ وهَذا يَخْتَصُّ بِالطّاعاتِ ولا يَصِحُّ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا. وقَوْلُ المَدْيُونِ السّابِقُ إنْ قَصَدَ بِهِ هَذا المَعْنى لا يَلْزَمُ مِنهُ الحِنْثُ إذا لَمْ يَفْعَلْ، ويَدِينُ المَدْيُونُ وغَيْرُهُ إنِ ادَّعى قَصْدَ ما لا يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ فَلا وُرُودَ لِما اعْتَرَضُوا بِهِ، والإنْصافُ أنَّ الِاعْتِراضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ غَنِيٌّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ هَذا، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ الِاسْتِثْناءِ عَلى التَّقْيِيدِ بِ «إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» بَلْ عَلى التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا ثابِتٌ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ السِّيرافِيُّ في شَرْحِ الكِتابِ. وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِثْناءُ دَفْعُ ما يُوجِبُهُ عُمُومٌ سابِقٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ إلَخْ أوْ دَفْعُ ما يُوجِبُهُ اللَّفْظُ كَقَوْلِهِ: امْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وفِي الحَدِيثِ: ««مَن حَلَفَ عَلى شَيْءٍ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَدِ اسْتَثْنى»». فَما قِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُسَمّى اسْتِثْناءً لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْها هُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَكَذا ما قِيلَ: إنَّها أشْبَهَتِ الِاسْتِثْناءَ في التَّخْصِيصِ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُهُ كَذا قالَ الخَفاجِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ في الحَدِيثِ نَوْعَ إباءٍ لِدَعْوى أنَّ إطْلاقَ الِاسْتِثْناءِ عَلى التَّقْيِيدِ بِ «إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» لُغَوِيٌّ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ لِإفادَةِ المَدْلُولاتِ اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ لِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَذَكَّرْ. ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ تَعالى؛ أيْ: مَشِيئَةَ رَبِّكَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وذِكْرُ مَشِيئَةِ تَعالى عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أنْ يُقالَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿إذا نَسِيتَ﴾ أيْ: إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانُ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرْتَهُ فَإنَّهُ ما دامَ ناسِيًا لا يُؤْمَرُ بِالذِّكْرِ وهو أمْرٌ بِالتَّدارُكِ عِنْدَ التَّذَكُّرِ سَواءٌ قَصُرَ الفَصْلُ أمْ طالَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَرى الِاسْتِثْناءَ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ويَقْرَأُ الآيَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في رَجُلٍ حَلَفَ ونَسِيَ أنْ يَسْتَثْنِيَ قالَ: لَهُ ثُنْياهُ إلى شَهْرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَإنَّ الثُّنْيا حَلْبَ ناقَةٍ قالَ: وكانَ طاوُسٌ يَقُولُ: ما دامَ في مَجْلِسِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: يَسْتَثْنِي صفحة 250 ما دامَ في كَلامِهِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى اشْتِراطِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ في عَدَمِ الحِنْثِ ولَوْ صَحَّ جَوازُ الفَصْلِ وعَدَمُ تَأْثِيرِهِ في الأحْكامِ لا سِيَّما إلى الغايَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِما تَقَرَّرَ إقْرارٌ ولا طَلاقٌ ولا عَتاقٌ ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ. ويُحْكى أنَّهُ بَلَغَ المَنصُورَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خالَفَ ابْنَ عَبّاسٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا يَرْجِعُ إلَيْكَ؛ أنَّكَ تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أفَتَرْضى أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدَكَ فَيَسْتَثْنُوا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ، فاسْتَحْسَنَ كَلامَهُ. ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ رَجُلًا مِن عُلَماءِ المَغْرِبِ أحَبَّ أنْ يَرى عُلَماءَ بَغْدادَ ويَتَحَقَّقَ مَبْلَغَ عِلْمِهِمْ فَشَدَّ الرَّحْلَ لِلِاجْتِماعِ مَعَهم فَدَخَلَ بَغْدادَ مِن بابِ الكَرْخِ فَصادَفَ رَجُلَيْنِ يَمْشِيانِ أمامَهُ يَبِيعانِ البَقْلَ في أطْباقٍ عَلى رُءُوسِهِما فَسَمِعَ أحَدَهُما يَقُولُ لِصاحِبِهِ: يا فُلانُ، إنِّي لَأعْجَبُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَيْفَ جَوَّزَ فَصْلَ الِاسْتِثْناءِ، وقالَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ في الأحْكامِ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُ لَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ لِئَلّا يَحْنَثَ فَإنَّهُ أقَلُّ مُؤْنَةً مِمّا أرْشَدَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ ولَيْسَ بَيْنَ حَلِفِهِ وأمْرِهِ بِما ذَكَرَهُ أكْثَرُ مِن سَنَةٍ فَرَجَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى بَلَدِهِ واكْتَفى بِما سَمِعَ ورَأى، فَسُئِلَ: كَيْفَ وجَدْتَ عُلَماءَ بَغْدادَ؟ فَقالَ: رَأيْتُ مَن يَبِيعُ البَقْلَ عَلى رَأْسِهِ في الطَّرَقاتِ مِن أهْلِها بَلَغَ مَبْلَغًا مِنَ العِلْمِ يَعْتَرِضُ بِهِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَما ظَنُّكَ بِأهْلِ المَدارِسِ المُنْقَطِعِينَ لِخِدْمَةِ العِلْمِ والإنْصافِ، إنَّ هَذا الِاعْتِراضَ عَلى عَلّامَةٍ يُسْتَكْثَرُ مِمَّنْ يَبِيعُ البَقْلَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ. لا يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ يُطابِقُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَبْرُ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّدارُكِ مَعْنًى وكَذا ما جاءَ في الخَبَرِ لِما قالُوا: إنَّ التَّدارُكَ فِيما يَرْجِعُ إلى تَفْوِيضِ العَبْدِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ التَّنَبُّهِ أمّا في التَّأْثِيرِ في الحُكْمِ حَتّى يُخْرِجَهُ عَنِ الجَزْمِ فَلَيْسَتِ الآيَةُ مَسُوقَةً لَهُ ولا دالَّةً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ مِن خَصائِصِهِ ﷺ فَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَثْنِيَ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ بِخِلافِ غَيْرِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ فاسْتَثْنِ إذا ذَكَرْتَ، ثُمَّ قالَ: هي خاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لِأحَدِنا أنْ يَسْتَثْنِيَ إلّا في صِلَةِ يَمِينٍ، وقِيلَ: لَيْسَ في الآيَةِ والخَبَرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَدارَكَ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ بَلْ مِن مُقَدَّرٍ مَدْلُولٍ بِهِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ: كُلَّما نَسِيتَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى اذْكُرْهُ حِينَ التَّذَكُّرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وفِي الحَدِيثِ: ««لا أنْسى المَشِيئَةَ بَعْدَ اليَوْمِ ولا أتْرُكُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أوْ أقُولُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إذا قُلْتُ إنِّي فاعِلٌ أمْرًا فِيما بَعْدُ»» ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في الحَثِّ عَلَيْهِ بِإيهامِ أنَّ تَرْكَهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي يَجِبُ لَها التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ ذَلِكَ عَلى التَّدارُكِ، وحَمْلُ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ مَجازٌ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ إذا عَرَضَ لَكَ نِسْيانٌ لِيَذْكُرَكَ المَنسِيُّ، و﴿نَسِيتَ﴾ عَلى هَذا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ولا يَخْفى بُعْدُ ارْتِباطِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِما سَبَقَ. وحَمَلَ قَتادَةُ الآيَةَ عَلى أداءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها، فَإذا أرادَ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: واقْضِ الصَّلاةَ المَنسِيَّةَ إذْ ذَكَرْتَها فَهو كَما تَرى، وأمْرُ الِارْتِباطِ كَما في سابِقِهِ، وإنْ أرادَ أنَّها تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِقَضاءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ صفحة 251 ذِكْرِها لِما أنَّها دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ المَنسِيِّ، وأمْرُ الصَّلاةِ أشَدُّ والِاهْتِمامُ بِها أعْظَمُ، فالأمْرُ أسْهَلُ، ولَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّهُ أرادَ الأوَّلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرِهِما عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيِ اذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ، ووَجْهُ تَفْسِيرِ النِّسْيانِ بِالغَضَبِ أنَّهُ سَبَبٌ لِلنِّسْيانِ، وأمْرُ هَذا القَوْلِ نَظِيرُ ما مَرَّ. ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ أيْ: يُوَفِّقَنِي ﴿لأقْرَبَ مِن هَذا﴾ أيْ: لِشَيْءٍ أقْرَبَ وأظْهَرَ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ مِنَ الآياتِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِي ﴿رَشَدًا﴾ إرْشادًا لِلنّاسِ ودَلالَةً عَلى ذَلِكَ. وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ آتاهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأبْيَنُ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَباعِدَةِ أيّامُهم والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبَلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وكَأنَّهُ تَهْوِينٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأمْرِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ كَما هَوَّنَهُ جَلَّ وعَلا أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ إلَخْ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ القِصَّةِ، وعَطَفَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلَخْ، ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ لِما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِي. وقالَ الجُبّائِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ إلى آخِرِهِ والمَعْنى عِنْدَهُ: ادْعُ رَبَّكَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا نَسِيتَ شَيْئًا أنْ يُذَكِّرَكَ إيّاهُ وقُلْ إنْ لَمْ يُذَكِّرْكَ سُبْحانَهُ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي لِشَيْءٍ أقْرَبَ مِنَ المَنسِيِّ خَيْرًا ومَنفَعَةً «فَهَذا» إشارَةٌ إلى المَنسِيِّ والرَّشَدُ الخَيْرُ والمَنفَعَةُ و(أقْرَبَ) عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أقْرَبُ مِن جِهَةِ المُتَعَلِّقِ وأبْعَدُ مِن جِهاتٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُتَعاطِفاتِ قَبْلَهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الخَيْرِ أمْرًا ونَهْيًا كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ كَذا ولا تَفْعَلْ كَذا، واطْمَعْ مِن رَبِّكَ أنْ يَهْدِيَكَ لِأقْرَبَ مِمّا أُرْشِدْتَ إلَيْهِ في ضِمْنِ ما سَمِعْتَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ خَيْرًا ومَنفَعَةً، وقَدْ هُدِيَ ﷺ في ضِمْنِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي إلى ما هو أقْرَبُ مِن ذَلِكَ مَنفَعَةً، ولا يَكادُ يُحْصى وهو كَما تَرى، ولَعَلَّهُ عَلى عِلّاتِهِ أقْرَبُ مِمّا نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: عَسى أنْ يُعَرِّفَنِي رَبِّي جَوابَ مَسائِلِكم قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكم ويُعَجِّلَ لِي مِن جِهَتِهِ الرَّشادَ، ولا يَكادُ يُسْتَفادُ هَذا المَعْنى مِنَ الآيَةِ، وعَلى فَرْضِ الِاسْتِفادَةِ تَكُونُ نَظِيرَ اسْتِفادَةِ المَعانِي المُرادَةِ مِنَ المُعَمَّياتِ ويُجَلُّ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكُوفَةِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا نَسِيَ الإنْسانُ الِاسْتِثْناءَ فَتَوْبَتُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ مُحَمَّدٍ الكُوفِيِّ المُفَسِّرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُعْتَمِرُ، وهو قَوْلٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

الكهف 18:25

﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ كَما قالَ مُجاهِدٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ المُدَّةِ المَضْرُوبِ فِيها عَلى آذانِهِمْ هي هَذِهِ المُدَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا وقَدْ أعْلَمُ فَهو الحَقُّ الصَّحِيحُ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ قَطُّ، وفائِدَةُ تَأْخِيرِ البَيانِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم تَنازَعُوا في ذَلِكَ أيْضًا لِذِكْرِهِ عَقِيبَ اخْتِلافِهِمْ في عِدَّةِ أشْخاصِهِمْ ولِيَكُونَ التَّذْيِيلُ بِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ﴾ مُحاكِيًا لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي أُخْبِرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَكُونَ مُعْجِزًا لَهُ، صفحة 252 ولَوْ قِيلَ: فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ سِنِينَ عَدَدًا وأتى بِهِ مُبَيَّنًا أوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الدَّلالَةُ البَتَّةَ، فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوائِدَ، والأصْلُ الأخِيرَةُ. انْتَهى، ويَحْتاجُ عَلى هَذا إلى بَيانِ وجْهِ العُدُولِ عَنِ المُتَبادَرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ فَقِيلَ: هو الإشارَةُ إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ واعْتِبارِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ. فالتِّسْعُ مِقْدارُ التَّفاوُتِ، وقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يُوافِقُ ما عَلَيْهِ الحِسابُ والمُنَجِّمُونَ كَما قالَهُ الإمامُ؛ لِأنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وخَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى الرَّصْدِ الإيلْخانِيِّ، والسَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وخَمْسُونَ يَوْمًا وثَمانِ ساعاتٍ وثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما عَشَرَةَ أيّامٍ وإحْدى وعِشْرِينَ ساعَةً ودَقِيقَةً واحِدَةً، وإذا كانَ هَذا تَفاوُتَ سَنَةٍ كانَ تَفاوُتُ مِائَةِ ألْفِ يَوْمٍ وسَبْعَةٍ وثَمانِينَ يَوْمًا وثَلاثَ عَشْرَةَ ساعَةً وأرْبَعِ دَقائِقَ وهي ثَلاثَةُ سِنِينَ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا وإحْدى عَشْرَةَ ساعَةً وسِتَّ عَشْرَةَ دَقِيقَةً فَيَكُونُ تَفاوُتُ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ تِسْعَ سِنِينَ وثَلاثًا وسَبْعِينَ يَوْمًا وتِسْعَ ساعاتٍ وثَمانِيًا وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ رِوايَتَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ تَثْبُتْ. وبَحَثَ فِيهِ الخَفاجِيُّ بِأنَّ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المَعْنى: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ عَلى حِسابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلَّمُوا قَوْمَكَ السُّؤالَ عَنْ شَأْنِهِمْ وتِسْعًا زائِدَةً عَلى حِسابِ قَوْمِكَ الَّذِينَ سَألُوكَ عَنْ ذَلِكَ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ يُشْعِرُ بِهِ، ودَعْوى أنَّ التَّفاوُتَ تِسْعَ سِنِينَ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّقْرِيبِ؛ لِأنَّ الزّائِدَ لَمْ يَبْلُغْ نِصْفَ سَنَةٍ، بَلْ ولا فَصْلًا مِن فُصُولِها فَلَمْ يُعْبَأْ بِهِ، وكَوْنُ التَّفاوُتِ تِسْعًا تَقْرِيبًا جارٍ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في مِقْدارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ إذِ التَّفاوُتُ في سائِرِها لا يَكادُ يَبْلُغُ رُبْعًا فَضْلًا عَنْ نِصْفٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ في تَوْجِيهِ العُدُولِ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ قَرُبُوا مِنَ الِانْتِباهِ ثُمَّ اتُّفِقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم نائِمِينَ تِسْعَ سِنِينَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ: وازْدادُوا نَوْمًا؛ أيْ: قَوِيَ نَوْمُهم في تِسْعِ سِنِينَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِثُوا﴾ إلَخْ رافِعًا لِلِاخْتِلافِ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ ويَكُونُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ تَقْرِيرًا ودَفْعًا لِلِاحْتِمالِ نَظِيرَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ وسَيَجِيءُ بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقِيلَ: إنَّهُمُ انْتَبَهُوا قَلِيلًا ثُمَّ رُدُّوا إلى حالَتِهِمُ الأُولى فَلِذا ذَكَرَ الِازْدِيادَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ المارَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ إلَخْ وهو فِيما أرى أقْرَبُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ. وقالَ جَمْعٌ: إنَّ الجُمْلَةَ مِن كَلامِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهي مِن مَقُولِ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ السّابِقِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُفَسِّرُ الآيَةَ يَرى أنَّها كَذَلِكَ فَيَهْوِي أبْعَدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ تَلا: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: كَمْ لَبِثَ القَوْمُ؟ قالُوا: ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ فَقالَ: لَوْ كانُوا لَبِثُوا كَذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى مَقالَةَ القَوْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ وقالَ: سَيَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ عِدَّةَ صفحة 253 أصْحابِ الكَهْفِ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم مَعَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ القَوْلَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ فَلِمَ دَلَّ هَذا عَلى الرَّدِّ ولَمْ يَدُلَّ ذاكَ. نَعَمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالُوا لَبِثُوا كَهْفَهُمْ» وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخائِضِينَ في شَأْنِهِمْ إلّا أنَّ التَّعْقِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ كَتَعْقِيبِ القَوْلِ الثّالِثِ في العِدَّةِ بِما سَمِعْتَ في عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى الرَّدِّ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ: ﴿وازْدادُوا﴾ عَلى هَذا القَوْلِ لِأصْحابِ الكَهْفِ كَما أنَّهُ كَذَلِكَ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ لِأهْلِ الكِتابِ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ، ويَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ لِأنَّ بَعْضَهم قالَ: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةٍ، وبَعْضُهم قالَ: إنَّهُ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ اه. ولا يَخْفى ما فِيهِ. وعَلى القَوْلَيْنِ؛ الظّاهِرُ أنَّ: ﴿بِما لَبِثُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ السّابِقِ ذِكْرُها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ إلى زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ كانَتِ التِّسْعُ مُبْهَمَةً لا يُدْرى أنَّها سُنُونَ أمْ شُهُورٌ أمْ أيّامٌ أمْ ساعاتٌ، واخْتَلَفَ فِيً ذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأُمِرَ ﷺ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في التِّسْعِ فَقَطِ اه. ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ إذا سَبَقَ عَدَدٌ مُفَسَّرٌ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُفَسَّرْ حُمِلَ تَفْسِيرُهُ عَلى السّابِقِ؛ فَعِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٌ ظاهِرٌ في «وعَشَرَةُ دَراهِمَ» ولَيْسَ بِمُجْمَلٍ كَما لا يَخْفى. هَذا ونُصِبَ: ﴿تِسْعًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( ازْدادُوا ) وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ زادَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وإذا بُنِيَ عَلى افْتَعَلَ تَعَدّى إلى واحِدٍ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ وغَيْرِهِ أنَّ زادَ قَدْ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ يُقالُ: زِدْتُهُ كَذا فَزادَ هو وازْدادَ كَذا، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ فَلا تَغْفُلْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ «سِنِينَ» في القِراءَةِ بِتَنْوِينِ «مِائَةٍ» مَنصُوبٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقالَ أبُو البَقاءِ وابْنُ الحاجِبِ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةَ مِن: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِثَلاثِمِائَةٍ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ أوْلى مِنَ البَدَلِيَّةَ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَكُونَ العَدَدُ مَقْصُودًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيّامًا أمْ أشْهُرًا أمْ سِنِينَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سِنِينَ». وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الشُّذُوذُ مِن وجْهَيْنِ، وسَتَعْلَمُ وجْهَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِما نُقِلَ في المُفَصَّلِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا لَبِثُوا تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: ووَجَّهَهُ أنَّهُ فُهِمَ مِن لُغَتِهِمْ أنَّ مُمَيِّزَ المِائَةِ واحِدٌ مِن مِائَةٍ كَما إذا قُلْتَ: مِائَةُ رَجُلٍ، فَرَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المِائَةِ فَلَوْ كانَ سِنِينَ تَمْيِيزًا لَكانَ واحِدًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ، وأقَلُّ السِّنِينَ ثَلاثَةٌ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ثَلاثِ سِنِينَ فَيَكُونُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ. ويُرَدُّ بِأنَّ ما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِما إذا كانَ التَّمْيِيزُ مُفْرَدًا، وأمّا إذا كانَ جَمْعًا فالقَصْدُ فِيهِ كالقَصْدِ في وُقُوعِ التَّمْيِيزِ جَمْعًا في نَحْوِ: ثَلاثَةُ أثْوابٍ، مَعَ أنَّ الأصْلَ في الجَمِيعِ الجَمْعُ، وإنَّما عَدَلُوا إلى المُفْرَدِ لِعِلَّةٍ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ التَّمْيِيزُ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، وما قالَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ ما اسْتُعْمِلَ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ كَما اسْتُعْمِلَ المُفْرَدُ فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ الجَمْعُ عَلى أصْلِهِ في ما وُضِعَ لَهُ العَدَدُ فَلا. انْتَهى. وقَدْ صَرَّحَ الخَفاجِيُّ أنَّ ذَلِكَ كَتَقابُلِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ «سِنِينَ» مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ «مِائَةٍ» وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى جُمْلَةِ العَدَدِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: صفحة 254 فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخافِيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ حَيْثُ جُعِلَ سُودًا نَعْتًا لِ «حَلُوبَةً» وهي في المَعْنى نَعْتٌ لِجُمْلَةِ العَدَدِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشّاعِرُ اعْتَبَرَ حَلُوبَةً جَمْعًا وجَعَلَ سُودًا وصْفًا لَها، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ تَفْسِيرًا لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ العَدَدِ مِن حَيْثُ كانَ عَلى لَفْظِ الآحادِ كَما يُقالُ: عِشْرُونَ نَفَرًا، وثَلاثُونَ قَبِيلًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ ويَحْيى والأعْمَشُ والحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: «ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ» بِإضافَةِ مِائَةٍ إلى سِنِينَ، وما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ يُرَدُّ هُنا أيْضًا ويُرَدُّ بِما رُدَّ بِهِ هُناكَ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الإيرادِ بِنَصْبِ سِنِينَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ فَإنَّ مَنشَأ اللُّزُومِ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا وهو مُتَحَقِّقٌ إذا جُرَّ أيْضًا وجُرَّ تَمْيِيزُ المِائَةِ بِالإضافَةِ أحَدُ الأمْرَيْنِ المَشْهُورَيْنِ فِيهِ اسْتِعْمالًا، وثانِيهِما: كَوْنُهُ مُفْرَدًا ولِكَوْنِ الإفْرادِ مَشْهُورًا في الِاسْتِعْمالِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الأصْلُ؛ فَهو أصْلٌ بِحَسْبِ الِاسْتِعْمالِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا الجَمْعُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا؛ لِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ الأصْلُ المَرْفُوضُ قِياسًا نَظَرًا إلى أنَّ المِائَةَ جَمْعٌ كَثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ ونَحْوِهِما كَذا في الكَشْفِ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنِ الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ فَيَأْتِي مُفْرَدًا مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ: إذا عاشَ الفَتى مِائَتَيْنِ عامًا ∗∗∗ فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذاذَةُ والفَتاءُ وقَدْ يَأْتِي جَمْعًا مَجْرُورًا بِالإضافَةِ كَما في الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ ومَن مَعَهُما لَكِنْ قالُوا: إنَّ الجَمْعَ المَذْكُورَ فِيها قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى العارِي عَنْ عَلامَةِ الجَمْعِ لِما أنَّ العَلامَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مُتَمَحِّضَةً لِلْجَمْعِيَّةِ لِأنَّها كالعِوَضِ عَنْ لامِ مُفْرَدِهِ المَحْذُوفَةِ حَتّى أنَّ قَوْمًا لا يُعْرِبُونَهُ بِالحُرُوفِ بَلْ يُجْرُونَهُ مَجْرى حِينٍ، ولَمْ أجِدْ فِيما عِنْدِي مِن كُتُبِ العَرَبِيَّةِ شاهِدًا مِن كَلامِ العَرَبِ لِإضافَةِ المِائَةِ إلى جَمْعٍ، وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يُورِدُونَ الآيَةَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ شاهِدًا لِذَلِكَ وكَفى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى شاهِدًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: «ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ» بِالإضافَةِ والإفْرادِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ وكَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الضَّحّاكُ: «ثَلاثَمِائَةٍ سُنُونَ» بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ سُنُونَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي سُنُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْهُ: «تِسْعًا» بِفَتْحِ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، فاعْلَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما فالغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الغائِبِ والخَفِيُّ جُعِلَ عَيْنَهُ لِلْمُبالَغَةِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ؛ أيْ: لَهُ تَعالى ذَلِكَ عِلْمًا ويَلْزَمُ مِنهُ ثُبُوتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِسائِرِ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ الخَفِيَّ عَلِمَ غَيْرَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، والهاءُ ضَمِيرُهُ تَعالى، والكَلامُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ فَلَيْسَ التَّعَجُّبُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِيُقالَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَتَهُ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ كَما قِيلَ، ولا يَمْتَنِعَ صُدُورُ التَّعَجُّبِ مِن بَعْضِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَقِيقَةً مِن غَيْرِهِ تَعالى. وفِي الحَدِيثِ: ««ما أحْلَمَكَ عَمَّنْ عَصاكَ، وأقْرَبَكَ مِمَّنْ دَعاكَ، وأعْطَفَكَ عَلى مَن سَألَكَ»». ولَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن أرادَهُ، ولِابْنِ هِشامٍ رِسالَةٌ في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ شَأْنَ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ وهُما صِفَتانِ غَيْرُ راجِعَتَيْنِ إلى صِفَةِ العِلْمِ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ بَصَرُ المُبْصِرِينَ وسَمْعُ السّامِعِينَ فَإنَّ اللَّطِيفَ والكَثِيفَ والصَّغِيرَ والكَبِيرَ والجَلِيَّ والخَفِيَّ والسِّرَّ والعَلَنَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ في عَدَمِ الِاحْتِجابِ عَنْ بَصَرِهِ وسَمْعِهِ تَبارَكَ وتَعالى، بَلْ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المَعْدُومَ والمَوْجُودَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى شَيْئِيَّةِ المَعْدُومِ، صفحة 255 والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ بَصَرِهِ عَزَّ وجَلَّ لِما أنَّ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِن قَبِيلِ المُبْصَراتِ، والأصْلُ أبْصَرَ وأسْمَعَ والهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صارَ ذا بَصَرٍ وصارَ ذا سَمْعٍ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمَ تَحَقُّقِهِما لَهُ تَعالى، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وفِيهِما ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ حُوِّلا إلى صِيغَةِ الأمْرِ وبَرَزَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ لِعَدَمِ لِياقَةِ صِيغَةِ الأمْرِ لِتَحَمُّلِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجُرَّ بِالباءِ الزّائِدَةِ فَكانَ لَهُ مَحَلّانِ الجَرُّ لِمَكانِ الباءِ والرَّفْعُ لِمَكانِ كَوْنِهِ فاعِلًا، ولِكَوْنِهِ صارَ فَضْلَةً صُورَةً أُعْطِيَ حُكْمَها فَصَحَّ حَذْفُهُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ فاعِلًا، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَهُمْ، ولا تَكادُ تُحْذَفُ هَذِهِ الباءُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا إذا كانَ المُتَعَجَّبُ مِنهُ أنْ وصِلَتَها نَحْوَ: أحْسِنْ أنْ تَقُولَ، وهَذا الفِعْلُ لِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعْنًى قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحٍ مُقَدَّرٍ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ مَجِيئُهُ عَلى صُورَةِ الأمْرِ وهَذا مَذْهَبُ «س» في هَذا التَّرْكِيبِ، قالَ الرَّضِيُّ: وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ بَلْ جاءَ الماضِي بِمَعْنى الأمْرِ كَما في حَدِيثِ: ««اتَّقى اللَّهَ امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ»». وبِأنْ صارَ ذا كَذا قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنهُ لَجازَ ألْحِمْ بِزَيْدٍ، وأشْحِمْ بِزَيْدٍ، وبِأنَّ زِيادَةَ الباءِ في الفاعِلِ قَلِيلٌ، والمُطَّرِدُ زِيادَتُها في المَفْعُولِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ ألا تَرى أنَّ كَفى بِهِ بِمَعْنى اكْتَفِ بِهِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وقَصَدَ بِهَذا النَّقْلِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ قُصِدَ بِهِ مَعْنًى إنْشائِيٌّ وهو التَّعَجُّبُ، ولَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِنَ الماضِي لِأنَّ الإنْشاءَ أنْسَبُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ في الأكْثَرِ، وبِأنَّ كَثْرَةَ أفْعَلَ بِمَعْنى صارَ ذا كَذا لا تَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وجَوازُ ألْحِمْ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ لازِمٌ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وعَلى مَعْنًى آخَرَ غَيْرُ لازِمٍ، نَعَمْ ما ذُكِرَ مِن قِلَّةِ زِيادَةِ الباءِ في الفاعِلِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، والإنْصافُ أنَّ مَذْهَبَ س في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ. ومَذْهَبُ الأخْفَشِ وعَزاهُ الرَّضِيُّ إلى الفَرّاءِ أنَّ أفْعِلْ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أمْرٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَإذا قُلْتَ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ فَقَدْ أمَرْتَ كُلَّ واحِدٍ بِأنْ يَجْعَلَ زَيْدًا حَسَنًا، ومَعْنى جَعْلِهِ كَذَلِكَ وصْفُهُ بِهِ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: صِفْهُ بِالحُسْنِ كَيْفَ شِئْتَ، فَإنَّ فِيهِ مِنهُ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في شَخْصٍ كَما قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ وجَدْتَ مَكانَ القَوْلِ ذا سِعَةٍ ∗∗∗ فَإنْ وجَدْتَ لِسانًا قائِلًا فَقُلِ وهَذا المَعْنى مُناسِبٌ لِلتَّعَجُّبِ بِخِلافِ تَقْدِيرِ س، وأيْضًا هَمْزَةُ الجَعْلِ أكْثَرُ مِن هَمْزَةِ صارَ ذا كَذا، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُما عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ قِياسًا مُطَّرِدًا، واعْتُبِرَ الفاعِلُ ضَمِيرَ المَأْمُورِ وهو كُلُّ أحَدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لِظُهُورِ الأمْرِ يُؤْمَرُ كُلُّ أحَدٍ لا عَلى التَّعْيِينِ بِوَصْفِهِ بِما ذُكِرَ، ولَمْ يُتَصَرَّفْ في أفْعِلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ فَيُسْنَدُ إلى مُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ لِما ذَكَرُوا مِن عِلَّةِ كَوْنِ فَعَلَ لِلتَّعَجُّبِ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ وهي مُشابَهَتُهُ الحُرُوفَ في الإنْشاءِ وكَوْنُ كُلِّ لَفْظٍ مِن ألْفاظِهِ صارَ عَلَمًا لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي، وإنْ كانَ هُناكَ جُمْلَةٌ فالقِياسُ أنْ لا يُتَصَرَّفَ فِيهِ احْتِياطًا لِتَحْصِيلِ الفَهْمِ كَأسْماءِ الأعْلامِ فَلِذا لَمْ يُتَصَرَّفْ في نِعْمَ وبِئْسَ في الأمْثالِ، وسَهَّلَ ذَلِكَ هُنا انْمِحاءُ مَعْنى الأمْرِ فِيهِ كَما انْمَحى مَعْنى الجَعْلِ وصارَ لِمَحْضِ إنْشاءِ التَّعَجُّبِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنى الخِطابِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صَيِّرْهُ ذا حُسْنٍ، ثُمَّ إنَّهُ اعْتَذَرَ لِبَقاءِ أحْسِنْ في الأحْوالِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ لِكَوْنِ الخِطابِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ؛ أيْ: يا حُسْنُ أحْسِنْ بِزَيْدٍ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ وسَماجَةٌ، صفحة 256 وأيْضًا نَحْنُ نَقُولُ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ يا عَمْرُو، ولا يُخاطَبُ شَيْئانِ في حالَةٍ إلّا أنْ يَقُولَ: مَعْنى خِطابِ الحُسْنِ قَدِ انْمَحى، وثَمَرَةُ الخِلافِ بَيْنَ س وغَيْرِهِ تَظْهَرُ فِيما إذا اضْطُرَّ إلى حَذْفِ الباءِ فَعَلى مَذْهَبِ س يَلْزَمُ رَفْعُ مَجْرُورِهِ وعَلى غَيْرِهِ يَلْزَمُ نَصْبُهُ، هَذا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أبْصِرْ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأسْمِعْ بِهِ؛ أيْ: بَصُرَ بِهُدى اللَّهِ تَعالى وسَمِعَ بِهِ فَتَرْجِعُ الهاءُ إمّا عَلى الهُدى وإمّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ عِيسى: «أبْصَرَ بِهِ وأسْمَعَ» بِصِيغَةِ الماضِي فِيهِما، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ المُرادَ الإخْبارُ لا التَّعَجُّبُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: أبْصَرَ عِبادَهُ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وأسْمَعَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: «أبْصَرَ» أفْعَلَ تَفْضِيلٍ وكَذا «أسْمَعَ» وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ «لَهُ» وضَمِيرِ «بِهِ» عائِدٌ عَلى الغَيْبِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ التَّفْضِيلِ بَلْ عِظَمَ شَأْنِ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ مِمّا ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصِيرًا بِهِ وسَمِيعًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأعْظَمِهِ. ﴿ما لَهُمْ﴾ أيْ: لِأهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِما ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى ﴿مِن ولِيٍّ﴾ مَن يَتَوَلّى أُمُورَهم ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ في قَضائِهِ تَعالى ﴿أحَدًا﴾ كائِنًا مَن كانَ ولا يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ مَدْخَلًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ الكَهْفِ، وإضافَةُ «حُكْمِ» لِلْعَهْدِ عَلى مَعْنى ما لَهم مَن يَتَوَلّى أمْرَهم ويَحْفَظُهم غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ المُشاقِّينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجَعَلَ الآيَةَ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مَعْنى مُؤْمِنِي أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. والمُرادُ أنَّهم لَنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى ولِيًّا، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أصْحابِ الكَهْفِ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى أمْرَهم غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَهم لا يَقْدِرُونَ بِغَيْرِ إقْدارِهِ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ بِغَيْرِ إعْلامِهِ عَزَّ وجَلَّ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ في نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن أنْ يُقالَ: مِن ولِيٍّ ولا شَرِيكٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: «ولا يُشْرِكْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ والجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، ووَجَّهَ بَعْضُهم بِأنَّهُ سَكَّنَ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدٌ وحُمَيْدُ بْنُ الوَزِيرِ عَنْ يَعْقُوبَ والجَعْفِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: «ولا تُشْرِكْ» بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ والجَزْمِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ عَنِ الشِّرْكِ لا نَهْيٌ لَهُ ﷺ، ولَوْ جُعِلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَجُعِلَ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. فَيَكُونُ مَآلُهُ إلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ﷺ ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى «لا تَقُولَنَّ» والمَعْنى: لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا لا تَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ولُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى ما يَأْتِيكَ في ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، أوْ لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نَبَأِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى بَيانِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ، وإنْ كانَ أشَدَّ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:

الكهف 18:26

﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ كَما قالَ مُجاهِدٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ المُدَّةِ المَضْرُوبِ فِيها عَلى آذانِهِمْ هي هَذِهِ المُدَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا وقَدْ أعْلَمُ فَهو الحَقُّ الصَّحِيحُ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ قَطُّ، وفائِدَةُ تَأْخِيرِ البَيانِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم تَنازَعُوا في ذَلِكَ أيْضًا لِذِكْرِهِ عَقِيبَ اخْتِلافِهِمْ في عِدَّةِ أشْخاصِهِمْ ولِيَكُونَ التَّذْيِيلُ بِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ﴾ مُحاكِيًا لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي أُخْبِرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَكُونَ مُعْجِزًا لَهُ، صفحة 252 ولَوْ قِيلَ: فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ سِنِينَ عَدَدًا وأتى بِهِ مُبَيَّنًا أوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الدَّلالَةُ البَتَّةَ، فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوائِدَ، والأصْلُ الأخِيرَةُ. انْتَهى، ويَحْتاجُ عَلى هَذا إلى بَيانِ وجْهِ العُدُولِ عَنِ المُتَبادَرِ وهو ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ فَقِيلَ: هو الإشارَةُ إلى أنَّها ثَلاثُمِائَةٍ بِحِسابِ أهْلِ الكِتابِ واعْتِبارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعٌ بِحِسابِ العَرَبِ واعْتِبارِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ. فالتِّسْعُ مِقْدارُ التَّفاوُتِ، وقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يُوافِقُ ما عَلَيْهِ الحِسابُ والمُنَجِّمُونَ كَما قالَهُ الإمامُ؛ لِأنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وخَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى الرَّصْدِ الإيلْخانِيِّ، والسَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وخَمْسُونَ يَوْمًا وثَمانِ ساعاتٍ وثَمانٍ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما عَشَرَةَ أيّامٍ وإحْدى وعِشْرِينَ ساعَةً ودَقِيقَةً واحِدَةً، وإذا كانَ هَذا تَفاوُتَ سَنَةٍ كانَ تَفاوُتُ مِائَةِ ألْفِ يَوْمٍ وسَبْعَةٍ وثَمانِينَ يَوْمًا وثَلاثَ عَشْرَةَ ساعَةً وأرْبَعِ دَقائِقَ وهي ثَلاثَةُ سِنِينَ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا وإحْدى عَشْرَةَ ساعَةً وسِتَّ عَشْرَةَ دَقِيقَةً فَيَكُونُ تَفاوُتُ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ تِسْعَ سِنِينَ وثَلاثًا وسَبْعِينَ يَوْمًا وتِسْعَ ساعاتٍ وثَمانِيًا وأرْبَعِينَ دَقِيقَةً؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ رِوايَتَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ تَثْبُتْ. وبَحَثَ فِيهِ الخَفاجِيُّ بِأنَّ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المَعْنى: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ عَلى حِسابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلَّمُوا قَوْمَكَ السُّؤالَ عَنْ شَأْنِهِمْ وتِسْعًا زائِدَةً عَلى حِسابِ قَوْمِكَ الَّذِينَ سَألُوكَ عَنْ ذَلِكَ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ يُشْعِرُ بِهِ، ودَعْوى أنَّ التَّفاوُتَ تِسْعَ سِنِينَ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّقْرِيبِ؛ لِأنَّ الزّائِدَ لَمْ يَبْلُغْ نِصْفَ سَنَةٍ، بَلْ ولا فَصْلًا مِن فُصُولِها فَلَمْ يُعْبَأْ بِهِ، وكَوْنُ التَّفاوُتِ تِسْعًا تَقْرِيبًا جارٍ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في مِقْدارِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ إذِ التَّفاوُتُ في سائِرِها لا يَكادُ يَبْلُغُ رُبْعًا فَضْلًا عَنْ نِصْفٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ في تَوْجِيهِ العُدُولِ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ قَرُبُوا مِنَ الِانْتِباهِ ثُمَّ اتُّفِقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم نائِمِينَ تِسْعَ سِنِينَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ: وازْدادُوا نَوْمًا؛ أيْ: قَوِيَ نَوْمُهم في تِسْعِ سِنِينَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِثُوا﴾ إلَخْ رافِعًا لِلِاخْتِلافِ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ ويَكُونُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ تَقْرِيرًا ودَفْعًا لِلِاحْتِمالِ نَظِيرَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ وسَيَجِيءُ بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقِيلَ: إنَّهُمُ انْتَبَهُوا قَلِيلًا ثُمَّ رُدُّوا إلى حالَتِهِمُ الأُولى فَلِذا ذَكَرَ الِازْدِيادَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ المارَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ إلَخْ وهو فِيما أرى أقْرَبُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ. وقالَ جَمْعٌ: إنَّ الجُمْلَةَ مِن كَلامِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهي مِن مَقُولِ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ السّابِقِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُفَسِّرُ الآيَةَ يَرى أنَّها كَذَلِكَ فَيَهْوِي أبْعَدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ تَلا: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: كَمْ لَبِثَ القَوْمُ؟ قالُوا: ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ فَقالَ: لَوْ كانُوا لَبِثُوا كَذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى مَقالَةَ القَوْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ وقالَ: سَيَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ عِدَّةَ صفحة 253 أصْحابِ الكَهْفِ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم مَعَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ القَوْلَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ فَلِمَ دَلَّ هَذا عَلى الرَّدِّ ولَمْ يَدُلَّ ذاكَ. نَعَمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالُوا لَبِثُوا كَهْفَهُمْ» وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخائِضِينَ في شَأْنِهِمْ إلّا أنَّ التَّعْقِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ كَتَعْقِيبِ القَوْلِ الثّالِثِ في العِدَّةِ بِما سَمِعْتَ في عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى الرَّدِّ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ: ﴿وازْدادُوا﴾ عَلى هَذا القَوْلِ لِأصْحابِ الكَهْفِ كَما أنَّهُ كَذَلِكَ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ لِأهْلِ الكِتابِ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ، ويَظْهَرُ فِيهِ وجْهُ العُدُولِ عَنْ ثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ لِأنَّ بَعْضَهم قالَ: لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةٍ، وبَعْضُهم قالَ: إنَّهُ أزْيَدُ بِتِسْعَةٍ اه. ولا يَخْفى ما فِيهِ. وعَلى القَوْلَيْنِ؛ الظّاهِرُ أنَّ: ﴿بِما لَبِثُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ السّابِقِ ذِكْرُها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ إشارَةٌ إلى المُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ إلى زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ كانَتِ التِّسْعُ مُبْهَمَةً لا يُدْرى أنَّها سُنُونَ أمْ شُهُورٌ أمْ أيّامٌ أمْ ساعاتٌ، واخْتَلَفَ فِيً ذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأُمِرَ ﷺ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في التِّسْعِ فَقَطِ اه. ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ إذا سَبَقَ عَدَدٌ مُفَسَّرٌ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُفَسَّرْ حُمِلَ تَفْسِيرُهُ عَلى السّابِقِ؛ فَعِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٌ ظاهِرٌ في «وعَشَرَةُ دَراهِمَ» ولَيْسَ بِمُجْمَلٍ كَما لا يَخْفى. هَذا ونُصِبَ: ﴿تِسْعًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( ازْدادُوا ) وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ زادَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وإذا بُنِيَ عَلى افْتَعَلَ تَعَدّى إلى واحِدٍ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ وغَيْرِهِ أنَّ زادَ قَدْ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ يُقالُ: زِدْتُهُ كَذا فَزادَ هو وازْدادَ كَذا، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ فَلا تَغْفُلْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ «سِنِينَ» في القِراءَةِ بِتَنْوِينِ «مِائَةٍ» مَنصُوبٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقالَ أبُو البَقاءِ وابْنُ الحاجِبِ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةَ مِن: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِثَلاثِمِائَةٍ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ أوْلى مِنَ البَدَلِيَّةَ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَكُونَ العَدَدُ مَقْصُودًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيّامًا أمْ أشْهُرًا أمْ سِنِينَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سِنِينَ». وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الشُّذُوذُ مِن وجْهَيْنِ، وسَتَعْلَمُ وجْهَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِما نُقِلَ في المُفَصَّلِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا لَبِثُوا تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: ووَجَّهَهُ أنَّهُ فُهِمَ مِن لُغَتِهِمْ أنَّ مُمَيِّزَ المِائَةِ واحِدٌ مِن مِائَةٍ كَما إذا قُلْتَ: مِائَةُ رَجُلٍ، فَرَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المِائَةِ فَلَوْ كانَ سِنِينَ تَمْيِيزًا لَكانَ واحِدًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ، وأقَلُّ السِّنِينَ ثَلاثَةٌ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ثَلاثِ سِنِينَ فَيَكُونُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ. ويُرَدُّ بِأنَّ ما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِما إذا كانَ التَّمْيِيزُ مُفْرَدًا، وأمّا إذا كانَ جَمْعًا فالقَصْدُ فِيهِ كالقَصْدِ في وُقُوعِ التَّمْيِيزِ جَمْعًا في نَحْوِ: ثَلاثَةُ أثْوابٍ، مَعَ أنَّ الأصْلَ في الجَمِيعِ الجَمْعُ، وإنَّما عَدَلُوا إلى المُفْرَدِ لِعِلَّةٍ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ التَّمْيِيزُ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، وما قالَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ ما اسْتُعْمِلَ جَمْعًا اسْتُعْمِلَ كَما اسْتُعْمِلَ المُفْرَدُ فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ الجَمْعُ عَلى أصْلِهِ في ما وُضِعَ لَهُ العَدَدُ فَلا. انْتَهى. وقَدْ صَرَّحَ الخَفاجِيُّ أنَّ ذَلِكَ كَتَقابُلِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ «سِنِينَ» مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ «مِائَةٍ» وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى جُمْلَةِ العَدَدِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: صفحة 254 فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخافِيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ حَيْثُ جُعِلَ سُودًا نَعْتًا لِ «حَلُوبَةً» وهي في المَعْنى نَعْتٌ لِجُمْلَةِ العَدَدِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشّاعِرُ اعْتَبَرَ حَلُوبَةً جَمْعًا وجَعَلَ سُودًا وصْفًا لَها، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ تَفْسِيرًا لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ العَدَدِ مِن حَيْثُ كانَ عَلى لَفْظِ الآحادِ كَما يُقالُ: عِشْرُونَ نَفَرًا، وثَلاثُونَ قَبِيلًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ ويَحْيى والأعْمَشُ والحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ: «ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ» بِإضافَةِ مِائَةٍ إلى سِنِينَ، وما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ يُرَدُّ هُنا أيْضًا ويُرَدُّ بِما رُدَّ بِهِ هُناكَ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الإيرادِ بِنَصْبِ سِنِينَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ فَإنَّ مَنشَأ اللُّزُومِ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا وهو مُتَحَقِّقٌ إذا جُرَّ أيْضًا وجُرَّ تَمْيِيزُ المِائَةِ بِالإضافَةِ أحَدُ الأمْرَيْنِ المَشْهُورَيْنِ فِيهِ اسْتِعْمالًا، وثانِيهِما: كَوْنُهُ مُفْرَدًا ولِكَوْنِ الإفْرادِ مَشْهُورًا في الِاسْتِعْمالِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الأصْلُ؛ فَهو أصْلٌ بِحَسْبِ الِاسْتِعْمالِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا الجَمْعُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا؛ لِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ الأصْلُ المَرْفُوضُ قِياسًا نَظَرًا إلى أنَّ المِائَةَ جَمْعٌ كَثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ ونَحْوِهِما كَذا في الكَشْفِ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنِ الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ فَيَأْتِي مُفْرَدًا مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ: إذا عاشَ الفَتى مِائَتَيْنِ عامًا ∗∗∗ فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذاذَةُ والفَتاءُ وقَدْ يَأْتِي جَمْعًا مَجْرُورًا بِالإضافَةِ كَما في الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ ومَن مَعَهُما لَكِنْ قالُوا: إنَّ الجَمْعَ المَذْكُورَ فِيها قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى العارِي عَنْ عَلامَةِ الجَمْعِ لِما أنَّ العَلامَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مُتَمَحِّضَةً لِلْجَمْعِيَّةِ لِأنَّها كالعِوَضِ عَنْ لامِ مُفْرَدِهِ المَحْذُوفَةِ حَتّى أنَّ قَوْمًا لا يُعْرِبُونَهُ بِالحُرُوفِ بَلْ يُجْرُونَهُ مَجْرى حِينٍ، ولَمْ أجِدْ فِيما عِنْدِي مِن كُتُبِ العَرَبِيَّةِ شاهِدًا مِن كَلامِ العَرَبِ لِإضافَةِ المِائَةِ إلى جَمْعٍ، وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يُورِدُونَ الآيَةَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ شاهِدًا لِذَلِكَ وكَفى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى شاهِدًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: «ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ» بِالإضافَةِ والإفْرادِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ وكَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الضَّحّاكُ: «ثَلاثَمِائَةٍ سُنُونَ» بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ سُنُونَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي سُنُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْهُ: «تِسْعًا» بِفَتْحِ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، فاعْلَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما فالغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الغائِبِ والخَفِيُّ جُعِلَ عَيْنَهُ لِلْمُبالَغَةِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ؛ أيْ: لَهُ تَعالى ذَلِكَ عِلْمًا ويَلْزَمُ مِنهُ ثُبُوتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِسائِرِ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ الخَفِيَّ عَلِمَ غَيْرَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، والهاءُ ضَمِيرُهُ تَعالى، والكَلامُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ فَلَيْسَ التَّعَجُّبُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِيُقالَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَتَهُ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ كَما قِيلَ، ولا يَمْتَنِعَ صُدُورُ التَّعَجُّبِ مِن بَعْضِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَقِيقَةً مِن غَيْرِهِ تَعالى. وفِي الحَدِيثِ: ««ما أحْلَمَكَ عَمَّنْ عَصاكَ، وأقْرَبَكَ مِمَّنْ دَعاكَ، وأعْطَفَكَ عَلى مَن سَألَكَ»». ولَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن أرادَهُ، ولِابْنِ هِشامٍ رِسالَةٌ في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ شَأْنَ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ وهُما صِفَتانِ غَيْرُ راجِعَتَيْنِ إلى صِفَةِ العِلْمِ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ بَصَرُ المُبْصِرِينَ وسَمْعُ السّامِعِينَ فَإنَّ اللَّطِيفَ والكَثِيفَ والصَّغِيرَ والكَبِيرَ والجَلِيَّ والخَفِيَّ والسِّرَّ والعَلَنَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ في عَدَمِ الِاحْتِجابِ عَنْ بَصَرِهِ وسَمْعِهِ تَبارَكَ وتَعالى، بَلْ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المَعْدُومَ والمَوْجُودَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى شَيْئِيَّةِ المَعْدُومِ، صفحة 255 والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ بَصَرِهِ عَزَّ وجَلَّ لِما أنَّ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِن قَبِيلِ المُبْصَراتِ، والأصْلُ أبْصَرَ وأسْمَعَ والهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صارَ ذا بَصَرٍ وصارَ ذا سَمْعٍ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمَ تَحَقُّقِهِما لَهُ تَعالى، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وفِيهِما ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ حُوِّلا إلى صِيغَةِ الأمْرِ وبَرَزَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ لِعَدَمِ لِياقَةِ صِيغَةِ الأمْرِ لِتَحَمُّلِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجُرَّ بِالباءِ الزّائِدَةِ فَكانَ لَهُ مَحَلّانِ الجَرُّ لِمَكانِ الباءِ والرَّفْعُ لِمَكانِ كَوْنِهِ فاعِلًا، ولِكَوْنِهِ صارَ فَضْلَةً صُورَةً أُعْطِيَ حُكْمَها فَصَحَّ حَذْفُهُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ فاعِلًا، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَهُمْ، ولا تَكادُ تُحْذَفُ هَذِهِ الباءُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا إذا كانَ المُتَعَجَّبُ مِنهُ أنْ وصِلَتَها نَحْوَ: أحْسِنْ أنْ تَقُولَ، وهَذا الفِعْلُ لِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعْنًى قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحٍ مُقَدَّرٍ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ مَجِيئُهُ عَلى صُورَةِ الأمْرِ وهَذا مَذْهَبُ «س» في هَذا التَّرْكِيبِ، قالَ الرَّضِيُّ: وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ بَلْ جاءَ الماضِي بِمَعْنى الأمْرِ كَما في حَدِيثِ: ««اتَّقى اللَّهَ امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ»». وبِأنْ صارَ ذا كَذا قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنهُ لَجازَ ألْحِمْ بِزَيْدٍ، وأشْحِمْ بِزَيْدٍ، وبِأنَّ زِيادَةَ الباءِ في الفاعِلِ قَلِيلٌ، والمُطَّرِدُ زِيادَتُها في المَفْعُولِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِمَعْنى الماضِي مِمّا لَمْ يُعْهَدْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ ألا تَرى أنَّ كَفى بِهِ بِمَعْنى اكْتَفِ بِهِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وقَصَدَ بِهَذا النَّقْلِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ قُصِدَ بِهِ مَعْنًى إنْشائِيٌّ وهو التَّعَجُّبُ، ولَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِنَ الماضِي لِأنَّ الإنْشاءَ أنْسَبُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ في الأكْثَرِ، وبِأنَّ كَثْرَةَ أفْعَلَ بِمَعْنى صارَ ذا كَذا لا تَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وجَوازُ ألْحِمْ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ لازِمٌ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وعَلى مَعْنًى آخَرَ غَيْرُ لازِمٍ، نَعَمْ ما ذُكِرَ مِن قِلَّةِ زِيادَةِ الباءِ في الفاعِلِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، والإنْصافُ أنَّ مَذْهَبَ س في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ. ومَذْهَبُ الأخْفَشِ وعَزاهُ الرَّضِيُّ إلى الفَرّاءِ أنَّ أفْعِلْ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أمْرٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَإذا قُلْتَ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ فَقَدْ أمَرْتَ كُلَّ واحِدٍ بِأنْ يَجْعَلَ زَيْدًا حَسَنًا، ومَعْنى جَعْلِهِ كَذَلِكَ وصْفُهُ بِهِ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: صِفْهُ بِالحُسْنِ كَيْفَ شِئْتَ، فَإنَّ فِيهِ مِنهُ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في شَخْصٍ كَما قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ وجَدْتَ مَكانَ القَوْلِ ذا سِعَةٍ ∗∗∗ فَإنْ وجَدْتَ لِسانًا قائِلًا فَقُلِ وهَذا المَعْنى مُناسِبٌ لِلتَّعَجُّبِ بِخِلافِ تَقْدِيرِ س، وأيْضًا هَمْزَةُ الجَعْلِ أكْثَرُ مِن هَمْزَةِ صارَ ذا كَذا، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُما عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ قِياسًا مُطَّرِدًا، واعْتُبِرَ الفاعِلُ ضَمِيرَ المَأْمُورِ وهو كُلُّ أحَدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لِظُهُورِ الأمْرِ يُؤْمَرُ كُلُّ أحَدٍ لا عَلى التَّعْيِينِ بِوَصْفِهِ بِما ذُكِرَ، ولَمْ يُتَصَرَّفْ في أفْعِلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ فَيُسْنَدُ إلى مُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ لِما ذَكَرُوا مِن عِلَّةِ كَوْنِ فَعَلَ لِلتَّعَجُّبِ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ وهي مُشابَهَتُهُ الحُرُوفَ في الإنْشاءِ وكَوْنُ كُلِّ لَفْظٍ مِن ألْفاظِهِ صارَ عَلَمًا لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي، وإنْ كانَ هُناكَ جُمْلَةٌ فالقِياسُ أنْ لا يُتَصَرَّفَ فِيهِ احْتِياطًا لِتَحْصِيلِ الفَهْمِ كَأسْماءِ الأعْلامِ فَلِذا لَمْ يُتَصَرَّفْ في نِعْمَ وبِئْسَ في الأمْثالِ، وسَهَّلَ ذَلِكَ هُنا انْمِحاءُ مَعْنى الأمْرِ فِيهِ كَما انْمَحى مَعْنى الجَعْلِ وصارَ لِمَحْضِ إنْشاءِ التَّعَجُّبِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعْنى الخِطابِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: صَيِّرْهُ ذا حُسْنٍ، ثُمَّ إنَّهُ اعْتَذَرَ لِبَقاءِ أحْسِنْ في الأحْوالِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ لِكَوْنِ الخِطابِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ؛ أيْ: يا حُسْنُ أحْسِنْ بِزَيْدٍ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ وسَماجَةٌ، صفحة 256 وأيْضًا نَحْنُ نَقُولُ: أحْسِنْ بِزَيْدٍ يا عَمْرُو، ولا يُخاطَبُ شَيْئانِ في حالَةٍ إلّا أنْ يَقُولَ: مَعْنى خِطابِ الحُسْنِ قَدِ انْمَحى، وثَمَرَةُ الخِلافِ بَيْنَ س وغَيْرِهِ تَظْهَرُ فِيما إذا اضْطُرَّ إلى حَذْفِ الباءِ فَعَلى مَذْهَبِ س يَلْزَمُ رَفْعُ مَجْرُورِهِ وعَلى غَيْرِهِ يَلْزَمُ نَصْبُهُ، هَذا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أبْصِرْ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأسْمِعْ بِهِ؛ أيْ: بَصُرَ بِهُدى اللَّهِ تَعالى وسَمِعَ بِهِ فَتَرْجِعُ الهاءُ إمّا عَلى الهُدى وإمّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ عِيسى: «أبْصَرَ بِهِ وأسْمَعَ» بِصِيغَةِ الماضِي فِيهِما، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ المُرادَ الإخْبارُ لا التَّعَجُّبُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: أبْصَرَ عِبادَهُ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وأسْمَعَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: «أبْصَرَ» أفْعَلَ تَفْضِيلٍ وكَذا «أسْمَعَ» وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ «لَهُ» وضَمِيرِ «بِهِ» عائِدٌ عَلى الغَيْبِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ التَّفْضِيلِ بَلْ عِظَمَ شَأْنِ بَصَرِهِ تَعالى وسَمْعِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ مِمّا ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصِيرًا بِهِ وسَمِيعًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأعْظَمِهِ. ﴿ما لَهُمْ﴾ أيْ: لِأهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِما ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى ﴿مِن ولِيٍّ﴾ مَن يَتَوَلّى أُمُورَهم ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ في قَضائِهِ تَعالى ﴿أحَدًا﴾ كائِنًا مَن كانَ ولا يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ مَدْخَلًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ الكَهْفِ، وإضافَةُ «حُكْمِ» لِلْعَهْدِ عَلى مَعْنى ما لَهم مَن يَتَوَلّى أمْرَهم ويَحْفَظُهم غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ المُشاقِّينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجَعَلَ الآيَةَ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مَعْنى مُؤْمِنِي أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. والمُرادُ أنَّهم لَنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى ولِيًّا، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أصْحابِ الكَهْفِ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى أمْرَهم غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَهم لا يَقْدِرُونَ بِغَيْرِ إقْدارِهِ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ بِغَيْرِ إعْلامِهِ عَزَّ وجَلَّ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ في نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن أنْ يُقالَ: مِن ولِيٍّ ولا شَرِيكٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: «ولا يُشْرِكْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ والجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، ووَجَّهَ بَعْضُهم بِأنَّهُ سَكَّنَ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدٌ وحُمَيْدُ بْنُ الوَزِيرِ عَنْ يَعْقُوبَ والجَعْفِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: «ولا تُشْرِكْ» بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ والجَزْمِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ عَنِ الشِّرْكِ لا نَهْيٌ لَهُ ﷺ، ولَوْ جُعِلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَجُعِلَ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. فَيَكُونُ مَآلُهُ إلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ﷺ ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى «لا تَقُولَنَّ» والمَعْنى: لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا لا تَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ولُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى ما يَأْتِيكَ في ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، أوْ لا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نَبَأِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ واقْتَصِرْ عَلى بَيانِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ، وإنْ كانَ أشَدَّ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:

الكهف 18:27

﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وكانَتْ مِنَ المُغَيَّباتِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ﷺ ودَلَّ اشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها عَلى صفحة 257 أنَّهُ وحْيٌ مُعْجِزٌ مِن حَيْثِيَّةِ الِاشْتِمالِ وإنْ كانَتْ جِهَةُ إعْجازِهِ غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ في ذَلِكَ أمَرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالمُواظَبَةِ عَلى دَرْسِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتْلُ﴾ إلَخْ وهو أمْرٌ مِنَ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ؛ أيْ: لازِمْ تِلاوَةَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِكَ أوْ مُطْلَقًا ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ مَن يَقُولُ لَكَ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿اتْلُ﴾ أمْرًا مِنَ التُّلُوِّ بِمَعْنى الِاتِّباعِ أيِ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ والزَمِ العَمَلَ بِهِ، وقِيلَ: وجْهُ الرَّبْطِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهُ عَنِ المِراءِ المُتَعَمِّقِ فِيهِ وعَنِ الِاسْتِفْتاءِ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَتْلُوَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْرَأْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن أمْرِهِمْ واسْتَغْنِ بِهِ ولا تَتَعَرَّضْ لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ أوِ اتَّبِعْ ذَلِكَ وخُذْ بِهِ ولا تَتَعَمَّقْ في جِدالِهِمْ ولا تَسْتَفْتِ أحَدًا مِنهم فالكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ النَّواهِي، والمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَخْ هو الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ شَرْحَ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ واتْلُ عَلَيْهِمْ أخْبارَهُ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فالمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَخْ ما تَضَمَّنَ هَذا الإخْبارَ، وهَذا دُونَ ما قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ، بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ المُرادَ بِما أُوحِيَ ما هو أعَمُّ مِمّا تَضَمَّنَ القِصَّةَ وغَيْرِهِ مِن كِتابِهِ تَعالى. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرُهُ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَقُدْرَتُهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ التَّبْدِيلَ واقِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً﴾، والظّاهِرُ عُمُومُ الكَلِماتِ الأخْبارِ وغَيْرِها، ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المَعْنى: لا مُغَيِّرَ لِما أخْبَرَ بِهِ تَعالى ولا لِما أمَرَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: لا مُبَدِّلَ لِحُكْمِ كَلِماتِهِ انْتَهى، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ أيِ النَّسْخَ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ حَتّى تَتَعَلَّقَ بِهِ القُدْرَةُ لِئَلّا يَلْزَمَ الكَذِبُ المُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ. ومِنهم مَن خَصَّ الكَلِماتِ بِالإخْبارِ لِأنَّ المَقامَ لِلْإخْبارِ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَلَيْهِ لا يُحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِما سَمِعْتَ مِن حالِ الخَبَرِ، وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ؛ لِأنَّ المَنسُوخَ ثابِتٌ في وقْتِهِ إلى وقْتِ طَرَيانِ النّاسِخِ، فالنّاسِخُ كالمُغايِرِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَبْدِيلًا، تَوَهُّمٌ لا يُقْتَدى بِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّ الكَلِماتِ بِمَواعِيدِهِ تَعالى لِعِبادِهِ المُوَحِّدِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ولا تُبالِ بِالكَفَرَةِ المُعانِدِينَ، فَإنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ مِن وعْدِ المُوَحِّدِينَ ما تَضَمَّنَ ولا مُبَدِّلَ لِذَلِكَ الوَعْدِ، ومَآلُهُ: اتْلُ ولا تُبالِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكَ وناصِرُ أصْحابِكَ وهو كَما تَرى، وإنْ كانَ أشَدَّ مُناسَبَةً لِما بَعْدُ، والضَّمِيرُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ لِلْكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ تَعالى كَما هو الظّاهِرُ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ: مَلْجَأً تَعْدِلُ إلَيْهِ عِنْدَ إلْمامِ مُلِمَّةٍ، وقالَ الإمامُ في البَيانِ والإرْشادِ: وأصْلُهُ مِنَ الِالتِحادِ بِمَعْنى المَيْلِ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هُنا بِالمَدْخَلِ في الأرْضِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ قَوْلَ خَصِيبٍ الضَّمْرِيِّ: يا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفٌ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ عَنِّي وما عَنْ قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ ولا داعِيَ فِيهِ لِتَفْسِيرِهِ بِالمَدْخَلِ في الأرْضِ لِيُلْتَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ إذا كانَ المَعْنى بِالخِطابِ سَيِّدَ المُخاطَبِينَ ﷺ فالكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ إذْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ خَلَّصَ أُمَّتَهُ لا تُحَدِّثُهم أنْفُسُهم بِطَلَبِ مَلْجَأٍ غَيْرِهِ تَعالى، نَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَنا مِمَّنِ التَجَأ إلَيْهِ وعَوَّلَ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ فَكَفاهُ جَلَّ وعَلا ما أهَمَّهُ وكَشَفَ عَنْهُ غَياهِبَ كُلِّ غَمِّهِ. * * * صفحة 258 هَذا «ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مَقامَ العُبُودِيَّةِ لا يُشابِهُهُ مَقامٌ ولا يُدانِيهِ، ونَبِيُّنا ﷺ في أعْلى مَراقِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ العَبْدَ الحَقِيقِيَّ مَن كانَ حُرًّا عَنِ الكَوْنَيْنِ، ولَيْسَ ذاكَ إلّا سَيِّدُهُما ﷺ. ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ عائِدٌ عَلى ( الكِتابَ ) وجَعَلَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ عائِدًا عَلى ﴿عَبْدِهِ﴾ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْحِرافًا عَنْ جَنابِهِ ومَيْلًا إلى ما سِواهُ، وجَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا في عُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وجُعِلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أمْرَ تَكْوِينٍ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ وهو بَأْسُ الحِجابِ والبُعْدِ عَنِ الجَنابِ، وذَلِكَ أشَدُّ العَذابِ ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ وهي الأعْمالُ الَّتِي أُرِيدَ بِها وجْهَ اللَّهِ تَعالى لا غَيْرُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ التَّبَرِّي مِنَ الوُجُودِ بِوُجُودِ الحَقِّ ﴿أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ وهي رُؤْيَةُ المَوْلى ومُشاهَدَةُ الحَقِّ بِلا حِجابٍ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ شَفَقَتِهِ ﷺ واهْتِمامِهِ وحِرْصِهِ عَلى مُوافَقَةِ المُخالِفِينَ وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُوافِقِينَ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ مِنَ الأنْهارِ والأشْجارِ والجِبالِ والمَعادِنِ والحَيَواناتِ ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ: لِأهْلِها ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِرْآةً لِمُشاهَدَةِ أنْوارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: حُسْنُ العَمَلِ الإعْراضُ عَنِ الكُلِّ، وقالَ الجُنَيْدُ: حُسْنُ العَمَلِ اتِّخاذُ ذَلِكَ عِبْرَةً وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى والمَحَبَّةِ لَهُ هم زِينَةُ الأرْضِ، وحُسْنُ العَمَلِ النَّظَرُ إلَيْهِمْ بِالحُرْمَةِ. ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ فَناءِ ذَلِكَ بِظُهُورِ الوُجُودِ الحَقّانِيِّ والقِيامَةِ الكُبْرى ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ قالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: أيْ: لا تَتَعَجَّبْ مِنهم فَشَأْنُكَ أعْجَبُ مِن شَأْنِهِمْ حَيْثُ أسْرى بِكَ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، وبَلَغَ بِكَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، وكُنْتَ في القُرْبِ كَقابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ثُمَّ رَدَّكَ قَبْلَ انْقِضاءِ اللَّيْلِ إلى مَضْجَعِكَ. ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ قِيلَ: هم فِتْيانُ المَعْرِفَةِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى سَجِيَّةِ الفُتُوَّةِ، وفُتُوَّتُهم إعْراضُهم عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَأوَوْا إلى الكَهْفِ الخَلْوَةِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَقالُوا﴾ حِينَ اسْتَقامُوا في مَنازِلِ الأُنْسِ ومَشاهِدِ القُدْسِ وهَيَّجَهم ما ذاقُوا إلى طَلَبِ الزِّيادَةِ والتَّرَقِّي في مَراقِي السَّعادَةِ ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ مَعْرِفَةً كامِلَةً وتَوْحِيدًا عَزِيزًا ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ بِالوُصُولِ إلَيْكَ والفَناءِ فِيكَ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ فِيهِ سُبْحانَهُ فانِينَ بِهِ تَعالى عَمّا سِواهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ إلى الصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ والبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ويُقالُ أيْضًا: هو إشارَةٌ إلى الجَلْوَةِ بَعْدَ الخَلْوَةِ، وهُما قَوْلانِ مُتَقارِبانِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الإيمانَ العِلْمِيَّ ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ بِأنْ أحْضَرْناهم وكاشَفْناهم ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ سَكَّنّاها عَنِ التَّزَلْزُلِ بِما أسْكَنّا فِيها مِنَ اليَقِينِ فَلَمْ يَسْنَحْ فِيها هَواجِسُ التَّخْمِينِ ولا وساوِسُ الشَّياطِينِ، ويُقالُ أيْضًا: رَفَعْناها مِن حَضِيضِ التَّلْوِينِ إلى أوْجِ التَّمْكِينِ. ﴿إذْ قامُوا﴾ بِنا لَنا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مالِكُ أمْرِهِما ومُدَبِّرُهُما فَلا قِيامَ لَهُما إلّا بِوُجُودِهِ المُفاضِ مِن بِحارِ جُودِهِ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا يَصْلُحُ لِأنْ يُدْعى ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ كَلاما بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المَشايِخِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلسّالِكِينَ إذا أرادُوا الذِّكْرَ وتَحَلَّقُوا لَهُ أنْ يَقُومُوا فَيَذْكُرُوا قائِمِينَ، قالَ ابْنُ الغَرْسِ: وهو اسْتِدْلالٌ صفحة 259 ضَعِيفٌ لا يَقُومُ بِهِ المُدَّعِي عَلى ساقٍ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالقِيامِ والذِّكْرِ لَكِنْ عَلى ما يَفْعَلُهُ المُتَشَيِّخُونَ اليَوْمَ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ولَمْ يَجِئْ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ بَلْ لَعَمْرِي إنَّ تِلْكَ الحِلَقَ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وذَلِكَ القِيامُ قُعُودٌ في بُحْبُوحَةِ الخِذْلانِ. ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: وإذْ خَرَجْتُمْ عَنْ صُحْبَةِ أهْلِ الهَوى وأعْرَضْتُمْ عَنِ السَّوِيِّ ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ فاخْلُوا بِمَحْبُوبِكم ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ مَطْوِيَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن أنْوارِ تَجَلِّياتِهِ ولَطائِفِ مُشاهَداتِهِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: العُزْلَةُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ الوَصْلَةَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَلْ لا تَحْصُلُ الوَصْلَةُ إلّا بَعْدَ العُزْلَةِ، ألا تَرى كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَنَّبُ بِغارِ حِراءَ حَتّى جاءَهُ الوَحْيُ وهو فِيهِ ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ لِئَلّا يَكْثُرَ الضَّوْءُ في الكَهْفِ فَيَقِلَّ مَعَهُ الحُضُورُ، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الظُّلْمَةَ تُعِينُ عَلى الفِكْرِ وجَمْعِ الحَواسِّ، ومِن هُنا تَرى أهْلَ الخَلْوَةِ يَخْتارُونَ لِخَلْوَتِهِمْ مَكانًا قَلِيلَ الضِّياءِ ومَعَ هَذا يُغْمِضُونَ أعْيُنَهم عِنْدَ المُراقَبَةِ. وفِي أسْرارِ القُرْآنِ: أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَهم عَنِ الِاحْتِراقِ في السُّبُحاتِ فَجَعَلَ شَمْسَ الكِبْرِياءِ تَزّاوَرُ عَنْ كَهْفِ قُرْبِهِمْ ذاتَ يَمِينِ الأزَلِ وذاتَ شِمالِ الأبَدِ، وهم في فَجْوَةِ وِصالِ مُشاهَدَةِ الجَمالِ والجَلالِ مَحْرُوسُونَ مَحْفُوظُونَ عَنْ قَهْرِ سُلْطانِ صَرْفِ الذّاتِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي تَتَلاشى الأكْوانُ في أوَّلِ بَوادِي إشْراقِها. وفِي الحَدِيثِ: ««حِجابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ»». وقِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ شَمْسَ الرُّوحِ أوِ المَعْرِفَةِ والوِلايَةِ إذا طَلَعَتْ مِن أُفُقِ الهِدايَةِ وأشْرَقَتْ في سَماءِ الوارِداتِ وهي حالَةُ السُّكْرِ وغَلَبَةِ الوَجْدِ لا تَنْصَرِفُ في خَلْوَتِهِمْ إلى أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالعُقْبى وهو جانِبُ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ؛ أيْ: سَكَنَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ وظَهَرَتْ حالَةُ الصَّحْوِ لا تَلْتَفِتُ هِمَمُ أرْواحِهِمْ إلى أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهو جانِبُ الشَّمالِ بَلْ تَنْحَرِفُ عَنِ الجِهَتَيْنِ إلى المَوْلى وهم في فَراغٍ عَمّا يَشْغَلُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى. وذُكِرَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ نُورَ وِلايَتِهِمْ يَغْلِبُ نُورَ الشَّمْسِ ويَرُدُّهُ عَنِ الكَهْفِ كَما يَغْلِبُ نُورُ المُؤْمِنَ نارَ جَهَنَّمَ ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، وإنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ. ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ﴾ الَّذِي رُفِعَتْ عَنْهُ الحُجُبُ فَفازَ بِما فازَ ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَخْذُلُهُ سُبْحانَهُ إلّا لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ومَتى فُقِدَ الِاسْتِعْدادُ تَعَذَّرَ الإرْشادُ ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَعَ الخَلْقِ بِأبْدانِهِمْ ومَعَ الحَقِّ بِأرْواحِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هم مُقِيمُونَ في الحَضْرَةِ كالنَّوْمى لا عِلْمَ لَهم بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، أحْياءٌ مَوْتى صَرْعى مُفِيقُونَ، نَوْمى مُنْتَبِهُونَ ﴿ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: نَنْقُلُهم مِن عالَمٍ إلى عالَمٍ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: نُقَلِّبُهم في حالَتَيِ القَبْضِ والبَسْطِ والجَمْعِ والفَرْقِ، وقالَ آخَرُ: نُقَلِّبُهم بَيْنَ الفَناءِ والبَقاءِ والكَشْفِ والِاحْتِجابِ والتَّجَلِّي والِاسْتِتارِ، وقِيلَ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم في التَّسْلِيمِ كالمَيِّتِ في يَدِ الغاسِلِ ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مُجالَسَةُ الصّالِحِينَ ومُجاوَرَتُهم غَنِيمَةٌ وإنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ؛ ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَلْبَ أصْحابِ الكَهْفِ مَعَهم لِمُجاوَرَتِهِ إيّاهم. وقِيلَ: أُشِيرَ بِالآيَةِ إلى أنَّ كَلْبَ نُفُوسِهِمْ نائِمَةٌ مُعَطَّلَةٌ عَنِ الأعْمالِ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ أنَّ نُفُوسَهم صارَتْ بِحَيْثُ تُطِيعُهم جَمِيعُ الأحْوالِ وتَحْرُسُهم عَمّا يَضُرُّهم ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لَوِ اطَّلَعْتَ مِن حَيْثُ أنْتَ عَلى ما ألْبَسْتُهم مِن لِباسِ قَهْرِ رُبُوبِيَّتِي وسَطَواتِ عَظَمَتِي ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن رُؤْيَةِ ما عَلَيْهِمْ مِن هَيْبَتِي وعَظَمَتِي ﴿فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ صفحة 260 كَما فَرَّ مُوسى كَلِيمِي مِن رُؤْيَةِ عَصاهُ حِينَ قَلَبْتُها حَيَّةً وألْبَسْتُها ثَوْبًا مِن عَظَمَتِي وهَيْبَتِي، وهَذا الفِرارُ حَقِيقَةٌ مِنّا؛ لِأنَّهُ مِن عَظَمَتِنا الظّاهِرَةِ في هاتِيكَ المِرْآةِ كَذا قَرَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ رَدَدْناهم إلى الصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ لا يَعْرِفُونَ اليَوْمَ مِنَ الأمْسِ ولا يُمَيِّزُونَ القَمَرَ مِنَ الشَّمْسِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ اسْتَقَلُّوا أيّامَ الوِصالِ وهَكَذا شَأْنُ عُشّاقِ الجَمالِ فَسَنَةُ الوَصْلِ في سَنَتِهِمْ سِنَةٌ، وسِنَةُ الهَجْرِ سَنَةٌ، ويُقالُ: مَقامُ المُحِبِّ مَعَ الحَبِيبِ وإنْ طالَ قَصِيرٌ، وزَمانُ الِاجْتِماعِ وإنْ كَثُرَ يَسِيرٌ؛ إذْ لا يُقْضى مِنَ الحَبِيبِ وطَرٌ وإنْ فَنِيَ الدَّهْرُ، ومَرَّ ولا يَكادُ يَعُدُّ المُحِبُّ اللِّيالِ إذا كانَ قَرِيرَ العَيْنِ بِالوِصالِ كَما قِيلَ: أعُدُّ اللَّيالِيَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ وقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لا أعُدُّ اللَّيالِيا ثُمَّ إنَّهم لَمّا رَجَعُوا مِنَ السُّكْرِ إلى الصَّحْوِ ومِنَ الرُّوحانِيَّةِ إلى البَشَرِيَّةِ طَلَبُوا ما يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ واسْتَعْمَلُوا حَقائِقَ الطَّرِيقَةِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ والإشارَةُ فِيهِ أوَّلًا إلى أنَّ اللّائِقَ بِطالِبِي اللَّهِ تَعالى تَرْكُ السُّؤالِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى المُتَشَيِّخِينَ الَّذِينَ دِينُهم ودَيْدَنُهُمُ السُّؤالُ ولَيْتَهُ كانَ مِنَ الحَلالِ. وثانِيًا: إلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ لا يَخْتَصُّ أحَدُهم بِشَيْءٍ دُونَ صاحِبِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ قائِلُهُمْ: ﴿بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ فَأضافَ الوَرِقَ إلَيْهِمْ جُمْلَةً، وقَدْ كانَ فِيما يُرْوى فِيهِمُ الرّاعِي ولَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ورِقٌ. وثالِثًا: إلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمُ اسْتِعْمالُ الوَرَعِ؛ ألا تَرى كَيْفَ طَلَبَ القائِلُ الأزْكى وهو عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأجَلُّ، ولِذَلِكَ قالَ ذُو النُّونِ: العارِفُ مَن لا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ ورَعِهِ، والعَجَبُ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَشَيِّخِينَ كانَ يَأْخُذُ مِن بَعْضِ الظَّلَمَةِ دَنانِيرَ مَقْطُوعًا بِحُرْمَتِها فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: نَعَمْ؛ هي جَمَراتٌ ولَكِنْ تُطْفِئُ حَرارَةَ جُوعِ السّالِكِينَ، ومَعَ هَذا وأمْثالِهِ لَهُ اليَوْمَ مَرْقَدٌ يَطُوفُ بِهِ مَن يَزُورُ، وتُوقَدُ عَلَيْهِ السُّرُجُ وتُنْذَرُ لَهُ النُّذُورُ، ورابِعًا إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمُ التَّواصِي بِحُسْنِ الخُلُقِ وجَمِيلِ الرِّفْقِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ قائِلُهُمْ: ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ أمَرَ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَ مَن يَشْتَرِي مِنهُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّهُ أمْرٌ بِاخْتِيارِ اللَّطِيفِ مِنَ الطَّعامِ لِأنَّهم لَمْ يَأْكُلُوا مُدَّةً، فالكَثِيفُ يَضُرُّ بِأجْسامِهِمْ، وقِيلَ: أرادُوا اللَّطِيفَ لِأنَّ أرْواحَهم مِن عالَمِ القُدْسِ ولا يُناسِبُها إلّا اللَّطِيفُ، وعَنْ يُوسُفَ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا اشْتَرَيْتَ لِأهْلِ المَعْرِفَةِ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ فَلْيَكُنْ لَطِيفًا، وإذا اشْتَرَيْتَ لِلزُّهّادِ والعُبّادِ فاشْتَرِ كُلَّ ما تَجِدُ لِأنَّهم بَعْدُ في تَذْلِيلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: طَعامُ أهْلِ المُجاهَداتِ وأصْحابِ الرِّياضاتِ ولِباسُهُمُ الخَشِنُ مِنَ المَأْكُولاتِ والمَلْبُوساتِ، والَّذِي بَلَغَ المَعْرِفَةَ فَلا يُوافِقُهُ إلّا كُلُّ لَطِيفٍ، ويُرْوى عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّهُ كانَ في آخِرِ أمْرِهِ يَلْبَسُ ناعِمًا ويَأْكُلُ لَطِيفًا. وعِنْدِي أنَّ التِزامَ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالكَمالِ، وما يُرْوى عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ وأمْثالِهِ إنْ صَحَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ كانَ عَنِ التِزامٍ يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ وإلّا فَهو خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ كِبارِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ بُيِّنَ في الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ حالُهم في المَأْكَلِ والمَلْبَسِ ولَيْسَ فِيها ما يُؤَيِّدُ كَلامَ يُوسُفَ بْنِ الحُسَيْنِ وأضْرابِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ: مِنَ صفحة 261 الأغْيارِ المَحْجُوبِينَ عَنْ مُطالَعَةِ الأنْوارِ والوُقُوفِ عَلى الأسْرارِ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ بِأحْجارِ الإنْكارِ ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ الَّتِي اجْتَمَعُوا عَلَيْها ولَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِها مِن سُلْطانٍ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ الكُفْرَ حِينَئِذٍ يَكُونُ كالكُفْرِ الإبْلِيسِيِّ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إرْشادٌ إلى مَحْضِ التَّجْرِيدِ والتَّفْرِيدِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِ كِبارِ الصُّوفِيَّةِ أنَّهُ أمَرَ بَعْضَ تَلامِذَتِهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ فَقالَ: أفْعَلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ بِالفارِسِيَّةِ ما مَعْناهُ: يا مَجْنُونُ، فَإذًا مَن أنْتَ، والآيَةُ تَأْبى هَذا الكَلامَ غايَةَ الإباءِ، وفِيهِ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الوَحْدَةِ أيْضًا ما فِيهِ، وقِيلَ: الآيَةُ نَهْيٌ عَنْ أنْ يُخْبِرَ ﷺ عَنِ الحَقِّ بِدُونِ إذْنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ. فَفِيهِ إرْشادٌ لِلْمَشايِخِ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُمُ التَّكَلُّمُ بِالحَقائِقِ بِدُونِ الإذْنِ ولَهم أماراتٌ لِلْإذْنِ يَعْرِفُونَها. ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ قِيلَ: أيْ: إذا نَسِيتَ الكَوْنَ بِأسْرِهِ حَتّى نَفْسَكَ فَإنَّ الذِّكْرَ لا يَصْفُو إلّا حِينَئِذٍ، وقِيلَ: إذا نَسِيتَ الذِّكْرَ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: حَقِيقَةُ الذِّكْرِ الفَناءُ بِالمَذْكُورِ عَنِ الذِّكْرِ، وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ إنَّ فَوْقَ الذِّكْرِ مَنزِلَةً هي أقْرَبُ مَنزِلَةً مِنَ الذِّكْرِ وهي تَجْدِيدُ النُّعُوتِ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ لَكَ قَبْلَ أنْ تَذْكُرَهُ جَلَّ وعَلا. ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، واعْتَبَرَ السَّنَةَ الَّتِي في الآيَةِ شَهْرًا وهو زَعْمٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا ضَعْفُ الدِّينِ ومُخالَفَةُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَأيُّ ضَرَرٍ في إبْقاءِ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ هَذا اللُّبْثِ أنَّ أبا عَلِيٍّ ابْنَ سِينا ذَكَرَ في بابِ الزَّمانِ مِنَ الشِّفاءِ أنَّ أرِسْطُو ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ المُتَألَّهِينَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِحالَةِ أصْحابِ الكَهْفِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ التّارِيخُ عَلى أنَّهم قَبْلَ أصْحابِ الكَهْفِ. انْتَهى. وفِي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرِيدَ الَّذِي يُرَبِّيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِلا واسِطَةِ المَشايِخِ يَصِلُ في مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ وسِنِينَ عَدِيدَةٍ والَّذِي يُرَبِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ بِواسِطَتِهِمْ يَتِمُّ أمْرُهُ في أرْبَعِينِيّاتٍ، وقَدْ يَتِمُّ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وأنا أقُولُ: لا حَجْرَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أوْصَلَ جَلَّ وعَلا كَثِيرًا مِن عِبادِهِ بِلا واسِطَةٍ في سُوَيْعاتٍ ﴿لَهُ﴾ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿غَيْبُ السَّماواتِ﴾ عالَمِ العُلُوِّ ﴿والأرْضِ﴾ عالَمِ السُّفْلِ، ولا يَخْفى أنَّ عُنْوانَ الغَيْبَةِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقِينَ وإلّا فَلا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ بِمَعْنى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى لِيَتَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، وإنَّ أُوِّلَ بِما أُوِّلَ لِما فِيهِ ظاهِرًا مِن مُصادَمَةِ الآياتِ. وإلى اللَّهِ تَعالى نَشْكُو أقْوامًا ألْغَزُوا الحَقَّ وفَتَنُوا بِذَلِكَ الخَلْقَ. ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ أيْ: ما أبْصَرَهُ تَعالى وما أسْمَعَهُ؛ لِأنَّ صِفاتِهِ عَيْنُ ذاتِهِ ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِأحَدٍ سِواهُ تَعالى ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وعَجْزِ غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، هَذا واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

الكهف 18:28

﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيِ احْبِسْها وثَبِّتْها، يُقالُ: صَبَرْتُ زَيْدًا؛ أيْ: حَبَسْتُهُ، وفي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ صَبْرِ الحَيَوانِ؛ أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ، واسْتِعْمالُ ذَلِكَ في الثَّباتِ عَلى الأمْرِ وتَحَمُّلِهُ تَوَسُّعٌ، ومِنهُ الصَّبْرُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، ولَمْ يُجْعَلْ هَذا مِنهُ لِتَعَدِّي هَذا ولُزُومِهِ ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾ أيْ: مُصاحَبَةً مَعَ الَّذِينَ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَهُ دائِمًا، وشاعَ اسْتِعْمالُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّوامِ وهي نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، يُرِيدُونَ صفحة 262 بِهِ ضُرِبَ جَمِيعُ بَدَنِهِ، وأبْقى غَيْرُ واحِدٍ الغَداةَ والعَشِيَّ عَلى ظاهِرِهِما ولَمْ يُرِدْ عُمُومَ الأوْقاتِ؛ أيْ: يَعْبُدُونَهُ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما مَحَلُّ الغَفْلَةِ والِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ، والمُرادُ بِتِلْكَ العِبادَةِ قِيلَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ مُغِيرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِها المُفاوَضَةُ في الحَلالِ والحَرامِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ هي شُهُودُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنْ قَتادَةَ شُهُودُ صَلاةِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وفِيما تَقَدَّمَ ما يُؤَيِّدُ ثانِيَ الأقْوالِ وفِيما بَعْدُ ما يُؤَيِّدُ ظاهِرُهُ أوَّلَها فَتَدَبَّرْ جِدًّا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ فُقَراءُ الصَّحابَةِ؛ عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وسَلْمانُ وابْنُ مَسْعُودٍ وبِلالٌ وأضْرابُهم قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وغَيْرِهِ مِن صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عَنْ نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ؛ فَإنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «جاءَتِ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ وتَغَيَّبْتَ عَنْ هَؤُلاءِ وأرْواحِ جِبابِهِمْ، يَعْنُونَ سَلْمانَ وأبا ذَرٍّ وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ جالَسْناكَ أوْ حَدَّثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ يَتَهَدَّدُهم بِالنّارِ». ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَلْمانَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَلْتَمِسُهم حَتّى أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي مَعَكُمُ الحَياةَ والمَماتَ». والآيَةُ عَلى هَذا مَدَنِيَّةٌ وعَلى الأوَّلِ مَكِّيَّةٌ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أصَحُّ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأقُولُ: أكْثَرُ الرِّواياتِ تُؤَيِّدُ الثّانِيَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآياتُ مُسْتَثْناةً مِن حُكْمِ السُّورَةِ وكَمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وقَدْ أخْرَجَ ما يُؤَيِّدُ الأوَّلَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولَعَلَّ الآياتِ بَعْدُ تُؤَيِّدُهُ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ عَنْ أُولَئِكَ بِالمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الخَصْلَةِ الدّاعِيَةِ إلى إدامَةِ الصُّحْبَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «بِالغَدْوَةِ» وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ مِن أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يُنَكِّرُ غَدْوَةً فَيَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ غَدْوَةً بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ الرَّضِيَّ قالَ: إنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُها نَكِرَةً اتِّفاقًا، والمَشْهُورُ أنَّ الأكْثَرَ اسْتِعْمالُها عَلَمَ جِنْسٍ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ فَلا تَدْخُلُ عَلَيْها ألْ؛ لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ في كَلِمَةٍ تَعْرِيفانِ، ومَتى أُرِيدَ إدْخالُها عَلَيْها قُصِدَ تَنْكِيرُها فَأُدْخِلَتْ كَما قُصِدَ تَنْكِيرُ العَلَمِ الشَّخْصِيِّ في قَوْلِهِ: وقَدْ كانَ مِنهم صاحِبٌ وابْنُ عَمِّهِ أبُو جَنْدَلٍ والزَّيْدُ زَيْدُ المَعارِكِ والقِراءَةُ المَذْكُورَةُ مُخَرَّجَةٌ عَلى ذَلِكَ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّخْرِيجَ الأوَّلَ وقالَ: إنَّهُ أحْسَنُ دِرايَةً ورِوايَةً؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في العَلَمِ الشَّخْصِيِّ ظاهِرٌ، وأمّا في الجِنْسِيِّ فَفِيهِ خَفاءٌ؛ لِأنَّهُ شائِعٌ في إفْرادِهِ قَبْلَ تَنْكِيرِهِ فَتَنْكِيرُهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ بِتَرْكِ حُضُورِهِ في الذِّهْنِ الفارِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّكِرَةِ، وهو خَفِيٌّ؛ فَلِذا أنْكَرَهُ الفَنارِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّلْوِيحِ في تَنْكِيرِ رَجَبٍ عَلَمِ الشَّهْرِ انْتَهى، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وهَذِهِ الآيَةُ كَما في البَحْرِ أبْلَغُ مِنَ الَّتِي في الأنْعامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ﴾ بِذَلِكَ الدُّعاءِ ﴿وجْهَهُ﴾ أيْ: رِضاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دُونَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ بِناءً عَلى ما قالَهُ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ مِن أنَّ الوَجْهَ إذا أُضِيفَ إلَيْهِ تَعالى يُرادُ بِهِ الرِّضا والطّاعَةُ المَرْضِيَّةُ مَجازًا لِأنَّ مَن رَضِيَ صفحة 263 عَلى شَخْصٍ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، ومَن غَضِبَ يُعْرِضُ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَجْهِ الذّاتُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّوَجُّهِ، والمَعْنى: يُرِيدُونَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ تَعالى والزُّلْفى لَدَيْهِ سُبْحانَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ «يَدْعُونَ» أيْ: يَدْعُونَ مُرِيدِينَ ذَلِكَ. ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تَصْرِفْ عَيْناكَ النَّظَرَ عَنْهم إلى أبْناءِ الدُّنْيا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ احْتِقارِهِمْ وصَرْفِ النَّظَرِ عَنْهم لِرَثاثَةِ حالِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ فَعَدا بِمَعْنى صَرَفَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وإلى آخَرَ بِعَنْ، قالَ في القامُوسِ يُقالُ: عَداهُ عَنِ الأمْرِ عَدُوًّا وعُدْوانًا صَرَفَهُ، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ وهو الَّذِي قَدَّرَ المَفْعُولَ كَما سَمِعْتَ، وقَدْ تَتَعَدّى عَدا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِعْنَ كَما تَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِها فَتَكُونُ بِمَعْنى جاوَزَ وتَرَكَ؛ قالَ في القامُوسِ: يُقالُ: عَدا الأمْرَ وعَنْهُ جاوَزَهُ وتَرَكَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتْرُكْهم عَيْناكَ، وقِيلَ: إنَّ عَدا حَقِيقَةُ مَعْناهُ تَجاوَزَ كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ، والتَّجاوُزُ لا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا كانَ بِمَعْنى العَفْوِ كَما صَرَّحُوا بِهِ أيْضًا وهو هُنا غَيْرُ مُرادٍ؛ فَلا بُدَّ مِن تَضْمِينِ عَدا مَعْنى نَبا وعَلا في قَوْلِكَ: نَبَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ، وعَلَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ، إذا اقْتَحَمَتْهُ ولَمْ تَعْلَقْ بِهِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: لَمْ يَقِلْ: ولا تَعْدُهم عَيْناكَ أوْ ولا تَعْلُ عَيْناكَ عَنْهم وارْتَكَبَ التَّضْمِينَ لِيُعْطِيَ الكَلامَ مَجْمُوعَ مَعْنَيَيْنِ؛ وذَلِكَ أقْوى مِن إعْطاءِ مَعْنًى فَذٍّ، ألا تَرى كَيْفَ رَجَعَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: ولا تُقْحِمْهم عَيْناكَ مُجاوِزَتَيْنِ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّضْمِينَ لا يَنْقاسُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما يُذْهَبُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أمّا إذا أمْكَنَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى مَدْلُولِهِ الوَضْعِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ أوْلى، واعْتُرِضَ أيْضًا ما قِيلَ: بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ اتِّحادِ الفِعْلَيْنِ في المَعْنى اتِّحادُهُما في التَّعْدِيَةِ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عَدا بِمَعْنى تَجاوَزَ أنْ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى لِيُقالَ: إنَّ التَّجاوُزَ لا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا كانَ بِمَعْنى العَفْوِ وهو غَيْرُ مُرادٍ، فَلا بُدَّ مِن تَضْمِينِ عَدا مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِعَنْ، ويَكْفِي كَلامُ القامُوسِ مُسْتَنَدًا لِمَن خالَفَ الزَّمَخْشَرِيَّ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وقَرَأ الحَسَنُ: «ولا تُعْدِ عَيْنَيْكَ» بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ الدّالِ المُخَفَّفَةِ مِن أعْداهُ، ونَصْبِ العَيْنَيْنِ، وعَنْهُ وعَنْ عِيسى والأعْمَشِ أنَّهم قَرَءُوا: «ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المَكْسُورَةِ مِن عَدّاهُ يُعَدِّيهِ ونَصْبِ العَيْنَيْنِ أيْضًا، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصاحِبُ اللَّوامِحِ الهَمْزَةَ والتَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلِ الهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِمُوافَقَةِ أفْعَلَ وفَعَّلَ لِلْفِعْلِ المُجَرَّدِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ أقَرَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّها قَبْلَ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِها إلى واحِدٍ، وعُدِّيَتْ بِعَنْ لِلتَّضْمِينِ، فَمَتى كانَ الأمْرانِ لِلتَّعْدِيَةِ لَزِمَ أنْ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ مَعَ أنَّها لَمْ تَتَعَدَّ في القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ إلَيْهِما. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ مَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَهم مِنَ الأغْنِياءِ وأصْحابِ الدُّنْيا، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ حالٌ مِن كافِ ﴿عَيْناكَ﴾ وجازَتِ الحالُ مِنهُ لِأنَّهُ جُزْءُ المُضافِ إلَيْهِ، والعامِلُ عَلى ما قِيلَ مَعْنى الإضافَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ في الكَشْفِ: العامِلُ الفِعْلُ السّابِقُ كَما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ ولَكَ أنْ تَقُولَ: هاهُنا خاصَّةً العَيْنُ مُقْحِمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ إمّا لِاتِّحادِ الإحْساسِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ الإقْحامِ أوْ لِلِاكْتِفاءِ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ أوْ لِأنَّهُما عُضْوٌ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، واسْتِبْشاعُ إسْنادِ الإرادَةِ إلى العَيْنِ مُنْدَفِعٌ بِأنَّ إرادَتَها كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ صاحِبِها، ألا تَرى إلى ما شاعَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: صفحة 264 يَسْتَلِذُّهُ العَيْنُ أوِ السَّمْعُ، وإنَّما المُسْتَلِذُّ الشَّخْصُ عَلى أنَّ الإرادَةَ يُمْكِنُ جَعْلُها مَجازًا عَنِ النَّظَرِ لِلَّهْوِ لا لِلْعِبَرِ اه. ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ لا يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِاخْتِلافِ العامِلِ في الحالِ وذِيها لا يَصْلُحُ داعِيًا لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في جَوازِ كَوْنِ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوِ المُضافُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُفَسَّرَ ﴿تَعْدُ﴾ بِتَجاوُزٍ، وتَقْدِيرِ أنْ تُفَسَّرَ بِتَصَرُّفٍ. وخَصَّ بَعْضُهم كَوْنَها حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وكَوْنِها حالًا مِنَ المُضافِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي ولَعَلَّهُ أمْرٌ اسْتِحْسانِيٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي إسْنادُ ما هو مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لَيْسَ إلّا وهو الصَّرْفُ إلى العَيْنِ فَناسَبَ إسْنادُ الإرادَةِ إلَيْها في آخِرِهِ لِيَكُونَ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُهُ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ مَعَ رِعايَةِ ما هو الأكْثَرُ في أحْوالِ الأحْوالِ مِن مَجِيئِها مِنَ المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ عَدَمَ مُواجَهَةِ الحَبِيبِ ﷺ بِإسْنادِ إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا إلَيْهِ صَرِيحًا وإنْ كانَتْ مَصَبَّ النَّهْيِ، ولَيْسَ في أوَّلِ الكَلامِ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّ التَّجاوُزَ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لا غَيْرُ، بَلْ يَتَّصِفُ بِهِ المُخْتارُ وغَيْرُهُ، مَعَ أنَّ في جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ الفاعِلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعَ قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ؛ إنَّ المُتَجاوِزَ في الحَقِيقَةِ هو النَّظَرُ احْتِياجًا إلى اعْتِبارِ الشَّيْءِ وتَرْكِهِ في كَلامٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِخْدامًا بِأنْ تُرِيدَ مِنَ العَيْنَيْنِ أوَّلًا النَّظَرَ مَجازًا وتُرِيدُ عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ ﴿تُرِيدُ﴾ مِنهُما الحَقِيقَةَ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ تَأْبى ذَلِكَ، وإنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ أوَّلًا وآخِرًا ولَمْ يُتْرَكْ احْتِيجَ إلى مُؤَنٍ لا تَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، وهي عَلى القِراءَتَيْنِ الشّاذَّتَيْنِ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُسْتَتِرِ؛ أيْ: لا تَعْدُ أوْ لا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ عَنْهم مُرِيدًا ذَلِكَ. ﴿ولا تُطِعْ﴾ في تَنْحِيَةِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ ﴿مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ أيْ: جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِ لِلذِّكْرِ بِالمَرَّةِ؛ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ فَإنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِنا عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ أُولَئِكَ الفُقَراءُ مِنَ الدُّعاءِ في الغَداةِ والعَشِيِّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الباعِثَ لَهم إلى اسْتِدْعاءِ الطَّرْدِ غَفْلَةُ قُلُوبِهِمْ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ومُلاحَظَةِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكِهِ في الحِسِّيّاتِ حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ. ومَعْنى الذِّكْرِ ظاهِرٌ، وفَسَّرَهُ المُفَضَّلُ بِالقُرْآنِ. والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ فَقِيلَ: المُرادُ أغْفَلْنا قَلْبَهُ بِالخِذْلانِ وهَذا هو التَّأْوِيلُ المَشْهُورُ عِنْدَهم في أمْثالِ ذَلِكَ، وحالُهُ مَعْلُومٌ عِنْدَكَ، وقِيلَ: المُرادُ صادَفْناهُ غافِلًا كَما في قَوْلِهِمْ: سَألْناكم فَما أفْحَمْناكم وقاتَلْناكم فَما أجَبْناكم. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَجَرَّأ عَلى تَفْسِيرِ فِعْلٍ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِالمُصادَفَةِ الَّتِي تُفْهِمُ وِجْدانَ الشَّيْءِ بَغْتَةً عَنْ جَهْلٍ سابِقٍ وعَدَمِ عِلْمٍ، وقِيلَ: المُرادُ: نَسَبْناهُ إلى الغَفْلَةِ كَما في قَوْلِ الكُمَيْتِ: وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم ∗∗∗ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ وهُوَ كَما تَرى، وقالَ الرُّمّانِيُّ: المُرادُ: لَمْ نَسِمْ قَلْبَهُ بِالذِّكْرِ ولَمْ نَجْعَلْهُ مِنَ القُلُوبِ الَّتِي كَتَبْنا فِيها الإيمانَ كَقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِمْ: أغْفَلَ فُلانٌ إبِلَهُ إذا تَرَكَها غُفْلًا مِن غَيْرِ سِمَةٍ وعَلامَةٍ بِكَيٍّ ونَحْوِهِ، ومِنهُ إغْفالُ الخَطِّ لِعَدَمِ إعْجامِهِ فالإغْفالُ المَذْكُورُ اسْتِعارَةٌ لِجَعْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الدّالِّ عَلى الإيمانِ بِهِ كالسِّمَةِ لِأنَّهُ عَلامَةٌ لِلسَّعادَةِ كَما صفحة 265 جُعِلَ ثُبُوتُ الإيمانِ في القَلْبِ بِمَنزِلَةِ الكِتابَةِ، وهو تَأْوِيلٌ رَقِيقُ الحاشِيَةِ لَطِيفُ المَعْنى وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ؛ فَهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ لِمَن لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ مِنهُ الهَرَبَ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ظاهِرَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في طَلَبِ الشَّهَواتِ حَيْثُ أسْنَدَ اتِّباعَ الهَوى إلى العَبْدِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ فِعْلُهُ لا فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ فِعْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ لَقِيلَ: فاتَّبَعَ بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ؛ لِتَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لِكَوْنِهِ بِكَسْبِهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى يَجُوزُ إسْنادُهُ إلَيْهِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ وإلى اللَّهِ تَعالى بِالثّانِي، والتَّنْصِيصُ عَلى التَّفْرِيعِ لَيْسَ بِلازِمٍ؛ فَقَدْ يُتْرَكُ لِنُكْتَةٍ كالقَصْدِ إلى الإخْبارِ بِهِ اسْتِقْلالًا؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الذَّمِّ وتَفْوِيضًا إلى السّامِعِ في فَهْمِهِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: فَقِيلَ: واتَّبَعَ هَواهُ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فائِدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: «أغْفَلَنا» بِفَتْحِ الفاءِ واللّامِ «قَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ أغْفَلَنا، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أغْفَلَهُ إذا وجَدَهُ غافِلًا، والمُرادُ ظَنَنّا وحَسَبَنا غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا لَهُ ولِصَنِيعِهِ بِالمُؤاخَذَةِ بِجَعْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ كِنايَةً عَنْ مَجازاتِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُشْكِلَ النَّهْيُ عَنْ إطاعَةِ أُولَئِكَ الغافِلِينَ في طَرْدِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ ورَدَ أنَّهم أرادُوا طَرْدَهم لِيُؤْمِنُوا فَكانَ يَنْبَغِي تَحْصِيلُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ تَرَتُّبُ نَفْعٍ كَثِيرٍ وهو إيمانُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى ضَرَرٍ قَلِيلٍ وهو سُقُوطُ حُرْمَةِ أُولَئِكَ البَرَرَةِ وفي عَدَمِ طَرْدِهِمْ لَزِمَ تَرَتُّبُ ضَرَرٍ عَظِيمٍ وهو بَقاءُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ عَلى نَفْعٍ قَلِيلٍ. ومِن قَواعِدِ الشَّرْعِ المُقَرَّرَةِ: تُدْفَعُ المَفْسَدَةُ الكُبْرى بِالمَفْسَدَةِ الصُّغْرى، وأُجِيبَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقِيقِيًّا بَلْ إنْ يُؤْمِنُوا يُؤْمِنُوا إيمانًا ظاهِرِيًّا، ومِثْلُهُ لا يُرْتَكَبُ لَهُ إسْقاطُ حُرْمَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ الأبْرارِ؛ فَلِذا جاءَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ. وقَدْ يُقالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ طَرْدَ أُولَئِكَ الفُقَراءِ السّابِقِينَ إلى الإيمانِ المُنْقَطِعِينَ لِعِبادَةِ الرَّحْمَنِ وكَسْرِ قُلُوبِهِمْ وإسْقاطِ حُرْمَتِهِمْ لِجَلْبِ الأغْنِياءِ وتَطْيِيبِ خَواطِرِهِمْ يُوجِبُ نُفْرَةَ القُلُوبِ وإساءَةَ الظَّنِّ بِرَسُولِهِ ﷺ فَرُبَّما يَرْتَدُّ مَن هو قَرِيبُ عَهْدٍ بِإسْلامٍ ويَقِلُّ الدّاخِلُونَ في دِينِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَوْقَ ضَرَرِ بَقاءِ شِرْذِمَةٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ؛ فَلِذا نَهى جَلَّ وعَلا عَنْ إطاعَةِ مَن أغْفَلَ قَلْبَهُ واتَّبَعَ هَواهُ ﴿وكانَ أمْرُهُ﴾ في اتِّباعِ الهَوى وتَرْكِ الإيمانِ ﴿فُرُطًا﴾ أيْ: ضَياعًا وهَلاكًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ مُتَقَدِّمًا عَلى الحَقِّ والصَّوابِ نابِذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ أيْ: مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ وهو في مَعْنى ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ مُخالِفًا لِلْحَقِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَرَطُ بِمَعْنى التَّفْرِيطِ والتَّضْيِيعِ؛ أيْ: كانَ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْزَمَ ويَهْتَمَّ بِهِ مِنَ الدِّينِ تَفْرِيطًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ؛ أيْ: كانَ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو سَبِيلُهُ إفْراطًا وإسْرافًا، وبِالإسْرافِ فَسَّرَهُ مُقاتِلٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ المُسْتَدْعِينَ طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ الإطاعَةِ

الكهف 18:29

﴿وقُلِ﴾ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أغْفَلْنا قُلُوبَهم عَنِ الذِّكْرِ واتَّبَعُوا هَواهم ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا الَّذِي أُوحِيَ إلَيَّ الحَقُّ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والأوَّلُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ فالفاءُ صفحة 266 لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ؛ أيْ: عَقِيبَ تَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ لازِمُ الِاتِّباعِ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ويَتَّبِعَهُ فَلْيَفْعَلْ كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ولا يَتَعَلَّلْ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّلِ ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ ويَنْبِذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَلْيَفْعَلْ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمُ الَّتِي وعَدُوها في طَرْدِ المُؤْمِنِينَ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا ما لا يَخْفى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا الأوَّلَ، قالَ في الكَشْفِ: ووَجْهُ إيثارِ الحَذْفِ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أتَمُّ التِئامًا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُداوَمَةِ عَلى تِلاوَةِ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ في جُمْلَةِ التّالِينَ لَهُ حَقَّ التِّلاوَةِ المُرِيدِينَ وجْهَهُ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا فَمَن أُوتِيَ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى فَلَهُ بِشُكْرِها اشْتِغالٌ عَنْ كُلِّ شاغِلٍ ذَيَّلَهُ لِإزاحَةِ الأعْذارِ والعِلَلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلِ﴾ إلَخْ؛ أيْ: هَذا الَّذِي أُوحِيَ هو الحَقُّ فَمَن شاءَ فَلْيَدْخُلْ في سِلْكِ الفائِزِينَ بِهَذِهِ السَّعادَةِ ومَن شاءَ فَلْيَكُنْ في الهالِكِينَ انْهِماكًا في الضَّلالَةِ، أمّا لَوْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فالتَّعْرِيفُ إنْ كانَ لِلْعَهْدِ رَجَعَ إلى الأوَّلِ مَعَ فَواتِ المُبالَغَةِ وإنْ كانَ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: جَمِيعُ الحَقِّ مِن رَبِّكم لا مِن غَيْرِهِ ويَشْمَلُ الكِتابَ شُمُولًا أوَّلِيًّا لَمْ يُطَبَّقِ المُفَصَّلُ؛ إذْ لَيْسَ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ كَوْنَهُ مِنهُ تَعالى لا غَيْرُ، بَلْ كَوْنُهُ حَقًّا لازِمَ الِاتِّباعِ لا غَيْرُ. اه. وهُوَ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ ويُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِحَمْلِ الدُّعاءِ عَلى ثانِي الأقْوالِ فِيهِ، وكَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ الكِتابَ مُطْلَقًا لا المُتَضَمِّنَ الأمْرَ بِصَبْرِ النَّفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ وتَرْكِ الطّاعَةِ لِلْغافِلِينَ كَما جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الحَقُّ مُبْتَدَأً قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ القُرْآنُ كَما كانَ المُرادُ مِنَ المُشارِ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: الإسْلامُ والقُرْآنُ. وقالَ مَكِّيٌّ: المُرادُ بِهِ التَّوْفِيقُ والخِذْلانُ؛ أيْ: قُلِ: التَّوْفِيقُ والخِذْلانُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ فَيُوَفِّقُهُ فَيُؤْمِنُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ فَيَخْذُلُهُ فَيَكْفُرُ لَيْسَ إلَيَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ إلَخْ تَهْدِيدًا مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى نَفْسِ الأمْرِ؛ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ وبَعْدَ ذَلِكَ مِن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ أنْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الأمْرِ والتَّخْيِيرِ؛ وهو ظاهِرٌ. وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ الأمْرَ بِالكُفْرِ غَيْرُ مُرادٍ وهو اسْتِعارَةٌ لِلْخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ بِتَشْبِيهِ حالِ مَن هو كَذَلِكَ بِحالِ المَأْمُورِ بِالمُخالَفَةِ ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ، وهَذا كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ في أفْعالِهِ مُوجِدٌ لَها؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ فِيها تَحَقُّقَ الإيمانِ والكُفْرِ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّرْطِ أنَّهُ عِلَّةٌ تامَّةٌ لِلْجَزاءِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ في إيجادِهِما ولا فَرْقَ بَيْنَ فِعْلٍ وفِعْلٍ فَهو المُوجِدُ لِكُلِّ أفْعالِهِ. وأُجِيبَ بِأنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ ومُوجِدَةٌ لِلْأفْعالِ لا يَتِمُّ المَقْصُودُ لَأنَّ العَقْلَ والنَّقْلَ يَدُلّانِ عَلى تَوَقُّفِها عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم قالُوا: لَوْ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ومَعَ هَذا التَّوَقُّفِ لا يَتِمُّ أمْرُ الِاسْتِقْلالِ ويَثْبُتُ أنَّ العَبْدَ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ؛ وهو مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ، وفي الإحْياءِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ قَدَرْتُ عَلَيْهِ وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ قَدَرْتُ عَلَيْهِ فالفِعْلُ والتَّرْكُ بِي لا بِغَيْرِي قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ هَذا المَعْنى ولَكِنْ هَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ صفحة 267 أنَّكَ إنْ شِئْتَ مَشِيئَةَ الفِعْلِ حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ أوْ لَمْ تَشَأْ تِلْكَ المَشِيئَةَ لَمْ تَحْصُلْ لِأنَّ العَقْلَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ يَشاءُ الفِعْلَ لا لِسَبْقِ مَشِيئَةٍ أُخْرى عَلى تِلْكَ المَشِيئَةِ وإذا شاءَ الفِعْلَ وجَبَ حُصُولُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ مُكْنَةٍ واخْتِيارٍ، فَحُصُولُ المَشِيئَةِ في القَلْبِ أمْرٌ لازِمٌ وتَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ أيْضًا أمْرٌ لازِمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى انْتَهى. وبَعْضُهم يَكْتَفِي في إثْباتِ عَدَمِ الِاسْتِقْلالِ بِثُبُوتِ تَوَقُّفِ مَشِيئَةِ العَبْدِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَمْكِينِهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصِّ ولا يَذْكُرُ حَدِيثَ لُزُومِ الدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ لِما فِيهِ مِنَ البَحْثِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِ الكَلامِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى طَرَفًا لائِقًا مِنهُ في المَوْضِعِ اللّائِقِ بِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ لا يُرادَ المُتَبادَرُ مِنها لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ وإلّا فَهو قَوْلٌ باطِلٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّ فاعِلَ «شاءَ» في الشَّرْطِيَّتَيْنِ ضَمِيرُهُ تَعالى، واحْتَجَّ لَهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الإيمانَ آمَنَ ومَن شاءَ لَهُ الكُفْرَ كَفَرَ. والحَقُّ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ «مَن» والرِّوايَةُ عَنِ الحَبْرِ أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَإذا صَحَّتْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ لِبَيانِ أنَّ مَن شاءَ الإيمانَ هو مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الإيمانَ، ومَن شاءَ الكُفْرَ هو مَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ ذَلِكَ لا لِبَيانِ مَدْلُولِ الآيَةِ وتَحْقِيقِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الخَبَرِ الَّذِي أخْرَجَهُ الجَماعَةُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ قُعْنُبٌ: «وقُلِ الحَقَّ» بِفَتْحِ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ كَأنَّهُ إتْباعٌ لِحَرَكَةِ القافِ، وقَرَأ أيْضًا: «الحَقَّ» بِالنَّصْبِ وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى تَقْدِيرِ: قُلِ القَوْلَ الحَقَّ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ قِيلَ: حالٌ؛ أيْ: كائِنًا مِن رَبِّكُمْ، وقِيلَ: صِفَةٌ؛ أيِ: الكائِنَ مِن رَبِّكم وفِيهِ بَحْثٌ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ: «فَلِيُؤْمِن» و«لِيَكْفُرْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ فِيهِما ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ واخْتِيارَهُ تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ، وجَعَلَها مَن جَعَلَ ﴿فَمَن شاءَ﴾ إلَخْ تَهْدِيدًا مِن قِبَلِهِ تَعالى تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وتَعْلِيلًا لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ. وجُوِّزَ كَوْنُها تَعْلِيلًا لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، ( وأعْتَدْنا ) مِنَ العَتادِ وهو في الأصْلِ ادِّخارُ الشَّيْءِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أعْدَدْنا فَأبْدَلَ مِن إحْدى الدّالَيْنِ تاءً، والمَعْنى واحِدٌ؛ أيْ: هَيَّأْنا لَهم نارًا عَظِيمَةً عَجِيبَةً ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أيْ فُسْطاطُها، شُبِّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن لَهَبِها المُنْتَشِرِ مِنها في الجِهاتِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والإضافَةُ قَرِينَةٌ، والإحاطَةُ تَرْشِيحٌ، وقِيلَ: السُّرادِقُ الحُجْزَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، ويُطْلَقُ عَلى الدُّخانِ المُرْتَفِعِ المُحِيطِ بِالشَّيْءِ، وحَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهم ما في الآيَةِ وهو أيْضًا مَجازٌ كَإطْلاقِهِ عَلى اللَّهَبِ، وكَلامُ القامُوسِ يُوهِمُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ اللَّهَبِ والدُّخانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ حائِطٌ مِن نارٍ، وحَكى الكَلْبِيُّ أنَّهُ عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ، وحَكى القاضِي الماوَرْدِيُّ أنَّهُ البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا ويُحِيطُ بِهِمْ، واحْتَجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في التّارِيخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وآخَرُونَ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ البَحْرَ هو مِن جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلا: ﴿نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾»». والسُّرادِقُ قالَ الرّاغِبُ: صفحة 268 فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ولَيْسَ مِن كَلامِهِمُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ثالِثُهُ ألِفٌ وبَعْدَهُ حَرْفانِ انْتَهى، وقَدْ أصابَ في دَعْوى التَّعْرِيبِ؛ فَإنَّ عامَّةَ اللُّغَوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ إلَخْ فَيُكَذِّبُهُ وُرُودُ عُلابِطَ وقُرامِصَ وجُنادِفَ وحُلاحِلَ وكُلُّها بِزِنَةِ سُرادِقٍ ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ والغَفْلَةُ مَعَ تِلْكَ الكَثْرَةِ مِن هَذا الفاضِلِ بَعِيدَةٌ فَلْيُنْظَرْ ما مُرادُهُ، ثُمَّ إنَّهُ مُعَرَّبُ سَرايِرْدَهْ؛ أيْ: سُتُرُ الدِّيوانِ، وقِيلَ: سَراطاقْ؛ أيْ: طاقُ الدِّيوانِ، وهو أقْرَبُ لَفْظًا إلّا أنَّ الطّاقَ مُعَرَّبٌ أيْضًا وأصْلُهُ تا أوْ تاكْ، وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: مُعَرَّبُ سَرادَرْ وهو الدِّهْلِيزُ ووَقَعَ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ: تَمَنَّيْتَهم حَتّى إذا ما لَقِيتَهم تَرَكْتَ لَهم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقا ويُجْمَعُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ بِالألِفِ والتّاءِ وإنْ كانَ مُذَكَّرًا فَيُقالُ: سُرادِقاتٌ، وفَسَّرَهُ في النِّهايَةِ بِكُلِّ ما أحاطَ بِمَوْضِعٍ مِن حائِطٍ أوْ مَضْرِبٍ أوْ خِباءٍ، وأمْرُ إطْلاقِهِ عَلى اللَّهَبِ أوِ الدُّخانِ أوْ غَيْرِهِما مِمّا ذُكِرَ عَلى هَذا ظاهِرٌ. ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِنَ العَطَشِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وقِيلَ: مِمّا حَلَّ بِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ، والمُهْلُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ؛ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ». وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ، وقِيلَ: ما أُذِيبَ مِنَ النُّحاسِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَدَعا بِذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَأذابَهُ، فَلَمّا ذابَ قالَ: هَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالمُهْلِ الَّذِي هو شَرابُ أهْلِ النّارِ، لَوْنُهُ لَوْنُ السَّماءِ غَيْرَ أنَّ شَرابَ أهْلِ النّارِ أشَدُّ حَرًّا مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ القَيْحُ والدَّمُ الأسْوَدُ، وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ القَطِرانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُغاثُوا﴾ إلَخْ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ يُنْضِجُها إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ حَتّى أنَّهُ يُسْقِطُ جُلُودَها كَما سَمِعْتَ في الحَدِيثِ، فالوُجُوهُ جَمْعُ وجْهٍ وهو العُضْوُ المَعْرُوفُ، والظّاهِرُ أنَّهُ المُرادُ لا غَيْرُ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوُجُوهِ عَنْ جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِماءٍ والأُولى ﴿كالمُهْلِ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ كَما في البَحْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ أوْ حالٌ مِنَ المُهْلِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ. وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ كَوْنِها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الكافِ لِأنَّها اسْمٌ بِمَعْنى مُشابِهٍ فَيَسْتَتِرُ الضَّمِيرُ فِيها كَما يَسْتَتِرُ فِيهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّكَلُّفِ لِأنَّها لَيْسَتْ صِفَةً مُشْتَقَّةً حَتّى يَسْتَتِرَ فِيها ولَمْ يُعْهَدْ مُشْتَقٌّ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ؛ قالَهُ الخَفاجِيُّ. وذُكِرَ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ مَنَعَ في شَرْحِ الشَّواهِدِ جَعْلَ ذُؤابَتِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: رَأتْنِي كَأُفْحُوصِ القَطاةِ ذُؤابَتِي. مَرْفُوعًا بِالكافِ لِكَوْنِها بِمَنزِلِ مِثْلَ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالسَّهْلِ؛ لِأنَّ الكافَ لَيْسَتْ عَلى ألْفاظِ الصِّفاتِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ ذَلِكَ البَعْضَ، إلّا أنَّهُ تَسامُحٌ. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ ذَلِكَ الماءُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ ﴿وساءَتْ﴾ النّارُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أيْ: مُتَّكَأً كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وأصْلُ الِارْتِفاقِ كَما قِيلَ الِاتِّكاءُ عَلى صفحة 269 مِرْفَقِ اليَدِ. قالَ في الصِّحاحِ يُقالُ: باتَ فُلانٌ مُرْتَفِقًا؛ أيْ: مُتَّكِئًا عَلى مِرْفَقِ يَدِهِ، وقِيلَ: نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ فَمُرْتَفَقًا اسْمُ مَكانٍ، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ ولا اتِّكاءَ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِ: إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ أيْ: فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ مِنَ المُشاكَلَةِ ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بِأنْ يَكُونَ لِأهْلِ النّارِ ارْتِفاقٌ فِيها أيِ اتِّكاءٌ عَلى مَرافِقِ أيْدِيهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُتَحَزِّنُ المُتَحَسِّرُ، وقَدْ ذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّ الِاتِّكاءَ عَلى الحَقِيقَةِ كَما يَكُونُ لِلتَّنَعُّمِ يَكُونُ لِلتَّحَزُّنِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ أمْكَنَ عَقْلًا إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ العَذابَ أشْغَلَهم عَنْهُ فَلا يَتَأتّى مِنهم حَتّى يَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً لا مُشاكَلَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهَكُّمًا أوْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ اسْتِراحَتِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ المُرْتَفَقَ المَنزِلُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ ابْنِ عَطاءٍ: المَقَرُّ، وقَوْلُ العُتْبِيِّ: المَجْلِسُ، وقِيلَ مَوْضِعُ التَّرافُقِ؛ أيْ: ساءَتْ مَوْضِعًا لِلتَّرافُقِ والتَّصاحُبِ، وكَأنَّهُ مُرادُ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِهِ بِالمُجْتَمَعِ، فَإنْكارُ الطَّبَرِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنى مُكابَرَةٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: ساءَتْ مَطْلَبًا لِلرِّفْقِ لِأنَّ مَن طَلَبَ رِفْقًا مِن جَهَنَّمَ عُدِمَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرْتَفَقُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الِارْتِفاقِ والِاتِّكاءِ

الكهف 18:30

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ المُنْفَهِمِ مِنَ التَّخْيِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينَ آمَنُوا، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَنافِي حالَيِ الفَرِيقَيْنِ؛ أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي يُوحى إلَيْكَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ حَسْبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ. ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: «لا نُضَيِّعُ» بِالتَّضْعِيفِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ الثّانِيَةِ، وخَبَرُ إنَّ الأُولى الثّانِيَةُ بِما في حَيِّزِها، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهُمْ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم مَن أحْسَنَ ومِنهم مَن لَمْ يُحْسِنْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ مِن تَبْعِيضِيَّةً، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوازِ كَوْنِها بَيانِيَّةً، ولَوْ سُلِّمَ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ فَإنَّ الإحْسانَ زِيادَةُ الإخْلاصِ الوارِدِ في حَدِيثِ الإحْسانِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، لَكِنْ يَبْقى عَلى هَذا حُكْمُ مَن لَمْ يُحْسِنْ بِهَذا المَعْنى مِنهم أوِ الرّابِطُ الِاسْمُ الظّاهِرُ الَّذِي هو المُبْتَدَأُ في المَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ مِن جَعْلِهِ رابِطًا، فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا في الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَنْكِيرُ ﴿عَمَلا﴾ لِأنَّهُ لِلتَّقْلِيلِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِذَلِكَ إذِ النَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ ومَقامُ المَدْحِ شاهِدُ صِدْقٍ أوِ الرّابِطُ عُمُومٌ مِن بِناءٍ عَلى أنَّ العُمُومَ قَدْ يَكُونُ رابِطًا كَما فِي: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، عَلى قَوْلٍ وفِيهِ مُناقَشَةٌ ظاهِرَةٌ. ولَعَلَّ الأوْلى كَوْنُ الخَبَرِ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَعالى:

الكهف 18:31

﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ وجُمْلَةُ: ( إنّا ) إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ قَوْلُهُ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ أيْضًا، وعَلى الِاحْتِمالِ السّابِقِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ الأجْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَشْتَرِطُ في تَعَدُّدِ الأخْبارِ كَوْنَها في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ صفحة 270 وهُوَ الحَقُّ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ لَهم جَنّاتُ إقامَةٍ عَلى أنَّ العَدَنَ بِمَعْنى الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ إذا قامَ فِيهِ واسْتَقَرَّ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِاسْتِقْرارِ الجَواهِرِ فِيهِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَدَنٌ جَنَّةٌ مِنَ الجِنانِ وهي بُطْنانُها، ووَجْهُ إضافَةِ الجِنانِ إلَيْها بِأنَّها لِسِعَتِها كَأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنها جَنَّةٌ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ مِن الأُولى لِلِابْتِداءِ، والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِأساوِرَ، وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في الأُولى أنْ تَكُونَ زائِدَةً في المَفْعُولِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ﴾ وأنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً؛ أيْ: شَيْئًا أوْ حُلِيًّا مِن أساوِرَ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ فِيها أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً واقِعَةً مَوْقِعَ المَفْعُولِ كَما جَوَّزَ هو وغَيْرُهُ ذَلِكَ في الثّانِيَةِ، وجُوِّزَ فِيها أيْضًا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ «يُحَلَّوْنَ» وهو كَما تَرى، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعُ سِوارٍ بِالكَسْرِ والضَّمِّ، وهو ما في الذِّراعِ مِنَ الحُلِيِّ وهو عَرَبِيٌّ، وقالَ الرّاغِبُ: مُعَرَّبُ دستواره، وقِيلَ: جَمْعُ أسْوارٍ جَمْعُ سِوارٍ وأصْلُهُ أساوِيرَ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ يائِهِ فَهو عَلى القَوْلَيْنِ جَمْعُ الجَمْعِ، ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ جَمْعَ سِوارٍ لِما رَأوْا أنَّ فِعالًا لا يُجْمَعُ عَلى أفاعِلَ في القِياسِ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الواحِدَ أسْوارٌ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واللَّهِ لَوْلا صِبْيَةٌ صِغارٌ ∗∗∗ كَأنَّما وُجُوهُهم أقْمارُ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ أوْ لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ أسْوارُ ∗∗∗ لَما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ بِبابِهِ ما وضَحَ النَّهارُ وفِي القامُوسِ: السِّوارُ كَكِتابٍ وغُرابٍ: القَلْبُ كالأسْوارِ والجَمْعُ أسْوِرَةٌ وأساوِرُ وأساوِرَةٌ وسُورٌ وسُؤُورٌ وهو مُوافِقٌ لِما نُقِلَ عَنْ أبِي العَلاءِ. ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قُطْرُبٍ وأبِي عُبَيْدَةَ، ونُكِّرَتْ لِتَعْظِيمِ حُسْنِها مِنَ الإحاطَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَتْ أساوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَما تَطْمِسُ ضَوْءَ النُّجُومِ»». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حِلْيَةً عَدَلَتْ حِلْيَتُهُ بِحِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيا جَمِيعًا لَكانَ ما يُحَلِّيهِ اللَّهُ تَعالى بِهِ في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِن حِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيا جَمِيعًا»». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُحَلَّوْنَ أسْوِرَةً مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ وفِضَّةٍ هي أخَفُّ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هي نُورٌ»». وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الضَّوْءُ»». وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلَكًا - وفي رِوايَةٍ - في الجَنَّةِ مَلَكٌ لَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ أسْمَيْتُهُ، يَصُوغُ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ مِن يَوْمِ خُلِقَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ولَوْ أنَّ حُلِيًّا مِنها أُخْرِجَ لَرَدَّ شُعاعَ الشَّمْسِ»». والسُّؤالُ بِأنَّ لُبْسَ الرِّجالِ الأساوِرَ عَيْبٌ في الدُّنْيا فَكَيْفَ يُحَلَّوْنَها في الآخِرَةِ؟ مُنْدَفِعٌ بِأنَّ كَوْنَهُ عَيْبًا إنَّما هو بَيْنَ قَوْمٍ لَمْ يَعْتادُوهُ لا مُطْلَقًا ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ عَيْبًا بَيْنَ قَوْمٍ ولا يَكُونُ عَيْبًا بَيْنَ آخَرِينَ، ولَيْسَ فِيما نَحْنُ فِيهِ أمْرٌ عَقْلِيٌّ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ عَيْبًا في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ مَكانٍ وبَيْنَ كُلِّ قَوْمٍ، وإنِ التَزَمْتَ أنَّ فِيهِ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّيْتَ صفحة 271 نَفْسَكَ بِحِلْيَةِ الجَهْلِ، وخَرَجْتَ مِن رِبْقَةِ العَقْلِ، هَذا وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: «مِن أسْوِرَةٍ» بِحَذْفِ ألِفٍ وزِيادَةِ هاءٍ وهو أحَدُ الجُمُوعِ لِسِوارٍ كَما سَمِعْتَ. ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ لِأنَّ الخُضْرَةَ أحْسَنُ الألْوانِ، والنَّفْسُ تَنْبَسِطُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها، ورُوِيَ في أثَرٍ أنَّها تَزِيدُ في ضَوْءِ البَصَرِ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ مُذْهِبَةٌ لِلْحُزْنِ: الماءُ والخُضْرَةُ والوَجْهُ الحَسَنُ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهم غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيما ذُكِرَ؛ إذْ لَهم فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ أنَّ الرَّجُلَ يُكْسى في السّاعَةِ الواحِدَةِ سَبْعِينَ ثَوْبًا، وأنَّ أدْناها مِثْلُ شَقِيقِ النُّعْمانِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ الِانْحِصارُ، ولَهم فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، لا يَأْباهُ لِجَوازِ أنَّهم لا يَشْتَهُونَ ولا تَلَذُّ أعْيُنُهم سِوى ذَلِكَ مِنَ الألْوانِ، والتَّنْكِيرُ لِتَعْرِيفِ أنَّها لا يَكادُ يُوصَفُ حُسْنُها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَوْ أنَّ ثَوْبًا مِن ثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ نُشِرَ اليَوْمَ في الدُّنْيا لَصَعِقَ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِ وما حَمَلَتْهُ أبْصارُهم. وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ «ويَلْبِسُونَ» بِكَسْرِ الباءِ ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ قالَ الجَوالِيقِيُّ: هو رَقِيقُ الدِّيباجِ بِالفارِسِيَّةِ فَهو مُعَرَّبٌ، وفي القامُوسِ هو ضَرْبٌ مِنَ البِزْيُونِ أوْ ضَرْبٌ مِن رَقِيقِ الدِّيباجِ مُعَرَّبٌ بِلا خِلافٍ، وقالَ اللَّيْثُ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ خِلافَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ والمُفَسِّرِينَ في النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقالَ شَيْدَلَةُ: هو رَقِيقُ الدِّيباجِ بِالهِنْدِيَّةِ، وواحِدُهُ عَلى ما نُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ سُنْدُسَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أنَّ أصْلَهُ سِنْدِيٌّ، وكانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الدِّيباجِ يُجْلَبُ مِنَ السِّنْدِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ سِينًا كَما فُعِلَ في سادِيٍّ فَقِيلَ: سادِسٌ، وهو كَلامٌ لا يَرُوجُ إلّا عَلى سِنْدِيٍّ أوْ هِنْدِيٍّ. ويُحْكى أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الهِنْدِ مِن بَلَدٍ يُقالُ لَهُ بُرُوجْ بِالجِيمِ الفارِسِيَّةِ، وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ تُسَمّى سِنْسِكْرِيتَ جاءُوا إلى الإسْكَنْدَرِ الثّانِي بِهَدِيَّةٍ مِن جُمْلَتِها هَذا الدِّيباجُ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: سُنْدُونُ بِالنُّونِ في آخِرِهِ فَغَيَّرَتْهُ الرُّومُ إلى سُنْدُوسَ، ثُمَّ العَرَبُ إلى سُنْدُسٍ فَهو مُعَرَّبٌ قَطْعًا مِن ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي أطْلَقَتْهُ أُولَئِكَ الجَماعَةُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا جَرَمَ في أنَّهُ اسْمٌ لَهُ في الأصْلِ بِلُغَتِهِمْ أوِ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ المَجْلُوبِ هو مِنها، أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَما في أسْماءِ كَثِيرٍ مِنَ الأمْتِعَةِ اليَوْمَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ غَلِيظُ الدِّيباجِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو دِيباجٌ مَنسُوجٌ بِذَهَبٍ، وفي القامُوسِ: هو الدِّيباجُ الغَلِيظُ أوْ دِيباجٌ يُعْمَلُ بِالذَّهَبِ أوْ ثِيابُ حَرِيرٍ صِفاقٌ نَحْوَ الدِّيباجِ أوْ قِدَّةٌ حَمْراءُ كَأنَّها قِطَعُ الأوْتارِ اه، والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ الأوَّلُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مُعَرَّبُ اسْتَبْرَهْ وهي كَلِمَةٌ عَجَمِيَّةٌ ومَعْناها الغَلِيظُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ لِلْغَلِيظِ بِالفارِسِيَّةِ اسْتَبَرْ بِلا هاءٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو رُومِيٌّ عُرِّبَ وأصْلُهُ اسْتَبْرَهْ فَأبْدَلُوا الهاءَ قافًا، ووَقَعَ في شِعْرِ المُرَقَّشِ قالَ: تَراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً ∗∗∗ وإسْتَبْرَقَ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هو سُرْيانِيٌّ عُرِّبَ وذَكَرَ مِن أصْلِهِ ما ذَكَرُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ اسْتَفْرَهْ بِحَرْفٍ بَعْدَ التّاءِ بَيْنَ الفاءِ والباءِ المُوَحَّدَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإسْتَبْرَقَ الدِّيباجُ الغَلِيظُ الحَسَنُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ فَفِيهِ تَوافُقُ اللُّغَتَيْنِ، ونُقِلَ عَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّهُ اسْتَصْوَبَ هَذا، ويُجْمَعُ عَلى أبارِيقَ ويُصَغَّرُ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ عَلى أُبَيْرِقٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «واسْتَبْرَقَ» بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ القافِ حَيْثُ وقَعَ؛ جَعَلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ صفحة 272 ابْنِ خالَوَيْهِ فِعْلًا ماضِيًا عَلى وزْنِ اسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ إلّا أنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ الَّذِي هو بَرِقَ، وظاهِرُ كَلامِ الأهْوازِيِّ في الإقْناعِ أنَّهُ وحْدَهُ قَرَأ كَذَلِكَ وجَعَلَهُ اسْمًا مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ ولَمْ يَجْعَلْهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «واسْتَبْرَقٍ» بِوَصْلِ الهَمْزَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ مَعَ التَّنْوِينِ فَيَجُوزُ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَهُ كَلِمَةً عَرَبِيَّةً مِن بَرِقَ الثَّوْبُ يَبْرُقُ بَرِيقًا إذا تَلَأْلَأ بِجِدَّتِهِ ونَضارَتِهِ فَيَكُونُ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا سُمِّيَ بِهِ عامَلَهُ مُعامَلَةَ الفِعْلِ في وصْلِ الهَمْزَةِ ومُعامَلَةَ المُتَمَكِّنِ مِنَ الأسْماءِ في الصَّرْفِ والتَّنْوِينِ، وأكْثَرُ التَّفاسِيرِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ ولَيْسَ بِمُسْتَعْرَبٍ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلنَّقْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ قِراءَتَيْنِ فِيهِ الصَّرْفُ والمَنعُ مِنهُ فَنَقَلَ بَعْضٌ قِراءَةً وبَعْضٌ آخَرُ أُخْرى، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّ قِراءَةَ فَتْحِ القافِ سَهْوٌ أوْ كالسَّهْوِ، قالَ أبُو حَيّانَ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ جَعْلَهُ اسْمًا ومَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا يَجُوزُ أنَّهُ غَيْرُ عَلَمٍ فَتَكُونُ سَهْوًا، وقَدْ أمْكَنَ جَعْلُهُ فِعْلًا ماضِيًا فَلا تَكُونُ سَهْوًا. انْتَهى. وفِي الجَمْعِ بَيْنَ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ إشْعارٌ ما بِأنَّ لِأُولَئِكَ القَوْمِ في الجَنَّةِ ما يَشْتَهُونَ، ونُكِّرا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِما وكَيْفَ لا وهُما وراءَ ما يُشاهَدُ مِن سُنْدُسِ الدُّنْيا وإسْتَبْرَقِها بَلْ وما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ تُنْبِتُ السُّنْدُسَ، مِنهُ تَكُونُ ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والبُخارِيُّ في التّارِيخِ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنا عَنْ ثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ، أخَلْقًا تُخْلَقُ أمْ نَسْجًا تُنْسَجُ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ يَتَشَقَّقُ عَنْها ثَمَرُ الجَنَّةِ. وظاهِرُهُ أنَّها مِن سُنْدُسٍ كانَتْ أوْ مِن إسْتَبْرَقٍ كَذَلِكَ، وقُدِّمَتِ التَّحْلِيَةُ عَلى اللِّباسِ لِأنَّ الحُلِيَّ في النَّفْسِ أعْظَمُ، وإلى القَلْبِ أحَبُّ، وفي القِيمَةِ أغْلى، وفي العَيْنِ أحْلى، وبَنى فِعْلَهُ لِلْمَفْعُولِ إشْعارًا بِأنَّهم لا يَتَعاطَوْنَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وإنَّما يَفْعَلُهُ الخَدَمُ كَما قالَ الشّاعِرُ: غَرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونِعْمَةٍ ∗∗∗ يُحَلَّيْنَ ياقُوتًا وشَذْرًا مُفَقَّرا وكَذَلِكَ سائِرُ المُلُوكِ في الدُّنْيا يُلْبِسُهُمُ التِّيجانَ ونَحْوَها مِنَ العَلاماتِ المُرَصَّعَةِ بِالجَواهِرِ خَدَمُهُمْ، وأسْنَدَ اللُّبْسَ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ يَتَعاطى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ خُصُوصًا إذا كانَ فِيهِ سَتْرُ العَوْرَةِ، وقِيلَ: بَنى الأوَّلَ لِلْمَفْعُولِ والثّانِيَ لِلْفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ التَّحْلِيَةَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى واللُّبْسُ اسْتِحْقاقُهُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَزْغَةً اعْتِزالِيَّةً ويُدْفَعُ بِالعِنايَةِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ جَمْعُ أرِيكَةٍ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وهو السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها فَلا يُسَمّى أرِيكَةً. وأخْرَجَ ذَلِكَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الأرِيكَةُ حَجْلَةٌ عَلى سَرِيرٍ وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها في الأرْضِ مُتَّخَذَةً مِن أراكٍ وهو شَجَرٌ مَعْرُوفٌ أوْ لِكَوْنِها مَكانًا لِلْإقامَةِ مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةُ عَلى رَعْيِ الأراكِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ، ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ الفُرُشُ في الحِجالِ، والظّاهِرُ أنَّها عَلى سائِرِ الأقْوالِ عَرَبِيَّةٌ، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ في فُنُونِ الأفْنانِ أنَّها السُّرُرُ بِالحَبَشِيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كِنايَةٌ عَنْ تَنَعُّمِهِمْ وتَرَفُّهِهِمْ؛ فَإنَّ الِاتِّكاءَ عَلى الأرائِكِ شَأْنُ المُتَنَعِّمِينَ المُتَرَفِّهِينَ، والآثارُ ناطِقَةٌ بِأنَّهم يَتَّكِئُونَ ويَتَنَعَّمُونَ. فَقَدْ أخْرَجَ صفحة 273 ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الرَّجُلَ لِيَتَّكِئَ المُتَّكَأ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً ما يَتَحَوَّلُ مِنهُ ولا يَمَلُّهُ يَأْتِيهِ ما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ولَذَّتْ عَيْنُهُ»». وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنْ عَلى الأرائِكِ فُرُشًا مَنضُودَةً في السَّماءِ مِقْدارَ فَرْسَخٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «عَلَّرائِكِ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وإدْغامِ لامِ عَلى فِيها فَيُحْذَفُ ألِفُ عَلى لِتَوَهُّمِ سُكُونِ لامِ التَّعْرِيفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَما أصْبَحَتْ عارِضَ نَفْسِي بَرِّيَّةً، يُرِيدُ عَلى الأرْضِ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ذَلِكَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها ﴿وحَسُنَتْ﴾ أيِ الأرائِكُ أوِ الجَنّاتُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ فِيهِ

الكهف 18:32

﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ والكَفَرَةِ الَّذِينَ طَلَبُوا طَرْدَهم ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ مَفْعُولانِ لِ «اضْرِبْ» ثانِيهُما أوَّلُهُما لِأنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّفْصِيلِ والبَيانِ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ، والمُرادُ بِالرَّجُلَيْنِ إمّا رَجُلانِ مُقَدَّرانِ عَلى ما قِيلَ وضَرْبُ المَثَلِ لا يَقْتَضِي وُجُودَهُما وإمّا رَجُلانِ مَوْجُودانِ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ فَرْطُوسُ، وقِيلَ اسْمُهُ قِطْفِيرُ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ يَمْلِيخا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما ابْنا مَلِكٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْفَقَ أحَدُهُما مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكَفَرَ الآخَرُ واشْتَغَلَ بِزِينَةِ الدُّنْيا وتَنْمِيَةِ مالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا، ورُوِيَ أنَّهُما ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ فَتَشاطَراها فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا بِألْفٍ فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ أنا أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارًا بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ دارًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ، فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ الوِلْدانَ المُخَلَّدِينَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ كافِرٌ هو الأسْوَدُ بْنُ الأسَدِ ومُؤْمِنٌ هو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، والمُرادُ ضَرْبُهُما مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ والكافِرَيْنِ لا مِن حَيْثُ أحْوالُهُما المُسْتَفادَةُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا مِن أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ كَذا ولِلْكافِرِينَ فِيها كَذا، بَلْ مِن حَيْثُ عِصْيانُ الكَفَرَةِ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ مُكابَدَتِهِمْ مَشاقَّ الفَقْرِ، أيِ اضْرِبْ لَهم مَثَلًا مِن حَيْثِيَّةِ العِصْيانِ مَعَ النِّعْمَةِ والطّاعَةِ مَعَ الفَقْرِ حالَ رَجُلَيْنِ ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما﴾ وهو الكافِرُ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بُسْتانَيْنِ لَمْ يُعَيِّنْ سُبْحانَهُ مَكانَهُما؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ. وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبُ في كِتابِهِ: «عَجائِبُ البِلادِ» أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِيسَ كانَتْ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ فَجَرى ما جَرى فَفَرَّقَهُما اللَّهُ تَعالى في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ مِنهُ قَوْلٌ آخَرُ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلَيْنِ فَمَوْضِعُها النَّصْبُ. ﴿مِن أعْنابٍ﴾ مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ فالكَلامُ عَلى ما قِيلَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وإمّا الأعْنابُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ الكُرُومِ وهي أشْجارُ العِنَبِ، والمَفْهُومُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ العِنَبَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ والكَرْمِ وعَلَيْهِ فَيُرادُ الكُرُومُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى صفحة 274 التَّقْدِيرِ أوِ ارْتِكابِ المَجازِ، والدّاعِي إلى إرادَةِ ذَلِكَ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ مِن ثَمَرٍ بَلْ مِن شَجَرٍ ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُطِيفَةً بِحِفافَيْهِما؛ أيْ: جانِبَيْهِما مُؤَزَّرًا بِها كُرُومُهُما، يُقالُ: حَفَّهُ القَوْمُ إذا طافُوا بِهِ وحَفَفْتُهُ بِهِمْ إذا جَعَلَتَهم حافِّينَ حَوْلَهُ فَتُزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا آخَرَ كَقَوْلِكَ: غَشِيتُهُ بِهِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ وسَطَهُما ﴿زَرْعًا﴾ لِتَكُونا جامِعَتَيْنِ لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَتَيِ العِمارَةِ عَلى الهَيْئَةِ الرّائِقَةِ والوَضْعِ الأنِيقِ.

الكهف 18:33

﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها وبَلَغَ مَبْلَغًا صالِحًا لِلْأكْلِ، و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ مُفْرَدُ اللَّفْظِ مَثْنى المَعْنى عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو المَذْهَبُ المَشْهُورُ ومُثَنًّى لَفْظًا ومَعْنًى عِنْدَ البَغْدادِيِّينَ وتاؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فَأصْلُهُ كَلَوى فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ. ويُشْكِلُ عَلى هَذا إعْرابُهُ بِالحُرُوفِ بِشَرْطِهِ، ويُجابُ بِما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الإشْكالِ في الأسْماءِ الخَمْسَةِ. وعِنْدَ الجِرْمِيِّ الألِفُ لامٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ أصْلِها، والتّاءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْنِيثِ. ويَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُعْرَفُ فَعْتَلٌ، وأنَّ التّاءَ لا تَقَعُ حَشْوًا ولا بَعْدَ ساكِنٍ صَحِيحٍ، وعَلى المَشْهُورِ يَجُوزُ في ضَمِيرِهِ مُراعاةُ لَفْظِهِ ومُراعاةُ مَعْناهُ، وقَدْ رُوعِيَ الأوَّلُ هُنا والثّانِي فِيما بَعْدُ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «كِلا الجَنَّتَيْنِ آتى» بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَنَّتَيْنِ مَجازِيٌّ ثُمَّ قَرَأ: «آتَتْ» فَأنَّثَ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ حَقِيقِيِّهِ ومَجازِيِّهِ، فالتَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: طَلَعَ الشَّمْسُ وأشْرَقَتْ، وقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ: «كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ» فَذَكَّرَ وأعادَ الضَّمِيرَ عَلى «كُلُّ». ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ﴾ أيْ: لَمْ تُنْقِصْ مِن أكْلِها ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ النَّقْصِ عَلى خِلافِ ما يُعْهَدُ في سائِرِ البَساتِينِ؛ فَإنَّ الثِّمارَ غالِبًا تَكْثُرُ في عامٍ وتَقِلُّ في عامٍ، وكَذا بَعْضُ الأشْجارِ تَأْتِي بِالثِّمارِ في بَعْضِ الأعْوامِ دُونَ بَعْضٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿تَظْلِمْ﴾ مُتَعَدِّيًا و﴿شَيْئًا﴾ مَفْعُولَهُ، والمَآلُ واحِدٌ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ أيْ: فِيما بَيْنَ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ ﴿نَهَرًا﴾ لِيَدُومَ شُرْبُهُما ويَزِيدَ بَهاؤُهُما، قالَ يَحْيى بْنُ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: وهَذا النَّهْرُ هو النَّهْرُ هو المُسَمّى بِنَهْرِ أبِي فَرْطَسَ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَهْرٌ مَشْهُورٌ في الرَّمْلَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَجَّرْنا فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ نَهْرًا عَلى حِدَةٍ فَيَكُونُ هُناكَ نَهْرانِ عَلى هَذا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وتَشْدِيدُ فَجَّرَ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ في سِعَةِ التَّفْجِيرِ، وقالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ النَّهْرَ مُمْتَدٌّ فَكَأنَّهُ أنْهارٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ وسَلّامُ ويَعْقُوبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: «فَجَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والعِياضُ بْنُ غَزْوانَ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: «نَهْرًا» بِسُكُونِ الهاءِ وهو لُغَةٌ جارِيَةٌ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِ التَّفْجِيرِ عَنْ ذِكْرِ الإيتاءِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ الخارِجِيَّ عَلى العَكْسِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن إيتاءِ الأكْلِ وتَفْجِيرِ النَّهْرِ في تَكْمِيلِ مَحاسِنِ الجَنَّتَيْنِ كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ ونَحْوِها ولَوْ عُكِسَ لا نَفْهَمُ أنَّ المَجْمُوعَ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى بَعْضٍ؛ فَإنَّ إيتاءَ الأكْلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى السَّقْيِ عادَةً، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إيتاءَ الأكْلِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّقْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ

الكهف 18:34

﴿وكانَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْأحَدِ المَذْكُورِ وهو صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ ﴿ثَمَرٌ﴾ أنْواعُ المالِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: ثَمَرَ إذا تَمَوَّلَ، وحَمْلُهُ عَلى حَمْلِ الشَّجَرِ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلنُّظُمِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وقُرّاءُ المَدِينَةِ: «ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذا في «بِثُمُرِهِ» الآتِي وهو جَمْعُ ثِمارٍ بِكَسْرِ الثّاءِ جَمْعَ ثَمَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ ومَعْناهُ صفحة 275 عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ: أيْ أمْوالٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ تَخْفِيفًا هُنا وفِيما بَعْدُ والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ في رِوايَةٍ: «ثَمْرٌ» بِالفَتْحِ والسُّكُونِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وحُمِلَ عَلى التَّفْسِيرِ: «وآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا» ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المُؤْمِنِ، والمُرادُ بِالصّاحِبِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ فَلا يُنافِي هَذا العُنْوانُ القَوْلَ بِأنَّهُما كانا أخَوَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ ﴿وهُوَ﴾ أيِ القائِلُ ﴿يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُحاوِرُ صاحِبَهُ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القائِلِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ؛ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ في إنْكارِهِ البَعْثَ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن صاحِبِهِ، فَضَمِيرُ: ( هو ) عائِدٌ عَلَيْهِ، وضَمِيرُ صاحِبِهِ عائِدٌ عَلى القائِلِ؛ أيْ: والصّاحِبُ المُؤْمِنُ يُراجِعُ بِالوَعْظِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ القائِلَ لَهُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا وأعْوانًا، وقِيلَ: أوْلادًا ذُكُورًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، وأُيِّدَ بِمُقابَلَتِهِ - بِأقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا - وتَخْصِيصُ الذُّكُورِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ لِمَصالِحِهِ ومُعاوَنَتِهِ، وقِيلَ: عَشِيرَةً؛ ومِن شَأْنِهِمْ أنَّهم يَنْفِرُونَ مَعَ مَن هو مِنهُمْ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ؛ لِأنَّ العَشِيرَةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَهُما، ومُلْتَزَمُ الأُخُوَّةِ لا يُفَسَّرُ بِذَلِكَ، ونَصَبَ مالًا و﴿نَفَرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ وهو عَلى ما قِيلَ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وحِينَئِذٍ يُرَدُّ بِذَلِكَ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن أنَّ الأخَ المُؤْمِنَ بَقِيَ بَعْدَ التَّصَدُّقِ بِمالِهِ فَقِيرًا مُحْتاجًا فَسَألَ أخاهُ الكافِرَ ولَمْ يُعْطِهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ.

الكهف 18:35

﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أيْ: كُلَّ ما هو جَنَّةٌ لَهُ يَتَمَتَّعُ بِها بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلِاسْتِغْراقِ والعُمُومِ، فَتُفِيدُ ما أفادَتْهُ التَّثْنِيَةُ مَعَ زِيادَةٍ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ ولا حَظَّ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ دَقَّ تَصَوُّرُهُ عَلى أبِي حَيّانَ فَتَعَقَّبَهُ بِما تَعَقَّبَهُ. واخْتارَ الإفْرادَ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّتَيْنِ مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ وإنَّما يَكُونُ في واحِدَةٍ واحِدَةٍ وهو خالٍ عَمّا أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ. وكَذا ما قِيلَ: إنَّ الإفْرادَ لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ إلَخِ الجَنَّةُ البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ فَلِذَلِكَ كانَ جَنَّتَيْنِ، وسَمّاهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ المُحِيطِ بِهِ وهو كَما تَرى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والمُحاوَرَةُ أنَّ المُرادَ: ودَخَلَ جَنَّتَهُ مَعَ صاحِبِهِ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وهو ضارٌّ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ عَرَّضَها لِلْهَلاكِ وعَرَّضَ نِعْمَتَها لِلزَّوالِ أوْ واضِعٌ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ كانَ اللّائِقُ بِهِ الشُّكْرَ والتَّواضُعَ لا ما حُكِيَ عَنْهُ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن ذِكْرِ دُخُولِ جَنَّتِهِ حالَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أيْ: تَهْلَكَ وتَفْنى يُقالُ: بادَ يَبِيدُ بَيْدًا وبُيُودًا وبَيْدُودَةً إذا هَلَكَ ﴿هَذِهِ﴾ أيِ الجَنَّةُ ﴿أبَدًا﴾ أيْ: طُولَ الحَياةِ، فالمُرادُ بِالتَّأْبِيدِ طُولُ المُكْثِ لا مَعْناهُ المُتَبادَرُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لِجَهْلِهِ وإنْكارِهِ قِيامَ السّاعَةِ ظَنَّ عَدَمَ فَناءِ نَوْعِها، وإنْ فَنِيَ كُلُّ شَخْصٍ مِن أشْجارِها نَحْوَ ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ العالَمِ في الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ما قَصَدَ إلّا أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ المُشاهَدَةَ صفحة 276 بِشَخْصِها لا تَفْنى عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ عَلى المَشْهُورِ في الأفْلاكِ أنْفُسِها، وكَأنَّ حُبَّ الدُّنْيا والعَجَبَ بِها غَشّى عَلى عَقْلِهِ فَقالَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ وهو مِمّا لا يَرْتَضِيهِ فاضِلٌ، وقِيلَ: «هَذِهِ» إشارَةٌ إلى الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ أوْ إشارَةٌ إلى الدُّنْيا، والمَآلُ واحِدٌ والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ، أيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ هَذا القَوْلَ كانَ مِنهُ بِمُقابَلَةِ مَوْعِظَةِ صاحِبِهِ وتَذْكِيرِهِ بِفَناءِ جَنَّتَيْهِ ونَهْيِهِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِما وأمْرِهِ بِتَحْصِيلِ الصّالِحاتِ الباقِياتِ، ولَعَلَّهُ خَوَّفَهُ أيْضًا بِالسّاعَةِ فَقالَ لَهُ:

الكهف 18:36

﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: كائِنَةً فِيما سَيَأْتِي، فالقِيامُ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الأجْسامِ مَجازٌ عَنِ الكَوْنِ والتَّحَقُّقِ، لَكِنَّهُ جارٍ في العُرْفِ مَجْرى الحَقِيقَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ بِالبَعْثِ عِنْدَ قِيامِها كَما زَعَمْتَ ﴿لأجِدَنَّ﴾ حِينَئِذٍ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ مُناذِرٍ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: «مِنهُما» بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وكَذا في مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ؛ أيْ: مِنَ الجَنَّتَيْنِ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِفَناءِ الأُولى وبَقاءِ الأُخْرى عَلى زَعْمِكَ، وهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ، ومَدارُ هَذا الطَّمَعِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ اعْتِقادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ في الدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ ولَمْ يَدْرِ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، وكَأنَّهُ لِسَبْقِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فِراقُهُ وهي الجَنَّةُ الَّتِي ظَنَّ أنَّها لا تَبِيدُ جاءَ هُنا ﴿رُدِدْتُ﴾ ولِعَدَمِهِ فِيما سَيَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن آيَةِ حم المَذْكُورَةِ جاءَ: ﴿رُجِعْتُ﴾ فَلْيُتَأمَّلْ.

الكهف 18:37

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ كالسّابِقَةِ، وفائِدَتُها التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ ما يَتْلُوها كَلامٌ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ مَسُوقٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ: «وهُوَ يُخاصِمُهُ» ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ أصْلِكَ مِنهُ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَإسْنادُ الخَلْقِ مِن تُرابٍ إلى ذَلِكَ الكافِرِ حَقِيقَةٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مادَّةُ أصْلِهِ، وكَوْنُ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى صِحَّةِ قِياسِ المُساواةِ خَيالٌ واهٍ، وقِيلَ: خَلَقَكَ مِنهُ لِأنَّهُ أصْلُ مادَّتِكَ؛ إذْ ماءُ الرَّجُلِ يَتَوَلَّدُ مِن أغْذِيَةٍ راجِعَةٍ إلى التُّرابِ، فالإسْنادُ مَجازٌ مِن إسْنادِ ما لِلسَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ هي مادَّتُكَ القَرِيبَةُ فالمَخْلُوقُ واحِدٌ والمَبْدَأُ مُتَعَدِّدٌ، ونُقِلَ أنَّهُ ما مِن نُطْفَةٍ قَدَّرَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها بَشَرًا إلّا ومَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِها يُلْقِي فِيها قَلِيلًا مِن تُرابٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِنها ما شاءَ مِن ذِكْرٍ أوْ أُنْثى. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى ثُبُوتِ صِحَّتِهِ، وأنا أقُولُ: غالِبُ ظَنِّي أنِّي وقَفْتُ عَلى تَصْحِيحِهِ لَكِنْ في تَخْرِيجِ الآيَةِ عَلَيْهِ كَلامٌ لا يَخْفى ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ عَدَلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا، وأصْلُ مَعْنى التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ سَواءً؛ أيْ: مُسْتَوِيًا كَما فِيما ﴿تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ تارَةً بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ فَإذا قُرِنَ بِالخَلْقِ والإيجادِ كَما هُنا فالمُرادُ بِهِ الخَلْقُ عَلى أتَمِّ حالٍ وأعْدَلِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ صفحة 277 الحِكْمَةُ بِدُونِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ، ونُصِبَ ( رَجُلًا ) عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى الحالِ وهو مُحْوِجٌ إلى التَّأْوِيلِ. وقالَ الحُوفِيُّ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ «سَوّى»، والمُرادُ: ثُمَّ جَعَلَكَ رَجُلًا، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الرُّجُولِيَّةِ؛ أيْ: جَعَلَكَ ذَكَرًا ولَمْ يَجْعَلْكَ أُنْثى. والظّاهِرُ أنَّ نِسْبَةَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى إلَيْهِ لِشَكِّهِ في البَعْثِ وقَوْلِهِ ( ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ) والشّاكُّ في البَعْثِ كَما في الكَشْفِ كافِرٌ مِن أوْجُهِ الشَّكِّ في قُدْرَتِهِ تَعالى وفي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ الصِّدْقَ وفي حِكْمَتِهِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ إلَخْ وقَعَ رَدًّا لِقَوْلِهِ ( ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ) ولِذَلِكَ رَتَّبَ الإنْكارَ بِخَلْقِهِ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، المُلَوِّحَ بِدَلِيلِ البَعْثِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ونُوقِشُوا فِيهِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُشْرِكًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ صاحِبِهِ تَعْرِيضًا بِهِ: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وقَوْلُهُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ( لَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي ) ما يُنافِيهِ لِأنَّهُ عَلى زَعْمِ صاحِبِهِ كَما مَرَّ مَعَ أنَّ الإقْرارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لا يُنافِي الإشْراكَ فَعَبَدَةُ الأصْنامِ مُقِرُّونَ بِها وهم مُشْرِكُونَ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ أأشْرَكْتَ اه، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقَرَأ ثابِتٌ البُنانِيُّ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ كَنَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ: «ويْلَكَ أكَفَرْتَ»

الكهف 18:38

﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ أصْلُهُ: لَكِنْ أنا، وقَدْ قَرَأ بِهِ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَنَقَلَ حَرَكَةَ هَمْزَةِ أنا إلى نُونِ لَكِنَّ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ ثُمَّ حُذِفَتِ الحَرَكَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في النُّونِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الهَمْزَةُ مَعَ حَرَكَتِها ثُمَّ أُدْغِمَ أحَدُ المِثْلَيْنِ في الآخَرِ، وهو أقْرَبُ مَسافَةً إلّا أنَّ الحَذْفَ المَذْكُورَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ والإدْغامُ في قَوْلِهِ: وتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أقْلِي فَإنَّهُ أرادَ: لَكِنَّ أنا لا أقْلِيكِ، وهو أوْلى مِن جَعْلِهِمُ التَّقْدِيرَ لَكِنَّهُ إيّاكَ عَلى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الأصْلِ: لَكِنَّنِي إيّاكِ عَلى حَذْفِ اسْمِ لَكِنَّ كَما في قَوْلِهِ: فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ أيْ: لَكِنَّكَ مَعَ نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ الألِفِ آخِرًا في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ كَما هو الأصْلُ في أنا وقْفًا ووَصْلًا قَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وقالُونَ، وأبْدَلَها هاءً في الوَقْفِ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ فَقالَ: «لَكِنَّهُ» ذَكَرَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لَكِنَّهُ هو اللَّهُ رَبِّي» بِضَمِيرٍ لَحِقَ لَكِنَّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ وقْفًا ووَصْلًا وهو رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ وأبِي عَمْرٍو ووَرْشٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي بَحْرِيَّةَ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ؛ فَإنَّهم يُثْبِتُونَ ألِفَ أنا في الأصْلِ اخْتِيارًا، وأمّا غَيْرُهم فَيُثْبِتُها فِيهِ اضْطِرارًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إثْباتَها في الوَصْلِ غَيْرُ فَصِيحٍ لَكِنَّهُ حَسَنٌ هُنا لِمُشابِهَةِ أنا بَعْدَ حَذْفِ هَمْزَتِهِ لِضَمِيرِ «نا» المُتَّصِلِ، ولِأنَّ الألِفَ جُعِلَ عِوَضًا عَنِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ فِيهِ. وقِيلَ: أُثْبِتَتْ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وفي إثْباتِها دَفْعُ اللَّبْسِ بِلَكِنَّ المُشَدَّدَةِ، ومِن إثْباتِها وصْلًا قَوْلُ الشّاعِرِ: صفحة 278 أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما وفِي رِوايَةِ الهاشِمِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ حَذْفُها وصْلًا ووَقْفًا، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْلَةَ وأبِي حَيْوَةَ وأبِي بَحْرِيَّةَ، وقَرَأ: «لَكِنَنا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونَيْنِ، و«لَكِنْ» في جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ حَرْفُ اسْتِدْراكٍ لا عَمَلَ لَهُ، وأنا مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و«هُوَ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وهي غَنِيَّةٌ عَنِ الرّابِطِ، وجُمْلَةُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والرّابِطُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُضافُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: هِنْدٌ هو زَيْدٌ ضارِبُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً ثانِيًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنهُ و«رَبِّي» خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ والرّابِطُ الياءُ أيْضًا. وفِي البَحْرِ أنَّ «هُوَ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ وثَمَّ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَكِنْ أنا أقُولُ هو اللَّهُ رَبِّي، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي ﴿خَلَقَكَ﴾ أيْ: لَكِنْ أنا أقُولُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ رَبِّي فَخَبَرُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ و«رَبِّي» نَعْتٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ انْتَهى، ثُمَّ جُوِّزَ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ واقْتُصِرَ عَلى جَعْلِ «هُوَ» ضَمِيرَ الشَّأْنِ حِينَئِذٍ حَسْبَما سَمِعْتَ، ولا يَخْفى أنَّ احْتِمالَ تَقْدِيرِ القَوْلِ بِعِيدٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولَعَلَّ احْتِمالَ كَوْنِ الِاسْمِ الجَلِيلِ بَدَلًا أقْرَبُ مَعْنًى مِن كَوْنِهِ خَبَرًا وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الَّذِي خَلَقَكَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ - نا - ضَمِيرَ الجَماعَةِ كالَّتِي في خَرَجْنا وضَرَبْنا ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ إلّا أنَّهُ أُرِيدَ بِها ضَمِيرُ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ فَوَحَّدَ «رَبِّي» عَلى المَعْنى ولَوِ اتَّبَعَ اللَّفْظَ لَقِيلَ: رَبُّنا ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الآيَةِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَكِنَّ هي العامِلَةَ مِن أخَواتِ إنَّ واسْمُها مَحْذُوفٌ، وحَذْفُهُ فَصِيحٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ قَوْلِي هو اللَّهُ رَبِّي، لَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُرِئَ بِحَذْفِ الألِفِ وقْفًا ووَصْلًا وأنا لا أعْرِفُ أحَدًا قَرَأ بِذَلِكَ انْتَهى. وأنْتَ قَدْ عَرَفْتَ مَن قَرَأ بِهِ، وقَدْ ذُكِرَ غَيْرُهم قَرَءُوا أيْضًا أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيٍّ الهُذَلِيُّ في كِتابِهِ الكامِلِ في القِراءاتِ لَكِنْ لا أظُنُّكَ تَسْتَحْسِنُ التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: «لَكِنْ هو اللَّهُ» بِسُكُونِ نُونِ لَكِنْ، وحَكاهُ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأهْوازِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإعْرابُهُ ظاهِرٌ جِدًّا. وقُرِئَ: «لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي» ويُعْلَمُ إعْرابُهُ مِمّا مَرَّ، وخَرَّجَ أبُو حَيّانَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو عَلى رِوايَةِ هارُونَ عَلى أنْ يَكُونَ «هُوَ» تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ النَّصْبِ في «لَكِنَّهُ» وجَعْلِهِ عائِدًا عَلى «الَّذِي خَلَقَكَ» ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِوُقُوعِهِ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ شَأْنٍ لِأنَّهُ لا عائِدَ حِينَئِذٍ عَلى اسْمِ لَكِنَّ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا انْتَهى، ويا لَيْتَ شِعْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ مِن تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَكِنَّهُ لِلشَّأْنِ ويَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً عائِدًا عَلى﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ و«رَبِّي» نَعْتًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا، والجُمْلَةُ خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ المَنصُوبِ بِلَكِنَّ، أوْ يَكُونَ «هُوَ» مُبْتَدَأً، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنهُ و«رَبِّي» خَبَرًا والجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ. هَذا وقَوْلُهُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ والِاسْتِدْراكُ عَلى ﴿أكَفَرْتَ﴾ ومُلَخَّصُ المَعْنى لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِلتَّقْرِيرِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ: أنْتَ كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ. ولِلتَّغايُرِ الظّاهِرِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ لَكِنَّ مَوْقِعَها؛ فَقَدْ قالُوا: إنَّها تَقَعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَحْوَ: زَيْدٌ حاضِرٌ لَكِنْ عَمْرٌو غائِبٌ، وإلى كَوْنِ المَعْنى ما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الكُفْرَ بِاللَّهِ تَعالى يُقابِلُهُ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ، فَجازَ أنْ يَسْتَدْرَكَ بِكُلٍّ مِنهُما وبِهِما مَعًا؛ أيْ: كَما هُنا فَإنَّ الإيمانَ مُفادُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ والتَّوْحِيدُ مُفادُ: ( لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا ) وأنْتَ تَعْلَمُ أيْضًا أنَّ الشِّرْكَ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ صفحة 279 وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن مَجْمُوعِ الكَلامِ إثْباتَ الإيمانِ عَلى الوَجْهِ الأكِيدِ، ولَعَلَّ شِرْكَ صاحِبِهِ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ بِهَذا المَعْنى. وقِيلَ: الشِّرْكُ فِيهِ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ وإثْباتُهُ لِصاحِبِهِ تَعْرِيضًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ البَعْثَ فَقَدْ عَجَّزَ البارِيَ جَلَّ جَلالُهُ، ومَن عَجَّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقَدْ سَوّاهُ بِخَلْقِهِ تَعالى في العَجْزِ وهو شِرْكٌ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا اغْتَرَّ بِدُنْياهُ وزَعَمَ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ وأضافَ ما أضافَ لِنَفْسِهِ كانَ كَأنَّهُ أشْرَكَ فَعَرَّضَ بِهِ المُؤْمِنُ بِما عَرَّضَ فَكَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ أنا مُؤْمِنٌ ولا أرى الغِنى والفَقْرَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى يُفْقِرُ مَن يَشاءُ ويُغْنِي مَن يَشاءُ ولا أرى الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ عَلى خِلافِ ما أنْتَ عَلَيْهِ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ تَكَلُّفٌ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِشْرِكِ صاحِبِهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِكَلامِهِ السّابِقِ بَلْ يَكْفِيهِ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُشْرِكًا في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما بَعْدُ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ ذِكْرٌ جَلِيلٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِماتٍ أقُولُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

الكهف 18:39

﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ حَضٌّ عَلى القَوْلِ وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِتَحَتُّمِ القَوْلِ في آنِ الدُّخُولِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ لِلْقَصْرِ، وجازَ تَقْدِيمُهُ لِذَلِكَ وجَعْلُهُ فاصِلًا بَيْنَ ( لَوْلا ) وفِعْلِها لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ ما دَخَلْتَها ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ إمّا عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ «شاءَ» والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أيَّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ تَحْضِيضُهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ جَنَّتَهُ وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أبادَها، ودَلالَةُ الجُمْلَةِ عَلى العُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لِأنَّ تَعْرِيفَ الأمْرِ لِلِاسْتِغْراقِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأمّا عَلى غَيْرِهِ فَقِيلَ: لِأنَّ ما شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وهي في مَعْنى الشُّرَطِ، والشَّرْطُ وما في مَعْناهُ يُفِيدُ تَوَقُّفَ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى ما في حَيِّزِهِ فَيُفِيدُ عَدَمَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولا غُبارَ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الثّانِي مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولَةِ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ حَتّى تُفِيدَ الجُمْلَةُ ما ذُكِرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وزَعَمَ القَفّالُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ التَّقْدِيرَ هَذا ما شاءَهُ اللَّهُ تَعالى والإشارَةُ إلى ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها، وهَذا كَقَوْلِ الإنْسانِ إذا نَظَرَ إلى كِتابٍ مَثَلًا: هَذا خَطُّ زَيْدٍ، ومُرادُهُ نَفْيُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِيَسْلَمَ لَهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ الكَعْبِيُّ والجُبّائِيُّ حَيْثُ قالا: الآيَةُ خاصَّةٌ فِيما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ ولا تَشْمَلُ ما هو مِن فِعْلِ العِبادِ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُرِيدُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما يَنْهى عَنْهُ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ العُمُومُ وكَمْ لِلْمُعْتَزِلَةِ عُدُولٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ مِن مَقُولِ القَوْلِ أيْضًا؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِعَجْزِكَ وإقْرارًا بِأنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ تَعالى وإقْدارِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرًا جَلِيلًا أيْضًا. فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: أنْ تَقُولَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»». صفحة 280 قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: قُلْتُ لِأبِي هُرَيْرَةَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَ: لا، إنَّها في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «إنَّ مِن أفْضَلِ الدُّعاءِ قَوْلَ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ». وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، إلّا دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾»» إلَخْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: مَن رَأى شَيْئًا مِن مالِهِ فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ المالَ آفَةٌ أبَدًا وقَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ يَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ. قُلْتُ لِمالِكٍ: لِمَ تَقُولُ هَذا؟ قالَ: ألا تَسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّ مالِكًا يَسْتَدِلُّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الذِّكْرِ لِكُلِّ مَن دَخَلَ مَنزِلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن مالِهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ أوْ دَخَلَ حائِطًا مِن حِيطانِهِ قالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ويَتَأوَّلُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةَ. ويَفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ اسْتِحْبابُ قَوْلِ ذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُعْجِبُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وأنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ عَيْنُ الإعْجابِ ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ إلَخْ. «أنا» تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ في «تَرَنِ» وقَدْ أُقِيَمَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ مَقامَ ضَمِيرِ النَّصْبِ، والرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَ «أقَلَّ» مَفْعُولٌ ثانٍ، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ «أنا» فَصْلًا وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في الحالِ أوْ في الأصْلِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: «أقَلُّ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ «أنا» مُبْتَدَأً و«أقَلَّ» خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ مِنَ احْتِمالَيِ الرُّؤْيَةِ أوِ الحالِ عَلى الثّانِي مِنهُما، و﴿مالا ووَلَدًا﴾ تَمْيِيزٌ عَلى القِراءَتَيْنِ وما فِيهِما مِنَ الِاحْتِمالِ،

الكهف 18:40

وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ قائِمٌ مُقامَ جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: إنْ تَرَنِ كَذَلِكَ فَلا بَأْسَ عَسى رَبِّي إلَخْ، وقالَ كَثِيرٌ: هو جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ فَأنا أتَوَقَّعُ مِن صَنِيعِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقْلِبَ ما بِي وما بِكَ مِنَ الفَقْرِ والغِنى فَيَرْزُقَنِي لِإيمانِي جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويَسْلُبَكَ بِكُفْرِكَ نِعْمَتَهُ ويُخَرِّبَ جَنَّتَكَ، وقَيَّدَ بَعْضُهم هَذا الإيتاءَ بِقَوْلِهِ: في الآخِرَةِ، وقالَ آخَرُ: في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وظاهِرُ ما ذُكِرَ أنَّهُ في الدُّنْيا كالإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: عَذابًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُسْبانًا﴾ فَقالَ: نارًا. وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ حَسّانَ: بَقِيَّةُ مَعْشَرٍ صُبَّتْ عَلَيْهِمْ شَآبِيبٌ مِنَ الحُسْبانِ شُهْبُ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَصْدَرٌ كالبُطْلانِ والغُفْرانِ بِمَعْنى الحِسابِ والمُرادُ بِهِ المَحْسُوبُ والمُقَدَّرُ؛ أيْ: مُقَدَّرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وحَسِبَهُ وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها، والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَهُ عَلى الحُكْمِ المَذْكُورِ مَجازٌ، والزَّجّاجُ جَعَلَ الحُسْبانَ بِمَعْنى الحِسابِ أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدَّرَ مُضافًا؛ صفحة 281 أيْ: عَذابَ حِسابٍ وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الحُسْبانِ بِهَذا المَعْنى العَذابُ مَجازًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وظاهِرُ عِبارَةِ القامُوسِ وكَذا ما رُوِيَ أوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ إطْلاقَ الحُسْبانِ عَلى العَذابِ حَقِيقَةٌ، ويُمْكِنُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ إطْلاقُهُ عَلى النّارِ بِاعْتِبارِ أنَّها مِنَ العَذابِ أوْ مِنَ المُقَدَّرِ، ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ﴿حُسْبانًا﴾ جَمْعُ حُسْبانَةٍ وهي المِرْماةُ؛ أيْ: ما يُرْمى بِهِ كالسَّهْمِ والصّاعِقَةِ وأُرِيدَ بِها هُنا الصَّواعِقُ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ؛ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرَدًا وإمّا حِجارَةً وإمّا غَيْرَهُما مِمّا يَشاءُ ﴿فَتُصْبِحَ﴾ لِذَلِكَ ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ: أرْضًا ﴿زَلَقًا﴾ لَيْسَ فِيها نَباتٌ، قالَهُ الحَسَنُ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى الزَّلَقِ الزَّلَلُ في المَشْيِ لِوَحْلٍ ونَحْوِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ فِيما لا يَكُونُ فِيهِ نَبْتٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَمْنَعُ مِنهُ تُجُوِّزَ بِهِ أوْ كُنِّيَ عَنْهُ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ عَنِ المَزْلَقَةِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: الزَّلَقُ مِن زَلَقَ رَأْسَهُ بِمَعْنى حَلَقَهُ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ؛ أيْ: فَتُصْبِحَ أرْضًا مَلْساءَ لَيْسَ فِيها شَجَرٌ ولا نَباتٌ كالرَّأْسِ الَّذِي حُلِقَ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّلَقِ المَزْلَقَةُ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ الظّاهِرِ، والمَعْنى: فَتُصْبِحَ أرْضًا لا نَباتَ فِيها ولا يَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ، وحاصِلُهُ: فَتُصْبِحَ مَسْلُوبَةَ المَنافِعِ حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ عَلَيْها فَتَكُونَ وحْلًا لا تُنْبِتُ ولا يَثْبُتُ عَلَيْها قَدَمٌ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ: فَتُصْبِحَ رَمْلًا هائِلًا

الكهف 18:41

﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا في الأرْضِ، والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ نَظِيرُ ما مَرَّ. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْماءِ الغائِرِ ﴿طَلَبًا﴾ تَحَرُّكًا وعَمَلًا في رَدِّهِ وإخْراجِهِ، والمُرادُ نَفْيُ اسْتِطاعَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْيِ الطَّلَبِ إشارَةً إلى أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ مِثْلَهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ «لَهُ» لِلْماءِ مُطْلَقًا لا لِلْماءِ المَخْصُوصِ؛ أيْ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لِماءٍ لَها بَدَلَ ذَلِكَ الماءِ الغائِرِ طَلَبًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الماوَرْدِيِّ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ أنَّ «يُصْبِحَ» عَطْفٌ عَلى (تُصْبِحَ) وحِينَئِذٍ لا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالحُسْبانِ ما يَصْلُحُ تَرَتُّبُ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ عادَةً كالحُكْمِ الإلَهِيِّ بِالتَّخْرِيبِ إذْ لَيْسَ كُلُّ آفَةٍ سَماوِيَّةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إصْباحُ الجَنَّةِ صَعِيدًا زَلَقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إصْباحُ مائِها غَوْرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ( يُرْسِلَ ) وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحُسْبانِ؛ أيْ: مَعْنى كانَ مِنَ المَعانِي السّابِقَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ تَرَجّى هَلاكَ جَنَّةِ صاحِبِهِ الكافِرِ إمّا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ أوْ بِآفَةٍ أرْضِيَّةٍ وهو غَوْرُ مائِها فَيَتْلَفُ كُلُّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الغَوْرِ مِنَ الضَّرَرِ والخَرابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ والِاكْتِفاءِ بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ( فَلَنْ ) إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لا فَسادَ في هَذا العَطْفِ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى إلّا أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: أوْ يَجْعَلَ ماءَها غَوْرًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَظْهَرُ لِلْعُدُولِ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ وجْهٌ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ إلَخْ في مُقابَلَةِ قَوْلِ الكافِرِ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ إلَخْ وكَأنَّهم عَنَوُا المُقابَلَةَ في الجُمْلَةِ لا المُقابَلَةَ التّامَّةَ، أمّا إذا لَمْ يَتَّحِدِ المُرادُ بِالنَّفَرِ والوَلَدِ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا اتَّحَدَ بِأنْ فُسِّرَ النَّفَرُ بِالوَلَدِ فَلِأنَّ هُناكَ أمْرَيْنِ أكْثَرِيَّةً وأعَزِّيَّةً ولَمْ يُذْكَرْ هُنا إلّا مُقابِلُ أحَدِهِما وهو الأقَلِّيَّةُ المَنسُوبَةُ في المَعْنى إلى المالِ والوَلَدِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ أقَلِّيَّةَ صفحة 282 الوَلَدِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ الأذَلِيَّةَ والأكْثَرِيَّةَ قَدْ تَسْتَلْزِمُ الأعَزِّيَّةَ كَما يُشاهَدُ في عَرَبِ البادِيَةِ. هَذا وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَتَعَرَّضَ في الجَزاءِ لِأمْرِ الوَلَدِ كَما تَعَرَّضَ لِأمْرِ المالِ بِأنْ يُقالَ: وعَسى أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن ولَدِكَ ويُصِيبَهم بِبَلاءٍ فَيُصْبِحُوا هَلْكى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى اسْتِيلاءِ حُبِّ المالِ عَلى قَلْبِ ذَلِكَ الكافِرِ وأنَّهُ يَكْفِي في نِكايَتِهِ وإغاظَتِهِ تَلَفُ جَنَّتِهِ وإعْطاءُ صاحِبِهِ المُؤْمِنِ خَيْرًا مِنها. وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن تَرَجِّي هَلاكِ مَن لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ مُكالَمَةٌ ومُحاوَرَةٌ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مُقاوَمَةٌ ومُفاخَرَةٌ لِمُجَرَّدِ إغاظَةِ كافِرٍ حاوَرَ وكاثَرَ وفاخَرَ وتَرْكُهُ أفْضَلُ لِلْكامِلِ وأكْمَلُ لِلْفاضِلِ، والدُّعاءُ عَلى الكَفَرَةِ وذَرارِيهِمُ الصّادِرُ مِن بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ هَذا التَّرَجِّي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وحَيْثُ أرادَ تَرْكَ هَذا التَّرَجِّي تَرَكَ تَرَجِّيَ الوَلَدِ لِنَفْسِهِ تَبَعًا لَهُ أوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُهِمٍّ لَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَرَجّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ لِأنَّ المُرادَ «شَيْئًا خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ». والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ فَيَنْدَرِجُ الوَلَدُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقِيلَ: أرادَ ما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ إلّا أنَّ الخَيْرِيَّةَ لا تَتِمُّ مِن دُونِ الوَلَدِ؛ إذْ لا تَكْمُلُ لَذَّةٌ بِالمالِ لِمَن لا ولَدَ لَهُ، فَتَرَجِّي جَنَّةٍ خَيْرٍ مِن تِلْكَ الجَنَّةِ مُتَضَمِّنٌ لِتَرَجِّي ولَدٍ خَيْرٍ مِن أُولَئِكَ الوَلَدِ ولَمْ يَتَرَجَّ هَلاكَ ولَدِهِ لِيَكُونَ بَقاؤُهم بَعْدَ هَلاكِ جَنَّتِهِ حِمْلًا عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ مِن خَيْرِيَّةِ الجَنَّةِ إلّا خَيْرِيَّتُها فِيما يَعُودُ إلى كَوْنِها جَنَّةً مِن كَثْرَةِ الأشْجارِ وزِيادَةِ الثِّمارِ وغَزارَةِ مِياهِ الأنْهارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: لِيَكُونَ إلَخْ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: لَمْ يَتَرَجَّ الوَلَدَ اكْتِفاءً بِما عِنْدَهُ مِنهُمْ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الأوْلادِ لَيْسَ مِمّا يَرْغَبُ فِيهِ الكامِلُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَقْرِنْ تَرَجِّيَ إيتاءِ الوَلَدِ مَعَ تَرَجِّي إيتاءِ الجَنَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ الإيتاءَ المُتَرَجّى في الآخِرَةِ وهي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِإيتاءِ الوَلَدِ لِانْقِطاعِ التَّوَلُّدِ هُناكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّهُ لا يُؤْتى الوَلَدُ لِمَن شاءَهُ في الآخِرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَرَجِّي الوَلَدِ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ أرادَ مِن جَنَّتِهِ جَمِيعَ ما مُتِّعَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا وتَكُونَ الضَّمائِرُ بَعْدَها عائِدَةً عَلَيْها بِمَعْنى البُسْتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ وأخْبَرُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: «غُؤُورًا» بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، وواوٍ بَعْدَهُما

الكهف 18:42

﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أُهْلِكَ أمْوالُهُ المَعْهُودَةُ مِن جَنَّتَيْهِ وما فِيهِما، وهو مَأْخُوذٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ وهي اسْتِدارَتُهُ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، اسْتُعْمِلَتْ في الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ هَلاكٍ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً؛ شَبَّهَ إهْلاكَ جَنَّتَيْهِ بِما فِيهِما بِإهْلاكِ قَوْمٍ حاطَ بِهِمْ عَدُوٌّ وأوْقَعَ بِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةً، وبَعْضٌ يُجَوِّزُ كَوْنَها تَمْثِيلِيَّةً تَبَعِيَّةً انْتَهى. وجَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ أظْهَرُ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقَعَ بَعْضُ ما تَرَجّى وأُحِيطَ إلَخْ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ السِّباقِ والسِّياقِ عَلَيْهِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ الإهْلاكَ كانَ لَيْلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أصْبَحَ بِمَعْنى صارَ فَلا تَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الخَبَرِ بِالصَّباحِ، ويَجْرِي هَذانِ الأمْرانِ في «تُصْبِحَ» و«يُصْبِحَ» السّابِقَيْنِ، ومَعْنى تَقْلِيبِ الكَفَّيْنِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنْ يُبْدِيَ بَطْنَ كُلٍّ مِنهُما ثُمَّ يُعَوِّجُّ يَدَهُ حَتّى يَبْدُوَ ظَهْرُ كَلٍّ، يَفْعَلُ ذَلِكَ مِرارًا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو أنْ يَضَعَ باطِنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى ثُمَّ يَعْكِسَ الأمْرَ ويُكَرِّرَ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والتَّحَسُّرِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: قَلَّبْتُ الأمْرَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ: صفحة 283 وضَرَبْنا الحَدِيثَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وأتَيْنا مِن أمْرِنا ما اشْتَهَيْنا فَإنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الِانْتِقالِ مِن بَعْضِ الأحادِيثِ إلى بَعْضٍ، ولِكَوْنِهِ كِنايَةً عَنِ النَّدَمِ عُدِّيَ بِعَلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ فالجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُقَلِّبُ» كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ عَلى ما أنْفَقَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ في الكِنايَةِ أنْ تُعَدّى بِصِلَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ كَما في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها وبِصِلَةِ المَعْنى الكِنائِيِّ كَما هُنا فَيَجُوزُ: بَنى بِها ويَكُونُ القَوْلُ بِأنَّهُ غَلَطٌ غَلَطٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا مُتَعَلِّقُهُ خاصٌّ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ «يُقَلِّبُ» أيْ: مُتَحَسِّرًا عَلى ما أنْفَقَ وهو نَظَرًا إلى المَعْنى الكِنائِيِّ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ التَّحَسُّرَ والنَّدَمَ بِمَعْنًى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّحَسُّرَ الحُزْنُ وهو أخَصُّ مِنَ النَّدَمِ فَلْيُراجَعْ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَضْمِينَ في الآيَةِ كَما تُوُهِّمَ. وقُرِئَ: «تَقَلَّبُ كَفّاهُ» أيْ: تَتَقَلَّبُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أمْرُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى هَذا، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: عَلى إنْفاقِهِ في عِمارَتِها، وإمّا مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: عَلى الَّذِي أنْفَقَهُ في عِمارَتِها مِنَ المالِ، ويُقَدَّرُ عَلى هَذا مُضافٌ إلى المَوْصُولِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ إذا كانَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ ( يُقَلِّبُ ) مُرادًا مِنهُ يَنْدَمُ لِأنَّ النَّدَمَ إنَّما يَكُونُ عَلى الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا وجْهُ تَخْصِيصِ النَّدَمِ عَلى ما أنْفَقَ بِالذِّكْرِ دُونَ هَلاكِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: لَعَلَّ التَّخْصِيصَ لِذَلِكَ ولِأنَّ ما أنْفَقَ في عِمارَتِها كانَ ما يُمْكِنُ صِيانَتُهُ عَنْ طَوارِقِ الحَدَثانِ وقَدْ صَرَفَهُ إلى مَصالِحِها رَجاءَ أنْ يَتَمَتَّعَ بِها أكْثَرَ مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ لا تَنالُها أيْدِي الرَّدى ولِذَلِكَ قالَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّها مِمّا يَعْتَرِيهِ الهَلاكُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ الفاسِدِ مِن إنْفاقِ ما يُمْكِنُ ادِّخارُهُ في مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ السَّرِيعِ الزَّوالِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ إهْلاكَها واسْتِئْصالَ نَباتِها وأشْجارِها كانَ دَفْعِيًّا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ ولَمْ يَكُنْ تَدْرِيجِيًّا بِإذْهابِ ما بِهِ النَّماءُ وهو الماءُ، فَقَدْ قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ اسْتِئْصالِ نَباتِها وأشْجارِها عاجِلًا بِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ صَرِيحًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ﴾ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ والتَّحَسُّرِ إنَّما يَكُونُ لِما وقَعَ بَغْتَةً فَتَأمَّلْ. ﴿وهِيَ﴾ أيِ الجَنَّةُ مِنَ الأعْنابِ المَحْفُوفَةِ بِنَخْلٍ ﴿خاوِيَةٌ﴾ أيْ ساقِطَةٌ، وأصْلُ الخَواءِ كَما قِيلَ: الخَلاءُ، يُقالُ خَوى بَطْنُهُ مِنَ الطَّعامِ يَخْوِي خَوًى وخَواءً إذا خَلا. وفي القامُوسِ: خَوَتِ الدّارُ تَهَدَّمَتْ، وخَوَتْ وخَوِيَتْ خَيًّا وخُوِيًّا وخَواءً وخَوايَةً خَلَتْ مِن أهْلِها، وأُرِيدُ السُّقُوطُ هُنا لِتَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ بِذَلِكَ، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ وهو هُنا ما يُصْنَعُ مِنَ الأعْمِدَةِ لِتُوضَعَ عَلَيْهِ الكُرُومُ، وسُقُوطُ الجَنَّةِ عَلى العُرُوشِ لِسُقُوطِها قَبْلَها، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ أصابَ الجَنَّةَ مِنَ العَذابِ ما جَعَلَها صَعِيدًا زَلَقًا لا يَثْبُتُ فِيها قائِمٌ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ حالِ الكُرُومِ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ إمّا لِأنَّها العُمْدَةُ وهُما مِن مُتَمِّماتِها، وإمّا لِأنَّ ذِكْرَ هَلاكِها عَلى ما قِيلَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ هَلاكِ الباقِي لِأنَّها حَيْثُ هَلَكَتْ وهي مُسْنَدَةٌ بِعُرُوشِها فَهَلاكُ ما عَداها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإمّا لِأنَّ الإنْفاقَ في عِمارَتِها أكْثَرُ، ثُمَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ تُبْعِدُ ما رُوِيَ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ عَلَيْها نارًا فَأحْرَقَتْها وغارَ ماؤُها إلّا أنْ يُرادَ مِنها مُطْلَقُ الخَرابِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن «هِيَ» الجَنَّةُ بِجَمِيعِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ( ويَقُولُ ) عَطْفٌ عَلى ( يُقَلِّبُ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ بِتَقْدِيرِ: وهو يَقُولُ؛ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ الحالِيَّةِ إلّا شُذُوذًا. ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ صفحة 284 يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُصِبْهُ ما أصابَهُ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ ونَدَمًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ تَجْدِيدًا لِلْإيمانِ لِأنَّ نَدَمَهُ عَلى شِرْكِهِ فِيما مَضى يُشْعِرُ بِأنَّهُ آمَنَ في الحالِ فَكَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ بِاللَّهِ تَعالى الآنَ ولَيْتَ ذَلِكَ كانَ أوَّلًا، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى الكُفْرِ لا يَكُونُ إيمانًا وإنْ كانَ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ قَدْ يَكُونُ تَوْبَةً إذا عَزَمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ وكانَ النَّدَمُ عَلَيْها مِن حَيْثُ كَوْنُها مَعْصِيَةً كَما صَرَّحَ بِهِ في المَواقِفِ، وعَلى فَرْضِ صِحَّةِ قِياسِهِ بِها لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا مِنَ الكافِرِ نَدَمٌ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ هو كُفْرٌ بَلْ بِسَبَبِ هَلاكِ جَنَّتَيْهِ، والآيَةُ فِيما بَعْدُ ظاهِرَةٌ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يَتُبْ عَمّا كَفَرَ بِهِ وهو إنْكارُ البَعْثِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ عِنْدَ مُشاهَدَةِ البَأْسِ، والإيمانُ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، غَيْرِ مَقْبُولٍ؛ إذْ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ إيمانٌ بَعْدَ مُشاهَدَةِ إهْلاكِ مالِهِ ولَيْسَ في ذَلِكَ سَلْبُ الِاخْتِيارِ الَّذِي هو مَناطُ التَّكْلِيفِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ لِلْإنْذارِ، نَعَمْ إذا قِيلَ: إنَّ هَذا حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ كانَ وجْهُ عَدَمِ القَبُولِ ظاهِرًا؛ إذْ لا يَنْفَعُ تَجْدِيدُ الإيمانِ هُناكَ بِالِاتِّفاقِ

الكهف 18:43

﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ﴾ وقَرَأ الأخَوانِ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأيُّوبُ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: «يَكُنْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ بِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِئَةٌ﴾ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، والفِعْلُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالمَنصُوبِ، وقَدْ رُوعِيَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ المَعْنى فَأُتِيَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَنْصُرُهُ» مُراعاةً لِلَّفْظِ فَقَطْ، والمُرادُ مِنَ النُّصْرَةِ لازِمُها وهو القُدْرَةُ عَلَيْها؛ أيْ: لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِ إمّا بِدَفْعِ الهَلاكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أوْ بِرَدِّ المُهْلَكِ بِعَيْنِهِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ أوْ بِرَدِّ مِثْلِهِ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى القادِرُ عَلى نَصْرِهِ وحْدَهُ، وارْتَكَبَ المَجازَ لِأنَّهُ لَوْ أبْقى ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ لاقْتَضى نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: لا يَنْصُرُ زَيْدًا أحَدٌ دُونَ بَكْرٍ. فُهِمْ مِنهُ نُصْرَةُ بَكْرٍ لَهُ في العُرْفِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ ما سَمِعْتَ، وحاصِلُهُ: لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى القَدِيرُ ﴿وما كانَ﴾ في نَفْسِهِ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ

الكهف 18:44

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ وتِلْكَ الحالِ الَّتِي وقَعَ فِيها الإهْلاكُ ﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيِ النُّصْرَةُ لَهُ تَعالى وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ، فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ إلَخْ، أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ كَما نَصَرَ سُبْحانَهُ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ فالوِلايَةُ بِمَعْنى النُّصْرَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ إلّا أنَّها عَلى الأوَّلِ مُطْلَقَةٌ أوْ مُقَيَّدَةٌ بِالمُضْطَرِّ ومَن وقَعَ بِهِ الهَلاكُ وعَلى هَذا مُقَيَّدَةٌ بِغَيْرِ المُضْطَرِّ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُعَضِّدُ أنَّ المُرادَ نُصْرَتُهم قَوْلُهُ: تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: عاقِبَةً لِأوْلِيائِهِ، ووُجِّهَ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ خُتِمَتْ بِحالِ الأوْلِياءِ فَيُناسِبُ أنْ يَكُونَ ابْتِداؤُها كَذَلِكَ. وقَرَأ الأخَوانِ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وشَيْبَةُ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ عِيسى الأصْبَهانِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ: «الوِلايَةُ» بِكَسْرِ الواوِ وهي والوَلايَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنًى واحِدٍ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ كالوَكالَةِ والوِكالَةِ والوَصايَةِ والوِصايَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ؛ أيْ: هُنالِكَ السُّلْطانُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُغْلَبُ ولا يُمْتَنَعُ مِنهُ ولا يُعْبَدُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ صفحة 285 فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ إلَخْ كانَ عَنِ اضْطِرارٍ وجَزَعٍ عَمّا دَهاهُ ولَمْ يَكُنْ عَنْ نَدَمٍ وتَوْبَةٍ، وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأصْمَعِيِّ أنَّهُما قالا: إنَّ كَسْرَ الواوِ لَحْنٌ هُنا؛ لِأنَّ فِعالَةَ إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً ومَعْنًى مُتَقَلَّدًا كالكِتابَةِ والإمارَةِ والخِلافَةِ ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ إنَّما هي الوَلايَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الدِّينِ بِالكَسْرِ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ﴿هُنالِكَ﴾ إشارَةً إلى الدّارِ الآخِرَةِ؛ أيْ: في تِلْكَ الدّارِ الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ والظّاهِرُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ إلَخِ ابْتِداءُ كَلامٍ، وحِينَئِذٍ فالوِلايَةُ مُبْتَدَأٌ و«لِلَّهِ» الخَبَرُ، والظَّرْفُ مَعْمُولُ الِاسْتِقْرارِ، والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ لِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، واقْتِرانُ الخَبَرِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ كَما قُرِّرَ في «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ «هُنالِكَ» خَبَرَ «الوِلايَةُ» أوِ الوِلايَةُ مَرْفُوعَةٌ بِهِ و«لِلَّهِ» يَتَعَلَّقُ بِالظَّرْفِ أوْ بِالعامِلِ فِيهِ أوْ بِالوِلايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِ «مُنْتَصِرًا» والإشارَةُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، والمُرادُ الإخْبارُ بِنَفْيِ أنْ يَنْتَصِرَ في الآخِرَةِ بَعْدَ نَفْيِ أنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ تَنْصُرُهُ في الدُّنْيا. والزَّجّاجُ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِ «مُنْتَصِرًا» أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: وما كانَ مُنْتَصِرًا في تِلْكَ الحالَةِ، و«الحَقِّ» نَعْتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ. وقَرَأ الأخَوانِ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُناذِرٍ واليَزِيدِيُّ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: «الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿الوَلايَةُ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أوْ هو الحَقُّ وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وهو خَبَرُهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ: «هُنالِكَ الوَلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ» بِتَقْدِيمِ «الحَقُّ» ورَفْعِهِ وهو يُرَجِّحُ كَوْنَ «الحَقُّ» نَعْتًا لِلْوَلايَةِ في القِراءَةِ السّابِقَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السَّمّالِ ويَعْقُوبُ عَنْ عِصْمَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والنّاصِبُ لَهُ عامِلٌ مُقَدَّرٌ كَما في قَوْلِكَ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَعْتٌ مَقْطُوعٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ: «عُقْبًا» بِسُكُونِ القافِ والتَّنْوِينِ، وعَنْ عاصِمٍ «عُقْبى» بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورِ عَلى وزْنِ رُجْعى، والجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والتَّنْوِينِ والمَعْنى في الكُلِّ ما تَقَدَّمَ.

الكهف 18:45

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُها في زَهْرَتِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها لِئَلّا يَغْتَرُّوا بِها ولا يُضْرِبُوا عَنِ الآخِرَةِ صَفْحًا بِالمَرَّةِ أوِ اذْكُرْ لَهم صِفَتَها العَجِيبَةَ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ وبَيِّنْها لَهم. ﴿كَماءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَثَلِ؛ أيْ: هي ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ «اضْرِبْ» عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيِّرْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكافَ تَنْبُو عَنْهُ إلّا أنْ تَكُونَ مُقْحَمَةً. ورُدَّ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لِأنَّ المَعْنى صَيِّرِ المَثَلَ هَذا اللَّفْظَ فالمَثَلُ بِمَعْنى الكَلامِ الواقِعِ فِيهِ التَّمَثُّلُ. وقالَ الحُوفِيُّ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ضَرْبًا كَماءٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيْ: فاشْتَبَكَ وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ سَقْيِ الماءِ إيّاهُ أوِ المُرادُ فَدَخَلَ الماءُ في النَّباتِ حَتّى رُوِيَ ورَفَّ، وكانَ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ لِأنَّ صفحة 286 المَعْرُوفَ في عُرْفِ اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ دُخُولُ الباءِ عَلى الكَثِيرِ الغَيْرِ الطّارِئِ وإنْ صَدَقَ بِحَسْبِ الوَضْعِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَداخِلَيْنِ أنَّهُ مُخْتَلِطٌ ومُخْتَلَطٌ بِهِ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ الماءِ حَتّى كَأنَّهُ الأصْلُ الكَثِيرُ، فَفي الكَلامِ قَلْبٌ مَقْبُولٌ ﴿فَأصْبَحَ﴾ ذَلِكَ النَّباتُ المُلْتَفُّ إثْرَ بَهْجَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿هَشِيمًا﴾ أيْ: يابِسًا مُتَفَتِّتًا، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقِيلَ: جَمْعُ هَشِيمَةٍ وأصْبَحَ بِمَعْنى صارَ فَلا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الخَبَرِ بِالصَّباحِ كَما في قَوْلِهِ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الخَبَرِ بِذَلِكَ لِأنَّ الآفاتِ السَّماوِيَّةَ أكْثَرُ ما تَطْرُقُ لَيْلًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِكَوْنِهِ هَشِيمًا لِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَلِ المُرادُ بَيانُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ بَعْدَ النَّضارَةِ مِنَ اليُبْسِ والتَّفَتُّتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أيْ: تُفَرِّقُهُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ الأخْفَشُ: تَرْفَعُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: تَجِيءُ بِهِ وتَذْهَبُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «تُذْرِيهِ» مِن أذْرى رُباعِيًّا وهو لُغَةٌ في ذَرى وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وخَلَفٌ وابْنُ عِيسى وابْنُ جَرِيرٍ: «تَذْرُوهُ الرِّيحُ» بِالإفْرادِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ نَفْسَ الماءِ بَلْ هو الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ مُهْتَزًّا ثُمَّ يَصِيرُ يابِسًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وعَبَّرَ بِالفاءِ في الآيَةِ لِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ زَوالِهِ وصَيْرُورَتِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَيْسَتْ فَصِيحِيَّةً، وقِيلَ: هي فَصِيحِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ فَزَّها ومَكَثَ مُدَّةً فَأصْبَحَ هَشِيمًا ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشاءُ والإفْناءُ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ كامِلَ القُدْرَةِ.

الكهف 18:46

﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِشَأْنِ ما كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِن مُحَسِّناتِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما افْتَخَرَ الأخُ الكافِرُ بِما افْتَخَرَ بِهِ مِن ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ شَأْنِ نَفْسِها بِما مَرَّ مِنَ المَثَلِ، وتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُ عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ لِعَراقَتِهِ فِيما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّينَةِ والإمْدادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعُمُومُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإفْرادِ والأوْقاتِ فَإنَّهُ زِينَةٌ ومُمَدٌّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الآباءِ والبَنِينِ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ، وأمّا البَنُونَ فَزِينَتُهم وإمْدادُهم إنَّما يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَلَغَ الأُبُوَّةَ ولِأنَّ المالَ مَناطٌ لِبَقاءِ النَّفْسِ والبَنُونَ لِبَقاءِ النَّوْعِ، ولِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّهُ أقْدَمُ مِنهم في الوُجُودِ، ولِأنَّهُ زِينَةٌ بِدُونِهِمْ مِن غَيْرِ عَكْسٍ؛ فَإنَّ مَن لَهُ بَنُونَ بِلا مالٍ فَهو في أضْيَقِ حالٍ ونَكالٍ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، والزِّينَةُ مَصْدَرٌ، وأُطْلِقَ عَلى ما يُتَزَيَّنُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ أخْبَرَ بِهِ عَنْ أمْرَيْنِ وإضافَتُها إلى الحَياةِ الدُّنْيا اخْتِصاصِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَلى مَعْنى في والمَعْنى: إنَّ ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ شَيْءٌ يُتَزَيَّنُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَدْ عُلِمَ شَأْنُها في سُرْعَةِ الزَّوالِ وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ فَما الظَّنُّ بِما هو مِن أوْصافِها الَّتِي شَأْنُها أنْ تَزُولَ قَبْلَ زَوالِها. وذَكَرَ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما يَرُدُّ افْتِخارَهم بِالمالِ والبَنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا وكُلُّ ما كانَ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا فَهو سَرِيعُ الزَّوالِ يَنْتِجُ المالُ والبَنُونَ سَرِيعا الزَّوالِ، أمّا الصُّغْرى فَبَدِيهِيَّةٌ، وأمّا الكُبْرى فَدَلِيلُها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ مِن بَيانِ شَأْنِ نَفْسِ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يُقالُ: المالُ والبَنُونَ سَرِيعا الزَّوالِ، وكُلُّ ما كانَ سَرِيعَ الزَّوالِ صفحة 287 يَقْبُحُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ، يَنْتِجُ المالُ والبَنُونَ يَقْبُحُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِما، وكِلْتا المُتَقَدِّمِينَ لا خَفاءَ فِيها. ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««اسْتَكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ. قِيلَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: التَّكْبِيرُ والتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ شاهِينٍ في التَّرْغِيبِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وهُنَّ يَحْطُطْنَ الخَطايا كَما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها، وهُنَّ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ»». وجاءَ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَهُما بِما ذُكِرَ أيْضًا لَكِنْ بِدُونُ الذِّكْرِ الأخِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرَها بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرَها بِجَمِيعِ أعْمالِ الحَسَناتِ. وفِي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ عَطاءٍ أنَّها النِّيّاتُ الصّالِحَةُ واخْتارَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ ما في الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَنْدَرِجُ فِيها ما جاءَ في ما ذُكِرَ مِنَ الرِّواياتِ وغَيْرِها. وادَّعى الخَفاجِيُّ أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِها غَيْرَ العامِّ ذُكِرَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ««وهُنَّ الباقِياتُ»» المُفِيدُ لِلْحَصْرِ بَعْدَ التَّنْصِيصِ عَلى ما لا عُمُومَ فِيهِ فَتَأمَّلْ، وأيًّا ما كانَ فالباقِياتُ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ كالكَلِماتِ أوِ الأعْمالِ، وإسْنادُ الباقِياتِ إلى ذَلِكَ مَجازٌ أيِ الباقِي ثَمَرَتُها وثَوابُها بِقَرِينَةِ ما بَعْدُ، فَهي صِفَةٌ جَرَتْ عَلى غَيْرِ ما هي لَهُ بِحَسْبِ الأصْلِ أوْ هُناكَ مُقَدَّرٌ مَرْفُوعٌ بِالوَصْفِ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ اسْتَتَرَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ وارْتَفَعَ بَعْدَ حَذْفِهِ وكَذا تَدْخُلُ أعْمالُ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ فَإنَّ لَهم مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الخَيْراتِ الحَظُّ الأوْفَرُ، والكَلامُ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ وحَطِّ قَدْرِ شانِئِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما افْتَخَرَ بِهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ مِنَ المالِ والبَنِينَ سَرِيعُ الزَّوالِ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْتَخَرَ بِهِ وما جاءَ بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ ﴿خَيْرٌ﴾ مِن ذَلِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ، وهو بَيانٌ لِما يَظْهَرُ فِيهِ آثارُ خَيْرِيَّتِها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ الزِّينَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا لِأفْضَلِيَّتِها مِنَ المالِ والبَنِينَ مَعَ مُشارَكَةِ الكُلِّ في الأصْلِ إذْ لا مُشارَكَةَ لَهُما في الخَيْرِيَّةِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: مَعْنى عِنْدَ رَبِّكَ في حُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثَوابًا﴾ جَزاءً وأجْرًا، وقِيلَ: نَفْعًا. ﴿وخَيْرٌ أمَلا﴾ حَيْثُ يَنالُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ ما يُؤَمِّلُهُ بِها في الدُّنْيا، وأمّا المالُ والبَنُونَ فَلَيْسَ لِصاحِبِهِما ذَلِكَ، وتَكْرِيرُ ( خَيْرٌ ) لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لَها ولِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ جِهَتَيِ الخَيْرِيَّةِ

الكهف 18:47

﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِ «اذْكُرْ» مُضْمَرًا؛ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَقْلَعُ الجِبالَ مِن أماكِنِها ونُسَيِّرُها في الجَوِّ كالسَّحابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾، وقِيلَ: نُسَيِّرُ أجْزاءَها بَعْدَ أنْ يَجْعَلَها هَباءً مُنْبَثًّا، والكَلامُ عَلى هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُ التَّسْيِيرُ مَجازًا عَنِ الإذْهابِ والإفْناءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ نَذْهَبُ بِها ونَنْسِفُها نَسْفًا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ واعْتُرِضَ صفحة 288 كِلا الأمْرَيْنِ بِأنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ هَباءً مُنْبَثًّا وإذْهابَها بَعْدَ تَسْيِيرِها فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أخْذًا مِنَ الآياتِ أنَّهُ أوَّلًا تَنْفَصِلُ الجِبالُ عَنِ الأرْضِ وتُسَيَّرُ في الجَوِّ ثُمَّ تَسْقُطُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا مَهِيلًا، ثُمَّ هَباءً مُنْبَثًّا، والظّاهِرُ هُنا أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ ولا مُقْتَضًى لِلصَّرْفِ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ المُرادُ بِذِكْرِ ذَلِكَ تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي الَّتِي هي أعْظَمُ مِن ثالِثَةِ الأثافِيِّ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ كَوْنَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( قَدْ جِئْتُمُونا ) إلَخْ؛ أيْ: قُلْنا يَوْمَ كَذا: لَقَدْ جِئْتُمُونا، وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ، وغَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( عِنْدَ رَبِّكَ ) فَهو مَعْمُولُ ( خَيْرٌ ) أيِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ويَوْمَ القِيامَةِ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن «عِنْدَ رَبِّكَ» في حُكْمِهِ تَعالى كَما قِيلَ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ وشِبْلٌ وقَتادَةُ وعِيسى والزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ وطَلْحَةُ واليَزِيدِيُّ والزُّبَيْرِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ يَعْقُوبَ: «تُسَيَّرُ الجِبالُ» بِرَفْعِ الجِبالِ وبِناءِ تُسَيَّرُ بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الإسْنادِ إلى الفاعِلِ لِتَعَيُّنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ جاءَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ بَدَلَ التّاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: سُيِّرَتِ الجِبالُ بِالماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الجِبالِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «تَسِيرُ الجِبالُ» بِالمُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ الجِبالِ. ﴿وتَرى الأرْضَ﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ؛ أيْ: وتَرى جَمِيعَ جَوانِبِ الأرْضِ ﴿بارِزَةً﴾ بادِيَةً ظاهِرَةً، أمّا ظُهُورُ ما كانَ مِنها تَحْتَ الجِبالِ فَظاهِرٌ، وأمّا ما عَداهُ فَكانَتِ الجِبالُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِ قَبْلَ ذَلِكَ أوْ تَراها بارِزَةً لِذَهابِ جَمِيعِ ما عَلَيْها مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والعُمْرانِ والأشْجارِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى زَوالِ الجِبالِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ زَوالُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: إسْنادُ البُرُوزِ إلى الأرْضِ مَجازٌ، والمُرادُ: تَرى أهْلَ الأرْضِ بارِزِينَ مِن بَطْنِها وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عِيسى: «وتُرى الأرْضُ» بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الأرْضِ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ أوْبٍ بَعْدَ أنْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ ولَمْ يُذْكَرْ لِظُهُورِ إرادَتِهِ، وعَلى ما قِيلَ يَكُونُ ذَلِكَ مَذْكُورًا، وإيثارُ الماضِي بَعْدَ «نُسَيِّرُ» و«تَرى» لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الحَشْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُنْكِرُونَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الجَزاءِ وكَذا الكَلامُ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مَنفِيًّا ومُوجَبًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ لِيُعايِنُوا تِلْكَ الأهْوالَ والعَظائِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ اه. واعْتُرِضَ بِأنَّ في بَعْضِ الآياتِ مَعَ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّسْيِيرَ والبُرُوزَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وفَسادِ نِظامِ العالَمِ والحَشْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ عَلى مَعْنى: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِئَلّا تُخالِفَ غَيْرَها فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي عَلى الأوَّلِ مَجازٌ، وعَلى هَذا حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ بِالنَّظَرِ إلى الحُكْمِ المُقارَنِ لَهُ لا بِالنِّسْبَةِ لِزَمانِ التَّكَلُّمِ، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ كَما في الكَشْفِ وغَيْرِهِ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالِيَّةَ مِن فاعِلِ ﴿نُسَيِّرُ﴾ . وقالَ أبُو حَيّانَ: الأُولى جَعْلُها حالًا عَلى هَذا القَوْلِ، وأوْجَبَهُ بَعْضُهم وعَلَّلَهُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَكُنْ مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ بَلْ إلى زَمانِ التَّكَلُّمِ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُهُ أنَّ صِيَغَ الأفْعالِ مَوْضُوعَةٌ لِأزْمِنَةِ التَّكَلُّمِ إذا كانَتْ مُطْلَقَةً فَإذا جُعِلَتْ قُيُودًا لِما يَدُلُّ عَلى زَمانٍ كانَ مُضِيُّها وغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِهِ اه. ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَقُّ عَدَمُ الوُجُوبِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الجُمَلَ الَّتِي ظاهِرُها التَّعاطُفُ يَجُوزُ فِيها صفحة 289 التَّوافُقُ والتَّخالُفُ في الزَّمانِ، فَإذا كانَ في الواقِعِ كَذَلِكَ فَلا خَفاءَ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا بُدَّ لِلْعُدُولِ مِن وجْهٍ، فَإنْ كانَ أحَدُهُما قَيْدًا لِلْآخَرِ وهو ماضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ ووَجْهُهُ ما ذُكِرَ ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً حِينَئِذٍ، فَإنْ عُطِفَتْ وجُعِلَ المُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِأحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ فَلا مانِعَ مِنهُ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، والَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الإنْصافُ اخْتِيارُ قَوْلِ أبِي حَيّانَ مِن أوْلَوِيَّةِ الحالِيَّةِ عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ لا وجْهَ لَهُ، وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ قَدْ عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ أيْ: وقَدْ حَشَرْناهم ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ أيْ: لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ ومِنهُ الغَدْرُ الَّذِي هو تَرْكُ الوَفاءِ، والغَدِيرُ الَّذِي هو ماءٌ يَتْرُكُهُ السَّيْلُ في الأرْضِ. وقُرِئَ: «يُغادِرُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. وقَرَأ قَتادَةُ: «تُغادِرُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِلْقُدْرَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ أوْ بِفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «أحَدٌ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ: «نُغْدِرْ» بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وكَسْرِ الدّالِ.

الكهف 18:48

﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ أُحْضِرُوا مَحَلَّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ ﴿صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في التَّوْحِيدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ: يا عِبادِي، أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأحْكَمُ الحاكِمِينَ، وأسْرَعُ الحاسِبِينَ، أحْضِرُوا حُجَّتَكم ويَسِّرُوا جَوابًا، فَإنَّكم مَسْؤُولُونَ مُحاسَبُونَ، يا مَلائِكَتِي، أقِيمُوا عِبادِي صُفُوفًا عَلى أطْرافِ أنامِلِ أقْدامِهِمْ لِلْحِسابِ»». وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ»». الحَدِيثَ بِطُولِهِ. وقِيلَ: تُقامُ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفًّا. وفِي بَعْضِ الأخْبارِ: أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ، وقِيلَ: لا عَرْضَ بِالمَعْنى المَعْرُوضِ ولا اصْطِفافَ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شُبِّهَتْ حالُهم في حَشْرِهِمْ بِحالِ جُنْدٍ عُرِضُوا عَلى السُّلْطانِ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ بِما يَأْمُرُ، وقِيلَ: إنْ فِيهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً بِتَشْبِيهِ حَشْرِهِمْ بِعَرْضِ هَؤُلاءِ، ومَعْنى (فا) سَواءٌ كانَ داخِلًا في الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوْ كانَ تَرْشِيحًا غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ ولا مُخْتَلِطِينَ فَلا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوَحْدَةِ الصَّفِّ وتَعَدُّدِهِ. ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا؛ أيْ: صُفُوفًا أوْ يُقالُ: إنَّ الأصْلَ صَفًّا صَفًّا، عَلى أنَّ هَذا مَعَ بُعْدِهِ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ما يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ بِالتَّكْرارِ كَبابًا بابًا وصَفًّا صَفًّا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، هَذا والحَقُّ أنَّ إنْكارَ الِاصْطِفافِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ بَعْدَ إمْكانِهِ وصِحَّةِ الإخْبارِ فِيهِ، ولَعَلَّ ما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ والجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَبِّكَ﴾ إشارَةً إلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْ دِيوانِ القَبُولِ بِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ لِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ. ( قَدْ جِئْتُمُونا ) خِطابٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، ويَكُونُ حالًا مِمّا تَقَدَّمَ فَيُقَدَّرُ: قائِلِينَ أوْ نَقُولُ إنْ كانَ حالًا مِن فاعِلِ (حَشَرْنا) أوْ قائِلًا أوْ يَقُولُ إنْ كانَ مِن ( رَبِّكَ ) أوْ مَقُولًا لَهم أوْ يُقالُ لَهم إنْ كانَ مِن ضَمِيرِ ( عُرِضُوا ) . صفحة 290 وقَدْ يُقَدَّرُ فِعْلًا كَ «قُلْنا» أوْ نَقُولُ لا مَحَلَّ لِجُمْلَتِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ «يَوْمَ» السّابِقِ بِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ. قالَ الخَفاجِيُّ: لِأنَّهُ يَصِيرُ كَغُلامِ زَيْدٍ ضارِبًا؛ عَلى أنَّ ضارِبًا حالٌ مِن زَيْدٍ ناصِبًا لِغُلامٍ ومِثْلُهُ تَعْقِيدٌ غَيْرُ جائِزٍ لا لِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الحَشْرِ وهَذا بَعْدَهُ ولا لِأنَّ مَعْمُولَ الحالِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها كَما يُتَوَهَّمُ، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما أُورِدَ عَلى تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ في التَّقْدِيرِ الثّانِي مِن أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو المَقْصُودُ أصالَةً فَتَخَيُّلٌ أغْنى عَنِ الرَّدِّ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ اه، والحَقُّ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ حالًا أوْ غَيْرَهُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ، ولا يَكادُ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ، وإنْ قُلْنا بِجَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ الحالِ عَلَيْها فَتَدَبَّرْ، والمُرادُ مِن مَجِيئِهِمْ إلَيْهِ تَعالى مَجِيئُهم إلى حَيْثُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ الَّتِي تَزْعُمُ فِيها عَبَدَتُها النَّفْعَ والضُّرَّ وغَيْرَ ذَلِكَ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ». ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿جِئْتُمُونا﴾ أيْ: كائِنِينَ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ حُفاةً عُراةً غُرْلًا أوْ ما مَعَكم شَيْءٌ مِمّا تَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأنْصارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أحْياءً كَخِلْقَتِكُمُ الأُولى، والكَلامُ عَلَيْهِ إعْرابًا كَما تَقَدَّمَ لَكِنْ يُخالِفُهُ في وجْهِ التَّشْبِيهِ وذاكَ كَما قِيلَ أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وهَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ وهُوَ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، كِلاهُما لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمَوْعِدُ اسْمُ زَمانٍ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ فُصِلَ بَيْنِها وبَيْنَ خَبَرِها بِحَرْفِ النَّفْيِ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ، وفي ذَلِكَ يَجِبُ الفَصْلُ بِأحَدِ الفَواصِلِ المَعْلُومَةِ إلّا فِيما شَذَّ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فالجارُّ والمَجْرُورُ مَفْعُولُهُ الثّانِي و﴿مَوْعِدًا﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِهِ وهو ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنَّهُ لَنْ نَجْعَلَ لَكم وقْتًا يُنْجَزُ فِيهِ ما وعَدْنا مِنَ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ.

الكهف 18:49

﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وعُرِضُوا﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأُمُورِ الهائِلَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِذِكْرِ وقْتِها تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ كَما مَرَّ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ كُتُبُ الأعْمالِ فَ «ألْ» فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ، ومِن وضْعِهِ إمّا جَعْلُ كُلِّ كِتابٍ في يَدِ صاحِبِهِ اليَمِينِ أوِ الشَّمالِ، وإمّا جَعْلُ كُلٍّ في المِيزانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَعْلَ المَلائِكَةِ تِلْكَ الكُتُبَ في البَيْنِ لِيُحاسِبُوا المُكَلَّفِينَ بِما فِيها، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ كِتابًا واحِدًا بِأنْ تَجْمَعَ المَلائِكَةُ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- صَحائِفَ الأعْمالِ كُلَّها في كِتابٍ وتَضَعُهُ في البَيْنِ لِلْمُحاسَبَةِ ولَكِنْ لَمْ أجِدْ في ذَلِكَ أثَرًا، نَعَمْ قالَ اللَّقّانِيُّ في شَرْحِ قَوْلِهِ في جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ: وواجِبٌ أخْذُ العِبادِ الصُّحُفا كَما مِنَ القُرْآنِ نَصًّا عُرِفا جَزَمَ الغَزالِيُّ بِما قِيلَ: إنَّ صُحُفَ العِبادِ يُنْسَخُ ما في جَمِيعِها في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ جَزْمَ الغَزالِيِّ وأضْرابِهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ أثَرٍ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: وضْعُ الكِتابِ كِنايَةٌ عَنْ إبْرازِ مُحاسَبَةِ الخَلْقِ وسُؤالِهِمْ فَإنَّهُ إذْ أُرِيدَ مُحاسَبَةُ العُمّالِ جِيءَ بِالدَّفاتِرِ ووُضِعَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ثُمَّ صفحة 291 حُوسِبُوا فَأُطْلِقَ المَلْزُومُ وأُرِيدَ لازِمُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا داعِيَ إلى ذَلِكَ عِنْدَنا، ورُبَّما يَدْعُو إلَيْهِ إنْكارُ وزْنِ الأعْمالِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «ووَضَعَ الكِتابَ» بِبِناءِ وضَعَ لِلْفاعِلِ وإسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ونَصْبِ الكِتابِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أيْ: ووَضَعَ اللَّهُ الكِتابَ. ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والخِطابُ نَظِيرُ ما مَرَّ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ ﴿مِمّا فِيهِ﴾ أيِ الكِتابِ مِنَ الجَرائِمِ والذُّنُوبِ لِتَحَقُّقِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ العَذابِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿يا ويْلَتَنا﴾ نِداءٌ لِهَلَكَتِهِمُ الَّتِي هُلِكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ فَإنَّ الوَيْلَةَ كالوَيْلِ الهَلاكُ ونِداؤُها عَلى تَشْبِيهِها بِشَخْصٍ يَطْلُبُ إقْبالَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا هَلاكُ أقْبِلْ فَهَذا أوانُكَ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لَهم وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا صاحِبَ لَهم غَيْرُ الهَلاكِ، وقَدْ طَلَبُوهُ لِيَهْلَكُوا ولا يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ. وقِيلَ: المُرادُ نِداءُ مَن بِحَضْرَتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا، وفِيهِ تَقْدِيرٌ يَفُوتُ بِهِ تِلْكَ النُّكْتَةُ. ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهُ؟ والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِ الكِتابِ، ولامُ الجَرِّ رُسِمَتْ في الإمامِ مَفْصُولَةً، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لا وجْهَ لِذَلِكَ، وقالَ البِقاعِيُّ: إنَّ في رَسْمِها كَذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ المُجْرِمِينَ لِشِدَّةِ الكَرْبِ يَقِفُونَ عَلى بَعْضِ الكَلِمَةِ، وفي لَطائِفِ الإشاراتِ وقَفَ عَلى «ما» أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ والباقُونَ عَلى اللّامِ والأصَحُّ الوَقْفُ عَلى «ما» لِأنَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وأكْثَرُهم لَمْ يَذْكُرْ فِيها شَيْئًا اه. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّسْمَ العُثْمانِيَّ مُتَّبَعٌ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ ولا يَكادُ يُعْرَفُ وجْهُهُ وفي حُسْنِ الوَقْفِ عَلى ما أوِ اللّامِ تَوَقُّفٌ عِنْدِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿صَغِيرَةً﴾ أيْ: هَنَةً صَغِيرَةً ﴿ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ أيْ: إلّا عَدَّها وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مِنَ التَّعَجُّبِ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُ هَذا الكِتابِ حَتّى يُتَعَجَّبَ مِنهُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً﴾ إلَخْ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالمَسِيسِ والكَبِيرَةِ بِالزِّنا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغِيبَةِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ إطْلاقُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ في الرِّوايَةِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالتَّبَسُّمِ والكَبِيرَةِ بِالضَّحِكِ ويَنْدَفِعُ اسْتِشْكالُ بَعْضِ الفُضَلاءِ ذَلِكَ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الضَّحِكَ عَلى النّاسِ مِنَ الذُّنُوبِ. «وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ ويَعِظُهم في ضَحِكِهِمْ مِنَ الرِّيحِ الخارِجِ بِصَوْتٍ وقالَ: عَلامَ يَضْحَكُ أحَدُكم مِمّا يَفْعَلُ؟» بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ عُلَمائِنا أنَّ مِنَ الضَّحِكِ ما يَكْفُرُ بِهِ الضّاحِكُ كالضَّحِكِ عَلى كَلِمَةِ كُفْرٍ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِما إذا قَدَرَ عَلى أنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ وإلّا فَلا يَكْفُرُ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في مَحَلِّهِ، وكانَ الظّاهِرُ: لا يُغادِرُ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّ التَّرَقِّيَ في الإثْباتِ يَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى وفي النَّفْيِ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِن فِعْلِ الأدْنى فِعْلُ الأعْلى بِخِلافِ النَّفْيِ لَكِنْ قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا إذا كانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَإنْ كانَ كِنايَةً عَنِ العُمُومِ كَما هُنا وقَوْلِكَ: ما أعْطانِي قَلِيلًا ولا كَثِيرًا جازَ تَقْدِيمُ الأدْنى عَلى الأعْلى في النَّفْيِ كَما فَصَّلَهُ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وفي البَحْرِ قُدِّمَتِ الصَّغِيرَةُ اهْتِمامًا بِها، ورُوِيَ عَنِ الفَضِيلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ قالَ: ضَجُّوا واللَّهِ مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ صفحة 292 أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: اشْتَكى القَوْمُ كَما تَسْمَعُونَ الإحْصاءَ ولَمْ يَشْتَكِ أحَدٌ ظُلْمًا فَإيّاكم والمُحَقَّراتِ مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَإنَّها تُجْمَعُ عَلى صاحِبِها حَتّى تُهْلِكَهُ. ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ السَّيِّئاتِ أوْ جَزاءَ ذَلِكَ ﴿حاضِرًا﴾ مَسْطُورًا في كِتابِ كُلٍّ مِنهم أوْ عَتِيدًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَقْدًا غَيْرَ مُؤَجَّلٍ، واخْتِيرَ المَعْنى الأخِيرُ وإنْ كانَ فِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ تَأْسِيسٌ مَحْضٌ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ بِما لَمْ يَعْمَلْهُ؛ أيْ: مِنهم أوْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَتَجاوَزُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ في الثَّوابِ والعِقابِ وإنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى عَقْلًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِإثابَةِ المُطِيعِ والزِّيادَةِ في ثَوابِهِ وبِتَعْذِيبِ العاصِي بِمِقْدارِ جُرْمِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ وأنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ لَهُ ما سِوى الكُفْرِ، وأنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِغَيْرِ جِنايَةٍ فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى لا يُجاوِزُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ ولا يُخالِفُ ما جَرَتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ الإلَهِيَّةُ فَلا يُعَذِّبُ أحَدًا بِما لَمْ يَعْمَلْهُ ولا يُنْقِصُ ثَوابَ ما عَمِلَهُ مِمّا أُمِرَ بِهِ وارْتَضاهُ ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُلائِمِ لِعَمَلِهِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ولَمْ يَرْتَضِهِ، وهَذا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وإنِ اخْتَلَفُوا في أنَّ امْتِناعَ وُقُوعِ ما نُفِيَ هَلْ هو سَمْعِيٌّ أوْ عَقْلِيٌّ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ أهْلُ السُّنَّةِ وإلى الثّانِي المُعْتَزِلَةُ، وهَلْ تَسْمِيَةُ تِلْكَ المُجاوَزَةِ ظُلْمًا حَقِيقَةٌ أمْ لا؟ قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها حَقِيقَةٌ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ بِأحَدٍ ما يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ صَدَرَ مِنَ العِبادِ كالتَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ فَإنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنَ العِبادِ يَكُونُ ظُلْمًا ولَوْ صَدَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لَأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مالِكُ المُلْكِ مُتَصَرِّفٌ في مُلْكِهِ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِهِ -تَعالى شَأْنُهُ- ظُلْمٌ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا هو المَشْهُورُ لَدى الجُمْهُورِ لا ما اقْتَضاهُ التَّحْقِيقُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ. واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وهو القَوْلُ المَنصُورُ، وقَدْ أسْلَفْنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- ما يُؤَيِّدُهُ مِنَ الأخْبارِ