Tafsir Al-Alusi — الكهف 18:50 – الكهف 18:104
المحتويات
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
الكهف 18:50
﴿وإذْ قُلْنا﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ كُلِّهِمْ كَما هو الظّاهِرُ، واسْتَثْنى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ المَلائِكَةَ المُهَيِّمِينَ، وبَعْضٌ آخَرُ مَلائِكَةَ السَّماءِ مُطْلَقًا، وزَعَمَ أنَّ المَقُولَ لَهُ مَلائِكَةُ الأرْضِ.
﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ أوِ اسْجُدُوا لِجِهَتِهِ عَلى مَعْنى اتَّخِذُوهُ قِبْلَةً لِسُجُودِكم لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿فَسَجَدُوا﴾ كُلُّهم أجْمَعُونَ امْتِثالًا لِلْأمْرِ ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ بَلْ أبى واسْتَكْبَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما يُفِيدُهُ اسْتِثْناءُ اللَّعِينِ مِنَ السّاجِدِينَ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى وقَدْ مَقْدَّرَةٌ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ، وهو اخْتِيارُ أبِي البَقاءِ، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالقَلْبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقِيلَ: كانَ أصْلُهُ جِنِّيًّا، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، نَعَمْ كانَ مَعَهم ومَعْدُودًا في عِدادِهِمْ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقاتِلُ الجِنَّ فَسُبِيَ إبْلِيسُ وكانَ صَغِيرًا فَكانَ مَعَ المَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ بِالسُّجُودِ مَعَهم. وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَتّى قالَ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وإنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة 293
أصْلُ الإنْسِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ جِنٌّ كَما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْسٌ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ ما فِيهِ، وأقْرَبُ مِنهُ إلى الصِّحَّةِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَهُ جِنٌّ إلّا أنَّهم هَلَكُوا ولَمْ يَكُنْ لَهم عَقِبٌ سِواهُ، فالجِنُّ والشَّياطِينُ اليَوْمَ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ فَهو في الجِنِّ كَنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْسِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، والجِنُّ قَبِيلَةٌ مِنهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَّماءِ الدُّنْيا، وكانَ لَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ بَحْرِ الرُّومِ وبَحْرِ فارِسَ وسُلْطانُ الأرْضِ فَرَأى أنَّ لَهُ بِذَلِكَ عَظَمَةً وشَرَفًا عَلى أهْلِ السَّماءِ فَوَقَعَ في نَفْسِهِ كِبْرٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ ظَهَرَ كِبْرُهُ الَّذِي في نَفْسِهِ فَلَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكانَ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ قَتادَةُ يَقُولُ:
لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا وبِغَيْرِهِ مِمّا لا يَخْفى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الجِنُّ في الآيَةِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَزالُوا يَصُوغُونَ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ مَعْنى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كانَ مِن خَزَنَةِ الجِنانِ وهو تَأْوِيلٌ عَجِيبٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ أنَّهُ أجِنَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: سُتِرَ ومُنِعَ، ورِوايَةُ الكَثِيرِ عَنْهُ أنَّهُ قائِلٌ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: هو مِنَ المَلائِكَةِ، ومَعْنى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ صارَ مِنهم بِالمَسْخِ، وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عُدَّ مِنهم لِمُوافَقَتِهِ إيّاهم في المَعْصِيَةِ حَيْثُ إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ عاصِينَ فَبُعِثَتْ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقِتالِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَشُقُّ الجَوابُ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ دَعْواهُ عِصْمَتَهُمْ، ولا بُدَّ أنْ يَرْتَكِبَ خِلافَ الظّاهِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، نَعَمْ مَسْألَةُ عِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خِلافِيَّةٌ ولا قاطِعَ في العِصْمَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي عِياضٌ أنَّ طائِفَةً ذَهَبُوا إلى عِصْمَةِ الرُّسُلِ مِنهم والمُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَقُولُوا بِعِصْمَةِ غَيْرِهِمْ، وإذا ذَهَبَ مُدَّعِي كَوْنِ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى هَذا لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنَ الِاعْتِراضِ إلّا بِزَعْمِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُقَرَّبِينَ ولا تُساعِدُهُ الآثارُ عَلى ذَلِكَ، ويَبْقى عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الآيَةَ تَأْبى مُدَّعاهُ، وكَذا لَوْ ذَهَبَ إلى ما نُقِلَ عَنِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّ مَلائِكَةَ الأرْضِ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ وكانَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنهم ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: فَخَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الفَرّاءُ، وأصْلُهُ مِن فَسَقَ الرُّطَبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، وسَمَّوُا الفَأْرَةَ فاسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِعَنْ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:
يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا
والظّاهِرُ أنَّ الفِسْقَ بِهَذا المَعْنى مِمّا تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ مِن قَبْلُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ ولا أحادِيثِها وإنَّما تَلَكَّمَ بِهِ العَرَبُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ووافَقَهُ المُبَرِّدُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهي كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ، وكَأنَّ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى؛ إذْ لَيْسَ الأمْرُ بِمَعْنى الطّاعَةِ أصْلًا، بَلْ هو إمّا بِمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ وهو السُّجُودُ وخُرُوجُهُ عَنْهُ بِمَعْنى عَدَمِ اتِّصافِهِ بِهِ، وإمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ وخُرُوجُهُ عَنْهُ مُخالَفَتُهُ لَهُ، وكَوْنُ حاصِلِ المَعْنى ذَلِكَ عَلى المَعْنَيَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: كُسْوَتُهُ عَنْ عُرْيٍ، وأطْعِمَتُهُ عَنْ جُوعٍ؛ أيْ: فَصارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ المَعْدُودَ
صفحة 294
هُوَ في عِدادِهِمْ؛ إذْ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ ما تَحَقَّقَ إباءٌ. وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ إلّا أنَّهُ قالَ: أيْ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أمْرَ رَبِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ مَعْنًى، وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَشِيئَةُ؛ أيْ: فَفَسَقَ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فِسْقَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأطاعَ. والأظْهَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والفاءُ سَبَبِيَّةٌ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ وأفادَتْ تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ؛ إذْ شَأْنُهم التَّمَرُّدُ لِكُدُورَةِ مادَّتِهِمْ وخَباثَةِ ذاتِهِمْ، والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا، وإنْ كانَ مِنهم مَن أطاعَ وآمَنَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى عَنِ السُّجُودِ فَفَسَقَ، وتُفِيدُ حِينَئِذٍ: تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ إبائِهِ وتَرْكِهِ السُّجُودَ. وقِيلَ: إنَّها هُنا غَيْرُ عاطِفَةٍ؛ إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ وإبائِهِ عَنْهُ بِفِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ تَعالى.
قَوْلُ الرَّضِيِّ: والفاءُ الَّتِي لِغَيْرِ العَطْفِ وهي الَّتِي تُسَمّى فاءَ السَّبَبِيَّةِ لا تَخْلُو أيْضًا مِن مَعْنى التَّرْتِيبِ وتَخْتَصُّ بِالجُمَلِ وتَدْخُلُ عَلى ما هو جَزاءٌ مَعَ تَقَدُّمِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ وبِدُونِها انْتَهى. ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ تَرَتُّبِ الثّانِي تَسَبُّبُهُ كَما في ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ وهُنا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنافِيَةِ لِلْفِسْقِ لِبَيانِ قُبْحِ ما فَعَلَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ وقْتِ القِصَّةِ ذِكْرُ القِصَّةِ نَفْسِها لِما فِيها مِن تَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلى المُتَكَبِّرِينَ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمُ المُسْتَنْكِفِينَ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ إبْلِيسَ، وأنَّهم في ذَلِكَ تابِعُونَ لِتَسْوِيلِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ الرَّبْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المَغْرُورِ بِالدُّنْيا والمُعْرِضِ عَنْها وكانَ سَبَبُ الِاغْتِرارِ بِها حُبَّ الشَّهَواتِ وتَسْوِيلَ الشَّيْطانِ زَهَّدَهم سُبْحانَهُ أوَّلًا بِزَخارِفِ الدُّنْيا بِأنَّها عُرْضَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِانْتِقالِ والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ ثَوابًا وأحْسَنُ أمَلًا مِن أنْفَسِها وأعْلاها ثُمَّ نَفَّرَهم عَنِ الشَّيْطانِ بِتَذْكِيرِ ما بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ القَدِيمَةِ.
واخْتارَ أبُو حَيّانَ في وجْهِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ والحَشْرَ وذَكَرَ خَوْفَ المُجْرِمِينَ مِمّا سُطِّرَ في كُتُبِهِمْ وكانَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى المَعاصِي واتِّخاذِ الشُّرَكاءِ ناسَبَ ذِكْرَ إبْلِيسَ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ تَبْعِيدًا عَنِ المَعاصِي وعَنِ امْتِثالِ ما يُوَسْوِسُ بِهِ ويَدْعُو إلَيْهِ. وأيًّا ما كانَ فَلا يُعَدُّ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ هُنا مَعَ ذِكْرِها قَبْلُ تَكْرارًا لِأنَّ ذِكْرَها هُنا لِفائِدَةٍ غَيْرِ الفائِدَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ لَها فِيما قَبْلُ، وهَكَذا ذِكْرُها في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ مِنَ الكِتابِ الجَلِيلِ. ومِثْلُ هَذا يُقالُ في كُلِّ ما هو تَكْرارٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فِيهِ.
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ المُكَرَّراتِ ظاهِرًا مُخْتَلِفَةُ الأسالِيبِ مُتَفاوِتَةُ الألْفاظِ والعِباراتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ، فَلا يَسْتَزِلَّنَّكَ الشَّيْطانُ.
﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُرادُ إمّا إنْكارُ أنْ يُعْقِبَ اتِّخاذَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ العِلْمُ بِصُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ مَعَ التَّعَجُّبِ مِن ذَلِكَ، وإمّا تَعْقِيبُ إنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ والتَّعْجِيبُ مِنهُ إعْلامُ اللَّهِ تَعالى بِقُبْحِ صَنِيعِ اللَّعِينِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأوْلادُ فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ لَهُ أوْلادًا وبِذَلِكَ قالَ جَماعَةٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ: إنِّي لا أخْلُقُ لِآدَمَ ذَرِّيَّةً إلّا ذَرَأْتُ لَكَ مِثْلَها، فَلَيْسَ يُولَدُ لِآدَمَ ولَدٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ شَيْطانٌ يُقْرَنُ بِهِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ يَنْكِحُ ويَنْسِلُ كَما يَنْسِلُ بَنُو آدَمَ. وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ مِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ أيْضًا الضَّحّاكَ والأعْمَشَ والشَّعْبِيَّ.
ونُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ ذَرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ؛ فَيَكُونُ قائِلًا بِالزَّوْجَةِ، والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ بِرِوايَةِ
صفحة 295
ابْنِ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إبْلِيسَ: هَلْ لَهُ زَوْجَةٌ؟ فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَعُرْسٌ ما سَمِعْتُ بِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في المَكائِدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ولَدُ إبْلِيسَ خَمْسَةٌ: ثَبْرُ وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ، وداسِمُ لا أدْرِي ما يَعْمَلانِ، ومُسَوِّطُ وهو صاحِبُ الصَّخَبِ، وزَلَبْنُورُ وهو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ النّاسِ ويُبَصِّرُ الرَّجُلَ عُيُوبَ أهْلِهِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأعْوَرَ صاحِبُ الزِّنا، ومُسَوِّطَ صاحِبُ أخْبارِ الكَذِبِ يُلْقِيها عَلى أفْواهِ النّاسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، وراسِمَ صاحِبُ البُيُوتِ إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَمِّ دَخَلَ مَعَهُ، وإذا أكَلَ ولَمْ يُسَمِّ أكَلَ مَعَهُ، وزَلَبْنُورَ صاحِبُ الأسْواقِ، وكانَ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها اللَّعِينُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ يُدْخِلُ ذَنَبَهُ في دُبُرِهِ فَيَبِيضُ فَتَنْفَلِقُ البَيْضَةُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الشَّياطِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها قالَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلى مُؤْمِنٍ واحِدٍ أكْثَرُ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا ولَدَ لَهُ، والمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأتْباعُ مِنَ الشَّياطِينِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَجازًا تَشْبِيهًا لَهم بِالأوْلادِ، وقِيلَ: ولَعَلَّهُ الحَقُّ أنَّ لَهُ أوْلادًا وأتْباعًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مَجْمُوعُها مَعًا عَلى التَّغْلِيبِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يَراهُ أوْ عُمُومُ المَجازِ.
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالوِلادِ مَن آمَنَ بِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ونَبِيِّنا ﷺ وهو هامَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسُبْحانَ مَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ولا يَلْزَمُنا أنْ نَعْلَمَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِهِ فَكَثِيرٌ مِنَ الأشْياءِ مَجْهُولُ الكَيْفِيَّةِ عِنْدَنا ونَقُولُ بِهِ فَلْيَكُنْ مِن هَذا القَبِيلِ إذا صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ.
واسْتُدِلَّ ما في مَلَكِيَّتِهِ بِظاهِرِ الآيَةِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ. ولِمُدَّعِيها أنْ يَقُولَ: بَعْدَ تَسْلِيمِ حَمْلِ الذُّرِّيَّةِ عَلى الأوْلادِ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ عَصى مُسِخَ وخَرَجَ عَنِ المَلَكِيَّةِ فَصارَ لَهُ أوْلادٌ ولَمْ تُفِدِ الآيَةُ أنَّ لَهُ أوْلادًا قَبْلَ العِصْيانِ، والِاسْتِدْلالُ بِها لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: أفَتَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مُجاوِزِينَ عَنِّي إلَيْهِمْ وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ وإنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمُصادَرِ نَحْوَ القَبُولِ والوَلُوعِ، وتَقْيِيدُ الِاتِّخاذِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِهِ؛ فَإنَّ مَضْمُونَها مانِعٌ مِن وُقُوعِ الِاتِّخاذِ ومُنافٍ لَهُ قَطْعًا:
ومِن نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الحَرِّ أنْ يَرى ∗∗∗ عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ
﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿بَدَلا﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وفاعِلُ ( بِئْسَ ) ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يُفَسِّرُهُ هو والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلظّالِمِينَ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ وضْعِ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ السُّخْطِ، والإشارَةُ إلى أنَّ ما فَعَلُوهُ ظُلْمٌ قَبِيحٌ ما لا يَخْفى.
الكهف 18:51
﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ مِن خَباثَةِ الأصْلِ والفِسْقِ والعَداوَةِ؛ أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.
﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَقْتُهُما قَبْلَ خَلْقِهِمْ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم
صفحة 296
خَلْقَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَكِلا ضَمِيرَيِ الجَمْعِ المَنصُوبِ والمَجْرُورِ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وهُمُ المُرادُ بِالمُضِلِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ وإنَّما وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، والعَضُدُ في الأصْلِ ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ ويُسْتَعارُ لِلْمُعِينِ كاليَدِ وهو المُرادُ هُنا ولِكَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّ، وفُسِّرَ بِالجَمْعِ والإفْرادِ لِرُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّ الجَمِيعَ في حُكْمِ الواحِدِ في عَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِضادِ؛ أيْ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم أعْوانًا في شَأْنِ الخَلْقِ أوْ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِي حَتّى يُتَوَهَّمَ شَرِكَتُهم في التَّوَلِّي فَضْلًا عَنِ الِاسْتِبْدالِ الَّذِي لَزِمَ فِعْلَهم بِناءً عَلى الشَّرِكَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( أنْفُسِهِمْ ) إلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ قَدْ قالَ بِهِ كُلُّ مَن ذَهَبَ إلى إرْجاعِ ضَمِيرِ ﴿أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ، وعَلَّلَ ذَلِكَ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ حَذَرًا مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ ومُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأنْفُسِ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُرْجِعَ الضَّمِيرَ الثّانِيَ إلى الظّالِمِينَ، ويُلْتَزَمُ التَّفْكِيكُ بِناءً عَلى عَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ؛ فَإنَّ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهم هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إنْكارُ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِناءً عَلى أنَّ أدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ حُضُورُ الوَلِيِّ خَلْقَ المُتَوَلِّي وحَيْثُ لا حُصُولَ لا مُصَحِّحَ لِلتَّوَلِّي قَطْعًا، وأمّا إشْهادُ بَعْضِ الشَّياطِينِ خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم فَلَيْسَ مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ في شَيْءٍ عَلى أنَّ إشْهادَ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ إنْ كانَ مُصَحِّحًا لِتَوَلِّي الشّاهِدِ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى كَمالِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ لَهُ مَدْخَلًا في خَلْقِ المَشْهُودِ في الجُمْلَةِ فَهو مُخِلٌّ بِتَوَلِّي المَشْهُودِ بِناءً عَلى قُصُورِهِ عَمَّنْ شَهِدَ خَلْقَهُ فَلا يَكُونُ نَفْيُ الإشْهادِ المَذْكُورِ مُتَمَحِّضًا في نَفْيِ الكَمالِ المُصَحَّحِ لِلتَّوَلِّي عَنِ الكُلِّ وهو المَناطُ لِلْإنْكارِ المَذْكُورِ.
وفِي الآيَةِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ وإيذانٌ بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ هَذا الأمْرَ الجَلِيَّ الَّذِي لا يَكادُ يُشْتَبَهُ عَلى البُلْهِ والصِّبْيانِ فَيَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وإيثارُ نَفْيِ الإشْهادِ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ ونَفْيِ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى تابِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الشُّهُودِ والمَعُونَةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ إحْضارٍ واتِّخاذٍ، وإنَّما قُصارى ما يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ المَبْلَغَ بِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ ولَمْ يَكَدْ ذَلِكَ يَكُونُ اه.
وهُوَ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَها وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنهُما ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُفّارُ فَتُفِيدُ الآيَةُ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ خَلْقَهُمُ الَّذِي مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التِزامِ التَّفْكِيكِ الَّذِي هو خِلافُ المُتَبادَرِ، وظاهِرُ كَلامِهِ وكَذا كَلامِ كَثِيرٍ حَمْلُ الإشْهادِ المَنفِيِّ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُشاوَرَةُ مَجازًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما في البَحْرِ ولا مانِعَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما شاوَرْتُهم في خَلْقِ أحَدٍ لا الكُفّارَ ولا غَيْرَهُمْ، فَما بالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَتَوَلَّوْنَهم وأدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ كَوْنُ الوَلِيِّ مِمَّنْ يُشاوَرُ في أمْرِ المُتَوَلِّي أوْ أمْرِ غَيْرِهِ ويَكُونُ نَفْيُ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا مُطْلَقًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بَعْدَ نَفْيِ مُشاوَرَتِهِمْ في الخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ الكَلامُ ظاهِرًا عُمُومَ نَفِي مَدْخَلِيَّتِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ رَأْيًا وإيجادًا وغَيْرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولَعَلَّ الآيَةَ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ مِن وجْهٍ، وقِيلَ: قَدْ يُرادُ مِن نَفْيِ الإشْهادِ في جانِبِ المَعْطُوفِ نَفْيُ المُشاوَرَةِ ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا حَسْبَ مَشِيئَتِهِمْ، ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا كامِلِينَ فَإنَّهُ يُقالُ: خُلِقَ
صفحة 297
كَما شاءَ بِمَعْنى خُلِقَ كامِلًا قالَ الشّاعِرُ:
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيْبٍ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ
وعَلى هَذا يَكُونُ في الخَلْقِ مَن أُشْهِدَ خَلْقَ نَفْسِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ خُلِقَ كامِلًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَفْيَ الكَمالِ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَئُونَةِ فافْهَمْ. وزَعَمَ أنَّ الكامِلِينَ شَهِدُوا حَقِيقَةَ خَلْقِ أنْفُسِهِمْ بِمَعْنى أنَّهم رَأوْا وهم أعْيانٌ ثابِتَةٌ خَلْقَهُمْ؛ أيْ: إفاضَةَ الوُجُودِ الخارِجِيِّ الَّذِي لا يَتَّصِفُ بِهِ المَعْدُومُ عَلَيْهِمْ لا أرى أنَّ كامِلًا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أوْ يُصْغِي إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ حِكايَةِ القَوْلِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الشَّياطِينِ: الأقْرَبُ عِنْدِي عَوْدُهُما عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: إنْ لَمْ تَطْرُدْ عَنْ مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ؛ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكائِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو في الآيَةِ - أُولَئِكَ الكُفّارُ - لِأنَّهُمُ المُرادُ بِالظّالِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ وضِدِّها لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا شاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِشَرَفِهِمْ ورَفْعَتِهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ وبِأضْدادِ هَذِهِ الأحْوالِ لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ وما أطْلَعْتُهم عَلى أسْرارِ التَّكْوِينِ وما خَصَصْتُهم بِخَصائِصَ لا يَحْوِيها غَيْرُهم حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً لِلنّاسِ فَيُؤْمِنُوا بِإيمانِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ لِلدِّينِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ لِدِينِي بِالمُضِلِّينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيِّ والحَسَنِ وشَيْبَةَ: «وما كُنْتَ» بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لَهُ ﷺ، والمَعْنى: ما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، ولَعَلَّ وصْفَ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِالإضْلالِ لِما أنَّ قَصْدَهم بِطَرْدِ الفُقَراءِ تَنْفِيرُ النّاسِ عَنْهُ ﷺ وهو إضْلالٌ ظاهِرٌ وقِيلَ: كُلُّ ضالٍّ مُضِلٍّ لِأنَّ الإضْلالَ إمّا بِلِسانِ القالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، والثّانِي لا يَخْلُو عَنْهُ ضالٌّ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم ذَلِكَ ولا اسْتَعَنْتُ بِهِمْ في شَيْءٍ بَلْ خَلَقْتُهم لِيَعْبُدُونِي فَكَيْفَ يُعْبَدُونَ، ويَرُدُّهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ إلّا أنْ يُقالَ: هو نَفْيٌ لِاتِّخاذِ الشَّياطِينِ أعْوانًا فَيُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَفْيُ صِحَّةِ عِبادَةِ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ وعَلى النّاسِ بِالجُمْلَةِ فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَّدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَّبائِعِ والأطِبّاءِ ومَن سِواهم مِمَّنْ يَخُوضُ خَوْضَهُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَبْدُ الحَقِّ الصَّقَلِّيُّ وذَكَرَهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ انْتَهى. ويُقالُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ نَحْوُ ما قِيلَ فِيها آنِفًا.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاسْتِعانَةُ بِالكافِرِ وهو في أُمُورِ الدِّينِ كَجِهادِ الكُفّارِ وقِتالِ أهْلِ البَغْيِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ ولِبَعْضِهِمْ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِهِمْ في أُمُورِ الدُّنْيا فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِها سَواءٌ كانَتْ في أمْرٍ مُمْتَهَنٍ كَنَزْحِ الكَنائِفِ أوْ في غَيْرِهِ كَعَمَلِ المَنابِرِ والمَحارِيبِ والخِياطَةِ ونَحْوِها، ولَعَلَّ أفْرَضَ اليَهُودِيَّ
صفحة 298
أوِ الكَلْبَ قَدْ ماتَ في كَلامِ الفارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَدِّ ما اسْتُخْدِمَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِيارِ تَفْصِيلٍ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْضًا.
وقَدْ حَكى الشِّيعَةُ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ حِينَ صَمَّمَ عَلى عَزْلِ مُعاوِيَةَ وأشارَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِإبْقائِهِ عَلى عَمَلِهِ إلى أنْ يَسْتَفْحِلَ أمْرُ الخِلافَةِ: يَمْنَعُنِي مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ فَلا أتَّخِذُ مُعاوِيَةَ عَضُدًا أبَدًا، وهو كَذِبٌ لا يَعْتَقِدُهُ إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسِّخْتِيانِيُّ وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ: «ما أشْهَدْناهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ»
عَلى إعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: «عُضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وقَرَأ عِيسى «عَضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في رَجُلٍ وسَبُعٍ رَجْلٌ وسَبْعٌ بِالسُّكُونِ وهي لُغَةٌ عَنْ تَمِيمٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ والخِفافِ وأبِي زَيْدٍ: «عُضُدًا» بِضَمَّتَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو عَلى هَذا إمّا لُغَةٌ في العَضُدِ كَما في البَحْرِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في القامُوسِ وإمّا جَمْعُ عاضِدٍ كَخَدَمٍ جَمْعِ خادِمٍ مِن عَضَّدَهُ بِمَعْنى قَوّاهُ وأعانَهُ فَحِينَئِذٍ لا اسْتِعارَةَ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ: «عِضَدًا» بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ مِن لُغاتِهِ، نَعَمْ في القامُوسِ عَدَّ عَضِدٌ كَكَتِفٍ مِنها وهو عَكْسُ هَذِهِ القِراءَةِ.
الكهف 18:52
﴿ويَوْمَ يَقُولُ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا وتَعْجِيزًا بِواسِطَةٍ أوْ بِدُونِها. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ويَحْيى وابْنُ أبِي لَيْلى وحَمْزَةُ وابْنُ مُقْسِمٍ: «نَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ، والكَلامُ عَلى مَعْنى: اذْكُرْ أيْضًا؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ ﴿نادُوا﴾ لِلشَّفاعَةِ لَكم ﴿شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾
أيْ: زَعَمْتُمُوهم شُفَعاءَ، والإضافَةُ بِاعْتِبارِ ما كانُوا يَزْعُمُونَ أيْضًا فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، وقَدْ جَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ هُنا أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ زَعَمْتُمُوهم شُرَكاءَ، والمُرادُ بِهِمْ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وجَعْلُهم بَدَلًا فِيما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلى ما لَزِمَ مِن فِعْلِ عَبَدَتَهِمُ المُطِيعِينَ لَهم فِيما وسُوسُوا بِهِ أوْ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: «شُرَكايَ» مَقْصُورًا مُضافًا إلى الياءِ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أيْ: نادَوْهم لِلْإغاثَةِ، وفِيهِ بَيانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِإغاثَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَّفاعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنْ لا طَرِيقَ إلى المُدافَعَةِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يُغِيثُوهُمْ؛ إذْ لا إمْكانَ لِذَلِكَ، قِيلَ: وفي إيرادِهِ مَعَ ظُهُورِهِ تَهَكُّمٍ بِهِمْ وإيذانٍ بِأنَّهم في الحَماقَةِ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَهُ إلّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ ﴿مَوْبِقًا﴾ اسْمُ مَكانٍ مِن وبَقَ وُبُوقًا كَوَثَبَ وُثُوبًا أوْ وبِقِ وبَقًا كَفَرِحَ فَرَحًا إذا هَلَكَ؛ أيْ: مُهْلَكًا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ وهو النّارُ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْرِي بِدَمٍ وصَدِيدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَهَرٌ في النّارِ يَسِيلُ نارًا عَلى حافَّتَيْهِ حَيّاتٌ أمْثالُ البِغالِ الدُّهْمِ، فَإذا ثارَتْ إلَيْهِمْ لِتَأْخُذَهُمُ اسْتَغاثُوا بِالِاقْتِحامِ في النّارِ مِنها، وتَفْسِيرُ المَوْبِقِ بِالمَهْلِكِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وعَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُهُ بِالعَداوَةِ فَهو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى سَبَبِ الهَلاكِ وهو العَداوَةُ كَما أُطْلِقَ التَّلَفُ عَلى البُغْضِ المُؤَدِّي إلَيْهِ في قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا.
وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَحْبِسِ، ومَعْنى كَوْنِ المَوْبِقِ عَلى سائِرِ تَفاسِيرِهِ بَيْنَهم شُمُولُهُ لَهم وكَوْنُهم مُشْتَرِكِينَ فِيهِ كَما يُقالُ: جَعَلْتُ المالَ بَيْنَ زَيْدٍ وعَمْرٍو فَكَأنَّهُ ضَمَّنَ ( جَعَلْنا ) مَعْنى قَسَمْنا وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ إدْخالُ عِيسى
صفحة 299
وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَحْوِهِمْ في الشُّرَكاءِ عَلى القَوْلِ الثّانِي.
وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى كَوْنِ المَوْبِقِ أيِ المَهْلِكِ أوِ المَحْبِسِ بَيْنَهم أنَّهُ حاجِزٌ واقِعٌ في البَيْنِ، وجُعِلَ ذَلِكَ بَيْنَهم حَسْمًا لِأطْماعِ الكَفَرَةِ في أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ مِمَّنْ دَعَوْهُ لِلشَّفاعَةِ. وجاءَ عَنْ بَعْضِ مَن فَسَّرَهُ بِالوادِي أنَّهُ يُفَرِّقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، وعَلى هَذا لا مانِعَ مِن شُمُولِ المَعْنى الثّانِي لِلشُّرَكاءِ لِأُولَئِكَ الأجِلَّةِ.
وقالَ الثَّعالِبِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ: المَوْبِقُ بِمَعْنى البَرْزَخِ البَعِيدِ عَلى أنْ وبَقَ بِمَعْنى هَلَكَ أيْضًا؛ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَهم أمَدًا بَعِيدًا يَهْلَكُ فِيهِ الأشْواطُ لِفَرْطِ بُعْدِهِ، وعَلَيْهِ أيْضًا يَجُوزُ الشُّمُولُ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكِرامَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أعْلى الجِنانِ وهَؤُلاءِ اللِّئامُ في قَعْرِ النِّيرانِ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ الحالُ فِيما إذا أُرِيدَ بِالمَوْبِقِ العَداوَةُ.
و﴿بَيْنَهُمْ﴾ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ ظَرْفٌ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعْلِ إنَّ جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ و﴿مَوْبِقًا﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى خَلَقَ كانَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ فَتَحَوَّلَ حالًا.
وقالَ الفَرّاءُ والسِّيرافِيُّ: البَيْنُ هُنا بِمَعْنى الوَصْلِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْناهُ كَما يَكُونُ بِمَعْنى الفِراقِ وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِجَعَلْنا و﴿مَوْبِقًا﴾ بِمَعْنى هَلاكًا مَفْعُولُهُ الثّانِي، والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا هَلاكًا يَوْمَ القِيامَةِ.
الكهف 18:53
﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ وضَعَ المُظْهَرَ في مَقامِ المُضْمَرِ تَصْرِيحًا بِإجْرامِهِمْ وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
وجاءَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ الكافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ مِن مَسِيرِ أرْبَعِينَ سَنَةً».
﴿فَظَنُّوا﴾ أيْ: عَلِمُوا كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، وهو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ واسْتَغاثَتِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهم وجَعَلَ المَوْبِقَ بَيْنَهم.
وقِيلَ: الظَّنُّ عَلى ظاهِرِهِ وهم لَمْ يَتَيَقَّنُوا ﴿أنَّهم مُواقِعُوها﴾ أيْ: مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها لِعَدَمِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيها، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْها مِن بَعِيدٍ كَما سَمِعْتَ في الحَدِيثِ ظَنُّوا أنَّها تَخْطِفُهم في الحالِ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ مَوْضُوعٌ لِلْحالِ فالمُتَيَقَّنُ أصْلُ الدُّخُولِ والمَظْنُونُ الدُّخُولُ حالًا وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «مُلاقُوها» وكَذَلِكَ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ، واخْتِيرَ جَعْلَها تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ، وعَنْ عَلْقَمَةِ أنَّهُ قَرَأ «مُلافُّوها» بِالفاءِ مُشَدَّدَةً مِن لَفَّ الشَّيْءَ ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْها.
قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِن مَصْرِفِ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ
فَهُوَ اسْمُ مَكانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانِ، وكَذا جَوَّزَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيِ انْصِرافًا، وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ سَهْوٌ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ مَفْعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ مَصْدَرًا مِن صَحِيحِ مُضارِعِهِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ مَصْدَرَهُ مَفْتُوحُ العَيْنِ لا غَيْرُ، واسْمُ زَمانِهِ ومَكانِهِ مَكْسُورُها، نَعَمْ إنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ مَقْبُولٌ في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «مَصْرَفًا» بِفَتْحِ الرّاءِ
الكهف 18:54
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا وأوْرَدْنا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النُّظُمِ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ الجَلِيلِ الشَّأْنِ ﴿لِلنّاسِ﴾ لِمَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: كُلِّ مَثَلٍ عَلى أنَّ - مِن - سَيْفُ خَطِيبٍ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ والمَجْرُورُ مَفْعُولٌ ﴿صَرَّفْنا﴾ أوْ مَثَلًا مِن كُلِّ مَثَلٍ عَلى أنَّ «مِن» أصْلِيَّةٌ والمَفْعُولُ مَوْصُوفُ الجارِّ والمَجْرُورِ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَضْمُونٌ، ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: بَعْضِ كُلِّ
صفحة 300
جِنْسِ مَثَلٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ المَثَلِ إمّا مَعْناهُ المَشْهُورُ أوِ الصِّفَةُ الغَرِيبَةُ الَّتِي هي في الحُسْنِ واسْتِجْلابِ النَّفْسِ كالمَثَلِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى نَوَّعَ ضَرْبَ الأمْثالِ وذَكَرَ الصِّفاتِ الغَرِيبَةَ وذَكَرَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مُحْتاجٍ إلَيْهِ داعٍ إلى الإيمانِ نافِعٍ لَهم مَثَلًا لا أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ جَمِيعَ أفْرادِ الأمْثالِ، وكَأنَّ في الآيَةِ حَذْفًا أوْ هي عَلى مَعْنى: ولَقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَقْبَلُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا.
﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وهو كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ المُنازَعَةُ بِمُفاوَضَةِ القَوْلِ، والألْيَقُ بِالمَقامِ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا الخُصُومَةُ بِالباطِلِ والمُماراةِ وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ والمُجادَلَةُ المُلاواةُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلِينَ يَلْتَوِي عَلى صاحِبِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى أنَّ جَدَلَ الإنْسانِ أكْثَرُ مِن جَدَلِ كُلِّ مُجادِلٍ وعُلِّلَ بِسِعَةِ مُضْطَرَبِهِ فَإنَّهُ بَيْنَ أوْجِ المَلَكِيَّةِ وحَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ في جانِبَيِ التَّصاعُدِ والتَّسَفُّلِ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وقِيلَ: ابْنُ الزِّبَعْرى، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وكانَ جِدالُهُ في البَعْثِ حِينَ أتى بِعَظْمٍ قَدْ رَمَّ فَقالَ: أيَقْدِرُ اللَّهُ تَعالى عَلى إعادَةِ هَذا، وفَتَّهُ بِيَدِهِ؟ والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا، فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويَقُولُ: وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا».
فَإنَّهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، ولا شُبْهَةَ في صِحَّةِ الحَدِيثِ إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ، ولا يَدْفَعُهُ ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قالَ: المُخْتارُ في مَعْناهُ أنَّهُ ﷺ تَعَجَّبَ مِن سُرْعَةِ جَوابِهِ وعَدَمِ مُوافَقَتِهِ لَهُ عَلى الِاعْتِذارِ بِهَذا، ولِهَذا ضَرَبَ فَخِذَهُ، وقِيلَ: قالَ ﷺ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِعُذْرِهِما وإنَّهُ لا عَتَبَ اه فَتَأمَّلْ.
الكهف 18:55
﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهُمْ، وما نافِيَةٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهم وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانِ أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَهم ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ مِن إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وتَرْكِ ما هم فِيهِ مِنَ الإشْراكِ ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ القُرْآنُ العَظِيمُ الهادِي إلى الإيمانِ بِما فِيهِ مِن فُنُونِ المَعانِي المُوجِبَةِ لَهُ أوِ الرَّسُولِ ﷺ، وإطْلاقِ الهُدى عَلى كُلٍّ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُجادَلَتُهُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا بَعْدَ الإيمانِ التَّعْمِيمُ عَلى ما قِيلَ. واسْتَدَلَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّ الإيمانَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الِاسْتِغْفارُ لا يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وهو خِلافُ ما اقْتَضَتْهُ الظَّواهِرُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا شَكَّ أنَّ الإيمانَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ أكْمَلُ مِنَ الإيمانِ وحْدَهُ، فَذُكِرَ مَعَهُ لِتُفِيدَ الآيَةُ ما مَنَعَهم مِنَ الِاتِّصافِ بِأكْمَلِ ما يُرادُ مِنهُمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ذُكِرَ الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الإيمانِ لِتَأْكِيدِ أنَّ المُرادَ مِنهُ الإيمانُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ نِفاقٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهم مِن أهْلِكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وإضافَةُ السُّنَّةِ إلَيْهِمْ قِيلَ: لِكَوْنِها جارِيَةً عَلَيْهِمْ وهي في الحَقِيقَةِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، والمُرادُ بِها الإهْلاكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وإذا فُسِّرَتِ السُّنَّةُ بِالهَلاكِ لَمْ تَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، وأنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ وهو فاعِلُ ﴿مَنَعَ﴾ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ:
صفحة 301
ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا طَلَبُ الهَلاكِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، وجَوَّزَ صاحِبُ الفَيْنانِ تَقْدِيرَ «انْتِظارُ»؛ أيْ: ما مَنَعَهم إلّا انْتِظارُ الهَلاكِ، وقَدَّرَ الواحِدِيُّ «تَقْدِيرُ» أيْ: ما مَنَعَهم إلّا تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعالى إتْيانَ الهَلاكِ عَلَيْهِمْ، وقالَ:
إنَّ الآيَةَ فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويَأْباهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً إلّا ما اسْتُثْنِيَ، والدّاعِي لِتَقْدِيرِ المُضافِ أنَّهُ لَوْ كانَ المانِعُ مِن إيمانِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ نَفْسَ إتْيانِ الهَلاكِ كانُوا مَعْذُورِينَ وأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ المُعَدَّ لِلْكُفّارِ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ مُنْتَظَرٌ قَطْعًا، يَمِيلُ لِأنَّ زَمانَ إتْيانِ العَذابِ مُتَأخِّرٌ عَنِ الزَّمانِ الَّذِي اعْتُبِرَ لِإيمانِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ فَلا يَتَأتّى ما نَعَيْتَهُ مِنهُما.
واعْتُرِضَ تَقْدِيرُ الطَّلَبِ بِأنَّ طَلَبَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ وهو لِمَنعِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَلَوْ كانَ مَنعُهم لِلطَّلَبِ لَزِمَ الدَّوْرُ. ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ بِالطَّلَبِ سَبَبُهُ؛ وهو تَعَنُّتُهم وعِنادُهُمُ الَّذِي جَعَلَهم طالِبِينَ لِلْعَذابِ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يُنْكِرُ حَقِيَةَ الإسْلامِ كَما أنَّ فِيهِمُ المُعانِدَ، ولا يَظْهَرُ وجْهُ كَوْنِ الطَّلَبِ ناشِئًا عَنْ إنْكارِ الحَقِّيَّةِ وكَذا لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ ناشِئًا عَنِ العِنادِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الطَّلَبِ مُسْتَمِرٌّ فَلا يَكُونُ الطَّلَبُ مانِعًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُتَقَدِّمَ عَلى الطَّلَبِ هو عَدَمُ الإيمانِ السّابِقِ ولَيْسَ الطَّلَبُ بِمانِعٍ مِنهُ بَلْ هو مانِعٌ مِمّا تَحَقَّقَ بَعْدُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الطَّلَبِ الطَّلَبُ الصُّورِيُّ اللِّسانِيُّ لا الحَقِيقِيُّ القَلْبِيُّ؛ فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ لا يَطْلُبُ الهَلاكَ والعَذابَ طَلَبًا حَقِيقِيًّا قَلْبِيًّا، ومِنَ الطَّلَبِ الصُّورِيِّ مَنشَؤُهُ وما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ وهو تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ بِما أوْعَدَ بِهِ مِنَ العَذابِ والهَلاكِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا تَكْذِيبُهم إيّاهُ بِما أوْعَدَهُ عَلى تَرْكِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.
وقِيلَ: الحَقُّ أنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ الطَّلَبِ مِن قَوْلِكَ لِمَن يَعْصِيكَ: أنْتَ تُرِيدُ أنْ أضْرِبَكَ وهو عَلى تَنْزِيلِ الِاسْتِحْقاقِ مَنزِلَةَ الطَّلَبِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا اسْتِحْقاقُ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ والِاتِّصافَ بِالكُفْرِ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الِاسْتِحْقاقُ مانِعًا مِنهُ انْعَكَسَ أمْرُ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ فَيَلْزَمُ اتِّصافُ الواحِدِ بِالشَّخْصِ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ وأنَّهُ باطِلٌ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِ عَدَمِ الإيمانِ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقاقِ في الحَقِيقَةِ وإنَّما هو سَبَبٌ صُورِيٌّ والسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ سُوءُ اسْتِعْداداتِهِمْ وخَباثَةُ ماهِيّاتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ كَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِلِاتِّصافِ بِالكُفْرِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: هو مانِعٌ مِنَ الإيمانِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الطَّلَبِ الطَّلَبُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وإنَّ مَآلَ الآيَةِ: ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا اسْتِعْداداتُهم وطَلَبُ ماهِيّاتِهِمْ لِضِدِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ اسْتِعْداداتِهِمْ لِلْهَلاكِ أوِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الضِّدِّ اسْتِعْدادٌ لِلضِّدِّ وطَلَبٌ لَهُ، ورُبَّما يُقالُ بِناءً عَلى هَذا: إنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآياتِ أنَّ الكُفّارَ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ يُنَبِّهُهم مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ يَحْتَجُّونَ لَوْ عُذِّبُوا بِعَدَمِ إتْيانِهِ فَيَقُولُونَ: مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ أنَّهُ لَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ ومَآلُهُ: مَنَعَنا مِن ذَلِكَ الغَفْلَةُ ولا يَجِدُونَ حُجَّةً أبْلَغَ مِن ذَلِكَ وأنْفَعَ في الخَلاصِ، وأمّا سُوءُ الِاسْتِعْدادِ وخَباثَةُ الذّاتِ فَبِمَراحِلَ مِن أنْ يَحْتَجُّوا بِهِ ويَجْعَلُوهُ مانِعًا فَلا بُعْدَ في أنْ يُقَدَّرَ الطَّلَبُ ويُرادَ مِنهُ ظاهِرُهُ وتَكُونَ الآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ:
صفحة 302
ولا عَيْبَ فِيهِمُ ∗∗∗
البَيْتَ. والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم مانِعٌ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهم أصْلًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا مانِعَ لَهم مِن أنْ يُؤْمِنُوا أوْ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم ولا حُجَّةَ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ الَّذِي بَلَّغَ ما بَلَّغَ مِنَ الهُدى إلّا طَلَبُ ما أُوعِدُوا بِهِ مِن إتْيانِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ تَحَقُّقِهِ مِنهم لا يَصْلُحُ لِلْمانِعِيَّةِ والحُجِّيَّةِ لَمْ يَبْقَ مانِعٌ وحُجَّةٌ عِنْدِهِمْ أصْلًا. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا يَرِدُ عَلَيْهِ بَعِيدٌ، وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، والأوْلى تَقْدِيرُ التَّقْدِيرِ وهو مانِعٌ بِلا شُبْهَةٍ إلّا أنَّ القائِلِينَ بِالِاسْتِعْدادِ حَسْبَما تَعْلَمُ يَجْعَلُونَ مَنشَأهُ الِاسْتِعْدادَ، وفي مَعْناهُ تَقْدِيرُ الإرادَةِ؛ أيْ: إرادَتُهُ تَعالى وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، ودَفَعَ التَّنافِيَ بَيْنَ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن هَذِهِ الآيَةِ والحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ بِأنَّ الحَصْرَ الأوَّلَ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ؛ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى هي المانِعَةُ عَلى الحَقِيقَةِ والثّانِي في المانِعِ العادِيِّ وهو اسْتِغْرابُ بَعْثِ بَشَرٍ رَسُولٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا اسْتِغْرابُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الإسْراءِ ما يَنْفَعُكَ في الجَمْعِ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
وادَّعى الإمامُ تَعَدُّدَ المَوانِعِ، وأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ فِقْدانُ نَوْعٍ مِنها فَقالَ: قالَ الأصْحابُ: إنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُضادٌّ لِوُجُودِ إيمانِهِمْ، فَإذًَا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما حَصَلَ لِأنَّ حُصُولَ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودَ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: المُرادُ فِقْدانُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ انْتَهى فَلْيُتَأمَّلْ فِيهِ.
والقُبُلُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَبِيلٍ وهو النَّوْعُ؛ أيْ: أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ أنْواعًا وألْوانًا أوْ هو بِمَعْنى قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ كَما قَرَأ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ؛ أيْ: عِيانًا فَإنَّ أبا عُبَيْدَةَ حَكاهُما مَعًا بِهَذا المَعْنى، وأصْلُهُ بِمَعْنى المُقابَلَةِ فَإذا دَلَّ عَلى المُعايَنَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الحالِ، فَإنْ كانَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ فَمَعْناهُ: مُعايِنِينَ بِكَسْرِ الياءِ أوْ بِفَتْحِها أوْ مُعايَنِينَ لِلنّاسِ لِيُفْتَضَحُوا، وإنْ كانَ مِنَ العَذابِ فَمَعْناهُ مُعايَنًا لَهم أوْ لِلنّاسِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: «قِبْلًا» بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الباءِ وهو كَما في البَحْرِ تَخْفِيفُ قُبُلٍ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: «قَبَلًا» بِفَتْحَتَيْنِ؛ أيْ: مُسْتَقْبَلًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ: «قَبِيلًا» بِقافٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ؛ أيْ: عِيانًا ومُقابَلَةً.
الكهف 18:56
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمَمِ مُتَلَبِّسِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِلْكَفَرَةِ والعُصاةِ بِالعِقابِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ويُعامَلُوا بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بِاقْتِراحِ ذَلِكَ، والسُّؤالُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ونَحْوِها تَعَنُّتًا وقَوْلِهم لَهم ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتَقْيِيدُ الجِدالِ بِالباطِلِ لِبَيانِ المَذْمُومِ مِنهُ؛ فَإنَّهُ كَما مَرَّ غَيْرُ بَعِيدٍ عامٌّ لُغَةً لا خاصٌّ بِالباطِلِ لِيُحْمَلَ ما ذُكِرَ عَلى التَّجْرِيدِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اصْطِلاحًا مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا ويُبْطِلُوا ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِالجِدالِ ﴿الحَقَّ﴾ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأصْلُ الإدْحاضِ الإزْلاقُ والدَّحْضُ الطِّينُ الَّذِي يُزْلَقُ فِيهِ قالَ الشّاعِرُ:
صفحة 303
ورَدْتُ ونَجّى اليَشْكُرِيَّ حِذارُهُ وحادَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وقالَ آخَرُ:
أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ وهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ المُدْحَضُ
واسْتِعْمالُهُ في إزالَةِ الحَقِّ قِيلَ مِنَ اسْتِعْمالِ ما وُضِعَ لِلْمَحْسُوسِ في المَعْقُولِ، وقِيلَ: لَكَ أنْ تَقُولَ فِيهِ تَشْبِيهُ كَلامِهِمْ بِالوَحْلِ المُسْتَكْرَهِ كَقَوْلِ الخَفاجِيِّ:
أتانًا بِوَحْلٍ لِأفْكارِهِ ∗∗∗ لِيَزْلَقَ أقْدامَ هُدى الحُجَجِ
﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ الَّتِي أيَّدْتُ بِها الرُّسُلَ سَواءٌ كانَتْ قَوْلًا أوْ فِعْلًا ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ أيْ: والَّذِي أُنْذِرُوهُ مِنَ القَوارِعِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمُ العِقابَ والعَذابَ أوْ إنْذارَهم ﴿هُزُوًا﴾ أيِ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً.
وقَرَأ حَمْزَةُ: «هَزْأً» بِالسُّكُونِ مَهْمُوزًا، وقَرَأ غَيْرُهُ وغَيْرُ حَفْصٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِضَمَّتَيْنِ مَهْمُوزًا وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ يُؤَوَّلُ بِما يُسْتَهْزَأُ بِهِ
الكهف 18:57
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ العَظِيمُ لِمَكانِ ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها جِنْسُ الآياتِ ويُدْخَلَ القُرْآنُ العَظِيمُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، وحَقَّقَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المُرادَ نَفْيَ أنْ يُساوِيَ أحَدٌ في الظُّلْمِ مَن وُعِظَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَدَبَّرْها ولَمْ يَتَّعِظْ بِها، ودَلالَةُ ما ذُكِرَ عَلى هَذا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وبِناءُ الأظْلَمِيَّةِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإعْراضِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ظُلْمَ مَن يُجادِلُ في الآياتِ ويَتَّخِذُها هُزُوًا خارِجٌ عَنِ الحَدِّ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُجادَلَةُ بِالباطِلِ والِاسْتِهْزاءُ بِالحَقِّ، ونِسْيانُ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّفَكُّرِ في عَواقِبِهِ، والمُرادُ ( مِمَّنْ ) عِنْدَ الأكْثَرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُتَّصِفُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ كائِنًا مَن كانَ ويَدْخُلُ فِيهِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لَهم عَلى الوَجْهَيْنِ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ ما عِلَّةُ الإعْراضِ والنِّسْيانِ؟ فَقِيلَ: عِلَّتُهُ أنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿أكِنَّةً﴾ أيْ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ، والتَّنْوِينُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِلْآياتِ، وتَذْكِيرُهُ وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ مِنها وهو القُرْآنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الآياتِ وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وقِيلَ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ؛ أيْ: فِقْهًا نافِعًا ﴿وفِي آذانِهِمْ﴾ أيْ: وجَعَلْنا فِيها ﴿وقْرًا﴾ ثِقَلًا أنْ يَسْمَعُوهُ سَماعًا كَذَلِكَ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: مُدَّةَ التَّكْلِيفِ كُلَّها، و«إذًا» جَزاءٌ وجَوابٌ كَما حُقِّقَ المُرادُ مِنهُ في مَوْضِعِهِ فَتَدُلُّ عَلى نَفْيِ اهْتِدائِهِمْ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِمَعْنى أنَّهم جَعَلُوا ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ وُجُودِ الِاهْتِداءِ سَبَبًا في انْتِفائِهِ، وعَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ﷺ: ما لِي لا أدْعُوهم حِرْصًا عَلى اهْتِدائِهِمْ، وإنْ ذُكِرَ لَهُ ﷺ مِن أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ رَجاءَ أنْ تَنْكَشِفَ تِلْكَ الأكِنَّةُ وتُمَزَّقَ بِيَدِ الدَّعْوَةِ فَقِيلَ:
صفحة 304
وإنْ تَدَعْهم إلَخْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي الكَشْفِ في بَيانِ ذَلِكَ، أمّا الدَّلالَةُ فَصَرِيحُ تَخَلُّلِ «إذًا» يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْنى إذَنْ لَوْ دَعَوْتَ وهو مِنَ التَّعْكِيسِ بِلا تَعَسُّفٍ، وأمّا أنَّهُ جَوابٌ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ فَمَعْناهُ أنَّهُ ﷺ نُزِّلَ مَنزِلَةَ السّائِلِ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاهْتِداءِ المُرَتَّبِ عَلى كَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُنافِي ما آثَرُوهُ مِن أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ: لِمَ لَمْ يَهْتَدُوا؟ فَإنَّ السُّؤالَ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْقَعُ اه، وهو كَلامٌ نَفِيسٌ بِهِ يَنْكَشِفُ الغَطا ويُؤْمَنُ مِن تَقْلِيدِ الخَطَأِ ويَسْتَغْنِي بِهِ المُتَأمِّلُ عَمّا قِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَ ما لِي لا أدْعُوهم يَقْتَضِي المَنعَ مِن دَعْوَتِهِمْ فَكَأنَّهُ أُخِذَ مِن مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ وقِيلَ: أُخِذَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ وقِيلَ: مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ تَدْعُهم ) هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ المُرادُ مِنَ الهُدى وقَدْ يُرادُ مِنهُ القُرْآنُ فَيَكُونُ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ، ولَعَلَّ إرادَةَ ذَلِكَ هُنا تُرَجِّحُ إرادَةَ القُرْآنِ في الهُدى السّابِقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
والآيَةُ في أُناسٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ نُزُولِها فَلا يُنافِي الأخْبارَ بِالطَّبْعِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ تَحْقِيقًا ولا تَقْلِيدًا إيمانَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ النُّزُولِ، واحْتِمالُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ عَلى مَعْنى: وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى جَمِيعًا فَلَنْ يَهْتَدُوا جَمِيعًا، وإنَّما يَهْتَدِي بَعْضُهم كَما تَرى. واسْتَدَلَّتِ الجَبْرِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِهِمْ والقَدَرِيَّةُ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، قالَ الإمامُ: وقَلَّ ما تَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً لِأحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إلّا ومَعَها آيَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ، وما ذَلِكَ إلّا امْتِحانٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْقاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ مِنَ المُقَلِّدِينَ.
الكهف 18:58
﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: صاحِبُها والمَوْصُوفُ بِها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، قالَ الإمامُ: وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ دُونَ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، والرَّحْمَةَ إيصالُ النَّفْعِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى تَتَعَلَّقُ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَرْكُ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها، ولا تَتَعَلَّقُ بِالثّانِي؛ لِأنَّ فِعْلَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُحالٌ.
وتَعَقَّبَهُ النَّيْسابُورِيُّ بِأنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ لَوْ ساعَدَهُ النَّقْلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لا يَخْلُو عَنْ مُبالَغَةٍ وفي القُرْآنِ: ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) بِالمُبالَغَةِ في الجانِبَيْنِ كَثِيرًا، وفي تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَرْكِ غَيْرِ المُتَناهِي نَظَرٌ؛ لِأنَّ مُقَدَّراتِهِ تَعالى مُتَناهِيَةٌ لا فَرْقَ بَيْنَ المَتْرُوكِ وغَيْرَهُ اه، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهم فَسَّرُوا الغَفّارَ بِمُرِيدِ إزالَةِ العُقُوبَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّها والرَّحِيمَ بِمُرِيدِ الإنْعامِ عَلى الخَلْقِ، وقَصْدُ المُبالَغَةِ مِن جِهَةٍ في مَقامٍ لا يُنافِي تَرْكَها في آخَرَ لِعَدَمِ اقْتِضائِهِ لَها، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وما دَخَلَ مِنها في الوُجُودِ مُتَناهٍ بِبُرْهانِ التَّطْبِيقِ اه، وهو كَلامٌ حَسَنٌ انْدَفَعَ بِهِ ما أُورِدَ عَلى الإمامِ. وزَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ المَقْدُوراتِ غَيْرُ مُتَناهٍ أيْضًا ولا يَجْرِي فِيهِ بِرِهانُ التَّطْبِيقِ عِنْدَهم لِاشْتِراطِهِمُ الِاجْتِماعَ والتَّرَتُّبَ، ولَعَمْرِي لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِن ظاهِرِ قَوْلِ النَّيْسابُورِيِّ إنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى مُتَناهِيَةٌ؛ فَإنَّ ظاهِرَهُ التَّعْجِيزُ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَكِنْ يَدْفَعُ بِالعِنايَةِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ إنَّ تَحْرِيرَ نُكْتَةِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ هاهُنا عَلى ما قالَهُ الخَفاجِيُّ إنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما كَسَبُوا مِنَ الجُرْمِ العَظِيمِ وهو مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ وتَرْكُ التَّعْجِيلِ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى سابِقَةٌ عَلى غَضَبِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ سُبْحانَهُ إتْمامَ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وبُلُوغَها الغايَةَ؛ إذْ لَوْ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ لَهَداهم وسَلَّمَهم مِنَ العَذابِ رَأْسًا، وهَذِهِ النُّكْتَةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلى حَدِيثِ التَّناهِي وعَدَمِ التَّناهِي الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ كَما قِيلَ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَناهِي المُتَعَلِّقاتِ في كُلِّ ما نُسِبَ إلَيْهِ تَعالى بِصِيَغِ المُبالَغَةِ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ إذْ يُمْكِنُ أنْ تُعْتَبَرَ المُبالَغَةُ في المُتَناهِي بِزِيادَةِ الكَمِّيَّةِ وقُوَّةِ الكَيْفِيَّةِ، ولَوْ سُلِّمَ ما ذُكِرَ لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ صِيَغِ المُبالَغَةِ
صفحة 305
فِي الأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ كَرَحِيمٍ ورَحْمَنٍ ولا وجْهَ لَهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ نُكْتَةٌ لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هُنا بِأنَّهُ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في جانِبِ التَّرْكِ دُونَ مُقابِلِهِ لِأنَّ التَّرْكَ عَدَمِيٌّ يَجُوزُ فِيهِ عَدَمُ التَّناهِي بِخِلافِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّ تَرْكَ عَذابِهِمْ دالٌّ عَلى تَرْكِ جَمِيعِ أنْواعِ العُقُوباتِ في العاجِلِ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كَذا قِيلَ وفِيهِ نَظَرٌ.
ورُبَّما يُقالُ في تَوْجِيهِ ما قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مِن أنَّ «ذُو الرَّحْمَةِ» لا يَخْلُو عَنِ المُبالَغَةِ: إنَّ ذَلِكَ إمّا لِاقْتِرانِ الرَّحْمَةِ بِألْ فَتُقَيَّدُ الرَّحْمَةُ الكامِلَةُ أوِ الرَّحْمَةُ المَعْهُودَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. وإمّا لِذُو فَإنَّ دَلالَتَهُ عَلى الِاتِّصافِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَوْقَ دَلالَةِ المُشْتَقّاتِ عَلَيْهِ ولا يَكادُ يَدُلُّ سُبْحانَهُ عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِصِفَةٍ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا وتِلْكَ الصِّفَةُ مُرادَةٌ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، وإلّا فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنِ المُشْتَقِّ الأخْصَرِ الدّالِّ عَلى أصْلِ الِاتِّصافِ كالرّاحِمِ مَثَلًا إلى ذَلِكَ، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا أنَّ المُبالَغَةَ لَوْ كانَتْ مُرادَةً فَلِمَ عُدِلَ عَنِ الأخْصَرِ أيْضًا المُفِيدِ لَها كالرَّحِيمِ أوِ الرَّحْمَنِ إلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أُرِيدَ أنْ لا تُقَيَّدَ الرَّحْمَةُ المُبالَغُ فِيها بِكَوْنِها في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وهَذانِ الِاسْمانِ يُفِيدانِ التَّقْيِيدَ عَلى المَشْهُورِ؛ ولِذا عُدِلَ عَنْهُما إلى «ذُو الرَّحْمَةِ»، وإذا قُلْتَ: هُما مِثْلُهُ في عَدَمِ التَّقْيِيدِ قِيلَ: إنَّ دَلالَتَهُ عَلى المُبالَغَةِ أقْوى مِن دَلالَتِهِما عَلَيْها بِأنْ يُدَّعى أنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ بِواسِطَةِ أمْرَيْنِ لا يَعْدِلُهُما في قُوَّةِ الدَّلالَةِ ما يَتَوَسَّطُ في دَلالَةِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلَيْها، وعَلى هَذا يَكُونُ ذُو الرَّحْمَةِ أبْلَغَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ وإنْ كانا مَعًا أبْلَغَ مِنهُ ولِذا جِيءَ بِهِما في البَسْمَلَةِ دُونَهُ، ومَن أنْصَفَ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ قَوْلَكَ: فُلانٌ ذُو العِلْمِ، أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ العَلِيمُ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّهُ صاحِبُ ماهِيَّةِ العِلْمِ ومالِكُها ولا كَذَلِكَ الأخِيرانِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ في الآيَةِ بِأبْلَغِيَّةِ الثّانِي، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ الرَّحْمَةَ أوْسَعُ دائِرَةً مِنَ المَغْفِرَةِ كَما لا يَخْفى، والنُّكْتَةُ فِيهِ هاهُنا مَزِيدُ إيناسِهِ ﷺ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ بَعْضِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وآيَسَهُ مِنَ اهْتِدائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِمَزِيدِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ، وهو السِّرُّ في إيثارِ عُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ ﷺ. انْتَهى.
وهُوَ كَلامٌ واقِفٌ في أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ في النَّظَرِ الجَلِيلِ، ومَن دَقَّقَ عَلِمَ ما فِيهِ مِنَ الأمْرَيْنِ، وإنَّما قَدَّمَ الوَصْفَ الأوَّلَ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ أوْ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ والمَقامِ؛ إذِ المَقامُ عَلى ما قالَهُ المُحَقِّقُونَ مَقامُ بَيانِ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ عَنْهم بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ أيْ: لَوْ يُرِيدُ مُؤاخَذَتَهم ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا، وكَسْبُ الأشْعَرِيِّ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِكَسْبِهِمْ وإمّا مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِن مُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ وإعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِيجابِ أعْمالِهِمْ لِذَلِكَ، قِيلَ: وإيثارُ المُؤاخَذَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ بِسُرْعَةٍ عَلى التَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ ونَحْوِهِما لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْيَ المُسْتَفادَ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ السُّرْعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تالِيها، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ أنَّ انْتِفاءَ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إرادَةِ المُؤاخَذَةِ؛ فَإنَّ المُضارِعَ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الفِعْلِ فِيما مَضى ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ عَلى أنَّ المَوْعِدَ اسْمُ زَمانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ والمُرادُ مِنهُ جَهَنَّمُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهم لَيْسُوا مُؤاخَذِينَ
صفحة 306
بَغْتَةً بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: مَنجًى، يُقالُ: وألَتْ نَفْسُ فُلانٍ: نَحَتْ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى:
وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ الدّارِ غَفْلَتَهُ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَلْجَأُ، يُقالُ: وألَ فُلانٌ إلى كَذا يَئِلُ وأْلًا ووُءُولًا: إذا لَجَأ والمَعْنى واحِدٌ، والفَرْقُ إنَّما هو بِالتَّعَدِّي بِإلى وعَدَمِهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالمَلْجَأِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ بِالمُحْرَزِ، والضَّحّاكُ بِالمُخَلِّصِ والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ، وهو عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ وأنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى المَوْعِدِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: عَلى العَذابِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهم لا خَلاصَ لَهم أصْلًا فَإنَّ مَن يَكُونُ مَلْجَأهُ العَذابُ كَيْفَ يَرى وجْهَ الخَلاصِ والنَّجاةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أمْرَ المُبالَغَةِ مَوْجُودٌ في الظّاهِرِ أيْضًا وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مَعَ الخُلُوِّ عَنِ المُبالَغَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: «مَوَلًّا» بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ الحَلْوانِيِّ عَنْهُ: «مَوِلًّا» بِكَسْرِ الواوِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ أيْضًا.
الكهف 18:59
﴿وتِلْكَ القُرى﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأشْباهِهِمْ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلُ القُرى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ والإشارَةُ لِتَنْزِيلِهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِهِمْ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ، وقَدَّرَ المُضافَ في البَحْرِ قَبْلَ ( تِلْكَ ) وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ، وتِلْكَ يُشارُ بِها لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ القُرى عِبارَةً عَنْ أهْلِها مَجازًا، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و«القُرى» صِفَتُهُ، والوَصْفُ بِالجامِدِ في بابِ الإشارَةِ مَشْهُورٌ، والخَبَرُ جُمْلَةُ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ «القُرى» هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ «تِلْكَ» مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: وأهْلَكْنا تِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ: حِينَ ظُلْمِهِمْ كَما فَعَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ، وتَرْكُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعْمِيمِ الظُّلْمِ أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيْ: لَمّا فَعَلُوا الظُّلْمَ، و«لَمّا» عِنْدَ الجُمْهُورِ ظَرْفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الحِينُ المُعَيَّنُ الَّذِي عَمِلُوا فِيهِ الظُّلْمَ، بَلْ زَمانٌ مُمْتَدٌّ مِنَ ابْتِداءِ الظُّلْمِ إلى آخِرِهِ.
وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: هي حَرْفٌ، ومِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى حَرْفِيَّتِها هَذِهِ الآيَةُ حَيْثُ قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ عِلَّةَ الإهْلاكِ الظُّلْمُ، والظَّرْفُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى العِلِّيَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَكَ: أهْلَكْتُهُ وقْتَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ وإنْ لَمْ يَدُلَّ الظَّرْفُ نَفْسُهُ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ظَرْفًا اسْتُعْمِلَ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ لِهَلاكِهِمْ ﴿مَوْعِدًا﴾ وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ، فَمَفْعِلُ الأوَّلُ مَصْدَرٌ والثّانِي اسْمُ زَمانٍ، والتَّعْيِينُ مِن جِهَةِ أنَّ المَوْعِدَ لا يَكُونُ إلّا مُعَيَّنًا وإلّا فاسْمُ الزَّمانِ مُبْهَمٌ، والعَكْسُ رَكِيكٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُهْلَكَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وهي قِراءَةُ حَفْصٍ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ عَنْهُ - أعْنِي القِراءَةَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ المُضارِعَ يَهْلِكُ بِكَسْرِ اللّامِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ المِيمِيِّ مَكْسُورًا فِيما عَيْنُ مُضارِعِهِ مَكْسُورَةٌ شاذٌّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ صُرِّحَ في القامُوسِ بِأنْ هَلَكَ جاءَ مِن بابِ ضَرَبَ ومَنَعَ وعَلِمَ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الشُّذُوذُ؛ فالحَقُّ أنَّهُ مَصْدَرٌ غَيْرُ شاذٍّ وهو مُضافٌ لِلْفاعِلِ؛ ولِذا فُسِّرَ بِما سَمِعْتَ، وقِيلَ: إنَّ هَلَكَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا فَعَنْتَمِيمٍ هَلَكَنِي فُلانٌ، فَعَلى تَعْدِيَتِهِ يَكُونُ
صفحة 307
مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ: - ومَهْ مَهْ هالِكِ مَن تَعَرَّجا - أيْ: مُهْلِكُهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ في البَيْتِ بَلْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ هالِكًا فِيهِ لازِمٌ وأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والأصْلُ هالِكٍ مَن تَعَرَّجا بِجَعْلِ مَن فاعِلًا لِ «هالِكٍ»، ثُمَّ أُضْمِرَ في هالِكٍ ضَمِيرُ مَهْمَهٍ وانْتَصَبَ مَن عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ ثُمَّ أُضِيفَ مِن نَصْبٍ، والصَّحِيحُ جَوازُ اسْتِعْمالِ المَوْصُولِ في بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وقَدْ ثَبَتَ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ عَمْرُو بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقاقٌ خُصُورُها وثِيراتٌ ما التَفَّتْ عَلَيْها المَلاحِفُ
وقَرَأ حَفْصٌ وهارُونُ وحَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وجَعْلُهُ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى: وجَعَلْنا لِمَن أهْلَكْناهُ مِنهم في الدُّنْيا مَوْعِدًا نَنْتَقِمُ فِيهِ مِنهُ أشَدَّ انْتِقامٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ جَهَنَّمُ -لا يَخْفى ما فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ اسْتِشْهادٌ عَلى ما فُعِلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ لِيَعْتَبِرُوا ولا يَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهُمْ، وهي تَرَجُّحُ حَمْلِ المَوْعِدِ فِيما سَبَقَ عَلى يَوْمِ بَدْرٍ فَتَدَبَّرْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وأخْبَرُ.
* * *
«ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أمْرٌ بِصُحْبَةِ الفُقَراءِ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِخِدْمَةِ مَوْلاهُمْ، وفائِدَتُها مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعُودُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم عُشّاقُ الحَضْرَةِ، وهو ﷺ مِرْآتُها وعَرْشُ تَجَلِّيها ومَعْدِنُ أسْرارِها ومَشْرِقُ أنْوارِها، فَمَتى رَأوْهُ ﷺ عاشُوا ومَتى غابَ عَنْهم كَئِبُوا وطاشُوا، وأمّا صُحْبَةُ الفُقَراءِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ ﷺ فَفائِدَتُها تَعُودُ إلى مَن صَحِبَهم فَهُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، وقالَ عَمْرٌو المَكِّيُّ: صُحْبَةُ الصّالِحِينَ والفُقَراءِ الصّادِقِينَ عَيْشُ أهْلِ الجَنَّةِ، يَتَقَلَّبُ مَعَهم جَلِيسُهم مِنَ الرِّضا إلى اليَقِينِ، ومِنَ اليَقِينِ إلى الرِّضا، ولِأبِي مَدْيَنَ مِن قَصِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ الَّتِي خَمَّسَها الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ:
ما لَذَّةُ العَيْشِ إلّا صُحْبَةُ الفُقَرا هُمُ السَّلاطِينُ والسّاداتُ والأُمَرا
فاصْحَبْهُمُ وتَأدَّبْ في مَجالِسِهِمْ ∗∗∗ وخَلِّ حَظَّكَ مَهْما قَدَّمُوكَ ورا
واسْتَغْنِمِ الوَقْتَ واحْضُرْ دائِمًا مَعَهم ∗∗∗ واعْلَمْ بِأنَّ الرِّضا يَخْتَصُّ
مَن حَضَرا
ولازِمِ الصَّمْتَ إلّا إنْ سُئِلْتَ فَقُلْ ∗∗∗ لا عِلْمَ عِنْدِي وكُنْ بِالجَهْلِ مُسْتَتِرا
إلى أنْ قالَ:
وإنْ بَدا مِنكَ عَيْبٌ فاعْتَرِفْ وأقِمِ ∗∗∗ وجْهَ اعْتِذارِكَ عَمّا فِيكَ مِنكَ جَرا
وقُلْ عَبِيدُكم أوْلى بِصَفْحِكُمُ ∗∗∗ فَسامِحُوا وخُذُوا بِالرِّفْقِ يا فُقَرا
هم بِالتَّفَضُّلِ أوْلى وهْوَ شِيمَتُهم ∗∗∗ فَلا تَخَفْ دَرَكًا مِنهُمُ ولا ضَرَرا
وعَنى بِهَؤُلاءِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةَ وقَدْ شاعَ إطْلاقُ الفُقَراءِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ الفَقْرُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وفَقْرُهم مُقارِنٌ لِلصَّلاحِ وبِذَلِكَ يُمْدَحُ الفَقْرُ، وأمّا إذا اقْتَرَنَ بِالفَسادِ فالعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ، فَمَتى سَمِعْتَ التَّرْغِيبَ في مُجالَسَةِ الفَقِيرِ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الفَقِيرُ الصّالِحُ، والآثارُ مُتَظافِرَةٌ في التَّرْغِيبِ في ذَلِكَ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا: تَواضَعُوا وجالِسُوا المَساكِينَ تَكُونُوا مِن كِبارِ عَبِيدِ اللَّهِ تَعالى، وتَخَرَّجُوا مِنَ الكِبْرِ، وفي الجامِعِ: الجُلُوسُ مَعَ الفُقَراءِ مِنَ التَّواضُعِ، وهو مِن أفْضَلِ الجِهادِ، وفي رِوايَةٍ: أحِبُّوا الفُقَراءَ وجالِسُوهُمْ، ومِن فَوائِدِ مُجالَسَتِهِمْ أنَّ العَبْدَ يَرى نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ويَقْنَعُ بِاليَسِيرِ مِنَ الدُّنْيا ويَأْمَنُ في مُجالَسَتِهِمْ مِنَ المُداهَنَةِ والتَّمَلُّقِ
صفحة 308
وتَحَمُّلِ المَنِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَعَمْ إنَّ مُجالَسَتَهم خِلافُ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ؛ ولِذا عَظُمَ فَضْلُها، وقِيلَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ دُونَ: ودُمْ مَعَ الَّذِينَ... إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ ﷺ؛ فَإنَّ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ فُطِرَتْ عَلى أحْسَنِ فِطْرَةٍ وطُبِعَتْ عَلى أحْسَنِ طَبِيعَةٍ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ الأسْرارِ: إنَّما قِيلَ: واصْبِرْ نَفْسِكَ دُونَ: واصْبِرْ قَلْبَكَ لِأنَّ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ ﷺ كانَ مَعَ الحَقِّ فَأُمِرَ ﷺ بِصُحْبَةِ الفُقَراءِ جَهْرًا بِجَهْرٍ، واسْتَخْلَصَ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ لَهُ سِرًّا بِسِرٍّ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأشْرافِ والأغْنِياءِ وأصْحابِ الدُّنْيا وهي مَذْمُومَةٌ مَعَ المَيْلِ إلَيْهِمْ والتَّواضُعِ لِغِناهم.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: ««مَن تَذَلَّلَ لِغَنِيٍّ لِأجْلِ غِناهُ ذَهَبَ ثُلْثا دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في الثُّلْثِ الآخَرِ»».
ومَضارُّ مُجالَسَتِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا تَخْفى عَلى مَن عَلِمَ فَوائِدَ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، وأدْناها ضَرَرًا تُحْمَلُ مِنهُمْ؛ فَإنَّهُ قَلَّما يَسْلَمُ الغَنِيُّ مِنَ المَنِّ عَلى جَلِيسِهِ الفَقِيرِ ولَوْ بِمُجَرَّدِ المُجالَسَةِ وهو حَمْلٌ لا يُطاقُ، ومِن نَوابِغِ الزَّمَخْشَرِيِّ: طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ وهي أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ:
لَنا صاحِبٌ ما زالَ يُتْبِعُ بِرَّهُ ∗∗∗ بِمَنٍّ، وبَذْلُ المَنِّ بِالبِرِّ لا يُسْوى
تَرَكْناهُ لا بُغْضًا ولا عَنْ مَلالَةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ لِأجْلِ المَنِّ يُسْتَعْمَلُ السَّلْوى
﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ نَهْيٌ عَنْ إطاعَةِ المَحْجُوبِينَ الغافِلِينَ وكانُوا في القِصَّةِ يُرِيدُونَ طَرْدَ الفُقَراءِ وعَدَمَ مُجالَسَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ، لَكِنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَلا يُطاعُ عِنْدَ أهْلِ الإشارَةِ الغافِلُ المَحْجُوبُ في كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ هَوى النَّفْسِ، وعَدُّوا مِن إطاعَتِهِ التَّواضُعَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَطْلُبُهُ حالًا وإنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ مُقالًا ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قالُوا: فِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ كَتْمِ الحَقِّ وإنْ أدّى إلى إنْكارِ المَحْجُوبِينَ وإعْراضِ الجاهِلِينَ، وعُدَّ مِن ذَلِكَ في أسْرارِ القُرْآنِ كَشْفُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وقالَ: إنَّ العاشِقَ الصّادِقَ لا يُبالِي تَهَتُّكَ الأسْرارِ عِنْدَ الأغْيارِ، ولا يَخافُ لَوْمَةَ لائِمٍ ولا يَكُونُ في قَيْدِ إيمانِ الخَلْقِ وإنْكارِهِمْ؛ فَإنَّ لَذَّةَ العِشْقِ بِذَلِكَ أتَمُّ؛ ألا تَرى قَوْلَ القائِلِ:
ألا فاسْقِنِي خَمْرًا وقُلْ لِي هي الخَمْرُ ∗∗∗ ولا تَسْقِنِي سِرًّا إذا
أمْكَنَ الجَهْرُ
وبُحْ بِاسْمِ مَن أهْوى ودَعْنِي مِنَ الكُنى ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في اللَّذّاتِ مِن دُونِها سِتْرُ
ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ المَنصُورِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ؛ فَإنَّهم حافَظُوا عَلى كَتْمِ الأسْرارِ عَنِ الأغْيارِ وأوْصَوْا بِذَلِكَ، ويَكْفِي حُجَّةً في هَذا المَطْلَبِ ما نُسِبَ إلى زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهُوَ:
إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا
وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ ووَصّى قَبْلَهُ الحَسَنا
فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لِي أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا
ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا
نَعَمْ، المَغْلُوبُ وكَذا المَأْمُورُ مَعْذُورٌ، وعِنْدَ الضَّرُورَةِ يُباحُ المَحْظُورُ، وما أحْسَنَ قَوْلَ الشِّهابِ القَتِيلِ:
وا رَحْمَتا لِلْعاشِقِينَ تَكَلَّفُوا ∗∗∗ سِتْرَ المَحَبَّةِ والهَوى فَضّاحُ
بِالسِّرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم ∗∗∗ وكَذا دِماءُ البائِحِينَ تُباحُ
صفحة 309
وإذا هُمُ كَتَمُوا يُحَدِّثُ عَنْهُمُ ∗∗∗ عِنْدَ الوُشاةِ المَدْمَعُ السَّحّاحُ
وما ذُكِرَ أوَّلًا يَكُونُ مُسْتَمْسَكًا في الذَّبِّ عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وأضْرابِهِ؛ فَإنَّهم لَمْ يُبالُوا في كَشْفِ الحَقائِقِ الَّتِي يَدَّعُونَها بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وداعِيًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضٌ بِالآيَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى الحَقَّ ما يَكُونُ مِن جِهَتِهِ تَعالى وما جاءُوا بِهِ لَيْسَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا تَشْهَدُ لَهُ آيَةٌ ولا يُصَدِّقُهُ حَدِيثٌ ولا يُؤَيِّدُهُ أثَرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ إلّا أنَّهُ لا يُسْتَنْبَطُ مِنها إلّا بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وأنْوارٍ إلَهِيَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُنْكِرِينَ لَها مِن ذَلِكَ لِحِرْمانِهِمْ تِلْكَ القُوَّةَ واحْتِجابِهِمْ عَنْ هاتِيكَ الأنْوارِ عَدَمُ حَقِّيَّتِها فَكَمْ مِن حَقٍّ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ أفْهامُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَظَهَرَ مِثْلُ تِلْكَ الحَقائِقِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ فَإنَّ أرْبابَ القُوى القُدْسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ كَثِيرُونَ، والحِرْصُ عَلى إظْهارِ الحَقِّ أكْثَرُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مانِعٌ أوْ عَدَمُ مُقْتَضٍ لِإظْهارِ ما أُظْهِرَ مِنَ الحَقائِقِ، وفِيهِ نَوْعُ دَغْدَغَةٍ ولَعَلَّهُ سَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما عَسى أنْ يَنْفَعَكَ هُنا، وبِالجُمْلَةِ أمْرُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ وأضْرابِهِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فِيما قالُوا ودَوَّنُوا عِنْدِي مُشْكِلٌ لا سِيَّما أمْرُ الشَّيْخِ فَإنَّهُ أتى بِالدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ مَعَ جَلالَةِ قِدْرِهِ الَّتِي لا تُنْكَرُ، ولِذا تَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ويَكُرُّونَ، وما ألْطَفَ ما قالَهُ فِرَقُ جَنِينِ العِصابَةِ الفارُوقِيَّةِ والرّاقِي في مَراقِي التَّنَزُّلاتِ المُوصِلِيَّةِ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي عَقَدَ إكْسِيرَها في مَدْحِ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ فَغَدا شَمْسًا في آفاقِ مَدائِحِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ وهو قَوْلُهُ:
يُنْكِرُ المَرْءُ مِنهُ أمْرًا فَيَنْها ∗∗∗ هُ نَهاهُ فَيُنْكِرُ الإنْكارا
تَنْثَنِي عَنْهُ ثُمَّ تُثْنِي عَلَيْهِ ∗∗∗ ألْسُنٌ تُشْبِهُ الصُّحاةَ سُكارى
﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ قِيلَ: هي إشارَةٌ إلى أنَّهم يُحَلَّوْنَ حَقائِقَ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ومَعانِي التَّجَلِّياتِ العَيْنِيَّةِ الأحَدِيَّةِ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِصِفاتٍ بَهِيجَةٍ حَسَنَةٍ نَضِرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلسُّرُورِ ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ الأحْوالِ والمَواهِبِ وعُبِّرَ عَنْها بِالسُّنْدُسِ لِكَوْنِها ألْطَفَ ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ الأخْلاقِ والمَكاسِبِ، وعُبِّرَ عَنْها بِالإسْتَبْرَقِ لِكَوْنِها أكْثَفَ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قِيلَ: أيْ: أرائِكِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ إلَخْ فِيهِ مِن تَسْلِيَةِ الفُقَراءِ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَنْبِيهِ الأغْنِياءِ المَغْرُورِينَ ما فِيهِ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: الرَّجُلانِ هُما النَّفْسُ الكافِرَةُ والقَلْبُ المُؤْمِنُ ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما﴾ وهو النَّفْسُ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ هُما الهَوى والدُّنْيا ﴿مِن أعْنابٍ﴾ الشَّهَواتِ ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ حَبِّ الرِّياسَةِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ مِنَ التَّمَتُّعاتِ البَهِيمِيَّةِ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ مِنَ القُوى البَشَرِيَّةِ والحَواسِّ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ مِن أنْواعِ الشَّهَواتِ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُجاذِبُ النَّفْسَ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ﴾ مالًا؛ أيْ: مَيْلًا ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ مِنَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في الِاسْتِمْتاعِ بِجَنَّةِ الدُّنْيا عَلى وفْقِ الهَوى ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾ قالَ ذَلِكَ غُرُورًا بِاللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مِنَ العُمْرِ وحُسْنِ الِاسْتِعْدادِ. انْتَهى.
وقَدِ التُزِمَ هَذا النَّمَطُ في أكْثَرِ الآياتِ ولا بِدْعَ فَهو شَأْنُ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَوِّلِينَ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: لِلطّالِبِينَ لَهُ سُبْحانَهُ لا لِلْجَنَّةِ ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ لِلْمُرِيدِينَ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قِيلَ: هي المَحَبَّةُ الدّائِمَةُ والمَعْرِفَةُ الكامِلَةُ والأُنْسُ بِاللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ في تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ والِانْفِرادُ بِهِ جَلَّ وعَلا عَنْ غَيْرِهِ؛ فَهي باقِيَةٌ لِلْمُتَّصِفِ بِها وصالِحَةٌ لا اعْوِجاجَ فِيها وهي خَيْرُ المَنازِلِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِما يَعُمُّها وغَيْرَها
صفحة 310
مِنَ الأعْمالِ الخالِصَةِ والنِّيّاتِ الصّادِقَةِ ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: دَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى إظْهارِ جَبَرُوتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِزَّتِهِ لِيَتَأهَّبَ العَبْدُ لِذَلِكَ المَوْقِفِ ويُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ وعَلانِيَتَهُ لِخِطابِ ذَلِكَ المَشْهَدِ وجَوابِهِ ( عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ) إخْبارٌ عَنْ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ وإنْ كانَ المُخاطَبُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إلَخْ بَعْضُهُمْ، ذُكِرَ أنَّهُ يُعْرَضُ كُلُّ صِنْفٍ صَفًّا، وقِيلَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَفٌّ، والأوْلِياءُ صَفٌّ، وسائِرُ المُؤْمِنِينَ صَفٌّ، والمُنافِقُونَ والكافِرُونَ صَفٌّ، وهم آخِرُ الصُّفُوفِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ( قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ) عَلى وصْفِ الفِطْرَةِ الأوَّلِيَّةِ عاجِزِينَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ أيِ الكُتُبُ فَيُوضَعُ كِتابُ الطّاعاتِ لِلزُّهّادِ والعُبّادِ وكِتابُ الطّاعاتِ والمَعاصِي لِلْعُمُومِ وكِتابُ المَحَبَّةِ والشَّوْقِ والعِشْقِ لِلْخُصُوصِ، ولِبَعْضِهِمْ:
وأوْدَعْتُ الفُؤادَ كِتابَ شَوْقٍ ∗∗∗ سَيُنْشَرُ طَيُّهُ يَوْمَ الحِسابِ
﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ قالَ أبُو حَفْصٍ: أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ عَلى قَلْبِي هَذِهِ الآيَةُ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ قِيلَ: أيْ: ما أشْهَدْتُهم أسْرارَ ذَلِكَ والدَّقائِقَ المُودَعَةَ فِيهِ، وإنَّما أشْهَدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ أحِبّاءَهُ وأوْلِياءَهُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ لِأنَّهُ مَظْهَرُ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ والعالَمُ الأصْغَرُ الَّذِي انْطَوى فِيهِ العالَمُ الأكْبَرُ، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
الكهف 18:60
﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ هو ابْنُ عِمْرانَ نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصَّحِيحِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ نَوْفًا البِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ الإخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما هو نَصٌّ في أنَّهُ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ، وإلى إنْكارِ ذَلِكَ ذَهَبَ أيْضًا أهْلُ الكِتابِ وتَبِعَهم مَن تَبِعَهم مِنَ المُحَدِّثِينَ والمُؤَرِّخِينَ وزَعَمُوا أنَّ مُوسى هُنا هو مُوسى بْنُ مِيشا بِالمُعْجَمَةِ ابْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مُوسى بْنُ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ وهو مُوسى الأوَّلُ، قِيلَ: وإنَّما أنْكَرَهُ أهْلُ الكِتابِ لِإنْكارِهِمْ تَعَلُّمَ النَّبِيِّ مِن غَيْرِهِ. وأُجِيبَ بِالتِزامِ أنَّ التَّعَلُّمَ مِن نَبِيٍّ ولا غَضاضَةَ في تَعَلُّمِ نَبِيٍّ مِن نَبِيٍّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ولَوِ التَزَمُوا ذَلِكَ وسَلَّمُوا نُبُوَّةَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُسَلِّمُونَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ لِأنَّهم لا تَسْمَحُ أنْفُسُهم
صفحة 311
بِالقَوْلِ بِتَعَلُّمِ نَبِيِّهِمُ الأفْضَلِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ في الفَضْلِ؛ فَإنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ بَلِ القَوْلِ بِرِسالَتِهِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَيْسَ إنْكارُهم لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ لِذَلِكَ، ولِقَوْلِهِمْ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ حَصَلَ هو وقَوْمُهُ في التِّيهِ وتُوُفِّيَ فِيهِ ولَمْ يَخْرُجْ قَوْمُهُ مِنهُ إلّا بَعْدَ وفاتِهِ، والقِصَّةُ تَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التِّيهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ وهو في مِصْرَ بِالإجْماعِ، وتَقْتَضِي أيْضًا الغِيبَةَ أيّامًا ولَوْ وقَعَتْ لَعَلِمَها كَثِيرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ ولَوْ عُلِمَتْ لَنُقِلَتْ لِتَضَمُّنِها أمْرًا غَرِيبًا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَمْ تَكُنْ.
وأُجِيبَ بِأنَّ عَدَمَ سَماحِ نُفُوسِهِمْ بِالقَوْلِ بِعِلْمِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ في الفَضْلِ أمْرٌ لا يُساعِدُهُ العَقْلُ ولَيْسَ هو إلّا كالحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ إذْ لا يَبْعُدُ عَقْلًا تَعَلُّمُ الأفْضَلِ الأعْلَمِ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَهُ مِمَّنْ هو دُونَهُ في الفَضْلِ والعِلْمِ. ومِنَ الأمْثالِ المَشْهُورَةِ قَدْ يُوجَدُ في الأسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الأسْفاطِ، وقالُوا: قَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لا يُوجَدُ في الفاضِلِ، وقالَ بَعْضُهُمْ:
لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ أخْفى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلْمَ المَسائِلِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها القِصَّةُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَزِيدِ عِلْمِهِ وفَضْلِهِ لِحِكْمَةٍ، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في كَوْنِهِ أفْضَلَ وأعْلَمَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وبِأنَّهُ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا القَوْلُ بِأنَّ القِصَّةَ كانَتْ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مِصْرَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ واسْتَقَرَّ بَعْدَ هَلاكِ القِبْطِ فَلا إجْماعَ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ بِمِصْرَ، نَعَمِ اليَهُودُ لا يَقُولُونَ بِاسْتِقْرارِهِمْ في مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ القِبْطِ وعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنّا وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ عَدَمَ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التِّيهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وكَذَلِكَ اقْتِضاءُ ذَلِكَ الغِيبَةُ أيّامًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ كالتِّيهِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ وكَنَتْقِ الجَبَلِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي وقَعَتْ فِيهِمْ، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ وغابَ أيّامًا لَكِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ لِهَذا الأمْرِ وظَنُّوا أنَّهُ ذَهَبَ يُناجِي ويَتَعَبَّدُ ولَمْ يُوقِفْهم عَلى حَقِيقَةِ غَيْبَتِهِ بَعْدَ أنْ رَجَعَ لِعِلْمِهِ بِقُصُورِ فَهْمِهِمْ فَخافَ مِن حَطِّ قَدْرِهِ عِنْدَهم فَهُمُ القائِلُونَ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ و﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وأوْصى فَتاهُ بِكَتْمِ ذَلِكَ عَنْهم أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غابَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلِمُوا حَقِيقَةَ غَيْبَتِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَناقَلُوها جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لِتَوَهُّمِ أنَّ فِيها شَيْئًا مِمّا يَحُطُّ مِن قَدْرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا زالَتْ نَقْلَتُها تَقِلُّ حَتّى هَلَكُوا في وقْتِ بُخْتَنَصَّرَ كَما هَلَكَ أكْثَرُ حَمَلَةِ التَّوْراةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنهم أقَلُّ قَلِيلٍ إلى زَمَنِ نَبِيِّنا ﷺ فَتَواصَوْا عَلى كَتْمِها وإنْكارِها لِيُوقِعُوا الشَّكَّ في قُلُوبِ ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ هَلَكَ ذَلِكَ القَلِيلُ ولَمْ تُنْقَلْ عَنْهُ، ولا يَخْفى أنَّ بابَ الِاحْتِمالِ واسِعٌ، وبِالجُمْلَةِ لا يُبالى بِإنْكارِهِمْ بَعْدَ جَوازِ الوُقُوعِ عَقْلًا وإخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ، ويَقْرُبُ مِن هَذا الإنْكارِ إنْكارُ النَّصارى تَكَلُّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَعْدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِهِ فَعَلَيْكَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ودَعْ عَنْكَ الوَساوِسَ.
و«إذْ» نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا والمُرادُ: قُلْ: قالَ مُوسى ﴿لِفَتاهُ﴾ يُوشَعَ بْنِ نُونِ بْنِ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ يَخْدِمُهُ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ ولِذا أُضِيفَ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخادِمَ فَتًى لِأنَّ الخَدَمَ أكْثَرُ ما يَكُونُونَ في سِنِّ «الفُتُوَّةِ»، وكانَ -فِيما يُقالُ- ابْنَ أُخْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو أخُو يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْكَرَ اليَهُودُ أنْ يَكُونَ لَهُ أخٌ، وقِيلَ: لِعَبْدِهِ؛ فالإضافَةُ لِلْمَلَكِ وأطْلَقَ عَلى العَبْدِ فَتًى لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««لِيَقُلْ أحَدُكُمْ: فَتايَ وفَتاتِي، ولا يَقُلْ: عَبْدِي وأمَتِي»» وهو مِن آدابِ الشَّرِيعَةِ، ولَيْسَ إطْلاقُ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ؛ خِلافًا لِبَعْضٍ، بَلْ خِلافَ الأوْلى، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ وحَكَمَ النَّوَوِيُّ بِأنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ وفي حِلِّ تَمَلُّكِ النَّفْسِ في بَنِي إسْرائِيلَ كَلامٌ، ومِثْلُهُ في البُطْلانِ القَوْلُ الثّانِي لِمُنافاةِ كُلِّ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ﴿لا أبْرَحُ﴾ مِن بَرَحَ النّاقِصِ كَزالَ يَزالُ؛ أيْ: لا أزالُ أسِيرُ فَحَذَفَ الخَبَرَ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ الحالِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلى السَّفَرِ واتِّكالًا عَلى ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى أبْلُغَ﴾ إذِ الغايَةُ لا بُدَّ لَها مِن مُغَيّا والمُناسِبُ لَها هُنا السَّيْرُ وفِيما بَعْدُ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ الخَبَرِ فِيها قَلِيلٌ كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
فَما بَرِحُوا حَتّى تَهادَتْ نِساؤُهم بِبَطْحاءِ ذِي قارٍ عِيابَ اللَّطائِمِ
صفحة 312
وقالَ أبُو حَيّانَ: نَصَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ حَذْفَ خَبَرِ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ، وإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى حَذْفِهِ إلّا ما جاءَ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِ:
لَهْفِي عَلَيْكَ كَلَهْفَةٍ مِن خائِفٍ ∗∗∗ يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ
أيْ: حِينَ لَيْسَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الأصْلُ: لا يَبْرَحُ سَيْرِي حَتّى أبْلُغَ، فالخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ حَتّى مَعَ مَجْرُورِها فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وهو سَيْرٌ، فانْقَلَبَ الضَّمِيرُ مِنَ البُرُوزِ والجَرِّ إلى الرَّفْعِ والِاسْتِتارِ وانْقَلَبَ الفِعْلُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، قِيلَ: وكَذا الفِعْلُ الواقِعُ في الخَبَرِ وهو ﴿أبْلُغَ﴾ كَأنَّ أصْلَهُ: يَبْلُغَ لِيَحْصُلَ الرَّبْطُ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وإلّا يَخْلُ الخَبَرُ مِنَ الرّابِطِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ: حَتّى أبْلُغَ بِهِ أوْ يُقالَ: إنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في كائِنٍ يَكْفِي لِلرَّبْطِ أوْ أنَّ وُجُودَ الرَّبْطِ بَعْدَ التَّغْيِيرِ صُورَةٌ يَكْفِي فِيهِ وإنْ كانَ المُقَدَّرُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ، وعِنْدِي لا لُطْفَ في هَذا الوَجْهِ، وإنِ اسْتَلْطَفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿أبْرَحُ﴾ مِن بَرِحَ التّامِّ كَزالَ يَزُولُ فَلا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ، نَعَمْ قِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ لِيَتِمَّ المَعْنى؛ أيْ: لا أُفارِقَ ما أنا بِصَدَدِهِ حَتّى أبْلُغَ ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ.
والمَجْمَعُ المُلْتَقى؛ وهو اسْمُ مَكانٍ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِذاكَ، والبَحْرانِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، ومُلْتَقاهُما مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، ولَعَلَّ المُرادَ مَكانٌ يَقْرُبُ فِيهِ التِقاؤُهُما وإلّا فَهُما لا يَلْتَقِيانِ إلّا في البَحْرِ المُحِيطِ وهُما شُعْبَتانِ مِنهُ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ مِمّا يَلِي بَرَّ الشّامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو عِنْدَ طَنْجَةَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ البَحْرُ المُحِيطُ والبَحْرُ الخارِجُ مِنهُ مِن دَبُورٍ إلى صِبا، وعَنْ أبِي أنَّهُ بِإفْرِيقِيَّةَ، وقِيلَ: البَحْرانِ الكَرُّ والرَّسُّ بِأرْمِينِيَّةَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: بَحْرُ القُلْزُمِ وبَحْرُ الأزْرَقِ، وقِيلَ: هُما بَحْرٌ مِلْحٌ وبَحْرٌ عَذْبٌ، ومُلْتَقاهُما في الجَزِيرَةِ الخَضْراءِ في جِهَةِ المَغْرِبِ، وقِيلَ: هُما مَجازٌ عَنْ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّهُما بَحْرا عِلْمٍ، والمُرادُ بِمُلْتَقاهُما مَكانٌ يَتَّفِقُ فِيهِ اجْتِماعُهُما، وهو تَأْوِيلٌ صُوفِيٌّ، والسِّياقُ يَنْبُو عَنْهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى أبْلُغَ﴾ إذِ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ مَثَلًا.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ: «مَجْمِعَ» بِكَسْرِ المِيمِ الثّانِيَةِ، والنَّضِرُ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ «مِجْمِعَ» بِالكَسْرِ لِكِلا الحَرْفَيْنِ؛ وهو شاذٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأنَّ قِياسَ اسْمِ المَكانِ والزَّمانِ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما الفَتْحُ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أبْلُغَ﴾ وأوْ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، والمَعْنى: حَتّى يَقَعَ إمّا بُلُوغِي المَجْمَعَ أوْ مُضِيِّي حُقُبًا؛ أيْ: سَيْرِي زَمانًا طَوِيلًا.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى إلّا والفِعْلُ مَنصُوبٌ بَعْدَها بِأنْ مُقَدَّرَةٍ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: لا زِلْتُ أسِيرُ في كُلِّ حالٍ حَتّى أبْلُغَ إلّا أنْ أمْضِيَ زَمانًا أتَيَقَّنُ مَعَهُ فَواتَ المَجْمَعِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ جَوازَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى إلى ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ بِبُلُوغِ المَجْمَعِ بَعْدَ سَيْرِهِ حُقُبًا ولَيْسَ بِمُرادٍ، والحُقُبُ بِضَمَّتَيْنِ ويُقالُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وبِذَلِكَ قَرَأ الضَّحّاكُ، اسْمٌ مُفْرَدٌ، وجَمْعُهُ كَما في القامُوسِ أحْقُبٌ وأحْقابٌ، وفي الصِّحاحِ: أنَّ الحُقُبَ بِالضَّمِّ يُجْمَعُ عَلى حِقابٍ مِثْلَ قُفٍّ وقِفافٍ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ الدَّهْرُ،
صفحة 313
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ ثَمانُونَ سَنَةً، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَبْعُونَ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: الحِقَبُ السُّنُونَ واحِدُها حِقْبَةٌ قالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ تَنْأ عَنْها حِقْبَةً لا تُلاقِها ∗∗∗ فَإنَّكَ مِمّا أحْدَثْتَ بِالمُجَرِّبِ
اه وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحِقَبَ السُّنُونَ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: واحِدُها حِقْبَةٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ ولِأنَّ الحِقْبَةَ جَمْعُ حِقَبٍ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، قالَ في القامُوسِ: الحِقْبَةُ بِالكَسْرِ مِنَ الدَّهْرِ مُدَّةٌ لا وقْتَ لَها والسَّنَةُ، وجَمْعُهُ حِقَبٌ كَعِنَبٍ وحُقُوبٌ كَحُبُوبٍ، واقْتَصَرَ الرّاغِبُ والجَوْهَرِيُّ عَلى الأوَّلِ، وكانَ مَنشَأُ عَزِيمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ؟ فَقالَ: أنا. فَعَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ»» الحَدِيثَ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ عَنْ أُبَيٍّ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: أيْ رَبِّ، إنْ كانَ في عِبادِكَ أحَدٌ هو أعْلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، في عِبادِي مَن هو أعْلَمُ مِنكَ، ثُمَّ نَعَتَ لَهُ مَكانَهُ وأذِنَ لَهُ في لُقِيِّهِ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ هارُونَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: أيْ رَبِّ؛ أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أقْضى؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَهْدِيهِ إلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى قالَ: وكانَ حَدَّثَ مُوسى نَفْسَهُ أنَّهُ لَيْسَ أحَدُ أعْلَمَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قِيلَ لَهُ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ قالَ: يا رَبِّ، فَهَلْ في الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمُ مِنِّي؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأيْنَ هُوَ؟
قِيلَ لَهُ: عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَها العَيْنُ. فَخَرَجَ مُوسى يَطْلُبُهُ حَتّى كانَ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأخْبارَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى وُقُوعِ القِصَّةِ في مِصْرَ أوْ في غَيْرِها، نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِها في مِصْرَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ عَلى مِصْرَ أنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ، فَلَمّا اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ البَلَدُ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى أنْ ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى، فَخَطَبَ قَوْمَهُ فَذَكَرَ ما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ وذَكَّرَهم إذْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن آلِ فِرْعَوْنَ وذَكِّرْهم هَلاكَ عَدُوِّهِمْ وما اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ وقالَ: كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّكم تَكْلِيمًا، واصْطَفانِي لِنَفْسِهِ، وأنْزَلَ عَلَيَّ مَحَبَّةً مِنهُ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما سَألْتُمُوهُ فَنَبِيُّكم أفْضَلُ أهْلِ الأرْضِ، وأنْتُمْ تَقْرَءُونَ التَّوْراةَ فَلَمْ يَتْرُكْ نِعْمَةً أنْعَمَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ إلّا عَرَّفَهم إيّاها. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: فَهَلْ عَلى الأرْضِ أعْلَمُ مِنكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: لا. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: وما يُدْرِيكَ أيْنَ أضَعُ عِلْمِي. بَلى إنَّ عَلى ساحِلِ البَحْرِ رَجُلًا أعْلَمَ مِنكَ ثُمَّ كانَ ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: ما يُرى قَطُّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ إلّا في هَذا الكَلامِ، وما أراهُ يَصِحُّ بَلِ المُتَظافِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تُوُفِّيَ في أرْضِ التِّيهِ قَبْلَ فَتْحِ دِيارِ الجَبّارِينَ اه. وما ذَكَرَهُ مِن عَدَمِ إنْزالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ بِمِصْرَ هو الأقْرَبُ إلى القَبُولِ عِنْدِي وإنْ تَعَقَّبَ الخَفاجِيُّ كَلامَهُ بَعْدَ نَقْلِهِ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ المَذْكُورَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ العَبْدَ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ
الكهف 18:61
﴿فَلَمّا بَلَغا﴾ الفاءُ
صفحة 314
فَصَيْحَةٌ؛ أيْ: فَذَهَبا يَمْشِيانِ إلى مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيِ البَحْرَيْنِ، والأصْلُ في «بَيْنَ» النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
وأُخْرِجَ عَنْ ذَلِكَ بِجَرِّهِ بِالإضافَةِ اتِّساعًا والمُرادُ مَجْمَعُهُما، وقِيلَ: مَجْمَعًا في وسَطِهِما فَيَكُونُ كالتَّفْصِيلِ لِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا يُناسِبُ تَفْسِيرَ المَجْمَعِ بِطَنْجَةَ أوْ إفْرِيقِيَةَ إذْ يُرادُ بِالمُجْمِعِ مُتَشَعَّبُ بَحْرِ فارِسَ والرُّومِ مِنَ المُحِيطِ وهو هُناكَ، وقِيلَ: «بَيْنَ» اسْمٌ بِمَعْنى الوَصْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ رَكاكَةً؛ إذْ لا حُسْنَ في قَوْلِكَ: مَجْمَعَ وصْلِهِما، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ كَقَوْلِهِمْ: جَدَّ جَدُّهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِافْتِراقِ؛ أيْ: مَوْضِعَ اجْتِماعِ افْتِراقِ البَحْرَيْنِ أيِ البَحْرَيْنِ المُفْتَرَقَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِلْبَحْرَيْنِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: يُحْتَمَلُ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِافْتِراقِ عَوْدُهُ لِمُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ: وصَلا إلى مَوْضِعِ وعْدِ اجْتِماعِ شَمْلِهِما فِيهِ، وكَذا إذا كانَ بِمَعْنى الوَصْلِ انْتَهى، وفِيهِ ما لا يَخْفى، و«مَجْمَعَ» عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ اسْمُ مَكانٍ، واحْتِمالُ المَصْدَرِيَّةِ هُنا مِثْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ الَّذِي جُعِلَ فِقْدانُهُ أمارَةَ وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
فَقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ لِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مَن هو أعْلَمُ قالَ مُوسى: يا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثُمَّ، فَأخَذَ حُوتًا وجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وكانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ.
والظّاهِرُ نِسْبَةُ النِّسْيانِ إلَيْهِما جَمِيعًا وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: نَسِيا حالَ حُوتِهِما إلّا أنَّ الحالَ الَّذِي نَسِيَهُ كُلٌّ مِنهُما مُخْتَلِفٌ، فالحالُ الَّذِي نَسِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَوْنُهُ باقِيًا في المِكْتَلِ أوْ مَفْقُودًا والحالُ الَّذِي نَسِيَهُ يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَأى مِن حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ، وهَذا قَوْلٌ بِأنَّ يُوشَعَ شاهَدَ حَياتَهُ وفِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ.
فَفِي حَدِيثٍ رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: خُذْ نُونًا مَيِّتًا فَهو حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَأخَذَ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ فَقالَ لِفَتاهُ: لا أُكَلِّفُكَ إلّا أنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ قالَ: ما كُلِّفْتَ كَثِيرًا. فَبَيْنَما هُما في ظِلِّ صَخْرَةٍ إذا اضْطَرَبَ الحُوتُ حَتّى دَخَلَ البَحْرَ ومُوسى نائِمٌ فَقالَ فَتاهُ: لا أوْقِظْهُ حَتّى إذا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَهُ».
وفِي حَدِيثٍ رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: آيَةُ ذَلِكَ أنْ تُزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا فَهو حَيْثُ تَفْقِدُهُ، فَفَعَلَ حَتّى إذا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ انْطَلَقَ مُوسى يَطْلُبُ ووَضَعَ فَتاهُ الحُوتَ عَلى الصَّخْرَةِ فاضْطَرَبَ ودَخَلَ البَحْرَ فَقالَ فَتاهُ: إذا جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى حَدَّثْتُهُ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ».
وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ النّاسِيَ هو الفَتى لا غَيْرُ، نَسِيَ أنْ يُخْبِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِ الحُوتِ، ووَجْهُ نِسْبَةِ النِّسْيانِ إلَيْهِما بِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُنْسَبُ إلى الجَماعَةِ وإنْ كانَ الَّذِي فَعَلَهُ واحِدًا مِنهُمْ، وما ذُكِرَ هَنا نَظِيرُ نَسْيِ القَوْمِ زادَهم إذا نَسِيَهُ مُتَعَهِّدُ أمْرِهِمْ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: نَسِيَ أحَدُهُما والمُرادُ بِهِ الفَتى وهو كَما تَرى، وسَبَبُ حَياةِ هَذا الحُوتِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ كانَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ ماءُ الحَياةِ مَن شَرِبَ مِنهُ خُلِّدَ ولا يُقارِبُهُ مَيِّتٌ إلّا حَيِيَ، فَأصابَ شَيْءٌ مِنهُ الحُوتَ فَحَيِيَ.
ورُوِيَ أنْ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَضَّأ مِن ذَلِكَ الماءِ فانْتَضَحَ شَيْءٌ مِنهُ عَلى الحُوتِ فَعاشَ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ سِوى رُوحِ الماءِ وبَرْدُهُ فَعاشَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وذِكْرُ هَذا الماءِ وأنَّهُ ما أصابَ مِنهُ شَيْءٌ إلّا حَيِيَ
صفحة 315
وأنَّ الحُوتَ أصابَ مِنهُ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ الكَهْفِ أيْضًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ مَن شَرِبَ مِنهُ خُلِّدَ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ. ويُشْكِلُ عَلى هَذا البَعْضِ أنَّهُ رُوِيَ أنْ يُوشَعَ شَرِبَ مِنهُ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُخَلَّدِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا لا يَصِحُّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الحُوتَ كانَ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما مَرَّ مالِحًا وفي رِوايَةٍ مَشْوِيًّا، وفي بَعْضٍ أنَّهُ كانَ في جُمْلَةِ ما تَزَوَّداهُ وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ العَشاءِ والغَداءِ فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ أكَلا نِصْفَهُ ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ مَسْلَكًا كالسَّرَبِ وهو النَّفَقُ.
فَقَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ وغَيْرِهِمْ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ،» والمُرادُ بِهِ البِناءُ المُقَوَّسُ كالقَنْطَرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ الحَبْرِ جُعِلَ الحُوتُ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ البَحْرِ إلّا يَبِسَ حَتّى يَكُونَ صَخْرَةً، وهَذا وكَذا ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ الَّتِي يُظْهِرُها سُبْحانَهُ عَلى مَن شاءَ مِن أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ونَقَلَ الدُّمَيْرِيُّ بَقاءَ أثَرِ الخارِقِ الأوَّلِ قالَ: قالَ أبُو حامِدٍ الأنْدَلُسِيُّ: رَأيْتُ سَمَكَةً بِقُرْبِ مَدِينَةِ سَبْتَةَ مِن نَسْلِ الحُوتِ الَّذِي تَزَوَّدَهُ مُوسى وفَتاهُ عَلَيْهِما السَّلامُ وأكَلا مِنهُ وهي سَمَكَةٌ طُولُها أكْثَرُ مِن ذِراعٍ، وعَرْضُها شِبْرٌ، وأحَدُ جَنْبَيْها شَوْكٌ وعِظامٌ وجِلْدٌ رَقِيقٌ عَلى أحْشائِها، ولَها عَيْنٌ واحِدَةٌ ورَأْسُها نِصْفُ رَأْسٍ، مَن رَآها مِن هَذا الجانِبِ اسْتَقْذَرَها وحَسَبَ أنَّها مَأْكُولَةٌ مَيِّتَةٌ، ونِصْفُها الآخَرُ صَحِيحٌ، والنّاسُ يَتَبَرَّكُونَ بِها ويُهْدُونَها إلى الأماكِنِ البَعِيدَةِ انْتَهى.
وقالَ أبُو شُجاعٍ في كِتابِ الطَّبَرِيِّ: أتَيْتُ بِهِ فَرَأيْتُهُ فَإذا هو شِقُّ حُوتٍ ولَيْسَ لَهُ إلّا عَيْنٌ واحِدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأنا رَأيْتُهُ أيْضًا وعَلى شِقِّهِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ لَيْسَ تَحْتَها شَوْكَةٌ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في كَلامِ أبِي حامِدٍ، وأنا سَألْتُ كَثِيرًا مِن راكِبِي البِحارِ ومُتَتَبِّعِي عَجائِبِ الآثارِ فَلَمْ يَذْكُرُوا أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ ولا أُهْدِيَ إلَيْهِمْ في مَمْلَكَةٍ مِنَ المَمالِكِ، فَلَعَلَّ أمْرَهُ إنْ صَحَّ كُلٌّ مِنَ الإثْباتِ والنَّفْيِ صارَ اليَوْمَ كالعَنْقاءِ كانَتْ فَعَدِمَتْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
والفاءُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَحَيِيَ وسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ الَّذِي تُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ بِالواوِ عَلى خِلافِ المَأْلُوفِ لِيُدْفَعَ بِهِ الِاعْتِراضُ عَلى كَوْنِ الحالِ الَّذِي نَسِيَهُ يُوشَعُ ما رَأى مِن حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ بِأنَّ الفاءَ تُؤْذِنُ بِأنَّ نِسْيانَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ واتِّخاذِهِ سَرَبًا فَلا يَصِحُّ اعْتِبارُ ذَلِكَ في الحالِ المَنسِيِّ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُعْتَبَرَ في الحالِ هو الحَياةُ والوُقُوعُ في البَحْرِ أنْفُسُهُما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، والواقِعُ بُعْدُهُما مِن حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِما الِاتِّخاذُ المَذْكُورُ فَهُما مِن حَيْثُ أنْفُسُهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى النِّسْيانِ ومِن حَيْثُ تَرَتُّبِ الِاتِّخاذِ مُتَأخِّرانِ وهُما مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مَعْطُوفانِ عَلى نَسِيا بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سَيَأْتِي في الجَوابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَأْبى هَذا الجَوابَ إلّا أنْ يُلْتَزَمَ فِيهِ خِلافُ المَشْهُورِ بَيْنَ الأصْحابِ فَتَدَبَّرْ، وانْتِصابُ ﴿سَرَبًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاتَّخَذَ و﴿فِي البَحْرِ﴾ حالٌ مِنهُ ولَوْ تَأخَّرَ كانَ صِفَةً أوْ مِنَ السَّبِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ «اتَّخَذَ»، و«فِي» في جَمِيعِ ذَلِكَ ظَرْفِيَّةٌ.
ورُبَّما يُتَوَهَّمُ مِن كَلامِ ابْنِ زَيْدٍ حَيْثُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَرِّ حَتّى وصَلَ إلى البَحْرِ فَعامَ عَلى العادَةِ أنَّها تَعْلِيلِيَّةٌ مِثْلُها في أنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَرِّ سَرَبًا لِأجْلِ وُصُولِهِ إلى البَحْرِ، ووافَقَهُ في كَوْنِ اتِّخاذِ السِّرْبِ في البَرِّ قَوْمٌ، وزَعَمُوا أنَّهُ صادَفَ في طَرِيقِهِ في البَرِّ حَجَرًا فَنَقَبَهُ، ولا يَخْفى
صفحة 316
أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ خِلافُ ما ورَدَ في الصَّحِيحِ مِمّا سَمِعْتَ، والآيَةُ لا تَكادُ تُساعِدُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولا ( اتَّخَذَ سَبِيلَهُ ) و﴿فِي البَحْرِ﴾ و﴿سَرَبًا﴾ حالٌ مِنَ السَّبِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ اتَّخَذَ وهو بِمَعْنى التَّصَرُّفِ والجَوَلانِ مِن قَوْلِهِمْ: فَحْلٌ سارِبٌ؛ أيْ: مُهْمَلٌ يَرْعى حَيْثُ شاءَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وهو في تَأْوِيلِ الوَصْفِ؛ أيِ اتَّخَذَ ذَلِكَ في البَحْرِ مُتَصَرِّفًا، ولا يَخْفى أنَّهُ نَظِيرُ سابِقِهِ.
الكهف 18:62
﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ: ما فِيهِ المَقْصِدُ مِن مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، صَحَّ أنَّهُما انْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ الغَدُ وارْتَفِعِ النَّهارُ أحَسَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجُوعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ أوَّلَ النَّهارِ، والمُرادُ بِهِ الحُوتُ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ظاهِرُ الجَوابِ، وقِيلَ سارا لَيْلَتَهُما إلى الغَدِ فَقالَ ذَلِكَ.
﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، وهَذا إشارَةٌ إلى سَفَرِهِمُ الَّذِي هم مُلْتَبِسُونَ بِهِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أجْزائِهِ.
فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««لَمْ يَجِدْ مُوسى شَيْئًا مِنَ النَّصَبِ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ»».
وذُكِرَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الفَحْوى، والتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ أنَّهُ لَمْ يُنْصَبْ في سائِرِ أسْفارِهِ، والحِكْمَةُ في حُصُولِ الجُوعِ والتَّعَبِ لَهُ حِينَ جاوَزَ أنْ يَطْلُبَ الغَداءَ فَيَذْكُرَ الحُوتَ فَيَرْجِعَ إلى حَيْثُ يَجْتَمِعُ بِمُرادِهِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ غالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ والِدِ أبِي عَبْدِ الحَقِّ المُفَسِّرِ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ في وعْظِهِ: مَشى مُوسى إلى المُناجاةِ فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إلى طَعامٍ، ولَمّا مَشى إلى بَشَرٍ لَحِقَهُ الجُوعُ في بَعْضِ يَوْمٍ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإيتاءِ الغَداءِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ النَّصْبَ إنَّما يَعْتَرِي بِسَبَبِ الضَّعْفِ النّاشِئِ عَنِ الجُوعِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ما في أثْناءِ التَّغَدِّي مِنَ اسْتِراحَةٍ ما، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «نُصُبًا» بِضَمَّتَيْنِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي إحْدى اللُّغاتِ الأرْبَعِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ﴿قالَ﴾ أيْ فَتاهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما صَنَعَ الفَتى حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيِ التَجَأْنا إلَيْها وأقَمْنا عِنْدَها.
وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لِفَتاهُ:
﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ.
وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ ذَلِكَ
الكهف 18:63
قالَ: ﴿أرَأيْتَ﴾ إلَخْ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وذَكَرَ الإواءَ إلى الصَّخْرَةِ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ فِيما سَبَقَ بُلُوغُ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ مَحَلِّ الحادِثَةِ، فَإنَّ المَجْمَعَ مَحَلٌّ مُتَّسِعٌ لا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ المُرادِ بِنِسْبَةِ الحادِثَةِ إلَيْهِ ولِتَمْهِيدِ العُذْرِ فَإنَّ الإواءَ إلَيْها والنَّوْمَ عِنْدَها مِمّا يُؤَدِّي إلى النِّسْيانِ عادَةً. انْتَهى.
وهَذا الأخِيرُ إنَّما يُتِمُّ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ مِن أنَّهُما ناما عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الصَّخْرَةَ قَرِيبَةٌ مِن نَهْرِ الزَّيْتِ وهو نَهْرٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِن شَجَرِ الزَّيْتُونِ، و﴿أرَأيْتَ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أخْبِرْنِي وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّها إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَها مِن أمْرَيْنِ: كَوْنِ الِاسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ مَعَها ولُزُومِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها الِاسْتِفْهامَ وهُما مَفْقُودانِ هُنا، ونَقَلَ هو وناظِرُ الجَيْشِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَنْ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ يَرى أنَّ «أرَأيْتَ» إذا لَمْ يُرَ بَعْدَها مَنصُوبٌ ولا اسْتِفْهامٌ بَلْ جُمْلَةٌ مُصَدَّرَةٌ بِالفاءِ كَما هُنا مُخَرَّجَةٌ عَنْ بابِها ومُضَمَّنَةٌ مَعْنى أما أوْ تَنَبَّهْ؛ فالفاءُ جَوابُها لا جَوابُ إذْ لِأنَّها لا تُجازى إلّا مَقْرُونَةً بِما بِلا خِلافٍ فالمَعْنى: أما أوْ تَنَبَّهْ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: الرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ التّامَّةِ والمُشاهَدَةِ الكامِلَةِ، ومُرادُهُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا اعْتَراهُ هُناكَ مِنَ النِّسْيانِ مَعَ كَوْنِ ما شاهَدَهُ مِنَ العَظائِمِ الَّتِي لا تَكادُ تُنْسى، وقَدْ
صفحة 317
جُعِلَ فِقْدانُهُ عَلامَةً لِوِجْدانِ المَطْلُوبِ وهَذا أُسْلُوبٌ مُعْتادٌ بَيْنَ النّاسِ، يَقُولُ أحَدُهم لِصاحِبِهِ إذا نابَهُ خَطْبٌ: أرَأيْتَ ما نابَنِي؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَهْوِيلَهُ وتَعْجِيبَ صاحِبِهِ مِنهُ، وأنَّهُ مِمّا لا يُعْهَدُ وُقُوعُهُ ولا اسْتِخْبارُهُ عَنْ ذَلِكَ كَما قِيلَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي﴾ إلَخْ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْجِيبِ وتَرْبِيَةٌ لِاسْتِعْظامِ المَنسِيِّ اه. وفِيهِ مِنَ القُصُورِ ما فِيهِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَهُ اسْتِخْبارًا فَقالَ: إنَّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الغَداءَ ذَكَرَ ما رَأى مِنَ الحُوتِ وما اعْتَراهُ مِن نِسْيانِهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ فَدُهِشَ فَطَفِقَ يَسْألُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما دَهانِي إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ فَحَذَفَ ذَلِكَ اه، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ ﴿أرَأيْتَ﴾ مَحْذُوفٌ؛ وهو إمّا الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ إنْ كانَتْ ما في ما دَهانِي لِلِاسْتِفْهامِ وإمّا نَفْسُ ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، وإلى أنَّ إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِدِهانِي وهو سَبَبٌ لِما بَعْدَ الفاءِ في ﴿فَإنِّي﴾ وهي سَبَبِيَّةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهم فَسَيَقُولُونَ إلَخْ. وهو قَوْلٌ بِأنَّ أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ عَلَيْهِ، وفي تَقْدِيرِهِ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي ما في حَذْفِ المَوْصُولِ مَعَ جُزْءِ الصِّلَةِ بِناءً عَلى أنَّ ﴿فَإنِّي نَسِيتُ﴾ مِن تَتِمَّتِها، وعَلى العِلّاتِ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِخْبارِ حَقِيقَتَهُ بَلْ تَهْوِيلَ الأمْرِ أيْضًا. ثُمَّ لا يَخْفى إنَّ رَأى إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً أوْ بِمَعْنى عَرَفَ احْتاجَتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: أأبْصَرْتَ أوْ أعَرَفْتَ حالِي إذْ أوَيْنا وفِيهِ تَقْلِيلٌ لِلْحَذْفِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، وإنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً احْتاجَتْ إلى مَفْعُولَيْنِ وعَلى هَذا قالَ أبُو حَيّانَ: يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المَفْعُولانِ اخْتِصارًا، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ أمْرَنا إذْ أوَيْنا ما عاقِبَتُهُ، وإيقاعُ النِّسْيانِ عَلى اسْمِ الحُوتِ دُونَ ضَمِيرِ الغَداءِ مَعَ أنَّهُ المَأْمُورُ بِإيتائِهِ قِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ نِسْيانِ زادِهِ في المَنزِلِ، وأنَّ ما شاهَدَهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالغَداءِ مِن حَيْثُ هو غَداءٌ وطَعامٌ بَلْ مِن حَيْثُ هو حُوتٌ كَسائِرِ الحِيتانِ مَعَ زِيادَةٍ، وقِيلَ: لِلتَّصْرِيحِ بِما في فَقْدِهِ إدْخالُ السُّرُورِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ حُصُولِ الجَوابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ رِوايَةً أنَّهُ قالَ لَهُ: لا أُكَلِّفُكَ إلّا أنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ النِّسْيانَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِذاتِ الحُوتِ بَلْ بِذِكْرِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ الفَقْدِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الحُوتِ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ؛ أيْ: نَسِيتُ أنْ أذْكُرَ لَكَ أمْرَ الحُوتِ وما شاهَدْتُ مِن عَجِيبِ أمْرِهِ ﴿وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ﴾ لَعَلَّهُ شَغَلَهُ بِوَساوِسَ في الأهْلِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنِّسْيانِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ وإلّا فَتِلْكَ الحالُ مِمّا لا تُنْسى.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُعْجِزاتِ القاهِراتِ كَثِيرًا فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ وقْعٌ عَظِيمٌ لا يُؤَثِّرُ مَعَهُ الوَسْوَسَةُ فَنَسِيَ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى المُشاهِدَ النّاسِيَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أتَمَّ في التَّنْبِيهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ أُنْسِيَ تَأْدِيبًا لَهُ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهُ: لا أُكَلِّفُكَ إلَخْ قالَ لَهُ: ما كُلِّفْتَ كَثِيرًا حَيْثُ اسْتَسْهَلَ الأمْرَ ولَمْ يُظْهِرِ الِالتِجاءَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: أُخْبِرُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا عِتابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ في العِلْمِ بِذَهابِ الحُوتِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَتّى نَصِبَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الوَسْوَسَةَ لا تَضُرُّ بِمَقامِ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ كانَ نَبِيًّا وقْتَ وُقُوعِ هَذِهِ القِصَّةِ.
صفحة 318
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِ في الِاسْتِبْصارِ وانْجِذابِ شَراشِرِهِ إلى جَنابِ القُدْسِ بِما اعْتَراهُ مِن مُشاهَدَةِ الآياتِ الباهِرَةِ، وإنَّما نَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى والمَجازِيَّ هو الِاسْتِغْراقُ المَذْكُورُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ بِجَعْلِ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ والِانْجِذابِ لِشَغْلِهِ عَنِ التَّيَقُّظِ لِلْمَوْعِدِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنزِلَةِ الوَساوِسِ فَفِيهِ تَجَوُّزٌ بِاسْتِعارَةِ الشَّيْطانِ لِمُطْلَقِ الشّاغِلِ.
وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»».
أوْ لِأنَّ عَدَمَ احْتِمالِ القُوَّةِ لِلْجانِبَيْنِ واشْتِغالِها بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ يُعَدُّ مِن نُقْصانِ صاحِبِها وتَرْكِهِ المُجاهَداتِ والتَّصْفِيَةَ فَيَكُونُ قَدْ تُجُوِّزَ بِذَلِكَ عَنِ النُّقْصانِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، وضَمَّ حَفْصٌ الهاءَ فِي: «أنْسانِيهُ» وهو قَلِيلٌ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قِلَّةُ النِّسْيانِ في مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والجُمْهُورُ عَلى الكَسْرِ وأمالَ الكِسائِيُّ فَتْحَةَ السِّينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الهاءِ؛ أيْ: ما أنْسانِي ذِكْرَهُ لَكَ إلّا الشَّيْطانُ، قِيلَ: وفي تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِضَمِيرِ الحُوتِ أوَّلًا وبِذِكْرِهِ لَهُ ثانِيًا عَلى طَرِيقِ الإبْدالِ المُنْبِئِ عَنْ تَنْحِيَتِهِ المُبْدَلَ مِنهُ إشارَةً إلى أنَّ مُتَعَلِّقُ النِّسْيانِ لَيْسَ نَفْسَ الحُوتِ بَلْ ذِكْرَ أمْرِهِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَتِهِ: «أنْ أُذَكِّرَكَهُ»، وفي إيثارِ أنْ والفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ نَوْعُ مُبالَغَةٍ لا تَخْفى.
﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَجْمُوعَهُ كَلامُ يُوشَعَ وهو تَتِمَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ وفِيهِ إنْباءٌ عَنْ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِالِاعْتِذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيِيَ واضْطَرَبَ ووَقَعَ في البَحْرِ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِيهِ سَبِيلًا عَجَبًا، فَسَبِيلُهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِاتَّخَذَ و﴿فِي البَحْرِ﴾ حالٌ مِنهُ و﴿عَجَبًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، وفي ذِكْرِ السَّبِيلِ ثُمَّ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الحُوتِ ثُمَّ جَعْلِ الظَّرْفِ حالًا مِنَ المُضافِ تَنْبِيهٌ إجْمالِيٌّ عَلى أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن جِنْسِ الأُمُورِ الغَرِيبَةِ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي وتَكْرِيرٌ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، فَهَذا التَّرْكِيبُ في إفادَةِ المُرادِ أوْ في لَحْقِ البَلاغَةِ مِن أنْ يُقالَ: واتَّخَذَ في البَحْرِ سَبِيلًا عَجَبًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿فِي البَحْرِ﴾ حالًا مِن «عَجَبًا» وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ «اتَّخَذَ»، وأنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ و«عَجَبًا» صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيِ اتِّخاذًا عَجَبًا، وهو كَوْنُ مَسْلَكِهِ كالطّاقِ والسَّرَبِ، وجُوِّزَ أيْضًا عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الظَّرْفِ مَفْعُولًا ثانِيًا أنْ يُنْصَبَ ﴿عَجَبًا﴾ بِفِعْلٍ مِنهُ مُضْمَرٍ؛ أيْ: أعْجَبُ عَجَبًا، وهو مِن كَلامِ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، تَعَجَّبَ مِن أمْرِ الحُوتِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ كَلامَ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ «البَحْرِ» وقَوْلَ: أعْجَبُ عَجَبًا كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: وقالَ مُوسى: أعْجَبُ عَجَبًا مِن تِلْكَ الحالِ الَّتِي أخْبَرْتَ بِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجِيءَ بِالجُمْلَةِ الآتِيَةِ بِالواوِ العاطِفَةِ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ تَعالى عَنِ الحُوتِ بِأنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا لِلنّاسِ، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، و«عَجَبًا» عَلى هَذا مَفْعُولٌ ثانٍ ولا رَكاكَةَ في تَأْخِيرِ ( قالَ ) الآتِي عَنْهُ عَلى هَذا لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مِن كَلامِ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ: «واتِّخاذَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ في ﴿أذْكُرَهُ﴾
الكهف 18:64
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن أمْرِ الحُوتِ ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيِ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمارَةٌ لِلْفَوْزِ
صفحة 319
بِما هو المَطْلُوبُ بِالذّاتِ، وقُرِئَ: «نَبْغِ» بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ وإثْباتُها أحْسَنُ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ونافِعٍ، وأمّا الوَقْفُ فالأكْثَرُ فِيهِ طَرْحُ الياءِ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ، وأثْبَتَها في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿فارْتَدّا﴾ أيْ: رَجَعا ﴿عَلى آثارِهِما﴾ الأُولى، والمُرادُ طَرِيقُهُما الَّذِي جاءا مِنهُ ﴿قَصَصًا﴾ أيْ: يَقُصّانِهِ قَصَصًا؛ أيْ: يَتَّبِعانِها اتِّباعًا فَهو مِن قَصَّ أثَرَهُ إذا اتَّبَعَهُ كَما هو الظّاهِرُ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَوَّلًا بِالوَصْفِ؛ أيْ: مُقْتَصِّينَ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ الَّتِي فُقِدَ الحُوتُ عِنْدَها.
الكهف 18:65
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخَضِرُ بِفَتْحِ الخاءِ وقَدْ تُكْسَرُ وكَسْرِ الضّادِ وقَدْ تُسَكَّنُ، وقِيلَ: اليَسَعُ، وقِيلَ: إلْياسُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ باطِلٌ كَما في شَرْحِ مُسْلِمٍ، والحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ هو الأوَّلُ، والخَضِرُ لَقَبُهُ ولُقِّبَ بِهِ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ في مَكانٍ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ وكانَتْ ثِيابُهُ خُضْرًا.
وأُخْرِجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ إذا قامَ بِمَكانٍ نَبَتَ العُشْبُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ حَتّى يُغَطِّيَ قَدَمَيْهِ.
وقِيلَ: لِإشْراقِهِ وحُسْنِهِ، والصَّوابُ كَما قالَ النَّوَوِيُّ -الأوَّلُ، وكُنْيَتُهُ أبُو العَبّاسِ، واسْمُهُ بَلْيا بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ وياءٍ مُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ، وفي آخِرِهِ ألِفٌ قِيلَ مَمْدُودَةٌ، وقِيلَ: أبْلِيا بِزِيادَةِ هَمْزَةٍ في أوَّلِهِ، وقِيلَ: عامِرٌ، وقِيلَ: أحْمَدُ، ووَهّاهُ ابْنُ دِحْيَةَ بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ بِأحْمَدَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اسْمَ الخَضِرِ اليَسَعُ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَهُ وسِعَ سِتَّ سَمَواتٍ وسِتَّ أرَضِينَ ووَهّاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ لا واهٍ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ اسْمَهُ إلْياسُ، واخْتَلَفُوا في أبِيهِ؛ فَأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ أُمَّهُ رُومِيَّةٌ وأباهُ فارِسِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ وذَكَرَ أنَّ إلْياسَ أخُوهُ مِن هَذِهِ الأُمِّ وهَذا الأبِ، وأُخْرِجَ أيْضًا عَنْ أسْباطٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ ابْنُ مَلَكٍ مِنَ المُلُوكِ وكانَ مُنْقَطِعًا في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأحَبَّ أبُوهُ أنْ يُزَوِّجَهُ فَأبى ثُمَّ أجابَ فَزَوَّجَهُ بِامْرَأةٍ بِكْرٍ فَلَمْ يَقْرَبْها سَنَةً، ثُمَّ بِثَيِّبٍ فَلَمْ يَقْرَبْها ثُمَّ فَرَّ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ثُمَّ تَزَوَّجَتِ امْرَأتُهُ الأُولى وكانَتْ قَدْ آمَنَتْ وهي ماشِطَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَذْكُرْ أيْضًا اسْمَ أبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ فِرْعَوْنَ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ أبُوهُ، وسُبْحانَ مَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ ابْنُ عامِيلَ وأنَّهُ رَكِبَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى بَلَغَ بَحْرَ الهِنْدِ وهو بَحْرُ الصِّينِ فَقالَ: يا أصْحابِي، دَلُّونِي فَدَلَّوْهُ في البَحْرِ أيّامًا ولَيالِيَ ثُمَّ صَعِدَ فَقالَ: اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ فَقالَ لِي: أيُّها الآدَمِيُّ الخَطّاءُ، إلى أيْنَ ومِن أيْنَ؟ فَقُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أنْظُرَ عُمْقَ هَذا البَحْرِ. فَقالَ لِي: كَيْفَ وقَدْ أهْوى رَجُلٌ مِن زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَبْلُغْ ثُلْثَ قَعْرِهِ حَتّى السّاعَةِ.
وذَلِكَ ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، وأظُنُّكَ لا تَشُكُّ بِكَذِبِ هَذا الخَبَرِ، وإنْ قِيلَ: حَدِّثْ عَنِ البَحْرِ ولا حَرَجَ، وقِيلَ: هو ابْنُ العِيصِ. وقِيلَ: هو ابْنُ كَلْيانَ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ وياءٍ مُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها ألِفٌ ونُونٌ. وقالَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ: قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّهُ ابْنُ مَلْكانَ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ اللّامِ ابْنِ فالِغَ بْنِ عابِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ
صفحة 320
ابْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، بَيْدَ أنَّ صَنِيعَ النَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ مُسْلِمٍ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ أنَّهُ بَلْيا بْنَ مَلْكا وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وصَحَّ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُما رَجَعا إلى الصَّخْرَةِ وإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وطَرَفَهُ الآخَرَ تَحْتَ رَأْسِهِ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَأتَيا جَزِيرَةً فَوَجَدَ الخَضِرَ قائِمًا يُصَلِّي عَلى طَنْفَسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ البَحْرِ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: انْتَهَيا إلَيْهِ وهو نائِمٌ عَلى طَنْفَسَةٍ خَضْراءَ عَلى وجْهِ الماءِ وهو مُسَجًّى بِثَوْبٍ أخْضَرَ، وقِيلَ: إنَّ سَبِيلَ الحُوتِ عادَ حَجَرًا، فَلَمّا جاءا إلَيْهِ مَشَيا عَلَيْهِ حَتّى وصَلا إلى جَزِيرَةٍ فِيها الخَضِرُ.
وصَحَّ أنَّهُما لَمّا انْتَهَيا إلَيْهِ سَلَّمَ مُوسى فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ. فَقالَ: أنا مُوسى. فَقالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وهو مُسَجًّى عَرَّفَهُ أنَّهُ مُوسى فَرَفَعَ رَأْسَهُ فاسْتَوى جالِسًا وقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ بَنِي إسْرائِيلَ. فَقالَ مُوسى: وما أدْراكَ بِي ومَن أخْبَرَكَ أنِّي نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: الَّذِي أدْراكَ بِي ودَلَّكَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُوسى، أما يَكْفِيكَ أنَّ التَّوْراةَ بِيَدِكَ وأنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ قالَ مُوسى: إنَّ رَبِّي أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأتَّبِعَكَ وأتَعَلَّمَ مِن عِلْمِكَ.
والتَّنْوِينُ في ﴿عَبْدًا﴾ لِلتَّفْخِيمِ، والإضافَةُ في ﴿عِبادِنا﴾ لِلتَّشْرِيفِ والِاخْتِصاصِ؛ أيْ: عَبْدًا جَلِيلَ الشَّأْنِ مِمَّنِ اخْتَصَّ بِنا وشَرُفَ بِالإضافَةِ إلَيْنا.
﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِها الرِّزْقُ الحَلالُ والعَيْشُ الرَّغْدُ، وقِيلَ: العُزْلَةُ عَنِ النّاسِ وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: طُولُ الحَياةِ مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، وقَدْ أُطْلِقَتْ عَلى ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِرَسُولٍ، وقِيلَ: هو رَسُولٌ، وقِيلَ: هو ولِيٌّ، وعَلَيْهِ القُشَيْرِيُّ وجَماعَةٌ، والمَنصُورُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وشَواهِدُهُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ كَثِيرَةٌ، وبِمَجْمُوعِها يَكادُ يَحْصُلُ اليَقِينُ، وكَما وقَعَ الخِلافُ في نُبُوَّتِهِ وقَعَ الخِلافُ في حَياتِهِ اليَوْمَ فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ اليَوْمَ.
وسُئِلَ البُخارِيُّ عَنْهُ وعَنِ إلْياسَ عَلَيْهِما السَّلامُ: هَلْ هُما حَيّانِ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ أيْ: -قَبْلَ وفاتِهِ بِقَلِيلٍ-: ««لا يَبْقى عَلى رَأْسِ المِائَةِ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ»؟»
والَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ: ««ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْها مِائَةُ سَنَةٍ وهي يَوْمَئِذٍ حَيَّةٌ»».
وهَذا أبْعَدُ عَنِ التَّأْوِيلِ، وسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ فَقَرَأ: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ . وسُئِلَ عَنْهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقالَ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويُجاهِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَتَعَلَّمَ مِنهُ.
وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمِ بَدْرٍ: ««اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكَ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ»».
فَكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَعْرُوفِينَ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ فَأيْنَ كانَ الخَضِرُ حِينَئِذٍ؟
وسُئِلَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ عَنْ بَقائِهِ فَقالَ: مَن أحالَ عَلى غائِبٍ لَمْ يَنْتَصِفْ مِنهُ، وما ألْقى هَذا بَيْنَ النّاسِ إلّا الشَّيْطانُ.
ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ شَرَفِ الدِّينِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ القَوْلَ بِمَوْتِهِ أيْضًا. ونَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا.
وكَذا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ الحَرْبِيِّ، وقالَ أيْضًا: كانَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنادِي يُقَبِّحُ قَوْلَ مَن يَقُولُ إنَّهُ حَيٌّ.
وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى مَوْتَهُ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ وُجُودُ الخَضِرِ ولا يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجُمْعَةَ والجَماعَةَ، ولا يَشْهَدُ مَعَهُ الجِهادَ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي»».
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِن الشّاهِدِينَ﴾
صفحة 321
وثُبُوتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ إلى الأرْضِ يُصَلِّي خَلْفَ إمامِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في مَبْدَأِ الأمْرِ، وما أبْعَدَ فَهْمِ مَن يُثْبِتُ وُجُودَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَنْسى ما في طَيِّ إثْباتِهِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ قالَ:
وعِنْدَنا مِنَ المَعْقُولِ وُجُوهٌ عَلى عَدَمِ حَياتِهِ، أحَدُها: أنَّ الَّذِي قالَ بِحَياتِهِ قالَ: إنَّهُ ابْنُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ وهَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عُمْرُهُ اليَوْمَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ أوْ أكْثَرَ ومِثْلُ هَذا بَعِيدٌ في العاداتِ في حَقِّ البَشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ولَدَهُ لِصُلْبِهِ أوِ الرّابِعَ مِن أوْلادِهِ كَما زَعَمُوا أنَّهُ وزِيرُ ذِي القَرْنَيْنِ لَكانَ مَهُولَ الخِلْقَةِ مُفْرِطَ الطُّولِ والعَرْضِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««خُلِقَ آدَمُ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ»».
وما ذَكَرَ أحَدٌ مِمَّنْ يَزْعُمُ رُؤْيَةَ الخَضِرِ أنَّهُ رَآهُ عَلى خِلْقَةٍ عَظِيمَةٍ وهو مِن أقْدَمِ النّاسِ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ الخَضِرُ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَرَكِبَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ولَمْ يَنْقُلْ هَذا أحَدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ ماتَ مَن مَعَهُ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُ نَسْلِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ . الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ بَقاءُ بَشَرٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى قُرْبِ خَرابِ الدُّنْيا لَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الآياتِ والعَجائِبِ، وكانَ خَبَرُهُ في القُرْآنِ مَذْكُورًا في مَواضِعَ لِأنَّهُ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ مَنِ اسْتَحْياهُ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا وجَعَلَهُ آيَةً فَكَيْفَ لا يَذْكُرُ جَلَّ وعَلا مَنِ اسْتَحْياهُ أضْعافَ ذَلِكَ.
الخامِسُ أنَّ القَوْلَ بِحَياةِ الخَضِرِ قَوْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو حَرامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ، أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ فَظاهِرَةٌ، وأمّا الأُولى فَلِأنَّ حَياتَهُ لَوْ كانَتْ ثابِتَةً لَدَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ أوِ السُّنَّةُ أوْ إجْماعُ الأُمَّةِ فَهَذا كِتابُ اللَّهِ تَعالى فَأيْنَ فِيهِ حَياةُالخَضِرِ؟ وهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ فَأيْنَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وهَؤُلاءِ عُلَماءُ الأُمَّةِ فَمَتى أجْمَعُوا عَلى حَياتِهِ.
السّادِسُ: أنَّ غايَةً ما يُتَمَسَّكُ بِهِ في حَياتِهِ حِكاياتٌ مَنقُولَةٌ يُخْبِرُ الرَّجُلُ بِها أنَّهُ رَأى الخَضِرَ فَيا لِلَّهِ تَعالى العَجَبُ هَلْ لِلْخَضِرِ عَلامَةٌ يَعْرِفُهُ بِها مَن رَآهُ؟ وكَثِيرٌ مِن زاعِمِي رُؤْيَتِهِ يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ: أنا الخَضِرُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَصْدِيقُ قائِلٍ ذَلِكَ بِلا بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن أيْنَ لِلرّائِي أنَّ المُخْبِرَ لَهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ؟ السّابِعُ: أنَّ الخَضِرَ فارَقَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ ولَمْ يُصاحِبْهُ وقالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ فَكَيْفَ يَرْضى لِنَفْسِهِ بِمُفارَقَةِ مِثْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ يَجْتَمِعُ بِجَهَلَةِ العُبّادِ الخارِجِينَ عَنِ الشَّرِيعَةِ الَّذِينَ لا يَحْضُرُونَ جُمْعَةً ولا جَماعَةً ولا مَجْلِسَ عِلْمٍ وكُلٌّ مِنهم يَقُولُ: قالَ لِي الخَضِرُ، جاءَنِي الخَضِرُ، أوْصانِي الخَضِرُ - فَيا عَجَبًا لَهُ يُفارِقُ الكَلِيمَ ويَدُورُ عَلى صُحْبَةِ جاهِلٍ لا يَصْحَبُهُ إلّا شَيْطانٌ رَجِيمٌ، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
الثّامِنُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يَقُولُ: أنا الخَضِرُ لَوْ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا لَمْ يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهِ، ولَمْ يُحْتَجَّ بِهِ في الدِّينِ ولا مُخَلِّصَ لِلْقائِلِ بِحَياتِهِ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا بايَعَهُ أوْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ وفي هَذا مِنَ الكُفْرِ ما فِيهِ.
التّاسِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ جِهادُهُ الكُفّارَ ورِباطُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ومَقامُهُ في الصَّفِّ ساعَةً وحُضُورُهُ الجُمْعَةَ والجَماعَةِ وإرْشادُ جَهَلَةِ الأُمَّةِ أفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِن سِياحَتِهِ بَيْنَ الوُحُوشِ في القِفارِ والفَلَواتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لَهُ وما عَلَيْهِ.
وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِخَبَرٍ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَزارَنِي، وهو كَما قالَ الحُفّاظُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ لا أصْلَ لَهُ، ولَوْ صَحَّ لِأغْنى عَنِ القِيلِ والقالِ ولانْقَطَعَ بِهِ الخِصامُ والجِدالُ، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ حَيٌّ
صفحة 322
مَوْجُودٌ بَيْنِ أظْهُرِنا، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم قالَهُ النَّوَوِيُّ، ونُقِلَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ المُفَسِّرِ أنَّ الخَضِرَ نَبِيٌّ مُعَمِّرٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ مَحْجُوبٌ عَنْ أبْصارِ أكْثَرِ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ: هو حَيٌّ اليَوْمَ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ والعامَّةُ مَعَهم في ذَلِكَ، وإنَّما ذَهَبَ إلى إنْكارِ حَياتِهِ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأخْبارٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجَلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُنا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ جَمَعَ بَنِيهِ فَقالَ: يا بَنِيَّ، إنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا فَلْيُكُنْ جَسَدِي مَعَكم في المَغارَةِ حَتّى إذا هَبَطْتُمْ فابْعَثُوا بِي وادْفِنُونِي بِأرْضِ الشّامِ، فَكانَ جَسَدُهُ مَعَهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا ضَمَّ ذَلِكَ الجَسَدَ وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى الطُّوفانَ عَلى الأرْضِ فَغَرِقَتْ زَمانًا فَجاءَ نُوحٌ حَتّى نَزَلَ بابِلَ وأوْصى بَنِيهِ الثَّلاثَةَ أنْ يَذْهَبُوا بِجَسَدِهِ إلى المَغارِ الَّذِي أمَرَهم أنْ يَدْفِنُوهُ بِهِ فَقالُوا: الأرْضُ وحْشَةٌ لا أنِيسَ بِها ولا نَهْتَدِي الطَّرِيقَ ولَكِنْ كُفَّ حَتّى يَأْمَنَ النّاسُ ويَكْثُرُوا. فَقالَ لَهم نُوحٌ: إنَّ آدَمَ قَدْ دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يُطِيلَ عُمْرَ الَّذِي يَدْفِنُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلَمْ يَزَلْ جَسَدُ آدَمَ حَتّى كانَ الخَضِرُ هو الَّذِي تَوَلّى دَفْنَهُ فَأنْجَزَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ما وعَدَهُ، فَهو يَحْيا إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ يَحْيا.
وفِي هَذا سَبَبُ طُولِ بَقائِهِ وكَأنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ وإلّا فالمَشْهُورُ فِيهِ أنَّهُ شَرِبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ حِينَ دَخَلَ الظُّلْمَةَ مَعَذِي القَرْنَيْنِ وكانَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: بَيْنا أنا أطُوفُ بِالبَيْتِ إذا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَقُولُ: يا مَن لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، ويا مَن لا تُغَلِّطُهُ المَسائِلُ، ويا مَن لا يَتَبَرَّمُ بِإلْحاحِ المُلِحِّينَ، أذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ. قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أعِدِ الكَلامَ قالَ: أسَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: والَّذِي نَفْسُ الخَضِرِ بِيَدِهِ - وكانَ هو الخَضِرَ - لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ إلّا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ، وعَدَدَ المَطَرِ ووَرَقِ الشَّجَرِ.
ومِنها ما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تُوُفِّيَ وأخَذْنا في جِهازِهِ خَرَجَ النّاسُ وخَلا المَوْضِعُ، فَلَمّا وضَعْتُهُ عَلى المُغْتَسَلِ إذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِن زاوِيَةِ البَيْتِ بِأعْلى صَوْتِهِ: لا تُغَسِّلُوا مُحَمَّدًا، فَإنَّهُ طاهِرٌ طُهِّرَ. فَوَقَعَ في قَلْبِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقُلْتُ: ويْلَكَ مَن أنْتَ؟ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا أمَرَنا وهَذِهِ سُنَّتُهُ، وإذا بِهاتِفٍ آخَرَ يَهْتِفُ بِي مِن زاوِيَةِ البَيْتِ بِأعْلى صَوْتِهِ: غَسِّلُوا مُحَمَّدًا، فَإنَّ الهاتِفَ الأوَّلَ كانَ إبْلِيسَ المَلْعُونَ، حَسَدَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَدْخُلَ قَبْرَهُ مَغْسُولًا. فَقُلْتُ: جَزاكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا قَدْ أخْبَرْتَنِي بِأنَّ ذَلِكَ إبْلِيسَ فَمَن أنْتَ؟ قالَ: أنا الخَضِرُ حَضَرْتُ جِنازَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
ومِنها ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واجْتَمَعَ الصَّحابَةُ دَخَلَ رَجُلٌ أشْهَبُ اللِّحْيَةِ جَسِيمٌ صَبِيحٌ فَتَخَطّى رِقابَهم فَبَكى ثُمَّ التَفَتَ إلى الصَّحابَةِ فَقالَ: إنَّ في اللَّهِ تَعالى عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ وعِوَضًا مِن كُلِّ فائِتٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، فَإلى اللَّهِ تَعالى فَأنِيبُوا، وإلَيْهِ تَعالى فارْغَبُوا ونَظَرُهُ سُبْحانَهُ إلَيْكم في البَلاءِ فانْظُرُوا، فَإنَّما المُصابُ مَن لَمْ يُجْبَرْ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هَذا الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ أنَّ إلْياسَ والخَضِرَ يَصُومانِ شَهْرَ رَمَضانَ في بَيْتِ المَقْدِسِ ويَحُجّانِ في كُلِّ سَنَةٍ، ويَشْرَبانِ مِن زَمْزَمَ شَرْبَةً تَكْفِيهِما إلى مِثْلِها مِن قابِلٍ.
ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ أيْضًا والعُقَيْلِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَلْتَقِي الخَضِرُ وإلْياسُ كُلَّ عامٍ في المَوْسِمِ فَيَحْلِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما رَأْسَ صاحِبِهِ ويَتَفَرَّقانِ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ: بِاسْمِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ، لا يَسُوقُ الخَيْرَ إلّا اللَّهُ، ما شاءَ اللَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ».
صفحة 323
ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُصَلِّي عَلى جِنازَةٍ إذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِن خَلْفِهِ: لا تَسْبِقُنا بِالصَّلاةِ يَرْحَمْكَ اللَّهُ تَعالى، فانْتَظَرَهُ حَتّى حَقَّ بِالصَّفِّ الأوَّلِ فَكَبَّرَ عُمَرُ وكَبَّرَ النّاسُ مَعَهُ فَقالَ الهاتِفُ: إنْ تُعَذِّبْهُ فَكَثِيرًا عَصاكَ، وإنْ تَغْفِرْ لَهُ فَفَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ. فَنَظَرَ عُمَرُ وأصْحابَهُ إلى الرَّجُلِ، فَلَمّا دُفِنَ المَيِّتُ وسُوِّيَ عَلَيْهِ التُّرابُ قالَ: طُوبى لَكَ يا صاحِبَ القَبْرِ، إنْ لَمْ تَكُنْ عَرِيفًا أوْ جابِيًا أوْ خازِنًا أوْ كاتِبًا أوْ شُرْطِيًّا فَقالَ عُمَرُ: خُذُوا لِي الرَّجُلَ نَسْألُهُ عَنْ صَلاتِهِ وكَلامِهِ هَذا عَمَّنْ هُوَ، فَتَوارى عَنْهم فَنَظَرُوا فَإذا أثَرُ قَدَمِهِ ذِراعٌ، فَقالَ عُمَرُ: هَذا واللَّهِ الَّذِي حَدَّثَنا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ. والِاسْتِدْلالُ بِهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَنى بِالمُحَدَّثِ عَنْهُ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وكَثِيرٌ مِمّا ذُكِرَ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ اليَوْمَ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حَيًّا في زَمَنِهِ ﷺ، ولا يَلْزَمُ مِن حَياتِهِ إذْ ذاكَ حَياتُهُ اليَوْمَ إلّا أنَّهُ يَكْفِي في رَدِّ الخَصْمِ إذْ هو يَنْفِي حَياتَهُ إذْ ذاكَ كَما يَنْفِي حَياتَهُ اليَوْمَ، نَعَمْ، إذا كانَ عِنْدَنا مَن يُثْبِتُها إذْ ذاكَ ويَنْفِيها الآنَ لَمْ يَنْفَعْ ما ذُكِرَ مَعَهُ لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَنا مَن هو كَذَلِكَ، وحِكاياتُ الصّالِحِينَ مِنَ التّابِعِينَ والصُّوفِيَّةِ في الِاجْتِماعِ بِهِ والأخْذِ عَنْهُ في سائِرِ الأعْصارِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ. نَعَمْ أجْمَعَ المُحَدِّثُونَ القائِلُونَ بِحَياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِوايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما صَرَّحَ بِهِ العِراقِيُّ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الأحْياءِ. وهَذا خِلافُ ما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ؛ فَقَدِ ادَّعى الشَّيْخُ عَلاءُ الدِّينِ اسْتِفادَةَ الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَنْهُ بِلا واسِطَةٍ.
وذَكَرَ السُّهْرَوَرْدِيُّ في السِّرِّ المَكْتُومِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدَّثَنا بِثَلاثِمِائَةِ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شِفاهًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى حَياتِهِ الآنَ بِالِاسْتِصْحابِ، فَإنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ مِن قَبْلُ بِالدَّلِيلِ فَتَبْقى عَلى ذَلِكَ إلى أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِها ولَمْ يَقُمْ. وأجابُوا عَمّا اسْتَدَلَّ بِهِ الخَصْمُ مِمّا تَقَدَّمَ. فَأجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ البُخارِيُّ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي لا يُوجِبُ نَفْيَ حَياتِهِ في زَمانِهِ ﷺ، وإنَّما يُوجِبُ بِظاهِرِهِ نَفْيَها بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِن زَمانِ القَوْلِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ بَلْ كانَ عَلى وجْهِ الماءِ. وبِأنَّ الحَدِيثَ عامٌّ فِيما يُشاهِدُهُ النّاسُ بِدَلِيلِ اسْتِثْناءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإخْراجِ الشَّيْطانِ، وحاصِلُهُ انْخِرامُ القَرْنِ الأوَّلِ، نَعَمْ هو نَصٌّ في الرَّدِّ عَلى مُدَّعِي التَّعْمِيرِ كَرْتَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الهِنْدِيِّ التَّبْرِيزِيِّ الَّذِي ظَهَرَ في القَرْنِ السّابِعِ وادَّعى الصُّحْبَةَ ورَوى الأحادِيثَ.
وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مَن هو مِن أهْلِ الأرْضِ ومُتَوَطِّنٌ فِيها عُرْفًا ولا شَكَّ أنَّ هَذا شامِلٌ لِمَن كانَ في البَحْرِ ولَوْ لَمْ يُعَدَّ مَن في البَحْرِ مِمَّنْ هو عَلى ظَهْرِ الأرْضِ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ نَصًّا في الرَّدِّ عَلى رَتْنٍ وأضْرابِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونُوا حِينَ القَوْلِ في البَحْرِ بَلْ مَتى قُبِلَ هَذا التَّأْوِيلُ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن عُمُومِ الحَدِيثِ، وضُعِّفَ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ ولْيُنْظَرْ في قَوْلِ مَن قالَ:
يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ وقْتَ القَوْلِ في الهَواءِ فَفِيهِ أيْضًا ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ. ويَرِدُ عَلى الجَوابِ الثّانِي أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ مِمَّنْ يُشاهِدُهُ النّاسُ كَما هو الأمْرُ المُعْتادُ في البَشَرِ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجًا عَنْ ذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ وأنّى هو فَتَأمَّلْ، وأجابُوا عَمّا قالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأنَّ وُجُوبَ الإتْيانِ مَمْنُوعٌ، فَكَمْ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ ﷺ في زَمانِهِ لَمْ يَأْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهَذا خَيْرُ التّابِعِينَ أُوَيْسٌ القَرْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الإتْيانُ والمُرافَقَةُ في الجِهادِ ولا التَّعَلُّمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وكَذا النَّجاشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْتِيهِ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ ﷺ لَكِنْ عَلى وجْهِ الخَفاءِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِإتْيانِ العَلانِيَةِ لِحِكْمَةٍ
صفحة 324
إلَهِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ. وأمّا الحُضُورُ في الجِهادِ فَقَدْ رَوى ابْنُ بَشْكُوالَ في كِتابِ المُسْتَغِيثِينَ بِاللَّهِ تَعالى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في غَزْوَةٍ فَوَقَعَ فَرَسِي مَيِّتًا فَرَأيْتُ رَجُلًا حَسَنَ الوَجْهِ طَيِّبَ الرّائِحَةِ. قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَرْكَبَ فَرَسَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى جَبْهَةِ الفَرَسِ حَتّى انْتَهى إلى مُؤَخَّرِهِ وقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكِ أيَّتُها العِلَّةُ بِعِزَّةِ عِزَّةِ اللَّهِ وبِعَظَمَةِ اللَّهِ وبِجَلالِ جَلالِ اللَّهِ وبِقُدْرَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبِسُلْطانِ سُلْطانِ اللَّهِ وبِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ وبِما جَرى بِهِ القَلَمُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا انْصَرَفْتِ فَوَثَبَ الفَرَسُ قائِمًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأخَذَ الرَّجُلُ بِرِكابِي وقالَ: ارْكَبْ فَرَكِبْتُ ولَحِقْتُ بِأصْحابِي. فَلَمّا كانَ مِن غَداةِ غَدٍ وظَهَرْنا عَلى العَدُوِّ فَإذا هو بَيْنَ أيْدِينا فَقُلْتُ: ألَسْتَ صاحِبِي بِالأمْسِ؟ قالَ: بَلى. فَقُلْتُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ تَعالى مَن أنْتَ؟
فَوَثَبَ قائِمًا فاهْتَزَّتِ الأرْضُ تَحْتَهُ خَضْراءَ فَقالَ: أنا الخَضِرُ.
فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ يَحْضُرُ بَعْضَ المَعارِكِ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ في بَدْرٍ: ««اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ»».
فَمَعْناهُ: لا تُعْبَدْ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ والغَلَبَةِ وقُوَّةِ الأُمَّةِ، وإلّا فَكَمْ مِن مُؤْمِنٍ كانَ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها ولَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، ولا يَخْفى أنَّ نَظْمَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ أُوَيْسٍ القَرْنِيِّ والنَّجاشِيِّ وأضْرابِهِما مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإتْيانُ إلَيْهِ ﷺ بَعِيدٌ عَنِ الإنْصافِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ الإتْيانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ يَقُولُ مُنْصِفٌ بِإمامَتِهِ ﷺ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واقْتِداءِ جَمِيعِهِمْ بِهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ ولا يَرى لُزُومَ الإتْيانِ عَلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعَ مَعَهُ ﷺ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ومَتى زَعَمَ أحَدٌ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى نَبِيِّنا ﷺ كَنِسْبَتِهِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيُجَدِّدْ إسْلامَهُ، ودَعْوى أنَّهُ كانَ يَأْتِي ويَتَعَلَّمُ خُفْيَةً لِعَدَمِ أمْرِهِ بِذَلِكَ عَلانِيَةً لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْها الدَّلِيلُ، عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لِذِكْرِهِ ﷺ ولَوْ مَرَّةٌ وأيْنَ الدَّلِيلُ عَلى الذِّكْرِ؟ وأيْضًا لا تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في مَنعِهِ عَنِ الإتْيانِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ عَلى نَحْوِ إتْيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الدَّعْوى مُجَرَّدُ احْتِمالٍ، قِيلَ: لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولا تَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ؛ إذْ ذاكَ بِالدَّلِيلِ ووُجُودُهُ كَوُجُودِهِ عِنْدَنا، وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ المُدْرِكِ فَلا نُسَلِّمُ ثُبُوتَهُ عَنْهُ، وأنْتَ إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ في ألْفاظِ القِصَّةِ اسْتَبْعَدْتَ صِحَّتَها، ومَن أنْصَفَ يَعْلَمُ أنَّ حُضُورَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ارْمِ فِداكَ أبِي وأُمِّي كانَ أهَمَّ مِن حُضُورِهِ مَعَ ابْنِ المُبارَكِ، واحْتِمالُ أنَّهُ حَضَرَ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ شِبْهُ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ، وأمّا ما ذَكَرُوهُ في مَعْنى الحَدِيثِ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ بَعِيدٌ؛ فَمِنَ الظّاهِرِ مِنهُ نَفْيُ أنْ يُعْبَدَ سُبْحانَهُ إنْ أهْلَكَ تِلْكَ العِصابَةَ مُطْلَقًا عَلى مَعْنى أنَّهم إنْ أهْمَلُوا والإسْلامُ غَضٌّ ارْتَدَّ الباقُونَ ولَمْ يَكَدْ يُؤْمِنُ أحَدٌ بَعْدُ فَلا يَعْبُدُهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ في الأرْضِ حِينَئِذٍ، وقَدْ لا يُوَسَّطُ حَدِيثُ الِارْتِدادِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ الَّذِينَ هم تاجُ رَأْسِ الإسْلامِ اسْتَوْلى الكُفّارُ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ بَعْدَهم فَأهْلَكُوهم فَلا يَعْبُدُكَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حِينَئِذٍ، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ وجْهٌ، فَإنْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يُشاهَدَ مَن يَعْبُدُهُ تَعالى بَعْدُ والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُشاهِدُ ورَدَ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وأجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلْدِ الدَّوامُ الأبَدِيُّ والقائِلُونَ بِوُجُودِهِ اليَوْمَ لا يَقُولُونَ بِتَأْبِيدِهِ بَلْ مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُقاتِلُ الدَّجّالَ ويَمُوتُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمُوتُ زَمانَ رَفْعِ القُرْآنِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الزَّمانِ ومُرادُهُ أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ ما يُقارِبُهُما.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخُلْدَ بِمَعْنى الخُلُودِ وهو عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حَقِيقَةٌ في
صفحة 325
طُولِ المُكْثِ لا في دَوامِ البَقاءِ، فَإنَّ الظّاهِرَ التَّأْسِيسُ لا التَّأْكِيدُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ: كُلُّ ما يَتَباطَأُ عَنْهُ التَّغَيُّرُ والفَسادُ تَصِفُهُ العَرَبُ بِالخُلُودِ؛ كَقَوْلِهِمْ لِلْأثافِيِّ خَوالِدُ؛ وذَلِكَ لِطُولِ مُكْثِها لا لِدَوامِها وبَقائِها. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ قُوَّةَ الجَوابِ لِأنَّ المُكْثَ الطَّوِيلَ ثَبَتَ لِبَعْضِ البَشَرِ كَنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأجابُوا عَمّا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ مِنَ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ، أمّا عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْ فَسادِ القَوْلِ بِأنَّهُ ابْنُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ فَبِأنَّ البُعْدَ العادِيَّ لا يَضُرُّ القائِلَ بِتَعْمِيرِهِ هَذِهِ المُدَّةَ المَدِيدَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن خَرْقِ العاداتِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَبِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عِظَمِ خِلْقَةِ المُتَقَدِّمِينَ خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، وإلّا فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ مِن صُلْبِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وفِيهِمْ مِن طُولِهِ قَدْرُ شِبْرٍ كَما رُوِيَ في الآثارِ، عَلى أنَّهُ لا بِدْعَ في أنْ يَكُونَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّشَكُّلِ والتَّصَوُّرِ بِأيِّ صُورَةٍ شاءَ كَجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ أثْبَتَ الصُّوفِيَّةُ قُدِّسَتْ أسْرارُهم هَذِهِ القُوَّةَ لِلْأوْلِياءِ ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ مَشْهُورَةٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن أنَّ فِيهِمْ مَن طُولُهُ قَدْرَ شِبْرٍ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ حِينَ يُفْتَحُ السَّدُّ وهو في آخِرِ الزَّمانِ ولا يَتِمُّ الِاسْتِنادُ بِحالِهِمْ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ فِيهِمْ مَن هو كَذَلِكَ في الزَّمَنِ القَدِيمِ، وما ذُكِرَ مِن إعْطائِهِ مِن قُوَّةِ التَّشَكُّلِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، وفي ثُبُوتِهِ لِلْأوْلِياءِ خِلافٌ كَثِيرٌ مِنَ المُحْدَثِينَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَوْ أُعْطِيَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ هَذِهِ القُوَّةَ لِأُعْطِيَها ﷺ يَوْمَ الهِجْرَةِ فاسْتَغْنى بِها عَنِ الغارِ وجَعَلَها حِجابًا لَهُ عَنِ الكُفّارِ، ولِلْبَحْثِ في هَذا مَجالٌ. وعَنِ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ نَقْلِ كَوْنِهِ في السَّفِينَةِ إنْ قُلْنا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمُ وُجُودِهِ لِجَوازِ أنَّهُ كانَ ولَمْ يُنْقَلْ مَعَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ رَكِبَ ولَمْ يُشاهَدْ وهَذا كَما تَرى.
وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إذا كانَ احْتِمالُ إعْطاءِ قُوَّةِ التَّشَكُّلِ قائِمًا عِنْدَ القائِلِينَ بِالتَّعْمِيرِ فَلْيَقُولُوا: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَشَكَّلَ فَصارَ في غايَةٍ مِنَ الطُّولِ بِحَيْثُ خاضَ في الماءِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ عَلى نَحْوِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الخُرافاتِ في عُوجَ بْنِ عُوقٍ، وأيْضًا هم يَقُولُونَ: لَهُ قُدْرَةُ الكَوْنِ في الهَواءِ فَما مَنَعَهم مِن أنْ يَقُولُوا بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ وتَحَفَّظَ عَنِ الماءِ بِالهَواءِ كَما قالُوا بِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ في الهَواءِ في الجَوابِ عَنْ حَدِيثِ البُخارِيِّ، وأيْضًا ذَكَرَ بَعْضُهم عَنِ العَلّامِيِّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ الخَضِرَ يَدُورُ في البِحارِ يَهْدِي مَن ضَلَّ فِيها وإلْياسَ يَدُورُ في الجِبالِ يَهْدِي مَن ضَلَّ فِيها، هَذا دَأْبُهُما في النَّهارِ وفي اللَّيْلِ يَجْتَمِعانِ عِنْدَ سَدِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَحْفَظانِهِ فَلِمَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ في البَحْرِ حِينَ رَكِبَ غَيْرُهُ السَّفِينَةَ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ قَدْ رَوى قَرِيبًا مِنهُ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، ولَفْظُهُ: ««إنَّ الخَضِرَ في البَحْرِ وإلْياسَ في البَرِّ يَجْتَمِعانِ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ الرَّدْمِ الَّذِي بَناهُ ذُو القَرْنَيْنِ»» الخَبَرَ.
وقَدْ قالُوا: إنَّ سَنَدَهُ واهٍ أوْ لِأنَّهم لا يُثْبِتُونَ لَهُ هَذِهِ الخِدْمَةَ الإلَهِيَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويُوشِكُ أنْ يَقُولُوا في إعْطائِهِ قُوَّةَ التَّشَكُّلِ والكَوْنِ في الهَواءِ كَذَلِكَ. وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ ماتَ كُلُّ أهْلِ السَّفِينَةِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها غَيْرُ نَسْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَصْرُ في الآيَةِ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا المُرادُ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ ظاهِرًا مُشاهَدًا غَيْرَ نَسْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ أيْضًا في السَّفِينَةِ. وأيْضًا المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَقاءُ ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ التَّناسُلِ وهو لا يَنْفِي بَقاءَ مَن عَداهم مِن غَيْرِ تَناسُلٍ ونَحْنُ نَدَّعِي ذَلِكَ في الخَضِرِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ والمُعْتَمَدُ كَوْنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ.
صفحة 326
وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ تَعْمِيرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يُذْكَرَ في القُرْآنِ العَظِيمِ كَرّاتٍ، وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّنا ﷺ بِما لاقى مِن قَوْمِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ مَعَ بَقائِهِمْ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ حَتّى أُغْرِقُوا ولا تُوجَدُ هَذِهِ الفائِدَةُ في ذِكْرِ عُمْرِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ ذُكِرَ، عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ: مِن ذِكْرِ طُولِ عُمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَصْرِيحًا يُفْهَمُ تَجْوِيزُ عُمْرٍ أطْوَلَ مِن ذَلِكَ تَلْوِيحًا.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ لَنا أنْ نَعُودَ فَنَقُولَ: لا أقَلَّ مِن أنْ يُذْكَرَ هَذا الأمْرُ العَظِيمُ في القُرْآنِ العَظِيمِ مَرَّةً لِأنَّهُ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَقْلًا مِن كَوْنِهِ كَذَلِكَ ذِكْرُهُ بَلْ نَدَّعِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ أمْرٌ اسْتِحْسانِيٌّ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ تَعْمِيرُ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإذا ذُكِرَ يَكُونُ القُرْآنُ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ مُعَمِّرٍ مِنَ الجِنِّ مُبْعَدٍ وذِكْرِ مُعَمِّرٍ مِنَ الإنْسِ مُقَرَّبٍ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ فِيهِ أيْضًا إدْخالَ السُّرُورِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وبِأنَّ التَّجْوِيزَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، إنَّما الكَلامُ في الوُقُوعِ ودُونَ إثْباتِهِ الظَّفَرُ بِماءِ الحَياةِ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ إشارَةً إلى طُولِ عُمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضٍ في تَفْسِيرِهِ. ورُدَّ بِأنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالتَّعْمِيرِ فَإنْ قُبِلَ قُبِلَ وإلّا فَلا، وعَنِ الخامِسِ بِأنّا نَخْتارُ أنَّهُ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ طَرَفٌ مِنها.
وتُعُقِّبَ بِما نَقَلَهُ عَنِ القارِئِ عَنِ ابْنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأحادِيثَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَياتُهُ كُلُّها كَذِبٌ ولا يَصِحُّ في حَياتِهِ حَدِيثٌ واحِدٌ، ومَنِ ادَّعى الصِّحَّةَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، وقِيلَ: يَكْفِي في ثُبُوتِهِ إجْماعُ المَشايِخِ العِظامِ وجَماهِيرِ العُلَماءِ الأعْلامِ. وقَدْ نَقَلَ هَذا الإجْماعَ ابْنُ الصَّلاحِ والنَّوَوِيُّ وغَيْرُهُما مِنَ الأجِلَّةِ الفِخامِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إجْماعَ المَشايِخِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ إسْحاقَ القُونَوِيُّ في تَبْصِرَةِ المُبْتَدِي وتَذْكِرَةِ المُنْتَهِي أنَّ وُجُودَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عالَمِ المِثالِ.
وذَهَبَ عَبْدُ الرَّزّاقِ الكاشِيُّ إلى أنَّ الخَضِرَ عِبارَةٌ عَنِ البَسْطِ، وإلْياسُ عَنِ القَبْضِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الخَضِرِيَّةَ رُتْبَةٌ يَتَوَلّاها بَعْضُ الصّالِحِينَ عَلى قَدَمِ الخَضِرِ الَّذِي كانَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَعَ وُجُودِ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَتِمُّ الإجْماعُ، وكَوْنُها غَيْرَ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنهم لا يُتَمِّمُهُ أيْضًا، وإجْماعُ جَماهِيرِ العُلَماءِ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ الصَّلاحِ والنَّوَوِيُّ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ الإجْماعَ الَّذِي هو أحَدُ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ والخَصْمُ لا يُقْنَعُ إلّا بِهِ وهو الَّذِي نَفاهُ فَأنّى بِإثْباتِهِ، ولَعَلَّ الخَصْمَ لا يَعْتَبِرُ أيْضًا إجْماعَ المَشايِخِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم إجْماعًا هو أحَدُ الأدِلَّةِ، وعَنِ السّادِسِ بِأنَّ لَهُ عَلاماتٍ عِنْدَ أهْلِهِ كَكَوْنِ الأرْضِ تَخْضَرُّ عِنْدَ قَدَمِهِ، وأنَّ طُولَ قَدَمِهِ ذِراعٌ ورُبَّما يَظْهَرُ مِنهُ بَعْضُ خَوارِقِ العاداتِ بِما يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ، عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يُصَدِّقُ بِقَوْلِهِ بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وقَدْ شاعَ بَيْنَ زاعِمِي رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ مِن عَلاماتِهِ أنَّ إبْهامَ يَدِهِ اليُمْنى لا عَظْمَ فِيهِ، وأنَّ بُؤْبُؤَ إحْدى عَيْنَيْهِ يَتَحَرَّكُ كالزِّئْبَقِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِأيِّ دَلِيلٍ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ عَلاماتُهُ، قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والَّذِي ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرَ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءَ، وأيْنَ فِيهِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لَهُ دائِمًا، وكَوْنُ طُولِ قَدَمِهِ ذِراعًا إنَّما جاءَ في خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ السّابِقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، عَلى أنَّ زاعِمِي رُؤْيَتِهِ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَرَوْنَهُ في صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ ولا يَكادُ يَسْتَقِرُّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَمٌ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، وظُهُورُ الخَوارِقِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن أوْلِياءِ الأُمَّةِ فَيُمْكِنُ أنْ يَظْهَرَ ولِيٌّ خارِقًا ويَقُولَ: أنا الخَضِرُ مَجازًا لِأنَّهُ عَلى قَدَمِهِ أوْ لِاعْتِبارٍ آخَرَ ويَدْعُوهُ لِذَلِكَ
صفحة 327
داعٍ شَرْعِيٌّ.
وقَدْ صَحَّ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ «أنَّهُ ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: مِمَّنِ القَوْمُ؟ قالَ: مِن ما،» فَظَنَّ السّائِلُ أنَّ «ما» اسْمُ قَبِيلَةٍ.
ولَمْ يَعْنِ ﷺ إلّا أنَّهم خُلِقُوا مِن ماءٍ دافِقٍ، وقَدْ يُقالُ لِلصُّوفِيِّ: إنَّ أنا الخَضِرُ مَعَ ظُهُورِ الخَوارِقِ لا تَيَقُّنَ مِنهُ أنَّ القائِلَ هو الخَضِرُ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ في نَفْسِ الأمْرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القائِلُ مِمَّنْ هو فانٍ فِيهِ لِاتِّحادِ المَشْرَبِ، وكَثِيرًا ما يَقُولُ الفانِي في شَيْخِهِ: أنا فُلانٌ ويَذْكُرُ اسْمَ شَيْخِهِ، وأيْضًا مَتى وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ قَوْلُ: أنا الحَقُّ، وما في الجُبَّةِ إلّا اللَّهُ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقَعَ أنا الخَضِرُ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم نَظْمًا ونَثْرًا قَوْلُ: أنا آدَمُ أنا نُوحٌ أنا إبْراهِيمُ أنا مُوسى أنا عِيسى أنا مُحَمَّدٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكَ، وذَكَرُوا لَهُ مَحْمَلًا صَحِيحًا عِنْدَهم فَلْيَكُنْ قَوْلُ: أنا الخَضِرُ مِمَّنْ لَيْسَ بِالخَضِرِ عَلى هَذا الطَّرْزِ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ كَيْفَ يَحْصُلُ اليَقِينُ؟ وحُسْنُ الظَّنِّ لا يَحْصُلُ مِنهُ ذَلِكَ.
وعَنِ السّابِعِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ اجْتِماعَهُ بِجَهَلَةِ العُبّادِ الخارِجِينَ عَنِ الشَّرِيعَةِ ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ، فالكَذّابُونَ الدَّجّالُونَ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ ﷺ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكْذِبُوا عَلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقُولُوا: قالَ وجاءَ إنَّما القَوْلُ بِاجْتِماعِهِ بِأكابِرِ الصُّوفِيَّةِ والعُبّادِ المُحافِظِينَ عَلى الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّهُ قَدْ شاعَ اجْتِماعُهُ بِهِمْ حَتّى أنَّ مِنهم مَن طَلَبَ الخَضِرُ مُرافَقَتَهُ فَأبى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ الخَواصِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، في سَفَرِ حَجِّهِ، وسُئِلَ عَنْ سَبَبِ إبائِهِ فَقالَ: خِفْتُ مِنَ النَّقْصِ في تَوَكُّلِي حَيْثُ أعْتَمِدُ عَلى وُجُودِهِ مَعِي.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ اجْتِماعَهُ بِهِمْ واجْتِماعَهم بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ اجْتِماعِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ واجْتِماعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الأرْواحَ المُقَدَّسَةَ قَدْ تَظْهَرُ مُتَشَكَّلَةً ويَجْتَمِعُ بِها الكامِلُونَ مِنَ العِبادِ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ ﷺ رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ ورَآهُ في السَّماءِ ورَآهُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ.
وادَّعى الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الِاجْتِماعَ مَعَ أكْثَرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا سِيَّما مَعَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ ذَكَرَ أنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ مِرارًا وأخَذَ مِنهُ عِلْمًا كَثِيرًا بَلْ قَدْ يَجْتَمِعُ الكامِلُ بِمَن لَمْ يُولَدْ بَعْدُ كالمَهْدِيِّ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ أيْضًا اجْتِماعَهُ مَعَهُ، وهَذا ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ الأزَلَ والأبَدَ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ عِنْدَ المُتَجَرِّدِينَ عَنْ جَلابِيبِ أبْدانِهِمْ، ولَعَلَّ كَثْرَةَ هَذا الظُّهُورِ والتَّشَكُّلِ مِن خُصُوصِيّاتِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَحْصُلُ يَقِينٌ أيْضًا بِأنَّ الخَضِرَ المَرْئِيَّ مَوْجُودٌ في الخارِجِ كَوُجُودِ سائِرِ النّاسِ فِيهِ كَما لا يَخْفى.
ومِمّا يُبْنى عَلى اجْتِماعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكامِلِينَ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى بَعْضُ طُرُقِ إجازَتِنا بِالصَّلاةِ البَشِيشِيَّةِ فَإنِّي أرْوِيها مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ شَيْخِي عَلاءِ الدِّينِ عَلِيٍّ أفَنْدِي المُوصِلِيِّ عَنْ شَيْخِهِ ووالِدِهِ صَلاحِ الدِّينِ يُوسُفَ أفَنْدِي المُوصِلِيِّ عَنْ شَيْخِهِ خاتِمَةِ المُرْشِدِينَ السَّيِّدِ عَلِيِّ البَنْدِنِيجِيِّ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الوَلِيِّ الكامِلِ الشَّيْخِ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ بَشِيشٍ قُدِّسَ سِرُّهُ. وعَنِ الثّامِنِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ إرْسالِهِ ﷺ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَفَرَ، وبِفَرْضِ أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ هو قَوْلٌ باطِلٌ إجْماعًا، ونَخْتارُ أنَّهُ أتى وبايَعَ لَكِنْ باطِنًا حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ أحَدٌ وقَدْ عَدَّهُ جَماعَةٌ مِن أرْبابِ الأُصُولِ في الصَّحابَةِ، ولَعَلَّ عَدَمَ قَبُولِ رِوايَتِهِ لِعَدَمِ القَطْعِ في وُجُودِهِ وشُهُودِهِ في حالِ رُؤْيَتِهِ وهو كَما تَرى.
وعَنِ التّاسِعِ بِأنَّهُ مُجازَفَةٌ في الكَلامِ فَإنَّهُ مِن أيْنَ يُعْلَمُ نَفْيُ ما ذَكَرَهُ مِن حُضُورِ الجِهادِ وغَيْرِهِ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ العالِمَ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ لا يَكُونُ مُشْتَغِلًا إلّا بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ بِحَسْبِ ما يَقْتَضِي الأمْرُ والشَّأْنُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّفْيَ مُسْتَنِدٌ إلى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ
صفحة 328
إلى أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ ولَعَلَّهُ لا يَقُومُ حَتّى يَقُومَ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ والعالِمِ بِهِ، وبِالجُمْلَةِ قَدْ ظَهَرَ لَكَ حالُ مُعْظَمِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ وبَقِيَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ البَعْضُ مِنَ الِاسْتِصْحابِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ والمُزَنِيِّ وأبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ في كُلِّ شَيْءٍ نَفْيًا وإثْباتًا ثَبَتَ تَحَقُّقُهُ بِدَلِيلٍ ثُمَّ وقَعَ الشَّكُّ في بَقائِهِ إنْ لَمْ يَقَعْ ظَنٌّ بِعَدَمِهِ، وأمّا عِنْدَنا وكَذا عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ فَهو مِنَ الحُجَجِ القاصِرَةِ الَّتِي لا تَصْلُحُ لِلْإثْباتِ وإنَّما تَصْلُحُ لِلدَّفْعِ بِمَعْنى أنْ لا يَثْبُتَ حُكْمٌ وعَدَمُ الحُكْمِ مُسْتَنِدٌ إلى عَدَمِ دَلِيلِهِ والأصْلُ في العَدَمِ الِاسْتِمْرارُ حَتّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الوُجُودِ فالمَفْقُودُ يَرِثُ عِنْدَهُ لا عِنْدَنا؛ لِأنَّ الإرْثَ مِن بابِ الإثْباتِ فَلا يُثْبَتُ بِهِ ولا يُوَرَّثُ لِأنَّ عَدَمَ الإرْثِ مِن بابِ الدَّفْعِ فَيُثْبَتُ بِهِ، ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا الخِلافِ فُرُوعٌ أُخَرُ لَيْسَ هَذا مَحَلَّ ذِكْرِها، وإذا كانَ حُكْمُ الِاسْتِصْحابِ عِنْدَنا ما ذُكِرَ فاسْتِدْلالُ الحَنَفِيِّ بِهِ عَلى إثْباتِ حَياةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ اليَوْمَ وأنَّها مُتَيَقَّنَةٌ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ بَلِ اسْتِدْلالُ الشّافِعِيِّ بِهِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا كَذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ صِحَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ ظَنٍّ بِالعَدَمِ فَإنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِعَدَمِ بَقاءِ الآدَمِيِّ تِلْكَ المُدَّةَ المَدِيدَةَ والأحْقابَ العَدِيدَةَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ العادَةَ دَلِيلٌ مُعْتَبَرٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ خَرْقُ العادَةِ بِالمُعْجِزَةِ في وُجُوبِ الِاعْتِقادِ والِاتِّباعِ فَإنْ لَمْ تُفِدْ يَقِينًا بِالعَدَمِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أفادَتِ الظَّنَّ بِهِ فَلا يَتَحَقَّقُ شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِدْلالِ، وعَلى هَذا فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الخالِصُ مِن شَوْبِ الكَدَرِ الِاسْتِدْلالُ بِأحَدِ الأدِلَّةِ الأرْبَعَةِ وقَدْ عَلِمْتَ حالَ اسْتِدْلالِهِمْ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وما سَمَّوْهُ إجْماعًا، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالقِياسِ هُنا فَمِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ «ثُمَّ اعْلَمْ» بَعْدَ كُلِّ حِسابٍ أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ النَّبَوِيَّةَ والمُقَدَّماتِ الرّاجِحَةَ العَقْلِيَّةَ تُساعِدُ القائِلِينَ بِوَفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّ مُساعَدَةٍ، وتُعاضِدُهم عَلى دَعْواهم أيَّ مُعاضَدَةٍ، ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ عَنْ ظَواهِرِ تِلْكَ الأخْبارِ إلّا مُراعاةُ ظَواهِرِ الحِكاياتِ المَرْوِيَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها عَنْ بَعْضِ الصّالِحِينَ الأخْيارِ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِبَعْضِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم قالُوا بِوُجُودِهِ إلى آخِرِ الزَّمانِ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ السّابِقَ، فَفي البابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ: اعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ نَوْعٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ خَصائِصَ وصَفْوَةً، وأعْلى الخَواصِّ فِيهِ مِنَ العِبادِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَهم مَقامُ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والوِلايَةِ والإيمانِ فَهم أرْكانُ بَيْتِ هَذا النَّوْعِ، والرَّسُولُ أفْضَلُهم مَقامًا وأعْلاهم حالًا؛ بِمَعْنى أنَّ المَقامَ الَّذِي أُرْسِلَ مِنهُ أعْلى مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن سائِرِ المَقاماتِ وهُمُ الأقْطابُ والأئِمَّةُ والأوْتادُ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللَّهُ تَعالى بِهِمُ العالَمَ ويَصُونُ بِهِمْ بَيْتَ الدِّينِ القائِمَ بِالأرْكانِ الأرْبَعَةِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والوِلايَةِ والإيمانِ، والرِّسالَةُ هي الرُّكْنُ الجامِعُ وهي المَقْصُودَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ رَسُولٌ كَما لا يَزالُ دِينُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ الرَّسُولُ هو القُطْبُ الَّذِي هو مَوْضِعُ نَظَرِ الحَقِّ وبِهِ يَبْقى النَّوْعُ في هَذِهِ الدّارِ ولَوْ كَفَرَ الجَمِيعُ، ولا يَصِحُّ هَذا الِاسْمُ عَلى إنْسانٍ إلّا أنْ يَكُونَ ذا جِسْمٍ طَبِيعِيٍّ ورُوحٍ ويَكُونَ مَوْجُودًا في هَذا النَّوْعِ في هَذِهِ الدّارِ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ يَتَغَذّى، وهو مَجْلى الحَقِّ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ما قَرَّرَ الدِّينَ الَّذِي لا يُنْسَخُ والشَّرْعَ الَّذِي لا يُبَدَّلُ، ودَخَلَ الرُّسُلُ كُلُّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ في ذَلِكَ الدِّينِ وكانَتِ الأرْضُ لا تَخْلُو مِن رَسُولٍ حِسِّيٍّ بِجِسْمِهِ لِأنَّهُ قُطْبُ العالَمِ الإنْسانِيِّ وإنْ تَعَدَّدَ الرُّسُلُ كانَ واحِدٌ مِنهم هو المَقْصُودَ أبْقى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الرُّسُلِ الأحْياءِ بِأجْسادِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ أرْبَعَةً: إدْرِيسَ وإلْياسَ وعِيسى والخَضِرَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والثَّلاثَةُ الأُوَلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ والأخِيرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عِنْدَ غَيْرِنا لا عِنْدَنا فَأسْكَنَ
صفحة 329
سُبْحانَهُ إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، وهي وسائِرُ السَّمَواتِ السَّبْعِ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا لِأنَّها تَتَبَدَّلُ في الدّارِ الأُخْرى كَما تَتَبَدَّلُ هَذِهِ النَّشْأةُ التُّرابِيَّةُ مِنّا بِنَشْأةٍ أُخْرى، وأبْقى الآخَرِينَ في الأرْضِ فَهم كُلُّهم باقُونَ بِأجْسامِهِمْ في الدّارِ الدُّنْيا، وكُلُّهُمُ الأوْتادُ، واثْنانِ مِنهُمُ الإمامانِ، وواحِدٌ مِنهُمُ القُطْبُ الَّذِي هو مَوْضِعُ نَظَرِ الحَقِّ مِنَ العالَمِ، وهو رَكْنُ الحَجَرِ الأسْوَدِ مِن أرْكانِ بَيْتِ الدِّينِ، فَما زالَ المُرْسَلُونَ ولا يَزالُونَ في هَذِهِ الدّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وإنْ كانُوا عَلى شَرْعِ نَبِيِّنا ﷺ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ، وبِالواحِدِ مِنهم يَحْفَظُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ وبِالثّانِي الوِلايَةَ وبِالثّالِثِ النُّبُوَّةَ وبِالرّابِعِ الرِّسالَةَ وبِالمَجْمُوعِ الدِّينَ الحَنِيفِيَّ، والقُطْبُ مِن هَؤُلاءِ لا يَمُوتُ أبَدًا؛ أيْ: لا يُصْعَقُ. وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا يَعْرِفُها مِن أهْلِ طَرِيقَتِنا إلّا الأفْرادُ الأُمَناءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في كُلِّ زَمانٍ شَخْصٌ عَلى قَلْبِهِ مَعَ وُجُودِهِمْ ويُقالُ لَهُمُ النُّوّابُ، وأكْثَرُ الأوْلِياءِ مِن عامَّةِ أصْحابِنا لا يَعْرِفُونَ إلّا أُولَئِكَ النُّوّابَ ولا يَعْرِفُونَ أُولَئِكَ المُرْسَلِينَ، ولِذا يَتَطاوَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ لِنَيْلِ مَقامِ القُطْبِيَّةِ والإمامِيَّةِ والوَتَدِيَّةِ فَإذا خُصُّوا بِها عَرَفُوا أنَّهم نُوّابٌ عَنْ أُولَئِكَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ومِن كَرامَةِ نَبِيِّنا ﷺ أنْ جَعَلَ مِن أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ رُسُلًا وإنْ لَمْ يُرْسَلُوا فِيهِمْ مِن أهْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي مِنهُ يُرْسَلُونَ وقَدْ كانُوا أُرْسِلُوا، فَلِهَذا صَلّى ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَصِحَّ لَهُ الإمامَةُ عَلى الجَمِيعِ حَيًّا بِجُسْمانِيَّتِهِ وجِسْمِهِ، فَلَمّا انْتَقَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقِيَ الأمْرُ مَحْفُوظًا بِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَثَبَتَ الدِّينُ قائِمًا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإنْ ظَهَرَ الفَسادُ في العالَمِ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها، وهَذِهِ نُكْتَةٌ فاعْرِفْ قَدْرَها؛ فَإنَّكَ لا تَراها في كَلامِ أحَدٍ غَيْرِنا. ولَوْلا ما أُلْقِيَ عِنْدِي مِن إظْهارِها ما أظْهَرْتُها لِسِرٍّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى ما أعْلَمْنا بِهِ. ولا يَعْرِفُ ما ذَكَرْناهُ إلّا نُوّابُهم دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأوْلِياءِ، فاحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى يا إخْوانَنا حَيْثُ جَعَلَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ قَرَعَ سَمْعَهُ أسْرارُ اللَّهِ تَعالى المَخْبُوءَةُ في خَلْقِهِ الَّتِي اخْتَصَّ بِها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، فَكُونُوا لَها قابِلِينَ وبِها مُؤْمِنِينَ ولا تُحَرِّمُوا التَّصْدِيقَ بِها فَتُحْرَمُوا خَيْرَها. انْتَهى.
وعُلِمَ مِنهُ القَوْلُ بِرِسالَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، والقَوْلُ بِحَياتِهِ وبَقائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وكَذا بَقاءُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ بَعْدَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ يَتَزَوَّجُ ويُولَدُ لَهُ ويُتَوَفّى ويُدْفَنُ في الحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولْيُنْظَرْ ما وجْهُ قَوْلِهِ -قُدِّسَ سِرُّهُ- بِإبْقاءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ وهو اليَوْمَ في السَّماءِ كَإدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّكَ إنِ اعْتَبَرْتَ مِثْلَ هَذِهِ الأقْوالِ وتَلَقَّيْتَها بِالقَبُولِ لِمُجَرَّدِ جَلالَةِ قائِلِها وحُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ فَقُلْ بِحَياةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ لَمْ تَعْتَبِرْ ذَلِكَ وجَعَلَتِ الدَّلِيلَ وُجُودًا وعَدَمًا مَدارًا لِلْقَبُولِ والرَّدِّ ولَمْ تُغْرِكَ جَلالَةُ القائِلِ إذْ كَلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُرَدُّ ما عَدا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: لا تَنْظُرْ إلى مَن قالَ، وانْظُرْ ما قالَ فاسْتَفْتِ قَلْبَكَ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ وما لَها وما عَلَيْها ثُمَّ اعْمَلْ بِما يُفْتِيكَ. وأنا أرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ اليَوْمَ بَلْ في كَثِيرٍ مِنَ الأعْصارِ يُسَمُّونَ مَن يُخالِفُ الصُّوفِيَّةَ في أيِّ أمْرٍ ذَهَبُوا إلَيْهِ مُنْكِرًا ويَعُدُّونَهُ سَيِّئَ العَقِيدَةِ، ويَعْتَقِدُونَ بِمَن يُوافِقُهم ويُؤْمِنُ بِقَوْلِهِمُ الخَيْرَ، وفي كَلامِ الصُّوفِيَّةِ أيْضًا نَحْوُ هَذا؛ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ السّابِقِ عَنْ أبِي يَزِيدَ البَسْطامِيِّ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّهُ قالَ لِأبِي مُوسى الدَّبِيلِيِّ: يا أبا مُوسى، إذا رَأيْتَ مَن يُؤْمِنُ بِكَلامِ أهْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقُلْ لَهُ يَدْعُو لَكَ؛ فَإنَّهُ مُجابُ الدَّعْوَةِ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّهُ سَمِعَ
صفحة 330
أبا عِمْرانَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ الإشْبِيلِيَّ يَقُولُ لِأبِي القاسِمِ بْنِ عُفَيْرٍ الخَطِيبِ وقَدْ أنْكَرَ ما يَذْكُرُ أهْلُ الطَّرِيقَةِ: يا أبا القاسِمِ، لا تَفْعَلْ؛ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ هَذا جَمَعْنا بَيْنَ حِرْمانَيْنِ؛ لا نَدْرِي ذَلِكَ مِن نُفُوسِنا ولا نُؤْمِنُ بِهِ مِن غَيْرِنا وما ثَمَّ دَلِيلٌ يَرُدُّهُ ولا قادِحٌ يَقْدَحُ فِيهِ شَرْعًا أوْ عَقْلًا. انْتَهى. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ ما يَرُدُّهُ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أوِ العَقْلِيُّ لا يُقْبَلُ وهو الَّذِي إلَيْهِ أذْهَبُ وبِهِ أقُولُ، وأسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنِي وإيّاكَ لِكُلِّ ما هو مَرَضِيٌّ لَدَيْهِ سُبْحانَهُ ومَقْبُولٌ.
والتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ لِلتَّفْخِيمِ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ أيْ: عِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو عِلْمُ الغُيُوبِ وأسْرارِ العُلُومِ الخَفِيَّةِ، وذَكَرَ ( لَدُنّا ) قِيلَ: لِأنَّ العِلْمَ مِن أخَصِّ صِفاتِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ القُدْرَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ ما لَمْ تَتَعَلَّقِ الإرادَةَ وهي لا تَتَعَلَّقُ ما لَمْ يَتَعَلَّقِ العِلْمُ فالشَّيْءُ يُعْلَمُ أوَّلًا فَيُرادُ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ فَيُوجَدُ.
وذُكِرَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن فَحْوى ﴿مِن لَدُنّا﴾ أوْ مِن تَقْدِيمِهِ عَلى ﴿عِلْمًا﴾ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِاللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: عِلْمًا يَخْتَصُّ بِنا ولا يُعْلَمُ إلّا بِتَوْقِيفِنا، وفي اخْتِيارِ ( عَلَّمْناهُ ) عَلى آتَيْناهُ مِنَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ هَذا العِلْمِ ما فِيهِ، وهَذا التَّعْلِيمُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ الوَحْيِ المَسْمُوعِ بِلِسانِ المَلَكِ وهو القِسْمُ الأوَّلُ مِن أقْسامِ الوَحْيِ الظّاهِرِيِّ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا ﷺ في إخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وأنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ الوَحْيِ الحاصِلِ بِإشارَةِ المَلَكِ مِن غَيْرِ بَيانٍ بِالكَلامِ وهو القِسْمُ الثّانِي مِن ذَلِكَ ويُسَمّى بِالنَّفْثِ كَما في حَدِيثِ: ««إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واجْمِلُوا في الطَّلَبِ»». والإلْهامُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ عِباراتِ القَوْمِ مِن هَذا النَّوْعِ، ويُثْبِتُونَ لَهُ مَلَكًا يُسَمُّونَهُ مَلَكَ الإلْهامِ، ويَكُونُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولِغَيْرِهِمْ بِالإجْماعِ، ولَهم في الوُقُوفِ عَلى المُغَيَّباتِ طُرُقٌ تَتَشَعَّبُ مِن تَزْكِيَةِ الباطِنِ.
والآيَةُ عِنْدَهم أصْلٌ في إثْباتِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وشاعَ إطْلاقُ عِلْمِ الحَقِيقَةِ والعِلْمِ الباطِنِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرْتَضِ بَعْضُهم هَذا الإطْلاقَ، قالَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زَبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما لَفْظُهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ بِما تَكَلَّمُوا وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدُقُّ عَلى فَهْمِهِ فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ؛ فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِالعِلْمِ الباطِنِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلِمَهُ الخَلْقُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِنَ العِلْمِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ فاعْلَمْ ذَلِكَ. انْتَهى.
والحَقُّ أنَّ إطْلاقَ العِلْمِ الباطِنِ اصْطِلاحًا عَلى ما وقَفُوا عَلَيْهِ صَحِيحٌ ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى أكْثَرِ النّاسِ ويَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلى القُوَّةِ القُدْسِيَّةِ دُونَ المُقَدِّماتِ الفِكْرِيَّةِ وإنْ كانَ كُلُّ عِلْمٍ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ باطِنًا وكَوْنِهِ ظاهِرًا بِالنِّسْبَةِ لِلْجاهِلِ بِهِ والعالِمِ بِهِ، وهَذا كَإطْلاقِ العِلْمِ الغَرِيبِ عَلى عِلْمِ الأوْفاقِ والطَّلْسَماتِ والجَفْرِ وذَلِكَ لِقِلَّةِ وجُودِهِ والعارِفِينَ بِهِ فاعْرِفْ ذَلِكَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أحْكامَ العِلْمِ الباطِنِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ مُخالِفَةٌ لِأحْكامِ الظّاهِرِ وعِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ وهو زَعْمٌ باطِلٌ عاطِلٌ وخَيالٌ فاسِدٌ كاسِدٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَقْلُ نُصُوصِ القَوْمِ فِيما يَرُدُّهُ وأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
صفحة 331
وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لَدُنا» بِتَخْفِيفِ النُّونِ وهي إحْدى اللُّغاتِ في لَدُنْ
الكهف 18:66
﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ اسْتِئْذانٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اتِّباعِهِ لَهُ بِشَرْطِ التَّعْلِيمِ، ويُفْهَمُ ذَلِكَ مِن «عَلى» فَقَدْ قالَ الأُصُولِيُّونَ: إنَّ «عَلى» قَدْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُ ما بَعْدَها شَرْطًا لِما قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ أيْ: بِشَرْطِ عَدَمِ الإشْراكِ، وكَوْنُها لِلشَّرْطِ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ عِنْدَ الفُقَهاءِ كَما في التَّلْوِيحِ لِأنَّها في أصْلِ الوَضْعِ لِلْإلْزامِ، والجَزاءُ لازِمٌ لِلشَّرْطِ، ويُلَوِّحُ بِهَذا أيْضًا كَلامُ الفَنارِيِّ في بَدائِعِ الأُصُولِ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ حَقِيقَةً في الشَّرْطِ، وذَكَرَ السَّرْخَسِيُّ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَها لَكِنَّ النُّحاةَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وقَدْ تَرَدَّدَ السُّبْكِيُّ في وُرُودِهِ في كَلامِ العَرَبِ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ صَحِيحٌ يَشْهَدُ بِهِ الكِتابُ حَقِيقَةً كانَ أوْ مَجازًا ولا يُنافِي انْفَهامَ الشَّرْطِيَّةِ تَعَلُّقُ الحَرْفِ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قالُوا فِيما ذَكَرْنا مِنَ الآيَةِ كَما أنَّهُ لا يُنافِيهِ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا كَما قِيلَ بِهِ هُنا فَيَكُونُ المَعْنى: هَلْ أتَّبِعُكَ باذِلًا تَعْلِيمَكَ إيّايَ ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ وهو إصابَةُ الخَيْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ مُناذِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عُبَيْدٍ واليَزِيدِيُّ: «رَشَدًا» بِفَتْحَتَيْنِ، وأكْثَرُ السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ، ونَصْبُهُ في الأصْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي لِتُعَلِّمَنِي، ووُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ لَكِنْ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ والمَفْعُولُ الثّانِي لِعُلِّمْتَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما المَوْصُولَةِ؛ أيْ: مِنَ الَّذِي عُلِّمْتَهُ، والفِعْلانِ مَأْخُوذانِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِتُعَلِّمَنِي و«رُشْدًا» بَدَلٌ مِنهُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأنْ يَكُونَ ﴿رُشْدًا﴾ مَفْعُولًا لَهُ لِأتَّبِعَكَ؛ أيْ: هَلْ أتَّبِعُكَ لِأجْلِ إصابَةِ الخَيْرِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي لِتُعَلِّمَنِي ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ لِتَأْوِيلِهِ بِبَعْضِ ما عُلِّمْتَ أوْ عِلْمًا مِمّا عُلِّمْتَ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِإضْمارِ فِعْلِهِ؛ أيْ: أرْشَدَ رُشْدًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ والمَفْعُولُ الثّانِي ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ أيْضًا. واسْتُشْكِلَ طَلَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّعْلِيمَ بِأنَّهُ رَسُولٌ مَن أُولِي العَزْمِ فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَن غَيْرِهِ والرَّسُولُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ، ومِن هُنا قالَ نَوْفٌ وأضْرابُهُ: إنَّ مُوسى هَذا لَيْسَ هو ابْنَ عِمْرانَ وإنْ كانَ ظاهِرُ إطْلاقِهِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إيّاهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ اللّازِمَ في الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ في العَقائِدِ وما يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَتِهِ لا مُطْلَقًا؛ ولِذا قالَ نَبِيُّنا ﷺ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ»».
فَلا يَضُرُّ في مَنصِبِهِ أنْ يَتَعَلَّمَ عُلُومًا غَيْبِيَّةً وأسْرارًا خَفِيَّةً لا تَعَلُّقَ لَها بِذَلِكَ مِن غَيْرِهِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ نَبِيًّا أوْ رَسُولًا أيْضًا كَما قِيلَ في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُ ما ذُكِرَ مِن وجْهِ تَعَلُّمِ عالِمٍ مُجْتَهِدٍ كَأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِلْمَ الجَفْرِ مَثَلًا مِمَّنْ دُونَهُ فَإنَّهُ لا يُخِلُّ بِمَقامِهِ، وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ.
ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ عِلْمًا ذا رُشْدٍ؛ أيْ: إصابَةِ خَيْرٍ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِصَدَدِ تَعَلُّمِ عِلْمٍ يُصِيبُ بِهِ خَيْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ وقالَ بَعْضُهُمُ: اللّازِمُ كَوْنُ الرَّسُولِ أعْلَمَ مِن أُمَّتِهِ، والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ ولا هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ فَلا يُنْكَرُ تَفَرُّدُهُ بِما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا لَيْسَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ إرْسالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا كَذا قِيلَ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ المُسَمّى بِالعِلْمِ الباطِنِ والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ إلّا أنَّ الخَضِرَ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ ولِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَواءٌ كانَ نَبِيًّا أوْ رَسُولًا
صفحة 332
عِلْمًا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ المُسَمّى بِالعِلْمِ الظّاهِرِ إلّا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ، فَكُلٌّ مِنهُما أعْلَمُ مِن صاحِبِهِ مِن وجْهٍ، ونَعْتُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأحادِيثِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ أعْلَمُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ عَلى مَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ مِنهُ مِن كُلِّ وجْهٍ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ وفي بَعْضِ العُلُومِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ العَتَبِ والتَّأْدِيبِ أُخْرِجَ عَلى وجْهٍ ظاهِرُهُ العُمُومُ، ونَظِيرُ هَذا آياتُ الوَعِيدِ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ لَكِنَّها لَمْ تُذْكَرْ لِمَزِيدِ الإرْهابِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ وإنْ كانَ لِلزِّيادَةِ في حَقِيقَةِ الفِعْلِ إلّا أنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الزِّيادَةَ في فَرْدٍ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صِحَّةُ التَّقْيِيدِ بِقِسْمٍ خاصٍّ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو في الطِّبِّ. وعَمْرٌو أعْلَمُ مِنهُ في الفِلاحَةِ، ولَوْ كانَ مَعْناهُ الزِّيادَةَ في مُطْلَقِ العِلْمِ كانَ قَوْلُكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو مُسْتَلْزِمًا لِأنْ لا يَكُونَ عَمْرٌو أعْلَمَ مِنهُ في شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، فَلا يَصِحُّ تَفْضِيلُ عَمْرٍو عَلَيْهِ في عِلْمِ الفِلاحَةِ، وإنْكارُ صِدْقِ الأعْلَمِ المُطْلَقِ مَعَ صِدْقِ المُقَيَّدِ التِزامٌ لِصِدْقِ المُقَيَّدِ بِدُونِ المُطْلَقِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ والمُرادُ مِنهُ التَّفْضِيلُ مِن وجْهٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيِّ القُرْآنِ ضِمْنَ عِدادِ الأوْجُهِ في حَلِّ الإشْكالِ المَشْهُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ مِن أنَّ المُرادَ: إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها مِن وجْهٍ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يَكُونُ الشَّيْئانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ مِن وجْهٍ، وقَدْ أشْبَعَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ الدَّوانِيُّ فِيما كَتَبَهُ عَلى الشَّرْحِ الجَدِيدِ لِلتَّجْرِيدِ، وحَقَّقَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لا أعْلَمُهُ».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ في الأحادِيثِ السّابِقَةِ: «إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ» عَلى مَعْنى: أعْلَمُ في بَعْضِ العُلُومِ بَلْ كانَ عَلى مَعْنى أعْلَمُ في كُلِّ العُلُومِ أُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن كَلامِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَلى ما ذَكَرْنا يَنْبَغِي أنْ يُرادَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي ذَكَرَ الخَضِرُ أنَّهُ يَعْلَمُهُ هو ولا يَعْلَمُهُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْضُ عِلْمِ الحَقِيقَةِ ومِنَ العِلْمِ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُهُ مُوسى ولا يَعْلَمُهُ هو عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْضُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، فَلِكُلٍّ مِن مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ إلّا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أزْيَدُ بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أزْيَدُ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ، ولَكِنْ نَظَرًا لِلْحالَةِ الحاضِرَةِ كَما سَتَعْلَمُ وجْهَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وعَدَمَ عِلْمِ كُلٍّ بِبَعْضِ ما عِنْدَ صاحِبِهِ لا يَضُرُّ بِمَقامِهِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَن قالَ كالجَلالِ السُّيُوطِيِّ: ما جُمِعَتِ الحَقِيقَةُ والشَّرِيعَةُ إلّا لِنَبِيِّنا ﷺ، ولَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ إلّا أحَدُهُما، عَلى مَعْنى أنَّها ما جُمِعَتْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ إلّا لَهُ ﷺ ولَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ إلّا أحَدُهُما، والحَمْلُ عَلى أنَّهُما لَمْ يُجْمَعا عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ إلّا لِنَبِيِّنا ﷺ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ الحَقِيقَةِ كَما هو مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لَكِنْ لِلْمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ عِلْمَ الحَقِيقَةِ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ وحِينَئِذٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَظٌّ مِنهُ ولا يَلْزَمُ التَّساوِي في عُلُومِها.
فَفِي الجَواهِرِ والدُّرَرِ قُلْتُ لِلْخَواصِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: هَلْ يَتَفاضَلُ الرُّسُلُ في العِلْمِ؟ فَقالَ: العِلْمُ تابِعٌ لِلرِّسالَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ العِلْمِ إلّا بِقَدْرِ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ أُمَّتُهُ فَقَطْ. فَقُلْتُ لَهُ: هَذا مِن حَيْثُ كَوْنُهم رُسُلًا فَهَلْ حالُهم مِن حَيْثُ كَوْنُهم أوْلِياءَ كَذَلِكَ؟ فَقالَ: لا، قَدْ يَكُونُ لِأحَدِهِمْ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ ما هو أكْثَرُ مِن عُلُومِ وِلايَةِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أعْلى مِنهُمُ انْتَهى، وأنا أرى أنَّ ما يَحْصُلُ لَهم مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ أكْثَرُ مِمّا يَحْصُلُ لِلْأوْلِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، ولا تَرانِي أُفَضِّلُ ولِيًّا لَيْسَ بِنَبِيٍّ في عِلْمِ الحَقِيقَةِ عَلى ولِيٍّ
صفحة 333
هُوَ نَبِيٌّ، ولا أقُولُ بِوِلايَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ نُبُوَّتِهِ، وقائِلُو ذَلِكَ يَلْزَمُهم ظاهِرًا القَوْلُ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ مَعَ كَوْنِهِ ولِيًّا أكْثَرُ مِمّا عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ إنْ أثْبَتُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا ولَكِنَّهم لا يَرَوْنَ في ذَلِكَ حَطًّا لِقَدْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُؤْتَ شَيْئًا مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ أصْلًا ومَعَ هَذا لا يَنْحَطُّ قَدْرُهُ عَنْ قَدْرِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ إذْ لَهُ جِهاتُ فَضْلٍ أُخَرُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ما يَقُولُهُ الذّاهِبُونَ إلى وِلايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ ما أراهُ أنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- أبْعَدُ عَنِ القَوْلِ بِما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّ الوِلايَةَ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِن نُبُوَّةٍ وإنْ كانَ الوَلِيُّ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ، وهو مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ بِلا تَرَدُّدٍ، نَعَمْ قَدْ يَقَعُ تَرَدُّدٌ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ووِلايَتِهِ أيُّهُما أفْضَلُ؟ فَمِن قائِلٍ بِأنَّ نُبُوَّتَهُ أفْضَلُ مِن وِلايَتِهِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّ وِلايَتَهُ أفْضَلُ.
واخْتارَ هَذا بَعْضُ العَرْفاءِ مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْلَحَةِ الوَقْتِ، والوِلايَةُ لا تَعَلُّقَ لَها بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ وهي في النَّبِيِّ عَلى غايَةِ الكَمالِ. والمُخْتارُ عِنْدِي الأوَّلُ. وقَدْ ضَلَّ الكَرّامِيَّةُ في هَذا المَقامِ فَزَعَمُوا أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بَلْ أعْلى. ورَدُّهُ ظاهِرٌ. والِاسْتِدْلالُ لَهُ بِما في هَذِهِ القِصَّةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِوِلايَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. هَذا ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ ما راعاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سَوْقِ كَلامِهِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِ مِن غايَةِ التَّواضُعِ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِهايَةِ الأدَبِ واللُّطْفِ، وقَدْ عَدَّ الإمامُ مِن ذَلِكَ أنْواعًا كَثِيرَةً أوْصَلَها إلى اثْنَيْ عَشَرَ نَوْعًا إنْ أرَدْتَها فارْجِعْ إلى تَفْسِيرِهِ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في سَرْدِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتُ القِصَّةِ بِأسْرِها مِمّا ذُكِرَ في كُتُبِ الحَدِيثِ وغَيْرِها.
الكهف 18:67
﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَصْبِرَ مَعَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ جِيءَ بِإنَّ المُفِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ وبِلَنْ ونَفْيُها آكَدُ مِن نَفْيِ غَيْرِها، وعُدِلَ عَنْ «لَنْ تَصْبِرَ» إلى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ المُفِيدِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ نَفْيُهُ، ونَكَّرَ ﴿صَبْرًا﴾ في سِياقِ النَّفْيِ وذَلِكَ يُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: لا تَصْبِرُ مَعِي أصْلًا شَيْئًا مِنَ الصَّبْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
الكهف 18:68
﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إيذانًا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَلّى أُمُورًا خَفِيَّةً المُرادُ مُنْكَرَةُ الظَّواهِرِ والرَّجُلُ الصّالِحُ لا سِيَّما صاحِبُ الشَّرِيعَةِ لا يَتَمالَكُ أنْ يَشْمَئِزَّ عِنْدَ مُشاهَدَتِها وكَأنَّهُ عَلِمَ مَعَ ذَلِكَ حِدَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَزِيدَ غَيْرَتِهِ الَّتِي أوْصَلَتْهُ إلى أنْ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ، ونُصِبَ ﴿خُبْرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ: ما لَمْ يَحُطْ بِهِ خُبْرُكَ، وهو مِن خَبَرَ الثُّلاثِيِّ مِن بابِ نَصَرَ وعَلِمَ ومَعْناهُ عَرِفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وناصِبُهُ ﴿تُحِطْ﴾ لِأنَّهُ يُلاقِيهِ في المَعْنى لِأنَّ الإحاطَةَ تُطْلَقُ إطْلاقًا شائِعًا عَلى المَعْرِفَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ تَخْبُرْهُ خُبْرًا، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ: «خُبُرًا» بِضَمِّ الباءِ. واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ كَما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ الفِعْلِ قالُوا: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ لَكانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الصَّبْرِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الصَّبْرِ فَيَكُونُ نَفْيُها كَذِبًا وهو باطِلٌ فَتَعَيَّنَ أنْ لا تَكُونَ قَبْلَ الفِعْلِ. وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْكَ الصَّبْرُ كَما يُقالُ في العُرْفِ: إنَّ فُلانًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرى فُلانًا وأنْ يُجالِسَهُ إذا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وأُيِّدَ الِاسْتِدْلالُ بِما أُيِّدَ، والإنْصافُ
صفحة 334
أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ إلّا نَفْيَ الصَّبْرِ بِنَفْيِ ما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ أعْنِي الِاسْتِطاعَةَ وهَذا حاصِلٌ سَواءٌ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلُ أوْ مُقارِنَةً، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ لَيْسَ خاصًّا بِالمُعْتَزِلَةِ بَلِ المَفْهُومُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ أيْضًا، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.
الكهف 18:69
﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعَكَ غَيْرَ مُعْتَرِضٍ عَلَيْكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿صابِرًا﴾ والفِعْلُ يُعْطَفُ عَلى المُفْرَدِ المُشْتَقِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ بِتَأْوِيلِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، والأوْلى فِيما نَحْنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ في جانِبِ المَعْطُوفِ؛ أيْ: سَتَجِدُنِي صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ، وفي وعْدِ هَذا الوِجْدانَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في الوَعْدِ بِنَفْسِ الصَّبْرِ وتَرْكِ العِصْيانِ أوْ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِلْوِجْدانِ، وعَلى الثّانِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى ما في الكَشّافِ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ أيْضًا لِتَقَدُّمِ القَوْلِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مَقُولَ القَوْلِ هو مَجْمُوعُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ لِأجْزائِهِ مَحَلٌّ بِاعْتِبارِ الأصْلِ، وقِيلَ: مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بَيانُ حالِ العَطْفِ في القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مُرادُهُ أنَّهُ لَيْسَ مُؤَوَّلًا بِمُفْرَدٍ كَما في الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مَقُولَ القَوْلِ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والظّاهِرُ الجَوابُ الأوَّلُ، وأوَّلُ الوَجْهَيْنِ في العَطْفِ هو الأوْلى لِما عَرَفْتَ، ولِظُهُورِ تَعَلُّقِ المَعْطُوفِ بِالِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ المَشِيئَةِ إنْ كانَ لِلتَّعْلِيقِ فَلا إشْكالَ في عَدَمِ تَحَقُّقِ ما وعَدَ بِهِ.
ولا يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْلَفَ وعْدَهُ وإنْ كانَ لِلتَّيَمُّنِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ الوَعْدَ كالوَعِيدِ إنْشاءٌ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ أوْ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَأنْ أرَدْتَ أوْ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ شَرْعِيٌّ أوْ غَيْرُهُ فَكَذَلِكَ لا إشْكالَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ خَبَرٌ وإنَّهُ لَيْسَ عَلى نِيَّةِ التَّقْيِيدِ جاءَ الإشْكالُ ظاهِرًا؛ فَإنَّ الخُلْفَ حِينَئِذٍ كَذِبٌ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِمُنافاتِهِ العِصْمَةَ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في المَرَّتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ كانا نِسْيانًا كَما في المَرَّةِ الأُولى ولا يَضُرُّ مِثْلُ هَذا الخُلْفِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ النِّسْيانَ عُذْرٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ النِّسْيانَ في المَرَّتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ فَفي البُخارِيِّ وشَرْحِهِ لِابْنِ حَجَرٍ وكانَتِ الأُولى نِسْيانًا والثّانِيَةُ شَرْطًا والثّالِثَةُ عَمْدًا، وفي رِوايَةٍ: والثّانِيَةُ عَمْدًا والثّالِثَةُ فِراقًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَكَ أنْ تَقُولَ: لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُخِلُّ بِمَقامِهِ لِأنَّ الخُلْفَ في المَرَّةِ الأُولى مَعْفُوٌّ عَنْهُ وحَيْثُ وقَعَ لَمْ تَكُنِ الأخِيرَتانِ خُلْفًا وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ بِشَيْئَيْنِ بِالصَّبْرِ وقَرَنَهُ بِالمَشِيئَةِ فَصَبَرَ فِيما كانَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِعْلِ، وبِأنْ لا يَعْصِيَهُ فَأطْلَقَ ولَمْ يَقْرِنْهُ بِالمَشِيئَةِ فَعَصاهُ حَيْثُ قالَ: فَلا تَسْألْنِي فَكانَ يَسْألُهُ فَما قَرَنَهُ بِالِاسْتِثْناءِ لَمْ يُخْلِفْ فِيهِ وما أطْلَقَهُ وقَعَ فِيهِ الخُلْفُ. انْتَهى.
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وأيْضًا المُرادُ بِالصَّبْرِ الثَّباتُ والإقْرارُ عَلى الفِعْلِ وعَدَمُ الِاعْتِراضِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ المُحاوَرَةُ الآتِيَةُ وهو لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا يَبْقى الكَلامُ في الخُلْفِ كَما لا يَخْفى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَبْعُدُ مِن حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ القَطْعُ بِالصَّبْرِ وعَدَمُ عِصْيانِ الأمْرِ بَعْدَ أنْ أشارَ لَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سَيَصْدُرُ مِنهُ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ مُخالِفَةٌ لِقَضِيَّةِ شَرِيعَتِهِ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ اعْتِبارُ التَّعْلِيقِ في الجُمْلَتَيْنِ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَهُما بَلْ وسَّطَهُ بَيْنَ مَفْعُولَيِ الوِجْدانِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وبِهِ يَرْتَفِعُ الإشْكالُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى القِيلِ والقالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا صَدَرَ بَعْضُ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لَزِمَ صُدُورُ الكُلِّ بِها؛ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
والمُعْتَزِلَةُ
صفحة 335
اخْتارُوا أنَّ ذِكْرَ المَشِيئَةِ لِلتَّيَمُّنِ وهو لا يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ جارٍ أيْضًا عَلى احْتِمالِ التَّيَمُّنِ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّيَمُّنِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ الإمامُ أيْضًا فافْهَمْ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ وفِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالأمْرِ مُقابِلَ النَّهْيِ بَلْ أُرِيدَ مُطْلَقَ الطَّلَبِ، وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ أنْ يَعْصِيَهُ في كُلِّ ما يَطْلُبُهُ.
الكهف 18:70
﴿قالَ﴾ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ أذِنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاتِّباعِ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى ما مَرَّ مِن وعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّبْرِ والطّاعَةِ.
﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي فَضْلًا عَنِ المُناقَشَةِ والِاعْتِراضِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أبْتَدِئَكَ بِبَيانِهِ، والغايَةُ عَلى ما قِيلَ مَضْرُوبَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْكِرْ بِقَلْبِكَ عَلى ما أفْعَلُ حَتّى أُبَيِّنَهُ لَكَ أوْ هي لِتَأْبِيدِ تَرْكِ السُّؤالِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي السُّؤالُ بَعْدَ البَيانِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وعَلى الوَجْهَيْنِ فِيها إيذانٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ فَلَهُ حِكْمَةٌ وغايَةٌ حَمِيدَةٌ البَتَّةَ، وقِيلَ: حَتّى لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «فَلا تَسْألَنِّي» بِالنُّونِ المُثَقَّلَةِ مَعَ الهَمْزِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: «فَلا تَسَلَنِّي» بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ والنُّونِ المُثَقَّلَةِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وكُلُّ القُرّاءِ كَما قالَ أبُو بَكْرٍ بِياءٍ في آخِرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في حَذْفِ الياءِ خِلافٌ غَرِيبٌ
الكهف 18:71
﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ مُوسى والخَضِرُ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَمْ يَضُمَّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ في حُكْمِ التَّبَعِ، وقِيلَ: رَدَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُما «انْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَعَرِفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُما بِغَيْرِ نَوْلٍ».
وفِي رِوايَةِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ ظَنُّوا أنَّهم لُصُوصٌ لِأنَّ المَكانَ كانَ مَخُوفًا فَأبَوْا أنْ يَحْمِلُوهم فَقالَ كَبِيرُهُمْ:
إنِّي أرى رِجالًا عَلى وُجُوهِهِمُ النُّورُ لَأحْمِلَنَّهم فَحَمَلَهم.
﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ ألْ فِيها لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ؛ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ في سَفِينَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وكانَتْ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ سَفِينَةً جَدِيدَةً وثِيقَةً لَمْ يَمُرَّ بِهِما مِنَ السُّفُنِ سَفِينَةٌ أحْسَنُ مِنها ولا أجْمَلُ ولا أوْثَقُ، وكانَتْ أيْضًا عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ مِن سُفُنٍ صِغارٍ يَحْمِلُ بِها أهْلُ هَذا السّاحِلِ إلى أهْلِ السّاحِلِ الآخَرِ، وفي رِوايَةِ أبِي حاتِمٍ أنَّها كانَتْ ذاهِبَةً إلى أيْلَةَ.
وصَحَّ أنَّهُما حِينَ رَكِبا جاءَ عُصْفُورٌ حَتّى وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَقَرَ في البَحْرِ فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ.
وهُوَ جارٍ مَجْرى التَّمْثِيلِ، واسْتِعْمالُ الرُّكُوبِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ بِكَلِمَةِ «فِي» مَعَ تَجْرِيدِهِ عَنْها في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى وجْهِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ مَعْنى الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا دَخَلا في السَّفِينَةِ ﴿خَرَقَها﴾ صَحَّ أنَّهُما لَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها بِالقَدُومِ فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها.
وصَحَّ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَقَها ووَتَدَ فِيها وتَدًا، وقِيلَ: قَلَعَ لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُما «لَمّا رَكِبا واطْمَأنّا فِيها ولَجَجَتْ بِهِما مَعَ أهْلِها أخْرَجَ مِثْقابًا لَهُ ومِطْرَقَةً ثُمَّ عَمَدَ إلى ناحِيَةٍ مِنها فَضَرَبَ فِيها بِالمِنقارِ حَتّى خَرَقَها، ثُمَّ أخَذَ لَوْحًا فَطَبَّقَهُ عَلَيْها ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْها يُرَقِّعُها».
وهَذِهِ الرِّوايَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ خَرْقَهُ
صفحة 336
إيّاها كانَ حِينَ وُصُولِها إلى لُجِّ البَحْرِ وهو مُعْظَمُ مائِهِ، وفي الرِّوايَةِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ حَمَلُوهُما فَسارُوا حَتّى إذا شارَفُوا عَلى الأرْضِ خَرَقَها، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بِأنَّ أوَّلَ العَزْمِ كانَ وهي في اللُّجِّ وتَمامَ الفِعْلِ كانَ وقَدْ شارَفَتْ عَلى الأرْضِ، وظاهِرُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَقَها وأهْلُها فِيها وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ﴾ مُوسى ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ سَواءٌ كانَتِ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حُسْنُ الظَّنِّ بِالخَضِرِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ بِناءً عَلى أنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الإنْكارِ، وبَعْضُهم لَمْ يُجَوِّزْ هَذا تَوَهُّمًا مِنهُ أنَّ فِيهِ سُوءَ أدَبٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُوشِكُ أنْ يَتَعَيَّنَ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ بِناءُ الجَوابِ عَلَيْهِ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ: فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ فَخَرَجَ مَن كانَ فِيها وتَخَلَّفَ لِيَخْرِقَها فَقالَ لَهُ مُوسى: تَخْرِقُها لِتُغْرِقَ أهْلَها فَقالَ لَهُ الخَضِرُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.
وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ عَزَمَ عَلى الخَرْقِ فاعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ. فَإنْ أُوِّلَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ: وتَخَلَّفَ لِيَخْرِقَها فَخَرَقَها وأنَّ تَعْبِيرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ، أوْ قِيلَ بِأنَّهُ وقَعَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا تَصْمِيمٌ عَلى الخَرْقِ وتَهْيِئَةٌ لِأسْبابِهِ وثانِيًا خَرَقَ بِالفِعْلِ ووَقَعَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِراضٌ عَلى الأوَّلِ أوَّلًا وعَلى الثّانِي ثانِيًا فَنُقِلَ في الحَدِيثِ أوَّلَ ما وقَعَ مِن كُلٍّ في هَذِهِ المادَّةِ وفي الآيَةِ ثانِي ما وقَعَ مِن كُلٍّ فِيها بَقِيَ بَيْنَ ظاهِرِ الحَدِيثِ وظاهِرِ الآيَةِ مُخالَفَةٌ أيْضًا عَلى ما قِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ لَمْ يَكُونُوا فِيها إذْ خُرِقَتْ والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا فِيها حِينَئِذٍ، وأُجِيبَ أنَّهُ لَيْسَ في الحَدِيثِ أكْثَرُ مِن أنَّهم خَرَجُوا مِنها وتَخَلَّفَ لِلْخَرْقِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهم خَرَجُوا فَخَرَقَها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَخَلَّفَ لِلْخَرْقِ إذْ خَرَجُوا لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْها وحُصُولِهِمْ فِيها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُنافِي هَذا ما قِيلَ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَةِ عَنْ سَعِيدٍ والرِّوايَةِ عَنِ الرَّبِيعِ وبِالجُمْلَةِ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ وبَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ صَعْبٌ، وقالَ بَعْضُهم في ذَلِكَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ السَّفِينَةَ لَمّا لَجَجَتْ بِهِمْ صادَفُوا جَزِيرَةً في اللُّجِّ فَخَرَجُوا لِبَعْضِ حَوائِجِهِمْ وتَخَلَّفَ الخَضِرُ عازِمًا عَلى الخَرْقِ ومَعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَسَّ مِنهُ ذَلِكَ فَعَجَّلَ بِالِاعْتِراضِ ثُمَّ رَجَعَ أهْلُها ورَكِبُوا فِيها والعَزْمُ هو العَزْمُ فَأخَذَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُباشَرَةِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَشْعُرْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَمَّ وقَدْ شارَفَتْ عَلى الأرْضِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ خَرْقَهُ إيّاها وقَعَ عَقِبَ الرُّكُوبِ لِأنَّ الجَزاءَ يَعْقُبُ الشَّرْطَ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ وإنَّما اللّازِمُ تَسَبُّبُ الجَزاءِ عَنِ الشَّرْطِ ووُقُوعُهُ بَعْدَهُ ألا تَراكَ تَقُولُ: إذا خَرَجَ زَيْدٌ عَلى السُّلْطانِ قَتَلَهُ، وإذا أعْطَيْتَ السُّلْطانَ قَصِيدَةً أعْطاكَ جائِزَةً مَعَ أنَّهُ كَثِيرًا ما لا يَعْقُبُ القَتْلُ الخُرُوجَ والإعْطاءُ الإعْطاءَ وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الحاجِبِ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ وُقُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ في زَمانٍ واحِدٍ فَيُقالُ: إذا جِئْتَنِي اليَوْمَ أُكْرِمْكَ غَدًا، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ومَنِ التَزَمَ ذَلِكَ كالرَّضِيِّ جَعَلَ الزَّمانَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِ «إذا» مُمْتَدًّا وقَدَّرَ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ «أئِذا ما مِتُّ وصِرْتُ رَمِيمًا» وعَلَيْهِ أيْضًا لا يَلْزَمُ التَّعْقِيبُ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ خَبَرَ: «لَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها» يَدُلُّ عَلى تَعْقِيبِ الخَرْقِ لِلرُّكُوبِ، وأيْضًا جَعْلُ غايَةِ انْطِلاقِهِما مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ إذْ لَوْ كانَ الخَرْقُ مُتَراخِيًا عَنِ الرُّكُوبِ لَمْ يَكُنْ غايَةُ الِانْطِلاقِ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ لِعَدَمِ انْتِهائِهِ بِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُبادَرَةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الخَبَرُ عَرَّفَتْهُ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ تَمْضِ أيّامٌ ونَحْوُهُ، وبِأنَّهُ لا مانِعَ
صفحة 337
مِن كَوْنِ الغايَةِ أمْرًا مُمْتَدًّا ويَكُونُ انْتِهاءُ المُغَيّا بِابْتِدائِهِ كَقَوْلِكَ: مَلَكَ فُلانٌ حَتّى كانَتْ سَنَةُ كَذا مُلْكَهُ. فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ في القَلْبِ مِن صِحَّةِ رِوايَةِ الرَّبِيعِ شَيْئًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، والظّاهِرُ أنَّ أهْلَ السَّفِينَةِ لَمْ يَرَوْهُ لَمّا باشَرَ خَرْقَها وإلّا لَما مَكَّنُوهُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَلِيٌّ القارِي، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ أنَّهُ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ إلّا عَيْنُ مَن أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وكَذا بَيْنَهُ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، ولَيْسَ هَذا بِالمَرْفُوعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، نَعَمْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا عَنِ الرَّبِيعِ أيْضًا أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ الفاعِلُ، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرِدْ إدْراجَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وإنْ كانَ صالِحًا لِأنْ يُدْرَجَ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِن أهْلِها الرّاكِبِينَ فِيها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ: «لِتُغَرِّقَ» بِالتَّشْدِيدِ لِتَكْثِيرِ المَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: «لِيَغْرَقَ أهْلُها» عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الأهْلِ، وكَوْنُ اللّامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْعاقِبَةِ ظاهِرٌ جِدًّا ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ أتَيْتَ وفَعَلْتَ ﴿شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ داهِيًا مُنْكَرًا مِن أمِرَ الأمْرُ بِمَعْنى كَثُرَ قالَهُ الكِسائِيُّ فَأصْلُهُ كَثِيرٌ، والعَرَبُ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في سِرِّ الصِّناعَةِ تَصِفُ الدَّواهِيَ بِالكَثْرَةِ، وهو عِنْدَ بَعْضِهِمْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ كِبْدٍ فَخُفِّفَ قِيلَ ولَمْ يُقَلْ أمْرًا إمْرًا مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّجْنِيسِ لِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ كَما صَرَّحَ بِهِ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ السَّمَوْألِ:
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجالَنا لَنا وتَكْرَهُهُ آجالُهم فَتَطُولُ
رَدًّا لِاخْتِيارِ بَعْضِهِمْ رِوايَةَ: «يُقَصِّرُ حَبُّ المَوْتِ»، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
وشِيكُ الفُصُولِ بَعِيدُ القُفُولِ
حَيْثُ أمْكَنَ لَهُ أنْ يَقُولَ: بَطِيءُ القُفُولِ ولَمْ يَقُلْ، ورُبَّما يُقالُ هُنا: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ مَعَ إيهامِهِ خِلافَ المُرادِ وقُصُورِهِ عَنْ دَرَجَةِ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مِن زِيادَةِ التَّفْظِيعِ، وفي الرِّوايَةِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنَ الخَضِرِ ما رَأى امْتَلَأ غَضَبًا وشَدَّ عَلَيْهِ ثِيابَهُ وأرادَ أنْ يَقْذِفَ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ فَقالَ: أرَدْتَ هَلاكَهم فَسَتَعْلَمُ أنَّكَ أوَّلُ هالِكٍ، وجَعَلَ كُلَّما ازْدادَ غَضَبًا اسْتَعَرَ البَحْرُ، وكُلَّما سَكَنَ كانَ البَحْرُ كالدُّهْنِ، وأنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ قالَ لَهُ: ألا تَذْكُرُ العَهْدَ والمِيثاقَ الَّذِي جَعَلْتَ عَلى نَفْسِكَ، وأنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُذَكِّرُهُ ما قالَهُ مِن قَبْلُ:
الكهف 18:72
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلْإنْكارِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الصَّبْرِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الحِلْمُ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ اعْتِذارٌ بِنِسْيانِ الوَصِيَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّ نِسْيانَهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَحْتاجُ أنْ يُفِيدَهُ إيّاهُ اسْتِقْلالًا وإنَّما يَلْتَمِسُ مِنهُ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِهِ، فَما مَصْدَرِيَّةٌ والباءُ صِلَةُ المُؤاخَذَةِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْ بِنِسْيانِي وصِيَّتَكَ في تَرْكِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ حَتّى تُحْدِثَ لِي مِنهُ ذِكْرًا، والتَمَسَ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ لِأنَّ الكامِلَ قَدْ يُؤاخَذُ بِهِ وهي مُؤاخَذَةٌ بِقِلَّةِ التَّحَفُّظِ الَّتِي أدَّتْ إلَيْهِ كَما وقَعَتْ لِأوَّلِ ناسٍ وهو أوَّلُ النّاسِ وإلّا فالمُؤاخَذَةُ بِهِ نَفْسَهُ لا تَصِحُّ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، والنِّسْيانُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا قَرِيبًا لِلْمُؤاخَذَةِ بَلِ السَّبَبُ القَرِيبُ لَها هو تَرْكُ العَمَلِ بِالوَصِيَّةِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنِ التَّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَعْنى
صفحة 338
النَّهْيِ كَما قِيلَ فِي: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى النَّفْيِ فَيَكُونُ النِّسْيانُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِتَرْكِ العَمَلِ بِالوَصِيَّةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم تَعَيُّنَ كَوْنِها لِلْمُلابَسَةِ ويَجُوزُ في «ما» أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي أوْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ وهو الوَصِيَّةُ لَكِنْ يَحْتاجُ هَذا ظاهِرًا إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: بِتَرْكِ ما نَسِيتُهُ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِ الوَصِيَّةِ؛ أيْ: تَرْكِ العَمَلِ بِها لا بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ.
وقِيلَ: قَدْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ فَإنَّ الوَصِيَّةَ سَبَبٌ لِلْمُؤاخَذَةِ؛ إذْ لَوْلاها لَمْ يَكُنْ تَرْكُ العَمَلِ ولا المُؤاخَذَةُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ كَوْنُ ما ذُكِرَ اعْتِذارًا بِنِسْيانِ الوَصِيَّةِ هو الظّاهِرُ وقَدْ صَحَّ في البُخارِيِّ أنَّ المَرَّةَ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ الوَصِيَّةَ وإنَّما نَهى عَنْ مُؤاخَذَتِهِ بِالنِّسْيانِ مُوهِمًا أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ كانَ عَنْ نِسْيانِها مَعَ أنَّهُ إنَّما عَنى نِسْيانَ شَيْءٍ آخَرَ، وهَذا مِن مَعارِيضِ الكَلامِ الَّتِي يُتَّقى بِها الكَذِبُ مَعَ التَّوَسُّلِ إلى الغَرَضِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ أُخْتِي، وإنِّي سَقِيمٌ، ورَوى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتُ مِن وصِيَّتِكَ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿ولا تُرْهِقْنِي﴾ لا تَغْشَنِي ولا تُحَمِّلْنِي ﴿مِن أمْرِي﴾ وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ ﴿عُسْرًا﴾ أيْ: صُعُوبَةً وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُرْهِقَنِي، والمُرادُ: لا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «عُسُرًا» بِضَمَّتَيْنِ.
الكهف 18:73
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلْإنْكارِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الصَّبْرِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الحِلْمُ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ اعْتِذارٌ بِنِسْيانِ الوَصِيَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّ نِسْيانَهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَحْتاجُ أنْ يُفِيدَهُ إيّاهُ اسْتِقْلالًا وإنَّما يَلْتَمِسُ مِنهُ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِهِ، فَما مَصْدَرِيَّةٌ والباءُ صِلَةُ المُؤاخَذَةِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْ بِنِسْيانِي وصِيَّتَكَ في تَرْكِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ حَتّى تُحْدِثَ لِي مِنهُ ذِكْرًا، والتَمَسَ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ لِأنَّ الكامِلَ قَدْ يُؤاخَذُ بِهِ وهي مُؤاخَذَةٌ بِقِلَّةِ التَّحَفُّظِ الَّتِي أدَّتْ إلَيْهِ كَما وقَعَتْ لِأوَّلِ ناسٍ وهو أوَّلُ النّاسِ وإلّا فالمُؤاخَذَةُ بِهِ نَفْسَهُ لا تَصِحُّ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، والنِّسْيانُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا قَرِيبًا لِلْمُؤاخَذَةِ بَلِ السَّبَبُ القَرِيبُ لَها هو تَرْكُ العَمَلِ بِالوَصِيَّةِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنِ التَّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَعْنى
صفحة 338
النَّهْيِ كَما قِيلَ فِي: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى النَّفْيِ فَيَكُونُ النِّسْيانُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِتَرْكِ العَمَلِ بِالوَصِيَّةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم تَعَيُّنَ كَوْنِها لِلْمُلابَسَةِ ويَجُوزُ في «ما» أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي أوْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ وهو الوَصِيَّةُ لَكِنْ يَحْتاجُ هَذا ظاهِرًا إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: بِتَرْكِ ما نَسِيتُهُ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِ الوَصِيَّةِ؛ أيْ: تَرْكِ العَمَلِ بِها لا بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ.
وقِيلَ: قَدْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ فَإنَّ الوَصِيَّةَ سَبَبٌ لِلْمُؤاخَذَةِ؛ إذْ لَوْلاها لَمْ يَكُنْ تَرْكُ العَمَلِ ولا المُؤاخَذَةُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ كَوْنُ ما ذُكِرَ اعْتِذارًا بِنِسْيانِ الوَصِيَّةِ هو الظّاهِرُ وقَدْ صَحَّ في البُخارِيِّ أنَّ المَرَّةَ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ الوَصِيَّةَ وإنَّما نَهى عَنْ مُؤاخَذَتِهِ بِالنِّسْيانِ مُوهِمًا أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ كانَ عَنْ نِسْيانِها مَعَ أنَّهُ إنَّما عَنى نِسْيانَ شَيْءٍ آخَرَ، وهَذا مِن مَعارِيضِ الكَلامِ الَّتِي يُتَّقى بِها الكَذِبُ مَعَ التَّوَسُّلِ إلى الغَرَضِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ أُخْتِي، وإنِّي سَقِيمٌ، ورَوى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ؛ أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتُ مِن وصِيَّتِكَ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿ولا تُرْهِقْنِي﴾ لا تَغْشَنِي ولا تُحَمِّلْنِي ﴿مِن أمْرِي﴾ وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ ﴿عُسْرًا﴾ أيْ: صُعُوبَةً وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُرْهِقَنِي، والمُرادُ: لا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «عُسُرًا» بِضَمَّتَيْنِ.
الكهف 18:74
﴿فانْطَلَقا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَقَبِلَ عُذْرَهُ فَخَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ كَما في الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُما مَرّا بِقَرْيَةٍ ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ يَزْعُمُونَ -كَما قالَ البُخارِيُّ- أنَّ اسْمَهُ جَيْسُورُ بِالجِيمِ ورُوِيَ بِالحاءِ، وقِيلَ اسْمُهُ جِنِبْتُورُ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وصَحَّ أنَّهُ كانَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ وكانُوا عَلى ما قِيلَ عَشَرَةٌ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أحْسَنُ ولا أنْظَفُ مِنهُ فَأخَذَهُ ﴿فَقَتَلَهُ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ في رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِرَأْسِهِ مِن أعْلاهُ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ أخَذَهُ فَأضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ.
وقِيلَ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ حَتّى قَتَلَهُ، وقِيلَ: رَضَّهُ بِحَجَرٍ، وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: أدْخَلَ أُصْبُعَهُ في سُرَّتِهِ فاقْتَلَعَها فَماتَ، وجُمِعَ بَيْنَ الرِّواياتِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ بِأنَّهُ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ أوَّلًا ثُمَّ أضَجْعَهُ وذَبَحَهُ ثُمَّ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، ورُبَّما يُجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ وفي كِلا الجَمْعَيْنِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ الغُلامَ لَمْ يَكُنْ بالِغًا لِأنَّهُ حَقِيقَةُ الغُلامِ الشّائِعَةَ في الِاسْتِعْمالِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: كانَ بالِغًا شابًّا، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً، والعَرَبُ تُبْقِي عَلى الشّابِّ اسْمَ الغُلامِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ:
شَفاها مِنَ الدّاءِ الَّذِي قَدْ أصابَها غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ:
تَلَقَّ ذُبابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ
وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ في البالِغِ لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيمَن بَلَغَ الحُلُمَ، وإطْلاقُهُ عَلى الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ تَجَوُّزٌ مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ الأوَّلِينَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أيْ: طاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَإنَّ البالِغَ قَلَّما يَزْكُو مِنَ الذُّنُوبِ.
صفحة 339
وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا تَفْسِيرُ زَكِيَّةٍ بِصَغِيرَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، ومَن قالَ كانَ بالِغًا قالَ: وصَفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرَهُ أذْنَبَ فَهو وصْفٌ ناشِئٌ مِن حُسْنِ الظَّنِّ، واسْتُدِلَّ عَلى كَوْنِهِ بالِغًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ حَقِّ قِصاصٍ لَكَ عَلَيْها، وأجابَ النَّوَوِيُّ والكَرْمانِيُّ بِأنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنَّهُ خَصَّ حَقَّ القِصاصِ بِالنَّفْيِ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ القَتْلِ أوْ أنَّ شَرْعَهم كانَ إيجابَ القِصاصِ عَلى الصَّبِيِّ، وقَدْ نَقَلَ المُحَدِّثُونَ كالبَيْهَقِيِّ في كِتابِ المَعْرِفَةِ أنَّهُ كانَ في شَرْعِنا كَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وقالَ السُّبْكِيُّ: قَبْلَ أُحُدٍ ثُمَّ نُسِخَ، والجارُّ والمَجْرُورُ - قالَ أبُو البَقاءِ - مُتَعَلِّقٌ بِ «قَتَلْتَ» كَأنَّهُ قِيلَ؛ أيْ: قَتَلْتَ نَفْسًا بِلا حَقٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: قَتْلًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: قَتَلَها ظالِمًا لَها أوْ مَظْلُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والزُّهْرِيُّ ونافِعٌ واليَزِيدِيُّ وابْنُ مُسْلِمٍ وزَيْدٌ وابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ يَعْقُوبَ ورُوَيْسٍ عَنْهُ أيْضًا وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «زاكِيَةً» بِتَخْفِيفِ الياءِ وألْفٍ بَعْدِ الزّايِ، و«زَكِيَّةً» بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَما قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ مَعَ كَوْنِ فَعِيلٍ المُحَوَّلِ مِن فاعِلٍ - كَما قالَ أبُو حَيّانَ - يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ زاكِيَةٍ وزَكِيَّةٍ بِأنَّ زاكِيَةً بِالألِفِ هي الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ وزَكِيَّةً بِدُونِ الألْفِ هي الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ غُفِرَتْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ فَرْقٌ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الزَّكاةِ النُّمُوُّ والزِّيادَةُ فَلِذا ورَدَتْ لِلزِّيادَةِ المَعْنَوِيَّةِ وأُطْلِقَتْ عَلى الطَّهارَةِ مِنَ الآثامِ ولَوْ بِحَسَبِ الخِلْقَةِ والِابْتِداءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ فَمِن أيْنَ جاءَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ، ثُمَّ وجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِكَوْنِ زاكِيَةٍ بِالألِفِ مِن زَكى اللّازِمِ وهو يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ آخَرَ وأنَّهُ ثابِتٌ لَهُ في نَفْسِهِ، وزَكِيَّةٌ بِمَعْنى مُزَكّاةٍ فَإنَّ فَعِيلًا قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ كَرَضِيعٍ بِمَعْنى مَراضِعَ، وتَطْهِيرُ غَيْرِهِ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ إنَّما يَكُونُ بِالمَغْفِرَةِ، وقَدْ فَهِمَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ فَإنَّهُ إمامُ العَرَبِيَّةِ واللُّغَةِ فَتَكُونُ بِهَذا الِاعْتِبارِ «زاكِيَةً» بِالألِفِ أبْلَغَ وأنْسَبَ بِالمَقامِ بِناءً عَلى أنَّهُ يَرى أنَّ الغُلامَ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ ولِذا اخْتارَ القِراءَةَ بِذَلِكَ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنَ القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرًا عَنْهُ ﷺ، وهَذا عَلى ما قِيلَ لا يُنافِي كَوْنَ «زَكِيَّةً» بِلا ألِفٍ أبْلَغَ بِاعْتِبارِ أنَّها تَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ وهو أقْوى مِنَ الدَّفْعِ فافْهَمْ، وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُ النَّفْسِ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ ما فَعَلَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَتَلَ الغُلامَ ذَعَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً قالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ مُنْكَرًا جِدًّا، قالَ الإمامُ: المُنْكَرُ ما أنْكَرَتْهُ العُقُولُ ونَفَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ وهو أبْلَغُ في تَقْبِيحِ الشَّيْءِ مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ بِالعَكْسِ، وقالَ الرّاغِبُ: المُنْكَرُ الدَّهاءُ والأمْرُ الصَّعْبُ الَّذِي لا يُعْرَفُ، ولِهَذِهِ الأبْلَغِيَّةِ قالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ شَيْئًا أنْكَرَ مِنَ الأوَّلِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ دُونَ الأمْرِ وقالَ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ أنَّهُ ذَكَرَ الأغْلَظَ ثُمَّ تَنَزَّلَ إلى الأهْوَنِ فَقَتْلُ النَّفْسِ أهْوَنُ مِنَ الخَرْقِ لِما فِيهِ مِن إهْلاكِ جَماعَةٍ وأغْلَظُ مِن إقامَةِ الجِدارِ بِلا أُجْرَةٍ، وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أبْلَغِيَّةُ النُّكْرِ إمّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَظاهِرٌ؛ ألا تَرى كَيْفَ فَسَّرَ الشّاعِرُ؛ أيْ في قَوْلِهِ:
صفحة 340
لَقَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرا ∗∗∗ داهِيَةً دَهْياءَ إدًّا إمْرا
النُّكْرُ بِداهِيَةٍ مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ وجَعَلَ الإمْرَ بَعْضَ أوْصافِها، وأمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ فَلِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ تَسَبَّبَ إلى الهَلاكِ وهَذا مُباشَرَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا مُفْضِيًا، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَنَزَّلَ اسْتِدْلالًا بِأنَّ إقامَةَ الجِدارِ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ حُكِيَ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ لا تَنَزُّلَ فِيهِ ولا تَرَقِّيَ، وإنَّما يُلاحَظُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذُيِّلَ انْتَهى، ورُوِيَ القَوْلُ بِالأبْلَغِيَّةِ عَنْ قَتادَةَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ صاحِبِ العُرْسِ والعَرائِسِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ غَضِبَ الخَضِرُ واقْتَلَعَ كَتِفَ الصَّبِيِّ الأيْسَرَ وقَشَّرَ اللَّحْمَ عَنْهُ وإذا مَكْتُوبٌ فِيهِ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى أبَدًا، وبَنى وجْهَ تَغْيِيرِ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أقْبَحِيَّةِ القَتْلِ فَقِيلَ: إنَّما غُيِّرَ النَّظْمُ إلى ما تَرى لِأنَّ القَتْلَ أقْبَحُ، والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ أدْخَلُ وأحَقُّ؛ فَكانَ الِاعْتِراضُ جَدِيرًا بِأنْ يُجْعَلَ عُمْدَةَ الكَلامِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الحُكْمَ في الكَلامِ الشَّرْطِيِّ هو الجَزاءُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ بِمَنزِلَةِ الحالِ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ.
وكانَ العَطْفُ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ لِيُفِيدَ أنَّ القَتْلَ وقَعَ عَقِيبَ اللِّقاءِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ كَما يُشْعِرُ بِهِ الِاعْتِراضُ؛ إذْ لَوْ مَضى زَمانٌ بَيْنَ اللِّقاءِ والقَتْلِ أمْكَنَ نَظَرًا لِلْأُمُورِ العادِيَّةِ اطِّلاعُ الخَضِرِ فِيهِ مِن حالِهِ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ هَذا الِاعْتِراضَ، ولا يَضُرُّ في هَذا ادِّعاءُ أنَّ الخَرْقَ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودُ تَوْجِيهُ اخْتِيارِ الفاءِ دُونَ الواوِ أوْ ثُمَّ بَعْدَ تَوْجِيهِ اخْتِيارِ أصْلِ العَطْفِ بِأنَّ ذَلِكَ يَتَأتّى جَعْلَ الِاعْتِراضِ عُمْدَةً، والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا كانَ الِاعْتِراضُ في القِصَّةِ الثّانِيَةِ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ وأهَمَّ جُعِلَ جَزاءً لِ «إذا الشَّرْطِيَّةِ» وبَعْدَ أنْ تُعَيَّنَ لِلْجَزائِيَّةِ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن جَعْلِ القَتْلِ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ بِالعَطْفِ، واخْتِيرَتِ الفاءُ مِن بَيْنِ حُرُوفِهِ لِيُفادَ التَّعْقِيبُ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الِاعْتِراضُ في القِصَّةِ الأُولى مِثْلَهُ في الثّانِيَةِ جُعِلَ مُسْتَأْنَفًا، وجُعِلَ الخَرْقُ جَزاءً.
وزَعَمَ التّاشْكَنْدِيُّ جَوازَ كَوْنِ الِاعْتِراضَيْنِ في القِصَّتَيْنِ مُسْتَأْنَفَيْنِ، والجَزاءُ فِيهِما فِعْلُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ قَدْ في الجَزاءِ الثّانِي لِأنَّ الماضِيَ المُثْبَتَ الغَيْرَ المُقْتَرِنِ بِها لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لا يَصْلُحُ لِلْجَزائِيَّةِ.
واعْتُبِرَ هَذا في الثّانِيَةِ ولَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُهُ في الأوَّلِ لِأنَّ القَتْلَ أقْبَحُ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُؤَكَّدَ ولا كَذَلِكَ الخَرْقُ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ بِأنَّ الفاءَ الجَزائِيَّةَ لا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُثْبَتِ إلّا بِتَقْدِيرِ قَدْ لِتُحَقِّقَ تَأْثِيرَ حَرْفِ الشَّرْطِ فِيهِ بِأنْ يَقْلِبَ مَعْناهُ إلى الِاسْتِقْبالِ فَلا حاجَةَ إلى الرّابِطَةِ في كَوْنِهِ جَوابًا، وأمّا بِتَقْدِيرِ قَدْ فَتَدْخُلُ الفاءُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ حَرْفِ الشَّرْطِ فِيهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى الرّابِطَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ لِكَوْنِهِما مُسْتَقْبَلَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَهُما يَقَعانِ جَزاءً بِلا حاجَةٍ إلى رَبْطِ الفاءِ الجَزائِيَّةِ فَلا مَجالَ في الثّانِي لِجَعْلِ الفاءِ جَزائِيَّةً، وكَذا لا مَجالَ في الأوَّلِ لِفَرْضِ تَقْدِيرِ قَدْ لِاصْطِلاحِ إدْخالِ الفاءِ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ؛ فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وقالَ مِيرْ بادْشاهْ في الرَّدِّ عَلى ذَلِكَ: إنَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ يَأْبى عَنْ تَقْدِيرِ قَدْ لَوْ جُعِلَ القَتْلُ جَزاءً لِعَدَمِ اقْتِضاءِ المَقامِ إيّاها كَيْفَ وقَدْ سَبَقَ الخَرْقُ جَزاءً بِدُونِها وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَسْتَطِيعُ المُتَشَرِّعُ أنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ وما المُحْتاجُ إلى التَّحْقِيقِ إلّا اعْتِراضُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثانِيًا بَعْدَ ما سَلَفَ مِنهُ مِنَ الكَلامِ وكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرْسَلًا مِنهُ تَعالى لِلتَّعَلُّمِ، وفِيهِ إعْراضٌ عَنْ بَيانِ النُّكْتَةِ في التَّحْقِيقِ وعَدَمِ التِفاتٍ إلَيْها وغَفْلَةٍ عَلى ما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ عَنْ مَوْضِعِ الفاءِ الجَزائِيَّةِ وتَقْدِيرِ قَدْ، ولَعَلَّ الحَقَّ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ وإنْ جازَ
صفحة 341
خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وزَعَمَ أيْضًا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في بَيانِ إخْراجِ القِصَّتَيْنِ عَلى ما أخْرَجْنا عَلَيْهِ أنَّ لِقاءَ الغُلامِ سَبَبٌ لِلشَّفَقَةِ والرِّفْقِ لا القَتْلِ فَلِذا لَمْ يَحْسُنْ جَعْلُهُ جَزاءً، وجَعْلُ جَزاءِ الشَّرْطِ ورُكُوبِ السَّفِينَةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِخَرْقِها فَلِذا جُعِلَ جَزاءً، وفِيهِ أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يَمْنَعَ الفَرْقَ ويَقُولَ: كَما أنَّ لِقاءَ الغُلامِ سَبَبٌ لِلرِّفْقِ لا القَتْلِ كَذَلِكَ رُكُوبُ السَّفِينَةِ سَبَبٌ لِحِفْظِها وصِيانَتِها لا الخَرْقِ كَيْفَ وسَلامَتُها سَبَبٌ لِسَلامَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرًا، ومِنَ الأمْثالِ العامِّيَّةِ: لا تَرْمِ في البِئْرِ الَّتِي تَشْرَبُ مِنها حَجَرًا، وإذا سُلِّمَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ لَقاءَ الغُلامِ سَبَبٌ لِلرِّفْقِ لا لِلْقَتْلِ، فالقَتْلُ أغْرَبُ والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ أدْخَلُ؛ فالِاعْتِراضُ جَدِيرٌ بِأنْ يُجْعَلَ جَزاءً فَيَؤُولُ الأمْرُ في بَيانِ النُّكْتَةِ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، والأمْرُ في هَذا سَهْلٌ كَما لا يَخْفى.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في وجْهِ التَّغْيِيرِ: إنَّ صُدُورَ الخَوارِقِ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً مَخْرَجَ العادَةِ واسْتَأْنَسَتِ النَّفْسُ بِهِ كاسْتِئْناسِها بِالأُمُورِ العادِيَّةِ فانْصَرَفَتْ عَنْ تَرَقُّبِ سَماعِهِ إلى تَرَقُّبِ سَماعِ حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ يُحافِظُ عَلى مُراعاةِ شَرْطِهِ بِمُوجِبِ وعْدِهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ خارِقٍ آخَرَ أوْ يُسارِعُ إلى المُناقَشَةِ كَما في المَرَّةِ الأُولى فَكانَ المَقْصُودُ إفادَةَ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجُعِلَ الجَزاءُ اعْتِراضَهُ دُونَ ما صَدَرَ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ القَتْلَ أقْبَحُ والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ أدْخَلُ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُجْعَلَ عُمْدَةَ الكَلامِ فَلَيْسَ مِن رَفْعِ الشُّبْهَةِ في شَيْءٍ بَلْ هو مُؤَيِّدٌ لَها؛ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ أقْبَحَ مِن مَبادِئِ قِلَّةِ صُدُورِهِ عَنِ المُؤْمِنِ العاقِلِ ونُدْرَةِ وُصُولِ خَبَرِهِ إلى الأسْماعِ وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي جَعْلَهُ مَقْصُودًا، وكَوْنُ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ أدْخَلَ مِن مُوجِباتِ كَثْرَةِ صُدُورِهِ عَنْ كُلِّ عاقِلٍ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي جَعْلَهُ كَذَلِكَ. انْتَهى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ النُّكْتَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَضُرُّ مِن بَيْنِها بِما تَقَدَّمَ إذْ لا تَزاحُمَ في النِّكاتِ، وأمّا اعْتِراضُهُ فَقَوْلُهُ مِمّا يَسْتَدْعِي جَعْلَهُ مَقْصُودًا إنْ أرادَ أنَّهُ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وإنْ أرادَ أنَّهُ مَقْصُودٌ بِأنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ ويُمْنَعَ مِنهُ فَهَذا يَقْتَضِي جَعْلَ الِاعْتِراضِ جَزاءً كَما مَرَّ، وأمّا كَوْنُهُ مِن مُوجِباتِ كَثْرَةِ صُدُورِهِ عَنْ كُلِّ عاقِلٍ فَمُقْتَضٍ لِلِاهْتِمامِ بِالِاعْتِراضِ عَلَيْهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما نَدَرَ كانَ الإخْبارُ بِهِ وإفادَتُهُ السّامِعَ أوْقَعَ في النَّفْسِ، وأنَّ الأخْبارَ الغَرِيبَةَ يُهْتَمُّ بِإفادَتِها ما لا يُهْتَمُّ بِإفادَةِ غَيْرِ الغَرِيبَةِ؛ إذِ العالِمُ بِالغَرِيبِ قَلِيلٌ بِخِلافِ العالِمِ بِغَيْرِهِ، وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، فَمُرادُ الشَّيْخِ أنَّ كَوْنَ القَتْلِ أقْبَحَ مِن مَبادِئِ قِلَّةِ صُدُورِهِ عَنِ المُؤْمِنِ العاقِلِ ونُدْرَةِ وُصُولِ خَبَرِهِ إلى الأسْماعِ؛ وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي جَعْلَهُ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ كَما هو شَأْنُ الأُمُورِ القَلِيلَةِ الصُّدُورِ النّادِرَةِ الوُقُوعِ، وكَوْنُ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ أدْخَلَ مِن مُوجِباتِ كَثْرَةِ الصُّدُورِ؛ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ يُعامَلَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا لا غُبارَ عَلى ما ذَكَرَهُ عِنْدَ المُنْصِفِ، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ النُّكْتَةِ يَتَأتّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ القَتْلَ أقْبَحُ مِنَ الخَرْقِ وعَلى القَوْلِ بِالعَكْسِ أيْضًا، وهَذا بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى أقْبَحِيَّةِ القَتْلِ فَمَن لا يَقُولُ بِها يَحْتاجُ في بَيانِ النُّكْتَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ رُجِّحَ بِذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ، واسْتَأْنَسَ لَهُ أيْضًا بِأنَّ مَساقَ الكَلامِ مِن أوَّلِهِ لِشَرْحِ حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجُعِلَ اعْتِراضُهُ عُمْدَةَ الكَلامِ أوْفَقَ بِالمَساقِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ في قِصَّةِ الخَرْقِ وجَعَلَ ما صَدَرَ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ عُمْدَةً دُونَ اعْتِراضِهِ لِأنَّ النَّفْسَ لَمّا سَمِعَتْ وصْفَ الخَضِرِ ظَمِئَتْ لِسَماعِ ما يَصْدُرُ مِنهُ فَبَلَّ غَلِيلَها وجَعَلَ ما صَدَرَ عَنْهُ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ لِلنَّفْسِ وهي مُنْتَظِرَةٌ إيّاهُ ثُمَّ بَعْدَ أنْ سَمِعَتْ ذَلِكَ وسَكَنَ أُوامُها سَلَكَ بِالكَلامِ مَسْلَكَهُ الأوَّلَ وقَصَدَ بِالإفادَةِ حالَ مَن سَبَقَ الكَلامَ مِن أوَّلِهِ لِشَرْحِ حالِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ الأصْلَ نَظَرًا إلى السُّوقِ
صفحة 342
أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الأُولى عَلى طَرْزِ القِصَّةِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ، والخُرُوجُ عَنِ الأصْلِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الحاجَةِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهو مُخالِفٌ لِما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ في الجُمْلَةِ فافْهَمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ: «نُكُرًا» بِضَمَّتَيْنِ حَيْثُ كانَ مَنصُوبًا.
تَمَّ الجُزْءُ الخامِسَ عَشَرَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ السّادِسَ عَشَرَ، وأوَّلُهُ: (قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ).
الكهف 18:75
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زِيادَةُ (لَكَ) لِزِيادَةِ المُكافَحَةِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ وقِلَّةِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ لِما تَكَرَّرَ مِنهُ الِاشْمِئْزازُ والِاسْتِنْكارُ ولَمْ يَرْعَوِ بِالتَّذْكِيرِ حَتّى زادَ في النَّكِيرِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
(قالَ) أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾ تَفْعَلُهُ مِنَ الأعاجِيبِ (بَعْدَها) أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ أوْ بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن صَحَبَهُ أيْ فَلا تَكُنْ صاحِبِي، وعَنْ عِيسى أيْضًا ( فَلا تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ مِن أصْحَبَهُ ورَواها سَهْلٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْ فَلا تُصْحِبْنِي إيّاكَ ولا تَجْعَلْنِي صاحِبَكَ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ عِلْمَكَ ولَيْسَ بِذاكَ.
وقَرَأ الأعْرَجُ (فَلا تَصْحَبْنِي) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وشَدِّ النُّونِ، والمُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ أيْ: فَلا تَكُنْ صاحِبِي البَتَّةَ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنَ النَّهْيِ فِيما لا تَأْكِيدَ فِيهِ التَّحْرِيمَ، والمُرادُ بِهِ الحَزْمُ بِالتَّرْكِ والمُفارَقَةِ لا التَّرْخِيصُ عَلى مَعْنى إنْ سَألْتُكَ بَعْدُ فَأنْتَ مُرَخَّصٌ في تَرْكِ صُحْبَتِي ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أيْ وجَدْتَ عُذْرًا مِن قِبَلِي، وقالَ النَّوَوِيُّ: مَعْناهُ قَدْ بَلَغْتَ إلى الغايَةِ الَّتِي تُعْذَرُ بِسَبَبِها في فِراقِي حَيْثُ خالَفْتُكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ لَكِنْ أخَذَتْهُ مِن صاحِبِهِ ذَمامَةٌ فَقالَ ذَلِكَ»، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ( مِن لَدُنِي ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وهي حُجَّةٌ عَلى س في مَنعِهِ ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ حَذَفَ نُونَ الوِقايَةِ وأبْقى النُّونَ الأصْلِيَّةَ المَكْسُورَةَ عَلى ما هو القِياسُ في الأسْماءِ المُضافَةِ مِن أنَّها لا تَلْحَقُها نُونُ الوِقايَةِ كَوَطَنِي ومَقامِي، وقِيلَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ نُونَ الوِقايَةِ والمُضافُ إنَّما هُوَ- لَدٌ- بِلا نُونٍ لُغَةٌ فِي( لَدُنٍ ) فَلا حَذْفَ أصْلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ نُونَ الوِقايَةِ إنَّما هي في المَبْنِي عَلى السُّكُونِ لِتَقِيهِ الكَسْرَ ولَدٌ- بِلا نُونٍ مَضْمُومٌ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّها وقَتْهُ مِن زَوالِ الضَّمِّ وأشَمَّ شُعْبَةُ الضَّمَّ في الدّالِ ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَها، وقالَ مُجاهِدٌ: سُوءُ غَلَطٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ رِوايَةً وإلّا فَقَدَ ذَكَرُوا أنَّ لَدْ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ لُغَةٌ في لَدُنْ، وقَرَأ عِيسى ( عُذُرًا ) بِضَمِّ الذّالِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ أُبَيٍّ ( عُذْرِي ) بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:76
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زِيادَةُ (لَكَ) لِزِيادَةِ المُكافَحَةِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ وقِلَّةِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ لِما تَكَرَّرَ مِنهُ الِاشْمِئْزازُ والِاسْتِنْكارُ ولَمْ يَرْعَوِ بِالتَّذْكِيرِ حَتّى زادَ في النَّكِيرِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
(قالَ) أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾ تَفْعَلُهُ مِنَ الأعاجِيبِ (بَعْدَها) أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ أوْ بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن صَحَبَهُ أيْ فَلا تَكُنْ صاحِبِي، وعَنْ عِيسى أيْضًا ( فَلا تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ مِن أصْحَبَهُ ورَواها سَهْلٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْ فَلا تُصْحِبْنِي إيّاكَ ولا تَجْعَلْنِي صاحِبَكَ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ عِلْمَكَ ولَيْسَ بِذاكَ.
وقَرَأ الأعْرَجُ (فَلا تَصْحَبْنِي) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وشَدِّ النُّونِ، والمُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ أيْ: فَلا تَكُنْ صاحِبِي البَتَّةَ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنَ النَّهْيِ فِيما لا تَأْكِيدَ فِيهِ التَّحْرِيمَ، والمُرادُ بِهِ الحَزْمُ بِالتَّرْكِ والمُفارَقَةِ لا التَّرْخِيصُ عَلى مَعْنى إنْ سَألْتُكَ بَعْدُ فَأنْتَ مُرَخَّصٌ في تَرْكِ صُحْبَتِي ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أيْ وجَدْتَ عُذْرًا مِن قِبَلِي، وقالَ النَّوَوِيُّ: مَعْناهُ قَدْ بَلَغْتَ إلى الغايَةِ الَّتِي تُعْذَرُ بِسَبَبِها في فِراقِي حَيْثُ خالَفْتُكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ لَكِنْ أخَذَتْهُ مِن صاحِبِهِ ذَمامَةٌ فَقالَ ذَلِكَ»، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ( مِن لَدُنِي ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وهي حُجَّةٌ عَلى س في مَنعِهِ ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ حَذَفَ نُونَ الوِقايَةِ وأبْقى النُّونَ الأصْلِيَّةَ المَكْسُورَةَ عَلى ما هو القِياسُ في الأسْماءِ المُضافَةِ مِن أنَّها لا تَلْحَقُها نُونُ الوِقايَةِ كَوَطَنِي ومَقامِي، وقِيلَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ نُونَ الوِقايَةِ والمُضافُ إنَّما هُوَ- لَدٌ- بِلا نُونٍ لُغَةٌ فِي( لَدُنٍ ) فَلا حَذْفَ أصْلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ نُونَ الوِقايَةِ إنَّما هي في المَبْنِي عَلى السُّكُونِ لِتَقِيهِ الكَسْرَ ولَدٌ- بِلا نُونٍ مَضْمُومٌ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّها وقَتْهُ مِن زَوالِ الضَّمِّ وأشَمَّ شُعْبَةُ الضَّمَّ في الدّالِ ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَها، وقالَ مُجاهِدٌ: سُوءُ غَلَطٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ رِوايَةً وإلّا فَقَدَ ذَكَرُوا أنَّ لَدْ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ لُغَةٌ في لَدُنْ، وقَرَأ عِيسى ( عُذُرًا ) بِضَمِّ الذّالِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ أُبَيٍّ ( عُذْرِي ) بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:77
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها أنْطاكِيَةُ وحَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْهُ أنَّها بَرْقَةُ وهي كَما في القامُوسِ اسْمٌ لِمَواضِعَ، وفي المَواهِبِ أنَّها قَرْيَةٌ بِأرْضِ الرُّومِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها باجَرْوانُ وهي أيْضًا اسْمٌ لِمُتَعَدِّدٍ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِها قَرْيَةٌ بِنَواحِي أرْمِينِيَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّها الأُبُلَّةُ بِهَمْزَةٍ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يُقالُ لَها ناصِرَةُ وإلَيْها تُنْسَبُ النَّصارى قالَ في مَجْمَعِ البَيانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ في الجَزِيرَةِ الخَضْراءِ مِن أرْضِ
صفحة 3
الأنْدَلُسِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: والخِلافُ هُنا كالخِلافِ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ولا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنهُ، وفي الحَدِيثِ: أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا (اسْتَطْعَما أهْلَها) في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وجَوابُ إذا (قالَ) الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وسَلَكَ بِذَلِكَ نَحْوَ ما سَلَكَ في القِصَّةِ الثّانِيَةِ مِن جَعْلِ الِاعْتِراضِ عُمْدَةَ الكَلامِ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرَها هُناكَ شَيْخُ الإسْلامِ، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ والآتِي مُسْتَأْنَفٌ نَظِيرَ ما في القِصَّةِ الأُولى، والوَصْفِيَّةُ مُخْتارُ المُحَقِّقِينَ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وهاهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وقَدْ نَظَّمَهُ الصَّلاحُ الصَّفَدِيُّ ورَفَعَهُ إلى الإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فَقالَ:
أسَيِّدَنا قاضِيَ القُضاةِ ومَن إذا بَدا وجْهُهُ اسْتَحى لَهُ القَمَرانِ
ومَن كَفُّهُ يَوْمَ النَّدى ويَراعُهُ ∗∗∗ عَلى طِرْسِهِ بَحْرانِ يَلْتَقِيانِ
ومَن إنْ دَجَتْ في المُشْكِلاتِ مَسائِلُ ∗∗∗ جَلاها بِفِكْرٍ دائِمِ اللَّمَعانِ
رَأيْتَ كِتابَ اللَّهِ أعْظَمَ مُعْجِزٍ ∗∗∗ لِأفْضَلِ مَن يُهْدى بِهِ الثَّقَلانِ
ومِن جُمْلَةِ الإعْجازِ كَوْنُ اخْتِصارِهِ ∗∗∗ بِإيجازِ ألْفاظٍ وبَسْطِ مَعانِي
ولَكِنَّنِي في الكَهْفِ أبْصَرْتُ آيَةً ∗∗∗ بِها الفِكْرُ في طُولِ الزَّمانِ عَنانِي
وما هي إلّا اسْتَطْعَما أهْلَها فَقَدْ ∗∗∗ نَرى اسْتَطْعَماهم مِثْلَهُ بِبَيانِ
فَما الحِكْمَةُ الغَرّاءُ في وضْعِ ظاهِرٍ ∗∗∗ مَكانَ ضَمِيرٍ إنَّ ذاكَ لَشانِ
فَأرْشِدْ عَلى عاداتِ فَضْلِكَ حَيْرَتِي ∗∗∗ فَما لِي إلى هَذا الكَلامِ يَدانِ
فَأجابَ السُّبْكِيُّ بِأنَّ جُمْلَةَ (اسْتَطْعَما) مُحْتَمَلَةٌ لِأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِقَرْيَةٍ، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِأهْلِ وأنْ تَكُونَ جَوابَ إذا ولا احْتِمالَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ مُتَعَيِّنٌ مَعْنًى وأنَّ الثّانِيَ والثّالِثَ وإنِ احْتَمَلَتْهُما الآيَةُ بَعِيدانِ عَنْ مَغْزاها، أما الثّالِثُ فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ المَقْصُودِ الإخْبارَ بِالِاسْتِطْعامِ عِنْدَ الإتْيانِ، وأنَّ ذَلِكَ تَمامُ مَعْنى الكَلامِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُعْظَمُ قَصْدِهِما أوْ هو طَلَبُ الطَّعامِ مَعَ أنَّ القَصْدَ هو ما أرادَ رَبُّكَ مِمّا قَصَّ بَعْدُ وإظْهارُ الأمْرِ العَجِيبِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِشَرْحِ حالِ الأهْلِ مِن حَيْثُ هم هم ولا يَكُونُ لِلْقَرْيَةِ أثَرٌ في ذَلِكَ ونَحْنُ نَجِدُ بَقِيَّةَ الكَلامِ مُشِيرًا إلَيْها نَفْسِها فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ ويَجِبُ فِيهِ (اسْتَطْعَما أهْلَها) ولا يَجُوزُ اسْتَطْعَماهم أصْلًا لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ عَنْ ضَمِيرِ المَوْصُوفِ.
وعَلى هَذا يُفْهَمُ مِن مَجْمُوعِ الآياتِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ما فَعَلَ في قَرْيَةٍ مَذْمُومٍ أهْلُها وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهم سُوءُ صَنِيعٍ مِنَ الآباءِ عَنْ حَقِّ الضَّيْفِ مَعَ طَلَبِهِ ولِلْبِقاعِ تَأْثِيرٌ في الطِّباعِ ولَمْ يَهِمْ فِيها مَعَ أنَّها حَرِيَّةٌ بِالإفْسادِ والإضاعَةِ بَلْ باشَرَ الإصْلاحَ لِمُجَرَّدِ الطّاعَةِ ولَمْ يَعْبَأْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِعْلِ أهْلِها اللِّئامِ، ويَنْضافُ إلى ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ أنَّ الأهْلَ الثّانِيَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا هُمُ الأوَّلُونَ أوْ غَيْرُهم أوْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والغالِبُ أنَّ مَن أتى قَرْيَةً لا يَجِدُ جُمْلَةَ أهْلِها دُفْعَةً بَلْ يَقَعُ بَصَرُهُ أوَّلًا عَلى البَعْضِ ثُمَّ قَدْ يَسْتَقْرِيهِمْ فَلَعَلَّ هَذَيْنَ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ لَمّا أتَيا قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُما اسْتِقْراءَ الجَمِيعِ عَلى التَّدْرِيجِ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ كَمالُ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِ تَعالى بِسُوءِ صَنِيعِ بَعْضِ عِبادِهِ، ولَوْ قِيلَ اسْتَطْعَماهم تَعَيَّنَ إرادَةُ الأوَّلِينَ فَأتى بِالظّاهِرِ إشْعارًا بِتَأْكِيدِ العُمُومِ فِيهِ وأنَّهُما لَمْ يَتْرُكا أحَدًا مِن أهْلِها حَتّى اسْتَطْعَماهُ وأبى، ومَعَ ذَلِكَ قُوبِلُوا بِأحْسَنِ الجَزاءِ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ الأسْرارِ كَيْفَ احْتَجَبَتْ عَنْ
صفحة 4
كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ تَحْتَ الأسْتارِ حَتّى أنَّ بَعْضَهم لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ، وبَعْضَهُمُ ادَّعى أنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ، وآخِرُ زَعَمَ ما لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَتّى سَمِعْتُ عَنْ شَخْصٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ اسْتَطْعَماهم لِأنَّ اجْتِماعَ الضَّمِيرَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ مُسْتَثْقَلٌ وهو قَوْلٌ يُحْكى لِيُرَدَّ فَإنَّ القُرْآنَ والكَلامَ الفَصِيحَ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ ومِنهُ ما يَأْتِي في الآيَةِ، ومِن تَمامِ الكَلامِ فِيما ذُكِرَ أنَّ اسْتَطْعَما إنْ جُعِلَ جَوابًا فَهو مُتَأخِّرٌ عَنِ الإتْيانِ وإذا جُعِلَ صِفَةً احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ قَدِ اتَّفَقَ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ، وذُكِرَ تَعْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُما عَلى عَدَمِ الإتْيانِ لِقَصْدِ الخَيْرِ فَهَذا ما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ، والشِّعْرُ يَضِيقُ عَنِ الجَوابِ وقَدْ قُلْتُ:
لِأسْرارِ آياتِ الكِتابِ مَعانِي ∗∗∗ تَدُقُّ فَلا تَبْدُو لِكُلِّ مُعانِي
وفِيها لِمُرْتاضٍ لَبِيبٍ عَجائِبُ ∗∗∗ سَنا بَرْقِها يَعْنُو لَهُ القَمَرانِ
إذا بارِقٌ مِنها لِقَلْبِي قَدْ بَدا ∗∗∗ هَمَمْتُ قَرِيرَ العَيْنِ بِالطَّيَرانِ
سُرُورًا وإبْهاجًا وُصُولًا عَلى العُلا ∗∗∗ كَأنِّي عَلا فَوْقَ السِّماكِ مَكانِي
فَما المُلْكُ والأقْرانُ ما البِيضُ ما القَنا ∗∗∗ وعِنْدِي وُجُوهٌ أسْفَرَتْ بِتَهانِي
وهاتِيكَ مِنها قَدْ أبَحْتُكَ سِرَّها ∗∗∗ فَشُكْرًا لِمَن أوْلاكَ حُسْنَ بَيانِي
أرى اسْتَطْعَما وصْفًا عَلى قَرْيَةٍ جَرى ∗∗∗ ولَيْسَ لَها والنَّحْوُ كالمِيزانِ
صِناعَتُهُ تَقْضِي بِأنَّ اسْتِتارَ ما ∗∗∗ يَعُودُ عَلَيْهِ لَيْسَ في الإمْكانِ
ولَيْسَ جَوابًا لا ولا صَفَّ أهْلِها ∗∗∗ فَلا وجْهَ لِلْإضْمارِ والكِتْمانِ
وهَذِي ثَلاثٌ ما سِواها بِمُمْكِنٍ ∗∗∗ تَعَيَّنَ مِنها واحِدٌ فَسَبانِي
ورُضْتُ بِها فِكْرِي إلى أنْ تَمَخَّضَتْ ∗∗∗ بِهِ زُبْدَةُ الأحْقابِ مُنْذُ زَمانِ
وإنَّ حَياتِي في تَمَوُّجِ أبْحُرٍ ∗∗∗ مِنَ العِلْمِ في قَلْبِي يَمُدُّ لِسانِي
إلى آخِرِ ما تَحَمَّسَ بِهِ، وفِيهِ مِنَ المُناقَشَةِ ما فِيهِ. وقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِتَرْكِيبٍ أخْصَرَ مِمّا ذُكِرَ بِأنْ يُقالَ: فَلَمّا أتَيا قَرْيَةً اسْتَطْعَما أهْلَها فَما الدّاعِي إلى ذِكْرِ الأهْلِ أوَّلًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ جِيءَ بِالأهْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَصَدُوا بِالإتْيانِ في قَرْيَتِهِمْ وسَألُوا فَمَنَعُوا ولا شَكَّ أنَّ هَذا أبْلَغُ في اللُّؤْمِ وأبْعَدُ عَنْ صُدُورِ جَمِيلٍ في حَقِّ أحَدٍ مِنهم فَيَكُونُ صُدُورُ ما صَدَرَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَرِيبًا جِدًّا، لا يُقالُ: لِيَكُنِ التَّرْكِيبُ كَذَلِكَ ولْيَكُنْ عَلى الإرادَةِ الأهْلَ تَقْدِيرًا أوْ تَجَوُّزًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الإتْيانَ يُنْسَبُ لِلْمَكانِ كَأتَيْتُ عَرَفاتَ ولِمَن فِيهِ كَأتَيْتُ أهْلَ بَغْدادَ فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ كانَ فِيهِ تَفْوِيتًا ( لِلْمَقْصُودِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ لِامْتِناعِ سُؤالِ نَفْسِ القَرْيَةِ عادَةً، واخْتارَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَلِيٌّ المَوْصِلِيُّ في جَوابِ الصَّفَدِيِّ أنَّ تَكْرارَ الأهْلِ والعُدُولَ عَنِ اسْتَطْعَماهم إلى (اسْتَطْعَما أهْلَها) لِلتَّحْقِيرِ وهو أحَدُ نِكاتِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ وبَسَطَ الكَلامَ في ذَلِكَ نَثْرًا وقالَ نَظْمًا:
سَألْتُ لِماذا اسْتَطْعَما أهْلَها أتى ∗∗∗ عَنِ اسْتَطْعَماهم إنَّ ذاكَ لَشانِ
وفِيهِ اخْتِصارٌ لَيْسَ ثَمَّ ولَمْ تَقِفْ ∗∗∗ عَلى سَبَبِ الرُّجْحانِ مُنْذُ زَمانِ
فَهاكَ جَوابًا رافِعًا لِنِقابِهِ ∗∗∗ يَصِيرُ بِهِ المَعْنى كَرَأْيِ عِيانِ
صفحة 5
إذا ما اسْتَوى الحالانِ في الحُكْمِ رُجِّحَ ∗∗∗ الضَّمِيرُ وأمّا حِينَ يَخْتَلِفانِ
بِأنْ كانَ في التَّصْرِيحِ إظْهارُ حِكْمَةٍ ∗∗∗ كَرِفْعَةِ شَأْنٍ أوْ حَقارَةِ جانِي
كَمِثْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَقُولُ ذا ∗∗∗ وما نَحْنُ فِيهِ صَرَّحُوا بِأمانِ
وهَذا عَلى الإيجازِ والبَسْطِ جاءَ في ∗∗∗ جَوابِي مَنثُورًا بِحُسْنِ بَيانِ
وذَكَرَ في النَّثْرِ وجْهًا آخَرَ لِلْعُدُولِ وهو ما نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ ورَدَّهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا النَّيْسابُورِيُّ وهو لَعَمْرِي كَما قالَ السُّبْكِيُّ، ويُؤَوَّلُ إلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ الإظْهارَ لِلتَّحْقِيرِ قَوْلُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنهُ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ وهو وجْهٌ وجِيهٌ عِنْدَ كُلِّ نَبِيهٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الفَصِيحِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأهْلَيْنِ مُتَغايِرانِ، فَلِذا جِيءَ بِهِما مَعًا، وقَوْلُهُمْ: إذا أُعِيدَ المَذْكُورُ أوَّلًا مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ غَيْرَ مُطَّرِدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِالأهْلِ الأوَّلِ البَعْضُ إذْ في ابْتِداءِ دُخُولِ القَرْيَةِ لا يَتَأتّى عادَةً إتْيانُ جَمِيعِ أهْلِها لا سِيَّما عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ دُخُولَهُما كانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِالأهْلِ الثّانِي الجَمِيعُ لِما ورَدَ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ فَلَوْ جِيءَ بِالضَّمِيرِ لَفُهِمَ أنَّهُما اسْتَطْعَما البَعْضَ، وعَكَسَ بَعْضُهُمُ الأمْرَ فَقالَ: المُرادُ بِالأهْلِ الأوَّلِ الجَمِيعُ ومَعْنى إتْيانِهِمُ الوُصُولُ إلَيْهِمْ والحُلُولُ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو نَظِيرُ إتْيانِ البَلَدِ وهو ظاهِرٌ في الوُصُولِ إلى بَعْضٍ مِنهُ والحُلُولِ فِيهِ، وبِالأهْلِ الثّانِي البَعْضُ إذْ سُؤالُ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن كِبارِ أهْلِ القَرْيَةِ وصِغارِهِمْ وذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ وأغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، والخَبَرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَعَلَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُما اسْتَطْعَما الرِّجالَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ أنَّهُ قالَ: أطْعَمَتْهُما امْرَأةٌ مِن بَرْبَرٍ بَعْدَ أنْ طَلَبا مِنَ الرِّجالِ فَلَمْ يُطْعِمُوهُما، فَدَعَيا لِنِسائِهِمْ ولَعَنا رِجالَهم، فَلِذا جِيءَ بِالظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الرِّسالَةِ. وأوْرَدَ عَلَيْهِما أنَّ فِيهِما مُخالَفَةً لِما هو الغالِبُ في إعادَةِ الأوَّلِ مَعْرِفَةً، وعَلى الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ في المُغايَرَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها، ولا يُورَدُ هَذا عَلى الأوَّلِ لِأنَّ فائِدَةَ المُغايَرَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ كَما لا يَخْفى.
واخْتارَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِالتَّأْكِيدِ أنَّ المُرادَ بِالأهْلِ في المَوْضِعَيْنِ الَّذِينَ يُتَوَقَّعُ مِن ظاهِرِ حالِهِمْ حُصُولُ الغَرَضِ مِنهم ويَحْصُلُ اليَأْسُ مِن غَيْرِهِمْ بِاليَأْسِ مِنهم مِنَ المُقِيمِينَ المُتَوَطِّنِينَ في القَرْيَةِ، ومَن لَمْ يُحَكِّمِ العادَةَ يَقُولُ: إنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أتَوُا الجَمِيعَ وسَألُوهم لِما أنَّهُما عَلى ما قِيلَ قَدْ مَسَّتْهُما الحاجَةُ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو رَزِينٍ وأبُو مُحَيْصِنٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ وأبانَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإضافَةِ يُقالُ: ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ وجَعَلَهُ ضَيْفًا، وحَقِيقَةُ ضافَ مالَ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الهَدَفِ يَضِيفُ، ويُقالُ أضافَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ وتَضَيَّفَتْ إذا مالَتْ، ونَظِيرُهُ زارَّهُ مِنَ الِازْوِرارِ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالإباءِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ لُؤْمِ القَوْمِ لِأنَّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ شِدَّةُ الِامْتِناعِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: فَلَمْ يُضِيفُوهُما مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ فَإنَّهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ في الدَّلالَةِ عَلى ذَمِّهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِطْعامَ كانَ طَلَبًا لِلطَّعامِ عَلى وجْهِ الضِّيافَةِ بِأنْ يَكُونا قَدْ قالا: إنّا غَرِيبانِ فَضَيِّفُونا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ دُونَ فَأبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما مَعَ اقْتِضاءِ ظاهِرِ ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ إيّاهُ، وإنَّما عَبَّرَ بِاسْتِطْعَما دُونَ اسْتَضافا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ جُلَّ قَصْدِهِما الطَّعامُ دُونَ المَيْلِ بِهِما إلى مَنزِلٍ وإيوائِهِما إلى مَحَلٍّ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ مِنَ التَّشْنِيعِ ما لَيْسَ في
صفحة 6
أبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما؛ لِأنَّ الكَرِيمَ قَدْ يَرُدُّ السّائِلَ المُسْتَطْعِمَ ولا يُعابُ كَما إذا رَدَّ غَرِيبًا اسْتَضافَهُ بَلْ لا يَكادُ يَرُدُّ الضَّيْفَ إلّا لَئِيمٌ، ومِن أعْظَمِ هِجاءِ العَرَبِ فُلانٌ يَطْرُدُ الضَّيْفَ، وعَنْ قَتادَةَ شَرُّ القُرى الَّتِي لا يُضافُ فِيها الضَّيْفُ ولا يُعْرَفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقُّهُ.
وقالَ زَيْنُ الدِّينِ المُوصِلِيُّ: إنَّما خَصَّ سُبْحانَهُ الِاسْتِطْعامَ بِمُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ والضِّيافَةَ بِالأهْلِ لِأنَّ الِاسْتِطْعامَ وظِيفَةُ السّائِلِ والضِّيافَةَ وظِيفَةُ المَسْؤُولِ؛ لِأنَّ العُرْفَ يَقْضِي بِذَلِكَ فَيَدْعُو المُقِيمَ القادِمَ إلى مَنزِلِهِ يَسْألُهُ ويَحْمِلُهُ إلَيْهِ انْتَهى، وهو كَما تَرى. ومِمّا يَضْحَكُ مِنهُ العُقَلاءُ ما نَقَلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ لَمّا سَمِعُوا نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَحْيَوْا وأتَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِمْلٍ مِن ذَهَبٍ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَشْتَرِي بِهَذا الذَّهَبِ أنْ تَجْعَلَ الباءَ مِن (أبَوْا) تاءً، فَأبى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»، وبَعْضُهم يَحْكِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمَنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولا أصْلَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَلى فَرْضِ الصِّحَّةِ يُعْلَمُ مِنهُ قِلَّةُ عُقُولِ أهْلِ القَرْيَةِ في الإسْلامِ كَما عُلِمَ لُؤْمُهم مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ مِن قَبْلُ (فَوَجَدا) عَطْفٌ كَما قالَ السُّبْكِيُّ عَلى ﴿فِيها جِدارًا﴾ رُوِيَ أنَّهُما التَجَآ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدا مَأْوًى وكانَتْ لَيْلَتُهُما لَيْلَةً بارِدَةً، وكانَ عَلى شارِعِ الطَّرِيقِ ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ يَسْقُطَ وماضِيهِ انْقَضَّ عَلى وزْنِ انْفَعَلَ نَحْوَ انْجَرَّ والنُّونُ زائِدَةٌ لِأنَّهُ مِن قَضَضْتُهُ بِمَعْنى كَسَرْتُهُ لَكِنْ لَمّا كانَ المُنْكَسِرُ يَتَساقَطُ قِيلَ الِانْقِضاضُ السُّقُوطُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ كانْقِضاضِ الكَوْكَبِ والطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو مِنَ القَضَّةِ وهي الحَصى الصِّغارِ، ومِنهُ طَعامٌ قَضَضٌ إذا كانَ في حَصًى، فَعَلى هَذا المَعْنى يُرِيدُ أنْ يَتَفَتَّتَ فَيَصِيرَ حَصًى انْتَهى.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في الإيضاحِ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلُ مِنَ النَّقْضِ كَأحْمَرَ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: هو غَلَطٌ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ. والنُّونُ عَلى هَذا أصْلِيَّةٌ، والمُرادُ مِن إرادَةِ السُّقُوطِ قُرْبُهُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ تَسَبُّبِ إرادَةِ السُّقُوطِ لِقُرْبِهِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ قُرْبَ السُّقُوطِ بِالإرادَةِ لِما فِيهِما مِنَ المَيْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ إسْنادُ ما يَكُونُ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ إلى غَيْرِهِمْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ
وقَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِها ∗∗∗ مَسَّ البُطُونِ وأنْ تَمَسَّ ظُهُورًا
وقَوْلُ أبِي نُواسِ:
فاسْتَنْطَقَ العُودَ قَدْ طالَ السُّكُوتُ بِهِ ∗∗∗ لا يَنْطِقُ اللَّهْوُ حَتّى يَنْطِقَ العُودُ
إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً حَتّى قِيلَ: إنَّ مَن لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى كَلامِ العَرَبِ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ عَلى هَذا المَطْلَبِ. ونَقَلَ بَعْضُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ داوُدَ الأصْبَهانِيِّ أنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ المَجازِ في القُرْآنِ فَيُؤَوِّلُ الآيَةَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في يُرِيدُ لِلْخَضِرِ أوْ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الجِدارَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ حَياةً وإرادَةً والكُلُّ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ تُغْسَلُ بِهِ بَلاغَةُ الكَلامِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَعَلَّ النَّقْلَ لا يَصِحُّ عَنِ الرَّجُلِ وكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ وهو أحَدُ الأُدَباءِ الشُّعَراءِ الفُحُولِ المُجِيدِينَ في النَّظْمِ والنَّثْرِ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( يُنْقَضُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والضّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ
صفحة 7
( يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ ) كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ اللّامِ
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعِكْرِمَةُ وخُلَيْدُ بْنُ سَعْدٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( يَنْقاصَ ) بِالصّادِ المُهْمَلَةِ مَعَ الألْفِ، ووَزْنُهُ يَنْفَعِلُ اللّازِمُ مِن قَصْتُهِ فانْقاصَ إذا كَسَرْتَهُ فانْكَسَرَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ:
تَقُولُ العَرَبُ: انْقاصَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرَ وحْشٍ:
يَغْشى الكِناسَ بِرَوْقَيْهِ ويَهْدِمُهُ ∗∗∗ مِن هائِلِ الرَّمْلِ مُنْقاصٌ ومُنْكَثِبُ
وفِي الصَّحّاحِ قَيْصُ السِّنِّ سُقُوطُها مِن أصْلِها وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:
فِراقٌ كَقَيْصِ السِّنِّ فالصَّبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وحُبُورُ
وقالَ الأُمَوِيُّ: انْقاصَتِ البَرُّ انْهارَتْ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المُنْقاصُ المُنْقَعِرُ، والمُنْقاضُ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المُنْشَقِّ طُولًا، وقالَ أبُو عَمْرٍو: هَما بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ الزَّهْرِيُّ ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ، والمَشْهُورُ تَفْسِيرُهُ بَيْنَهَدِمُ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ المَشْهُورَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ يَنْقاصُ بِالمُهْمَلَةِ (فَأقامَهُ) مَسَحَهُ بِيَدِهِ فَقامَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ إنَّهُ هو الصَّحِيحُ وهو أشْبَهُ بِأحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِما بَعْدُ إذْ لا يَسْتَحِقُّ بِمِثْلِهِ الأجْرَ، ورُدَّ بِأنَّ عَدَمَ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولا يَضُرُّهُ سُهُولَتُهُ عَلى الفاعِلِ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: سَوّاهُ بِالشَّيْدِ، وقِيلَ هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرَأ ( فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَهَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ» )
وكانَ طُولُ هَذا الجِدارِ إلى السَّماءِ عَلى ما نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِائَةَ ذِراعٍ، ونَقَلَ السُّفَيْرِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّهُ كانَ سُمْكُهُ مِائَتَيْ ذِراعٍ بِذِراعِ تِلْكَ القَرْيَةِ وكانَ طُولُهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَمْسَمِائَةِ ذِراعٍ وكانَ عَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا وكانَ النّاسُ يَمُرُّونَ تَحْتَهُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ (قالَ) مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ تَحْرِيضًا لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَثًّا عَلى أخْذِ الجُعْلِ والأُجْرَةِ عَلى ما فَعَلَهُ لِيَحْصُلَ لَهُما بِذَلِكَ الِانْتِعاشُ والتَّقْوى بِالمَعاشِ فَهو سُؤالٌ لَهُ: لِمَ لَمْ يَأْخُذِ الأُجْرَةَ؟ واعْتِراضٌ عَلى تَرْكِ الأخْذِ فالمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ إذْ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِفِعْلِهِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَثًّا وإنَّما قالَهُ تَعْرِيضًا بِأنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ فُضُولٌ وتَبَرُّعٌ بِما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ ولا اسْتِحْقاقٍ لِمَن فُعِلَ لَهُ مَعَ كَمالِ الِاحْتِياجِ إلى خِلافِهِ، وكانَ الكَلِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى الحِرْمانَ ومَساسَ الحاجَةِ والِاشْتِغالَ بِما لا يَعْنِي لَمْ يَتَمالَكِ الصَّبْرَ فاعْتَرَضَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ فالتّاءُ الأُولى أصْلِيَّةٌ والثّانِيَةُ تاءُ الِافْتِعالِ أُدْغِمَتْ فِيها الأُولى، ومادَّتُهُ تَخَذَ لا أخَذَ وإنْ كانَ بِمَعْناهُ؛ لِأنَّ فاءَ الكَلِمَةِ لا تُبَدَّلُ إذا كانَتْ هَمْزَةً أوْ ياءً مُبْدَلَةً مِنها، ولِذا قِيلَ إنَّ ايْتَزَرَ خَطَأٌ أوْ شاذٌّ وهَذا شائِعٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأيْضًا إبْدالُها في الِافْتِعالِ لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمْ تَخِذَ وجْهٌ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ غَيْرُهم: إنَّهُ الِاتِّخاذُ افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ ولا يَسْلَمُ ما تَقَدَّمَ، ويَقُولُ: المَدَّةُ العارِضَةُ تُبْدَلُ تاءً أيْضًا، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ هُنا أجْرَوْهُ مَجْرى الأصْلِيِّ وقالُوا: تَخِذَ ثُلاثِيًّا جَرْيًا عَلَيْهِ وهَذا كَما قالُوا: تَقِيَ مِنِ اتَّقى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو بِحُرِّيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ واليَزِيدِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( لَتَّخَذْتُ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ أيْ لَأخَذْتُ، وأظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ الذّالَ وأدْغَمَها باقِي السَّبْعَةِ.
الكهف 18:78
﴿قالَ﴾ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ
صفحة 8
المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا، وابْنُ الحاجِبِ يَجْعَلُ الإضافَةَ في مِثْلِهِ عَلى مَعْنى في وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( فِراقُ بَيْنِي ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ بَيْنَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وأُعِيدَ بَيْنَ وإنْ كانَ لا يُضافُ إلى لِمُتَعَدِّدٍ لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، قالَ أبُو حَيّانَ: والعُدُولُ عَنْ بَيْنِنا لِمَعْنى التَّأْكِيدِ والإشارَةِ إلى الفِراقِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ قَبْلُ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ والحَمْلِ مُفِيدٌ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ الفِراقُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في الذِّهْنِ والخَبَرُ الفِراقُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ في الخارِجِ كَما قِيلَ أوْ إلى الوَقْتِ الحاضِرِ أيْ هَذا الوَقْتُ وقْتَ فِراقِنا أوْ إلى الِاعْتِراضِ الثّالِثِ أيْ هَذا الِاعْتِراضُ سَبَبٌ فِراقِنا حَسْبَما طَلَبْتَ، فَوَجْهُ تَخْصِيصِ الفِراقِ بِالثّالِثِ ظاهِرٌ.
وقالَ العَلّامَةُ الأوَّلُ: إنَّما كانَ هَذا سَبَبَ الفِراقِ دُونَ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ ظاهِرَهُما مُنْكَرٌ فَكانَ مَعْذُورًا بِخِلافِ هَذا، فَإنَّهُ لا يُنْكِرُ الإحْسانَ لِلْمُسِيءِ بَلْ يَحْمَدُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في وجْهِهِ أنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ والغُلامِ كانَ لِلَّهِ تَعالى، وفي هَذا لِنَفْسِهِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، فَكانَ سَبَبَ الفِراقِ، وحَكى القُشَيْرِيُّ نَحْوَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ. ورَدَّ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِجَلالَتِهِما، ولَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الحِبْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنْ أرْبابِ المَعانِي أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي وقَعَتْ لِمُوسى مَعَ الخَضِرِ حُجَّةٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ خَرْقَ السَّفِينَةِ نُودِيَ يا مُوسى أيْنَ كانَ تَدْبِيرُكَ هَذا وأنْتَ في التّابُوتِ مَطْرُوحًا في اليَمِّ؟ ولَمّا أنْكَرَ قَتْلَ الغُلامِ قِيلَ لَهُ أيْنَ إنْكارُكَ هَذا ووَكْزَ القِبْطِيِّ والقَضاءَ عَلَيْهِ؟ ولَمّا أنْكَرَ إقامَةَ الجِدارِ نُودِيَ أيْنَ هَذا مِن رَفْعِكَ الحَجَرَ لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُونِ أُجْرَةٍ؟ ورَأيْتُ أنا في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُوسى اعْتَرَضْتَ عَلَيَّ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ وأنْتَ ألْقَيْتَ ألْواحَ التَّوْراةِ فَتَكَسَّرَتْ، واعْتَرَضْتَ عَلَيَّ بِقَتْلِ الغُلامِ وأنْتَ وكَزْتَ القِبْطِيَّ فَقُضِيَ عَلَيْهِ، واعْتَرَضْتَ عَلَيَّ بِإقامَةِ الجِدارِ بِلا أجْرٍ وأنْتَ سَقَيْتَ لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ أغْنامَهُما بِلا أجْرٍ، فَمَن فَعَلَ نَحْوَ ما فَعَلْتَ لَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيَّ، والظّاهِرُ أنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا يَصِحُّ، والفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ ما صَدَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما صَدَرَ مِنَ الخَضِرِ وهو أجَلُّ مِن أنْ يَحْتَجَّ عَلى صاحِبِ التَّوْراةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ وأظُنُّهُ المَلْطِيُّ قالَ: لَمّا أرادَ الخَضِرُ أنْ يُفارِقَ مُوسى قالَ لَهُ: أوْصِنِي قالَ: كُنْ نَفّاعًا ولا تَكُنْ ضَرّارًا كُنْ بَشّاشِيًّا ولا تَكُنْ غَضْبانًا ارْجِعْ عَنِ اللَّجاجَةِ ولا تَمْشِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ ولا تُعَيِّرْ أمْرًا بِخَطِيئَتِهِ وابْكِ عَلى خَطِيئَتِكَ يا ابْنَ عِمْرانَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أسْباطٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الخَضِرَ قالَ لِمُوسى لَمّا أرادَ أنْ يُفارِقَهُ: يا مُوسى تَعَلَّمِ العِلْمَ لِتَعْمَلَ بِهِ ولا تُعَلِّمْهُ لِتُحَدَّثَ بِهِ، وبَلَغَنِي أنَّ مُوسى قالَ لِلْخَضِرِ: ادْعُ لِي فَقالَ الخَضِرُ: يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ طاعَتِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ أيْضًا.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( سَأُنْبِيكَ ) بِإخْلاصِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لِعَدَمِ تَراخِي الإنْباءِ أيْ أخْبَرَكَ البَتَّةَ ﴿بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ عَنْ طَلَبٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا عَزَمَ الخَضِرُ عَلى فِراقِهِ أخَذَ بِثِيابِهِ وقالَ: لا أُفارِقُكَ حَتّى تُخْبِرَنِي بِما أباحَ لَكَ فِعْلَ ما فَعَلْتَ ودَعاكَ إلَيْهِ فَقالَ ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ والتَّأْوِيلُ رَدُّ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَآلُ والعاقِبَةُ إذْ هو المُنَبَّأُ بِهِ دُونَ التَّأْوِيلِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وما عِبارَةٌ عَنِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي خَرْقُ السَّفِينَةِ وقَتْلُ الغُلامِ وإقامَةُ الجِدارِ، ومَآلُها خَلاصُ السَّفِينَةِ مِنَ اليَدِ الغاصِبَةِ وخَلاصُ أبَوَيِ الغُلامِ مِن شَرِّهِ مَعَ الفَوْزِ
صفحة 9
بِالبَدَلِ الأحْسَنِ واسْتِخْراجُ اليَتِيمَيْنِ لِلْكَنْزِ، وفي جَعْلِ المَوْصُولِ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلصَّبْرِ دُونَ أنْ يُقالَ بِتَأْوِيلِ ما فَعَلْتَ أوْ بِتَأْوِيلِ ما رَأيْتَ ونَحْوِهِما نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِتابٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِاسْتِشارَةِ مَزِيدِ تَوَجُّهِهِ وإقْبالِهِ لِتَلَقِّي ما يُلْقى إلَيْهِ، (وصَبْرًا) مَفْعُولُ تَسْتَطِعْ وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.
الكهف 18:79
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي خَرَقَها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ جَمْعُ مِسْكِينٍ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، ويَجْمَعُ عَلى مَساكِينَ ومِسْكِينُونَ وهو الضَّعِيفُ العاجِزُ، ويَشْمَلُ هَذا ما إذا كانَ العَجْزُ لِأمْرٍ في النَّفْسِ أوِ البَدَنِ، ومِن هُنا قِيلَ سُمُّوا مَساكِينَ لِزَمانَتِهِمْ وقَدْ كانُوا عَشْرَةً خَمْسَةٌ مِنهم زَمْنى وإطْلاقُ مَساكِينَ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا مِن بابِ التَّغْلِيبِ، وهَذا المَعْنى لِلْمِسْكِينِ غَيْرُ ما اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ، وعَلَيْهِ لا تَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً لِمَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن يَمْلِكُ شَيْئًا ولا يَكْفِيهِ لِأنَّ هَذا المَعْنى مَقْطُوعٌ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ المالِ وعَدَمِهِ.
وقَدْ يُفَسَّرُ بِالمُحْتاجِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ ظاهِرَةً فِيما يَدَّعِيهِ القائِلُ المَذْكُورُ، وادَّعى مَن يَقُولُ: إنَّ المِسْكِينَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وهو الفَقِيرُ عِنْدَ الأوَّلِ أنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم بَلْ كانُوا أُجَراءَ فِيها، وقِيلَ: كانَتْ مَعَهم عارِيَةٌ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ لا لِلْمِلْكِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُقْبَلُ بِلا دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا شَيْءَ لَهُ أصْلًا وأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ المَساكِينَ تَرَحُّمًا.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ (لِمَسّاكِينَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِمَسّاكٍ فَقِيلَ: المَعْنى لِمَلّاحِينَ، وقِيلَ: المَسّاكُ مَن يُمْسِكُ رِجْلَ السَّفِينَةِ وكانُوا يَتَناوَبُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَسّاكُونَ دَبَغَةُ المُسُوكِ وهي الجُلُودُ واحِدُها مِسْكٌ ولَعَلَّ إرادَةَ المَلّاحِينَ أظْهَرُ ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ بِها فِيهِ ويَتَعَيَّشُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم، وإسْنادُ العَمَلِ إلى الكُلِّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مِنهم زَمْنى عَلى التَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّ عَمَلَ الوُكَلاءِ بِمَنزِلَةِ عَمَلِ المُوَكَّلِينَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِالخَرْقِ ولَمْ أُرِدْ إغْراقَ مَن بِها كَما حَسِبْتَ، ولِإرادَةِ هَذا المَعْنى جِيءَ بِالإرادَةِ ولَمْ يَقُلْ فَأعَبْتُها. وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ في الِاعْتِراضِ لِلتَّعْلِيلِ ويَحْتاجُ حَمَلُها عَلى العاقِبَةِ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ هُنا كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ أيْ: أمامَهم وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ السِّكِّيتِ والزَّجّاجِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وقَوْلُ سَوّارِ بْنِ المُضَرَّبِ السَّعْدِيِّ:
أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا
وقَوْلُ الآخَرِ:
ألَيْسَ ورائِي أنَّ أدُبَّ عَلى العَصا ∗∗∗ فَيَأْمَنَ أعْدائِي ويَسْأمُنِي أهْلِي
وفِي القُرْآنِ كَثِيرٌ أيْضًا، ولا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ في مَجِيءِ وراءَ بِمَعْنى أمامَ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وأكْثَرُهم عَلى أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ يَصِحُّ إرادَتُهُ مِنها في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ، وقالُوا: هي مِنَ الأضْدادِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ لَها مَعْنًى واحِدًا يَشْمَلُ الضِّدَّيْنِ فَقالَ ابْنُ الكَمالِ نَقْلًا عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّها اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَّخْصُ مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ، وقالَ البَيْضاوِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ ورا يَرْئِي كَقَضا يَقْضِي وإذا أُضِيفَ إلى
صفحة 10
الفاعِلِ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ أعْنِي المَسْتُورَ وهو ما كانَ خَلَفًا، وإذا أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ يُرادُ بِهِ الفاعِلُ أعْنِي السّاتِرَ وهو ما كانَ قُدّامًا. ورُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ فَإنَّ وراءَ أُضِيفَتْ فِيهِ إلى المَفْعُولِ والمُرادُ بِها الخَلْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ وكَذا في سائِرِ الأجْسامِ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّما جازَ اسْتِعْمالُ وراءَ بِمَعْنى أمامَ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّها جِهَةٌ مُقابَلَةٌ لِجِهَةٍ فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ وراءَ الأُخْرى إذا لَمْ يَرِدْ مَعْنى المُواجَهَةِ، ويَجُوزُ ذَلِكَ في الأجْرامِ الَّتِي لا وجْهَ لَها مِثْلَ حَجَرَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما وراءَ الآخَرِ، وقِيلَ: أيْ خَلْفَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى وراءَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ خَلْفَهم فَقَدْ سَلِمُوا مِنهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ خَلْفَهم مُدْرِكٌ لَهم ومارٌّ بِهِمْ أوْ بِأنَّ رُجُوعَهم عَلَيْهِ واسْمُهُ عَلى ما يَزْعُمُونَ هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ وكانَ كافِرًا، وقِيلَ: جَلَنْدى بْنُ كُرْكُرَ مَلِكُ غَسّانَ، وقِيلَ: مِفْوادُ بْنُ الجَلَنْدِ ابْنِ سَعِيدٍ الأزْدِيُّ وكانَ بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أيْ: صالِحَةٍ وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ولَوْ أُبْقِي العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْيِيبِ فائِدَةٌ ﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الأخْذِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ يَغْصِبُ السُّفُنَ مِن أصْحابِها ثُمَّ لا يَرُدُّها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ يُسَخِّرُها ثُمَّ يَرُدُّها، والفاءُ في (فَأرَدْتُ) لِلتَّفْرِيعِ فَيُفِيدُ أنَّ سَبَبَ إرادَةِ التَّعْيِيبِ كَوْنُها لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ لَكِنْ لَمّا كانَتْ مُناسَبَةُ هَذا السَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ خَفِيَّةً بَيْنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عادَةِ المَلِكِ في غَصْبِ السُّفُنِ، ومَآلِ المَعْنى أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِقَوْمٍ مَساكِينَ عَجَزَةٍ يَكْتَسِبُونَ بِها فَأرَدْتُ بِما فَعَلْتُ إعانَتَهم عَلى ما يَخافُونَهُ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ مِن غَصْبِ مَلِكٍ وراءَهم عادَتُهُ غَصْبُ السُّفُنِ الصّالِحَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ المَسْكَنَةُ والغَصْبُ إلّا أنَّهُ وسَّطَ التَّفْرِيعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وكانَ الظّاهِرُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُما لِلْغايَةِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ هو المُنْكَرَ المُحْتاجَ إلى بَيانِ تَأْوِيلِهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ الأقْوى في السَّبَبِيَّةِ هو الأمْرُ الأوَّلُ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِتَخْلِيصِ سُفُنِ سائِرِ النّاسِ مَعَ تَحَقُّقِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ السَّبَبِ ولِأنَّ في تَأْخِيرِهِ فَصْلًا بَيْنَ السَّفِينَةِ وضَمِيرِها مَعَ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ فَلْيُفْهَمْ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَلِمَ تَأْوِيلَ هَذا الفِعْلِ قَبْلُ.
ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما جاءَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ خَرَقَ السَّفِينَةَ وسَلِمَتْ مِنَ المَلِكِ الظّالِمِ أقْبَلَ عَلى أصْحابِها فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ لَكم فَحَمِدُوا رَأْيَهُ وأصْلَحَها لَهم كَما كانَتْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حاضِرًا يَسْمَعُ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا الخَبَرَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واحْتِمالُ صِحَّتِهِ مَعَ عَدَمِ سَماعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
الكهف 18:80
﴿وأمّا الغُلامُ﴾ الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ﴾ أيْ أبُوهُ وأُمُّهُ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ واسْمُ الأبِ عَلى ما في الإتْقانِ كَأْزِيرُ والأُمُّ سَهْوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ في قِراءَةِ السَّبْعَةِ إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِكُفْرِهِ إشْعارًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ واسْتَدَلَّ بِتِلْكَ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ الغُلامَ كانَ بالِغًا لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ وإيمانٍ حَقِيقِيَّيْنِ. وأجابَ النَّوَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ القِراءَةَ شاذَّةٌ لا حُجَّةَ فِيها، الثّانِي أنَّهُ سَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لَوْ عاشَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ الغُلامَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا وأُوِّلَ بِنَحْوِ هَذا، وكَذا ما مَرَّ مِن خَبَرِ صاحِبِ العُرْسِ والعَرائِسِ لَكِنَّ في صِحَّتِهِ تَوَقُّفَ عِنْدِي لِأنَّهُ رُبَّما يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ عِلْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَأْوِيلِ القَتْلِ قَبْلَ الفِراقِ، وعَلى ما سَمِعْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ لا يَرِدُ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عَلى القَوْلِ المَنصُورِ في الأطْفالِ وهو أنَّهم مُطْلَقًا في
صفحة 11
الجَنَّةِ عَلى أنَّهُ قِيلَ الكَلامُ في غَيْرِ مَن أخْبَرَ الصّادِقَ بِأنَّهُ كافِرٌ، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والجَحْدَرِيُّ ( فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ ) وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ عَلى أنَّ في كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لَها، وأجازَ أبُو الفَضْلِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنانِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ في كانَ ضَمِيرُ (الغُلامِ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ فَخِفْنا خَوْفًا شَدِيدًا أنْ يُغْشِيَ الوالِدَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا ﴿طُغْيانًا﴾ مُجاوَزَةً لِلْحُدُودِ الإلَهِيَّةِ ﴿وكُفْرًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وذَلِكَ بِأنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى مُتابَعَتِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ولَعَلَّ عَطْفَ الكُفْرِ عَلى الطُّغْيانِ لِتَفْظِيعِ أمْرِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الطُّغْيانِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ السِّياقِ الِاقْتِصارُ عَلى الكُفْرِ لِيَتَأتّى هَذا التَّفْظِيعُ أوْ لِيَكُونَ المَعْنى فَخَشِينا أنْ يُدَنِّسَ إيمانَهُما أوَّلًا ويُزِيلَهُ آخِرًا، ويَلْتَزِمُ عَلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ أشْنَعُ وأقْبَحُ مِن إزالَتِهِ بِدُونِ سابِقِيَّةِ تَدْنِيسٍ وفَسَّرَ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ الخَشْيَةَ بِالعِلْمِ فَقالَ: أيْ عَلِمْنا أنَّهُ لَوْ أدْرَكَ وبَلَغَ لَدَعا أبَوَيْهِ إلى الكُفْرِ فَيُجِيبانِهِ ويَدْخُلانِ مَعَهُ في دِينِهِ لِفَرْطِ حُبِّهِما إيّاهُ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما عَلَيْهِ مِن تَرْبِيَتِهِما إيّاهُ وكَوْنِهِما سَبَبًا لِوُجُودِهِ بِسَبَبِ عُقُوقِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِ فَيَلْحَقُهُما شَرٌّ وبَلاءٌ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما ويَقْرِنَ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ وفي رِوايَةٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ أنَّهُ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا، والذّاهِبُ إلى صِغَرِهِ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ولَعَلَّ الحَقَّ مَعَهُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَتِهِ، وجَوْزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ فَكَّرَ هُنا بِجَعْلِ الخَشْيَةِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ لازَمَها وهو الكَراهَةُ عَلى ما قِيلَ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِاتِّحادِ مُقامِ المُخاطَبَةِ كانَ سُؤالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ تَعالى والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى يُجِيبُ عَنْهُ وفي ذَلِكَ لُطْفٌ ولَكِنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو عَلى هَذا الِاحْتِمالِ بِتَقْدِيرِ فَقالَ اللَّهُ: خَشِينا والفاءُ مِنَ الحِكايَةِ وهو أيْضًا بَعِيدٌ ولا يَكادُ يُلائِمُ هَذا الِاحْتِمالُ الآيَةَ بَعْدُ إلّا أنْ يُجْعَلَ التَّعْبِيرُ بِالظّاهِرِ فِيها التِفاتًا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ أُبَيٍّ فَخافَ رَبُّكَ والتَّأْوِيلُ ما سَمِعْتَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الخَوْفَ والخَشْيَةَ كالتَّرَجِّي بِلَعَلَّ ونَحْوِها الواقِعُ في كَلامِهِ تَعالى مَصْرُوفٌ إلى المُخاطِبِينَ وإلّا فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ. / 50
الكهف 18:81
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ بِأنْ يُرْزَقَهُما بَدَلَهُ ولَدًا خَيْرًا مِنهُ ﴿زَكاةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ دِينًا وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ والكَثِيرُ قالُوا: أيُّ طَهارَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِما ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِما ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ: رَحْمَةً، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:
يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلى إدْرِيسا ومُنْزِلُ اللَّعْنَ عَلى إبْلِيسا
وهُما مَصْدَرانِ كالكَثْرِ والكَثْرَةِ، والمُرادُ أقْرَبُ رَحْمَةً عَلَيْهِما وبِرًّا بِهِما واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ كَثْرَةُ اسْتِعْمالِ المَصْدَرِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مَعَ ما في ذَلِكَ هُنا مِن مُوافَقَةِ المَصْدَرِ قَبْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ أنَّ المَعْنى هُما بِهِ أرْحَمُ مِنهُما بِالغُلامِ، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى هَذا أنَّهُ أحَبُّ
صفحة 12
إلَيْهِما مِن ذَلِكَ الغُلامِ إمّا لِزِيادَةِ حُسْنِ خُلُقِهِ أوْ خُلُقِهِ أوِ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وهَذا المَعْنى أقْرَبُ لِلتَّأْسِيسِ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ عَلى تَفْسِيرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما أبْدَلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها أدْرَكَتْ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَتَزَوَّجَها نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ أنَّها ولَدَتْ نَبِيَّيْنِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.، واسْتَبْعَدَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: لا يُعْرَفُ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَرْأةُ مِنهم وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ الجارِيَةَ بِحَسَبِ العادَةِ تُحِبُّ أبَوَيْها وتَرْحَمُهُما وتَعْطِفُ عَلَيْهِما وتَبَرُّ بِهِما أكْثَرَ مِنَ الغُلامِ قِيلَ: أبْدَلَهُما غُلامًا مُؤْمِنًا مِثْلَهُما، وانْتِصابُ المَصْدَرَيْنِ عَلى التَّمْيِيزِ والعامِلُ ما قَبْلَ كُلٍّ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ أوَّلًا ثُمَّ البَيانُ ثانِيًا مِنَ اللُّطْفِ ولِذا لَمْ يَقُلْ: فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما أزْكى مِنهُ وأرْحَمَ عَلى أنَّ في خَيْرٍ زَكاةً مِنَ المَدْحِ ما لَيْسَ في أزْكى كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ أفْعَلَ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ هُنا لِأنَّهُ لا زَكاةَ في ذَلِكَ الغُلامِ ولا رَحْمَةَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ كانَ زَكِيًّا طاهِرًا ( مِنَ الذُّنُوبِ بِالفِعْلِ إنْ كانَ صَغِيرًا وبِحَسَبِ الظّاهِرِ إنْ كانَ بالِغًا، فَلِذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) وهَذا في مُقابَلَتِهِ فَخَيْرٌ مِن زَكاةِ مَن هو زَكِيٌّ في الحالِ والمَآلِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والباطِنِ ولَوْ سَلِمَ فالِاشْتِراكُ التَّقْدِيرِيُّ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّفْضِيلِ وأنَّ قَوْلَهُ: ولا رَحْمَةَ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ انْتَهى.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الجَوابَ الصَّحِيحَ هُنا أنْ يُكْتَفى بِالِاشْتِراكِ التَّقْدِيرِيِّ لِأنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِالباطِنِ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ ولا رَحْمَةَ فَقَوْلُهُ: إنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا وجْهَ لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّحْمَةَ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِمّا لا يَصِحُّ نَفْيُها لِأنَّها مَدارُ الخَشْيَةِ فافْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ فَيُفِيدُ سَبَبِيَّةَ الخَشْيَةِ لِلْإرادَةِ المَذْكُورَةِ ويُفْهَمُ مِن تَفْرِيعِ القَتْلِ، ولَمْ يُفَرِّعْهُ نَفْسَهُ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ تَأْوِيلُهُ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ انْفِهامِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ، وفِيها إشارَةٌ إلى رَدِّ ما يُلَوِّحُ بِهِ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّ قَتْلَهُ ظُلْمٌ وفَسادٌ في الأرْضِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ جَرِيرٍ (يُبَدِّلَهُما) بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ ( رُحْمًا ) بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( رَحْمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.
الكهف 18:82
﴿وأمّا الجِدارُ﴾ المَعْهُودُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ قِيلَ: إنَّهُما أصْرَمُ وصَرِيمٌ ﴿يَتِيمَيْنِ﴾ صَغِيرَيْنِ ماتَ أبُوهُما وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّ يُتْمَ بَنِي آدَمَ بِمَوْتِ الأبِ، وفي الحَدِيثِ ( «لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ» )
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُما كانا بِالغَيْنِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلى مَعْنى الشَّفَقَةِ عَلَيْهِما ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ فِيما سَبَقَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِالمَدِينَةِ هُنا لِإظْهارِ نَوْعِ اعْتِدادٍ بِها بِاعْتِدادِ ما فِيها مِنَ اليَتِيمَيْنِ وما هو مِن أهْلِها وهو أبُوهُما الصّالِحُ. ولَمّا كانَ سَوْقُ الكَلامِ السّابِقِ عَلى غَيْرِ هَذا المَساقِ عَبَّرَ بِالقَرْيَةِ فِيهِ ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ مالٌ مَدْفُونٌ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ
وبِذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ.
صفحة 13
قالَ الرّاغِبُ: الكَنْزُ جَعْلُ المالِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ وحِفْظَهُ وأصْلُهُ مَن كَنَزَتِ التَّمْرِ في الوِعاءِ، واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ الكَنْزِ بِما ذُكِرَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الكانِزَ لَهُ أبُوهُما لِاقْتِضاءِ ﴿لَهُما﴾ لَهُ إذًا لا يَكُونُ لَهُما إلّا إذا كانَ إرْثًا أوْ كانا قَدِ اسْتَخْرَجاهُ والثّانِي مُنْتَفٍ فَتُعَيِّنُ الأوَّلُ وقَدْ وُصِفَ بِالصَّلاحِ، ويُعارِضُ ذَلِكَ ما جاءَ في ذَمِّ الكانِزِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المَذْمُومَ ما لَمْ تُؤَدَّ مِنهُ الحُقُوقُ بَلْ لا يُقالُ لِما أدَّيْتَ مِنهُ كَنْزٌ شَرْعًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ حَدِيثُ: كُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِصَدَدِ بَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا المَفاهِيمِ اللُّغَوِيَّةِ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ لِلْمُخاطَبِينَ ولا يُعْتَبَرُ في مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ المُرادِ هُنا شَيْءٌ مِنَ الإخْراجِ وعَدَمِهِ، والوَصْفُ بِالصَّلاحِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الكَنْزِ المَذْمُومِ، ومَن قالَ: إنَّ ( الكَنْزَ حَرامٌ مُطْلَقًا ادَّعى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ وفِيهِ فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: ما شَأْنُ الكَنْزِ حَلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحُلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ تَحِلُّ لِأُمَّةٍ وتَحْرُمُ عَلى أُخْرى، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ ذَهَبًا ولا فِضَّةً ولَكِنْ كانَ صُحُفَ عِلْمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا والبَزّارُ عَنْ أبِي ذَرٍّ كَذَلِكَ، والخَرائِطِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ عَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ وعَجِبْتُ لِمَن يَعْرِفُ الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في أحَدِ شِقَّيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَجِبْتُ إلَخْ، في الشِّقِّ الآخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ.
وجَمَعَ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ بِالكَنْزِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ المالُ المَدْفُونُ مُطْلَقًا، وكُلٌّ مِنَ المَذْكُوراتِ مالٌ كانَ مَدْفُونًا إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ في كُلٍّ مِنَ الرِّواياتِ عَلى واحِدٍ مِنها، وفِيهِ أنَّهُ عَلى بُعْدِهِ يَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما كانَ ذَهَبًا ولا فِضَّةً ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ الأبُ الأقْرَبُ الَّذِي ولَدَهُما، وذَكَرَ أنَّ اسْمَهُ كاشِحٌ وأنَّ اسْمَ أُمِّهِما دُهْنا، وقِيلَ: كانَ الأبَ العاشِرَ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ الأبَ السّابِعَ.
وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صَلاحَ الآباءِ يُفِيدُ العِنايَةَ بِالأبْناءِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ طُوبى لِذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِ ثُمَّ طُوبى لَهم كَيْفَ يُحْفَظُونَ مِن بَعْدِهِ وتَلا خَيْثَمَةُ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَحْفَظُ بِالعَبْدِ الصّالِحِ القَبِيلَ مِنَ النّاسِ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ الخَوارِجِ في كَلامٍ جَرى بَيْنَهُما: بِمَ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى مالَ الغُلامَيْنِ؟
قالَ: بِصَلاحِ أبِيهِما. قالَ: فَأبِي وجَدِّي خَيْرٌ مِنهُ، فَقالَ الخارِجِيُّ أنْبَأنا اللَّهُ تَعالى: أنَّكم قَوْمٌ خَصِمُونَ، وذَكَرَ مِن صَلاحِ هَذا الرَّجُلِ أنَّ النّاسَ كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَهُ الوَدائِعَ فَيَرُدُّها إلَيْهِمْ كَما وضَعُوها.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ سَبّاحًا ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أُمُورِكَ، فَفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ
صفحة 14
ضَمِيرِهِما تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى تَحَتُّمِ كَمالِ الِانْقِيادِ والِاسْتِسْلامِ لِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ ووُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما وقَعَ بِحَسْبِهِما الَّتِي يُشَمُّ مِنها طَلَبُ ما يَحْصُلُ بِهِ تَرْبِيَةُ البَدَنِ وتَدْبِيرُهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ قِيلَ أيِ الحُلُمَ وكَمالَ الرَّأْيِ، وفي الصِّحاحِ القُوَّةُ وهو ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشَرَ إلى ثَلاثِينَ وهو واحِدٌ جاءَ عَلى بِناءِ الجَمْعِ مِثْلَ آنَّكَ ولا نَظِيرَ لَهُما، ويُقالُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ مِثْلُ آسالَ وأبابِيلَ وعَبادِيدَ ومَذاكِيرَ، وكانَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: واحِدُهُ شُدُّهُ وهو حَسَنٌ في المَعْنى لِأنَّهُ يُقالُ بَلَغَ الغُلامُ شِدَّتَهُ ولَكِنْ لا يُجْمَعُ فَعْلَةٌ عَلى أفْعَلَ، وأمّا أنْعُمٌ فَإنَّما هو جَمْعُ نَعَمٍ مِن قَوْلِهِمْ: يَوْمُ بُؤْسٍ ويَوْمُ نَعَمْ، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: واحِدُهُ شَدٌّ مِثْلُ كَلْبٍ وأكْلُبٍ أوْ شِدٌّ مِثْلُ ذِئْبٍ وأذْؤُبٍ فَإنَّما هو قِياسٌ كَما يَقُولُونَ في واحِدِ الأبابِيلِ أبُّولُ قِياسًا عَلى عُجُولٍ ولَيْسَ هو شَيْءٌ يُسْمَعُ مِنَ العَرَبِ.
﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن تَحْتِ الجِدارِ ولَوْلا أنِّي أقَمْتُهُ لانْقَضَّ وخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ قَبْلَ اقْتِدارِهِما عَلى حِفْظِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ وذَكَرُوا أنَّ اليَتِيمَيْنِ كانا غَيْرَ عالِمَيْنِ بِالكَنْزِ ولَهُما وصِيٌّ يَعْلَمُ بِهِ لَكِنَّهُ كانَ غائِبًا والجِدارُ قَدْ شارَفَ فَلَوْ سَقَطَ لَضاعَ، فَلِذا أقامَهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِأرادَ وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ، ولَيْسَ مَفْعُولًا لَهُ لِيَسْتَخْرِجا لِاخْتِلافِ الفاعِلِ، وبَعْضُهم أجازَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اشْتِراطِهِ الِاتِّحادَ أوْ جَعْلِ المَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وأجازَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الحالِ وهو مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخْرِجا) بِتَأْوِيلِ مَرْحُومِينَ، والزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأرادَ فَإنَّ إرادَةَ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ أرادَ رَبُّكَ بِمَعْنى رَحِمَ كانَتِ الرَّحْمَةُ مِنَ الرَّبِّ لا مَحالَةَ فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وكَذا إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَهو حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ إرادَةِ أوْ رَجاءِ رَحْمَةِ رَبِّكَ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والرَّحْمَةُ بِمَعْنى الوَحْيِ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ ووَحْيِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنْ رَأْيِي واجْتِهادِي تَأْكِيدًا لِذَلِكَ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ العَواقِبِ المَنظُومَةِ في سِلْكِ البَيانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الفَخامَةِ ﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ﴾ أيْ تَسْتَطِعْ وهو مُضارِعُ اسْطاعَ بِهَمْزِ الوَصْلِ وأصْلُهُ اسْتَطاعَ عَلى وزْنِ اسْتَفْعَلَ ثُمَّ حَذَفَ تاءَ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا وبَقِيَتِ الطّاءُ الَّتِي هي أصْلٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السِّينَ عِوَضُ قَلْبِ الواوِ ألِفًا والأصْلُ أطاعَ ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى أنَّ المَحْذُوفَ هي الطّاءُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ ثُمَّ دَعْوى أنَّهم أبْدَلُوا مِن تاءِ الِافْتِعالِ طاءً لِوُقُوعِها بَعْدَ السِّينِ، ويُقالُ تَسْتَتِيعُ بِإبْدالِ الطّاءِ تاءً وتَسْتِيعُ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ فاللُّغاتُ أرْبَعٌ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وما ألْطَفَ حَذْفَ أحَدِ المُتَقارِبَيْنِ وبَقاءِ الآخَرِ في آخِرِ هَذا الكَلامِ الَّذِي وقَعَ عِنْدَهُ ذَهابُ الخَضِرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما خَصَّ هَذا بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ في القِصَّةِ ناسَبَ تَخْفِيفَ الأخِيرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ مُكَرَّرٌ أيْضًا وذاكَ أخَفُّ مِنهُ فَلِمَ لَمْ يُؤْتَ بِهِ ؟ وفِيهِ أنَّ الفَرْقَ ظاهِرٌ بَيْنَ هَذا وذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما خُصَّ بِالتَّخْفِيفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَفَّ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَقِيَهُ بِبَيانِ سَبَبِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُبْعِدُهُ أنَّهُ في الحِكايَةِ لا المَحْكِيِّ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا وكَذا ما ذَكَرْناهُ زَهْرَةٌ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ والتَّأْوِيلَ بِالمَعْنى السّابِقِ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ المُرادُ أيْ ذَلِكَ مَآلُ وعاقِبَةُ الَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْ ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَأيْتُ فَيَكُونُ إنْجازًا لِلتَّنْبِئَةِ المَوْعُودَةِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى البَيانِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، وفي جَعْلِ
صفحة 15
الصِّلَةِ غَيْرَ ما مَرَّ تَكْرِيرٌ لِلتَّنْكِيرِ وتَشْدِيدٌ لِلْعِتابِ، قِيلَ: ولَعَلَّ إسْنادَ الإرادَةِ أوَّلًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ أنَّهُ الفاعِلُ المُباشِرُ لِلتَّعْيِيبِ، وثانِيًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ إهْلاكَ الغُلامِ بِمُباشَرَتِهِ وفِعْلِهِ وتَبْدِيلِ غَيْرِهِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وهو بِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ فَضَمِيرُ- نا- مُشْتَرِكٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وثالِثًا إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بُلُوغِ الغُلامَيْنِ. واعْتُرِضَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِأنَّ اجْتِماعَ المَخْلُوقِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في ضَمِيرٍ واحِدٍ لا سِيَّما ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ فِيهِ مِن تَرْكِ الأدَبِ ما فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما جاءَ مِن «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ كانَ يَخْطُبُ في مَجْلِسِهِ ﷺ إذا ورَدَتْ وُفُودُ العَرَبِ فاتَّفَقَ إنْ قَدِمَ وفْدُ تَمِيمٍ فَقامَ خَطِيبُهم وذَكَرَ مَفاخِرَهم ومَآثِرَهم فَلَمّا أتَمَّ خُطْبَتَهُ قامَ ثابِتٌ وخَطَبَ خُطْبَةً قالَ فِيها: مَن يُطِعِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ ﷺ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِئْسَ خَطِيبَ القَوْمِ أنْتَ» .، وصَرَّحَ الخَطّابِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَرِهَ مِنهُ ما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ في الآياتِ والأحادِيثِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿يُصَلُّونَ عَلى﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ الإيمانِ: ( «أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما» )
ولَعَلَّ ما كَرِهَهُ ﷺ مِن ثابِتٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: يَعْصِهِما لا التَّسْوِيَةِ في الضَّمِيرِ، وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا كَراهَةَ مُطْلَقًا في هَذِهِ التَّسْوِيَةِ وهو أحَدُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ. وثانِيها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَطّابِيُّ أنَّها تُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وثالِثُها ما يُفْهِمُهُ كَلامُ الغَزالِيِّ أنَّها تُكْرَهُ تَحْرِيمًا، وعَلى القَوْلِ بِالكَراهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ فَقَدْ تُكْرَهُ في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ. وبُنِيَ الجَوابُ عَمّا نَحْنُ فِيهِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا كانَ المَقامُ الَّذِي قامَ فِيهِ ثابِتٌ مَقامَ خَطابَةٍ وإطْنابٍ وهو بِحَضْرَةِ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ والإسْلامِ غَضٌّ طَرِيٌّ كَرِهَ ﷺ التَّسْوِيَةَ مِنهُ فِيهِ، وأمّا مِثْلُ هَذا المَقامِ الَّذِي القائِلُ فِيهِ والمُخاطَبُ مَن عَرَفَتْ وقُصِدَ فِيهِ نُكْتَةٌ وهو عَدَمُ اسْتِقْلالِهِ فَلا كَراهَةَ لِلتَّسْوِيَةِ فِيهِ. وخَصَّ بَعْضَ الكَراهَةِ بِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وحِينَئِذٍ يَقْوى الجَوابُ عَمّا ذَكَرَ لِأنَّهُ إذا جازَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وما حَكاهُ سُبْحانَهُ بِالطَّرِيقِ الأُولى.
وخُلاصَةُ ما قَرَّرَ في المَسْألَةِ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا كَراهَةَ في ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في شُرُوحِ البُخارِيِّ، وأمّا في حَقِّ البَشَرِ فَلَعَلَّ المُخْتارَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ، هَذا وأنا لا أقُولُ بِاشْتِراكِ هَذا الضَّمِيرِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِأنَّ فِيهِ تَرْكَ الأدَبِ بَلْ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كَضَمِيرِ (خَشِينا) والظّاهِرُ في ذاكَ عَدَمُ الِاشْتِراكِ لِأنَّهُ مُحْوِجٌ لِارْتِكابِ المَجازِ عَلى أنَّ النُّكْتَةَ الَّتِي ذَكَرُوها في اخْتِيارِ التَّشْرِيكِ في ضَمِيرِ أرَدْنا لا تَظْهَرُ في اخْتِيارِهِ في ضَمِيرِ ﴿فَخَشِينا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنِ الكَلامُ الأوَّلُ فِعْلَيْنَ عَلى نَحْوِ ما تَضَمَّنَهُما الكَلامُ الثّانِي فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ في وجْهِ تَغايُرِ الأُسْلُوبِ: إنَّ الأوَّلَ شَرٌّ فَلا يَلِيقُ إسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ جَلَّ وعَلا، والثّالِثُ خَيْرٌ فَأفْرَدَ إسْنادَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي مُمْتَزِجٌ خَيْرُهُ وهو تَبْدِيلُهُ بِخَيْرٍ مِنهُ وشَرِّهِ وهو القَتْلُ، فَأُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى نَفْسِهِ نَظَرًا لَهُما. وفِيهِ أنَّ هَذا الإسْنادَ في (فَخَشِينا) أيْضًا وأيْنَ امْتِزاجُ الخَيْرِ والشَّرِّ فِيهِ، وجَعْلُ النُّكْتَةِ في التَّعْبِيرِ يُنافِيهِ مُجَرَّدُ المُوافِقَةِ لِتالِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أسْنَدَ الإرادَةَ في الأوَّلِينَ إلى نَفْسِهِ لَكِنَّهُ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرَ عَنْها بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ بَعْدَ ما عَبَّرَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ الواحِدِ لِأنَّ مَرْتَبَةَ الِانْضِمامِ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الِانْفِرادِ مَعَ أنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ العُظَماءِ في عُلُومِ الحِكْمَةِ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلى هَذا القَتْلِ إلّا لِحِكْمَةٍ عالِيَةٍ بِخِلافِ التَّعْيِيبِ، وأُسْنِدَ فِعْلُ الإبْدالِ إلى اللَّهِ
صفحة 16
تَعالى إشارَةً إلى اسْتِقْلالِهِ سُبْحانَهُ بِالفِعْلِ وأنَّ الحاصِلَ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدُ مُقارِنَةِ إرادَةِ الفِعْلِ دُونَ تَأْثِيرٍ فِيهِ كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإبْدالَ نَفْسَهُ مِمّا لَيْسَ لِإرادَةِ العَبْدِ مُقارَنَةٌ لَهُ أصْلًا وإنَّما لَها مُقارَنَةٌ لِلْقَتْلِ المَوْقُوفِ هو عَلَيْهِ عَلى أنَّ في هَذا التَّوْجِيهِ بَعْدُ ما فِيهِ. وفي الِانْتِصافِ لَعَلَّ إسْنادَ الأوَّلِ إلى نَفْسِهِ خاصَّةٌ مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُرادَ ثَمَّ عَيْبٌ فَتَأدَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ نَسَبَ الإعابَةَ إلى نَفْسِهِ، وأمّا إسْنادُ الثّانِي إلى- نا- فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا بِكَذا ودَبَّرْنا كَذا وإنَّما يَعْنُونَ أمْرَ المَلِكِ العَظِيمِ. ودَبَّرَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في الثّالِثِ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اخْتِلافُ الأُسْلُوبِ لِاخْتِلافِ حالِ العارِفِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ في ابْتِداءِ أمْرِهِ يَرى نَفْسَهُ مُؤَثِّرَةً فَلِذا أسْنَدَ الإرادَةَ أوَّلًا إلى نَفْسِهِ ثُمَّ يَتَنَبَّهُ إلى أنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِالفِعْلِ بِدُونِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذا أُسْنِدَ إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ ثُمَّ يَرى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ وأنَّ المُؤَثِّرَ والمُرِيدَ إنَّما هو اللَّهُ تَعالى فَلِذا أسْنَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقَطْ وهَذا مَقامُ الفَناءِ ومَقامٌ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ وهو الآنُ كَما كانَ، وتُعَقِّبُ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ مَرَّتْ عَلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ واتَّصَفَ بِكُلٍّ مِنها أثْناءَ المُحاوَرَةِ فَهو باطِلٌ وكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَكُونَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ فَضْلًا عَنِ المَرْتَبَةِ الأُولى وهو الَّذِي قَدْ أُوتِيَ مِن قِبَلِ العِلْمِ اللَّدُنْيِّ. وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ عَبَّرَ تَعْبِيرَ مَنِ اتَّصَفَ بِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ وإنْ كانَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْلاها فَإنْ كانَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ مِن أنْ يُعَلِّمَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، وإنْ كانَ تَعْلِيمًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَيْسَ المَقامُ ذَلِكَ المَقامَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ غَيْرٌ يُسْمَعُ مِنهُ هَذا الكَلامُ وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ عَبَّرَ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِأُسْلُوبٍ مَخْصُوصٍ مِن هاتِيكَ الأسالِيبِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِأُسْلُوبٍ فَتَعَدَّدَتِ الأسالِيبُ في حِكايَتِهِ تَعالى القِصَّةَ لَنا تَعْلِيمًا وإشارَةً إلى هاتِيكَ المَراتِبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَلامُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَنْقُلَ عَنْ أحَدٍ كَلامًا لَمْ يَقُلْهُ أوْ لَمْ يَقُلْ ما بِمَعْناهُ فالقَوْلُ بِذَلِكَ نَوْعُ افْتِراءٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. والَّذِي يَخْطُرُ بِبالِ العَبْدِ الفَقِيرِ أنَّهُ رُوعِيَ في الجَوابِ حالُ الِاعْتِراضِ وما تَضَمَّنَهُ وأشارَ إلَيْهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الأوَّلُ بِناءً عَلى أنَّ لامَ (لِتُغْرِقَ) لِلتَّعْلِيلِ مُتَضَمِّنًا إسْنادَ إرادَةِ الإغْراقِ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ الإنْكارُ فِيهِ دُونَ الإنْكارِ فِيما يَلِيهِ بِناءً عَلى ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أنَّ (نُكْرًا) أبْلَغُ مِن (إمْرًا) ناسَبَ أنْ يَشْرَحَ بِإسْنادِ إرادَةِ التَّعْيِيبِ إلى نَفْسِهِ المُشِيرِ إلى نَفْيِ إرادَةِ الإغْراقِ عَنْها الَّتِي يُشِيرُ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْها. وأنْ لا يَأْتِيَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ أوْ ضَمِّ أحَدٍ مَعَهُ في الإرادَةِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْكارِ المُحْوِجِ لِأنْ يُقابَلَ بِما يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ إرادَةِ خِلافِ ما حَسِبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْكَرَهُ.
ولَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الثّانِي في غايَةِ المُبالَغَةِ والإنْكارِ هُناكَ في نِهايَةِ الإنْكارِ ناسَبَ أنْ يُشِيرَ إلى أنَّ ما اعْتُرِضَ عَلَيْهِ وبُولِغَ في إنْكارِهِ قَدْ أُرِيدَ بِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ ولَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يُؤْمَن مِن وُقُوعِ خَطْبٍ جَسِيمٍ؛ فَلِذا أسْنَدَ الخَشْيَةَ والإرادَةَ إلى ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ أوِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ فَإنَّ في إسْنادِ الإرادَةِ إلى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وفي تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمَ أمْرِ المُرادِ وكَذا في إسْنادِ الخَشْيَةِ إلى ذَلِكَ تَعْظِيمُ أمْرِها، وفي تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمُ أمْرِ المَخْشِيِّ. ورُبَّما يُقالُ بِناءً عَلى إرادَةِ الضَّمِّ مِنّا: إنَّ في ذَلِكَ الإسْنادِ إشارَةً إلى أنَّ ما يُخْشى وما يُرادُ قَدْ بَلَغَ في العِظَمِ إلى أنْ يُشارِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الخَشْيَةِ مِنهُ، وفي إرادَتِهِ الخَضِرَ لا أنْ يَسْتَقِلَّ بِإنْكارِ
صفحة 17
ما هو مِن مَبادِئِ ذَلِكَ المُرادِ وبِهِ يَنْقَطِعُ عَنِ الأصْلَيْنِ عِرْقُ الفَسادِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِراضُ الثّالِثُ هَيِّنًا جِدًّا حَيْثُ كانَ بِلَفْظٍ لا تَصَلُّبَ فِيهِ ولا إزْعاجَ في ظاهِرِهِ وخافِيهِ، ومَعَ هَذا لَمْ يَكُنْ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ بَلْ عَلى عَدَمِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعانَ بِها عَلى إقامَةِ جِدارِ البَدَنِ وإزالَةِ ما أصابَهُ مِنَ الوَهَنِ فَناسَبَ أنْ يَلِينَ في جَوابِهِ المُقامِ ولا يَنْسُبَ لِنَفْسِهِ اسْتِقْلالًا أوْ مُشارِكَةً شَيْئًا ما مِنَ الأفْعالِ فَلِذا أسْنَدَ الإرادَةَ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى أضافَهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ النَّكِيرِ والعِتابِ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ ما كانَ أوَّلًا مِن ذَلِكَ الجَنابِ، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ أسْرارِ الكِتابِ وهو سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ القائِلُونَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ هُناكَ نَبِيٌّ أمَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ وحْيٍ كَما زَعَمَهُ القائِلُونَ بِوِلايَتِهِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ عَلى هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ بَلْ قَدْ يُقالُ: أيُّ فائِدَةٍ في هَذا العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ إذا احْتاجَ في إظْهارِ العَجائِبِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَوْسِيطِ نَبِيٍّ مِثْلِهِ، وقالَ بَعْضُهم: كانَ ذَلِكَ عَنْ إلْهامٍ ويَلْزَمُهُ القَوْلُ بِأنَّ الإلْهامَ كانَ حُجَّةً في بَعْضِ الشَّرائِعِ وأنَّ الخَضِرَ مِنَ المُكَلَّفِينَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّ حُجِّيَّتَهُ لَيْسَتْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا هو لَيْسَ بِحُجَّةٍ في شَرِيعَتِنا عَلى الصَّحِيحِ، ومَن شَذَّ وقالَ بِحُجِّيَّتِهِ اشْتَرَطَ لِذَلِكَ أنْ لا يُعارِضَهُ نَصٌّ شَرْعِيٌّ فَلَوْ أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى بِالإلْهامِ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى نَحْوِ ما أطْلَعَ عَلَيْهِ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِ الغُلامِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ، وما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كَنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم إنَّما قَصَدَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ كَما قالَ السُّبْكِيُّ المَحاجَّةَ والإحالَةَ عَلى ما لَمْ يُمْكِنْ قَطْعًا لِطَمَعِهِ في الِاحْتِجاجِ بِقِصَّةِ الخَضِرِ ولَيْسَ مَقْصُودُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إنْ حَصَلَ ذَلِكَ يَجُوزُ القَتْلُ فَما قالَهُ اليافِعِيُّ في رَوْضِهِ مِن أنَّهُ لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ عِبادِهِ أنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ مَثَلًا وعَلِمَ الإذْنُ يَقِينًا فَلَبِسَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِكًا لِلشَّرْعِ وحُصُولُ اليَقِينِ لَهُ مِن حَيْثُ حُصُولُهُ لِلْخَضِرِ بِقَتْلِهِ لِلْغُلامِ إذْ هو ولِيٌّ لا نَبِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ انْتَهى عَثْرَةً يَكادُ أنْ لا يُقالَ لِصاحِبِها لَعًا لِأنَّ مَظِنَّةَ حُصُولِ اليَقِينِ اليَوْمَ الإلْهامُ وهو لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الأئِمَّةِ ومَن شَذَّ اشْتَرَطَ ما اشْتَرَطَ، وحُصُولُهُ بِخَبَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ مُتَعَذِّرٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ ومِن شَرِيعَتِهِ تَحْرِيمُ لُبْسِ الحَرِيرِ عَلى الرِّجالِ إلّا لِلتَّداوِي وما ذَكَرَهُ مِن نَفْيِ نُبُوَّةِ الخَضِرِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الإلْهامَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ وقالَ: قَدْ زَلَّ في هَذا البابِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَضَلُّوا وأضَلُّوا، ولَنا في ذَلِكَ مُؤَلَّفٌ سَمَّيْتُهُ ”حَدَّ الحُسامِ في عُنُقِ مَن أطْلَقَ إيجابَ العَمَلِ بِالإلْهامِ“ وهو مُجَلَّدٌ لَطِيفٌ انْتَهى، وقالَ أيْضًا في كِتابِهِ المُسَمّى بِالجَواهِرِ والدُّرَرِ: قَدْ رَأيْتُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما نَصُّهُ: اعْلَمْ أنّا لا نَعْنِي بِمَلَكِ الإلْهامِ حَيْثُ أطْلَقْناهُ إلّا الدَّقائِقَ المُمْتَدَّةَ مِنَ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ لا نَفْسِ المَلائِكَةِ فَإنَّ المَلَكَ لا يَنْزِلُ بِوَحْيٍ عَلى غَيْرِ قَلْبِ نَبِيٍّ أصْلًا ولا يَأْمُرُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ جُمْلَةً واحِدَةً فَإنَّ الشَّرِيعَةَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ وتَبَيَّنَ الفَرْضُ والواجِبُ وغَيْرُهُما فانْقَطَعَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِانْقِطاعِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وما بَقِيَ أحَدٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى بِأمْرٍ يَكُونُ شَرْعًا مُسْتَقِلًّا يُتَعَبَّدُ بِهِ أبَدًا؛ لِأنَّهُ إنْ أمَرَهُ بِفَرْضٍ كانَ الشّارِعُ قَدْ أمَرَ بِهِ وإنْ أمَرَهُ بِمُباحٍ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُباحُ المَأْمُورُ بِهِ صارَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا في حَقِّهِ فَهَذا عَيْنُ نَسْخِ الشَّرْعِ الَّذِي هو عَلَيْهِ حَيْثُ صَيَّرَ المُباحَ الشَّرْعِيَّ واجِبًا أوْ مَندُوبًا وإنْ أبْقاهُ مُباحًا كَما كانَ
صفحة 18
فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْأمْرِ الَّذِي جاءَ بِهِ مَلَكُ الإلْهامِ لِهَذا المُدَّعِي فَإنْ قالَ: لَمْ يَجِئْنِي مَلَكُ الإلْهامِ بِذَلِكَ وإنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ قُلْنا: لا يُصَدَّقُ في مِثْلِ ذَلِكَ وهو تَلْبِيسٌ مِنَ النَّفْسِ، فَإنِ ادَّعى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَلَّمَهُ كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا قائِلَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ كَلَّمَهُ ما كانَ يُلْقِي إلَيْهِ في كَلامِهِ إلّا عُلُومًا وأخْبارًا لا أحْكامًا وشَرْعًا ولا يَأْمُرُهُ أصْلًا انْتَهى.
وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ مُجَدِّدُ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ في المَكْتُوباتِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ بِأنَّ الإلْهامَ لا يُحِلُّ حَرامًا ولا يُحَرِّمُ حَلالًا ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ والظّاهِرِ والباطِنِ وكَلامُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوباتِ طافِحٌ بِذَلِكَ، فَفي المَكْتُوبِ الثّالِثِ والأرْبَعِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ: إنَّ قَوْمًا مالُوا إلى الإلْحادِ والزَّنْدَقَةِ يَتَخَيَّلُونَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ وراءَ الشَّرِيعَةِ حاشا وكَلّا ثُمَّ حاشا وكَلّا نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن هَذا الِاعْتِقادِ السُّوءِ فَكُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَةِ والشَّرِيعَةِ عَيْنُ الآخَرِ لا مُخالَفَةَ بَيْنَهُما بِقَدْرِ رَأْسِ الشُّعَيْرَةِ وكُلُّ ما خالَفَ الشَّرِيعَةَ مَرْدُودٌ، وكُلُّ حَقِيقَةٍ رَدَّتْها الشَّرِيعَةُ فَهي زَنْدَقَةٌ، وقالَ في أثْناءِ المَكْتُوبِ الحادِي والأرْبَعِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ أيْضًا في مَبْحَثِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ: مَثَلًا عَدَمُ نُطْقِ اللِّسانِ بِالكَذِبِ شَرِيعَةٌ ونَفْيُ خاطِرِ الكَذِبِ عَنِ القَلْبِ إنْ كانَ بِالتَّكَلُّفِ والتَّعَمُّلِ فَهو طَرِيقَةٌ وإنْ تَيَسَّرَ بِلا تَكَلُّفٍ فَهو حَقِيقَةٌ فَفي الجُمْلَةِ الباطِنُ الَّذِي هو الطَّرِيقَةُ والحَقِيقَةُ مُكَمِّلُ الظّاهِرِ الَّذِي هو الشَّرِيعَةُ فالسّالِكُونَ سَبِيلَ الطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ إنْ ظَهَرَ مِنهم في أثْناءِ الطَّرِيقِ أُمُورٌ ظاهِرُها مُخالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ ومُنافٍ لَها فَهو مِن سُكْرِ الوَقْتِ وغَلَبَةِ الحالِ فَإذا تَجاوَزُوا ذَلِكَ المَقامَ ورَجَعُوا إلى الصَّحْوِ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ المُنافاةُ بِالكُلِّيَّةِ وصارَتْ تِلْكَ العُلُومُ المُضادَّةُ بِتَمامِها هَباءً مَنثُورًا.
وقالَ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِعُلُومِهِ في أثْناءِ المَكْتُوبِ السّادِسِ والثَّلاثِينَ مِنَ الجِلْدِ الأوَّلِ أيْضًا: لِلشَّرِيعَةِ ثَلاثَةُ أجْزاءٍ عِلْمٌ وعَمَلٌ وإخْلاصٌ، فَما لَمْ تَتَحَقَّقْ هَذِهِ الأجْزاءُ لَمْ تَتَحَقَّقِ الشَّرِيعَةُ، وإذا تَحَقَّقَتِ الشَّرِيعَةُ حَصَلَ رِضا الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو فَوْقَ جَمِيعِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ، فالشَّرِيعَةُ مُتَكَفِّلَةٌ بِجَمِيعِ السَّعاداتِ ولَمْ يَبْقَ مَطْلَبٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ فالطَّرِيقَةُ والحَقِيقَةُ اللَّتانِ امْتازَ بِهِما الصُّوفِيَّةُ كِلْتاهُما خادِمَتانِ لِلشَّرِيعَةِ في تَكْمِيلِ الجُزْءِ الثّالِثِ الَّذِي هو الإخْلاصُ، فالمَقْصُودُ مِنهُما تَكْمِيلُ الشَّرِيعَةِ لا أمْرٌ آخَرُ وراءَ ذَلِكَ.. إلى آخِرِ ما قالَ، وقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أثْناءِ المَكْتُوبِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِنَ الجِلْدِ المَذْكُورِ بَعْدَ تَحْقِيقٍ كَثِيرٍ: فَتَقَرَّرَ أنَّ طَرِيقَ الوُصُولِ إلى دَرَجاتِ القُرْبِ الإلَهِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ سَواءٌ كانَ قُرْبَ النُّبُوَّةِ أوْ قُرْبَ الوِلايَةِ مُنْحَصِرٌ في طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي دَعا إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصارَ مَأْمُورًا بِها في آيَةِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وآيَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا وكُلُّ طَرِيقٍ سِوى هَذا الطَّرِيقِ ضَلالٌ ومُنْحَرَفٌ عَنِ المَطْلُوبِ الحَقِيقِيِّ، وكُلُّ طَرِيقَةٍ رَدَّتْها الشَّرِيعَةُ فَهي زَنْدَقَةٌ، وشاهِدُ ذَلِكَ آيَةُ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ وآيَةُ ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ وآيَةُ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ وحَدِيثُ ( «خَطَّ لَنا النَّبِيُّ ﷺ» ) الخَبَرَ. وحَدِيثُ ( «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» )
وأحادِيثُ أُخَرُ إلى آخِرِ ما قالَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ المَلِكِ المُتَعالِ، وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في مَعارِفِ الصُّوفِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّ مَعارِفَ الصُّوفِيَّةِ وعُلُومَهم في نِهايَةِ سِيَرِهِمْ وسُلُوكِهِمْ إنَّما هي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ لا أنَّها عُلُومٌ أُخَرُ غَيْرُ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، نَعَمْ يَظْهَرُ في أثْناءِ الطَّرِيقِ عُلُومٌ ومَعارِفُ كَثِيرَةٌ ولَكِنْ لا بُدَّ مِنَ العُبُورِ عَنْها، فَفي نِهايَةِ النِّهاياتِ عُلُومُهم عُلُومُ العُلَماءِ وهي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ، والفَرْقُ
صفحة 19
بَيْنَهم وبَيْنَ العُلَماءِ أنَّ تِلْكَ العُلُومَ بِالنِّسْبَةِ إلى العُلَماءِ نَظَرِيَّةٌ واسْتِدْلالِيَّةٌ وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَصِيرُ كَشْفِيَّةٌ وضَرُورِيَّةٌ.
وقالَ أيْضًا: اعْلَمْ أنَّ الشَّرِيعَةَ والحَقِيقَةَ مُتَّحِدانِ في الحَقِيقَةِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ وبِالِاسْتِدْلالِ والكَشْفِ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، وبِالتَّعَمُّلِ وعَدَمِ التَّعَمُّلِ، ولِلشَّرِيعَةِ مِن ذَلِكَ الأوَّلُ ولِلْحَقِيقَةِ الثّانِي، وعَلامَةُ الوُصُولِ إلى حَقِيقَةِ حَقِّ اليَقِينِ مُطابَقَةُ عُلُومِهِ ومَعارِفِهِ لِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ ومَعارِفِها وما دامَتِ المُخالَفَةُ مَوْجُودَةٌ ولَوْ أدْنى شَعْرَةٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الوُصُولِ، وما وقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِ المَشايِخِ مِن أنَّ الشَّرِيعَةَ قِشْرٌ والحَقِيقَةَ لُبٌّ فَهو وإنْ كانَ مُشْعِرًا بِعَدَمِ اسْتِقامَةِ قائِلِهِ ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ المُجْمَلَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْصَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ القِشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللُّبِّ، وأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَشْفِ كَذَلِكَ، والأكابِرُ المُسْتَقِيمَةُ أحْوالُهم لا يُجَوِّزُونَ الإتْيانَ بِمِثْلِ هَذِهِ العِباراتِ المُوهَمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عِباراتِهِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى.
وقالَ سَيِّدِي القُطْبُ الرَّبّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: جَمِيعُ الأوْلِياءِ لا يَسْتَمِدُّونَ إلّا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ ولا يَعْمَلُونَ إلّا بِظاهِرِهِما، وقالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: الطُّرُقُ كُلُّها مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَحْفَظِ القُرْآنَ ولَمْ يَكْتُبِ الحَدِيثَ لا يُقْتَدى بِهِ في هَذا العِلْمِ لِأنَّ عِلْمَنا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وقالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ: التَّصَوُّفُ اسْمٌ لِثَلاثَةِ مَعانٍ وهو لا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ ورَعِهِ ولا يَتَكَلَّمُ بِسِرٍّ باطِنٍ في عِلْمٍ يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكِتابِ ولا تَحْمِلُهُ الكَراماتُ عَلى هَتْكِ مَحارِمِ اللَّهِ، وقالَ أيْضًا قُدِّسَ سِرُّهُ: مَنِ ادَّعى باطِنَ عِلْمٍ يَنْقُضُهُ ظاهِرُ حُكْمٍ فَهو غالِطٌ.
وقالَ أبُو الحُسَيْنِ النُّورِيُّ: مَن رَأيْتَهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ تَعالى حالَةَ تَخَرُّجِهِ عَنْ جَدِّ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَلا تَقْرَبْهُ، ومَن رَأيْتَهُ يَدَّعِي حالَةً لا يَشْهَدُ لَها حِفْظٌ ظاهِرٌ فاتَّهَمَهُ عَلى دِينِهِ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: كُلُّ فَيْضٍ باطِنٍ يُخالِفُهُ ظاهِرٌ فَهو باطِلٌ.
وقالَ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ الدَّيْنُورِيُّ: لِسانُ الظّاهِرِ لا يُغَيِّرُ حُكْمَ الباطِنِ، وفي التُّحْفَةِ لِابْنِ حَجَرٍ قالَ الغَزالِيُّ: مَن زَعَمَ أنَّ لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى حالًا أسْقَطَ عَنْهُ نَحْوَ الصَّلاةِ أوْ تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ وجَبَ قَتَلُهُ وإنْ كانَ في الحُكْمِ بِخُلُودِهِ في النّارِ نَظَرٌ، وقَتْلُ مِثْلِهِ أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةِ كافِرٍ لِأنَّ ضَرَرَهُ أكْثَرُ انْتَهى، ولا نَظَرَ في خُلُودِهِ لِأنَّهُ مُرْتَدٍ لِاسْتِحْلالِهِ ما عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ أوْ نَفْيُهُ وُجُوبَ ما عُلِمَ وُجُوبُهُ ضَرُورَةً فِيهِما، ومِن ثَمَّ جَزَمَ في الأنْوارِ بِخُلُودِهِ انْتَهى.
وقالَ في الأحْياءِ: مَن قالَ إنَّ الباطِنَ يُخالِفُ الظّاهِرَ فَهو إلى الكُفْرِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإيمانِ.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي رِسالَةِ القُشَيْرِيِّ طَرَفٌ مِنهُ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَلامَ العارِفِينَ المُحَقِّقِينَ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ في الحَقِيقَةِ كُشُوفًا وعُلُومًا غَيْبِيَّةً، ولِذا تَراهم يَقُولُونَ: عِلْمُ الحَقِيقَةِ هو العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ، وعِلْمُ المُكاشَفَةِ، وعِلْمُ المَوْهِبَةِ، وعِلْمُ الأسْرارِ، والعِلْمُ المَكْنُونُ وعِلْمُ الوِراثَةِ إلّا أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى المُخالَفَةِ فَإنَّ الكُشُوفَ والعُلُومَ الغَيْبِيَّةَ ثَمَرَةُ الإخْلاصِ الَّذِي هو الجُزْءُ الثّالِثُ مِن أجْزاءِ الشَّرِيعَةِ فَهي بِالحَقِيقَةِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الشَّرِيعَةِ ونَتِيجَةٌ لَها، ومَعَ هَذا لا تُغَيِّرُ تِلْكَ الكُشُوفُ والعُلُومُ الغَيْبِيَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ولا تُقَيِّدُ مُطْلَقًا ولا تُطْلِقُ مُقَيَّدًا خِلافًا لِما تَوَهَّمَهُ ساجِقْلِيٌّ زادَهُ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ عِبارَةِ الأحْياءِ السّابِقَةِ آنِفًا: يُرِيدُ الغَزالِيُّ مِنَ الباطِنِ ما يَنْكَشِفُ لِعُلَماءِ الباطِنِ مِن حِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ لَهم مَعَ أنَّ الشّارِعَ حَرَّمَهُ عَلى عِبادِهِ مُطْلَقًا فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّما انْكَشَفَ حِلُّهُ لَهم لِما انْكَشَفَ لَهم مِن سَبَبٍ خَفِيٍّ يُحَلِّلُهُ لَهُمْ، وتَحْرِيمُ الشّارِعِ تَعالى ذَلِكَ عَلى عِبادِهِ مُقَيَّدٌ بِانْتِقاءِ انْكِشافِ السَّبَبِ المُحَلَّلِ لَهم فَمَنِ انْكَشَفَ لَهُ ذَلِكَ السَّبَبُ حَلَّ لَهُ ومَن لا فَلا لَكِنَّ الشّارِعَ سُبْحانَهُ حَرَّمَهُ عَلى عِبادِهِ عَلى الإطْلاقِ وتَرَكَ ذَلِكَ القَيْدَ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ إذْ مَن يَنْكَشِفُ
صفحة 20
لَهُ قَلِيلٌ جِدًّا مِثالُهُ انْكِشافُ مَحَلِّ خَرْقِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الغُلامِ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَلَّ لَهُ بِذَلِكَ الِانْكِشافِ الخَرْقُ والقَتْلُ وحِلُّهُما لَهُ مُخالِفٌ لِإطْلاقِ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّتَهُ عَنِ الضَّرَرِ وعَنْ قَتْلِ الصَّبِيِّ، لَكِنَّهُما مُقَيَّدانِ فالأوَّلُ مُقَيَّدٌ بِما إذا لَمْ يُعْلَمْ هُناكَ غاصِبٌ مَثَلًا، والثّانِي بِما إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّ الصَّبِيَّ سَيَصِيرُ ضالًّا مُضِلًّا، لَكِنَّ الشّارِعَ تَرَكَ القَيْدَيْنِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِما واعْتِمادًا عَلى فَهْمِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ إيّاهُما إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ النُّصُوصَ السّابِقَةَ تُنادِي بِخِلافِهِ كَما سَمِعَتْ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الغُيُوبَ والمُكاشَفاتِ بَلْ سائِرَ ما يَحْصُلُ لِلصُّوفِيَّةِ مِنَ التَّجَلِّياتِ لَيْسَتْ مِنَ المَقاصِدِ بِالذّاتِ ولا يَقِفُ عِنْدَها الكامِلُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوبِ السّادِسِ والثَّلاثِينَ المُتَقَدِّمِ نُقِلَ بَعْضُهُ أنَّها تُرَبّى بِها أطْفالُ الطَّرِيقِ وأنَّهُ يَنْبَغِي مُجاوَزَتُها والوُصُولُ إلى مَقامِ الرِّضا الَّذِي هو نِهايَةُ مَقاماتِ السُّلُوكِ والجَذْبَةِ وهو عَزِيزٌ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا واحِدٌ مِن أُلُوفٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الَّذِينَ هم قَلِيلُو النَّظَرِ يَعُدُّونَ الأحْوالَ والمَواجِيدَ مِنَ المَقاماتِ والمُشاهَداتِ والتَّجَلِّياتِ مِنَ المَطالِبِ، فَلا جَرَمَ بَقُوا في قَيْدِ الوَهْمِ والخَيالِ وصارُوا مَحْرُومِينَ مِن كَمالاتِ الشَّرِيعَةِ ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ انْتَهى، ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الكامِلِينَ في الشَّرِيعَةِ يُعَبِّرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ ولا يُعِدُّونَهُ مَقْصِدًا وجُلُّ مَقْصِدِهِمْ تَحْصِيلُ مَقامِ الرِّضا، وعَلى هَذا يَخْرُجُ بَيْتُ المَثْنَوِيِّ حَيْثُ يَقُولُ:
زانٍ طَرَفَ كَهْ عِشْقٌ مِنِ افزود دُرْد أبُو حَنِيفَة شافِعِيٌّ دَرْسِي نَكْرَدِ
وقَدْ يُحْجَبُ الكامِلُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ بِعَوامِّ النّاسِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِنَ الخَضِرِ وأعْلَمِيَّةُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ كانَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَّرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَقِفْ عِنْدَهُ لِأنَّهُ في مَقامِ التَّشْرِيعِ، ولَعَلَّ طَلَبَهُ التَّعْلِيمَ كانَ بِالأمْرِ ابْتِلاءً لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الفَلْتَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الكامِلَ كُلَّما كانَ صُعُودُهُ أعْلا كانَ هُبُوطُهُ أنْزَلَ وكُلَّما كانَ هُبُوطُهُ أنْزَلَ كانَ في الإرْشادِ أكْمَلَ في الإفاضَةِ أتَمَّ لِمَزِيدِ المُناسَبَةِ حِينَئِذٍ بَيْنَ المُرْشِدِ والمُسْتَرْشِدِ، ولِهَذا قالُوا فِيما يُحْكى: إنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ وقَفَ عَلى شَطِّ نَهْرٍ يَنْتَظِرُ سَفِينَةً فَجاءَ حَبِيبٌ العَجَمِيُّ فَقالَ لَهُ: ما تَنْتَظِرُ؟ فَقالَ: سَفِينَةً فَقالَ: أيُّ حاجَةٍ إلى السَّفِينَةِ أما لَكَ يَقِينٌ؟ فَقالَ الحَسَنُ: أما لَكَ عِلْمٌ؟ ثُمَّ عَبَرَ حَبِيبٌ عَلى الماءِ بِلا سَفِينَةٍ ووَقَّفَ الحَسَنُ أنَّ الفَضْلَ لِلْحَسَنِ فَإنَّهُ كانَ جامِعًا بَيْنَ عِلْمِ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ وعَرَفَ الأشْياءَ كَما هي وفي نَفْسِ الأمْرِ جُعِلَتِ القُدْرَةُ مَسْتُورَةً خَلْفَ الحِكْمَةِ والحِكْمَةُ في الأسْبابِ، وحَبِيبٌ صاحِبُ سُكْرٍ لَمْ يَرَ الأسْبابَ فَعُومِلَ بِرَفْعِها، ومِن هُنا يَظْهَرُ سِرُّ قِلَّةِ الخَوارِقِ في الصَّحابَةِ مَعَ قَوْلِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ: إنَّ نِهايَةَ أُوَيْسٍ سَيِّدِ التّابِعِينَ بِدايَةُ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ يَوْمَ أسْلَمَ، فَما الظَّنُّ بِغَيْرِ أُوَيْسٍ مَعَ غَيْرِ وحْشِيٍّ، وأنا أقُولُ: إنَّ الكامِلَ وإنْ كانَ مَن عَلِمْتَ إلّا أنَّ فَوْقَهُ الأكْمَلُ وهو مَن لَمْ يَزَلْ صاعِدًا في نُزُولِهِ ونازِلًا في صُعُودِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أُمِدَّ العالَمُ العُلْوِيُّ والسُّفْلِيُّ، وهَذا مَرْجِعُ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أنْ جَعَلَنا مِن أُمَّتِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلى ما ذَكَرْنا ما قالَهُ الإمامُ الغَزالِيُّ في الأحْياءِ وهو أنَّ عِلْمَ الآخِرَةِ قِسْمانِ عِلْمُ مُكاشَفَةٍ وعِلْمُ مُعامَلَةٍ، أمّا عِلْمُ المُكاشَفَةِ فَهو عِلْمُ الباطِنِ وهو غايَةُ العُلُومِ وهو عِلْمُ الصِّدِّيقِينَ والمُقَرَّبِينَ، وهو عِبارَةٌ عَنْ نُورٍ يَظْهَرُ في القَلْبِ عِنْدَ تَطْهِيرِهِ وتَزْكِيَتِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ويَنْكَشِفُ بِذَلِكَ ما كانَ يُسْمَعُ مِن قَبْلِ أسْمائِها ويُتَوَهَّمُ لَها مَعانٍ مُجْمَلَةٌ غَيْرُ مُتَّضِحَةٍ، فَتَتَّضِحُ
صفحة 21
إذْ ذاكَ حَتّى تَحْصُلَ المَعْرِفَةُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ التّامّاتِ وبِأفْعالِهِ وبِحِكْمَتِهِ في خَلْقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.
لِأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِلْمِ الباطِنِ الَّذِي هو عِلْمُ الحَقِيقَةِ وهَذا البَعْضُ لا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُوَ مِنهُ نَبِيٌّ كَيْفَ ورُتْبَةُ الصِّدِّيقِينَ دُونَ رُتْبَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قَرَّرُوهُ في آيَةِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ ومِمّا ذَكَرْنا مِن عَدَمِ المُخالَفَةِ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ يُعْلَمُ ما في كَلامِ البَلْقِينِيِّ في دَفْعِ ما اسْتَشْكَلَهُ مِن قَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ( إنِّي عَلى عِلْمٍ ) الحَدِيثَ السّابِقَ حَيْثُ زَعَمَ أنَّهُ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى امْتِناعِ تَعْلِيمِ العِلْمَيْنِ مَعًا مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، وأجابَ بِأنَّ عِلْمَ الكُشُوفِ والحَقائِقِ يُنافِي عِلْمَ الظّاهِرِ فَلا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ الحاكِمِ بِالظّاهِرِ أنْ يَعْلَمَ الحَقائِقَ لِلتَّنافِي، وكَذا لا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ بِالحَقِيقَةِ أنْ يَعْلَمَ العِلْمَ الظّاهِرَ الَّذِي لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهِ، ويُنافِي ما عِنْدَهُ عَنِ الحَقِيقَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ أخْطَأ فِيما قالَ وبِالحَقِّ تُعْرَفُ الرِّجالُ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَأرْدَفَهُ بِجَوابٍ آخَرَ هو خِلافُ الظّاهِرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ والِاسْتِشْكالُ مِن ضَعْفِ النَّظَرِ، ثُمَّ إنَّ قِصَّةَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تَصْلُحُ حُجَّةً لِمَن يَزْعُمُ المُخالَفَةَ بَيْنَ العِلْمَيْنِ فَإنَّ أعْظَمَ ما يَشْكُلُ فِيها قَتْلُ الغُلامِ لِكَوْنِهِ طُبِعَ كافِرًا وخُشِيَ مِن بَقائِهِ حَيًّا ارْتِدادُ أبَوَيْهِ وذَلِكَ أيْضًا شَرِيعَةٌ لَكِنَّها مَخْصُوصَةٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كَما قالَ العَلّامَةُ السُّبْكِيُّ: أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِالباطِنِ وخِلافِ الظّاهِرِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ، فَلا إشْكالَ فِيهِ وإنْ عُلِمَ مِن شَرِيعَتِنا أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ قَتْلُ صَغِيرٍ لا سِيَّما بَيْنَ أبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ وكَيْفَ يَجُوزُ قَتْلُهُ بِسَبَبٍ لَمْ يَحْصُلْ والمَوْلُودُ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ حَقِيقِيٍّ ولا إيمانٍ حَقِيقِيٍّ، واتِّفاقُ الشَّرائِعِ في الأحْكامِ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الأنامِ فَضْلًا عَنِ العُلَماءِ الأعْلامِ وهَذا ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ فَيُقالُ: إنَّ عَمَلَ الوَلِيِّ بِالإلْهامِ كانَ إذْ ذاكَ شَرْعًا أوْ كَما قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِذَلِكَ عَلى يَدِ نَبِيٍّ غَيْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا إقامَةُ الجِدارِ بِلا أجْرٍ فَلا إشْكالَ فِيها لِأنَّها إحْسانٌ، وغايَةُ ما يُتَخَيَّلُ أنَّهُ لِلْمُسِيءِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ ولا ضَيْرَ فَإنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وأمّا خَرْقُ السَّفِينَةِ لِتَسْلَمَ مِن غَصْبِ الظّالِمِ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ حَتّى قالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ: إنَّهُ إذا كانَ تَحْتَ يَدِ الإنْسانِ مالُ يَتِيمٍ أوْ سَفِيهٍ أوْ مَجْنُونٍ وخافَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَهُ ظالِمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِيبُهُ لِأجْلِ حِفْظِهِ، وكانَ القَوْلُ قَوْلَ مَن عَيَّبَ مالَ اليَتِيمِ ونَحْوِهِ إذْ نازَعَهُ اليَتِيمُ ونَحْوُهُ بَعْدَ الرُّشْدِ ونَحْوِهِ في أنَّهُ فَعَلَهُ لِحِفْظِهِ عَلى الأوْجُهِ كَما قالَهُ القاضِي زَكَرِيّا في شَرْحِ الرَّوْضِ قُبَيْلَ بابِ الوَدِيعَةِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ ما لَوْ كانَ تَحْتَ يَدِهِ مالُ يَتِيمٍ مَثَلًا وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ مِنهُ شَيْئًا لِقاضٍ سُوءٍ لانْتَزَعَهُ مِنهُ وسَلَّمَهُ لِبَعْضِ الخَوَنَةِ وأدّى ذَلِكَ إلى ذَهابِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا ويَتَحَرّى في أقَلِّ ما يُمْكِنُ إرْضاؤُهُ بِهِ، ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ أيْضًا، وقالَ بَعْضُهم: قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِصَّةُ ثُبُوتُ العِلْمِ الباطِنِ وهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّ إطْلاقَ الباطِنِ عَلَيْهِ إضافِيٌّ كَما تَقَدَّمَ، وكانَ في قَوْلِهِ ﷺ ( «إنَّ مِنَ العِلْمِ كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لا يَعْرِفُهُ إلّا العُلَماءُ بِاللَّهِ تَعالى فَإذا قالُوهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا أهْلُ الغِرَّةِ بِاللَّهِ تَعالى» ).
إشارَةً إلى ذَلِكَ، والمُرادُ بِأهْلِ الغِرَّةِ عُلَماءُ الظّاهِرِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتُوا ذَلِكَ، وبَعْضُ مُثَبِّتِيهِ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ مِنَ العِلْمِ فَأمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ، واسْتُدِلَّ بِهِ أيْضًا عَلى المُخالَفَةِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالآخَرِ الَّذِي لَوْ بَثَّهُ لَقُتِلَ عِلْمُ الفِتَنِ وما وقَعَ مِن بَنِي أُمَيَّةَ وذَمِّ النَّبِيِّ ﷺ لِأُناسٍ مُعَيَّنِينَ مِنهم ولا شَكَّ أنَّ بَثَّ ذَلِكَ في تِلْكَ الأعْصارِ يَجُرُّ إلى القَتْلِ، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّهُ أرادَ بِهِ العِلْمَ الباطِنَ المُسَمّى بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ لا نُسَلِّمُ أنَّ قَطْعَ البُلْعُومِ مِنهُ عَلى بَثِّهِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْعِلْمِ الظّاهِرِ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ لِتَوَهُّمِ
صفحة 22
مَن بِيَدِهِ الحَلُّ والعَقْدُ والأمْرُ والنَّهْيُ مِن أُمَراءِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُخالَفَةَ فافْهَمْ، واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِما في القِصَّةِ حَسْبَما ذَكَرَهُ شُرّاحُ الحَدِيثِ وغَيْرُهم عَلى اسْتِحْبابِ الرِّحْلَةِ لِلْعِلْمِ وفَضْلِ طَلَبِهِ واسْتِحْبابِ اسْتِعْمالِ الأدَبِ مَعَ العالَمِ واحْتِرامِ المَشايِخِ وتَرْكِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِمْ وتَأْوِيلِ ما لا يُفْهَمُ ظاهِرُهُ مِن أفْعالِهِمْ وحَرَكاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ والوَفاءِ بِعُهُودِهِمْ والِاعْتِذارِ عِنْدَ مُخالَفَتِهِمْ، وعَلى جَوازِ اتِّخاذِ الخادِمِ في السَّفَرِ وحَمْلِ الزّادِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ ونِسْبَةَ النِّسْيانِ ونَحْوَهُ مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا وتَأدُّبًا عَنْ نِسْبَتِها إلى اللَّهِ تَعالى واعْتِذارِ العالِمِ إلى مَن يُرِيدُ الأخْذَ عَنْهُ في عَدَمِ تَعْلِيمِهِ مِمّا لا يَحْتَمِلُهُ طَبْعُهُ، وتَقْدِيمِ المَشِيئَةِ في الأمْرِ واشْتِراطِ المَتْبُوعِ عَلى التّابِعِ، وعَلى أنَّ النِّسْيانَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ وأنَّ لِلثَّلاثِ اعْتِبارًا في التَّكْرارِ ونَحْوِهِ عَلى جَوازِ رُكُوبِ السَّفِينَةِ وفِيهِ الحُكْمُ بِالظّاهِرِ حَتّى يَتَبَيَّنَ خِلافُهُ لِإنْكارِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى جَوازِ أنْ يَطْلُبَ الإنْسانُ الطَّعامَ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وعَلى أنَّ صُنْعَ الجَمِيلِ لا يُتْرَكُ ولَوْ مَعَ اللِّئامِ وجَوازُ أخْذِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ وأنَّ المِسْكِينَ لا يَخْرُجُ عَنِ المَسْكَنَةِ بِمِلْكِ آلَةٍ يَكْتَسِبُ بِها أوْ بِشَيْءٍ لا يَكْفِيهِ وأنَّ الغَصْبَ حَرامٌ وأنَّهُ يَجُوزُ دَفْنُ المالِ في الأرْضِ وفِيهِ إثْباتُ كَراماتِ الأوْلِياءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: الخَضِرُ ولِيٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَتَبِّعِ أوْ لِلْمُتَأمِّلِ، وبِالجُمْلَةِ قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ القِصَّةُ فَوائِدَ كَثِيرَةً ومَطالِبَ عالِيَةً خَطِيرَةً فَأمْعَنَ النَّظَرَ في ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى خَواصَّ أضافَهم سُبْحانَهُ إلَيْهِ وقَطَعَهم عَنْ غَيْرِهِ، وأخَصُّ خَواصِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَن أضافَهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ وهو اسْمُ الذّاتِ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ الرّاجِعِ إلَيْهِ تَعالى، ولَيْسَ ذاكَ إلّا حَبِيبَهُ الأكْرَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ وهي مَرْتَبَةُ القُرْبِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو العِلْمُ الخاصُّ الَّذِي لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقالَ ذُو النُّونِ: العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ هو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى الخَلْقِ بِمَواقِعِ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.
وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: هو الِاطِّلاعُ عَلى الأسْرارِ مِن غَيْرِ ظَنٍّ فِيهِ ولا خِلافٍ واقِعٍ لَكِنَّهُ مُكاشَفاتُ الأنْوارِ عَنْ مَكْنُونِ المُغَيَّباتِ ويَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إذا حَفِظَ جَوارِحَهُ عَنْ جَمِيعِ المُخالَفاتِ وأفْنى حَرَكاتَهُ عَنْ كُلِّ الإراداتِ وكانَ شَبَحًا بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ بِلا تَمَنِّي ولا مُرادٍ، وقِيلَ: هو عِلْمٌ يُعَرِّفُ بِهِ الحَقُّ سُبْحانَهُ أوْلِياءَهُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عِلْمٌ غَيْبِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِعالَمِ الأفْعالِ، وأخَصُّ مِنهُ الوُقُوفُ عَلى بَعْضِ سِرِّ القَدَرِ قَبْلَ وُقُوعِ واقِعَتِهِ وأخَصُّ مِن ذَلِكَ عِلْمُ الأسْماءِ والنُّعُوتِ الخاصَّةِ، وأخَصُّ مِنهُ عِلْمُ الذّاتِ.
وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مِنَ العُلُومِ ما لا يُعْلِمُهُ إلّا النَّبِيُّ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ المِعْراجِ كَما ذَكَرَهُ القَسْطَلانِيُّ في مَواهِبِهِ وغَيْرُهُ ( «وسَألَنِي رَبِّي فَلَمْ أسْتَطِعْ أنْ أُجِيبَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَها فَأوْرَثَنِي عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وعَلَّمَنِي عُلُومًا شَتّى، ثُمَّ أخَذَ عَلَيَّ كِتْمانَهُ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِهِ أحَدٌ غَيْرِي، وعِلْمٌ خَيَّرَنِي فِيهِ وعَلَّمَنِي القُرْآنَ فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُذَكِّرُنِي بِهِ، وعِلْمٌ أمَرَنِي بِتَبْلِيغِهِ إلى العامِّ والخاصِّ مِن أُمَّتِي» ) . انْتَهى، ولِلَّهِ تَعالى عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قالَهُ عَنِ ابْتِلاءٍ إلَهِيٍّ كَما قَدَّمْنا، وقالَ فارِسٌ كَما في أسْرارِ القُرْآنِ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنَ الخَضِرِ فِيما أخَذَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والخَضِرُ كانَ أعْلَمَ مِن مُوسى فِيما وقَعَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ أيْضًا: إنَّ مُوسى كانَ باقِيًا بِالحَقِّ والخَضِرُ كانَ فانِيًا بِالحَقِّ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
صفحة 23
قِيلَ: عَلِمَ الخَضِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى في زَمانِهِ وأنَّهُ ذُو حِدَّةٍ عَظِيمَةٍ فَفَزِعَ مِن صُحْبَتِهِ لِئَلّا يَقَعَ مِنهُ مَعَهُ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ.
وقالَ بَعْضُهم: آيَسَهُ مِن نَفْسِهِ لِئَلّا يَشْغَلَهُ صُحْبَتُهُ عَنْ صُحْبَةِ الحَقِّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ بَعْضُهم: لَوْ قالَ كَما قالَ الذَّبِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ لِوَفْقٍ لِلصَّبْرِ كَما وُفِّقَ الذَّبِيحُ، والفَرْقُ أنَّ كَلامَ الذَّبِيحِ أظْهَرُ في الِالتِجاءِ وكَسْرِ النَّفْسِ حَيْثُ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وِجْدانَهُ واحِدًا مِن جَماعَةِ مُتَّصِفِينَ بِالصَّبْرِ ولا كَذَلِكَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ سَلَكا طَرِيقَ السُّؤالِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بَذْلَ النَّفْسِ في الطَّرِيقَةِ وهو لا يُنافِي التَّوَكُّلَ وكَذا الكَسْبُ ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ دَفْعَ ما أحْوَجَهُما إلى السُّؤالِ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ وفِيهِ نَظَرٌ إلى الأسْبابِ وهو مِن أحْوالِ الكامِلِينَ كَما مَرَّ في حِكايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وحَبِيبٍ، فَفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أكْمَلُ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ قالَ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ أيْ: حَسْبَما أرَدْتُ، وقالَ النَّصْرابادِيُّ: لَمّا عَلِمَ الخَضِرُ بُلُوغَ مُوسى إلى مُنْتَهى التَّأْدِيبِ وقُصُورِ عَلَمِهِ عَنْ عِلْمِهِ قالَ ذَلِكَ لِئَلّا يَسْألَهُ مُوسى بَعْدُ عَنْ عِلْمٍ أوْ حالٍ فَيُفْتَضِحُ.
وقِيلَ: خافَ أنْ يَسْألَهُ عَنْ أسْرارِ العُلُومِ الرَّبّانِيَّةِ الصِّفاتِيَّةِ الذّاتِيَّةِ فَيَعْجِزُ عَنْ جَوابِهِ فَقالَ ما قالَ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قِيلَ: كانَ حَسَنَ الوَجْهِ جِدًّا وكانَ مَحْبُوبًا في الغايَةِ لِوالِدَيْهِ فَخَشِيَ فِتْنَتَهُما بِهِ، والآيَةُ مِنَ المُشْكِلِ ظاهِرًا لِأنَّهُ إنْ كانَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما الكَفْرَ فَلا يَنْفَعُهُما قَتْلُ الوَلَدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّهُما بَقاؤُهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُقَدَّرَ بَقاؤُهُما عَلى الإيمانِ إنْ قُتِلَ وقَتْلُهُ لِيَبْقَيا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُقَدَّرَ قَدْ يُغَيَّرُ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ سِوى التَّغَيُّرِ في تَعَلُّقِ صِفَتِهِ تَعالى لا في الصِّفَةِ نَفْسِها لِيَلْزَمَ التَّغَيُّرُ فِيهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ .
واسْتَشْكَلَ أيْضًا بِأنَّ المَحْذُورَ يَزُولُ بِتَوْفِيقِهِ لِلْإيمانِ فَما الحاجَةُ إلى القَتْلِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِذَلِكَ فَهو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ وكَأنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى فِيما قالَ نَوْعَ مُناقَشَةٍ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: بَلْ فَعَلْتُهُ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَسْألُ سُبْحانَهُ عَمّا أمَرَ وفَعَلَ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ حِينَ نَقَرَ العُصْفُورَ في البَحْرِ سَدٌّ لِبابِ المُناقَشَةِ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ، ولَعَلَّ عِلْمَ مِثْلَ هَذِهِ المَسائِلِ مِنَ العِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ وأوَّلَ بَعْضُهم مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ بِمَجْمَعِ وِلايَةِ الشَّيْخِ ووِلايَةِ المُرِيدِ، والصَّخْرَةَ بِالنَّفْسِ، والحُوتَ بِالقَلْبِ المُمَلَّحِ بِمِلْحِ حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها، والسَّفِينَةَ بِالشَّرِيعَةِ، وخَرْقَها بِهَدْمِ النّامُوسِ في الظّاهِرِ مَعَ الصَّلاحِ في الباطِنِ، وإغْراقَ أهْلِها بِإيقاعِهِمْ في بِحارِ الضَّلالِ، والغُلامَ بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ، وقَتْلَهُ بِذَبْحِهِ بِسَيْفِ الرِّياضَةِ، والقَرْيَةَ بِالجَسَدِ، وأهْلَها بِالقُوى الإنْسانِيَّةِ مِنَ الحَواسِّ، واسْتِطْعامَهم بِطَلَبِ أفاعِيلِها الَّتِي تَخْتَصُّ بِها، وإباءَ الضِّيافَةِ بِمَنعِها إعْطاءَ خَواصِّها كَما يَنْبَغِي لِكَلالِها وضَعْفِها، والجِدارَ بِالتَّعَلُّقِ الحائِلِ بَيْنَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وعالَمِ المُجَرَّداتِ وإرادَةِ الِانْقِضاضِ بِمُشارَفَةِ قَطْعِ العَلائِقِ وإقامَتِهِ بِتَقْوِيَةِ البَدَنِ والرِّفْقِ بِالقُوى والحَواسِّ، ومَشِيئَةَ اتِّخاذِ الأجْرِ بِمَشِيئَةِ الصَّبْرِ عَلى شِدَّةِ الرِّياضَةِ لِنَيْلِ الكُشُوفِ وإفاضَةِ الأنْوارِ، والمَساكِينَ بِالعَوامِّ، والبَحْرَ الَّذِي يَعْمَلُونَ فِيهِ بِبَحْرِ الدُّنْيا، والمُلْكَ بِالشَّيْطانِ، والسُّفُنَ الَّتِي يَغْصِبُها العِباداتِ الخالِيَةَ عَنِ الِانْكِسارِ والذُّلِّ والخُشُوعِ، والأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ بِالقَلْبِ، والرُّوحِ، والبَدَلَ الخَيْرُ بِالنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ والمُلْهَمَةِ، والكَنْزَ
صفحة 24
بِالكِمالاتِ النَّظَرِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ، والأبُ الصّالِحُ بِالعَقْلِ المُفارِقِ الَّذِي كِمالاتُهُ بِالفِعْلِ، وبُلُوغَ الأشَدِّ بِوُصُولِهِما بِتَرْبِيَةِ الشَّيْخِ وإرْشادِهِ إلى المَرْتَبَةِ الكامِلَةِ، وهَذا ما اخْتارَهُ النَّيْسابُورِيُّ، واخْتارَ غَيْرُهُ تَأْوِيلًا آخَرَ هو أدْهى مِنهُ، هَذا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ
الكهف 18:83
﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ كانَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ، والسّائِلُونَ في المَشْهُورِ قُرَيْشٌ بِتَلْقِينِ اليَهُودِ، وقِيلَ: اليَهُودُ أنْفُسُهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وأكْثَرُ الآثارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُؤالِهِمْ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِما أنَّ في سُؤالِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن أمْرِهِ ﷺ ما شاهَدُوا نَوْعَ غَرابَةٍ، وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى السُّؤالِ إلى وُرُودِ الجَوابِ وبَعْضِ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلُ، «فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: إنَّ نَفَرا مِن أهْلِ الكِتابِ جاءُوا بِالصُّحُفِ أوِ الكُتُبِ فَقالُوا لِي: اسْتَأْذِنْ لَنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِنَدْخُلَ عَلَيْهِ فانْصَرَفَتْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرَتْهُ بِمَكانِهِمْ فَقالَ ﷺ: ما لِي ولَهم يَسْألُونَنِي عَمّا لا أعْلَمَ إنَّما أنا عَبْدٌ لا عِلْمَ لِي إلّا ما عَلَّمَنِي رَبِّي ثُمَّ قالَ: ائْتِنِي بِوُضُوءٍ أتَوَضَّأُ بِهِ فَأتَيْتُهُ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ إلى مَسْجِدٍ في بَيْتِهِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فانْصَرَفَ حَتّى بَدا السُّرُورُ في وجْهِهِ ثُمَّ قالَ: اذْهَبْ فَأدْخِلْهم ومَن وجَدْتَ بِالبابِ مِن أصْحابِي فَأدْخَلْتُهم فَلَمّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: إنْ شِئْتُمْ أخْبَرْتُكم بِما سَألْتُمُونِي عَنْهُ وإنْ شِئْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ فافْعَلُوا»، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ولَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ.
واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ فَقِيلَ: هو مَلِكٌ أهْبَطُهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأرْضِ وآتاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءَ الأنْبِياءِ فَما لَكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ، والخَبَرُ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ إذْ يَحْتَمِلُ ولَوْ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الِاسْمَ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا تُسَمُّوا بِهِ أنْتُمْ وإنْ تَسَمّى بِهِ بَعْضُ مَن قَبْلَكم مِنَ النّاسِ.
وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ وأعْطاهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وألْبَسَهُ الهَيْبَةَ ولا نَعْرِفُ مَن هو وذُكِرَ في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ دَعا إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْمَنِ فَماتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، فَدَعا فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْسَرِ فَماتَ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ ومَلَكَ ما مَلَكَ ورُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والثّانِي أنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ، الثّالِثُ أنَّهُ كانَتْ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِن نُحاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، الرّابِعُ أنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ قَرْنانِ كالظِّلْفَيْنِ وهو أوَّلُ مَن لَبِسَ العِمامَةَ لِيَسْتُرَهُما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَعْلى، الخامِسُ أنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ، السّادِسُ أنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا أيْ شَرْقَها وغَرْبَها ورُوِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا، السّابِعُ أنَّهُ كانَ لَهُ غَدِيرَتانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ويُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، الثّامِنُ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ النُّورَ والظُّلْمَةَ فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ وتَمْتَدُّ الظُّلْمَةُ مِن ورائِهِ، التّاسِعُ أنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، العاشِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ صَعِدَ إلى الشَّمْسِ وأخَذَ بِقَرْنَيْها.
الحادِيَ عَشَرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ كَما لُقِّبَ أزْدَشِيرُ بُهْمَن بِطَوِيلِ اليَدَيْنِ لِنُفُوذِ أمْرِهِ حَيْثُ أرادَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ مَعْرِفَةِ رَجُلٍ مُكِّنَ لَهُ ما مُكِّنَ في الأرْضِ وبَلَغَ مِنَ الشُّهْرَةِ ما بَلَغَ في طُولِها والعَرْضِ، وأمّا الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ فَفِيها ما لا يَكادُ يَصِحُّ ولَعَلَّهُ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ
صفحة 25
وقِيلَ: هو فِرِيدُونُ بْنُ اثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ خامِسُ مُلُوكِ الفُرْسِ الفَيْشِدادِيَّةِ، وكانَ مَلِكًا عادِلًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى. وفي كِتابِ صُوَرِ الأقالِيمِ لِأبِي زَيْدٍ البَلْخِيِّ أنَّهُ كانَ مُؤَيَّدًا بِالوَحْيِ. وفي عامَّةِ التَّوارِيخِ أنَّهُ مَلَكَ الأرْضَ وقَسَّمَها بَيْنَ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ إيرِجْ وسَلْمَ وتَوْرَ فَأعْطى إيرَجَ العِراقَ والهِنْدَ والحِجازَ وجَعَلَهُ صاحِبَ التّاجِ، وأعْطى سَلْمَ الرُّومَ ودِيارَ مِصْرَ والمَغْرِبَ، وأعْطى تَوْرَ الصِّينَ والتُّرْكَ والمَشْرِقَ، ووَضَعَ لِكُلٍّ قانُونًا تُحْكَمُ بِهِ وسُمِّيَتِ القَوانِينُ الثَّلاثَةُ سِياسَةً فَهي مُعَرَّبَةُ سِي ايسا أيْ ثَلاثَةِ قَوانِينَ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ ذا القَرْنَيْنِ أنَّهُ مَلَكَ طَرَفَيِ الدُّنْيا، أوْ طُولُ أيّامِ سَلْطَنَتِهِ، فَإنَّها كانَتْ عَلى ما في رَوْضَةِ الصَّفا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ أوْ عِظَمُ شَجاعَتِهِ وقَهْرُهُ المُلُوكَ. ورَدَّ بِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ أهْلُ التّارِيخِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسافِرْ لا شَرْقًا ولا غَرْبًا وإنَّما دَوَّخَ لَهُ البِلادَ كاوِهُ الأصْفَهانِيُّ الحَدّادُ الَّذِي مَزَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مُلْكَ الضَّحّاكِ وبَقِيَ رَئِيسَ العَساكِرِ إلى أنْ ماتَ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ بِناءً عَلى ما اشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُؤَرِّخِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ مَن يَقُولُ: إنَّهُ الإسْكَنْدَرُ يُثْبِتُ جَمِيعَ ما ثَبَتَ لِلْإسْكَنْدَرِ في الآياتِ والأخْبارِ ولا يُبالِي بِعَدَمِ ذِكْرِ المُؤَرِّخِينَ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: هو إسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ ابْنُ فَيْلَقُوسَ، وقِيلَ: قَلْفِيصُ، وقِيلَ: قُلَيْصُ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو ابْنُ فَيْلِيسَ بْنِ مَصْرِيمَ بْنِ هَرْمَسَ بْنِ مَيْطُونَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لِيطِي بْنِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُونَ بْنِ شَرْخُونَ بْنِ تَوْنَطَ بْنِ يُوفِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الأصْغَرِ بْنِ العَزِيزِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ سَرِيرُ مُلْكِهِ مَقْدُونِيًّا وهي بَلْدَةٌ مِن بِلادِ الرُّومِ غَرْبَيْ دارِ السَّلْطَنَةِ السَّنِيَّةِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ المَحْمِيَّةِ بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عِنْدَ مَدِينَةِ شِيرُوزَ، وقَوْلُ ابْنِ زَيْدُونَ: إنَّها مِصْرُ وهْمٌ، وهو الَّذِي غَلَبَ دارا الأصْغَرَ واسْتَوْلى عَلى مُلْكِ الفُرْسِ وكانَ مَوْلِدُهُ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِ دارا الأكْبَرِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أبُوهُ وذَلِكَ أنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ فَيْلَقُوسَ فَلَمّا قَرَبَها وجَدَ مِنها رائِحَةً مُنْكَرَةً فَأرْسَلَها إلى أبِيها وقَدْ حَمَلَتْ بِالإسْكَنْدَرِ، فَلَمّا وضَعَتْهُ بَقِيَ في كَفالَةِ أبِيها فَنُسِبَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ دارا الأكْبَرَ تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَلِكِ الزِّنْجِ هَلابِي فاسْتَخْبَثَ رِيحَها فَأمَرَ أنْ يَحْتالَ لِذَلِكَ فَكانَتْ تَغْتَسِلُ بِماءِ السَّنْدَرُوسِ فَأذْهَبَ كَثِيرًا مِن ذَفَرِها، ثُمَّ عافَها ورَدَّها إلى أهْلِها، فَوَلَدَتِ الإسْكَنْدَرَ وكانَ يُسَمّى الإسْكَنْدَرُوسَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ ولَدُهُ أنَّهُ لَمّا أدْرَكَ دارا الأصْغَرَ بْنَ دارا الأكْبَرِ وبِهِ رَمَقٌ وضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِهِ وقالَ لَهُ: يا أخِي أخْبِرْنِي عَمَّنْ فَعَلَ هَذا بِكَ لِأنْتَقِمَ مِنهُ وهو زَعْمٌ باطِلٌ. وقَوْلُهُ: يا أخِي مَن بابِ الإكْرامِ ومُخاطَبَةِ الأمْثالِ. وإنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِمُلْكِهِ طَرَفَيِ الأرْضِ أوْ لِشَجاعَتِهِ واسْتَدَلَّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى أقْصى المَغْرِبِ وأقْصى المَشْرِقِ وجِهَةَ الشَّمالِ وذَلِكَ تَمامُ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ، وسُئِلَ: هَذا المَلِكُ يَجِبُ أنْ يَبْقى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا والمُلْكُ الَّذِي اشْتَهَرَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّهُ بَلَغَ مُلْكَهُ إلى هَذا الحَدِّ لَيْسَ إلّا هَذا الإسْكَنْدَرَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلُوكَ الرُّومِ والمَغْرِبِ وقَهَرَهم وانْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ وبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ وبابِ الأبْوابِ، ودانَتْ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ واسْتَوْلى عَلى دارا وقَصَدَ الهِنْدَ والصِّينَ وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ وبَنى المُدُنَ الكَثِيرَةَ ورَجَعَ إلى العِراقِ، ومَرِضَ بِشَهْرَزُورَ وماتَ بِها، وقِيلَ: ماتَ بِرُومِيَّةَ المَدائِنِ ووَضَعُوهُ في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ وحَمَلُوهُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ وعاشَ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً، ومُدَّةُ مُلْكِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ:
صفحة 26
عاشَ سِتًّا وثَلاثِينَ، ومُدَّةُ مُلْكِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكَ أكْثَرَ المَعْمُورَةِ وثَبَتَ بِالتَّوارِيخِ أنَّ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ هو الإسْكَنْدَرُ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ كَذا ذَكَرَهُ الإمامُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ لِلدَّلِيلِ المَذْكُورِ إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا قَوِيًّا، وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطُو الحَكِيمِ المُقِيمِ بِمَدِينَةِ أثِينَةَ أسْلَمَهُ إلَيْهِ أبُوهُ، فَأقامَ عِنْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ وتَعَلَّمَ مِنهُ الفَلْسَفَةَ وبَرَعَ فِيها، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطُو حَقٌّ وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِهِ في جَمِيعِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ والتَّلْمَذَةُ عَلى شَخْصٍ لا تُوجِبُ المُوافَقَةَ في جَمِيعِ مَقالاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ألا تَرى كَثْرَةَ مُخالَفَةِ الإمامَيْنِ لِشَيْخِهِما الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخالِفًا لَهُ فِيما يُوجِبُ الكُفْرَ، وفي ذَبْحِهِ في مَذْبَحِ بَيْتِ المَقْدِسِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرى جَمِيعَ ما يَراهُ الحُكَماءُ، ولا يَخْفى أنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ قائِلًا بِما يَقُولُهُ الحُكَماءُ، والذَّبْحُ المَذْكُورُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ والِاسْتِدْلالُ بِهِ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ بِذَلِكَ وتَمَذْهُبَهُ بِمَذْهَبِ أرِسْطُو لا يُوجِبُ كُفْرَهُ إذْ ذاكَ فَإنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالصّانِعِ تَعالى شَأْنُهُ مُعَظِّمًا لَهُ غَيْرَ عابِدٍ سِواهُ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما نَقَلَهُ الشَّهْرِسْتانِيُّ أنَّ الحُكَماءَ تَشاوَرُوا في أنْ يَسْجُدُوا لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا فَقالَ: لا يَجُوزُ السُّجُودُ لِغَيْرِ بادِئِ الكُلِّ ولَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَيْهِ رَسُولٌ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ ذاكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ هو مِنهم فَكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ أهْلِ الفَتْرَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكادُ يُعَظِّمُ مَن حُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ الفَتْرَةِ مِثْلَ هَذا التَّعْظِيمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ والأخْبارُ، وأيْضًا الثّالِثُ في التَّوارِيخِ أنَّ الإسْكَنْدَرَ المَذْكُورَ كانَ أرِسْطُو بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ عِنْدَهُ وكانَ يَسْتَشِيرُهُ في المُهِمّاتِ ويَعْمَلُ بِرَأْيِهِ ولَمْ يُذْكَرْ فِيها أنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِ إيّاهُ وزِيرًا كَما هو المَشْهُورُ في ذِي القَرْنَيْنِ.
واعْتَرَضَ أيْضًا بِأنَّ إسْكَنْدَرَ المَذْكُورَ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ سَفَرٌ نَحْوَ المَغْرِبِ في كُتُبِ التَّوارِيخِ المُعْتَبَرَةِ وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ كاتِبُ جَلْبِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ الرُّومِيُّ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى اليُونانِيِّ بِكَثِيرٍ ويُقالُ لَهُ: ذُو القَرْنَيْنِ الأكْبَرُ، واسْمُهُ قِيلَ: مَرْزُبانُ بْنُ مَرْدُبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ أسْوَدَ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْنانَ بْنِ مَنصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْدِ بْنِ عَوْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الخِلافَ في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ اليُونانِيِّ بَعْدَ أنْ نُقِلَ القَوْلُ بِأنَّ اسْمَهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلَقُوسَ، وذُكِرَ في اسْمِ الرُّومِيِّ ونَسَبِهِ ما نُقِلَ سابِقًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الإسْكَنْدَرَ اليُونانِيَّ والإسْكَنْدَرَ الرُّومِيَّ كِلاهُما يُطْلِقانِ عَلى غالِبِ دارا الأصْغَرَ، والتّارِيخُ المَشْهُورُ بِالتّارِيخِ الرُّومِيِّ، ويُسَمّى أيْضًا السُّرْيانِيُّ والعَجَمِيُّ يُنْسَبُ إلَيْهِ في المَشْهُورِ وأوَّلُهُ شُرُوقُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِن أوَّلِ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ وِلايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ البَنّاءِ ومِن أوَّلِ السَّنَةِ السّابِعَةِ وهي سَنَةُ خُرُوجِهِ لِتَمَلُّكِ البِلادِ كَما في زِيجٍ الصُّوفِيِّ أوْ مِن أوَّلِ السَّنَةِ الَّتِي ماتَ فِيها كَما في المَبادِئِ والغاياتِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَنْسُبُهُ إلى سُولُونْسَ بْنِ الطُّبُوخُوسِ الَّذِي أمَرَ بِبِناءِ أنْطاكِيَّةَ وهو الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ أبِي الشُّكْرِ، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم كالِغٌ بِكَ عَنْ نِسْبَتِهِ إلى أحَدِهِما لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ، ونَفى بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ بَيْنَ المُلُوكِ إسْكَنْدَرانِ.
صفحة 27
وزَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا الإسْكَنْدَرُ الَّذِي غَلَبَ دارا واسْتَوْلى عَلى مُلْكِ فارِسَ وقالَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الكَثِيرُ أنَّ المُسَمّى بِالإسْكَنْدَرِ بَيْنَ المُلُوكِ السّالِفَةِ اثْنانِ بَيْنَهُما نَحْوُ ألْفَيْ سَنَةٍ وأنْ أوَّلَهُما هو المُرادُ بِذِي القَرْنَيْنِ ويُسَمِّيهِ بَعْضُهُمُ الرُّومِيَّ وبَعْضُهُمُ اليُونانِيُّ وهو الَّذِي عَمَّرَ دَهْرًا طَوِيلًا فَقِيلَ: عَمَّرَ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ألْفَيْ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافِ سَنَةٍ ولا يَصِحُّ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وذَكَرَ أبُو الرِّيحانِ البَيْرُونِيُّ المُنَجِّمُ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرْبٍ سُمِّيَ ابْنُ عُمَيْرِ بْنِ أفْرِيقِيسَ الحِمْيَرِيُّ وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ تُبَّعٌ اليَمانِيُّ حَيْثُ قالَ:
قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا مُلْكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرُ مُفَنَّدٍ
بَلَغَ المَغارِبَ والمَشارِقَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدِ
فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأْطٍ حَرْمَدِ
ثُمَّ قالَ: ويُشْبِهُ أنُ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أقْرَبَ لِأنَّ الأدْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ كَذِي المَنارِ وذِي نُواسِ وذِي رَعِينٍ وذِي يَزَنَ وذِي جُدْنَ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ كاتِبُ جَلْبِي وذَكَرَ أنَّهُ كانَ في عَصْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وتَعانَقا وأنَّ شُهْرَةَ بُلُوغِ مَلَكِ الإسْكَنْدَرَ اليُونانِيِّ تِلْمِيذُ أرِسْطُو الغايَةَ القُصْوى في كُتُبِ التَّوارِيخِ كَما ذَكَرَ ( الإمامُ دُونَ هَذا إنَّما هي لَقُرْبِ زَمانِ اليُونانِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَإنَّ بَيْنَهُما نَحْوَ ألْفَيْ سَنَةٍ، وتَوارِيخُ هاتِيكَ الأعْصارِ قَدْ أصابَها إعْصارٌ ولَمْ يَبْقَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ويَرْجِعُ في حَلِّ المُشْكِلاتِ إلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ عَدَمَ شُهْرَةٍ مِن ذِكْرِ تَقَوِّي كَوْنُهُ المَسْؤُولَ عَنْهُ إذْ غَرَضُ اليَهُودِ مِنَ السُّؤالِ الِامْتِحانُ وذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما خَفِيَ أمْرُهُ ولَمْ يُشْهَرْ، إذِ الشُّهْرَةُ لا سِيَّما إذا كانَتْ تامَّةً مَظِنَّةُ العِلْمِ وإلى كَوْنِ ذِي القَرْنَيْنِ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ ذَكَرَ الأزْرَقِيُّ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وطافَ مَعَهُ بِالكَعْبَةِ وكانَ ثالِثَهُما إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَجَّ ماشِيًا فَلَمّا سَمِعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقُدُومِهِ تَلَقّاهُ ودَعا لَهُ وأوْصاهُ بِوَصايا، وقِيلَ: أُتِيَ بِفَرَسٍ لِيَرْكَبَ فَقالَ: لا أرْكَبُ في بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ فَعِنْدَ ذَلِكَ سُخِّرَ لَهُ السَّحابُ ومُدَّ لَهُ في الأسْبابِ وبَشَّرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، فَكانَتِ السَّحابَةُ تَحْمِلُهُ وعَساكِرَهُ وجَمِيعَ آلَتِهِمْ إذا أرادُوا غَزْوَ قَوْمٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هَذا هو الحِمْيَرِيُّ الَّذِي ذُكِرَ لَكِنَّ مُقْتَضى كَلامِ كاتِبِ جَلْبِي أنَّهُ هو.
وذُكِرَ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إسْكَنْدَرُ لَقَبًا لِمَن ذُكِرَ مُعَرَّبًا عَنِ الِكْسَنْدَرِ ومَعْناهُ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ آدَمِيٌّ جَيِّدٌ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ مَن قالَ: اسْمُ الإسْكَنْدَرِ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْنانَ بْنِ مَنصُورٍ إلى آخِرِ النَّسَبِ السّابِقِ المُنْتَهِي إلى قَحْطانَ عَنى هَذا الرَّجُلَ الحَمِيرِيَّ لا الرُّومِيَّ ولا اليُونانِيَّ، لَكِنَّ وهِمَ النّاقِلُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ الرُّومَ مِن أبْناءِ قَحْطانَ وكَذا اليُونانُ، نَعَمْ ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ الكِنْدِيُّ أنَّ يُونانَ أخُو قَحْطانَ ورَدَّ عَلَيْهِ أبُو العَبّاسِ النّاشِئُ في قَصِيدَتِهِ حَيْثُ قالَ:
أبا يُوسُفَ إنِّي نَظَرْتُ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ عَلى الفَحْصِ رَأْيًا صَحَّ مِنكَ ولا عَقْدا
وصِرْتَ حَكِيمًا عِنْدَ قَوْمٍ إذا امْرُؤٌ ∗∗∗ بَلاهم جَمِيعًا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهم عَهْدا
أتَقْرِنُ إلْحادًا بِدِينِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا يا أخا كِنْدَةَ إدّا
وتُخَلِّطُ يُونانًا بِقَحْطانَ ضِلَّةً ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ باعَدْتَ بَيْنَهُما جَدّا
صفحة 28
والمَذْكُورُ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ مُلُوكَ اليَمَنِ إلى أنْ غَلَبَتِ الحَبَشَةُ عَلَيْها مِن أبْناءِ قَحْطانَ. وأوْرَدَ عَلى هَذا القَوْلِ في ذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ التَّوارِيخِ المُعْتَبَرَةِ سُمَيُّ ابْنُ عُمَيْرِ بْنِ أفْرِيقِيسَ في عِدادِ مُلُوكِ اليَمَنِ والمَذْكُورُ إنَّما هو شَمَرُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الماضِي مِنَ التَّشْمِيرِ بْنُ أفْرِيقِيسَ ولَمْ يَذْكُرُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أفْرِيقِيسَ عُمَيْرًا وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ أنَّهُ ذُو القَرْنَيْنِ وقالُوا: إنَّهُ يُقالُ لَهُ شَمَرُ يَرْعَشَ لِارْتِعاشٍ كانَ فِيهِ فَلَعَلَّ سُمَيَّ مُحَرَّفٌ عَنْ شَمَرَ وابْنَ عُمَيْرٍ مُحَرَّفٌ مِن يَرْعَشَ، وقَدْ ذَكَرُوا في أبِيهِ أفْرِيقِيسَ أنَّهُ غَزا نَحْوَ المَغْرِبِ في أرْضِ البَرْبَرِ حَتّى أتى طَنْجَةَ ونَقَلَ البَرْبَرَ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ ومِصْرَ والسّاحِلِ إلى مَساكِنِهِمُ اليَوْمَ وأنَّهُ هو الَّذِي بَنى إفْرِيقِيَّةَ وبِهِ سُمِّيَتْ وكانَ مُلْكُهُ مِائَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وفِيهِ أنَّهُ خَرَجَ نَحْوَ العِراقِ وتَوَجَّهَ نَحْوَ الصِّينِ وأنَّهُ قَلَعَ المَدِينَةَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ سَمَرْقَنْدَ وقالُوا: إنَّها مُعَرَّبُ شَمَرْكَنْدَ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ دِعْبِلٌ الخُزاعِيُّ بِقَوْلِهِ يَفْتَخِرُ بِمُلُوكِ اليَمَنِ:
هم كَتَبُوا الكِتابَ بِبابِ مَرْوَ ∗∗∗ وبابِ الشّاسِ كانُوا الكاتِبِينا
وهم سُمُّوا بِشَمَرَ سَمَرْقَنْدا ∗∗∗ وهم غَرَسُوا هُناكَ النّابِتِينا
وأنَّهُ إنَّما لُقِّبَ بِذِي القَرْنَيْنِ لِذُؤابَتَيْنِ كانَتا لَهُ، وكانَ مُلْكُهُ عَلى ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِائَةً وسَبْعًا وثَلاثِينَ سَنَةً، وعَلى ما قالَ المَسْعُودِيُّ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وعَلى ما قالَ غَيْرُهُما سَبْعًا وثَمانِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ بِأبِي كَرْبٍ وإنَّما المُكَنّى بِهِ عَلى ما رَأيْناهُ في بَعْضِ التَّوارِيخِ أسْعَدُ بْنُ كَلِيكَرْبَ ويُقالُ لَهُ تُبَّعٌ الأوْسَطُ ويُذْكَرُ أنَّهُ آمَنَ بِنَبِيِّنا ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ وفي ذَلِكَ يَقُولُ:
شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ
فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنُ عَمْ
وذَكَرُوا أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الوَطْأةِ كَثِيرَ الغَزْوِ فَمَلَّهُ قَوْمُهُ فَأغْرَوُا ابْنَهُ حَسّانَ عَلى قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ لَقِيَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ ياسِرَ يَنْعَمُ بْنُ عَمْرٍو ومَلَكَ ياسِرُ بَعْدَ بِلْقِيسَ زَوْجَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ عَمُّها فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ هَذا ذاكَ مَعَ بُعْدِ زَمانِ ما بَيْنَ إبْراهِيمَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ بَعْدَ هَذا بِكَثِيرٍ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ أحَدٌ ذا القَرْنَيْنِ ولا نُسِبَ إلَيْهِ غَزْوٌ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ في زَمَنِ مَنُوجَهَرَ بْنِ إيرَجَ بْنِ أفْرِيدُونَ بُعِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مَلِكُ اليَمَنِ في زَمانِهِ شَمَرَ أبا المُلُوكِ، وكانَ في طاعَتِهِ انْتَهى، وعَلَيْهِ أيْضًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَمَرُ هَذا هو ذا القَرْنَيْنِ السّابِقَ وهو ظاهِرٌ، وإذا أسْقَطْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْوالِ عَنِ الِاعْتِبارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّ أخْبارَ مُلُوكِ اليَمَنِ مُضْطَرِبَةٌ لا يَكادُ يُوقَفُ عَلى رِوايَتَيْنِ مُتَّفِقِينَ فِيها، واعْتَبَرْتُ القَوْلَ بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلِكٌ مِنهم هو ذُو القَرْنَيْنِ بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ بِقائِلِ ذَلِكَ أشْكَلَ الأمْرُ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ كُتُبَ التَّوارِيخِ قاطِبَةً ناطِقَةٌ بِأنَّ فِرِيدُونْ كانَ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَسَّمَ المَعْمُورَةَ بَيْنَ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ حَسْبَما تَقَدَّمَ فَكَيْفَ يَتَسَنّى مَعَ هَذا القَوْلِ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ رَجُلٌ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ أيْضًا، ويَجِيءُ نَحْوُ هَذا الإشْكالِ إذا قُلْنا إنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أحَدُ الإسْكَنْدَرَيْنِ اليُونانِيِّ والرُّومِيِّ وقُلْنا بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، والحاصِلُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ فِرِيدُونْ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ وكانَ مالِكًا المَعْمُورَةَ كَما في عامَّةِ تَوارِيخِ الفُرْسِ يَمْنَعُ القَوْلَ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ بَلِ القَوْلُ بِوُجُودِ أحَدِ الثَّلاثَةِ مِن فِرِيدُونْ وذِي القَرْنَيْنِ التُّبَّعِيِّ وأحَدِ الإسْكَنْدَرَيْنِ
صفحة 29
فِي ذَلِكَ الزَّمانِ، ومَلْكِهِ المَعْمُورَةَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِنهم في ذَلِكَ الزَّمانِ ومَلْكِهِ المَعْمُورَةَ أيْضًا، واسْتَشْكَلَ كَوْنُ ذِي القَرْنَيْنِ أيًّا كانَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ نَمْرُودَ كانَ في زَمانِهِ أيْضًا، وقَدْ جاءَ مُلْكَ الدُّنْيا مُؤْمِنانِ وكافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فَسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُو القَرْنَيْنِ، وأمّا الكافِرانِ فَنُمْرُودُ وبُخْتُنَصَّرُ ولا مُخَلِّصَ مِن ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ إلّا بِأنْ يُقالَ كانَ زَمانُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُمْتَدًّا ووَقَعَ مَلْكُهُما الدُّنْيا مُتَعاقِبًا وهو كَما تَرى.
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ القَوْلَ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكَ بَعْدَ نُمْرُودَ ويَنْحَلُّ بِهِ الإشْكالُ. وقالَ بَعْضُهم: الَّذِي تَقْتَضِيهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ أوْ تَأْوِيلِهِ إذْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها عُمُومُ مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُلْكِ نُمْرُودَ أوْ بُخْتُنَصَّرَ، والظّاهِرُ عَدَمُ الصِّحَّةِ. واسْتَشْكَلَ أيْضًا كَوْنُهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في التَّوْراةِ كَما يَدَّعِيهِ اليَهُودُ اليَوْمَ كافَّةً ويَبْعُدُ ذَلِكَ غايَةَ البُعْدِ عَلى تَقْدِيرِ وجُودِهِ فالظّاهِرُ مِن عَدَمِ ذِكْرِهِ عَدَمُ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ ذِكْرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ لِأنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ قالَ: ومَن هُوَ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ» . الخَبَرَ. بَلِ الظّاهِرُ مِن سُؤالِهِمْ أنَّ لَهُ ذِكْرًا في كِتابِهِمْ، وإنْكارُهُمُ اليَوْمَ ذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عَلى أنَّ ما ذَكَرَ في الِاسْتِشْكالِ مُجَرَّدُ اسْتِبْعادٍ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ مانِعًا قَوِيًّا، هَذا وبِالجُمْلَةِ لا يَكادُ يَسْلَمُ في أمْرِ ذِي القَرْنَيْنِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ عَنْ قِيلٍ وقالَ، وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلى الأقْوالِ وما لَها وما عَلَيْها تَخْتارُ أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَلَيْقُوسَ غالِبُ دارا وتَدَّعِي أنَّهُ يُقالُ لَهُ اليُونانِيُّ كَما يُقالُ لَهُ الرُّومِيُّ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ تَعالى لَمْ يَرْتَكِبْ مُكَفِّرًا مِن عَقْدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وتَقُولُ إنَّ تَلْمَذَتَهُ عَلى أرِسْطُو لا تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ:
فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ
وقَدْ تَتَلْمَذَ الأشْعَرِيُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ورَئِيسُ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ، وقَدْ خالَفَ أرِسْطُو أفَلاطُونَ في أكْثَرِ المَسائِلِ وكانَ تِلْمِيذَهُ، والقَوْلُ بِأنَّ أرِسْطُو كانَ بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ عِنْدَهُ وكانَ يَسْتَشِيرُهُ في المُهِمّاتِ ويَعْمَلُ بِرَأْيِهِ لا يَدُلُّ عَلى اتِّباعِهِ لَهُ في سائِرِ اعْتِقاداتِهِ فَإنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنَّما هو في الأُمُورِ المَلَكِيَّةِ لا المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ عَلى أنَّ المُلّا صَدْرَ الدِّينِ الشِّيرازِيَّ ذَكَرَ أنَّ أرِسْطُو كانَ حَكِيمًا عابِدًا مُوَحِّدًا قائِلًا بِحُدُوثِ العالَمِ ودُثُورِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ وما شاعَ عَنْهُ في أمْرِ العالَمِ تَوَهُّمٌ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ كَلامِهِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ سائِرُ أساطِينِ الحُكَماءِ ولا نُسَلِّمُ عَدَمَ سَفَرِهِ نَحْوَ المَغْرِبِ ولا ثُبُوتَ أنَّ الخَضِرَ كانَ وزِيرَ ذِي القَرْنَيْنِ، وإنِ اشْتَهَرَ لِيَقْدَحَ عَدَمَ كَوْنِهِ وزِيرًا عِنْدَهُ في كَوْنِهِ ذا القَرْنَيْنِ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ وزِيرًا عِنْدَ مَلِكٍ يُقالُ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ أيْضًا لَكِنَّهُ غَيْرُ هَذا ووَقَعَ الِاشْتِباهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جُمْلَةِ الحُكَماءِ الَّذِينَ مَعَهُ وكانَ كالوَزِيرِ عِنْدَهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اسْتِشارَةُ غَيْرِهِ في بَعْضِ الأُمُورِ وكانَ مُشْتَهِرًا إذْ ذاكَ بِالحِكْمَةِ دُونَ النُّبُوَّةِ، وفي الأعْصارِ القَدِيمَةِ كانُوا يُسَمُّونَ النَّبِيَّ حَكِيمًا، ولَعَلَّهُ كانَ مُشْتَهِرًا أيْضًا بِاسْمٍ آخَرَ، وعَدَمُ تَعَرُّضِ المُؤَرِّخِينَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى العَدَمِ، وقِيلَ لا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ بَلْ قَوْلُهم إنَّ الخَضِرَ كانَ وزِيرَ ذِي القَرْنَيْنِ قَوْلٌ بِأنَّهُ كانَ وزِيرَ الإسْكَنْدَرِ المَذْكُورِ عِنْدَ القائِلِ بِأنَّهُ ذُو القَرْنَيْنِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الخَضِرِ عَلى الأصَحِّ نَبِيًّا، والإسْكَنْدَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا عَنِ الجُمْهُورِ لِأنَّ المُرادَ مِن وِزارَتِهِ لَهُ تَدْبِيرُ أُمُورِهِ ونُصْرَتُهُ ولا ضَرَرَ في نُصْرَةِ نَبِيٍّ وتَدْبِيرِهِ أُمُورَ مَلِكٍ صالِحٍ غَيْرِ نَبِيٍّ وهو واقِعٌ في بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ لَمْ تَخْتَرْ ما ذُكِرَ، فَإنِ اخْتَرْتَ أنَّهُ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ أوْ إسْكَنْدَرُ
صفحة 30
آخَرُ يَلْزَمُكَ إمّا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإمّا القَوْلُ بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِهِ بَعْدَ نُمْرُودَ أوْ مَعَهُ إلّا أنَّهُ تَحْتَ إمْرَتِهِ ولَمْ يَكُنْ فِرِيدُونَ إذْ ذاكَ ويَلْزَمُكَ طَيُّ الكَشْحِ عَنْ كُتُبِ التَّوارِيخِ كَما يَلْزَمُكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لَوِ اخْتَرْتَ أنَّهُ فِرِيدُونْ.
والأقْرَبُ عِنْدِي لِإلْزامِ أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ الضّالِّينَ الَّذِينَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ نَبْذُ كُتُبِ التَّوارِيخِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى ما فِيها بِالكُلِّيَّةِ مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وتَبايُنِ أدْيانِ مُؤَلِّفِيها واخْتِلافِ أعْصارِهِمُ اخْتِيارُ أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَلَيْفُوسَ غالِبُ دارا:
وما عَلَيَّ إذا ما قُلْتُ مُعْتَقَدِي ∗∗∗ دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوانا
واليَهُودُ قاطِبَةً عَلى هَذا لَكِنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَعُوا في الإسْكَنْدَرِ ونَسَبُوهُ أقْبَحَ نِسْبَةٍ مَعَ أنَّهم يَذْكُرُونَ أنَّهُ أكْرَمَهم حِينَ جاءَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَظَّمَ أحْبارَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَنْ ذاتِ ذِي القَرْنَيْنِ بَلْ عَنْ شَأْنِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ويَسْألُونَكَ عَنْ شَأْنِ ذِي القَرْنَيْنِ (قُلْ) لَهم في الجَوابِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ الخِطابُ لِلسّائِلِينَ والهاءُ لِذِي القَرْنَيْنِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِن أنْبائِهِ وقِصَصِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ذِكْرًا قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصارَ حالًا، والمُرادُ بِالتِّلاوَةِ الذِّكْرُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ حِكايَةً عَنْ جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ سَأذْكُرُ لَكم نَبَأً مَذْكُورًا مِن أنْبائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ تَعالى ومِنِ ابْتِدائِيَّةً ولا حَذْفَ، والتِّلاوَةُ عَلى ظاهِرِها أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَأْنِهِ ذِكْرًا أيْ قُرْآنًا، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ المُناسِبِ لِتَقَدُّمِ تَأْيِيدِهِ ﷺ وتَصْدِيقِهِ بِإنْجازِ وعْدِهِ أيْ لا أتْرُكُ التِّلاوَةَ البَتَّةَ كَما في قَوْلِهِ:
سَأشْكُرُ عُمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِي لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ
لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التِّلاوَةَ سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ بِانْفِرادِها قَبْلَ الوَحْيِ بِتَمامِ القِصَّةِ بَلْ مَوْصُولَةً بِما بَعْدَها رَيْثَما سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،
الكهف 18:84
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في تِلاوَةِ الذِّكْرِ المَعْهُودِ حَسْبَما هو المَوْعُودُ، والتَّمْكِينُ هاهُنا الإقْدارُ وتَمْهِيدُ الأسْبابِ، يُقالُ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ كَنَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ جَعَلَهُ قادِرًا ومَعْنى الثّانِي جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً وقُوَّةً، ولِتَلازُمِهِما في الوُجُودِ وتَقارُبِهِما في المَعْنى يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، وهَكَذا إذا كانَ التَّمْكِينُ مَأْخُوذًا مِنَ المَكانِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ مِيمِهِ أصْلِيَّةً، والمَعْنى: إنّا جَعْلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في الأرْضِ مِن حَيْثُ التَّدْبِيرُ والرَّأْيُ وكَثْرَةُ الجُنُودِ والهَيْبَةُ والوَقارُ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ في الأرْضِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَخَّرَ لَهُ السَّحابَ ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ وبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءً وفي ذَلِكَ أثَرٌ ولا أراهُ يَصِحُّ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ بِالنُّبُوَّةِ وإجْراءِ المُعْجِزاتِ، ورَوى القَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي الوَرْقاءِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ ووافَقَهُ الضَّحّاكُ ويُعارِضُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الفَضْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ تَعالى فَأحَبَّهُ ونَصَحَ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ بَلَغَ السَّدَّيْنِ وكانَ نَذِيرًا ولَمْ أسْمَعْ بِحَقٍّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وإلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وتَوَقَّفَ بَعْضُهم لِما
صفحة 31
أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ لَعِينًا أمْ لا، وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا» ؟ )
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّفْيَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَمِرَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ دَرى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما بَعْدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا عَنْ سَماعٍ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هُوَ؟ فَقالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم ﷺ يَقُولُ هو عَبْدٌ ناصِحٌ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ» ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أرادَهُ مِن مُهِمّاتِ مُلْكِهِ ومَقاصِدِهِ المُعَلَّقَةِ بِسُلْطانِهِ (سَبَبًا) أيْ طَرِيقًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ وهو كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ لا العِلْمِ فَقَطْ وإنْ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الآثارِ، ومِن بَيانِيَّةٌ والمُبَيَّنُ سَبَبًا، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ مِن أسْبابِ كُلِّ شَيْءٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأسْبابُ العادِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ أسْبابٌ لا سَبَبٌ وسَبَبانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَعْلِيلِيَّةً فَلا تَقْدِيرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم فَتَأمَّلْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
الكهف 18:85
﴿فَأتْبَعَ﴾ بِالقَطْعِ والفاءُ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ ﴿سَبَبًا﴾ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ قَصْدَ بُلُوغِ المَغْرِبِ ابْتِداءً لِأنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ وقِيلَ: لِمُراعاةِ الحَرَكَةِ الشَّمْسِيَّةِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِ جِهَةِ المَغْرِبِ أفْضَلَ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ المَغارِبَةِ، فَإنَّهُ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ لا قَطْعَ بِتَفْضِيلِ إحْدى الجِهَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ( فاتَّبَعَ ) بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وتَشْدِيدِ التّاءِ وكَذا فِيما يَأْتِي واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما بِمَعْنًى ويَتَعَدَّيانِ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وقِيلَ: إنَّ أتْبَعَ بِالقَطْعِ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ والتَّقْدِيرُ هُنا فَأتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا آخَرَ أوْ فَأتْبَعَ أمْرَهُ سَبَبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ اتَّبَعَ بِالوَصْلِ في السَّيْرِ وأتْبَعَ بِالقَطْعِ مَعْناهُ اللِّحاقُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وقالَ يُونُسُ: ( أتْبَعَ ) بِالقَطْعِ لِلْمُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَّلَبِ واتَّبَعَ بِالوَصْلِ إنَّما يَتَضَمَّنُ مُجَرَّدَ الِانْتِقالِ والِاقْتِفاءِ.
الكهف 18:86
﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: مُنْتَهى الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن مُجاوَزَتِهِ ووَقَفَ كَما هو الظّاهِرُ عَلى حافَّةِ البَحْرِ المُحِيطِ الغَرْبِيِّ الَّذِي يُقالُ لَهُ أُوقِيانُوسُ وفِيهِ الجَزائِرُ المُسَمّاةُ بِالخالِداتِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الأطْوالِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ (وجَدَها) أيِ: الشَّمْسَ ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أيْ: ذاتِ حَمْأةٍ وهي الطِّينُ الأسْوَدُ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ تَحْمَأُ حَمَأً إذا كَثُرَتْ حَمْأتُها.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ العاصِ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عُمَرَ ومُعاوِيَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ ) بِالياءِ أيْ حارَّةٍ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلَ ما سَمِعَها، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاضِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَرَأ ( في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) فَقالَ لَهُ: ما نَقْرَؤُها إلّا (حَمِئَةٍ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَأُها؟
فَقالَ: كَما قَرَأْتَها فَقُلْتُ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ فَقالَ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَزِيمَةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي لَمْ أجِدِ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ، قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ: لَوْ أنِّي
صفحة 32
عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تُزادُ بِهِ بَصِيرَةً في (حَمِئَةٍ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هُوَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذُكِرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلْفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ إلى آخِرِ الأبْياتِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ:
فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأطٍ حَرْمَدِ
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلْبُ؟ قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ الطِّينُ بِكَلامِهِمْ فَقالَ: فَما الثَّأطُ؟ قالَ: الحَمْأةُ فَقالَ: فَما الحَرْمَدُ؟ قالَ: الأسْوَدُ فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مُنافاةً قَطْعِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِ العَيْنِ جامِعَةً بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِأنْ تَكُونَ ذاتَ طِينٍ أسْوَدَ وماؤُها حارٌّ ولِجَوازِ كَوْنِ القِراءَةِ بِالياءِ أصْلُها مِنَ المَهْمُوزِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وإنْ كانَ ذَلِكَ إنَّما يَطَّرِدُ إذا كانَتِ الهَمْزَةُ ساكِنَةً كَذا قِيلَ: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما جَرى بَيْنَ ابْنِ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَمَبْناهُ السَّماعُ والتَّحْكِيمُ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ، وظاهِرُ ما سَمِعْتُ تَرْجِيحَ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ رُجُوعَ مُعاوِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ كانَ لِذَلِكَ.
نَعِمَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى حِمارٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غَرَبَتْ فَقالَ: أتَدْرِي حَيْثُ تَغْرُبُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ»، يُوافِقُ قِراءَةَ مُعاوِيَةَ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فِي عَيْنٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَغْرُبُ كَما هو الظّاهِرُ، وقَوْلُ بَعْضِ المُتَعَسِّفِينَ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (وجَدَها) مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لُزُومُ إشْكالٍ عَلى الظّاهِرِ فَإنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِسْمِ الأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ دُخُولُها في عَيْنِ ماءٍ في الأرْضِ، وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّ المُرادَ وجَدَها في نَظَرِ العَيْنِ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يُرَ هُناكَ إلّا الماءُ لا أنَّها كَذَلِكَ حَقِيقَةٌ وهَذا كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَراها كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ البَحْرِ وتَغِيبُ فِيهِ إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ والَّذِي في أرْضٍ مَلْساءَ واسِعَةٍ يَراها أيْضًا كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ وتَغِيبُ فِيها، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ عَبَّرَ بِوُجِدَ والوِجْدانُ يَدُلُّ عَلى الوُجُودِ لِما أنَّ وُجِدَ يَكُونُ بِمَعْنى رَأى كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَلْيَكُنْ هُنا بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ المُرادُ بِالعَيْنِ الحَمِئَةِ إمّا عَيْنٌ في البَحْرِ أوِ البَحْرُ نَفْسُهُ وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خُصُوصًا وهو بِالنِّسْبَةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَقَطْرَةٍ وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا.
وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّ (فِي) بِمَعْنى عِنْدَ أيْ تَغْرُبُ عِنْدَ عَيْنٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ولا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، ونَحْنُ نُقِرُّ بِعِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا نَلْتَفِتُ إلى هَذا القَوْلِ، ومِثْلُهُ ما نَقَلَهُ الطَّرْطُوشِيُّ مِن أنَّها يَبْلُعُها حُوتٌ بَلْ هَذا كَلامٌ لا يَقْبَلُهُ إلّا الصِّبْيانُ ونَحْوُهم فَإنَّها قَدْ تَبْقى طالِعَةً في بَعْضِ الآفاقِ سِتَّةَ أشْهُرٍ وغارِبَةً كَذَلِكَ كَما في أُفُقِ عَرْضِ تِسْعِينَ وقَدْ تَغِيبُ في مِقْدارِ ساعَةٍ ويَظْهَرُ نُورُها مِن قِبَلِ المَشْرِقِ في بَعْضِ العُرُوضِ كَما في بُلْغارْيا في بَعْضِ أيّامِ السَّنَةِ فالشَّمْسُ عَلى ما هو الحَقُّ لَمْ تَزَلْ سائِرَةً طالِعَةً عَلى قَوْمٍ غارِبَةٍ عَلى آخَرِينَ بِحَسَبِ آفاقِهِمْ بَلْ قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: لا خِلافَ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهارِ في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن شَرْقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزَّهْرِيِّ أنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُخُونَةِ الماءِ في الشِّتاءِ وبَرْدِهِ في الصَّيْفِ فَقالَ: إنَّ الشَّمْسَ إذا سَقَطَتْ تَحْتَ الأرْضِ سارَتْ حَتّى تَطَلُعَ مِن مَكانِها، فَإذا طالَ اللَّيْلُ كَثُرَ لَبْثُها في الأرْضِ فَيَسْخُنُ
صفحة 33
الماءُ لِذَلِكَ فَإذا كانَ الصَّيْفَ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لا تَلْبَثُ تَحْتَ الأرْضِ لِقِصَرِ اللَّيْلِ فَثَبَتَ الماءُ عَلى حالِهِ بارِدًا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا السَّيْرَ تَحْتَ الأرْضِ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ المُسامَتَةِ بِحَسَبِ الآفاقِ والأوْقاتِ فَتَسامَتِ الأقْدامُ تارَةً ولا تُسامِتُها أُخْرى فَما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دارَتْ في فَلَكِ السَّماءِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ حَتّى تَرْجِعَ إلى المَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ وتَجْرِي مِنهُ في السَّماءِ مِن شَرْقِها إلى غَرْبِها ثُمَّ تَرْجِعُ إلى الأُفُقِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ إلى شَرْقِها كَذَلِكَ هي مُسَخَّرَةٌ في فَلَكِها وكَذَلِكَ القَمَرُ لا يَكادُ يَصِحُّ. ويُشْكِلُ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَلَتُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَذْهَبُ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَصِلَ إلى غايَةِ الِانْحِطاطِ وهي عِنْدَ وُصُولِها دائِرَةً نِصْفَ النَّهارِ في سَمْتِ القَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُفُقِ القَوْمِ الَّذِينَ غَرَبَتْ عَنْهُمْ، وذَلِكَ الوُصُولُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالسُّجُودِ بَلْ لا مانِعَ أنْ تَسْجُدَ هُناكَ سُجُودًا حَقِيقِيًّا لائِقًا بِها، فالمُرادُ مِن تَحْتِ العَرْشِ مَكانًا مَخْصُوصًا مُسامِتًا لِبَعْضِ أجْزاءِ العَرْشِ وإلّا فَهي في كُلِّ وقْتٍ تَحْتَ العَرْشِ وفي جَوْفِهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ جُسْمٌ كُرِّيٌّ مُحِيطٌ بِسائِرِ الأفْلاكِ والفَلَكِيّاتِ وبِهِ تُحَدَّدُ الجِهاتُ وهَذا قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وعَلى ما ذُكِرَ فالمُرادُ بِمُسْتَقَرِّها مَحَلُّ انْتِهاءِ انْحِطاطِها فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ لِذَلِكَ المَحَلِّ ثُمَّ تَشْرَعُ في الِارْتِفاعِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِاسْتِقْرارِها تَحْتَ العَرْشِ أنَّها تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرارًا لا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ ولَيْسَ في سُجُودِها كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يُعِيقُ عَنْ دَوَرانِها في سَيْرِها انْتَهى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ يس، وبِالجُمْلَةِ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ الشَّمْسِ عَنْ فَلَكِها المُمَثَّلِ، بَلْ ولا عَنْ خارِجِ المَرْكَزِ وإنِ اخْتَلَفَ قُرْبُها وبُعْدُها مِنَ العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرَكَتِها في ذَلِكَ الخارِجِ.
نَعَمْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِها عَنْ حَيِّزِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ رُفِعَ بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ وتُحْبَسُ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ مِن أيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِها ما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ أسْفَلِ دَرَجاتِ الجِنانِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ فَتَنْحَدِرُ حِيالَ المَشْرِقِ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ فَإذا وصَلَتْ إلى هَذِهِ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ، فَإذا وصَلَتْ إلى هَذا الوَجْهِ مِنَ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وهو وإنْ لَمْ تَأْباهُ قَواعِدُنا مِن شُمُولِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سائِرَ المُمْكِناتِ وعَدَمُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الفَلَكِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ لا يَتَسَنّى مَعَ تَحَقُّقِ غُرُوبِها عِنْدَ قَوْمٍ وطُلُوعِها عِنْدَ آخَرِينَ، وبَقائِها طالِعَةً نَحْوَ سِتَّةِ أشْهُرٍ في بَعْضِ العُرُوضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وقَدْ نَصَّ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلى أنَّ أبا الشَّيْخِ رَواهُ بِسَنَدٍ واهٍ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلى رِوايَةِ البُخارِيِّ ورِوايَةِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ ومَن مَعَهُ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ مَرَّتَيْنِ إلّا أنَّهُ رَدَّ العِلْمَ في الثّانِيَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَبًا لِزِيادَةِ الفائِدَةِ ومُبالَغَةً في الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ووَجَدَ عِنْدَها﴾ أيْ: عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ (قَوْمًا) لِباسُهم عَلى ما قِيلَ: جُلُودُ السِّباعِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هم قَوْمٌ يُقالُ لَهم: ناسُكَ لا يُحْصِيهِمْ كَثْرَةً إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ مِن نَسْلِ ثَمُودَ كانُوا يَسْكُنُونَ جابَرْسا وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ بابًا
صفحة 34
ويُقالُ لَها بِالسُّرْيانِيَّةِ: جَرْجِيسا، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهم كانُوا كَفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ وأنْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ أمْرًا ذا حُسْنٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والإرْشادِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ بِالدَّرَجاتِ، ومَحَلُّ إنَّ مَعَ صِلَتِهِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى الخَبَرِ، وإمّا النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، إمّا تَعْذِيبُكَ واقِعٌ أوْ إمّا أمْرُكَ تَعْذِيبُكَ أوْ إمّا تَفْعَلُ أوْ تُوقِعُ تَعْذِيبَكَ وهَكَذا الحالُ في الِاتِّخاذِ، وقُدِّمَ التَّعْذِيبُ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ لِكُفْرِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ- بِإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا- دُونَ إمّا أنْ تَدْعُوَهم مَثَلًا إيماءً إلى تَرْجِيحِ الشِّقِّ الثّانِي، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ، والقَوْلُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ وعِنْدَ آخَرِينَ كِفاحًا ومَن لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ قالَ: كانَ الخِطابُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ في ذَلِكَ العَصْرِ أوْ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا لا وحْيًا بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ مُوافِقًا لِشَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّخْيِيرِ المُتَضَمِّنِ لِإزْهاقِ النُّفُوسِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالإلْهامِ دُونَ الإعْلامِ وإنْ وافَقَ شَرِيعَةً، ونُقِضَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ بِالرُّؤْيا وهي دُونَ الإلْهامِ، وفِيهِ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإلْهاماتِهِمْ وحَيٌّ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، والكَلامُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النُّبُوَّةِ وهو ظاهِرٌ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: المَعْنى: قُلْنا يا مُحَمَّدُ قالُوا أيْ جُنْدُهُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ يا ذا القَرْنَيْنِ فَحُذِفَ القَوْلُ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وهو مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ دَعْوى أنَّ القائِلَ العُلَماءُ الَّذِينَ مَعَهُ قالُوهُ عَنِ اجْتِهادٍ ومُشاوَرَةٍ لَهُ بِذَلِكَ، ونَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَجازًا، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ في نُبُوَّتِهِ، ولَعَلَّها أظْهَرُ في ذَلِكَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلى نُبُوَّةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلى صَرْفِها عَنِ الظّاهِرِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى خِلافِها، ولَعَلَّ الأُولى في تَأْوِيلِها أنْ يُقالَ: كانَ القَوْلُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ.
الكهف 18:87
(قالَ) ذُو القَرْنَيْنِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ أوْ لِمَن عِنْدَهُ مِن خَواصِّهِ بَعْدَ أنْ تَلْقّى أمْرَهُ تَعالى مُخْتارًا لِلشِّقِّ الأخِيرِ مِن شِقَّيِ التَّخْيِيرِ حَسْبَما أُرْشِدَ إلَيْهِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي وأصَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ بِالسَّيْفِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ عَذابُهُ أنْ يَجْعَلَهم في بَقْرٍ مِن صَفْرٍ ثُمَّ يُوقِدُ تَحْتَهُمُ النّارَ حَتّى يَتَقَطَّعُوا فِيها وهو بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وأتى بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ، وإسْنادُ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ لِأنَّهُ السَّبَبُ الآمِرُ، ودَعْوى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهُ بِالذّاتِ في غايَةِ البُعْدِ، وقِيلَ: أرادَ مِنَ الضَّمِيرِ اللَّهَ تَعالى ونَفْسَهُ والإسْنادُ بِاعْتِبارِ الخَلْقِ والكَسْبِ وهو أيْضًا بَعِيدٌ مَعَ ما فِيهِ مَن تَشْرِيكِ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في الضَّمِيرِ، وفِيهِ مِنَ الخِلافِ ما عَلِمْتَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ (فَيُعَذِّبُهُ) فِيها ﴿عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا وهو العَذابُ في نارِ جَهَنَّمَ، ونُصِبَ (عَذابًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ يُعَذِّبُهُ، وقِيلَ: تَنازَعَ فِيهِ هو ونُعَذِّبُهُ والمُرادُ بِالعَذابِ النُّكْرِ نَظَرًا إلى الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى. وفي قَوْلِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ دُونَ إلَيْكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخِطابَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِ وأنَّ مُقاوَلَتَهُ كانَتْ مَعَ النَّبِيِّ أوْ مَعَ خَواصِّهِ
الكهف 18:88
﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِمُوجِبِ دَعْوَتِي (وعَمِلَ) عَمَلًا (صالِحًا) حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ (فَلَهُ) في الدّارَيْنِ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى أوِ الفِعْلَةُ الحُسْنى أوِ
صفحة 35
الجَنَّةُ جَزاءٌ عَلى أنَّ جَزاءً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ اعْتِناءً بِهِ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ: يُجْزى بِها جَزاءً، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ أوْ هو حالٌ أيْ مَجْزِيًّا بِها، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ بِأنَّهُ لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ بِالحالِ مُقَدَّمًا إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ( جَزاءً ) مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وخَرَّجَ ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنَّهُ حُذِفَ لِلْإضافَةِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ: فَلَهُ الجَزاءُ جَزاءً الحُسْنى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ (والحُسْنى) بَدَلُهُ والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ، وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمُرادُ عَلى الإضافَةِ: جَزاءَ الخِلالِ الحَسَنَةِ الَّتِي أتاها وعَمِلَها، أوِ المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ والإضافَةُ كَما في دارِ الآخِرَةِ.
﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ (يُسْرًا) أيْ: سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ، وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( يُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ حَيْثُ وقَعَ هَذا، وقالَ الطَّبَرِيُّ: المُرادُ مِنِ اتِّخاذِ الحُسْنِ الأسْرُ فَيَكُونُ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمَعْنى إمّا أنْ تَعَذِّبَ بِالقَتْلِ وإمّا أنَّ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ بِإبْقاءِ الرُّوحِ والأسْرِ، وما حُكِيَ مِنَ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ في قَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ وهم كُفّارٌ فَقالَ: أمّا الكافِرُ فَيُراعى فِيهِ قُوَّةُ الإسْلامِ وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ إلّا بِما يَجِبُ.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ نُكْتَةٌ بِتَقْدِيمِ ما مِنَ اللَّهِ تَعالى في جانِبِ الرَّحْمَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ ما مِنهُ تابِعٌ وتَتْمِيمٌ وما مِنهُ في جانِبِ العَذابِ رِعايَةً لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ مَعَ التَّرَقِّي لِيَكُونَ أغْيَظَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ (فَلَهُ) إلَخْ عَلى مَعْنى فَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَخْ وهو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ حَمْلَ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ عَلى التَّوْزِيعِ دُونَ التَّخْيِيرِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبُ، وإمّا الإحْسانُ، فالأوَّلُ لِمَن بَقِيَ عَلى حالِهِ، والثّانِي لِمَن تابَ. فَتَأمَّلْ.
الكهف 18:89
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ أيْ غايَةَ الأرْضِ المَعْمُورَةِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( مَطْلَعَ ) بِفَتْحِ اللّامِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ وهو عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَكانَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والمُرادُ مَكانًا تَطْلُعُ عَلَيْهِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ اسْمُ مَكانٍ كَمَكْسُورِ اللّامِ فالقِراءَتانِ مُتَّفِقَتانِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّصْرِيفِ أنَّ المَطْلِعَ جاءَ في المَكانِ والزَّمانِ فَتْحًا وكَسْرًا، وما آثَرَهُ المُحَقِّقُونَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ الفُصَحاءِ بِالفَتْحِ إلّا مَصْدَرًا ولا حاجَةَ إلى تَخْرِيجِ القُرْآنِ عَلى الشّاذِّ لِأنَّهُ قَدْ يُخِلُّ بِالفَصاحَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الكَسْرَ سَماعٌ في أحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُضارِعُهُ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ، وكانالكِسائِيُّ يَقُولُ: هَذِهِ لُغَةٌ ماتَتْ في كَثِيرٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ يَعْنِي ذَهَبَ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ وبَقِيَ مَطْلِعٌ بِكَسْرِها في اسْمِ الزَّمانِ والمَكانِ عَلى ذَلِكَ القِياسِ. انْتَهى فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ ذِي القَرْنَيْنِ وكَوْنِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أنَّهُ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، وقِيلَ: بَلَغَهُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنْ يَكُونَ أقامَ في أثْناءِ سَيْرِهِ، فَإنَّ طُولَ المَعْمُورَةِ يَقْطَعُهُ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَدَّةِ بِكَثِيرٍ السّائِرُ عَلى الِاسْتِقامَةِ كَما لا يَخْفى
صفحة 36
عَلى العارِفِ بِالمِساحَةِ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخَ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا بِناءً لَمْ يُبْنَ فِيها بِناءٌ قَطُّ، كانُوا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا أسْرابًا لَهم حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ وذَكَرَ أنَّهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ أنَّ أرْضَهم لا تَحْمِلُ البِناءَ فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَغَوَّرُوا في المِياهِ فَإذا غابَتْ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما تُراعى البَهائِمُ، وقِيلَ: المُرادُ لا شَيْءَ لَهم يَسْتُرُهم مِنَ اللِّباسِ والبِناءِ، وهم عَلى ما قِيلَ قَوْمٌ مِنَ الزِّنْجِ، وقِيلَ: مِنَ الهُنُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مَن لا يَلْبَسُ الثِّيابَ مِنَ السُّودانِ عِنْدَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الأرْضِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ خَرَجَتْ حَتّى جاوَزَتِ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ فَقالُوا: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْبَسُ الأُخْرى ومَعِي صاحِبٌ يَعْرِفُ لِسانَهم فَقالُوا لَهُ: جِئْتَنا تَنْظُرُ كَيْفَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ سَمِعْنا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلى الماءِ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ، فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ خَرَجُوا إلى البَحْرِ يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ لَهُمُ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحِكاياتِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها ويُعَوَّلَ عَلَيْها، وما هي إلّا أخْبارٌ عَنْ هَيّانَ بْنِ بَيّانَ يَحْكِيها العَجائِزُ وأمْثالُهُنَّ لِصِغارِ الصِّبْيانِ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ: مَنسَكٌ، وظاهِرُ الآيَةِ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ فِيها في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي أنَّهم لَيْسَ لَهم ما يَسْتُرُهم أصْلًا وذَلِكَ يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهم سِرْبٌ ونَحْوُهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ ألْفاظَ العُمُومِ لا تَتَناوَلُ الصُّوَرَ النّادِرَةَ، فالمُرادُ نَفْيُ السّاتِرِ المُتَعارَفِ، والسِّرْبُ ونَحْوُهُ لَيْسَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ التَّناوُلِ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ جَعْلِ ساتِرٍ لَهم مِنَ الشَّمْسِ عِبارَةٌ عَنْ قُرْبِها إلَيْهِمْ وتَأْثِيرِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَتْ لَهم أسْرابٌ لَكانَ لَهم سِتْرٌ كَثِيفٌ انْتَهى، وحِينَئِذٍ فالنَّكِرَةُ عَلى عُمُومِها، وأنا أخْتارُ ذَلِكَ إلى أنْ تَثْبُتُ صِحَّةُ أحَدِ الأخْبارِ السّابِقَةِ.
الكهف 18:90
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ مُوَصِّلًا إلى مَشْرِقِها ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ أيْ غايَةَ الأرْضِ المَعْمُورَةِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( مَطْلَعَ ) بِفَتْحِ اللّامِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ وهو عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَكانَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والمُرادُ مَكانًا تَطْلُعُ عَلَيْهِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ اسْمُ مَكانٍ كَمَكْسُورِ اللّامِ فالقِراءَتانِ مُتَّفِقَتانِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّصْرِيفِ أنَّ المَطْلِعَ جاءَ في المَكانِ والزَّمانِ فَتْحًا وكَسْرًا، وما آثَرَهُ المُحَقِّقُونَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ الفُصَحاءِ بِالفَتْحِ إلّا مَصْدَرًا ولا حاجَةَ إلى تَخْرِيجِ القُرْآنِ عَلى الشّاذِّ لِأنَّهُ قَدْ يُخِلُّ بِالفَصاحَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الكَسْرَ سَماعٌ في أحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُضارِعُهُ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ، وكانالكِسائِيُّ يَقُولُ: هَذِهِ لُغَةٌ ماتَتْ في كَثِيرٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ يَعْنِي ذَهَبَ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللّامِ وبَقِيَ مَطْلِعٌ بِكَسْرِها في اسْمِ الزَّمانِ والمَكانِ عَلى ذَلِكَ القِياسِ. انْتَهى فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ ذِي القَرْنَيْنِ وكَوْنِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أنَّهُ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، وقِيلَ: بَلَغَهُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنْ يَكُونَ أقامَ في أثْناءِ سَيْرِهِ، فَإنَّ طُولَ المَعْمُورَةِ يَقْطَعُهُ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَدَّةِ بِكَثِيرٍ السّائِرُ عَلى الِاسْتِقامَةِ كَما لا يَخْفى
صفحة 36
عَلى العارِفِ بِالمِساحَةِ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخَ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا بِناءً لَمْ يُبْنَ فِيها بِناءٌ قَطُّ، كانُوا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا أسْرابًا لَهم حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ وذَكَرَ أنَّهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ أنَّ أرْضَهم لا تَحْمِلُ البِناءَ فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَغَوَّرُوا في المِياهِ فَإذا غابَتْ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما تُراعى البَهائِمُ، وقِيلَ: المُرادُ لا شَيْءَ لَهم يَسْتُرُهم مِنَ اللِّباسِ والبِناءِ، وهم عَلى ما قِيلَ قَوْمٌ مِنَ الزِّنْجِ، وقِيلَ: مِنَ الهُنُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مَن لا يَلْبَسُ الثِّيابَ مِنَ السُّودانِ عِنْدَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الأرْضِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ خَرَجَتْ حَتّى جاوَزَتِ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ فَقالُوا: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْبَسُ الأُخْرى ومَعِي صاحِبٌ يَعْرِفُ لِسانَهم فَقالُوا لَهُ: جِئْتَنا تَنْظُرُ كَيْفَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ سَمِعْنا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلى الماءِ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ، فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ خَرَجُوا إلى البَحْرِ يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ لَهُمُ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحِكاياتِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها ويُعَوَّلَ عَلَيْها، وما هي إلّا أخْبارٌ عَنْ هَيّانَ بْنِ بَيّانَ يَحْكِيها العَجائِزُ وأمْثالُهُنَّ لِصِغارِ الصِّبْيانِ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ: مَنسَكٌ، وظاهِرُ الآيَةِ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ فِيها في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي أنَّهم لَيْسَ لَهم ما يَسْتُرُهم أصْلًا وذَلِكَ يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهم سِرْبٌ ونَحْوُهُ، وأُجِيبُ بِأنَّ ألْفاظَ العُمُومِ لا تَتَناوَلُ الصُّوَرَ النّادِرَةَ، فالمُرادُ نَفْيُ السّاتِرِ المُتَعارَفِ، والسِّرْبُ ونَحْوُهُ لَيْسَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ التَّناوُلِ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ جَعْلِ ساتِرٍ لَهم مِنَ الشَّمْسِ عِبارَةٌ عَنْ قُرْبِها إلَيْهِمْ وتَأْثِيرِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَتْ لَهم أسْرابٌ لَكانَ لَهم سِتْرٌ كَثِيفٌ انْتَهى، وحِينَئِذٍ فالنَّكِرَةُ عَلى عُمُومِها، وأنا أخْتارُ ذَلِكَ إلى أنْ تَثْبُتُ صِحَّةُ أحَدِ الأخْبارِ السّابِقَةِ.
الكهف 18:91
(كَذَلِكَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ ما وُصِفَ بِهِ قَبْلُ مِن بُلُوغِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ وما فَعَلَهُ، وفائِدَةُ ذَلِكَ تَعْظِيمُهُ وتَعْظِيمُ أمْرِهِ، أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ التَّخْيِيرِ والِاخْتِيارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لَوَجَدَ أيْ وجَدَها تَطْلُعُ وِجْدانًا كَوِجْدانِها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ، أوْ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِنَجْعَلَ أيْ لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا جَعْلًا كائِنًا كالجَعْلِ الَّذِي لَكم فِيما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ الألْبِسَةِ الفاخِرَةِ والأبْنِيَةِ العالِيَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ، أوْ صِفَةَ ( سِتْرًا ) والمَعْنى عَلَيْهِ كَسابِقِهِ، وفِيهِ ما فِيهِ، أوْ صِفَةَ (قَوْمٍ) أيْ: عَلى قَوْمٍ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ في الكُفْرِ والحُكْمِ، أوْ مَعْمُولَ بَلَغَ أيْ بَلَغَ مَغْرِبَها كَما بَلَغَ مَطْلِعَها.
﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ مِنَ الجُنُودِ والآلاتِ وأسْبابِ المُلْكِ (خُبْرًا) عِلْمًا تَعَلَّقَ بِظَواهِرِهِ وخَفاياهُ ويُفِيدُ هَذا عَلى الأوَّلِ زِيادَةَ تَعْظِيمِ الأمْرِ وأنَّهُ وراءَ ما وصَفَ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ الأعْلَمُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، وهو عَلى الأخِيرِ تَأْوِيلٌ لِما قاسى في السَّيْرِ إلى أنْ بَلَغَ فَيَكُونُ المَعْنى، وقَدْ أحَطْنا بِما لاقاهُ، وحَصَلَ لَهُ في أثْناءِ سَيْرِهِ خُبْرًا أوْ تَعْظِيمٌ لِلسَّبَبِ المُوصِلِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى، فَأتْبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ أيْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ مِنَ الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ الشّاسِعِ مِمّا لَمْ نُؤْتَ غَيْرَهُ وهَذا كَما في الكَشْفِ أظْهَرُ مِنَ التَّهْوِيلِ، وعَلى الثّانِي تَتْمِيمٌ يُفِيدُ حُسْنَ اخْتِيارِهِ أيْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ مِن حُسْنِ التَّلَقِّي وجَوْدَةِ العَمَلِ خُبْرًا، وعَلى الثّالِثِ لِبَيانِ أنَّهُ كَذَلِكَ في رَأْيِ العَيْنِ وحَقِيقَتِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها
صفحة 37
غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وعَلى الرّابِعِ والخامِسِ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ أوْ بِالقِصَّتَيْنِ فَلا يَأْباهُما كَما تُوُهِّمَ، وعَلى السّادِسِ تَتْمِيمٌ يُؤَكِّدُ أنَّهُ سَنَّ بِهِمْ سُنَّتَهُ فِيمَن وجَدَهم في مَغْرِبِ الشَّمْسِ
الكهف 18:92
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ آخِذًا مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلى الشَّمالِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أيِ: الجَبَلَيْنِ، قالَ في القامُوسِ: السَّدُّ الجَبَلُ والحاجِزُ وإطْلاقُ السَّدِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سَدَّ فَجًّا مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ هُنا لِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ، والمَعْنى عَلى ما قالَ الكِسائِيُّ واحِدٌ، وقالَ الخَلِيلُ، و”س“: السَّدُّ بِالضَّمِّ الِاسْمُ وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: الأوَّلُ ما رَأتْهُ عَيْناكَ والثّانِي ما لا تَرَيانِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وأبُو عَمْرٍو ابْنُ العَلاءِ وأبُو عُبَيْدَةَ: الأوَّلُ ما كانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا دَخْلَ لِصُنْعِ البَشَرِ فِيهِ، والثّانِي ما كانَ لِصُنْعِ البَشَرِ دَخَلَ فِيهِ، ووَجْهُ دَلالَةِ المَضْمُومِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَهُ فِيهِ دَلالَةً عَلى تَعَيُّنِهِ وعَدَمِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى غَيْرِهِ، فَيَقْتَضِي أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا دَلالَةُ المَفْتُوحِ عَلى أنَّهُ مِن عَمَلِ العِبادِ فَلِلِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ الحُدُوثِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ ها هو ذا يَفْعَلُهُ فَلْيُشاهَدْ، وهَذا يُناسِبُ ما فِيهِ مُدْخَلُ العِبادِ عَلى أنَّهُ يَكْفِي فِيهِ فَواتُ ذَلِكَ التَّفْخِيمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القِراءَةَ بِهِما ظاهِرَةٌ في تَوافُقِهِما وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ والحُدُوثِ أمْرانِ مُشْتَرِكانِ، وعَكَسَ بَعْضُهم فَقالَ: المَفْتُوحُ ما كانَ مِن خَلْقِهِ تَعالى إذِ المَصْدَرُ لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ والمَضْمُومُ ما كانَ بِعَمَلِ العِبادِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمُتَبادَرُ مِنهُ ما فَعَلَهُ العِبادُ وضَعْفُهُ ظاهِرٌ، وانْتِصابُ (بَيْنَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأنَّهُ مَبْلُوغٌ وهو مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ ما لَمْ يَرْكَبْ مَعَ آخَرَ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ وهو ما أرادَهُ أوْ نَحْوَهُ، وهَذانَ السَّدّانِ فِيما يَقْرُبُ مِن عَرْضِ تِسْعِينَ مِن جِهَةِ الشَّمالِ وهو المُرادُ بِآخِرِ الجَرِّ بِياءٍ في كِتابِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أحْبارِ اليَهُودِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في مُنْتَهى الشَّمالِ حَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ غَيْرُهُمُ السُّكْنى فِيهِ، وهم في زاوِيَةٍ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهم أنَّهم فِيما يَلِي المَشْرِقَ مِنَ الشَّمالِ أوْ فِيما يَلِي المَغْرِبَ مِنهُ، وهَذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ في مَوْضِعِ السَّدَّيْنِ وهو الَّذِي مالَ إلَيْهِ كاتِبُ جَلْبِي، وقِيلَ: هُما جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ يَمِيلُ صَنِيعُ البَيْضاوِيِّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَوَهُّمٌ ولَعَلَّ النِّسْبَةَ إلى الحَبْرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وكانَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ يَزْعُمُ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ هو السَّدُّ المَشْهُورُ في بابِ الأبْوابِ وهو مَعَ اسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ الخَزْرَ والتُّرْكَ خِلافَ ما عَلَيْهِ المُؤَرِّخُونَ فَإنَّ بانِيَ ذَلِكَ السَّدِّ عِنْدَهم كِسْرى أنُوشِرْوانَ، وقِيلَ: أسْفَنْدِيارُ وهو أيْضًا لَمْ يَبْقَ إلى الآنِ بَلْ خَرِبَ مِن قَبْلِ هَذا بِكَثِيرٍ، وزَعَمَ أنَّ السَّدَّ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ هُناكَ وأنَّ الكُلَّ قَدْ تَلَطَّفَ بِحَيْثُ لا يُرى كَما يَراهُ عَصْرِيُّنا رَئِيسُ الطّائِفَةِ المُسَمّاةِ بِالكَشْفِيَّةِ السَّيِّدُ كاظِمُ الرَّشْتِيُّ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ وإحْدى عَلاماتِ الخِذْلانِ.
وقالَ ابْنُ سَعِيدٍ: إنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ حَيْثُ الطُّولُ مِائَةٌ وثَلاثَةٌ وسِتُّونَ دَرَجَةً والعَرْضُ أرْبَعُونَ دَرَجَةً، وفِيهِ أنَّ في هَذا الطُّولِ والعَرْضِ بِلادُ الخَنا والِجِينَ ولَيْسَ هُناكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، نَعَمْ هُناكَ سَدٌّ عَظِيمٌ يَقْرُبُ مِن مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ ساعَةً طُولًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ولا بانِيهِ ذُو القَرْنَيْنِ ولا يَكادُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ ما جاءَ في وصْفِ سَدِّهِ، ويَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِذَلِكَ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقِيلَ: هُما بِمَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ لا نَعْلَمُهُ وكَمْ فِيها مِن أرْضٍ مَجْهُولَةٍ ولَعَلَّهُ قَدْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ ذَلِكَ المَوْضِعِ مِياهٌ عَظِيمَةٌ، ودَعْوى اسْتِقْراءِ سائِرِ البَرارِي والبِحارِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، ويَجُوزُ العَقْلُ أنْ يَكُونَ في البَحْرِ أرْضٌ نَحْوَ أمْرِيقا لَمْ يُظْفَرْ بِها إلى الآنِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الوُجُودِ،
صفحة 38
وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ بِوُجُودِ هَذَيْنَ السَّدَّيْنِ وما يَتْبَعُهُما يَلْزَمُنا الإيمانُ بِذَلِكَ كَسائِرِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ المُمَكَّناتِ، والِالتِفاتُ إلى كَلامِ المُنْكِرِينَ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الدِّينِ ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيِ: السَّدَّيْنِ (قَوْمًا) أُمَّةً مِنَ النّاسِ قِيلَ هُمُ التُّرْكُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْمَ كانُوا مِنَ الجانِّ وهو زَعْمٌ باطِلٌ لا بَعِيدٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ.
﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ مِن أقْوالِ أتْباعِ ذِي القَرْنَيْنِ أوْ مِن أقْوالِ مَن عَداهم لِغَرابَةِ لُغَتِهِمْ وبُعْدِها عَنْ لُغاتِ غَيْرِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَتِها لَها مَعَ قِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ إذْ لَوْ تَقارَبَتْ فَهِمُوها ولَوْ كَثُرَتْ فِطْنَتُهم فَهِمُوا ما يُرادُ مِنَ القَوْلِ بِالقَرائِنِ فَتَعَلَّمُوهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الفَهْمِ مُطْلَقًا أوْ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُقالَ لِيَشْمَلَ الإشارَةَ ونَحْوَها حَيْثُ قالَ: أيْ لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وفِيهِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ فُهِمَ مِن نَفْيٍ يَكادُ إثْباتُ الفَهْمِ لَهم لَكِنْ يَعْسُرُ وهو بِناءٌ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ نَفْيَها إثْباتٌ وإثْباتَها نَفْيٌ ولَيْسَ بِالمُخْتارِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَفْقُهُونَ ) مِنَ الأفْعالِ أيْ لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَ النّاسَ لِتَلَعْثُمِهِمْ وعَدَمِ تَبْيِينِهِمُ الحُرُوفَ
الكهف 18:93
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ آخِذًا مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلى الشَّمالِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أيِ: الجَبَلَيْنِ، قالَ في القامُوسِ: السَّدُّ الجَبَلُ والحاجِزُ وإطْلاقُ السَّدِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سَدَّ فَجًّا مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ هُنا لِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ، والمَعْنى عَلى ما قالَ الكِسائِيُّ واحِدٌ، وقالَ الخَلِيلُ، و”س“: السَّدُّ بِالضَّمِّ الِاسْمُ وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: الأوَّلُ ما رَأتْهُ عَيْناكَ والثّانِي ما لا تَرَيانِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وأبُو عَمْرٍو ابْنُ العَلاءِ وأبُو عُبَيْدَةَ: الأوَّلُ ما كانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا دَخْلَ لِصُنْعِ البَشَرِ فِيهِ، والثّانِي ما كانَ لِصُنْعِ البَشَرِ دَخَلَ فِيهِ، ووَجْهُ دَلالَةِ المَضْمُومِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَهُ فِيهِ دَلالَةً عَلى تَعَيُّنِهِ وعَدَمِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى غَيْرِهِ، فَيَقْتَضِي أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا دَلالَةُ المَفْتُوحِ عَلى أنَّهُ مِن عَمَلِ العِبادِ فَلِلِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ الحُدُوثِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ ها هو ذا يَفْعَلُهُ فَلْيُشاهَدْ، وهَذا يُناسِبُ ما فِيهِ مُدْخَلُ العِبادِ عَلى أنَّهُ يَكْفِي فِيهِ فَواتُ ذَلِكَ التَّفْخِيمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القِراءَةَ بِهِما ظاهِرَةٌ في تَوافُقِهِما وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ والحُدُوثِ أمْرانِ مُشْتَرِكانِ، وعَكَسَ بَعْضُهم فَقالَ: المَفْتُوحُ ما كانَ مِن خَلْقِهِ تَعالى إذِ المَصْدَرُ لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ والمَضْمُومُ ما كانَ بِعَمَلِ العِبادِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمُتَبادَرُ مِنهُ ما فَعَلَهُ العِبادُ وضَعْفُهُ ظاهِرٌ، وانْتِصابُ (بَيْنَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأنَّهُ مَبْلُوغٌ وهو مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ ما لَمْ يَرْكَبْ مَعَ آخَرَ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ وهو ما أرادَهُ أوْ نَحْوَهُ، وهَذانَ السَّدّانِ فِيما يَقْرُبُ مِن عَرْضِ تِسْعِينَ مِن جِهَةِ الشَّمالِ وهو المُرادُ بِآخِرِ الجَرِّ بِياءٍ في كِتابِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أحْبارِ اليَهُودِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في مُنْتَهى الشَّمالِ حَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ غَيْرُهُمُ السُّكْنى فِيهِ، وهم في زاوِيَةٍ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهم أنَّهم فِيما يَلِي المَشْرِقَ مِنَ الشَّمالِ أوْ فِيما يَلِي المَغْرِبَ مِنهُ، وهَذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ في مَوْضِعِ السَّدَّيْنِ وهو الَّذِي مالَ إلَيْهِ كاتِبُ جَلْبِي، وقِيلَ: هُما جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ يَمِيلُ صَنِيعُ البَيْضاوِيِّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَوَهُّمٌ ولَعَلَّ النِّسْبَةَ إلى الحَبْرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وكانَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ يَزْعُمُ أنَّ سَدَّ ذِي القَرْنَيْنِ هو السَّدُّ المَشْهُورُ في بابِ الأبْوابِ وهو مَعَ اسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ الخَزْرَ والتُّرْكَ خِلافَ ما عَلَيْهِ المُؤَرِّخُونَ فَإنَّ بانِيَ ذَلِكَ السَّدِّ عِنْدَهم كِسْرى أنُوشِرْوانَ، وقِيلَ: أسْفَنْدِيارُ وهو أيْضًا لَمْ يَبْقَ إلى الآنِ بَلْ خَرِبَ مِن قَبْلِ هَذا بِكَثِيرٍ، وزَعَمَ أنَّ السَّدَّ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ هُناكَ وأنَّ الكُلَّ قَدْ تَلَطَّفَ بِحَيْثُ لا يُرى كَما يَراهُ عَصْرِيُّنا رَئِيسُ الطّائِفَةِ المُسَمّاةِ بِالكَشْفِيَّةِ السَّيِّدُ كاظِمُ الرَّشْتِيُّ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ وإحْدى عَلاماتِ الخِذْلانِ.
وقالَ ابْنُ سَعِيدٍ: إنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ حَيْثُ الطُّولُ مِائَةٌ وثَلاثَةٌ وسِتُّونَ دَرَجَةً والعَرْضُ أرْبَعُونَ دَرَجَةً، وفِيهِ أنَّ في هَذا الطُّولِ والعَرْضِ بِلادُ الخَنا والِجِينَ ولَيْسَ هُناكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، نَعَمْ هُناكَ سَدٌّ عَظِيمٌ يَقْرُبُ مِن مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ ساعَةً طُولًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ولا بانِيهِ ذُو القَرْنَيْنِ ولا يَكادُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ ما جاءَ في وصْفِ سَدِّهِ، ويَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِذَلِكَ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقِيلَ: هُما بِمَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ لا نَعْلَمُهُ وكَمْ فِيها مِن أرْضٍ مَجْهُولَةٍ ولَعَلَّهُ قَدْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ ذَلِكَ المَوْضِعِ مِياهٌ عَظِيمَةٌ، ودَعْوى اسْتِقْراءِ سائِرِ البَرارِي والبِحارِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، ويَجُوزُ العَقْلُ أنْ يَكُونَ في البَحْرِ أرْضٌ نَحْوَ أمْرِيقا لَمْ يُظْفَرْ بِها إلى الآنِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الوُجُودِ،
صفحة 38
وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ بِوُجُودِ هَذَيْنَ السَّدَّيْنِ وما يَتْبَعُهُما يَلْزَمُنا الإيمانُ بِذَلِكَ كَسائِرِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ المُمَكَّناتِ، والِالتِفاتُ إلى كَلامِ المُنْكِرِينَ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الدِّينِ ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيِ: السَّدَّيْنِ (قَوْمًا) أُمَّةً مِنَ النّاسِ قِيلَ هُمُ التُّرْكُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْمَ كانُوا مِنَ الجانِّ وهو زَعْمٌ باطِلٌ لا بَعِيدٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ.
﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ مِن أقْوالِ أتْباعِ ذِي القَرْنَيْنِ أوْ مِن أقْوالِ مَن عَداهم لِغَرابَةِ لُغَتِهِمْ وبُعْدِها عَنْ لُغاتِ غَيْرِهِمْ وعَدَمِ مُناسَبَتِها لَها مَعَ قِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ إذْ لَوْ تَقارَبَتْ فَهِمُوها ولَوْ كَثُرَتْ فِطْنَتُهم فَهِمُوا ما يُرادُ مِنَ القَوْلِ بِالقَرائِنِ فَتَعَلَّمُوهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الفَهْمِ مُطْلَقًا أوْ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُقالَ لِيَشْمَلَ الإشارَةَ ونَحْوَها حَيْثُ قالَ: أيْ لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وفِيهِ نَظَرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ فُهِمَ مِن نَفْيٍ يَكادُ إثْباتُ الفَهْمِ لَهم لَكِنْ يَعْسُرُ وهو بِناءٌ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ نَفْيَها إثْباتٌ وإثْباتَها نَفْيٌ ولَيْسَ بِالمُخْتارِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَفْقُهُونَ ) مِنَ الأفْعالِ أيْ لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَ النّاسَ لِتَلَعْثُمِهِمْ وعَدَمِ تَبْيِينِهِمُ الحُرُوفَ
الكهف 18:94
﴿قالُوا﴾ أيْ بِواسِطَةِ مُتَرْجِمِهِمْ فَإسْنادُ القَوْلِ إلَيْهِمْ مَجازٌ، ولَعَلَّ هَذا المُتَرْجِمَ كانَ مِن قَوْمٍ بِقُرْبِ بِلادِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الَّذِينَ مِن دُونِهِمْ أوْ بِالذّاتِ عَلى أنْ يَكُونَ فَهْمُ ذِي القَرْنَيْنِ كَلامَهم وإفْهامَهم إيّاهم مِن جُمْلَةِ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأسْبابِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: القائِلُونَ قَوْمٌ غَيْرُ الَّذِينَ لا يَفْهَمُونَ قَوْلًا ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّرْجَمَةِ لَهُمْ، وأُيِّدَ بِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأيًّا ما كانَ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ .
وقالُوا: ﴿يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَبِيلَتانِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِهِ جَزَمَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ وغَيْرُهُ واعْتَمَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ. وقالَ الكِسائِيُّ في العَرائِسِ: إنَّ يافِثَ سارَ إلى المَشْرِقِ فَوُلِدَ لَهُ هُناكَ خَمْسَةُ أوْلادٍ جُومَرُ وبِنْرَشُ وأشارُ وإسْقُوِيلُ ومَياشِحُ فَمِن جُومَرَ جَمِيعُ الصَّقالِبَةِ والرُّومُ وأجْناسُهم ومِن مَياشِحَ جَمِيعُ أصْنافِ العَجَمِ، ومِن أشارَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وأجْناسُهم ومِنِ إسْقُوِيلَ جَمِيعُ التُّرْكِ ومِن بِنْرَشَ الفَقْجَقُ واليُونانُ. وقِيلَ: كِلاهُما مِنَ التُّرْكِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وفي كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ التُّرْكَ مِنهم لِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ مِن أثَرٍ قَوِيٍّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن سَرايا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَبَنى السَّدَّ فَبَقُوا خارِجِينَ عَنْهُ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ثَنَتانِ وعِشْرُونَ قَبِيلَةً بَنى ذُو القَرْنَيْنِ السَّدَّ عَلى إحْدى وعِشْرِينَ وكانَتْ واحِدَةٌ مِنهم خارِجَةً لِلْغَزْوِ فَبَقِيَتْ خارِجَةً وسُمِّيَتِ التُّرْكَ لِذَلِكَ )
وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وقِيلَ مِنَ الجِيلِ، وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ حَوّاءَ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ فاحْتَلَمَ فامْتَزَجَتْ نُطْفَتُهُ في التُّرابِ فَخُلِقَ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ في فَتاواهُ القَوْلَ بِأنَّهم أوْلادُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ حَوّاءَ عَنْ جَماهِيرِ العُلَماءِ.
وتَعَقَّبَ دَعْوى الِاحْتِلامِ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَحْتَلِمُونَ، وأُجِيبُ بِأنَّ المَنفِيَّ الِاحْتِلامُ بِمَن لا تَحِلُّ لَهم فَيَجُوزُ أنْ يَحْتَلِمُوا بِنِسائِهِمْ فَلَعَلَّ احْتِلامَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَسَمِ الجائِزِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنهُ
صفحة 39
عَلَيْهِ السَّلامُ إنْزالٌ مِن غَيْرِ أنْ يَرى نَفْسَهُ أنَّهُ يُجامِعُ كَما يَقَعُ كَثِيرًا لِأبْنائِهِ، واعْتَرَضَ أيْضًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّهم كانُوا قَبْلَ الطُّوفانِ ولَمْ يَهْلَكُوا بِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ عُمُومَ الطُّوفانِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِعُمُومِهِ وأنا أرى هَذا القَوْلَ حَدِيثَ خُرافَةٍ، وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إلّا عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، ويَرُدُّهُ الحَدِيثُ المَرْفُوعُ أنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُوحٌ مِن ذُرِّيَّةِ حَوّاءَ قَطْعًا. وكَأنَّهُ عَنى بِالحَدِيثِ غَيْرَ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وُلِدَ لِنُوحٍ. سامٌ وحامٌ ويافِثُ فَوُلِدَ لِسامٍ العَرَبُ وفارِسُ والرُّومُ، ووُلِدَ لِحامٍ القِبْطُ والبَرْبَرُ والسُّودانُ، ووُلِدَ لِيافِثَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ والتُّرْكُ والصَّقالِبَةُ، فَإنَّهُ صَرَّحَ أنَّهُ ضَعِيفٌ، وفي التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ في الفَصْلِ العاشِرِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ يَأْجُوجَ مِن أبْناءِ يافِثَ. وزَعَمَ بَعْضُ اليَهُودِ أنَّ مَأْجُوجَ اسْمٌ لِلْأرْضِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَأْجُوجُ ولَيْسَ اسْمًا لِقَبِيلَةٍ، وهو باطِلٌ بِالنَّصِّ، والظّاهِرُ أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ فَمُنِعَ صَرْفُهُما لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ وقِيلَ عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ، وأصْلُهُما الهَمْزَةُ كَما قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ ووَزْنُهُما مَفْعُولٌ، وبِناءُ مَفْعُولٍ مِن ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لازِمٌ لِتَعَدِّيهِ بِحَرْفِ الجَرِّ.
وقِيلَ: إنْ كانَ ما ذُكِرَ مَنقُولًا فَلِلتَّعَدِّي، وإنْ كانَ مُرْتَجَلًا فَظاهِرٌ، وقالَ الأخْفَشُ: إنْ جَعَلْنا ألِفَهم أصْلِيَّةً فَيَأْجُوجُ يَفَعُولُ ومَأْجُوجُ مَفْعُولُ كَأنَّهُ مِن أجِيجِ النّارِ، ومَن لَمْ يَهْمِزْهُما جَعَلَها زائِدَةً فَياجُوجُ مِن يَجَجْتُ وماجُوجُ مِن مَجَجْتُ، وقالَ قُطْرُبٌ: في غَيْرِ الهَمْزِ ماجُوجُ فاعُولُ مِنَ المَجِّ وياجُوجُ فاعُولُ مِنَ اليَجِّ، وقالَ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ السَّخاوِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ وأصْلُهُ الهَمْزُ وتَرْكُهُ عَلى التَّخْفِيفِ. وهو إمّا مِنَ الأجَةِ وهو الِاخْتِلافُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ أوْ مِنَ الأجِّ وهو سُرْعَةُ العَدْوِ قالَ تَعالى ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أوْ مِنَ الأجَّةِ وهي شِدَّةُ الحَرِّ أوْ مِن أجَّ الماءُ يَأُجُّ أُجُوجًا إذا كانَ مَلِحًا مُرًّا انْتَهى. وعِلَّةُ مَنعِ الصَّرْفِ عَلى القَوْلِ بِعَرَبِيَّتِهِما العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ.
وقَرَأ العَجّاجُ، ورُؤْيَةُ ابْنُهُ ( آجُوجُ ) بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الياءِ. ورُبَّما يُقالُ جَوَجَ بِلا هَمْزَةٍ ولا ياءٍ في غَيْرِ القُرْآنِ وجاءَ بِهَذا اللَّفْظِ في كِتابِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِنا بِالقَتْلِ والتَّخْرِيبِ وسائِرِ وُجُوهِ الإفْسادِ المَعْلُومِ مِنَ البَشَرِ، وقِيلَ بِأخْذِ الأقْواتِ وأكْلِها. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَبِيبٍ الأوْصافِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ فَسادُهم أنَّهم يَأْكُلُونَ النّاسَ، واسْتُدِلَّ بِإسْنادِ مُفْسِدُونَ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ جُعْلًا مِن أمْوالِنا. والفاءُ لِتَفْرِيعِ العَرْضِ عَلى إفْسادِهِمْ في الأرْضِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وخَلَفٌ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خَراجًا ) بِألْفٍ بَعْدِ الرّاءِ وكَلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كالنَّوْلِ والنَّوالِ.
وقِيلَ الخَرْجُ المَصْدَرُ أُطْلِقَ عَلى الخَراجِ والخَراجُ الِاسْمُ لِما يَخْرُجُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَرْجُ عَلى الرُّؤُوسِ يُقالُ: أدِّ خَراجَ أرْضِكَ وقالَ ثَعْلَبٌ: الخَرْجُ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ. وقِيلَ: الخَرْجُ المالُ يَخْرُجُ مَرَّةً والخَراجُ الخَرْجُ المُتَكَرِّرُ وقِيلَ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعَتْ بِهِ والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ حاجِزًا يَمْنَعُهم مِنَ الوُصُولِ إلَيْنا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ سَدًّا بِضَمِّ السِّينِ.
الكهف 18:95
﴿قالَ ما مَكَّنِّي﴾ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ بِالفَكِّ أيِ الَّذِي مَكَّنَنِي ﴿فِيهِ رَبِّي﴾ وجَعَلَنِي فِيهِ
صفحة 40
سُبْحانَهُ مَكِينًا قادِرًا مِنَ المُلْكِ والمالِ وسائِرِ الأسْبابِ (خَيْرٌ) أيْ: مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَبْذُلُوهُ إلَيَّ مِنَ الخَرْجِ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِما يَتَقَوّى بِهِ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الآلاتِ كَزُبَرِ الحَدِيدِ أوْ مِنَ النّاسِ أوِ الأعَمِّ مِنهُما، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالإعانَةِ عَلى خَيْرِيَّةِ ما مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مالِهِمْ أوْ عَلى عَدَمِ قَبُولِ خَرْجِهِمْ (أجْعَلْ) جَوابُ الأمْرِ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ﴾ تَقْدِيمُ إضافَةِ الظَّرْفِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَصالِحِهِمْ كَما راعَوْهُ في قَوْلِهِمْ (بَيْنَنا وبَيْنَهم رَدْمًا) أيْ حاجِزًا حَصِينًا وحِجابًا مَتِينًا وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ وأوْثَقُ يُقالُ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ أيْ فِيهِ رِقاعٌ فَوْقَ رِقاعٍ، ويُقالُ: سَحابٌ مُرَدَّمٌ أيْ مُتَكاثِفٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وذُكِرَ أنَّ أصْلَ مَعْناهُ سَدَّ الثُّلْمَةَ بِالحِجارَةِ ونَحْوِها، وقِيلَ: سَدَّ الخَلَلَ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ
ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما ذُكِرَ، وقِيلَ: هو والسَّدُّ بِمَعْنًى، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هو كَأشَدِّ الحِجابِ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ وعَدَهم بِالإسْعافِ بِمُرامِهِمْ فَوْقَ ما يَرْجُونَهُ وهو اللّائِقُ بِشَأْنِ المُلُوكِ
الكهف 18:96
﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ جَمْعُ زُبْرَةٍ كَغُرَفٍ في غُرْفَةٍ وهي القِطْعَةُ العَظِيمَةُ، وأصْلُ الزُّبَرِ الِاجْتِماعُ ومِنهُ زَبَرْتُ الكِتابَ جَمَعْتُ حُرُوفَهُ وزُبْرَةُ الأسَدِ لِما اجْتَمَعَ عَلى كاهِلِهِ مِنَ الشَّعْرِ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ فَقالَ: قِطْعَةٌ وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
تَلَظّى عَلَيْهِمْ حِينَ شَدَّ حَمْيُها بِزُبَرِ الحَدِيدِ والحِجارَةِ شاجِرُ
وطَلَبُ إيتاءِ الزُّبَرِ لا يُنافِي أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنهم شَيْئًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ الإيتاءِ المَأْمُورِ بِهِ الإيتاءُ بِالثَّمَنِ أوْ مُجَرَّدُ المُناوَلَةِ والإيصالِ، وإنْ كانَ ما آتَوْهُ لَهُ لا إعْطاءَ ما هو لَهم فَهو مَعُونَةٌ مَطْلُوبَةٌ، وعَلى تَسْلِيمِ كَوْنِ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا المُناوَلَةِ يُقالُ: إنَّ إعْطاءَ الآلَةِ لِلْعَمَلِ لا يَلْزَمُهُ تَمَلُّكُها ولَوْ تَمَلَّكَها لا يُعَدُّ ذَلِكَ جُعْلًا فَإنَّهُ إعْطاءُ المالِ لا إعْطاءُ مِثْلِ هَذا، ويُنْبِئُ عَنْ أنَّ المُرادَ لَيْسَ الإعْطاءَ قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( رَدْمًا ائْتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ ووَصْلِ الهَمْزَةِ مِن أتاهُ بِكَذا إذْ جاءَ بِهِ لَهُ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ نُصِبَ (زُبَرًا) بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ، وتَخْصِيصُ زُبَرِ الحَدِيدِ بِالذِّكْرِ دُونَ الصُّخُورِ والحَطَبِ ونَحْوِهِما لِما أنَّ الحاجَةَ إلَيْها أمْسُّ إذْ هي الرَّكْنُ القَوِيُّ في السَّدِّ ووُجُودُها أعَزُّ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( زُبُرَ ) بِضَمِّ الباءِ كالزّايِ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأتَوْهُ إيّاها فَأخَذَ يَبْنِي شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتّى إذا جَعَلَ ما بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ مِنَ البُنْيانِ مُساوِيًا لَهُما في العُلُوِّ فَبَيْنَ مَفْعُولِ ساوى وفاعِلِهِ ضَمِيرُ ذِي القَرْنَيْنِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرُ السَّدِّ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ، أيْ فَأتَوْهُ إيّاها فَأخَذَ يَسُدُّ بِها حَتّى إذا ساوى السَّدُّ الفَضاءَ الَّذِي بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، ويَفْهَمُ مِن ذَلِكَ مُساواةُ السَّدِّ في العُلُوِّ لِلْجَبَلَيْنِ، والصَّدَفُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ جانِبُ الجَبَلِ وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ: المَيْلُ، ونُقِلَ في الكَشْفِ أنَّهُ لا يُقالُ لِلْمُنْفَرِدِ صَدَفٌ حَتّى يُصادِفَهُ الآخَرُ ثُمَّ قالَ: فَهو مِنَ الأسْماءِ المُتَضايِفَةِ كالزَّوْجِ وأمْثالِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وهو كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِالمُرادِ هُنا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الجَبَلُ وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقَرَأ قَتادَةُ سَوّى مِنَ التَّسْوِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي أُمِّيَّةَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( سُوُّوِيَ ) بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ والزُّهْرِيُّ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ وهي لُغَةُ حِمْيَرَ كَما أنَّ فَتْحَهُما في قِراءَةِ
صفحة 41
الأكْثَرِينَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُنْدَبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الماجِشُونُ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ.
(قالَ) لِلْعَمَلَةِ (انْفُخُوا) أيْ بِالكِيرانِ في زُبَرِ الحَدِيدِ المَوْضُوعَةِ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ فَفَعَلُوا ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيْ: جَعَلَ المَنفُوخَ فِيهِ نارًا أيْ كالنّارِ في الحَرارَةِ والهَيْئَةِ فَهو مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وإسْنادُ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَعَ أنَّهُ فَعَلَ الفِعْلَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ العُمْدَةُ في ذَلِكَ وهم بِمَنزِلَةِ الآلَةِ (قالَ) الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ النُّحاسِ مِنَ الإذابَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ لِأُولَئِكَ النّافِخِينَ قالَ لَهم بَعْدَ أنْ نَفَخُوا في ذَلِكَ حَتّى صارَ كالنّارِ وتَمَّ ما أرادَهُ مِنهم أوَّلًا (آتُونِي) مِنَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ النُّحاسِ ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ آتُونِي قِطْرًا أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وبِهِ تَمَسَّكَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّ إعْمالَ الثّانِي في بابِ التَّنازُعِ أوْلى إذْ لَوْ كانَ (قِطْرًا) مَفْعُولَ (آتُونِي) لَأضْمَرَ مَفْعُولَ (أُفْرِغْ) وحَذَفَهُ وإنْ جازَ لِكَوْنِهِ فَضْلَةً إلّا أنَّهُ يُوقِعُ في لَبْسٍ.
والقِطْرُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ النُّحاسُ المُذابُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: الرَّصاصُ المُذابُ، وقِيلَ: الحَدِيدُ المُذابُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ ( ائْتُونِي ) بِهَمْزَةِ الوَصْلِ أيْ جِيئُونِي كَأنَّهُ يَسْتَدْعِيهِمْ لِلْإغاثَةِ بِاليَدِ عِنْدَ الإفْراغِ، وإسْنادُ الإفْراغِ إلى نَفْسِهِ لِلسِّرِّ الَّذِي وقَفْتُ عَلَيْهِ آنِفًا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ اجْعَلْ وقَوْلِهِ ساوى عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.
الكهف 18:97
﴿فَما اسْطاعُوا﴾ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا وحَذَرًا عَنْ تَلاقِي المُتَقارِبَيْنِ في المَخْرَجِ وهُما الطّاءُ والتّاءُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو عَلِيٍّ وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ، وقَرَأ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ ( فَما اصْطاعُوا ) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا لِمُجاوِرَةِ الطّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن إيتاءِ القِطْرِ أوِ الإتْيانِ فَأفْرَغَ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَصارَ جَبَلًا صَلْدًا فَجاءَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وقَصَدُوا أنْ يُعْلُوهُ ويَنْقُبُوهُ فَما اسْطاعُوا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أيْ يَعْلُوهُ ويَرْقَوْا فِيهِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، قِيلَ: كانَ ارْتِفاعُهُ مِائَتَيْ ذِراعٍ، وقِيلَ: ألْفٌ وثَمانُمِائَةِ ذِراعٍ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِصَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ. قِيلَ: وكانَ عَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وكانَ أساسُهُ قَدْ بَلَغَ الماءَ وقَدْ جَعَلَ فِيهِ الصَّخْرَ والنُّحاسَ المُذابَ وكانَتْ زُبَرُ الحَدِيدِ لِلْبِناءِ فَوْقَ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ إفْراغَ القِطْرِ عَلَيْها بَعْدَ أنْ أثَّرَتْ فِيها حَرارَةُ النّارِ حَتّى صارَتْ كالنّارِ مَعَ ما ذَكَرُوا مِن أنَّ امْتِدادَ السَّدِّ في الأرْضِ مِائَةُ فَرْسَخٍ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ خارِجٍ عَنِ العادَةِ كَصَرْفِ تَأْثِيرِ حَرارَةِ النّارِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ المُباشِرِينَ لِلْأعْمالِ، وإلّا فَمِثْلُ تِلْكَ الحَرارَةِ عادَةً مِمّا لا يَقْدِرُ حَيَوانٌ عَلى أنْ يَحُومَ حَوْلَها، ومِثْلُ ذَلِكَ النَّفْخِ في هاتِيكَ الزُّبَرِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ حَتّى تَكُونَ نارًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِواسِطَةِ آلاتٍ غَرِيبَةٍ أوْ أعْمالٍ أُوتِيَها هو أوْ أحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ لا يَكادُ أحَدٌ يَعْرِفُها اليَوْمَ، ولِلْحُكَماءِ المُتَقَدِّمِينَ بَلْ والمُتَأخِّرِينَ أعْمالٌ عَجِيبَةٌ يَتَوَصَّلُونَ
صفحة 42
إلَيْها بِآلاتٍ غَرِيبَةٍ تَكادُ تَخْرُجُ عَنْ طَوْرِ العَقْلِ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما وقَعَ لِذِي القَرْنَيْنِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وقِيلَ: كانَ بِناؤُهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ مُذابٍ في تَجاوِيفِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ هُناكَ فَجْوَةٌ أصْلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ الشَّفِّيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قالَ: انْعَتْهُ لِي، قالَ: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، قالَ: قَدْ رَأيْتَهُ»، والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ لا مَنامِيَّةٌ وهو أمْرٌ غَرِيبٌ إنْ صَحَّ الخَبَرُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ العَبّاسِيَّ أرْسَلَ سَلامًا التُّرْجُمانَ لِلْكَشْفِ عَنْ هَذا السَّدِّ، فَذَهَبَ جِهَةَ الشَّمالِ في قِصَّةٍ تَطُولُ حَتّى رَآهُ ثُمَّ عادَ، وذَكَرَ لَهُ مِن أمْرِهِ ما ذَكَرَ فَثِقاتُ المُؤَرِّخِينَ عَلى تَضْعِيفِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ كَذَبَ لِما فِيهِ مِمّا تَأْبى عَنْهُ الآيَةُ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا.
ولا يَخْفى لُطْفُ الإتْيانِ بِالتّاءِ في اسْتَطاعُوا هُنا
الكهف 18:98
﴿قالَ﴾ أيْ ذُو القَرْنَيْنِ لِمَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ وغَيْرِهِمْ هَذا إشارَةً إلى السَّدِّ، وقِيلَ: إلى تَمَكُّنِهِ مِن بِنائِهِ والفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ لِيَتَّحِدَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ المُتَأخِّرِ أيْ هَذا الَّذِي ظَهَرَ عَلى يَدَيَّ وحَصَلَ بِمُباشَرَتِي مِنَ السَّدِّ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ مِنَ المَتانَةِ وصُعُوبَةِ المَنالِ ﴿رَحْمَةٌ﴾ أيْ: إثْرَ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ وعَبَّرَ عَنْهُ بِها لِلْمُبالَغَةِ ﴿مِن رَبِّي﴾ عَلى كافَّةِ العِبادِ لا سِيَّما عَلى مُجاوَرِيهِ، وكَوْنُ السَّدِّ رَحْمَةً عَلى العِبادِ ظاهِرٌ، وإذا جَعَلْتَ الإشارَةَ إلى التَّمَكُّنِ فَكَوْنُهُ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ أنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ، ورُبَّما يُرَجَّحُ المُتَقَدِّمُ أيْضًا بِاحْتِياجِ المُتَأخِّرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، وإنْ كانَ الأمْرُ فِيهِ سَهْلًا، وفي الأخْبارِ عَنْهُ بِما ذُكِرَ إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الآثارِ الحاصِلَةِ بِمُباشَرَةِ الخَلْقِ عادَةً بَلْ هو إحْسانٌ إلَهِيٌّ مَحْضٌ وإنْ ظَهَرَ بِالمُباشَرَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَرْبِيَةُ مَعْنى الرَّحْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( هَذِهِ رَحْمَةٌ ) بِتَأْنِيثِ اسْمِ الإشارَةِ وخَرَجَ عَلى أنَّهُ رِعايَةٌ لِلْخَبَرِ أوْ جَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ القُدْرَةَ والقُوَّةَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وقْتُ وعْدِهِ تَعالى فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والإسْنادُ إلى الوَعْدِ مَجازٌ وهو لِوَقْتِهِ حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ وهو وقْتُهُ أوْ وُقُوعُهُ فَلا حَذْفَ ولا مَجازَ في الإسْنادِ بَلْ هُناكَ مَجازٌ في الطَّرَفِ، والمُرادُ مِن وقْتِ ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ والمُرادُ بِمَجِيئِهِ ما يَنْتَظِمُ مَجِيئُهُ ومَجِيءُ مَبادِيهِ مِن خُرُوجِهِمْ وخُرُوجِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَحْوِ ذَلِكَ، لا دُنُوُّ وُقُوعِهِ فَقَطْ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، فَإنَّ بَعْضَ الأُمُورِ الَّتِي سَتُحْكى تَقَعُ بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتْمًا (جَعَلَهُ) أيِ: السَّدَّ المُشارَ إلَيْهِ مَعَ مَتانَتِهِ ورَصانَتِهِ (دَكّاءَ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ والمَوْصُوفُ مُؤَنَّثٌ مُقَدَّرٌ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقالَ بَعْضُهم: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِثْلَ دَكّاءَ وهي ناقَةٌ لا سَنامَ لَها ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ السَّدَّ مُذَكَّرٌ لا يُوصَفُ بِمُؤَنَّثٌ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ دَكًّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ دَكَكْتُهُ وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ والوَصْفُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، والنَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ وهي بِمَعْنى صَيَّرَ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها بِمَعْنى خَلَقَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وهَذا الجَعْلُ وقْتَ مَجِيءِ الوَعْدِ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِيهِ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِظَمِ قَدَّرْتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بَعْدَ بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عِلْمُهُ بِهَذا الجَعْلِ عَلى ما قِيلَ مِن تَوابِعِ عِلْمِهِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ إذْ مِن مَبادِئِها دَكُّ الجِبالِ الشّامِخَةِ الرّاسِخَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِها واسْتِفادَتُهُ العِلْمَ بِمَجِيئِها مِمَّنْ كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ
صفحة 43
العِلْمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِالسَّماعِ مِنَ النَّبِيِّ وكَذا العِلْمُ بِمَجِيءِ وقْتِ خُرُوجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا مِنَ الوَعْدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهادٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنْ سَماعٍ.
وفِي كِتابِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ الإخْبارُ بِمَجِيئِهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ مِن آخِرِ الجَرِّ بِياءٍ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى وإفْسادُهم في الأرْضِ وقَصْدُهم بَيْتَ المَقْدِسِ وهَلاكُهم عَنْ آخِرِهِمْ في بَرِّيَّتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ إسْكَنْدَرَ غالِبِ دارا فَإذا كانَ هو ذا القَرْنَيْنِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وقَفَ عَلى ذَلِكَ فَأفادَهُ عِلْمًا بِما ذُكِرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ وهو يَسْتَمِرُّ إلى آخِرِ الزَّمانِ فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وعْدُهُ سُبْحانَهُ المَعْهُودُ أوْ كُلُّ ما وعَدَ عَزَّ وجَلَّ بِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا (حَقًّا) ثابِتًا لا مَحالَةَ واقِعًا البَتَّةَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مِن ذِي القَرْنَيْنِ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها وهو آخِرُ ما حُكِيَ مِن قِصَّتِهِ،
الكهف 18:99
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وضَمِيرُ الجَمْعِ المَجْرُورُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لِلْخَلائِقِ، والتَّرْكُ بِمَعْنى الجَعْلِ وهو مِنَ الأضْدادِ، والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِهِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُهُ مَحْكِيًّا عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أيْ جَعَلْنا بَعْضَ الخَلائِقِ (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ ﴿يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم، والمَوْجُ مَجازٌ عَنِ الِاضْطِرابِ أيْ يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ البَحْرِ يَخْتَلِطُ إنْسُهم وجِنُّهم مِن شَدَّةِ الهَوْلِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِعَظائِمَ تَقَعُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنّاسِ والمُرادُ وجَعَلْنا بَعْضَ النّاسِ يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ لِفَزَعِهِمْ مِنهم وفِرارِهِمْ، وفِيهِ بَعْدٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنّاسِ أيْضًا، والمُرادُ وجَعَلْنا بَعْضَ النّاسِ يَوْمَ إذْ تَمَّ السَّدُّ يَمُوجُ في بَعْضِهِمْ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا يُتَعَجَّبُ مِنهُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الأظْهَرُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ وتَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ ابْنِ سَمْعانَ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّجّالِ وهَلاكِهِ بِبابِ لُدٍّ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ يَأْتِي عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدَّجّالِ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهم ويُحَدِّثُهم بِدَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لِإيذانٍ لِأحَدٍ بِقِتالِهِمْ فَحَرَّزَ عِبادِي إلى الطَّوْرِ ويَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فَيَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الماءَ ويَتَحَصَّنُ النّاسُ مِنهم في حُصُونِهِمْ ويَضُمُّونَ إلَيْهِمْ مَواشِيَهم فَيَشْرَبُونَ مِياهَ الأرْضِ حَتّى إنَّ بَعْضَهم لَيَمُرُّ بِالنَّهْرِ فَيَشْرَبُونَ ما فِيهِ حَتّى يَتْرُكُوهُ يَبَسا، حَتّى إنَّ مَن يَمُرُّ مِن بَعْدِهِمْ لَيَمُرُّ بِذَلِكَ النَّهْرِ فَيَقُولُ قَدْ كانَ ها هُنا ماءٌ مَرَّةً ويَحْصُرُ عِيسى نَبِيَّ اللَّهِ وأصْحابَهُ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ ورَأْسُ الحِمارِ لِأحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِائَةِ دِينارٍ.
وفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنا مَن في الأرْضِ هَلُمَّ نَقْتُلُ مَن في السَّماءِ فَيَرْمُونَ نُشّابَهم إلى السَّماءِ فَيَرُدُّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَخْضُوبَةً دَمًا لِلْبَلاءِ والفِتْنَةِ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسى.
وفِي رِوايَةِ داوُدَ: كالنَّغَفِ في أعْناقِهِمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ فَيَقُولُ المُسْلِمُونَ: ألا رَجُلٌ يَشْرِي لَنا نَفْسَهُ فَيَنْظُرَ ما فَعَلَ هَذا العَدُوُّ فَيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ مِنهم مُحْتَسِبًا نَفْسَهُ قَدْ وطَّنَها عَلى أنَّهُ مَقْتُولٌ، فَيَنْزِلُ فَيَجِدُهم مَوْتى
صفحة 44
بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيُنادِي يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ألا أبْشِرُوا إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ كَفاكم عَدُوَّكم فَيَخْرُجُونَ مِن مَدايِنِهِمْ وحُصُونِهِمْ فَيُسَرِّحُونَ مَواشِيَهم فَما يَكُونُ لَها مَرْعًى إلّا لُحُومَهم فَتَشْكُرُ أحْسَنَ ما شَكَرَتْ عَنْ شَيْءٍ ويَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى الأرْضِ فَلا يَجِدُونَ فِيها مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَلَأهُ زَهَمُهم ونَتْنُهم فَيَسْتَغِيثُونَ بِاللَّهِ تَعالى فَيَبْعَثُ اللَّهُ سُبْحانَهُ رِيحًا يَمانِيَّةً غَبْراءَ فَتَصِيرُ عَلى النّاسِ غَمًّا ودُخانًا ويَقَعُ عَلَيْهِمُ الزَّكْمَةُ ويَكْشِفُ ما بِهِمْ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقَدْ قَذَفَتِ الأرْضُ جِيَفَهم في البَحْرِ، وفي رِوايَةٍ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْسِلُ طَيْرًا كَأعْناقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي رِوايَةٍ فَتَرْمِيهِمْ في البَحْرِ- وفي أُخْرى في النّارِ، ولا مُنافاةَ كَما يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ- ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَطَرًا لا يَكُنْ مِنهُ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها كالزَّلَقَةِ ثُمَّ يُقالُ لِلْأرْضِ: أنْبِتِي ثَمَرَتَكِ ورُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصابَةُ مِنَ الرُّمّانَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها ويُبارِكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ، ويُوقِدُ المُسْلِمُونَ مِن قِسِيِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ونُشّابِهِمْ وأتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ ذَلِكَ في الأوْدِيَةِ ومَواضِعِ السُّيُولِ زِيادَةً في سُرُورِ المُسْلِمِينَ أوْ يَحْفَظُها حَيْثُ هَلَكُوا ولا يُلْقِيها مَعَهم حَيْثُ شاءَ ولا يُعْجِزُ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ، والحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى كَثْرَتِهِمْ جِدًّا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أقَلُّ ما يَتْرُكُ أحَدُهم مِن صُلْبِهِ ألْفًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ» . وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى طُولِ العُمْرِ.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ وصِفاتِهِمْ ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ شَيْءٌ. وأعْجَبُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ قَوْلُ مَكْحُولٍ: الأرْضُ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ ثَمانُونَ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهي أُمَّتانِ كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ لا تُشْبِهُ أُمَّةٌ الأُخْرى وهو قَوْلٌ باطِلٌ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُمامَةَ الدُّنْيا سَبْعَةُ أقالِيمَ فَلِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ سِتَّةٌ ولِلْباقِي إقْلِيمٌ واحِدٌ وهو كَلامُ مَن لا يَعْرِفُ الأرْضَ ولا الأقالِيمَ. نَعَمْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ البَكّالِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَزَّأ الإنْسَ عَشَرَةَ أجْزاءٍ فَتِسْعَةٌ مِنهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وجُزْءٌ سائِرُ النّاسِ إلّا أنِّي لَمْ أقِفْ عَلى تَصْحِيحِهِ لِغَيْرِ الحاكِمِ، وحُكْمُ تَصْحِيحِهِ مَشْهُورٌ ويُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُمُ التَّتارُ الَّذِينَ أكْثَرُوا الفَسادَ في البِلادِ وقَتَلُوا الأخْيارَ والأشْرارَ. ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ الزَّعْمَ مِنَ الضَّلالَةِ بِمَكانٍ وإنْ كانَ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وأُولَئِكَ الكَفَرَةِ مُشابَهَةٌ تامَّةٌ لا تَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى أخْبارِ ما يَكُونُ وما كانَ إبْطالُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُمُ التَّتارُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ. ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ النَّفْخَةِ الأوْلى لِأنَّها داهِيَةٌ عامَّةٌ لَيْسَ فِيها حالَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ ما يَقَعُ في النَّشْأةِ الأُولى مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ وبَيْنَ ما يَقَعُ مِنها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ.
والصُّورُ قَرْنٌ جاءَ في الآثارِ مِن وصْفِهِ ما يُدْهِشُ العُقُولَ.
وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ أنْعَمُ وقَدِ التَقَمَ صاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ وحَنا جَبِينَهُ وأصْغى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ فَيَنْفُخَ» ) .
وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ وأيْدٍ بِقِراءَةِ الحَسَنِ ( الصُّوَرِ ) بِفَتْحِ الواوِ فَيَكُونُ لِسُورَةٍ وسُورٍ ورَدُّ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولِذَلِكَ قالَ أبُو الهَيْثَمِ عَلى ما نَقَلَ عَنْهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الصُّورُ قَرْنًا
صفحة 45
فَهُوَ كَمَن أنْكَرَ العَرْشَ والصِّراطَ والمِيزانَ وطَلَبَ لَها تَأْوِيلاتٍ. وذَكَرَ أنَّ الأُمَمَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ النّافِخَ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ (فَجَمَعْناهُمْ) أيِ: الخَلائِقَ بَعْدَ ما تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم وتَمَزَّقَتْ أجْسادُهم في صَعِيدٍ واحِدٍ لِلْحِسابِ والجَزاءِ (جَمْعًا) أيْ جَمْعًا عَجِيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ
الكهف 18:100
﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أظْهَرْناها وأبْرَزْناها (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً (لِلْكافِرِينَ) مِنهم حَيْثُ جَعَلْناها بِحَيْثُ يَرَوْنَها ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا (عَرْضًا) أيْ عَرْضًا فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ مَعَ أنَّها بِمَرْأًى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً
الكهف 18:101
﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾ وهم في الدُّنْيا ﴿فِي غِطاءٍ﴾ كَثِيفٍ وغِشاوَةٍ غَلِيظَةٍ مُحاطَةٍ بِذَلِكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الآياتِ المُؤَدِّيَةِ لِأُولِي الأبْصارِ المُتَدَبِّرِينَ فِيها إلى ذِكْرِي بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ. فالذِّكْرُ مَجازٌ عَنِ الآياتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبِّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ. وفِيهِ أنَّ مَن لَمْ يَنْظُرْ نَظَرًا يُؤَدِّي بِهِ إلى ذِكْرِ التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ لا نَظَرَ لَهُ البَتَّةَ وهَذا فائِدَةُ التَّجَوُّزِ.
وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَنْ آياتِ ذِكْرِي ولَيْسَ بِذاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْيُنِ البَصائِرَ القَلْبِيَّةَ، والمَعْنى كانَتْ بَصائِرُهم في غِطاءٍ عَنْ أنْ يَذْكُرُونِي عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِي أوْ عَنْ ذِكْرِي الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُخَصَّ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ (وكانُوا) مَعَ ذَلِكَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ نَفْيٌ لِسَماعِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولِذا عَدَلَ عَنْ وكانُوا صُمًّا الأخْصَرَ إلَيْهِ. والمُرادُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كَفاقِدِي حاسَّةِ السَّمْعِ بِالكُلِّيَّةِ وهو مُبالَغَةٌ في تَصْوِيرِ إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يُرْشِدُهم إلى ما يَنْفَعُهم بَعْدَ تَصْوِيرِ تَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ لِذِكْرى المُرادِ مِنهُ القُرْآنُ أوْ مُطْلَقُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ بَعْدَ تَخْصِيصِ الذِّكْرِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أوَّلًا بِالآياتِ المُشاهَدَةِ لا يَصِيرُ قَرِينَةً عَلى هَذا الحَذْفِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: إنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ لا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لِلْمَحْذُوفِ مَعْنًى فَلا يَصِحُّ زَيْدٌ ضارِبٌ وعَمْرٌو أيْ ضارِبٌ عَلى أنَّ الأوَّلَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ والثّانِي بِمَعْنى مُسافِرٍ. وتَقْدِيرُ ذَلِكَ وإرادَةُ مَعْنى الآياتِ مِنهُ مَجازًا لِتَحَقُّقِ الآياتِ في ضِمْنِ الكَلامِ المُعْجِزِ لا يَخْفى حالُهُ وحالُ إرادَةِ الآياتِ، ثُمَّ إرادَةُ الكَلامِ المُعْجِزِ مِنها مَجازًا بَعْدَ المَجازِ أظْهَرُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ إنَّما هو بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى سَمْعًا وأنَّ الكافِرِينَ هَذا حالُهم لا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الذِّكْرِ قَبْلَ لِيَجِيءَ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في تَقْدِيرِ الذِّكْرِ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الذِّكْرِ المَذْكُورِ ذَلِكَ. والمَوْصُولُ نَعْتُ الكافِرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهم.
الكهف 18:102
﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كَفَرُوا بِي كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى (عِبادِي) والحُسْبانُ بِمَعْنى الظَّنِّ، وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( أفَظَنَّ ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ عَلى مَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الصِّلَةُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ وإلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. والمَعْنى أكَفَرُوا بِي مَعَ جَلالَةِ شَأْنِي فَحَسِبُوا ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى ونَحْوَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المُقَرَّبِينَ كَما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَإنَّ الأكْثَرَ أنْ تَكُونَ في مِثْلِ هَذا اللَّفْظِ لِتَشْرِيفِ المُضافِ.
واقْتَصَرَ قَتادَةُ في المُرادِ مِن ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ ذَكَرْنا واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ
صفحة 46
وغَيْرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّياطِينُ وفِيهِ بُعْدٌ ولَعَلَّ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ الأصْنامُ وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ المَذْكُورِينَ والأصْنامَ وسائِرَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها تَغْلِيبًا، ولَعَلَّ المَقامَ يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الإضافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ أيْ أفَظَنُّوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي الَّذِينَ هم تَحْتَ مُلْكِي وسُلْطانِي ﴿مِن دُونِي﴾ أيْ: مُجاوَزِينَ لِي (أوْلِياءَ) أيْ: مَعْبُودِينَ أوْ أنْصارًا لَهم مِن بَأْسِي، وما في حَيِّزِ صِلَةِ أنْ قِيلَ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ أيْ أفَحَسِبُوا أنَّهم يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ. وكانَ مَصَبُّ الإنْكارِ أنَّهم يَتَّخِذُونَهم كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقْحِمَ الحُسْبانُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: المُرادُ ما ذُكِرَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاتِّخاذِ في شَيْءٍ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ والمُتَّخِذُونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ وِلايَتِهِمْ لِقَوْلِهِمْ: سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ، وقِيلَ: أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولٍ أوَّلَ لِحَسِبَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعَهم أوْ سَبَبًا لِرَفْعِ العَذابِ عَنْهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَجْوِيزِ حَذْفِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في بابِ عَلِمَ وهو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِنَفْسِ الِاتِّخاذِ واعْتِدادًا بِهِ في الجُمْلَةِ والأوْلى ما خَلا عَنْ ذَلِكَ.
هَذا وفي الكَشْفِ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَحَسِبَ) مَعْطُوفٌ عَلى كانَتْ وكانُوا دَلالَةً عَلى أنَّ الحُسْبانَ ناشِئٌ عَنِ التَّعامِي والتَّصامِّ، وأُدْخِلَ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الإنْكارِ ذَمًّا عَلى ذَمٍّ وقَطْعًا لَهُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما لَفْظًا لا مَعْنًى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِقْلالِ المُؤَكَّدِ لِلذَّمِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُزِيلُونَ ما بِهِمْ مِن مَرْضى الغِشاوَةِ والصَّمَمِ ويَزِيدُونَ عَلَيْهِما الحُسْبانَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ زِيادَةً لِلذَّمِّ انْتَهى. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما ذُكِرَ إلى قَوْلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ إلَخْ أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ تَرْكَ الإضْمارِ والتَّعَرُّضَ لِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعامِي والتَّصامِّ عَلى أنَّهُما أُخْرِجا مَخْرَجَ الأحْوالِ الجِبِلِّيَّةِ لَهم ولَمْ يُذْكَرا مِن حَيْثُ إنَّهُما مِن أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ الحادِثَةِ كَحُسْبانِهِمْ لِيَحْسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِما. وأيْضًا فَإنَّهُ دَيْنٌ قَدِيمٌ لَهم لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ ناشِئًا عَنْ تَصامِّهِمْ عَنْ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَخْصِيصُ الإنْكارِ بِحُسْبانِهِمُ المُتَأخِّرِ عَنْ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ. فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو حَيْوَةَ ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما (أفَحَسِبَ) بِإسْكانِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ مُضافًا إلى الَّذِينَ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ حَسِبَ مُبْتَدَأٌ وهو بِمَعْنى مُحْسِبٌ أيْ كافِي و(أنْ يَتَّخِذُوا) خَبَرُهُ أيْ أفَكافِيهِمُ اتِّخاذُهم عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى غايَةِ الذَّمِّ لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مَجْمُوعَ عُدَّتِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ وما يَكْتَفُونَ بِهِ عَنْ سائِرِ العَقائِدِ والفَضائِلِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها لِلْفائِزِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ مِن أنْ والفِعْلِ فاعِلًا لِحَسِبَ لِأنَّهُ اعْتَمَدَ عَلى الهَمْزَةِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ ساوى الفِعْلَ في العَمَلِ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّ حَسِبَ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ وما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِالوَصْفِ الصَّرِيحِ. ثُمَّ أشارَ إلى جَوابِهِ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ أجازَ في مَرَرْتُ بِرَجُلِ خَيْرٍ مِنهُ أبُوهُ وبِرَجُلِ سَواءٍ عَلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ وبِرَجُلِ أبٌ لَهُ صاحِبُهُ وبِرَجُلٍ إنَّما رَجُلٌ هو وبِرَجُلِ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ الرَّفْعَ بِالصِّفاتِ المُؤَوَّلَةِ، وذُكِرَ أنَّهم أجازُوا في مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبِي عَشَرَةٍ أبُوهُ ارْتِفاعَ أبُوهُ بِأبِي عَشَرَةٍ لِأنَّهُ في مَعْنى والِدِ عَشَرَةٍ وحِينَئِذٍ فَلا كَلامَ فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ هَيَّأْناها وهو ظاهِرٌ في أنَّها مَخْلُوقَةٌ اليَوْمَ (لِلْكافِرِينَ) المَعْهُودِينَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ ذَمًّا لَهم وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِدادَ
صفحة 47
بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِحُسْبانِهِمُ الباطِلِ (نُزُلًا) أيْ شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ ورُودِهِمْ وهو ما يُقامُ بِهِ لِلنَّزِيلِ أيِ الضَّيْفِ مِمّا حَضَرَ مِنَ الطَّعامِ، واخْتارَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِ حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ مِن قَبِيلِ اعْتادَ العَتادَ وإعْدادًا لِزادٍ لِيَوْمِ المَعادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهم مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ جَهَنَّمَ عِدَّةً، وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هي أُنْمُوذَجٌ لَهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ أنَّها جَزاؤُهم بِما فِيها فافْهَمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ مَوْضِعُ النُّزُولِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نازِلٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ ( نُزْلًا ) بِسُكُونِ الزّايِ
الكهف 18:103
(قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ، وإذا حَمَلَ الِاسْتِفْهامَ عَلى الِاسْتِئْذانِ كانَ فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ ما فِيهِ، والجَمْعُ في صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ قِيلَ لِتَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولِلْإيذانِ بِمَعْلُومِيَّةِ النَّبَأِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وجُمِعَ مَعَ أنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ والمَصْدَرُ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ النُّحاةُ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِ أعْمالِهِمْ وقَصْدِ شُمُولِ الخُسْرانِ لِجَمِيعِها، وقِيلَ: جَمْعٌ لِأنَّ ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ إنَّما هو إذا كانَ المَصْدَرُ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أمّا إذا كانَ مُؤَوَّلًا باسِمِ فاعِلٍ فَإنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَتَهُ، وهُنا عَمِلَ بِمَعْنى عامِلٍ فَجُمِعَ عَلى أعْمالٍ والمُرادُ عامِلِينَ والصِّفَةُ تَقَعُ تَمْيِيزًا نَحْوَ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أعْمالًا جَمْعُ عامِلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى أفْعالِ نادِرٌ، وقَدْ أنْكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ في غَيْرِ ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ كَأشْهادٍ جَمْعِ شاهِدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عَمِلٍ كَكَتِفٍ بِمَعْنى ذُو عَمَلٍ كَما في القامُوسِ وهو كَما تَرى، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ إذا اعْتُبِرَ أعْمالًا بِمَعْنى عامِلِينَ كانَ الأخْسَرِينَ بِمَعْنى الخاسِرِينَ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ إذا كانَ صِفَةً كانَ عِبارَةً عَنِ المُنْتَصِبِ عَنْهُ مُتَّحِدًا مَعَهُ بِالذّاتِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ بِالمُواطَأةِ حَتّى إنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِأنَّهُ تُجْعَلُ الحالُ أيْضًا وهو خَبَرٌ عَنْ ذِي الحالِ مَعْنًى ومِنَ البَيِّنِ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُمْتَنَعُ أنْ يَتَّحِدَ مَعَ اسْمِ الفاعِلِ لِمَكانِ الزِّيادَةِ فَحَيْثُ وقَعَ اسْمُ الفاعِلِ تَمْيِيزًا وانْتَصَبَ بِأفْعَلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ لِيَتَّحِدا، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ أفْعَلَ لا يَكُونُ مَعَ اللّامِ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ كَما أنَّهُ لا يَكُونُ مُجَرَّدًا عَنْهُ مَعَ الإضافَةِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ مَعَ مَن كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ، والحَقُّ أنَّ الجَمْعِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا لِما ذُكِرَ أوَّلًا، نَعَمْ ذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ جَمْعٌ لِكَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى أسْماءِ الفاعِلِينَ، وأوَّلُ ذَلِكَ بِأنَّهُ أرادَ بِاسْمِ الفاعِلِ المَعْنى اللُّغَوِيَّ وأرادَ أنَّهُ جَمَعَ لِيُفِيدَ التَّوْزِيعَ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ في أنْفُسِها وفي حُسْبانِهِمْ أيْضًا حَيْثُ كانُوا مُعْجَبِينَ بِها واثِقِينَ بِنَيْلِ ثَوابِها ومُشاهَدَةِ آثارِها غَبُّ بَيانِ أحْوالِهِمْ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ في أنْفُسِها مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً في حُسْبانِهِمْ
الكهف 18:104
﴿الَّذِينَ ضَلَّ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ بِالكُلِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (سَعْيُهُمْ) في إقامَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَعْيٍ لا بِضَلَّ لِأنَّ بُطْلانَ سَعْيِهِمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالدُّنْيا.
قِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ الكِتابَيْنِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومُجاهِدٍ ويَدْخُلُ في الأعْمالِ حِينَئِذٍ ما عَمِلُوهُ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِباداتِ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ الَّذِينَ يَحْبِسُونَ أنْفُسَهم في الصَّوامِعِ ويَحْمِلُونَها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ، وقِيلَ الصّابِئَةُ، وسَألابْنُ الكَوّاءِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْهم
صفحة 48
فَقالَ: مِنهم أهْلُ حَرُوراءَ يَعْنِي الخَوارِجَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ يَأْباهُ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ البَعْثَ وهم غَيْرُ كَفَرَةٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ مَنِ اتِّصالِيَّةٌ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُتَّصِلِينَ بِهِمْ مِن كُلِّ الوُجُوهِ بَلْ يَكْفِي كَوْنُهم عَلى الضَّلالِ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُعْتَقِدًا لِكُفْرِهِمْ، واسْتُحْسِنَ أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ لا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ، والمَذْكُورُ في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ العَيّاشِيَّ رَوى بِسَنَدِهِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم وما أهْلُ النَّهْرِ مِنهم بِبَعِيدٍ، وهَذا يُؤَيِّدُ الجَوابَ الأوَّلَ، وأخْبَرَ أنَّ المُرادَ ما يَعُمُّ سائِرَ الكَفَرَةِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّهُ جَوابٌ لِلسُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ مَن هُمْ؟ فَقِيلَ الَّذِينَ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفُ بَيانٍ عَلى (الأخْسَرِينَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا أوْ بَدَلًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ عَلى أنَّ الجَوابَ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ أنَّ صَدْرَهُ لَيْسَ مُنْبِئًا عَنْ خُسْرانِ الأعْمالِ وضَلالِ السَّعْيِ كَما يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ الجَوابِ والتَّفْرِيعُ الأوَّلُ وإنْ دَلَّ عَلى هُبُوطِها، لَكِنَّهُ ساكِتٌ عَنْ أنْباءٍ بِما هو العُمْدَةُ في تَحْقِيقِ مَعْنى الخُسْرانِ مِنَ الوُثُوقِ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ واعْتِقادِ النَّفْعِ فِيما صَنَعُوا عَلى أنَّ التَّفْرِيعَ الثّانِيَ مِمّا يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ رَأْسًا إذْ لا مَجالَ لِإدْراجِهِ تَحْتَ الأمْرِ بِقَضِيَّةِ نُونِ العَظَمَةِ، والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الإحْسانُ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ وهو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ أيْ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ لِإعْجابِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي سَعَوْا في إقامَتِها وكابَدُوا في تَحْصِيلِها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (ضَلَّ) أيْ ضَلَّ سَعْيُهُمُ المَذْكُورُ، والحالُ أنَّهم يُحْسِنُونَ في ذَلِكَ ويَنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في (سَعْيُهُمْ) لِكَوْنِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أيْ بَطَلَ سَعْيُهم والحالُ أنَّهم إلَخْ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ المُقارِنَ لِحالِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورُ في الأوَّلِ ضَلالُ سَعْيِهِمْ، وفي الثّانِي نَفْسُ سَعْيِهِمْ قِيلَ: والأوَّلُ أدْخَلُ في بَيانِ خَطَئِهِمْ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ يَحْسَبُونَ ويُحْسِنُونَ مِن تَجْنِيسِ التَّصْحِيفِ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ البُحْتُرِيِّ:
ولَمْ يَكُنِ المُغْتَرُّ بِاللَّهِ إذْ سَرى لِيَعْجِزَ والمُعْتَزُّ بِاللَّهِ طالِبُهْ