Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — مريم 19:98 – طه 20:79

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. مريم 19:98
  2. طه 20:1
  3. طه 20:2
  4. طه 20:3
  5. طه 20:4
  6. طه 20:5
  7. طه 20:6
  8. طه 20:7
  9. طه 20:8
  10. طه 20:9
  11. طه 20:10
  12. طه 20:11
  13. طه 20:12
  14. طه 20:13
  15. طه 20:14
  16. طه 20:15
  17. طه 20:16
  18. طه 20:17
  19. طه 20:18
  20. طه 20:19
  21. طه 20:20
  22. طه 20:21
  23. طه 20:22
  24. طه 20:23
  25. طه 20:24
  26. طه 20:25
  27. طه 20:26
  28. طه 20:27
  29. طه 20:28
  30. طه 20:29
  31. طه 20:30
  32. طه 20:31
  33. طه 20:32
  34. طه 20:33
  35. طه 20:34
  36. طه 20:35
  37. طه 20:36
  38. طه 20:37
  39. طه 20:38
  40. طه 20:39
  41. طه 20:40
  42. طه 20:41
  43. طه 20:42
  44. طه 20:43
  45. طه 20:44
  46. طه 20:45
  47. طه 20:46
  48. طه 20:47
  49. طه 20:48
  50. طه 20:49
  51. طه 20:50
  52. طه 20:51
  53. طه 20:52
  54. طه 20:53
  55. طه 20:54
  56. طه 20:55
  57. طه 20:56
  58. طه 20:57
  59. طه 20:58
  60. طه 20:59
  61. طه 20:60
  62. طه 20:61
  63. طه 20:62
  64. طه 20:63
  65. طه 20:64
  66. طه 20:65
  67. طه 20:66
  68. طه 20:67
  69. طه 20:68
  70. طه 20:69
  71. طه 20:70
  72. طه 20:71
  73. طه 20:72
  74. طه 20:73
  75. طه 20:74
  76. طه 20:75
  77. طه 20:76
  78. طه 20:77
  79. طه 20:78
  80. طه 20:79

مريم 19:98

﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ وعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ضِمْنِ وعِيدِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالإهْلاكِ وحَثٍّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ أيْ قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ ( تَحُسُّ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الحاءِ ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا وأصْلُ التَّرْكِيبِ هو الخَفاءُ ومِنهُ رَكْزُ الرُّمْحِ إذا غِيبَ طَرْفُهُ في الأرْضِ والرِّكازُ لِلْمالِ المَدْفُونِ، وخَصَّ بَعْضُهم الرَّكْزَ بِالصَّوْتِ الخَفِيِّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وخَصَّ الصَّوْتَ الخَفِيَّ لِأنَّهُ الأصْلُ الأكْثَرُ ولِأنَّ الأثَرَ الخَفِيَّ إذا زالَ فَزَوالُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى. والمَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ واسْتَأْصَلْناهم بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مِنهم صَوْتًا خَفِيًّا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مَن يُخْبِرُ عَنْهم ويُذَكِّرُهم بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، والحاصِلُ أهْلَكْناهم فَلا عَيْنَ ولا خَبَرَ، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ. صفحة 145 وقَرَأ حَنْظَلَةُ ( تُسْمَعُ ) مُضارِعُ أُسْمِعْتُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ أمْرٌ لِلْحَبِيبِ أنْ يَذْكُرَ الخَلِيلَ وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن أحْكامِ الخُلَّةِ لِيَسْتَشِيرَ المُسْتَعِدِّينَ إلى التَّحَلِّي بِما أمْكَنَ لَهم مِنها. والصِّدِّيقُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ القائِمُ مَعَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ عَلى حَدِّ الصِّدْقِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لا يُعارِضُهُ في صِدْقِهِ مُعارِضٌ بِحالٍ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَزّازُ: الصِّدِّيقُ الآخِذُ بِأتَمِّ الحُظُوظِ مِن كُلِّ مَقامٍ سَنِيٍّ حَتّى يَقْرُبَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: مَن تَواتَرَتْ أنْوارُ المُشاهَدَةِ واليَقِينِ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ أنْوارُ العِصْمَةِ. وقالَ القاضِي: هو الَّذِي صَعِدَتْ نَفْسُهُ تارَةً بِمَراقِي النَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ وأُخْرى بِمَعارِجِ التَّصْفِيَةِ والرِّياضَةِ إلى أوْجِ العِرْفانِ حَتّى اطَّلَعَ عَلى الأشْياءِ وأخْبَرَ عَنْها عَلى ما هي عَلَيْهِ، ومَقامُ الصِّدِّيقِيَّةِ قِيلَ: تَحْتَ مَقامِ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بَيْنَهُما مَقامٌ. وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ إثْباتُ مَقامٍ بَيْنَهُما وذَكَرَ أنَّهُ حَصَلَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ( والمَشْهُورُ بِهَذا الوَصْفِ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِيهِ أبِي لَيْلى عَنْ أبِي لَيْلى الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ، حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾، وحِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ وهو أفْضَلُهم» . ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ إلَخْ فِيهِ مِن لُطْفِ الدَّعْوَةِ إلى اتِّباعِ الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى. وهَذا مَطْلُوبٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ مَعَ الأقارِبِ ونَحْوِهِمْ قالَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ هَذا سَلامُ الإعْراضِ عَنِ الأغْيارِ وتَلَطُّفِ الأبْرارِ مَعَ الجُهّالِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ: إنَّهُ لَمّا بَدا مِن آزَرَ في خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَبْدُو إلّا مِن جاهِلٍ جَعَلَ جَوابَهُ السَّلامَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أُهاجِرُ عَنْكم بِدِينِي، ويُفْهَمُ مِنهُ اسْتِحْبابُ هَجْرِ الأشْرارِ. وعَنْ أبِي تُرابٍ النَّخْشَبِيِّ: صُحْبَةُ الأشْرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأخْيارِ، وقَدْ تَضافَرَتِ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ والتَّجْرِبَةُ عَلى أنَّ مُصاحَبَتَهم تُورِثُ القَسْوَةَ وتُثَبِّطُ عَنِ الخَيْرِ ﴿وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ أدَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ، ومَقامُ الخُلَّةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإنَّ مَن لا أدَبَ لَهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُتَّخَذَ خَلِيلًا ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ كَأنَّ ذَلِكَ كانَ عِوَضًا عَمَّنِ اعْتَزَلَ مِن أبِيهِ وقَوْمِهِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ كَما قِيلَ: ولَمّا اعْتَزَلَ نَبِيُّنا ﷺ الكَوْنَ أجْمَعَ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى عُوِّضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ . (واذْكُرْ) أيُّها الحَبِيبُ ﴿فِي الكِتابِ مُوسى﴾ الكَلِيمَ ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ لِلَّهِ تَعالى في سائِرِ شُؤُونِهِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: المُخْلَصُ عَلى الحَقِيقَةِ مَن يَكُونُ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَأدَّبَ بِهِ فَلَمْ يُسامِحْهُ في شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ مِنهُ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قالُوا: النِّداءُ بِدايَةٌ والنَّجْوى نِهايَةٌ، النِّداءُ مَقامُ الشَّوْقِ والنَّجْوى مَقامُ كَشْفِ السِّرِّ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قِيلَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ثِقَلَ الأسْرارِ عَلى صفحة 146 مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاخْتارَ لَهُ أخاهُ هارُونَ مُسْتَوْدَعًا لَها فَهارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَوْدَعُ سِرِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ بِالصَّبْرِ عَلى بَذْلِ نَفْسِهِ أوْ بِما وُعِدَ بِهِ اسْتِعْدادُهُ مِن كَمالِ التَّقْوى لِرَبِّهِ جَلَّ وعَلا والتَّحَلِّي بِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأخْلاقِ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ وهو نَوْعٌ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: السَّماءُ الرّابِعَةُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ بَعْضِ أسْرارِ المَلَكُوتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُحِيطُ نِطاقَ الحَصْرِ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا﴾ مِمّا كَشَفَ لَهم مِن آياتِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ مُجَلِّي لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ (وبُكِيًّا) مِن مَزِيدِ فَرَحِهِمْ بِما وجَدُوهُ أوْ مِن خَوْفِ عَدَمِ اسْتِمْرارِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ التَّجَلِّي: ونَبْكِي إنْ نَأوْا شَوْقًا إلَيْهِمْ ونَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: الرِّزْقُ هاهُنا مُشاهَدَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وهَذا لِعُمُومِ أهْلِ الجَنَّةِ وأمّا المَحْبُوبُونَ والمُشْتاقُونَ فَلا تَنْقَطِعُ عَنْهُمُ المُشاهِدَةُ لَمْحَةً ولَوْ حُجِبُوا لَماتُوا مِن ألَمِ الحِجابِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مَثَلًا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُطْلَبُ مِنهُ شَيْءٌ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَلْ يَسْتَحِقُّ أحَدٌ أنْ يُسَمّى باسِمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ وذَلِكَ لِتَظْهَرَ عَظَمَةُ قَهْرِهِ جَلَّ جَلالُهُ وآثارُ سَطْوَتِهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ جَزاءَ تَقْواهم ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ جَزاءَ ظُلْمِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَمْ أجْرَتْ مِن عُيُونِ العُيُونِ العُيُونِ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَبْكِي ويَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي وارِدُ النّارَ ولا أدْرِي كَيْفَ الصَّدْرُ بَعْدَ الوُرُودِ، وعَنِ الحَسَنِ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ؟ فَيَقُولُ لا فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إذَنْ؟ ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ لِما افْتَخَرُوا بِحُظُوظِ الدُّنْيا الَّتِي لا يَفْتَخِرُ بِها إلّا ذَوُو الهِمَمِ الدَّنِيَّةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَيْسَ بِإكْرامٍ والإشارَةُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو شَرٌّ لِصاحِبِهِ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ رُكْبانًا عَلى نَجائِبِ النُّورِ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بَلَغَنِي عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رُكْبانًا عَلى مُتُونِ المَعْرِفَةِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فَقِيرًا ذَلِيلًا مُنْقادًا مَسْلُوبَ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في القُلُوبِ المَفْطُورَةِ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ أثَرُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهم، وفي الحَدِيثِ ( «لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» ) إلَخْ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَمْقُوتِينَ لِأنَّ الَّذِينَ يَمْقُتُونَهم قَدْ فُطِرَتْ قُلُوبُهم عَلى الشَّرِّ وإنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ بُغْضَ الصّالِحِينَ عَلامَةُ خُبْثِ الباطِنِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقِيلَ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سَيَجْعَلُ لَهم لَذَّةً وحَلاوَةً في الطّاعَةِ، والأخْبارُ تُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ولَهُ الحَمْدُ عَلى إتْمامِ تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ ونَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّوْفِيقَ لِإتْمامِ تَفْسِيرِ سائِرِ سُوَرِ كِتابِهِ المُعَظَّمِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ .

طه 20:1

صفحة 147 سُورَةُ طه وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الكِلِيمِ كَما ذَكَرَ السَّخاوِيُّ في جَمالِ القُرّاءِ وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى آيَةٌ أُخْرى، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: أضافَ النَّبِيُّ ﷺ ضَيْفًا فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أنْ أسْلِفْنِي دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَقالَ: لا إلّا بِرَهْنٍ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: أما واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ فَلَمْ أخْرُجْ مِن عِنْدِهِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ» انْتَهى. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ عَلى القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ مِنها. وآياتُها كَما قالَ الدّانِي مِائَةٌ وأرْبَعُونَ آيَةً شامِيٌّ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ كُوفِيٌّ وأرْبَعٌ حِجازِيٌّ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ. ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِصَصٌ عِدَّةٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها مَبْسُوطٌ كَقِصَّةِ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها بَيْنَ البَسْطِ والإيجازِ كَقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْضُها مُوجَزٌ مُجْمَلٌ كَقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى بَقِيَّةِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إجْمالًا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أجْمَلَها تَعالى هُناكَ فاسْتَوْعَبَها سُبْحانَهُ غايَةَ الِاسْتِيعابِ وبَسَطَها تَبارَكَ وتَعالى أبْلَغَ بَسْطٍ ثُمَّ أشارَ عَزَّ شَأْنُهُ إلى تَفْصِيلِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي وقَعَ في مَرْيَمَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اسْمِهِ ثُمَّ أوْرَدَ جَلَّ جَلالُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَقِيَّةَ قِصَصِ مَن لَمْ يَذْكُرْ قِصَّتَهُ في مَرْيَمَ كَنُوحٍ ولُوطٍ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ واليَسَعَ وذِي الكِفْلِ وذِي النُّونِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأُشِيرَ فِيها إلى قِصَّةِ مَن ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ إشارَةً وجِيزَةً كَمُوسى وهارُونَ وإسْماعِيلَ. وذُكِرَتْ تِلْوَ مَرْيَمَ لِتَكُونَ السُّورَتانِ كالمُتَقابِلَتَيْنِ وبُسِطَتْ فِيها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَسْطَ التّامَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ قَوْمِهِ ولَمْ يُذْكَرْ حالُهُ مَعَ أبِيهِ إلّا إشارَةً كَما أنَّهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ذُكِرَ حالُهُ مَعَ قَوْمِهِ إشارَةً ومَعَ أبِيهِ مَبْسُوطًا، ويَنْضَمُّ إلى ما ذُكِرَ اشْتِراكُ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ في الِافْتِتاحِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ طه نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مَرْيَمَ. ووَجْهُ رَبْطِ أوَّلِ هَذِهِ بِآخِرِ تِلْكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ هُناكَ تَيْسِيرَ القُرْآنِ بِلِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعَلِّلًا بِتَبْشِيرِ المُتَّقِينَ وإنْذارِ المُعانِدِينَ وذَكَرَ تَعالى هُنا ما فِيهِ نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِ ذَلِكَ. وجاءَتْ آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِها. أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ في التَّوْحِيدِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ( طه ) و( يس ) قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» ) وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَؤُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ( طه ) و( يس ) فَإنَّهم يَقْرَؤُونَ بِهِما في الجَنَّةِ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ فَخَّمَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وهو إحْدى صفحة 148 الرِّوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ ووَرْشٍ، والرِّوايَةُ الأُخْرى أنَّهُما فَخَّما الطّاءَ وأمالا الهاءَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأمالَ الحَرْفَيْنِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ولَعَلَّ إمالَةَ الطّاءِ مَعَ أنَّها مِن حُرُوفِ الِاسْتِعْلاءِ، والِاسْتِعْلاءُ يَمْنَعُ الإمالَةَ لِأنَّها تَسْفُلُ لِقَصْدِ التَّجانُسِ وهي مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي تُصَدَّرُ بِها السُّوَرُ الكَرِيمَةُ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ بَلْ قِيلَ: هي كَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتْقِنِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى يا فُلانُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْهُ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وهي الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يا رَجُلُ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: هو كَذَلِكَ بِالنَّبَطِيَّةِ، وقِيلَ: بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ، وقِيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَلَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: لَوْ قُلْتُ في عَكَّ: يا رَجُلُ لَمْ يُجِبْ حَتّى تَقُولَ: - طاها- وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: دَعَوْتُ بَطاها في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَوائِلا وقَوْلَ الآخَرِ: إنَّ السَّفاهَةَ طاها مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ وافَقَتْ تِلْكَ اللُّغَةَ في هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخاطِبْ نَبِيَّهُ ﷺ بِلِسانٍ غَيْرِ لِسانِ قُرَيْشٍ، ولا يَخْفى أنَّ مَسْألَةَ وُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ لُغَةِ قُرَيْشٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ في القُرْآنِ خِلافِيَّةٌ، وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الإتْقانِ، والحَقُّ الوُقُوعُ وتَخَرَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عَكٍّ فَقالَ: لَعَلَّ عَكًّا تَصَرَّفُوا في يا هَذا كَأنَّهم في لُغَتِهِمْ قالِبُونَ الياءَ طاءً فَقالُوا: في ياطا واخْتَصَرُوا هَذا واقْتَصَرُوا عَلى ها. وتَعَقَّبَهُأبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِ العَرَبِ قَلْبُ يا الَّتِي لِلنِّداءِ طاءُ وكَذَلِكَ حَذْفُ اسْمِ الإشارَةِ في النِّداءِ وإقْرارُها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ نَحْوِي. وذُكِرَ في البَيْتِ الأخِيرِ أنَّهُ إنْ صَحَّ فَطه فِيهِ قَسَمٌ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوِ اسْمُ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ شِعْرٌ إسْلامِيٌّ كَقَوْلِهِ ( حم لا يُنْصَرُونَ ) . وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ وهو كَذَلِكَ في المِثالِ وقَدْ رَواهُ النَّسائِيُّ مَرْفُوعًا. ولَفْظُ الخَبَرِ: «إذا لَقِيَكُمُ العَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» ولَيْسَ في سِياقِهِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا يُنْصُرُونَ مُسْتَأْنَفًا والشِّعارُ التَّلَفُّظُ بِحم فَقَطْ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ إذا كانَ شِعارُنا ذَلِكَ فَقِيلَ: لا يُنْصَرُونَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ووَرْشٌ ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ كَبَلْ فَقِيلَ: مَعْناهُ يا رَجُلُ أيْضًا، وقِيلَ: أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ «كانَ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى طه» إلَخْ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ طه الآيَةَ» . والأصْلُ طَأْ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً كَما قالُوا في إيّاكَ وأرَقْتَ ونَكَ هَيّاكَ وهَرَقْتُ ولَهَنَكَ أوْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ في فِعْلِهِ الماضِي والمُضارِعِ ألِفًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: راحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغالُ عَشِيَّةً ∗∗∗ فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكَ المَرْتَعُ وكَما قالُوا في سَألَ سالَ وحُذِفَتْ في الأمْرِ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ الآخِرِ وضُمَّ إلَيْهِ هاءُ السَّكْتِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ لازَمَ خَطا ووَقَفا، ووَقَدَ يُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَتَثْبُتُ لَفْظًا فِيهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ أصْلُ طه صفحة 149 فِي القِراءَةِ المَشْهُورَةِ طاها عَلى أنَّ طا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ وها ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ مِنهُ الألِفانِ ورَسْمُ المُصْحَفِ وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ لَكِنَّ الأصْلَ فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِلْقِياسِ فَلا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِ داعٍ ولَيْسَ هَذِهِ الألِفُ في اسْمٍ ولا وسَطًا كَما في الحَرْثِ ونَحْوِهِ لِتُحْذَفَ لا سِيَّما وفي حَذْفِها لَبْسٌ فَلا يَجُوزُ كَما فُصِّلَ في بابِ الخَطِّ مِنَ التَّسْهِيلِ. واعْتُرِضَ بِهَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِيا رَجُلُ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: تَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى هَذا الأصْلِ ويُعْلَمُ مِنهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ لِقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومَن مَعَهُ أنْ يُقالَ: اكْتَفى مِن طَأْ بِطاءٍ مُتَحَرِّكَةٍ ومِن ها الضَّمِيرَ بِهاءٍ ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُما بِاسْمَيْهِما فَها لَيْسَتْ ضَمِيرًا بَلْ هي كالقافِ في قَوْلِهِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ لا تُكْتَبَ صُورَةُ المُسَمّى بَلْ صُورَةُ الِاسْمِ. وأُجِيبُ بِأنَّ كِتابَةَ الأسْماءِ بِصُوَرِ المُسَمَّياتِ أمْرٌ مَخْصُوصٌ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَقْطَعُ مادَّةَ الإيرادِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لانْفَصَلَ الحَرْفانِ في الخَطِّ بِأنْ يُكْتَبانِ هَكَذا ط هـ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ، والحَقُّ أنَّ دَعْوى أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قَوِيَّةٌ جِدًّا وما قِيلَ عَلَيْها لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما صَحَّ عَنِ السَّلَفِ يُقْبَلُ ولا يُقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ مُوافَقَةِ القِياسِ، وإنْ كانَتِ المُوافَقَةُ هي الأصْلَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُما فَسَّرا طه بِطَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أقِفْ عَلى طَعْنٍ في الرِّوايَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. واخْتُلِفَ في إعْرابِهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في المُرادِ مِنهُ فَهو عَلى ما نُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ افْتُتِحَتْ بِها السُّورَةُ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وكَذا ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا كانَ يَعْتَرِيهِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّعَبِ، فَإنَّ الشَّقاءَ شائِعٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ومِنهُ المَثَلُ أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ذُو العَقْلِ يَشْقى في النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ ∗∗∗ وأخُو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعَمُ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِالمُبالَغَةِ في مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ في مُقاوَلَةِ العُتاةِ ومُحاوَرَةِ الطُّغاةِ وفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ والتَّحَسُّرِ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَةَ بَلْ لِتَبْلُغَ وتَذْكُرَ وقَدْ فَعَلْتَ فَلا عَلَيْكَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لِصَرْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ المُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ في العِبادَةِ كَما سَمِعْتَ فِيما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِنَهْكِ نَفْسِكَ وحَمْلِها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ والشَّدائِدِ الفادِحَةِ وما بُعِثْتَ إلّا بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ والمُطْعِمَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأوْا كَثْرَةَ عِبادَتِهِ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا وإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَيْكَ لِتَشْقى بِهِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِما قالُوا» . والشَّقاءُ في كَلامِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو ضِدُّ السَّعادَةِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ في كَلامِهِ تَعالى مِن بابِ المُشاكَلَةِ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ القُرْآنُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُتَحَدّى بِهِ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ. فَجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقَدْ أُقِيمَ فِيها الظّاهِرُ أعْنِي القُرْآنَ مَقامَ صفحة 150 الضَّمِيرِ الرّابِطِ لِنُكْتَةٍ وهو أنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ يَرْتاحُ لَها فَكَيْفَ يَنْزِلُ لِلشَّقاءِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ عَلى القَوْلَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى إضْمارِ اتْلُ. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ فانْتَصَبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا نَحْوَ قَوْلِهِ: إنَّ عَلى اللَّهِ أنْ تُبايِعا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الجَرَّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ القَسَمِ نَظِيرَ قَوْلِهِ مِن وجْهِ أشارَتْ كُلَيْبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ القَسَمِ جَوابُ القَسَمِ. وجُوِّزَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ السُّورَةَ. وأمْرُ رَبْطِ الجُمْلَةِ عَلى تَقْدِيرِ ابْتِدائِيَّتِهِ وخَبَرِيَّتِها إنْ كانَ القُرْآنُ خاصًّا بِهَذِهِ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ تَعْرِيفِهِ عَهْدِيًّا حُضُورِيًّا ظاهِرٌ. وإنْ كانَ عامًّا فالرَّبْطُ بِهِ لِشُمُولِهِ لِلْمُبْتَدَأِ كَما قِيلَ في نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ. ومَنَعَ بَعْضُهم إرادَةَ السُّورَةِ مُطْلَقًا لِاتِّفاقِ المَصاحِفِ عَلى ذِكْرِ سُورَةٍ في العُنْوانِ مُضافَةٍ إلى طه وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَإنْسانِ زَيْدٍ وقَدْ حَكَمُوا بِقُبْحِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَكادُ يَخْفى حَتّى عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وبَعْضُهم إرادَةُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ قالَ: لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ إنْزالِ القُرْآنِ لِلشَّقاءِ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ الشَّقاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى إنْزالِهِ قَطْعًا إمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ التَّعَبُ أوْ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ ضِدُّ السَّعادَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في إنْزالِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأمّا إنْزالُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ السّابِقِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ عَنْهُ أمّا بِاعْتِبارِ اتِّحادِ القُرْآنِ بِالسُّورَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ فَلِأنَّ مَآلَهُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ السُّورَةُ ما أنْزَلَنا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلَيْها لِتَشْقى، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَها مُخْبَرًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا دَخْلَ لِإنْزالِها في الشَّقاءِ السّابِقِ أصْلًا مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ ا هـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِن أنَّهُ مِن أسْمائِهِ ﷺ يَكُونُ مُنادًى وحُكْمُهُ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ النِّداءِ، ومَحَلُّهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ الحِبْرِ مِن أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ تَبارَكَتْ أسْماؤُهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وعَلى ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ يَكُونُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً وقَدْ مَرَّ لَكَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ أطَؤُها؟ فَقِيلَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ ( ما نَزَّلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ) بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ وبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادِهِ إلى القُرْآنِ.

طه 20:2

صفحة 147 سُورَةُ طه وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الكِلِيمِ كَما ذَكَرَ السَّخاوِيُّ في جَمالِ القُرّاءِ وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى آيَةٌ أُخْرى، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: أضافَ النَّبِيُّ ﷺ ضَيْفًا فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أنْ أسْلِفْنِي دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَقالَ: لا إلّا بِرَهْنٍ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: أما واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ فَلَمْ أخْرُجْ مِن عِنْدِهِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ» انْتَهى. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ عَلى القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ مِنها. وآياتُها كَما قالَ الدّانِي مِائَةٌ وأرْبَعُونَ آيَةً شامِيٌّ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ كُوفِيٌّ وأرْبَعٌ حِجازِيٌّ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ. ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِصَصٌ عِدَّةٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها مَبْسُوطٌ كَقِصَّةِ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها بَيْنَ البَسْطِ والإيجازِ كَقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْضُها مُوجَزٌ مُجْمَلٌ كَقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى بَقِيَّةِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إجْمالًا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أجْمَلَها تَعالى هُناكَ فاسْتَوْعَبَها سُبْحانَهُ غايَةَ الِاسْتِيعابِ وبَسَطَها تَبارَكَ وتَعالى أبْلَغَ بَسْطٍ ثُمَّ أشارَ عَزَّ شَأْنُهُ إلى تَفْصِيلِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي وقَعَ في مَرْيَمَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اسْمِهِ ثُمَّ أوْرَدَ جَلَّ جَلالُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَقِيَّةَ قِصَصِ مَن لَمْ يَذْكُرْ قِصَّتَهُ في مَرْيَمَ كَنُوحٍ ولُوطٍ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ واليَسَعَ وذِي الكِفْلِ وذِي النُّونِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأُشِيرَ فِيها إلى قِصَّةِ مَن ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ إشارَةً وجِيزَةً كَمُوسى وهارُونَ وإسْماعِيلَ. وذُكِرَتْ تِلْوَ مَرْيَمَ لِتَكُونَ السُّورَتانِ كالمُتَقابِلَتَيْنِ وبُسِطَتْ فِيها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَسْطَ التّامَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ قَوْمِهِ ولَمْ يُذْكَرْ حالُهُ مَعَ أبِيهِ إلّا إشارَةً كَما أنَّهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ذُكِرَ حالُهُ مَعَ قَوْمِهِ إشارَةً ومَعَ أبِيهِ مَبْسُوطًا، ويَنْضَمُّ إلى ما ذُكِرَ اشْتِراكُ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ في الِافْتِتاحِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ طه نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مَرْيَمَ. ووَجْهُ رَبْطِ أوَّلِ هَذِهِ بِآخِرِ تِلْكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ هُناكَ تَيْسِيرَ القُرْآنِ بِلِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعَلِّلًا بِتَبْشِيرِ المُتَّقِينَ وإنْذارِ المُعانِدِينَ وذَكَرَ تَعالى هُنا ما فِيهِ نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِ ذَلِكَ. وجاءَتْ آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِها. أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ في التَّوْحِيدِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ( طه ) و( يس ) قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» ) وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَؤُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ( طه ) و( يس ) فَإنَّهم يَقْرَؤُونَ بِهِما في الجَنَّةِ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ فَخَّمَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وهو إحْدى صفحة 148 الرِّوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ ووَرْشٍ، والرِّوايَةُ الأُخْرى أنَّهُما فَخَّما الطّاءَ وأمالا الهاءَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأمالَ الحَرْفَيْنِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ولَعَلَّ إمالَةَ الطّاءِ مَعَ أنَّها مِن حُرُوفِ الِاسْتِعْلاءِ، والِاسْتِعْلاءُ يَمْنَعُ الإمالَةَ لِأنَّها تَسْفُلُ لِقَصْدِ التَّجانُسِ وهي مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي تُصَدَّرُ بِها السُّوَرُ الكَرِيمَةُ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ بَلْ قِيلَ: هي كَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتْقِنِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى يا فُلانُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْهُ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وهي الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يا رَجُلُ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: هو كَذَلِكَ بِالنَّبَطِيَّةِ، وقِيلَ: بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ، وقِيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَلَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: لَوْ قُلْتُ في عَكَّ: يا رَجُلُ لَمْ يُجِبْ حَتّى تَقُولَ: - طاها- وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: دَعَوْتُ بَطاها في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَوائِلا وقَوْلَ الآخَرِ: إنَّ السَّفاهَةَ طاها مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ وافَقَتْ تِلْكَ اللُّغَةَ في هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخاطِبْ نَبِيَّهُ ﷺ بِلِسانٍ غَيْرِ لِسانِ قُرَيْشٍ، ولا يَخْفى أنَّ مَسْألَةَ وُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ لُغَةِ قُرَيْشٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ في القُرْآنِ خِلافِيَّةٌ، وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الإتْقانِ، والحَقُّ الوُقُوعُ وتَخَرَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عَكٍّ فَقالَ: لَعَلَّ عَكًّا تَصَرَّفُوا في يا هَذا كَأنَّهم في لُغَتِهِمْ قالِبُونَ الياءَ طاءً فَقالُوا: في ياطا واخْتَصَرُوا هَذا واقْتَصَرُوا عَلى ها. وتَعَقَّبَهُأبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِ العَرَبِ قَلْبُ يا الَّتِي لِلنِّداءِ طاءُ وكَذَلِكَ حَذْفُ اسْمِ الإشارَةِ في النِّداءِ وإقْرارُها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ نَحْوِي. وذُكِرَ في البَيْتِ الأخِيرِ أنَّهُ إنْ صَحَّ فَطه فِيهِ قَسَمٌ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوِ اسْمُ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ شِعْرٌ إسْلامِيٌّ كَقَوْلِهِ ( حم لا يُنْصَرُونَ ) . وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ وهو كَذَلِكَ في المِثالِ وقَدْ رَواهُ النَّسائِيُّ مَرْفُوعًا. ولَفْظُ الخَبَرِ: «إذا لَقِيَكُمُ العَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» ولَيْسَ في سِياقِهِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا يُنْصُرُونَ مُسْتَأْنَفًا والشِّعارُ التَّلَفُّظُ بِحم فَقَطْ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ إذا كانَ شِعارُنا ذَلِكَ فَقِيلَ: لا يُنْصَرُونَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ووَرْشٌ ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ كَبَلْ فَقِيلَ: مَعْناهُ يا رَجُلُ أيْضًا، وقِيلَ: أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ «كانَ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى طه» إلَخْ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ طه الآيَةَ» . والأصْلُ طَأْ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً كَما قالُوا في إيّاكَ وأرَقْتَ ونَكَ هَيّاكَ وهَرَقْتُ ولَهَنَكَ أوْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ في فِعْلِهِ الماضِي والمُضارِعِ ألِفًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: راحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغالُ عَشِيَّةً ∗∗∗ فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكَ المَرْتَعُ وكَما قالُوا في سَألَ سالَ وحُذِفَتْ في الأمْرِ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ الآخِرِ وضُمَّ إلَيْهِ هاءُ السَّكْتِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ لازَمَ خَطا ووَقَفا، ووَقَدَ يُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَتَثْبُتُ لَفْظًا فِيهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ أصْلُ طه صفحة 149 فِي القِراءَةِ المَشْهُورَةِ طاها عَلى أنَّ طا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ وها ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ مِنهُ الألِفانِ ورَسْمُ المُصْحَفِ وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ لَكِنَّ الأصْلَ فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِلْقِياسِ فَلا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِ داعٍ ولَيْسَ هَذِهِ الألِفُ في اسْمٍ ولا وسَطًا كَما في الحَرْثِ ونَحْوِهِ لِتُحْذَفَ لا سِيَّما وفي حَذْفِها لَبْسٌ فَلا يَجُوزُ كَما فُصِّلَ في بابِ الخَطِّ مِنَ التَّسْهِيلِ. واعْتُرِضَ بِهَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِيا رَجُلُ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: تَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى هَذا الأصْلِ ويُعْلَمُ مِنهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ لِقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومَن مَعَهُ أنْ يُقالَ: اكْتَفى مِن طَأْ بِطاءٍ مُتَحَرِّكَةٍ ومِن ها الضَّمِيرَ بِهاءٍ ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُما بِاسْمَيْهِما فَها لَيْسَتْ ضَمِيرًا بَلْ هي كالقافِ في قَوْلِهِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ لا تُكْتَبَ صُورَةُ المُسَمّى بَلْ صُورَةُ الِاسْمِ. وأُجِيبُ بِأنَّ كِتابَةَ الأسْماءِ بِصُوَرِ المُسَمَّياتِ أمْرٌ مَخْصُوصٌ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَقْطَعُ مادَّةَ الإيرادِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لانْفَصَلَ الحَرْفانِ في الخَطِّ بِأنْ يُكْتَبانِ هَكَذا ط هـ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ، والحَقُّ أنَّ دَعْوى أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قَوِيَّةٌ جِدًّا وما قِيلَ عَلَيْها لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما صَحَّ عَنِ السَّلَفِ يُقْبَلُ ولا يُقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ مُوافَقَةِ القِياسِ، وإنْ كانَتِ المُوافَقَةُ هي الأصْلَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُما فَسَّرا طه بِطَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أقِفْ عَلى طَعْنٍ في الرِّوايَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. واخْتُلِفَ في إعْرابِهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في المُرادِ مِنهُ فَهو عَلى ما نُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ افْتُتِحَتْ بِها السُّورَةُ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وكَذا ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا كانَ يَعْتَرِيهِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّعَبِ، فَإنَّ الشَّقاءَ شائِعٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ومِنهُ المَثَلُ أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ذُو العَقْلِ يَشْقى في النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ ∗∗∗ وأخُو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعَمُ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِالمُبالَغَةِ في مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ في مُقاوَلَةِ العُتاةِ ومُحاوَرَةِ الطُّغاةِ وفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ والتَّحَسُّرِ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَةَ بَلْ لِتَبْلُغَ وتَذْكُرَ وقَدْ فَعَلْتَ فَلا عَلَيْكَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لِصَرْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ المُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ في العِبادَةِ كَما سَمِعْتَ فِيما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِنَهْكِ نَفْسِكَ وحَمْلِها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ والشَّدائِدِ الفادِحَةِ وما بُعِثْتَ إلّا بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ والمُطْعِمَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأوْا كَثْرَةَ عِبادَتِهِ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا وإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَيْكَ لِتَشْقى بِهِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِما قالُوا» . والشَّقاءُ في كَلامِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو ضِدُّ السَّعادَةِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ في كَلامِهِ تَعالى مِن بابِ المُشاكَلَةِ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ القُرْآنُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُتَحَدّى بِهِ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ. فَجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقَدْ أُقِيمَ فِيها الظّاهِرُ أعْنِي القُرْآنَ مَقامَ صفحة 150 الضَّمِيرِ الرّابِطِ لِنُكْتَةٍ وهو أنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ يَرْتاحُ لَها فَكَيْفَ يَنْزِلُ لِلشَّقاءِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ عَلى القَوْلَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى إضْمارِ اتْلُ. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ فانْتَصَبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا نَحْوَ قَوْلِهِ: إنَّ عَلى اللَّهِ أنْ تُبايِعا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الجَرَّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ القَسَمِ نَظِيرَ قَوْلِهِ مِن وجْهِ أشارَتْ كُلَيْبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ القَسَمِ جَوابُ القَسَمِ. وجُوِّزَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ السُّورَةَ. وأمْرُ رَبْطِ الجُمْلَةِ عَلى تَقْدِيرِ ابْتِدائِيَّتِهِ وخَبَرِيَّتِها إنْ كانَ القُرْآنُ خاصًّا بِهَذِهِ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ تَعْرِيفِهِ عَهْدِيًّا حُضُورِيًّا ظاهِرٌ. وإنْ كانَ عامًّا فالرَّبْطُ بِهِ لِشُمُولِهِ لِلْمُبْتَدَأِ كَما قِيلَ في نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ. ومَنَعَ بَعْضُهم إرادَةَ السُّورَةِ مُطْلَقًا لِاتِّفاقِ المَصاحِفِ عَلى ذِكْرِ سُورَةٍ في العُنْوانِ مُضافَةٍ إلى طه وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَإنْسانِ زَيْدٍ وقَدْ حَكَمُوا بِقُبْحِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَكادُ يَخْفى حَتّى عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وبَعْضُهم إرادَةُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ قالَ: لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ إنْزالِ القُرْآنِ لِلشَّقاءِ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ الشَّقاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى إنْزالِهِ قَطْعًا إمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ التَّعَبُ أوْ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ ضِدُّ السَّعادَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في إنْزالِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأمّا إنْزالُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ السّابِقِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ عَنْهُ أمّا بِاعْتِبارِ اتِّحادِ القُرْآنِ بِالسُّورَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ فَلِأنَّ مَآلَهُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ السُّورَةُ ما أنْزَلَنا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلَيْها لِتَشْقى، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَها مُخْبَرًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا دَخْلَ لِإنْزالِها في الشَّقاءِ السّابِقِ أصْلًا مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ ا هـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِن أنَّهُ مِن أسْمائِهِ ﷺ يَكُونُ مُنادًى وحُكْمُهُ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ النِّداءِ، ومَحَلُّهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ الحِبْرِ مِن أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ تَبارَكَتْ أسْماؤُهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وعَلى ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ يَكُونُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً وقَدْ مَرَّ لَكَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ أطَؤُها؟ فَقِيلَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ ( ما نَزَّلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ) بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ وبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادِهِ إلى القُرْآنِ.

طه 20:3

﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ أيْ ما أنْزَلْناهُ لِشَقائِكَ لَكِنْ تَذْكِيرًا ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ لِمَن شَأْنُهُ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى ويَتَأثَّرَ بِالإنْذارِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ ولِينِ عَرِيكَتِهِ أوْ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَخْشى بِالتَّخْوِيفِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَذْكِرَةٍ أوْ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لَها، وخُصَّ الخاشِي بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ لِتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ فَإنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( تَذْكِرَةً ) مَفْعُولًا لَهُ لِأنْزَلْنا، وانْتَصَبَ لِاسْتِجْماعِ الشَّرائِطِ بِخِلافِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِعَدَمِ اتِّحادِ الفاعِلِ فِيهِ، والمَشْهُورُ عَنِ الجُمْهُورِ اشْتِراطُهُ لِلنَّصْبِ فَلِذا جُرَّ، ويَجُوزُ تَعَدُّدُ العِلَّةِ بِدُونِ عَطْفٍ وإبْدالٍ إذا اخْتَلَفَتْ جِهَةُ العَمَلِ كَما هُنا لِظُهُورِ أنَّ الثّانِيَ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ والأوَّلَ جارٌّ ومَجْرُورٌ، وكَذا إذا اتَّحَدَتْ وكانَتْ إحْدى العِلَّتَيْنِ عِلَّةً لِلْفِعْلِ والأُخْرى عِلَّةً لَهُ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ نَحْوَ أكْرَمْتُهُ لِكَوْنِهِ غَرِيبًا لِرَجاءِ الثَّوابِ أوْ كانَتِ العِلَّةُ الثّانِيَةُ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ الأُولى نَحْوَ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ تَعالى التّائِبَ لِمَغْفِرَتِهِ لَهُ لِإسْلامِهِ، فَما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ صفحة 151 تَعَدُّدُ العِلَّةِ بِدُونِ اتِّباعٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وفِي الكَشْفِ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَحْتَمِلَ مَشاقَّهُ ومَتاعِبَهُ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً، وحاصِلُهُ أنَّهُ نَظِيرُ ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا، ويَرْجِعُ المَعْنى إلى ما أدَّبْتُكَ بِالضَّرْبِ إلّا لِلْإشْفاقِ، كَذَلِكَ المَعْنى هُنا ما أشْقَيْناكَ بِإنْزالِ القُرْآنِ إلّا لِلتَّذْكِرَةِ، وحاصِلُهُ حَسْبُكَ ما حَمَلْتَهُ مِن مَتاعِبِ التَّبْلِيغِ ولا تُنْهِكْ بَدَنَكَ فَفي ذَلِكَ بِلاغٌ ا هـ. واعْتُرِضَ القَوْلُ بِجَعْلِهِ نَظِيرَ ما ضَرَبَتْكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا بِأنَّهُ يَجِبُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ مُلابَسَةٌ بِالسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ حَتْمًا كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، وفي قَوْلِكَ: ما شافَهْتُهُ بِالسُّوءِ لِيَتَأذّى إلّا زَجْرًا لِغَيْرِهِ فَإنَّ التَّأْدِيبَ في الأوَّلِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإشْفاقِ والتَّأذِّي في الثّانِي سَبَبٌ لِزَجْرِ الغَيْرِ، وما بَيْنَ الشَّقاءِ والتَّذْكِرَةِ تَنافٍ ظاهِرٌ، ولا يُجْدِي أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَبُ في الجُمْلَةِ المُجامِعِ لِلتَّذْكِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ أنْ لَوْ قِيلَ مَكانَ ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ إلّا تَكْثِيرًا لِثَوابِكَ فَإنَّ الأجْرَ بِقَدْرِ التَّعَبِ كَما في الحَدِيثِ انْتَهى. ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ المُلابَسَةَ المَذْكُورَةَ أوْ يَدَّعِي تَحَقُّقَها بَيْنَهُما في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ التَّذْكِرَةَ أيِ التَّذْكِيرَ سَبَبٌ لِلتَّعَبِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُ المُدَقِّقِ في الحاصِلِ الأخِيرِ: حَسْبُكَ ما حَمَلْتَهُ مِن مَتاعِبِ التَّبْلِيغِ إلَخْ، وقَدْ خَفِيَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى ابْنِ المُنِيرِ فَقالَ: إنَّ فِيهِ بُعْدًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الشَّقاءُ سَبَبَ النُّزُولِ وإنْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ سَبَبِيَّةً وكانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ مَثَلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِهِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ مِن نَهْيِهِ عَنِ الشَّقاءِ والحُزْنِ عَلى الكَفَرَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ وكَأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ مُنافِيًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ ا هـ، وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى المُرادِ أنْ لا مُنافاةَ. نَعَمْ بَعُدَ هَذا الوَجْهُ، وكَوْنُ الآيَةِ نَظِيرُ ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا مِمّا يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الكافِ أوِ (القُرْآنَ) والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِالصِّفَةِ أوْ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ. وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِنَ (القُرْآنَ) . والزَّجّاجُ كَوْنَها بَدَلًا مِن مَحَلِّ (لِتَشْقى) لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن غَيْرِ المُوجِبِ يَجُوزُ فِيهِ الإبْدالُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مُتَّصِلًا بِأنْ كانَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ والبَدَلِيَّةُ حِينَئِذٍ البَدَلِيَّةُ البَعْضِيَّةُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: بَدَلِيَّةُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، ولا يَخْفى عَدَمُ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بَيْنَ التَّذْكِرَةِ والشَّقاءِ. والقَوْلُ بِبَدَلِيَّةِ الِاشْتِمالِ في مِثْلِ ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ البَدَلِيَّةِ هُنا بِناءً عَلى أنَّ التَّذْكِرَةَ تَشْتَمِلُ عَلى التَّعَبِ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ. واعْتِبارُها لِهَذا الِاشْتِمالِ مِن جِنْسِ الشَّقاءِ فَكَأنَّها مُتَّحِدَةٌ مَعَهُ لا يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلًا كَما قِيلَ، وقَدْ سَمِعْتَ اشْتِراطَهُ، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ لَيْسَ بِالوَجِيهِ وقَدْ أنْكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى الزَّجّاجِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ لَأنْزَلْنا (ولِتَشْقى) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُرْآنِ أيْ ما أنْزَلْنا القُرْآنَ الكائِنَ أوِ المُنَزَّلَ لِتَعَبِكَ إلّا تَذْكِرَةً، وفِيهِ تَقْدِيرُ المُتَعَلِّقِ مَقْرُونًا بِاللّامِ وحُذِفَ المَوْصُولُ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ وقَدْ أباهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وكَوْنُ ألْ حَرْفَ تَعْرِيفِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ لَكِنْ ذَكَّرْناهُ بِهِ تَذْكِرَةً،

طه 20:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ كَذَلِكَ أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. وقِيلَ: لِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ فَإنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِأنْ يُقالَ: إنّا أنْزَلْناهُ لِلتَّذْكِرَةِ والأوَّلُ أنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الِالتِفاتِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ. وقِيلَ: بِيَخْشى عَلى المَفْعُولِيَّةِ. واسْتَبْعَدَهُما أبُو حَيّانَ وعَدَّ صفحة 152 الثّانِيَ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ( يَخْشى ) رَأْسُ آيَةٍ فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ (تَنْزِيلًا) مَفْعُولَهُ. وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّ تَعْلِيقَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ ونَظائِرِهِما بِمُطْلَقِ التَّنْزِيلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. نَعَمْ قَدْ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أجْزائِهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الوَعِيدِ ونَحْوِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى المُنَزَّلَ مِن قادِرٍ قاهِرٍ وهو مِمّا لا خَلَلَ فِيهِ، وأمْرُ عَدَمِ المَعْهُودِيَّةِ سَهْلٌ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن (تَذْكِرَةً) بِناءً عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الكافِ أوْ (القُرْآنَ) كَما نُقِلْ سابِقًا وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنْ جَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَنْقاسُ، ومَعَ هَذا فِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، ولَمْ تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ مِنها عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ لِأنْزَلْنا لَفْظًا أوْ مَعْنًى لِأنَّ البَدَلَ هو المَقْصُورُ فَيَصِيرُ المَعْنى أنْزَلْناهُ لِأجْلِ التَّنْزِيلِ وفي ذَلِكَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ إنْ كانَ الإنْزالُ والتَّنْزِيلُ بِمَعْنًى بِحَسَبِ الوَضْعِ أوْ بِنَوْعِهِ إنْ كانَ الإنْزالُ عامًّا والتَّنْزِيلُ مَخْصُوصًا بِالتَّدْرِيجِيِّ وكِلاهُما لا يَجُوزُ. وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ ( تَنْزِيلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو تَنْزِيلٌ ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى المَوْصُولِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ بَعْدَ نِسْبَةِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِحَسَبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إثْرَ بَيانِها بِحَسَبِ الذّاتِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ تَقْرِيرٍ. واحْتِمالُ كَوْنِ (أنْزَلْنا) إلَخْ حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرائِيلَ والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ. وتَخْصِيصُ خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُرادَ خَلْقُهُما بِجَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما كَما يُؤْذَنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ لِأصالَتِهِما واسْتِتْباعِهِما لِما عَداهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما ما في جِهَةِ السُّفْلِ وما في جِهَةِ العُلُوِّ، وتَقْدِيمُ خَلْقِ الأرْضِ قِيلَ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ في الوُجُودِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ كَما هو ظاهِرُ آيَةِ حم السَّجْدَةِ ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ الآيَةَ. وكَذا ظاهِرُ آيَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ الآيَةَ. ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلَقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ لِتَقْدِيمِ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ في مُعْظَمِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرا فِيها واقْتِضاءُ الحِكْمَةِ تَقْدِيمُ خَلْقِ الأشْرَفِ والسَّماءُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ ذاتًا وصِفَةً مَعَ ظاهِرِ آيَةِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ الآيَةَ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ بِمَعْنى إيجادِها بِمادَّتِها قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُها بِمَعْنى إظْهارِها بِآثارِها بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وبِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الآياتِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ تَعارُضُها، وتَقْدِيمُ السَّماواتِ في الذِّكْرِ عَلى الأرْضِ تارَةً والعَكْسُ أُخْرى بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ وهو أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، وعَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ فَتَقْدِيمُ خَلْقِ الأرْضِ هُنا قِيلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي هو مِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ويَرْمُزُ إلَيْهِ ما قَبْلُ فَإنَّ الأنْعامَ عَلى النّاسِ بِخَلْقِ الأرْضِ أظْهَرُ وأتَمُّ وهي أقْرَبُ إلى الحِسِّ. وقِيلَ: لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمُفْتَتَحِ السُّورَةِ بِناءً عَلى جَعْلِ طه جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أيْ طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ إحْدى رِجْلَيْهِ عَنِ الأرْضِ في الصَّلاةِ كَما جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ ووَصْفِ السَّماواتِ بِالعُلى وهو جَمْعُ العُلْيا كالكُبْرى تَأْنِيثُ الأعْلى لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ مَعَ ما فِيهِ صفحة 153 مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ وكُلُّ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَسُوقٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنْزِلِ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعِ لِتَعْظِيمِ المَنزِلِ الدّاعِي إلى اسْتِنْزالِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ رُتْبَةِ العُلُوِّ والطُّغْيانِ واسْتِمالَتِهِمْ إلى التَّذَكُّرِ والإيمانِ.

طه 20:5

﴿الرَّحْمَنُ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ أيْ هو الرَّحْمَنُ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (خَلَقَ) وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ فَقالَ: أرى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ البَدَلَ يَحِلُّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ ولا يَحِلُّ هاهُنا لِئَلّا يَلْزَمَ خُلُوُّ الصِّلَةِ مِنَ العائِدِ ا هـ، ومَنَعَ بَعْضُهم لُزُومَ اطِّرادِ الحُلُولِ ثُمَّ قالَ: عَلى تَسْلِيمِهِ يَجُوزُ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ كَما في قَوْلِهِ: وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ نَعَمِ اعْتِبارُ البَدَلِيَّةِ خِلافَ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً واللّامُ لِلْعَهْدِ والإشارَةُ إلى المَوْصُولِ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ويُقَدَّرُ هو ويُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ عَلى احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يُجْعَلُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِما قُدِّرَ أوَّلًا عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ، ورَوى جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ ( الرَّحْمَنِ ) بِالجَرِّ، وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَن. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ النَّواقِصَ الَّتِي لا تَتِمُّ إلّا بِصَلاتِها كَمَن وما لا يَجُوزُ نَعْتُها إلّا الَّذِي والَّتِي فَيَجُوزُ نَعْتُهُما فَعِنْدَهم لا يَجُوزُ هَذا التَّخْرِيجُ فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ (الرَّحْمَنُ) بَدَلًا مِن (مَن) وقَدْ جَرى في القُرْآنِ مَجْرى العَلَمِ في وُقُوعِهِ بَعْدَ العَوامِلِ، وقِيلَ: إنَّ ( مَن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وجُمْلَةُ (خَلَقَ) صِفَتُها (والرَّحْمَنُ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ ولَيْسَ ذاكَ مِن وصْفِ الأسْماءِ النَّواقِصِ الَّتِي لا تَتِمُّ إلّا بِصِلاتِها غايَةَ ما في البابِ أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ وهو جائِزٌ ا هـ وهو كَما تَرى. وجُمْلَةُ ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرٌ هو مُقَدَّرًا، والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى كُلِّ الِاحْتِمالاتِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَوى قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، و(العَرْشُ) في اللُّغَةِ سَرِيرُ المُلْكِ وفي الشَّرْعِ سَرِيرٌ ذُو قَوائِمَ لَهُ حَمَلَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَوْقَ السَّماواتِ مِثْلَ القُبَّةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ قَوائِمَ ما أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لَطَمَ وجْهَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ رَجُلٌ مِن أصْحابِكَ قَدْ لَطَمَ وجْهِي فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ادْعُوهُ فَقالَ: لِمَ لَطَمْتَ وجْهَهُ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مَرَرْتُ بِالسُّوقِ وهو يَقُولُ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ فَقُلْتُ: يا خَبِيثُ وعَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ فَإنَّ النّاسَ يَصْعَقُونَ وأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ فَإذا أنا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ، وعَلى أنَّ لَهُ حَمْلَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾» . وما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ( «أذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ أنَّ ما بَيْنَ أُذُنَيْهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ» ) وعَلى أنَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ مِثْلُ القُبَّةِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ أيْضًا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعَمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جَهَدَتِ الأنْفُسُ ونُهِكَتِ الأمْوالُ أوْ هَلَكَتْ، فاسْتَسْقِ لَنا فَإنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى اللَّهِ تَعالى ونَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( ويْحَكَ أتَدْرِي ما تَقُولُ؟ وسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَما زالَ يُسَبِّحُ حَتّى عُرِفَ ذَلِكَ صفحة 154 فِي وُجُوهِ أصْحابِهِ ثُمَّ قالَ: ويْحَكَ إنَّهُ لا يَسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويْحَكَ أتَدْرِي ما اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ، وعَرْشُهُ فَوْقَ سَماواتِهِ لَهَكَذا وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ- وإنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ الجَدِيدِ بِالرّاكِبِ» ) ومِن شَعْرٍ أُمَيَّةَ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ: مَجِّدُوا اللَّهَ فَهو لِلْمَجْدِ أهْلٌ ∗∗∗ رَبُّنا في السَّماواتِ أمْسى كَبِيرًا بِالبِناءِ العالِي الَّذِي بَهَرَ النّا ∗∗∗ سَ وسَوّى فَوْقَ السَّماءِ سَرِيرًا شَرْجَعًا لا يَنالُهُ طَرْفُ العَ ∗∗∗ يْنِ تَرى حَوْلَهُ المَلائِكُ صُوَرًا وذَهَبَ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكَلامِ إلى أنَّهُ مُسْتَدِيرٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ مُحِيطٌ بِالعالَمِ مِن كُلِّ جِهَةٍ وهو مُحَدَّدُ الجِهاتِ ورُبَّما سَمَّوْهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ والفَلَكَ التّاسِعَ. وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ شُرّاحِ عَقِيدَةِ الطَّحاوِيِّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِما ثَبَتَ في الشَّرْعِ مِن أنَّ لَهُ قَوائِمَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأيْضًا أخْرَجا في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ )» والفَلَكُ التّاسِعُ عِنْدَهم مُتَحَرِّكٌ دائِمًا بِحَرَكَةٍ مُتَشابِهَةٍ، ومَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاهْتِزازِهِ اسْتِبْشارُ حَمَلَةِ العَرْشِ وفَرَحُهم فَلا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ عَلى أنَّ سِياقَ الحَدِيثِ ولَفْظَهُ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي الحَسَنِ الطَّبَرِيِّ، وغَيْرِهِ بَعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ، وأيْضًا جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الحارِثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَهُ زِنَةٌ هي أثْقَلُ الأوْزانِ، والفَلَكُ عِنْدَهم لا ثَقِيلٌ ولا خَفِيفٌ، وأيْضًا العَرَبُ لا تَفْهَمُ مِنهُ الفَلَكَ، والقُرْآنُ إنَّما نَزَلَ بِما يَفْهَمُونَ. وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ أبِي داوُدَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ التَّقْبِيبُ وهو لا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِدارَةَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ كَما في الفَلَكِ، ولا بُدَّ لَها مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ إلى الآنِ بَلْ إلى أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ لا دَلِيلَ لَهم عَلى حَصْرِ الأفْلاكِ في تِسْعَةٍ ولا عَلى أنَّ التّاسِعَ أطْلَسُ لا كَوْكَبَ فِيهِ وهو غَيْرُ الكُرْسِيِّ عَلى الصَّحِيحِ فَقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ» ) . ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في كِتابِ صِفَةِ العَرْشِ. والحاكِمُ في مُسْتَدْرِكِهِ وقالَ: إنَّهُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ والعَرْشُ لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا والصَّوابُ وقْفُهُ عَلى الحَبْرِ، وقِيلَ: العَرْشُ كِنايَةٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ. وتَعَقَّبَهُ ذَلِكَ البَعْضُ بِأنَّهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَيْفَ يَصْنَعُ قائِلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيَقُولُ ويَحْمِلُ مُلْكَهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ( «فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ» ) أيَقُولُ آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ المُلْكِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَقُولُهُما مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ، وكَذا يُقالُ: أيَقُولُ في ( «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» ) الحَدِيثَ، اهْتَزَّ مُلْكُ الرَّحْمَنِ وسُلْطانُهُ، وفِيما رَواهُ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»، فَهو عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوْقَ المُلْكِ والسُّلْطانِ وهَذا كَذَيْنِكَ القَوْلَيْنِ، والِاسْتِواءُ عَلى الشَّيْءِ جاءَ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ عَلَيْهِ وبِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾، و﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ وحَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهِ صفحة 155 تَعالى قِيلَ: الِاسْتِواءُ هُنا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ كَما في قَوْلِهِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاسْتِيلاءَ مَعْناهُ حُصُولُ الغَلَبَةِ بَعْدَ العَجْزِ، وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى، وأيْضًا إنَّما يُقالُ: اسْتَوْلى فُلانٌ عَلى كَذا إذا كانَ لَهُ مُنازِعٌ يُنازِعُهُ وهو في حَقِّهِ تَعالى مُحالٌ أيْضًا، وأيْضًا إنَّما يُقالُ ذَلِكَ إذا كانَ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ مَوْجُودًا قَبْلُ والعَرْشُ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ سُبْحانَهُ، وأيْضًا الِاسْتِيلاءُ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَخْلُوقاتِ فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. وأجابَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ إذا فَسَّرَ الِاسْتِيلاءَ بِالِاقْتِدارِ زالَتْ هَذِهِ المَطاعِنُ بِالكُلِّيَّةِ، ولا يَخْفى حالُ هَذا الجَوابِ عَلى المُنْصِفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ وهو سَرِيرُ المُلْكِ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُلْكِ جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ فَقالُوا: اسْتَوى فُلانٌ عَلى العَرْشِ يُرِيدُونَ مَلَكَ وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى العَرْشِ البَتَّةَ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ حُصُولِ المُلْكِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أشْرَحُ وأبْسَطُ وأدَلُّ عَلى صُورَةِ الأمْرِ ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ ويَدُ فُلانٍ مَغْلُولَةٌ بِمَعْنى أنَّهُ جَوادٌ أوْ بَخِيلٌ لا فَرْقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ إلّا فِيما قُلْتَ حَتّى أنَّ مَن لَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ قَطُّ بِالنَّوالِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ يَدٌ رَأْسًا قِيلَ فِيهِ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ لِمُساواتِهِ عِنْدَهم قَوْلَهم: جَوادٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ عَنَوُا الوَصْفَ بِالبُخْلِ، ورُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ ولا غَلٍّ ولا بَسْطٍ انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ قائِلًا: إنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الِاسْتِغْراقُ في خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ نَعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ المُرادُ مِنهُ تَخْلِيصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ يَدِ ذَلِكَ الظّالِمِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ نارٌ وخِطابٌ البَتَّةَ. وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ القانُونُ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا إذا قامَتْ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْهُ، ولَيْتَ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَخُضْ فِيهِ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن فَتْحِ البابِ في هَذِهِ الآيَةِ انْفِتاحُ تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ إذْ لا داعِيَ لَها هُناكَ والدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ بِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوِيٌّ عِنْدَهُ، ولَعَلَّهُ الفِرارُ مِن لُزُومِ المُحالِ مَعَ رِعايَةِ جَزالَةِ المَعْنى، فَإنَّ ما اخْتارَهُ أجْزَلُ مِن مَعْنى الِاسْتِيلاءِ سَواءٌ كانَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا لِلِاسْتِواءِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الصَّحّاحِ والقامُوسِ وغَيْرِهِما أوْ مَجازِيًّا كَما هو ظاهِرُ جَعْلِهِمُ الحَمْلَ عَلَيْهِ تَأْوِيلًا، واسْتَدَلَّ الإمامُ عَلى بُطْلانِ إرادَةِ المَعْنى الظّاهِرِ بِوُجُوهٍ. الأوَّلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشٍ ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى ما كانَ غَنِيًّا عَنْهُ. الثّانِي أنَّ المُسْتَقِرَّ عَلى العَرْشِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرِ الجُزْءِ الحاصِلِ مِنهُ في يَسارِهِ، فَيَكُونُ سُبْحانَهُ وتُعْلى في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا وهو مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى لِلُزُومِ الحُدُوثِ. الثّالِثُ أنَّ المُسْتَقِرَّ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ ويَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وهو قَوْلٌ بِالحُدُوثِ أوْ لا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ جَلَّ وعَلا كالزَّمَنِ بَلْ أسْوَأُ حالًا مِنهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الرّابِعُ أنَّهُ إنْ قِيلَ بِتَخْصِيصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا المانِّ وهو العَرْشُ احْتِيجَ إلى مُخَصِّصٍ وهو افْتِقارٌ يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنْ قِيلَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَحْصُلُ بِكُلِّ مَكانٍ لَزِمَ ما لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. الخامِسُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عامٌ في نَفْيِ المُماثَلَةِ فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الآيَةَ. السّادِسُ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْمُولًا صفحة 156 لِلْمَلائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ وحامِلُ حامِلِ الشَّيْءِ حامِلٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، وكَيْفَ يَحْمِلُ المَخْلُوقَ خالِقَهُ. السّابِعُ أنَّهُ لَوْ كانَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا يَنْسَدُّ بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرُ الثّامِنُ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ وبِالعَكْسِ فَيَلْزَمُ مِن إثْباتِ جِهَةِ الفَوْقِ لِلْمَعْبُودِ سُبْحانَهُ إثْباتُ الجِهَةِ المُقابَلَةُ لَها أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المَعْبُودُ تَحْتُ. التّاسِعُ أنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ مِنَ المُحْكَماتِ وعَلى فَرْضِ الِاسْتِقْرارِ عَلى العَرْشِ يَلْزَمُ التَّرْكِيبَ والِانْقِسامَ فَلا يَكُونُ سُبْحانَهُ وتَعالى أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ ذَلِكَ المُحْكَمُ. العاشِرُ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَلَوْ كانَ تَعالى مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ لَكانَ جِسْمًا آفِلًا أبَدًا فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ هَذا القَوْلِ انْتَهى. ثُمَّ إنَّهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ضَعْفَ القَوْلِ بِأنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يَشْعُرُ بِهِ الظّاهِرُ بَلْ مُرادُهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنْ لا نُعَيِّنُ ذَلِكَ المُرادَ خَوْفًا مِنَ الخَطَأِ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خاطَبَنا بِلِسانِ العَرَبِ وجَبَ أنْ لا نُرِيدَ بِاللَّفْظِ إلّا مَوْضُوعَهُ في لِسانِهِمْ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلِاسْتِواءِ في لِسانِهِمْ إلّا الِاسْتِقْرارُ والِاسْتِيلاءُ وقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ وإلّا لَزِمَ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ فَقالَ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: طَرِيقَةُ التَّأْوِيلِ بِشَرْطِهِ وهو قُرْبُ التَّأْوِيلِ أقْرَبَ إلى الحَقِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خاطَبَ العَرَبَ بِما يَعْرِفُونَهُ وقَدْ نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى مُرادِهِ مِن آياتِ كِتابِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾، و﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ، فَمَن وقَفَ عَلى الدَّلِيلِ أفْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى مُرادَهُ مِن كِتابِهِ وهو أكْمَلُ مِمَّنْ لَمْ يَقِفْ عَلى ذَلِكَ إذْ لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وفِيهِ تَوَسُّطٌ في المَسْألَةِ. وقَدْ تَوَسَّطَ ابْنُ الهُمامِ في المُسايَرَةِ وقَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ كَما قالَ عَصْرَيْنا ابْنُ عابِدِينَ الشّامِيُّ في رَدِّ المُخْتارِ حاشِيَةِ الدُّرِّ المُخْتارِ تَوَسُّطًا أخَصَّ مِن هَذا التَّوَسُّطِ، فَذَكَرَ ما حاصِلُهُ وُجُوبُ الإيمانِ بِأنَّهُ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وأمّا كَوْنُ المُرادِ اسْتَوْلى فَأمْرٌ جائِزُ الإرادَةِ لا واجِبُها إذْ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وإذا خِيفَ عَلى العامَّةِ عَدَمُ فَهْمِ الِاسْتِواءِ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ إلّا بِالِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِن لَوازِمَ الجِسْمِيَّةِ فَلا بَأْسَ بِصَرْفِ فَهْمِهِمْ إلى الِاسْتِيلاءِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ لُغَةً في قَوْلِهِ: فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ جَعَلْناهم مَرْعًى لِنَسْرٍ وطائِرُ وقَوْلِهِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرُ البَيْتِ المَشْهُورِ. وعَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ كُلُّ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ الجِسْمِيَّةُ في الشّاهِدِ كالإصْبَعِ والقَدَمِ واليَدِ. ومُخَلِّصُ ذَلِكَ التَّوَسُّطِ في القَرِيبِ بَيْنَ أنْ تَدْعُوَ الحاجَةُ إلَيْهِ لِخَلَلٍ في فَهْمِ العَوامِّ وبَيْنَ أنْ لا تَدْعُوَ لِذَلِكَ. ونَقَلَ أحْمَدُ زَرُّوقٌ عَنْ أبِي حامِدٍ أنَّهُ قالَ: لا خِلافَ في وُجُوبِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ تَعْيِينِ شُبْهَةٍ لا تَرْتَفِعُ إلّا بِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ طَرِيقَةَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ وأساطِينِ الإسْلامِ الإمْساكُ عَنِ التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ مِنهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ والإمامُ مالِكٌ والإمامُ أحْمَدُ والإمامُ الشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ المَرْوَزِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ وأبُو مُعاذٍ خالِدُ بْنُ سُلَيْمانَ صاحِبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ. ونَقَلَ القاضِي أبُو العَلاءِ صاعِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ في كِتابِ الِاعْتِقادِ عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَنْطِقَ في اللَّهِ تَعالى بِشَيْءٍ مِن ذاتِهِ ولَكِنْ يَصِفُهُ بِما وصَفَ سُبْحانَهُ بِهِ نَفْسَهُ ولا يَقُولُ فِيهِ صفحة 157 بِرَأْيِهِ شَيْئًا تَبارَكَ اللَّهُ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في مَناقِبِ الشّافِعِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى قالَ: سَمِعْتُ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى أسْماءُ وصَفاتٌ لا يَسَعُ أحَدًا رَدُّها ومَن خالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ كَفَرَ، وأمّا قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ فَإنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ لِأنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ ولا الرُّؤْيَةِ والفِكْرِ فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفاتِ ونَنْفِي عَنْها التَّشْبِيهَ كَما نَفى سُبْحانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي أنَّهُ قَدِ اتَّفَقَ عَلى ذَلِكَ أهْلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ وهم خَيْرُ القُرُونِ بِشَهادَةِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَلامُ إمامِ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ يَمِيلُ إلى طَرِيقَةِ التَّأْوِيلِ وكَلامُهُ في الرِّسالَةِ النِّظامِيَّةِ مُصَرِّحٌ بِاخْتِيارِهِ طَرِيقَةَ التَّفْوِيضِ حَيْثُ قالَ فِيها: والَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا ونَدِينُ بِهِ عَقْدًا اتِّباعُ سَلَفِ الأُمَّةِ فالأوْلى الِاتِّباعُ وتَرْكُ الِابْتِداعِ، والدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ القاطِعُ في ذَلِكَ إجْماعُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَإنَّهم دَرَجُوا عَلى تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَعانِي المُتَشابِهاتِ مَعَ أنَّهم كانُوا لا يَأْلُونَ جُهْدًا في ضَبْطِ قَواعِدِ المِلَّةِ والتَّواصِي بِحِفْظِها وتَعْلِيمِ النّاسِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنها، فَلَوْ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ مَسْنُونًا أوْ مَحْتُومًا لَأوْشَكَ أنْ يَكُونَ اهْتِمامُهم بِها فَوْقَ الِاهْتِمامِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وقَدِ اخْتارَهُ أيْضًا الإمامُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ في اخْتِلافِ المُضِلِّينَ ومَقالاتِ الإسْلامِيِّينَ، وفي كِتابِهِ الإبانَةِ في أُصُولِ الدِّيانَةِ وهو آخِرُ مُصَنَّفاتِهِ فِيما قِيلَ، وقالَ البَيْضاوِيُّ في الطَّوالِعِ: والأوْلى اتِّباعُ السَّلَفِ في الإيمانِ بِهَذِهِ الأشْياءِ- يَعْنِي المُتَشابِهاتِ- ورَدُّ العَلَمِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ نَفْيِ ما يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ والتَّجْسِيمَ عَنْهُ تَعالى انْتَهى. وعَلى ذَلِكَ جَرى مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مِنهم أنَّهم قالُوا: إنَّ النّاسَ ما احْتاجُوا إلى تَأْوِيلِ الصِّفاتِ إلّا مِن ذُهُولِهِمْ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ حَقِيقَتَهُ تَعالى مُخالِفَةٌ لِسائِرِ الحَقائِقِ، وإذا كانَتْ مُخالَفَةً فَلا يَصِحُّ في آياتِ الصِّفاتِ قَطُّ تَشْبِيهٌ إذِ التَّشْبِيهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ مُوافَقَةِ حَقِيقَتِهِ تَعالى لِحَقائِقِ خَلْقِهِ وذَلِكَ مُحالٌ. وعَنِ الشَّعَرانِيِّ أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ فَقَدْ جَهِلَ أوَّلًا وآخِرًا أمّا أوَّلًا فَبِتَعَقُّلِهِ صِفَةَ التَّشْبِيهِ في جانِبِ الحَقِّ وذَلِكَ مُحالٌ، وأما آخِرًا فَلِتَأْوِيلِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى وجْهٍ لَعَلَّهُ لا يَكُونُ مُرادَ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. وفِي الدُّرَرِ المَنثُورَةِ لَهُ أنَّ المُؤَوَّلَ انْتَقَلَ عَنْ شَرْحِ الِاسْتِواءِ الجُثْمانِيِّ عَلى العَرْشِ المَكانِيِّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ إلى التَّشْبِيهِ بِالأمْرِ السُّلْطانِيِّ الحادِثِ، وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى المَكانِ فَهو انْتِقالٌ عَنِ التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ ما إلى التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ آخَرَ فَما بَلَغَ عَقْلُهُ في التَّنْزِيهِ مَبْلَغَ الشَّرْعِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ألا تَرى أنَّهُ اسْتَشْهَدَ في التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ في الِاسْتِواءِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: قَدِ اسْتَوى البَيْتُ وأيْنَ اسْتِواءُ بِشْرٍ عَلى العِراقِ مِنِ اسْتِواءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ فالصَّوابُ أنْ يَلْزَمَ العَبْدُ الأدَبَ مَعَ مَوْلاهُ ويَكِلُ مَعْنى كَلامِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. ونَقَلَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في تَنْبِيهِ العُقُولِ عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ في الفُتُوحاتِ أثْناءَ كَلامٍ طَوِيلٍ عَجِبَ فِيهِ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُجَسِّمَةِ: الِاسْتِواءُ حَقِيقَةٌ مَعْقُولَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ تُنْسَبُ إلى كُلِّ ذاتٍ بِحَسَبِ ما تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ تِلْكَ الذّاتِ ولا حاجَةَ لَنا إلى التَّكَلُّفِ في صَرْفِ الِاسْتِواءِ عَنْ ظاهِرِهِ، والفَقِيرُ قَدْ رَأى في الفُتُوحاتِ ضِمْنَ كَلامٍ طَوِيلٍ أيْضًا في البابِ الثّالِثِ مِنها ما نَصُّهُ ما ضَلَّ مَن ضَلَّ مِنَ المُشَبِّهَةِ إلّا بِالتَّأْوِيلِ وحَمْلِ ما ورَدَتْ بِهِ الآياتُ والأخْبارُ عَلى ما يَسْبِقُ مِنها إلى الفَهْمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ فِيما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ التَّنْزِيهِ فَقادَهم ذَلِكَ إلى الجَهْلِ المَحْضِ والكُفْرِ الصُّراحِ، ولَوْ طَلَبُوا السَّلامَةَ وتَرَكُوا الأخْبارَ والآياتِ عَلى ما جاءَتْ مِن غَيْرِ عُدُولٍ مِنهم فِيها إلى شَيْءٍ البَتَّةَ ويَكِلُونَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَقُولُونَ: صفحة 158 لا نَدْرِي كانَ يَكْفِيهِمْ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﷺ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ: «إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّها بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ واحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ شاءَ» . التَّخْيِيرَ بَيْنَ التَّفْوِيضِ لَكِنْ بِشَرْطِ نَفْيِ الجارِحَةِ ولا بُدَّ وتَبْيِينُ ما في ذَلِكَ اللَّفْظِ مِن وُجُوهِ التَّنْزِيهِ، وذُكِرَ أنَّ هَذا واجِبٌ عَلى العالِمِ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ في الرَّدِّ عَلى بِدَعِي مُجَسِّمٍ مُشَبِّهٍ، وقالَ أيْضًا فِيما رَواهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ المُحَقِّقُ إسْماعِيلُ ابْنُ سُودَكِينَ في شَرْحِ التَّجَلِّياتِ: ولا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَتَأوَّلَ ما جاءَ مِن أخْبارِ السَّمْعِ لِكَوْنِها لا تُطابِقُ دَلِيلَهُ العَقْلِيَّ كَأخْبارِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ لَوْ خَرَجَ الخِطابُ عَمّا وُضِعَ لَهُ لَما كانَ بِهِ فائِدَةٌ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما أنْزِلُ إلَيْهِمْ ثُمَّ رَأيْناهُ ﷺ مَعَ فَصاحَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ وكَشْفِهِ لَمْ يَقُلْ لَنا إنَّهُ تَنَزَّلَ رَحْمَتَهُ تَعالى ومَن قالَ تَنَزَّلَ رَحْمَتَهُ فَقَدْ حَمَلَ الخِطابَ عَلى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، والحَقُّ ذاتُهُ مَجْهُولَةٌ فَلا يَصِحُّ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِوَصْفٍ مُقَيَّدٍ مَعْنًى، والعَرَبُ تَفْهَمُ نِسْبَةَ النُّزُولِ مُطْلَقًا فَلا تُقَيِّدُهُ بِحُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، وحَيْثُ تَقَرَّرَ عِنْدَها أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يَحْصُلُ لَها المَعْنى مُطْلَقًا مُنَزِّهًا ورُبَّما يُقالُ لَكَ: هَذا يُحِيلُهُ العَقْلُ فَقُلِ الشَّأْنُ هَذا إذا صَحَّ أنْ يَكُونَ الحَقُّ مِن مُدْرَكاتِ العُقُولِ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَمْضِي عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أحْكامُها انْتَهى، وقالَ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ القُونَوِيُّ في مِفْتاحِ الغَيْبِ بَعْدَ بَسْطِ كَلامٍ في قاعِدَةٍ جَلِيلَةِ الشَّأْنِ حاصِلُها أنَّ التَّغايُرَ بَيْنَ الذَّواتِ يَسْتَدْعِي التَّغايُرَ في نِسْبَةِ الأوْصافِ إلَيْها ما نَصُّهُ: وهَذِهِ قاعِدَةٌ مَن عَرَفَها أوْ كَشَفَ لَهُ عَنْ سِرِّها عَرَفَ سِرَّ الآياتِ والأخْبارِ الَّتِي تُوهِمُ التَّشْبِيهَ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ، واطَّلَعَ عَلى المُرادِ مِنها فَيَسْلَمُ مِن ورْطَتَيِ التَّأْوِيلِ والتَّشْبِيهِ وعايَنَ الأمْرَ كَما ذَكَرَ مَعَ كَمالِ التَّنْزِيهِ انْتَهى، وخُلاصَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ألْفاظٌ تُوهِمُ التَّشْبِيهَ والتَّجْسِيمَ وما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ العَظِيمِ فَتَشَبَّثَ المُجَسِّمَةُ والمُشَبِّهَةُ بِما تَوَهَّمَهُ فَضَّلُوا وأضَلُّوا ونَكَبُوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وعَدَلُوا وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهم هالِكُونَ وبِرَبِّهِمْ كافِرُونَ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهم مُبْتَدِعُونَ وفَصَّلَ بَعْضٌ فَقالَ: هم كَفَرَةٌ إنْ قالُوا: هو سُبْحانَهُ وتَعالى جِسْمٌ كَسائِرِ الأجْسامِ ومُبْتَدِعَةٌ إنْ قالُوا: جِسْمٌ لا كالأجْسامِ وعَصَمَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الحَقِّ مِمّا ذَهَبُوا إلَيْهِ وعَوَّلُوا في عَقائِدِهِمْ عَلَيْهِ، فَأثْبَتَتْ طائِفَةٌ مِنهم ما ورَدَ كَما ورَدَ مَعَ كَمالِ التَّنْزِيهِ المُبَرَّأِ عَنِ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ، فَحَقِيقَةُ الِاسْتِواءِ مَثَلًا المَنسُوبِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ لا يَلْزَمُها ما يَلْزَمُ في الشّاهِدِ فَهو جَلَّ وعَلا مُسْتَوٍ عَلى العَرْشِ مَعَ غِناهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وحَمْلِهِ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ وحَمَلَتِهِ وعَدَمِ مَماسَّةٍ لَهُ أوِ انْفِصالٍ مَسافِيٍّ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهُ، ومَتى صَحَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعالى لَيْسَ عَيْنَ العالَمِ ولا داخِلًا فِيهِ ولا خارِجًا عَنْهُ مَعَ أنَّ البَداهَةَ تَكادُ تَقْضِي بِبُطْلانِ ذَلِكَ بَيْنَ شَيْءٍ وشَيْءٍ صَحَّ لِهَؤُلاءِ الطّائِفَةِ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ في اسْتِوائِهِ تَعالى الثّابِتِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ وصِفاتُهُ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ فَلا يُقْبَلُ حُكْمُهُ إلّا فِيما كانَ في طَوْرِ الفِكْرِ، فَإنَّ القُوَّةَ المُفَكِّرَةَ شَأْنُها التَّصَرُّفُ فِيما في الخَيالِ والحافِظَةِ مِن صُوَرِ المَحْسُوساتِ والمَعانِي الجُزْئِيَّةِ، ومِن تَرْتِيبِها عَلى القانُونِ يَحْصُلُ لِلْعَقْلِ عِلْمٌ آخَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ مُناسَبَةٌ وحَيْثُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ ذاتِ الحَقِّ جَلَّ وعَلا وبَيْنَ شَيْءٍ لا يُسْتَنْتَجُ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي يُرَتِّبُها العَقْلُ مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ فَأكُفُّ الكَيْفِ مَشْلُولَةٌ وأعْناقُ التَّطاوُلِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ مَغْلُولَةٌ وأقْدامُ السَّعْيِ إلى التَّشْبِيهِ مُكَبَّلَةٌ وأعْيُنُ الأبْصارِ والبَصائِرِ عَنِ الإدْراكِ والإحاطَةِ مُسْمَلَةٌ: مَرامٌ شَطَّ مَرْمى العَقْلِ فِيهِ ∗∗∗ ودُونَ مَداهُ بِيدٌ لا تَبِيدُ وقَدْ أخْرَجَ اللّالِكائِيُّ في كِتابِ السُّنَّةِ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ صفحة 159 مَجْهُولٍ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والإقْرارُ بِهِ إيمانٌ والجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ، ومِن طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ اسْتَوى عَلى العَرْشِ؟ فَقالَ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وعَلى اللَّهِ تَعالى إرْسالُهُ وعَلى رَسُولِهِ البَلاغُ وعَلَيْنا التَّسْلِيمُ، ومَتى قالُوا بِنَفْيِ اللَّوازِمِ بِالكُلِّيَّةِ انْدَفَعَ عَنْهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِراضاتِ وحُفِظُوا عَنْ سائِرِ الآفاتِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ قِيلَ هُمُ السَّلَفُ الصّالِحُ، وقِيلَ: إنَّ السَّلَفَ بَعْدَ نَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّشْبِيهِ يَقُولُونَ: لا نَدْرِي ما مَعْنى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الآياتِ والأخْبارَ المُشْتَمِلَةَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ويَبْعُدُ غايَةَ البُعْدِ أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ العِبادَ فِيما يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ بِما لا يَدْرِي مَعْناهُ، وأيْضًا قَدْ ورَدَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى فَهْمِ المُخاطَبِ المَعْنى مِن مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ الطَّبَرانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَيّاشُ بْنُ تَمِيمٍ حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ المَقابِرِيُّ حَدَّثَنا سَلْمُ بْنُ سالِمٍ حَدَّثَنا خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءَ بْنِ يَسارٍ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَضْحَكُ مِن يَأْسِ عِبادِهِ وقُنُوطِهِمْ وقُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنهم ) فَقُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ أوَيَضْحَكُ رَبُّنا؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيَضْحَكُ، قُلْتُ: فَلا يَعْدَمُنا خَيْرًا إذا ضَحِكَ» فَإنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَوْ لَمْ تَفْهَمْ مِن ضَحِكِهِ تَعالى مَعْنًى لَمْ تَقُلْ ما قالَتْ. وقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهم فَسَّرُوا، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلا عَلى العَرْشِ وقالَ أبُو العالِيَةِ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ ارْتَفَعَ، وقِيلَ: إنَّ السَّلَفَ قِسْمانِ قِسْمٌ مِنهم بَعْدَ أنْ نَفَوُا التَّشْبِيهَ عَيَّنُوا المَعْنى الظّاهِرَ، المُعَرّى عَنِ اللَّوازِمِ وقِسْمٌ رَأوْا صِحَّةَ تَعْيِينِ ذَلِكَ وصِحَّةَ تَعْيِينِ مَعْنًى آخَرَ لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى كَما فَعَلَ بَعْضُ الخَلَفِ فَراعَوُا الأدَبَ واحْتاطُوا في صِفاتِ الرَّبِّ فَقالُوا: لا نَدْرِي ما مَعْنى ذَلِكَ أيِ المَعْنى المُرادُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُنَزَّهِينَ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الظَّواهِرَ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ بَلِ المُرادُ مَعْنًى مُعَيَّنٌ هو كَذا وكَثِيرًا ما يَكُونُ ذَلِكَ مَعْنًى مَجازِيًّا، وقَدْ يَكُونُ مَعْنًى حَقِيقِيًّا لِلَّفْظِ، وهَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِنَ الخَلَفِ وقَدْ يَتَّفِقُ لَهم تَفْوِيضُ المُرادِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا أيْضًا، وذَلِكَ إذا تَعَدَّدَتِ المَعانِي المَجازِيَّةُ أوِ الحَقِيقَةُ الَّتِي لا يُتَوَهَّمُ مِنها مَحْذُورٌ ولَمْ يَقُمْ عِنْدَهم قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ واحِدًا مِنها فَيَقُولُونَ: يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ كَذا وكَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن ذَلِكَ. ومَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ وغَيْرُهُ إجْراءُ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ والتَّنْزِيهِ بِلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كَمَذْهَبِ السَّلَفِ الأوَّلِ، وقَوْلُهم بِالتَّجَلِّي في المَظاهِرِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وكَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ ما سَمِعْتُ نَقْلَهُ عَنْهُ أوَّلًا مَعَ ما ذَكَرَهُ في الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الثّانِي مِنَ الفُتُوحاتِ فَإنَّهُ قالَ في عَدِّ الطَّوائِفِ المُنَزِّهَةِ: وطائِفَةٌ مِنَ المُنَزِّهَةِ أيْضًا وهي العالِيَةُ وهم أصْحابُنا فَرَّغُوا قُلُوبَهم مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ وأخْلَوْها وقالُوا: حَصَلَ في نُفُوسِنا مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ أنْ نَصِلَ إلى مَعْرِفَةِ ما جاءَنا مِن عِنْدِهِ بِدَقِيقِ فِكْرٍ ونَظَرٍ فَأشْبَهُوا في هَذا العَقْدِ المُحْدِثِينَ السّالِمَةَ عَقائِدِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُؤَوِّلُوا بَلْ قالُوا: ما فَهِمْنا فَقالَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِمْ ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ مَرْتَبَةِ هَؤُلاءِ بِأنْ قالُوا: لَنا أنْ نَسْلُكَ طَرِيقَةً أُخْرى في فَهْمِ هَذِهِ الكَلِماتِ وذَلِكَ بِأنْ نُفْرِغَ قُلُوبَنا مِنَ النَّظَرِ الفِكْرِيِّ ونَجْلِسَ مَعَ الحَقِّ تَعالى بِالذِّكْرِ عَلى بِساطِ الأدَبِ والمُراقَبَةِ والحُضُورِ والتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ مِنهُ تَعالى حَتّى يَكُونَ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَوَلِّيَ تَعْلِيمِنا بِالكَشْفِ والتَّحَقُّقِ صفحة 160 لَمّا سَمِعُوهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ﴾، و﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾، ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ فَعِنْدَما تَوَجَّهَتْ قُلُوبُهم وهِمَمُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَجَأتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وألْقَتْ عَنْها ما اسْتَمْسَكَ بِهِ الغَيْرُ مِن دَعْوى البَحْثِ والنَّظَرِ ونَتائِجِ العُقُولِ كانَتْ عُقُولُهم سَلِيمَةً وقُلُوبُهم مُطَهَّرَةً فارِغَةً فَعِنْدَما كانَ مِنهم هَذا الِاسْتِعْدادُ تَجَلّى لَهُمُ الحَقُّ عِيانًا مُعْلَمًا فَأطْلَعَتْهم تِلْكَ المُشاهَدَةُ عَلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ دُفْعَةً واحِدَةً فَعَرَفُوا المَعْنى التَّنْزِيهِيَّ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ مَقاماتِ إيرادِها وهَذا حالُ طائِفَةٍ مِنّا وحالُ طائِفَةٍ أُخْرى مِنّا أيْضًا لَيْسَ لَهم هَذا التَّجَلِّي لَكِنَّ لَهُمُ الإلْقاءَ والإلْهامَ واللِّقاءَ والكِتابَ وهم مَعْصُومُونَ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ بِعَلاماتٍ عِنْدَهم لا يَعْرِفُها سِواهم فَيُخْبِرُونَ بِما خُوطِبُوا بِهِ وبِما أُلْهِمُوا وما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ أوْ كُتِبَ ا هـ المُرادُ مِنهُ. ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِإجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ كَمَذْهَبِ السَّلَفِ الأوَّلِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ طائِفَةٌ لَمْ يَحْصُلْ لَهم ما حَصَلَ لِهاتَيْنِ الطّائِفِينَ والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. هَذا بَقِيَ هَلْ يُسَمّى ما عَلَيْهِ السَّلَفُ تَأْوِيلًا أمْ لا؟ المَشْهُورُ عَدَمُ تَسْمِيَةِ ما عَلَيْهِ المُفَوِّضَةُ مِنهم تَأْوِيلًا وسَمّاهُ بَعْضُهم تَأْوِيلًا كالَّذِي عَلَيْهِ الخَلَفُ، قالَ اللَّقانِيُّ: أجْمَعَ الخَلَفُ ويُعَبَّرُ عَنْهم بِالمُؤَوِّلَةِ والسَّلَفُ ويُعَبَّرُ عَنْهم بِالمُفَوِّضَةِ عَلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ المَعْنى المُحالِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ وعَلى تَأْوِيلِهِ وإخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ المُحالِ وعَلى الإيمانِ بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وإنَّما اخْتَلَفُوا في تَعْيِينٍ مُحَمَّلٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ وعَدَمِ تَعْيِينِهِ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (إلّا اللَّهُ) ويُقالُ لِتَأْوِيلِ السَّلَفِ إجْمالِيٌّ ولِتَأْوِيلِ الخَلَفِ تَفْصِيلِيٌّ انْتَهى مُلَخَّصًا. وكانَ شَيْخُنا العَلّامَةُ عَلاءُ الدِّينِ يَقُولُ: ما عَلَيْهِ المُفَوِّضَةُ تَأْوِيلٌ واحِدٌ وما عَلَيْهِ المُؤَوِّلَةُ تَأْوِيلانِ، ولَعَلَّهُ راجِعٌ إلى ما سَمِعْتَ، وأمّا ما عَلَيْهِ القائِلُونَ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ تَأْوِيلًا أيْضًا لِما فِيهِ مِن نَفْيِ اللَّوازِمِ، وظاهِرُ الألْفاظِ أنْفُسِها تَقْتَضِيها فَفِيهِ إخْراجُ اللَّفْظِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وإخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ ولَوْ مَرْجُوحًا تَأْوِيلٌ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ قائِلِينَ بِالظَّواهِرِ أنَّهم قائِلُونَ بِها في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: لا تَأْوِيلَ فِيهِ لِأنَّهم يَعْتَبِرُونَ اللَّفْظَ مِن حَيْثُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا يَقْتَضِي اللَّوازِمَ، فَلَيْسَ هُناكَ إخْراجُ اللَّفْظِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ أجْمَعُوا عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ نَفْيِ لَوازِمِ الرُّؤْيَةِ في الشّاهِدِ مِنَ المُقابَلَةِ والمَسافَةِ المَخْصُوصَةِ وغَيْرِهِما مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم: إنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ في شَيْءٍ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: كُلُّ مَن فَسَّرَ فَقَدْ أوَّلَ وكُلُّ مَن لَمْ يُفَسِّرْ لَمْ يُؤَوِّلْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ هو التَّفْسِيرُ فَمَن عَدا المُفَوِّضَةِ مُؤَوِّلَةٌ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْفَ عَلى (إلّا اللَّهُ) ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ القائِلِينَ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ مِنَ المُؤَوِّلَةِ الغَيْرِ الدّاخِلِينَ في الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِناءً عَلى الوَقْفِ المَذْكُورِ لا يَتَسَنّى مَعَ القَوْلِ بِأنَّهم مِنَ السَّلَفِ الَّذِينَ هم هم وقَدْ يُقالُ: إنَّهم داخِلُونَ في الرّاسِخِينَ، والتَّأْوِيلُ بِمَعْنًى آخَرَ يَظْهَرُ بِالتَّتَبُّعِ والتَّأمُّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُرادِ بِالمُتَشابِهاتِ وذَكَرْنا ما يُفْهَمُ مِنهُ الِاخْتِلافُ في مَعْنى التَّأْوِيلِ وأنا أمِيلُ إلى التَّأْوِيلِ وعَدَمِ القَوْلِ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ في بَعْضِ ما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ كَما في بَعْضِ القِراءاتِ، وكَذا قَوْلُهُ ﷺ إنْ صَحَّ: ( «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في أرْضِهِ فَمَن قَبَّلَهُ أوْ صافَحَهُ فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى وقَبَّلَ يَمِينَهُ» ). فاجْعَلِ الكَلامَ فِيهِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ لِظُهُورِ القَرِينَةِ، ولا أقُولُ: الحَجَرُ الأسْوَدُ مِن صِفاتِهِ تَعالى كَما قالَ السَّلَفُ صفحة 161 فِي اليَمِينِ، وأرى مَن يَقُولُ بِالظَّواهِرِ ونَفْيِ اللَّوازِمِ في الجَمِيعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قالَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ مِثْلَ ما بَيْنَ سَوادِ العَيْنِ وبَياضِها، وأمِيلُ أيْضًا إلى القَوْلِ بِتَقْبِيبِ العَرْشِ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ في ذَلِكَ، والأقْرَبُ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القَوْلُ بِكُرِّيَّتِهِ ومَن قالَ بِذَلِكَ أجابَ عَنِ الأخْبارِ السّابِقَةِ بِما لا يَخْفى عَلى الفَطِنِ. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةٍ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّهُ ذُو أرْكانٍ أرْبَعَةٍ ووُجُوهٍ أرْبَعَةٍ هي قَوائِمُهُ الأصْلِيَّةُ وبَيْنَ كُلِّ قائِمَتَيْنِ قَوائِمُ وعَدَدُها مَعْلُومٌ عِنْدَنا ولا أُبَيِّنُها إلى آخِرِ ما قالَ، ويُفْهِمُ كَلامُهُ أنَّ قَوائِمَهُ لَيْسَتْ بِالمَعْنى الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ أحَدُ حَمَلَتِهِ وأنَّهُ أُنْزِلَ عِنْدَ أفْضَلِ القَوائِمِ وهي خِزانَةُ الرَّحْمَةِ، وذَكَرَ أنَّ العَمى مُحِيطٌ بِهِ وأنَّ صُورَةَ العالَمِ بِجُمْلَتِهِ صُورَةٌ دائِرَةٌ فَلَكِيَّةٌ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا البابِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ العُجابِ، ولَيْسَ لَهُ في أكْثَرِ ما ذَكَرَهُ فِيهِ مُسْتَنَدٌ نَعْلَمُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ومِنهُ ما لا يَجُوزُ لَنا أنْ نَقُولَ بِظاهِرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ العَرْشَ واحِدٌ، وقالَ مَن قالَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِتَعَدُّدِهِ، ولا يَخْفى ما في نِسْبَةِ الِاسْتِواءِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ مِمّا يَزِيدُ قُوَّةَ الرَّجاءِ بِهِ جَلَّ وعَلا، وسُبْحانَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

طه 20:6

وجُعِلَ فاعِلُ الِاسْتِواءِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ و(لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿العَرْشِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى اسْتَقامَ لَهُ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ وهو عَلى مُرادِهِ تَعالى بِتَسْوِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أوِ اسْتَوى كُلُّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى فَلا شَيْءَ أقْرَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ( «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» ). مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، والرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعا القائِلَ بِهِ إلَيْهِ الفِرارُ مِن نِسْبَةِ الِاسْتِواءِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، ويا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ وهو بِظاهِرِهِ الَّذِي يَظُنُّ مُخالَفَتَهُ لِما يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ مِثْلَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ بَلْ (لَهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أيْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لا شَرِكَةَ ولا اسْتِقْلالًا مِن حَيْثُ المُلْكُ والتَّصَرُّفُ والإحْياءُ والإماتَةُ والإيجادُ والإعْدامُ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِالحُلُولِ فِيهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في الجَوِّ دائِمًا كالهَواءِ والسَّحابِ وخَلْقٍ لا نَعْلَمُهم هو سُبْحانَهُ يَعْلَمُهم أوْ أكْثَرِيًّا كالطَّيْرِ الَّذِي نَراهُ ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ أيْ: ما تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ وهي صَخْرَةٌ خَضْراءُ، وأخْرَجَ أبُو يُعْلى «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ ما تَحْتَ الأرْضِ؟ قالَ: الماءُ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الماءِ؟ قالَ: ظَلَمَةٌ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الظُّلْمَةِ؟ قالَ: الهَواءُ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الهَواءِ؟ قالَ: الثَّرى، قِيلَ: فَما تَحْتَ الثَّرى؟ قالَ: انْقَطَعَ عِلْمُ المَخْلُوقِينَ عِنْدَ عِلْمِ الخالِقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الثَّرى التُّرابُ النَّدِيُّ أوِ الَّذِي إذا بُلَّ لَمْ يَصِرْ طِينًا كالثُّرَيّا مَمْدُودَةٌ، ويُقالُ: في تَثْنِيَتِهِ ثَرَيانِ وثَرَوانِ وفي جَمْعِهِ أثْراءٌ ويُقالُ: ثَرِيَتِ الأرْضُ كَرِضى تُثْرِي ثَرًى فَهي ثَرِيَّةٌ كَغَنِيَّةٍ وثَرْياءُ إذا نَدِيَتْ ولانَتْ بَعْدَ الجُدُوبَةِ واليُبْسِ وأثْرَتْ كَثُرَ ثَراؤُها وثَرى التُّرْبَةَ تَثْرِيَةً صفحة 162 بَلَّها والمَكانَ رَشَّهُ وفُلانًا ألْزَمَ يَدَهَ الثَّرى، وفُسِّرَ بِمُطْلَقِ التُّرابِ أيْ ولَهُ تَعالى ما واراهُ التُّرابُ وذَكَرَهُ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ ما في الأرْضِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وإذا كانَ ما في الأرْضِ ما هو عَلَيْها فالأمْرُ ظاهِرٌ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ لَهُ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ مِلْكًا وتَصَرُّفًا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: المَعْنى لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ أيْ إنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:

طه 20:7

﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ إثْرَ بَيانِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الكائِناتِ، والخِطابُ عَلى ما قالَهُ في البَحْرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عامًّا أيْ وإنْ تَرْفَعْ صَوْتَكَ أيُّها الإنْسانُ بِالقَوْلِ ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ: ما أسْرَرْتَهُ إلى غَيْرِكَ ولَمْ تَرْفَعْ صَوْتَكَ بِهِ (وأخْفى) أيْ وشَيْئًا أخْفى مِنهُ وهو ما أخْطَرْتَهُ بِبالِكَ مِن غَيْرِ أنْ تَنْفُوهُ بِهِ أصْلًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أوْ ما أسْرَرْتَهُ في نَفْسِكَ وما سَتُسِرُّهُ فِيها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ورُوِيَ عَنِ السَّيِّدَيْنِ الباقِرِ والصّادِقِ السِّرُّ ما أخْفَيْتَهُ في نَفْسِكَ والأخْفى ما خَطَرَ بِبالِكَ ثُمَّ أُنْسِيتَهُ. وقِيلَ: (أخْفى) فِعْلٌ ماضٍ عُطِفَ عَلى (يَعْلَمُ) يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ورَوى ذَلِكَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والتَّنْكِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الخَفاءِ، والمُتَبادَرُ مِنَ القَوْلِ ما يَشْمَلُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، وخَصَّهُ جَماعَةٌ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ ودُعائِهِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ لِأنَّ اسْتِواءَ الجَهْرِ والسِّرِّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ في الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ الجَهْرَ المَذْكُورَ في خِطابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى القَوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى (فَإنَّهُ) إلَخْ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ ولَيْسَ الجَوابُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى السِّرَّ وأخْفى ثابِتٌ قَبْلَ الجَهْرِ بِالقَوْلِ وبَعْدِهِ وبِدُونِهِ. والأصْلُ عِنْدَ البَعْضِ وإنْ يَجْهَرْ بِالقَوْلِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى فَضْلًا عَنْهُ، وعِنْدَ الجَماعَةِ وإنْ تَجْهَرْ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ فَإنَّهُ إلَخْ، وهَذا عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى التَّحَرِّي والِاحْتِياطِ حِينَ الجَهْرِ فَإنَّ مِن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ جَهْرَهُ لَمْ يَجْهَرْ بِسُوءٍ، وخَصَّ الجَهْرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ المُحاوَراتِ ومُخاطِباتِ النّاسِ بِهِ، وقِيلَ: إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى أنَّ الجَهْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ودُعائِهِ لَيْسَ لِإسْماعِهِ سُبْحانَهُ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِن تَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وتَثْبِيتِهِ فِيها ومَنعِها مِنَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ وقَطْعِ الوَسْوَسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ مَنهِيٌّ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى إطْلاقِهِ. والَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ النَّوَوِيُّ في فَتاوِيهِ أنَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ حَيْثُ لا مَحْذُورَ شَرْعِيًّا مَشْرُوعٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ بَلْ هو أفْضَلُ مِنَ الإخْفاءِ في مَذْهَبِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ مالِكٍ بِنَقْلِ الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي وهو قَوْلٌ لِقاضِيخانَ في فَتاوِيهِ في تَرْجَمَةِ مَسائِلِ كَيْفِيَّةِ القِراءَةِ وقَوْلِهِ في بابِ غُسْلِ المَيِّتِ: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لِمَن يَمْشِي مَعَ الجِنازَةِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ لا مُطْلَقًا كَما تُفْهِمُهُ عِبارَةُ البَحْرِ الرّائِقِ وغَيْرِهِ وهو قَوْلُ الإمامَيْنِ في تَكْبِيرِ عِيدِ الفِطْرِ كالأضْحى، ورِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَلْ في مُسْنَدِهِ ما ظاهِرُهُ اسْتِحْبابُ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ مُطْلَقًا، نَعَمْ قالَ صفحة 163 ابْنُ نَجِيمٍ في البَحْرِ نَقْلًا عَنِ المُحَقِّقِ ابْنِ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ ما نَصُّهُ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ مُخالِفَةٌ لِلْأمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ فَيَقْتَصِرُ عَلى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وقَدْ ورَدَ بِهِ في الأضْحى وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأجابَ السُّيُوطِيُّ في نَتِيجَةِ الذِّكْرِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ السّابِقَةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمّا هاجَرَ ﷺ سَقَطَ ذَلِكَ، الثّانِي أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى الذِّكْرِ حالَ قِراءَةِ القُرْآنِ وأنَّهُ أُمِرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالذِّكْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ أنْ تُرْفَعَ عِنْدَهُ الأصْواتُ، ويُقَوِّيهِ اتِّصالُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ، الثّالِثُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ الأمْرَ في الآيَةِ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ الكامِلُ المُكَمَّلُ وأمّا غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ هو مَحَلُّ الوَساوِسِ فَمَأْمُورٌ بِالجَهْرِ لِأنَّهُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في دَفْعِها وفِيهِ ما فِيهِ. واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ دُونَ الجَهْرِ البالِغِ أوِ الزّائِدِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ فَيَكُونُ الجَهْرُ المُعْتَدِلُ والجَهْرُ بِقَدْرِ الحاجَةِ داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ، فَقَدْ صَحَّ ما يَزِيدُ عَلى عِشْرِينَ حَدِيثًا في أنَّهُ ﷺ كَثِيرًا ما كانَ يَجْهَرُ بِالذِّكْرِ. وصَحَّ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن صَلاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الأعْلى ( لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المَلِكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ولا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ» ) . وهُوَ مَحْمُولٌ عَلى اقْتِضاءِ حاجَةِ التَّعْلِيمِ ونَحْوِهِ لِذَلِكَ، وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وكُنّا إذا أشْرَفْنا عَلى وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارْتَفَعَتْ أصْواتُنا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ( يا أيُّها النّاسُ ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمًّا ولا غائِبًا إنَّهُ مَعَكم إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» ) مَحْمُولٌ عَلى أنَّ النَّهْيَ المُسْتَفادَ التِزامًا مِن أمْرِ ارْبَعُوا الَّذِي بِمَعْنى ارْفُقُوا ولا تُجْهِدُوا أنْفُسَكُمْ، مُرادٌ بِهِ النَّهْيُ عَنِ المُبالَغَةِ في رَفْعِ الصَّوْتِ، وبِتَقْسِيمِ الجَهْرِ واخْتِلافِ أقْسامِهِ في الحُكْمِ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وما ذُكِرَ في الواقِعاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن أنَّهُ رَأى قَوْمًا يُهَلِّلُونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ في المَسْجِدِ فَقالَ: ما أراكم إلّا مُبْتَدِعِينَ حَتّى أخْرَجَهم مِنَ المَسْجِدِ لا يَصِحُّ عِنْدَ الحُفّاظِ مِنَ الأئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، وعَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ هو مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الجَهْرِ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الحُفّاظِ أوْ مَحْمُولٌ عَلى الجَهْرِ البالِغِ، وخَبَرُ: خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ أوِ العَيْشِ ما يَكْفِي. صَحِيحٌ. وعَزاهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ إلى الإمامِ أحْمَدَ وابْنِ حِبّانَ والبَيْهَقِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَزاهُ أبُو الفَتْحِ في سِلاحِ المُؤْمِنِ إلى أبِي عَوانَةَ في مُسْنَدِهِ الصَّحِيحِ أيْضًا، وهو مَحْمُولٌ عَلى مَن كانَ في مَوْضِعٍ يَخافُ فِيهِ الرِّياءَ أوِ الإعْجابَ أوْ نَحْوَهُما، وقَدْ صَحَّ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَهَرَ بِالدُّعاءِ وبِالمَواعِظِ لَكِنْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ: إنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أفْضَلُ. وحَدُّ الجَهْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ في المَنهَجِ القَوِيمِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ غَيْرَهُ والإسْرارُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ. وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ في رِوايَةٍ: أدْنى الجَهْرِ إسْماعُ نَفْسِهِ وأدْنى المُخافَتَةِ تَصْحِيحُ الحُرُوفِ وهو قَوْلُ الكَرْخِيِّ. وفِي كِتابِ الإمامِ مُحَمَّدٍ إشارَةٌ إلَيْهِ، والأصَحُّ كَما في المُحِيطِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ الهِنْدُوانِيُّ والفَضْلِيُّ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّ أدْنى الجَهْرِ إسْماعُ غَيْرِهِ وأدْنى المُخافَتَةِ إسْماعُ نَفْسِهِ. ومِن هُنا قالَ في فَتْحِ القَدِيرِ: إنَّ تَصْحِيحَ صفحة 164 الحُرُوفِ بِلا صَوْتٍ إيماءٌ إلى الحُرُوفِ بِعَضَلاتِ المَخارِجِ لا حُرُوفَ، إذِ الحُرُوفُ كَيْفِيَّةُ تَعَرُّضٍ لِلصَّوْتِ فَإذا انْتَفى الصَّوْتُ المَعْرُوضُ انْتَفى الحَرْفُ العارِضُ وحَيْثُ لا حَرْفَ فَلا كَلامَ بِمَعْنى المُتَكَلِّمِ بِهِ فَلا قِراءَةَ بِمَعْنى التَّكَلُّمِ الَّذِي هو فِعْلُ اللِّسانِ فَلا مُخافَتَةَ عِنْدَ انْتِفاءِ الصَّوْتِ كَما لا جَهْرَ انْتَهى مُحَرَّرًا، وقَدْ ألَّفَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ رِسالَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ سَمّى أُولاهُما- نَشْرَ الزَّهْرِ في الذِّكْرِ بِالجَهْرِ- وثانِيَتَهُما- بِإتْحافِ المُنِيبِ الأوّاهِ بِفَضْلِ الجَهْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ- رَدَّ فِيها عَلى بَعْضِ أهْلِ القَرْنِ التّاسِعِ مِن عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ مِن أعْيانِ دَوْلَةِ مِيرْزا ألْغَ بِيكْ بْنِ شاهْ دُخْ الكُورَكانِيِّ حَيْثُ أطْلَقَ القَوْلَ بِكَوْنِ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةً مُحَرَّمَةً وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً، ولَعَلَّهُ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى زِيادَةُ بَسْطٍ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

طه 20:8

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿اللَّهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَوْصُوفُها ذَلِكَ المَعْبُودُ الحَقُّ أيْ ذَلِكَ المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِن خَلْقِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ والعُلُوِّ اللّائِقِ بِشَأْنِهِ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ والرَّحْمانِيَّةِ والمالِكِيَّةِ لِلْعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والعِلْمُ الشّامِلُ مِمّا يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً بَيِّنًا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الخالِقِيَّةِ وغَيْرِها أسْماءَهُ تَعالى وصِفاتَهُ مِن غَيْرِ تَعَدُّدٍ في ذاتِهِ تَعالى، وجاءَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وصِفَةُ المُؤَنَّثَةِ المُفْرَدَةِ تَجْرِي عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ وحُسْنِ ذَلِكَ كَوْنُها وقَعَتْ فاصِلَةً، وقِيلَ: تَضْمَنُها الإشارَةُ إلى عَدَمِ التَّعَدُّدِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى عَدَمِ زِيادَةِ صِفاتِهِ تَعالى عَلى ذاتِهِ واتِّحادِها مَعَها وفَضْلِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الأسْماءِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٌ، وظاهِرُ صَنِيعِهِ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، صفحة 165 ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أوَّلِيَّةُ ما تَقَدَّمَ،

طه 20:9

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ مَساقُ الحَدِيثِ وبَيانُ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ وقَدْ خُوطِبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قِيلَ لَهُ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ وبِهِ خَتَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقِيلَ: مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [بِناءً عَلى ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ في سَبَبِ النُّزُولِ إلّا إنَّ الأوَّلَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَدِّ ما قالَهُ قَوْمُهُ وهَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ بِأنَّ إخْوانَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ عَرّاهم مِن أُمَمِهِمْ ما عَرّاهم وكانَتِ العاقِبَةُ لَهم وذَكَرَ مَبْدَأ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَظِيرَ ما ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: مُسَوِّقٌ لِتَرْغِيبِ النَّبِيِّ ﷺ في الِائْتِساءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَحَمُّلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ والصَّبْرِ عَلى مُقاساةِ الخُطُوبِ في تَبْلِيغِ أحْكامِ الرِّسالَةِ بَعْدَ ما خاطَبَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ كَلَّفَهُ التَّبْلِيغُ الشّاقُّ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ إنّا أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَحْتَمِلَ مَتاعِبَ التَّبْلِيغِ ومُقاوَلَةَ العُتاةِ مِن أعْداءِ الإسْلامِ ومُقاتَلَتَهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَشاقِّ وتَكالِيفِ النُّبُوَّةِ وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ هَذا المَتْعَبَ الشّاقَّ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً فالواوُ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِعَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولا نَظَرَ في ذَلِكَ إلى تَناسُبِهِما خَيْرًا وطَلَبًا بَلْ يُشْتَرَطُ التَّناسُبُ فِيما سَيُقاتِلُهُ مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ هاهُنا قَدْ يُؤَوَّلُ بِالخَبَرِ. ولا يَخْفى أنَّ ما تَقَدَّمَ جارٍ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ والأقْوالِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وسَبَبُ نُزُولِها ولا يَأْباهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وقِيلَ: هَلْ بِمَعْنى قَدْ وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما أخْبَرْناكَ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَحْنُ الآنَ مُخْبِرُوكَ بِها والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، والحَدِيثُ الخَبَرُ ويُصَدَّقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويُجْمَعُ عَلى أحادِيثَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الفَرّاءُ: نَرى أنَّ واحِدَ الأحادِيثِ أُحْدُوثَةٌ ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَدِيثُ: كُلُّ كَلامٍ يَبْلُغُ الإنْسانَ مِن جِهَةِ السَّمْعِ أوِ الوَحْيِ في يَقَظَتِهِ أوْ مَنامِهِ ويَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّكَلُّمِ. وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى هَذا هُنا بِقَرِينَةِ (فَقالَ) إلَخْ، وعَلِقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى

طه 20:10

﴿إذْ رَأى﴾ نارًا ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلْكَلامِ والخَبَرُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ كالجَوامِدِ لا يَعْمَلُ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِما ذُكِرَ لِأنَّهُ هو المَعْرُوفُ مَعَ أنَّ وصْفَ القِصَّةِ بِالإتْيانِ أوْلى مِن وصْفِ التَّحَدُّثِ والتَّكَلُّمِ بِهِ، وأمْرُ التَّعَلُّقِ سَهْلٌ، فَإنَّ الظَّرْفَ يَكْفِي لِتَعَلُّقِهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، ولِذا نَقَلَ الشَّرِيفُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ القِصَّةَ والحَدِيثَ والخَبَرَ والنَّبَأ يَجُوزُ إعْمالُها في الظُّرُوفِ خاصَّةً وإنْ لَمْ يُرَدْ بِها المَعْنى المَصْدَرِيُّ لِتَضَمُّنِ مَعْناها الحُصُولَ والكَوْنَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ حِينَ رَأى نارًا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِمُضْمَرٍ مُتَقَدِّمٍ أيْ فاذْكُرْ وقْتَ رُؤْيَتِهِ نارًا. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ في الخُرُوجِ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ لِزِيارَةِ أُمِّهِ وأخِيهِ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتِهِ بِمِصْرَ ورَجا خَفاءَ أمْرِهِ، فَأُذِنَ لَهُ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا غَيُورًا، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ ولَمْ يَصْحَبْ رُفْقَةً لِئَلّا تُرى امْرَأتُهُ، وكانَتْ عَلى أتانٍ وعَلى ظَهْرِها جُوالِقٌ فِيها أثاثُ البَيْتِ ومَعَهُ غَنَمٌ لَهُ وأخَذَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةً مِن مُلُوكِ الشّامِ فَلَمّا وافى وادِي طُوًى وهو بِالجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الطُّورِ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ وقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ ماشِيَتُهُ ولا ماءَ عِنْدَهُ وقَدَحَ فَصَلَدَ زَنْدَهُ فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ رَأى نارًا عَلى يَسارِ الطَّرِيقِ مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ أقِيمُوا مَكانَكم أمَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَتْبَعُوهُ فِيما عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّهابِ إلى النّارِ كَما هو المُعْتادُ لا لِئَلّا يَنْتَقِلُوا إلى مَوْضِعٍ آخَرَ فَإنَّهُ مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْمَرْأةِ والوَلَدِ والخادَمِ، وقِيلَ: لِلْمَرْأةِ وحْدَها والجَمْعُ إمّا لِظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: وإنْ شِئْتَ حَرَّمْتَ النِّساءَ سِواكُمْ وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ ( لِأهْلِهِ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ ﴿إنِّي آنَسْتُ﴾ نارًا أيْ أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، ومِن ذَلِكَ إنْسانُ العَيْنِ والإنْسُ خِلافُ الجِنِّ، وقِيلَ: الإيناسُ خاصٌّ بِإبْصارِ ما يُؤْنَسُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الوِجْدانِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: آنَسَتْ نَبْأةً وقَدْ راعَها القَنَّ ∗∗∗ اصُ يَوْمًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والمَأْمُورِ بِهِ ولَمّا كانَ الإيناسُ مَقْطُوعًا مُتَيَقَّنًا حَقَّقَهُ لَهم بِكَلِمَةِ إنَّ لِيُوَطِّنَ أنْفُسَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تَرَدُّدٌ أوْ إنْكارٌ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها﴾ أيْ أجِيئُكم مِنَ النّارِ (بِقَبَسٍ) بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ تَكُونُ عَلى رَأْسِ عَوْدٍ ونَحْوِهِ فَفِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المُرادُ بِالشِّهابِ القَبَسِ وبِالجَذْوَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ صفحة 166 وتَفْسِيرُهُ بِالجَمْرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِيكم، وأمّا مِنها فَيُحْتَمَلُ لِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (قَبَسِ) عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ ذا هِدايَةٍ أوْ عَلى أنَّهُ إذا وُجِدَ الهادِي فَقَدْ وُجِدَ الهُدى، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الماءِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ضَلَّ عَنِ الماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ هادِيًا يَهْدِينِي إلى أبْوابِ الدِّينِ، فَإنَّ أفْكارَ الأبْرارِ مَغْمُورَةٌ بِالهِمَمِ الدِّينِيَّةِ في عامَّةِ أحْوالِهِمْ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ وهو بَعِيدٌ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ تَسْلِيَةُ أهْلِهِ مَعَ أنَّهُ قَدْ نَصَّ في سُورَةِ القَصَصِ عَلى ما يَقْتَضِي ما تَقَدَّمَ حَيْثُ قالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ﴾ الآيَةَ، والمَشْهُورُ كِتابَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالياءِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: الجَيِّدُ أنْ تُكْتَبَ بِالألِفِ ولا تُمالَ لِأنَّ الألِفَ بَدَلُ التَّنْوِينِ في القَوْلِ المُحَقَّقِ، وقَدْ أمالَها قَوْمٌ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ شِبْهَ ألِفِ التَّنْوِينِ بِلامِ الكَلِمَةِ إذًا اللَّفْظُ بِهِما في المَقْصُورِ واحِدٌ، الثّانِي أنْ يَكُونَ لامَ الكَلِمَةِ ولَمْ يُبَدَّلْ مِنَ التَّنْوِينِ شَيْءٌ في النَّصْبِ، والثّالِثُ أنْ يَكُونَ عَلى رَأْيِ مَن وقَفَ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ مِن غَيْرِ إبْدالٍ انْتَهى، وكَلِمَةُ أوْ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ وعَلى عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ مَجازٌ مَشْهُورٌ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في الِاسْتِعْلاءِ عَلى مَكانٍ قَرِيبٍ مُلاصِقٍ لَها كَما قالَ سِيبَوَيْهِ في مَرَرْتُ بِزَيْدٍ: إنَّهُ لُصُوقٌ بِمَكانٍ يَقْرُبُ مِنهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُدًى) وكانَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ فَقُدِّمَ والتَّقْدِيرُ أوْ أجِدُ هادِيًا أوْ ذا هُدى مُشْرِفًا عَلى النّارِ، والمُرادُ مُصْطَلِيًا بِها وعادَةُ المُصْطَلِي الدُّنُوُّ مِنَ النّارِ والإشْرافُ عَلَيْها. وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ عَلى هاهُنا بِمَعْنى عِنْدَ أوْ بِمَعْنى مَعَ أوْ بِمَعْنى الباءِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْها إلّا أنَّهُ جِيءَ بِالظّاهِرِ تَصْرِيحًا بِما هو كالعِلَّةِ لِوِجْدانِ الهُدى إذِ النّارُ لا تَخْلُو مِن أُناسٍ عِنْدَها، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِكَلِمَةِ التَّرَجِّي لِما أنَّ الإتْيانَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسا مُحَقِّقِي الوُقُوعِ بَلْ هُما مُتَرَقَّبانِ مُتَوَقَّعانِ. وهي عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إمّا عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ بِالمُكْثِ والإخْبارِ بِإيناسِ النّارِ وتَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِما يُوحِشُهم، وإمّا حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ فاذْهَبْ إلَيْها لِآتِيَكم أوْ كَيْ آتِيَكم أوْ راجِيًا أنْ آتِيَكم مِنها بِقَبَسٍ الآيَةَ، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لَنارًا، ومَتى جازَ جُعِلَ جُمْلَةُ التَّرَجِّي صِلَةً كَما في قَوْلِهِ: وإنِّي لَراجٍ نَظْرَةً قَبْلَ الَّتِي ∗∗∗ لَعَلِّي وإنْ شُطْتُ نَواها أزُورُها فَلْيَجُزْ جَعْلُها صِفَةً فَإنَّ الصِّلَةَ والصِّفَةَ مُتَقارِبانِ ولا يَخْفى ما فِيهِ

طه 20:11

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارَ الَّتِي آنَسَها وكانَتْ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في شَجَرَةِ عُنّابٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ في سُمْرَةٍ، وقِيلَ: في شَجَرَةِ عَوْسَجٍ. وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النّارَ انْطَلَقَ يَسِيرُ حَتّى وقَفَ مِنها قَرِيبًا فَإذا هو بِنارٍ عَظِيمَةٍ تَفُورُ مِن ورَقِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها العَلِيقُ لا تَزْدادُ النّارُ فِيما يُرى إلّا عِظَمًا وتَضَرُّمًا ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ عَلى شِدَّةِ الحَرِيقِ إلّا خُضْرَةٍ وحُسْنًا فَوَقَفَ يَنْظُرُ لا يَدْرِي عَلامَ يَضَعُ أمْرُها إلّا أنَّهُ قَدْ ظَنَّ أنَّها شَجَرَةٌ تَحْتَرِقُ، وأوْقَدَ إلَيْها بِوَقْدٍ فَنالَها، فاحْتَرَقَتْ وإنَّهُ إنَّما يَمْنَعُ النّارَ شِدَّةُ خُضْرَتِها وكَثْرَةُ مائِها وكَثافَةُ ورَقِها وعِظَمُ جِذْعِها فَوَضَعَ أمْرَها عَلى هَذا فَوَقَفَ وهو يَطْمَعُ أنْ يَسْقُطَ مِنها شَيْءٌ فَيَقْتَبِسُهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ صفحة 167 فِي يَدِهِ وهو يُرِيدُ أنْ يَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ مالَتْ نَحْوَهُ كَأنَّها تُرِيدُهُ، فاسْتَأْخَرَ عَنْها وهابَ، ثُمَّ عادَ فَطافَ بِها، ولَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ بِها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ بِأوْشَكَ مِن خُمُودِها، فاشْتَدَّ عِنْدَ ذَلِكَ عَجَبُهُ وفَكَّرَ في أمْرِها، فَقالَ: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَسُ مِنها ولَكِنَّها تَتَضَرَّمُ في جَوْفِ شَجَرَةٍ، فَلا تَحْرِقُها ثُمَّ خُمُودُها عَلى قَدْرِ عِظَمِها في أوْشَكَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: إنَّ لِهَذِهِ لَشَأْنًا ثُمَّ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ أوْ مَصْنُوعَةٌ لا يَدْرِي مِن أمْرِها ولا بِمَ أُمِرَتْ ولا مَن صَنَعَها، ولا لِمَ صُنِعَتْ، فَوَقَفَ مُتَحَيِّرًا لا يَدْرِي أيَرْجِعُ أمْ يُقِيمُ، فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ رَمى بِطَرْفِهِ نَحْوَ فَرْعِها، فَإذا أشَدُّ ما كانَ خُضْرَةً ساطِعَةً في السَّماءِ يَنْظُرُ إلَيْها تَغْشى الظَّلامَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الخُضْرَةُ تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ حَتّى صارَتْ نُورًا ساطِعًا عَمُودًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَلَيْهِ مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ تَكِلُ دُونَهُ الأبْصارُ، كُلَّما نَظَرَ إلَيْهِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ فَرَدَّ يَدِهِ عَلى عَيْنَيْهِ ولَصِقَ بِالأرْضِ وسَمِعَ حِينَئِذٍ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِهِ عِظَمًا، فَلَمّا بَلَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكَرْبُ واشْتَدَّ عَلَيْهِ الهَوْلُ كانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كُلَّما قَرُبَ مِنها تَباعَدَتْ، فَإذا أدْبَرَ اتَّبَعَتْهُ، فَأيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ووَقَفَ مُتَحَيِّرًا وسَمِعَ مِنَ السَّماءِ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وكانَ ما كانَ. وقالُوا: النّارُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ صِنْفٌ يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، وصِنْفٌ يَشْرَبُ ولا يَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ الأخْضَرِ، وصِنْفٌ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وصِنْفٌ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالُوا أيْضًا هي أرْبَعَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ لَهُ نُورٌ وإحْراقٌ وهي نارُ الدُّنْيا، ونَوْعٌ لا نُورَ لَهُ ولا إحْراقَ وهي نارُ الأشْجارِ. ونَوْعٌ لَهُ إحْراقٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. ونَوْعٌ لَهُ نُورٌ بِلا إحْراقٍ وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها لَمْ تَكُنْ نارًا بَلْ هي نُورٌ مِن نُورِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وذُكِرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ النّارِ بِناءً عَلى حُسْبانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ في إخْبارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَبَ حُسْبانِهِ مَحْذُورٌ كَما تَوَهَّمَ واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الماوَرْدَيُّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي النّارُ بِعَيْنِها وهي إحْدى حُجُبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِما رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ( «حِجابُهُ النّارُ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتِ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ» ) . ذَكَرَ ذَلِكَ البَغْوِيُّ وذُكِرَ في تَفْسِيرِ الخازِنِ أنَّ الحَدِيثَ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أتاها (نُودِيَ) مِن غَيْرِ رَيْثٍ، وبِذَلِكَ رَدَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ الأخْبارَ السّابِقَةَ الدّالَّةَ عَلى تَخَلُّلِ زَمانٍ بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَخَلُّلَ مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِمّا لا يَضُرُّ في مِثْلِ ما ذُكِرَ، وزَعَمَ أيْضًا امْتِناعَ تَحَقُّقِ ظُهُورِ الخارِقِ عِنْدَ مَجِيئِهِ النّارَ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعِنْدَنا أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإرْهاصِ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُعْتَزِلَةُ، والظّاهِرُ أنَّ القائِمَ مَقامَ فاعِلِ (نُودِيَ) ضَمِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ نُودِيَ النِّداءَ، وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مُوسى﴾ إلَخْ وكَأنَّ ذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ وإرادَةِ هَذا اللَّفْظِ مِنَ الجُمْلَةِ وإلّا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ لا تَكُونُ فاعِلًا ولا قائِمًا مَقامَهُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا بِنَحْوِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّأْوِيلِ. وفِي البَحْرِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ مُعامَلَةُ النِّداءِ مُعامَلَةَ القَوْلِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ إضْمارُ القَوْلِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ:

طه 20:12

﴿يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ ولِذَلِكَ كُسِرَتْ هَمْزَةُ إنَّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، صفحة 168 وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأنِّي، والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ، وغَيْرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ والنِّداءُ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَرِّمِ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ ولا يَخْفى عَلى ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ حالُ التَّرْكِيبِ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ وإنَّهُ إنَّما يَحْلُو لَوْ لَمْ يَكُنِ المُنادى فاصِلًا. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ وتَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ الأمْرِ بَعْدُ وهو كَما تَرى. واخْتِيرَ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ العِلْمِ أيِ اعْلَمْ أنِّي إلَخْ، وتَكْرِيرُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِتَأْكِيدِ الدَّلالَةِ وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ وإماطَةِ الشُّبْهَةِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الَّذِي ناداهُ هو اللَّهُ تَعالى حَصَلَ لَهُ بِالضَّرُورَةِ خَلْقًا مِنهُ تَعالى فِيهِ، وقِيلَ: بِالِاسْتِدْلالِ بِما شاهَدَ قَبْلَ النِّداءِ مِنَ الخارِقِ، وقِيلَ: بِما حَصَلَ لَهُ مِن ذَلِكَ بَعْدَ النِّداءِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نُودِيَ يا مُوسى قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ فَقالَ: أنا رَبُّكَ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسِ اللَّعِينِ لَعَلَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ شَيْطانٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا عَرَفْتُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى بِأنِّي أسْمَعُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ، والخارِقُ فِيهِ أمْرانِ؛ سَماعُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ وكَوْنُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ الَّتِي مِن شَأْنِها السَّماءُ والَّتِي لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِها، وقِيلَ: الخارِقُ فِيهِ أمْرٌ واحِدٌ وهو السَّماعُ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ، وهو المُرادُ بِالسَّماعِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَخْفى صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى المَطْلُوبِ إلّا أنَّ في صِحَّةِ الخَبَرِ خَفاءً ولَمْ أرَ لَهُ سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوادِي المُقَدَّسِ والحُضْرَةِ الجَلِيلَةِ في غايَةِ البُعْدِ. والمُعْتَزِلَةُ أوْجَبُوا أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِالِاسْتِدْلالِ بِالخارِقِ ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ بِالضَّرُورَةِ قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ العالِمِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ لَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ وبِالِاتِّفاقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالخارِقِ وفي تَعْيِينِهِ اخْتِلافٌ. وقالَ بَعْضُهم: لا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ الخارِقَ ما هو، وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الهَوْلُ نُودِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: يا مُوسى، فَأجابَ سَرِيعًا وما يَدْرِي مَن دَعاهُ وما كانَ سُرْعَةُ إجابَتِهِ إلّا اسْتِئْناسًا بِالأُنْسِ، فَقالَ: لَبَّيْكَ مِرارًا إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَكَ وأحُسُّ حِسَّكَ ولا أرى مَكانَكَ، فَأيْنَ أنْتِ؟ قالَ: أنا فَوْقَكَ ومَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ، فَلَمّا سَمِعَ هَذا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلّا لِرَبِّهِ تَعالى فَأيْقَنَ بِهِ فَقالَ: كَذَلِكَ أنْتَ يا إلَهِي، فَكَلامَكَ أسْمَعُ أمْ رَسُولَكَ؟ قالَ: بَلْ أنا الَّذِي أُكَلِّمُكَ، ولا يَخْفى تَخْرِيجُ هَذا الأثَرِ عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ ومَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ الإيقانُ بِمُجَرَّدِ سَماعِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا لِلَّهِ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ إذا فُتِحَ بابُ الوَسْوَسَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الأثَرَ ظاهِرٌ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ الكَلامَ اللَّفْظِيَّ مِنهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، ولِذا اخْتُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاسْمِ الكَلِيمِ، وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ الكَلامُ قَدِيمٌ عِنْدَهم. وأجابُوا عَنِ اسْتِلْزامِ اللَّفْظِ الحُدُوثَ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ بَعْضُهُ إلّا بِتَقَضِّي بَعْضٍ آخَرَ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ مِنَ التَّلَفُّظِ بِآلَةٍ وجارِحَةٍ وهي اللِّسانُ، أمّا إذا كانَ بِدُونِها فَيُوجَدُ دُفْعَةٌ واحِدَةٌ كَما يُشاهَدُ في الحُرُوفِ المَرْسُومَةِ بِطَبْعِ الخاتَمِ دُونَ القَلَمِ ويَلْزَمُهم أنْ يُؤَوِّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ﴾ إلَخْ بِأنْ يَقُولُوا: المُرادُ فَلَمّا أتاها أسْمَعَ النِّداءَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وإلّا فَمَجِيءُ النّارِ حادِثٌ، والمُرَتَّبُ عَلى الحادِثِ حادِثٌ، صفحة 169 ولِذا زَعَمَ أهْلُ ما وراءَ النَّهْرِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ الكَلامِ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حادِثٌ وهو صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ، وأهْلُ البِدْعَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الكَلامَ اللَّفْظِيَّ حادِثٌ بَيْدَ أنَّ مِنهم مَن جَوَّزَ قِيامَ الحَوادِثِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ ومِنهم مَن لَمْ يُجَوِّزْ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها. وقالَ الأشْعَرِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامَهُ النَّفْسِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ ولا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وقَدْ حَقَّقَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقّى ذَلِكَ الكَلامَ تَلَقِّيًا رُوحانِيًّا كَما تَتَلَقّى المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَلامَهُ تَعالى لا مِن جارِحَةٍ ثُمَّ إفاضَتُهُ الرُّوحَ بِواسِطَةِ قُوَّةِ العَقْلِ عَلى القُوى النَّفْسِيَّةِ ورَسَمَتْهُ في الحِسِّ المُشْتَرَكِ بِصُوَرِ ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَصارَ لِقُوَّةِ تَصَوُّرِهِ كَأنَّهُ يَسْمَعُهُ مِنَ الخارِجِ، وهَذا كَما يَرى النّائِمُ أنَّهُ يُكَلِّمُ ويَتَكَلَّمُ، ووَجْهُ وُقُوفِ الشَّيْطانِ المارِّ في الخَبَرِ الَّذِي سَمِعْتَ ما فِيهِ عَلى هَذا بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالتَّفَرُّسِ مِن كَوْنِ هَيْئَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَيْئَةِ المُصْغِي المُتَأمِّلِ لِما يَسْمَعُهُ وهو كَما تَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما عَسى يَنْفَعُكَ مُراجَعَتُهُ هُنا فَراجِعْهُ وتَأمَّلْ، واعْلَمْ أنَّ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كُلُّهُ غَرِيبٌ وسُبْحانَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أزِلْهُما مِن رِجْلَيْكَ والنَّعْلُ مَعْرُوفَةٌ وهي مُؤَنَّثَةٌ يُقالُ في تَصْغِيرِها نُعَيْلَةٌ، ويُقالُ فِيها نَعَلٌ: بِفَتْحِ العَيْنِ أنْشَدَ الفَرّاءُ: لَهُ نَعَلٌ لا يَطَّبِي الكَلْبَ رِيحُها ∗∗∗ وإنْ وُضِعَتْ بَيْنَ المَجالِسِ شُمَّتِ وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ لِما أنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، كَما رُوِيَ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، ورُوِيَ كَوْنُهُما مِن جِلْدِ حِمارٍ في حَدِيثٍ غَرِيبٍ. فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «كانَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِساءُ صُوفٍ وجُبَّةُ صُوفٍ وكُمَّةُ صُوفٍ أيْ قَلَنْسُوَةٌ صَغِيرَةٌ وسَراوِيلُ صُوفٍ، وكانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ حِمارٍ» )، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِّيَتْ، ولَكِنْ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ بِقَدَمَيْهِ الأرْضَ فَتُصِيبُهُ بَرَكَةُ الوادِي المُقَدَّسِ. وقالَ الأصَمُّ: لِأنَّ الحِفْوَةَ أدْخَلُ في التَّواضُعِ وحُسْنِ الأدَبِ، ولِذَلِكَ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُونَ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ حافِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَمْنُوعٌ عِنْدَ القائِلِ بِأفْضَلِيَّةِ الصَّلاةِ بِالنِّعالِ كَما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ، ولَعَلَّ الأصَمَّ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ أوْ يُجِيبُ عَنْهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لِأنَّهُ تَعالى أمِنَهُ مِنَ الخَوْفِ وأوْقَفَهُ بِالمَوْضِعِ الطّاهِرِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَبِسَهُما اتِّقاءً مِنَ الإنْجاسِ وخَوْفًا مِنَ الحَشَراتِ، وقِيلَ: المَعْنى فَرِّغْ قَلْبَكَ مِنَ الأهْلِ والمالِ. وقِيلَ: مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ يُرادَ بِالنَّعْلِ كُلُّ ما يَرْتَفِقُ بِهِ، وغَلَبَ عَلى ما ذُكِرَ تَحْقِيرًا، ولِذا أُطْلِقَ عَلى الزَّوْجَةِ نَعْلٌ كَما في كُتُبِ اللُّغَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ بَعِيدٌ وإنْ وُجِّهَ بِما ذُكِرَ وهو ألْيَقُ بِبابِ الإشارَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُوجِباتِ الأمْرِ ودَواعِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الخَلْعِ المَأْمُورِ بِهِ وبَيانٌ لِسَبَبِ وُرُودِ الأمْرِ بِذَلِكَ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ وقُدْسِها. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 170 حِينَ أُمِرَ خَلَعَهُما وألْقاهُما وراءَ الوادِي (طُوًى) بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مُنَوَّنًا وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّالِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها مُنَوَّنًا، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِها غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وهو عَلَمٌ لِذَلِكَ الوادِي فَيَكُونُ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، ومَن نَوَّنَهُ فَعَلى تَأْوِيلِ المَكانِ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ فَعَلى تَأْوِيلِ البُقْعَةِ فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقِيلَ (طُوى) المَضْمُومُ الطّاءِ الغَيْرُ المُنَوَّنِ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعَدْلِ كَزُفَرَ وقُثَمَ، وقِيلَ: لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ وقالَ قُطْرُبٌ: يُقالُ طُوًى مِنَ اللَّيْلِ أيْ ساعَةٌ أيْ قُدِّسَ لَكَ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ وهي ساعَةُ أنْ نُودِيَ فَيَكُونُ مَعْمُولًا لِلْمُقَدَّسِ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ قِيلَ: هو مُعَرَّبٌ مَعْناهُ لَيْلًا، وكَأنَّهُ أرادَ قَوْلَ قُطْرُبٍ، وقِيلَ: هو رَجُلٌ بِالعِبْرانِيَّةِ وكَأنَّهُ عَلى هَذا مُنادًى، وقالَ الحَسَنُ: طِوًى بِكَسْرِ الطّاءِ والتَّنْوِينِ مَصْدَرٌ كَثِنًى لَفْظًا ومَعْنًى، وهو عِنْدَهُ مَعْمُولٌ لِلْمُقَدَّسِ أيْضًا أيْ قُدِّسَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنُودِيَ أيْ نُودِيَ نِداءَيْنِ، وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ: إنَّهُ ما يُطْوى مِن جِلْدِ الحَيَّةِ ويُقالُ: فَعَلَ الشَّيْءَ طُوًى أيْ مَرَّتَيْنِ فَيَكُونُ مَوْضُوعًا مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْشَدَ الطَّبَرَسِيُّ لِعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: أعاذِلُ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكَ المُتَرَدِّدِ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ إذا كانَ بِمَعْنى مَرَّتَيْنِ يُفْتَحُ أوَّلُهُ ويُكْسَرُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأظْهَرَ كَوْنُهُ اسْمًا لِلْوادِي في جَمِيعِ القِراءاتِ.

طه 20:13

﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ اصْطَفَيْتُكَ مِنَ النّاسِ أوْ مِن قَوْمِكَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ والأعْمَشُ في رِوايَةِ ( وإنّا ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ مَعَ ألِفٍ بَعْدَها ( اخْتَرْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ، وكَذا قَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وحَمْزَةُ وخَلَفٌ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ أُخْرى إلّا أنَّهم فَتَحُوا هَمْزَةً أنَّ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اعْلَمْ أيْ واعْلَمْ أنّا اخْتَرْناكَ، وهو عَلى ما قِيلَ عَطْفٌ عَلى ( اخْلَعْ )، ويَجُوزُ عِنْدَ مَن قَرَأ ( أنِّي أنا رَبُّكَ ) بِالفَتْحِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ مُتَعَلِّقًا بِنُودِيَ كَما قِيلَ أوْ مَعْمُولًا لا عَلَمَ مُقَدَّرًا كَما اخْتِيرَ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ اللّامِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ أيْ لِأنّا اخْتَرْناكَ (فاسْتَمِعْ) وهو كَما تَرى، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى (فاسْتَمِعْ) لِتَرْتِيبِ الأمْرِ والمَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الِاسْتِماعِ والأمْرِ بِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِما يُوحى﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَمَعَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِاخْتَرْناكَ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن بابِ الأعْمالِ ويَجِبُ أوْ يُخْتارَ حِينَئِذٍ إعادَةُ الضَّمِيرِ مَعَ الثّانِي بِأنْ يُقالَ: فاسْتَمِعْ لَهُ لِما يُوحى. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ جَوازُ تَعَلُّقِها بِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى البَدَلِ لا عَلى أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ. واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى

طه 20:14

﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِهَذا فَقَطْ، والتَّعَلُّقُ بِاخْتَرْناكَ كَيْفَما كانَ يَقْتَضِيهِ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى ما هو الأهَمُّ والأصْلُ الأصِيلُ، وقِيلَ: هي سَيْفٌ خَطِيبٌ فَلا مُتَعَلَّقَ لَها كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وما مَوْصُولَةٌ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاسْتَمِعْ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ أوْ لِلْوَحْيِ، وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِماعِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ ذَلِكَ وأنَّهُ يَقْتَضِي التَّأهُّبَ لَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمِعْ صفحة 171 لِما يُوحى وقَفَ عَلى حَجَرٍ واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ وألْقى ذَقْنَهُ عَلى صَدْرِهِ وأصْغى بِشَراشِرِهِ. وقالَ وهْبٌ: أدَبُ الِاسْتِماعِ سُكُونُ الجَوارِحِ وغَضُّ البَصَرِ والإصْغاءُ بِالسَّمْعِ وحُضُورُ العَقْلِ والعَزْمُ عَلى العَمَلِ، وذَلِكَ هو الِاسْتِماعُ لِما يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى، وحَذْفُ الفاعِلِ في (يُوحى) لِلْعِلْمِ بِهِ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً فَإنَّهُ لَوْ كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لَمْ يَكُنْ فاصِلَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْبُدْنِي﴾ لِتَرْتِيبِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ اخْتِصاصَ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن مُوجِباتِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِها غايَةُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ لَهُ تَعالى في جَمِيعِ ما يُكَلِّفُهُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا التَّوْحِيدُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ والأوَّلُ أوْلى ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأمْرِ بِالعِبادَةِ لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى إيمانًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كُفْرِ تارِكِها كَسَلًا كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِذِكْرِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأقِمْ أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ أيْ لِتَكُونَ لِي ذاكِرًا غَيْرَ ناسٍ فِعْلَ المُخْلِصِينَ في جَعْلِهِمْ ذِكْرَ رَبِّهِمْ عَلى بالٍ مِنهم وتَوْكِيلِ هِمَمِهِمْ وأفْكارِهِمْ بِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُرادَ بِالإقامَةِ عَلى الأوَّلِ تَعْدِيلُ الأرْكانِ، وعَلى الثّانِي الإدامَةُ وجُعِلَتِ الصَّلاةُ في الأوَّلِ مَكانًا لِلذِّكْرِ ومَقَرَّهُ وعِلَّتَهُ، وعَلى الثّانِي جُعِلَتْ إقامَةُ الصَّلاةِ أيْ إدامَتُها عِلَّةً لِإدامَةِ الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ أدِمِ الصَّلاةَ لِتَسْتَعِينَ بِها عَلى اسْتِغْراقِ فِكْرِكَ وهَمِّكَ في الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاعْبُدْنِي أوْ بِأقِمْ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ أيْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإذا عَمَّمَ الذِّكْرَ لِيَتَناوَلَ القَلْبِيَّ والقالَبِيَّ جازَ اعْتِبارُ بابِ الأعْمالِ في الأوَّلِ أيْضًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقِيلَ: المُرادُ (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) خاصَّةً لا تُرائِي بِها ولا تَشُوبُها بِذِكْرِ غَيْرِي أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالثَّناءِ أيْ لِأُثْنِيَ عَلَيْكَ وأُثِيبَكَ بِها أوْ لِذِكْرِي إيّاها في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وأمْرِي بِها، أوْ لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلَواتِ فاللّامُ وقْتِيَّةٌ بِمَعْنى عِنْدَ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وقَوْلُكَ: كانَ ذَلِكَ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ، ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ الذِّكْرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ بَعْدَ نِسْيانِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، واللّامُ حِينَئِذٍ وقْتِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ تَذَكُّرِها أوْ لِأجْلِ تَذَكُّرِها والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ والأصْلُ لِذِكْرِ صَلاتِي أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ الصَّلاةِ سَبَبٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَأُطْلِقَ المُسَبِّبُ عَلى السَّبَبِ أوْ أنَّهُ وقَعَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى مَوْقِعَ ضَمِيرِ الصَّلاةِ لِشَرَفِها أوْ أنَّ المُرادَ لِلذِّكْرِ الحاصِلِ مِنِّي فَأُضِيفَ الذِّكْرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ المُلابَسَةِ، والَّذِي حَمَلَ القائِلَ عَلى هَذا الحَمْلِ أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن «حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ ﷺ نامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَلَمّا قَضاها قالَ: مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيَقْضِها إذا ذَكَرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» ) فَظَنَّ هَذا القائِلُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْمِلْ هَذا الحَمْلَ لَمْ يَصْحَّ التَّعْلِيلُ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ، فَإنَّ التَّعْلِيلَ كَما في الكَشْفِ صَحِيحٌ والذِّكْرُ عَلى ما فُسِّرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ الصَّلاةَ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما شُرِعَتْ لَهُ وهو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ عَلى إقامَتِها، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لَمّا جُعِلَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الصَّلاةِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وهو حاصِلٌ مَطْلُوبٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ المَحْدُودُ لَهُ يَنْبَغِي المُبادَرَةُ إلَيْهِ ما أمْكَنَهُ، فَهو مِن إشارَةِ النَّصِّ لا مِن مَنطُوقِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّمَحُّلِ فافْهَمْ. صفحة 172 وإضافَةُ ( ذِكْرِ ) إلى الضَّمِيرِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وأنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ حَسَبَ اخْتِلافِ التَّفْسِيرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخْعِيُّ وأبُو رَجاءٍ ( لِلذِّكْرى ) بِلامِ التَّعْرِيفِ وألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( لِذِكْرِي ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ بِغَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، وأُخْرى ( لِلذِّكْرِ ) بِالتَّعْرِيفِ والتَّذْكِيرِ

طه 20:15

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ العِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ أيْ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإتْيانِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِها بِإبْرازِها في مَعْرِضِ أمْرٍ مُحَقَّقٍ مُتَوَجِّهٍ نَحْوَ المُخاطَبِينَ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أقْرَبُ أنْ أُخْفِيَ السّاعَةَ ولا أُظْهِرَها بِأنْ أقُولَ إنَّها آتِيَةٌ ولَوْلا أنْ في الأخْبارِ بِذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ وقَطْعِ الأعْذارِ لَما فَعَلْتُ، وحاصِلُهُ أكادُ أُبالِغُ في إخْفائِها فَلا أُجْمِلُ كَما لَمْ أُفَصِّلْ، والمُقارَبَةُ هُنا مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أوْ أُرِيدَ إخْفاءُ وقْتِها المُعَيَّنِ وعَدَمُ إظْهارِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسِبِ قَوْلُهُ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ، ورَوى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ ذَلِكَ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِزِيادَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ مِن أنَّ أحَدَهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ الشَّيْءِ قالَ: كِدْتُ أُخْفِيهِ مِن نَفْسِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أيّامَ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ∗∗∗ ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ ونَحْوُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهم تَحْتَ ظِلِّهِ: ( «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ) وبِجَعْلِ ذَلِكَ مِن بابِ المُبالَغَةِ يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ إخْفاءَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ كادَ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ لِما قِيلَ: إنَّ مَعْنى مِن نَفْسِي مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي، والقَرِينَةُ عَلى هَذا المَحْذُوفِ إثْباتُهُ في المَصاحِفِ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً خارِجِيَّةً لا يَضُرُّ إذْ لا يَلْزَمُ في القَرِينَةِ وُجُودُها في الكَلامِ. وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا بُدَّ لِأُخْفِيَها مِن مُتَعَلِّقٍ وهو مَن يُخْفى مِنهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ تَعالى أخْفاها عَنْهم لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ فَيَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ. وفِيهِ أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ تَقْدِيرِ مِنَ الخَلْقِ مَمْنُوعٌ لِجَوازِ إرادَةِ إخْفاءِ تَفْصِيلِها وتَعْيِينِها مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يُقْدَّرَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، والمَعْنى أُوجِدُ إخْفاءَها ولا أقُولُ: إنَّها آتِيَةٌ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى أكادُ أُظْهِرُها بِإيقاعِها عَلى أنَّ أُخْفِيها مِن ألْفاظِ السَّلْبِ بِمَعْنى أُزِيلُ خَفاءَها أيْ ساتِرَها وهو في الأصْلِ ما يُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوُها مِن كِساءٍ وما يَجْرِي مَجْراهُ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبِي الدَّرْداءِ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وحُمَيْدٍ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ ( أخْفِيها ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَإنَّ خَفاهُ بِمَعْنى أظْهَرَهُ لا غَيْرَ في المَشْهُورِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَما حَكاهُ أبُو الخَطّابِ أحَدُ رُؤَساءِ اللُّغَةِ: خَفَيْتُ وأخْفَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومُتَعَلِّقُ الإخْفاءِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ في تَفْسِيرِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ والإظْهارِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا حَتّى تَتَعارَضَ القِراءَتانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَبَرُ كادَ مَحْذُوفٌ أكادُ آتِي بِها كَما حُذِفَ في قَوْلِ صابِئٍ البُرْجُمِيِّ: صفحة 173 هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهُ أيْ وكِدْتُ أفْعَلُ، وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى يُخْفِيها، واخْتارَ النَّحّاسُ وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: (أكادُ) زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى بَلِ المُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ واسْتَدَلُّوا عَلى زِيادَةِ كادَ بِقُولِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ ويَقُولُ زَيْدُ الخَيْلِ: سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما إنْ يَكادُ قَرْنُهُ يَتَنَفَّسُ ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتِيَةٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وغَيْرُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لا صِفَةَ حَتّى يَلْزَمَ إعْمالُ اسْمِ الفاعِلِ المَوْصُوفِ وهو لا يَجُوزُ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ أوْ بِأُخْفِيها عَلى أنَّ المُرادَ أُظْهِرُها لا عَلى أنَّ المُرادَ أسْتُرُها لِأنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِكَ. أسْتُرُها لِأجْلِ الجَزاءِ، وبَعْضُهم جَوَّزَ ذَلِكَ، ووَجْهُهُ بِأنَّ تَعْمِيَةَ وقْتِها لِتَنْتَظِرَ ساعَةً فَساعَةً فَيَحْتَرِزُ عَنِ المَعْصِيَةِ ويَجْتَهِدُ في الطّاعَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِ لِيَنْتَظِرَ الجَزاءَ أوْ لِتَخافَ وتَخْشى، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِتُجْزى بِسَعْيِها وعَمَلِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وهَذا التَّعْمِيمُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: لِتُجْزى بِسَعْيِها في تَحْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها، وتَخْصِيصُهُ في مَعْرِضِ الغايَةِ لِإتْيانِها مَعَ أنَّهُ لِجَزاءِ كُلِّ نَفْسٍ بِما صَدَرَ عَنْها سَواءٌ كانَ سَعْيًا فِيما ذُكِرَ أوْ تَقاعُدًا عَنْهُ بِالمَرَّةِ أوْ سَعْيًا في تَحْصِيلِ ما يُضادُّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن إتْيانِها هو الإثابَةُ بِالعِبادَةِ، وأمّا العِقابُ بِتَرْكِها فَمِن مُقْتَضَياتِ سُوءِ اخْتِيارِ العُصاةِ، وبِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في قُوَّةِ الوُجُوبِ والسّاعَةُ في شِدَّةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَيْثُ يُوجِبانِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ أنْ تَسْعى في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وتَجِدَ في تَحْصِيلِ ما يُنْجِيها مِنَ الطّاعاتِ وتَحْتَرِزُ عَنِ اقْتِرافِ ما يُرْدِيها مِنَ المَعاصِي انْتَهى. ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ أيْ بِالَّذِي تَسْعى فِيهِ، وفِيهِ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لا يَشْتَرِطُ، وقِيلَ: يُقَدِّرُ مَنصُوبًا عَلى التَّوَسُّعِ

طه 20:16

﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِنَبِيِّنا ﷺ لَفْظًا ولِأُمَّتِهِ مَعْنًى وهو في غايَةِ البُعْدِ (عَنْها) أيِ: السّاعَةِ، والمُرادُ عَنْ ذِكْرِها ومُراقَبَتِها، وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ بِإتْيانِها ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الألْيَقُ بِشَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ النَّهْيُ بِطَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ ورُجُوعِ ضَمِيرِ (عَنْها) إلى السّاعَةِ هو الظّاهِرُ وكَذا رُجُوعُ ضَمِيرِ (بِها) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى الصَّلاةِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (عَنْها) راجِعٌ إلى الصَّلاةِ وضَمِيرُ بِها راجِعٌ إلى السّاعَةِ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى كَلِمَةِ ﴿لا إلَهَ إلا أنا﴾ وقِيلَ: الأوَّلُ راجِعٌ إلى العِبادَةِ والثّانِي راجِعٌ إلى السّاعَةِ، وقِيلَ: هُما راجِعانِ إلى الخِصالِ المَذْكُورَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعُ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والنَّهْيُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكافِرِ عَنْ صَدِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السّاعَةِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الِانْصِدادِ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ عَنْ أصْلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّ صَدَّ الكافِرِ حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِانْصِدادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا بِأصْلِهِ ومُوجِبِهِ وإبْطالًا لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ السَّبَبِ عَلى أنْ يُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ صفحة 174 السَّلامُ عَنْ إظْهارِ لِينِ الجانِبِ لِلْكَفَرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِصَدِّهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ: - لا أرَيَنَّكَ هاهُنا- فَإنَّ المُرادَ بِهِ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ المُوجِبِ لِرُؤْيَتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ صُلْبَ المَعْجَمِ حَتّى لا يَتَلَوَّحَ مِنكَ لِمَن يَكْفُرُ بِالسّاعَةِ ويُنْكِرُ البَعْثَ أنَّهُ يَطْمَعُ في صَدِّكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الصَّلابَةِ في الدِّينِ وعَدَمِ اللِّينِ المُطْمِعِ لِمَن كَفَرَ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ الفانِيَةِ فَصَدَّهُ عَنِ الإيمانِ (فَتَرْدى) أيْ فَتَهْلَكُ فَإنَّ الإغْفالَ عَنِ السّاعَةِ وعَنْ تَحْصِيلِ ما يُنْجِي عَنْ أحْوالِها مُسْتَتْبِعٌ لِلْهَلاكِ لا مَحالَةَ. وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ ﴿مَن لا يُؤْمِنُ﴾ عَلى المُعْرِضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى المُتَهالِكِ في الدُّنْيا المُنْغَمِسِ في لَذّاتِها وشَهَواتِها بِدَلِيلِ (واتَّبَعَ) إلَخْ ويُحْمَلُ نَهْيُ الصَّدِّ عَلى نَهْيِ النَّظَرِ إلى مُتَمَتَّعاتِهِ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا﴾ إلَخْ، ويُحْمَلُ مُتابَعَةُ الهَوى عَلى المَيْلِ إلى الإخْلادِ إلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ يَعْنِي تَفَرَّغَ لِعِبادَتِي ولا تَلْتَفِتُ إلى ما الكَفَرَةُ فِيهِ فَإنَّهُ مُهْلِكٌ فَإنَّ ما أوْلَيْناكَ واخْتَرْناهُ لَكَ هو المَقْصِدُ الأسْنى وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى الِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا ونَعِيمِها، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ. و( تَرْدى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّهْيِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا والجُمْلَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَأنْتَ تَرْدى بِسَبَبِ ذَلِكَ. وقَرَأ يَحْيى ( فَتِرْدى ) بِكَسْرِ التّاءِ.

طه 20:17

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما كُلِّفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقِ بِالخَلْقِ إثْرَ حِكايَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الشُّؤُونِ الخاصَّةِ بِنَفْسِهِ. فَما اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ و(تِلْكَ) خَبَرُهُ أوْ بِالعَكْسِ وهو أدْخَلُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِالجَوابِ و(بِيَمِينِكَ) مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن (تِلْكَ) أيْ وما تِلْكَ قارَّةٌ أوْ مَأْخُوذَةٌ بِيَمِينِكَ والعامِلُ فِيهِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ عِزَّ وعَلا حِكايَةً ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ وتُسَمِّيهِ النُّحاةُ عامِلًا مَعْنَوِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (تِلْكَ) اسْمٌ مَوْصُولٌ و(بِيَمِينِكَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِلَتُهُ أيْ وما الَّتِي اسْتَقَرَّتْ بِيَمِينِكَ. وهو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ كُلَّ اسْمِ إشارَةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مَوْصُولًا. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ عَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ إلّا في ذا بِشَرْطِهِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ المُرادِ مِنهُ.

طه 20:18

﴿قالَ هي عَصايَ﴾ نَسَبَها عَلَيْهِ السَّلامُ إلى نَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِوَجْهِ كَوْنِها بِيَمِينِهِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأفاعِيلِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلِ نَبْعَةَ. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أخَذَها مِن بَيْتِ عَصى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ شُعَيْبٍ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ لِلرَّعْيِ هَبَطَ بِها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وكانَتْ فِيما يُقالُ مِن آسِها. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ مِنَ العَوْسَجِ وطُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ عَلى مِقْدارِ قامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: اثْنَتا عَشْرَةَ ذِراعًا بِذِراعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ وإنْ كانَ هو الأصْلَ لِرَغْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُناجاةِ ومَزِيدِ لَذاذَتِهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ ( عَصِيَّ ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ فَإنَّهم يَقْلِبُونَ الألِفَ الَّتِي قَبْلَ ياءِ المُتَكَلِّمِ ياءً لِلْمُجانَسَةِ كَما يُكْسَرُ ما قَبْلَها في الصَّحِيحِ. قالَ شاعِرُهم: سَبَقُوا هَوِيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وقَرَأ الحَسَنُ ( عَصايَ ) بِكَسْرِ الباءِ وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أُبَيِّ ابْنِ إسْحاقَ أيْضًا وأبِي عَمْرٍو، وهَذِهِ الكَسْرَةُ صفحة 175 لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما في البَحْرِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ ( عَصايْ ) بِسُكُونِ الياءِ كَأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَقْفَ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والعَصا مِنَ المُؤَنَّثاتِ السَّماعِيَّةِ ولا تَلْحَقُها التّاءُ، وأوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ بِالعِراقِ كَما قالَ الفَرّاءُ: هَذِهِ عَصاتِي وتُجْمَعُ عَلى عِصِيٍّ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وضَمِّهِ وأُعُصٍ وأعْصاءٍ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ أيْ أتَحامَلُ عَلَيْها في المَشْيِ والوُقُوفِ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وأهُشُّ بِها﴾ أيْ أخَبَطُ بِها ورَقَ الشَّجَرِ وأضْرِبُهُ لِيَسْقُطَ ﴿عَلى غَنَمِي﴾ فَتَأْكُلَهُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ كَما ذَكَرَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ. وابْنُ عَطِيَّةَ (أهِشُّ) بِكَسْرِ الهاءِ ومَعْناهُ كَمَعْنى مَضْمُومِ الهاءِ، والمَفْعُولُ عَلى القِراءَتَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن هَشَّ يَهُشُّ هَشاشَةً إذْ مالَ أيْ أمِيلُ بِها عَلى غَنَمِي بِما يُصْلِحُها مِنَ السَّوْقِ وإسْقاطِ الوَرَقِ لِتَأْكُلَهُ ونَحْوِهِما، ويُقالُ: هَشَّ الوَرَقُ والكَلَأُ والنَّباتُ إذا جَفَّ ولانَ انْتَهى. وعَلى هَذا لا حَذْفَ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ (أهُشُّ) بِضَمِّ الهاءِ والسِّينِ المُهْمَلَةِ مِنَ الهَسِّ وهو زَجْرُ الغَنَمِ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الإنْحاءِ يُقالُ: أُنَحّى عَلَيْهِ بِالعَصا إذا رَفَعَها عَلَيْهِ مُوهِمًا لِلضَّرْبِ أيْ أزْجُرُها مُنَحِّيًا عَلَيْها. وفي كِتابِ السِّينِ والشِّينِ لِصاحِبِ القامُوسِ يُقالُ: هَسَّ الشَّيْءَ وهَشَّهُ إذا فَتَّهُ وكَسَرَهُ فَهُما بِمَعْنًى. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قَرَأ ( أهُشُّ ) مِن أهَشَّ رُباعِيًّا. وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ عِكْرِمَةَ. ومُجاهِدٌ ( أُهِشُ ) بِضَمِّ الهاءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ ثُمَّ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ إلّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أهُشُّ بِالتَّضْعِيفِ لَكِنْ فَرَّ مِنهُ لِأنَّ الشِّينَ فِيهِ تَفَشٍّ فاسْتُثْقِلَ الجَمْعُ بَيْنَ التَّضْعِيفِ والتَّفَشِّي فَيَكُونُ كَتَخْفِيفِ ظَلْتَ ونَحْوِهِ ا هـ وهو في غايَةِ البُعْدِ. وقَرَأ جَماعَةٌ ( غَنَمِي ) بِسُكُونِ النُّونِ، وأُخْرى ( عَلى غَنَمِي ) عَلى أنَّ ( عَلى ) جارٌّ ومَجْرُورٌ و( غَنَمِي ) مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ذِكْرِ كَيْفِيَّةِ قِراءَةِ هَذِهِ الجَماعَةِ ذَلِكَ الفِعْلَ وهو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِمّا لا يَظْهَرُ تَعَدِّيهِ لِلْغَنَمِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ، والغَنَمُ الشّاهُ وهو اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ وعَلَيْهِما جَمِيعًا ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ شاةٌ وإذا صَغَّرْتَهُ قُلْتَ غُنَيْمَةً بِالهاءِ ويُجْمَعُ عَلى أغْنامٍ وغُنُومٍ وأغانِمَ، وقالُوا: غُنْمانِ في التَّثْنِيَةِ عَلى إرادَةِ قِطْعَتَيْنِ وقَدَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانَ مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها وثَنّى بِمَصْلَحَةِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالتَّوَكُّؤِ فَكانَ أسْبَقَ إلى ذِهْنِهِ ويَلِيهِ الهَشُّ عَلى غَنَمِهِ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ ناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ وتَحَقَّقَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو المُنادِي قالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ادْنُ مِنِّي فَجَمَعَ يَدَيْهِ في العَصا ثُمَّ تَحامَلَ حَتّى اسْتَقَلَّ قائِمًا فَرَعَدَتْ فَرائِصُهُ حَتّى اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ رِجْلاهُ وانْقَطَعَ لِسانُهُ وانْكَسَرَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ عَظْمٌ يَحْمِلُ آخَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ إلّا أنَّ رُوحَ الحَياةِ تَجْرِي فِيهِ، ثُمَّ زَحَفَ وهو مَرْعُوبٌ حَتّى وقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُودِيَ مِنها، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟ فَقالَ ما قَصَّ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ التَّوَكُّؤِ عَلَيْها لِأنَّهُ الأوْفَقُ لِلسُّؤالِ بِما تِلْكَ بِيَمِينِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْمَلُ أوْصافِها في قَوْلِهِ ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ ومُفْرَدُهُ مَأْرَبَةٌ مُثَلَّثَةُ الرّاءِ. وعُومِلَ في الوَصْفِ مُعامَلَةَ مُفْرَدَةٍ فَلَمْ يَقُلْ أُخَرُ وذَلِكَ جائِزٌ في غَيْرِ الفَواصِلِ وفِيها كَما هُنا أجْوَزُ وأحْسَنُ. صفحة 176 ونَقَلَ الأهْوازِيُّ في كِتابِ الإقْناعِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وشَيْبَةَ أنَّهُما قَرَآ ( مَآرِبُ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَأنَّهُ يَعْنِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مُحَقَّقٍ، ومُحَصِّلُهُ أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ في تَعْيِينِ هَذِهِ المَآرِبِ أنَّهُ كانَ لَها شُعْبَتانِ ومِحْجَنٌ تَحْتَهُما فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، وكانَ إذا شاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ فَعَلَّقَ بِها قَوْسَهُ وكِنانَتَهُ ومِخْلاتَهُ وثَوْبَهُ وزادًا إنْ كانَ مَعَهُ، وكانَ إذا رَتَعَ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ لا ظِلَّ لَهُ رَكَزَها ثُمَّ عَرَّضَ بِالزَّنْدَيْنِ الزَّنْدِ الأعْلى والزَّنْدِ السُّفْلِيِّ عَلى شُعْبَتَيْها وألْقى فَوْقَها كِساءَهُ فاسْتَظَلَّ بِها ما كانَ مَرْتَعًا، وكانَ إذا ورَدَ ماءً يَقْصُرُ عَنْهُ رِشاؤُهُ وصَلَ بِها، وكانَ يُقاتِلُ بِها السِّباعَ عَنْ غَنَمِهِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا وتَكُونانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيْلِ، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ، وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وسِقاءً فَجَعَلَتْ تُماشِيهِ ويُرَكِّزُها فَيَنْبُعُ الماءُ، وإذا رَفَعَها نَضَبَ، وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ، وكانَتْ تُحَدِّثُهُ وتُؤْنِسُهُ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ كَثِيرًا مِمّا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا كانَ فِيها بَعْدُ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِلْقَوْلِ بِأنَّهُ مِمّا كانَ قَبْلُ. ويُحْتَمَلُ إنْ صَحَّ خَبَرٌ في ذَلِكَ ولا أُراهُ يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكَأنَّ المُرادَ مِن سُؤالِهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَدِّدَ المَرافِقَ الكَثِيرَةَ الَّتِي عَلَّقَها بِالعَصا ويَسْتَكْثِرَها ويَسْتَعْظِمَها ثُمَّ يُرِيهِ تَعالى عَقِبَ ذَلِكَ الآيَةَ العَظِيمَةَ كَأنَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: أيْنَ أنْتَ عَنْ هَذِهِ المَنفَعَةِ العُظْمى والمَأْرَبَةِ الكُبْرى المَنسِيَّةِ عِنْدَها كُلُّ مَنفَعَةٍ ومَأْرَبَةٍ كُنْتَ تَعْتَدُّ بِها وتَحْتَفِلُ بِشَأْنِها فَما طالِبَةٌ لِلْوَصْفِ أوْ يُقَدَّرُ المَنفَعَةُ بَعْدَها. واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِلْإشارَةِ إلى التَّعْظِيمِ، وكَذا في النِّداءِ إيماءٌ إلَيْهِ والتَّعْدادُ في الجَوابِ لِأجْلِهِ، و(مَآرِبُ أُخْرى) تَتْمِيمٌ لِلِاسْتِعْظامِ بِأنَّها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وذَكَرَ العَصا في الجَوابِ لِيُجْرِيَ عَلَيْها النُّعُوتَ المادِحَةَ وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِها ما لَيْسَ في تَرْكِ ذِكْرِها، ويَنْدَفِعُ بِهَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِدْراكُ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ إذْ لا دَخْلَ لَهُ في تَعْدادِ المَنافِعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقارَتَها لِيُرِيَهُ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَ ما يَخْتَرِعُهُ في الخَشَبَةِ اليابِسَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ كَما هو شَأْنُ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا عَظِيمًا، فَإنَّهُ يَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ ما هَذا؟ فَيَقُولُونَ: هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ ويَصِفُونَهُ بِما يَبْعُدُ عَمّا يُرِيدُ إظْهارَهُ مِنهُ ثُمَّ يُظْهِرُ ذَلِكَ، فَما طالِبَةٌ لِلْجِنْسِ (وتِلْكَ) لِلتَّحْقِيرِ والتَّعْدادِ في الجَوابِ لِأجْلِهِ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ أيْضًا بِأنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ مَن جِنْسِ المَنطُوقِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: هي خَشَبَةٌ يابِسَةٌ لا تَنْفَعُ إلّا مَنافِعَ سائِرِ الخَشَباتِ ولِذَلِكَ ذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ العَصا وأجْرى عَلَيْها ما أجْرى، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ ما رَأى غَلَبَتْ عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ والهَيْبَةُ فَسَألَهُ سُبْحانَهُ وتَكَلَّمَ مَعَهُ إزالَةً لِتِلْكَ الهَيْبَةِ والدَّهْشَةِ، فَما طالِبَةٌ إمّا لِلْوَصْفِ أوْ لِلْجِنْسِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ التَّأْنِيسِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِتَنْزِيلِ العَصا مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِغَفْلَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، والإجْمالُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ سُبْحانَهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُ عَزَّ وجَلَّ مَرَّةً أُخْرى. وتَطُولُ المُكالَمَةُ وتَزْدادُ اللَّذاذَةُ الَّتِي لِأجْلِها أطْنَبَ أوَّلًا، وما ألَذَّ مُكالَمَةَ المَحْبُوبِ، ومِن هُنا قِيلَ: وأمْلى حَدِيثًا يُسْتَطابُ فَلَيْتَنِي ∗∗∗ أطَلْتُ ذُنُوبًا كَيْ يَطُولَ عِتابُهُ صفحة 177 ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعُودِ غَلَبَةِ الدَّهْشَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُقَرِّرَهُ عَلى أنَّها خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها حَيَّةً لا يَخافُها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ السُّؤالُ واحِدٌ والجَوابُ واحِدٌ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، جَوابٌ لِسُؤالٍ آخَرَ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قالَ لَهُ تَعالى: فَما تَصْنَعُ بِها؟ فَقالَ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَنْ شَيْئَيْنِ عَنِ العَصا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما تِلْكَ﴾ وعَمّا يَمْلِكُهُ مِنها بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (بِيَمِينِكَ) فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَكَّأ عَلَيْهِما لا سِيَّما الأخِيرُ. هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ التَّوَكُّؤِ عَلى العَصا وإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ بِحَيْثُ تَكُونُ وتَرًا لِقَوْسِهِ وعَلى اسْتِحْبابِ الِاقْتِصادِ في المَرْعى بِالهَشِّ وهو ضَرْبُ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ الوَرَقُ دُونَ الِاسْتِئْصالِ لِيَخْلُفَ فَيَنْتَفِعَ بِهِ الغَيْرُ. وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ فِيها فَوائِدَ سَنَذْكُرُ بَعْضَها في بابِ الإشارَةِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِهِ

طه 20:19

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ؟ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما تَرى، والإلْقاءُ الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَصا، وكَوْنُ قائِلِ هَذا هو اللَّهَ تَعالى هو الظّاهِرُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلِكُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أبْعَدَ غايَةَ البُعْدِ ﴿فَألْقاها﴾ رَيْثَما قِيلَ لَهُ ألْقِها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ تَمْشِي وتَنْتَقِلُ بِسُرْعَةٍ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والأُنْثى والذَّكَرِ، وقَدِ انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ كَما يَفْصَحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وتَشْبِيهُها بِالجانِّ وهو الدَّقِيقُ مِنها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ مِن حَيْثُ الجَلادَةُ وسُرْعَةُ الحَرَكَةِ لا مِن حَيْثُ صِغَرُ الجُثَّةِ فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلَظِ العَصا ثُمَّ انْتَفَخَتْ وغَلُظَتْ فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ مَعَ ظُهُورِ اقْتِضاءِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَهُ وبُعْدِها عَنِ التَّأْوِيلِ. وقَدْ رَوى الأمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ بَعْدَ أنْ ألْقاها فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ يُرى يُلْتَمَسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخِلْفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمَها ويَطْعَنَ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تُوقَدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَما مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْهِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ

طه 20:20

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ؟ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما تَرى، والإلْقاءُ الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَصا، وكَوْنُ قائِلِ هَذا هو اللَّهَ تَعالى هو الظّاهِرُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلِكُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أبْعَدَ غايَةَ البُعْدِ ﴿فَألْقاها﴾ رَيْثَما قِيلَ لَهُ ألْقِها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ تَمْشِي وتَنْتَقِلُ بِسُرْعَةٍ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والأُنْثى والذَّكَرِ، وقَدِ انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ كَما يَفْصَحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وتَشْبِيهُها بِالجانِّ وهو الدَّقِيقُ مِنها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ مِن حَيْثُ الجَلادَةُ وسُرْعَةُ الحَرَكَةِ لا مِن حَيْثُ صِغَرُ الجُثَّةِ فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلَظِ العَصا ثُمَّ انْتَفَخَتْ وغَلُظَتْ فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ مَعَ ظُهُورِ اقْتِضاءِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَهُ وبُعْدِها عَنِ التَّأْوِيلِ. وقَدْ رَوى الأمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ بَعْدَ أنْ ألْقاها فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ يُرى يُلْتَمَسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخِلْفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمَها ويَطْعَنَ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تُوقَدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَما مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْهِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ

طه 20:21

ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ نُودِيَ يا مُوسى (إلَيَّ) ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأخْذِها وهو ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿خُذْها﴾ أيِ: الحَيَّةَ وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرًا، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ( خُذْها بِيَمِينِكَ ) ﴿ولا تَخَفْ﴾ مِنها، ولَعَلَّ ذَلِكَ الخَوْفَ صفحة 178 مِمّا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ فَإنَّ البَشَرَ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ يَخافُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو لا يُنافِي جَلالَةَ القَدْرِ. وقِيلَ: إنَّما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ رَأى أمْرًا هائِلًا صَدَرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِلا واسِطَةٍ ولَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَنارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صَدَرَتْ عَلى يَدِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى وكانَتْ حَقِيقَةُ أمْرِها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها كَما خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّما خافَ لِأنَّهُ عَرَفَ ما لَقِيَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ حَيْثُ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ في خُرُوجِ أبِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما عُطِفَ النَّهْيُ عَلى الأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (سَنُعِيدُها) أيْ: بَعْدَ الأخْذِ (سِيرَتَها) أيْ: حالَتَها (الأُولى) الَّتِي هي العَصَوِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها، ودَعْوى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عُدَّةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيذانًا بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا تَعْتَرِيهِ شائِبَةٌ تُزَلْزَلُ عِنْدَ مَحاجَّةِ فِرْعَوْنَ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ انْقِلابِها حَيَّةً وأمْرِهِ بِأخْذِها ونَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ تَأْنِيسُهُ فِيما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ هَذا مَأْخَذُ تِلْكَ الدَّعْوى. قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ هَذا الخِطابِ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلَحْيَيْها، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ وكانَتْ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِما تُحاذِرُ أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قالَ: لا ولَكِنِّي ضَعِيفٌ ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، حَتّى سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَ يَضَعُها فِيهِ إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ. والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نُودِيَ المَرَّةَ الأُولى: يا مُوسى خُذْها فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّالِثَةَ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ فَأخَذَها، وذَكَرَ مَكِّيٌّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ. والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُقالُ لِلْهَيْئَةِ والحالَةِ الواقِعَةِ فِيهِ ثُمَّ جُرِّدَتْ لِمُطْلَقِ الهَيْئَةِ والحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ، ومِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُها في المَذْهَبِ والطَّرِيقَةِ في قَوْلِهِمْ: سِيرَةُ السَّلَفِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: فَلا تَغْضَبَنْ مِن سِيرَةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلَ راضٍ سِيرَةً مَن يَسِيرُها واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ نَصْبِها في الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ إلى سِيرَتِها أوْ لِسِيرَتِها وهو كَثِيرٌ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحُوفِيِّ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُعِيدَها عَلى حَذْفِ الجارِّ نَحْوَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وارْتَضاهُ ابْنُ هِشامٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أعادَ مَنقُولًا مِن عادَهُ بِمَعْنى عادَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: فَصَرِّمْ حَبْلَها إذْ صَرَّمَتْهُ ∗∗∗ وعادَكَ أنَّ تَلاقِيَها عَداءُ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ لِاعْتِبارِ النَّقْلِ فِيهِ والخافِضُ يُحْذَفُ مِن أعادَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ثُلاثَيْهِ وتَعَدّى عادَ بِنَفْسِهِ مِمّا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ، فَقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْ عادَكَ في البَيْتِ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى صَرَفَكَ، وكَذا نَقَلَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ. وفي المُغْرِبِ العَوْدُ الصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً وثانِيًا، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِإلى وعَلى وفي واللّامِ. صفحة 179 وفِي مَشارِقِ اللُّغَةِ لِلْقاضِي عِياضٍ مِثْلُهُ، ونُقِلَ عَنِ الحَدِيثِ ( «أعُدْتَ فَتّانًا يا مُعاذُ» ؟ ) . وقالَ أبُو البَقاءِ: هي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها الأُولى. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ سِيرَتَها وطَرِيقَتَها ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى طَرِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلّا بِوَساطَةِ في ولا يَجُوزُ الحَذْفُ إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ فِيما شَذَّتْ فِيهِ العَرَبُ، وحاصِلُهُ أنَّ شَرْطَ الِانْتِصابِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا وهو الإبْهامُ مَفْقُودٌ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَنْ نُحاةِ المَغْرِبِ أنَّهم قَسَّمُوا المُبْهَمَ إلى أقْسامٍ مِنها المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ كالمَذْهَبِ والمَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الظَّرْفِ نَحْوَ قَصْدِكَ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَخْتُومِ بِالتّاءِ وغَيْرِهِ، فالنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فِيما ذُكِرَ غَيْرُ شاذٍّ ولا ضَرُورَةَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَحْسَنَهُ أنْ يَكُونَ (سَنُعِيدُها) مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِسِيرَتِها بِمَعْنى أنَّها أُنْشِئَتْ أوَّلَ ما أُنْشِئَتْ عَصًا ثُمَّ ذَهَبَتْ وبَطَلَتْ بِالقَلْبِ حَيَّةً، فَسَنُعِيدُها بَعْدَ الذَّهابِ كَما أنْشَأْناها أوَّلًا، (وسِيرَتَها) مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى أيْ سَنُعِيدُها سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى حَيْثُ كُنْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَيْها وتَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِكَ ولَكَ فِيها المَآرِبُ الَّتِي عَرَفْتَها. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلِهِ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما ذَكَرَهُ وإنْ حَسُنَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خِلافَ المُتَبادِرِ، هَذا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كانْقِلابِ النُّحاسِ إلى الذَّهَبِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ، ولا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الإرادَةِ لَهُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ والحَقُّ الأوَّلُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ مَثَلًا ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقُ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا ( عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هو انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً كانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأيِّهِما كانَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ الثّانِي فَإنَّ في كَوْنِ خَلْقِ البَدَلِ انْقِلابًا خَفاءً كَما لا يَخْفى.

طه 20:22

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أخَذَ الحَيَّةَ وانْقَلَبَتْ عَصا كَما كانَتْ والضَّمُّ الجَمْعُ، والجَناحُ كَما في القامُوسِ اليَدُ والعَضُدُ والإبِطُ والجانِبُ ونَفْسُ الشَّيْءِ ويُجْمَعُ عَلى أجْنِحَةٍ وأجْنُحٌ، وفي البَحْرِ الجَناحُ حَقِيقَةٌ في جَناحِ الطّائِرِ والمَلِكِ ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى اليَدِ والعَضُدِ وجَنْبِ الرَّجُلِ. وقِيلَ: لِمُجَنِّبَتَيِ العَسْكَرِ جَناحانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وسُمِّي جَناحُ الطّائِرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُجْنِحُهُ أيْ يُمِيلُهُ عِنْدَ الطَّيَرانِ، والمُرادُ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى مِن طَوْقِ مِدْرَعَتَكَ واجْعَلْها تَحْتَ إبْطِ اليُسْرى أوْ تَحْتَ عَضُدِها عِنْدَ الإبِطِ أوْ تَحْتَها عِنْدَهُ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾، ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُهم مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى الإدْخالِ فِيهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ وأصْلُ الكَلامِ اضْمُمْ يَدَكَ تَنْضَمَّ وأخْرِجْها تَخْرُجُ فَحَذِفَ ما حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ. والثّانِي وأبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهو إيجازٌ يُسَمّى بِالِاحْتِباكِ، ونَصْبُ (بَيْضاءَ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (تَخْرُجْ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بَيْضاءَ) أوْ صِفَةٌ لِبَيْضاءَ كَما قالَ الحُوفِيُّ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما قالَ صفحة 180 أبُو حَيّانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَخَرُّجٍ كَما جَوَّزَهُ غَيْرُ واحِدٍ. والسُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ لِما أنَّ الطِّباعَ تَنْفِرُ عَنْهُ الأسْماعُ تَمُجُّهُ. وهو أبْغَضُ شَيْءٍ عِنْدَ العَرَبِ ولِهَذا كَنَّوْا عَنْ جُذَيْمَةَ صاحِبِ الزَّبّاءِ وكانَ أبْرَصَ بِالأبْرَشِ والوَضّاحِ، وفائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِراسِ فَإنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ لِأُوهِمَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن بَرَصٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاحْتِراسُ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبِ الخُرُوجِ عَنِ الخِلْقَةِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى: تَخْرُجُ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ عَيْبٍ وقُبْحٍ في ذَلِكَ الخُرُوجِ أوْ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبٍ مُطْلَقًا. يُرْوى أنَّها خَرَجَتْ بَيْضاءَ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ يُغْشِي البَصَرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمَ اللَّوْنِ ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا. وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ) والصَّحِيحُ جَوازُ تَعَدُّدِ الحالِ لِذِي حالٍ واحِدٍ أوْ مِن ضَمِيرِ (بَيْضاءَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (بَيْضاءَ) ويَرْجِعُ إلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ خُذْ آيَةً وحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ جَوازُ تَقْدِيرِ دُونَكَ عامِلًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ مِن جَوازِ عَمَلِ اسْمِ الفِعْلِ مَحْذُوفًا ومَنَعَهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ ولا يُحْذَفُ النّائِبُ والمَنُوبُ عَنْهُ، ونُقِضَ بَيا النِّدائِيَّةِ فَإنَّها تُحْذَفُ مَعَ أنَّها نائِبَةٌ عَنْ أدَعُو، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعَ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ أيْ جَعَلْناها أوْ آتَيْناكَ آيَةً أُخْرى، وجَعَلَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ تَعالى:

طه 20:23

﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المَحْذُوفِ. ومَن قَدَّرَ خُذْ ونَحْوَهُ جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِهِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقَهُ بِاضْمُمْ، وتَعَلُّقَهُ بِتَخْرُجْ، وأبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (آيَةً) أيْ دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ. ومَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِها لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ. وبَعْضُهم تَعَلَّقَهُ بِألْقِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى عَلى أنَّ (الكُبْرى) صِفَةٌ لِآياتِنا عَلى حَدِّ (مَآرِبُ أُخْرى) و(مِن آياتِنا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ومِن فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ الكُبْرى مِن آياتِنا عَلى أنَّ (الكُبْرى) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِنُرِيَكَ و(مِن آياتِنا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ومِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ. وتَقْدِيمُ الحالِ مَعَ أنَّ صاحِبَهُ مَعْرِفَةٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجَوَّزَ كِلا الإعْرابَيْنِ في ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ الحُوفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهم. واخْتارَ في البَحْرِ الإعْرابَ الأوَّلَ ورَجَّحَهُ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ آياتِهِ تَعالى كُلَّها كُبْرى بِخِلافِ الإعْرابِ الثّانِي وبِأنَّهُ عَلى الثّانِي لا تَكُونُ (الكُبْرى) صِفَةَ العَصا واليَدِ مَعًا وإلّا لَقِيلَ: الكُبْرَيَيْنِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ أحَدُهُما لِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْعُدُ ما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَدَ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغْيِيرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيها تَغْيِيرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ عَوْدِها عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَتْ أعْظَمَ في الإعْجازِ مِنَ اليَدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (الكُبْرى) صِفَةً لَهُما ولِاتِّحادِ المَقْصُودِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً وأفْرَدَتِ الصِّفَةَ لِذَلِكَ. وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْيَدِ والعَصا غَنِيَّةٌ عَنِ الوَصْفِ بِها لِظُهُورِ كَوْنِها كُبْرى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ مِن عَلى الإعْرابِ الثّانِي لِلْبَيانِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ لِنُرِيَكَ الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِنا لِيَصِحَّ الحَمْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَيانُ ولا يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الإعْرابِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ ولا يُساوِيهِ أصْلًا. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كُلَّ احْتِمالٍ مِنِ احْتِمالاتِ مُتَعَلِّقِ اللّامِ خَلا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وصْفِ آيَةِ صفحة 181 العَصا بِالكِبَرِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، ويُعْتَذَرَ بِأنَّ عَدَمَ الوَصْفَ لِلظُّهُورِ مَعَ ظُهُورِ الِاحْتِمالِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ المَقالِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ.

طه 20:24

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلُّصٌ إلى ما هو المَقْصِدُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ أيِ اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِن آياتِنا الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ جاوِزِ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ والتَّجَبُّرِ حَتّى تُجاسِرَ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْنُ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ حَتّى شَدَّ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ فاسْتَقَرَّ وذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ وجَمَعَ يَدَهُ في العَصا وخَضَعَ بِرَأْسِهِ وعُنُقِهِ ثُمَّ قالَ لَهُ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ تَعالى عَلَيْهِ: انْطَلَقَ بِرِسالَتِي فَإنَّكَ بِعَيْنَيَّ وسَمْعَيَّ وإنَّ مَعَكَ أيْدِي ونَصْرِي وإنِّي قَدْ ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي تَسْتَكْمِلُ بِها القُوَّةَ في أمْرِي، فَأنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِن جُنُودِي بَعَثْتُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي وأمِنَ مَكْرِي وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي وعَبَدَ مَن دُونِي وزَعَمَ أنَّهُ لا يَعْرِفُنِي وإنِّي لَأُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا العُذْرُ والحُجَّةُ اللَّذانِ وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ والبِحارُ فَإنْ أمَرْتُ السَّماءَ حَصَبَتْهُ وإنْ أمَرْتُ الأرْضَ ابْتَلَعَتْهُ وإنْ أمَرْتُ البِحارَ غَرَّقَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الجِبالَ دَمَّرَتْهُ، ولَكِنَّهُ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي ووَسِعَهُ حِلْمِي واسْتَغْنَيْتُ بِما عِنْدِي وحَقَّ لِي أنِّي أنا الغَنِيُّ لا غَنِيَّ غَيْرِي فَبَلِّغْهُ رِسالَتِي، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإخْلاصِ اسْمِي، وذَكِّرْهُ بِأيّامِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وبَأْسِي، وأخْبِرْهُ أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي، وقُلْ لَهُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، وأخْبِرْهُ أنِّي إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ أسْرَعُ مِنِّي إلى الغَضَبِ والعُقُوبَةِ، ولا يَرُوعَنَّكَ ما ألْبَسْتُهُ مِن لِباسِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدَيَّ لَيْسَ يَطْرِفُ ولا يَنْطِقُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِإذْنِي، وقُلْ لَهُ: أجِبْ رَبَّكَ، فَإنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، فَإنَّهُ قَدْ أمْهَلَكَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، في كُلِّها أنْتَ مُبارِزُهُ بِالمُحارَبَةِ، تَتَشَبَّهُ وتَتَمَثَّلُ بِهِ، وتَصُدُّ عِبادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّماءَ، ويُنْبِتُ لَكَ الأرْضَ، لَمْ تَسْقَمْ، ولَمْ تَهْرَمْ، ولَمْ تَفْتَقِرْ، ولَمْ تُغْلَبْ، ولَوْ شاءَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ ذَلِكَ بِكَ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ ذُو أناةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ. في كَلامٍ طَوِيلٍ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ سَكَتَ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ أكْثَرَ فَجاءَهُ مَلَكٌ فَقالَ: أنْفِذْ ما أمَرَكَ رَبُّكَ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ شَيْءٌ

طه 20:25

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ مِنَ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ والتَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ فاسْتَوْهَبَ رَبَّهُ تَعالى أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ ويَجْعَلَهُ حَلِيمًا حَمُولًا يَسْتَقْبِلُ ما عَسى أنْ يَرِدَ عَلَيْهِ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ إلى مَرِّ الحَقِّ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَذْهَبُ مَعَها صَبْرُ الصّابِرِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأهْوَلُها بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ، فالمُرادُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ جَعْلُهُ بِحَيْثُ لا يَضْجَرُ ولا يَقْلَقُ مِمّا يَقْتَضِي بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ الضَّجَرَ والقَلَقَ مِنَ صفحة 182 الشَّدائِدِ، وفي طَلَبِ ذَلِكَ إظْهارٌ لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْراضٌ عَنِ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ: ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لَلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزُ عِنْدَ الأحِبَّةِ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الشَّرْحِ البَسْطُ ونَحْوُهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ بَسْطُهُ بِنُورٍ إلَهِيٍّ وسَكِينَةٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ورُوحٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم فِيهِ عِباراتٌ أُخَرُ لَعَلَّ بَعْضَها سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا القَوْلَ مُعَلَّقٌ بِما خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إلى هَذا المَقامِ، فَيَكُونُ قَدْ طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِيَقِفَ عَلى دَقائِقِ المَعْرِفَةِ وأسْرارِ الوَحْيِ ويَقُومَ بِمَراسِمِ الخِدْمَةِ والعِبادَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولا يَضْجَرُ مِن شَدائِدِ التَّبْلِيغِ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَصَبَ لِذَلِكَ المَنصِبَ العَظِيمَ وخُوطِبَ بِما خُوطِبَ في ذَلِكَ المَقامِ احْتاجَ إلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ مِن تَلَقِّي الوَحْيِ والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإصْلاحِ العالَمِ السُّفْلِيِّ فَكَأنَّهُ كُلِّفَ بِتَدْبِيرِ العالِمَيْنِ والِالتِفاتِ إلى أحَدِهِما يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالآخَرِ، فَسَألَ شَرْحَ الصَّدْرِ حَتّى يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ ما يَكُونُ وافِيًا بِضَبْطِ تَدْبِيرِ العالَمَيْنِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ قَدِ انْطَوى فِيهِ الإشارَةُ إلى مَنصِبِ الرِّسالَةِ المُسْتَتْبِعِ تَكالِيفَ لائِقَةً بِهِ مِنها ما هو راجِعٌ إلى الحَقِّ ومِنها ما هو مَنُوطٌ بِالخَلْقِ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ ذَلِكَ فَبَسَطَ كَفَّ الضَّراعَةِ لِطَلَبِ ما يُعِينُهُ عَلى أداءِ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَلا يَتَوَقَّفُ تَعْمِيمُ شَرْحِ الصَّدْرِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِأوَّلِ الكَلامِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الصَّدْرَ عِنْدَ عُلَماءِ الرُّسُومِ يُرادُ مِنهُ القَلْبُ لِأنَّهُ المُدْرِكُ أوْ مِمّا بِهِ الإدْراكُ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ. ولِعُلَماءِ القُلُوبِ كَلامٌ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ مَعَ بَعْضِ ما أطْنَبَ بِهِ الإمامُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي ذِكْرِ كَلِمَةِ (لِي) مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإبْهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرِهِما ثانِيًا، فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿اشْرَحْ لِي﴾ عَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا يَخْتَصُّ بِهِ حَتّى لَوِ اكْتَفى لَتَمَّ فَإذا قِيلَ (صَدْرِي) أفادَ التَّفْسِيرَ والتَّفْصِيلَ أمّا لَوْ قِيلَ ﴿اشْرَحْ﴾ واكْتُفِيَ بِهِ فَلا وكَذا الكَلامُ في (يَسِّرْ لِي) . وقِيلَ: ذَكَرَ (لِي) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ . وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ وهو الَّذِي أفادَ هَذا المَعْنى. وفي الِانْتِصافِ أنَّ فائِدَةَ ذَكَرِها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَنفَعَةَ شَرْحِ الصَّدْرِ راجِعَةٌ إلَيْهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يُبالِي بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وقِسْ عَلَيْهِ (يَسِّرْ لِي أمْرِي)

طه 20:26

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ مِنَ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ والتَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ المَذْكُورَةِ أنَّهُ كُلِّفَ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ فاسْتَوْهَبَ رَبَّهُ تَعالى أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ ويَجْعَلَهُ حَلِيمًا حَمُولًا يَسْتَقْبِلُ ما عَسى أنْ يَرِدَ عَلَيْهِ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ إلى مَرِّ الحَقِّ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي يَذْهَبُ مَعَها صَبْرُ الصّابِرِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأهْوَلُها بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ، فالمُرادُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ جَعْلُهُ بِحَيْثُ لا يَضْجَرُ ولا يَقْلَقُ مِمّا يَقْتَضِي بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ الضَّجَرَ والقَلَقَ مِنَ صفحة 182 الشَّدائِدِ، وفي طَلَبِ ذَلِكَ إظْهارٌ لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْراضٌ عَنِ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ: ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لَلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزُ عِنْدَ الأحِبَّةِ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الشَّرْحِ البَسْطُ ونَحْوُهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ بَسْطُهُ بِنُورٍ إلَهِيٍّ وسَكِينَةٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ورُوحٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم فِيهِ عِباراتٌ أُخَرُ لَعَلَّ بَعْضَها سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا القَوْلَ مُعَلَّقٌ بِما خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إلى هَذا المَقامِ، فَيَكُونُ قَدْ طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِيَقِفَ عَلى دَقائِقِ المَعْرِفَةِ وأسْرارِ الوَحْيِ ويَقُومَ بِمَراسِمِ الخِدْمَةِ والعِبادَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولا يَضْجَرُ مِن شَدائِدِ التَّبْلِيغِ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَصَبَ لِذَلِكَ المَنصِبَ العَظِيمَ وخُوطِبَ بِما خُوطِبَ في ذَلِكَ المَقامِ احْتاجَ إلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ مِن تَلَقِّي الوَحْيِ والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإصْلاحِ العالَمِ السُّفْلِيِّ فَكَأنَّهُ كُلِّفَ بِتَدْبِيرِ العالِمَيْنِ والِالتِفاتِ إلى أحَدِهِما يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالآخَرِ، فَسَألَ شَرْحَ الصَّدْرِ حَتّى يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ ما يَكُونُ وافِيًا بِضَبْطِ تَدْبِيرِ العالَمَيْنِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ قَدِ انْطَوى فِيهِ الإشارَةُ إلى مَنصِبِ الرِّسالَةِ المُسْتَتْبِعِ تَكالِيفَ لائِقَةً بِهِ مِنها ما هو راجِعٌ إلى الحَقِّ ومِنها ما هو مَنُوطٌ بِالخَلْقِ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ ذَلِكَ فَبَسَطَ كَفَّ الضَّراعَةِ لِطَلَبِ ما يُعِينُهُ عَلى أداءِ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَلا يَتَوَقَّفُ تَعْمِيمُ شَرْحِ الصَّدْرِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِأوَّلِ الكَلامِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الصَّدْرَ عِنْدَ عُلَماءِ الرُّسُومِ يُرادُ مِنهُ القَلْبُ لِأنَّهُ المُدْرِكُ أوْ مِمّا بِهِ الإدْراكُ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ. ولِعُلَماءِ القُلُوبِ كَلامٌ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ مَعَ بَعْضِ ما أطْنَبَ بِهِ الإمامُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي ذِكْرِ كَلِمَةِ (لِي) مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإبْهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرِهِما ثانِيًا، فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿اشْرَحْ لِي﴾ عَلِمَ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا يَخْتَصُّ بِهِ حَتّى لَوِ اكْتَفى لَتَمَّ فَإذا قِيلَ (صَدْرِي) أفادَ التَّفْسِيرَ والتَّفْصِيلَ أمّا لَوْ قِيلَ ﴿اشْرَحْ﴾ واكْتُفِيَ بِهِ فَلا وكَذا الكَلامُ في (يَسِّرْ لِي) . وقِيلَ: ذَكَرَ (لِي) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ . وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ وهو الَّذِي أفادَ هَذا المَعْنى. وفي الِانْتِصافِ أنَّ فائِدَةَ ذَكَرِها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَنفَعَةَ شَرْحِ الصَّدْرِ راجِعَةٌ إلَيْهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يُبالِي بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وقِسْ عَلَيْهِ (يَسِّرْ لِي أمْرِي)

طه 20:27

﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَتَّةٌ مِن جَمْرَةٍ أدْخَلَها فاهُ في صِغَرِهِ. وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حَمَلَهُ ذاتَ يَوْمٍ فَأخَذَ خَصْلَةً مِن لِحْيَتِهِ لِما كانَ فِيها مِنَ الجَواهِرِ. وقِيلَ: لَطَمَهُ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِقَضِيبٍ في يَدِهِ عَلى رَأْسِهِ فَتَطَيَّرَ، فَدَعا بِالسَّيّافِ، فَقالَتْ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأتُهُ وكانَتْ تُحِبُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّما هو صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الياقُوتِ والجَمْرِ فَأُحْضِرا وأرادَ أنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلى الياقُوتِ فَحَوَّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَهُ إلى الجَمْرَةِ فَأخَذَها فَوَضَعَها في فِيهِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ النّارَ تَحْرِقُ بِالطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا لَأحْرَقَتْ يَدَهُ. وذَكَرَ في حِكْمَةِ إذَنِ اللَّهِ تَعالى لَها بِإحْراقِ لِسانِهِ دُونَ يَدِهِ أنَّ يَدَهُ صارَتْ آلَةً لِما ظاهِرُهُ الإهانَةُ لِفِرْعَوْنَ. ولَعَلَّ تَبْيِيضَها كانَ لِهَذا أيْضًا، وإنَّ لِسانَهُ كانَ آلَةً لِضِدِّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهُ بِما يَدْعُو بِهِ الأطْفالُ الصِّغارُ آباءَهم. وقِيلَ: احْتَرَقَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا فاجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في عِلاجِها فَلَمْ تَبْرَأْ. ولَعَلَّ ذَلِكَ لِئَلّا يُدْخِلَها عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ فَتُفْقَدَ صفحة 183 بَيْنَهُما حُرْمَةُ المُؤاكَلَةِ فَلَمّا دَعاهُ قالَ: إلى أيِّ رَبٍّ تَدْعُونِي؟ قالَ: إلى الَّذِي أبْرَأ يَدِي وقَدْ عَجَزْتَ عَنْهُ. وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا أنْ يَطْرَحَ عَلَيْهِ السَّلامُ النّارَ مِن يَدِهِ ولا يُوصِلُها إلى فِيهِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يَحُسَّ بِالألَمِ إلّا بَعْدَ أنْ أوْصَلَها فاهُ أوْ أحَسَّ لَكِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إلْقائِها في الأرْضِ وإلْقائِها في فَمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا. وقِيلَ: كانَتِ العُقْدَةُ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خِلْقَةً. وقِيلَ: إنَّها حَدَثَتْ بَعْدَ المُناجاةِ وفِيهِ بُعْدٌ. واخْتَلَفَ في زَوالِها بِكَمالِها فَمَن قالَ بِهِ كالحَسَنِ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ كالجُبّائِيِّ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ . «وبِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَتَّةٌ وحُبْسَةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: إنَّهُ ورِثَها مِن عَمِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأجابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ حَلَّ عُقْدَةِ لِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ عُقْدَةٍ تَمْنَعُ الإفْهامَ ولِذَلِكَ نَكَّرَها ووَصَفَها بِقَوْلِهِ ﴿مِن لِسانِي﴾ ولَمْ يُضِفْها مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ ولا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِلْوَصْفِيَّةِ إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وجَعَلَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً أيْ عُقْدَةً كائِنَةً مِن عُقَدِ لِسانِي، فَإنَّ العُقْدَةَ لِلِّسانِ لا مِنهُ.

طه 20:28

وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ جَوابَ الطَّلَبِ وغَرَضًا مِنَ الدُّعاءِ، فَبِحَلِّها في الجُمْلَةِ يَتَحَقَّقُ إيتاءُ سُؤْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ اسْتِدْعاءِ الحَلِّ عَلى أنَّهُ شاهِدٌ عَلى عَدَمِ بَقاءِ اللُّكْنَةِ لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ فَصِيحًا غايَتُهُ أنَّ فَصاحَةَ أخِيهِ أكْثَرُ وبَقِيَّةُ اللُّكْنَةِ تُنافِي الفَصاحَةَ اللُّغَوِيَّةَ المُرادَةَ هَنا بِدَلالَةِ قَوْلِهِ لِسانًا. ويَشْهَدُ لِهَذِهِ المُنافاةِ ما قالَهُ ابْنُ هِلالٍ في كِتابِ الصِّناعَتَيْنِ: الفَصاحَةُ تَمامُ آلَةِ البَيانِ ولِذا لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى: فَصِيحٌ وإنْ قِيلَ لِكَلامِهِ سُبْحانَهُ فَصِيحٌ ولِذَلِكَ لا يُسَمّى الألْثَغُ والتَّمْتامُ فَصِيحِينَ لِنُقْصانِ آلَتِهِما عَنْ إقامَةِ الحُرُوفِ وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ مَعْناهُ لا يَأْتِي بِبَيانٍ وحُجَّةٍ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ اللَّعِينُ تَمْوِيهًا لِيَصْرِفَ الوُجُوهَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَفْيَ البَيانِ وإفْهامَ الكَلامِ لِاعْتِقالِ اللِّسانِ لَدَلَّ عَلى عَدَمِ زَوالِ العُقْدَةِ أصْلًا ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الخَبَرِ، وبِأنَّ تَنْكِيرَ (عُقْدَةً) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّتِها في نَفْسِها. ومَن يُجَوِّزُ تَعَلُّقَها بِاحْلُلْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّ المَحْلُولَ إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ ومُتَّصِلًا بِهِ، فَكَما يَتَعَلَّقُ الحَلُّ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أيْضًا بِاعْتِبارِ إزالَتِهِ عَنْهُ أوِ ابْتِداءِ حُصُولِهِ مِنهُ، وعَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِها بِمَحْذُوفِ وقْعِ صِفَةٍ لِعُقْدَةٍ لا نُسَلِّمُ وُجُوبَ تَقْدِيرِ مُضافٍ وجَعْلِ مِن تَبْعِيضِيَّةً، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في ولا تَقْدِيرَ أيْ عُقْدَةً في لِسانِي بَلْ قِيلَ: ولا مانِعَ أيْضًا مِن جَعْلِها ابْتِدائِيَّةً مَعَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ وأيُّ فَسادٍ في قَوْلِنا: عُقْدَةً ناشِئَةً مِن لِسانِي. والحاصِلُ أنَّ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى بَقاءِ عُقْدَةٍ ما في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمِ زَوالِها بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ تامٍّ لَكِنْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ الظَّواهِرَ تَقْتَضِي ذَلِكَ وهي تَكْفِي في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ، وثِقَلُ ما في اللِّسانِ لا يُخَفِّفُ قَدْرَ الإنْسانِ. وقَدْ ذُكِرَ أنَّ في لِسانِ المَهْدِيِّ المُنْتَظَرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حُبْسَةً ورُبَّما يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الكَلامُ حَتّى يَضْرِبَ بِيَدِهِ اليُمْنى، فَخُذْ رِجْلَهُ اليُسْرى وقَدْ بَلَغَكَ ما ورَدَ في فَضْلِهِ. وقالَ بَعْضُهم: لا تُقاوِمُ فَصاحَةُ الذّاتِ إعْرابَ الكَلِماتِ. وأنْشَدَ قَوْلَ القائِلِ: سِرُّ الفَصاحَةِ كامِنٌ في المَعْدِنِ لِخَصائِصِ الأرْواحِ لا لِلْألْسُنِ وقَوْلَ الآخَرِ: لِسانٌ فَصِيحٌ مُعْرِبٌ في كَلامِهِ ∗∗∗ فَيا لَيْتَهُ في مَوْقِفِ الحَشْرِ يَسْلَمُ وما يَنْفَعُ الإعْرابَ إنْ لَمْ يَكُنْ تُقًى ∗∗∗ وما ضَرَّ ذا تَقْوى لِسانٌ مُعَجَّمُ صفحة 184 نَعَمْ ما يُخِلُّ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ مِن رَتَّةٍ تُؤَدِّي إلى عَدَمِ فَهْمِ الوَحْيِ مَعَها ونُفْرَةِ السّامِعِ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهم كُلُّهم فُصَحاءُ اللِّسانِ، لا يَفُوتُ سامِعَهم شَيْءٌ مِن كَلامِهِمْ ولا يُنَفَّرُ عَنْ سَماعِهِ وإنْ تَفاوَتُوا في مَراتِبِ تِلْكَ الفَصاحَةِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يَطْلُبْ أعْلى مَراتِبِ فَصاحَةِ اللِّسانِ وطَلاقَتِهِ عِنْدَ الجُبّائِيِّ ومَن وافَقَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ في ذَلِكَ كَثِيرَ فَضْلٍ، وغايَةُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ زِينَةٌ مِن زِينَةِ الدُّنْيا وبَهاءٌ مِن بَهائِها والفَضْلُ الكَثِيرُ في فَصاحَةِ البَيانِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في عُرْفِ أهْلِ المَعانِي والبَيانِ وما ورَدَ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَمِّ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما بُيِّنَ في شُرُوحِ الأحادِيثِ. ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ تَفْسِيرُ اللِّسانِ بِالآلَةِ الجارِحَةِ نَفْسِها وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ القائِمَةِ بِالجارِحَةِ. والفِقْهُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ والفَهْمُ لَهُ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو التَّوَصُّلُ إلى عِلْمٍ غائِبٍ بِعِلْمٍ شاهِدٍ فَهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ. والظّاهِرُ هُنا الفَهْمُ أيِ احْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْهَمُوا قَوْلِي

طه 20:29

﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ مُعاوِنًا في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كُلِّفْتُهُ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى الحِمْلِ الثَّقِيلِ فَهو في الأصْلِ صِفَةٌ مِن ذَلِكَ ومَعْناهُ صاحِبُ وِزْرٍ أيْ حامِلُ حِمْلٍ ثَقِيلٍ، وسُمِّيَ القائِمُ بِأمْرِ المُلْكِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنْهُ وِزْرَ الأُمُورِ وثِقَلَها أوْ مَلْجَأً اعْتَصَمَ بِرَأْيِهِ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوَزَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وأصْلُهُ الجَبَلُ يُتَحَصَّنُ بِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَلْجَأِ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ: شَرُّ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرٌ والنّاسُ شَرُّهُمُ ما دُونَهم وزَرُ كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعٌ ∗∗∗ وما تَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ وسُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أمْرِهِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيْ مَلْجُوءٍ إلَيْهِ أوْ هو لِلنَّسَبِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أزِيرٌ مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ وقُلِبَتْ فِيهِ لِانْضِمامِ ما قَبْلَها ووَزِيرٌ بِمَعْناهُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وحَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّهُ سُمِعَ مُؤازِرٌ مِن غَيْرِ إبْدالٍ ولَمْ يُسْمَعْ أزِيرٌ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ مَعَ وُجُودِ الِاشْتِقاقِ الواضِحِ وهو ما تَقَدَّمَ لا حاجَةَ إلى هَذا الِاشْتِقاقِ وادِّعاءِ القَلْبِ. ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (اجْعَلْ) قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى (هارُونَ) اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ لِأنَّها المَطْلُوبَةُ (ولِي) صِلَةٌ لِلْجَعْلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن وزِيرًا وهو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ و(مِن أهْلِي) إمّا صِفَةٌ لَوَزِيرًا أوْ صِلَةً لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿لِي وزِيرًا﴾ و﴿مِن أهْلِي﴾ عَلى ما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ و(هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ والرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ التَّوافُقُ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن وزِيرًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودَ بِالنِّسْبَةِ مَعَ أنَّ وزارَتَهُ هي المَقْصُودَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ هُنا. وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ في جَوابِ مَنِ اجْعَلْ؟ أيِ اجْعَلْ هارُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ و(لِي) تَبْيِينٌ كَما في سَقْيًا لَهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنهُما ولَوِ ابْتَدَأْتَ بِوَزِيرًا وأخْبَرْتَ عَنْهُ بِمِن أهْلِي لَمْ يَصِحَّ إذْ لا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ: إنَّ ( مِن أهْلِي ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِتَأْوِيلِهِ بِبَعْضِ أهْلِي كَأنَّهُ قِيلَ اجْعَلْ بَعْضَ أهْلِي وزِيرًا فَقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وسَدادُ المَعْنى يَقْتَضِيهِ ولا يَخْفى صفحة 185 بُعْدُهُ، ومِن ذَلِكَ قِيلَ الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجُمْلَةَ دُعائِيَّةٌ والنَّكِرَةُ يُبْتَدَأُ بِها فِيها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، فَكَذا بَعْدَ دُخُولِ النّاسِخِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ المُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا عَطْفُ المَعْرِفَةِ وهو (هارُونَ) عَلَيْها عَطْفَ بَيانٍ وهو غَرِيبٌ، وجُوِّزَ في (هارُونَ) أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ في (لِي) عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْجَعْلِ كَما يَجُوزُ فِيهِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا. ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ هَذا الِاحْتِمالِ هُناكَ ولا وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ احْتِمالِ كَوْنِهِ صِلَةً لِلْجَعْلِ هُنا. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ جَوازُ كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ هُنا وهُناكَ. وكَذا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وزِيرًا) ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يُسَهِّلُ أمْرَ الِانْعِقادِ عَلى ما قِيلَ وفِيهِ ما فِيهِ، و(أخِي) عَلى الوُجُوهِ عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ ولا ضَيْرَ في تَعَدُّدِهِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْ لِهارُونَ. ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أشْهَرَ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ الإيضاحَ حاصِلٌ مِنَ المَجْمُوعِ كَما حُقِّقَ في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ. ولا حاجَةَ إلى دَعْوى أنَّ المُضافَ إلى الضَّمِيرِ أعْرَفُ مِنَ العِلْمِ لِما فِيها مِنَ الخِلافِ. وكَذا إلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ (أخِي) في هَذا المَقامِ أشْهَرُ مِنِ اسْمِهِ العَلَمِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو العَلَمُ المَعْرُوفُ والمُخاطَبُ المَوْصُوفُ بِالمُناجاةِ والكَرامَةِ والمُتَعَرَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ في الحَقِيقَةِ ثُمَّ إنَّ البَيانَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وإنَّما إتْيانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ إلَخْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أخِي) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ.

طه 20:30

﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ مُعاوِنًا في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كُلِّفْتُهُ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى الحِمْلِ الثَّقِيلِ فَهو في الأصْلِ صِفَةٌ مِن ذَلِكَ ومَعْناهُ صاحِبُ وِزْرٍ أيْ حامِلُ حِمْلٍ ثَقِيلٍ، وسُمِّيَ القائِمُ بِأمْرِ المُلْكِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنْهُ وِزْرَ الأُمُورِ وثِقَلَها أوْ مَلْجَأً اعْتَصَمَ بِرَأْيِهِ عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوَزَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وأصْلُهُ الجَبَلُ يُتَحَصَّنُ بِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَلْجَأِ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ: شَرُّ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وزَرٌ والنّاسُ شَرُّهُمُ ما دُونَهم وزَرُ كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعٌ ∗∗∗ وما تَرى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ وسُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ في أمْرِهِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيْ مَلْجُوءٍ إلَيْهِ أوْ هو لِلنَّسَبِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أزِيرٌ مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ وقُلِبَتْ فِيهِ لِانْضِمامِ ما قَبْلَها ووَزِيرٌ بِمَعْناهُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وحَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّهُ سُمِعَ مُؤازِرٌ مِن غَيْرِ إبْدالٍ ولَمْ يُسْمَعْ أزِيرٌ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ مَعَ وُجُودِ الِاشْتِقاقِ الواضِحِ وهو ما تَقَدَّمَ لا حاجَةَ إلى هَذا الِاشْتِقاقِ وادِّعاءِ القَلْبِ. ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (اجْعَلْ) قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى (هارُونَ) اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ لِأنَّها المَطْلُوبَةُ (ولِي) صِلَةٌ لِلْجَعْلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن وزِيرًا وهو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ و(مِن أهْلِي) إمّا صِفَةٌ لَوَزِيرًا أوْ صِلَةً لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿لِي وزِيرًا﴾ و﴿مِن أهْلِي﴾ عَلى ما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ و(هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ والرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ التَّوافُقُ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن وزِيرًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودَ بِالنِّسْبَةِ مَعَ أنَّ وزارَتَهُ هي المَقْصُودَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ هُنا. وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ في جَوابِ مَنِ اجْعَلْ؟ أيِ اجْعَلْ هارُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ ﴿وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ و(لِي) تَبْيِينٌ كَما في سَقْيًا لَهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنهُما ولَوِ ابْتَدَأْتَ بِوَزِيرًا وأخْبَرْتَ عَنْهُ بِمِن أهْلِي لَمْ يَصِحَّ إذْ لا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ: إنَّ ( مِن أهْلِي ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِتَأْوِيلِهِ بِبَعْضِ أهْلِي كَأنَّهُ قِيلَ اجْعَلْ بَعْضَ أهْلِي وزِيرًا فَقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وسَدادُ المَعْنى يَقْتَضِيهِ ولا يَخْفى صفحة 185 بُعْدُهُ، ومِن ذَلِكَ قِيلَ الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجُمْلَةَ دُعائِيَّةٌ والنَّكِرَةُ يُبْتَدَأُ بِها فِيها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، فَكَذا بَعْدَ دُخُولِ النّاسِخِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ المُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا عَطْفُ المَعْرِفَةِ وهو (هارُونَ) عَلَيْها عَطْفَ بَيانٍ وهو غَرِيبٌ، وجُوِّزَ في (هارُونَ) أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ في (لِي) عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْجَعْلِ كَما يَجُوزُ فِيهِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا. ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ هَذا الِاحْتِمالِ هُناكَ ولا وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ احْتِمالِ كَوْنِهِ صِلَةً لِلْجَعْلِ هُنا. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ جَوازُ كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ هُنا وهُناكَ. وكَذا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وزِيرًا) ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يُسَهِّلُ أمْرَ الِانْعِقادِ عَلى ما قِيلَ وفِيهِ ما فِيهِ، و(أخِي) عَلى الوُجُوهِ عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ ولا ضَيْرَ في تَعَدُّدِهِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْ لِهارُونَ. ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أشْهَرَ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ الإيضاحَ حاصِلٌ مِنَ المَجْمُوعِ كَما حُقِّقَ في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ. ولا حاجَةَ إلى دَعْوى أنَّ المُضافَ إلى الضَّمِيرِ أعْرَفُ مِنَ العِلْمِ لِما فِيها مِنَ الخِلافِ. وكَذا إلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ (أخِي) في هَذا المَقامِ أشْهَرُ مِنِ اسْمِهِ العَلَمِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو العَلَمُ المَعْرُوفُ والمُخاطَبُ المَوْصُوفُ بِالمُناجاةِ والكَرامَةِ والمُتَعَرَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ في الحَقِيقَةِ ثُمَّ إنَّ البَيانَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وإنَّما إتْيانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ﴾ إلَخْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أخِي) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ.

طه 20:31

﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ. والكَلامُ في الإخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مَشْهُورٌ. والجُمْلَةُ عَلى هَذا اسْتِئْنافِيَّةٌ. والأزْرُ القُوَّةُ، وقَيَّدَها الرّاغِبُ بِالشَّدِيدَةِ. وقالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الظَّهْرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ أُحْكِمُ بِهِ قُوَّتِي وأجْعَلُهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي. وفَصْلُ الدُّعاءِ الأوَّلِ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما العاطِفُ كَذا قِيلَ لَكِنْ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( واشْدُدْ ) بِالعَطْفِ عَلى الدُّعاءِ السّابِقِ وعَنْ أُبَيٍّ ( أشْرِكْهُ في أمْرِي واشْدُدْ بِهِ أزْرِي ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنُ وابْنُ عامِرٍ ( أشْدِدْ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ( وأُشْرِكْهُ ) بِضَمِّها عَلى أنَّهُما فِعْلانِ مُضارِعانِ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: (اجْعَلْ)، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ( أُشَدِّدُ بِهِ ) مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ الرِّسالَةُ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ أمْرُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وكانَ هارُونُ كَما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ أطْوَلَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وأكْثَرَ لَحْمًا وأبْيَضَ جِسْمًا وأعْظَمَ ألْواحًا وأكْبَرَ سِنًّا، قِيلَ: كانَ أكْبَرَ مِنهُ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ. وتُوُفِّيَ قَبْلَهُ بِثَلاثٍ أيْضًا. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذا تُؤَدَةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ.

طه 20:32

﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ لِغَيْرِ حاجَةٍ. والكَلامُ في الإخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مَشْهُورٌ. والجُمْلَةُ عَلى هَذا اسْتِئْنافِيَّةٌ. والأزْرُ القُوَّةُ، وقَيَّدَها الرّاغِبُ بِالشَّدِيدَةِ. وقالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الظَّهْرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ أُحْكِمُ بِهِ قُوَّتِي وأجْعَلُهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي. وفَصْلُ الدُّعاءِ الأوَّلِ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما العاطِفُ كَذا قِيلَ لَكِنْ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( واشْدُدْ ) بِالعَطْفِ عَلى الدُّعاءِ السّابِقِ وعَنْ أُبَيٍّ ( أشْرِكْهُ في أمْرِي واشْدُدْ بِهِ أزْرِي ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنُ وابْنُ عامِرٍ ( أشْدِدْ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ( وأُشْرِكْهُ ) بِضَمِّها عَلى أنَّهُما فِعْلانِ مُضارِعانِ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: (اجْعَلْ)، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ( أُشَدِّدُ بِهِ ) مُضارِعُ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ الرِّسالَةُ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ أمْرُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وكانَ هارُونُ كَما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ أطْوَلَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وأكْثَرَ لَحْمًا وأبْيَضَ جِسْمًا وأعْظَمَ ألْواحًا وأكْبَرَ سِنًّا، قِيلَ: كانَ أكْبَرَ مِنهُ بِأرْبَعِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ. وتُوُفِّيَ قَبْلَهُ بِثَلاثٍ أيْضًا. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذا تُؤَدَةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ.

طه 20:33

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ فَإنَّ فِعْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ، إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ وذَلِكَ مِمّا صفحة 186 لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالَةٍ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآخَرِ مِن إظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ حالَ الِانْفِرادِ، (وكَثِيرًا) في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنَ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلالِ تَنْزِيهًا كَثِيرًا ووَصْفًا كَثِيرًا أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانَ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ وأوانَ المُحاجَّةِ مَعَهُ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ نُسَبِّحَكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِ، وكَذا يُقالُ في الأخِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ عَلى الذِّكْرِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ عَمّا يَلِيقُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ والذِّكْرُ ثَناءٌ بِما يَلِيقُ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، والقَلْبُ مُقَدَّمٌ عَلى اللِّسانِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْ نُصَلِّيَ لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ كَثِيرًا بِما أوْلَيْتَنا مِن نِعَمِكَ ومَنَنْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن تَحْمِيلِ رِسالَتِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ.

طه 20:34

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ فَإنَّ فِعْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ، إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ وذَلِكَ مِمّا صفحة 186 لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالَةٍ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآخَرِ مِن إظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ حالَ الِانْفِرادِ، (وكَثِيرًا) في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنَ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلالِ تَنْزِيهًا كَثِيرًا ووَصْفًا كَثِيرًا أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانَ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ وأوانَ المُحاجَّةِ مَعَهُ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ نُسَبِّحَكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِ، وكَذا يُقالُ في الأخِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ عَلى الذِّكْرِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ عَمّا يَلِيقُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ والذِّكْرُ ثَناءٌ بِما يَلِيقُ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، والقَلْبُ مُقَدَّمٌ عَلى اللِّسانِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْ نُصَلِّيَ لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ كَثِيرًا بِما أوْلَيْتَنا مِن نِعَمِكَ ومَنَنْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن تَحْمِيلِ رِسالَتِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ.

طه 20:35

﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا وبِأنَّ ما دَعَوْتُكَ بِهِ مِمّا يُصْلِحُنا ويُفِيدُنا في تَحْقِيقِ ما كَلَّفْتَهُ مِن إقامَةِ مَراسِمِ الرِّسالَةِ وبِأنَّ هارُونَ نِعْمَ الرَّدْءُ في أداءِ ما أمَرْتَ بِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَصِيرًا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْمُعَلِّلِ الأوَّلِ بَعْدَ اعْتِبارِ تَعْلِيلِهِ بِالعِلَّةِ الأُولى، ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ سَكَّنَ كافَ الضَّمِيرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وجاءَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعا بِمِثْلِ هَذا الدُّعاءِ إلّا أنَّهُ أقامَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَقامَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: ( رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإزاءِ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِمّا سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي عَلِيًّا أخِي اشْدُدْ بِهِ أزْرِي وأشْرِكْهُ في أمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» )، ولا يَخْفى أنَّهُ يَتَعَيَّنُ هُنا حَمْلُ الأمْرِ عَلى أمْرِ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ عَلى خِلافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِلا فَصْلٍ. ومِثْلُهُ فِيما ذُكِرَ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ: ( «أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» ) كَما بَيَّنَ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، نَعَمْ في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ فَضْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما لا يَخْفى، ويَنْبَغِي أيْضًا أنْ يُتَأوَّلَ طَلَبُهُ ﷺ حَلَّ العُقْدَةِ بِنَحْوِ اسْتِمْرارِ ذَلِكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أفْصَحَ النّاسِ لِسانًا

طه 20:36

﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أيْ: قَدْ أُعْطِيتَ سُؤْلَكَ فَفُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ والأُكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والإيتاءُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ وحُصُولِها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ وتَقْدِيرُهُ تَعالى إيّاها حَتْمًا فَكُلُّها حاصِلَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ وُقُوعُ بَعْضِها بِالفِعْلِ مُرَتَّبًا بَعْدُ كَتَيْسِيرِ الأمْرِ وشَدِّ الأزْرِ وبِاعْتِبارِهِ قِيلَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ وظاهِرُ بَعْضِ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّ شَرِكَةَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ أيِ اسْتِنْبائِهِ كَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ في ذَلِكَ المَقامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ مَعَ أخِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ نَبِّئْ هارُونَ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ونِداؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْرِيفٌ لَهُ بِالخِطابِ إثْرَ تَشْرِيفٍ.

طه 20:37

صفحة 187 ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ وزِيادَةُ تَوْطِينٍ لِنَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ وطَلَبٍ مِنهُ فَلَأنْ يُنْعَمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ أوْلى وأحْرى. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ أنْعَمْنا ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ أيْ في وقْتٍ غَيْرِ هَذا الوَقْتِ عَلى أنَّ أُخْرى تَأْنِيثٌ آخَرُ بِمَعْنى مُغايَرَةٍ (ومَرَّةً) ظَرْفٌ زَمانٍ والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ المُمْتَدُّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ في المِنَنِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِلْمُرُورِ الواحِدِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فِعْلَةٍ واحِدَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ كانَتْ أوْ لازِمَةٍ ثُمَّ شاعَ في كُلِّ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ ما لَهُ أفْرادٌ مُتَجَدِّدَةٌ، فَصارَ عَلَمًا في ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ مِعْيارًا لِما في مَعْناهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ، فَقِيلَ هَذا بِناءُ المَرَّةِ ويَقْرُبُ مِنهُ الكَرَّةُ والتّارَةُ والدَّفْعَةُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ مِنهُ غَيْرُ هَذِهِ المِنَّةِ ولَيْسَتْ (أُخْرى) تَأْنِيثُ آخِرٍ بِكَسْرِ الخاءِ لِتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى. وتَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها سُبْحانَهُ أُخْرى وهي أُولى لِأنَّها أُخْرى في الذِّكْرِ.

طه 20:38

﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ظَرْفٌ لِمَنَّنا سَواءٌ كانَ بَدَلًا مِن مَرَّةٍ أمْ لا، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالإيحاءِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما كانَ بِإلْهامٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّهُ قالَ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ومِثْلُهُ لا يُعْلَمُ بِالإلْهامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ شاهَدَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ وأنَّهُ تَعالى لا يُضَيِّعُهُ، وإلْهامُ الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ لا بُعْدَ فِيهِ فَإنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكَشْفِ. ألا تَرى قَوْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وقَدْ سَمّى نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُحَمَّدًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَ ولَدَكَ مُحَمَّدًا ولَيْسَ في أسْماءِ آبائِكَ؟: إنَّهُ سَيُحْمَدُ، وفي رِوايَةٍ رَجَوْتُ أنْ يُحْمَدَ في السَّماءِ والأرْضِ مَعَ أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ داخِلًا في المُلْهَمِ لَيْسَ بِلازِمٍ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ كانَ يُبْعَثُ مَلَكٌ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَلَكَ يُبْعَثُ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو الصَّحِيحُ لَكِنْ قِيلَ: عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يُنْتَقَضُ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ بِأنَّهُ مَن أُوحِيَ إلَيْهِ، عَلى وجْهِ النُّبُوَّةِ دارَ التَّعْرِيفِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ. ولَوْ قِيلَ: مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِأحْكامٍ شَرْعِيَّةٍ لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِها لَمْ يَلْزَمْ مَحْذُورٌ. وقالَ الجُبّائِيُّ: أنَّهُ كانَ بِالإراءَةِ مَنامًا. وقِيلَ: كانَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافَ الظّاهِرِ فَإنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ نَبِيٌّ في مِصْرَ زَمَنَ فِرْعَوْنَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ النَّبِيِّ في مِصْرَ، وقَدْ كانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا في زَمَنِ فِرْعَوْنَ في مَدْيَنَ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أخْبَرَها بِذَلِكَ عَلى أنَّ كَثْرَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا شاعَ وذاعَ، والحَقُّ أنَّ إنْكارَ كَوْنِ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ مُكابَرَةٌ. واخْتُلِفَ في اسْمِ أُمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَشْهُورُ أنَّهُ يُوحانْذُ، وفي الإتْقانِ هي مِحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهَرَ بْنِ لاوِي، وقِيلَ: بارْخا وقِيلَ: بازَخْتُ وما اشْتُهِرَ مِن خاصِّيَّةِ فَتْحِ الأقْفالِ بِهِ بَعْدَ رِياضَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَهُ مِمّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ أثَرًا ولَعَلَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ، والمُرادُ بِما يُوحى ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِقَذْفِهِ في التّابُوتِ. وقَذْفُهُ في البَحْرِ أبْهَمُ أوَّلًا تَهْوِيلًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ فُسِّرَ لِيَكُونَ أقَرَّ عِنْدَ النَّفْسِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما يَنْبَغِي أنْ يُوحى ولا يُخَلَّ بِهِ لِعِظَمِ شَأْنِهِ وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِهِ كَما يُقالُ هَذا مِمّا يُكْتَبُ، وقِيلَ: لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِكُلٍّ مِنَ المَعانِي السّابِقَةِ المُرادَةِ بِالإيحاءِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: عَلَيْهِ إنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ صفحة 188 مِنهُ التَّفْخِيمَ والتَّهْوِيلَ لَقِيلَ إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما أوْحَيْنا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾، وقالَ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ فَإنْ تَمَّ هَذا فَما قِيلَ في مَعْناهُ ثانِيًا أوْلى فَتَدَبَّرْ.

طه 20:39

وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الوَحْيَ مِن بابِ القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الباءُ أيْ بِأنِ اقْذِفِيهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ بَدَلٌ مِن ما، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْلِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِ الأمْرِ، والمُرادُ بِالقَذْفِ ها هُنا الوَضْعُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ الإلْقاءُ والطَّرْحُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الوَضْعَ في المَوْضِعَيْنِ، و(اليَمِّ) البَحْرُ لا يُكْسَرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وفي البَحْرِ هو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا التَّفْصِيلُ هُنا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ لا القَذْفُ بِلا تابُوتٍ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أيْ بِشاطِئِهِ وهو الجانِبُ الخالِي عَنِ الماءِ مَأْخُوذٌ مِن سَحْلِ الحَدِيدِ أيْ بَرَدَهُ وقَشَرَهُ وهو فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ أيْ يُقَشِّرُهُ أوْ هو لِلنَّسَبِ أيْ ذُو سَحْلٍ يَعُودُ الأمْرُ إلى مَسْحُولٍ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ يَسْحَلُ الماءَ أيْ يُفَرِّقُهُ ويُضَيِّعُهُ وقِيلَ: هو مِنَ السَّحِيلِ وهو النَّهِيقُ لِأنَّهُ يُسْمَعُ مِنهُ صَوْتٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقابِلُ الوَسَطَ وهو ما يَلِي السّاحِلَ مِنَ البَحْرِ حَيْثُ يَجْرِي ماؤُهُ إلى نَهْرِ فُوعُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاحِلِ الجانِبُ والطَّرَفُ مُطْلَقًا والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الخَبَرُ واخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ( «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» ) ولِإخْراجِ ذَلِكَ مَخْرَجَ الأمْرِ حُسْنُ الجَوابِ فِيما بَعْدُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ لَمّا كانَ إلْقاءُ البَحْرِ إيّاهُ بِالسّاحِلِ أمْرًا واجِبَ الوُقُوعِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ جُعِلَ البَحْرُ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ مُطِيعُ أمْرٍ بِذَلِكَ، وأخْرَجَ الجَوابَ مَخْرَجَ الأمْرِ فَفي اليَمِّ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقِيلَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً والضَّمائِرُ كُلُّها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمَقْذُوفُ في البَحْرِ والمُلْقى بِالسّاحِلِ، وإنْ كانَ هو التّابُوتُ أصالَةً لَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ما فِيهِ جُعِلَ التّابُوتُ تَبَعًا لَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلتّابُوتِ، ومَتى كانَ الضَّمِيرُ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عُودُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ، وبِهَذا رُدَّ عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَلى لَحْمٍ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ لا عَلى خِنْزِيرٍ فَيَحِلُّ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ عِنْدَهُ لِذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ عَدَمَ التَّفْكِيكِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أوْلى، وما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما لا يَخْفى ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِالإلْقاءِ وتَكْرِيرُ العَدُوِّ لِلْمُبالَغَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَداوَتَهُ كَثِيرَةٌ لا واحِدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِلْواقِعِ والثّانِيَ لِلْمُتَوَقَّعِ ولَيْسَ مِنَ التَّكْرِيرِ لِلْمُبالَغَةِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ جَوازٍ أنْ يُقالَ: عَدُوٌّ لِي ولَهُ وهو لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ القائِلِينَ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ المَذْكُورُ فَإنَّ فِرْعَوْنَ وقْتَ الأخْذِ مُتَّصِفٌ بِالعَداوَةِ لِلَّهِ تَعالى ولَهُ في الواقِعِ، أمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ اللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ، وأمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ مُوسى فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يُبْغِضُ كُلَّ مَوْلُودٍ في تِلْكَ السَّنَّةِ، ولَوْ قُلْنا بِعَدَمِ الِاتِّصافِ بِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ أيْضًا ويُعْتَبَرَ عُمُومُ المَجازِ وهو المُخَلِّصُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيما يُدَّعى فِيهِ ذَلِكَ. صفحة 189 وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ الجَمْعُ لِأنَّ (عَدُوٌّ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ الشّامِلِ لِلْواقِعِ والمُتَوَقَّعِ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ الثُّبُوتَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ، وقَدْ قالَ هو في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾: إنَّ مَعْنى دَلالَتِها عَلى الثُّبُوتِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدٍ وحُدُوثٍ لا أنَّها تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، فَما يُقالُ إنَّ (مَرَحًا) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ ونَفْيُهُ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أصْلِهِ مُغالَطَةٌ نَشَأتْ مِن عَدَمِ فَهْمِ مَعْنى الثُّبُوتِ فِيها انْتَهى، عَلى أنَّ كَلامَهُ هُنا بَعْدَ الإغْماضِ عَنْ مُنافاتِهِ لِما ذَكَرَهُ قَبْلُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ. ومِمّا ذَكَرَهُ فِيما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ مَعْنى الثُّبُوتِ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُهُ وماتَ كافِرًا كَما هو الحَقُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وكَمْ لَهُ مِن دَلِيلٍ صَحِيحٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ لَها هَذا العَدُوَّ ولَمْ يُعْلِمْها بِاسْمِهِ وإلّا لَما قالَتْ لِأُخْتِهِ (قُصِّيهِ) . ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِها مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَحَبَّةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنِّي قَدْ زَرَعْتُها في القُلُوبِ، فَكُلُّ مَن رَآكَ أحَبَّكَ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْكَ، قالَ مُقاتِلٌ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةً ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةُ جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ، رُوِيَ أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُوحِيَ إلَيْها ما أُوحِيَ جَعَلَتْهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ، وقِيلَ: مِن بَرْدِيٍّ عَمِلَهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وسَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا، وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في اليَمِّ، فَبَيْنَمافِرْعَوْنُ في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِّيلِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ إذْ رَأى التّابُوتَ عِنْدَ السّاحِلِ فَأمَرَ بِهِ فَفُتِحَ فَإذا صَبِيٌّ أصْبَحُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ هو وامْرَأتُهُ حُبًّا شَدِيدًا. وقِيلَ: إنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ فَأخَذْنَ التّابُوتَ وجِئْنَ بِهِ إلَيْها وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا، وقالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَها: يَكُونُ لَكِ وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ. ومِن هُنا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما رَواهُ النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( «والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ» )، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ جالِسًا عَلى رَأْسِ بِرْكَةٍ لَهُ في بُسْتانٍ ومَعَهُ امْرَأتُهُ فَرَأى التّابُوتَ وقَدْ دَفَعَهُ الماءُ إلى البِرْكَةِ مِن نَهْرٍ يَشْرَعُ مِنَ اليَمِّ فَأمَرَ بِإخْراجِهِ فَأُخْرِجَ فَفَتَحَ فَإذا صَبِيٌّ أجْمَلُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ حَتّى لا يَكادَ يَصْبِرُ عَنْهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بِحَضْرَتِهِ حِينَ رَأى التّابُوتَ أرْبَعُمِائَةِ غُلامٍ وجارِيَةٍ فَحِينَ أشارَ بِأخْذِهِ وعَدَ مَن يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ بِالإعْتاقِ، فَتَسابَقُوا جَمِيعًا ولَمْ يَظْفَرْ بِأخْذِهِ إلّا واحِدٌ مِنهم فَأعْتَقَ الكُلَّ، وفي هَذا ما يُطْمِعُ المُقَصِّرَ في العَمَلِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وقِيلَ: كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٍ بِألْقَيْتُ فالمَحَبَّةُ المُلْقاةُ بِحَسَبِ الذَّوْقِ هي مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لَهُ أيْ أحْبَبْتُكَ ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى أحَبَّتْهُ القُلُوبُ لا مَحالَةَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا بِأنَّ في الصِّغَرِ لا يُوصَفُ الشَّخْصُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَإنَّها تَرْجِعُ إلى إيصالِ الثَّوابِ وهو إنَّما يَكُونُ لِلْمُكَلَّفِ. ورُدَّ بِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ والنَّفْعِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ جَزاءً عَلى عَمَلٍ أوْ لا يَكُونُ والرَّدُّ عِنْدَ مَن لا يُؤَوِّلُ أظْهَرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الثّانِي عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في التَّعَلُّقِ وإرادَةِ المَعْنى الأوَّلِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ، وزَعَمَ أنَّ وجْهَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظاهِرٍ وهو لا يَخْفى صفحة 190 عَلى ذِي ذِهْنٍ مُسْتَقِيمٍ وذَوْقٍ سَلِيمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مُضْمَرَةٍ أيْ لِيُتَعَطَّفَ عَلَيْكَ ولِتُصْنَعَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتُصْنَعَ إلَخْ فَعَلْتُ ذَلِكَ أيْ إلْقاءَ المَحَبَّةِ عَلَيْكَ، وزَعَمَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وعَلى عَيْنِي أيْ بِمَرْأًى مِنِّي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في ( تُصْنَعَ ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ فَإنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأً والصُّنْعُ الإحْسانُ، قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ. والمَعْنى ولِيَفْعَلَ بِكَ الصَّنِيعَةَ والإحْسانَ وتُرَبّى بِالحُنُوِّ والشَّفَقَةِ وأنا مُراعِيكَ ومُراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ إذا اعْتَنى بِهِ. ويُجْعَلُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا يَنْدَفِعُ ما قالَهُ الواحِدِيُّ مِن أنَّ تَفْسِيرَ ﴿عَلى عَيْنِي﴾ بِما تَقَدَّمَ صَحِيحٌ ولَكِنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ: هَذا الِاخْتِصاصُ لِلتَّشْرِيفِ كاخْتِصاصِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى والكَعْبَةِ بِبَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الكُلَّ مَوْجُودٌ بِكُنْ وكُلَّ البُيُوتِ بَيْتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ الأنْبارِيِّ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّهُ الصَّحِيحُ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ ولِتَصْنَعَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكِ عَلى عَيْنٍ مِنِّي لِئَلّا تُخالِفَ أمْرِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ ( ولِتُصْنَعْ ) بِكَسْرِ اللّامِ وجَزْمِ الفِعْلِ بِها لِأنَّها لامُ الأمْرِ وأمْرُ المُخاطَبِ بِاللّامِ شاذٌّ لَكِنْ لَمّا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وكانَ أصْلُهُ مُسْنَدًا لِلْغائِبِ ولا كَلامَ في أمْرِهِ بِاللّامِ اسْتَصْحَبَ ذَلِكَ بَعْدَ نَقْلِهِ إلى المَفْعُولِ لِلِاخْتِصارِ، والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وفِيهِ كَلامٌ مَشْهُورٌ لَكِنْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ هَوَّنَ أمْرَهُ كَوْنُ الأمْرِ في مَعْنى الخَبَرِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (فَلْيُلْقِهِ) فَلا عَطْفَ فِيهِ لِلْإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ اللّامَ وهي لامُ الأمْرِ أيْضًا وبَقِيَّةُ الكَلامِ نَحْوُ ما مَرَّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا ولَمْ يَظْهَرْ فَتْحُ العَيْنِ لِلْإدْغامِ، قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا حَسَنٌ جِدًّا.

طه 20:40

﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظَرْفٌ لِتُصْنَعَ كَما قالَ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ وقْتُ وقَعَ فِيهِ مَشْيُ الأُخْتِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ والرَّجْعِ إلى أُمِّها وتَرْبِيَتِها لَهُ بِالحُنُوِّ وهو المِصْداقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ إذْ لا شَفَقَةَ أعْظَمُ مِن شَفَقَةِ الأُمِّ وصَنِيعِها عَلى مُوجَبِ مُراعاتِهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِألْقَيْتُ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِها وقْتٌ مُتَّسِعٌ فَيَتَّحِدُ الظَّرْفانِ وتَصِحُّ البَدَلِيَّةُ ولا يَكُونُ مِن إبْدالِ أحَدُ المُتَغايِرَيْنِ الَّذِي لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ. ورَجَّحَ هَذا صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: هو الأوْفَقُ لِمَقامِ الِامْتِنانِ لِما فِيهِ مِن تَعْدادِ المِنَّةِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ ولِما في تَخْصِيصِ الإلْقاءِ أوِ التَّرْبِيَةِ بِزَمانِ مَشْيِ الأُخْتِ مِنَ العُدُولِ إلى الظّاهِرِ، فَقَبْلَهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَحْبُوبًا مَحْفُوظًا، ثُمَّ أوْلى الوَجْهَيْنِ جَعْلُهُ ظَرْفًا (لِتُصْنَعَ)، وأمّا النَّصْبُ بِإضْمارِ اذْكُرْ فَضَعِيفٌ ا هـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِتُصْنَعَ والتَّقْيِيدُ بِعَلى عَيْنِي يُسْقِطُ التَّرْبِيَةَ قَبْلُ في غَيْرِ حِجْرِ الأُمِّ عَنِ العَيْنِ. واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ وجْهَ البَدَلِيَّةِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الظَّرْفَيْنِ ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ ولَيْسَ ذَلِكَ كالسَّنَةِ في الِامْتِدادِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، واسْمُ أُخْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كُلْثُومُ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ صفحة 191 الحالِ الماضِيَةِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلى نَفْسِهِ ويُرَبِّيهِ. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقالُوا: دُلِّينا عَلى ذَلِكَ فَجاءَتْ بِأُمِّكَ فَرَجَعْناكَ إلَيْها ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِلِقائِكَ. وقُرِئَ (تَقِرُّ) بِكَسْرِ القافِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ (تُقَرَّ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ أيْ لا يَطْرَأ عَلَيْها الحُزْنُ بِفِراقِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وإلّا فَزَوالُ الحُزْنِ مُقَدَّمٌ عَلى السُّرُورِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقُرَّةِ العَيْنِ فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (تَحْزَنَ) لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ولا تَحْزَنَ أنْتَ بِفَقْدِ إشْفاقِها، وهَذا وإنْ لَمْ يَأْبَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ إلّا أنَّ حُزْنَ الطِّفْلِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وما في سُورَةِ القَصَصِ يَقْتَضِي الأوَّلَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. أخْرَجَ جَماعَةٌ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ آسِيَةَ حِينَ أخْرَجَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التّابُوتِ واسْتَوْهَبَتْهُ مِن فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَها أرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ لِتَخْتارَ لَها ظِئْرًا فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَتّى أشْفَقَتْ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ فَأحْزَنَها ذَلِكَ فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ مَجْمَعِ النّاسِ تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ ثَدْيَها فَلَمْ يَفْعَلْ وأصْبَحَتْ أُمُّهُ والِهَةً فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، أحَيًّا ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ تَعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ؟ وشَكُّوا في ذَلِكَ، فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ لِرَغْبَتِهِمْ في رِضا المَلِكِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلالَةَ، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ فَلَمّا وضَعَتْهُ في حِجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا وانْطَلَقَ البُشْرى إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكَ ظِئْرًا، فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها قالَتْ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِيَنِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي، فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى نَباتًا حَسَنًا وحَفِظَهُ لِما قَدْ قَضى فِيهِ، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّهِ: أرِينِي ابْنِي فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها بِهِ فِيهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَ مِنكم أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما صَنَعَ كُلُّ إنْسانٍ مِنكُمْ، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها، فَلَمّا دَخَلَ أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ لِيُنْحِلَهُ ولِيُكْرِمَهُ فَكانَ ما تَقَدَّمَ مِن جَذْبِ لِحْيَتِهِ. ومِن هَذا الخَبَرِ يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ في الطَّرِيقِ لِطَلَبِكَ وتَحْقِيقِ أمْرِكَ فَتَقُولُ لِمَن أنْتَ بِأيْدِيهِمْ يَطْلُبُونَ لَكَ ظِئْرًا تُرْضِعُكَ: هَلْ أدُلُّكم إلَخْ. وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ لَمّا أُخِذَ مِنَ التّابُوتِ فَشا الخَبَرُ بِأنَّ آلَ فِرْعَوْنَ وجَدُوا غُلامًا مِنَ النِّيلِ لا يَرْتَضِعُ ثَدْيَ امْرَأةٍ واضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ، فَخَرَجَتْ أُخْتُهُ لِتَعْرِفَ خَبَرَهُ فَجاءَتْهم مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ ما قالَتْ، وقالُوا ما قالُوا، فالمُرادُ عَلى هَذا إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ وآسِيَةَ أوْ لِآسِيَةَ ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ إلَخْ. صفحة 192 ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ واسْمُهُ قانُونُ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ وهو السّامِرِيُّ، وكانَ سِنُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَتَلَ عَلى ما في البَحْرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وفي الخَبَرِ عَنِ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ كانَ مِنَ الرِّجالِ وكانَ قَتْلُهُ إيّاهُ بِالوَكْزِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ وكانَ المُرادُ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَأصابَكَ غَمٌّ ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وهو الغَمُّ النّاشِئُ مِنَ القَتْلِ وقَدْ حَصَلَ لَهُ مِن وجْهَيْنِ: خَوْفِ عُقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وخَوْفِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ وقَدْ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ حِينَ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وبِالمُهاجَرَةِ إلى مَدْيَنَ، وقِيلَ: هو غَمُّ التّابُوتِ، وقِيلَ: غَمُّ البَحْرِ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والغَمُّ في الأصْلِ سَتْرُ الشَّيْءِ ومِنهُ الغَمامُ لِسَتْرِهِ ضَوْءَ الشَّمْسِ، ويُقالُ: لِما يَغُمُّ القَلْبَ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِأنَّهُ مِن أمْرٍ ماضٍ والهَمُّ مِن أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ عَدَمُ الفَرْقِ وشُمُولُ كُلِّ ما يَكُونُ مِن أمْرٍ ماضٍ وأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أيِ ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً عَلى أنَّ (فُتُونًا) مَصْدَرٌ عَلى فُعُولٍ في المُتَعَدِّي كالثُّبُورِ والشُّكُورِ والكُفُورِ، والأكْثَرُ في هَذا الوَزْنِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ اللّازِمِ أوْ فُتُونًا مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فِتَنٍ كالظُّنُونِ جَمْعُ ظَنٍّ أوْ جَمْعُ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ لِأنَّها في حُكْمِ الِانْفِصالِ كَما قالُوا في حُجُوزٍ جَمْعُ حُجْزَةٍ وبِدُوُرٍ جَمْعُ بُدْرَةٍ، ونَظْمُ الِابْتِلاءِ في سَلْكِ المِنَنِ قِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ ابْتَلَيْناكَ واخْتَبَرْناكَ بِإيقاعِكَ في المِحَنِ وتَخْلِيصِكَ مِنها، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أوْقَعْناكَ في المِحْنَةِ وهو ما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ، ونَظْمُ ذَلِكَ في ذَلِكَ السَّلْكِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ النِّعَمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ (فَتَنّاكَ) بِمَعْنى خَلَّصْناكَ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا خَلَّصْتَهُ بِها مِنَ الغِشِّ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، والمُرادُ سَواءٌ اعْتُبِرَ الفُتُونُ مَصْدَرًا أوْ جَمْعًا خَلَّصْناكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ، وأمّا عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِيَّةِ فَلِاقْتِضاءِ السِّياقِ ذَلِكَ، وهَذا إجْمالُ ما نالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَفَرِهِ مِنَ الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ ومُفارَقَةِ الآلافِ والمَشْيِ راجِلًا وفَقْدِ الزّادِ. وقَدْ رَوى جَماعَةٌ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ لَهُ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ فَإنَّ لَها خَبَرًا طَوِيلًا فَلَمّا أصْبَحَ غَدًا عَلَيْهِ فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَمِّ والتِقاطِ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ وامْتِناعِهِ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ وإرْجاعِهِ إلى أُمِّهِ ثُمَّ قِصَّةَ أخْذِهِ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وغَضَبِ فِرْعَوْنَ مِن ذَلِكَ وإرادَتِهِ قَتْلَهُ ووَضْعِ الجَمْرَةِ والجَوْهَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وأخْذِهِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ ثُمَّ هَرَبِهِ إلى مَدْيَنَ وصَيْرُورَتِهِ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ عَوْدِهِ إلى مِصْرَ وإخْطاءِ الطَّرِيقِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ وتَفَرُّقِ غَنَمِهِ فِيها، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ يَقُولُ هَذِهِ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، ولَكِنْ قِيلَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أنْ لا يُعَدَّ إجارَةُ نَفْسِهِ وما بَعْدَها مِن تِلْكَ الفُتُونِ ضَرُورَةَ أنَّ المُرادَ بِها ما وقَعَ قَبْلَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ بِقَضِيَّةِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ وما بَعْدَها مِمّا وقَعَ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِمْ وقَدْ أُشِيرَ بِذِكْرِ لُبْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ دُونَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ إلى جَمِيعِ ما قاساهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 193 مِن فُنُونِ الفِتُونِ في تَضاعِيفِ مُدَّةِ اللُّبْثِ وهي فِيما قِيلَ عَشْرُ سِنِينَ، وقالَ وهْبٌ: ثَمانٌ وعِشْرُونَ سَنَةً أقامَ في عَشْرٍ مِنها يَرْعى غَنَمَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَهْرًا لِابْنَتِهِ وفي ثَمانِيَ عَشْرَةَ مَعَ زَوْجَتِهِ ووُلِدَ لَهُ فِيها وهو الأوْفَقُ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ إذا قُلْنا بِأنَّ سِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ومَدَيْنُ بَلْدَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ مِن مِصْرَ. ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ أيْ إلى المَكانِ الَّذِي نادَيْتُكَ فِيهِ، وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إيذانٌ بِأنَّ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي مِن ضَلالِ الطَّرِيقِ وتَفَرُّقِ الغَنَمِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ الشّاتِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ: تَقْدِيرٍ والمُرادُ بِهِ المُقَدَّرُ أيْ جِئْتَ عَلى وفْقِ الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ وعَيَّنْتُهُ لِتَكْلِيمِكَ واسْتِنْبائِكَ بِلا تَقَدُّمٍ ولا تَأخُّرٍ عَنْهُ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى المِقْدارِ أيْ جِئْتَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وضُعِّفَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في هَذا المَعْنى القَدْرُ بِالسُّكُونِ لا التَّحْرِيكِ، وقِيلَ: المُرادُ عَلى مَوْعِدٍ وعَدْناكَهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الوَعْدِ عَلى لِسانِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مُوسى﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَنْبِيهٌ عَلى انْتِهاءِ الحِكايَةِ الَّتِي هي تَفْصِيلُ المَرَّةِ الأُخْرى الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَ المَرَّةِ المَحْكِيَّةِ أوَّلًا،

طه 20:41

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ تَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ وتَمْهِيدٌ لِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ مُؤَيَّدًا بِأخِيهِ حَسْبَما اسْتَدْعاهُ بَعْدَ تَذْكِيرِ المِنَنِ السّابِقَةِ تَأْكِيدًا لِوُثُوقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحُصُولِ نَظائِرِها اللّاحِقَةِ، ونَظَّمَ ذَلِكَ الإمامُ في سِلْكِ المِنَنِ المَحْكِيَّةِ وظاهِرُ تَوْسِيطِ النِّداءِ يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ، والِاصْطِناعُ افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ بِمَعْنى الصَّنِيعَةِ وهي الإحْسانُ فَمَعْنى اصْطَنَعَهُ جَعَلَهُ مَحَلَّ صَنِيعَتِهِ وإحْسانِهِ، وقالَ القَفّالُ: يُقالُ اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وخَرِيجُهُ، ومَعْنى (لِنَفْسِي) ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِوَحْيِي ورِسالَتِي، وقِيلَ: لِمَحَبَّتِي، وعَبَّرَ عَنْها بِالنَّفْسِ لِأنَّها أخَصُّ شَيْءٍ بِها، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ اخْتَرْتُكَ لِإقامَةِ حُجَّتِي وجَعَلْتُكَ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي حَتّى صِرْتَ في التَّبْلِيغِ عَنِّي بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أكُونُ أنا بِها لَوْ خاطَبْتُهم واحْتَجَبْتُ عَلَيْهِمْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِما خَوَّلَهُ عَزَّ وجَلَّ مَن جَعَلَهُ نَبِيًّا مُكَرَّمًا كَلِيمًا مُنْعِمًا عَلَيْهِ بِحَلائِلِ النِّعَمِ بِتَقْرِيبِ المَلِكِ مَن يَراهُ أهْلًا لِأنْ يُقَرَّبَ فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ ويَجْعَلُهُ مِن خَواصِّ نَفْسِهِ ونُدَمائِهِ. ولا يَخْفى حُسْنُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وهي أوْفَقُ بِكَلامِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِنَفْسِي﴾ عَلَيْها ظاهِرٌ. وحاصِلُ المَعْنى جَعَلْتُكَ مِن خَوّاصِي واصْطَفَيْتُكَ بِرِسالَتِي وبِكَلامِي، وفي العُدُولِ عَنْ نُونِ العَظَمَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وفَتَنّاكَ﴾ ونَظِيرَيْهِ السّابِقَيْنِ تَمْهِيدٌ لِإفْرادِ النَّفْسِ اللّائِقِ بِالمَقامِ فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ مَعْنى الِاصْطِناعِ والِاسْتِخْلاصِ،

طه 20:42

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما هو المَقْصُودُ بِالِاصْطِناعِ، ﴿وأخُوكَ﴾ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ ولِيَذْهَبَ أخُوكُ حَسْبَما اسْتَدْعَيْتُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ المُؤَكَّدِ بِالضَّمِيرِ البارِزِ، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا ولا يَصِحُّ اسْتِقْلالًا. والآياتُ المُعْجِزاتُ، والمُرادُ بِها في قَوْلِ اليَدِ والعَصا وحَلِّ العُقْدَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الآياتُ التِّسْعُ، وقِيلَ: الأوَّلانِ فَقَطْ وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ شائِعٌ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأْتِ بِآيَةٍ ألْقى صفحة 194 العَصا ونَزَعَ اليَدَ، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ﴾ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُما وإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ لَكِنْ في كُلٍّ مِنهُما آياتٌ شَتّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ. وكَوْنَها ثُعْبانًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرَهُ آيَةٌ أُخْرى. وسُرْعَةُ حَرَكَتِهِ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ آيَةٌ أُخْرى. وكَوْنُهُ مَعَ ذَلِكَ مُسَخَّرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَيْثُ يَدُهُ في فَمِهِ فَلا يَضُرُّهُ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ انْقِلابُها عَصًا كَما كانَتْ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ فَإنَّ بَياضَها في نَفْسِهِ آيَةٌ وشُعاعُها آيَةٌ ثُمَّ رُجُوعُها إلى حالَتِها الأُولى آيَةٌ أُخْرى. وقِيلَ: المُرادُ بِها ما أُعْطِي عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةٍ ووَحْيٍ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّها العَصا واليَدُ لِما سَمِعْتُ مِنَ المُؤَيِّدِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا وأخْذِها بَعْدَ انْقِلابِها حَيَّةً قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ مِن غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الآيَتَيْنِ ولا تَعَرُّضٍ لِوَصْفِ حَلِّ العُقْدَةِ ولا غَيْرِهِ بِكَوْنِهِ آيَةً، ثُمَّ إنَّ الباءَ لِلْمُصاحَبَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ إذِ المُرادُ ذَهابُهُما إلى فِرْعَوْنَ مُلْتَبِسِينَ بِالآياتِ مُتَمَسِّكِينَ بِها في إجْراءِ أحْكامِ الرِّسالَةِ وإكْمالِ الدَّعْوَةِ لا مُجَرَّدَ إذْهابِها وإيصالِها إلَيْهِ، وهَذا ظاهِرٌ في تَحَقُّقِ الآياتِ إذْ ذاكَ وأكْثَرُ التِّسْعِ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ. ﴿ولا تَنِيا﴾ مِنَ الوَنْيِ بِمَعْنى الفُتُورِ وهو فِعْلٌ لازِمٌ وإذا عُدِّيَ عُدِّيَ بِفي وبِعْنَ، وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّهُ فِعْلٌ ناقِصٌ مِن أخَواتِ زالَ وبِمَعْناها واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ، وفي الصَّحّاحِ فُلانٌ يَنِي يَفْعَلُ كَذا أيْ لا يَزالُ يَفْعَلُ كَذا، وكَأنَّ هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن نَفْيِ الفُتُورِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( ولا تِنِيا ) بِكَسْرِ التّاءِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( لا تَهِنا ) وحاصِلُهُ أيْضًا لا تَفْتُرا ﴿فِي ذِكْرِي﴾ بِما يَلِيقُ بِي مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ والأفْعالِ الجَمِيلَةِ عِنْدَ تَبْلِيغِ رِسالَتِي والدُّعاءِ إلى عِبادَتِي، وقِيلَ: المَعْنى لا تَنِيا في تَبْلِيغِ رِسالَتِي فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ مَجازًا عَلى جَمِيعِ العِباداتِ وهو مِن أجَلِّها وأعْظَمِها. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: لا تَنْسَيانِي حَيْثُما تَقَلَّبْتُما واسْتَمِدّا بِهِ العَوْنَ والتَّأْيِيدَ واعْلَما أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَأتّى ولا يَتَسَنّى إلّا بِذِكْرِي. وجَمَعَ هارُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في صِيغَةِ نَهْيِ الحاضِرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِغِيبَتِهِ إذْ ذاكَ لِلتَّغْلِيبِ ولا بُعْدَ في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وكَذا جَمْعُهُ في صِيغَةِ أمْرِ الحاضِرِ بِناءً عَلى ذَلِكَ أيْضًا في

طه 20:43

قَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ورُوِيَ أنَّهُ أُوحِيَ إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ، وقِيلَ: سَمِعَ بِإقْبالِهِ فَتَلَقّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى الطُّورِ واجْتَمَعا هُناكَ فَخُوطِبا مَعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّ هَذا الأمْرَ بَعْدَ إقْبالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطُّورِ إلى مِصْرَ واجْتِماعِهِ بِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقْبِلًا إلَيْهِ مِن مِصْرَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ بِأنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُناكَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ وبَيَّنَ هُنا، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّهُ أُمِرا هُنا بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وكانَ الأمْرُ هُناكَ بِالذَّهابِ إلى عُمُومِ أهْلِ الدَّعْوَةِ، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّهُ لَمْ يُخاطَبْ هارُونُ هُناكَ وخُوطِبَ هُنا، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ الأمْرَ هُناكَ بِذَهابِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الِانْفِرادِ نَصًّا أوِ احْتِمالًا والأمْرُ هُنا بِالذَّهابِ عَلى الِاجْتِماعِ نَصًّا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الفُرُوقِ مِنَ النَّظَرِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ هَذا الأمْرِ والأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا خِطابًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾

طه 20:44

﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قَرَأ أبُو مُعاذٍ (لَيْنًا) بِالتَّخْفِيفِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى طُغْيانِهِ فَإنَّ تَلْيِينَ القَوْلِ مِمّا يَكْسِرُ سُورَةَ عِنادِ العُتاةِ ويُلِينُ قَسْوَةَ صفحة 195 الطُّغاةِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِإلانَةِ القَوْلِ لَيْسَ لِحَقِّ التَّرْبِيَةِ كَما قِيلَ، والمَعْنى كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا تُعَنِّفاهُ في قَوْلِكُما وارْفُقا بِهِ في الدُّعاءِ ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِعِباراتٍ شَتّى مِنها ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وهو ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلَخْ ومِنها ما في النّازِعاتِ وهو ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ وهَذا ظاهِرٌ غايَةَ الظَّهْرِ وفي الرِّفْقِ في الدُّعاءِ فَإنَّهُ في صُورَةِ العَرْضِ والمَشُورَةِ، وقِيلَ: كَنِّياهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَكْنِيَةِ الكافِرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، ولَهُ كُنًى أرْبَعٌ أبُو الوَلِيدِ وأبُو مُصْعَبٍ وأبُو العَبّاسِ وأبُو مُرَّةَ، وقِيلَ: عَداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ، وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، فَآمِن بِاللَّهِ تَعالى يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ ويَقِكَ عَذابَ النّارِ، وقِيلَ: أمَرَهُما سُبْحانَهُ بِأنْ يُقَدِّما لَهُ الوَعْدَ عَلى الوَعِيدِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ قَوْلٍ كَما قِيلَ: أقْدَمَ بِالوَعْدِ قَبْلَ الوَعِيدِ لِيَنْهى القَبائِلَ جُهّالُها ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ولِينُهُ خِفَّتُهُ عَلى اللِّسانِ، وهَذا أبْعَدُ الأقْوالِ وأقْرَبُها الأوَّلُ، وكانَ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقاشِيُّ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى مَن يُعادِيهِ فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّاهُ ويُنادِيهِ، وقُرِئَتْ عِنْدَ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ فَبَكى وقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ أنا الإلَهُ فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ أنْتَ اللَّهُ؟ وفِيها دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ إلانَةِ القَوْلِ لِلظّالِمِ عِنْدَ وعْظِهِ ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ويَتَأمَّلُ فَيَبْذُلُ النَّصَفَةَ مِن نَفْسِهِ والإذْعانَ لِلْحَقِّ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلى الإيمانِ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَصِفانِ فَيَجُرُّهُ إنْكارُهُ إلى الهَلَكَةِ وذَلِكَ يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ أيْضًا إلّا أنَّ الأوَّلَ لِلرّاسِخِينَ ولِذا قُدِّمَ، وقِيلَ: يَتَذَكَّرُ حالَهُ حِينَ احْتَبَسَ النِّيلُ فَسارَ إلى شاطِئِهِ وأبْعَدَ، وخَرَّ لِلَّهِ تَعالى ساجِدًا راغِبًا أنْ لا يُخْجِلَهُ ثُمَّ رَكِبَ فَأخَذَ النِّيلُ يَتْبَعُ حافِرَ فَرَسِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ حِلْمِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ أوْ يَخْشى ويَحْذَرُ مِن بَطْشِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ سُبْحانَهُ، والمُعَوِّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو راجِعٌ لِلْمُخاطَبِينَ، والجُمْلَةُ مَحَلُّ النَّصْبِ حالٌ مِن ضَمِيرِ هُما في (قَوْلًا) أيْ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا راجِيَيْنِ أنْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى، وكَلِمَةُ أوْ لِمَنعِ الخُلُوِّ. وحاصِلُ الكَلامِ باشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ أنْ يُثْمِرَ عَمَلُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ فَهو يَجْتَهِدُ بِطَوْعِهِ ويَحْتَشِدُ بِأقْصى وُسْعِهِ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ هُما في (اذْهَبا) والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: لَعَلَّ هُنا لِلِاسْتِفْهامِ أيْ هَلْ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو القَوْلُ اللَّيِّنُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ قَوْلِكَ: قُلْ لِزَيْدٍ هَلْ يَقُومُ. وقالَ الفَرّاءُ: هي هُنا بِمَعْنى كَيِ التَّعْلِيلِيَّةِ وهي أحَدُ مَعانِيها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الأخْفَشُ. والكِسائِيُّ بَلْ حَكى البَغَوِيُّ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن لَعَلَّ فَإنَّها لِلتَّعْلِيلِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ فَإنَّها لِلتَّشْبِيهِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَعَلَّ في القُرْآنِ بِمَعْنى كَيْ غَيْرَ آيَةٍ في ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ فَإنَّ المَعْنى كَأنَّكم تَخْلُدُونَ، وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: قُرِئَ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَها لِلتَّشْبِيهِ غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِفْهامِ هُنا بَعِيدٌ، ولَعَلَّ التَّعْلِيلَ أسْبَقُ إلى كَثِيرٍ مِنَ الأذْهانِ مِنَ التَّرَجِّي لَكِنَّ الصَّحِيحَ كَما في البَحْرِ أنَّها لِلتَّرَجِّي وهو المَشْهُورُ مِن مَعانِيها، وقِيلَ: إنَّ صفحة 196 التَّرَجِّيَ مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ الطَّلَبِ وهو راجِعٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والَّذِي لا يَصِحُّ مِنهُ سُبْحانَهُ هو التَّرَجِّي حَقِيقَةً، والمُحَقِّقُونَ عَلى الأوَّلِ، والفائِدَةُ في إرْسالِهِما عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ إلْزامُ الحُجَّةِ وقَطْعُ المَعْذِرَةِ. وزَعَمَ الإمامُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ سِرَّ الإرْسالِ إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِامْتِناعِ حُصُولِ الإيمانِ مِنهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولا سَبِيلَ في أمْثالِ هَذا المَقامِ لِغَيْرِ التَّسْلِيمِ وتَّرَكِ الِاعْتِراضِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُتَّبِعِينَ لِمَن قالَ بِنَجاةِ فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ لَعَلَّ كَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبُ الوُقُوعِ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ التَّذَكُّرِ والخَشْيَةِ واقِعٌ وهو مَدارُ النُّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يُعْلَمُ مِنهُ فَسادُ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى ما قِيلَ مِن أنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَكِنْ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وهو حِينَ الغَرَقِ بَلْ لا يَصِحْ حَمْلُ التَّذَكُّرِ والخَشْيَةِ هُنا عَلى ما يَشْمَلُ التَّذَكُّرَ والخَشْيَةَ اللَّذَيْنِ زَعَمَ القائِلُ حُصُولَهُما لِفِرْعَوْنَ فَتَذَكَّرْ.

طه 20:45

﴿قالا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا حِينَ أُمِرا بِما أُمِرا؟ فَقِيلَ قالا إلَخْ، وأُسْنِدَ القَوْلُ إلَيْهِما مَعَ أنَّ القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِغَيْبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّغْلِيبِ كَما مَرَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ اجْتِماعِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى قَوْلَهُ مَعَ قَوْلِ مُوسى عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَإنَّ هَذا الخِطابَ قَدْ حُكِيَ لَنا بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنَ المُخاطَبِينَ لَمْ يُخاطَبْ إلّا بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُما مُجْتَمَعَيْنِ عِنْدَ الطُّورِ وقالا جَمِيعًا ﴿رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ أيْ أنْ يَعْجَلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ولا يَصْبِرَ إلى إتْمامِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ المُعْجِزَةِ مِن فَرَطَ إذا تَقَدَّمَ، ومِنهُ الفارِطُ المُتَقَدِّمُ المَوْرِدُ والمَنزِلُ، وفَرَسٌ فارِطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ، وفاعِلُ (يَفْرُطَ) عَلى هَذا فِرْعَوْنُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا مِنهُ قَوْلٌ فَأضْمَرَ القَوْلَ كَما تَقُولُ فَرَطَ مِنِّي قَوْلٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَةٍ ( يُفْرَطَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مِن أفَرَطْتْهْ إذا حَمَلْتَهُ عَلى العَجَلَةِ أيْ نَخافُ أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ مِنَ الِاسْتِكْبارِ أوِ الخَوْفِ عَلى المِلْكِ أوْ غَيْرِهِما عَلى المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ( يُفْرِطَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ. واسْتَشْكَلَ هَذا القَوْلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ قَبْلَ قَوْلِهِما هَذا بِدَلالَةِ ( سَنَشُدُّ ) وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُما مَحْفُوظانِ مِن عُقُوبَتِهِ وأذاهُ فَكَيْفَ يَخافانِ مِن ذَلِكَ. وأُجِيبَ: بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَصِلُونَ بِالعُقُوبَةِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ لا يَصِلُونَ إلى إلْزامِكُما بِالحُجَّةِ مَعَ أنَّ التَّقَدُّمَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولَوْ قُدِّمَ في الحِكايَةِ لا سِيَّما والواوُ لا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ، والتَّفْسِيرُ المَذْكُورُ مَأْثُورٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وزَعَمَ الإمامُ أنَّهُما قَدْ أمِنا وُقُوعَ ما يَقْطَعُهُما عَنِ الأداءِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ إلّا أنَّهُما طَلَبا بِما ذُكِرَ ما يَزِيدُ في ثَباتِ قُلُوبِهِما بِأنْ يَنْضافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وذَلِكَ نَظِيرَ ما وقَعَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ولا يَخْفى أنَّ في دَعْوى عِلْمِهِما بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَدَمُ وُقُوعِ ما يَقْطَعُهُما عَنِ الأداءِ عَبَثًا. واسْتَشْكَلَ أيْضًا حُصُولُ الخَوْفِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَمْنَعُ عَنْ حُصُولِ شَرْحَ الصَّدْرِ لَهُ الدّالُّ عَلى تَحَقُّقِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ سُؤالِهِ إيّاهُ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . وأجابَ الإمامُ بِأنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ قُوَّتِهِ عَلى ضَبْطِ تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي وحِفْظِ تِلْكَ الشَّرائِعِ عَلى وجْهٍ لا يَتَطَرَّقُ صفحة 197 إلَيْها السَّهْوُ والتَّحْرِيفُ وذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوالِ الخَوْفِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ هُنا عِبارَةٌ عَنْ تَوْسِيعِهِ وهو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الضَّجَرِ والقَلَقِ القَلْبِيِّ مِمّا يَرُدُّ مِنَ المَشاقِّ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ وتَلَقِّي ذَلِكَ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ. وأُجِيبَ عَلى هَذا بِأنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الخَوْفِ مِن شَيْءٍ والصَّبْرِ عَلَيْهِ وعَدَمِ الضَّجَرِ مِنهُ إذا وقَعَ، ألا تَرى كَثِيرًا مِنَ الكامِلِينَ يَخافُونَ مِنَ البَلاءِ ويَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى الحِفْظَ مِنهُ، وإذا نَزَلَ بِهِمُ اسْتَقْبَلُوهُ بِصَدْرٍ واسِعٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَضْجَرُوا مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ يَخافا مِنَ العُقُوبَةِ إلّا لِقَطْعِها الأداءَ المَرْجُوَّ بِهِ الهِدايَةُ، فَخَوْفُهُما في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ القَطْعِ وعَدَمِ إتْمامِ التَّبْلِيغِ، ولَمْ يَسْألْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِتَحَمُّلِ ذَلِكَ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ سَألَ وأُوتِيَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ فَكَيْفَ يَخافُ قَطْعَ الأداءِ بِالعُقُوبَةِ. وأُجِيبَ: بِأنَّ هَذا تَنْصِيصٌ عَلى طَلَبِ رَفْعِ المانِعِ الخاصِّ بَعْدَ طَلَبِ رَفْعِ المانِعِ العامِّ وطَلَبٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَفْعِهِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ تَغْلِيبًا مِنهُ لِأخِيهِ هارُونَ عَلى نَفْسِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلى أمْنِهِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلَ، واسْتَشْكَلَ أيْضًا عَدَمُ الذَّهابِ والتَّعَلُّلِ بِالخَوْفِ مَعَ تَكَرُّرِ الأمْرِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى المَعْصِيَةِ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الصَّحِيحِ. وأجابَ الإمامُ بِأنَّ الدَّلالَةَ مُسَلَّمَةٌ لَوْ دَلَّ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ ولَيْسَ فَلَيْسَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ إذا ضَمَمْتُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، و(أوْ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِمَنعِ الخُلُوِّ، والمُرادُ أوْ أنْ يَزْدادَ طُغْيانًا إلى أنْ يَقُولَ في شَأْنِكَ ما لا يَنْبَغِي لِكَمالِ جَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ وإطْلاقِهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ، وفِيهِ اسْتِنْزالٌ لِرَحْمَتِهِ تَعالى وإظْهارُ كَلِمَةِ أنْ مَعَ سَدادِ المَعْنى بِدُونِهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ والإشْعارِ بِتَحَقُّقِ الخَوْفِ مِن كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

طه 20:46

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، ولَعَلَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِانْتِقالِ الكَلامِ مِن مَساقٍ إلى مَساقٍ آخَرَ فَإنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ الوارِدَةِ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ حِكايَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ فَإنَّ ما قَبْلَهُ أيْضًا وارِدٌ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُما رَبُّهُما عِنْدَ تَضَرُّعِهِما إلَيْهِ سُبْحانَهُ؟ فَقِيلَ: قالَ أيْ لَهُما ﴿لا تَخافا﴾ مِمّا ذَكَرْتُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ النَّهْيِ ومَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُما، والمُرادُ بِمَعِيَّتِهِ سُبْحانَهُ كَمالُ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ كَما يُقالُ: اللَّهُ تَعالى مَعَكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ وهو بِتَقْدِيرِ المَفْعُولِ أيْ ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأفْعَلُ في كُلِّ حالٍ ما يَلِيقُ بِها مِن دَفْعِ شَرٍّ وجَلْبِ خَيْرٍ. وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ القَوْلِ السّابِقِ ويَكُونانِ قَدْ عَنَيا أنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا أوْ أنْ يَطْغى بِأنْ يَقْتُلَنا فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ﴾ أيْ: كَلامَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ (وأرى) أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ يَفْعَلُ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ فَقَدَّرَ المَفْعُولَ أيْضًا لَكِنَّهُ كَما تَرى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جائِزٌ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أنا حافِظٌ لَكُما وناصِرُ سامِعٌ مُبْصِرٌ وإذا كانَ الحافِظُ والنّاصِرُ كَذَلِكَ تَمَّ الحِفْظُ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نَظَرَ إلى المَفْعُولِ وقَدْ نَزَلَ الفِعْلُ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ أُرِيدَ تَتْمِيمُ ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الحِفْظُ صفحة 198 والنُّصْرَةُ ولَيْسَ مِن بابِ قَوْلِ المُتَنَبِّي: شَجْوُ حُسّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ عَلى ما زَعَمَ الطِّيبِيُّ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دالٌّ عَلى العِلْمِ ولَوْ دَلَّ ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ عَلَيْهِ لَزِمَ التَّكْرارُ وهو خِلافُ الأصْلِ.

طه 20:47

﴿فَأْتِياهُ﴾ أمْرٌ بِإتْيانِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ ما أُمِرا بِالذَّهابِ إلَيْهِ فَلا تَكْرارَ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافا﴾ بِاعْتِبارِ تَعْلِيلِهِ بِما بَعْدَهُ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أُمِرا بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِيَعْرِفَ الطّاغِيَةُ شَأْنَهُما ويَبْنِيَ جَوابَهُ عَلَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى وإنْ رَأى اللَّعِينُ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيرًا لَهُ حَيْثُ إنَّهُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ ولا يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ الإغْلاظِ في القَوْلِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى آخِرِهِ خِلافًا لِلْإمامِ، والفاءُ في (فَأرْسِلْ) لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ رَسُولَيْ رَبِّهِ تَعالى مِمّا يُوجِبُ إرْسالَهم مَعَهُما والمُرادُ بِالإرْسالِ إطْلاقُهم مِنَ الأُسَرِ وإخْراجُهم مِن تَحْتِ يَدِهِ العادِيَةِ لا تَكْلِيفُهم أنْ يَذْهَبُوا مَعَهُما إلى الشّامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ بِإبْقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ فَإنَّهم كانُوا تَحْتَ مَلِكَةِ القِبْطِ يَسْتَخْدِمُونَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الأحْجارِ وكانُوا يَقْتُلُونَ أبْناءَهم عامًا دُونَ عامٍ ويَسْتَخْدِمُونَ نِساءَهُمْ، ولَعَلَّهُما إنَّما بَدَآ بِطَلَبِ إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ دَعْوَةِ الطّاغِيَةِ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ لِلتَّدْرِيجِ في الدَّعْوَةِ، فَإنَّ إطْلاقَ الأسْرى دُونَ تَبْدِيلِ الِاعْتِقادِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَخْلِيصَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أهَمُّ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الباطِنِ أوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا بُدَّ لِذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّما بَدَأ بِطَلَبِ إرْسالِهِمْ لِما فِيهِ مِن إزالَةِ المانِعِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ وهي أهَمُّ مِن دَعْوَةِ القِبْطِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ هُنا لِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ ودَفْعِ طُغْيانِهِ فَهي الأهَمُّ دُونَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ما طَلَبا مِنهُ الإيمانُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ آيَةُ النّازِعاتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُنا اكْتِفاءً بِما هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ هُناكَ بِهَذا الطَّلَبِ اكْتِفاءً بِما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وتَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الإرْسالِ، فَإنَّ مَجِيئَهُما بِآيَةٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِمّا يُحَقِّقُ رِسالَتَهُما ويُقَرِّرُها ويُوجِبُ الِامْتِثالَ بِأمْرِهِما، وإظْهارُ اسْمِ الرَّبِّ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِتَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ، وجِيءَ بِقَدْ لِلتَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ أيْضًا، وتَكَلَّفَ لِإفادَتِها التَّوَقُّعَ وتَوْحِيدَ الآيَةِ مَعَ تَعَدُّدِها لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها لا بَيانُ تَعَدُّدِ الحُجَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِما يُثْبِتُ مُدَّعانا، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ اليَدُ، وقِيلَ: العَصا والقَوْلانِ كَما تَرى. ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ في الدّارَيْنِ لِمَنِ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِ آياتِ اللَّهِ تَعالى الهادِيَةِ إلى الحَقِّ، فالسَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّلامَةِ كالرِّضاعِ والرَّضاعَةِ، وعَلى بِمَعْنى اللّامِ كَما ورَدَ عَكْسُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وحُرُوفُ الجَرِّ كَثِيرًا ما تَتَقارَضُ، وقَدْ حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا المُشاكَلَةُ حَيْثُ جِيءَ بِعَلى في قَوْلِهِ تَعالى

طه 20:48

﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ مِن جِهَةِ رَبِّنا ﴿أنَّ العَذابَ﴾ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾ بِآياتِهِ صفحة 199 عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ جَعَلَ السَّلامَ تَحِيَّةَ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لِلْمُهْتَدِينَ المُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِهِمْ بِالجَنَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِمْ بِتَوْبِيخِ خَزَنَةِ النّارِ المُتَضَمِّنِ لِوَعِيدِهِمْ بِعَذابِها لِأنَّ المَقامَ لِلتَّرْغِيبِ فِيما هو حَسَنُ العاقِبَةِ وهو تَصْدِيقُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والتَّنْفِيرُ عَنْ خِلافِهِ فَلَوْ جُعِلَ السَّلامُ بِمَعْنى السَّلامَةِ لَمْ يُفِدْ أنَّ ذَلِكَ في العاقِبَةِ. فَما قِيلَ: إنَّهُ لا إشْعارَ في اللَّفْظِ بِهَذا التَّخْصِيصِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحِيَّةٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ اللِّقاءِ يَرُدُّهُ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تَحِيَّةَ الأخَوَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَلْ تَحِيَّةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ. وفِي البَحْرِ هو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ وأنَّهُ إذا أُرِيدَ مِنَ العَذابِ العَذابُ في الدّارَيْنِ، ومِنَ السَّلامِ السَّلامَةُ مِن ذَلِكَ العَذابِ حَصَلَ التَّرْغِيبُ في التَّصْدِيقِ والتَّنْفِيرِ عَنْ خِلافِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿والسَّلامُ﴾ إلَخْ فَصْلٌ لِلْكَلامِ ﴿والسَّلامُ﴾ فِيهِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى ما هو العادَةُ مِنَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ إلّا أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ رَغِبا بِذَلِكَ عَنْ فِرْعَوْنَ وخَصّا بِهِ مُتَّبِعِي الهُدى تَرْغِيبًا لَهُ بِالِانْتِظامِ في سَلَكِهِمْ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى مَنعِ السَّلامِ عَلى الكَفّارِ وإذا احْتِيجَ إلَيْهِ في خِطابٍ أوْ كِتابٍ جِيءَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ. وفِي الصَّحِيحَيْنِ ( «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى» )، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ. والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: التَّسْلِيمُ عَلى أهْلِ الكِتابِ إذا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم أنْ تَقُولَ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِظْهارَ المَذْكُورَ غَيْرُ بَعِيدٍ لَوْ كانَ كَلامُهُما عَلَيْهِما السَّلامُ قَدِ انْقَطَعَ بِهَذا السَّلامِ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ بَلْ قالا بَعْدَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ إلَخْ، وكَأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جَمِيعِ التَّفاسِيرِ اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَفْهُومِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المُلَقَّنِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَقُولَ المُلَقَّنُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وما بَعْدَ كَلامِ مَن قَبْلَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أتَيا بِهِ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ. واسْتَدَلَّ المُرْجِئَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ غَيْرَ الكَفَرَةِ لا يُعَذَّبُونَ أصْلًا. وأُجِيبُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ تَعْرِيفُ العَذابِ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، أمّا إذا كانَ لِلْعَهْدِ أيِ العَذابُ النّاشِئُ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ أوِ الدّائِمِ مَثَلًا فَلا، وكَذا إذا أُرِيدَ الجِنْسُ أوِ الِاسْتِغْراقُ الِادِّعائِيُّ مُبالَغَةً وجَعَلَ العَذابَ المُتَناهِيَ الَّذِي يَعْقُبُهُ السَّلامَةُ الغَيْرُ المُتَناهِيَةِ كَلا عَذابٍ لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُعَذِّبَ المُؤْمِنَ المُقَصِّرَ في العَمَلِ أصْلًا.

طه 20:49

﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بَعْدَما أتَياهُ وبَلَّغاهُ ما أُمِرا بِهِ، وإنَّما طَوى ذِكْرَ ذَلِكَ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُما كَما أُمِرا بِذَلِكَ سارَعا إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وبِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما لَمّا أُمِرا بِإتْيانِهِ وقَوْلِ ما ذُكِرَ لَهُ جاءا جَمِيعًا إلى بابِهِ فَأقاما حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما ثُمَّ أذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ فَدَخَلا وكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى. وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أُمِرَ أقْبَلَ إلى فِرْعَوْنَ في مَدِينَةٍ قَدْ جُعِلَ حَوْلَها الأسَدُ في غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَها والأسَدُ فِيها مَعَ ساسَتِها إذا أشَلْتَها عَلى أحَدٍ أكَلَ ولِلْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ في الغَيْضَةِ فَأقْبَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ الَّذِي يَراهُ فِرْعَوْنُ فَلَمّا رَأتْهُ الأُسَدُ صفحة 200 صاحَتْ صِياحَ الثَّعالِبِ فَأنْكَرَ ذَلِكَ السّاسَةُ وفَرِقُوا مِن فِرْعَوْنَ فَأقْبَلَ حَتّى انْتَهى إلى البابِ فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ وعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفِ وسَراوِيلُ فَلَمّا رَآهُ البَوّابُ عَجِبَ مِن جُرْأتِهِ فَتَرَكَهُ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي بابَ مَن أنْتَ تَضْرِبُ؟ إنَّما أنْتَ تَضْرِبُ بابَ سَيِّدِكَ، قالَ: أنْتَ وأنا وفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي فَأنا ناصِرُهُ، فَأخْبَرَ البَوّابُ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ البَوّابِينَ حَتّى بَلَغَ ذَلِكَ أدْناهُمْ، ودُونَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا، كُلُّ حاجِبٍ مِنهم تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الجُنُودِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى حَتّى خَلَصَ الخَبَرُ إلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ عَلَيَّ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أعْرِفُكَ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، فَرَدَّ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي رَدَّ، قالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ، فَبادَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَحَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وقامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ البَيْتَ فَقالَ: يا مُوسى اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ، قالَ مُوسى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّما أُمِرْتُ بِمُناجِزَتِكَ وإنْ أنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أجَلًا، وقُلْ لَهُ أنْتَ: اجْعَلْ ذَلِكَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إلى أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ وكانَ لا يَأْتِي الخَلاءَ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فاخْتَلَفَ ذَلِكَ اليَوْمُ أرْبَعِينَ مَرَّةً، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا مَرَّ بِالأُسْدِ خَضَعَتْ لَهُ بِأذْنابِها وسارَتْ مَعَهُ تَشَيُّعُهُ ولا تُهَيِّجُهُ ولا أحَدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ هارُونَ كانَ مَعَهُ حِينَ الإتْيانِ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يُذْكَرْ في هَذا الخَبَرِ اكْتِفاءً بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُما حِينَ عَرَضا عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى فِرْعَوْنَ ما عَرَضا شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرُدَّ ما دَعَيا إلَيْهِ، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا، فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ المُشاوَرَةَ قَبْلَ المُقاوَلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّها بَعْدَها والأوْلى في أمْثالِ هَذِهِ القِصَصِ الِاكْتِفاءُ بِما في المُنَزَّلِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يُوثَقَ بِصِحَّتِهِ أوْ لا يَكُونُ في المُنَزَّلِ ما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كالخَبَرِ السّابِقِ، فَإنَّ كَوْنَ فِرْعَوْنَ جَعَلَ الأجَلَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ طَلَبَ مِنهُ فِرْعَوْنُ أنْ يَجْعَلَ مَوْعِدًا ﴿”مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ“﴾، والظّاهِرُ عَدَمُ تَعَدُّدِ الحادِثَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ أتَياهُ وقالا لَهُ ما قالا؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ لَمْ يُضِفِ الرَّبَّ إلى نَفْسِهِ ولَوْ بِطَرِيقِ حِكايَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِ ونِهايَةِ طُغْيانِهِ بَلْ إضافَةً إلَيْهِما لِما أنَّ المُرْسِلَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ رَبًّا لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِأنَّهُما قَدْ صَرَّحا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ بِأنْ قالا: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَما وقَعَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والِاقْتِصارُ هاهُنا عَلى ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِفِرْعَوْنَ لِكِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِما رَسُولَيْ رَبِّهِما أيْ إذا كُنْتُما رَسُولَيْ رَبِّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما فَأخْبِرا مَن رَبُّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما، وتَخْصِيصُ النِّداءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِما لِما ظَهَرَ لَهُ مِن أنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ وزِيرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهُ رَبُّهُ كَما قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، قِيلَ: وهَذا أوْفَقُ بِتَلْبِيسِهِ عَلى الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَتَّةً فَأرادَ أنْ يُسْكِتَهُ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن بَقاءِ رَتَّةٍ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

طه 20:50

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَبَدَّ بِالجَوابِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خُصَّ بِالسُّؤالِ ﴿رَبُّنا﴾ مُبْتَدَأٌ صفحة 201 وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ خَبَرُهُ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو رَبُّنا والمَوْصُولُ صِفَتُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ وأخاهُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ورَدًّا عَلى اللَّعِينِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ و(كُلَّ شَيْءٍ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَأعْطى و(خَلْقَهُ) مَفْعُولُهُ الثّانِي وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِشَيْءٍ والعُمُومُ المُسْتَفادُ مِن (كُلَّ) يُعْتَبَرُ بَعْدَ إرْجاعِهِ إلَيْهِ لِئَلّا يُرَدَّ الِاعْتِراضُ المَشْهُورُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومُ الأفْرادِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الأمْرَ الَّذِي طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ مِنَ الصُّورَةِ والشَّكْلِ والمَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ أوِ الأمْرَ اللّائِقَ بِما نِيطَ بِهِ مِنَ الخَواصِّ والمَنافِعِ المُطابِقِ لَهُ كَما أعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ وكَذَلِكَ الأنْفَ واليَدَ والرِّجْلَ واللِّسانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ، وقِيلَ: الخَلْقُ باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ بِمَعْنى الإيجادِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الإيجادَ الَّذِي اسْتَعَدَّ لَهُ أوِ اللّائِقَ بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ وهو كَما تَرى. وحَمَلَ بَعْضُهُمُ العُمُومَ عَلى عُمُومِ الأنْواعِ دُونَ عُمُومِ الأفْرادِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يَلْزَمَ الخُلْفَ، ويُرَدُّ النَّقْضُ بِأنَّ بَعْضَ الأفْرادِ لَمْ يَكْمُلْ لِعارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ، والحَقُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى راعِي الحِكْمَةِ فِيما خَلَقَ وأمَرَ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهَذا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كَما نَقَلَ صاحِبُ المَواقِفِ وعُيُونِ الجَواهِرِ، فَكُلُّ شَيْءٍ كامِلٌ في مَرْتَبَتِهِ حَسَنٌ في حَدِّ ذاتِهِ، فَقَدْ قالَ تَعالى العَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ (خَلْقَهُ) وجَعْلُ العُمُومِ في هَذا عُمُومَ الأنْواعِ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ أحَدٌ، وقالَ سُبْحانَهُ:﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلى الرَّحْمَنِ وخَلْقُهُ إيّاهُ عَلى طِبْقِ الحِكْمَةِ بِمُقْتَضى الجُودِ والرَّحْمَةِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ الأشْياءِ إنَّما هو إذا أُضِيفَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فالعُدُولُ عَمّا هو الظّاهِرُ مِن عُمُومِ الأفْرادِ إلى عُمُومِ الأنْواعِ لِما ذُكِرَ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ العُدُولِ كَوْنُ (أعْطى) حَقِيقَةً في الماضِي، فَلَوْ حُمِلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى عُمُومِ الأفْرادِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها قَدْ وُجِدَ وأُعْطِيَ مَعَ أنَّ مِنها بَلْ أكْثَرُها لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُعْطَ بَعْدُ بِخِلافِ ما إذا حُمِلَ عَلى عُمُومِ الأنْواعِ فَإنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ إذِ الأنْواعُ جَمِيعُها قَدْ وُجِدَ ولا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ فَلْيُفْهَمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ والصُّورَةِ أُنْثى، وكَأنَّهم جَعَلُوا كُلًّا لِلتَّكْثِيرِ وإلّا فالعُمُومُ مُطْلَقًا باطِلٌ كَما لا يَخْفى، وعِنْدِي أنَّ هَذا المَعْنى مِن فُرُوعِ المَعْنى السّابِقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن قالَهُ التَّمْثِيلُ وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا ولا يَكادُ يَقُولُهُ مَن نُسِبَ إلَيْهِ. وقِيلَ: (خَلْقَهُ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ والمَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ أيْضًا، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْمَوْصُولِ و(كُلَّ شَيْءٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي والمَعْنى: أعْطى مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ المَقْصُودَ الِامْتِنانُ بِهِ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى الجُبّائِيِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٍ ( خَلَقَهُ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَعْلُومِ صفحة 202 عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ أوِ المُضافِ عَلى شُذُوذٍ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الثّانِي اخْتِصارًا لِدَلالَةِ قَرِينَةِ الحالِ عَلَيْهِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَعالى ما يُصْلِحُهُ أوْ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ أيْ كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ، ورَجَّحَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ أبْلَغُ وأظْهَرُ، وقِيلَ: الأوَّلُ أحْسَنُ صِناعَةً ومُوافَقَةً لِلْمَقامِ وهو عِنْدِي أوْفَقُ بِالمَعْنى الأوَّلِ لِلْقِراءَةِ الأُولى وفِيما ذَكَرَهُ في الكَشْفِ تَرَدُّدٌ. ﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ أرْشَدَ ودَلَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِهِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ في هَذِهِ المُحَدَّثاتِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ عَلِمَ أنَّ لَها صانِعًا واجِبَ الوُجُودِ عَظِيمَ العَطاءِ والجُودِ، ومُحَصَّلُ الآيَةِ رَبُّنا الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ وجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذا الجَعْلُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا بِالذّاتِ عَنِ الخَلْقِ ولَيْسَ بَيْنَهُما تَراخٍ في الزَّمانِ أصْلًا لَكِنَّهُ جِيءَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ لِلتَّراخِي بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ كَما لا يَخْفى وجْهُهُ عَلى المُتَأمِّلِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾ إلى طَرِيقِ الِانْتِفاعِ والِارْتِفاقِ بِما أعْطاهُ، وعَرَّفَهُ كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلى بَقائِهِ وكَمالِهِ إمّا اخْتِيارًا كَما في الحَيَواناتِ أوْ طَبْعًا كَما في الجَماداتِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ. ولَمّا كانَ الخَلْقُ الَّذِي هو تَرْكِيبُ الأجْزاءِ وتَسْوِيَةُ الأجْسامِ مُتَقَدِّمًا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إبْداعِ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ في تِلْكَ الأجْسادِ وسَّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةَ التَّراخِي انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الخَلْقَ لُغَةً أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ وأنَّ القُوى المُحَرِّكَةَ والمُدْرِكَةَ داخِلَةٌ في عُمُومِ (كُلَّ شَيْءٍ) سَواءٌ كانَ عُمُومَ الأفْرادِ أوْ عُمُومَ الأنْواعِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ نَوْعٍ مِنَ المَجازِ في (هَدى) عَلى تَفْسِيرِهِ، وقِيلَ: عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ ثُمَّ هَداهُ إلى الِاجْتِماعِ بِإلْفِهِ والمُناكَحَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ، ومِن هُنا قِيلَ: كانَ مِنَ الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبُّنا رَبُّ العالَمِينَ لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَ الإرْشادِ والأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وأشارَ إلى حُدُوثِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها واحْتِياجِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ واخْتِلافِ مَراتِبِها وأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ الحَكِيمُ الغَنِيُّ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِأنَّ جُمْلَةَ الصِّلَةِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً ومَتى كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْلُومَةً لَهُ كانَ عارِفًا بِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا مَذْهَبُ البَعْضِ فِيهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، واسْتَدَلُّوا لَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا إنْكارُ المَعادِ دُونَ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ فَإنَّهُ عَنى بِهِ أنِّي أطْلُبُ مِنهُ شَرْحَ الماهِيَّةِ وهو يَشْرَحُ الوُجُودَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأصْلِ الوُجُودِ وبِأنَّ مُلْكَهُ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغْ الشّامَ ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هَرَبَ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ وبِأنَّهُ كانَ عاقِلًا ضَرُورَةَ أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ فَيَكُونُ قائِلًا بِالمُدَبِّرِ وبِأنَّهُ سَألَ هاهُنا بِمَن طالِبًا لِلْكَيْفِيَّةِ، وفي الشُّعَراءِ بِما طالِبا لِلْماهِيَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ بِمَن سابِقٌ فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى الوُجُودِ تَرَكَ المُنازَعَةَ مَعَهُ صفحة 203 فِي هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِظُهُورِهِ وشَرَعَ في مَقامٍ أصْعَبَ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّتِهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلَةٍ لِلْبَشَرِ. ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأدِلَّةِ مِنَ القِيلِ والقالِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ أصْلًا ولَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ بِعَدَمِ احْتِياجِ المُمْكِنِ في وُجُودِهِ إلى مُؤَثِّرٍ وإنَّ وُجُودَ العالَمِ اتِّفاقِيٌّ كَما نُقِلَ عَنْ دِيمُقْراطِيسَ وأتْباعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلى مَن تَحْتَ يَدِهِ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ، واسْتَدَلَّ بِشُرُوعِهِ في المُناظَرَةِ وطَلَبِ الحُجَّةِ دُونَ السَّفاهَةِ والشَّغَبِ مَعَ كَوْنِهِ جَبّارًا شَدِيدَ البَطْشِ عَلى أنَّ الشَّغَبَ والسَّفاهَةَ مَعَ مَن يَدْعُو إلى الحَقِّ في غايَةِ القُبْحِ، فَلا يَنْبَغِي لِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ أنْ يَرْتَضِيَ لِنَفْسِهِ ما لَمْ يَرْتَضِهِ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ. وبِاشْتِغالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى المَطْلُوبِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في أمْثالِ هَذا المَطْلَبِ وفَسادِ قَوْلِ القائِلِ: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى تُسْتَفادُ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، وبِحِكايَةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ وجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ مَقْرُونًا بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ، وعَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ شُبْهَةِ المُبْطِلِ حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِحَلِّها

طه 20:51

﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لَمّا شاهَدَ اللَّعِينُ ما نَظَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَلَكِ الجَوابِ مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى الطِّرازِ الرّائِعِ خافَ أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ حَقِّيَةُ مَقالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُطْلانُ خُرافاتِ نَفْسِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا أرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ سُنَنِهِ إلى ما لا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها في نَفْسِ الأمْرِ بِالرِّسالَةِ مِنَ الحِكاياتِ مُوهِمًا أنَّ لَها تَعَلُّقًا بِذَلِكَ ويَشْغَلُهُ عَمّا هو بِصَدَدِهِ، عَسى يَظْهَرُ فِيهِ نَوْعُ غَفْلَةٍ فَيَتَسَلَّقُ بِذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ نَوْعَ مَعْرِفَةٍ، فَقالَ ﴿فَما بالُ﴾ إلَخْ. وأصْلُ البالِ الفِكْرُ، يُقالُ: خَطَرَ بِبالِي كَذا ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي يَعْتَنِي بِها وهو المُرادُ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ إلّا شُذُوذًا في قَوْلِهِمْ بِآلاتٍ. وكَأنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى دَعْوى الرِّسالَةِ أيْ إذا كُنْتَ رَسُولًا فَأخْبِرْنِي ما حالُ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، وماذا جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الحَوادِثِ المُفَصَّلَةِ.

طه 20:52

﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما أنا عَبْدٌ لا أعْلَمُ مِنها إلّا ما عَلَّمَنِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ والعِلْمِ بِأحْوالِ القُرُونِ وما جَرى عَلَيْهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ مِمّا لا مُلابَسَةَ فِيهِ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ كَما زَعَمْتَ. وقِيلَ: إنَّما سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ هو مِن جُمْلَةِ القُصّاصِ الَّذِينَ دارَسُوا قِصَصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ اللَّعِينَ لَمّا سَمِعَ وعْظَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ الآيَةَ سَألَ عَنْ ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ فَإنَّهُ كانَ نُزُولُها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ السُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ إلَخْ أيْ فَما حالُ القُرُونِ السّالِفَةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمُرادُ بَيانُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ فَفَصِّلَ لَنا حالَ مَن مَضى مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ولِذا رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِلْمَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لَأُجِيبَ بِبَيانِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى مِنهم فَقَدْ سَلِمَ ومَن صفحة 204 تَوَلّى فَقَدْ عُذِّبَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والسَّلامُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ إلَخْ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى كَذَّبُوا ثُمَّ ما عُذِّبُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ والسُّؤالُ عَنِ البَعْثِ، والضَّمِيرُ في ﴿عِلْمُها﴾ لِلْقِيامَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القِيامَةِ أدْهى مِن أمْرِ التَّعَلُّقِ (وأمَرَّ) . وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِراضًا عَلى ما تُضَمِّنُهُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها المُسْتَتْبِعِ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِالأشْياءِ كُلِّها كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى كَما أشَرْتَ فَما تَقُولُ في القُرُونِ الخالِيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وتَمادِي مُدَّتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ، كَيْفَ إحاطَةُ عِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ وبِأجْزائِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَأجابَ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى آخِرِ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وتَخْصِيصُ القُرُونِ الأُولى عَلى هَذا بِالذِّكْرِ مَعَ أوْلَوِيَّةِ التَّعْمِيمِ قِيلَ لِعِلْمِ فِرْعَوْنَ بِبَعْضِها وبِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ بَيَّنَ أحْوالَها، وقِيلَ: إنَّهُ لِإلْزامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَبْكِيتِهِ عِنْدَ قَوْمِهِ في أسْرَعِ وقْتٍ لِزَعْمِهِ أنَّهُ لَوْ عَمَّمَ رُبَّما اشْتَغَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمَوْجُوداتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ فَتَطُولُ المُدَّةُ ولا يَتَمَشّى ما أرادَهُ، وأيًّا ما كانَ يَسْقُطُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَأْبى هَذا الوَجْهُ تَخْصِيصَ القُرُونِ الأُولى مِن بَيْنِ الكائِناتِ، فَإنَّهُ لَوْ أخَذَها بِجُمْلَتِها كانَ أظْهَرَ وأقْوى في تَمَشِّي ما أرادَ، نَعَمْ بُعْدُ هَذا الوَجْهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ اعْتِراضٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ ما ذَكَرْتُ مِن دَلِيلِ إثْباتِ المَبْدَأِ في هَذِهِ الغايَةِ مِنَ الظُّهُورِ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى نَسُوهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى فَلَوْ كانَتِ الدَّلالَةُ واضِحَةً وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها ومَآلُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ مُعارَضَةُ الحُجَّةِ بِالتَّقْلِيدِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما يُقالُ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وحاصِلُ الجَوابِ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ مِن سِرِّ القَدَرِ وعِلْمُهُ عِنْدَ رَبِّي جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فِي كِتابٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ ”عِلْمُها“ والخَبَرُ الأوَّلُ ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ . وجُوِّزَ أنْ يَكُونا خَبَرًا واحِدًا مِثْلَ هَذا حُلْوٌ حامِضٌ وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾، و﴿فِي كِتابٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ أوْ هو مَعْمُولٌ لَهُ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ في كِتابٍ و(عِنْدَ رَبِّي) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ الظَّرْفُ وهو يَعْمَلُ مُتَأخِّرًا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: يَكُونُ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في ﴿عِلْمُها﴾، وقِيلَ: يَكُونُ ظَرْفًا لِلظَّرْفِ الثّانِي، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْعِلْمِ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي كِتابٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِها و﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ الخَبَرُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ خَبَرِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أوَّلَ الأوْجُهِ هو الأوْجَهُ وكَأنَّهُ عَنى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ أيْ عِلْمُها مُثَبَّتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِتَفاصِيلِهِ وهَذا مِن بابِ المَجازِ، إذِ المُثْبَتُ حَقِيقَةً إنَّما هو النُّقُوشُ الدّالَّةُ عَلى الألْفاظِ المُتَضَمَّنَةِ شَرْحَ أحْوالِهِمُ المَعْلُومَةِ لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ الدَّفْتَرَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ وتَقَرُّرِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمُ وقَيَّدَهُ بِكَتَبَتِهِ في جَرِيدَةٍ ولَعَلَّهُ أوْلى، ويُلَوِّحُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَإنَّ عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ أوْفَقُ بِإتْقانِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ دَفْعَ تَوَهُّمِ الِاحْتِياجِ لِأنَّ الإثْباتَ في الكِتابِ إنَّما يَفْعَلُهُ مَن يَفْعَلُهُ لِخَوْفِ النِّسْيانِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، والإثْباتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ يَعْلَمُ بَعْضَها العالِمُونَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأوَّلِ تَكْمِيلٌ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنَّ الإثْباتَ في اللَّوْحِ لِلِاحْتِياجِ لِاحْتِمالِ خَطَأٍ أوْ نِسْيانٍ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ، وعَلى صفحة 205 الثّانِي تَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمَعْنى لا يُخْطِئُ رَبِّي ابْتِداءً بِأنْ لا يَدْخُلَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في واسِعِ عِلْمِهِ فَلا يَكُونُ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطًا بِالأشْياءِ ولا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَقاءً بِأنْ يَخْرُجَ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَ أنْ دَخَلَ بَلْ هو عَزَّ وجَلَّ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا أزَلًا وأبَدًا، وتَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِما ذُكِرَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ القَفّالُ ووافَقَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْفى حُسْنُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ، والفِعْلانِ قِيلَ: مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: هُما باقِيانِ عَلى تَعَدِّيهِما والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَضِلُّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن أحْوالِ القُرُونِ الأُولى، وعَنِ الحَسَنِ لا يَضِلُّ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ وكَأنَّهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنِ البَعْثِ وخَصَّصَ لِأجْلِهِ المَفْعُولَ وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: لا يَتْرُكُ مَن كَفَرَ بِهِ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ ولا يَتْرُكُ مَن وحَّدَهُ حَتّى يُحازِيَهُ وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنْ حالِهِمْ مِن حَيْثُ السَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكِتابٍ والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ لا يُضِلُّهُ رَبِّي ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: العائِدُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ (ورَبِّي) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ أيْ لا يَضِلُّ الكِتابَ رَبِّي أيْ عَنْهُ. وفي ﴿يَنْسى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلَيْهِ أيْضًا أيْ ولا يَنْسى الكِتابَ شَيْئًا أيْ لا يَدَعُهُ عَلى حَدِّ ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ . والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلى مَثَلِ هَذِهِ الأقْوالِ، وإظْهارُ (رَبِّي) في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلتَّلَذُّذِ بِذِكْرِهِ تَعالى ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِعَلِيَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ مِمّا تَقْتَضِي عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ حَتْمًا. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ مَن أضَلَّ وأضْلَلْتُ الشَّيْءَ وضَلَلْتُهُ قِيلَ بِمَعْنًى. وفي الصَّحّاحِ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ يُقالُ: أضْلَلْتُ بَعِيرِي إذا ذَهَبَ مِنكَ وضَلَلْتُ المَسْجِدَ والزّادَ إذا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُما وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مُقِيمٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ عِيسى، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وجْهَيْنِ جَعَلَ (رَبِّي) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والمَعْنى لا يُضِلُّ أحَدٌ رَبِّي عَنْ عِلْمِهِ، وجَعَلَهُ فاعِلًا والمَعْنى لا يَجِدُ رَبِّي الكِتابَ ضالًّا أيْ ضائِعًا، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لا يُضَلُّ رُبِّيَ ولا يُنْسى ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

طه 20:53

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ إلَخْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وكَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَنْسى﴾ فَيَكُونُ المَوْصُولُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ سُئِلَ ما أرادَ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي﴾ فَقالَ سُبْحانَهُ: هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ إلَخْ، واخْتارَ هَذا الإمامُ بَلْ قالَ: يَجِبُ الجَزْمُ بِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأدْرَجَهُ بِعَيْنِهِ في كَلامِهِ ولِذا قالَ (لَكُمُ) دُونَ لَنا وهو مِن قَبِيلِ الِاقْتِباسِ فَيَكُونُ المَوْصُولُ إمّا مَرْفُوعَ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَبِّي أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما في الِاحْتِمالِ السّابِقِ وإمّا مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، واخْتارَ هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ التِفاتٌ بِلا اشْتِباهٍ أوْ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مِن عِنْدِهِ غَيْرَ سامِعٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ: فَأخْرَجَ بِهِ بِإسْنادِ أخْرَجَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكاهُ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِ صفحة 206 المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الحاكِيَ هو المَحْكِيُّ عَنْهُ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ واحِدٌ، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ المُنِيرِ اخْتِيارُ هَذا حَيْثُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ: وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ رَقِيقُ الحاشِيَةِ وهو أقْرَبُ الوُجُوهِ إلى الِالتِفاتِ. وأنْكَرَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ فِيهِ التِفاتٌ أوْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ مِن عِنْدِهِ بِهَذا اللَّفْظِ غَيْرَ مُغَيَّرٍ عِنْدَ الحِكايَةِ، وقَوْلُهُ: ( أخْرَجْنا ) مِن بابِ قَوْلِ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا وعَمَرْنا وفَعَلْنا وإنَّما يُرِيدُونَ المَلِكَ أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ بِإرادَةِ أخْرَجْنا نَحْنُ مُعاشِرَ العِبادِ بِذَلِكَ الماءِ بِالحِراثَةِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى عَلى ما قِيلَ، ولَيْسَ في ( أخْرَجْنا ) عَلى هَذا وما قَبْلَهُ التِفاتٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماءً﴾ وما بَعْدَهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْصَلَهُ سُبْحانَهُ بِكَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ الحِكايَةِ لِنَبِيِّنا ﷺ، والأوْلى عِنْدِي الِاحْتِمالُ الأوَّلُ بَلْ يَكادُ يَكُونُ كالمُتَعَيَّنِ ثُمَّ الِاحْتِمالُ الثّانِي ثُمَّ الِاحْتِمالُ الثّالِثُ وسائِرُ الِاحْتِمالاتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ووَجْهُ ذَلِكَ لا يَكادُ يَخْفى. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الزُّخْرُفِ نَحْوُ هَذِهِ الآيَةِ، والمَهْدُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ جُعِلَ اسْمَ جِنْسٍ لِما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ. ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ إنْ كانَ بِمَعْنى (صَيَّرَ) أوْ حالٌ إنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ، والمُرادُ جَعَلَها لَكم كالمَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ غَيْرَ مَنقُولٍ لِما ذُكِرَ، والمُرادُ جَعَلَها ذاتَ مَهْدٍ أوْ مُمَهَّدَةً أوْ نَفْسَ المَهْدِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ أيْ مَهَدَها مَهْدًا بِمَعْنى بَسَطَها ووَطَأها، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وقَرَأ كَثِيرٌ ( مِهادًا ) وهو عَلى ما قالَ المُفَضَّلُ. كالمَهْدِ في المَصْدَرِيَّةِ والنَّقْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المِهادُ اسْمٌ والمَهْدُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُهم: هو جَمْعُ مَهْدٍ كَكَعْبٍ وكِعابٍ، والمَشْهُورُ في جَمْعِهِ مُهُودٌ، والمَعْنى عَلى الجَمْعِ جَعَلَ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنها مَهْدًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ أيْ حَصَّلَ لَكم طُرُقًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ تَسْلُكُونَها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ لِتَقْضُوا مِنها مَآرِبَكم وتَنْتَفِعُوا بِمَنافِعِها ومَرافِقِها، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ مَخْصُوصٌ بِالإنْسانِ كَرَّرَ ( لَكم ) وذَكَرَهُ أوَّلًا لِبَيانِ أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِن ذَلِكَ الإنْسانُ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ مِن جِهَتِها أوْ مِنها نَفْسِها عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ماءً هو المَطَرُ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ وواسِطَتِهِ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيهِ ما أوْدَعَ كَما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الماتُرِيدِيَّةُ وغَيْرُهم مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ لَكِنَّهُ لا يُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَسائِرِ الأسْبابِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ هو المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى الكامِلَةِ عَلى إيجادِ ما شاءَ بِلا تَوْسِيطِ شَيْءٍ كَما أوْجَدَ بَعْضَ الأشْياءِ كَذَلِكَ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ. وقِيلَ: (بِهِ) أيْ: عِنْدِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الأشاعِرَةُ فالماءُ كالنّارِ عِنْدَهم في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الرِّيِّ مَثَلًا والنّارُ كالماءِ في أنَّها لَيْسَ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ وإنَّما الفَرْقُ بَيْنَهُما في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَرَتْ عادَتُهُ أنْ يَخْلُقَ الرِّيَّ عِنْدَ شُرْبِ الماءِ والإحْراقَ عِنْدَ مَسِيسِ النّارِ دُونَ العَكْسِ. وزَعَمُوا أنَّ مَن قالَ: إنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ قُوَّةَ تَأْثِيرٍ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو إلى الكُفْرِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإيمانِ وهو لَعَمْرِي مِنَ المُجازَفَةِ بِمَكانٍ. والظّاهِرُ أنْ يُقالَ: فَأخْرَجَ إلّا أنَّهُ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ بِواسِطَةِ أنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى العَظِيمِ إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ، والإيذانُ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى إلّا مِن قادِرٍ مُطاعٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يَنْقادُ لِأمْرِهِ ويَذْعَنُ لِمَشِيئَتِهِ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ فَإنَّ مِثْلَ هَذا التَّعْبِيرِ يُعَبِّرُ بِهِ المُلُوكُ والعُظَماءُ النّافِذُ أمْرُهم. ويُقَوِّي صفحة 207 هَذا الماضِي الدّالُّ عَلى التَّحْقِيقِ كالفاءِ الدّالَّةِ عَلى السُّرْعَةِ فَإنَّها لِلتَّعْقِيبِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وجَعَلَ الإنْزالَ والإخْراجَ عِبارَتَيْنِ عَنْ إرادَةِ النُّزُولِ والخُرُوجِ مُعَلَّلًا بِاسْتِحالَةِ مُزاوَلَةِ العَمَلِ في شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِما فِيهِ بَحْثٌ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُهُ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا ولَمْ تُجْعَلْ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِنَ الباءِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ الفاءَ لِسَبَبِيَّةِ الإرادَةِ عَنِ الإنْزالِ والباءَ لِسَبَبِيَّةِ النَّباتِ عَنِ الماءِ فَلا تَكْرارَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ، انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْقِيبَ أظْهَرُ وأبْلَغُ. وقَدْ ورَدَ عَلى هَذا النَّمَطِ مِنَ الِالتِفاتِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا أطْلَقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِازْدِواجِها واقْتِرانِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. ﴿مِن نَباتٍ﴾ بَيانٌ وصِفَةٌ لَأزْواجًا. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿شَتّى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقَةٍ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضِ ومَرْضى وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِنَباتٍ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ يَعْنِي أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةُ النَّفْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والشَّكْلِ بَعْضُها يَصْلُحُ لِلنّاسِ وبَعْضُها لِلْبَهائِمِ. وقالُوا: مِن نِعْمَتِهِ عَزَّ وعَلا أنَّ أرْزاقَ العِبادِ إنَّما تَحْصُلُ بِعَمَلِ الأنْعامِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَفَها مِمّا يَفْضُلُ عَنْ حاجَتِهِمْ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أكْلِهِ.

طه 20:54

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ أخْرَجْنا أصْنافَ النَّباتِ قائِلِينَ ﴿كُلُوا﴾ إلَخْ أيْ مُعِدِّيها لِانْتِفاعِكم بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ آذِنِينَ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ أخْرَجْنا أزْواجًا مُخْتَلِفَةً مَقُولًا فِيها ذَلِكَ. والأُولى أنْسَبُ وأوْلى. ورَعى كَما قالَ الزَّجّاجُ يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، يُقالُ: رَعَتِ الدّابَّةُ رَعْيًا ورَعاها صاحِبُها رِعايَةً إذا أسامَها وسَرَّحَها وأراحَها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ تَعالى، وأفْعالِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ، وقِيلَ: لِعَدَمِ ذِكْرِ المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (لَآياتٍ) لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ لَآياتٍ كَثِيرَةً جَلِيلَةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ (لِأُولِي النُّهى) جَمْعُ نُهْيَةٍ بِضَمِّ النُّونِ سُمِّيَ بِها العَقْلُ لِنَهْيِهِ عَنِ اتِّباعِ الباطِلِ وارْتِكابِ القَبِيحِ كَما سُمِّيَ بِالعَقْلِ والحَجْرِ لِعَقْلِهِ وحَجْرِهِ عَنْ ذَلِكَ. ويَجِيءُ النُّهى مُفْرَدًا بِمَعْنى العَقْلِ كَما في القامُوسِ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا فَإنَّهُ قالَ: أيْ لِذَوِي العَقْلِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لِذَوِي التُّقى. ولَعَلَّهُ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالهُدى والأكْثَرُونَ عَلى الجَمْعِ أيْ لِذَوِي العُقُولِ النّاهِيَةِ عَنِ الأباطِيلِ، وتَخْصِيصُ كَوْنِها آياتٍ بِهِمْ لِأنَّ أوْجُهَ دَلالَتِها عَلى شُؤُونِهِ تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا العُقَلاءُ ولِذا جُعِلَ نَفْعُها عائِدًا إلَيْهِمْ في الحَقِيقَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا﴾ دُونَ كُلُوا أنْتُمْ والأنْعامُ.

طه 20:55

﴿مِنها﴾ أيْ: مِنَ الأرْضِ. ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ كانَتْ أنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً جَمالِيًّا مُسْتَتْبَعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنها، وقِيلَ: صفحة 208 المَعْنى خَلَقْنا أبْدانَكم مِنَ النُّطْفَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأرْضِ بِوَسائِطَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: إنَّ المَلَكَ يَنْطَلِقُ فَيَأْخُذُ مِن تُرابِ المَكانِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الشَّخْصُ فَيَذْرُهُ عَلى النُّطْفَةِ فَيُخْلَقُ مِنَ التُّرابِ والنُّطْفَةِ ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بِالإماتَةِ وتَفْرِيقِ الأجْزاءِ، وهَذا وكَذا ما بَعْدُ مَبْنِيٌّ عَلى الغالِبِ بِناءً عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يَبْلى جَسَدُهُ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيثارُ كَلِمَةِ في عَلى كَلِمَةِ إلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ المَدِيدِ فِيها ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ بِتَأْلِيفِ أجْزائِكم المُتَفَتِّتَةِ المُخْتَلِطَةِ بِالتُّرابِ عَلى الهَيْئَةِ السّابِقَةِ ورَدِّ الأرْواحِ مِن مَقَرِّها إلَيْها، وكَوْنُ هَذا الإخْراجِ تارَةً أُخْرى بِاعْتِبارِ أنَّ خَلْقَهم مِنَ الأرْضِ إخْراجٌ لَهم مِنها وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى نَهْجِ التّارَةِ الثّانِيَةِ أوِ التّارَةُ في الأصْلِ اسْمٌ لِلتَّوْرِ الواحِدِ وهو الجَرَيانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فِعْلَةٍ واحِدٌ مِنَ الفِعْلاتِ المُتَجَدِّدَةِ كَما مَرَّ في المَرَّةِ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ إلَخْ بَعْدَ ذِكْرِ النَّباتِ وإخْراجِهِ مِنَ الأرْضِ فَقَدْ تَضَمَّنَ كُلُّ إخْراجٍ أجْسامًا لَطِيفَةً مِنَ التَّرْباءِ الكَثِيفَةِ، وخُرُوجُ الأمْواتِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِخُرُوجِ النَّباتِ هَذا. * * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) طه يا طاهِرًا بِنا هادِيًا إلَيْنا أوْ يا طائِفَ كَعْبَةِ الأحَدِيَّةِ في حَرَمِ الهَوِيَّةِ وهادِيَ الأنْفُسِ الزَّكِيَّةِ إلى المَقاماتِ العَلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ط لِكَوْنِها بِحِسابِ الجُمَلِ تِسْعَةٌ وإذا جُمِعَ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأعْدادِ- أعْنِي الواحِدَ والِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةَ- وهَكَذا إلى التِّسْعَةِ بَلَغَ خَمْسَةً وأرْبَعِينَ إشارَةً إلى آدَمَ لِأنَّ أعْدادَ حُرُوفِهِ كَذَلِكَ، وهـ لِكَوْنِها بِحِسابِ الجُمَلِ خَمْسَةٌ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأعْدادِ يَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ إشارَةً إلى حُوّا بِلا هَمْزٍ، والإشارَةُ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أبُو الخَلِيقَةِ وأمُّها فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن تَكَوَّنَتْ مِنهُ الخَلِيقَةُ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ العارِفُ بْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي مِنهُ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وقالَ في ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابْلُسِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: طه النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ ∗∗∗ كُلُّ البَرِّيَّةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا ( وقِيلَ: طه في الحِسابِ أرْبَعَةَ عَشَرَ وهو إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ البَدْرِيَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا بَدْرَ سَماءِ عالَمِ الإمْكانِ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ أيْ: إلّا لِتُذَكِّرَ مَن يَخْشى أيّامَ الوِصالِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ تَعَلُّقِ الأرْواحِ بِالأبْدانِ وتُخْبِرُهم بِأنَّها يَحْصُلُ نَحْوُها لَهم لِتَطِيبَ أنْفُسُهم وتَرْتاحَ أرْواحُهم أوْ لِتُذَكِّرَهم إيّاها لِيَشْتاقُوا إلَيْها وتَجْرِيَ دُمُوعُهم عَلَيْها ويَجْتَهِدُوا في تَحْصِيلِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِعُودِها ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: سَقى اللَّهُ أيّامًا لَنا ولَيالِيا ∗∗∗ مَضَتْ فَجَرَتْ مِن ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ فَيا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ أوْبَةٌ ∗∗∗ وهَلْ لِي إلى أرْضِ الحَبِيبِ رُجُوعُ صفحة 209 وقِيلَ: مَن يَخْشى هُمُ العُلَماءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ مَظِنَّةَ العَجَبِ والفَخْرِ ونَحْوِهِما ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ صاحِبُهُ عَظَمَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ سُورًا لَهُ مانِعًا مِن تَطَرُّقِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ العَرْشُ جِسْمٌ عَظِيمٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى كَما قِيلَ مِن نُورٍ شَعْشَعانِيٌّ وجَعَلَهُ مَوْضِعُ نُورِ العَقْلِ البَسِيطِ الَّذِي هو مَشْرِقُ أنْوارِ القَدَمِ وشَرَّفَهُ بِنِسْبَةِ الِاسْتِواءِ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ، وقِيلَ: خُلِقَ مِن أنْوارٍ أرْبَعَةٍ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ وهي أنْوارُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولِذا قِيلَ لَهُ الأطْلَسُ، وإلى هَذا ذَهَبَتْ الطّائِفَةُ الحادِثَةُ في زَمانِنا المُسَمّاةُ بِالكَشْفِيَّةِ. وذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ العَرْشَ إشارَةٌ إلى قَلْبِ المُؤْمِنِ الَّذِي نِسْبَةُ العَرْشِ المَشْهُورِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الخَرْدَلَةِ إلى الفَلاةِ بَلْ كَنِسْبَةِ القَطْرَةِ إلى البَحْرِ المُحِيطِ وهو مَحَلُّ نَظَرِ الحَقِّ ومِنَصَّةُ تَجَلِّيهِ ومَهْبِطُ أمْرِهِ ومَنزِلُ تَدَلِّيهِ، وفي إحْياءِ العُلُومِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ قالَ اللَّهُ تَعالى ( لَمْ يَسَعْنِي سَمائِي ولا أرْضِي ووَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ اللَّيِّنُ الوادِعُ ) . أيِ السّاكِنُ المُطْمَئِنُّ، وفي الرِّشْدَةِ لِصَدْرِ الدِّينِ القُونَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ بِلَفْظِ ( ما وسِعَنِي أرْضِي ولا سَمائِي ووَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الوادِعُ ) ولَيْسَ هَذا القَلْبُ عِبارَةً عَنِ البُضْعَةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ فَإنَّها عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ أحْقَرُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ أنْ تَكُونَ مَحَلَّ سِرِّهِ جَلَّ وعَلا فَضْلًا عَنْ أنْ تَسَعَهُ سُبْحانَهُ وتَكُونُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ الأعْلى ومُسْتَواهُ عَزَّ شَأْنُهُ وهي وإنْ سُمِّيَتْ قَلْبًا فَإنَّما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وتَسْمِيَةُ الصِّفَةِ والحامِلِ بِاسْمِ المَوْصُوفِ والمَحْمُولِ بَلِ القَلْبُ الإنْسانِيُّ عِبارَةٌ عَنِ الحَقِيقَةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الأوْصافِ والشُّؤُونِ الرَّبّانِيَّةِ وبَيْنَ الخَصائِصِ والأحْوالِ الكَوْنِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ مِنها والطَّبِيعِيَّةِ وتِلْكَ الحَقِيقَةُ تَنْتَشِئُ مِن بَيْنِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الصِّفاتِ والحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذانِ الأصْلانِ مِنَ الأخْلاقِ والصِّفاتِ اللّازِمَةِ وما يَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِهِما بَعْدَ الِارْتِياضِ والتَّزْكِيَةِ، والقَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ مَنزِلُ تَدَلِّي الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ مِن بَيْنِ ما ذَكَرْنا الَّتِي هي صُورَةُ الحَقِيقَةِ القَلْبِيَّةِ، ومَعْنى وسِعَ ذَلِكَ لِلْحَقِّ جَلَّ وعَلا عَلى ما في مَسْلَكِ الوَسَطِ الدّانِي كَوْنُهُ مَظْهَرًا جامِعًا لِلْأسْماءِ والصِّفاتِ عَلى وجْهٍ لا يُنافِي تَنْزِيهَ الحَقِّ سُبْحانَهُ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ والتَّجْزِئَةِ وقِيامِ القَدِيمِ بِالحادِثِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحِيلَةِ عَلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ، هَذا لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ هَذا الخَبَرَ وإنِ اسْتَفاضَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم إلّا أنَّهُ قَدْ تَعَقَّبَهُ المُحَدِّثُونَ، فَقالَ العِراقِيُّ: لَمْ أرَ لَهُ أصْلًا. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هو مَذْكُورٌ في الإسْرائِيلِيّاتِ ولَيْسَ لَهُ إسْنادٌ مَعْرُوفٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ أشارَ بِما في الإسْرائِيلِيّاتِ إلى ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ السَّماواتِ لِحِزْقِيلَ حَتّى نَظَرَ إلى العَرْشِ فَقالَ حِزْقِيلُ: سُبْحانَكَ ما أعْظَمَكَ يا رَبِّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ ضَعُفْنَ مِن أنْ يَسَعْنَنِي ووَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ الوادِعُ اللَّيِّنُ. نَعَمْ لِذَلِكَ ما يَشْهَدُ لَهُ فَقَدْ قالَ العَلّامَةُ الشَّمْسُ ابْنُ القَيِّمِ في شِفاءِ العَلِيلِ ما نَصُّهُ، وفي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( «القُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ فَأحَبُّها إلَيْهِ أصْلَبُها وأرَقُّها وأصْفاها» ) . انْتَهى. ورَوى الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي عَنْبَسَةَ الخَوْلانِيِّ رَفَعَهُ ( إنَّ لِلَّهِ تَعالى آنِيَةً مِنَ الأرْضِ وآنِيَةُ رَبِّكم قُلُوبُ عِبادِهِ الصّالِحِينَ وأحَبُّها إلَيْهِ ألْيَنُها وأرَقُّها ) وهَذا الحَدِيثُ وإنْ كانَ في سَنَدِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ وهو مُدَلِّسٌ إلّا صفحة 210 أنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ ويُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ الحَدِيثَيْنِ أرْبَعُ صِفاتٍ لِلْقَلْبِ الأحَبِّ إلَيْهِ تَعالى اللِّينُ وهو لِقَبُولِ الحَقِّ والصَّلابَةُ وهي لِحِفْظِهِ فالمُرادُ بِها صِفَةُ تَجامُعِ اللِّينِ والصَّفاءِ والرِّقَّةِ وهُما لِرُؤْيَتِهِ، واسْتِواؤُهُ تَعالى عَلى العَرْشِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ دُونَ الرَّحِيمِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبًا مِن واسِعِ رَحْمَتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قِيلَ: السِّرُّ أمْرٌ كامِنٌ في القَلْبِ كُمُونَ النّارِ في الشَّجَرِ الرَّطْبِ حَتّى تُثِيرَهُ الإرادَةُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ المَلَكُ ولا الشَّيْطانُ ولا تُحِسُّ بِهِ النَّفْسُ ولا يَشْعُرُ بِهِ العَقْلُ وإلّا خَفِيَ ما في باطِنِ ذَلِكَ. وعِنْدَ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ السِّرُّ لَطِيفَةٌ بَيْنَ القَلْبِ والرُّوحِ وهو مَعْدِنُ الأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ، والخَفِيُّ لَطِيفَةٌ بَيْنَ الرُّوحِ والحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وهو مَهْبِطُ الأنْوارِ الرَّبّانِيَّةِ وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ والحَقِّ أنَّهُ مَشْرُوعٌ بِشَرْطِهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ هو أفْضَلُ مِنَ الذِّكْرِ الخَفِيِّ أوِ الذِّكْرُ الخَفِيُّ أفْضَلُ مِنهُ والحَقُّ فِيما لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلى طَلَبِ الجَهْرِ فِيهِ وما لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلى طَلَبِ الإخْفاءِ فِيهِ أنَّهُ يَخْتَلِفُ الأفْضَلُ فِيهِ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ والأزْمانِ فَيَكُونُ الجَهْرُ أفْضَلَ مِنَ الإخْفاءِ تارَةً والإخْفاءُ أفْضَلَ أُخْرى ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في تَنْبِيهِ العُقُولِ: إنَّ تِلْكَ النّارَ كانَتْ مَجْلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَجَلِّيهِ سُبْحانَهُ فِيها مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها كانَتْ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ تَعالى عَنْهُ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ الآيَةَ ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ اتْرُكِ الِالتِفاتَ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ وسِرْ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تَلْتَفُّ إلى ما سِواهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ وهو وادِي قُدْسِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وتَنَزُّهِ عِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: النَّعْلانِ إشارَةٌ إلى المُقَدِّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَرَكَّبُ مِنهُما الدَّلِيلُ لِأنَّهُما يَتَوَصَّلُ بِهِما العَقْلُ إلى المَقْصُودِ كالنَّعْلَيْنِ يَلْبَسُهُما الإنْسانُ فَيَتَوَصَّلُ بِالمَشْيِ بِهِما إلى مَقْصُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَلْتَفُّ إلى المُقَدِّمَتَيْنِ ودَعِ الِاسْتِدْلالَ فَإنَّكَ في وادِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى المُفْعَمِ بِآثارِ أُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ ﴿فاعْبُدْنِي﴾ قَدِّمْ هَذا الأمْرَ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَرَفِ العُبُودِيَّةِ، وثَنّى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ لِأنَّ الصَّلاةَ مِن أعْلامِ العُبُودِيَّةِ ومَعارِجِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ. ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ إيناسٌ مِنهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُهِشَ لَمّا تَكَلَّمَ سُبْحانَهُ مَعَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأُلُوهِيَّةِ فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بِيَدِهِ ولا يَكادُ يَغْلَطُ فِيهِ لِيَتَكَلَّمَ ويُجِيبَ فَتَزُولَ دَهْشَتُهُ، قِيلَ وكَذَلِكَ يُعامَلُ المُؤْمِنُ بَعْدَ مَوْتِهِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ وصَلَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ فَيَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِيهِ فَيَسْألُهُ عَنِ الإيمانِ الَّذِي كانَ بِيَدِهِ في الدُّنْيا ولا يَكادُ يَغْلَطُ فِيهِ فَإذا ذَكَرَهُ زالَ عَنْهُ ما اعْتَراهُ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَرَفَهُ كَمالَ الأُلُوهِيَّةِ أرادَ أنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصانَ البَشَرِيَّةِ فَسَألَهُ عَنْ مَنافِعِ العَصا فَذَكَرَ بَعْضَها فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيها ما هو أعْظَمُ نَفْعًا مِمّا ذَكَّرَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفاتِ الشَّيْءِ الحاضِرِ فَلَوْلا التَّوْفِيقُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ أجَلِّ الأشْياءِ وأعْظَمِها ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ أثَرِ الجَلالِ ولِذَلِكَ خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ فَهَذا الخَوْفُ مِن كَمالِ المَعْرِفَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمَن مَكْرَ اللَّهِ تَعالى ولَوْ سَبَقَ مِنهُ سُبْحانَهُ الإيناسُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ( يا مُوسى لا تَأْمَن مَكْرِي حَتّى تَجُوزَ الصِّراطِ ) . وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ مِن فَواتِ المَنافِعِ المَعْدُودَةِ ولِذا عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ صفحة 211 وهَذا جَهْلٌ بِمَقامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكَذا ما قِيلَ: إنَّهُ لَمّا رَأى الأمْرَ الهائِلَ فَرَّ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ مَقامَ ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ ولَوْ بَلَغَهُ لَمْ يَفِرَّ. وما قِيلَ: أيْضًا لَعَلَّهُ لَمّا حَصَلَ لَهُ مَقامُ المُكالَمَةِ بَقِيَ في قَلْبِهِ عَجَبٌ فَأراهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعُدَ في النَّقْصِ الإمْكانِيِّ ولَمْ يُفارِقْ عالَمِ البَشَرِيَّةِ وما النَّصْرُ والتَّثْبِيتُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ. ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ آيَةً نَفْسِيَّةً بَعْدَ أنْ أراهُ عَلَيْهِ السَّلامُ آيَةً آفاقِيَّةً كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ وهَذا مِن نِهايَةِ عِنايَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ: وقَدْ ذَكَرُوا في هَذِهِ القِصَّةِ نِكاتٌ وإشاراتٌ؛ مِنها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ إلى العَصا واليَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ حَصَلَ في كُلٍّ مِنهُما بُرْهانٌ باهِرٌ ومُعْجِزٌ قاهِرٌ فَصارَ أحَدُهُما وهو الجَمادُ حَيَوانًا والآخَرُ وهو الكَثِيفُ نُورانِيًّا لَطِيفًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نَظْرَةً إلى قَلْبِ العَبْدِ فَأيُّ عَجَبٍ أنْ يَنْقَلِبَ قَلْبُهُ الجامِدُ المُظْلِمُ حَيًّا مُسْتَنِيرًا، ومِنها أنَّ العَصا قَدِ اسْتَعَدَّتْ بِيُمْنِ يَمِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْحَياةِ وصارَتْ حَيَّةً فَكَيْفَ لا يَسْتَعِدُّ قَلْبُ المُؤْمِنِ الَّذِي هو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ لِلْحَياةِ ويَصِيرُ حَيًّا. ومِنها إنَّ العَصا بِإشارَةٍ واحِدَةٍ صارَتْ بِحَيْثُ ابْتَلَعَتْ سِحْرَ السَّحَرَةِ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ أوْلى أنْ يَصِيرَ بِمَدَدِ نَظَرِ الرَّبِّ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ بِحَيْثُ يَبْتَلِعُ سِحْرَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ومِنها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى أوَّلًا﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ وتَطْهِيرِ لَوْحِ الضَّمِيرِ مِنَ الأغْيارِ وما بَعْدَهُ إشاراتٌ إلى التَّحْلِيَةِ وتَحْصِيلُ ما يَنْبَغِي تَحْصِيلُهُ. وأشارَ سُبْحانَهُ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ وإلى عِلْمِ الوَسَطِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ وإلى عِلْمِ المَعادِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ ومِنها أنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ الخِطابَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ وهو غايَةُ اللُّطْفِ وخَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ - إلى- ﴿فَتَرْدى﴾ وهو قَهْرٌ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ وأنَّ العَبْدَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سُلُوكُهُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، ومِنها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في رِجْلِهِ شَيْءٌ وهو النَّعْلُ وفي يَدِهِ شَيْءٌ وهو العَصا والرِّجْلُ آلَةُ الهَرَبِ واليَدُ آلَةُ الطَّلَبِ فَأمَرَ بِتَرْكِ ما فِيهِما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السّالِكَ ما دامَ في مَقامِ الطَّلَبِ والهَرَبِ كانَ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِهِ وطالِبا لِحَظِّهِ فَلا يَحْصُلُ لَهُ كَمالُ الِاسْتِغْراقِ في بَحْرِ العِرْفانِ وفِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ جَلالَةِ مَنصِبِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ لَمْ يُمْكِنْ لَهُ الوُصُولُ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ حَتّى خَلَعَ النَّعْلَ وألْقى العَصا فَأنْتَ مَعَ ألْفِ وقْرٍ مِنَ المَعاصِي كَيْفَ يُمْكِنُكَ الوُصُولُ إلى جَنابِهِ وحَضْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ. واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا واسِطَةٍ وقَدْ خاطَبَ نَبِيَّنا ﷺ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَلْزَمُ مَزِيَّةَ الكَلِيمِ عَلى الحَبِيبِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. والجَوابُ أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ خاطَبَ نَبِيَّنا ﷺ أيْضًا بِلا واسِطَةٍ لَيْلَةَ المِعْراجِ غايَةَ ما في البالِ أنَّهُ تَعالى خاطَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَبْدَأِ رِسالَتِهِ بِلا واسِطَةٍ وخاطَبَ حَبِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَبْدَأِ رِسالَتِهِ بِواسِطَةٍ ولا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ المَزِيَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ لِحَبِيبِهِ الأكْرَمِ ﷺ بِلا واسِطَةٍ كانَ مَعَ كَشْفِ الحِجابِ ورُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهُ عَلى وجْهٍ لَمْ يَحْصُلْ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِذَلِكَ يُجْبَرُ ما يُتَوَهَّمُ في تَأْخِيرِ الخِطابِ بِلا واسِطَةٍ عَنْ مَبْدَأِ الرِّسالَةِ. وانْظُرْ إلى الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّنا ﷺ ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ وقَوْلِهِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ هي عَصايَ﴾ إلَخْ تَرى الفَرْقَ واضِحًا بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ مَعَ أنَّ لِكُلٍّ رُتْبَةَ التَّكْرِيمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الآياتِ ما يُشْعِرُ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما أيْضًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وجْهٍ آخَرَ وذَلِكَ صفحة 212 أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَكَّأُ عَلى العَصا والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يَتَّكِلُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ قائِلًا مَعَ أُمَّتِهِ وحَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، ولِذا ورَدَ في حَقِّهِ ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى مَعْنى وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ. وأيْضًا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَأ بِمَصالِحِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ ثُمَّ مَصالِحِ رَعِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَشْتَغِلْ إلّا بِإصْلاحِ أمْرِ أُمَّتِهِ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَلا جَرَمَ يَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ. نَفْسِي نَفْسِي، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ( «أُمَّتِي أُمَّتِي» ) . انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الإمامِ بَلْ لا فَرْقَ إلّا بِيَسِيرٍ جِدًّا. ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِهِ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ. وإنَّما نَقَلْتُهُ لِأُنَبِّهَ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الخِذْلانِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ وفِيهِ احْتِمالاتٌ. قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَشَرَةَ أشْياءَ ووَصَفَها بِالنُّورِ: الأوَّلُ ذاتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الثّانِي الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ﴾، الثّالِثُ الكِتابُ ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ . الرّابِعُ الإيمانُ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ . الخامِسُ عَدْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ . السّادِسُ القَمَرُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ . السّابِعُ النَّهارُ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ . الثّامِنُ البَيِّناتُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾، التّاسِعُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾، العاشِرُ المَعْرِفَةُ ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أوَّلًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِمَعْرِفَةِ أنْوارِ جَلالِ كِبْرِيائِكَ، وثانِيًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ رُسُلِكَ وأنْبِيائِكَ، وثالِثًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِاتِّباعِ وحْيِكَ وامْتِثالِ أمْرِكَ ونَهْيِكَ، ورابِعًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِنُورِ الإيمانِ والإيقانِ بِإلَهِيَّتِكِ، وخامِسًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالِاطِّلاعِ عَلى أسْرارِ عَدْلِكَ في قَضائِكَ وحُكْمِكَ. وسادِسًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالِانْتِقالِ مِن نُورِ شَمْسِكَ وقَمَرِكَ إلى أنْوارِ جَلالِ عِزَّتِكَ كَما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسابِعًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مِن مُطالَعَةِ نَهارِكَ ولَيْلِكَ إلى مُطالَعَةِ نَهارِ فَضْلِكَ ولَيْلِ قَهْرِكَ، وثامِنًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالِاطِّلاعِ عَلى مَجامِعِ آياتِكَ ومَعاقِدِ بَيِّناتِكَ في أرْضِكَ وسَمَواتِكَ، وتاسِعًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ في أنْ أكُونَ خَلَفَ صِدْقٍ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ ومُشابِهًا لَهم في الِانْقِيادِ لِحُكْمِ رَبِّ العالَمِينَ، وعاشِرًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِأنْ يَجْعَلَ سِراجَ الإيمانِ كالمِشْكاةِ الَّتِي فِيها المِصْباحُ: انْتَهى. ولا يَخْفى ما بُيِّنَ أكْثَرَ ما ذُكِرَ مِنَ التَّلازُمِ وإغْناءِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ، وقالَ أيْضًا: إنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ إيقادِ النُّورِ في القَلْبِ حَتّى يَصِيرَ كالسِّراجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُسْتَوْقِدَ السِّراجِ مُحْتاجٌ إلى سَبْعَةِ أشْياءَ زَنْدٍ وحَجَرٍ وحِراقٍ وكِبْرِيتٍ ومِسْرَجَةٍ وفَتِيلَةٍ ودُهْنٍ، فالزَّنْدُ زَنْدُ المُجاهِدِ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ والحَجَرُ حَجَرُ التَّضَرُّعِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ والحِراقُ مَنعُ الهَوى ونَهْيُ النَّفْسِ عَنِ الهَوى والكِبْرِيتُ الإنابَةُ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ والمِسْرَجَةُ الصَّبْرُ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ والفَتِيلَةُ الشُّكْرُ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ والدُّهْنُ: الرِّضا ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ ارْضَ بِقَضائِهِ، ثُمَّ إذا صَلُحَتْ هَذِهِ الأدَواتُ فَلا تُعَوِّلْ عَلَيْها بَلْ يَنْبَغِي أنْ تُطْلَبَ المَقْصُودَ مِن حَضْرَةِ رَبِّكَ جَلَّ وعَلا قائِلًا: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَهُنالِكَ تَسْمَعُ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا النُّورَ الرُّوحانِيَّ أفْضَلُ مِنَ الشَّمْسِ الجُسْمانِيَّةِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ الشَّمْسَ يَحْجُبُها الغَيْمُ وشَمْسُ المَعْرِفَةِ لا تَحْجُبُها السَّماواتُ السَّبْعُ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ . الثّانِي الشَّمْسُ تَغِيبُ صفحة 213 لَيْلًا وشَمْسُ المَعْرِفَةِ لا تَغِيبُ لَيْلًا ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ . اللَّيْلُ لِلْعاشِقِينَ سِتْرٌ ∗∗∗ يا لَيْتَ أوْقاتَهُ تَدُومُ الثّالِثُ الشَّمْسُ تَفْنى ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ والمَعْرِفَةُ لا تَفْنى. أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، الرّابِعُ الشَّمْسُ إذا قابَلَها القَمَرُ انْكَسَفَتْ، وشَمْسُ المَعْرِفَةِ وهي ( أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ) إذا لَمْ تُقْرَنْ بِقَمَرِ النُّبُوَّةِ وهي أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَصِلِ النُّورُ إلى عالَمِ الجَوارِحِ، الخامِسُ الشَّمْسُ تُسَوِّدُ الوَجْهَ والمَعْرِفَةُ تُبَيِّضُ الوُجُوهَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾، السّادِسُ الشَّمْسُ تَصْدَعُ والمَعْرِفَةُ تَصْعَدُ. السّابِعُ الشَّمْسُ تَحْرُقُ والمَعْرِفَةُ تَمْنَعُ مِنَ الإحْراقِ ( جُزْ يا مُؤْمِنُ فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي )، الثّامِنُ الشَّمْسُ مَنفَعَتُها في الدُّنْيا والمَعْرِفَةُ مَنفَعَتُها في الدّارَيْنِ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التّاسِعُ الشَّمْسُ فَوْقانِيَّةُ الصُّورَةِ تَحْتانِيَّةُ المَعْنى والمَعارِفُ الإلَهِيَّةُ بِالعَكْسِ، العاشِرُ الشَّمْسُ تَقَعُ عَلى الوَلِيِّ والعَدُوِّ والمَعْرِفَةُ لا تَحْصُلُ إلّا لِلْوَلِيِّ، الحادِي عَشَرَ الشَّمْسُ تُعَرِّفُ أحْوالَ الخَلْقِ والمَعْرِفَةُ تُوصِلُ القَلْبَ إلى الخالِقِ، ولَمّا كانَ شَرْحُ الصَّدْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراتِبِ الرُّوحانِيّاتِ أشْرَفَ مِن أعْلى مَراتِبِ الجُسْمانِيّاتِ بَدَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَلَبِهِ قائِلًا ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وعَلامَةُ شَرْحِ الصَّدْرِ ودُخُولِ النُّورِ الإلَهِيِّ فِيهِ التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والرَّغْبَةُ في دارِ الخُلُودِ، وشَبَّهُوا الصَّدْرَ بِقَلْعَةٍ وجَعَلُوا الأوَّلَ كالخَنْدَقِ لَها، والثّانِيَ كالسُّورِ، فَمَتى كانَ الخَنْدَقُ عَظِيمًا والسُّورُ مُحْكَمًا عَجَزَ عَسْكَرُ الشَّيْطانِ مِنَ الهَوى والكِبْرِ والعُجْبِ والبُخْلِ وسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى وسائِرِ الخِصالِ الذَّمِيمَةِ، ومَتى لَمْ يَكُونا كَذَلِكَ دَخَلَ العَسْكَرُ وحِينَئِذٍ يَنْحَصِرُ المُلْكُ في قَصْرِ القَلْبِ ويَضِيقُ الأمْرُ عَلَيْهِ. وفَرَّقُوا بَيْنَ الصَّدْرِ والقَلْبِ والفُؤادِ واللُّبِّ بِأنَّ الصَّدْرَ مَقَرُّ الإسْلامِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ والقَلْبُ مَقَرُّ الإيمانِ ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ والفُؤادُ مَقَرُّ المُشاهِدَةِ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ واللُّبُّ مَقامُ التَّوْحِيدِ (إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ) أيِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن قِشْرِ الوُجُودِ المَجازِيِّ وبَقُوا بِلُبِّ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ، وإنَّما سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ دُونَ القَلْبِ لِأنَّ انْشِراحَ الصَّدْرِ يَسْتَلْزِمُ انْشِراحَ القَلْبِ دُونَ العَكْسِ، وأيْضًا شَرْحُ الصَّدْرِ كالمُقَدِّمَةِ لِشَرْحِ القَلْبِ والحُرُّ تَكْفِيهِ الإشارَةُ، فَإذا عَلِمَ المَوْلى سُبْحانَهُ أنَّهُ طالِبٌ لِلْمُقَدِّمَةِ فَلا يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يَمْنَعَهُ النَّتِيجَةَ. وأيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ راعى الأدَبَ في الطَّلَبِ فاقْتَصَرَ عَلى طَلَبِ الأدْنى فَلا جَرَمَ أعْطى المَقْصُودَ فَقِيلَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ولِما اجْتَرَأ في طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، قِيلَ لَهُ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾، ولا يَخْفى ما بَيْنَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وقَوْلِ الرَّبِّ لِحَبِيبِهِ ﷺ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرِيدٌ والحَبِيبَ ﷺ مُرادٌ والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ. ويَزِيدُ الفَرْقُ ظُهُورًا «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ طَلَبَ لِنَفْسِهِ ونَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ قِيلَ لَهُ هُناكَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ قالَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ»، وقَدْ أطالَ الإمامُ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما هو مِن هَذا النَّمَطِ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ قُدْرَةَ التَّعْبِيرِ عَنِ الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ بِعِبارَةٍ واضِحَةٍ فَإنَّ المَطْلَبَ وعْرٌ لا يَكادُ تُوجَدُ لَهُ عِبارَةٌ تُسَهِّلُهُ حَتّى يَأْمَنَ سامِعُهُ عَنِ العِثارِ. ولِذا تَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ضَلُّوا بِعِباراتِ بَعْضِ الأكابِرِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ صفحة 214 فِي شَرْحِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ حَلَّ عُقْدَةِ الحَياءِ فَإنَّهُ اسْتَحْيا أنْ يُخاطِبَ عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى بِلِسانٍ بِهِ خاطَبَ الحَقَّ جَلَّ وعَلا. ولَعَلَّهُ أرادَ مِنَ القَوْلِ المُضافِ القَوْلَ الَّذِي بِهِ إرْشادٌ لِلْعِبادِ فَإنَّ هِمَّةَ العارِفِينَ لا تَطْلُبُ النُّطْقَ والمُكالَمَةَ مَعَ النّاسِ فِيما لا يَحْصُلُ بِهِ إرْشادٌ لَهم نَعَمِ النُّطْقُ مِن حَيْثُ هو فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَوْهِبَةٌ جَسِيمَةٌ ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ عاطِفٍ. وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما الإنْسانُ لَوْلا اللِّسانُ إلّا صُورَةٌ مُصَوَّرَةٌ أوْ بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ. وقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ طَيِّ لِسانِهِ لا طَيْلَسانِهِ. وقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: المَرْءُ بِأصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ، وقالَ زُهَيْرٌ: لِسانُ الفَتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ ∗∗∗ فَلَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ ومِنَ النّاسِ مِن مَدَحَ الصَّمْتَ لِأنَّهُ أسْلَمُ: يَمُوتُ الفَتى مِن عَثْرَةٍ بِلِسانِهِ ∗∗∗ ولَيْسَ يَمُوتُ المَرْءُ مِن عَثْرَةِ الرِّجْلِ وفِي نَوابِغِ الكَلِمِ: قِ فاكَ لا يُقْرَعْ قَفاكَ. والإنْصافُ أنَّ الصَّمْتَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِفَضِيلَةٍ لِأنَّهُ أمْرٌ عَدَمِيٌّ والمَنطِقُ في نَفْسِهِ فَضِيلَةٌ لَكِنْ قَدْ يَصِيرُ رَذِيلَةً لِأسْبابٍ عَرَضِيَّةٍ، فالحَقُّ ما أشارَ إلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأً قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» ) . وذُكِرَ في وجْهِ عَدَمِ طَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الفَصاحَةَ الكامِلَةَ أنَّها نَصِيبُ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ كانَ ﷺ أفْصَحُ مَن نَطَقَ بِالضّادِ فَما كانَ لَهُ أنْ يَطْلُبَ ما كانَ لَهُ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى فَضِيلَةِ التَّعاوُنِ في الدِّينِ فَإنَّهُ مِن أخْلاقِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ أجْمَعِينَ، والوِزارَةُ المُتَعارَفَةُ بَيْنَ النّاسِ مَمْدُوحَةٌ إنْ زَرَعَ الوَزِيرُ في أرْضِها ما لا يَنْدَمُ عَلَيْهِ وقْتَ حَصادِهِ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ المُلُوكِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَضِيلَةِ التَّوَسُّطِ بِالخَيْرِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لا سِيَّما إذا كانُوا مِن ذَوِي القَرابَةِ. ومَن مَنَعَ المُسْتَوْجَبِينَ فَقَدْ ظَلَمَ وفي تَقْدِيمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ أصْغَرُ سِنًّا عَلى هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ الأكْبَرُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفَضْلَ غَيْرُ تابِعٍ لِلسِّنِّ فاللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ في خَتْمِ الأدْعِيَةِ بِذَلِكَ مِن حُسْنِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى، وهو مِن أحْسَنِ الوَسائِلِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومِن آثارِ ذَلِكَ اسْتِجابَةُ الدُّعاءِ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يَزِيدُ إيقانَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَرُدُّ بَعْدَ القَبُولِ ولا يَحْرِمُ بَعْدَ الإحْسانِ، ومِن هُنا قِيلَ: إذا دَخَلَ الإيمانُ القَلْبَ أمِنَ السَّلْبَ وما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أفْرَدْتُكَ لِي بِالتَّجْرِيدِ فَلا يَشْغَلُكَ عَنِّي شَيْءٌ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى خِدْمَتِهِ لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ تَرْبِيَةً مِنهُ تَعالى لَهُ بِصُحْبَةِ المُرْسَلِينَ لِيَكُونَ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِهِمْ مُتَحَلِّيًا بِآدابِهِمْ صالِحًا لِلْحَضْرَةِ. ولِصُحْبَةِ الأخْيارِ نَفْعٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وبِعَكْسِ ذَلِكَ صُحْبَةُ الأشْرارِ ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ وذَلِكَ زَمانَ كَمالِ الِاسْتِعْدادِ ووَقْتَ بِعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو زَمَنُ بُلُوغِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ومَن بَلَغَ الأرْبَعِينَ ولَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ فَلْيَنْحُ عَلى نَفْسِهِ ولْيَتَجَهَّزْ إلى النّارِ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ جاوَزَ الحَدَّ في المَعْصِيَةِ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ وذَلِكَ إثْرَ سَكَرِ القَهْرِ الَّذِي هو وصْفُ النَّفْسِ الأمّارَةِ ويُقابِلُهُ سَكَرُ اللُّطْفِ وهو وصْفُ الرُّوحِ ومِنهُ يَنْشَأُ الشَّطْحُ ودَعْوى الأنانِيَّةِ قالُوا: وصاحِبُهُ مَعْذُورٌ صفحة 215 وإلّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الحَلّاجِ مَثَلًا وفِرْعَوْنَ. وأهْلُ الغَيْرَةِ بِاللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ: لا فَرْقَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيمِ كَيْفِيَّةِ الإرْشادِ، وقالَ النَّهْرَجُورِيُّ: إنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أحْسَنُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ابْتِداءِ الأمْرِ ولَمْ يُكافِئْهُ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ إشارَةً إلى الهَياكِلِ وأقْفاصِ بَلابِلِ الأرْواحِ وإلّا فالأرْواحُ أنْفُسُها مِن عالَمِ المَلَكُوتِ، وقَدْ أشْرَقَتْ عَلى هَذِهِ الأشْباحُ ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ هَذِهِ القِصَّةَ والآياتِ عَلى ما في الأنْفُسِ وهو مَشْرَبٌ قَدْ تَرَكْناهُ إلّا قَلِيلًا. واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ

طه 20:56

﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ﴾ حِكايَةٌ أُخْرى إجْمالِيَّةٌ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ. وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. والإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وقَدْ تَعَدَّتْ إلى ثانٍ بِالهَمْزَةِ أوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ وهي أيْضًا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِها وإلى آخَرَ بِالهَمْزَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنى العِلْمِ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ بِنَفْسِهِ وإلى ثالِثٍ بِالهَمْزَةِ لِما يَلْزَمُهُ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ الثّالِثِ مِنَ الإعْلامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ. وإسْنادُ الإراءَةِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ نَظَرًا إلى الحَقِيقَةِ لا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرًا إلى الظّاهِرِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ الآياتِ وتَفْخِيمِ شَأْنِها وإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ اللَّعِينِ وتَمادِيهِ في الطُّغْيانِ. وهَذا الإسْنادُ يُقَوِّي كَوْنَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى (الَّذِي) إلَخْ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ بِاللَّهِ لَقَدْ بَصُرْنا فِرْعَوْنَ أوْ عَرَفْناهُ ﴿آياتِنا﴾ حِينَ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ . وصِيغَةُ الجَمْعِ مَعَ كَوْنِهِما اثْنَتَيْنِ إمّا لِأنَّ إطْلاقَ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ شائِعٌ عَلى ما قِيلَ أوْ بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وقَدْ ظَهَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ أُمُورٌ أُخَرُ كُلٌّ مِنها داهِيَةٌ دَهْياءُ. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لَحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا وُضِعَ لَحْيُهُ الأسْفَلُ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ وأحْدَثَ فانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ فَصاحَ فِرْعَوْنُ يا مُوسى أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ فَأخَذَهُ فَعادَ عَصًا. وقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوَهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ورُوِيَ أنَّها انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مِيلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ إلَخْ ونَزَعَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ بَياضًا نُورانِيًّا خارِجًا عَنْ حُدُودِ العاداتِ قَدْ غَلَبَ شُعاعُهُ شُعاعَ الشَّمْسِ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّظّارَةُ تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِ فَفي تَضاعِيفِ كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ آياتٌ جَمَّةٌ لَكِنَّها لَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ صَرِيحًا أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى (كُلَّها) كَأنَّهُ قِيلَ: أرَيْناهُ آياتِنا بِجَمِيعِ مُسْتَتْبَعاتِها وتَفاصِيلِها قَصَدَ إلى بَيانِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ عُذْرٌ ما. والإضافَةُ عَلى ما قُرِّرَ لِلْعَهْدِ. وأدَرَجَ بَعْضُهم فِيها حَلَّ العُقْدَةِ كَما أدْرَجَهُ فِيها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِها آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما تَقَدَّمَ والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيْضًا. وفِيهِ أنَّ أكْثَرَها إنَّما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عَلى مَهْلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً. ولا رَيْبَ في أنَّ أمْرَ السَّحَرَةِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ، وعَدَّ بَعْضُهم مِنها ما جُعِلَ لِإهْلاكِهِمْ لا لِإرْشادِهِمْ إلى الإيمانِ مِن فَلْقِ البَحْرِ وما ظَهَرَ مِن بَعْدِ مَهْلِكِهِ مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ صفحة 216 لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن نَتْقِ الجَبَلِ والحَجَرِ الَّذِي انْفَجَرَتْ مِنهُ العُيُونُ. وعَدَّ آخَرُونَ مِنها الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحَمَلُوا الإضافَةَ عَلى اسْتِغْراقِ الإفْرادِ. وبَنى الفَرِيقانِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَكى جَمِيعَ ما ذُكِرَ لِفِرْعَوْنَ، وتِلْكَ الحِكايَةُ في حُكْمِ الإظْهارِ والإراءَةِ لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا يَخْفى أنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الآياتِ مِمّا لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ هاهُنا مَعَ أنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن حَمْلِ ما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى السِّحْرِ والتَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ بِالمِثْلِ مِمّا يَبْعُدُ ذَلِكَ جِدًّا. وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إدْراجُ ما فَصَّلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أفْعالِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وأحْكامِها في الآياتِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِاسْتِغْراقِ الأنْواعِ و( كُلَّ ) تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ أرَيْناهُ أنْواعَ آياتِنا كُلِّها، والمُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ وأنْواعُها وهي كَما قالَ السَّخاوِيُّ: تَرْجِعُ إلى إيجادِ مَعْدُومٍ أوْ إعْدامِ مَوْجُودٍ أوْ تَغْيِيرِهِ مَعَ بَقائِهِ وقَدْ أُرِيَ اللَّعِينُ جَمِيعَ ذَلِكَ في العَصا واليَدِ وفي الِانْحِصارِ نَظَرَ ومَعَ الإغْماضِ عَنْهُ لا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ بُعْدٍ، وزَعَمَتِ الكَشْفِيَّةُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِفِرْعَوْنَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ، وذَكَرُوا مَن صِفَتِها ما ذَكَرُوا. والجَمْعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وظُهُورُ بُطْلانِهِ يُغْنِي عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَدِّهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى (فَكَذَّبَ) لِلتَّعْقِيبِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ الآياتِ أوْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وتَأْخِيرٍ (وأبى) أيْ: قَبُولَ الآياتِ أوِ الحَقِّ أوِ الإيمانِ والطّاعَةِ أيِ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ غايَةَ الِامْتِناعِ وكانَ تَكْذِيبُهُ وإباؤُهُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ جُحُودًا واسْتِكْبارًا وهو الأوْفَقُ بِالذَّمِّ. ومَن فَسَّرَ أرَيْنا بِعَرْفَنا وقَدَّرَ مُضافًا أيْ صِحَّةَ آياتِنا وقالَ: إنَّ التَّعْرِيفَ يُوجِبُ حُصُولَ المَعْرِفَةِ قالَ بِذَلِكَ لا مَحالَةَ.

طه 20:57

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِ وإبائِهِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وزُعِمَ أنَّهُ أمْرٌ مُحالٌ، والمَجِيءُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ أوْ بِمَعْنى الإقْبالِ عَلى الأمْرِ والتَّصَدِّي لَهُ أيْ أجِئْتَنا مِن مَكانِكَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ بَعْدَ ما غِبْتَ عَنّا أوْ أقْبَلْتَ عَلَيْنا لِتُخْرِجَنا مِن مِصْرَ بِما أظْهَرْتَهُ مِنَ السِّحْرِ وهَذا مِمّا لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ لِكَوْنِهِ مِن بابِ مُحاوَلَةِ المُحالِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِيَحْمِلَ قَوْمُهُ عَلى غايَةِ المَقْتِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإبْرازِ أنَّ مُرادَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أيْدِيهِمْ بَلْ إخْراجِ القِبْطِ مِن وطَنِهِمْ وحِيازَةِ أمْوالِهِمْ وأمْلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَوَجَّهَ إلى اتِّباعِهِ أحَدٌ ويُبالِغُوا في المُدافَعَةِ والمُخاصَمَةِ، إذِ الإخْراجُ مِنَ الوَطَنِ أخُو القَتْلِ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ وسُمِّيَ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ سِحْرًا لِتَجْسِيرِهِمْ عَلى المُقابَلَةِ. ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ يُعارِضُهُ بِمِثْلِهِ فَقالَ

طه 20:58

﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَواللَّهِ لِنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِكَ ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ولَيْسَ بِاسْمِ زَمانٍ ولا مَكانٍ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ صِفَةٌ لَهُ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلَيْهِ. ومَتى كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا لَزِمَ تَعَلُّقُ الأخْلافِ بِالزَّمانِ أوِ المَكانِ وهو إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالوَعْدِ يُقالُ: أخْلَفَ وعْدَهُ لا زَمانَ وعْدِهِ ولا مَكانَهُ أيْ لا نُخْلِفُ ذَلِكَ الوَعْدَ ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ وإنَّما فَوَّضَ اللَّعِينُ أمْرَ الوَعْدِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ نِسْبَتِهِ إلى ضَعْفِ القَلْبِ وضِيقِ الحالِ وإظْهارِ الجَلادَةِ صفحة 217 وإراءَةِ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَهْيِئَةِ أسْبابِ المُعارَضَةِ وتَرْتِيبِ آلاتِ المُغالَبَةِ طالَ الأمَدُ أمْ قَصُرَ كَما أنَّ تَقْدِيمَ ضَمِيرِهِ عَلى ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْسِيطَ كَلِمَةِ النَّفْيِ بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِمُسارَعَتِهِ إلى عَدَمِ الإخْلافِ وإنَّ عَدَمَ إخْلافِهِ لا يُوجِبُ عَدَمَ إخْلافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذَلِكَ أُكِّدَ النَّفْيُ بِتَكْرِيرِ حَرْفِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ( لا نُخْلِفْهُ ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ إنْ جَعَلَتْ ذَلِكَ لا نَخْلُفُهُ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ أيْ مُنْصِفًا بَيْنَنا وبَيْنَكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ أيْ مَحَلًّا واقِعًا عَلى نِصْفِ المَسافَةِ بَيْنَنا سَواءً بِسَواءٍ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ: قُرْبُهُ مِنكم كَقُرْبِهِ مِنّا، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإنْ أبانا كانَ حَلَّ بِأهْلِهِ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ أوْ مَحَلَّ نَصْفٍ أيْ عَدْلٍ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ لِأنَّ المَكانَ إذا لَمْ يَتَرَجَّحْ قُرْبُهُ مِن جانِبٍ عَلى آخَرَ كانَ مُعْدَلًا بَيْنَ الجانِبَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ مَكانًا مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ لا وعْرَ فِيهِ ولا جَبَلَ ولا أكَمَةَ ولا مُطَمْئِنَّ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الحاضِرِينَ فِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ومُرادُهُ مَكانًا يَتَبَيَّنُ الواقِفُونَ فِيهِ، ولا يَكُونُ فِيهِ ما يَسْتُرُ أحَدًا مِنهم لِيَرى كُلَّ ما يَصْدُرُ مِنكَ ومِنَ السَّحَرَةِ. وفِيهِ مِن إظْهارِ الجَلادَةِ وقُوَّةِ الوُثُوقِ بِالغَلَبَةِ ما فِيهِ، وهَذا المَعْنى عِنْدِي حَسَنٌ جِدًّا وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى مَكانًا تَسْتَوِي حالُنا فِيهِ وتَكُونُ المَنازِلُ فِيهِ واحِدَةً لا تُعْتَبَرُ فِيهِ رِئاسَةٌ ولا تُؤَدّى سِياسَةٌ بَلْ يَتَّحِدُ هُناكَ الرَّئِيسُ والمَرْءُوسُ والسّائِسُ والمَسُوسُ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ورُبَّما يَرْجِعُ إلى مَعْنى مُنْصَفًا أيْ مَحَلَّ نَصْفٍ وعَدْلٍ. وقِيلَ: (سُوًى) بِمَعْنى غَيْرِ والمُرادُ مَكانًا غَيْرَ هَذا المَكانِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ سِوى بِهَذا المَعْنى لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافَةً لَفْظًا ولا تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ، وانْتِصابُ (مَكانًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَوْعِدًا) أيْ: عُدَّ مَكانًا لا لِمَوْعِدًا لِأنَّهُ كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ: مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ والمَنصُوبُ بِالمَصْدَرِ مِن تَتِمَّتِهِ ولا يُوصَفُ الشَّيْءُ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ، فَكانَ كَوَصْفِ المَوْصُولِ قَبْلَ تَمامِ صِلَتِهِ وهو غَيْرُ سائِغٍ. وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ المَصْدَرِ قَبْلَ العَمَلِ مُطْلَقًا وهو ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ وصْفُهُ قَبْلَ العَمَلِ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ ما لَمْ يَتَوَسَّعُوا في غَيْرِهِ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (مَكانًا) مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَوْعِدًا. ورُدَّ بِأنَّ شَرْطَ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَفْقُودٌ فِيهِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: يُشْتَرَطُ في نَصْبِ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِيَّةِ أنْ يَكُونَ في عامِلِهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ كَقُمْتَ وقَعَدْتَ وتَحَرَّكْتَ مَكانَكَ فَلا يَجُوزُ نَحْوَ كَتَبْتَ الكِتابَةَ مَكانَكَ وقَتَلْتَهُ وشَتَمْتَهُ مَكانَكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ غَيْرُ مُسَلٍّ إذْ لا مانِعَ مِن قَوْلِكَ لِمَن أرادَ التَّقَرُّبَ مِنكَ لِيُكَلِّمَكَ: تَكَلَّمْ مَكانَكَ، نَعَمْ لا يُطْرَدُ حَسَنُ ذَلِكَ في كُلِّ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ عَلى أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَجِيءِ أوِ الإتْيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (نُخْلِفُهُ) ويُقَدَّرُ كَوْنًا خاصًّا لِظُهُورِ القَرِينَةِ أيْ آتِينَ أوْ جائِينَ مَكانًا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( سِوًى ) بِكَسْرِ السِّينِ والتَّنْوِينِ وصْلًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ كَذَلِكَ، ووَقَفَ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالإمالَةِ ووَرْشٌ وأبُو عَمْرٍو بَيْنَ بَيْنَ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةٍ كَباقِي السَّبْعَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنَوَّنْ وقْفًا ووَصْلًا، وقَرَأ عِيسى كالأوَّلِينَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنَوِّنْ صفحة 218 وقْفًا ووَصْلًا أيْضًا، ووَجْهُ عَدَمِ التَّنْوِينِ في الوَصْلِ إجْراؤُهُ مَجْرى الوَقْفِ في حَذْفِ التَّنْوِينِ والضَّمِّ والكَسْرِ كَما قالَمُحْيِي السُّنَّةِ، وغَيْرُهُ لُغَتانِ في سِوًى مِثْلَ عُدًى وعِدًى. وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ فِعْلًا بِكَسْرِ الفاءِ مُخْتَصٌّ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ كَعِنَبٍ ولَمْ يَأْتِ مِنهُ في الصِّفَةِ إلّا عِدًا جَمْعُ عَدُوٍّ، وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُوًى، وغَيْرُهُ رَوى بِمَعْنى مَرْوٍ، وقالَ الأخْفَشُ: سُوًى مَقْصُورٌ إنْ كَسَرْتَ سِينَهُ أوْ ضَمَمْتَ ومَمْدُودٌ إنْ فَتَحْتَ فَفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ، ويَكُونُ فِيها جَمِيعًا بِمَعْنى غَيْرَ وبِمَعْنى عَدْلٍ ووَسَطٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وأعْلى اللُّغاتِ عَلى ما قالَ النَّحّاسُ سِوًى بِالكَسْرِ.

طه 20:59

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في البَحْرِ: وأبْعَدُ مَن قالَ إنَّ القائِلَ فِرْعَوْنُ ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وكَأنَّ الَّذِي اضْطَرَّ قائِلُهُ الخَبَرَ السّابِقَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَلْيَتَذَكَّرْ ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يَوْمُ عِيدٍ كانَ لَهم في كُلِّ عامٍ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ ويُزَيِّنُونَ أسْواقَهم كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وقِيلَ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ وكانَ رَأْسُ سَنَتِهِمْ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَوْمُ عاشُوراءَ وبِذَلِكَ فُسِّرَ في قَوْلِهِ ﷺ: ( «مَن صامَ يَوْمَ الزِّينَةِ أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن صِيامِ تِلْكَ السَّنَةِ، ومَن تَصَدَّقَ يَوْمَئِذَ بِصَدَقَةٍ أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن صَدَقَةِ تِلْكَ السَّنَةِ» )، وقِيلَ: يَوْمَ كَسْرِ الخَلِيجِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ باقٍ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: يَوْمَ سُوقٍ لَهم، وقِيلَ: يَوْمُ السَّبْتِ وكانَ يَوْمَ راحَةٍ ودَعَةٍ فِيما بَيْنَهم كَما هو اليَوْمُ كَذَلِكَ بَيْنَ اليَهُودِ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُ أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ صادَفَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وكانَ يَوْمَ سَبْتٍ. والظّاهِرُ أنَّ المَوْعِدَ هاهُنا اسْمُ زَمانٍ لِلْإخْبارِ عَنْهُ بِيَوْمِ الزِّينَةِ أيْ زَمانَ وعْدِكُمُ اليَوْمَ المُشْتَهِرَ فِيما بَيْنَكم، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَعْدِ بَلْ صَرَّحَ بِزَمانِهِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما طَلَبَهُ اللَّعِينُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْغَبُ مِنهُ فِيهِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن قَطْعِ الشُّبْهَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ طَلَبِهِ إيّاهُ فَلا يَنْبَغِي لَهُ طَلَبُهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ وُثُوقِهِ مِن أمْرِهِ، ولِذا خَصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأزْمِنَةِ يَوْمَ الزِّينَةِ الَّذِي هو يَوْمٌ مَشْهُودٌ ولِلِاجْتِماعِ مَعْدُودٌ، ولَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ السَّلامُ المَكانَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّعِينُ لِأنَّهُ بِناءً عَلى المَعْنى الأوَّلِ والثّالِثِ فِيهِ إنَّما ذَكَرَهُ اللَّعِينُ إيهامًا لِلتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرِيدُ بِذَلِكَ إظْهارَ الجَلادَةِ فَأعْرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذِكْرِهِ مُكْتَفِيًا بِذِكْرِ الزَّمانِ المَخْصُوصِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِغْنائِهِ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ كُلَّ الأمْكِنَةِ بَعْدَ حُصُولِ الِاجْتِماعِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ. وأمّا عَلى المَعْنى الثّانِي فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اكْتَفى عَنْ ذَلِكَ بِما يَسْتَدْعِيهِ يَوْمُ الزِّينَةِ فَإنَّ مِن عادَةِ النّاسِ في الأعْيادِ في كُلِّ وقْتٍ وكُلِّ بَلَدٍ الخُرُوجَ إلى الأمْكِنَةِ المُسْتَوِيَةِ والِاجْتِماعِ في الأرْضِ السَّهْلَةِ الَّتِي لا يَمْنَعُ فِيها شَيْءٌ عَنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِالجُمْلَةِ قَدْ أخْرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ جَوابَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الكَلِيمِ ودَرُّهُ النَّظِيمُ، وقِيلَ: المَوْعِدُ هاهُنا مَصْدَرٌ أيْضًا ويُقَدَّرُ مُضافٌ لِصِحَّةِ الأخْبارِ أيْ وعْدُكم وعْدُ يَوْمِ الزِّينَةِ، ويَكْتَفِي عَنْ ذِكْرِ المَكانِ بِدَلالَةِ يَوْمِ الزِّينَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَوْعِدُ في السُّؤالِ اسْمُ مَكانٍ وجَعْلُهُ مُخَلَّفًا عَلى التَّوَسُّعِ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْنا أوِ الضَّمِيرُ في ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اسْمُ المَكانِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أوْ لِلْمَوْعِدِ بِمَعْنى الوَعْدِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، والجُمْلَةُ في الِاحْتِمالَيْنِ مُعْتَرِضَةٌ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً إذْ لا بُدَّ في جُمْلَةِ الصِّفَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُوفِ بِعَيْنِهِ، والقَوْلُ بِحَذْفِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ صفحة 219 و(مَكانًا) عَلى ما قالَ أبُو عَلِيٍّ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأجْعَلَ، وقِيلَ: بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، والمَوْعِدُ في الجَوابِ اسْمُ زَمانٍ ومُطابَقَةُ الجَوابِ مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ يَدُلُّ عَلى مَكانٍ مُشْتَهِرٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ أوْ هو اسْمُ مَكانٍ أيْضًا، ومَعْناهُ مَكانُ وُقُوعِ المَوْعُودِ بِهِ لا مَكانَ لَفْظِ الوَعْدِ كَما تُوُهِّمَ ويُقَدَّرُ مُضافٌ لِصِحَّةِ الأخْبارِ أيْ مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ والمُطابَقَةُ ظاهِرَةٌ، وقِيلَ: المَوْعِدُ في الأوَّلِ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أعْنِي مَكانَ وأُقِيمَ هو مَقامَهُ ويَجْعَلُ (مَكانًا) تابِعًا لِلْمُقَدَّرِ أوْ مَفْعُولًا ثانِيًا؛ وفي الثّانِي إمّا اسْمُ زَمانٍ ومَعْناهُ زَمانُ وُقُوعِ المَوْعُودِ بِهِ لا لَفْظُ الوَعْدِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: قالُوا الفِراقُ فَقُلْتُ مَوْعِدُهُ غَدِ والمُطابَقَةُ مَعْنَوِيَّةٌ وإمّا اسْمُ مَكانٍ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ في الخَبَرِ والمُطابَقَةُ ظاهِرَةٌ كَما سَمِعْتَ، وإمّا مَصْدَرٌ أيْضًا ويُقَدَّرُ مُضافانِ أحَدُهُما في جانِبِ المُبْتَدَأِ والآخَرُ في جانِبِ الخَبَرِ أيْ مَكانُ وعْدِكم مَكانُ يَوْمِ الزِّينَةِ وأمْرُ المُطابَقَةَ لا يَخْفى، وقِيلَ: يُقَدَّرُ في الأوَّلِ مُضافانِ أيْ مَكانُ إنْجازِ وعْدِكم أوْ مُضافٌ واحِدٌ لَكِنْ تَصِيرُ الإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والأظْهَرُ تَأْوِيلُ المَصْدَرِ بِالمَفْعُولِ وتَقْدِيرُ مُضافٍ في الثّانِي أيْ مَوْعِدُكم مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمٍ باطِلٍ أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: هو في الأوَّلِ والثّانِي اسْمُ زَمانٍ ولا (نُخْلِفُهُ) مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والأصْلُ لا نَخْلُفُ فِيهِ و(مَكانًا) ظَرْفٌ لِاجْعَلْ وإلى هَذا أشارَ في الكَشْفِ فَقالَ: لَعَلَّ الأقْرَبَ مَأْخَذًا أنْ يُجْعَلَ المَكانُ مُخَلَّفًا عَلى الِاتِّساعِ والطِّباقِ مِن حَيْثُ المَعْنى أوِ المَعْنى اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ في مَكانٍ سُوًى مُنْصِفٍ زَمانَ وعْدٍ لا نُخْلِفُ فِيهِ فالمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى و(مَكانًا) ظَرْفُ لَغْوٍ. انْتَهى. واعْتُرِضَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِأطْرافِ كَلامِنا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا والأوْلى مِنها ما هو أوْفَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ مَعَ قِلَّةِ الحَذْفِ والخُلُوِّ عَنْ نَزْعِ الخَفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَتادَةُ الجَحْدَرِيُّ، وهُبَيْرَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ( يَوْمَ الزِّينَةِ ) بِنَصْبِ ( يَوْمَ ) وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالمَوْعِدِ المَصْدَرُ لِأنَّ المَكانَ والزَّمانَ لا يَقَعانِ في زَمانٍ بِخِلافِ الحَدَثِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِحُصُولِهِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الزَّمانَ لا يَكُونُ ظَرْفًا لِلزَّمانِ ظَرْفِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُلُولُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، وأمّا مِثْلُ ضُحى اليَوْمِ في اليَوْمِ فَهو مِن ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِأجْزائِهِ وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَذا قِيلَ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ. وقِيلَ: إنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ المَوْعِدِ أوَّلًا مَصْدَرًا أيْضًا لِأنَّ الثّانِيَ عَيْنُ الأوَّلِ لِإعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ الأقْرَبَ مَأْخَذًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ زَمانًا، والثّانِي مَصْدَرًا أيْ وعْدُكم كائِنٌ يَوْمَ الزِّينَةِ. والجَوابُ مُطابِقٌ مَعْنًى دُونَ تَكَلُّفٍ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ: زَمانُ الوَعْدِ يَوْمُ كَذا رَفْعًا وبَيْنَ: الوَعْدُ يَوْمَ كَذا نَصْبًا في الحاصِلِ بَلْ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى زِيادَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ عَطْفٌ عَلى الزِّينَةِ، وقِيلَ: عَلى يَوْمٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّأْوِيلِ، وانْتَصَبَ (ضُحًى) عَلى الظَّرْفِ وهو ارْتِفاعُ النَّهارِ ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، والضَّحاءُ بِفَتْحِ الضّادِ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ، وهو عِنْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ الأعْلى. وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ بِنَصْبِ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ (مَوْعِدُكُمْ) مُبْتَدَأً بِتَقْدِيرِ وقْتٍ مُضافٍ إلَيْهِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (وضُحًى) خَبَرُهُ عَلى نِيَّةِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِأنَّهُ ضُحى ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ صفحة 220 ولَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَمْ يَكُنْ مُطابِقًا لِمَطْلَبِهِمْ حَيْثُ سَألُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْعِدًا مُعَيَّنًا لا يُخْلَفُ وعْدُهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ زَمانًا (وضُحًى) خَبَرُهُ و(يَوْمُ الزِّينَةِ) حالًا مُقَدَّمًا وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَعْرِيفِ ضُحًى ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْرِيفَ بِمَعْنى التَّعْيِينِ مَعْنًى لا عَلى مَعْنى جَعَلَ (ضُحًى) أحَدَ المَعارِفِ الِاصْطِلاحِيَّةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أنْ يُحْشَرَ) عَطْفًا عَلى المَوْعِدِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْجازُ مَوْعِدِكم وحَشْرُ النّاسِ ضُحًى في يَوْمِ الزِّينَةِ. وكَأنَّهُ جَعَلَ المَوْعِدَ عِبارَةً عَمّا يَتَجَدَّدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وغَيْرِهِما سِوى الحَشْرِ ثُمَّ عَطْفُ الحَشْرِ عَلَيْهِ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ ا هـ وهو كَما تَرى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عُمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو نَهِيكٍ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ ( تَحْشُرَ النّاسَ ) بِتاءِ الخِطابِ ونَصْبِ ( النّاسَ ) والمُخاطَبُ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَؤُوا بِياءِ الغَيْبَةِ ونَصْبِ ( النّاسَ ) والضَّمِيرُ في ( يُحْشَرَ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وجِيءَ بِهِ غائِبًا عَلى سُنَنِ الكَلامِ مَعَ المُلُوكِ، وإمّا لِلْيَوْمِ والإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في صامَ نَهارَهُ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ وأنْ يَحْشُرَ الحاشِرُ النّاسَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ الفاعِلِ في مِثْلِ هَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، نَعَمْ قِيلَ في مَثَلِهِ: إنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ

طه 20:60

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ أيِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ، وقِيلَ: تَوَلّى الأمْرَ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ بِذاكَ. وقِيلَ: أعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: ما يُكادُ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وأدَواتِهِمْ أوْ ذَوِي كَيْدِهِ ﴿ثُمَّ أتى﴾ أيِ: المَوْعِدَ ومَعَهُ ما جَمَعَهُ. وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إيماءٌ إلى أنَّهُ لَمْ يُسارِعْ إلَيْهِ بَلْ أتاهُ بَعْدَ بُطْءٍ وتَلَعْثُمٍ،

طه 20:61

ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ قالَ جَلَّ وعَلا ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ إتْيانِ فِرْعَوْنَ بِمَن جَمَعَهُ مِنَ السَّحَرَةِ. فَقِيلَ: قالَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَدَعُوا آياتِهِ الَّتِي سَتَظْهَرُ عَلى يَدَيَّ سِحْرًا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ يَسْتَأْصِلُكم بِسَبَبِ ذَلِكَ، ﴿بِعَذابٍ﴾ هائِلٍ لا يُقادَرُ قَدْرَهُ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ وابْنِ عَبّاسٍ ( فَيُسْحِتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِنَ الثُّلاثِيِّ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والإسْحاتُ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُ ذَلِكَ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ مُطْلَقًا ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ تَعالى كائِنًا مَن كانَ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِراءُ المَنهِيُّ عَنْهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ قَدْ خابَ فِرْعَوْنُ المُفْتَرِي فَلا تَكُونُوا مِثْلَهُ في الخَيْبَةِ وعَدَمِ نَجاحِ الطَّلَبَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

طه 20:62

﴿فَتَنازَعُوا﴾ أيِ: السَّحَرَةُ حِينَ سَمِعُوا كَلامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّ ذَلِكَ غاظَهم فَتَنازَعُوا ﴿أمْرَهُمْ﴾ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم مِن مُغالَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَشاوَرُوا وتَناظَرُوا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كَيْفِيَّةِ المُعارَضَةِ وتَجاذَبُوا أهْدابَ القَوْلِ في ذَلِكَ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ بالَغُوا في إخْفاءِ كَلامِهِمْ عَنْ مُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِئَلّا يَقِفا عَلَيْهِ فَيُدافِعاهُ، وكانَ نَجْواهم عَلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ ما نَطَقَ بِهِ.

طه 20:63

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ ونَتِيجَةُ التَّنازُعِ وخُلاصَةُ ما اسْتَقَرَّتْ صفحة 221 عَلَيْهِ آراؤُهم بَعْدَ التَّناظُرِ والتَّشاوُرِ. وقِيلَ: كانَ نَجْواهم أنْ قالُوا حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إسْحاقَ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ المُرادُ مِن (أمْرَهُمْ) أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِوُقُوعِهِ فِيما بَيْنَهم واهْتِمامِهِمْ بِهِ ويَكُونُ أسْرارُهم مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ إلَخْ عَلى أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم مِنَ الأقاوِيلِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ آراؤُهم عَلى ذَلِكَ وأبَوْا إلّا المُناصَبَةَ لِلْمُعارَضَةِ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِلنّاسِ بَعْدَ تَمامِ التَّنازُعِ فَقِيلَ: ﴿قالُوا إنْ هَذانِ﴾ إلَخْ. وجُعِلَ الضَّمِيرُ في (قالُوا): لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلسَّحَرَةِ رَدًّا لَهم عَنِ الِاخْتِلافِ وأمْرًا بِالإجْماعِ والإزْماعِ، وإظْهارُ الجَلادَةِ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ( تَنازَعُوا ) والضَّمائِرُ الَّذِي بَعْدَهُ لَهم كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أيْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الإخْلالُ وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ واللّامُ فارِقَةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ نُونِ (هَذانِّ) وهو عَلى خِلافِ القِياسِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وغَيْرِها. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ. وفي رِوايَةٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قُرى ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ ) . وقُرِئَ ( إنْ ذانِ ) بِدُونِ هاءِ التَّنْبِيهِ ( إلّا ساحِرانِ ) . وعَزاها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ وبَعْضُهم إلى أُبَيٍّ وهي تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا. وقُرِئَ ( إنْ ذانِ لَساحِرانِ ) بِإسْقاطِ هاءِ التَّنْبِيهِ فَقَطْ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وأيُّوبُ وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ. والأخَوانِ. والصّاحِبانِ مِنَ السَّبْعَةِ (إنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( هَذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ حَتّى قِيلَ: إنَّها لَحْنٌ وخَطَأٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ لَحْنِ القُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ﴾ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي هَذا عَمَلُ الكُتّابِ أخْطَؤُوا في الكِتابِ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ. وهَذا مُشْكِلٌ جِدًّا إذْ كَيْفَ يُظَنُّ بِالصَّحابَةِ أوَّلًا أنَّهم يَلْحَنُونَ في الكَلامِ فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ وهُمُ الفُصَحاءُ اللَّدُّ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثانِيًا الغَلَطُ في القُرْآنِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أنْزِلُ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في حِفْظِهِ وضَبْطِهِ وإتْقانِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثالِثًا اجْتِماعُهم كُلُّهم عَلى الخَطَأِ وكِتابَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ رابِعًا عَدَمُ تَنَبُّهِهِمْ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ خامِسًا الِاسْتِمْرارُ عَلى الخُطا وهو مَرْوِيٌّ بِالتَّواتُرِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَوْ ساغَ مِثْلَ ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالقُرْآنِ. وقَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّ (إنْ) بِمَعْنى نَعَمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ الصَّغِيرُ وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: صفحة 222 بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ والجَيِّدُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِمَن قالَ لَهُ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ إنْ وراكِبُها إذْ قَدْ قِيلَ: في البَيْتِ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إنْ فِيهِ بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ بَلْ هي النّاصِبَةُ والهاءُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّهُ كَذَلِكَ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّها في الخَبَرِ كَذَلِكَ وحُذِفَ الجُزْءانِ لِأنَّ حَذْفَ الجُزْأيْنِ جَمِيعًا لا يَجُوزُ. وضَعَّفَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ كَوْنَها بِمَعْنى نَعَمْ لَمْ يَثْبُتْ، أوْ هو نادِرٌ. وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ مِن غَيْرِ نُدْرَةٍ لَيْسَ قَبْلَها ما يَقْتَضِي جَوابًا حَتّى تَقَعَ نَعَمْ في جَوابِهِ. والقَوْلُ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِن صَدْرِ الكَلامِ أنَّ مِنهم مَن قالَ: هُما ساحِرانِ فَصَدَقَ وقِيلَ: نَعَمْ بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ وأيْضًا إنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ولَيْسَ لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِهِ: أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَةْ أوْ بِأنَّها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ لَهُما ساحِرانِ، كَما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا وشَيْخِنا وأُسْتاذِنا مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ. والقاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادً فَقَبِلاهُ، وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا أوْ بِأنَّها دَخَلَتْ بَعْدَ إنْ هَذِهِ لِشَبَهِها بِإنَّ المُؤَكِّدَةِ لَفْظًا كَما زِيدَتْ إنْ بَعْدَ ما المَصْدَرِيَّةِ لِمُشابَهَتِها لِلنّافِيَةِ في قَوْلِهِ: ورَجِّ الفَتى لِلْخَيْرِ ما إنْ رَأيْتَهُ ∗∗∗ عَلى السِّنِّ خَيْرًا لا يَزالُ يَزِيدُ ورَدَّ الأوَّلَ بِأنَّ زِيادَتَها في الخَبَرِ خاصَّةٌ بِالشِّعْرِ وما هُنا مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ كَما تَوَهَّمَ النَّيْسابُورِيُّ وزَيَّفَ الثّانِيَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ بِما خُلاصَتُهُ أنَّ التَّأْكِيدَ فِيما خِيفَ لَبْسُهُ فَإذا بَلَغَ بِهِ الشُّهْرَةُ الحَذْفَ اسْتَغْنى لِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَمْ يُحْمَلْ نَحْوَ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ عَلى الضَّرُورَةِ ولا تُقاسُ عَلى أنْ حَيْثُ حُذِفَ مَعَها الخَبَرُ في: إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا وإنِ اجْتَمَعا في التَّأْكِيدِ لِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِلا وحُمِلَ والنَّقِيضُ عَلى النَّقِيضِ شائِعٌ، وابْنُ جِنِّيٍّ بِأنَّ الحَذْفَ مِن بابِ الإيجازِ والتَّأْكِيدَ مِن بابِ الإطْنابِ، والجَمْعَ بَيْنَهُما مُحالٌ لِلتَّنافِي. وأُجِيبَ: بِأنَّ الحَذْفَ لِقِيامِ القَرِينَةِ والِاسْتِغْناءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ والتَّأْكِيدُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا لِلْمَحْذُوفِ والحَمْلُ في البَيْتِ مُمْكِنٌ أيْضًا واقْتِصارُهم فِيهِ عَلى الضَّرُورَةِ ذُهُولٌ وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخَرِ، واجْتِماعُ الإيجازِ والإطْنابِ مَعَ اخْتِلافِ الوَجْهِ غَيْرُ مُحالٍ. وأصْدَقُ شاهِدٍ عَلى دُخُولِ اللّامِ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ ( أغْبَطُ أوْلِيائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحاذِ ) نَعَمْ لا نِزاعَ في شُذُوذِ هَذا الحَذْفِ اسْتِعْمالًا وقِياسًا. الثّانِي أنَّ إنْ مِنَ الحُرُوفِ النّاصِبَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُدَماءُ النُّحاةِ. وضَعُفَ بِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ مَوْضُوعٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وما كانَ كَذَلِكَ لا يُناسِبُهُ الحَذْفُ والمَسْمُوعُ مِن حَذْفِهِ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ مَن لامَ في بَنِي بِنْتِ حَسّا ∗∗∗ نَ ألُمْهُ وأعُصِهِ في الخُطُوبِ وقَوْلِهِ: إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ يَلْقَ فِيها جَآذِرًا وظِباءَ صفحة 223 ضَرُورَةٌ أوْ شاذٌّ إلّا في بابِ أنِ المَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فاسْتَسْهَلُوهُ لِوُرُودِهِ في كَلامٍ بُنِيَ عَلى التَّخْفِيفِ فَحُذِفَ تَبَعًا لِحَذْفِ النُّونِ ولِأنَّهُ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ التَّشْدِيدُ إذِ الضَّمائِرُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ثُمَّ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ في الخَبَرِ، وإنِ التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ داخِلَةٌ هي عَلَيْهِ فَقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، الثّالِثُ أنَّها النّاصِبَةُ وهاءُ ضَمِيرِ القِصَّةِ اسْمُها وجُمْلَةُ (ذانِ لَساحِرانِ) خَبَرُها، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي وصْلَ ها بِإنْ مِن إثْباتِ الألِفِ وفَصْلِ ها مِن ( ذانِ ) في الرَّسْمِ وما في المُصْحَفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ. الرّابِعُ: أنَّ إنْ مُلْغاةٌ وإنْ كانَتْ مُشَدَّدَةً حَمْلًا لَها عَلى المُخَفَّفَةِ وذَلِكَ كَما أعْمَلْتَ المُخَفَّفَةَ حَمْلًا لَها عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ أوْ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنِ الفِعْلِ لِأنَّ عَمَلَها لَيْسَ بِالأصالَةِ بَلْ بِالشَّبَهِ لَهُ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ أنَّ هَذا الإلْغاءَ لَمْ يُرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وهو مَحَلُّ النِّزاعِ وبَحْثُ اللّامِ فِيهِ بِحالِهِ. والخامِسُ: وهو أجْوَدُ الوُجُوهِ وأوْجَهُها. واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ مالِكٍ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَماعَةٌ أنَّها النّاصِبَةُ واسْمُ الإشارَةِ اسْمُها: واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ و( ساحِرانِ ) خَبَرُها ومَجِيءُ اسْمِ الإشارَةِ بِالألِفِ مَعَ أنَّهُ مَنصُوبٌ جارٍ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِن إجْراءِ المُثَنّى بِالألِفِ دائِمًا قالَ شاعِرُهم: واهًا لِرَيّا ثُمَّ واهًا واهًا ∗∗∗ يا لَيْتَ عَيْناها لَنا وفاها ومَوْضِعُ الخَلْخالِ مِن رِجْلاها ∗∗∗ بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أباها وقالَ الآخَرُ: وأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَنا باهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وقالُوا: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ ومَن يَشْتَرِي الخُفّانِ وهي لُغَةٌ لِكِنانَةَ حَكى ذَلِكَ أبُو الخَطّابِ ولِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمٍ وزُبَيْدٍ وأهْلِ تِلْكَ النّاحِيَةِ حَكى ذَلِكَ الكِسائِيُّ ولِبَنِي العَنْبَرِ وبَنِي الهَيْجَمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ كُلَّ ياءٍ يَنْفَتِحُ ما قَبْلَها ألِفًا، وابْنُ الحاجِبِ يَقُولُ: إنَّ (هَذانِ) مَبْنِيٌّ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الإشارَةِ: وإنَّ قَوْلَ الأكْثَرِينَ هَذَيْنِ جَرًّا ونَصْبًا لَيْسَ إعْرابًا أيْضًا. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وعَلى هَذا فَقِراءَةُ هَذانِ أقْيَسُ إذِ الأصْلُ في المَبْنِيِّ أنْ لا تَخْتَلِفَ صِيغَتُهُ مَعَ أنَّ فِيها مُناسَبَةً لِألِفِ ( ساحِرانِ ) ا هـ. وأمّا الخَبَرُ السّابِقُ عَنْ عائِشَةَ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ أُشْتَةَ وتَبِعَهُ ابْنُ جُبارَةَ في شَرْحِ الرّائِيَّةِ بِأنَّ قَوْلَها: أخْطَؤُوا عَلى مَعْنى أخْطَؤُوا في اخْتِيارِ الأوْلى مِنَ الأحْرُفِ السَّبْعَةِ لِجَمْعِ النّاسِ عَلَيْهِ لا أنَّ الَّذِي كَتَبُوا مِن ذَلِكَ خَطَأٌ لا يَجُوزُ فَإنَّ ما لا يَجُوزُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ بِالإجْماعِ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ وُقُوعِهِ وبِنَحْوِ هَذا يُجابُ عَنْ أخْبارٍ رُوِيَتْ عَنْها أيْضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا البابِ تُشَكِّلُ ظَواهِرَها. ثُمَّ أخْرَجَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: إنْ هَذانِ لَساحِرانِ وإنْ هَذَيْنَ لَساحِرانِ سَواءٌ لَعَلَّهم كَتَبُوا الألِفَ مَكانَ الياءِ يَعْنِي أنَّهُ مِن إبْدالِ حَرْفٍ في الكِتابَةِ بِحَرْفٍ كَما وقَعَ في صَلاةٍ وزَكاةٍ وحَياةٍ. ويَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالياءِ في ذَلِكَ. ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ لِبَقاءِ تَسْمِيَةِ عُرْوَةَ ذَلِكَ في السُّؤالِ لَحْنًا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ بِاللَّحْنِ اللُّغَةَ كَما قالَ ذَلِكَ ابْنُ أُشْتَةَ في قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ بِطُرُقٍ في ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هو لَحْنٌ مِنَ الكاتِبِ أوْ يُقالُ: أرادَ بِهِ اللَّحْنَ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ وابْنُ الأنْبارِيِّ جَنَحَ إلى تَضْعِيفِ الرِّواياتِ في صفحة 224 هَذا البابِ ومُعارَضَتِها بِرِواياتٍ أُخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الأحْرُفِ الَّتِي قِيلَ فِيها ما قِيلَ في القِراءَةِ. ولَعَلَّ الخَبَرَ السّابِقَ الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ صَحِيحُ الإسْنادِ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ داخِلٌ في ذَلِكَ لَكِنْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ الجَوابَ الأوَّلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أُشْتَةَ أوْلى وأقْعَدَ. وقالَ العَلاءُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا كُتِبَتِ المَصاحِفُ عُرِضَتْ عَلى عُثْمانَ فَوَجَدَ فِيها حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ فَقالَ: لا تُغَيِّرُوها فَإنَّ العَرَبَ سَتُغَيِّرُها أوْ قالَ: سَتَقْرَؤُها بِألْسِنَتِها لَوْ كانَ الكاتِبُ مِن ثَقِيفٍ والمُمْلِي مِن هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الحُرُوفُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْ عُثْمانَ فَإنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ مُنْقَطِعٌ. والَّذِي أجْنَحُ أنا إلَيْهِ والعاصِمُ هو اللَّهُ تَعالى تَضْعِيفُ جَمِيعِ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ طَعْنٌ بِالمُتَواتِرِ ولَمْ يَقْبَلْ تَأْوِيلًا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ ويَقْبَلُهُ الذَّوْقُ وإنْ صَحَّحَهُ مَن صَحَّحَهُ. والطَّعْنُ في الرُّواةِ أهْوَنُ بِكَثِيرٍ مِنَ الطَّعْنِ بِالأئِمَّةِ الَّذِينَ تَلَقَّوُا القُرْآنَ العَظِيمَ الَّذِي وصَلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في إتْقانِهِ وحِفْظِهِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المُصْطَلَحِ أنَّ مِمّا يُدْرَكُ بِهِ وضْعُ الخَبَرِ ما يُؤْخَذُ مِن حالِ المَرْوِيِّ كَأنْ يَكُونَ مُناقِضًا لِنَصِّ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ أوِ الإجْماعِ القَطْعِيِّ أوْ صَرِيحِ العَقْلِ حَيْثُ لا يَقْبَلْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ التَّأْوِيلَ أوْ لَمْ يَحْتَمِلْ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنهُ يَزُولُ بِهِ المَحْذُورُ فَلَوْ قالَ قائِلٌ بِوَضْعِ بَعْضِ هاتِيكَ الأخْبارِ لَمْ يَبْعُدْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( إنَّ هَذَيْنِ ) بِتَشْدِيدِ نُونِ ( إنَّ ) وبِالياءِ في ( هَذَيْنِ ) . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ والحَسَنِ والأعْمَشِ والنَّخَعِيِّ والجَحْدَرِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ عُبَيْدٍ وإعْرابُ ذَلِكَ واضِحٌ إذْ جاءَ عَلى المَهْيَعِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ لَكِنْ في الدُّرِّ المَصُونِ قَدِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ الإمامِ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ فِيهِ بِدُونِ ألِفٍ وياءٍ فَإثْباتُ الياءِ زِيادَةٌ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ الزَّجّاجُ: أنا لا أُجِيزُها ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ ولَوْ سَلِمَ فَكَمْ في القِراءاتِ ما خالَفَ رَسْمُهُ القِياسَ مَعَ أنَّ حَذْفَ الألِفِ لَيْسَ عَلى القِياسِ أيْضًا. ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها (بِسِحْرِهِما) الَّذِي أظْهَراهُ مِن قَبْلُ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِهارُونَ لِما أنَّهم رَأوْهُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ سالِكًا طَرِيقَتَهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ أيْ بِمَذْهَبِكُمُ الَّذِي هو أفْضَلُ المَذاهِبِ وأمْثَلُها بِإظْهارِ مَذْهَبِهِما وإعْلاءِ دِينِهِما يُرِيدُونَ بِهِ ما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لا طَرِيقَةَ السِّحْرِ فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا. وقِيلَ: أرادُوا أهْلَ طَرِيقَتِكم فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وكانُوا أرْبابَ عِلْمٍ فِيما بَيْنَهم. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ إنَّما يَكُونُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها تَمَكُّنًا وتَصَرُّفًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ نَقْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الشّامِ. وحَمْلُ الإخْراجِ عَلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها مَعَ بَقاءِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلى حالِهِمْ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، عَلى أنَّ هَذا المَقالَ مِنهم لِلْإغْراءِ بِالمُبالَغَةِ في المُغالَبَةِ والِاهْتِمامِ بِالمُناصَبَةِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الإنْذارُ والتَّحْذِيرُ بِأشَدِّ المَكارِهِ وأشَقِّها عَلَيْهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَيْنِهِمْ والذَّهابَ بِهِمْ إلى الشّامِ وهم آمِنُونَ في دِيارِهِمْ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَحْذُورٍ وهو كَلامٌ يُلَوِّحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ القَبُولِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الحِبْرِ لا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الطَّرِيقَةَ اسْمٌ لِوُجُوهِ القَوْمِ وأشْرافِهِمْ. وحَكى فُلانٌ صفحة 225 طَرِيقَةَ قَوْمِهِ أيْ سَيِّدُهم. وكَأنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلى الوُجُوهِ مَجازٌ لِاتِّباعِهِمْ كَما يُتْبَعُ الطَّرِيقُ، وأخْرَجا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وكَأنَّهم أرادُوا بِهَؤُلاءِ الوُجُوهِ الوُجُوهَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أرْبابَ المَناصِبِ وأصْحابَ التَّصَرُّفِ والمَراتِبِ، فَيَكُونُوا قَدْ حَذَّرُوهم بِالإخْراجِ مِن أوْطانِهِمْ وفَصْلِ ذَوِي المَناصِبِ مِنهم عَنْ مَناصِبِهِمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةُ حَوادِثِ الزَّمانِ، فَما قِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ الإذْهابِ بِهِمْ مِمّا لا مَزِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا بِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِنهم نَسَبًا وأشْرَفَ نَسَبًا وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ يُنافِيهِ اسْتِعْبادُهم واسْتِخْدامُهم وقَتْلُ أوْلادِهِمْ وسَوْمُهُمُ العَذابَ. وأُجِيبَ بِالمَنعِ فَكَمْ مِن مَتْبُوعٍ مَقْهُورٌ وشَرِيفٌ بِأيْدِي الأنْذالِ مَأْسُورٌ وهو كَما تَرى

طه 20:64

﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَطْلُوبِ إثْرَ تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ يُرِيدانِ بِكم ما يُرِيدانِ فَأزْمِعُوا كَيْدَكم واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مِنكم أحَدٌ وارْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ وأبُو حاتِمٍ ( فاجْمَعُوا ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مِنَ الجَمْعِ. ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وفي الفَرْقِ بَيْنَ جَمَعَ وأجْمَعَ كَلامٌ لِلْعُلَماءِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ أجْمَعَ يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي فَقَطْ وجَمَعَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعانِي والذَّواتِ. وفي عُمْدَةِ الحُفّاظِ حِكايَةُ القَوْلِ بِأنَّ أجْمَعَ أكْثَرُ ما يُقالُ في المَعانِي وجَمَعَ في الأعْيانِ فَيُقالُ: أجْمَعْتُ أمْرِي وجَمَعْتُ قَوْمِي وقَدْ يُقالُ بِالعَكْسِ. وفي المُحْكَمِ أنَّهُ يُقالُ: جَمَعَ الشَّيْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ يَجْمَعُهُ جَمْعًا وأجْمَعَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، وقالَ الفَرّاءُ: إذا أرَدْتَ جَمْعَ المُتَفَرِّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ وإذا أرَدْتَ جَمْعَ المالِ قُلْتَ جَمَّعْتُ بِالتَّشْدِيدِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُهُ والإجْماعُ الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِعَلى تَقُولُ: أجْمَعْتُ الخُرُوجَ وأجْمَعْتُ عَلى الخُرُوجِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ جَمَعْتُ الشَّيْءَ إذا جِئْتَ بِهِ مِن هُنا ومِن هُنا وأجْمَعْتُهُ إذا صَيَّرْتَهُ جَمِيعًا، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا وعَزَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا وتَفْرِقَتُهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا والجَمْعُ أنْ يَجْمَعَ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْ لا تَدَعُوا شَيْئًا مِن كَيْدِكم إلّا جِئْتُمْ بِهِ ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ وأدْخَلُ في اسْتِجْلابِ الرَّهْبَةِ مِنَ المُشاهِدِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلٍّ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وأقْبَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إقْبالَةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنَ القِبْطِ والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ ثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، ولا يَخْفى حالُ الأخْبارِ في ذَلِكَ والقَلْبُ لا يَمِيلُ إلى المُبالَغَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ولَعَلَّ المَوْعِدَ كانَ مَكانًا مُتَّسِعًا خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ في قُطْرٍ مِن أقْطارِهِ، وتَنازَعُوا أمْرَهم في قُطْرٍ آخَرَ مِنهُ ثُمَّ أُمِرُوا أنْ يَأْتُوا وسَطَهُ عَلى الحالِ المَذْكُورَةِ، وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الصَّفَّ بِالمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّهُ عُلِمَ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن مَكانِ يَوْمِ الزِّينَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ (صَفًّا) مَفْعُولًا بِهِ. وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عَنْهُ ( ثُمَّ ايتُوا ) بِكَسْرِ المِيمِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن ثُمَّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كانَتِ الفَتْحَةُ في صفحة 226 قِراءَةِ العامَّةِ كَذَلِكَ ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن قَبِلَهم مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ أيْ قَدْ فازَ بِالمَطْلُوبِ مَن غَلَبَ. فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ كَما في الصَّحّاحِ أوْ مِن طَلَبِ العُلُوِّ والغَلَبِ وسَعى سَعْيَهُ عَلى ما في البَحْرِ. فاسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ، ولَعَلَّهُ أبْلَغُ في التَّحْرِيضِ حَيْثُ جَعَلُوا الفَوْزَ لِمَن طَلَبَ الغَلَبَ فَضْلًا عَمَّنْ غَلَبَ بِالفِعْلِ وأرادُوا بِالمَطْلُوبِ ما وعَدَهم فِرْعَوْنُ مِنَ الأجْرِ والتَّقْرِيبِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ وبِمَنِ اسْتَعْلى أنْفُسَهم جَمِيعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ أوْ مَنِ اسْتَعْلى مِنهم حَثًّا عَلى بَذْلِ المَجْهُودِ في المُغالَبَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِعْلاءُ قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِ العُلُوِّ المَذْمُومِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ وهو هاهُنا يَحْتَمِلُهُما، فَلِهَذا جازَ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَحْكِيًّا عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى إجْماعِهِمْ واهْتِمامِهِمْ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فالمُسْتَعْلى مُوسى، وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا تَحْرِيضَ فِيهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ

طه 20:65

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بَعْدَ ما قالُوا ذَلِكَ؟ فَقِيلَ ( قالُوا ﴿يا مُوسى﴾ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإجْماعِهِمْ وإتْيانِهِمْ مُصْطَفِّينَ إشْعارًا بِظُهُورِ أمْرِهِما وغَنائِهِما عَنِ البَيانِ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ أيْ: ما تُلْقِيهِ أوَّلًا عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ أوْ تَفْعَلُ الإلْقاءَ أوَّلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ما يُلْقِيهِ أوْ أوَّلَ مَن يَفْعَلُ الإلْقاءَ، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ إظْهارًا لِلثِّقَةِ بِأمْرِهِمْ، وقِيلَ: مُراعاةً لِلْأدَبِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأنْ مَعَ ما في حَيِّزِها مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ إمّا تَخْتارُ إلْقاءَكَ أوْ تَخْتارُ كَوْنَنا أوَّلَ مَن ألْقى أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ إمّا إلْقاؤُكَ أوْ كَوْنُنا أوَّلَ مَن ألْقى. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أيْ إلْقاؤُكَ أوَّلَ بِقَرِينَةِ (إمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى) وبِهِ تَتِمُّ المُقابَلَةُ لَكِنَّها مَعْنَوِيَّةٌ

طه 20:66

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا إظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِسِحْرِهِمْ وإسْعافًا لِما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ في شِقِّهِمْ حَيْثُ غَيَّرُوا النَّظْمَ إلى وجْهٍ أبْلَغَ إذْ كانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولُوا: وإمّا أنْ نُلْقِيَ ولِيُبْرِزُوا ما مَعَهم ويَسْتَفْرِغُوا جُهْدَهم ويَسْتَنْفِذُوا قُصارى وُسْعِهِمْ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ. قِيلَ: وفي ذَلِكَ أيْضًا مُقابَلَةُ أدَبٍ بِأدَبٍ، واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذا الأمْرَ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ السِّحْرِ فَحَمَلَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ عَلى الوَعِيدِ عَلى السِّحْرِ كَما يُقالُ لِلْعَبْدِ العاصِي: افْعَلْ ما أرَدْتَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ألْقُوا إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ. وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ عَدَمَ إحْقاقِهِمْ فَلا يُجْدِي التَّقْدِيرُ بِدُونِ مُلاحَظَةِ غَيْرِهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ ولا إشْكالَ فَإنَّ هَذا كالأمْرِ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِتَنْكَشِفَ. والقَوْلُ بِأنَّ تَقْدِيمَ سَماعِ الشُّبْهَةِ عَلى الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ لِجَوازِ أنْ لا يَتَفَرَّغَ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْقى مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإلْقاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَألْقَوْا فَإذا حِبالُهم إلَخْ. وهي في الحَقِيقَةِ عاطِفَةٌ لِجُمْلَةِ المُفاجَأةِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ. وإذا فُجائِيَّةٌ وهي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ حَرْفٌ وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ أبِي حَيّانِ وظَرْفُ زَمانٍ عِنْدَ الرِّياشِيِّ وهو كَذَلِكَ عِنْدَهُ أيْضًا وظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ المُبَرِّدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ ومُخْتارُ صفحة 227 أبِي حَيّانَ والعامِلُ فِيها هُنا (ألْقُوا) عِنْدَ أبِي البَقاءِ. ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ، وفي البَحْرِ إنَّما هي مَعْمُولَةٌ لِخَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ إنْ لَمْ نَجْعَلْها هي في مَوْضِعِ الخَبَرِ بَلْ جَعَلْنا الخَبَرَ جُمْلَةَ (يُخَيَّلُ) وإذا جَعَلْناها في مَوْضِعِ الخَبَرِ وجَعَلْنا الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ فالأمْرُ واضِحٌ. وهَذا نَظِيرُ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ رابِضٌ ورابِضًا. ولِصِحَّةِ وُقُوعِها خَبَرًا يُكْتَفى بِها وبِالمَرْفُوعِ بَعْدَها كَلامًا فَيُقالُ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ. ونَصَّ الأخْفَشُ في الأوْسَطِ عَلى أنَّها قَدْ يَلِيها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مَصْحُوبَةٌ بِقَدْ فَيُقالُ: خَرَجَتْ فَإذا قَدْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وفي الكَشّافِ التَّحْقِيقُ فِيها أنَّها إذا الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةٌ تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ يَكُونَ ناصِبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرَ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى: مُفاجَأةُ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مُخَيِّلَةٌ إلَيْهِ السَّعْيَ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَدَّمْنا ما فِيهِ لَكِنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلَيْهِ أوْفَقُ كَما لا يَخْفى، وعَنى بِقَوْلِهِ: هَذا تَمْثِيلُ أنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْإعْرابِ وأنَّ إذا وقْتِيَّةٌ أوْقَعَ عَلَيْها فِعْلَ المُفاجَأةِ تَوَسُّعًا لِأنَّها سَدَّتْ مَسَدَّ الفِعْلِ والمَفْعُولِ ولِأنَّ مُفاجَأةَ الوَقْتِ يَتَضَمَّنُ مُفاجَأةَ ما فِيهِ بِوَجْهٍ أبْلَغَ. وما قِيلَ: إنَّهُ أرادَ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ فَيَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ لِتَحْصِيلِها. وضَمِيرُ (إلَيْهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِفِرْعَوْنَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ وما في حَيِّزِها نائِبُ فاعِلِ ﴿يُخَيَّلُ﴾ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ بِسَبَبِ سِحْرِهِمْ سَعْيُها وكَأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّيمِياءِ وهي عِلْمٌ يُقْتَدَرُ بِهِ عَلى إراءِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ غالِبًا أنْ يَكُونَ لَها مادَّةٌ في الخارِجِ في الجُمْلَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عُمَرَ البَغْدادِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى رِسالَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابْلُسِيِّ في وحْدَةِ والوُجُودِ بِواسِطَةِ أسْماءَ وغَيْرِها. وذَكَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ أنَّ عِلْمَ السِّيمِياءِ حاصِلُهُ إحْداثُ مَثالاتٍ خَيالِيَّةٍ لا وُجُودَ لَها في الحِسِّ ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ تِلْكَ المَثالاتِ بِصُوَرِها في الحِسِّ وتَكُونُ صُوَرًا في جَوْهَرِ الهَواءِ وهي سَرِيعَةُ الزَّوالِ بِسَبَبِ سُرْعَةِ تَغَيُّرِ جَوْهَرِهِ، ولَفْظُ سِيمِياءَ مُعَرَّبُ شيم يه ومَعْناهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وما ذَكَرَهُ مِن سُرْعَةِ الزَّوالِ لا يُسَلَّمُ كُلِّيًّا وهو عِنْدِي بَعْضٌ مِن عِلْمِ السِّحْرِ. وعَرَّفَهُ البَيْضاوِيُّ بِأنَّهُ عِلْمٌ يُسْتَفادُ مِنهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِها عَلى أفْعالٍ غَرِيبَةٍ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ثُمَّ قالَ: والسِّحْرُ مِنهُ حَقِيقِيٌّ. ومِنهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ويُقالُ لَهُ: الأخْذُ بِالعُيُونِ وسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ أتَوْا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ انْتَهى، والمَشْهُورُ أنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ جَعَلُوا في الحِبالِ والعِصِيِّ زِئْبَقًا، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ واهْتَزَّتْ فَخُيِّلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَمْشِي كَشَيْءٍ فِيهِ حَياةٌ. ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآها كَأنَّها حَيّاتٌ وقَدْ أخَذَتْ مَيْلًا في مَيْلٍ، وقِيلَ: حَفَرُوا الأرْضَ وجَعَلُوا فِيها نارًا ووَضَعُوا فَوْقَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ النّارِ تَحَرَّكَتْ ومَشَتْ. وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ كِلا القَوْلَيْنِ شَيْءٌ. والظّاهِرُ أنَّ التَّخَيُّلَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَصَلَ حَقِيقَةً بِواسِطَةِ سِحْرِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ. وقِيلَ: لَمْ يَحْصُلْ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاهِدٌ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى فَيَكُونُ تَمْثِيلًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( عُصْيُهم ) بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ الرَّفْعِ وهو جَمْعٌ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ورُوحٌ وابْنُ ذَكْوانَ وغَيْرُهم ( تَخَيَّلُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وفِيهِ ضَمِيرُ الحِبالِ والعِصِيِّ. و﴿أنَّها تَسْعى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ ولا يَضُرُّ الإبْدالُ مِنهُ في كَوْنِهِ رابِطًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ساقِطًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( تَخَيَّلُ ) بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَتَخَيَّلُ وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرُ ما ذُكِرَ و(أنَّها تَسْعى) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صفحة 228 هُوَ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حُبارَةَ الهُذَلِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ الكامِلِ: عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قُرِئَ ( تُخَيِّلُ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الياءِ والضَّمِيرُ فِيهِ فاعِلٌ و( أنَّها تَسْعى ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ومَن بَنى ( تُخَيَّلُ ) لِلْمَفْعُولِ فالمُخَيِّلُ لَهم ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لِلْمِحْنَةِ والِابْتِلاءِ. ورَوى الحَسَنُ بْنُ يَمَنَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ ( نُخَيِّلُ ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى و﴿أنَّها تَسْعى﴾ مَفْعُولٌ بِهِ.

طه 20:67

﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ الإيجاسُ الإخْفاءُ والخِيفَةُ الخَوْفُ وأصْلُهُ خِوَفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَوْفَةً بِفَتْحِ الخاءِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِلتَّناسُبِ والأوَّلُ أوْلى. والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ أخْفى فِيها بَعْضَ خَوْفٍ مِن مُفاجَأةِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى طَبْعِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الأمْرِ المَهُولِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنْ يَعْرِضَ لِلنّاسِ ويَخْتَلِجَ في خَواطِرِهِمْ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في مُعْجِزَةِ العَصا لِما رَأوْا مِن عِصِيِّهِمْ. وإضْمارُ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ لِئَلّا تَقْوى نُفُوسُهم إذا ظَهَرَ لَهم فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ اتِّباعِهِمْ، وقِيلَ: التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ أخْفى فِيها خَوْفًا عَظِيمًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الصِّيغَةَ لِكَوْنِها فِعْلَةً وهي دالَّةٌ عَلى الهَيْئَةِ والحالَةِ اللّازِمَةِ تُشْعِرُ بِذَلِكَ ولِذا اخْتِيرَتْ عَلى الخَوْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ ولا يَأْباهُ الإيجاسُ، وقِيلَ: يَأْباهُ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِحالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانَ خَوْفُهُ مِمّا قالَهُ الحَسَنُ والثّانِي هو الأنْسَبُ بِحالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانَ خَوْفُهُ مِمّا قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أنْسَبُ أيْضًا بِوَصْفِ السِّحْرِ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وأيَّدَ بَعْضُهم كَوْنَ التَّنْوِينِ لِذَلِكَ بِإظْهارِ مُوسى وعَدَمِ إضْمارِهِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ لَمّا قالُوا إمّا أنْ تُلْقِيَ إلَخِ ألْقُوا يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى فَخافَ لِذَلِكَ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى لا يُغْلَبُونَ ولا يَكادُ يَصِحُّ والنَّظْمُ الكَرِيمُ يَأْباهُ. وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ

طه 20:68

﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ أيْ لا تَسْتَمِرَّ عَلى خَوْفِكَ مِمّا تَوَهَّمْتَ وادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ ما اعْتَراكَ فالنَّهْيُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: حَرِجَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ القَلْبِ ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَوْفِ وتَقْرِيرٌ لِغَلَبَتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرُ وتَعَرُّفُ الخَبَرِ ولَفْظُ العُلُوِّ المُنْبِئُ عَنِ الغَلَبَةِ الظّاهِرَةِ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الصِّيغَةَ المَذْكُورَةَ لِمُجَرَّدِ الزِّيادَةِ فَإنَّ كَوْنَها لِلْمُشارَكَةِ والزِّيادَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلسَّحَرَةِ عُلُوٌّ وغَلَبَةٌ ظاهِرَةٌ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وإثْباتُ ذَلِكَ لَهم بِالنِّسْبَةِ إلى العامَّةِ كَما قِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا مُغالَبَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهم.

طه 20:69

﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ: عَصاكَ كَما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِ ما وقَعَ وشاهَدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما أُوثِرَ الإبْهامُ تَهْوِيلًا لِأمْرِها وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها وإيذانًا بِأنَّها لَيْسَتْ مَن جِنْسِ العِصِيِّ المَعْهُودَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْآثارِ المُعْتادَةِ بَلْ خارِجَةٌ عَنْ حُدُودِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مُبْهَمَةً لَكِنَّها مُسْتَتْبِعَةٌ لِآثارٍ غَرِيبَةٍ، وعَدَمُ مُراعاةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ في مَواضِعَ أُخَرَ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ مُراعاتِها عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ انْتَهى. وحاصِلُهُ أنَّ الإبْهامَ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّ العَصا لِفَخامَةِ شَأْنِها لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العِلْمِ نَحْوَ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ووَقَعَ حِكايَةُ الأمْرِ في مَواضِعَ أُخَرَ بِالمَعْنى والواقِعُ نَفْسُهُ ما تَضَمَّنَ هَذِهِ النُّكْتَةَ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظٍ صفحة 229 عَرَبِيٍّ وإنَّما لَمْ يُعْتَبَرِ العَكْسُ لِأنَّ المُتَضَمِّنَ أوْفَقُ بِمَقامِ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَشْجِيعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ عَصاكَ لِما في اليَمِينِ مِن مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، وفِيهِ أنَّ الخِطابَ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ، وقِيلَ: الإبْهامُ لِلتَّحْقِيرِ بِأنْ يُرادَ لا تُبالِي بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وألْقِ العُوَيْدَ الَّذِي في يَدِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَلْقَفُها مَعَ وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ظُهُورُ حالِها فِيما مَرَّ مَرَّتَيْنِ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ فَعَلَتِ العَصا ما فَعَلَتْ وهي عَلى الهَيْئَةِ الأصْلِيَّةِ، وقَدْ كانَ مِنها ما كانَ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى كُلٍّ مِنَ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: الأنْسَبُ عَلى الأوَّلِ الأوَّلُ وعَلى الثّانِي الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ بِالجَزْمِ جَوابُ الأمْرِ مِن لَقِفَهُ نالَهُ بِالحَذْفِ بِاليَدِ أوْ بِالفَمِ، والمُرادُ هُنا الثّانِي والتَّأْنِيثُ بِكَوْنِ ما عِبارَةٌ عَنِ العَصا أيْ تَبْتَلِعُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ الَّتِي خُيِّلَ إلَيْكَ سَعْيُها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما صَنَعُوا لِلتَّحْقِيرِ والإيذانِ بِالتَّمْوِيهِ والتَّزْوِيرِ. وقَرَأ الأكْثَرُونَ (تَلَقَّفَ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ وإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن ( تَتَلَقَّفُ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الفِعْلَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ ألْقِ بِناءً عَلى تَسَبُّبِهِ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ مُتَلَقِّفًا أوْ مُتَلَقِّفَةً وجُمْلَةُ الأمْرِ مَعْطُوفَةٌ عَلى النَّهْيِ مُتَمِّمَةٌ بِما في حَيِّزِها لِتَعْلِيلِ مُوجِبِهِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عُلُوِّهِ وغَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ ابْتِلاعَ عَصاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِنها أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً يَقْلَعُ مادَّةَ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن مُخالَجَةِ الشَّكِّ لِلنّاسِ في مُعْجِزَةِ العَصا وإلّا لِعِلَلٍ بِما يُزِيلُهُ مِنَ الوَعْدِ بِما يُوجِبُ إيمانَهم وفِيهِ تَأمُّلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما صَنَعُوا﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى (تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) وما إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ أوْ إنَّ شَيْئًا صَنَعُوهُ أوْ إنَّ صُنْعَهم ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرْ إنَّ أيْ كَيْدُ جِنْسِ السّاحِرِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن تَنْكِيرِ المُضافِ ولَوْ عُرِفَ لَكانَ المُضافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً ولَيْسَ مُرادًا. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُ الإضافِيُّ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ وهو كالنَّكِرَةِ مَعْنًى وإنَّما الفَرْقُ بَيْنَهُما حُضُورُهُ في الذِّهْنِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِهِ فَإنَّهُ مِمّا عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ( يُخَيَّلُ ) إلَخْ وإنَّما الغَرَضُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ أنْ يُذْكَرَ أنَّهُ أمْرٌ مُمَوَّهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ وهَذا مِمّا يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ، وقِيلَ: نُكِّرَ لِيُتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَحْقِيرِ المُضافِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ إفادَةِ ذَلِكَ تَحْقِيرُ المُضافِ لا يُناسِبُ المَقامَ ولِأنَّهُ يُفِيدُ انْقِسامَ السِّحْرِ إلى حَقِيرٍ وعَظِيمٍ ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ. وأيْضًا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ إلّا أنْ يُقالَ: عِظَمُهُ مِن وجْهٍ لا يُنافِي حَقارَتَهُ في نَفْسِهِ وهو المُرادُ مِن تَحْقِيرِهِ. وقِيلَ: إنَّما نُكِّرَ لِئَلّا يَذْهَبَ الذِّهْنُ إلى أنَّ المُرادَ ساحِرٌ مَعْرُوفٌ فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ ( كَيْدَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (صَنَعُوا) وما كافَّةٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ ( سِحْرٍ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ عَلى مَعْنى ذِي سِحْرٍ أوْ عَلى تَسْمِيَةِ السّاحِرِ سِحْرًا مُبالَغَةً كَأنَّهُ لِتَوَغُّلِهِ في السِّحْرِ صارَ نَفْسَ السِّحْرِ. وقِيلَ: عَلى أنَّ الإضافَةَ لِبَيانِ أنَّ الكَيْدَ مِن جِنْسِ السِّحْرِ. وهَذِهِ الإضافَةُ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وهي عَلى مَعْنى اللّامِ عِنْدَ شارِحِ الهادِي صفحة 230 وعَلى مَعْنى مِن عَلى ما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الشَّرِيفِ في أوَّلِ شَرْحِ المِفْتاحِ وتُسَمّى إضافَةً بَيانِيَّةً. ويُحْمَلُ فِيما وُجِدَتْ فَهي المُضافُ إلَيْهِ عَلى المُضافِ. ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ وبَعْضُهم شَرَطَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ حَيْثُ كانَ وأيْنَ أقْبَلَ فَحَيْثُ ظَرْفُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّعْمِيمُ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَأْنِ العَصا وكَوْنِها مُعْجِزَةً إلَهِيَّةً مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَقْوِيَةِ التَّعْلِيلِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ قالَ لا يُؤْمِنُ حَيْثُ وُجِدَ» ). وقَرَأتْ فِرْقَةُ ( أيْنَ أتى )

طه 20:70

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فَضِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ جُمَلٍ غَنِيَّةٍ عَنِ التَّصْرِيحِ أيْ فَزالَ الخَوْفُ وألْقى ما في يَمِينِهِ وصارَتْ حَيَّةً وتَلَقَّفَتْ حِبالَهم وعِصِيَّهم وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُعْجِزٌ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى تائِبِينَ مُؤْمِنِينَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وبِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. رُوِيَ أنَّ رَئِيسَهم قالَ: كُنّا نَغْلِبُ النّاسَ وكانَتِ الآلاتُ تُبْقِي عَلَيْنا فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْنا فاسْتُدِلَّ بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ القَدِيرِ العَلِيمِ، وبِظُهُورِ ذَلِكَ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ. وكَأنَّ هاتِيكَ الحِبالَ والعِصِيَّ صارَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وانْعِدامُها بِالكُلِّيَّةِ مُمْكِنٌ عِنْدَنا، وفي التَّعْبِيرِ بِأُلْقِيَ دُونَ فَسَجَدَ إشارَةً إلى أنَّهم شاهَدُوا ما أزْعَجَهم فَلَمْ يَتَمالَكُوا حَتّى وقَعُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ، وفِيهِ إيقاظُ السّامِعِ لِإلْطافِ اللَّهِ تَعالى في نَقْلِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ مِن غايَةِ الكُفْرِ والعِنادِ إلى نِهايَةِ الإيمانِ والسَّدادِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ والتَّناسُبِ، والمُرادُ أنَّهم أسْرَعُوا إلى السُّجُودِ، قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهم مِنَ السُّجُودِ حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ والثَّوابَ والعِقابَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ المُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ. واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ القاضِي بِأنَّهُ كالإلْجاءِ إلى الإيمانِ وأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَيْثُ كانَ الإيمانُ مُقَدَّمًا عَلى هَذا الكَشْفِ فَلا مُنافاةَ ولا إلْجاءَ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ لا يُنافِيهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ إلَخْ لِأنَّ كَوْنَ تِلْكَ المَنازِلِ مَنازِلَهم بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ عَنْهم. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ تَأْخِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ حِكايَةِ كَلامِهِمُ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ المُقَدَّمِ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أشْرَفُ مِن هارُونَ، والدَّعْوَةُ والرِّسالَةُ إنَّما هي لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ وظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامُهم بِهَذا التَّرْتِيبِ وقَدَّمُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أكْبَرُ سَنًّا، وقَوْلُ السَّيِّدِ في شَرْحِ المِفْتاحِ: إنَّ مُوسى أكْبَرُ مِن هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَهْوٌ. وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّوَهُّمِ الباطِلِ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حَيْثُ كانَ فِرْعَوْنُ رَبّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَوْ قَدَّمُوا مُوسى لَرُبَّما تَوَهَّمَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ وتَقْدِيمُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ تَقْدِيمٌ في الحِكايَةِ لِتِلْكَ النُّكْتَةِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ما هُنا قَوْلَ طائِفَةٍ مِنهم وما هُناكَ قَوْلَ أُخْرى وراعى كُلَّ نُكْتَةٍ فِيما فَعَلَ لَكِنَّهُ لَمّا اشْتَرَكَ القَوْلُ في المَعْنى صَحَّ نِسْبَةُ كُلٍّ مِنهُما إلى الجَمِيعِ. واخْتِيارُ هَذا القَوْلِ هُنا لِأنَّهُ أوْفَقُ بِآياتِ هَذِهِ السُّورَةِ.

طه 20:71

صفحة 231 ﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ أيْ لِمُوسى كَما هو الظّاهِرُ. والإيمانُ في الأصْلِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ثُمَّ شاعَ تَعَدِّيهِ بِالباءِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْدِيقِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وإنَّما عُدِّيَ هُنا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِانْقِيادِ وهو يُعَدّى بِها يُقالُ: انْقادَ لَهُ لا الِاتِّباعَ كَما قِيلَ: لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ يُقالُ: اتَّبَعَهُ ولا يُقالُ: اتَّبَعَ لَهُ، وفي البَحْرِ إنَّ آمَنَ يُوصَلُ بِالباءِ إذا كانَ مُتَعَلِّقُهُ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ وبِاللّامِ إنْ كانَ مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَهُ تَعالى في الأكْثَرِ نَحْوَ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فَما آمَنَ لِمُوسى إلَخْ. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَعْلِيلِيَّةً والتَّقْدِيرُ آمَنتُمْ بِاللَّهِ تَعالى لِأجْلِ مُوسى وما شاهَدَتْهم مِنهُ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا تَفْكِيكَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( لَهُ ) لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ تَفْكِيكٌ ظاهِرٌ. وقَرَأ الأكْثَرُ ( أآمَنتُمْ ) عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ. والتَّوْبِيخُ هو المُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا لا فائِدَةُ الخَبَرِ أوْ لازِمُها ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ إذْنِي لَكم في الإيمانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لا إنَّ إذْنَهُ لَهم في ذَلِكَ واقِعٌ بَعْدُ أوْ مُتَوَقَّعٌ، وفَرَّقَ الطَّبَرَسِيُّ بَيْنَ الإذْنِ والأمْرِ بِأنَّ الأمْرَ يَدُلُّ عَلى إرادَةِ الآمِرِ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ ولَيْسَ في الإذْنِ ذَلِكَ (إنَّهُ) يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ لَعَظِيمُكم في فَنِّكم وأعْلَمُكم بِهِ وأُسْتاذُكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ كَأنَّ اللَّعِينَ وبَّخَهم أوَّلًا عَلى إيمانِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ إذْنِهِ لَهم لِيَرى قَوْمُهُ أنَّ إيمانَهم غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ حَيْثُ كانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أنْ يَقُولُوا: أيُّ حاجَةٍ إلى الإذْنِ بَعْدَ أنْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا وصَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما صَدَرَ فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إنَّهُ) إلَخْ أيْ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ أيْضًا لِأنَّهُ أُسْتاذُكم في السِّحْرِ فَتَواطَأْتُمْ مَعَهُ عَلى ما وقَعَ أوْ عَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَلِذَلِكَ غَلَبَكم فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هي تَعْلِيلٌ لِلْمَذْكُورِ قَبْلُ. وبِالجُمْلَةِ قالَ ذَلِكَ لِما اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِنِ اقْتِداءِ النّاسِ بِالسَّحَرَةِ في الإيمانِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ المُؤَكَّدِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأُقْسِمُ لَأُقَطِّعَنَّ ﴿أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ: اليَدُ اليُمْنى والرِّجْلُ اليُسْرى وعَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ وهو تَخْصِيصٌ مِن خارِجٍ وإلّا فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ غَيْرُ ذَلِكَ. (ومِن) ابْتِدائِيَّةٌ. وقالَ الطَّبَرَسِيُّ: بِمَعْنى عَنْ أوْ عَلى ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والمُرادُ مِنَ الخِلافِ الجانِبُ المُخالِفُ أوِ الجِهَةُ المُخالِفَةُ. والجارُّ والمَجْرُورُ حَسْبَما يَظْهَرُ مُتَعَلِّقٌ بِأُقَطِّعَنَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْطِيعَ مُبْتَدَأٍ مِن جانِبٍ مُخالِفٍ أوْ مِن جِهَةٍ مُخالِفَةٍ، وابْتِداءُ التَّقْطِيعِ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الخِلافُ عَلى حَقِيقَتِهِ أعْنِي المُخالَفَةَ وجَعْلَهُ مُبْتَدَأً عَلى التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ عارِضٌ ما هو مَبْدَأُ حَقِيقَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجارَّ والمَجْرُورَ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، والمُرادُ لَأُقَطِّعَنَّها مُخْتَلِفاتٍ فَتَأمَّلْ، وتَعْيِينُ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ قِيلَ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الأمْرِ وإيقاعِهِ لا مَحالَةَ بِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ المَعْهُودَةِ في بابِ السِّياسَةِ. ولَعَلَّ اخْتِيارَها فِيها دُونَ القَطْعِ مِن وِفاقٍ لِأنَّ فِيهِ إهْلاكًا وتَفْوِيتًا لِلْمَنفَعَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها أفْظَعُ ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أيْ: عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ في لِلدَّلالَةِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلَيْها زَمانًا مَدِيدًا تَشْبِيهًا لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها بِاسْتِقْرارِ الظَّرْفِ في المَظْرُوفِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا صفحة 232 وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، وقِيلَ: لا اسْتِعارَةَ أصْلًا لِأنَّ فِرْعَوْنَ نَقَرَ جُذُوعَ النَّخْلِ وصَلَبَهم في داخِلِها لِيَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا ولا يَكادُ يَصِحُّ بَلْ في أصْلِ الصَّلْبِ كَلامٌ. فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ وصَلَبَهم وهو أوَّلُ مَن صَلَبَ. ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ لِأنَّ المُرادَ الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ. وقالَ الإمامُ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في الأخْبارِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ السَّلامَةُ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ يُرِيدُ مِن- نا- نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ بِناءً عَلى الظّاهِرِ فِيهِ. واخْتارَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ وهَذا إمّا لِقَصْدِ تَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والهَزْءُ بِهِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، وإمّا لِأنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ بِزَعْمِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ المُعْجِزَةِ ومُعايَنَةِ البُرْهانِ بَلْ كانَ عَنْ خَوْفٍ مِن قِبَلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ رَأوُا ابْتِلاعَ عَصاهُ لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أيْضًا. واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ مِنَ الغَيْرِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ رَبُّ مُوسى عَزَّ وجَلَّ الَّذِي آمَنُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ . ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ هُنا مُعَلَّقٌ و﴿أيُّنا أشَدُّ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ سادَةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ إنْ كانَ العِلْمُ عَلى بابِهِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ لَهُ إنْ كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّنا﴾ مَفْعُولًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ (وأشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أشَدُّ. والجُمْلَةُ صِلَةُ (أيُّ) والعائِدُ الصَّدْرُ، ﴿وعَذابًا﴾ تَمْيِيزٌ. وقَدِ اسْتَغْنى بِذِكْرِهِ مَعَ ﴿أشَدُّ﴾ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ ﴿أبْقى﴾ وهو مُرادٌ أيْضًا. واشْتِقاقُ أبْقى مِنَ البَقاءِ بِمَعْنى الدَّوامِ. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ- واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- أنْ يَكُونَ مِنَ البَقاءِ بِمَعْنى العَطاءِ فَإنَّ اللَّعِينَ كانَ يُعْطِي لِمَن يَرْضاهُ العَطايا فَيَكُونُ لِلْآيَةِ شَبَهٌ بِقَوْلِ نُمْرُوذَ ( أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ) وهو في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ اللَّعِينَ في غايَةِ الوَقاحَةِ ونِهايَةِ الجَلادَةِ حَيْثُ أوْعَدَ وهَدَّدَ وأبْرَقَ وأرْعَدَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِما شاهَدَ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وما لَها مِنَ الآثارِ الهائِلَةِ حَتّى إنَّها قَصَدَتِ ابْتِلاعَ قُبَّتِهِ فاسْتَغاثَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يَبْعُدُ نَحْوُ ذَلِكَ مِن فاجِرٍ طاغٍ مِثْلِهِ

طه 20:72

﴿قالُوا﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَعِيدِهِ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ بِالإيمانِ والِانْقِيادِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ العَصا. وإنَّما جَعَلُوا المَجِيءَ إلَيْهِمْ وإنَّ عَمَّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ والعارِفُونَ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مِن غَيْرِ تَقْلِيدٍ. وما مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في جاءَ. وقِيلَ العائِدُ مَحْذُوفٌ وضَمِيرُ ﴿جاءَنا﴾ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ عَلى الَّذِينَ جاءَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ. وإنْ كانَ صَنِيعُ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَهُ مَعَ أنَّ في صِحَّةِ حَذْفِ مِثْلِ هَذا المَجْرُورِ كَلامًا. ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: أبْدَعَنا وأوْجَدَنا وسائِرَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ. وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ وتَأْخِيرُهُ لِأنَّ ما في ضِمْنِهِ آيَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وما شاهَدُوهُ آيَةٌ حِسِّيَّةٌ ظاهِرَةٌ. وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الفاطِرِيَّةِ لَهم لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ إبْداعَهُ تَعالى لَهُمْ، وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مُبْدِعاتِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْعَيْنِ في دَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ وحَقُّ الَّذِي فَطَرَنا لَنْ نُؤْثِرَكَ إلَخْ. ولا مَساغَ لِكَوْنِ المَذْكُورِ جَوابًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ صفحة 233 الجَوابِ أيْضًا لِما أنَّ القَسَمَ لِإيجابٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: بِلَنْ إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ. وقَوْلُهم: هَذا جَوابٌ لِتَوْبِيخِ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ: آمَنتُمْ إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: لَأُقَطِّعَنَّ إلَخْ أيْ فاصْنَعْ ما أنْتَ بِصَدَدِ صُنْعِهِ أوْ فاحْكم بِما أنْتَ بِصَدَدِ الحُكْمِ بِهِ فالقَضاءُ إمّا بِمَعْنى الإيجادِ الإبْداعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وإمّا بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ حَقِيقَتَهُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ مِن جَوازِ وصْلِ المَصْدَرِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُسْتَفادِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالقَضاءِ، وما كافَّةٌ و﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ مَنصُوبٌ مَحَلًّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ ﴿تَقْضِي﴾ والقَضاءُ عَلى ما مَرَّ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا فَحَسْبُ، وما لَنا مِن رَغْبَةٍ في عَذْبِها ولا رَهْبَةٍ مِن عَذابِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَهي وما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَنْزِلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حَذْفَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( إنَّما تُقْضى ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ( هَذِهِ الحَياةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ ثُمَّ بَنى الفِعْلَ لَهُ نَحْوَ صِيمَ يَوْمُ الخَمِيسِ

طه 20:73

﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْناها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ولا يُؤاخِذُنا بِها في الدّارِ الآخِرَةِ لا لِيُمَتِّعُنا بِتِلْكَ الحَياةِ الفانِيَةِ حَتّى نَتَأثَّرَ بِما أوْعَدْتَنا بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى (خَطايانا) أيْ ويَغْفِرُ لَنا السِّحْرَ الَّذِي عُلِّمْناهُ في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإكْراهِكَ وحَشْرِكَ إيّانا مِنَ المَدائِنِ القاصِيَةِ خَصُّوهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في خَطاياهم إظْهارًا لِغايَةِ نُفْرَتِهِمْ عَنْهُ ورَغْبَتِهم في مَغْفِرَتِهِ، وذِكْرِ الإكْراهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ صُدُورِهِ عَنْهم بِالإكْراهِ، وفِيهِ نَوْعُ اعْتِذارٍ لِاسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ رُؤَساءَهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ اثْنانِ مِنهم مَنِ القِبْطِ والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ فِرْعَوْنُ أكْرَهَهم عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَذَ فِرْعَوْنُ أرْبَعِينَ غُلامًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرَ أنْ يَتَعَلَّمُوا السِّحْرَ وقالَ: عَلِّمُوهم تَعْلِيمًا لا يَغْلِبُهم أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ وهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانِ النّاسِ ويَجْبُرُهم عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ فَإنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ أوْ تَجَلُّدًا كَما أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ قَبْلَهُ كَما قِيلَ: وزَعَمَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّ مُجَرَّدَ أمْرِ السُّلْطانِ شَخْصًا إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَتَوَعَّدْهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ كَما في عامَّةِ كُتُبِهِمْ لِما في مُخالَفَةِ أمْرِهِ مِن تَوَقُّعِ المَكْرُوهِ لا سِيَّما إذا كانَ السُّلْطانُ جَبّارًا طاغِيَةً ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ تَعالى ﴿وأبْقى﴾ أيْ وأدُومُ جَزاءً ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا أوْ خَيْرٌ ثَوابًا صفحة 234 وأبْقى عَذابًا.

طه 20:74

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ إلى آخِرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ خَيْرٌ وأبْقى وتَحْقِيقٌ لَهُ وإبْطالٌ لِما ادَّعاهُ اللَّعِينُ، وتَصْدِيرُهُما بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِهِما ولِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ لَهُ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ. هَذا أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَنْتَهِي عَذابُهُ وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ عَذابِهِ تَعالى أبْقى ﴿ولا يَحْيا﴾ حَياةً يَنْتَفِعُ بِها

طه 20:75

﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدْناهُ ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) والجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ أيْ فَأُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ لِلْأعْمالِ الصّالِحاتِ ﴿لَهُمُ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ ذَلِكَ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ

طه 20:76

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى أوْ بَيانٌ وقَدْ تَقَدَّمَ في عَدْنٍ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ حالٌ مِنَ الجَنّاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ ثَوابِهِ تَعالى أبْقى وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ أوْ ما في أُولَئِكَ مِن مَعْنى أُشِيرُ والحالُ مُقَدَّرَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَنّاتُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ لِخُلُوِّ الكَلامِ حِينَئِذٍ عَنْ عامِلٍ في الحالِ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ (وذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما أُتِيحَ لَهم مِنَ الفَوْزِ بِما ذُكِرَ ومَعْنى البُعْدِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قُرْبٍ مِنَ التَّفْخِيمِ ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَتْهُ الشَّرْطِيَّةُ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ حالِ المُجْرِمِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أشَدِّيَّةِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ودَوامِهِ رَدًّا عَلى ما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ إلى هُنا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ جَلَّ وعَلا تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ والأوَّلُ أوْلى خِلافًا لِما حَسِبَهُ النَّيْسابُورِيُّ. هَذا واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَلى القَطْعِ بِعَذابِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ قالُوا: مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ لِأنَّ أصْلَ الجُرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عَنِ الشَّجَرَةِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِاكْتِسابِ المَكْرُوهِ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِلْآيَةِ، فَإنَّ مَنِ الشَّرْطِيَّةَ فِيها عامَّةٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَيَنْتِجُ مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ أنَّ لَهُ جَهَنَّمَ وهو دالٌّ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ. وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الصُّغْرى لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ فَكَثِيرًا ما جاءَ في القُرْآنِ بِذَلِكَ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ لا نُسَلِّمُ الكُبْرى عَلى إطْلاقِها وإنَّما هي كُلِّيَّةٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ مَعَ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَنِ الشَّرْطِيَّةَ قَطْعِيَّةٌ في العُمُومِ كَما قالَ الإمامُ وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ القَطْعُ بِالوَعِيدِ مُطْلَقًا، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ المُقَدَّمَتَيْنِ يُقالُ يُعارِضُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عُمُومُ الوَعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا إلَخْ ويَجْعَلُ الكَلامَ فِيمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ وارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ صفحة 235 وهُوَ داخِلٌ في عُمُومِ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ) ولا يُخْرِجُهُ عَنِ العُمُومِ ارْتِكابُهُ الكَبِيرَةَ ومَتى كانَتْ لَهُ الجَنَّةُ فَهي لِمَن آمَنَ وارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ ولَمْ يَعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ أيْضًا إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإذا قالُوا: مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ لا يُقالُ لَهُ مُؤْمِنٌ كَما لا يُقالُ كافِرٌ لِإثْباتِهِمُ المُنَزَّلَةَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ فَلا يَدْخُلُ ذَلِكَ في العُمُومِ، أبْطَلْنا ذَلِكَ وبَرْهَنّا عَلى حَصْرِ المُكَلَّفِ في المُؤْمِنِ والكافِرِ ونَفْيِ المَنزِلَةِ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ. وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا) إلَخْ لا يَعْمُّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى وجَنّاتِ عَدْنٍ لِمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الغَيْرِ العالِيَةِ والجَنّاتِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ وما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ. ولَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( «إنَّ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلى لَيَراهم مَن تَحْتَهم كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّما، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم وأنْعَما» ).، واسْتُدِلَّ عَلى شُمُولِ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا) صاحِبَ الكَبِيرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِمَن تَزَكّى مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَأنَّهُ أرادَ مَن تَطَهَّرَ عَنْ دَنَسِ الكُفْرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّ العاصِيَ إذا دَخَلَ جَهَنَّمَ لا يَكُونُ حالُهُ كَحالِ المُجْرِمِ الكافِرِ إذا دَخَلَها بَلْ قِيلَ: إنَّهُ يَمُوتُ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ( أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ (إنَّهُ مَن يَأْتِ) إلَخْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا أهْلُها- يَعْنِي جَهَنَّمَ- الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وأمّا الَّذِينَ لَيْسُوا بِأهْلِها فَإنَّ النّارَ تُمِيتُهم إماتَةً ثُمَّ يَقُومُ الشُّفَعاءُ فَيَشْفَعُونَ فَيُؤْتى بِهِمْ ضَبائِرَ عَلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ الحَياةُ أوِ الحَيَوانُ فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ القِثّاءُ بِحَمِيلِ السَّيْلِ ). وحَمَلَ ذَلِكَ القائِلُ تُمِيتُهم فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ وجَعَلَ المَصْدَرَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾، وذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى حِرْمانَهم مِنَ الجَنَّةِ تِلْكَ المُدَّةَ وذَلِكَ مُنْضَمٌّ إلى عَذابِهِمْ بِإحْراقِ النّارِ إيّاهم. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ تُمِيتُهم مَجازٌ والمُرادُ أنَّها تَجْعَلُ حالَهم قَرِيبَةً مِن حالِ المَوْتى بِأنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ تامٌّ بِالعَذابِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّ ذِكْرَ المَصْدَرِ يُنافِي التَّجَوُّزَ فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَتَلْتُ زَيْدًا بِالعَصا قَتْلًا والمُرادُ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا شَدِيدًا ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: المَصْدَرُ لِبَيانِ النَّوْعِ أيْ تُمِيتُهم نَوْعًا مِنَ الإماتَةِ لِأنَّ الإماتَةَ لا أنْواعَ لَها بَلْ هي نَوْعٌ واحِدٌ وهو إزْهاقُ الرُّوحِ ولِهَذا قِيلَ: ومَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدُ واسْتَدَلَّ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ عَلى ثُبُوتِ مَكانٍ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن إتْيانِهِ تَعالى إتْيانُ مَوْضِعِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ

طه 20:77

﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقَدْ طُوِيَ في البَيْنِ ذِكْرُ ما جَرى عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ غُلِبَتِ السَّحَرَةُ مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ فِرْعَوْنُ كُلَّما جاءَتْ آيَةُ وعْدٍ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ حَتّى إذا انْكَشَفَ نَكَثَ، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. وأنْ إمّا مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ صفحة 236 بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى لِإظْهارِ الرَّحْمَةِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ قُبْحِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم وهم عِبادُهُ عَزَّ وجَلَّ، وفَعَلَ بِهِمْ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ ما فَعَلَ ولَمْ يُراقِبْ فِيهِمْ مَوْلاهُمُ الحَقِيقِيَّ جَلَّ جَلالُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ بِما ذُكِرَ وكَذا ما بَعْدَهُ كانَ بِمِصْرَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ سِرْ بِعِبادِي الَّذِينَ أرْسَلْتُكَ لِإنْقاذِهِمْ مِن مُلْكَةِ فِرْعَوْنَ مِن مِصْرَ لَيْلًا ﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ بِعَصاكَ ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِاضْرِبْ عَلى الِاتِّساعِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والأصْلُ اضْرِبِ البَحْرَ لِيَصِيرَ لَهم طَرِيقًا ﴿يَبَسًا﴾ أيْ يابِسًا وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ وصْفًا لِطَرِيقًا مُبالَغَةً وهو يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يَبْسًا ) بِسُكُونِ الباءِ وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا أيْضًا أوْ صِفَةً مُشَبَّهَةً كَصَعْبٍ أوْ جَمْعُ يابِسٍ كَصَحْبٍ وصاحِبٍ. ووَصْفُ الواحِدِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الطَّرِيقَ لِفَرْطِ يُبْسِها كَأشْياءَ يابِسَةٍ كَما قِيلَ في قَوْلِ القُطامِيِّ: كَأنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّتْ حَوالِبَ غُرَّزًا ومِعًى جِياعًا أنَّهُ جَعَلَ المِعى لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةٍ جِياعٍ أوْ قَدَّرَ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الطَّرِيقِ طَرِيقًا يابِسًا كَما قِيلَ في ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ وثَوْبٍ أخْلاقٍ أوْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الجِنْسُ وكانَ مُتَعَدِّدًا حَسَبَ تَعَدُّدِ الأسْباطِ لا طَرِيقٌ واحِدَةٌ عَلى الصَّحِيحِ جاءَ وصْفُهُ جَمْعًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ هُنا بَيْنَ اليَبَسِ بِالتَّحْرِيكِ واليُبْسِ بِالتَّسْكِينِ مَعْنًى لِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وإنْ كانَتْ إحْداهُما شاذَّةً، وفي القامُوسِ اليُبْسُ بِالإسْكانِ ما كانَ أصْلُهُ رَطْبًا فَجَفَّ وما أصْلُهُ اليُبُوسَةُ ولَمْ يُعْهَدْ رَطْبًا يَبَسٌ بِالتَّحْرِيكِ، وأمّا طَرِيقُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ فَإنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ طَرِيقًا لا رَطْبًا ولا يابِسًا إنَّما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم حِينَئِذٍ مَخْلُوقًا عَلى ذَلِكَ ا هـ. وهَذا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ اليُبْسَ بِالتَّحْرِيكِ ما كانَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَذَهَبَتْ، والمَكانُ إذا كانَ فِيهِ ماءٌ فَذَهَبَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ البَحْرَ وانْفَلَقَ حَتّى صارَتْ فِيهِ طُرُقٌ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحَ الصَّبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الضَّرْبَ بِمَعْنى الجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ أوْ بِمَعْنى الِاتِّخاذِ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما (طَرِيقًا) وثانِيهِما (لَهُمْ) . واخْتارَ أبُو حَيّانَ بَقاءَهُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ (طَرِيقًا) عَلى هَذا الوَجْهِ مَفْعُولٌ فِيهِ، وقالَ: التَّقْدِيرُ (فاضْرِبْ لَهُمْ) مَوْضِعَ طَرِيقٍ ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (فاضْرِبْ) أوِ الصِّفَةِ الأُخْرى لَطَرِيقًا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيها أوْ هو اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أعْنِي ( أسْرِ )، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَهْيٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ( دَرْكًا ) بِسُكُونِ الرّاءِ وهو اسْمٌ مِنَ الإدْراكِ أيِ اللُّحُوقِ كالدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ، وقالَ الرّاغِبُ: الدَّرْكُ بِالتَّحْرِيكِ في الآيَةِ ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن تَبِعَةٍ أيْ لا تَخافُ تَبِعَةً، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مِن خَلْفِكم ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْ يُغْرِقَكُمُ البَحْرُ مِن قُدّامِكم وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافُ﴾، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ أيْ وأنْتَ لا تَخْشى، وقِيلَ: صفحة 237 عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ والألِفُ جِيءَ بِها لِلْإطْلاقِ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾، ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أوْ هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ كَما في قَوْلِهِ: إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ وهَذا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ وضَرُورَةٌ عِنْدِ آخَرِينَ فَلا يَجُوزُ تَخْرِيجُ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ عَلَيْهِ أوْ لا يَلِيقُ مَعَ وُجُودِ مِثْلِ الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ أوِ الأوَّلِ مِنهُما. والخَشْيَةُ أعْظَمُ الخَوْفِ وكَأنَّهُ إنَّما اخْتِيرَتْ هُنا لِأنَّ الغَرَقَ أعْظَمُ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ لِما أنَّ ذاكَ مَظِنَّةُ السَّلامَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم إنَّما ذَكَرُوا أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى خَوْفِهِمْ مِنهُ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولِذا سُورِعَ في إزاحَتِهِ بِتَقْدِيمِ نَفْيِهِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

طه 20:78

﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أيْ تَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ عَلى أنَّ أتْبَعَ بِمَعْنى تَبِعَ وهو مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وقُرِئَ أيْضًا (فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ)، وقِيلَ: أتْبَعَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( أتْبَعْناهم ذُرِيّاتِهِمْ ) والثّانِي مُقَدَّرٌ أيْ فَأتْبَعَهم رُؤَساءُ دَوْلَتِهِ أوْ عِقابُهُ، وقِيلَ: نَفْسُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ جُنُودُهُ والباءُ سَيْفٌ خَطِيبٌ أيْ أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ وساقَهم خَلْفَهم فَكانَ مَعَهم يَحُثُّهم عَلى اللُّحُوقِ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي جُنُودَهُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ قَدْ تَعَدّى الفِعْلُ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِالحَرْفِ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ وإيذانًا بِكَمالِ مُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإسْراءِ بِعِبادِي وضَرْبِ الطَّرِيقِ لَهم فاتَّبَعَهُ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإيحاءَ بِالضَّرْبِ كانَ بَعْدَ أنِ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ وتَراءى الجَمْعانِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِهِمْ أوَّلَ اللَّيْلِ يُرِيدُ القَلْزُمَ وكانُوا قَدِ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ ونَيِّفًا لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم خَرَجُوا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا وأخْرَجُوا مَعَهم جَسَدَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ ودَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِهِ، فَقالَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فاتَّصَلَ الخَبَرُ بِفِرْعَوْنَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ وخَرَجَ بِهِمْ وكانَ في خَيْلِهِ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، وكانَتْ مُقَدِّمَتُهُ فِيما يُحْكى سَبْعَمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ، وقِيلَ: ألْفَ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةِ ألْفٍ فَقَصَّ أثَرَهم حَتّى تَراءى الجَمْعانِ، فَعَظُمَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ فَضَرَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَدَخَلُوا ووَصَلَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ إلى المَدْخَلِ فَرَأوُا البَحْرَ مُنْفَلِقًا، فاسْتَعْظَمُوا الأمْرَ فَقالَ فِرْعَوْنُ لَهم: إنَّما انْفَلَقَ مِن هَيْبَتِي فَدَخَلَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ حَجَرٍ وصاحَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانُوا ثَلاثَةً وثَلاثِينَ مَلَكًا: أنِ ادْخُلُوا فَدَخَلُوا حَتّى إذا اسْتَكْمَلُوا دُخُولًا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَن مَعَهُ مِنَ الأسْباطِ سالِمِينَ ولَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ عَلاهم مِنهُ وغَمَرَهم ما غَمَرَهم مِنَ الأمْرِ الهائِلِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ. صفحة 238 وقِيلَ: غَشِيَهم ما سَمِعْتَ قِصَّتَهُ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ مَدارَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ خُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الفَهْمِ والوَصْفِ لا سَماعِ القِصَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ لِفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، وقِيلَ: لِجُنُودِهِ فَقَطْ لِلْقُرْبِ ولِأنَّهُ أُلْقِيَ بِالسّاحِلِ ولَمْ يَتَغَطَّ بِالبَحْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ أنَّ الإنْجاءَ بَعْدَ ما غَشِيَهُ ما غَشِيَ جُنُودَهُ وشَكَّ بَنُو إسْرائِيلَ في هَلاكِهِ والقُرْبِ لَيْسَ بِداعٍ قَوِيٍّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ والثّانِي لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَنَجا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ انْتَهى ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الأعْمَشُ ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) أيْ غَطّاهم ما غَطّاهم فالفاعِلُ ما أيْضًا وتَرْكُ المَفْعُولِ زِيادَةٌ في الإبْهامِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ ﴿مِنَ اليَمِّ﴾ أيْ: بَعْضَ اليَمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وما مَفْعُولٌ وقِيلَ: هو ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَهم لِلْهَلَكَةِ، ويُبْعِدُهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى

طه 20:79

﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ سَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكًا أدّاهم إلى الخُسْرانِ في الدِّينِ والدُّنْيا مَعًا حَيْثُ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴿وما هَدى﴾ أيْ وما أرْشَدَهم إلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ التَّهَكُّمُ بِهِ كَما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّهَكُّمَ أنْ يُؤْتى بِما قُصِدَ بِهِ ضِدُّهُ اسْتِعارَةٌ ونَحْوُها نَحْوَ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ إذا كانَ الغَرَضُ الوَصْفَ بِضِدِّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وكَوْنُهُ لَمْ يُهْدَ إخْبارٌ عَمّا هو كَذَلِكَ في الواقِعِ. وأُجِيبُ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ العُرْفَ في مِثْلِ: ما هَدى زَيْدٌ عَمْرًا ثُبُوتُ كَوْنِ زِيدٍ عالِمًا بِطَرِيقِ الهِدايَةِ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِ عَمْرًا، وفِرْعَوْنُ أضَلُّ الضّالِّينَ في نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يَهْدِي غَيْرَهُ، ويُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كافِيَةٌ في الإخْبارِ عَنْ عَدَمِ هِدايَتِهِ إيّاهم بَلْ مَعَ زِيادَةِ إضْلالِهِ إيّاهُمْ، فَإنَّ مَن لا يَهْدِي قَدْ لا يَضِلُّ وإذا تَحَقَّقَ إغْناؤُها في الإخْبارِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ تَعَيَّنَ كَوْنُ الثّانِيَةِ بِمَعْنى سِواهُ وهو التَّهَكُّمُ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: تَوْضِيحُ مَعْنى التَّهَكُّمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وما هَدى﴾ مِن بابِ التَّلْمِيحِ وهو إشارَةٌ إلى ادِّعاءِ اللَّعِينِ إرْشادَ القَوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ فَهو كَمَنِ ادَّعى دَعْوى وبالَغَ فِيها فَإذا حانَ وقْتُها ولَمْ يَأْتِ بِها قِيلَ لَهُ لَمْ تَأْتِ بِما ادَّعَيْتَ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً انْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ المُغايِرَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وأنَّهُ لا تَكْرِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ وما هَداهم في وقْتٍ ما ويَحْصُلُ بِذَلِكَ المُغايَرَةُ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى عَلى هَذا العُمُومِ والأوَّلُ أُولى، وقِيلَ: هَدى بِمَعْنى اهْتَدى أيْ أضَلَّهم وما اهْتَدى في نَفْسِهِ وفِيهِ بُعْدٌ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الإضْلالَ والهِدايَةَ عَلى ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِيِّ مِنهُما، ويَأْباهُ مَقامُ بَيانِ سَوْقِهِ بِجُنُودِهِ إلى مَساقِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ، وجَعْلُهُما عِبارَةٌ عَنِ الإضْلالِ في البَحْرِ والإنْجاءِ مِنهُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ الطَّبْعُ المُسْتَقِيمُ. واحْتَجَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ ذَمَّ فِيها فِرْعَوْنَ بِإضْلالِهِ ومَن ذَمَّ أحَدًا بِشَيْءٍ يُذَمُّ إذا فَعَلَهُ. وأُجِيبُ بِمَنعِ اطِّرادِ ذَلِكَ.